 دراسات وبحوث

تاءُ الذّنب وحاءُ الملَكوت !!

*ammar almotalibi نذُ وقتٍ بعيد، لفتَت انتباهي هذه الآية الكريمة التي وردت في سورة يوسف:

(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) (85)

* الآية جوابُ أبناء يعقوب عليه السلام المُنصرفِين من مصر، على قول أبيهم:

(يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)!!

* يختزنُ إخوة يوسف شعوراً بالذنب في أعماقِهم .. لقد تآمروا على أخيهم الصغير الأثير إلى قلب والدهم الشيخ .. هم السببُ في كلّ ماوقع .. هذا الحزن حدّ أنْ تبيضّ عينا يعقوب .. ومنْ قبلُ ذلك الصغير، كحملٍ وديعٍ يُلقى في غيابة الجُبّ، منْ أجل سببٍ أدركوا تفاهتهُ لاريب بعد أنْ كبروا، وعركتهم الأحداث !!!

* تُرى كيف صوّر القرآن الكريم، بأسلوبه المعجز، ذلك التردّد والتلعثم والتأتأة، وحمل الذنب الباهظ أمام الألم الجارف الذي يُقطّع القلب؟!!

سبعُ تاءات في آية واحدة !!!!!!!!!!!!!

(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)

التّاء المُشدّدة في (حتّى) التي جاءت وسط الجملة، مثّلت المشّاعر الحبيسة التي لا تجدُ سبيلاً .. إنّها صرخة مَنْ به خُرْس !!

لنْ يستطيع أبناء يعقوب عليه السّلام أنْ يُخبروا أباهم بما جرى !!

* بهذه الوسيلة الصوتيّة، مكّننا القرآنُ أنْ نعيش ذلك المشهد حيّاً، وأنْ نسمع إخوة يوسف الحيارى، وهم يتلعثمون أمام أبيهم الذي قتله

الحزن !!!!!!!!!!!!!!!!!

* في آخر آيةٍ منْ سورة الزمر، يُصوّرُ مشهدُ الكون ما بعد الحساب وما بعد يوم القيامة:

(*وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ)

* تأتي الآية هنا بصوت الحاء ستّ مرّات !!

* صوتُ الحاء صوتٌ مهموس، والمشهدُ يُصوّر ملائكةً غمرهُم الوجود الإلهيّ، فلا تسمعُ إلاّ همساً !!!!

* وصوتُ الحاء مُرقّق يُلائمُ رقّة قلوبهم، وذلك الكون الذي انتهى إلى سكونٍ، بعد مشاهد يوم القيامة المُفزعة، وبعد ذلك الاضطراب، ونسف الجبال، والبحار المسجورة والكواكب التي يصدم بعضها بعضاً!!

* الآن انتهى ذلك كلّه، وعاد ملكوت الله، مُشاراً إليه بالعرش رمز الهيمنة، إلى حيث لاشيء سوى الله وجَماله ونوره !!

* ومع صوت الحاء الهامس الذي يتوالى مرّاتٍ ستّ، يأتي أيضاً صوت السّين، وصوت الشين، وهو الآخر مهموسٌ ومُرقّقٌ

و مُستمرّ !!!!!!!!!!

* هنالكَ الفاء المُشدّدة في كلمة (حافّين)، والفاء أيضاً صوتٌ مهموس ومُرقّقٌ ومُستمرّ (صوتٌ مُتَفَشّ كما يقولون) !!!!

* صوتُ الفاء المُشدّدة بعد الألف الممدودة !!!!!!

* ما قرأتُ هذه الكلمة في هذه الآية الكريمة، إلاّ وتناهى لي صوت الأجنحة تمتدّ في ذلك الكون السّاجي، ثمّ حركتها الأثيريّة التي تصوّر انقباضها وانبساطها الفاء المُشدّدة المؤلّفة من صوت الفاء السّاكن، ثمّ صوت الفاء المكسور المنزلق إلى الياء :

حآآآآآآآآ فْففففففففففففِين !!!!!!!

* إقرأ الآية الكريمة ثانيةً:

(وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ)

 

* سنتابع الحديث إنْ شاء الله، فنرى كيف أنّ استعمال (المؤثّر الصوتيّ) في القرآن الكريم أمرٌ شائعٌ مُطَّرِد في السّور القرآنيّة كلّها تقريباً ..

إلى اللقاء  بإذن الله

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا على هذه المقاربة الطريفة والمفيدة

سوف عبيد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لك أستاذ سوف على التفضّل بالتعليق ..
رمضان كريم .. جعله الله عليك شهر خير و بركة .
إمتناني

عمّار المطّلبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2872 المصادف: 2014-07-17 00:59:10


Share on Myspace