 دراسات وبحوث

ظاهرة الوجود والمعيار في تمثيل التراث الإسلامي

يمكن تقسيم علوم التراث ذات العلاقة بفهم النص والخطاب الديني إلى قسمين. فهناك علوم تمهيدية متخصصة ومحايدة لا علاقة لها بفهم الخطاب بشكل مباشر، وإن وظفت لهذا الغرض، كعلوم العربية والتاريخ والرجال والمنطق وما على شاكلتها. وفي قبالها توجد علوم لها علاقة ماسة بهذا الفهم طبقاً لما تحمله من أدوات معرفية وتأسيسات قبلية فرضت نفسها على آلية الفهم مباشرة، كعلم الكلام والفقه والتفسير والحديث والتصوف والفلسفة...الخ.

ومع أن موضوعات المجموعة الثانية من العلوم مختلفة، إذ لكل علم موضوعه الخاص، فما لعلم الكلام هو غير ما لعلم الفقه من موضوع، وكذا الحال مع التفسير والحديث والفلسفة والتصوف، فلكل من هذه العلوم معالجته الخاصة واستقلاليته النسبية، لكنها مع ذلك تشترك في إخضاع الخطاب الديني للفهم. وعليه لو أنا اعتبرنا الموضوع المشترك الجامع لهذه العلوم هو فهم الخطاب بالذات؛ لأصبحت بمثابة علم واحد متعلق بهذا الفهم، ولكان من الممكن تقسيمها قسمة أخرى بحسب علم الطريقة. إذ لا تشكل تلك الأجزاء والأقسام كتلاً مستقلة لكل منها موضوعها المحدد، بل تقترب بعض الكتل من بعض، أو تندك بها لإتحاد طريقتها العامة في الفهم.

فمن وجهة نظر «طريقية» تُصنف هذه العلوم ضمن كتلتين كبيرتين، لكل منهما روحها الخاصة من النظر والتفكير، إلى الحد الذي تتضارب فيه إحداهما مع الأخرى، وإن تداخلا على مستوى السطح والظهور التاريخي، كما يظهر لدى المفكرين الذين حاولوا التوفيق أو التلفيق بينهما. فبحسب التحليل الإبستيمي أن القطيعة والمنافاة بينهما ليست محايثة ولا تاريخية، بل منطقية ذاتية جوانية، بغض النظر عن مجراهما التاريخي وما تضمنه من تلفيقات.

فكتلة علوم الكلام والفقه وغالب تفسير القرآن والحديث؛ تتخذ إتجاهاً محدداً في قبال كتلة الفلسفة والعرفان أو التصوف. فكل من الكتلتين يعبّر عن نظام معرفي قائم في ذاته يتنافى جذراً وروحاً مع الآخر. ولا يعود السبب في هذا التنافي المعرفي إلى إختلاف الموضوع الذي يعالجه النظامان من حيث الأساس. فمع أن الفلسفة والعرفان تتعاملان مع موضوع «الوجود» قبل تعاملهما مع الخطاب الديني، بخلاف الحال مع النظام الآخر، إلا أن هذا التمايز ليس هو السبب في مصدر التضارب المنطقي بين النظامين، فمن المعلوم أن علوم النظام الآخر تعالج أيضاً موضوعات جزئية مختلفة، ومع هذا فليس بينها منافاة من النوع الذي أشرنا إليه. كما لا يمكننا أن نرجع السبب في مصدر التضارب المعرفي للنظامين إلى الإختلاف في وجهات النظر بينهما هنا وهناك، إذ لا يخلو أي نظام وجهاز معرفي من كثرة الخلاف، بما فيها الخلافات الكبيرة، ومع ذلك لا يعني أن بينها قطيعة ومنافاة، على الصعيد المنطقي العام. يضاف إلى أنه لا يسعنا إرجاع مصدر التضارب إلى إختلاف طريقة الاستدلال الصورية، إذ هما كثيراً ما يشتركان في هذه الطريقة. يبقى أن نقول بأن مصدر التضارب يعود إلى التباين الشاسع في الروح العامة لنمط التفكير لدى كل منهما، فطبيعة المعرفة لكل منهما هي ليست من جنس الثانية، إلى الحد الذي يجعل من موضوع البحث المشترك، وهو الخطاب الديني، يتمظهر بمظهرين لكل منهما الجنس المختلف كلياً عن الجنس الآخر. ولنقل أن لكل منهما مرآته الخاصة المختلفة جذراً عن الأخرى. لذلك لم تفض عمليات التوفيق بين الطبيعتين تاريخياً إلا إلى نوع من التأسيس الجديد لصالح إحداهما على حساب الأخرى. فالتضاد بينهما هو تضاد بين روح حتمية وأخرى غير حتمية، وليس من الممكن الجمع بينهما دون خسارة إحداهما لحساب الثانية. وبالتالي فإن ذلك يدفعنا إلى القول بضرورة دراسة هاتين الروحين كموضوعين في ذاتيهما بغض النظر عن العناصر الصورية المحايدة التي توظفها كل منهما.

ومع أن من السهل أن تجد عالماً يجمع بين الفلسفة والعرفان كما هو غالب الفلاسفة، أو يجمع بين الكلام والفقه كما هو غالب المتكلمين، لكن يقل وجود من يجمع بين علوم الكتلة الأولى من جهة، وعلوم الكتلة الثانية من جهة أخرى، سيما الجمع بين الفلسفة والفقه، كما هو حال إبن رشد، وبأقل من ذلك من يجمع بين الفلسفة والكلام، كالذي يلاحظ لدى الكندي، لكن الكندي عالم طبيعي ذو نزعة كلامية اعتزالية أكثر منه فيلسوف محترف على شاكلة سائر الفلاسفة التقليديين؛ لكونه يتجاوز المبادئ الفلسفية مثل موقفه من خلق العالم.

فعلاً إن هناك خروقات حصلت للكثير من الفلاسفة والعرفاء عندما تناولوا القضايا الدينية، ومنها تلك التي عالجها علم الكلام. فمثلاً أن لإبن رشد رأياً حول القضاء والقدر يخالف مبناه الفلسفي. فهو يتوسط في حل المشكلة ويرى أن إرادتنا للأشياء لا تتم إلا بمؤاتاة الأسباب الخارجية والداخلية - في أبداننا - التي سخّرها الله تعالى، والتي منها ما يكون حافزاً على الفعل أو مثبطاً له. بهذا تجري الأفعال على نظام محدود مقيّد بالأسباب والإرادة معاً، حيث كلاهما يشكل الحد العام للقضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده . لكن هذه الرؤية تخالف مبنى إبن رشد الفلسفي وحتمية نظام الضرورة في الأسباب والمسببات في الوجود كله من أوله حتى آخره .

كما أن لصدر المتألهين آراءاً حول خلق السماوات والأرض تتعارض مع مبانيه الفلسفية. ومن ذلك جمعه بين الإعتبارات الفلسفية القائلة بضرورة أزلية الفيض وأبديته وإستحالة عدم الكائنات أو خلقها من العدم تبعاً لمنطق السنخية، وبين الإعتبارات الدينية التي تقر بأن الله قادر على أن يخلق السماوات والأرض في لحظة واحدة ، كما وله القدرة على إفنائهما متى شاء في أي لحظة ، وأن الدنيا ستفنى بقيام الساعة الكبرى. كذلك إعتقد تبعاً للمنطق الفلسفي أنه لا بد للعقول المجردة أن تظل ثابتة لا تتعرض للتغير والتحول بإعتبارها ليست من جملة العالم ومما سوى الله، بل باقية ببقائه وموجودة بوجوده من دون جعل وتأثير . لكنه مع ذلك أقر بفناء العقول ورقيها بالتحول إلى ما هو أعلى منها شأناً، تلفيقاً مع بعض النصوص الدينية التي صرحت بموت وفناء الكل .

وبالتالي فما نود قوله هو أن واقع الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين وحتى الفقهاء؛ لا يعكس بالضرورة الإتساق مع المبادئ الفلسفية والعرفانية والكلامية والفقهية الملتزم بها دائماً، سيما الأصول المولدة وتفريعاتها.

***

من المعلوم قبل كل شيء أن لنظام الفلسفة والتصوف وجوداً مستقلاً سبق وجود الخطاب الديني أو الإسلامي لمدة تناهز عشرة قرون خلت. وكانت إشكاليته المعرفية هي إشكالية «وجودية» تتخذ من «الوجود العام» موضوعاً لها، مضفية عليه الطابع الحتمي في جميع مراتبه ومفاصله. لذا آثرنا تسميته بـ (النظام الوجودي) الحتمي، فما قدّمه من تنظير يمتاز بالطابعين الوجودي والحتمي معاً، حتى على مستوى تعامله مع الخطاب والقضايا المعيارية، كما فصلنا ذلك في (الفلسفة والعرفان والإشكاليات الدينية).

أما علوم النظام الآخر فقد نشأت بعد وجود الخطاب الديني، وقد علقت بهذا الخطاب بشتى الأشكال والنواحي، لذلك لم يكن هناك مانع يفصلها عن فهمه مثلما هو الحال مع النظام الوجودي. فموضوعها الأساس إن لم يكن عين النص أو الخطاب ذاته، فهو لا يخرج عن القضايا التي تتعلق به مباشرة هنا وهناك. لذا فمن حيث ذاتها أنها ليست مستقلة، ولا كان بالإمكان معالجتها وقراءتها بمعزل عن العلاقة بالنص أو الخطاب، خلافاً لما هو الحال مع النظام الوجودي، لكونه مستقلاً بذاته، وبالتالي فمن الناحية المنطقية جازت معالجته لذاته وبغض النظر عن علاقته بالنص. وهو ما اضطرنا إلى المغايرة في الطرح بين القراءتين المخصصتين لهذين النظامين، إذ سنفرد للنظام الوجودي باباً من المعالجة قبل احتكاكه بالنص وعلاقته بفهمه، لنتعرّف عليه كشيء مستقل في ذاته وبغض النظر عما قدّمه من طريقة فهم. ولم نفعل الشيء ذاته مع النظام الآخر لإلتصاقه بالفهم كما أشرنا.

لكن لما كانت علوم النظام الآخر غير مستقلة في ذاتها عن الخطاب، فهي إما مبنية على فهمه أو على الموضوعات العالقة بأجواءه، وحيث أن للخطاب طبيعة معيارية تتضمن «الروح الانشائية» وتتخذ من نظرية التكليف قطبها الأساس، لذا فقد اصطبغت هذه العلوم بالصبغة المعيارية، أي أنها تنتمي إلى ما نطلق عليه (النظام المعياري)، دون أن يعني ذلك بأن الخطاب هو الآخر ينتمي إلى هذا النظام، بإعتباره مادة خام قياساً بالأنظمة والأجهزة التي تطرح نفسها لفهمه ومعالجة قضاياه.

ومصطلح (المعياري) جاء ليقابل مصطلح الوصفي والتقريري للأشياء الخارجية، فمعناه هو ما ينبغي عليه الشيء أن يكون. وفي بعض المعاجم الفلسفية عُرّف (المعيار) لدى المنطقيين بأنه نموذج مشخص لما ينبغي أن يكون عليه الشيء ، وهو النموذج المثالي الذي تنسب إليه أحكام القيم. فالمعيار في الأخلاق هو النموذج المثالي الذي تقاس به معاني الخير، والمعيار في المنطق هو قاعدة الإستنتاج الصحيح، وفي نظرية القيم هو مقياس الحكم على قيم الأشياء. والعلوم المعيارية هي عند (ووندت) تمثل العلوم التي تهدف إلى صوغ القواعد والنماذج الضرورية لتحديد القيم، كالمنطق والأخلاق وعلم الجمال. وتقابل هذه العلوم نظيرتها المسماة بالعلوم التفسيرية أو التقريرية القائمة على ملاحظة الأشياء وتفسيرها، كما في علوم الطبيعة، فهي علوم خبرية خلافاً للعلوم المعيارية التي يمكن تسميتها بالعلوم الإنشائية . وبالتالي فما نعنيه بالنظام المعياري لدى الفكر الإسلامي هو التفكير في مجال القيم بما ينبغي عليه الشيء أن يكون.

لذا فمن حيث الدقة، إن الفارق بين النظرتين الوجودية والمعيارية هو أن النظرة الوجودية ترى الأشياء من حيث ذواتها وصفاتها وعلاقاتها الكينونية. في حين تترصد النظرة المعيارية البحث في الفعل الإرادي ودوافعه النفسية وما ينطوي عليه أو يقتضيه من صفات وعلاقات انشائية أخلاقية لا كينونية. فشرط الوجود هو الذات، وبالأساس الذات الإلهية، فمن خلالها تتشخص طبيعة النظرة إلى سائر الوجودات. بينما شرط «المعيار» هو القدرة والإرادة، فبها يمكن الحديث عن الخصال المعيارية للفعل أو السلوك الحر. وبالتالي فلولا الذات ما كان للوجود وجود، كذلك فلولا القدرة والإرادة ما كان للمعيار عيار. وبهذا التمايز بين النظرتين (الوجودية والمعيارية) يمكننا أن نتفهم طبيعة التفكير لدى كل منهما.

فميزة النظام الوجودي عن النظام المعياري هو أن الأول لا يشرّع إلا بأخذ إعتبار «الوجود» ولأجله. فحتى القضايا المعيارية تكون محددة ومقيسة طبقاً لـ «الوجود». بينما ينعكس الحال في النظام المعياري، سواء في دائرته العقلية أم البيانية. إذ يقوم التشريع فيه على «المعيار» ولأجله؛ بما في ذلك تحديد قضايا الوجود وإعتباراته. فبحث الدائرة البيانية حول (المشكل الوجودي) كما يتمثل بالصفات الإلهية لا يخرجها عن الطبيعة المعيارية، فهي تعالج هذا المشكل إعتماداً على بيان النص وتبعاً للدوافع اللاهوتية. أما الدائرة العقلية فمن الواضح أن محور إهتمامها يتمثل بالعلاقة التكليفية التي تربط المكلِّف بالمكلَّف، وهي حتى في تعاملها مع القضايا الوجودية، كبحثها في الأمور الفيزيقية والميتافيزيقية، تنطلق في الغالب من الدافع اللاهوتي. ويصدق هذا الأمر على الإتجاهات التي انقسمت على نفسها بين عدد من الدوائر، كمذهب الأشاعرة المتقدمين، فهو في تحديده لقضايا الصفات كمشكل وجودي يتبع المنهج البياني بخلفياته اللاهوتية، أما بالنسبة إلى قضايا العلاقة التكليفية فإنه يتبع المنهج العقلي. أي أنه منقسم على ذاته بين الدائرتين ومتمشكل بكلا المشكلتين (الوجودية والمعيارية).

فالغرض من الإهتمام الغالب بعلوم الكلام والفقه وتفسير القرآن والحديث وما على شاكلتها هو لتحديد العلاقة المعيارية لنظرية التكليف، فهي قطب الرحى الذي تدور حوله هذه العلوم. فليس هناك موضوع في ذاته ولأجله تقوم عليه تلك العلوم أشد وأقوى من هذه النظرية بما تنطوي عليه من تحديد لعلاقات الحق بين المكلِّف والمكلَّف. فمن حيث الأساس أن نصوص الخطاب الديني دالة على التكليف، بل هي عين التكليف ذاته، وهو ما جعل تلك العلوم التي قنّنت هذه النصوص تتجه هي الأخرى بإتجاه هذه القضية المركزية. فدائرة البحوث الفقهية هي عينها دائرة علم التكليف، فقد شهد الفقه تضخماً في البحث والتقنين خلال القرون الأولى، وامتص من الطاقات الفكرية ما يكفي أن نعرف أنه منذ القرن الأول حتى القرن الرابع الهجري ظهرت إتجاهات كثيرة من المدارس الفقهية؛ قدّرها البعض بما لا يقل عن تسع عشرة مدرسة ، كل ذلك لغرض تحديد دوائر التكليف طولاً وعرضاً. ومع أن الإجتهاد الفقهي تكفّل بتحديد دوائر التكليف لإبتلاء طاعة المسلمين في شؤون ممارساتهم العملية؛ إلا أنه هو الآخر كان خاضعاً لذات التكليف. وكما قرر الشافعي بأن الله قد ابتلى طاعة المسلمين «في الإجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم» .

كذلك الحال مع علم الكلام، فقد لجأ هو الآخر إلى تحديد التكليف مباشرة بما هو «موضوع في ذاته»، فهناك مباحث عامة عن التكليف وشروطه وعلاقته بالعدل وإرادة الإنسان، كما أن مقدمات كتب هذا العلم قد ألِفت أن تشرع بالبحث عن وجوب العلم، وعما يجب على الإنسان أن يعرفه أولاً، وعن تحديد عقيدة الفرقة الناجية وسط فرق الضلال. فأصبح التكليف مقدمة للكلام، بل أصبح الكلام تكليفاً، فبنظر أصحاب الكلام تعتبر قضايا هذا العلم الأساسية من التكاليف الواجب على المسلم بحثها عيناً لتحديد عقيدته سلفاً. فمثلاً ذكر الباقلاني في كتابه (الإنصاف) ما يجب إعتقاده ولا يجوز الجهل به، فعدّد مختلف قضايا الكلام الأشعرية، وأضاف إليها العلم بأوائل المعرفة وأصول الأدلة والمقصود بالاستدلال وإنقسام المعلومات والموجودات والمحدثات، كما أوجب على المكلَّف معرفة أول نعم الله على خلقه وأفضلها عند المؤمنين المطيعين وغيرها من القضايا الأخرى . ومعلوم أن الباقلاني أذاع مبدأ (بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول) خلال القرن الرابع الهجري، لذلك فقد زاد من حمولة التكليف فشملت قضاياه حتى الأدلة المحررة، إذ خرجت من كونها في دائرة ما هو «موضوع لأجله» لتدخل دائرة ما هو «موضوع في ذاته» من التكليف، الشيء الذي يعني أن الكلام قد أصبح «شريعة»، والإجتهاد «نصاً». فلما كان الاستدلال على بعض العقائد، كالقدرة والخلق، متوقفاً عند الباقلاني على إثبات الخلاء والجوهر الفرد والعرض لا يبقى زمانين وغيرها ، لذا فقد اعتبر هذه القضايا ضمن العقائد الواجب إعتقادها، وبالتالي فهي قضايا وجودية مؤسسة على المعيار، خلافاً لطريقة الوجوديين، لكونهم يؤسسون المعيار على الوجود لا العكس.

بل لدى المعياريين إن مبرر وجود الخلق هو لغرض معياري يتعلق بالتكليف، إذ سُخّرت الأشياء للإنسان ليعتبر منها ويتخذها مرشداً ودليلاً على التكليف، بما في ذلك التكاليف العقلية، كما يلاحظ - مثلاً - لدى الذين اعتبروا الغرض من وجود الشهوات في الإنسان إنما لأجل التكليف ، طبقاً لإعتبار المقدمات والنتيجة التالية:

1ـ إن طبع الناس يميل إلى فعل القبيح بسبب وجود الشهوات.

2ـ لو ترك الناس من غير تكليف لفعلوا القبيح.

3ـ إن ترك الناس على هذا الحال يعني إغراءً لهم على فعل القبيح.

4ـ إن هذا الإغراء على فعل القبيح هو عبث وقبيح.

5ـ ومن ثم فإن العبث والقبيح لا يجوزان على المولى تعالى.

6ـ وحيث أنه إذا كان هناك غرض في فعله تعالى؛ فلا يحصل هذا الغرض إلا بالتكليف، وهو المطلوب إثباته .

كما ذهب الحر العاملي إلى أن الحكمة من خلق الشهوات والشياطين وغيرها تتمثل بالتكليف والتعريض لزيادة الثواب، وكذا هو الحال مع نصب الشبهات وانزال المتشابهات .

كان ذلك مما له دلالة على البحث الكلامي بما هو «موضوع في ذاته» من التكليف. أما البحث الكلامي بما هو «موضوع لأجله» فإنه يستغرق ما تبقى من مواد علم الكلام، ويتوارى في كثير من الأحيان وراء الأدلة المحررة، بما في ذلك أدلة إثبات أصول العقائد كالتوحيد والعدل، فرغم تضاربها بحسب الميول المذهبية إلا أنها تهدف إلى التنزيه والتقديس بعيداً عن شبهة التدنيس ومخالفة الشريعة، بغية ضمان «الإعتقاد الحق»، لذلك لا يخلو لسانها من التعريض بكل من يخالف هذا الحق، بالتكفير والتضليل، مما له دلالة على «التكليف» بوصفه معياراً يتوارى خلف لغة الكلام وعلمه.

يضاف إلى أن نشأة علم الكلام ومجادلات «الصخب» التي ظهرت في أوساطه، لم تتجاوز ـ هي الأخرى ـ حدود ذلك المعيار. فقد نشأ الإعتزال على يد (واصل بن عطاء) بعد اعلان رأيه حول «منزلة الفاسق» ، بل أن أغلب أصول المعتزلة الخمسة لها دلالة معيارية على التكليف. كما أن الأشاعرة هي الأخرى لم تستقل عن المعتزلة ولم تنفصل عنها إلا بعد إحساسها بما ضيعته من «واجب التكليف»، وذلك بعد المناقشات التي دارت بين الأشعري واستاذه الجبائي حول قضايا لها علاقة صميمة بنظرية التكليف، كقضية الصلاح والأصلح.

ويلاحظ أن الممارسة العقلية لعلم الكلام تقف على الضد والتنافي مع الممارسة العقلية للفلسفة التقليدية. فالنظام الذي ينتمي إليه كل منهما هو على الضد من الآخر. فبحسب الفهم الطريقي أن العقل الكلامي هو عقل معياري خلافاً لما يتصف به العقل الفلسفي من صفة وجودية غير معيارية. وبالتالي فإن الروح المعرفية وطريقة التفكير ونوع النتائج لكل منهما هي مختلفة تماماً .

وعموماً يمكن القول بأن منهج علم الكلام هو أقرب للتفكير الديني، أو أنه ممزوج بهذا التفكير، وأن أتباعه يحملون عقيدة آيديولوجية مذهبية دينية، وعلى خلافه منهج الفلسفة المتحرر غالباً من هذه المذهبية، وأنه أقرب للمنهج العلمي، سيما وأن العلوم الطبيعية كانت في ذلك الوقت تُبحث وتُدرس ضمن الفلسفة، وأن العلماء كانوا إما فلاسفة أو دائرين في فلكهم. لذلك فالتطور العلمي الذي حصل خلال تاريخ الإسلام إنما كان بفعل الفلسفة لا الكلام، رغم بعض مؤاخذاتنا على علاقتها بعلوم الطبيعة. لذا ففي فهم القضايا الدينية يسهل الإنفكاك تماماً من الفلسفة، لكن من الصعب الإنفكاك من علم الكلام وتفكيره الديني؛ بإعتباره مختصاً في أسس وأركان هذه القضايا خلافاً للأولى.

وحقيقة، لولا أن الفلسفة ومعها العرفان قد تعرضا للخطاب الديني بالفهم والتبعية كمنهج؛ لكُنّا قد اعتبرناهما يقعان عرضاً وموازاة في منافسة منطق الدين ذاته. فهما ينافسان هذا المنطق ومدعياته الأساسية. لذا يصعب عليهما تبرير أصول المسألة الدينية وأركانها الأربعة، خلافاً لعلم الكلام.

لا يقال بأن للفلسفة التقليدية المنهج البرهاني، إذ لا تسلّم بشيء ما لم تقم الدليل عليه، خلافاً للكلام. فكل منهما يقيم المنهج الاستدلالي طبقاً للمسلمات الخاصة به، مثلما أشار إلى ذلك إبن رشد . بل يمكن القول أن الفلسفة التقليدية ليست برهانية بإطلاق، بل أنها مقيدة ضمن ما تفترضه من ماهيات كلية في الذهن، فهي بالتالي ليست برهانية من حيث علاقتها بالواقع أو انطباقها معه. ويمكن تصوير هذه الناحية بمثال يعود إلى الهندسة الكونية، فحينما نقول أن مجموع زوايا المثلث هو (180 درجة)، فهذا القول صحيح قياساً إلى ما نحمله من تصور وإفتراض ذهني، لكنه ليس معنياً بالواقع الموضوعي فعلاً. فنحن نتعامل مع سطح مستو على الصعيد الذهني، في حين ليس بالضرورة أن يكون مبنى الواقع بمثل هذا السطح، وبالتالي قد لا يكون مجموع تلك الزوايا بالقدر المذكور. فمثلاً أن نظرية أينشتاين في النسبية العامة قد عوّلت على السطح المنحني للهندسة الكونية، وأخذت تصور الواقع بأنه أشبه بقطعة البطاطس، لهذا كان مجموع زوايا المثلث حسب هذا الإفتراض مغايراً للدرجة السابقة، خلافاً لنظرية نيوتن في تصورها لتلك الهندسة . وهكذا الحال يمكن قوله حول ما يتعلق بالفلسفة التقليدية.

ويترتب على ذلك أن الفلسفة والكلام لم يتعاملا تعاملاً محايداً إزاء القضايا التي اعترضتهما، سيما القضايا الرئيسة للعقيدة الدينية. ومع ذلك فإن لكل منهما إجتهاداته الخاصة، إلى الدرجة التي يتفقان فيها غالباً على ترجيح الرؤية العقلية على النص، إذ يعتبرانها قاطعة خلافاً للأخير، لكنهما يختلفان في مضامين تلك الرؤية تماماً.

كما لعبت اللغة دوراً هاماً وعظيماً، لا فقط في حدود ما هو «موضوع لأجله» بما تمده من مقدمات لتحديد فهم موارد الأمر والنهي من التكليف، بل كذلك أنها في مرحلة التقنين قد عبّرت أحياناً عن علم ما هو «موضوع في ذاته» من أبعاد الفقه والتكليف، فهي الدين بعينه على حد تعبير أبي عمرو بن العلاء ، وكما ينقل البعض قول الجرمي الفقيه بأنه منذ ثلاثين سنة كان يفتي الناس في مسائل الفقه من كتب سيبويه في النحو . وربما كان القصد من ذلك أنه لا يتجاوز توظيف طريقة سيبويه في النحو كـ «موضوع لأجله» لا «موضوع في ذاته» من الفقه.

وهكذا هو الحال مع علوم أخرى كتفسير القرآن والحديث والسيرة وما إليها. فمثلاً رأى جماعة من العلماء بأن علة وجود المحكم والمتشابه في القرآن هو لغرض تكليفي، إذ كُلّف الإنسان بالإجتهاد في النظر لمعرفة ما هو محكم وما هو متشابه. وقد ذكر القاضي عبد الجبار الهمداني في جواب على سؤال عن وجه الحكمة في وجود المحكم والمتشابه في القرآن فقال: «إنا إذا علمنا عدل الله وحكمته بالدلالة القاطعة التي لا تحتمل (الخلاف)، نعلم أنه لا يفعل ما يفعله إلا وله وجه من الحكمة في أفعاله تعالى. وقد ذكر أصحابنا في ذلك وجوهاً لا مزيد عليها. أحد الوجوه: أنه تعالى لما كلفنا النظر وحثنا عليه ونهانا عن التقليد ومنعنا منه، جعل القرآن بعضه محكماً وبعضه متشابهاً، ليكون ذلك داعياً إلى البحث والنظر وصارفاً عن الجهل والتقليد. والثاني أنه جعل القرآن على هذا الوجه ليكون تكليفنا به أشق، ويكون في باب الثواب أدخل، وذلك شائع. فإن القديم تعالى إذا كان غرضه بالتكليف أن يعرضنا إلى درجة لا تنال إلا بالتكليف، فكل ما كان أدخل في معناه كان أحسن لا محالة» . وعلى هذه الشاكلة ذكر الزركشي بأن الله جعل كتابه محكماً ومتشابهاً ليحثهم على التفكير فيه ومن ثم يثيبهم على قدراتهم وجهودهم الإجتهادية .

وهناك من المعياريين من جعل العلوم كلها موضوعة لنظرية التكليف، كابن حزم الاندلسي، إذ ذكر بأن الغرض من وجودنا في الدنيا هو تعلم ما أراده الله تعالى منا وأخبرنا عنه، وهو معرفة الشريعة والعمل بموجبها للتخلص من البلاء الذي ابتلانا الله تعالى به في الدنيا. فقد ربط إبن حزم العلوم بهذه الغاية المعيارية. وعلى رأيه أنه لا تتم صحة معرفة الشريعة إلا بمعرفة أحكام الله وعهوده في كتابه المنزل، وكذلك بمعرفة ما بلّغه النبي (ص) إلينا وما أوصانا به، وأيضاً ما أجمع علماء الديانة عليه وما اختلفوا فيه، وكل ذلك لا يتم إلا بمعرفة الرجال الناقلين لتلك الأمور وأزمانهم وأسمائهم وأنسابهم، ومعرفة المقبولين منهم وتفرقتهم عن غيرهم. كما أن ذلك لا يتم إلا بمعرفة القراءات المشهورة ليوقف بذلك على المعاني المتفق عليها وتمييزها عن غيرها، وهو لا يتم إلا بمعرفة اللغة ومواقع الإعراب وما يقتضيها من التعرف على علم الشعر لعلاقة الإعراب به. كما لا بد من التعرف على علم الهيئة لمعرفة القبلة وأوقات الصلوات، ولا بد من معرفة علم الحساب لتقسيم المواريث والغنائم وغيرها. كما لا بد من التعرف على حدود الكلام لمعرفة حقيقة البرهان مما يحتاج إلى علم المنطق والفلسفة. ولا بد أيضاً من معرفة العيوب التي تجبّ التكليف كعاهة الجنون والآفات المختلفة، وهو ما يحتاج إلى علم الطب. ولا بد لمعرفة كيفية الدعاء إلى الله من علم الخط والبلاغة وما إليها. كما أنه لا بد من معرفة عبارات الرؤيا بإعتبارها حقاً «وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»، وهو ما يحتاج إلى التمكن من سائر العلوم المذكورة. وأخيراً يذكر إبن حزم بأن الحاجة تمت إلى التعرف على علم النجوم لمعرفة الصواب من الخطأ في القضاء بالنجوم. وبذلك تكون جميع العلوم التي عرفها هذا المفكر لها غاية معيارية تتمثل في نظرية التكليف .

ويلاحظ أن هناك خصوصيتين للبنية المعيارية داخل النظام المعياري، إحداهما معرفية، وهي التي تناظر ما عليه النظام الوجودي. أما الأخرى فليس لها ما يقابلها في النظام الأخير، إذ تتضمن جانباً من الموقف النفسي إتجاه القضايا الدينية والإحساس بالقداسة، كما يتم التعبير عنها بالحرمة إزاء «معيار» نظرية التكليف، خشية التفريط بالحق المتعلق بالله أو المكلِّف. فالكثير من علماء هذا النظام يتحرّجون من أن يضيفوا رأياً من عندهم خارج الحد المتعارف عليه، خشية تجاوز هذا الحق المعياري؛ بما في ذلك «المسائل الوجودية» التي نصّ عليها الخطاب، كمسألة الإستواء على العرش، الأمر الذي يفسّر السبب الذي جعل أغلب علماء السلف يلجأون إلى التفويض والاحتياط خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة. وكثيراً ما كان العالم يتخذ من قاعدة الاحتياط موقفاً عملياً، حتى لو كان رأيه النظري بخلاف ما يؤدي إليه الموقف العملي وما يستلزمه هذا الموقف من حدوث بعض الأضرار . ويذكّرنا هذا الأمر بما نقله الشيخ محمد جواد مغنية عن أحد أساتذته أثناء الدرس حول طهارة أهل الكتاب، حيث قال الأستاذ: «إن أهل الكتاب طاهرون علمياً نجسون عملياً»، فأجابه الشيخ بالحرف أيضاً: «هذا إعتراف صريح بأن الحكم بالنجاسة عمل بلا علم». مما جعل الاستاذ ورفاق الصف يضحكون، كما نقل .

ورغم توظيف النظام المعياري لعلوم العربية لصالحه، سيما ما يتعلق بالدائرة النقلية، لكن ذلك لا يجعل من هذه العلوم علوماً تابعة له، فهي محايدة كالمنطق في علاقته بالفلسفة، وإن تمّ توظيف كل منهما لتحقيق مطالب النظامين، بل أن الشواهد التاريخية تثبت بأن التوظيف كان في بعض الأحيان معكوساً، بمعنى أن النظام المعياري وظّف المنطق لصالح قضاياه ضد النظام الوجودي، كما أن الأخير وظّف بدوره اللغة العربية لإثبات مطالبه ضد الأول. وهذا يعني أن كلاً من اللغة العربية والمنطق لا يحمل تصورات عقائدية أو وجودية خاصة، بل هما صوريان يقبلان التطبيق على مختلف العلوم التي تناسبهما.

لذلك فإن مناقضة البيانيين للمنطق ليس المقصود منه مناقضته لذاته، فهو في حد ذاته لا يعارض البيان أو المعيار؛ بإعتباره صورياً، بل لأن الفلاسفة صاغوه واستخدموه لأغراضهم «الوجودية» حتى أصبح ملاصقاً لأعمالهم الفلسفية، لذا أبعده أهل المعيار عن إهتمامهم وحرّمه آخرون لهذا الغرض، حتى حان وقت إعادة ترتيب إعتباره وتوظيفه داخل حيز البيان والنظام المعياري عموماً، كما فعل إبن حزم والغزالي والفخر الرازي وغيرهم، وهو ما أشار إليه إبن خلدون في مقدمته. فكما ذكر بأن «صناعة المنطق قبل إمام الحرمين الجويني لم تكن ظاهرة في الملة، وما ظهر منها بعض الشيء لم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك» . ونقل السيوطي في (الحاوي للفتاوي) آراء عدد من العلماء الذين حرموا الاشتغال بالمنطق لكونه، كما يعتقد، يجر إلى الفلسفة والزندقة، فاعتبر أول من نصّ على التحريم الشافعي، ومن أصحابه إمام الحرمين والغزالي في آخر أمره، وإبن الصباغ صاحب (الشامل) وإبن القشيري ونصر المقدسي والعماد بن يونس وحفده والسلفي وإبن بندار وإبن عساكر وإبن الأثير وإبن الصلاح وإبن عبد السلام وأبو شامة والنووي وإبن دقيق العيد والبرهان الجعبري وأبو حيان والشرف الدمياطي والذهبي والطيبي والملوي والأسنوي والأذرعي والولي العراقي والشرف بن المقري وقاضي القضاة شرف الدين المناوي. ونصّ عليه من أئمة المالكية إبن أبي زيد صاحب (الرسالة) والقاضي أبو بكر بن العربي وأبو بكر الطرطوشي وأبو الوليد الباجي وأبو طالب المكي صاحب (قوت القلوب) وأبو الحسن بن الحصار وأبو عامر بن الربيع وأبو الحسن بن حبيب وأبو حبيب المالقي وإبن المنير وإبن رشد وإبن أبي جمرة وعامة أهل المغرب. ونصّ عليه من أئمة الحنفية أبو سعيد السيرافي والسراج القزويني الذي ألّف في ذمّه كتاباً سماه (نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلى بحب علم المنطق). كما نصّ عليه من أئمة الحنابلة إبن الجوزي وسعد الدين الحارثي وإبن تيمية الذي ألّف في ذمّه ونقض قواعده مجلداً كبيراً سماه (نصيحة ذوي الإيمان في الرد على منطق اليونان) .

لكن على رأي إبن خلدون فإنه منذ الجويني أخذت صناعة المنطق طريقها وسط أهل الملة، ثم انتشرت وقرأها الناس وفرّقوها عن العلوم الفلسفية من حيث أنها قانون ومعيار للأدلة فقط . ثم جاء الفخر الرازي فسبق غيره في إعتبار المنطق علماً مستقلاً بذاته؛ وهو أنه آلة للعلوم .

أما نظام الفلسفة والتصوف فحيث أنه يستند إلى إشكالية الوجود والحتمية، فإن فهمه للخطاب لم يرتكز على نزعة «المعيار» كما هو الحال في النظام الأول، بل قام على نزعة «الوجود» وإعتباراته الحتمية، إلى الحد الذي أصبح الخطاب بحسب هذا الفهم مرآة لإظهار الوجود وحتميته حتى في القضايا المعيارية الصميمة؛ بما فيها مسألة التكليف ذاتها. فطبقاً لهذا الفهم فإن عملية التكليف التي يبديها الخطاب تتخذ طابعاً مجازياً حقيقته الوجود والحتمية.

وكتأكيد لهذا المعنى نرى الفيلسوف الأرسطي إبن رشد يردّ مصدر التكليف الأمري الإنشائي (المعياري) إلى تكليف (وجودي)، إذ اعتقد بأن لله أمراً «وجودياً» حكم فيه على الفلك الذي يخصّه بالحركة وأمر سائر المبادئ المفارقة بأن تأمر جميع الأفلاك الأخرى بالحركات، وهو الأمر الذي قامت عليه السماوات والأرض «وهذا التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيواناً ناطقاً» . وهو من منطلق هذا المعنى جعل عبادة الحكماء وشريعتهم الخاصة «وجودية»، فخصوصية هذه العبادة والشريعة تتعلق - عنده - بالفحص عن جميع الموجودات «إذ كان الخالق لا يُعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه» .

كما أن صدر المتألهين اعتبر الرسالات السماوية للأنبياء داخلة في المعنى الوجودي الحتمي، متصوراً أن فائدتها الوجودية جاءت تبعاً لما يفرضه القضاء الوجودي في سابق الأزل . وهو من منطلق هذا المعنى فَهِمَ قضايا الخطاب المعيارية فهماً وجودياً خالصاً، كما في تفسيره لآية ((قل كل يعمل على شاكلته)) ، حيث رآها تعني بأن كل شيء يخرج على شاكلة الأصل ـ الله ـ، كالذي جاء في الحديث النبوي القائل: (خلق الله آدم على صورته) .

وكذا فعل زعيم العرفاء الشيخ الأعرابي قبله، فهو أيضاً فَهِمَ قضايا المعيار في الخطاب فهماً وجودياً، ورأى الأمور تجري حتمياً بما فيها قانون العبادة والتكليف. فهو يعدّ قوله تعالى ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)) ؛ ذا دلالة على القضاء التكويني، فمعنى (قضى) هو (حكم)، والمعنى العام للآية هو أن الكل محكوم عليه بعبادة الرب حقيقة، حكماً وجودياً حتمياً غير معياري . وقد أبدى - بحسب هذا المنطق - بعض التحيّر والتشكيك في طبيعة النزعة المعيارية لحقيقة التكليف، كالذي يلاحظ في أبياته الشعرية التالية:

الرب حق والعبد حق                      يا ليت شعري من المكلّف

إن قلت عبد فذاك نفي                     أو قلت رب فما يكلف

وكم قلت

حيرة من حيرة صدرت                            ليت شعري ثم من لا يحار

أنا مجبور ولا فعل لي                    فالذي أفعله باضطرار

والذي أسند فعلي له                        ليس في أفعاله بالخيار

أنا إن قلت أنا قال لا                       وهو إن قال أنا لا يغار

فأنا وهو على نقطة                        ثبتت ليس لها من قرار

وكم قلت

تعجبت من تكليف ما هو خالق          له       وأنا لا فعل لي فأراه

فيا ليت شعري من يكون مكلفاً          وما ثم إلا الله ليس سواه

هكذا تكون النزعة الوجودية لفهم الخطاب وقضاياه المعيارية ظاهرة على لسان كل من أصحاب الفلسفة (ابن رشد) والعرفان (ابن عربي) والإشراق (صدر المتألهين الشيرازي)..

***

ونشير أخيراً إلى التمايز الحاصل بين النظامين المعياري والوجودي من خلال المباحث الفلسفية العامة لكل من: المعرفة (الإبستمولوجيا) والوجود والقيم. كما هناك تمايز آخر يتعلق بالفكر الغربي الحديث أو بعض تياراته الهامة.

فقد إستند البحث في النظام المعياري إلى إشكالية (القيم) كما تتمثل في نظرية التكليف، ومنها تعدى إلى إشكاليتي المعرفة والوجود. فكما عرفنا بأن مباحث هذا النظام كانت تدور حول (نظرية التكليف) وقد تأثرت بها كل من الإشكاليتين السابقتين. فالغرض من (المعرفة) لدى هذا النظام هو عبادة الله والالتزام بتكاليفه، لذلك كان النظر المعرفي من الواجبات. والكثير من علمائه يذهبون إلى أنه أول الواجبات الملقاة على عاتق الإنسان . وكذا هو الحال مع مبحث الوجود، فالغرض منه هو التوصل إلى معرفة الله وصفاته وعلاقته بالإنسان لتحديد موارد تكليفه. إذ يعتقد هذا النظام بأن الله خلق الإنسان لإبتلائه وإمتحانه طبقاً لنظرية التكليف، فأوجد فيه الشهوات والعقل، وأمده بقوى الخير والشر، وأرسل إليه الملائكة والشياطين؛ لإلهامه بالخير وتضليله بالشر، كما سخّر له سائر المخلوقات الطبيعية.. كل ذلك لذات الغرض من التكليف والإمتحان.

في حين دار البحث في النظام الوجودي حول إشكالية (الوجود)، ومنه تعدى إلى المبحثين الآخرين. فقد انعكس تأثير الإشكالية الوجودية على كل من القيم ونظرية المعرفة، فأصبحت القيم لدى هذا النظام مجازية لأنها محكومة بالحتمية الوجودية، كما أصبحت المعرفة ذات أبعاد مطلقة وضرورية بفضل التطابق مع الواقع، سيما وأنها مستلهمة من العقل السماوي الفعال.

أما الفكر الغربي الحديث، أو بعض تياراته الهامة، فقد اشتغل على نظرية المعرفة، ومنها تعدى البحث إلى إشكالية الوجود والقيم، كالذي يظهر لدى كل من ديكارت وبيكون ولوك وهيوم وستيوارت مل وعمانوئيل كانت والوضعيين المنطقيين وفلاسفة العلم وغيرهم. والذي جعل هذا الفكر يهتم بنظرية المعرفة هو أنه قد شكك بالمسلمات المعرفية، وغلب عليه عدم التسليم بوجود تطابق بين العقل والوجود، خلافاً للنظام الوجودي الذي برر التطابق وفقاً لمبدأ السنخية كأصل مولّد. فرؤية الفكر الغربي للوجود هي رؤية ينتابها التردد والشك وأنها لا تتوغل صوب القضايا الميتافيزيقية كما يفعل النظام الوجودي. كما أن تأثيرها على القيم بيّن هو الآخر، بإعتبارها تخضع للتحليل المعرفي لدى هذا الفكر، وهو غالباً ما يراها ذاتية وليست تجلياً من تجليات الحتمية الوجودية. فهي بنظره ليست منعكساً إعتبارياً وفق ما تدور عليه العلاقات الوجودية كالذي يصوره النظام الوجودي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2722 المصادف: 2014-02-17 01:05:10


Share on Myspace