 دراسات وبحوث

بعض دعوات الإستشهاد في سبيل ألله .. كيف فهمها وأدّاها السلفيون في القرن الماضي

hashem mosawiيرى جمال الدين الأفغاني (1839-1897) بأن سبب إنحطاط المسلمين وتخلفهم يعود إلى  ضياع الحداثة الدينية لديهم، وعندما تحول الدين لديهم إلى طقوس وشعائر وتقاليد ورسوم بلا معنى، وصارت العبادة عِبارة عن ممارسات صوفية خارقة، وبذلك أساء رجال الدين فهم الشريعة وتفسير العقيدة الصحيحة من حيث يعلمون ولا يعلمون.

في هذهِ الدراسة المُبسطة (والتي استعنتُ في كتابتها على وثائق ومصادر مُتنوعة)، وعلى لقاءات مع بَعض من غُرِرَّ بِهم .. واستفاقوا على فداحة العَبَث الفكري الذي لازمهم طوالَ مُدّة مسايرتهم لتلك التوجهات المتطرفة، أُحاول أن أتعرض للطُرق التي استخدمتها التنظيمات الإسلامية السياسية المُعارضة لتجنيد الأعضاء وإعدادهم ليصبحوا عناصر عسكرية نشيطة.. كما سأحاول وصف أشكال وأساليب نشاطات هذهِ التنظيمات.

من المعلوم أن التجنيد في التنظيمات الدينية السياسية المعترضة يحمل طبيعة نشطة، أي هو عبارة عن مبادرة لاستقبال وتنظيم العضو الذي سيصبح من جسم التنظيم، وفي المجمل يُصبح عميلاً نشطاً للتنظيم ككل.

تُعتبر مرحلة دراسة شخصية المُرشح، هي المرحلة التحضيرية. فمثلاً تنصح النشرات الداخلية للأخوان المسلمين السودانيين بإلحاح (التعرف على شخصية المُرشح وعلى أفكارهِ لتحديد المَدخل إلى عقلهِ وقلبهِ). وتقوم بمهمة دراسة المُرشح خدمة المعلومات في هذهِ التنظيمات، التي هي عبارة عن جهاز يجمع جميع المعلومات الخاصة بالمرشح -الوضع الصحي، الطباع السيكولوجية، الحالة المعنوية، الإمكانيات المادية وإمكانيات الترقي المستقبلية في المناصب ولا يباشر العمل المباشر مع المُرشح إلا بعد تقييمه كعنصر مناسب للانتساب إلى التنظيم.

وهنالك صفة مميزة أخرى للتجنيد وهي تعدد المراحل. فهذه تبدأ من اللقاءات التي يجري فيها التحدث حول المواضيع الدينية والاجتماعية والسياسية الملحة (غالباً على شكلٍ مُنفرد) بعدها يُدعى المرشح إلى اجتماع الخلية أو الجماعة، حيث يسيطر جو من التكريم للمرشح وتُبحث في هذا الاجتماع تلك المسائل التي يُعتقد أنها تُقلق المرشح ذاته. وبالتدريج يصبح المرشح عضواً في التنظيم، كما يباشر ممارسة النشاط التنظيمي بصورة تدريجية أيضاً. يُكلف المرشح "العُضو" بمهام مختلفة: شراء الكتب لمكتبة التنظيم، إقامة معرض للكتب الدينية في الحي، جمع التبرعات لبناء المساجد وغيرها. وبعد ذلك يُكلف بتوزيع أشرطة التسجيل لرجال دين غير رسميين وإقامة مجلات حائطية، أي الإشتراك في جميع أشكال النشاطات (بصورةٍ تصاعدية)، وصولاُ إلى تنفيذ أعمال العنف، إذا كان الحديث يدور حول التنظيمات الدينية السياسية المعارضة المتطرفة.

في الحالة الأخيرة، يجري اختبار تجريبي، ينحصر في إعطاء "العضو المرشح" مهمة خطرة نسبياً (على سبيل المثال، تركيب جهاز تفجير)، ويُراقب تنفيذه لهذهِ المهمة عدد من الأشخاص الذين لا يُقدمون على إيقافه إلا في اللحظة الأخيرة. وبعد ذلك يسمحون له بأداء قسم الولاء، الذي على أثره يُصبح العضو المُرشح عضواً كامل الأهلية في هذه التنظيمات الدينية السياسية المعارضة المتطرفة، أو في التنظيم الخاص، في التنظيمات الدينية السياسية المشروعة. نشير هنا إلى أن أعضاء المجموعات المسلحة في التنظيمات الدينية السياسية المعارضة يخضعون إلى اختبار تجريبي، كما هو متبع، في تنفيذ عملية حقيقية من أعمال العنف.

والمثال الواضح للتدرج في الوصول إلى العضوية الكاملة في التنظيمات الدينية السياسية المعارضة هو ما يسمى بـ "صفة العضوية أو درجتها"، التي تستخدم في تنظيم "الاخوان المسلمون" في مصر، على سبيل المثال، فهنالك أربع درجات للعضوية في هذا التنظيم، التي وفقها تختلف واجبات "الأخوة".

 الدرجة الأولى _ "الانضمام العام". هو حق لكل مسلم لديه الرغبة في القيام بأعمال الخير، بحيث يكون على أستعداد لتقديم "استمارة تعريف" ودفع مساعدات مالية بمحض إرادته. وفي هذه الدرجة، يسمى العضو "أخ مساعد".

الدرجة الثانية _ "الانضمام الأخوي"، وهنا تضاف واجبات أُخرى على العضو: فبالإضافة إلى ما أشير إليه سابقاً، يجب عليه العمل على استيعاب أيديولوجيا "الإخوان"، وأن يخضع للأوامر، وأن يتجنب الممنوعات وأن يحضر الاجتماعات الإسبوعية والسنوية وغيرها، التي يُدعى إليها. ومثل هذا العضو يسمى "أخ منتسب".

الدرجة الثالثة _ "الانضمام العملي". ويجب هنا على "الأخ العامل" أن يزود التنظيم بصورة فوتوغرافية وجميع المعلومات الخاصة به والمطلوبة من قبل التنظيم، وأن يعمل على الدراسة المتعمقة لأيديولوجيا "ألإخوان المسلمون"، وأن يشارك بتراتيل القرآن التي تقام مرة كل أسبوع، وأن يدفع الاشتراكات لمالية التنظيم وللجنة الزكاة، وأن يصبح عضواً في (فرقة الرحلات_ مجموعة التربية البدنية والإعداد العسكري)، وأن يحاول أن يتكلم باللغة العربية الفصحى، ويتجنب النطق باللهجات العامية، وأن يتقيد في مسكنهِ ومعيشتهِ بمبادئ "الاخوان المسلمون"، وأن يداوم على التعليم الذاتي في مجالات العلوم الاجتماعية، وأن يحفظ أربعين حديثاً نبوياً، وأن يكون جاهزاً على الدوام لتنفيذ العقوبات التي تُفرض بحقه، بروحٍ رياضية، إذا أقدم على ارتكاب معصية أو خطأ ما.

وعند هذه الدرجة، تنتهي درجات العضوية العادية. إلا أن هنالك درجة أخرى أعلى مستوى_ مستوى "المجاهد". فإذا كان إعداد العضو ضمن الدرجات الثلاث السابقة الذكر تقوم بها منظمات المناطق والأقاليم "الدوائر"، فإن إعداد العضو في الدرجة الأخيرة يقوم به "مكتب الإرشاد العام"، وتعتبر هذه المهمة من صلب مهامه حصراً.

 واجبات المجاهد_ بالإضافة إلى إلواجبات التي سبق ذكرها، هنالك وجوب التقيد "حسب الامكانيات المتاحة" بسنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) "قولاً وعملاً ومالاً"، والالتزام بدفع الاشتراكات الدورية والتبرعات إلى مكتب الإرشاد مباشرة ولصندوق الدعوة، أي إلى صندوق تجنيد أعضاء جدد، وكتابة وصية، وفقها يجب تخصيص جزء من أملاك المجاهد إلى ملكية التنظيم، وتنفيذ أي طلب "أمر" موجه من مكتب الارشاد، في أي وقت وأي مكان، وأن يكون جاهزاً على الدوام للخضوع لدورات خاصة تكون تحت الإشراف المباشر لمكتب الإرشاد. والمجاهدون هم أعضاء ما يسمى بالتنظيم السري، أي المجموعات المقاتلة للإخوان المسلمين.

يتعرف العضو المرشح بالتدريج على برامج التنظيم وخططه. وفي مرحلة معينة لا يحق للعضو المرشح الانسحاب من التنظيم، لا سيما إذا كان الحديث يدور حول التنظيمات المتطرفة أو غير الشرعية. فالانسحاب من هذه التنظيمات غير ممكن، لأن عقوبة ذلك هي الإعدام، لأن "العضو المرشح" أصبح يعرف الكثير. وفي تنظيم "التكفير والهجرة" نُفذ حكم الإعدام بعدد من أعضائهِ بسبب انسحابهم من التنظيم.

يحلف العضو العامل في التنظيم قسم الولاء والإخلاص، الذي يؤكد بشكلٍ خاص في نصه (لدى الاخوان المسلمين في مصر) على الطاعة العمياء. <أقسم بالله العلي القدير أن ألتزم برسالة "الإخوان المسلمون"،، وأن أشارك في الجهاد وأن أحيا ملتزماً بقواعدهم، وأن أثقَ ثقةً عمياء بقيادتهم، وأن أخضع لها في مختلف الظروف، الجيدة منها والرديئة. إنني أُقدم قسم الولاء هذا أمام الله العلي القدير. والله شاهدٌ على ما أقول.

من الطبيعي أن يكون لكل تنظيم من التنظيمات الدينية السياسية المعارضة طرقه الخاصة في تجنيد الأعضاء، تلك التي تختلف عنها في التنظيمات الأخرى، والتي تتشكل متأثرة بالظروف المستجدة وبتقاليد التنظيم ذاته. فعلى سبيل المثال، تنصح الوثائق الداخلية لتنظيم "الاخوان المسلمون" في السودان، بتكثيف الجهود لتجنيد أعضاء جُدد من أوساط الأشخاص الموهوبين والشخصيات المشهورة، ومن أولئك الذين يشغلون مناصب عليا وقيادية. ويجري تنشيط وتوسيع أعمال التجنيد عن طريق "تنشيط العمل الثقافي في النوادي والمساجد والمؤسسات التعليمية والرحلات المنظمة والأسفار، التي يدعى إليها الأعضاء الجدد والمرشحين". ويجب أن يُحاط الأعضاء الجدد بجوٍ من الاهتمام لكي (حسب تعبير إحدى الوثاثق الداخلية) لا يُفسح لهم مجال للراحة، وتزويدهم المستمر بالأدبيات.

هنالك بعض التنظيمات الدينية السياسية المعارضة تسعى لزيادة أعداد صفوفها، الأمر الذي يؤدي إلى عدم القدرة على الاهتمام الكافي بالمرشحين. وبهدف توسيع التنظيم عددياً، وجهت قيادة "الاخوان المسلمون" في السودان أمراً عاماً بخصوص التروي في التعامل مع الوسط الشبيبي، وعدم الاستعجال في مكافحة الظواهر السائدة فيه كالتدخين وتناول الكحول والرقص والغناء على الطريقة الغربية. فالإخوان في السودان، وانطلاقاً من هذه التصورات، لا يقفون ضد التعليم المختلط، ولا يعزلون الجنسين في تنظيمهم. كما قدمت نصائح بخصوص العمل مع الشبيبة المتعلمة وطرق تجنيد الأعضاء في أوساطها، كما يتم اختيار عناصر التنظيم البشوشة والمرحة للعمل في هذا المجال.

 

ونظرا لأن التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة هي في توسع وانتشار مستمرين، وأصبحت تستخدم أعمال العنف لتحقيق أهدافها على المستوى العالمي، لهذا السبب توسعت أيضاً جغرافيا التجنيد. ومثل هذه الأنشطة تخطت حدود البلدان العربية وأصبحت واسعة الانتشار، لا سيما في عواصم الدول الأوروبية.

 (لهذا، أصبحت إمكانيات اختراق أجهزة المخابرات الغربية لهذه التنظيمات، من الأمور السهلة جداً).

ومن بين التنظيمات الدينية السياسية المعارضة العاملة في البلدان العربية والتي تمتلك مراكز تجنيد خارج حدود الشرق الأوسط _ حزب التحرير الإسلامي، الذي يهدف إلى إقامة نظام الخلافة. ففي صيف 1983، اعتُقِل في تونس 29 شخصاً، من بينهم 18 عسكرياً، اتهموا بالانتماء إلى هذا التنظيم السياسي غير المعترف به. وفي نهاية شهر آب/أغسطس عام 1983 حُكم على أعضاء هذه المجموعة بأحكام سجن مختلفة (من 2 إلى 8 سنة). وهؤلاء الذين هم من أعضاء فرع حزب التحرير الاسلامي التونسي، كان قد تم تجنيدهم في أوروبا، حيث تقيم القيادة العملياتية لهذا الحزب، الذي هو على اتصال مستمر مع مثقفي الوطن العربي، الذين يتواجدون من حين لآخر في أوروبا لأغراضٍ متنوعة (دراسة، مهمة، بعثة علمية وغيرها). ويتوجه هذا الحزب إليهم بهدف إقناعهم لتشكيل فروع لهذا الحزب في أماكن تواجدهم الدائم. والكثير من العسكريين التونسيين الذين حوكموا في هذه القضية، كانوا عائدين عشية الاعتقال من المانيا الغربية، وأحد الضباط، كان مكلفاً بمهمة رسمية في اليونان حيث تم تجنيده.

تشير مصادر المعلومات (وزارة الداخلية المصرية، على سبيل المثال) إلى أن فيينا تعتبر من مراكز التجنيد، حيث تم فيها تجنيد رئيس فرع مصر لحزب التحرير الإسلامي (صُفي هذا التنظيم من قبل‌ السلطات المصريه عام 1983) علاء الدين الزناتي.

بعد عام 1981، أقدم 3/4 من أعضاء جماعة التكفير والهجرة في مصر، بما فيهم قائد هذا التنظيم محمد الأمين عبد الفتاح، على الفرار خارج البلاد.

وهنالك قسم من قادة تنظيم "الاخوان المسلمون" المصريين عاشوا في سويسرا، أما قادة تنظيم "الاخوان المسلمون" في سوريا فقد قطنوا ألمانيا لفترةٍ طويلة.

في النصف الأول من الثمانينات، وَسَّعت التنظيمات الشيعية العاملة في الوطن العربي والمشايعة للإيرانيين وعدد من رجال الدين الايرانيين، نشاطاتها ورفعت من فاعليتها في تجنيد الأعضاء في عواصم الدول الأوروبية وغيرها من المدن الكبرى. وأصبحت مساجد الشيعة في باريس ونانت وغرينوبلييه، ومونبيلييه ونانس وسواها من مدن فرنسا، مراكزاً للدعوة الخمينية. كما كانت تقام نشاطات دينية سياسية في المركز الثقافي الإسلامي الواقع في شارع جان بار في باريس، الذي تم إغلاقه في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1983 بأمرٍ من السلطات الفرنسية. وقد اعتُبِرَت هذه النقاط وسواها مراكز للتجنيد لصاح الدعوة الخمينية، التي يقوم بها أنصارها الإيرانيون واللبنانيون. وكانت أهدافها تجنيد الشبيبة المنحدرة من مهاجري شمال أفريقيا (حوالي 1.5 مليون)، وأولئك الذين حصلوا منهم على الجنسية الفرنسية (حوالي 400 ألف)، والفرنسيين الذين أسلموا (حوالي 35 ألف)، والطلاب الإيرانيين الذين يدرسون في فرنسا (5611 طالب في العام الدراسي 1982/1983، وهم يأتون في المرتبة الثالثة بعد الطلاب المغاربة -حوالي 22 ألف طالب، والجزائريين - حوالي 10 آلاف طالب). والأمر الذي يثير الدهشة، هو أن يصبح القبائليون(2) الذين يعيشون بصورة مؤقتة أو دائمة في فرنسا أهدافاً لهذه الدعوات، على الرغم من أن هؤلاء لا يميلون لدعوات "الإخوان المسلمون". كما يسعى الشباب إلى الانتظام في صفوف تنظيمات مرحلية كتنظيم الطلاب المسلمين في فرنسا وتنظيم الطلاب الإيرانيين المسلمين في فرنسا وتنظيم الطلاب المسلمين في باريس، وسواها.

وكان الدُعاة (50 – 100 شخص)، الذين خضعوا لدورات تدريبية في إيران، يقيمون الاحتفالات الدينية ويوزعون الأدبيات والكاسيتات ويعلقون الشعارات في أيام الخميس والسبت وذلك في المدن الطلابية وبيوت الطلبة وسواها. كما كانت تتم تجنيدات فردية أيضاً.

تخبرنا صحيفة تايمز اللندنية الأسبوعية بأن مثل هكذا نشاطات كان يتم في العاصمة اللندنية، أما مركز التجنيد فكان يقع في روما.

وكان الذين يتم تجنيدهم من الشباب في الخارج ينضوون إلى فصائل التنظيمات الخمينية، على اختلاف أنواعها. وفي فرنسا بالذات تم تجنيد. المغاربة والتوانسة والجزائريين الذين اشتهر عنهم عضويتهم في تنظيم العمل الإسلامي، الذي كان يتزعمه محمد المدرسي، الايراني المنبت.

 

ولكي تكتمل الصورة، على الرغم من خروجنا عن حدود المنطقة العربية، لا بد من الإشارة إلى النقطة الخطرة _ حينما أصبح النظام الايراني يستخدم المهاجرين والفارين الأفغان، الذين وصل عددهم الإجمالي، حسب مصادر مختلفة، ما بين (40-50) ألف إلى (600-800) ألف إنسان، والذين كانت غالبيتهم العظمى من الشيعة الخزر، ومنهم من كان معداً من قبل الأحزاب الخمينية المختلفة، كتنظيم النصر و"حركات إسلامي". وحسب معلومات مسعود رجوي، أحد قادة المعارضة الايرانية: إستخدم نظام الخميي في إيران الأفغان الفارين من وطنهم والمنتسبين للتنظيمات الخمينية المختلفة، في معاركهِ على الجبهة الإيرانية العراقية في الحرب الدائرة بين الطرفين. وأشارات صحيفة "البرافدا" إلى أنه جرى تأسيس عدة مراكز في منطقة مدينة مشهد الواقعة في الأطراف الشرقية الإيرانية، وذلك لإعداد وتدريب المقاتلين المسلمين وللقيام بالنشاط المعادي للثورة على أراضي الجارة أفغانستان.

وإذا لم تكن مهمة الإعداد النفسي والعسكري للأعضاء، في التنظيمات الدينية السياسية المعارضة، هي المهمة الرئيسية، فإنها تعتبر الأولى في الحد الأدنى. كما نصح "الأخوان المسلمون"، بهدف "تشكيل جيش إسلامي لخوض الجهاد"، تخصيص يوم في الأسبوع للقيام بالتربية البدنية والإعداد العسكري. ويتميز هذا التنظيم بتقليد تشكيل مجموعات متنقلة أو وحدات مسير. 

وفي البلدان، التي لا يمكن فيها القيام بالإعداد العسكري بسبب ظروف ما، يجري القيام بها تحت غطاء النوادي والفرق الرياضية. ويشير المراقبون، على سبيل المثال، إلى انتشار نوادي الكاراتيه والجودو في المغرب لهذا الغرض، حيث يتم إعداد أعضاء التنظيمات الإسلامية السياسية فيها، وذلك للعمل في حالات الطوارئ.

ومن هنا نستوعب الأهمية التي تعطيها هذه التنظيمات للإعداد البدني ولتأسيس النوادي والفرق الرياضية. ينصح "الإخوان المسلمون" السودانيون في أدبياتهم الداخلية "بتوجيه الأخوة للانتساب إلى نوادي الرماية والفروسية والسباحة والأشكال المشابهة الأخرى من الهوايات الرياضية"، "والبحث لتدريب الأخوة على هذه الأنواع من الهوايات الرياضية حسب الطرق الحديثة"، تشكيل فرق رياضية من الأخوة للمشاركة في المعسكرات الرياضية المحلية، لاستغلال الإمكإنيات التي تقدمها وزارة الشباب، والقيام بأعمال تدريبية وتمارين رياضية مشتركة مع الأخوة.

يوجه نظام التجنيد ومبادئ بناء التنظيمات الدينية السياسية المعارضة لعزل الأعضاء عن المجتمع على شكل "الانعزال عن العالم" أو رفض عاداته وتقاليده.

يجب أن يباشر أعضاء هذهِ التنظيمات العيش حسب قواعد "مجتمعهم الجديد"، ولا يجب أن يقلقهم نقد المجتمع لهم أو اضطهاد النظام، الذي يناضلون ضده. (السجن _ يؤكد عمر تلمساني، _ ليس ذلك الأمر المخيف، كما يتصوره كل من لم يُجربه). ويجب أن يُنظر إلى الحُكم بالسجن، الذي يصدر بسبب النشاط المؤيد للإخوان المسلمين على أنه فخر كبير.

وهذا هو سيد قطب يطلق على "التحرير الوجداني" تلك الحالة، التي عندها يتحرر ضمير المؤمن - عضو التنظيم. وهو تحرير من كل ما هو لا ينطلق من الله، من الخوف من الحياة أو الملكية ومن "عبادة القيم السائدة". ويؤسس هذا الوضع السيكولوجي على الإيمان بالقدرة الإلهية المُطلقة. وفي الحالة التي يكون فيها التحرير كما نوهنا عنه، يؤكد سيد قطب، (يدخل الفرد في اتصال مباشر مع خالقه، فالإنسان القوي والضعيف، على السواء، يدخل في صلة مع كلي القدرة الأبدي، منتزعاً منه بعض القوة، موطداً بذلك قوته الروحانية ورافعاً درجة جرأته. فالإيمان يوطد من العزيمة، كما يزيد الثقة بالنفس).

طبعاً، لا يعتبر الله مصدراً للقوة، لحن إذا انطلقنا مما تعتقد به الدعوة الدينيه الدنيوية بأن علاقة المؤمن بالمعبود هي عبارة عن علاقة تخيل عملي -تخيلية بقدر ما يكون المعبود غير محسوس، وعملية لأن هذه العلاقة تتحقق في الأفعال والنشاطات والأوضاع المعنية للموضوع (المؤمن)، -عندها يصبح من الواضح أن الحالة السيكولوجية المدروسة تستطيع أن تزيد من قوة العضو في هذه التنظيمات، كما أنها أي الحالة ترفع من سوية شجاعته وتزيد من مقدار اشمئزازه من القيم الاجتماعية السائدة، وبهذا ترفع من دور "التحرير الوجداني" لأعضاء هذهِ التنظيمات.

 تعتبر مسألة العمل السيكولوجي مع أعضاء هذه التنظيمات عبارة عن تربية مقدرة التضحية بالنفس لديهم من أجل تحقيق الأهداف، التي يضعها قادتهم نصب أعينهم. الجاهزية للشهادة - هذا الشعار يُعبَّر عنه عند "الاخوان المسلمون" على الشكل الآتي: ("الله –هدفنا، محمد (صلى الله عليه وسلم) -قائدنا، القرأن -دستورنا، الجهاد -الطريق إلى الاستشهاد في سبيل الله، هذا هو طموحنا الأسمى"). (الاستشهاد -أعلى درجات عبادة الله)، -هذا ما صرح به عمر تلمساني. أما المحور المختلف في الأدبيات الدعاوية للتنظيمات السنية السياسية المعارضة فهو -وصف البطولات، وإبرازها على شكل نماذج مقتدية بمؤسس جماعة "الإخوان المسلمون" حسن البنا (قتل عام 1949)، والذي يدعى في أدبياتهم بـ "الامام الشهيد"، ويُطلق على سيد قطب (أُعدم عام 1966) "القاضي الشهيد"، ويطلق على مروان حديد وهو واحد من قادة "الإخوان المسلمون" في سوريا (أُعدم عام 1975) "المناضل الشهيد".

ويؤكد الكاتب التونسي حبيب بولاريس أن (النجاح الأكبر يحققه أولئك المقاتلون المنحدرون من التتظيمات الدينية، الذين لا يهتمون كثيرا بالتفاصيل النظرية. فالمقاتل الذي ينتسب إلى التنظمات الاسلامية لا يهمه الموضوع، بل يهتم، قبل أي شيء آخر، بالرسالة). وكمثال على ضعف الإعداد النظري لأعضاء هذه التنظيمات، يورد حبيب بولاريس الجهالة في قواعد الدين، الأمر الذي بان جلياً عند الكثير من أعضاء تنظيم الجهاد أثناء مجرى المحاكمات، هذا التنظيم الذي كان مسؤولاً عن اغتيال أنور السادات. وواقع الأمور هذا يفسر، إلى حدٍ بعيد، باتساع القاعدة الاجتماعية لهذه التنظيمات، وانتساب أعداد كبيرة من الأشخاص غير المتعلمة، المنحدرة من الشرائح المدينية الفقيرة. إلا أنه وإنطلاقا من هذا التأسيس لا يمكننا القول أن هذه التنظيمات غير مؤدلجة. فالأعضاء الأنصار كما الأعضاء العاملين لهذه التنظيمات يخضعون لاعداد ايديولوجي مكثف، على التوازي مع الاعداد النفسي والعسكري. لهذا تعتبر الدعاية أحد التوجهات النشاطية الرئيسية للتنظيمات الدينية السياسية المعارضة. وتنفذ الأخيرة في أشكال شفاهية وكتابية باستخدام الوسائط البصرية والمركبة.

أما الدعاية الشفاهية فتستخدم بطرق مختلفة في أماكن تجمع المؤمنين، في المساجد كما في الأماكن الرسمية التابعة للمؤسسات الحكومية، وفي تلك المراكز السرية، حيث تُقرأ المواعظ والخطب. في المقام الأول، يمكن أن يقوم بهذه الأعمال رجال الدين الموظفين لدى الدولة، الذين يؤيدون، بهذا الشكل أو ذاك، هذه التنظيمات. وفي أحيان كثيرة، يتم فيها استبدال الإمام المُعين رسمياً من قبل الدولة، بإمام آخر يكون من نشطاء هذه التنظيمات. وللسيطرة على أماكن تمركز المؤمنين، تستخدم هذه التنظيمات حالتين: الأولى، حيث يكون هنالك عدم كفاية في الأئمة المؤهلين(3)، وثانياً: افتتاح أمكنة لإقامة الصلوات (قاعات، غرف، ...إلخ) في المؤسسات والمعاهد، وذلك بطلب من هذه التنظيمات، حيث لا يوجد ملاك لتعيين إمام فيها يئم الناس(4).

في هذه الحالة أو تلك، يمكن أن يقوم بمسؤوليات الإمامة أي مؤمن. وقد يتجاوز إمامة الصلاة بإلقاء خطبة. وذاك هو ملك المغرب في معرض كلمته أمام رجال الدين في 22 شباط/فبراير عام 1984، عندما تحدث بقلق عما يجري في العديد من مساجد البلاد: (تتحول هذه المساجد إلى أمكنة لتجمع الناس، الذين لا يصلون كما سواهم). وهنالك (تتحول المواعظ إلى مناظرات). والأشخاص المسؤولون عن مراقبة هذه المساجد (لا يسمحون للناس بالدخول إليها إلا حسب اختياراتهم الخاصة). وفي دولة أخرى من شمال أفريقيا، وهي تونس، تمكن الأصوليون من فرض صنائعهم في (300-500 مسجد)، بطرقٍ مختلفة، متجنبين بذلك الأئمة الذين لا يروقون لهم.

تسعى التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة لتحويل المساجد الموجودة إلى مراكز لنشاطاتها. ففي تنظيم الأخوان المسلمين في السودان ينصحون أن يكون هنالك "مسجد واحد في كل شعبة يخصص للعمل التنظيمي"، "نشر النشاط التنظيمي على كافة المساجد بقدر الإمكان، تلك المساجد التي تقع ضمن منطقة نشاط الشعبة"، "تكثيف الجهود لاختراق لجان المساجد للتأثير عليها تطبيقاً لمهام التنظيم.  

أما فيما يتعلق بالمساجد غير الرسمية، أو تلك غير المسجلة رسمياً أو تلك التي لا تُراقب من قبل الدولة، فيوجد نوعان منها: الأول -ما يسمى بألمساجد الأهلية- تلك التي تُبنى من قبل المؤمنين، والأكثر مناسبة لذلك هي الغرف الكبيرة والتي تُقام فيها العبادات بشكل مفتوح. والمساجد الأهلية _ تُعبر عن الصراع الأبدي بين الإسلامين "الحكومي" و "الشعبي". وهنالك العديد من المساجد، التي تُبنى على نفقة الدولة، وهي، كالعادة، كبيرة وواسعة جداً وفخمة، وتُشيد عادةً في المساحات العامة وبالجوار من محطات القطار وفي تقاطعات الشوارع الهامة، وغالباً ما تقوم شركات البناء الأجنبية بتصميمها وبنائها. وهذه المساجد مخصصة لأعداد هائلة من المؤمنين، وهي التي لا تضعها التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة بعين اعتبارها. والسبب في ذلك أن هذا النوع من المساجد لا تتقيد بالتقاليد االاجتماعية لعلاقات الجوار. كما أنه يصعب الوصول إليها (مشاكل المواصلات الأبدية في المدن العربية المزدحمة)، وهي لا تستطيع أن تصبح أمكنة للعبادة كتلك القديمة المتواجدة في القرون الوسطى. والمؤمنون، بوعي أو بدونه، ينظرون إليها كتعبير عن الجبروت. وغالباً ما يتشكل انطباع بأن مهمة هذه المساجد الرئيسة -إثارة الدهشة وانبهار السواح الأجانب.

 لهذا يفضل ألمؤمنون البسطاء الذهاب إلى مساجد الأحياء القديمة، وإذا كانت الأخيرة غير متوفرة، عندها يحولون الأماكن المهملة كالكراجات وأقبية الأبنية الكبيرة وما شابهها إلى أماكن لأداء الصلوات. وتثير المساجد الحكومية ردة فعل عكسية على النقيض مما هُدف قبل بنائها. (كان الأفضل أن يبنوا منازلاً سكنية بتلك النقود الهائلة التي صرفوها على بنائها) -هذا ما يتفوه به أولئك المؤمنون الذين يتوجهون إلى أحد المساجد الشعبية لأداء الصلوات -مستودع قديم كان يستخدمه أحد السمانين.

وهنالك مساجد تنشط بشكلٍ سري، تُبنى من قبل أعضاء في التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة، وهي عبارة عن غرف كبيرة معزولة عن أعين الفضوليين. وليست هنالك ضرورة للقول بأنه في هذه الأماكن تقوم هذه التنظيمات بأعمالٍ دعاوية مباشرة. وتكون نصوص الخطب في هذه المساجد نصوصاً سياسية، يجري فيها تقييم الأحداث الواقعة في الحياة الاجتماعية الاقتصادية، كما يجري تعميم عدد من الشعارات لهذا التنظيم أو ذاك. وتحمل هذه الخطب، عادة، روحاً معادية للسلطة.  

كما تُشكل في المساجد حلقات دعاية وتنوير، تُقرأ فيها المحاضرات وتجري لقاءات مع مناصري هذهِ التنظيمات أو أعضائها العاملين. وهاهو أحد شهود العيان يصف هذه الحلقات المخصصة للنساء، المشكلة من قبل الأصوليين في مدينة تونس وفي مدن أُخرى: تجتمع الحلقة مرة في الأسبوع في إحدى الغرف الداخلية للمسجد، التي لها مدخل خاص بها عادةً. وقد يختلف عدد المثساركين في هذه الحلقات من جلسة إلى أُخرى، إلا أنه وبشكلٍ دائم يكتمل نصاب هذه الحلقة. وتسعى النشيطات في هذه الحلقات إلى استهواء عضوات جديدات. ولهذا الغرض توجه الدعوات، عن طريق البريد أو شفاهياً، إلى المعلمات والطالبات والموظفات وغيرهن. وتدَّعي النشيطات أن هدف الدعوة هو تلاوة القرآن الكريم. تترأس جلسة الحلقة "صاحبة الدعوة " أو "المدرسة"، وغالباً ما يحضر الجلسة الإمام، المفرز من قبل التنظيم. أما مجرى اجتماعات أيام الجمع فهو كالآتي: في البداية يقومون بأداء صلاة العصر. بعدها يتلون آيات مختارة من القرآن، التي تكون متعلقة بأُمور الحياة اليومية والأوضاع السياسية. بعد ذلك، تقوم "صاحبة الدعوة". أو "المدرسة" بالإجابة على الأسئلة. وليس هنالك حد للدعاية الشفاهية التي تستطيع القيام بها مثل هذهِ الحلقات. وفي الغرف التي تجتمع فيها الحلقات، تنتثر النشرات والكتيبات والصحف، التي يمكن لكل عضوة الحصول عليها مجاناً أو بأسعارٍ رمزيةٍ. وتجري محاولات أيضاُ لتحويل كل خلية إلى مجموعة مؤسسة على‌ مبادئ التعاضد والصداقة. لهذا الغرض تقام الصلوات احتفالاً بنجاح هذهِ الطالبة أو تلك، تُجمع أثناءها التبرعات لمساعدة المحتاجات من عضوات الحلقة وغيرها من الأنشطة. إن الهدف الأول للتنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة هو تحويل هذه الحلقات إلى خلايا تنظيمية.

وهنالك أسلوب آخر للدعاية الشفاهية وهو تشكيل جوقات موسيقية، تهتم بإنشاد الموشحات الدينية. هذا وقد حصلت الفرق المسرحية الإسلامية على انتشارٍ واسع، حيث كانت تقدم عروضها في قاعات خاصة، وكانت تتألف من الرجالِ فقط. وجميع مسرحيات هذه الفرق كانت تدور حول عرض مختلف المسائل الاجتماعية السياسية انطلاقاً من وجهة النظر الإسلامية.

تعتبر الطرق الشفاهية للدعاية أكثر الطرق انتشاراً، لأن التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة تنشط عادةً في ا‌لأوساط التي لا تتمتع. بمستوى تعليمي عالٍ. ولهذا السبب يلجأون لاستخدام الوسائط السمعية والبصرية في الدعاية، التي تبدو لأول وهلة أنها تنتمي لمستوى ثقافي عالي. كما يقوم نشطاء هذه التنظيمات ببيع أو توزيع أشرطة تسجيل، مسجل عليها خطب ومحاضرات لدعاة دينيين ذوي شعبية عالية. وهذه الطريقة تطبع الدعاية بطابع عربي شامل، وإلى حد بعيد تساهم في توضيح وشرح المواقف السياسية والأيديولوجية لهذا التنظيم أو ذاك على كامل رقعة الوطن العربي. فعلى سبيل المثال، في المغرب والجزائز وتونس توزع أشرطة تسجيل دعاية صادرة عن مصر، فيها خطب ومحاضرات لأحد أعضاء الأخوان المسلمين المشهورين _عبد الحميد كشك. ترد هذه الأشرطة بطرق غير شرعية من أمستردام. كما تنتشر هذه الأشرطة بين العمال المهاجرين العرب في مختلف مدن فرنسا. ولغرض الدعاية أصبح شريط االفيديو من الوسائط الهامة، التي تستخدمها هذه التنظيمات، حيث يُعرض في هذه الأشرطة خطب وأفلام ذات مواضيع دينية (نبذات من حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)) وغيرها.

 أما فيما يخص الدعاية بين الطلاب والمتعلمين، فيكفي استخدام الأدبيات المطبوعة. وتسعى هذه التنظيمات أن تكون حصتها أعظمية من الأدبيات الرسمية والسرية. وتاريخ الطباعة والنشر الخاص بتنظيم الأخوان المسلمين في مصر، هو مثال بارز على ذلك. فمنذ عام 1928 وهو العام الذي تأسس فيه التنظيم، استخدم الأخير بنشاط كبير إمكانيات الصحافة المتاحة. وأول ناطق رسمي باسم التنظيم، أصبحت المجلة الأسبوعية "الإخوان الحسلمون"، التي صدرت في القاهرة بين عامي 1933-1938. وقبل ذلك (1928-1933) كانت تنشر مقالات حسن البنا وسواه من الأخوة في مجلات "الفتح" و"الشبان المسلمون" التي كانت تعود ملكيتها لأشخاص مقربون من التنظيم.

وقُدمت مجلة "النذير" (1938-1939) لتحل محل الدورية الأسبوعية "الإخوان المسلمون". ومنذ عام 1939 حتى 1941، وبعد فترة قصيرة من موت المصلح الإسلامي رشيد رضا، نقلت مُلكية مجلة "المنار" التي كان يترأس تحريرها إلى الإخوان المسلمين.

ومنذ عام 1942 وحتى 1948 أصدر الإخوان المصريون مجدداً الدورية الأسبوعية "الإخوان المسلمون" (فترة إصدار ثانية)، وفيما بين عامي 1946 و 1948 _الصحيفة اليومية، التي كان لها نفس التسمية. ومنذ عام 1947 بوشر بإصدار مجلة "الشهاب" لصاحبها حسن البنا، التي لم تداوم على الصدور أكثر من عامٍ واحد.

في عام 1951 ظهرت إلى الوجود الدورية الأسبوعية "الدعوة"، وفي عام 1954 الدورية الأسبوعية "الإخوان المسلمون" (فترة إصدار ثالثة).

في عام 1976، وبصمت متفق عليه مع أنور السادات، أعيد إصدار مجلة "الدعوة"، التي أصبحت شهرية (فترة إصدار ثانية)، إلا أنها مُنعت من الصدور في عام 1981.

ومن الأهمية بمكان هنا التأكيد على أن الإخوان المسلمين على التوازي مع صحافتهم العلنية، التي كانت تصدر باسمهم، كانوا يملكون صحافة أُخرى "شُبه علنية"، أي التي كان معروفاً أنها تُعبر عن وجهات نظر التنظيم، من قريب أو من بعيد، وكان يُسمح لها بالصدور بسبب عدم وجود صلة عملية بينة بينها وبين الإخوان. ففي بداية الأربعينات، حينما لم يكن لدى الإخوان إمكانية إصدار دورية صحفية باسمهم العلني، كانوا ينشرون موادهم في مجلات "التعارف"، و"النضال" و"الشعاع". وبعد الحرب العالمية الثانية كانت مواد الإخوان المسلمين تنشر في مجلة "الكشكول الجديد _1948" وفي صحيفة "منبر الشرق 1950-1951" وفي الدورية الأسبوعية "المباحث 1950-1951" وفيما بين عامي 1977 و 1981 كان الإخوان ينشرون موادهم في المجلة الأسبوعية "المختار الإسلامي" وفي مجلة "الاعتصام 1976-1981.

 وفي خارج البلاد صدرت دوريات صحفية كانت صفحاتها مفتوحة لكتاب الإخوان المسلمين، وكانت تدخل إلى مصر بسهولة كبيرة (على سبيل المثال، تلك الصادرة في السعودية، منها الدورية الأسبوعية "أخبار العالم الإسلامي"). ومنذ عام 1981 وحتى نهاية القرن الماضي تصدر مجلة "الدعوة" في النمسا وتوزع في مصر من خلال الأقنية التنظيمية للإخوان.

وأخيراً، نحا الإخوان لاستخدام الصحافة السرية. فبين عامي 1966 و 1971 صدرت إحدى المجلات السرية التي تنطق باسم "القطبيون" (أنصار سيد قطب) _المجلة السرية "الشباب الاسلامي".

كما تستخدم التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة في مجالٍ واسع الخلفية الدعاوية، التي تُقام بشكلٍ  قوي في الكثير من البلدان من قبل الأجهزة الصحفية الحكومية الدينية.

أن توفر المطابع الخاصة أثناء غياب الرقابة الفعالة على نشاطاتها أو التسامح المقصود وتوفر الوسائل المالية الكبيرة _كُل هذا مجتمعاً خلق ظروفاً حسنة لانتشار الكتب المطبوعة والنشرات والمناشير الدينية. فمؤلف أبو العلاء المودودي "فهم الإسلام" الصادر فى عام 1973 والمنشور باللغة الفرنسية في لندن بأموال إسلامية، تم إعادة طباعته باستخدام الطريقة التصويرية في عام 1977 في فرنسا من قبل منظمة الطلاب المسلمين في فرنسا، وفي عام 1981 وبذات الطريقة أعيدت طباعته في مطبعة خاصة في تونس، وفي عام 1984 في مطبعة "ساري" في الجزائر. وكتب الإخوان المسلمين المصريين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي التي صدرت في قطر، أعيد طباعتها (بعد السماح من المؤلفين) في دار النشر التجارية "البعث" في مدينة قسطنطينة في الجزائر. وصدرت دار نشر "الراية" التي تخدم أهداف التنظيمات الإسلامية في تونس حوالي 100 كتاب ونشره في كل عام.

 كما يتم استخدام كل نسخة من المنشورات الطباعية عدة مرات، حيث توجد على آخر صفحة من كل كتاب ديني دعوة بإعطاء الكتاب بعد قراءته إلى شخص آخر، وأحياناً تكون الدعوة بنسخه.

تباع الكتب والنشرات في المكتبات وفي الأسواق وفي أحيان كثيرة على البسطات أو في البقاليات. وتوزع النشرات عن طريق البريد وأحياناً يوزعها نشطاء التنظيمات على صناديق البريد.

وتستخدم الطرق المركبة التي تسمح بمسالك مختلفة للدخول إلى القاعات لأهداف دعاوية. فعلى سبيل المثال، انتشرت في أوقات معينة عادة عقود القران بـ "الطريقة الإسلامية"، التي تقام حسب مبادئ الشريعة _ دون مشروبات كحولية وموسيقى، حيث يكون الرجال معزولين عن النساء أيضاً. يدعى إلى هذه العقود مجودو القرآن، وجوقات التراتيل الدينية، كما يقوم أحد قادة الحركة الإسلامية بإلقاء موعظة أو خطبة على الحاضرين، في الوقت الذي توزع فيه مختلف أنواع الأدبيات الدينية. وكانت مثل هذه الأنواع من الأعراس محط اهتمام الفضوليين، لأن الأعراس في تونس كانت تقام على الطريقة الأوروبية.

تحاول العديد من التنظيمات الدينية استخدام الطرق المشروعة للضغط على الحكومات بحدها الأقصى. وتجدر الإشارة هنا إلى أنها تعمل دائماً في هذا المجال في حدود القوانين السائدة.

 كما تحاول التنظيمات الدينية اختراق الجهاز الحكومي. على سبيل المثال، ظهرت في مصر في السبعينات من القرن الماضي فكرة (بفضل أنور السادات) إمكاية القيام بتكتيك جديد للإخوان المسلمين _ اختراق الهيئة التشريعية ومحاولة أسلمة المجتمع عن طريق تطبيق قوانين الشريعة على التوازي مع تلك المعمول بها، التي حسب وجهة نظر هذه التنظيمات "تختلف كلياً مع الشريعة" وكان مبدع هذا التكتيك الجديد هو الائتلاف الذي حصل قبل الانتخابات بين الإخوان المسلمين المصريين وحزب الوفد الجديد()، وكان الوسيط عضو مجلس الشعب وعضو تنظيم الإخوان المسلمين صلاح أبو إسماعيل، الذي، بشكل مميز، وصف دور "الإخوان" في هذا الائتلاف _ "وجه الوفدي، قلب الإخونجي". كما أنه أجرى مقارنة مع أحداث جرت في مرحلة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، عندما كان المسلمون مضطرين لسلوك ذات الطريق: "وجه االملحد، قلب المؤمن". ومن هذا جميعه نستنتج أن الوفديين والملحدين في هذه الحالة هم سواسية، وهذا لم يحل دون ائتلاف الإخوان المسلمين وحزب الوفد الجديد وفي الدخول في تخطيط مشترك لاختراق المؤسسات التشريعية في مصر.

يساهم نشاط التنظيمات الدينية تحت الغطاء الرسمي في إيجاد علاقة مزدوجة مع الدين في جميع الأقطار العربية عملياً. وهكذا، كان أحد المطالب للحركة الأصولية في تونس منذ البداية بناء المساجد في المؤسسات والمعاهد التعليمية وفي المصانع. وكان هذا المطلب منطلقاً من الدستور، الذي اعتبر الإسلام دين الدولة. إلا أنه وفي هذا المطلب بالذات وفي تحقيقه يكمن الخطر على النظام، لأن كل مكان مخصص لإقامة الصلوات، حسب رأي الكاتب التونسي، "يصبح قاعدة لتشكيل خلايا سياسية معارضة للسلطة".

كما تحاول التنظيمات الدينية اختراق النقابات المهنية أو مثيلاتها. فهاهم الإخوان المسلمون في تونس أعاروا اهتماماً كبيراً من خلال نشاطاتهم للعمال. ووضعوا على عاتقهم مهام تشكيل ثقل اجتماعي كبير لهم في مختلف أنواع المؤسسات الكبيرة، أما في الصغيرة والمتوسطة، فيحاولون التواجد بالحد الأدنى، ويعملون على التقرب من العاملين بمساعدتهم في أفراحهم وأتراحهم وتشكيل تعاونيات فيها ويحاولون انتزاع المواقع القيادية، وإنشاء صفوف محو الأمية، كما أنهم يهتمون بمشكلة البطالة. ويقع على عاتق "مكتب العمل" الخاص إحصاء "الاخوان" الذين يحتلون مراكز قيادية في المؤسسات والشركات بهدف تسهيل ظروف عمل أعضاء التنظيم العا‌طلين عن العمل.

 إن البدايات المذكورة سابقاً والتي امتلكت تعبيراتها ذات الطابع الاجتماعي، لا تعتبر هدف خاص بذاته، لكنها تخلق نوعاً من المقدمات لتحقيق مهام سياسية أيديولوجية، لا سيما اتساع تأثير "الإخوان" في الوسط العمالي، وخلق ثقل معارض للاتحادات النقابية، إذا لم يتسن للإخوان فرض سيطرتهم وتأثيرهم، والصراع ضد تأثير الشيوعيين وممثلي التنظيمات السياسية الأخرى. ولهذا الغرض اقترح على الإخوان إلمسلمون "تكثيف الجهود لتخصيص أماكن للعبادة في كل مؤسسة"، "القيام بالصلوات الجماعية"، "دعوة زملاء العمل واتباع قواعد الاسلام".

يُقَدِم "الاخوان المسلمون" وسواهم من التنظيمات الدينية، على سبيل المثال المجموعات الإسلامية في مصر، مساعدة فاعلة للطلبة المحتاجين، المنحدرين من أُسر فقيرة. كما ساهم مُدرسوا الجامعات والمعاهد التعليمية العليا في أغلب الدول العربية، لا سيما في مصر والسودان، مساهمة كبرى في إيجاد مصادر دخل إضافية ناتجة عن الطباعة وإعادة النسخ والتوزيع لمؤلفاتهم التدريسية، إن كانت عبارة عن كتب نظامية أو ملازم. وفي هذه البلدان، لا يمتلك كل طالب ما يكفي من النقود لشراء مستلزمات الدراسة أو دفع أتعاب الدروس الخاصة. وهنا، يأتي "الاخوان المسلمون": يوزعون الملزمات التدريسية بأسعار مخفضة تصل إلى سبع ثمنها الأصلي، أي بمقدار كلفتها، ويعملون على عقد جلسات استشارية للطلاب دون مقابل ..إلخ. ففي الجزائر، افتتح "الإخوان المسلمون" في المساجد الجامعية مكتبات تحتوي على الكتب الدراسية، يُلقي فيها المدرسون وطلاب السنوات الأخيرة دروساً إضافية.

 لكن التنظيمات الدينية لا تهتم بالغذاء الروحي فحسب، فهي تقدم المسكن والملبس أيضاً. وهنالك معلومات تؤكد أن التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة في الجزائر تقدم مخصصات مالية كبيرة لأولئك الطلبة وتلك الطالبات، الذين يوافقون على ارتداء الزي الإسلامي التقليدي، الموافق للشريعة (تُقدم الزي مجاناً). ولا يجوز لنا قطعاً أن لا نُقيم أو نهمل أنشطة التنظيمات الدينية فيما يتعلق بالطلاب الذين يقدمون من الريف والضواحي، والذين يجدون أنفسهم تائهين في المدن الكبيرة، وأحيانا يواجهون صعوبات مادية. وهذه التنظيمات وهي تنفذ قرارات قياداتها، استطاعت في العديد من المرات أن تصبح مركزاً جاذباً للطلبة. "الطلاب _هذه هي أوسع قواعد الإخوان المسلمين"، _كما تؤكد أدبيات الحزب الشيوعي السوداني.

في ثمانينات القرن الماضي، أصبح أعضاء التنظيمات الدينية يستخدمون أشكالاً جديده للكفاح السياسي، الشرعية وغير التقليدية، وسعوا لتقديمها بحملة إعلامية دعاوية واسعة. في النصف الأول´من عام 1984، تَوجَّه 35 شخص _من علماء الدين في جامعة الأزهر وأئمة المساجد، الذين يتعاطفون مع الإخوان المسلمين، توجهوا إلى محكمة جنوب القاهرة بشكوى على الحكومة، مطالبين فيها بإلغاء المادة من القانون التي تقضي بالسجن أو دفع غرامة مالية على كل من يقدم نقد للحكومة أو لسياساتها في أماكن العبادة. وفي ذات المرحلة، وفي مصر أصبحت بعض المحاكم تصدر أحكاماً قضائية بالتوافق مع أحكام الشريعة معارضة بذلك القوانين الرسمية السائدة في البلاد. صرح أحد القضاة الذي تصرف على هذا النحو (محمود عبد الحميد غراب) قائلاً: (ليس هناك قوانين إلهية مناسبة لم تتخذ إلى الآن، لأن ممثلي السلطة القضائية أنفسهم يميلون إلى الخطيئة، وهم فجرة ومرتشون، يقفون إلى جانب المجرمين واللصوص إلى حد بعيد)) في نهاية محام 1985، تقدم "الإخوان المسلمون" في مصر إلى المحكمة يطالبونها بسحب كتاب "ألف ليلة وليلة" من الأسواق، لأنه، حسب رأيهم "لا يتوافق مع الأخلاق الإسلامية".

 كما أنه من المنطقي أن تستخدم هذه التنظيمات بشكل واسع تلك الأشكال العلنية من النشاطات السياسية، كالمظاهرات والاجتماعات وسواها.

في الآونة الأخيرة، أصبحت هذه التنظيمات تنحو إلى أعمال العنف والإرهاب بصورةٍ واسعة. وتُعد بعض أعمال العنف على الساحة الدولية من صنائعها.

سنتطرق هنا إلى مختلف أنواع النشاطات العنفية، انطلاقاً من أبسطها وصولاً إلى أكثرها تعقيداً. في هذه الحالة تعتبر العمليات التي تقوم فيها هذه التنظيمات باستخدام الوسائل اليدوية من أبسط أعمال العنف. وفي هذا السياق تأتي عمليات حرق المباني والسيارات. هذه الأعمال وتلك  _تنتمي إلى أعمال الإخلال بالنظام، التي تنشأ بمساهمة أعضاء من التنظيمات الدينية.

الأسلوب الآخر _هو استخدام المواد المتفجرة. والى هذا الأسلوب تنتمي تلك الأفعال الإرهابية، كالتي حصلت في 16 أيلول/سبتمبر عام 1985 في روما، حيث قذفت قنبلتان على زوار مقهى "دي باري" جرح 40 من رواده على أثرها. وأخذت مسؤولية هذا العمل على نفسها مجموعة أطلقت على نفسها اسم: المنظمة الثورية للاشتراكيين المسلمين.

عادةً، كان الإرهابيون يستخدمون أجهزة تفجير فيها صواعق ذات تفجير موقوت.. أما في الآونة الأخيرة، ونتيجة خبرة الحرب الأهلية اللبنانية فقد شاع استخدام السيارات المفخخة في الأعمال الإرهابية. إن مثل هذه الأعمال الإرهابية تكون عادة "عمياء" أي ليس لها هدف آخر، سوى قتل أشخاص عرضيين بهدف تخويف مجموعة ما أو لإثارة البلبلة. ففي لبنان وخلال الشهور الأربعة الأولى من عام 1985، نُفذت سبع عمليات كبيرة من هذا النمط. أربعة منها كانت في الصراع الدائر بين التنظيمات الدينية واعدائها: انفجار الأول من شباط/فبراير 1985 في مسجد في طرابلس (شمال لبنان) (8 قتلى، 15 جريحاً)، انفجار 18 شباط/فبراير في بناية قيادة حركة أمل في جنوب بيروت (5 قتلى، 40 جريحاً)، انفجار 8 آذار/مارس بالقرب من منزل محمد حسين فضل الله، آحد قادة حزب ا لله في منطقه جنوب بيروت (بئر العبد) (72 قتيلاً و 256 جريحاً).

 استخدمت التنظيمات الدينية السياسية المعارضة لأعمال التفجير عن بعد مفجرات من صناعة يابانية باستخدام الإلكترونيات. ففي 25 أيار/مايو عام 1985، نفذ مقاتلو منظمة الجهاد الإسلامي محاولة اغتيال ضد أمير الكويت. لم يُقتل الأمير، بل قتل ثلاثة أشخاص (حارسان وعابر سبيل) وجرح اثنا عشر شخصاً. واستخدم في هذه المحاولة مفجر عن بعد: تم تفجير الصاعق عندما انفصل الموكب عن السيارة المستهدفة.

استخدمت التنظيمات الإسلامية في عدد من العمليات طريقة التفجير الذاتي. وفي هذه الحالة تُحمل المواد المتفجرة في سيارة، يقودها شخص انتحاري "كاميكاز". وأحياناً يُحزّم هؤلاء الانتحاريون أنفسهم بالمواد المتفجرة. (ومثل هذه الأعمال تصنف بالإرهابية إذا كانت موجهة ضد المدنيين العزل أو المواقع المدنية أيضاً على أراضٍ غير محتلة). ووردت أنباء تفيد أن التنظيمات الشيعية السياسية الموالية لإيران والتي تنتشر معسكراتها على الأراضي اللبنانية، كانت تعد لاستخدام عدد من الطائرات الرياضية (من نوع F-33) في أعمالٍ توجه ضد سفن ومواقع مشاة البحرية الأمريكية، الذين كانوا ينتشرون على السواحل اللبنانية. ويُعتقد أن هذه التنظيمات كانت تمتلك مجموعة من الطيارين ألمتطوعين لتنفيذ مثل هذه العمليات).

 في تموز/ يوليو عام 1984 حدثت عدة تفجيرات في خليج السويس في البحر الأحمر، حيث تمر السفن التي تقصد قناة السويس. لكن الشحنات الي انفجرت كانت ذات استطاعة أصغر بن الألغام البحرية الشائعة الاستخدام عسكرياً. وأخذ تنظيم الجهاد الإسلامي حينها المسؤولية عن هذه التفجيرات، عندها اتصل أحد أعضائه بوكالة فرانس بريس في باريس معلناً ذلك. وصرح حينها هذا المهاتف قائلاً: (إن سبب نصب هذه الألغام هو إشارة للاحتجاج على أفعال القوى الإمبريالية، الي تستخدم نفط الشرق الأوسط لمصالحها، وفي نفس الوقت تسعى لإطالة أمد الحرب العراقية الإيرانية).

اختطاف الرهائن _أحد أعمال العنف الأُخرى التي تستخدمها التنظيمات الدينية السياسية المتطرفة لفرض بعض الشروط أو تحقيق بعض المكاسب. في 1 كانون الثاني/يناير عام 1986، اختطفت مجموعة ادعت أنها تنتمي إلى تنظيم الجهاد الإسلامي، في بيروت أربعة فرنسيين وستة أمريكيين. طلب الخاطفون من الحكومة الفرنسية إطلاق سراح مجموعة من المقاتلين، كانوا معتقلين في السجون الفرنسية بتهمة تنفيذ محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور بختيار في عام 1980، والتوقف عن تزويد العراق بالسلاح الفرنسي، الذي يستخدمه في حربه ضد إيران. ومن الحكومة الأمريكية طلبوا بأن تضغط على الكويت لتحرير السجناء، الذين حكم عليهم بالإعدام نتيجة اشتراكهم بالهجوم الذي جرى في الكويت ضد السفارة الأمريكية وقنصلية فرنسا (كانون الأول/ديسمبر 1983). في نهاية أيار/مايو عام 1988، وصل عدد المختطفين الغربيين من قبل التنظيمات الإسلامية في لبنان إلى 15 شخصاً.

 وكانت عمليات الاختطاف جميعها تقريباً تحاك بذات الأسلوب والتخطيط. ففي أحد شوارع بيروت كانوا يوقفون الذين يريدون اختطافه تحت التهديه السلاح ويجبرونه على الركوب في مقعد سيارتهم الخلفي مضطجعاً. وعندما يصلون إلى مكان آمن يتوقفون وينقلون الرهينة إلى صندوق السيارة، متوجهين بعدها إلى مكان الاحتجاز.

كما تُقدم التنظيمات الإسلامية السياسية على استخدام أسلوب آخر من الاختطاف بصورة واسعة _اختطاف ركاب الطائرات كرهائن. فعلى سبيل المثال، في كانون الأول/ديسمبر عام 1984 اختطف أربعة قراصنة جويين طائرة من طائرات الخطوط الجوية الكويتية، كانت متوجهة من إمارة دبي إلى كراتشي. أعلن القراصنة أنهم ينتمون إلى تنظيم الجهاد الإسلامي وطالبوا بتحرير 17 شخصاً كانوا قد اعتقلوا من قبل السلطات الكويتية في كانون الأول/ديسمبر عام 1983. وبنفس هذه المطالب تقدم القراصنة الذين اختطفوا طائرة "البوينغ-747" الكويتية في نيسان/إبريل محام 1988.

وهنالك أُسلوب آخر من أساليب العنف التي تستخدمها هذه التنظيمات الدينية _اضطرابات يقومون بها من زمن لآخر في هذا البلد العربي أو ذاك، كردات فعل على احتداد المشاكل الاجتماعية. ففي شباط/فبراير عام 1986 حدثت اضطرابات في عدد من ضواحي القاهرة والجيزة والقلوبية وأسيوط وسوهاج والإسماعيلية. أضرم المتظاهرون النار في عدد من الفنادق الضخمة ومستودعات الحبوب في أسيوط وسوهاج، واستولوا على السجون في القاهرة وحرروا السجناء المتواجدين فيها. بدأت الاضطرابات في أحد معسكرات قوى الأمن الداخلي الواقع في الجيزة وهي من ضواحي القاهرة. وروجت إشاعات تقول إن سبب هذه الاضطرابات هو تمديد فترة الخدمة العسكرية في هذا الفوج من القوات من ثلاث سنوات إلى أربع. كانت هذه الاضطرابات عبارة عن هبّة شعبية عامة، إلا أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة حاولت استخدامها لتحويلها إلى صراع تحت شعار إقامة "الدولة الإسلامية" في مصر.

 وحدث أن لجأت بعض التنظيمات الاسلامية السياسية إلى استخدام المظاهرات الجماهيرية المنظمة. يصف أحد قادة منظمة الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية هذا الأسلوب بادئاً بالإعداد، ماراً بوصف عياني للمظاهرات التي حدثت في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1979، التي تسببت بمقتل 30 جندياً وظابطاً و 60 من المتظاهرين، كان من عدادهم _ امرأة واحدة. وكان التأمين السياسي هذه المظاهرات في إعداد الشعارات، التي كانت تعادي الملكية وأمريكا وتؤيد الخميني. أما التأمين الدعائي فانحصر في إعداد مجموعة من المصورين، وتجهيز أقنية إرسال معلومات بهدف بثها من خلال راديو طهران. كان المساهمون في المظاهرات مسلحين بزجاجات حارقة وبالهراوات والأحجار. وفي مجرى التظاهر، استولى المتظاهرون على بعض الأسلحة من القوات الأمنية. ووصل عدد البنادق الآلية التي استولى عليها الأهالي 28 قطعة. وتم تأمين النظام الداخلي بواسطة نشطاء الحركة، الذين كانوا لا يشاركون بأعمال التخريب والسلب والنهب. كما كانت هنالك مجموعات جاهزة لتقديم المساعدة الطبية الأولية للجرحى المصابين لكي يتم تجنب اللجوء إلى أماكن الإسعاف والمستشفيات الرسمية، التي منها يُسلمون إلى أجهزة البوليس. كما خضع الذين ساهموا في أعمال الإخلال بالنظام "المتظاهرون" إلى إعداد نفسي، أثناء الاحتفال بعاشوراء، حيث قرأت المواعظ، التي كان مضمونها يتلخص في نقطتين: أولاً، صب الجهود لانتزاع الخوف المسيطر من السلطة "الخوف من السلطة _دعم لأعداء الإسلام". وثانياً، تمجيد التضحية بالنفس "الشهادة" كهدف أسمى للمسلم.

 والى جانب استخدام الاضطرابات العشوائية والمظاهرات الجماهيرية المنظمة، لجأت هذه التظيمات إلى استخدام المظاهر المسلحة بحدود معينة. لكن السيطرة على هذه الأساليب العنفية السابقة الذكر، لم تكن ممكنة على الدوام. وحملت المظاهرات المسلحة المحدودة التي كانت تقوم بها هذه التنظيمات بعض الصفات العامة.

وقبل أي شيء آخر، كانوا يلجؤون في مثل هذه الحالات إلى استخدام مجموعات مدربة من المقاتلين والأسلحة بخطة مدروسة مسبقاً. تواجدت هذه العناصر في أحداث تشرين الأول/أوكتوبر عام 1981 في أسيوط وفي شباط/فبراير عام 1982 في حماة. كما سعت هذه التنظيمات إلى إشراك السكان المحليين في هذه المظاهرات المسلحة. ففي أسيوط وزعت مناشير ذات مضمون تحريضي، وفي حماة وجهت دعوة للانتفاضة من خلال مكبرات الصوت، كانت مركبة على مآذن المساجد. وتجدر الإشارة هنا أنه في هذه الحالة أو تلك، بقيت الدعوات من دون تجاوب.

كانت أهداف الهجمات الأولى هي إدارات الشرطة _بهدف الاستيلاء على السلاح. (في حماة، لم يستطع المنتفضون استخدام هذه الطريقة، لأن الجرأة كانت تنقصهم) وكانت توجه الضربات ضد إدارات السلطة المحلية أيضاً.

كما تميزت هذه التمظهرات المسلحة بوجود ما سُمي بـ "القوائم السوداء"، وإقامة محاكم إسلامية للاقتصاص من "الملحدين والمرتدين". ففي حماة وخلال الأربعة أيام التي كانت فيها المدينة تحت قبضة "المقاتلين من أجل العقيدة"، أقدم الأخيرون على إعدام حوالي 250 من أعداء "الإخوان المسلمون". وحسب شهادة الرئيس السوري، أقدم "الإخوان المسلمون" على الهجوم على منازل العديد من أعضاء حزب البعث وأعضاء التنظيمات التقدمية الأُخرى كالشيوعيين، وكانوا يقتلون المهاجمين في منازلهم.

 وحسب محاكمتنا للأمور، نستطيع القول أن اعضاء التنظيمات الإسلامية السياسية المعارضة كانوا يعتبرون أن هذه المظاهرات المسلحة المحدودة المقاييس، هي البداية أو جزء من الانتفاضة الوطنية الشاملة. ولكن الحقيقة تشير، إلا أنه تم القضاء عليها بسهولة، كما حدث في أسيوط وحماة. ويؤكد "الإخوان المسلمون" السوريون على امتلاكهم في بداية عام 1982 لخطة كبيرة لانتزاع السلطة باشتراك الطيران، الذي كان مخططاً له قصف القصر الرئاسي ومراكز المخابرات وسرايا الدفاع، التي كانت تتمركز حول دمشق. أما وحدات الدبابات فكانت مهمتها احتلال مقر الاذاعة والتلفزيون والأبنية الحكومية والإدارية. وكان يتوجب أن يترافق هذا الانقلاب العسكري بانتفاضة تشمل سائر البلاد. فحسب كلمات زعامة "الطليعة المقاتلة"، أن هذا جميعه لم يتحقق بسبب الخيانة، التي نتيجتها تم اعتقال خالد الشامي في كانون الأول/ديسمبر عام 1982، الذي كان ضابط الارتباط بين القيادة العليا للإخوان القابعة خارج البلاد والتنظيم في الداخل. كما تم اعتقال اللواء تيسير لطفي، أحد ضباط هيئة الأركان، الذي كان مسؤولا عن 200 ضابط، ينتمون جميعهم إلى هذا التنظيم. ويُظَن هنا أن هذه "الثورة الشاملة" التي يشترك فيها الجيش والأمة كاملة عبارة عن فانتانزيا أقدم على القيام بها تنظيم الإخوان المسلمين. ويؤكد المحللون والمراقبون على أنه لم يتم أي خرق للقوات المسلحة في سوريا من قبل الإخوان المسلمين.

إن التمظهرات المسلحة المحدودة _هي أكبر شيء تستطيع أن تقوم به هذه التنظيمات في بعض الدول العربية. إلا أنه وفي حالات تقاطعها مع مظاهر أخرى من النقمة الشعبية ضد السلطات، قد تسبب قلاقل مهمة تؤثر على الأوضاع السياسية في هذا البلد أو ذاك من المنطقة.

 

........

(*) يعود الفضلُ في كتابة هذا التقرير إلى الوثائق والدراسات والمجلات التي وفرها لي مشكوراً المركز الثقافي في مدينة (الخُمس) بليبيا طوال فترة إقامتي في ذلك البلد العزيز علي, هاشم.

(1) القبائليون, نسبةً إلى سكان القبائل في الجزائر. الباحث.

(2) على سبيل المثال, تبين أنه في عام 1984 كان 12 ألف مسجد في مصر (من 40 ألف) بدون أئمة. وفي الجزائر بلغ عدد المساجد هذه 3 آلاف (من 5 آلاف).

(3) إن ارتفاع عدد أماكن الصلاة المسموحة من السلطات, يُمكن أن يكون نتيجة للتوجه الميكافيلي لجمع المؤمنين بأعداد قليلة بهدف تشتيتهم.

(4) الوفد الجديد – حزب برجوازي ليبرالي, ظهر إلى الوجود في عهد أنور السادات كوريث لحزب الوفد القديم, الذي حُظر نشاطه أيام عهد جمال عبد الناصر. –الباحث.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2829 المصادف: 2014-06-04 11:51:09


Share on Myspace