 دراسات وبحوث

الاعتقاد القاتل وغياب الضمير (1)

كثيراً ما يجول في الذهن تساؤل عما يحدث من علة القتل الجماعي الوحشي الذي نشاهده والذي لا يفرق بين الصغير والكبير والمرأة والرجل، سوى الهوية.. ما الذي يدعو المسلم الى ان يضحي بنفسه من اجل حصد اكبر عدد ممكن من ارواح المسلمين وغيرهم من الابرياء بحجة الكفر والشرك وعدم الايمان وما اليها من دواعي دينية؟ فلا يعنينا هنا سائر ما يرتبط بها من دواعي سياسية او غيرها؟.. فهل يجد هذا القاتل اصلاً دينياً لما يقوم به؟ وبالاحرى هل يجد الآمر والمفتي بالقتل ما يبرر له جريمة قتله في تحريضه على القتل الاعتقادي؟ فما يعنينا هو الجانب المعرفي وتبرير هذه الجريمة النكراء بالحجة والدليل.

فكثيراً ما يجاب على ذلك بالرجوع الى بعض الايات والاحاديث من قبيل: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة\193).. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)) (التوبة\5).. الخ.

فالدليل الذي يستند اليه المفتي القاتل هو دليل بياني نصي. فهو من النوع الذي يمارسه ويستدل به الفقهاء، لكن مع وجود فارق عظيم.. فالقاتل اليوم لا يمارس البحث الفقهي، وهو البحث الذي يترصد الدلالات المتعارضة ليقيم فيما بينها شيئاً من التوازن والترجيح فينتهي الى النتيجة التي يظن بان النصوص دالة عليها، انما يمارس هذا القاتل نوعاً من الانتقاء الدلالي، وما اسهل ما يجده في النصوص؛ سواء في الحديث او القرآن.. فهو لا يهتم بالادلة المتعارضة، انما يكفيه الدليل من النوع الخاص ليلتزم به عن قطع ويقين.

وقد يقال لماذا نجد هذا الاعتقاد دونما نجد ما يقابله من الاعتقاد المسالم،  وبالاسلوب والطريقة ذاتها؟

الجواب هو ان واقعنا يشهد كلا الاعتقادين معاً وبنفس الطريقة من الاستدلال الانتقائي، لكننا نغض الطرف عن الاعتقاد المسالم، وكثيراً ما نمجده ونؤيده، فيما نعاني من الاعتقاد القاتل باعتباره  مدمراً، والا فكلاهما يجد حجته في القرآن والحديث.

وقد يكفي الاعتقاد القاتل يقيناً ما يجده في القرآن من الدلالات الواضحة الخاصة بقتل المشركين، وهو يعمم ذلك احياناً على قتل غير المؤمنين وان كانوا ضمن المذهب الواحد، لكن مبررات هذا الاعتقاد كثيراً ما تعول على التكفير والشرك، وان من يقوم بقتلهم تنطبق عليهم هذه الصفة، فهم يعبدون الاوثان والاصنام من قبور الائمة والصالحين. فاول مقاربة يجدها القاتل هي التشابه الحاصل بين ما يقوم به المشركون وما يقوم به الكثير من المسلمين اليوم، وهو التوجه الى غير الله في العبادة وقضاء الحاجات. وعادة ما يلجأ في هذا الدليل الى ما طرحه ابن تيمية من عقيدة ملزمة يكفر او يضلل من يخالفها، وعلى رأسها عقيدة التوحيد وتقسيمه الى توحيد الالوهية والربوبية..

ونعتقد ان هناك مناخاً نفسياً يساعد على فعل التكفير والقتل، وايضاً انه يتخذ ذريعة معرفية لهذا الفعل وفقاً لبعض الاستنتاجات.. وقد يكون هو اشد تأثيراً من الصياغة المعرفية المؤدية الى التكفير ذاته.. بمعنى ان القاتل يبرر فعل الجريمة بطرح معرفي، وان كانت دوافع القتل الحقيقية تعود الى الكره والحقد  النفسي، ومبرراتها متعلقة بالموقف من صحابة النبي الاكرم وامهات المؤمنين كالذي يشهده عصرنا المضطرب اليوم.

فالمشكلة الاساسية لاهل السنة مع الشيعة تتعلق بهذه القضية دون غيرها في الغالب. اذ لا تعد بقية العقائد المختلف حولها موضع استفزاز، كما ان الكثير منها قد يقبل الحل، او يجد ما يعادله لدى السنة. فارتباط الشيعة بالائمة والاعتقاد بعصمتهم وكراماتهم وعلومهم الغيبية يجد ما يقابله لدى صوفية السنة، كذلك فان اتهام الشيعة بمقالة تحريف القرآن يبطله بأن اغلب المتأخرين وبعض المتقدمين لا يقرون التحريف، وانه لا يوجد للشيعة ما يتعبدون به من قرآن آخر غير هذا القرآن. ورغم وجود مصحف مخطوط محرف وايات محرفة بحسب الروايات، ومثل ذلك ما يُذكر حول مصحف فاطمة، فانها جميعاً لم تؤثر على تعبد الشيعة بهذا القرآن وابطال ما سواه، او تأويل ما ورد حوله. كما في القبال ان لدى السنة ما يؤكد بان المصحف الرسمي للقرآن لا يمثل كل ما انزل من القرآن، وان هناك روايات سنية تؤكد بان كلمات الايات وبعض السور فيها شيء من الاختلاف مقارنة بما موجود في المصحف الرسمي. اما اتهام الشيعة بانهم يألهون ائمتهم فهو تعميم ينافي غالبية ما يراه الشيعة، بل انهم صريحون بانهم عباد مكرمون اصطفاهم الله على العالمين، وهم اقل رتبة من نبينا محمد (ص)، وكل ذلك يشابه نسبياً ما يوليه الكثير من السنة لأوليائهم الصوفية، او ما يوردونه احياناً من روايات حول الخليفتين ابي بكر وعمر. في حين ان سائر الاعتقادات الاخرى كالرجعة وولادة الامام المهدي وبقائه حياً حتى اليوم، فكلها  من الاعتقادات النظرية التي ليس لها لوازم تستفز المقابل. ومثل ذلك ما يرد في الفروع كالقول بالمتعة وما اليها، فهي ايضاً ليست بدعة ابتدعها الشيعة، بل كانت ممارسة في عصر النبي، انما الخلاف حول تحريمها فيما بعد ان كان ثابتاً ام لا، مع ان بعض الصحابة بقي متمسكاً بها وان بعض الروايات في الصحاح تشير الى ان من حرمها هو الخليفة عمر بن الخطاب وليس النبي، وإن كان اغلب الروايات تؤكد العكس، اضافة الى ان لها ما يقاربها من زواجات لدى بعض المذاهب السنية، ومن ذلك الزواج بنية الطلاق، وكزواج المسيار وغيره. وقد ظهر في ايامنا الحالية من يحلل نكاحاً مبتدعاً يثير الاشمئزاز هو نكاح المجاهدة الذي تم التشريع له من قبل بعض الطائفيين المتعصبين وسط الحرب الدائرة اليوم في سوريا.

هكذا لو استقرأنا كل مسائل الخلاف بين الشيعة والسنة فسنجد انها جميعاً قابلة للنقاش العلمي دون استفزاز باستثناء المسألة التي تجرّم كبار الصحابة وعلى رأسهم الخليفتين ابي بكر وعمر. فهي المسألة الكوؤد التي تجعل من السنة يخشون التعامل مع الشيعة لقداسة الموقف. فلو كان اهل السنة نواصب يكيدون لاهل البيت العداء واللعن لما وجدنا شيعياً يتقبل مدّ يد التقارب اليهم، بل لرأينا الفتاوى تنهال عليهم بالتكفير والتضليل وربما القتل ايضاً كما هو معلوم من الفتاوى المسلم بها سلفاً.

ولدى الشخصيات المتطرفة تزداد قائمة مبررات التكفير، مثل عدد من تلك التي عرضناها قبل قليل، وشاهد ابن تيمية في دمغ الشيعة وغيرها بهذه الوصمة ليس ببعيد، وقد اعتمد عليها المكفرون او ذوو الاعتقاد القاتل.. فكما يعدد مبررات التكفير ضمن نصه الشهير الذي ورد ذكره في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) فيقول: ان من يزعم «ان علياً اله او انه كان هو النبي وانما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم ان القرآن نقص منه ايات وكتمت، او زعم ان له تأويلات باطنة تسقط الاعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم».. ومثل ذلك من زعم ان الصحابة «ارتدوا بعد رسول الله الا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، او انهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب ايضاً في كفره، فانه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فان كفره متعين، فان مضمون هذه المقالة ان نقلة الكتاب والسنة كفار او فساق وان هذه الامة التي هي (كنتم خير امة اخرجت للناس) وخيرها هو القرن الاول كان عامتهم كفاراً او فساقاً ومضمونها ان هذه الامة شر الامم وان سابقي هذه الامة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الاقوال فانه يتبين انه زنديق، وعامة الزنادقة انما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلات، وتواتر النقل بان وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك، وممن صنف فيه الحافظ الصالح ابو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الاصحاب وما جاء فيه من الاثم والعقاب» .

ويتضمن هذا النص التكفير لقضايا لا تستوجبه، بل حتى لو كانت مترتبات هذه القضايا تفضي الى الكفر كما يحاول النص ابرازها فان ذلك لا يستدعي التكفير للقاعدة الشهيرة (لازم المذهب ليس بمذهب). فالطعن في الصحابة وتكفيرهم ومثله القول بتحريف القرآن الكريم كثيراً ما يأتي لدواع دينية صرفة، فكيف يتهم من يلجأ الى هذه الدواعي بتكفيره فيها، ففي ذلك تناقض واضح، فقد عُرف الخوارج بانهم اولى الفرق المكفرة لبعض الصحابة، لكن تكفيرهم كان لدواع دينية، فهم من اعبد الناس وازهدهم، فكيف يكفرون في الايمان الذي يدينون به وينتصرون اليه؟

على ذلك فان تكفير الصحابة او تضليلهم، ومثل ذلك القول بتحريف القرآن وان هناك مؤامرة شارك فيها جمع من الصحابة لنيل الزعامة.. ان هذه الاراء هي اراء دينية خالصة وليست زندقة، رغم اعتقادنا الكامل ببطلانها وان من مترتباتها الفساد والمفارقات فضلاً عن انها دعوى كثيراً ما يستغلها العلمانيون الذين يستدلون على فشل الدين وزيفه. لكن كل ذلك يدل على الخطأ والبطلان لا التكفير المخرج من الملة، والا فالتكفير سيفضي الى التناقض ذاته.

وعلى خلاف ظاهر النص السابق نجد في كتب ابن تيمية المتأخرة دلالات لا تحصى على صحة اسلام اصحاب البدع كالامامية وما اليها، حتى انه اجاز الصلاة خلفهم، ومما قاله بهذا الصدد كما في (منهاج السنة): «ان الامامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطناً وظاهراً ليسوا زنادقة منافقين لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم» .. وقال ايضاً في (مجموع الفتوى): «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين ـ من الرافضة والجهمية وغيرهم ـ إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً» .

والخلاف الحاصل بين النص المذكور في (الصارم المسلول) وبين سائر كتب ابن تيمية قد يجد له حلاً عبر ما اشار اليه الاخير في مناسبات عديدة من الفارق بين الحكم بتكفير المطلق وتكفير المعين، وان احدهما لا يستلزم الاخر، فقد يوصف كل من يفعل شيئاً دالاً على الكفر بانه كافر، لكن ذلك لا يقتضي تكفير شخص معين يفعل ذلك الشيء بالضرورة، اذ هناك شروط للتكفير وموانع قد تصدق في حق الشخص او الجماعة المعينة. وعادة ما يورد اختلاف النقل حول موقف بعض رجالات السلف من اصحاب البدع، ومن ذلك ما ينقل عن الامام احمد بن حنبل في تكفير أهل البدع مطلقاً على روايتين، ومثل ذلك في قتل المقدور منهم، وفي تخليدهم في النار.

وقال ابن تيمية بهذا الصدد: «وحقيقة الأمر‏:‏ أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا‏:‏ من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.‏.» ‏.‏

وينطبق ما سبق ذكره على التخليد في النار، فهو اشار الى ان للعلماء قولين مشهورين «وهما روايتان عن أحمد‏.‏ والقولان فى الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم‏.‏ والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضاً.‏ وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار، موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه‏.‏ فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله فى ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة في ‏(‏قاعدة التكفير‏)»‏‏.‏ ومما يستشهد به على ذلك ما جاء في رواية من «ان رجلاً كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتي به إليه جلده الحد فأتي به إليه مرة فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، فنهى عن لعن هذا المعين المدمن الذي يشرب الخمر وشهد له بأنه يحب الله ورسوله مع لعنة شارب الخمر عموماً» ‏.

كذلك قرر بان قتـل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم هو ايضاً فيه قـولان للفقهاء، هما روايتان عـن الإمام أحمد‏.‏ وعلى رأيه أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه، ونحو ذلك ممن فيه فساد‏.‏ واستشهد عليه ببعض الروايات النبوية وسيرة بعض الخلفاء الراشدين.

ومما يلاحظ على طريقة ابن تيمية هو انه كان شديد المؤاخذة والتحامل على من يصفهم بالرافضة، وهم بحسب تصنيفه ثلاث فرق او اصناف: المغالون والامامية والزيدية. لذلك يصفهم باقذع الاوصاف والنعوت، حتى يخيل للقارئ بأنها ماهيات ثابتة لا تتغير، الامر الذي نجده في قراءات السلفية المعاصرة اليوم نتيجة هذه التحديدات الثابتة، سواء على مستوى الاعتقاد او السلوك والاحوال النفسية، رغم اختلاف العقائد بين رجال الامامية انفسهم، واحياناً تطورها عبر الزمن، كما في بعض القضايا المتهمين فيها، ومنها مسألة القول بتحريف القرآن، فهي من المسائل التي اختلف حولها قدماء الامامية وقد تطور الحال اليوم الى اننا من الصعب ان نجد عالماً يلتزم بها غير الاخبارية، وهي من الفرق التي تكاد تنقرض. ومع ذلك يتداول السلفية اليوم مسألة التحريف لدى الشيعة كثوابت، واحيانا يُتهمون بحملهم لقرآن غير هذا المتعارف لدى المسلمين كافة.. كذلك مسألة عصمة الائمة فهي ايضاً كانت من المسائل الاعتقادية المختلف حولها لدى الشيعة القدماء، وقد يكون التيار الاقوى آنذاك هو من يميل الى عدم العصمة، ثم انقلب الحال فيما بعد.. ومع هذا فكثيراً ما يُدمغ الشيعة بمثل هذه المعتقدات وكأنها من لوازم المذهب الثابتة والاصول الراسخة، حتى ان ابن تيمية نفسه يرى ان القول بعصمة الائمة هو من اصول هذا المذهب، وهو خلاف الواقع ‏. وذات الشيء يجري فيما يخص عقائد اهل السنة من وجهة نظر الكثير من الشيعة. وعادة ما تتبادل الاطراف المتنازعة اتهام بعضها للبعض الاخر من دون تحقيق علمي صادق ومحاولة تفهم ما يقوله الطرف المقابل.

وشخصياً كثيراً ما كنت اتعرض الى اسئلة عند زياراتي لبلاد المغرب حول صحة ان يكون للشيعة قرآن اخر غير هذا المتداول بين المسلمين؟ وحول اعتبار ضريح الحسين قبلة يتوجه اليها الناس للطواف والصلاة على نحو التعيين؟ وانهم يعبدون الحجارة عبر السجود عليها، بل ويرددون خان الامين ثلاث مرات عند الانتهاء من الصلاة؟.. الى غير ذلك من الاسئلة التي اسمعها - واصبحت مألوفة لدي - حتى من بعض اساتذة الدراسات الاسلامية والعربية في الجامعات.

هذا من جهة الاعتقاد، أما من جهة الاحوال النفسية والسلوكية فقد وصف ابن تيمية الرافضة بابشع الاوصاف واسوء الاحوال مقارنة ببقية المذاهب، وظل هذا الوصف يتابعه السلفية كثوابت وماهيات من دون تحقيق، بل ومن دون لحاظ الاختلاف وسنة الله في خلقه من وجود الخير والشر والحسن والقبح لدى كل فرقة وشعب وملة وقومية، وانه لا ضرورة تقتضي دون تطور الامم واحوالها ومذاهبها. فهو يصف الرافضة باوصاف مطلقة من الكذب والجبن والغدر والاستعانة بالكفار على المسلمين، ويستشهد على ذلك بما فعلوه خلال عصره من الجرائم والاستعانة بالعدو والكفار على المسلمين ‏. كما يخصص للامامية مثل هذه الاوصاف المطلقة فيرى فيهم ان الكذب والجهل والتكذيب بالحق الذي اختصوا به لم يشركهم فيه أحد من طوائف الأمة ‏. وهو يعمم صفة الجهل على الامامية فيراهم كما في مقدمة منهاج السنة «من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الأضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار، وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات، فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية وتارة يتبعون المجسمة والجبرية وهم من أجل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين» ..

كما يكرر هذا التحامل ويصف الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها وزيديها «ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم؛ لا أجهل ولا أكذب ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان وأبعد عن حقائق الإيمان منهم.. وهؤلاء كفّروا الأمة كلها أو ضللوها سوى طائفتهم التي يزعمون أنها الطائفة المحقة وأنها لا تجتمع على ضلالة فجعلوهم صفوة بني آدم» .

وحقيقة الامر ان مختلف المذاهب وليس فقط الرافضة والشيعة من سلك مسلك التضليل والتكفير. فجميع المذاهب المعروفة استندت الى حديث الفرقة الناجية وضللت جميع الفرق دونها، كما كفرت بعضاً منها. فالتضليل والتكفير كان ديدن المذاهب ولا يختص بالشيعة، وهم من الناحية العملية يتعاملون مع الاخرين من موقع التضليل لا التكفير المخرج من الملة، وكثيراً ما يميزون بينهم وبين غيرهم عبر التمييز بين الايمان والاسلام، بل ان هذا التمييز جار حتى في وسط من ينتمون الى المذهب، فالذي لا يلتزم بالفرائض الدينية لا يعتبر مؤمناً حتى ولو كان من المعتقدين الموالين لأهل البيت تماماً. وفي الوسط الشيعي تجد منهم المتطرف ذا اللهجة الغليظة والمكفرة كما تجد المعتدل. فمن المتطرفين ما ذهب اليه الشيخ محمد حسن النجفي في كتابه الشهير (جواهر الكلام) بجعل اهل السنة اشر من النصارى وانجس من الكلاب... وكما قال: ان هجاء المخالفين (اهل السنة) على رؤس الاشهاد هو «من أفضل عبادة العباد ما لم تمنع التقية، وأولى من ذلك غيبتهم التي جرت سيرة الشيعة عليها في جميع الأعصار والأمصار علمائهم وأعوامهم، حتى ملأوا القراطيس منها، بل هي عندهم من أفضل الطاعات، وأكمل القربات فلا غرابة في دعوى تحصيل الإجماع، كما عن بعضهم، بل يمكن دعوى كون ذلك من الضروريات، فضلاً عن القطعيات.. لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص، بل تواترت من لعنهم وسبهم وشتمهم وكفرهم وانهم مجوس هذه الأمة، واشر من النصارى وأنجس من الكلاب». وهو في معرض رده على بعض العلماء المعتدلين من الشيعة اردف قائلاً: «وكيف‌ يتصور الاخوة بين المؤمن والمخالف، بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات، في وجوب معاداتهم، والبراءة منهم.. وما أبعد ما بينه وبين الخواجه نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم ممن يرى قتلهم، ونحوه من أحوال الكفار، حتى وقع منهم ما وقع في بغداد ونواحيها.. إذ لا أقل من أن يكون جواز غيبتهم لتجاهرهم بالفسق، فان ما هم عليه أعظم أنواع الفسق بل الكفر، وإن عوملوا معاملة المسلمين في بعض الأحكام للضرورة» .

ولهذا الرأي نظير لدى المتطرفين في الوسط السني، فمنهم من يعتبر الشيعة اشر من اليهود والنصارى.. والعجيب ان هذه الماهيات غير واردة في الواقع، فليس اليهود ولا النصارى باشرار، ولا المسلمين ايضاً، بل نجد الاشرار والاخيار في جميع هذه الملل ولدى كافة الاعراق والاوطان.. وهي من سنن الله في خلقه، لذلك كان القرآن الكريم لا يتقبل ادعاء الدين الناجي والفرقة الناجية، فهو يعترض على من يزعم من اليهود والنصارى بانهم الناجون دون غيرهم، مثلما يعترض على جهلة المسلمين بذات المعيار، وهو قوله تعالى: ((وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) . فمعيار النجاة هو الايمان بالله والعمل الصالح، وان اكرم الناس عند الله اتقاهم من دون فرق بين مسلم وغيره، كما هو واضح مما جاء في العديد من الايات الكريمة .

اتذكر في وقت الشباب انه زارني صديقان مخلصان من مشايخ لبنان وكنت مقيماً في مدينة قم الايرانية، وقد دار الحديث حول المذاهب الاسلامية، فقال احدهما – وقد توفي رحمه الله تعالى بحادث طائرة منذ سنوات – انه يجزم بان ليس هناك مخلص واحد وسط اهل السنة جميعاً. وكأنه اعتبر ذلك خلافاً لعدالة الله تعالى في جعل الاخلاص منحصراً لدى الامامية الاثنى عشرية باعتبارها الفرقة الناجية حسب اعتقاده. وحينها لم اتقبل منه هذا الرأي واعتبرته خلاف الواقع الباين وضوح الشمس للعيان، وايدني في ذلك الشيخ الاخر، وهو من الذين ينهجون اليوم منهج التقريب بين المذاهب، حفظه الله تعالى ووفقه لما يصبو اليه.

لذا فما ينقصنا هو الانصاف وتفهم ما لدى المقابل مع احترام الرأي وعدم التجريح والمساس  بالاخر قدر المستطاع، فمثل هذه الامور هي ما تحدد قيمة المرء دون دينه وعرقه وطائفته.

ففي كل طائفة وفرقة ودين تجد من يتصف بالغلظة والشدة والطبائع النفسية الحادة، وانه لا يفهم من الحياة الا ما يضيق، ومن ذلك تضييق النصوص، وهم يشكلون بهذا التماهي اتجاهاً واحداً وان توزع بين الفرق والطوائف والاديان. وفي قبال هؤلاء تجد من يتصف باللين والانشراح والانفتاح رغم تفرقهم بين الاديان والطوائف. والفارق بينهما هو ان فئات الاتجاه الاول تتصف باعظم حالات العداء والكراهية فيما بينها، فهي تشكل اقطاباً متنافرة حتى وإن اتحدت مواقفها ازاء الكثير من قضايا الواقع كما يحصل احياناً، بل ورغم انها قد تتظلل تحت سقف عقيدة مشتركة اساسية، خلافاً لفئات الاتجاه الثاني التي تتصف بالانفتاح والتعاطف والتفاهم حتى وإن بدا  الخلاف فيما بينها عميقاً، وهو ما لا يحصل بين المتسامح والمتشدد ضمن الطائفة الواحدة.

وغالباً ما يأتي التأثير على عامة الناس من قبل اولئك المتشددين دون المعتدلين، فالاتجاه الاول يمارس الضغط النفسي على الناس، فيما يمارس المعتدلون الضغط العقلي، وهو اصعب وأقل فاعلية على الأتباع من الاول. لذلك نجد المعتدلين في الوسط السني والشيعي ليس لهم ذلك التأثير على الأتباع في قبال شحن المتطرفين، لا سيما وسط الضجيج والعراك الطائفي المتسع مع تطور وسائل الاتصال الاعلامي باضطراد.

لا شك ان لغة ابن تيمية تعود الى هذا الوسط المتطرف، وقد شجعته على ذلك الظروف الصعبة التي عاصرها رغم عمق اخلاصه وتدينه. وقد حاول ان يظهر بمظهر اخر في بعض كلماته في (منهاج السنة)، اذ اعتبر اهل السنة هم الوحيدين المنصفين الذين لا يظلمون المخالفين ولا يكفرونهم، فعلى حد قوله: ان اهل السنة (ويقصد بهم الاتجاه السلفي بالذات) يستعملون مع المخالفين «العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض. والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة ومن لم يكفر فسق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ولا يكفرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق كما وصف الله به المسلمين.. وأهل السنة نقاوة المسلمين فهم خير الناس للناس» .

لكن هذا النص لا يعكس الروح العامة لدى كتب ابن تيمية بما في ذلك كتابه الذي يتضمن هذه الاشارة المضيئة، فعباراته ونقوله عن السلف مليئة بالحدة والغلظة وحتى التكفير، ولو بصيغة المطلق، حتى شكلت علامات فارقة مقارنة باغلب المذاهب الاخرى. وكان لذلك من التبعات ما لم نره لدى سائر المذاهب كالاشاعرة مثلاً.

وكثير من الاحيان نتفهم حال الغلظة عندما يكون الامر متعلقاً بمس المقدسات كرد فعل متطرف على الشيعة نتيجة طعنهم الجذري في كبار الصحابة وامهات المؤمنين.. وما زالت الساحة اليوم ساخنة بهذين النحوين من التطرف، ويتحمل العلماء الساكتون قسطاً كبيراً من المسؤولية لعدم ادانة التجريح والجرائم التي يرتكبها اتباعهم من نفس المذهب.

لا شك ان الفتاوى المكفرة، كتلك التي عرضناها سابقاً، لها علاقة وطيدة بالفتوى القاتلة المعاصرة، فقد تطور الحال من فتاوى التفريق بين كفر المطلق وكفر المعين الى فتاوى الابادة والتكفير الشمولي لدى الكثير من الشباب السلفي والشيوخ، وهو ما سيولد ردود فعل مماثلة. واصبحت الأمة بهذه الافعال شرّ أمة كرهها الناس بعدما كانت خير أمة أُخرجت للناس. ومع ان الله تعالى اراد لها ان تكون أمة الاسلام والسلام بحق؛ فاذا بها تنقلب الى أمة الكفر والحرابة بتكفير وقتل بعضها للبعض الاخر.

لقد اصبح القاتل المعاصر يبني تكفيره على طوائف بعينها ولا يفرق بين شرائح الطائفة الواحدة، والكل محكوم عليه بالقتل والموت.. وبالتالي ففتوى القاتل المعاصر هي تطوير لفتوى ابن تيمية وتجاوز لها في الوقت ذاته، رغم ما آل اليه الاخير من عدم تكفير احد من اهل القبلة كما نقل عنه تلميذه الحافظ الذهبي عند اطلاعه على ما قاله الاشعري في اواخر حياته.

فقد قال الذهبي: «رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر [ أحداً ] من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم» .

وعلى شاكلة هذه الاضاءة ورد في هامش الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني (طبعة حيدر آباد، ج2، ص72) ما لفظه بخط السخاوي: «قال لي شيخنا تغمده الله برحمته - ابن حجر -: انه بلغه ان ابن المطهر (الحلي) لما حج اجتمع هو وابن تيمية وتذاكرا، واعجب ابن تيمية كلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ فقال: »الذى تسميه ابن المنجس، فحصل بينهما انس ومباسطة .

ومعلوم ان ابن تيمية كتب كتابه (منهاج السنة) للرد على كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة)، ووصفه في مقدمة كتابه بالنجاسة بدل الطهارة. لذلك عرّض به الحلي بحسب النص الانف الذكر.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ يحيى محمد رعاك الله

تحیاتی وتمنیاتی لك بالتوفیق والتالق
انار الله قلبك وعقلك وروحك كما انرت عقولنا وعقولنا وارواحنا بهذه الافكار والتحليلات الواعية
اثابك الله على جهدك وجهودك
انا ارى ان هؤلاء مجرمين فوجدوا في عقيدة التكفير والدعم المالي فرصة لتنفيذ اجرامهم
فالعقيدة لم تدفعهم او تشجعهم على القتل بل ان ذواتهم الحاقدة هي التي تدفعهم

سعيد العذاري
This comment was minimized by the moderator on the site

ورعاك الله سيدنا العزيز والفاضل سعيد العذاري.. مرة ثانية نلتقي بعد انقطاع طويل.. اسال الله تعالى ان يديم بيننا المحبة والوصال والافق الرحب، وان يجعلكم خير قدوة للناس.. ودمتم لاخيكم .. يحيى

يحيى محمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2625 المصادف: 2013-11-12 03:50:19