 دراسات وبحوث

المياه والسلام: الأمن المائي في الشرق الأوسط

abdulhusan shaabanمقدمة: على الرغم من أن أزمة الخليج الثانية والتي نجمت عن احتلال القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 والحرب التي تبعتها في 17 كانون الثاني (يناير) 1991 طغت على الاهتمامات السياسية الأخرى في الشرق الأوسط الاّ أن مشكلة المياه أو ما يطلق عليه "الأمن المائي والغذائي"، ظلّت إحدى الهواجس الكبرى المعلقة والتي تراكمت خلال العشرين سنة ونيّف الماضية، وليست ثمت مبالغة إذا اعتبرت إحدى المعارك الصامتة والمحتدمة في آن، التي تشهدها المنطقة منذ عقود من الزمان ليس لاحتمال بلوغها مرحلة الصدام العسكري المسلح فحسب، بل لأهميتها الإقتصادية وأبعادها السياسية الخطيرة وانعكاساتها على الأمن القومي العربي عموماً والأمن المائي والغذائي خصوصاً.(1)

إن مشكلة المياه التي ظهرت الى العلن بل طفت الى السطح، وتفاقمت على مرّ السنين، لم تحجبها أية معركة أخرى وظلت إحدى المشاكل المنذرة بحروب اقتصادية حقيقية، سواءً بمعناها السياسي أو الاجتماعي أو القانوني فضلاً عن احتمال تطورها إلى نزاع مسلّح، خصوصاً بالارتباط مع الجوانب الأخرى المشار اليها. وهذه المشكلة تشمل الأنهار الرئيسية التالية: دجلة والفرات والنيل وبانياس والليطاني ونهر الأردن، إضافة إلى شط العرب وملحقاته والمياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويدخل في نطاقها الدول العربية التالية: العراق وسورية ولبنان والاردن وفلسطين ومصر والسودان، وذلك إرتباطاً مع الدول المحيطة، لاسيما تركية وأثيوبيا وإيران، إضافة الى إسرائيل.(2)

إن التقديرات بكون مشكلة المياه هي إحدى الصراعات الموازية والتي يمكن أن تنشب بأية لحظة، باعتبارها لغماً غير موقوت، يمكن أن ينفجر حتى دون إنذار هو تقدير سليم، وربما يمتد ليصل الى جوهر الصراع في المنطقة ونعني به الصراع العربي- الصهيوني ولبّه القضية الفلسطينية. وقد تعاظم الأمر منذ نحو ثلاثة عقود ونيّف من الزمان بين تركيا وسورية والعراق، وكذلك بين العراق وإيران، إضافة إلى التعاقدات الإسرائيلية – الإثيوبية لبناء سدود على نهر النيل، واستمرار اسرائيل في الهيمنة على الجولان ومحاولتها استغلال مياه نهر الليطاني ومياه الارض المحتلة، وإقدام إيران على تحويل مياه نهر قارون وعدد آخر من فروع شط العرب إلى داخل الأراضي الإيرانية، فضلاً عن تجدد مشاكل شط العرب، ولاسيما بخصوص الاتفاقية العراقية- الايرانية لعام 1975، وأخيراً وليس آخراً محاولة بعض الدول الأفريقية المستفيدة من منبع ومرور نهر النيل استغلاله دون مراعاة مصالح السودان وجنوبه بعد تأسيس جمهورية جنوب السودان ومصر يلحق ضرراً بالأمن المائي للدول العربية المتضررة فضلاً عن الأمن المائي على المستوى العربي.

ولعلنا نعني بالأمن المائي: القدرة الدائمة المستمرة في الحاضر والمستقبل، على توفير الماء غير الملوّث، الصالح للاستخدامات الإنسانية اللازمة للحياة على أن تكون هذه القدرة، غير مشروطة أو مهدِّدة لطرف خارجي طبيعي أو صناعي، وبكميات وطاقات تخزينية لمدة مناسبة للاستهلاك وبالقدرة على توفير خزانات محمية سياسياً وأمنياً وعسكرياً (3).ومثل هذا الأمر موضوع بالغ الحيوية والخطورة على قضية السلام في الشرق الأوسط.

إن مناسبة الحديث هذا هو ملتقى متخصص ساهم فيه خبراء دوليون وعرب إلتأم في باريس بدعوة من مركز الدراسات العربي- الأوروبي ومشاركة الغرفة التجارية العربية الفرنسية والمجلس العربي للمياه وجائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمية للمياه. وانعقد تحت عنوان مثير وحيوي " المياه: منبع للحياة أم مصدر للنزاعات في الشرق الأوسط"؟.

جدير بالذكر أن المركز الذي يستعد لإقامة احتفالية كبرى بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسه سبق له وان انشغل بموضوع المياه منذ نحو عقدين من الزمان، وقد نظم مؤتمراً موسعاً في المغرب العام 1996 بعنوان " الأمن العربي: التحديات الراهنة والتطلعات المستقبلية" كما أصدر كتاباً ضم العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية في العام ذاته بعنوان" الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية" دعا وناقش موضوع المياه في مؤتمر دولي نظمه في القاهرة في العام 2000 بعنوان " الأمن المائي العربي"، ولعل ملتقى باريس الراهن هو استمرار لذات التوجّه، لاسيما وأن المنطقة تشهد ثورات شعبية تتوخى تكريس مناخ جدي من الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وهو ما أشار إليه رئيس المركز الباحث المستشار القانوني الدكتور صالح الطيار في كلمته الترحيبية عند افتتاح الملتقى، مؤكداً أن الجميع تابع تاريخ الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من 60 عاماً، وما له من انعكاسات سياسية واقتصادية وعسكرية، مشيراً إلى أن مسألة المياه تنذر بالتحول الى حروب أكثر دموية.

جدير بالذكر ان الاهتمام بمسألة المياه أصبح عالمياً بفعل ندرتها أولاً ومن ثم زيادة نسبة التصحّر والتلوث والتغييرات المناخية والبيئة، فضلاً عن محاولات تسيسها واستقلالها اقتصادياً، فضلا ً عن الاستقواء بها على حساب الآخرين، ولهذا عمدت الأمم المتحدة إلى إيلاء اهتمام كبير فيها وقد حددت يوم 22 آذار (مارس) من كل عام باعتباره اليوم العالمي للمياه منذ العام 1993، خصوصاً وقد أدركت يوماً بعد يوم شح المياه على المستوى العالمي، حيث تفيد دراسات معتمدة من جانبها إلى أن 1.5 مليار نسمة يعانون من عدم وجود مياه صالحة للشرب وأن نحو 3 مليارات نسمة آخرين ليس لديهم نظام صرف صحي، وأن ما يزيد عن 35الف شخص يموتون يومياً نتيجة النقص الفادح في موضوع المياه أو بسبب استخدامهم لمياه ملوثة أو غير صالحة للشرب. كما تشير دراسات الأمم المتحدة إلى أن 5.3 مليار نسمة أي ما يعادل ثلثي سكان العالم سيواجهون نقصاً فادحاً في المياه، بعد نحو عقد من الزمان، لاسيما في ظل التوزيع غير العادل للمياه بما فيه في كميات الأمطار وازدياد السكان، حيث تقدّر نسبة الزيادة سنوياً نحو 90 مليون نسمة وارتفاع نسبة استهلاك المياه وفي الوقت نفسه سوء استخداماته، إضافة إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وارتفاع نسبة الاحتباس الحضاري وزيادة نسبة مياه البحار.

باختصار يعتبر الماء هو السلعة الجارية والنادرة، ولعل هذا ينطوي على مخاطر شديدة على الصحة والأمن والمستقبل، فضلاً عن انعكاساته على التنمية، ناهيكم عن أن نسبة 2.5% من كميات المياه في العالم هي مياه صالحة للشرب وهي نسبة ضئيلة جداً وهي تشح باستمرار، كما أنها في تناقص منذ قرن من الزمان، على الرغم من بناء السدود والخزانات والتقدم العلمي والتكنولوجي ووجود اتفاقيات دولية لتنظيم استخداماته من دول المنبع وصولاً الى دول المصب أو على الصعيد الداخلي.

ولعل الحق في المياه هو حق من حقوق الإنسان، وهو حق جماعي وحق فردي في الآن ذاته، أي حق كل فرد في الحصول على مياه نقية وبكمية مناسبة، كما أن حقه في الصرف الصحي، هو الآخر لا يمكن الاستغناء عنه، الأمر الذي يحتاج الى تنسيق أفضل على مستوى الموارد الخاصة بالطاقة مثل النفط والغاز والكهرباء وغيرها، فضلاً عن الحكامة الرشيدة.

وإذا كان قد قيل عشية الحرب العالمية الأولى وخلالها: أن من يملك النفط يستطيع السيطرة على العالم، فقد يبدو صحيحاً القول أن من يضع يده على منابع المياه ويتحكم بمساره وأسعاره ونقله وتوزيعه ورسومه، يستطيع أن يهيمن على العالم، وذلك لأن لا تنمية من دون مياه، ولا حياة صحية من دون الماء.

وجاء في القرآن الكريم: وجعلنا من الماء كل شيء حيّ، وهذا ما يؤكد أن الماء هو مهد الحياة والحضارة الانسانية، وهو مكوّن لا غنى عنه لجميع الكائنات الحية وهو في الوقت نفسه منتج الثروات ومطهّر الاجسام وملهم الانسان، لاسيما بالعلوم والفنون والآداب، ودائما ما تقام الحضارات والمدن على ضفاف الأنهار وبالغرب من سواحل البحار والبحيرات وتقوم على تنظيم قوانين وأعراف وتفصل في نزاعاته محاكم وقضاء.

 

1. إسرائيل والمياه

" المياه منبع للحياة أم مصدر للنزاعات في الشرق الأوسط؟"

منذ وقت مبكر جداً أدركت إسرائيل أهمية المياه في الصراع العربي- الصهيوني، حتى يمكن القول أن مستقبل الشرق الأوسط يتوقّف بالسيطرة عليها. وإذا قيل في الحرب العالمية الأولى "من يملك النفط يكسب المعركة"، وهو قول صحيح آنذاك، فيمكن القول أن "من يسيطر على مصادر المياه ويتحكّم فيها ويستثمرها هو الذي ستكون له اليد الطولى في الحرب المقبلة". والمياه قد تكون الشرارة التي سيشعل فتيلها من يتمكن من وضع اليد عليها.

ويتبيّن اهتمام اسرائيل بجميع قواها وكتلها السياسية المختلفة بالمياه وهو ما تضمنه برنامج الليكود منذ وقت مبكر حول احتفاظه بالأراضي العربية المحتلة الذي كان يبرر أن نسبة تزيد على 50 في المئة من مصادر المياه العذبة المستهلكة تأتي من الضفة، وتضمنت برامج كتل أخرى فقرات مماثلة في انتخابات الكنيست لأكثر من مرة.

لقد دخلت إسرائيل موضوع المياه مباشرة من خلال المعركة التي بدأت في الستينيات عندما حاولت سورية التفكير بتحويل نهر بانياس، الذي ينبع من سفوح الجولان (أحد روافد نهر الأردن) وقامت بإطلاق تهديد مباشر لسورية إدراكاً منها لأهمية المياه على اقتصادها، الأمر الذي استدعى عقد القمة العربية الأولى عام 1964، وهي القمة العربية الأولى بعد قمة إنشاص التي إلتأمت في العام 1946.

ولإدراك إسرائيل أن الماء واحد من مصادر الطاقة الأساسية، فقد سعت الى تقديم خدماتها لأثيوبيا وقامت عبر شركة " تاحال" بتقديم تصاميم ودراسات ولبناء عدد من السدود على نهر النيل في أثيوبيا، وقد تحركت باتجاهين الأول السعي لإعادة العلاقات الديبلوماسية التي ظلّت مقطوعة منذ العام 1967 ونجحت في ذلك، والثاني تزويد أثيوبيا بالسلاح لمواجهة "الثورة الارتيرية" في حينها، وما أن نجحت هذه الأخيرة وحصلت أريتريا على الاستقلال سارعت إسرائيل الى إقامة أوثق العلاقات معها، علماً بأنه بين عام 1967 وعام1973 قامت نحو 30 دولة أفريقية في قطع علاقاتها مع إسرائيل بسبب مواقفها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني لكن إسرائيل بدأت باستعادة تلك العلاقات، بل تعويضها منذ أن وقّع الرئيس المصري محمد أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية الصلح المنفرد 1978-1979، وحتى أواسط الثمانينيات استعادت إسرائيل جميع علاقاتها المقطوعة، بما فيها مع الدول الاشتراكية السابقة (أواخر الثمانينيات).

ومن خلال علاقتها مع أثيوبيا عملت إسرائيل على تقديم مساعداتها وخبراتها لبناء السدود. أما فيما يتعلق بتركيا، وهي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل منذ العام 1949، فقد ظلّت علاقتها وطيدة بها وخصوصاً في مجال المياه.(4) على الرغم من تدهور العلاقة مؤخراً، خصوصاً بعد حصار غزة وإعلان الحرب عليها 2008-2009 وفيما بعد مهاجمة إسرائيل أسطول الحرية، وقتل 9 من الأتراك كانوا ينقلون مساعدات إنسانية على ظهر السفينة مرمرة، واضطرار تركيا الى مطالبتها بالاعتذار الرسمي وتخفيض العلاقات الى مستوى سكرتير ثاني بدلاً من سفير (5).

لقد اهتمت إسرائيل منذ أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات بالمياه وأولتها مكانة خاصة في ستراتيجيتها، في وقت أن معركة المياه تزامنت مع تدفق الآلاف من اليهود السوفييت الى اسرائيل التي تريد إسكان قسم منهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو الذي دفع شامير يومها للحديث عن ضرورة الاحتفاظ بهذه الأراضي وعن "دولة اسرائيل الكبرى".

ومع مقدمات حرب الخليج وما بعدها، قامت إسرائيل بمحاولات سطو "دولية" على نهر الأردن، وسعت الى سرقة مياهه وسيّرتها بموازاة الساحل الجنوبي بهدف إرواء صحراء النقب. كما أقدمت بعد حرب العام 1967 على سحب المياه الجوفية من الأراضي المحتلة، وحالياً فإن أكثر من (ستون 60 في المئة) من مياه نهر الاردن تذهب الى اسرائيل في حين لم يتجاوز ما كانت تستفيد منه من حوض النهر "عبر أراضيها" أكثر من 3% (ثلاثة في المئة) ثم أقدمت اسرائيل على سرقة أخرى وذلك بالاستيلاء على مياه نهر بانياس عام 1967 وهو الذي يفسر تمسكها الشديد، بمرتفعات الجولان.

وكانت إسرائيل قد وضعت عينها على نهر الليطاني اللبناني، وفي العام 1978 أطلقت إسم الليطاني على غزوها للبنان والجنوب اللبناني بشكل خاص. جدير بالذكر أن طول نهر الليطاني يبلغ 170 كلم ويقطع أكثر من نصف طول لبنان من الشمال الى الجنوب ثم يتحول الى الغرب، ويصب فيه 16 نهراً ونبعاً، ومياهه أفضل أنواع المياه بالمواصفات والجودة، ونحو 80% منه يقع في سهل البقاع و20% يمرّ في الجنوب، ويصب في البحر على مسافة 8 كيلومتر شمال مدينة صور، وهذه المياه هامة لإسرائيل وضرورية لتزويد الجليل المحتل بالمياه بدون ضخّ مكلف وكان ذلك أحد أهداف الغزو الاسرائيلي للبنان واحتلال العاصمة بيروت العام 1982 (6).

أما بخصوص الجولان فظلّت القوى الصهيونية تردد "الجولان أبو فلسطين" لأنها تضم مياه نهر الحاصباني وبانياس والوزان والدان والأردن واليرموك وبحيرة طبريا ومساحة الاحتلال حوالي 1200 كلم2، وكانت زيارة ليبرمان الأخيرة تأكيداً جديداً على التمسك الاسرائيلي بالجولان بعد قرار ضمها الذي اتخذه الكنيست العام 1981.(7) وهي جزء لا يتجزأ من استفزاز ليبرمان والمجتمع الدولي على نحو مثمر، وهذه المرة تأتي عشية مطالبة فلسطين الأمم المتحدة الاعتراف بها، مثلها مثل مسألة القدس الشرقية، فعشية تقديم طلب الحصول على عضوية دولة فلسطين أقرّت إسرائيل مشروعاً استيطانياً جديداً ببناء مئات الوحدات السكنية في القدس الشرقية..

 

أثيوبيا- إسرائيل: القفز فوق الحواجز

في خبر لم يلفت الانتباه عربياً، تناقلت الصحف خبر قيام شركة تاحال (الاسرائيلية) بأجراء دراسات على التربة في أثيوبيا للبحث في إمكانية بناء ثلاثة سدود بالقرب من بحيرة تانا ونهر " آباى" أحد روافد نهر النيل. وقالت صحيفة " الاندبيندنت" البريطانية في حينها، إن انشاء السدود الثلاثة سيؤمن لأثيوبيا القدرة على التحكم بمياه النيل. هكذا أريد للخبر أن يمرّ من دون إثارة ضجة مثل فضيحة اليهود الفلاشا.

ولا شك أن بناء السدود في مجرى النيل الذي يمر عبر أراضي أثيوبيا، في طريقه الى مصر والسودان بمساعدة اسرائيل، سيمكنها من إيجاد مرتكزات جديدة لها في البحر الأحمر، خصوصاً وأنها تستأجر جزيرة دهلك وتقيم عليها قاعدة عسكرية، فضلاً عن الضرر الذي سيلحق بمصر والسودان، فالنقص في مياه النيل وصل في العام 2000 الى حوالي 800 مليون متر مكعب في السنة.

ولعل وصول اسرائيل الى منبع النيل الأزرق، يعني تحكمها بمصادر المياه، إذ سيكون تحت تصرف أثيوبيا 82% (إثنان وثمانون في المئة) من مياه النيل. ويعتبر نهر النيل من أطول الأنهار في العالم، يبلغ طوله 6695 كلم، ويمرّ باراضي مصر والسودان واثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وكينيا، وكمية مياهه سنوياً 92 بليون متر معب، وتحتاج مصر لوحدها حالياً 55 بليون متر مكعب، وسوف تزداد الحاجة الى نحو 75 بليون متر مكعب خلال السنوات العشر المقبلة، كما يقدر الخبراء.(8)

إن قيام شركة تاحال الاسرائيلية ) لتطوير وتخطيط المصادر المائية والخبرات الزراعية) وقيامها بمشاريع وأعمال إنشائية في أثيوبيا لحساب البنك الدولي، وكذلك في إقليم أوغادين على حدود الصومال، وقيام خبراء اسرائيليين بعملية مسح لمجرى النهر وبناء سدود على النيل الأزرق، يستهدف محاصرة مصر بالدرجة الأولى وتعريض اقتصادها وحياتها البيئية للخطر، فضلاً عن إلحاق أضرار فادحة بالملايين من السكان. والتعاون الاسرائيلي- الأثيوبي يأتي تتويجاً لاتفاق سري بين الطرفين، إذ قدمت إسرائيل القنابل العنقودية وطائرات (الكفير) للجيش الأثيوبي، فيما سمحت أثيوبيا باستئناف هجرة اليهود الفلاشا الى إسرائيل.(9) ولعل هذا الأمر تطور في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وهو ما سنخصص له بحثاً خاصاً.

في الخمسينيات أطلق بن غوريون تعبيره الأثير بضرورة القفز فوق الحواجز، لتكوين الحزام المحيط والمقصود بالحزام المحيط أطراف الوطن العربي أثيوبيا وتركيا وإيران. ومنذ عقود واسرائيل تبني خططها لتكوين الحزام المحيط. ينقل ميخائيل بارزو حار (كاتب سيرة بن غوريون) بعضاً من محاولات إسرائيل لإيجاد رابطة دفاعية بينها وبين الدول الثلاث حليفات الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حصولها على تصريح من واشنطن ولندن وباريس، بضمان حدودها عام 1950 وسعيها للانضمام لحلف الناتو عام 1951 واضطلاعها على نحو "بارع"   بالمهمات الموكولة اليها على أحسن وجه.(10) ثم سعت إسرائيل الى توقيع إتفاقية خاصة مع تركيا واثيوبيا " إتفاقية ميثاق المحيط" The peripheral pact treaty العام 1958 وعُرفت باسم اتفاقية ترايدنت أو الرمح الثلاثي ضد مصر وسوريا والعراق وهو ما سعى اليها بن غوريون(11).

اعتبر بن غوريون في الستينيات خشية أثيوبيا من سياسة عبد الناصر "التوسعية" تدفعها للانضمام الى الحلف، وعداء تركيا التقليدي للأمة العربية (العدو العربي) يجعلها مقتنعا بفكرة الحلف واشتباك إيران مع أكثر من طرف عربي في صراعات إقليمية (إضافة الأطماع التاريخية) يجعلها متحمسة له، كل هذه العوامل يمكن أن تكون حزاماً محيطاً بالأمة العربية! ويمكن الإشارة هنا إلى العلاقات الإسرائيلية–الأثيوبية قد تعززت وتوطدت فضلاً عن تعاظم حجم التبادل التجاري والتعاون السياسي والمخابراتي، فضلاً عن استثمار الحرب العراقية- الإيرانية، حيث كانت إسرائيل المستفيد الأول من اندلاعها واستمرارها، فقد سعت للتقرب من إيران في موضوع بيع السلاح فيما سمّي بإيران غيت، لكن العداء ظل مستحكماً بين إيران ما بعد الثورة 1979 وحتى الآن. وازداد الأمر سوءًا إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي، حيث اعتبرت اسرائيل أن ذلك تهديداً مباشراً لها.

أما أنقرة فقد اضطلعت بدور مميز لا تستطيع حتى إسرائيل القيام به، خصوصاً وأن وجود الأخيرة خطر بالنسبة للعالم العربي، إضافة الى ما تتمتع به تركيا من مزايا سواء بسبب وضعها الجغرافي والجيوبوليتيكي والموقع الستراتيجي والقوى البشرية والامكانات الاقتصادية وغيرها، فضلاً عن ذلك فتركيا " دولة إسلامية" حكمت البلدان العربية وغيرها أكثر من 4 قرون ونيف من الزمان وتمتلك ترسانة ضخمة من السلاح وهي بلد مترامي الأطراف (فقد منح العامل الجغرافي تركيا سيطرة على آسيا الصغرى والمضايق، التي تشكل معاً حلقة الوصل بين دول البلقان ومنطقة الشرق الأوسط، كما منحها أهمية استراتيجية تعود قبل أي شيء آخر الى حدودها الشمالية الشرقية مع الاتحاد السوفييتي (سابقاً مع تأثيراتها في الصراع القائم حالياً) وحدودها الجنوبية مع سورية 877 كلم والعراق 331 كلم وإيران إضافة الى ذلك فإن المنطقة الشمالية الغربية من البلاد تعد موطئ قدم تركيا الوحيد في أوروبا 269 كلم مع بلغاريا و212 كلم مع اليونان. إضافة الى أن عدد نفوسها كبيراً، كما تمتلك خبرة كبيرة في ميدان "القمع الداخلي والخارجي". وقد تجلّى الدور التركي مؤخراً من خلال الربيع العربي سواءً في ليبيا أو سوريا، إضافة الى مصر، وبقدر إيجابيته، لكن وجهه الآخر كان أطلسياً، فقد تحاقب نصب دروع صاروخية على الأراضي التركية في غمرة انشغال العالم بتداعيات الربيع العربي.

 

تركيا: مشروع الغاب والمشكلة المائية

حتى وقت قريب كانت تركيا بحكم ما تقوم به من ممارسات وما تتخذه من سياسات في المنطقة وبخاصة في ظل الوفاق الدولي، إحدى القوى الاقليمية الكبرى سواءً سياستها إزاء اليونان وقبرص وبلغاريا أو المنطقة العربية، فقد كانت تطمح لأن تلعب دوراً أكبر بحكم نفوذها العسكري وإمكانات حلف الناتو، فضلاً عن أنها ترغب في أن تكون قوة اقتصادية أكبر بانضمامها الى السوق الأوروبية المشتركة. إن مثل هذه السياسة وذلك الطموح في السابق والحاضر تفسر دور تركيا بالسلب أو الإيجاب، فهي تريد أن تلعب دوراً محورياً إقليمياً معادلاً أو حتى أكبر من دور إيران وتسعى للحصول على نفوذ من خلال علاقتها بين العرب واسرائيل، رغم ما تعرّضت له مؤخراً من اشكالات، كما تريد تأمين مصالحها القومية المتعاظمة والظهور بمظهر الدولة القائدة في المنطقة خصوصاً بإسلام معتدل وهو غير الاسلام الإيراني أو الاسلام الذي يدعو اليه بن لادن، وهو أكثر قبولاً وانسجاماً مع مصالح الغرب. لم تتورع من استخدام المياه كوسيلة لإملاء النفوذ!

يعتبر سد أتاتورك (الذي تم إنجازه) واحداً من 21 سداً تم انجازها في جنوب شرقي تركيا مع مطلع الألفية الثالثة وبلغت كلفة المشروع 45 بليون دولار، وكان اكتماله قد يؤدي الى نقص هائل في نهر الفرات يقدر بـ 14 بليون متر مكعب، علماً بأن النقص الحاصل من التبخر يساوي 3 بليونات متر مكعب. ومشكلة نهر الفرات قديمة نسبياً وتعود الى أكثر من أربعة عقود ونيف من الزمان عندما أزمعت تركيا على تنفيذ مشاريعها لري جنوب شرقي الأناضول، وقد ساهم الخلاف السوري- العراقي في عدم اتخاذ موقف موحد رادع لتركيا في حينها.(12)

تبلغ سعة سد أتاتورك 48 بليون متر مكعب في حين تبلغ سعة خزان سد الفرات في سورية 9.3 بليون متر مكعب. وتسعى تركيا لزيادة الطاقة الكهربائية الى الضعف من خلال المشروع والقيام بدور سلة الغذاء من الناحية الزراعية لتمويل الشرق الأوسط وذلك من خلال مشروع كاپ. وكانت توركات أوزال قد قال في وقت مبكر "سيأتي يوم نبدّل فيه برميل مائنا ببرميل النفط" (13)

باشرت تركيا منذ العام 1985 بتنفيذ مشروع الغاب Gap الضخم على نهري دجلة والفرات ويتألف من 13 قسماً، 6 منها على نهر دجلة و7 على نهر الفرات ويغطي ستة محافظات تركية(14). ومن الناحية الفعلية، فإن تركيا ومن خلال هذا المشروع العملاق تضغط سياسياً على سورية والعراق عن طريق التحكم بالمياه واستخدامها لفرض سياسات معينة واقتصادياً بإمكانها أن تكون سلة غذاء لتزويد الشرق الأوسط بما يحتاج من مزروعات وفواكه لفرض الهيمنة عليه. ضاربة بعرض الحائط معاهدة هلسنكي حول الأنهار الدولية لعام 1973 ومؤتمر الارجنتين حول الموارد المائية لعام 1977، تلك التي تنظم طرق الاستفادة من الأنهار الدولية وفقاً لقواعد الحق والعدل والحاجة الضرورية وبما لا يؤدي الى إلحاق ضرر بالسكان والممتلكات والبيئة وغيرها من الاستخدامات غير المشروعة.

ومن مبررات تركيا أن حوضي الفرات ودجلة هما حوض واحد وتقترح جدولة الاحتياجات وإدخال نهر العاصي السوري في حسابات تقاسم المياه وغيرها من الذرائع التي تصر على كونها فنية ولا تحمل أي هدف سياسي ولا تضمر الحاق الأذى بالجيران! وقطع المياه المتكرر يوضح أبعاد المخطط الذي لم يكن في الواقع سوى " پروفة" دولية لقياس درجة رد الفعل العربي علماً بأن تركيا ظلت ترفض بحث الموضوع مع سورية والعراق حتى العام 1988، لكن امتناع البنك الدولي من تقديم المساعدة لتركيا لحين التوصل الى اتفاق لاقتسام مياه النهر هو الذي جعلها توافق على وضعه على طاولة المفاوضات.

ويبلغ معدل التدفق السنوي لنهر الفرات 31.8 بليون متر مكعب وملء الخزان والسدود الأخرى يحتاج الى قطع متواصل ربما لبضعة أسابيع أو أشهر وهو أمر يعطي فكرة عن حجم الضرر الذي سيقع على كل من سورية والعراق والمخاطر والآفاق التي تنتظرهما.

فالفرات يروي ثلثي الأراضي المروية في سورية ويوفر سد الفرات 70 في المئة من حاجتها من الكهرباء ويولد طاقة بحدود 800 الف ميغاواط سيتم تعطيلها عملياً، إضافة إلى إلحاق ضرر كبير بمشروع يوسف باشا والذي يؤمن ري 200 الف هكتار ويولد طاقة بحدود 400 ألف ميغاواط.

أما العراق، فإنه الأكثر ضرراً فالفرات يروي 1.3 مليون هكتار (13 مليون دونم) من الأراضي الزراعية الجيدة وتشرب منه 7 محافظات هي: الأنبار وبابل وكربلاء والنجف والقادسية والمثنى وذي قار، إضافة الى 30 قضاء و70 ناحية وأكثر من 4500 قرية، ويبلغ عدد السكان المستفيدين منه نحو 14 مليون انسان ومع أن سد حديثة (القادسية) ومشروع سد الورار ومشروع سد الهندية، تتغذى من النهر وتختزن المياه للاستفادة منها عند الحاجة وفي حال نقص المياه، الاّ أنها لا تستطيع أن تسد النقص الذي يتسبب به انقطاع المياه فضلاً عن أن ذلك أدى الى التأثير على بحيرة الحبانية التي تتغذى من الفرات لمرات عديدة، فهو مرتبط بمشروع بحيرة "وان". وقد وصف سليمان ديميرال رئيس الوزراء التركي السابق المشروع بأنه " الوطن الذهب للقرن المقبل".

 

شط العـرب.. وصاعق التفجيـر!! (15)

لم يخطئ الرئيس جلال الطالباني وهو السياسي العراقي المخضرم عندما قال إن " اتفاقية الجزائر" التي أبرمت في 6 آذار(مارس) العام 1975، " ملغاة "، لأن من وقّعها لم يكن إيران والعراق، بل الرئيس العراقي السابق صدام حسين وشاه ايران محمد رضا بهلوي اللذان رحلا الى " دار الحق"، لكن الاتفاقية بقيت جاثمة في مكانها وربما على الصدور تُستعاد وتُستذكر بين الفينة والاخرى، ولن تُنسى على الاطلاق.

لعل الطالباني نسي موقعه الرسمي، باعتباره رئيساً للعراق، حين " ألغى" فجأة الاتفاقية في جوابه على سؤال لأحد الصحافيين في مؤتمر دوكان مع مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان وطارق الهاشمي أمين عام سابق للحزب الاسلامي ونائب رئيس الجمهورية، فلربما كان تأثير العقل الباطن عليه قوياً حيث استعاد لغة المعارض السياسي المعتّق ونستالوجيا الرفض، أيام كان في رحاب دمشق وفي اطار التجمع الوطني العراقي، الذي اعتبر اتفاقية 6 آذار (مارس) خيانية وباطلة ودعا يومها الى رفضها والعمل على إلغائها.

لكن الطالباني الذي أعلن بشكل عفوي وربما غير مقصود إلغاء الاتفاقية لم يكن يتوقّع ردّ الفعل الايراني السريع والغاضب الذي جاء على لسان محمد علي حسيني المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية حين قال : إن إبداء أي وجهة نظر حول إلغاء معاهدة الجزائر لعام 1975 يفتقد الى الاسس القانونية، لأنها تشكّل حجر الأساس للعلاقة بين البلدين. أما رد فعل منوشهر متكي وزير الخارجية الايراني فجاء أشدّ صرامة حين وجّه تحذيره ليس للعراق وحده بل طال أيضاً الولايات المتحدة التي طالبها بعدم الدخول في هذه اللعبة من جديد، في إشارة الى الحرب العراقية -الإيرانية قبل 27 عاماً، مشدداً على أن اتفاقية الجزائر وثيقة رسمية مسجّلة لدى الامم المتحدة وتتمتع بالقوة القانونية اللازمة ولا مجال للإخلال بها.

وقد اضطر مكتب الرئيس جلال الطالباني في اليوم التالي لاطلاق تصريحه الى التراجع وتأكيده على الالتزام بإتفاقية الجزائر واعتبارها نافذة، ولعل ذلك مفارقة تكاد تكون تاريخية بخصوص تلك الاتفاقية التي حملت رئيسي البلاد صدام حسين وجلال الطالباني رغم اختلاف توجهاتهما لنفيها وإعادة العمل بموجبها.

حين مزّق صدام حسين الاتفاقية على شاشة التلفزيون، يوم 17 ايلول (سبتمبر)1980، فإنه كان يستعد للحرب التي اعلنها بعد خمسة أيام، ولعل مبرراته هي "تغيّر الأحكام بتغيّر الأحوال "، معتقداً أن سقوط الشاه فرصة مناسبة لإلغاء اتفاقية الجزائر واستعادة حقوق العراق التي تنازل عنها. وهو الأمر الذي برره بعض الماركسيين لاتفاقية الجزائر باعتبارها صلح بريست ليستوفيسك بين لينين والالمان .

وقد شرح صدام حسين ذلك للسفيرة الامريكية في العراق السيدة ابريل غلاسبي يوم 25 تموز (يوليو) 1990 عشية غزو الكويت، وذلك حين قال لها: في العام 1974 إلتقيت مع ابن الملا مصطفى البارزاني في هذا المكان الذي تجلسين عليه... وكان اسمه ادريس... قلت له سلّم لي على أبيك وانقل له ان صدام حسين يقول ما يلي: إذا حصل قتال عسكري سننتصر... وقلت أتعرف لماذا؟... فحدثته عن توازن القوى بالأرقام والمعطيات، مثلما تحدثت مع الايرانيين في رسائلي اليهم اثناء الحرب.

ويواصل حديثه بالقول " لكل هذه الاسباب التي ذكرتها زائداً سبب سياسي هو انكم تعتمدون على خلافاتنا مع ايران، وهي مستندة في خلافها مع العراق على أطماعها بالحصول على نصف شط العرب، فإذا كان الاختيار أن نحافظ على العراق كلّه ومعه شط العرب ونكون بخير فسوف (لن) نتنازل عن شط العرب، وإذا وُضعنا في زاوية، إما نصف شط العرب أو العراق (المقصود الحكم) فإننا سنعطي نصف شط العرب لنحافظ على العراق كما نتمنى."(16)

واضاف صدام حسين لتبرير موقفه البراغماتي: " بعدها أعطينا نصف شط العرب ومات البارزاني ودفن خارج العراق وخسر معركته"، وعندما سنحت الظروف لإلغاء الاتفاقية حسب اعتقاده قال عنها: انها ولدت ميتة وما علينا سوى دفنها والبحث عن معاهدة جديدة. وبعد أن استمرت الحرب ثمان سنوات وأكلت الاخضر واليابس، حيث حصدت ارواح مليون انسان وبددت نحو 400 مليار دولار، كانت الذريعة الجديدة لإحياء "الاتفاقية الميتة" بعد غزو الكويت، حيث تمت الموافقة على المطالب الايرانية في الرسالة الموجهة الى هاشمي رفسنجاني والمؤرخة في 15 تشرين الاول (اكتوبر) 1990. يومها وصف ولايتي وزير خارجية إيران الأسبق العرض الذي تقدمت به الحكومة العراقية لتسوية النزاع والعودة الى اتفاقية الجزائر بأنها أكبر انتصار تحقق لإيران منذ قيام الجمهورية الاسلامية .

ان تصريحات الرئيس جلال الطالباني أعادت الى الأذهان الذكرى الأليمة للحرب العراقية- الإيرانية وما جلبت من ويلات على البلدين وعلى شعوب المنطقة بأكملها، وبالطبع فإن إيران التي وافقت مرغمة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 القاضي بوقف الحرب، بعد أن تجرّع الإمام الخميني " كأس السمّ " العام 1988، جاءتها الفرصة الذهبية للتشبث باتفاقية الجزائر وإحيائها، بعد مغامرة غزو الكويت واضطرار العراق للموافقة عليها مجدداً.

لماذا كان رد الفعل الإيراني غاضباً لدرجة التنديد بتصريحات الطالباني؟ باختصار الجواب يأتي من حيثيات إتفاقية الجزائر التي تعني التنازل عن جزء من المياه الوطنية العراقية وعن الضفة اليسرى لشط العرب والموافقة على قبول السيادة الايرانية عليها بموجب ما سمي بخط الثالويك Thalweg. وخط الثالويك حسب القانون الدولي هو خط وهمي يمثل الحد الفاصل في تخطيط الحدود النهرية (للانهار الدولية وهذا ما لا ينطبق على شط العرب بالطبع) إبتداءًً من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر الرئيسي الصالح للملاحة عند أخفض منسوب وحتى البحر.(17).

بهذا المعنى يكون العراق قد تنازل مرة أخرى عن نصف شط العرب أي بحدود 90 كيلومتراً وعن الجرف القاري والبحر الاقليمي العائد له فيما يتعلق بالحدود النهرية، أما في الحدود البرية فقد شمل التنازل 1000 كيلومتر في منطقة نوكان-ناوزنك العراقية في أراضي كردستان، على أمل استعادة 324 كيلومترا في منطقة زين القوس وسيف سعد والمرتفعات الستراتيجية التي ظلّت ايران متمسكة بها سواءًا في عهد الشاه أو في عهد الخميني، وهي المناطق القريبة من قصر شيرين.

كان القضاء على الحركة الكردية المسلحة، أحد أهداف الاتفاقية، الأمر الذي بقي راسخاً في ذهن جلال الطالباني حين فجّر أزمة دبلوماسية لم تكن محسوبة، ولعل الاتفاق الأمني كان من أخطر ما ورد في الاتفاقية حيث نص على: إعادة الثقة المتبادلة على طول الحدود المشتركة والالتزام باجراء رقابة مشددة وفعالة ووقف التسللات ذات الطابع التخريبي. وكان ذلك يعني تبادل المعلومات الأمنية عن نشاطات المعارضة العراقية والإيرانية، كما كانت تعني اطلاق يد الشاه في الخليج والسكوت عن احتلال الجزر العربية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.

هل أن احتدام الخلاف بين حكومة المالكي والائتلاف الكردي وتعثر المفاوضات بخصوص توقيع اتفاقيات النفط في كردستان وحول المادة 140 بشأن كركوك، كان وراء جواب الطالباني وبحضور الهاشمي، أم أنه أراد جسّ النبض قبيل إرسال وفد حكومي عراقي الى طهران لإحياء اتفاقية الجزائر؟ أم أن سبباً آخر يعود الى الرغبة الأمريكية في الضغط على إيران واتهامها بالوقوف وراء القسم الأكبر من العنف والإرهاب في العراق ؟ أو قد يكون تحت ضغط القصف التركي لجبال قنديل العراقية لملاحقة حزب العمال الكردستاني PKK

وأياً كان السبب فإن موضوع شط العرب وحقوق العراق يقتضيان إعادة النظر باتفاقية الجزائر باعتبارها اتفاقية جائرة ومجحفة ومذلّة وغير متكافئة وأبرمت في ظرف استثنائي وتحت ضغوط واملاءات دولية، لم تكن خطة كيسنجر بعيدة عنها وهو ما ورد في تقرير بايك المقدم الى الكونغرس الأمريكي، فمتى ستضع الاجندة العراقية ذلك في المفاوضات مع إيران؟!!(18)

 

النيل والأمن المائي (19)

أعلن عن اتفاق مبدئي بخصوص مياه النيل وقعته دول المنبع الخمس، وفي مقدمتها إثيوبيا، لكن مصر والسودان اللتين تتمتعان بالنسبة الأكبر من المياه حسب الاتفاقيات الدولية، غابتا عنه، وكانت اتفاقية تقاسم مياه نهر النيل قد تم التوقيع عليها في العام ،1929 ثم أعيد النظر فيها ليتم توقيع اتفاقية جديدة بعد ثلاثين عاماً وعُرفت باتفاقية العام ،1959 باعتبارها الناظمة لعلاقات البلدان الإفريقية المستفيدة من نهر النيل.

ولذلك، فإن توقيع اتفاق بغياب مصر والسودان ومن دون موافقتهما، سيعني إلحاق ضرر يتعلق بمنسوب المياه المخصصة للبلدين، فضلاً عن أمنهما المائي الذي هو جزء من الأمن الوطني لكل من البلدين وللأمن المائي العربي ولدول المنطقة ككل . وإذا كانت العلاقات المصرية السودانية عنصراً ايجابياً في توقيع الاتفاقيات الآنفة الذكر، فإن تردّيها في العقدين الأخيرين ساهم في إضعاف مطالبتهما بحقوقهما، ولعل توقيع مصر على اتفاقية الصلح المنفرد واتفاقيات كامب ديفيد (1978 - 1979) وتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” أسهم في إعادة النظر باستراتيجيتها على المدى الإفريقي والإسلامي، الأمر الذي غيّر من بعض أولوياتها، وهو ما استغلته بعض دول حوض نهر النيل بتشجيع من “إسرائيل” التي عادت إلى إفريقيا بقوة كبيرة بعد أن انحسرت علاقاتها في أواخر الستينات ومطلع السبعينات .

ولا شك في أن توقيع مثل هذا الاتفاق من دون مصر والسودان، إنما هو تحدٍ لهما، لم يكن ممكناً من دون توفّر بعض المستلزمات لعدد من بلدان المنبع، لاسيما مساعدات “إسرائيل” لبناء ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا بمساعدة إيطاليا، وكذلك تقديم مساعدات عسكرية وتكنولوجية لعدد من البلدان، حيث استعادت “إسرائيل” دورها في إفريقيا بعد أن كانت تعاني من عزلة بقطع 30 دولة إفريقية علاقاتها معها بعد عدوان العام ،1967 وبعد حرب العام ،1973 بسبب سياساتها العدوانية ضد البلدان العربية من جهة، ومن جهة ثانية بسبب تعاونها مع نظام جنوب إفريقيا العنصري .

لكن اختلال موازين القوى وتصدّع الوضع العربي، لاسيما بعد غزو الكويت العام،1990 ومن ثم انقسام الصف العربي والحرب على العراق وفرض الحصار عليه،1991 وما بعدها، هو الذي هيأ الظروف المناسبة لبعض دول المنبع للإقدام على هذه الخطوة، يضاف إلى ذلك انهيار الكتلة الاشتراكية وتحلل الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أضعف العرب إلى حدود كبيرة، ناهيكم عن اتباع سياسات فلسطينية وعربية جديدة تحت باب “الواقعية السياسية” و”التسوية السلمية”، تلك التي تجسّدت في اتفاق أوسلو 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود منذ العام ،1999 ومانعت “إسرائيل” من التوصل إلى صيغة الحل النهائي باعلان الدولة الفلسطينية، بل إنها شنّت حرباً ضد لبنان العام 2006 وحرباً ضد غزة العام 2008 -2009 بعد حصار ما زال مستمراً منذ نحو ثلاثة أعوام .

ولعل ذلك ساهم في تشجيع بعض دول المنبع لمواجهة الأمن المائي العربي لمصر والسودان، والتوجه لإبرام اتفاق سيلحق الضرر بالأمن المائي لكلا البلدين، بل يلحق الضرر بالأمن المائي العربي ككل، وبالمصالح الوطنية للبلدين وثرواتهما .

لقد ترافقت تلك التحديات مع محاولات معلنة في دفع مياه نهر النيل نحو صحراء النقب وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة من “إسرائيل”، وقد سبق لشمعون بيريز ان أشار إلى ذلك في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” في التسعينات، وهو الأمر الذي يصبح الحديث عنه اليوم أكثر جدية وراهنية .

ان استبعاد أربع دول من الاتفاق المائي الجديد يعتبر مخالفاً للاتفاقيات الدولية ولقواعد القانون الدولي، لاسيما الخاصة بالأنهار الدولية، فضلاً عن تعارضه مع مبادئ التعاون بين الدول ومع الاتفاقيات السابقة لدول حوض النيل، ومع ميثاق الأمم المتحدة، ولعله سيكون نقطة احتكاك قد تؤثر في العلاقات العربية الإفريقية، لا سيما مصر والسودان مع بقية دول المنبع .

وبالطبع لم يكن موقعو الاتفاق يجرؤون على استبعاد مصر والسودان لولا الضوء الأمريكي الأخضر، والسياسات العربية الرسمية، التي كان رد فعلها ضعيفاً بما فيها جامعة الدول العربية، الأمر الذي يتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً فعّالاً والضغط على إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، ناهيكم عن تنشيط العلاقات المصرية السودانية ومع الدول الافريقية، لا بخصوص الأمن المائي والغذائي فحسب، بل في ما يتعلق بمستقبل علاقات العرب مع إفريقيا، ناهيكم عن انعكاساته الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على عموم المنطقة، فالمواجهة بخصوص النيل أو غيره من المياه العربية ستكون مواجهة مع “إسرائيل”، ومعركة المياه بكل تفرعاتها وتشابكاتها هي جزء من الصراع العربي “الإسرائيلي” . وإذا قيل عشية الحرب العالمية الأولى: من يمتلك النفط يهيمن على العالم، لأنه سيكون بيده وقود الطائرات والسيارات والغواصات، فإنه في الألفية الثالثة يصحّ القول إن من بيده الماء سيستطيع أن يكسب المعركة، لأنه عنصر مهم للتنمية ولتوليد الطاقة والزراعة والري وبالاساس لاستمرار الحياة الانسانية .

إن معركة المياه العربية تكاد تطوّق العالم العربي كله، فتركيا بنت نحو 22 سداً بما فيها سد الغاب الكبير، منذ أربعة عقود من الزمان على حوضي دجلة والفرات، وقد تنشأ مشاكل جديدة لحوض نهر الفرات بين سوريا والعراق، بسبب المنسوب الشحيح الذي ترخّص به تركيا للبلدين، إضافة إلى ما يتعلق بنهر كارون والكرخة ومستقبل شط العرب مع إيران، يضاف إلى ذلك شفط “إسرائيل” لمياه الاردن والمياه الجوفية ونهر الليطاني ومياه الجولان وبحيرة طبرية وغير ذلك، الأمر الذي يتطلب تعاوناً وتنسيقاً بين البلدان العربية التي تواجه مخاطر مائية، فضلاً عن أن مصيرها واحد .

لقد آن الأوان للتفكير الجدّي لمواجهة هذه المخاطر المحدقة، فالنيل هو حياة مصر والسودان، ورغم انخفاض منسوبه في كلا البلدين، واحتمالات ازدياد حالات العطش وشح المياه، الاّ أن هذا الاتفاق سيكون عاملاً سلبياً في انحسار نسب كبيرة من المياه التي تصل إليهما، ولعل ذلك سيعني تدهوراً في سلّة الغذاء من المزروعات واللحوم، فضلاً عن الطاقة الكهربائية والتنمية وغيرها، فلا أمن لمصر أو للسودان من دون النيل .

 

النيل وحرب المياه (20)

إذا كانت المياه عصب الحياة ويستحيل العيش من دونها، فإنها في الوقت نفسه، وبسبب ندرة توفرها والحاجة إليها، أصبحت مصدراً للنزاعات والحروب، واستخدمت كأداة نفوذ وإملاء إرادات على مرّ التاريخ. لكن تطور العلوم والتكنولوجيا وتعاظم الحاجة إلى استخدام المياه، جعلها محوراً للصراع الاجتماعي والسياسي الذي ازداد تأثيره تدريجياً على مستوى العالم كلّه، بسبب زيادة استخدام المياه فضلاً عن عدم ترشيده والاستفادة منه على نحو عقلاني، وشحّ بعض المنابع وجفافها. سواءً في الدول التي تملك المصادر الكافية من المياه أو الدول التي تريد زيادة مواردها منها وتأمين استمرارها.

وحسب العلاّمة البروفسور حيدر كمونة المختص بهندسة تخطيط المدن والعمارة، فإنه مع دخول العالم، القرن الحادي والعشرين بدأت تتضح معالم عجز عالمي كبير في الموارد المائية، حيث تقدّر كمية المياه الكلية في العالم نحو 1386 مليار متر مكعب، تؤلف المياه العذبة منها نحو 5 .2% فقط، موزعة توزيعاً متبايناً في أنحاء العالم، وتشكّل الدول العربية منها 058% فقط مصادر للمياه المتجددة .

ولعل هذا النقص في الموارد المائية المترافق بسوء نوعية المياه بسبب التلوّث والتأثيرات السلبية الأخرى، حيث طغت المياه المالحة، خلق عجزاً مائياً كبيراً، ومع ارتفاع حجم التعداد السكاني وشحّ الموارد وزيادة الاستخدام ازدادت الهوّة على نحو شاسع بين ما هو متوافر وما هو مطلوب.

إن الذي دفعني لمراجعة كتاب البروفسور كمونة الأستاذ في جامعة بغداد (21) هو ما نشرته مجلة جون آفريك الفرنسية في عددها الصادر في شهر مارس/ آذار 2011 عن احتمال توقيع “اتفاقية إطار” لدول حوض نهر النيل، وذلك بانضمام جمهورية بوروندي إلى اتفاقية تقاسم مياه النيل، التي لم توقّع عليها مصر والسودان في حين أن إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا ومؤخراً بوروندي، وقّعت على الاتفاقية وتمنع مصر والسودان عن التوقيع. وبانضمام بوروندي إلى اتفاقية الإطار التي اعترضت عليها مصر والسودان المتضررتان الأساسيتان من الاتفاقية ستجرّد مصر من حقها في النقض (الفيتو) على مشروعات الدول المتشاطئة للنهر، ذلك الذي حصلت عليه العام 1929 بواسطة اتفاق وقعته عنها يومذاك بريطانيا بصفتها دولة الانتداب. وبموجب اتفاقية الإطار هذه يحق لبرلمانات الدول الستة الموقعة إنشاء “لجنة دول حوض النيل”، الأمر الذي يلغي أو يبطل مفعول اتفاقية العام 1959 التي ضمنت لمصر والسودان حق الانتفاع ب 90% من مياه نهر النيل، مع ضمان حق مصر في النقض (الفيتو) . هكذا يكون بإمكان الدول المتشاطئة بانضمام بوروندي اعتبار الاتفاقيات السابقة لاغية وكأنها شيء لم يكن، لأن إبرامها كان قد تم مع دولة مستعمِرة باسم دولة مستعمَرة (بريطانيا- مصر)، كما أن الزمن قد تجاوزها، لاسيما وأن احتياجات سكان البلدان المتشاطئة قد تضاعفت، ناهيكم عن التغييرات المناخية، وهو التبرير الذي تقوده إثيوبيا إزاء حماستها للتوقيع على اتفاقية الإطار .

ولعل الأخطر من ذلك هو ما تخطط له دول حوض النيل لإنشاء سد مائي يمكنه أن ينتج طاقة كهربائية بمعدل 60 إلى 80 ميغاوات لتزويد رواندا وتنزانيا وبوروندي بالطاقة.

وكانت إثيوبيا قد سبق وحصلت على تسهيلات من "إسرائيل" لبناء ثلاثة سدود على نهر النيل، مقابل تقديمها تسهيلات تساعد على هجرة اليهود الفلاشا إلى "إسرائيل". مع العلم أن الكيان الصهيوني يعرف جيداً ماذا يعني النيل “هبة السماء” لمصر، فهو يشكل عماد الحياة الاقتصادية والاجتماعية منذ الأزل، ولهذا فإن حرمان مصر من هذا المصدر الأساسي سيعني تعطيل قدراتها التنموية على جميع الصُعد.

والجدير بالذكر أن "إسرائيل" استطاعت إثر النكوص العربي الذي حصل، لاسيما بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد والصلح المنفرد استعادة علاقاتها مع ثلاثين دولة إفريقية سبق وأن قُطعت على خلفية عدوانها على الدول العربية بعد العام 1967 .

وقد جرت خلال العقد الماضي كلّه مباحثات مستمرة بين الدول الست المتشاطئة، ظلت مصر بعيدة عنها، لأن مجرد التفكير بإلغاء نسبة الـ 90% من المياه، يعني موت مصر عطشاً، وهو الأمر الذي حاولت القاهرة أن تعقد من أجله لقاءات في شهر يناير/ كانون الثاني ،2011 لكن تدهور الأوضاع في مصر وفي ما بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، قد حال دون ذلك، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة لبحث مشكلة المياه وتوزيعها طبقاً لاتفاقيات دولية تشارك فيها جميع الأطراف، ووفقاً لقواعد القانون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات السابقة.

ولعل واحدة من المشكلات الجديدة التي ستواجه دول حوض النيل، هي دولة جنوب السودان الجديدة المرتقبة. ويمكن القول إن الدول المتشاطئة، ما كان لها أن تتجرأ وتتصرف بالطريقة إيّاها، لولا الحرب المزمنة في جنوب السودان وضعف النظام المصري ونكوصه، ما أدى إلى التفريط بحقوق انتفاع سكان مصر والسودان من نسبة الـ90% المحددة طبقاً لاتفاقية العام 1959 من مياه نهر النيل.

وتعتبر مشكلة مياه نهر النيل من أعقد المشكلات التي ورّثها الحكم السابق في مصر إلى ثوار الانتفاضة والحكم الجديد، وهي مشكلة تتعلق بصميم المصالح الحيوية المصرية، بل بما يسمى الأمن القومي العربي، وهما مسألتان ضعفتا في سنوات حكم ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، سواء في ظل الرئيس أنور السادات أو حسني مبارك، خصوصاً عندماً ضعف الدور المصري في إفريقيا، بل وعلى المستوى الإقليمي والدولي .

ويمكن القول أن هناك تناسباً عكسياً بين مصادر المياه وبين ارتفاع معدلاّت النمو السكانية، فالتطور السكاني الديموغرافي الحاصل، يؤدي بالتالي إلى استخدام أكبر للمياه، وهذا بدوره يؤدي إلى شحّ بالمياه، مما سيهدد الملايين بالموت عطشاً في حال التلاعب بنسبة المياه المخصصة لمصر والسودان، الأمر الذي يؤدي إلى احتمال قيام نزاعات وربما حروب بسبب نقص المياه الذي يعني نقص مقوّمات استمرار الحياة الإنسانية .

إن التحدّيات الخارجية التي تواجه المياه الدولية المشتركة مع دول الجوار الجغرافي بالنسبة لحوض النيل، تعد من أخطر وأعقد المشكلات التي ستواجه مصر والسودان في السنوات الثلاثين المقبلة، فنهر النيل يشكل المصدر الرئيس للمياه في مصر، وهو ثاني أطول نهر في العالم حيث يبلغ طوله من منابعه في بحيرة تنجانيقا حتى البحر المتوسط حوالي 6700 كم .

وإذا كان ثمة تحديات خارجية، سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، تتعلق بالنيل وغيره من المياه العربية، فإن غياب إستراتيجية عربية أو على الأقل تعاون وتنسيق عربي للتصدي للسياسة التي لا تريد خيراً لشعوب البلدان العربية، ناهيكم عن عدم الاستخدام الرشيد للمياه وعدم تنقية مشروعات الري الحديثة، كالخزانات والسدود وغيرها، يلعب دوراً في تفاقم هذه المشكلة، التي تزداد مع وجود هذه المعوّقات الأساسية، فضلاً عن معوّقات تتعلق بالخبرة والكفاءة، ناهيكم عن المعوّقات البيئية والطبيعية والفنية والتمويلية وهو ما يعالجه البروفسور كمونة في كتابه المشار إليه، بعمق ومعرفة واستشراف مستقبلي .

قد لا نكون مبالغين إذا قلنا أن المعركة القادمة أو ربما المعركة المحتدمة في السنوات القادمة ستكون معركة المياه العربية. فالماء بعد النفط سيضيق الخناق على العالم العربي وسيدفع أجزاءً منه الى المزيد من الجفاف والتصحر وضنك الحياة.

في الحرب العالمية الأولى قيل " من يملك النفط يسيطر على العالم" فمنه يمكن تزويد الدبابات والمدرعات والطائرات والغواصات بالوقود وفيه طاقة حيوية يمكن استثمارها في المشاريع والصناعات وغيرها. واليوم قد يصح القول أن من يضع يده على المياه ويتحكم بمصيرها والاستفادة منها فإنه سيقرر مصير المنقطة العربية لا وحدها حسب، بل ربما منطقة الشرق الأوسط كلها.

في السابق كانت كلّما تتعقد العلاقات العربية- التركية تلتجئ تركيا للتويح بالسيف النووي الأطلسي وبدور الشريك مع الدول الغربية (امبريالية الفرع) وبمصالحها في العالم العربي وقد تبينت هذه الصورة عند انقلاب كنعان إيڤرين في أيلول 1980 الذي رفع الطموحات الى مرحلة التنفيذ، لكي تساهم تركيا بنفوذ أكبر في المنطقة وخصوصاً في العالم العربي وذلك من خلال ضغوطها على كل من سورية والعراق فضلاً عن استمرار علاقتها مع اسرائيل، إذا أنها الدولة الاسلامية الوحيدة التي تحتفظ بعلاقاتها البدلوماسية مع اسرائيل بل إرتقت الى درجة السفارة في السنوات الأخيرة.

ومن أهم الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل وتركيا هي مشروع نهر مناوجات الذي يصب في البحر المتوسط شرق إنطاليا حيث تم الاتفاق على بيع تركيا إسرائيل 50 مليون كم3 لمدة 20 عاماً بواسطة النقل البحري وقد تم ذلك في العام 2004 وحتى بعد حادث أسطول الحرية لم يعلن عن غيقاف العمل بهذا الاتفاق.

وبعد فوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002 وفي العام 2008 فقد اتخذت تركيا مساراً آخر، لاسيما تقديم صور إسلام معتدل أمام إسلام القاعدة الإرهابي المتوحش والاسلام المتطرف، لاسيما الراديكالي المعادي لسياسات واشنطن، كما هي صورة إيران وعلى الرغم من وجود توافقات إيرانية- تركية بخصوص المسألة الكردية والسكوت المتبادل إزاء خرق الأراضي العراقية.

ومثلما في السابق فإن امتدت اليد التركية متوغلة في شمال العراق لمهاجمة القوى الكردية وملاحقة أعضاء التنظيمات التركية المعارضة وذلك تجاوزاً وانتهاكاً لسيادة العراق وحرمة أراضيه وهو ما منحه صدام حسين الى تركيا إبان حربه مع إيران وعندما جرى توقيع إتفاقية عام 1982-1984، إضافة الى دور تركيا في منطقة البلقان وخصوصاً في بلغاريا مستثمرة الاضطهاد الواقع على الأقلية المسلمة من أصل تركي يومها، حيث استطاعت تحريك المشكلة التي اتخذت أبعاداً خطيرة أو بإثارة المشاكل والنزاعات مع اليونان واستمرار احتلال أجزاء من قبرص (الأقسام الشمالية التي أقامت عليها جمهورية خاصة).

وعملت تركيا لتعزيز نفوذها الاقليمي على تقوية علاقاتها مع باكستان وإيران مروجة لفكرة قديمة – جديدة بتكوين ما يسمى بالسوق الاسلامية المشتركة بين الدول الثلاث، ساعية لكي تكون سلة الغذاء لدول منطقة الشرق الأوسط عبر مشروع الكاب الكبير ولوضع المنطقة وخصوصاً العربية تحت نفوذها الاقتصادي إضافة الى دورها العسكري وامتدادها السياسي.(11)

أما اسرائيل فقد استمرت في استحواذها على مياه الأرض المحتلة وذلك بمواصلتها شفط المياه الجوفية منذ العام 1967 وبوضع اليد على نهر اليرموك والسيطرة على مياه نهر الليطاني في جنوب لبنان والاستحواذ على نهر بانياس الذي هو أحد فروع نهر الأردن والذي ينبع من سفوح هضبة الجولان وهو أحد الاسباب التي تفسر تمسكها الشديد بمرتفعات الجولان. لهذا فإن معركة المياه معركة خطيرة، وهي معركة اقتصادية بدون بزات قتال عسكرية أو مدرعات ولكن بوسائل قد تكون أكثر خطورة وخبثاً.

 

..........................

المصادر والهوامش

(1) حتى الآن يبدو أن نظرية الدومينو لا تزال تفعل فعلها في الشرق الأوسط ونجحت إزاء المنطقة العربية. فكلّما يراد إطفاء بؤرة من بؤر التوتر يتم نقل الصراع الى ميدان آخر وبشكل أكثر احتداماً وعنفاً. وهكذا فبعد الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثمان سنوات واستنزفت الموارد ودمرت طاقات البلدين وألحقت أضراراً بشرية ومادية هائلة، (1980-1988) دخلت المنطقة فيما يسمى أزمة " السلاح الكيمياوي" في أعقاب حرب الخليج الأولى، وخصوصاً ما تركته جريمة قصف مدينة حلبجة الكردية في 16-17 آذار (مارس) العام 1988، ثم ما لبثت أن دخلت في دوامة غزو الكويت وما تبعها من حروب وحصار واحتلال للعراق في العام 2003، فضلاً عن حرب اسرائيل على لبنان العام 2006 وحربها المفتوحة على غزة 2008-2009 وحصارها المستمر عليها منذ العام 2007.

(2) حول حرب المياه في الشرق الأوسط وبخاصة مياه نهر الفرات ودجلة: راجع شعبان ، عبد الحسين- عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994، وكذلك الباحث، الموعد، محمد سعيد- مجلة الهدف (حلقتان) الحلقة الثانية 7/4/1990. قارن ايضاً: رياض، محمود- مطلوب موقف عربي من مهزلة مؤتمر المياه في اسطنبول، جريدة الحياة، 8 اكتوبر (تشرين الأول) 1991. كذلك الرميحي، محمد – مجلة العربي 2 العدد 311 اكتوبر 1984، ملف بعنوان المياه العربية وحديث عن الخطر المستتر. العربي العدد 323 اكتوبر 1985، وكذلك التغلبي، نشأت – معركة المياه والهجرة السوفييتية تعيدان أجواء 1967، مجلة الحوادث 23/2/1990، حيث يقول: إن هجرة اليهود ومعركة المياه هما أكثر ما يواجه العرب في هذه المرحلة. تقرير خاص للشرق الأوسط 8/4/1990. الشرق الأوسط يشهد حرب المياه في التسعينيات، تقرير 80% من مياه العرب تتحكم بها مصادر أجنبية 23/4/1992.

(3) انظر: حتر، علي- الأمن المائي العربي في بلاد الشام والعراق ومصر، مجلة فكر، عدد خاص حول الأمن المائي العربي، العدد 112 (ملحق) أعداد مركز الدراسات والتخطيط، مجموعة باحثون، دمشق، 2011 ص 6 -7-8.

(4) أنظر: شعبان، عبد الحسين- العلاقات التركية- الاسرائيلية، مجلة نضال الشعب العدد 437 في 7/7/1986، جدير بالذكر أن العلاقات التركية- الإسرائيلية شهدت تطوراً ملحوظاً ونمواً مضطرداً وخصوصاً في الجانب الاقتصادي وفي درجة التمثيل الدبلوماسي (على مستوى سفارة) وقد عملت الستراتيجية الامريكية بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 للتعامل مع المنطقة بذراعين.

1- معاهدة التحالف الستراتيجي مع إسرائيل عام 1983.

2- نظام إقليمي تلعب فيه تركيا اليد الطولى (بعد غياب إيران) ويعمل المحور الثاني على إقامة "سوق شرق أوسطية" إضافة الى الوساطة التركية بين الفلسطينيين والاسرائيليين. لكن العلاقات التركية- الاسرائيلية انتكست كما ستتم الاشارة إليه بعد حرب إسرائيل ضد غزة، ولاسيما بعد قتل 9 مواطنين أتراك كانوا ضمن أسطول الحرية الذي حاول كسر الحصار على غزة.

قارن : صحيفة السفير 17/كانون الأول/1986.

(5) - أنظر شعبان ، عبد الحسين –بالمر – غولدستون أي مفارقة واي قانون ؟! جريدة الاقتصادية ، الجمعة 23/9/2011.

(6)- أنظر: حتر، علي (مؤلف جماعي) الأمن المائي العربي، مصدر سابق ص 37.

(7) انظر: حتر، علي، المصدر السابق ص 39

(8) الموعد، ، محمد سعيد- مجلة الهدف، مصدر سابق .

قارن كذلك : شعبان عبد الحسين - عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.

(9) واستهدفت إسرائيل أيضاً تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي وتوطيد مرتكزاتها فيه للهيمنة على باب المندب من خلال الانشاءات العسكرية في جزيرة دهلك والاحاطة بالدول العربية والأفريقية والتصرّف بثروتها المائية.

(10) قارن كذلك : شعبان عبد الحسين - عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.

(11) قارن: حيدري، نبيل (الدكتور) تركيا- دراسة في السياسة الخارجية منذ العام 1945، دار صبرا) دمشق 1986 ص 103.

قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين- ماذا بعد الربيع : العرب والجوار والعالم- محاضرة في مؤسسة فكر، دبي، 5-7 (ديسمبر) 2011.

(12) أنظر: شعبان، عبد الحسين- عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.

(13) أنظر: حتر، علي – الأمن المائي العربي، مصدر سابق، ص 25.

(14) أنظر: حتر، علي (في مجموعة باحثين) مصدر سابق ،

(15) جريدةالجريدة الكويتية ، 24/1/2008

(16) انظر: شعبان، عبد الحسين- عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق.

(17) أنظر :شعبان، عبد الحسين- النزاع العراقي الإيراني، دار الطريق الجديد، 1981.

(18) انظر: جريدة الجريدة الكويتية، مصدر سابق.

(19) انظر: صحيفة الخليج الاماراتية، 30/6/2010.

(20) انظر: صحيفة الخليج الاماراتية في 30/3/2011

(21) انظر: كمونة، حيدر- الرؤى المستقبلية لتحقيق الأمن المائي العربي، المعهد العراقي لحوار الفكر، بغداد، 2010.

• أكاديمي ومفكر عربي،-أستاذ فلسفة اللاعنف في جامعة أونور ، ويعدّ من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، وهو باحث في الفكر السياسي والقانوني والقضايا الستراتيجية العربية والدولية. وله نحو 50 كتاباً . من مواليد النجف الأشرف في 21 آذار (مارس) 1945. تخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في بغداد، واستكمل دراساته العليا في براغ: جامعة 17 نوفمبر وجامعة تشارلس (كلية الحقوق) وأكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه في فلسفة القانون (اختصاص -القانون الدولي).

• نشرت في كتاب القانون الدولي والشؤون الداخلية، مع مجموعة دراسات، بتنسيق بوعزّة عبد الهادي، الجزائر- عمان ، 2014

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2798 المصادف: 2014-05-04 01:08:38


Share on Myspace