 دراسات وبحوث

الفرانكفونية إيديولوجية نيوكولونيالية بغطاء ثقافي

1idriss jandari- الفرانكفونية .. حول سؤال النشأة

استعملت كلمة الفرانكفونية بإحالة وصفية خالصة، منذ 1880، وذلك على يد الكثير من الجغرافيين، لكن تحول الكلمة إلى مصطلح يحيل على دلالة مركزة لم يتم إلا مع الجغرافي Onésime Reclus 1837- 1916

و ذلك بعد الحرب العالمية الثانية؛ في عدد خاص من مجلة (ESPRIT) سنة 1962. ولم يعرف هذا المصطلح انتشاره الحقيقي والواسع إلا مع الزعيم الإفريقي " ليوبولد سيدار سنغور" Léopold Sedar Senghor الذي شغل منصب رئاسة السنغال مباشرة بعد خروج فرنسا، وهو خريج الأكاديمية الفرنسية التي تأسست خلال مرحلة القرن السابع عشر على عهد لويس الثالث عشر، وكان عملها متمركزا حول ترسيخ اللغة الفرنسية ونشرها عبر العالم، وتعتبر هذه الأكاديمية البداية التأسيسية للمراكز الثقافية الفرنسية التي ستعمل فرنسا على نشرها عبر المعمور، وخصوصا في مستعمراتها السابقة.

ومن خلال ارتباط اسم الزعيم الإفريقي (السنغالي) باسم هذه الأكاديمية يمكن، منذ البداية، أن نستوعب الشكل الجديد الذي رسمته فرنسا لحركتها الاستعمارية التي ستحولها إلى استعمار ثقافي، وهو في جوهره أقوى وأعنف من الاستعمار العسكري السابق، وذلك لأن الهدف في الشكلين معا من الاستعمار هو الهيمنة والاستغلال الاقتصادي. وإذا كان الشكل الأول من الاستعمار واضحا وقابلا للمقاومة المسلحة، وهذا ما تم حتى اندحر، فإن الشكل الثاني من الاستعمار يعتمد قفازا حريريا، ولذلك يتمكن من التسلل خفية ويحقق أهدافه الإستراتيجية بكل أمان، بل وبمساعدة من المستعمر (بفتح الميم).

هذا الطابع الاستعماري لمصطلح الفرانكفونية، كما وضعه الجغرافي الفرنسي وروج له الزعيم الفرانكفوني السنغالي في إفريقيا، هو ما يعلن عنه صراحة الطابع الإتمولوجي لكلمة فرانكفونية Francophonie حيث نجد المعجم الفرنسي يتعامل مع الكلمة من منظورين:

- المنظور الأول: حينما تحيل الكلمة على المتكلم للغة الفرنسية (من دون شرط الانتماء إلى دولة تنتمي إلى الفضاء الفرانكفوني ) وفي هذه الحالة يكتب الحرف الأول من الكلمة بشكل مصغر Minuscule على الشكل التالي: francophonie

- المنظور الثاني: حينما تحيل الكلمة على من ينتمي إلى بلد فرانكفوني –و هو بالضرورة يتكلم الفرنسية من منظور المعجم الفرنسي- وينتمي كذلك إلى بلد عضو في المنظمة العالمية الفرانكفونية. وفي هذه الحالة يكتب الحرف الأول من الكلمة بشكل مكبر Majuscule على الشكل التالي: Francophonie

ويحيل هذا الطابع الإتمولوجي للكلمة على أبعاد إيديولوجية تتجاوز ما يروج من طرف الفرانكفونيين، من أن الفرانكفونية تسعى إلى ترسيخ التبادل الثقافي واللغوي بين الحضارات والشعوب بعيدا عن أية خلفيات أخرى !!! فالمعجم الفرنسي واضح في هذا الأمر، عندما يريد استعمال الكلمة بمعناها اللغوي (نسبة إلى متكلم اللغة الفرنسية) من دون خلفيات إيديولوجية يرسم الكلمة على الشكل الأول. لكن الأمر مختلف جذريا عندما يرسم الكلمة على الشكل الثاني، حيث تفوح رائحة الإيديولوجية حتى تزكم الأنوف، إلا للذين عدموا حاسة الشم طبعا !

ولعل المعنى الحقيقي للفرانكفونية، هو ما يحمله الشكل الثاني لأن ظهور الكلمة وتحولها، فيما بعد، إلى مصطلح دقيق ارتبط بفترة انسحاب فرنسا من مستعمراتها السابقة تحت ضربات المقاومة المسلحة (وخصوصا في المغرب العربي)، ولذلك تبلور المصطلح بهدف تحويل الخطة، من استعمار عسكري إلى استعمار ثقافي يمر عبر الاختراق اللغوي. لكن الإستراتيجية ظلت هي نفسها، الخروج من الباب والدخول من النافذة.

لقد كانت فرنسا واعية تمام الوعي، بأن تحقيق الاستمرارية، في بسط الهيمنة على مستعمراتها، لا يمر بالضرورة عبر التواجد العسكري، ولكن قد يكون الأمر أقل تكلفة وأكثر ربحا، من منظور الاستعمار الثقافي، وما دامت اللغة هي المدخل الرئيسي في أي استعمار بهذا الشكل، فإن الأمر كان يتطلب التفكير في الوسائل اللازمة لفرض اللغة الفرنسية على المستعمرات، إما كلغة أولى (السنغال مثلا) أو على الأقل كلغة ثانية (نموذج دول المغرب العربي).

وإذا كان التحكم في الأجساد يمر عبر التحكم في العقول والأرواح، كما كان يروج دهاقنة الاستعمار، فإن أسهل وسيلة لتحقيق هذا الهدف هي الاختراق اللغوي، ويمر ذلك عبر تقديم اللغة الفرنسية للمستعمرات القريبة العهد باستقلالها الشكلي باعتبار لغة الحضارة ولغة الإنسان الأبيض الذي قدمه الاستشراف باعتباره مركز العالم. وإذا كانت اللغة هي المدخل الرئيسي لتشكيل الهوية، فإن فرنسا، عبر اختراقها اللغوي للمستعمرات السابقة، كانت تضرب عصفورين بحجر واحد، فهي من جهة تسعى إلى تكسير هويات المستعمرات حتى تشل حركتها على المقاومة لأن الجسد المقاوم هو فكر وروح متماسكين دينيا ولغويا وثقافيا، ومن جهة أخرى كانت تسعى إلى تعويض هذه الهويات بالهوية الاستعمارية البديلة والهدف الاستراتيجي هو تحقيق السيطرة على المستعمرات، لأطول وقت ممكن، من خلال تحقيق استمرارية استغلالها اقتصاديا، سواء كمناجم للمواد الأولية وأيدي عاملة رخيصة، أو كسوق استهلاكية واسعة تفتخر فرنسا، من خلال موقع منظمة الفرانكفونية، بأنها تضم أكثر من 200 مليون مستهلك.

2- الفرانكفونية في العالم العربي .. الاستعمار الثقافي بديلا للاستعمار العسكري

خضعت مجموعة من دول العالم العربي للاستعمار الفرنسي الذي بدأ في اختراق المنطقة المغاربية، منذ 1832 من خلال احتلال الجزائر، ووصلت السيطرة الاستعمارية ذروتها بعد فرض الحماية على المغرب سنة 1912 . ونفس الوضع عاشته سوريا في المشرق العربي، فقد فرض الانتداب الفرنسي عليها بضوء أخضر من عصبة الأمم المتحدة عام 1922، وذلك بادعاء المساعدة في إنشاء مؤسسات للدولة بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية،

وقد تداخلت مجموعة من العوامل، الداخلية والخارجية، مكنت فرنسا في الأخير من بسط سيطرتها على جزء من المنطقة العربية، بادعاء إدخال الإصلاحات، ونقل المنطقة إلى العصر الحديث! لكن الهدف الحقيقي كان استعماريا صرفا يدخل ضمن الحركة الاستعمارية التي قادتها أوربا خلال مرحلة القرن التاسع عشر، حيث تم تقسيم إفريقيا وجزء من آسيا بين الدول الاستعمارية الكبرى (بريطانيا- فرنسا – إيطاليا – ألمانيا ...) .

وقد استمرت الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، حتى حدود الستينيات من القرن العشرين (بخصوص المغرب العربي) حيث انسحبت فرنسا على وقع مقاومة شرسة، سواء في المغرب أو في الجزائر أو في تونس ... لكن هذا الانسحاب لم يكن تاما لأنه كان من جنس الاستقلال المشوه والناقص الذي قبل به الانتهازيون خدمة لمصالحهم الخاصة وعلى حساب مصلحة أوطانهم.

لذلك، تمكنت فرنسا من الجمع ما بين الانسحاب الشكلي والإبقاء على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وذلك بالاعتماد على خدامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم) الذين سيحملون راية الفرانكفونية عاليا. ويتشكل هؤلاء، في الأغلب، من النخبة السياسية الحاكمة، وكذلك من النخبة الثقافية التي دافعت عن مصالح فرنسا في المنطقة بادعاء الدفاع عن قيم الحداثة التي لا يمكنها، يا للغرابة، أن تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية !

إن الحفاظ على مصالح فرنسا، يمر عبر ترسيخ استعمار بديل يعوض الانسحاب العسكري، وهو أخطر من سابقه. هكذا كان قادة الاستعمار يفكرون، منذ البداية، لذلك توجهوا إلى إخضاع النفوس والعقول ثقافيا، للتمكن من إخضاع الأجساد، وحتى إذا توهمت الأجساد التحرر تبقى العقول والنفوس مقيدة وتابعة.

هذا، بالضبط، هو ما وعاه مدير التعليم في المغرب خلال الفترة الاستعمارية (جورج هاردي) الذي يقول: "إن انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل، إن القوة تبني الإمبراطوريات ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام. إن الرؤوس تنحني أمام المدافع في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد والرغبة في الانتقام. يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان، وإذا كانت هذه المهمة أقل صخبا من الأولى فإنها صعبة مثلها، وهي تتطلب في الغالب وقتا أطول. "

G.Hardy : Le Problème Scolaire Au Maroc – IMP. Rapide- Casablanca -1920.

وإذا كان إخضاع النفوس والعقول، خلال المرحلة الاستعمارية، مرتبطا بإخضاع الأجساد عبر السلاح، فإن اضطرار فرنسا إلى الانسحاب، على وقع ضربات المقاومة، سيدفع المستعمر الفرنسي إلى التفكير في آليات جديدة للإخضاع تتميز بالمرونة والنعومةsoft power وهي بذلك تعتمد الثقافة واللغة كأداة للسيطرة. ولذلك، فإنه ليس من الغرابة أن تتأسس الفرانكفونية، كآلية استعمارية، مباشرة بعد انسحاب فرنسا عسكريا من مستعمراتها، والتواريخ التي ترتبط بهذا التأسيس توضح هذا الأمر بجلاء :

• 1960 انعقاد المؤتمر الأول لوزراء التربية والتعليم في فرنسا وإفريقيا، حيث تبلور مفهوم الفرانكفونية نظرية ومنهجاً.

• 1961 تأسس اتحاد الجامعات الناطقة كلياً أو جزئياً باللغة الفرنسية.

• 1962 نشرت مجلة (ESPRIT) الفرنسية عدداًً خاصاً حول محور (اللغة الفرنسية لغة حية) واعتبر محتوى العدد بمثابة البيان الأول للفرانكفونية.

• 1964 تأسست فدرالية الجمعيات للانتشار الفرنسي.

• 1966 تشكلت اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسية، وأُقِرت بمرسوم جمهوري. ويرأسها رئيس الوزراء الفرنسي، وتتألف من عشرين شخصية تنتمي لعالم السياسية والأدب والفن والعلوم والإعلام والصناعة. وتحددت مهمتها في تطوير العلاقات الثقافية بين الدول الفرانكفونية من المستعمرات وغيرها، ودراسة الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك.

• 1966 تم تأسيس المجلس العالمي للغة الفرنسية، وهو عبارة عن أكاديمية فرنسية دولية للبت في النزاعات اللغوية المتوقعة بين مستعملي اللغة الفرنسية من الدول الفرانكفونية، وسائر المشتغلين بها من أهل الفكر.

• 1966 أيضاً تأسست المنظمة الدولية للبرلمانيين الناطقين بالفرنسية، بمطالبة من الرئيس السنغالي السابق (ليوبولد سنغور) حيث جعلت مقر إقامتها في بروكسيل، ومقر أمانة سرها في باريس. ثم انبثقت عنها مؤسسة (كوكبة المشاهير) التي بدأت تمنح جوائز أدبية لأفضل الكتاب والشعراء الفرانكفونيين.

ـ 1969 تأسست في باريس الفدرالية الدولية لأساتذة اللغة الفرنسية.

ـ 1970 تأسست الفرانكفونية بمفهومها الجديد، باسم (وكالة التعاون الثقافي والفني للتبادل الثقافي مع الحكومات)، واعتبر تاريخ تأسيسها الموافق ليوم (20 مارس) بمثابة اليوم العالمي للفرانكفونية. وقد اجتمع لذلك رؤساء ثلاث دول تحت الرعاية الفرنسية، وهم: الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، والرئيس السنغالي السابق ليوبولد سنغور، والرئيس النيجيري السابق حماني ديوري. فضمت الوكالة الفرانكفونية 12 دولة أصبحت بعد ذلك 50 دولة تمثل القارات الخمس.

ـ 1974 تأسست الجمعية الفرانكفونية للاستقبال والاتصال.

ـ 1986 انعقد المؤتمر الأول للفرانكفونية بباريس بعدما تم التحضير له سنة 1985 في دكار بالسنغال. وقد ضم بالإضافة إلى المستعمرات القديمة بلداناً أخرى مثل بلجيكا واللكسمبورغ ومقاطعة الكيبك الكندية. وقد تتابعت المؤتمرات كل سنتين، في كل من كيبك، ودكار، وجزر موريس، وكوتونو، وهانوي...

ـ 1997 انعقد مؤتمر الفرانكفونية في هانوي، حيث تم إحداث منصب الأمين العام للفرانكفونية الذي يكون بمثابة سكرتير عام لها وناطق رسمي باسمها، وممثل لها في المحافل الدولية والمؤتمرات والهيئات والمنظمات، وقد تم انتخاب السيد بطرس بطرس غالي لشغل ذلك المنصب.

ـ 1998 انعقدت المناظرة الوزارية للفرانكفونية في بوخارست، حيث تم إقرار مصطلح (المنظمة الدولية للفرنكوفونية) للدلالة على مجموع هيئات الفرانكفونية.

SITE : Organisation Internationale De La Francophonie (WWW.FRANCOPHONIE.ORG)

إن ما يبدو واضحا من خلال هذا الجرد الكرونولوجي> ، هو أن بداية الفرانكفونية صارت بشكل متواز مع انسحاب فرنسا من مستعمراتها، وهذا ليس صدفة البتة، بل يجد تفسيره في الاستعمار الجديد الذي أسست له فرنسا بعد دحرها على يد المقاومة المسلحة. وقد اعتمدت فرنسا، في استعمارها الجديد، على النخبة السياسية والثقافة التي استفادت من الاستعمار ماديا ورمزيا، وكانت أول المتضررين من الانسحاب الاستعماري الفرنسي، لذلك كانت هذه النخبة أول حاضن لهذه الطموحات الاستعمارية وأول مروج لها، وذلك تحت يافطة الانفتاح اللغوي والتبادل الثقافي وترويج قيم الحداثة ...

ولعل الاختراق الحقيقي، الذي دشنته الفرانكفونية في مستعمراتها الحاصلة للتو على استقلال شكلي، تم من داخل منظومة التعليم، حيث كانت اللغة الفرنسية، بعد انسحاب فرنسا من مستعمراتها، هي لغة التدريس ولا تشاركها العربية إلا بنسبة قليلة جدا، وذلك راجع بالأساس إلى طبيعة تكوين النخبة السياسية والثقافة التي قادت منظومة التعليم، وهو تكوين فرانكفوني صرف لم تنجح السياسات المتبعة، فيما بعد، في التقليل من هيمنته ( مبدأ التعريب ومبدأ المغربة بخصوص التجربة المغربية مثلا) .

ومن داخل مؤسسات التعليم، حافظت اللغة الفرنسية على تواجدها القوي داخل مستعمرات فرنسا السابقة، لأن ما يهم فرنسا أكثر هو تشكيل النخب السياسية والثقافية على مقاسها ثقافيا ولغويا، وذلك من منظور استراتيجي بعيد المدى يقوم على اعتبار هذه النخب امتدادا لمصالح فرنسا في مستعمراتها السابقة. " إن الفرانكفونية في العالم العربي هي بالأساس مدرسية وجامعية" تؤكد أستاذة الأدب المعاصر بجامعة القديس يوسف كاتيا حداد.

(كاتيا حداد) - حصيلة دراسة واقع الفرانكفونية في العالم العربي - أعمال الندوة التي نظمتها جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للفرانكفونية ومعهد العالم العربي بباريس، 31-30 مايو / أيار 2000 - إصدار الإيسيسكو .

ومن خلال دراسة استقرائية لحضور اللغة الفرنسية (أداة الفرانكفونية) في العالم العربي تخلص (كاتيا حداد) إلى خلاصات كبيرة الأهمية:

• الخلاصة الأولى: ترتبط بتراجع حضور اللغة الفرنسية في مجموع هذه الدول كلغة التواصل اليومي كما كان الأمر أثناء الاستعمار " فقد مضى عهد كان فيه حضور اللغة الفرنسية أكثر تنوعا حيث كانت الفرنسية "تجوب الشوارع " مما يعني أنها لم تكن محصورة في حيز المدرسة."

• الخلاصة الثانية: وفي مقابل تراجع اللغة الفرنسية كلغة للتواصل اليومي، فإنها تعوض هذا التراجع عبر حضور كثيف في المدارس، كلغة أساسية في مناهج التعليم، وذلك باعتبارها أصبحت تقترن (من منظور الاستلاب اللغوي طبعا) بمؤشر من مؤشرات التنمية المتمثل في المدرسة، ولذلك تؤكد (كاتيا حداد) أن تعلم الفرنسية في المدرسة قد يكون بمثابة استثمار على المدى البعيد . وتفسر ذلك باعتبار أن من يتعلم اللغة في المدرسة خليق أن يحافظ عليها فيما بعد بحيث تصاحبه مدى حياته..

ومن خلال هذه الدراسة الاستقرائية، تثبت الأستاذة (كاتيا حداد) بالأرقام الهيمنة التي أصبحت تمارسها اللغة الفرنسية في مجموعة من الدول العربية، فهي تخترق مؤسسات التعليم، باعتبارها لغة العلوم والمعرفة الحديثة، في زمن لجوء المؤسسات الأكاديمية الفرنسية نفسها إلى اللغة الإنجليزية !؟ وهذا الأمر، في الحقيقة، أكثر من محير ويثبت بالملموس أن اللغة الفرنسية في هذه الدول ليست اختيارا بيداغوجيا، يرتبط بمناهج التعليم، لأن هذه اللغة تثبت الآن أنها غير قادرة على مسايرة التطور العلمي الحاصل باللغة الإنجليزية، بل حتى باللغة الصينية واللغة الألمانية وبعض اللغات الحية الأخرى .

تقول الأستاذة كاتيا حداد : " وقد أتاحت لنا الدراسة الاستقرائية التي قمنا بها إبراز حقيقة أن الفرانكفونية المدرسية تقدمت خلال العقد الأخير ولم تتأخر، وكان من أسباب هذا التطور انحسار تيار التعريب من المناهج الدراسية، فقد شهد العقد الأخير إعادة إدراج اللغة الفرنسية أو تقويتها في البرامج الدراسية بدرجات متفاوتة، وذلك في البلدان الآتية: تونس والمغرب وسوريا ومصر. وفي لبنان، تم اعتماد مبدأ الازدواجية اللغوية المبكرة على مستوى الدولة، وهو مبدأ جاء ليزكي اختيارات السكان اللغوية ويضفي طابعاً رسمياً على مكانة اللغات الأجنبية، وبخاصة مكانة اللغة الفرنسية، وكان هذا الإجراء أول سابقة من نوعها في هذا البلد"

إن ما يفسر هذا الحضور القوي للغة الفرنسية ضمن مناهج التدريس في مجموعة من الدول العربية، يرتبط في العمق بأبعاد إيديولوجية ومصلحية، ترتبط بالهيمنة التي أصبحت تمارسها الفرانكفونية على مستعمرات فرنسا السابقة، من خلال الحضور القوي للوبي الفرانكفوني الذي يتشكل من نخب ثقافية وسياسية واقتصادية لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها الخاصة، في علاقتها بالمستعمر السابق الذي نسجت معه شبكة من المصالح، الأمر الذي يحول اللغة لديها إلى إيديولوجيا تتجاوز كل حدود المنطق .

ومن هذا المنظور الإيديولوجي الصرف، انبرت النخبة الفرانكفونية للدفاع عن الاستعمار الجديد، ولو أدى الأمر بأحد رواد التيار الفرانكفوني في لبنان إلى محاولة تبرير الحملة الاستعمارية الوحشية التي قادها نابليون على مصر. وفي هذا الصدد يقول (غسان تويني) سفير لبنان ووزيره السابق : " وأتذكر هنا على الخصوص فصلا ربما كان من أحلك الفصول وأغناها أيضا في تاريخ الحقبة التي تهمنا : وأقصد حملة نابليون على مصر. فهذه الحملة التي قلما تدرس من زاوية الحوار قد اكتسبت زخما وجوديا استمر بعد طي صفحة العنف وما صاحبه من القتل والدمار والاضطهاد، ليصبح مصدرا رائعا للاكتشافات المتبادلة، وبالتالي مصدرا لحوار بين الثقافات بأوسع معانيه، أي ذلك الحوار التي يتعدى نطاق التفكير النظري المجرد ليساهم في تغيير العادات والأفكار" !!!

غسان تويني- أعمال ندوة الفرانكفونية والعالم العربي – المرجع السابق

إن الحملة العسكرية، التي قدها نابليون على المشرق العربي، في نظر تويني لا تعد استعمارا وحشيا بهدف السيطرة على الموارد الطبيعية لدفع عجلة الرأسمالية، كما لا تعد أيضا –في نظر تويني دائما- استمرارا للحملة الصليبية التي كانت تسعى إلى قلب التوازنات الثقافية والدينية السائدة . بل على العكس من ذلك، تعتبر هذه الحملة الاستعمارية (مصدرا رائعا للاكتشافات المتبادلة) كما تعتبر (مصدرا للحوار بين الثقافات) . لكن المسكوت عنه في كلام (تويني) هو ما يعلن عن نفسه آخر الكلام، ولو خرج من دون قصد (زلة لسان).

إن الهدف الحقيقي لهذه الحملة هو ( المساهمة في تغيير العادات والأفكار). وهذا ما يناقض كل معاني الحوار والاكتشافات المتبادلة، التي يعلن عنها (تويني) بداية المقتطف. إن الهدف الحقيقي، إذن، هو قلب التوازنات الثقافية والدينية المرتبطة بالامتداد الحضاري العربي الإسلامي، بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي، وفي المقابل زرع البذور الأولى لاستعمار ثقافي فرانكفوني سيمتد ليعم كل منطقة الشام في المشرق العربي، كما سيعم منطقة المغرب العربي عبر الحملة الاستعمارية على المغرب وتونس والجزائر، والتي اعتبرت في نظر الكثير من أشباه (تويني) حملة حضارية، بامتياز، الهدف من ورائها تحقيق التواصل الحضاري، والاكتشافات المتبادلة... وهلم جرا من مثل هذه الفرقعات الإيديولوجية التي تنفضح عند أبسط قراءة فاحصة .

لقد أجهضت الحركة الفرانكفونية، من خلال دعاتها، كل النضالات التي خاضتها الشعوب العربية، مشرقا ومغربا، بهدف التحرر من قيود الاستعمار الفرنسي الذي حول الجزائر إلى مقاطعة تابعة لفرنسا، وحول المغرب إلى مستوطنة كبرى ومنجم لا ينضب من المواد الأولية المساعدة على دفع الحركة الرأسمالية في فرنسا، ونفس المصير كان لتونس. أما في المشرق العربي فقد دشنت حملة نابليون لانتداب فرنسي، سيعم كل منطقة الشام وسيحولها إلى امتداد اقتصادي وسياسي وثقافي ولغوي تابع للمترو بول الفرنسي.

وهذا ما يلخصه وزيرنا وسفيرنا السابق السيد (غسان تويني) في مداخلته السابقة: " (..) كل ذلك (يعني النضال ضد المستعمر) لم يمنعنا من البقاء في حظيرة الفرانكفونية. فنحن كنا نحارب فرنسا، ولكن الحوار الثقافي مع الفرانكفونية متواصل في المدارس والجامعات، وعبر الصحافة؛،ومن خلال الآداب والفنو ن خاصة." لقد كانت فرنسا على وعي تام بالدور الخطير، الذي تقوم به اللغة والثقافة في تعويض الاستعمار العسكري الذي أجهض على يد المقاومة، سواء في المشرق العربي أو في المغرب، ولذلك فقد كان التوجه واضحا لدعم النخبة الثقافية عبر توفير جميع الوسائل اللوجستية الداعمة للحضور الفرانكفوني .

وقد مر هذا الدعم من خلال ما كانت توفره –و ما تزال- الوكالة الدولية للفرانكفونية لمستعمرات فرنسا السابقة، سواء تعلق الأمر بإنتاج المناهج الدراسية في علاقة بوزارات التربية والتعليم، أو تعلق الأمر بدعم الكتب الموجهة للشباب، وكذلك عبر الدعم الوفير في مجال النشر، وفي مجال المساعدة للنهوض بالصحافة والإنتاج السينمائي. وكلها أشكال متعددة لدعم الحضور الثقافي واللغوي الفرانكفوني في الدول والمجتمعات العربية .

وقد كان هذا الدعم يمر عبر مجموعة من المؤسسات، نذكر منها: صندوق الاستثمار في مجال الصناعات الثقافية" و"صندوق المساعدة للنشر" و"صندوق دعم الصحافة المكتوبة لبلدان الجنوب" و"الصندوق الفرانكفوني للإنتاج المرئي والمسموع" إضافة إلى "الصندوق الفرانكفوني للطرق السريعة للمعلومات .

مداخلة السيد ستيليو فرنجيس الأمين العام للمجلس الأعلى للفرانكفونية "العربفونية"، واقع ومشروع- المرجع السابق

وقد أدى هذا التأطير وهذا الدعم السخي دورا خطيرا، واستطاعت فرنسا أن تحقق هدفها الرئيسي وهو منح مستعمراتها استقلالا شكليا بلا روح، مع استمرارية ارتباط الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) وجدانيا وثقافيا ولغويا بالمتروبول. وهذا ما كانت تعبر عنه النخبة المثقفة الحاملة لمشروع الفرانكفونية، حيث كان يصل بها الوجد والاتحاد إلى درجات من الحلول (الصوفي) وهي تعبر عن ارتباطها الوجداني العميق بالمستعمر الفرنسي؛ الذي تسوق صورته بوجه حضاري زائف . وقد كـان من ألـمع هـؤلاء المثـقفين (شـكري غـانم) الذي كان ينشر مقالاته في جريدة LE Journal Des Débats وكان كاتبا روائيا ومسرحيا وسياسيا، في الوقت نفسه، واشتهر على الخصوص بمسرحيته الغنائية "عنتر" التي أدتها فرقة من الممثلين والمغنين الفرنسيين في مسرح Odon منذ سنة 1910.

كتب غانم سنة 1918 في صحيفة Correspondance D’orient التي كان أحد مديريها إلى جانب جورج سامني يقول : " ألم يحن الوقت ونحن نعيش لحظة من أمجد اللحظات، لنعانق الروح الفرنسية وتتوحد فيها جميع أجناسنا، ألم يحن الوقت لنرتقي إلى مستواها، ونعلن شوقنا وإعجابنا وتقديرنا وإخلاصنا الذي لا يتزعزع للأمة التي بذل أبناؤها بسخاء دماءهم فدية للعالم ؟ إنها صورة وجدانية رائقة من احد أبناء العروبة، تعبر عن قمة الوجد الذي وصلت إليه النخبة الفرانكفونية في علاقتها بالمستعمر، وهذا الوجد، في الحقيقة، لا يمكن استيعابه إلا من خلال شبكة المصالح التي نسجتها هذه النخبة مع المستعمر، ولذلك فهي غير قادرة على التضحية بهذه المصالح في سبيل تحقيق استقلال تاريخي شامل لأوطانها.

وبهدف المحافظة على هذه الشبكة من المصالح، بذلت هذه النخبة المؤدلجة مجهودات جبارة، في سبيل التسويق للنموذج الاستعماري من منظور استشراقي فج يعتبر أن الحضارة الأوربية (الفرنسية من المنظور الفرانكفوني) هي منتهى ما وصل إليه الإنسان الحديث، لذلك فلا بديل عن هذه الحضارة لأن البديل هو حضارة (الشرق الرخيص) كما روج المستشرقون وأتباعهم من الفرانكفونيين العرب.

لذلك، فإن النخبة الفرانكفونية تحلم باستعمار جديد يعوض الاستعمار المدحور، وهذا الاستعمار هو من جنس الاستعمار الأوربي للقرن التاسع عشر، والذي حول منطقة البحر الأبيض المتوسط إلى امتداد أوربي (فرانكفوني بشكل خاص) بل إن بعضهم يحلم باستعمار أكثر عمقا وتجذرا، ويفوق في قوته الحركة الاستعمارية الرأسمالية الحديثة. إن مستقبل العالم العربي المتوسطي – حسب السفير والوزير اللبناني الأسبق- يكمن في اكتشاف "روح هيلينية" جديدة، والوصول إلى مثل أعلى كوني الأفق، وهو مطمح لا يمكن أن يتحقق، في ظل هذه النزعة العالمية التي تريد أن تبتلعنا إلا من خلال الفرانكفونية !

وهذه الروح الهيلينية أو (الهيلينيستية) التي يحلم (تويني) بعودتها إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، ترتبط بالحقبة الهلينيستية (وهي مستمدة من كلمة هيلين وهي الاسم العرقي الذي يطلقه اليونانيون على أنفسهم) وهي فترة متأخرة من الحضارة الإغريقية، وتمتد منذ أوائل القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن الخامس الميلادي. وخلال هذه الحقبة، هيمنت الثقافة الإغريقية على جميع بلدان البحر المتوسط، حيث كانت اليونانية هي لغة المهيمن والمسيطر الإغريقي، التي فرضها على الشعوب المستعمرة كلغة للحضارة والعلم. وخلال هذه المرحلة سيطر اليونان على كل منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تشكلت إمبراطورية الاسكندر، والتي شملت بلاد اليونان والممالك الشرقية بعد غزو الاسكندر لها.

ماذا بعد هذا الاستلاب الإيديولوجي الذي يعبر عن نفسه بشكل فج يصل إلى مستوى أخطر مما نظر له المستشرقون ومنظرو الحركة الاستعمارية أنفسهم؟!

ألا يمكن الجزم بأن الفرانكفونية، في العالم العرب مشرقا ومغربا، هي أخطر ما تواجهه الشعوب العربية لتحقيق استقلالها التاريخي المنشود؟

هل حققت الشعوب العربية استقلالها –حقا- من خلال التضحية بملايين الشهداء، أم إن الخطر الاستعماري ما يزال جاثما مستعدا للانقضاض في كل لحظة؟

ومن هذا المنظور هل يمكننا –كشعوب عربية- أن نستسلم للواقع، ونقنع من هذا الاستقلال بالفتات الذي يمنحه المستعمر أم إن الجهاد الأصغر انتهى، ويجب أن نظل في معركة الجهاد الأكبر، وهو جهاد أخطر من سابقه لأن هدفه يتجاوز إنهاء الاستعمار العسكري إلى إنهاء الاستعمار الحضاري الممارس علينا، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ولغويا ...؟

إن مسؤوليتنا، كجيل جديد، هي في الحقيقة أخطر من تلك المسؤولية التي تحملها الجيل السابق الذي ناضل بجميع الوسائل لطرد الاستعمار العسكري، ومسؤوليتنا الآن تتجلى في تحقيق استقلال تاريخي شامل عبر تحقيق حلم وحدة الأمة العربية، مشرقا ومغربا، كأمة موحدة تمتلك خصوصيتها الحضارية، ومنفتحة في الآن نفسه على كل العالم، من منظور تحرري لا مجال فيه للخضوع لأية قوة كانت فرانكفونية أو أنكلوساكسونية .

3- الفرانكفونية في المغرب العربي .. في الحاجة إلى الاستقلال الثقافي واللغوي

غزت الفرانكفونية جميع أقطار المغرب العربي –باستثناء ليبيا- وقد كان توجه فرنسا، في البداية، يصب في اتجاه ربط المنطقة المغاربية بالمترو بول، بشكل دائم، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من فرنسا الأم، من منظور هيليني استعلائي . وحتى يتحقق هذا الهدف، فقد كان التركيز، منذ البداية، على طمس كل معالم الحضارة العربية الإسلامية في المنطقة المغاربية، لغة ودينا وثقافة... وقد كان الانطلاق من نظرة استشراقية استعلائية، تعتبر أن فرنسا هي منطلق الأنوار والتقدم والتحضر، وأن المستعمرات – ومنها دول المغرب العربي- لم تصل بعد إلى هذه الدرجة من الرقي الفرنسي !

لذلك يجب فرض الاستعمار لإخراج المنطقة المغاربية من الظلمات إلى النور، وهذا الاستعمار يأخذ أشكالا متعددة، منها السياسي والاقتصادي الذي يتم عبر الإخضاع العسكري، ومنها كذلك الاستعمار الثقافي الذي يساعد على ترسيخ الأشكال الاستعمارية السابقة والذي يعتمد قفازا حريريا مخالفا تماما للقبضة العسكرية. وقد كان منطلق الاستعمار الثقافي مرتبطا، منذ البداية، باللغة الفرنسية باعتبار أن اللغة هي صانعة الهوية، وبالتالي هي صانعة الشخصية الإنسانية. وفي هذا الإطار تم خوض معركة شرسة ضد كل معالم التواجد اللغوي –و من ثمة الثقافي- العربي لأنه يشكل عائقا أساسيا أمام الهيمنة الثقافية واللغوية الاستعمارية، خصوصا وأن اللغة العربية في المغرب العربي، هي أكثر من لغة تواصل، إنها تحمل إرثا حضاريا عظيما لا يمكن اختراقه ببساطة من طرف الاستعمار.

لذلك، نجد السياسة الاستعمارية الفرنسية موحدة في تعاملها مع مجموع دول المغرب العربي، وبهدف واحد هو استئصال كل معالم الحضارة العربية الإسلامية، وتعويضها بمعطيات حضارية جديدة ترتبط بالاستعمار، وقد خلف منظرو الحركة الاستعمارية في المغرب العربي الكثيرة من التنظير في هذا المجال. ففي المغرب يؤكد (بول مارتي) في كتابه (مغرب الغد): ".. إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها ونبعد، متعمدين، كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام"

P. Marty - Le Maroc De Demain- Comite De L'Afrique française- Paris- 1925- P : 38

ونفس السياسة الاستعمارية كانت متبعة في الجزائر، يقول (دي روفيكو): "إني أنظر إلى نشر تعليمنا ولغتنا كأنجع وسيلة لجعل سيطرتنا في هذا القطر (الجزائر) تتقدم في إحلال الفرنسية تدريجياً محل العربية، فالفرنسية تقدر على الانتشار بين السكان خصوصاً إذا أقبل الجيل الجديد على مدارسنا أفواجاً أفواجا "

دي روفيكو – نقلا عن إدريس الكتاني- ثمانون عاما من الحرب الفرانكفونية ضد الإسلام واللغة العربية- منشورات نادي الفكر الإسلامي- الرباط – ط – 2000

أما بخصوص تونس، فهي تشكل نموذجا فرانكفونيا دالا، حيث تم احتضان الفرانكفونية من طرف رئيس الدولة، الخارجة للتو من الاستعمار (الحبيب بورقيبة). لذلك، يحضر النموذج التونسي – بخصوص المغرب العربي- في هذا السياق كنموذج دال على الوشائج التي أقامتها فرنسا مع النخب السياسية والثقافية المغاربية. فليس خفيا ما قدمه الزعيم التونسي/ الفرانكفوني (الحبيب بورقيبة) من دعم للفرانكفونية في تونس وفي كل المغرب العربي، وذلك تحت غطاء وتوجيه وزارة الخارجية الفرنسي التي قدمت دعما سخيا للزعيم التونسي، باعتباره الزعيم الفرانكفوني القادر على حماية المصالح الفرنسية في منطقة المغرب العربي.

وقد كان الحبيب بورقيبة متحمساً لمفهوم اللغة المشتركة الجامعة للشعوب الناطقة بها، فكان اقتراحه عام 1965 بإنشاء "كومنولث فرنسي يضم كل الشعوب التي تتكلم الفرنسية، وهي في الأغلب مستعمرات فرنسا. وقد كان بورقيبة يصرح بكل هذا في حواراته، ويفتخر أنه الأب الروحي للفرانكفونية في المغرب العربي لا يقل قيمة عن الرئيس السنغالي سنغور. يقول في حوار له : " إن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عموماً ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة... ونحن نتجه اليوم من جديد إلى فرنسا. إنني أنا الذي تزعمت الحركة المنادية بالفرانكفوني، فالرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الأقطار الإفريقية أمتن من روابط المناخ أو الجغرافيا ". وصرح في مقابلة صحفية : " إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله، متضامنون بصورة أخص مع فرنسا. وتدعيم الروابط مع فرنسا وبصورة أخص في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرانكفونية تولدت هنا ".

أنظر : محمد الهادي الزمزمي – تونس : الإسلام الجريح

لقد كان الزعيم التونسي، إذن، من أذيال الفرانكفونية في منطقة المغرب العربي، وهذا ما تؤكده مواقفه السياسية والفكرية والإيديولوجية في علاقة تونس بامتدادها العربي الإسلامي، فقد كان بورقيبة، من خلال الارتباط بالإيديولوجية الفرانكفونية، يسعى إلى ربط تونس، ومن خلالها منطقة المغرب العربي، بالنموذج الفرنسي سياسيا واقتصاديا وثقافيا ... (تأبيد الاستعمار) بهدف المحافظة –طبعا- على المصالح الاستعمارية في المنطقة.

لذلك فإذا كان بورقيبة يشترك في نزعته الفرانكفونية مع الرئيس السنغالي سنغور، فإنه في الوقت ذاته يشترك في نزعته العلمانوية Laïcisme المتطرفة مع الزعيم التركي كمال أتاتورك. فقد حضرت الفرانكفونية عند بورقيبة باعتبارها تصفية للإرث الحضاري العربي الإسلامي من تونس (ثقافة؛ لغة؛ دين)، من خلال انتزاعها من امتدادها الحضاري وربطها بامتداد حضاري مزيف بادعاء الحداثة والديمقراطية، وكأن هذه القيم فرانكفونية خالصة لا وجود لها خارج الإرث الاستعماري الفرنسي !

وإذا كانت تونس بورقيبة تعتبر (منارة) شامخة للفرانكفونية في منطقة المغرب العربي، فإن الاختراق الفرانكفوني لم يتوقف عند الحدود التونسية بل عم كل دول المغرب العربي –باستثناء ليبيا- وذلك رغم بعض الفوارق بين هذه الأقطار، بحيث ساهمت الحركة الوطنية في المغرب، كما ساهمت حركة التحرير الوطني في الجزائر، وهما حركتان تختلفان عن النموذج التونسي البورقيبي من حيث امتدادهما العربي والإسلامي، ساهمت الحركتان معا في الحد نسبيا من التجذر الفرانكفوني على الأقل بعد الاستقلال .

ففي المغرب اتحدت كل القوى الوطنية في صف واحد، وواجهت كل المخططات الفرانكفونية التي كانت تستهدف الامتداد العربي الإسلامي للمغرب، وقد تجسد الوعي الوطني المقاوم خلال صدور الظهير البربري، الذي يقسم المغرب إلى مناطق عربية ومناطق أمازيغية، وذلك بهدف الاستفراد بالأمازيغ وإلحاقهم ثقافيا، ومن ثم سياسيا واقتصاديا بفرنسا. وقد كان المدخل ثقافيا ولغويا، من منظور القضاء على الثقافة واللغة العربية في هذه المناطق، وفصلها، في الأخير، عن الوحدة المغربية تطبيقا لخطة (فرق تسد).

وإذا كانت فرنسا قد فشلت في المواجهة الشعبية، التي كانت تقودها الحركة الوطنية المغربية، فإن توجهها كان نحو التعليم باعتباره مجالا خصبا لزرع بذور الفرانكفونية، وكان التركيز هذه المرة على اللغة باعتبارها مسكن الكائن –كما يقول هيدجر- وذلك من خلال محاربة اللغة العربية في المدارس وتعويضها باللغة الفرنسية . يؤكد (جورج هاردي)، مدير التعليم في المغرب خلال المرحلة الاستعمارية، على فرض اللغة الفرنسية كلغة أساسية في المدارس: " أما عن المواد العامة التي ستتخلل هذا التعليم التطبيقي، فهي بطبيعة الحال اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط تلامذتنا بفرنسا، والتاريخ الذي يجب أن يعطيهم فكرة عن عظمة فرنسا"

أنظر: أضواء على مشكل التعليم في المغرب- دار النشر المغربية – ط: 1 – 1973

إن اللغة الفرنسية في اعتبار (هاردي) هي أكثر من لغة للتدريس – بالمعنى الديداكتيكي- البيداغوجي- إنها إيديولوجية، تعمل على ربط المغاربة بفرنسا وبتاريخها العظيم/المجيد ( ومن هذه الأمجاد والعظمة التي لا تدرس طبعا، الاستعمار الألماني لفرنسا ودخول هتلر إلى قصر الإليزيه وإلقاء خطابه التاريخي) ! إن اللغة الفرنسية هي سلاح المعركة، إذن، ولربح الرهان لابد من حسن استعمال هذا السلاح، حتى ولو تطلب الأمر اقتلاع الشعوب والأمم من امتدادها الحضاري والرمي بها في مزابل التاريخ، إن الغاية تبرر الوسيلة حسب جورج هاردي، ومن خلاله فلسفة الاستعمار .

وفي السياق نفسه، عمل المقيم العام الفرنسي بالمغرب (الجنرال ليوطي) على ترسيخ هذا التوجه، من خلال دوريته الشهيرة التي أصدرها بتاريخ 16/6/1921 حول لغة التعليم بالمغرب. إذ يقول: " من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة، على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية ... فليس علينا أن نعلم العربية للسكان الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن، بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام "

الحسن مادي – السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل- منشورات مجلة علوم التربية- ص: 22

إن نفس الطرح السابق، هو الذي يحضر مع ممثل السياسة الفرنسية في المغرب الذي أقام دعائمها، وقد كان طرحه طرحا فرانكفونيا خالصا ينطلق من اللغة والثقافة كعامل أساسي لترسيخ السياسة الاستعمارية. وقد كان لمذكرة (ليوطي) هذه صدى واسعا عند منظري الحركة الاستعمارية، الذين ساندوا هذا الطرح باعتبار اللغة الفرنسية سلاح المعركة الاستعمارية. وفي هذا السياق نشر (موريس لوجلي) مقالة يدافع فيها على طرح ليوطي وجورج هاردي. يقول الكاتب: " والمشروع يفرض أن يتم تطوير سكان الجبال باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية، وسوف يحكمون بالفرنسية... علينا أن نُقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا.. ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالح الشعب المغربي في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضاً تحويل مصيره إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا"

أنظر: الحسن مادي – المرجع السابق – ص: 23

إن الهدف المرسوم، من خلال مجموع هذه المواقف بمختلف اهتماماتها، يسير في اتجاه فرض اللغة الفرنسية كامتداد للحركة الاستعمارية، حيث يتم من خلالها استعباد الشعب المغربي عبر انتزاعه من جذوره التاريخية والحضارية المرتبطة بالامتداد العربي الإسلامي. وهذا ما يعبر عنه، صراحة ومن دون مواربة، المستشرق الفرنسي Godefroy Demombynes

(وهو أحد المُنظِّرين لاستعمار المغرب العربي) " يجب أن تُسَخَّر كل الوسائل التي تحت سلطاننا لمقاومة زحف العربية والإسلام"

نقلا عن عبد العالي الودغيري- الفرانكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب – كتاب العلم – السلسلة الجديدة- الرباط- ط- 1993

لقد وضع الاستعمار الفرنسي، إذن، خطة محكمة للسيطرة على المغرب، وانتزاع الشعب المغربي من جذوره الحضارية استعدادا لربطه بالمصالح الاستعمارية. وقد لعب الطرح الفرانكفوني، الذي يقوم على الاستعمار الثقافي، دورا خطيرا في تمكين قادة الاستعمار من تنفيذ الكثير من خططهم، وقد لاحظ الدكتور (عبد العالي الودغيري) في بحثه القيم حول (الفرانكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية بالمغرب) أن التغلغل الفرانكفوني تجاوز التعليم إلى مجالات أخرى، ضمن خطة محكمة للهيمنة على المغرب. فمن المدرسة الفرنسية وجهازها التعليمي، إلى الكنيسة المسيحية وإدارة الشؤون الأهلية وضباط الاستعلامات وضباط الجيش ومؤسسات البحث الجامعي ووسائل الإعلام. وكان الهدف هو إضعاف المغرب والتشكيك في كيانه وحضارته وهويته، واستغلال عناصر التعدد الثقافي، من لغة وعادات وأعراف، لضرب وحدته وتلاحمه ". وبناء على هذه المعطيات يصل (محمد الفاسي) إلى خلاصة في غاية الأهمية: " عندما استولت سلطة الحماية على مقاليد الحكم في بلادنا، كان كل ما أحدث بالمغرب من ألفه إلى يائه على النمط الفرنسي وباللغة الفرنسية وبالأساليب الفرنسية" .

محمد الفاسي – التعريب ووسائل تحقيقه- ضمن مجلة الأصالة- ع: 17-18 – نونبر/دجنبر – 1973 – ص: 76-77

وهذا، بالطبع، لا ينطبق فقط على المرحلة الاستعمارية، بل يتجاوز ذلك إلى مرحلة الاستقلال، حيث تم تحقيق استمرارية المشروع الاستعماري بنسبة كبيرة، سواء في المغرب أو في الجزائر وتونس، إذ تحققت الهيمنة الفرانكفونية على جميع القطاعات الحيوية، في التعليم وفي الإدارة والجيش ... وهذا ما مكن فرنسا من تحقيق استمرارية مشروعها الاستعماري الذي تحطم على يد الحركات الوطنية المقاومة في جميع أقطار المغرب العربي، وتم إحياؤه من جديد على يد أذناب الفرانكفونية الذين يشكلون الساحة الخلفية لفرنسا في مستعمراتها السابقة.

 

بقلم: د. إدريس جندا ري – كاتب و باحث أكاديمي مغربي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

رائع...شكرا على هذه الإفادة

فاطمة الزهراء بولعراس
This comment was minimized by the moderator on the site

و لو أن المقال من عام لكن موضوعه متجدد. فالفرانكوفونية تحولت اليوم لخط مواجهة مع أنواع استعمارية جديدة. منها المحافظون الجدد في بريطانيا. و منها الديمقراطية المقيدة في أمريكا. فرنسا عقل و روح الفرانكوفونية تشهد كل عشر سنوات تبدلا في المنظومة. يعني الثياب و المآكل و أساليب الفن و التفكير. بعكس الروح المستمرة لطبيعة الإدراك في التحالف الأنكلو أمريكي.
و عليه يمكن أن تخدم التنويع و تخفف من قوة اليد الحديدية المفردة في العالم. الأمور نسبية و حيال فشل روسيا في التمدد و لجوئها للضربات الوقائية نرى فرنسا شريكا أوروبيا يوفر زورقا للنجاة من الغرق في مياه مستنقع عالمي واحد.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

من فضلك استاذ هل هناك فرق بين منظمتي كومونلث والفرنكوفنية في اهدافهما خفية غير ان تلك فرنسية وأخرى انجليزية

احلام
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2735 المصادف: 2014-03-02 22:23:09


Share on Myspace