 دراسات وبحوث

تفسير آية الرفث

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل) – البقرة 187 -

وقبل الكلام في دلالة النص وتفسيره هذا بيان وتوضيح لغوي ولساني لمعنى - الرفث - في كتاب الله، قال أبن فارس في المقاييس: - رفث - الراء والفاء والثاء، أصل واحد، وهو كل كلام يستحيا من إظهاره، وأصله الرفث الذي هو النكاح، والرفث: هو الفحش في الكلام، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لما يريد الرجل من المرأة في سبيل الاستمتاع بها، وقيل: هو الجماع ومقدماته القولية والفعلية، قال أبن عرفه: إنه هنا الجماع، وقيل: هو كناية عن الجماع ...

وفي تفسير هذا النص وبيان معناه يلزمنا أولاً: التعرف على أقسام هذا النص كلاً على حدة، ومن ثم التعرف على طبيعة الجو الذي نزل به، كيف كان ولماذا ؟، وإذا كنا في حلقاتنا المتقدمة قد رفضنا وأبطلنا مفهوم - سبب النزول في الكتاب المجيد - في الجملة بإعتباره مفهوماً لا معرفياً ولا علمياً، وبأنه ليس سوى عقبة في طريق فهم النص مما يؤدي إلى نتائج سلبية في التعاطي مع النص وتقييمه، كما أن - سبب النزول - هو استدعاء لحدث أو لمصداق وجعله الأساس أو الداعي لوجود النص، وذلك ما يحد من النص ويقزمه ويجعله غير ذي معنى، أقول: يجعله ساكناً في حدود الزمان والمكان ومتأثراً بهما، ومن اجل تبديد هذا الوهم المصطنع المفروض علينا من غير دليل، لذلك نقول ما معنى:

أولاً: قوله تعالى: - أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم - .

وثانياً: ما معنى قوله: - هن لباس لكم وأنتم لباس لهن - .

وثالثاً: وما معنى قوله: - علم الله إنكم كنتم تختانون أنفسكم - .

ورابعاً: وما معنى قوله: - فتاب عليكم وعفا عنكم - .

وخامساً: وما دلالة قوله: - فالآن باشروهن - .

وسادساً: وما دلالة قوله: - حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر - .

ففي المعنى الأول: نجد إن هذه الجملة تتحدث في سياق منضبط موضوعي واحد، تؤكد فيه على - أصالة الحليَّة -، ذلك المعنى نقرأه في كتاب الله بكثافة، والذي منه استمد الأصوليون قواعدهم الفقهية، وأصالة الحليَّة تعني: إن الأصل في كل الأشياء هو - الحليَّة - أي إن الأصل هو الحلال، وهذا الأصل هو الثابت وهو الذاتي وهو الدائم وهو المستمر، والكلام هنا عن صفته الموضوعية التي تلامس أصل الحياة وما فيها من أشياء، فمثلاً حينما يقول الله - أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم -، فهذا القول إنما يتحدث عن هذا الأصل، ولا يتحدث عن حُرمة الجماع الذي صار حلالاً، بل يتحدث عن - أصل الحليَّة – وبقاء هذا الأصل على حاله (أعني على حليَّته)، وبتعبير أدق، النص يقول: إن - أصل حليَّة الجماع - هو الأصل الثابت الذي كان ولا يزال على حاله -، ونصوص الكتاب المجيد في هذا المجال لو تدبرناها لوجدناها تتحدث وبنحو مطلق عن - أصالة الحليَّة - وبأنه الأصل الدائم الثابت، نرى ذلك في:

1 - قوله تعالى: - أحلت لكم بهيمة الأنعام - المائدة 1، أي أن بهيمة الأنعام كانت حلالاً لكم ولم تكن حراماً عليكم، إذ إن أكل لحوم الأنعام في الأصل كان حلالاً لكم، ولا زال حكم الحليَّة باق على حاله، ويعني هذا إن - أصل الحلية - في هذا النص هو الثابت، والذي لم يرد في كتاب الله دليلاً على عكسه، ولم يرد دليلاً على الحُرمة حتى الأخبار التي تُنسب إلى النبي - ص - أو بما يسمونه - بالسنة النبوية -، كذلك ولم يدع ذلك واحدا من الفقهاء بحسب علمي، إذن فالنص هذا إنما يؤكد على - أصالة الحلية - بإعتبارها هي الثابت في القيم وفي الأحكام وهو الدائم الذي لا يتغير، إلاَّ بوجود القرينة الصارفة عنه .

2 - وقوله تعالى: - أحل لكم الطيبات – المائدة 4، وهذه العبارة أيضاً تتحدث عن - أصالة الحليَّة - بإعتبارها الثابت، ولم تتحدث عن الطيبات ككونها محرمات ثم صارت حلالاً، إذ الأصل في الطيبات هو الحليَّة الدائمة، ولم ترد القرينة الدالة على عكس ذلك في التقييد أو التخصيص .

3 - وقوله تعالى: - أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرماً - المائدة 96، وهذا النص كذلك لم يقل إن - صيد البحر - كان حراماً عليكم، ثم صار حلالاً !!، النص لم يقل ذلك، بل قال: إن - حليَّة - صيد البحر وطعامه هو الأصل الثابت وهو الحكم الشرعي، وأما صيد البر فبقرينة يكون محرماً، وتلك القرينة هي قوله - ما دمتم حُرماً - أي مادمتم في حال الإحرام - وقت الحج -، ويعني هذا إن - صيد البر - ليس حراما بالمطلق، إنما التحريم يكون في وقت معلوم وهذا الوقت هو وقت الإحرام، ويعني هذا إن - أصل الصيد - في البحر وفي البر هو الحليَّة، لكن صيد البر لعلة خارجية ولقرينة معينة يكون محرماً، ومع إنتفاء هذه القرينة يرجع الأصل إلى حاله الأول وهو - الحليَّة - .

4 - وقوله تعالى: - وأحلت لكم الأنعام إلآَّ ما يُتلى عليكم - الحج 30، فالنص هنا يتحدث بنحو مطلق عن - أصل حليَّة الأنعام -،ولايخرج عن هذه الأصالة إلاَّ بقيد وهذا القيد هو على سبيل المثال قوله - حُرمت عليكم الميتة ... والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاَّ ما ذكيتم - المائدة 3، وفي قوله هذا يكون الحلال هو الثابت وهو الدائم وأما الحرام فهو المتغير أو المستثنى، والأستثناء يكون لعلة خارجية، ذكرها أو عرفها بقوله: - (الميتة والمنخنقة والمتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع)، ثم جعل الضميمة لهذا المثال بإستثناء ذكره بقوله - إلاَّ ما ذكيتم -، فهذه التذكية هي بمثابة تصحيح وضع وإرجاع الأصل إلى حاله الأول، وعليه تكون الحُرمة متعلقة بعلة خارجية ولا دخل لها في الأصل .

لكن ما معنى أصالة الحليَّة؟:

والجواب: إن الذي نفهمه من الكتاب المجيد هو: - إن الأصل في الأشياء الحليَّة -، وهذا الأصل أولي وثابت في كل الأشياء، ولا يتغير هذا الأصل إلاّ بدليل خاص أو إستثناءاً خاص يخرجه من الأصل وتدل على ذلك قرينة معينة ومعلومة، ويعني هذا: - إن الحُرمة في الكتاب المجيد هي المتغير أو المستثنى ولا يكون ذلك إلاَّ بدليل خاص أو بقرينة معينة، ولهذا تكون الحُرمة خلافاً للأصل، ومن هنا جاء الأشتقاق القائل: - إن الأصل في الأشياء هو الإباحة ما لم يرد دليل خاص بتقييد أو إستثناء لهذه الإباحة - ومثلوا لذلك بقوله تعالى: - وكلوا مما في الأرض حلالاً طيباً - البقرة 166، وهذا المثال تأكيد على ما نقول، إذ إن كل ما في الارض حلالا، أي - إن الأصل فيه الحليَّة -، ولا يشترط لوجود الحليَّة دليل خاص يدل عليها، ولكن هذا الدليل يشترط لوجود الحُرمة، لأن هذا الشرط بمثابة القيد الذي يخرجها من وضعها الأصلي الثابت إلى الوضع المتغير، وهذا التقديم الذي عرضناه: هو بمثابة التأكيد والتوضيح على: - أن المُراد من قوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، ليس حرمة الجماع في ليلة الصيام، إنما المُراد في هذا النص هو حليَّة الجماع في ليلة الصيام -، وهذا هو الأصل الثابت الذي لم يتبدل ولم يتغير، مادام ميثاق الزواج ساري المفعول فلا قيد ولا منع ولا تحريم قبل نزول هذا النص وبعده وإلى الأبد، وبما إن النص يتحدث عن - ليلة الصيام - ولا يتحدث عن يوم الصيام، وذلك لأن يوم الصيام يكون المنع فيه بدليل خاص متعلق بوضع الصيام وشرطه الواجب، ولا ينجر هذا الوضع في ليلة الصيام بأي نحو كان، وحين نقول ذلك فإنما نشير إلى دليل الإستثناء الخاص في هذا الشأن، والدليل الذي نرمز إليه قائم في الأساس على نظرية التوازن - بين حاجات الجسد وحاجات الروح -، وهذه النظرية هي التي أشير إليها في الكتاب المجيد بمفهوم - التقوى -، ذلك المفهوم الذي يتأسس على التوازن في بُعديه الروحي والجسدي، وهذا الذي نقوله يدحض ما ذهب إليه القرطبي في معنى - النسخ - الذي قال به في تفسيره لمعنى كلمة - أحل - حين قال: - يقتضي إنه كان محرماً قبل ذلك ثم نُسخ - تفسير القرطبي ج 2 ص 314، ويعني هذا حسب مُدعاه إن الجماع كان محرماً ثم نسخ، وهذا التوجيه منه غير صحيح البتة، ذلك لأن هذا التوجيه عنده مرتبط بشأن النزول أو بسبب النزول، ونفس هذا الخطأ وقع فيه الشيخ محمد جواد البلاغي في تفسيره للنص المتقدم بقوله: - إن دلالة الآية على حُرمة الجماع في ليلة الصيام على نحو مطلق، وإن بعض المسلمين أرتكبوا المُحرم، ولذلك نسخ الله الحُرمة وأحل لهم الجماع - تفسيرالآء الرحمن ص162، وهذا الخطأ مُنبني في الأساس على مقولة - سبب النزول - التي أبطلناها في بحوث متقدمة سابقة، ونفس الخطأ وقع فيه صاحب الميزان كما في تفسيره بالجزء 2 صفحة 44 .

وإن من الأثافي التي يقع فيها أكثر المفسرين، هو تبنيهم من غير تحقيق وتدبر لتفسير الكتاب المجيد بحسب - المأثور - مع إن هذا المأثور ليس سوى أخبار وروايات جاءتنا مشوشة مضطربة وغالبها في المعنى وليس فيها خبر واحد يمكننا القول فيه - هكذا تحدث النبي محمد باللفظ والمعنى -، وهذه التفاسير التي تعتمد المأثور ممتلئة بالحشو والقصص والخيال، ومن يدقق في الكتاب المجيد يكتشف أن لا دلالة لهذا النص على تحريم النكاح في ليلة الصيام ولا دلالة على إباحته لا حقاً، بل إن النكاح في ليلة الصيام كان حلالا في الأصل وبقي هذا الأصل على حاله الأول لم يتبدل ولم يتغير ..

وأما في دلالة قوله تعالى: - هُن لباس لكم وأنتم لباس لهن -، هذا النص كما نفهمه، هو أستئناف بياني وجواب لسؤال مُقدر، وتقديره هو: - بما إن شهر رمضان هو شهر عبادة، هل يجوز - الجماع - مع الزوجة في شهر رمضان مع إنه شهر عبادة، أم إن ذلك كان مُحرماً ؟، والجواب عن هذا السؤال: ورد في النص بصيغة واضحة وبتبسيط نقرأه على هذا النحو: - إن الرجل بالنسبة للمرأة بمثابة اللباس لها والعكس بالعكس - وهي كناية عن الإحاطة والحماية والغطاء -، واللباس هنا تعبير عن صيغة للحماية والستر من كليهما تجاه الآخر، أو كناية يريد منها ما يقوم به الزوج تجاه زوجته، ولا يُعد هذا خروج على العبادة المأمور بها، لأن في العبادة يكون المطلوب عدم التفريط أو الأفراط، بل لازمها الإعتدال والتوازن لذلك حَرم الله الجماع - يوم الصيام - بدليل قوله (لعلكم تتقون) - البقرة 183، ودليل التحريم: هنا هو في حصول التقوى بالعبادة المطلوبة، ولكن هذا القيد - أعني قيد التحريم ينتفي في - ليلة الصيام -، وفي ذلك يتم - التوازن - لحاجات الروح وحاجات البدن، ومن علة التشريع نعلم كذلك طبيعة التعاون والتنسيق بين قوانين التكوين وقوانين التشريع، وفي هذا التعاون والتنسيق يحصل التوازن المطلوب، و العبادة هي جزء من التشريع لا يكون ولا يجب فيها غلبة لطرف على أخر، لذلك نقول: - إن تحريم الجماع ليلة الصيام هو ضد التشريع، لأنه ببساطة ضد الفطرة والطبيعة البشرية، وكل تشريع يخالف الطبيعة والفطرة هو ممنوع وغير جائز، ونقول أيضاً: وبما أن التشريع يصدر عن حكيم عادل فمن مقتضى حكمته وعدله، أن يكون ما يصدر عنه يحقق هذا التوازن الطبيعي ولا يخل به، وبذلك يكون التشريع قائما ومرتكزا على الحكمة والعدل فيما يخص حاجات الجسد وحاجات الروح .

لكن البعض من المفسرين ومن فرط المحبة الزائدة وعدم التدقيق ذهب بهم الخيال ليعتقدوا ويقولوا بنسخ حكم هذه الآية، وتبديله من الحُرمة إلى الحليَّة، على أساس ان الحاجة بين الذكر والأنثى للجماع حاجة طبيعية وماسة، ولهذا نسخ الله حكمها وجعله حلالاً بناءً على هذه الحاجة وهذا الوضع، ومن هؤلاء المفسرون - الزمخشري في تفسيره الكشاف - حيث يقول:

فإن قلت: ما موقع قوله - هن لباس لكم - ؟

قلت: هو إستئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو إنه إذا كانت بينكم وبينهن هذه المخالطة والملابسة قَلَ صبركم عنهن وصعب عليكم إجتنابهن، فلذلك رخص لكم مباشرتهن - الكشاف ج1 ص 91 .

ولكن ما قاله الزمخشري ليس صحيحاً بدليل كون الحاجة الجنسية بين الذكر والأنثى حاجة طبيعية وضرورية، ولا نقبل تعليل الزمخشري ووصف الحال بالصعب، ذلك لأن التحريم - الموصوف بالصعب - لا اساس له ولا وجود في ليلة الصيام، وإذا كان ذلك كذلك، فنحن نستغرب منه ومن غيره الأتيان - بالنسخ كعلة - لرفع التحريم، وبعبارة أدق: إن كان التحريم غير موجود في الأصل فوجود - علة النسخ للتحريم - قبل وجود الحرمة، عبث وهراء لا دليل عليه ولا يجب ان يكون، أي إن التحريم إن كان بحسب الوضع على خلاف الطبيعة والحاجة والحكمة والمصلحة فلماذا يشرع من الأساس ؟، والذي يجعل الزمخشري يميل إلى هذا الرأي هو إعتماده على مروية أبي هريرة وقصته عن عمر بن الخطاب وكيف جامع زوجته في ليلة الصيام مرتكباً الأثم والحرام ؟!، وبما إننا نؤمن بان كتاب الله لا يخضع ولا يتأثر بقول الصحابة والصالحين، لذلك نقول: قد أخطأ الزمخشري حين بنى تفسيره على قول الصحابي أو تعبد بقول الصحابي، لأن التعبد أو ترجيح قول الصحابي على المنطق وعلى العقل هو خروج وأبتعاد عن الحقيقة وعن الحق الذي دُعينا إلى أتباعه، و هو تقليد أعمى قد نُهينا عنه، نعم في تلك الأزمنه ومع شياع حكم وسلطة التخلف يصعب ان نجد من يرفض أو يتصدى لهذا الهذيان، لأن التصدي لذلك يُعدُ مجازفة لا يُقدم عليها أي واحد، ومن يتقدم في هذا المجال تُكال له التهم ويحاصر ويبعد عن الساحة وتصادر أفكاره ويُشهر به ويُحرم ويُحكم عليه بالموت، كما هي العادة الجارية في أعصارنا .

وأما دلالة قوله تعالى: - (علم الله إنكم كنتم تختانون أنفسكم) -، هذا القول جاء في صيغة إكمال المعنى الذي بدئه في الجملتين السابقتين، هو إكمال بمثابة التوكيد على حليَّة الجماع في - ليلة الصيام -، وعدم تحريم ذلك في الأساس إذ التحريم في هذا الشأن تكليف بما لا يُطاق وهو ممتنع على الله أن يأمر به، والتحريم: هو بمثابة الدعوة للعصيان ولمخالفة الشرع، ثم إن جملة - علم الله إنكم كنتم تختانون أنفسكم - هي جملة إنشائية الهدف منها التوكيد على رعاية - التوازن - بين حاجات الجسد وحاجات الروح، وهي هنا تشبه أو مثل قوله - هن لباس لكم ..-، إذ لو إن الله قال: إن - الرفث - في ليلة الصيام حرام عليكم، فهذا القول لا يستطيع تحمله المُكلف لكل الوقت، والجملة هذه أو النص هذا هو جواب على سؤال تقديره هو: وهل يحتمل الزوج الإمتناع عن الجماع كل رمضان ؟ ولأن الله يعلم عدم قدرة البشر على ذلك فجعل – ليلة الصيام - مباح فيها الرفث لكي لا يرتكب الإنسان الخطيئة والمعصية، إذن فالجواب على تلك الجملة يأتي من نفس سياق الحاجة والتوازن في حياة البشر .

وهنا لا بد لنا من أمعان النظر بقوله - تختانون أنفسكم -، هذه العبارة إن جردناها من سياقها أعني من دون الربط بما قبلها وبما بعدها، فلا نتصور لها مصداق عن الخيانة المذكورة ولا عن الذنب المذكور، ولكن حين نضعها في سياقها الموضوعي أعني حين نربطها بما قبل وبما بعد قوله - الرفث إلى نسائكم - و (الآن باشروهن) نعرف إن مصداق الخيانة هو الجماع، ولكن الجماع في الشرع ليس محرماً وليس خيانةً، إذن فما هو الذنب وما هي الخطيئة ؟ وهنا نقول: الذنب هو ممارسة الجماع في - نهار الصيام - وذلك هو المنهي عنه وهو المحرم في الشرع، وحين نعرف مصداق الخيانة نعرف معنى التحريم ونفهم معنى قوله - علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم - ومن هذا يتبين مفهوم الجملة المقدرة أو الجواب المُقدر على السؤال المُقدر الذي مر بنا - أي إن الخيانة تكون في النهار وليس في الليل - .

إذن ففي هذه المسألة هناك رأيين مختلفين:

الأول: رأي الجماعة التي تبنت مفهوم - سبب النزول - وتمسكت به، أي إنهم قالوا بتحريم - الجماع - في ليلة الصيام بعد النوم، ومن فعل ذلك يُعد مخالفاً للحكم الشرعي بزعمهم، فيكون تقدير الكلام في الجملة عندهم على الشكل التالي (علم الله - إنكم تفعلون الحرام وتخالفون الحكم الشرعي - لأنكم كنتم تختانون أنفسكم)، ومن بين هذه الجماعة - الشيخ الطوسي - الذي قال في التبيان: - علم الله إنكم كنتم تختانون انفسكم .... معناه (إنهم كانوا لما حُرم عليهم الجماع في شهر رمضان بعد النوم خالفوا في ذلك فذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك الفريضة) - التبيان ج2 ص133، أي لما كان الجماع في ليلة الصيام محرما - كنتم تختانون انفسكم - بمخالفتكم لهذا الحكم، وهذا رأي الجماعة التي أعتمدت في تفسيرها على شأن النزول وسببه .

الثاني: هو رأي الجماعة التي رفضت مقولة - التحريم -، لأن هذه الجماعة أعتبرت أن تقدير جملة (علم الله إنكم كنتم تختانون انفسكم) هو: - ان الله لو حرم عليكم الرفث إلى نسائكم في ليلة الصيام، لكنتم تختانون أنفسكم -، والتقدير هذا قائم على حجة منطقية وطبيعية تقول: - لو أن الله حرم الجماع ليلة الصيام، فإن الغريزة والشهوة الجنسية ستتغلب مما يؤدي إلى الخيانة، وبما إن الله لا يكلف بما لا يطاق وبما لا يتناسب مع الطبيعة، لذلك لم يحرم الله الجماع في ليلة الصيام من الأصل، والرأي الثاني هو الرأي الراجح عندي بدليل ما ذكرناه عن مفهوم - أصالة الحليَّة - المستمر مع وجود الحياة والإنسان، كما أن مفهوم – هن لباس لكم - يدل على معنى الحاجة الطبيعية للجنس بالنسبة للإنسان، فتحريم ومنع الإنسان من هذه الحاجة ظلم وقبح والله لا يفعل الظلم والقبح، ولهذا حين نرجح الرأي الثاني على الرأي الأول إنما نرجح ذلك حماية للقانون الطبيعي ولعدم مخالفة الإنسان للشريعة .

ثم إن الكتاب المجيد حين يقدم هذا النص يأتي بشبيه له كما في قوله تعالى: - لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم (علم الله إنكم ستذكرونهن) – البقرة 235، فلحن وطبيعة هذا النص يشبه طبيعة ولحن النص المتقدم، وعبارة: - لا جناح عليكم - هنا من جهة الدلالة والمفهوم هو نفس مُراد ومفهوم عبارة: - أحل لكم - ولا فرق بينهما، وفي كليهما نفهم التأكيد على - أصالة الحليَّة -، ولو قارنا بين جملة: - علم الله إنكم ستذكرونهن - مع جملة: - علم الله إنكم كنتم تختانون -، سنجد ان علة التحريم واضحة فيهما، ففي العبارة الأولى: تكون العلة في عدم تحريم التذكر هو - كناية عن النساء في العدة -، وفي العبارة الثانية: تكون علة عدم تحريم الجماع في ليلة الصيام، ولا يقول أحد: إن التذكر مع الكناية في العدة كان محرماً في الإسلام، ومع نزول هذا النص صار حلالاً !!!، كذلك ولا نقول: إن الجماع في ليلة الصيام كان محرماً، ثم صار حلالاً بعد نزول هذا النص !! .

وكلامنا في قوله تعالى: (فتاب عليكم وعفا عنكم)

يتركز على كلمة - تاب - وكلمة - عفا -، ومعنى - تاب - في اللغة هو فعل ثلاثي صحيح المصدر، ومنه أشتقت كلمة - توبة أو التوبة – والتي هي في الكتاب المجيد تستخدم على نوعين:

الأول: حين تنسب إلى الله .

والثاني: حين تنسب إلى العبد .

فحين تنسب التوبة إلى العبد نجدها دائماً متعدية – بإلى - كما في قوله تعالى: - توبوا إلى الله توبة نصوحاً - التحريم 8، وحين تنسب التوبة إلى الله تتعدى - بعلى – كما في قوله تعالى: - لقد تاب الله على النبي والمهاجرين - التوبة 117، والتوبة: في الأصل تعني العودة و الرجوع، وهي حين تُنسب إلى العبد فيكون معناها - الرجوع من الخطأ إلى الصواب ومن الكذب إلى الصدق وهكذا -، وهي حين تُنسب إلى الله فيكون معناها - الرجوع -، ولكن بمعنى الفيض واللطف على العبد، ولهذا تعدت - بعلى - لأنها تشتمل على معنى الإفاضة، والتوبة في كل الموارد التي يستخدمها الكتاب وتُنسب إلى الله فهي تعني المفهوم الكلي لمعنى الفيض واللطف الإلهي، وإن من نتائج هذا اللطف هو:

1 - العفو عن الذنب كما في قوله تعالى: (ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاؤُك فاستغفروا الله وأستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) - النساء 64 .

2 - وتخفيف التكاليف كما في قوله تعالى: (ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مُسلمة إلى أهله .. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) - النساء 92 .

3 - وعدم جعل التكاليف إلزاميةً عينية كما في قوله تعالى: (علم ان لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن) - المزمل 20، يقول الشيخ الطوسي في التبيان ج10ص 17: - ومن هنا تكون صلاة الليل أمرا مستحباً -، وعنده معنى (علم ان لن تطيقوه) هو - لم يلزمكم إثماً - ومعنى - لن تحصوه - هو لن تستطيعوا تحمل ذلك فتاب عليكم، إذ جعل العبادة الليلية مستحبة وليست واجبة .

4 - و العناية الخاصة كما في قوله: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم) - التوبة 117، لأن ذلك خارج حدود المعلوم، والمقصود - بساعة العسرة - هو الكناية عن اللحظات الحرجة في معركة - تبوك - وما جرى فيها من أحداث زادت من صعوبة المعركة، حتى قال بعضهم مستنكراً: ولماذا نحارب في مثل هذا الجو الحار والنقص في الأمدادات والغذاء ؟، و معركة تبوك هي المعركة التي وقعت بين جيش المسلمين وجيش الروم، والنص يتحدث عن منطق بعض الصحابة الذين أصابهم خوف وقلق وفزع من هذه العوامل التي لا تساهم في النصر، ولولا لطف الله وعنايته الخاصة لزاغ البعض وأنحرف، إذن فنسبة التوبة إلى الله تعني حفظ الإيمان وروح العقيدة، والحفظ المقصود هو التناسب بين الحكم والموضوع .

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأستاذ اياد الركابي المحترم
أهنئك على هذا الموضوع الذي وجدته في غاية الإجادة ومملوء بالمتعة والإفادة
والتحليل المنطقي والعلمي.
كما وأؤيدك في موضوعين مهمين شغلاني من قبل كثيرا، أولهما: أسباب النزول فأنا الآخر لا أقتنع به وأراه يصادر قيمة ودور النص ويسلب منه عموميته الإرشادية حينما يربطه بعمل يكون تافها وشخصا في أغلب الأحيان.
وثانيهما التفسير بالمأثور هذا الأسلوب الإنشائي القصصي الساذج
أقول هذا بالرغم من عثوري على آراء شخصية في موضوعكم لم يتقدم بها أحد من قبل بما يبدو وكأنه مخالف للإجماع (إجماع المفسرين) وهذا يحتاج إلى أدلة تثبت صحته وتقنع الآخر بجدواه
تحياتي الحارة

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

وانا اشاطر السيد صالح الطائي رؤيته على هذا البحث الموضوعي العميق ، والذي يدل على ان كاتبه ذو باع طويل في التفسير وعلوم القرآن ، والحق أقول تعجبني كتابات الأستاذ الشيخ اياد الركابي فهو بحدود قراءاتي من النوعية التي نعتز بها ونفاخر ، في مجالسنا وبين المخالفين

احمد سالم
This comment was minimized by the moderator on the site

فكرة الحلال والحرام فكرة بحد ذاتها مثيرة للجدل ، فالأستاذ الركابي يركز على مفهوم - أصالة الحليَّة - وهي فكرة جميلة ، ويؤكد على ان الحرام بلسان النص شيء والحرام بلسان العرف شيء أخر ، فهو في النص يكون ذاتي لا يتعلق بالنتيجة ولا يتعلق بالسبب ، وفي العرف هو كلام لا ضابطة له ولا عنوان وهو الخطر الذي يتهدد النص وأحكامه .

سرحان عبدالعليم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2855 المصادف: 2014-06-30 01:12:06


Share on Myspace