 دراسات وبحوث

المستشرقون والدراسات القرآنية

ahmad babanalalawiلقد تطرقنا في دراستنا حول مناهج المستشرقين في دراسة القرآن الكريم، إلى جوانب من أطاريح القوم وما تضمنته بعض مؤلفاتهم حول القرآن الكريم، من شطط وأحكام مبتسرة وحجج ضعيفة، تفتقر للدقة العلمية.

وغني عن البيان القول أن المستشرقين، قد شنوا على الإسلام معارك شرسة، وركزوا منذ منتصف القرن التاسع عشر على دراسة تاريخ القرآن: جمعه وترتيبه، وقراءته وأسلوبه ورسمه...

وسوف نتناول في هذا القسم بعض القضايا التي أثارها زمرة من كبار العلماء الاستشراف الذين تخصصوا في دراسة القرآن وعلومه أمثال: (نولديكه- وجولدزيهر وبلاشير- وجيفري..) وغيرهم...

وهنا لابد من الإشارة بان الدراسات التي تتميز بالجد والعمق للإسلام، لم تبدأ إلا منذ القرن التاسع عشر، حين ذاعت الثقافة الإسلامية في أوربا، وحين بسط الغرب الاستعماري سلطانه على البلاد الإسلامية.

عندئذ نهض كثير من علماء أوروبا لدراسة الإسلام وتراثه محاولين التعرف على سر حيوته وبقائه...

وكان اهتمامهم أولا بكتب المغازي والسير والتاريخ، ثم اخذوا في دراسة القرآن وعلومه، والفقه وأصوله، وعلوم أصول الدين، والفرق الإسلامية، وما إلى ذلك من مظاهر الفكر الإسلامي. (1).

ونذكر من هؤلاء العلماء ارنيست رينان (E. Renan) صاحب كتاب ابن رشد، والرشدية (ابن رشد ومذهبه) جستاف لبون (Gustave Lebon) صاحب كتاب حضارة العرب la civilisation des Arabes.

ونولد بكه (t. Noldeke) المعروف بكتابه تاريخ القرآن   وكيتاني (Leon Caetani)مؤلف كتاب حوليات الاسلام والأب "لامنس" (H. Lammens ) صاحب كتاب معاوية والإسلام وكاردي فو (Carra de vaux) صاحب كتاب مفكرو الإسلام (Les penseurs de L’islam) ومن بين هؤلاء الإعلام (ما سينون) و(نيكلسون) المشهوران بدراستهم في التصوف الإسلامي.

ومصطلح " مستشرق" له معنى ثقافي وعلمي، فالعلماء هم المختصون باللغات والثقافات الشرقية، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، أخذ مفهوم "المستشرق" بالتغير في أوجه عدة، بحيث أصبح المستشرقون خبراء داخل المجتمعات الغربية، في جوانب معينة من الإسلام، والمجتمعات الإسلامية وقد خضعت الدراسات الإسلامية وخاصة الأكاديمية، إلى أساليب النقد الفيلولوجي (La Philologie) (فقه اللغة) والأدبي والتاريخي، وأدى التحليل النقدي الفيلولوجي والأدب المطبق على القرآن من طرف بعض الباحثين إلى إثارة العديد من الأسئلة، حول تاريخ القرآن وتأليفه.. (2)

وتجدر الإشارة إلى أن أول دراسة مفصلة للقران ظهرت في أواخر القرن السابع عشر، قام بها لودفيكو مراشي Ludovico Maracci) -1700-1612) بعنوان (Alcorrani universus -1698 (حيث تطرق مراشي إلى سيرة الرسول عليه السلام من خلال المصادر العربية وقدم في الجزء الثاني ترجمة للقرآن باللغة اللاتينية مع مقابلة للنص العربي زودها بشروح وتعاليق للمقاطع الغامضة..

ويمكن اعتبار عمل مراشي، بداية لإنطلاق الدراسات القرآنية في أوروبا، إلا أن هذا العمل شابه الكثير من الأخطاء الفادحة والحجج الضعيفة التي تفتقر إلى الدقة العلمية ونفس هذه الأخطاء سنجدها بدرجات متفاوتة في كل البحوث والدراسات حول القرآن التي قام بها المستشرقون، بعد ظهور كتاب مراشي.. (3)

لقد ترافق اهتمام المستشرقين بترجمة القرآن، إلى اللغات الأوربية بالقيام بدراسات حول النص تتوخى معرفة أوثق بمضمونه...، وذهبوا مذاهب شتى في تفسيره، وأتوا بتعليلات وتأويلات كلها تنساق في التشكيك في صحة القرآن وفي أمانة نقله، وتبليغه، وجمعه وترتيبه، وقالوا بأن النص نالته تعديلات بالزيادة، والنقصان، وذلك بالتشبث بالروايات الشاذة الموجودة في بعض المصادر القديمة، وخاصة تفسير الطبري والمتعلقة بالإختلافات المنسوبة إلى المصاحف الفردية لبعض الصحابة أمثال ابن مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب، وابن عبد الله وموسى الأشعري...

وقد جمع المستشرق ارثر جفري (Jeffrey) هذه الروايات الشاذة والمنقطعة ونشرها مع كتاب "المصاحف" لابن أبي داوود (ت.316هــ) بنية مبيتة للتشكيك في موثوقية النص القرآني.

إنهم يتحاشون الاعتراف بأن القرآن جمع وفق منهج علمي رصين قوامه التوثيق والدقة والتثبت.

وخلافا لمزاعم"جفري" فقد ذكر السيوطي في كتاب " الإتقان في علوم القرآن" بان جميع الصحابة الذين ذكر "جفري" بعضهم في تقديمه كتاب " المصاحف" أجمعوا على المصحف العثماني، وتلقوه بالقبول والعناية وأخذوا بما تضمنه من الأوجه والقراءآت(4).

والواقع أن المسلمين يتمسكون منذ أربعة عشر قرنا بالمحافظة على الوحي القرآني لفظا ومعنى، ومن نافلة القول أن فعالية مناهج البحث تعود إلى المصادر المعتمدة الأصلية الموثوق بها، لأنها وحدها توصل إلى إكتشاف الحقيقة العلمية والبرهنة عليها بصورة موضوعية..

وقد اعتمد المنهج الاستشراقي المطبق في الدراسات الإسلامية والقرآنية، كما ذكر "مونتجمري وات M.watt) في كتابه " الوحي الإسلامي والعـالم الحديـــــــــــــث" (Islamic Revelation in the modern world) بأن هذا المنهج مؤسس على النظرة العلمية العقلية الحديثة القائمة على الاعتقاد، بإمكانية تطبيق طرقه في مجالات كثيرة..وفي نفس السياق يقول (رودي بارت Rudi Paret).

" نحن معشر المستشرقين، عندما نقوم بدراسة العلوم العربية والإسلامية، إنما لنبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام ومظاهره المختلفة، ونحن لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه، دون أن ننعم فيه النظر بل لا نقيم وزنا، إلا لما يثبت أمام النقد التاريخي، المعيار الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا.. (5)

ومن ثم فإن المناهج الغربية الحديثة التي استخدمت، لتأويل القرآن، ترتكز على فقه اللغة (الفيلولوجيا) وعلم اللسانيات، مع ربط وتقاطع بالمنهج التاريخي النقدي...

وفقه اللغة علم يدرس اللغة من زاوية فلسفية وابستمولوجية بهدف الكشف عن القوانين التي تحكم اللغة واستعمالاتها بمعنى فهم المنطق الذي يحكم اللغات من أجل ضبط المعنى أو الدلالة.

إنه العلم الذي يدرس النص اللغوي، والتحليل المفهومي للقرآن..وقد مكنهم هذا المنهج اللغوي من اختلاق الفرضيات والنظريات يستخلصوا منها، ما يشاءون من نتائج تجانب الصواب (6).

فالمناهج التي استخدموها، لا تؤدي إلى نتائج علمية في الدراسات الإسلامية فقد قاموا بعملية إسقاط تعسفية لتصورات ذهنية وأطلقوا أحكاما عامة، لا تراعي خصائص الحضارة الإسلامية ومبادئها.

إنهم يحاولون لي النصوص وتطويعها، وتفسيرها وتحليلها لتتوافق مع أحكامهم المسبقة، من أجل الوصول إلى نتائج علمية افتراضية، لا تتفق بحال مع البحث العلمي النزيه..

فالباحث عندما يضع في ذهنه صورة فكرية معينة، لا وجود لها، من الناحية الفعلية، فإنه يجد لها المبررات من أجل إسقاطها على واقع الثقافي والحضاري لتفسيره، وفقا لهواه ومزاجه وثقافته وبيئته الدينية... (7)

لقد حاول المستشرقون إذن دراسة القرآن الكريم باعتبار أنه نتاج تاريخي وليس وحيا وعقيدة دينية مصدرها الإسلام...

فهم ينطلقون من منظور مادي للظواهر الفكرية التي يدرسونها، وعدم تقيدهم بالمقومات الدينية والعقدية أو الروحية نتيجة تأثرهم ببيئتهم الأوروبية التي تربوا فيها وأخذوا منها مناهجها وطرق معالجتها للحضارات، والأفكار الإنسانية وبكونها ترفض كل مصدر سابق للمعرفة باسم الوحي أو الدين أوالحدس..، والاعتماد على الفلسفة الوضعية وإخضاع الدراسات الإنسانية إلى مناهج العلوم التجريبية ولا ريب أن هذه المناهج لا تؤدي إلى نتائج علمية مستساغة عند تطبيقها على القضايا الإيمانية مثل الوحي والنبوة، ودورهما في حياة البشرية.. (8)

فالأبحاث والدراسات التي أنجزت حول التراث الإسلامي خرجت عن المقتضيات المنطقية والمنهجية العلمية في معالجة النصوص الإسلامية وذلك باعتمادها على مصادر خارجية وعوامل داخلية، بذل المستشرقون جهدا ضخما في تأصيلها باعتبارها مصادر للقرآن الكريم بالرغم أنها لا تصمد أمام النقد الموضوعي والبحث المتأني.. (9)

ضمن هذا السياق نشير إلى ما ذكره المستشرق هنري لامانس (Lammens)   بأن الرسول عليه السلام اعتنق الوحدانية وآمن بالبعث والحساب ووجد نفسه متفقا في هذه المعتقدات مع اليهودية والمسيحية وأنه مادام ليس هناك سوى اله واحد، فليس هناك إلا وحي الهي واحد، وأنه مدعو لنشر هذه الحقائق بين أبناء جلدته وبلغتهم ..أي صياغة الوحي العالمي باللغة العربية.. (10)

ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بتأثر القرآن بالمذهب اليعقوبي الذي يقر بالطبيعة البشرية للمسيح، وفي هذا الصدد يرى المستشرق "نولديكه" في دراسته حول المصطلحات الدينية المعروفة لدى أهل الكتاب في الجاهلية والتي أقرها القرآن نتيجة تأثر الإسلام بالعهدين القديم والجديد. (11)

أما المستشرق هوبرث جريم (H.Grimme) فيقول بأن محمد لم يكن في بداية أمره يسعى إلى التبشير بدين جديد وكان هدفه محصورا في إصلاح مجتمعه في مكة ومن هنا استخدم فكرة الحساب يوم القيامة كوسيلة للضغط على الأغنياء لقبول خطته الرامية في الإصلاح الاجتماعي..

ويقول المستشرق " منتجمري وات" بأن القرآن يندرج ضمن المؤلفات الناجمة عن الخيال الخلاق. وهذه المؤلفات تستخدم رؤى وصورا للتعبير عما وراء المفاهيم الثقافية الانسانية. (12)

ويضيف "وات" بأن الأنبياء والمصلحين الدنيين يشتركون في هذا " الخيال الخلاق" طالما يعبرون، عن القضايا الأكثر عمقا والمعبرة عن التجارب الإنسانية ويستطرد قائلا: من وجهة نظري هناك خيال خلاق متدفق لدى محمد، وأن أعظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة، وعادلة، ولكن ليست كل الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة..(؟)

إن "الوحي" أو الخيال الخلاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرا لوقائع تاريخية مجملة.

وإن الخيال الخلاق فتح آفاقا عميقة، وأنتج أفكارا ارتبطت بالقضايا الرئيسية للوجود الإنساني، بحيث أصبح دينه يتمتع بجاذبية ليس في زمانه فحسب، ولكن خلال القرون التي تلته. (13)

ويذهب "جولد زهير" إلى إنكار الوحي الإلهي طبقا للرؤية الإسلامية ويرى أن ما جاء به النبي العربي ليس سوى مزيجا، منتخبا من معارف وآراء دينية، عرفها واستقاها بسبب اتصالاته بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها. (14)

هذه بعض آراء الغالبية العظمى من المستشرقين حول ظاهرة الوحي والنبوة ومصادرها المفترضة..

وهي في مجملها تفسيرات باطلة ومصادر تفتقر إلى الدليل العلمي الصحيح.

وآفة هؤلاء المستشرقين، ضيق الأفق العقلي فهم ينكرون الرسالة النبوية لأنهم لا يقدرون على تصورها في غير الصورة التي يرفضونها لأنها تتماشى في طبائعهم مع شهرة الإنكار التي تتسلط على عقول المسخاء من أدعياء العلم والتفكير. (15)

وقبل التطرق إلى المسائل التي تناولها كبار المستشرقين في دراساتهم للقران الكريم، وما أثاروه من قضايا حول مضامين النص القرآني.، وهنا يجب الإشارة إلى مسألة هامة تتعلق بجمع القرآن وترتيبه على قاعدة التواتر الذي اعتبره علماء المنطق وعلماء الكلام وعلماء الأصول، طريقا قاطعا، من طرق النقل والتبليغ للخبر، يجعله ثابتا ثبوت اليقين...

وهو ليس راجعا إلى الكثرة ولا إلى عدد معين كما توهم بعض الباحثين، وإنما يرجع حسب تعريف علماء الأصول إلى كونه اتفاق عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب...

واستحالة التواطؤ على الكذب لا تأتي من الكثرة العددية وإنما تأتي على اختلاف المبادئ، واختلاف الأفكار واختلاف المصالح، بحيث لا يكون للأطراف المتفق على خبر من الأخبار من المصالح أو من المبادئ ما يتفق مع ما يكون للطرف الآخر، مما يبعد عن الاتفاق قرينة التآمر أو التواطؤ أو الكذب أو الاختلاف..

ذلك هو الذي جعل التواتر طريقا قطعيا من طرق نقل الأخبار، فضلا على أن القرآن الكريم إنما نقل في أصله بالطريق الشفهي أي الحفظ والتلقي اللفظي وشيوع النص على الحفظ... (16)

ولابد من التأكيد بأن القرآن هو الكتاب الوحيد بين الكتب السماوية الذي يوجد بلغته الأصلية أي لغة البيئة التي نزل فيها القرآن..

في حين نجد التوراة (العهد القديم) مكتوبة باللغة الآرامية التي هي العبرانية الحديثة، وهي لغة نشأت في القرن الخامس قبل المسيح باختلاط اللغتين الساميتين السريانية والعبرانية القديمة التي تعتبر لغة منقرضة، وبالتالي فنص العهد القديم الآن هو في لغة ليست لغة العصر أو البيئة التي ترجع إليها أخبار الوحي التي اشتملت عليها كتب العهد القديم في ذلك العصر وتلك البيئة أي العبرانية القديمة، والتوراة الموجودة الآن ليست بالعبرانية القديمة، وهي في لغة منقولة إليها، تترجم عن النص الأصلي، وليست اللغة التي تكلم بها موسى عليه السلام، إنها لغة لم تكن موجودة بحكم تاريخ اللغات في العصر الذي نزل فيه الوحي على موسى..

أما بالنسبة لكتب العهد الجديد، نجدها بإحدى لغتين إما اللغة السريانية وإما اللغة اليونانية وذلك باختلاف الأناجيل، وكل من هاتين اللغتين، ليست لغة المسيح عليه السلام، وليست لغة البيئة التي ظهرت رسالة المسيح فيها والعصر الذي أتى فيه المسيح بآياته، وبذلك تكون أيضا منقولة إلى لغات أجنبية، عن بيئة الوحي وأجنبية عن بيئة التنزيل، فالمسيح كان يتكلم الآرامية وهي العبرانية المحدثة، في حين أن نصوص الإنجيل لا توجد بالآرامية وإنما بلغتين منقول إليهما مترجمتين عن اللغة الأصلية. (17)

من هنا يتضح مدى الخلط الذي وقع فيه بعض المستشرقين الذين قاموا بمقارنات ومقابلات بين القرآن وهو نص أصيل في لغته ولفظه ومعناه، وبين نصوص مترجمة أومنقولة أو كتبت بغير لغة صاحب الرسالة.

القرآن العظيم نوه بشأن بالكتب السماوية الأخرى وبين أنها اشتملت على الهدى والنور وأحكام العبادات والمعاملات..

فإذا وضع القرآن موضع مقارنة موضوعية، مع كتب الوحي السابقة على علاتها وبعيدا عن المجادلات الدينية، ولجأنا إلى فحص دقيق ودراسة معمقة لأركان الخطاب الديني (أي النص) وهي أربعة:

- ركن الأسلوب.

- ركن القصد.

- ركن طريقة النقل.

- ركن اللغة. (18)

لوجدنا أن القرآن إمتاز بخصوصيته عن غيره من الكتب السماوية من زوايا مختلفة تتلخص في ركنين أساسيين اللغة والفكر.

فالقرآن الكريم كتاب أدبي وعقدي بنفس الدرجة.

الخطاب القرآني يتميز بكونه كنز من الأفكار التي تتكشف من ثنايا أسلوبه الرفيع، سواء تعلق الأمر بالجانب المعرفي والسلوكي، بهدف بناء منظومة القيم والأخلاق، التي تسمو بالإنسان إلى مراتب الكمال والخير والإصلاح، فالأخلاق مصدر القوة الروحية والنفسية وهي أرفع من القوة الآلية..

فالفضائل المثلى التي يحض عليها القرآن الكريم، هي التي ترتفع الى هذا المصدر وتجري في نسقه..

فالصبر والصدق والعدل والإحسان والمحاسنة والأمر والحلم والعفو وهي أمثال الكمال الذي يطلبه لنفسه المؤمن بمصدر هذه الأخلاق المثلى وكلها مما يحمد أن يروض نفسه عليه وان يطلب منه أوفى نصيب يتاح للإنسان من جميل الخصال والأفعال.. (19)

إن القرآن برسالته يقصد الإنسان حيث يكون حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم، والشعور النبيل، إنها دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات،و توضيح العقائد والتقريب بينها وإسقاط الحواجز العنصرية والوطنية، وإحلال قانون الحق والعدل محل قانون القوة الغاشمة. (20)

والجدير بالملاحظة في هذا المقام أن الإيضاحات التي قدمناها أردنا أن نمهد بها لقراءات المستشرقين للنص القرآني، خاصة عند المستشرقين من أمثال غوستاف فيل وتيودير نولديكه ورتشارد بيل وبلاشير وجولد زهير ووليام مير وجريم وغيرهم...

ولاشك بأن الحروب الصليبية، وحملات التبشير، والتهديد العثماني لأوروبا، كان لها أكبر الأثر في اهتمام المحافل الفكرية بدراسة القرآن، والتعرف على مضمونه..

وكانت صورة الإسلام في أوربا مطبوعة بالطابع التركي، وفي هذا العصر صدرت ترجمة ألمانية للقرآن قام بها "دفيد فريدرش مرغلين (Megerlin)عام 1772 بعنوان الكتاب المقدس التركي، (Dir. Turkische bibel).

كان ينظر الى القرآن من منظور الكتاب المقدس، ومقارنته به بحيث كان الهدف من الانكباب على دراسة القرآن أن يدافعوا عن المسيحية وقد حظي القرآن باهتمام كبير من المستشرقين وبدا يكتسب من الدارسين طابعا مميزا..

واعترف ادم مولير (1858-1796) بأن القرآن الكريم كتاب ديني ذا نكهة خاصة وبأنه نشأ نتيجة لخبرة دينية أصيلة يعبر عنها بتأملات، تحرك المشاعر ويتغذى به الملايين الناس، ويهتدون بتعاليمه ولابد انه مستقى من منبع فياض. (21)

ووصف الشاعر لألماني غوته Goethe ترجمة مغرلين للقران 1772 بأنها " نتاج تعس" معبرا عن الحاجة الماسة إلى ترجمة أخرى ينجزها شخص مفعم بكل الأحاسيس الشعرية، والنبوية، ويفقه كل ما يختزنه الكتاب من معان وقال في الديوان الشرقي بأن الأثر العظيم الذي تركه القرآن على النفوس، إنما يعود إلى أسلوبه الصارم الرائع.( 22)

لقد انصب اهتمام المستشرقين على وجوه التشابه، بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى، وراحوا يفتشون في النصوص القرآنية لعلهم يجدون ما يستدلون به على احتمال تأثير القرآن بالإنجيل والتلمود..، وقد تبلورت هذه النزعة في القرن التاسع عشر، حيث اخذ البحث منحى علمي، فنشرت عدة دراسات حول هذه المسالة من بينها كتاب (السبر نجر Sperenger) " قصص الإنجيل في القرآن"- 1926)، وكتاب "أصل الإسلام في بيئة مسيحية -1926) لريتشارد بل (R.Bell) ومدخل إلى القرآن لنفس المؤلف.

لقد اتبع جل المستشرقين منهجا عاما، مفاده أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) استقى أو استعار القصص والحكم والأمثال والصور المجازية من مصادر يهودية ومسيحية، وطبقا لهذه المزاعم فلابد له أن يكون عالما باللغات العبرية والسريانية، واليونانية وأن يمتلك مكتبة تضم نصوص التلمود والإنجيل المختلفة.. (23)

من جملة الأمثلة التي أوردها المستشرق هير شفيلدHerschfeld) -1854)، الأمثلة التالية:

- الآية 3 من سورة الرحمان : (الشمس والقمر بحسبان)

- المقابل لها في سفر المزمر 136 (العهد القديم)

- 8- لشمس لحكم النهار).

- الآية 6 سورة الرحمان (و النجم والشجر يسجدان)

يقابلها من المزمار : (9 - القمر والكوكب لحكم الليل)

- الآية 5 : (والسماء رفعها) يقابلها ( 5 الصانع السماوات بفهم)

- الآية 8 : (والأرض وضعها للأنام) يقابلها (6 الباسط الأرض على المياه).

- الآية 11 من سورة النحل: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) يقابلها المزمار 104 الإصحاح -14(المنبت عشب للبهائم وخضرة لخدمة الإحسان لإخراج الخير..).(24)

لقد بذل المستشرقون جهودا جبارة لإثبات مزاعمهم، وادعاءاتهم لإيجاد تشابه وتوازي بين نصوص القرآن، ونصوص الكتب الأخرى حيث لا يوجد أي مجال للمقارنة.

لقد أكد (هرشفليد) في كتابيه (العناصر اليهودية في القرآن- 1878) ومساهمات لشرح القرآن -1886) بأن القرآن ما هو إلا نسخة مزورة من الإنجيل.. وتوقف (جاكوب بارت J. Barth) في كتابه (القرآن تعليق وتطابق- 1971) عند كلمة "حطة" الواردة في الآية 58 من سورة البقرة (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) قال بأن الكلمة عبرية أو ذات أصل عبري دون أن يقدم أي دليل، على ذلك.

المفسرون، شرحوا الكلمة وهي عربية بمعنى اغفر لنا أخطاءنا ( أي حط عنا أوزارنا).

والحطة في لسان العرب، نقصان المرتبة (أي الإسقاط) وترجمها بلاشير في ترجمته للقران (قولوا حطة : Dites Pardon) : طلب العفو والمغفرة) ويرى (مكدونالد) أن الآية 35 من سورة النور (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة..يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء).

بأن الآية ذات علاقة بنور الكون، الذي ذكر في الإنجيل، وما جاء في إعلان مجمع نقيا أن الله نور يأتي من نور.

وأورد (جوزيف هورفيتز J.Horovitz ) في كتابه (أسماء الأعـــــلام اليهوديـــــة في القرآن - 1925) أن الكلمات القرآنية: ( المعتكفات، أمر، أمانة، بركة، تبارك، بهيمة، مثاني، خلاص، رب العالمين، سكينة، صدقة، عبادة، قيوم، كفارة، ماعون، منهاج، جبار، قدوس، سورة، نبوة، بعير، عبادة، بور، صديق، جنات عدن، تزكى). بأنها مشتقة من العبرية تعلمها محمد من اليهود، في مكة والمدينة. (25)

والملاحظة التي يجب التأكيد عليها، وهي أن اللغة العربية لغة سامية، مما يجعل لها جذورا مشتركة مع العائلة اللغوية وهذه ظاهرة عامة تحكم كل اللغات، فالصحيح أن الجذع اللغوي، واحد بين اللغات السامية كلها..

وإذا ما أخذنا بعض الكلمات التي ذكرها (هروفتز) سوف نتبين بأن ادعاء المستشرقين لا أساس له من الصحة.

يقول بأن كلمة خلاق مشتقة من الكلمة الآرامية (حولاق Hulaq) فهذا أمر طبيعي باعتبار الأصل اللغوي واحد.

يتطرق هروفتز إلى كلمة "بعير" وقال بأنها مأخوذة من العبرية (بيعير Be ir) وقد وردت في سفر التكوين، ومعناها حمار..، وفي لسان العرب فان كلمة (بعير) تعني أما الجمل، وإما الحمار، فالكلمة الواردة في سورة يوسف كلمة عربية، وكانت شائعة قبل الإسلام بمعنى الجمل أو الحمار..

أما كلمة (سورة) الواردة في سورة التوبة والنور.. (السورة: المنزلة الرفيعة، وسور المدنية حائطها المشتمل عليها)، وسورة القرآن تشبيها بها لكونها محاطا بها إحاطة سور المدينة وتعني أيضا (قطعة مفردة، من جملة القرآن) وقوله تعالى (سورة أنزلناها) أي جملة من الأحكام والحكم.

ويقول نولديكه بأن كلمة (سورة) مشتقة من الكلمة العبرية (Shura)حيث المراد بها الخط، الصف، أو الطابور، ولم ترد بمعنى الفقرة من كتاب، ويرى هيرشفيلد بأن كلمة (سورة) آرامية Sidra.

وتطرق العديد من المستشرقين إلى كلمة "فرقان" فقال بعضهم بأن أصلها من السريانية (فرقانا Furqana أو الآرامية (فرقانFurqan) وان المراد بها الإنقاذ (Salvation) حسب ترجمة بلاشير.

ويرى رودي بارت بأن كلمة (فرقان) الواردة في الآية 48 من سورة الأنبياء (ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان، وضياء وذكرا للمتقين) بأنها مبهمة..

ويقول رتشارد بيل في كتابه (مدخل إلى القرآن- 1953) بأن اشتقاقها من المصادر المسيحية، ولكن محمد مزجها باللفظ العربي (فرق) لتسهيل التفريق بين إتباعه وغيرهم من الرافضين لدعوته.

يتضح مما سبق تهافت المستشرقين فهم يلجأون إلى تصورات من صنع الخيال لتبرير مواقفهم وخير مثال على ذلك ترجمة كلمة (فرقان) بمعنى (Salvation) هي مشتقة من (Sauver-Sauveur-Salvatrice) وتوحي إلى معنى الإنقاذ والمنقذ عند المسحيين في حين إن كلمة الفرقان العربية مصدرها فعل فرق، ويدل على التفريق بين الحق والباطل، وبين الرشد والضلال وتطلق أيضا على القرآن : (تبارك الذي أنزل الفرقان) الفرقان: 1 (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة : 85.

فالقرآن هو الكتاب الذي يقرر بأحكامه ودلائله الحجج التي تكشف عن الحقائق للهدي، وهو المقياس للمسؤولية واحتمال التبعية، الفردية، والجماعية وكل ما ينطوي بها من تكليف من تكاليف الدين، وكل فضيلة، من فضائل الأخلاق يهتدي بها الناس كافة في معارج الرفعة والارتقاء..

ومن القضايا التي تناولها المستشرقون مسالة أمية النبي عليه السلام، وأثاروا حولها الكثير من الشبهات والاستنتاجات الغير الدقيقة بهدف التشكيك في صحة القرآن الكريم وإظهاره انه من إنشاء النبي اخذ بعض تعاليمه من مصادر شفوية، ثم أعاد صياغته..

وقد ورد في القرآن الكريم ذكر لفظ أم وأمة وأمي وأمين.

ولا بد من فهم المعنى الدلالي لهذه الألفاظ من منطلق أن اللفظ إنما هو وسيلة لتحصيل المعنى المراد أو المعنى المقصود.

فألفاظ القرآن كما يقول الراغب "الأصفهاني" هي لب كلام العرب وزبدته وواسطته، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم..، وقد تضمنت آيات القرآن بدائع العبارات، ودقائق الإشارات والدلالات التي جعلت من المصطلح القرآني في جوهره أدق تعبير وأصدقه عن الطفرة الدلالية التي أحدثها القرآن الكريم في لغة العرب، في مجال الاستعمالات اللفظية والتركيبية، فاللفظة تضرب بجذورها في الإحاطة، نظرا للنظم البنائي والمعماري الذي تنفرد به الأمر الذي يرتقي بدلالتها إلى مستوى المصطلح المحكم الدقيق والطابع المرجعي الذي يحكم دلالتها حيثما وجدت في القرآن..( 27)

فدراسة الألفاظ إذن هي المفتاح للنفاذ إلى المعاني الدلالية..، فلكل لفظ من ألفاظ القرآن دلالة تكشف عنها القراءات المتدبرة..

فكيف تناول المستشرقون ما ورد في آيات القرآن الكريم حول " الأمي" و"الأميون".

قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين، رسولا منهم) الجمعة 2 . (ومنهم الأميون لا يعملون الكتاب إلا أماني) البقرة 78 . (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) الأعراف 157.

تناول المستشرق (سبرنجر A. Sprenger) الموضوع في كتابه " حياة وعقيدة محمد -1861) يقول بأن الشعوب قبل بعثه الرسول كانوا منقسمين إلى آهل الكتاب والأميين (الوثنين) ويضيف بأن معنى " أمي" «Gentils » التي تقابل وثني أو غير اليهودي.. ويخلص إلى أن الأمي يستطيع القراءة والكتابة..

نفس الكلام يتردد لدى فنسك « A.Wensink » وهروفتز » «« Horovitz وبلاشير، ورودي بارت Rudiparte » « وغيرهم.

يرى فنسك بان لفظ " أمي" يطلق على غير " أهل الكتاب" وان الكلمة مشتقة من كلمة امة بمعنى الشعب الوثني (Ethnicos) مقابل Goi العبرية.

إن كلمة " جويم" تعني بصفة عامة أمم في اللغة العبرية وقد تعود إلى " عومان" حسب الموسوعة اليهودية.

إن لفظ "جويم" لم يكن منتشرا في الجزيرة العربية قبل الإسلام وبالتالي فإن ما طرحه فنسك غير دقيق وإن لم يكن خاطئا جملة. (28)

قام هيروفتز «« J.Horovitz » ببحث عن مرادف لكلمة "أمي" في اللغة العبرية فتناولها في كتابه (أسماء الإعلام اليهودية ومشتقاتها القرآنية) « Jewish Proper Names and Derivatives in the Koran » وكذلك في كتاب "المباحث قرآنية" يدعي أن كلمة "أمي" معناها وثني، وإنها مرادف للعبارة العبرية " امة ها علام" أي الشعوب الأخرى، مقابل اليهود الذين يعتبرون أنسفهم في وضع متفوق..

ويرى فرنز بهل (F.Buhl) بأن كلمة "أمي" مشتقة من كلمة أمة التي تقابلها باليونانية كلمة لا يكوس (Laikos) أي الذي ليست له دراية بأمور الدين، ويضيف بأن محمد (ص) كان يجيد القراءة والكتابة، ولكنه لم يقرأ الكتاب المقدس، وإنما عرف مضامينه من خلال العلماء الذين كانوا يدرسونه..

أما المستشرق نللينو (Nallino) فيرى أن كلمة "أمي" من " امة" عربية بمعنى أن محمد مبعوث إلى العرب فقط.. متجاهلا ما جاء في القرآن الكريم (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الأعراف : 158

وقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا..) سبأ. (28)

وفيما يتعلق بكلمة الأميون الواردة في الآية 78 من سورة البقرة ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإنهم إلا يظنون) يرى سبرنجر وفنسك وبلاشير وبارت وغيرهم أنها مرادف لكلمة (Gentils) وهي ترجمة لكلمة جوا) (Goi العبرية، وفسروها بالذين لا يعرفون الكتب السماوية أما معنى الآية أي أنهم لا يعملون الكتاب إلا تلاوة وترتيلا، ويقول ابن تيمية (ت 728 هــ) بأن المقصود بقوله (ومنهم أميون) أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم، ولايدرون ما فيها.. وقوله (إلا أماني) أي تلاوة لا يعلمون فقه الكتاب، وإنما يقتصرون على ما يتلى عليهم. (30)

إن المعنى الأول لكلمة أمي يعني أن النبي (ص) ينتمي إلى امة لم يكن لديها كتاب تقرأه .

يقول تعالى : (وما كنت تتلو من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) العنكبوت 48.

إن الأمي مشتق من كلمة أمة بمعنى أمة كانت في مجملها أمية أي أن الكتابة تكاد تكون منعدمة بينهم.

يقول إسحاق الزجاج (ت 311هــ) بأن الأمي هو الذي ولد على خلقة الأم ( أي كما ولدته أمه) لم يتعلم الكتابة لأن الكتابة صفة مكتسبة، وكلمة "الأم" تعني كل ما كان أصلا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه، وكل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما (وإنه في أم الكتاب) الأعراف 4.

أي اللوح المحفوظ (لتنذر أم القرى ومن حولها) الأنعام 92.

( وأزواجه أمهاتهم) الأحزاب 6.

والأم قيل أصله أمهة لقولهم جمعها أمهات، والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما (دين أوزمان أو مكان واحد..) وجمعها أمم (إلا أمم أمثالكم) الأنعام 22 (كان الناس أمة واحدة) البقرة 213 (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله) النحل 120 أي قائما مقام جماعة في عبادة الله.

فالأمية إذن هي حالة من التقليد الاجتماعي والركود الفكري والجهل المعرفي والخمود الروحي، وعدم القدرة على القراءة والنفاذ إلى منطوق الكلام ومقاصده وإلى دلائل الألفاظ ومعانيها، تلك هي الأمية التي جاء النبي الأمي ليخرج الناس من ظلمات الجهالة إلى هدى أنوار المعارف ومعارج الفضائل.

لقد أجهد المستشرقون أقلامهم غاية الجهد في استقصاء الرسالة المحمدية ودلائل نبوته وذهبوا مذاهب شتى واتفقوا في الرأي والهوى بين تفسير الإيمان وتفسير العيان وتفسير المعرفة وتفسير الجهالة.

ولكن الشيء الذي لا اختلاف فيه مما يقبله العقل قبولا سائغا بغير عنت ولا إكراه هو أن محمد (ص) النبي الأمي كان مستكملا للصفات، التي لا غنى عنها، في إنجاح كل رسالة عالمية من رسالات التاريخ التي تدعوا إلى تحرير ضمير الإنسان وعقله.

ومن جملة القضايا الإستقصائية التي انصبت عليها المباحث الاستشراقية قضية تاريخ القرآن الكريم أي كل ما يتمحور حول جمع القرآن وترتيب السور والأسلوب القرآني..

ومن أبرز علماء الاستشراق الذين أنجزوا دراسات في تاريخ القرآن، (غوستاف فايل Weil) - (1885-1818) وتيودور نولديكه (1930-1836) وجولد زهير (1921-1850) ورتشارد بل R.Bell (ت1956) وبلاشير وغيرهم.

خص فايل القرآن الكريم ببحث عنوانه القرآن مقدمة تاريخية نقدية) استعرض فيه العقائد الإسلامية كما تم التنصيص عليها في القرآن (الوحدانية، والنبوة، والبعث، والحساب) وقام بدراسة مسألة ترتيب القرآن في المصحف العثماني، وقسم السور المكية إلى ثلاثة أقسام، واستنتج، من قراءته لتلك السور أن النبي كان يعرف القراءة والكتابة.. واعتبر أن القرآن هو نتاج البيئات اليهودية والمسيحية، في الجزيرة العربية، ومحيطها في القرن السادس الميلادي..، مع التأكيد على وحدة النسق القرآني، وانتظام عالمه الموضوعي والمصطلحي.. (31)

أخذ نولديكه من فايل، طريقته في تقسيم سور القرآن وترتيبها وقد تناول هذا الموضوع في أطروحته للدكتورة بعنوان (الأسلوب التركيبي للقرآن) سنة 1856 ثم نشرها في كتاب بعنوان تاريخ القرآن سنة 1860 ) وقد كلف تلميذه شفالي (schvvally) بمراجعته فقام بصياغته مراعيا في ذلك ما صدر من بحوث جديدة حول القرآن..

صدر الجزء الأول سنة 1909 وتوفي شفالي سنة 1919 فتكفل (أوغست فيشر) بإصدار الجزء الثاني سنة 1920 وأشرف المستشرق برغستراسر (Bergstrasser) على الجزء الثالث إلا أنه توفي سنة 1934 فقام اتو برتزل (Pertzl) بإكمال الجزء الثالث الذي صدر سنة 1937.

يتضمن الجزء الأول من تاريخ القرآن لنولديكه الأبواب التالية:

"نبوة محمد ومصادر نبوته، اثر اليهودية، والمسيحية فيه، مصادره المكتوبة والشفوية انتشار الكتابة العربية والكتابة المبكرة للقرآن، الناسخ والمنسوخ.." (32)

وقبل أن نعرض لأهم القضايا التي تناولها نولديكه في أطروحته التي تعتبر مرجعا أساسيا في البحوث الاستشراقية حول تاريخ القرآن وعلومه، تجدر الإشارة إلى ما قاله نولديكه في مقدمة الطبعة الثانية التي اشرف عليها شفالي :

- يقول نولديكه بأنه يود من العلماء أن يعيدوا النظر فيما ورد في كتابه وأنه كان يريد مراجعة الكتاب بنفسه بصورة ترضيه إلى حد ما، إلا أن أسبابا (صحية) حالت دون ذلك، فكلف تلميذه شفالي بذلك، فقام بقدر الإمكان بجعل الكتاب مراعيا، المستلزمات الحاضرة إلا أن الآثار الصبيانية الوقحة التي تسربت إلى الكتاب لا يمكن محوها بالكلية إلا بإعادة تأليف الكتاب من جديد "لأن بعض ما قلته حينذاك بقليل أو كثير من الثقة، انعدمت ثقتي به، لاحقا". (33).

يتضح مما قاله صاحب الكتاب أنه لم يعد واثقا من نتائج بحثه التي ضمنها كتابه..فما هي إذن خلاصة التحقيقات والآراء الواردة في الكتاب والتي لم تعد محل ثقة العالم والباحث المحقق بعد نصف قرن من إنجازه لأطروحته.

ينطلق نولديكه شأنه شأن جميع المستشرقين من أن نبوة النبي عليه السلام مستمدة من مواريث أنبياء بني إسرائيل.

والكتاب يندرج ضمن محاولة علمية لاستكشاف مضامين القرآن، بواسطة ربطها بشخص النبي..و ذلك من خلال طرح التساؤلات حول الظروف التاريخية التي أحاطت بنزول القرآن وروايته عبر التاريخ..

استخدم المنهج الفيلولوجي والتاريخي أي أنه مزج بين المنهج التاريخي وفقه اللغة بغرض إقامة رابطة سببية بين النص والحدث التاريخي..

فالفيلولوجي يعتبر أن النص مكون من ألفاظ، ومفردات وانه بإرجاع المفردات إلى أصولها، مقارنة باللغات السامية يمكن الوصول بالنص إلى اكبر قدر من الوضوح.

كما ان وضع النصوص في سياقها التاريخي يسمح باستجلاء الخطاب الذي تبشر به.

فالكتاب يركز على دراسة القرآن من شتى النواحي من خلال الوحي وطرق تلقيه ومكانه وتاريخ جمعه، وكيف نشأت رواياته المختلفة ورسمه.

فإخضاع النص القرآني للمنهج الفيلولوجي التاريخي قصد منه وضع قاعدة يمكن اعتمادها لوضع ترتيب زمني لسور القرآن ويعترف نولديكه بأن الترتيب الذي يقترحه إنما هو ترتيب تخميني استند في وضعه إلى بعض المصادر العربية القديمة كما اعتمد على تاريخ الغزوات في زمن النبي (ص) "بدر" و"الخندق" و"صلح الحديبية" وأشباهها من المعارك لفهم تاريخ ما نزل من القرآن فيها، وجعل أيضا اختلاف لهجة القرآن وأسلوبه الخطابي، دليلا آخر لتاريخ آيات القرآن .

أنكر نولديكه الروايات والأحاديث وأقوال المفسرين وعلماء المسلين في تاريخ القرآن وعلومه، ومع ذلك اعتمد في تقسيم السور على كتاب (أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي) من رجال القرن الخامس الهجري وقام بإدخال بعض التعديلات عليه، وقسمه إلى قسمين مكي ومدني.. (34)

والحقيقة أن المستشرقين لم يستطيعوا تجاوز منهج علماء المسلمين في هذا الصدد وذلك باعتمادهم على الروايات، والأسانيد الإسلامية، في ترتيب سور القرآن..

المستشرق "جريم" رجع إلى تلك الروايات في دراسته لترتيب القرآن، وتحديد المراحل الزمنية المتعاقبة على نزول الوحي، وسلك نولديكه منهج آخر في ترتيب سور القرآن يتمحور حول الأسلوب، وحول المواضيع الإجتماعية والدينية التي عالجها القرآن ومن هنا كانت محاولته تندرج ضمن الترتيب الموضوعي ولم يخرج عن التقسيم الذي قام به علماء المسلمين من تمييز بين المكي والمدني، حسب المعايير الزمانية والمكانية، كما قسمه موضوعيا، إلى أقسام ثلاثة، التقسيم المكاني المتعلق بالفترة المكية حيث انصب ترتيب القرآن على أسلوبه الذي اخذ بعين الإعتبار قصر السور، ووحدة أسلوبها واختصار معانيها وخلوها من السجع وأضاف نولديكه لهذه الأقسام بيان القرآن الذي نزل بالمدينة.(35)

لقد إنبهر المستشرقون بطريقة نولديكه في الترتيب الزمني للقرآن فأخذوا بمذهبه فقد ساير "جريم" نولديكه في تقسيمه للسور المكية إلى ثلاث فترات وإن اختلف ترتيبه نوعا ما فلدى نولديكه 90 سورة مكية و24 سورة مدنية، أما جريم فلديه 92 سورة مكية و22 مدينة.

أما وليام موير (Muir) فقد ضمن كتابيه "حياة محمد Life of Mohamed) والقرآن تكوينه وتعاليمه the Coran its composition and teaching) حيث وزع السور على خمسة مراحل ووضع ترتيبا زمنيا جاءت فيه 93 سورة مكية و21 سورة مدينة. (36)

واعتمد بلاشير في ترجمته للقران (1947) نفس ترتيب نولديكه وشفالي مع بعض الاختلافات الخفيفة. (37)

كما قام بلاشير في كتابه (مدخل إلى القرآن Introduction au Coran) بتلخيص النتائج التي توصل إليها نولديكه وتلامذته في هذا المجال . (38)

إن التصنيفات التي قامت بها المدرسة الألمانية للقرآن الكريم شغلت بال علماء الاستشراق فعلقوا عليها أخطر النتائج في الدراسات القرآنية، وقد أثبت هذه التصنيفات بما لا يدع مجالا للشك استحالة تصنيف القرآن خارج المنهجية التي سلكها علماء المسلمين حول ترتب القرآن ترتيبا زمنيا صحيحا يفوق الترتيب الذي قامت به المدرسة الألمانية..(39)

إن المنهج الذي اعتمده علماء المسلمين يرتكز على الروايات المتوافرة والأسانيد ثم على الاجتهاد دون النقل في التمييز بين السور المكية والسور المدنية، ثم رتبوا حسب تعاقبها في النزول وتوصلوا إلى مجموعة من المعايير لتمييز المكي من المدني، فالضوابط التي وضعها علماء المسلمين، في بيان السور المدنية وتحديد خصائصها فإنها تتلخص في كل سورة تتطرق إلى تفاصيل أحكام الحدود والفرائض والحقوق المدنية والاجتماعية والدولية والحربية وسائر ضروب العبادات والمعاملات، وأن كل سورة فيها دعوة لأهل الكتاب إلى الإسلام ومجادلتهم في عقائدهم ودعوتهم إلى عدم الغلو في دينهم فهي مدنية..(40)

إن تصنيفات المستشرقين القصد منها أن تكون مدخلا للطعن في صحة القرآن وتضارب تعاليمه وخضوعه لتقلبات الظروف الزمانية والمكانية والموضوعية التي تعالج مشاكلها وأمالها.. (41)

يركز المستشرق "لامس Lammens" في كتابه (الإسلام –L islam) على مسألة الأسلوب للتمييز بين المكي والمدني، فيرى بأن السور المكية تمتاز بإيجاز الأسلوب وتقطع في الآيات مع تقطع في الأنفاس، وهما يؤديان أحيانا إلى عدم اكتمال المعنى في الجملة الواحدة، ويتشابه أسلوب الشجع المميز بها بأساليب الكهنة العرب، ووصفها ليوم القيامة بطريقة درامية مخيفة وإجمالا فإن الأسلوب الخطابي هو المسيطر على القرآن المكي في الفترة الأولى أما في الفترة الثانية فيرى (لاماس) بانها تتميز بالأساطير الإنجيلية، وبإيراد قصص الأنبياء السابقين ومصير أقوامهم، كما أن السور أصبحت تطول وأصبح سجع الكهان أكثر وضوحا وتماثلا للنثر العربي، ويقول عن السور المدنية بأنه من السهل التعرف عليها وتمييزها عن السور المكية، سواء من حيث الشكل أو الموضوع، فمن حيث الشكل أصبح أسلوبها يقترب من النثري العادي وإبتعد أسلوب السجع المكي، كما أن النغم قد تغير عما كان عليه بمكة فأصبح أكثر تناسقا وإنصب الهجوم في الفترة المدنية على اليهود والمنافقين كما إحتلت الخطب والأوامر العسكرية مكانا بارزا. (42)

وتناول المستشرق بلاشير مسألة جمع القرآن وتدوينه، ويرى أن التدوين لم يكن صحيحا تماما، فسقطت آيات كثيرة منه، كما أن أدوات الكتابة وما كان يكتب عليها، قد تم بدون ضبط، أو نظام، مما عرض بعضه للضياع..

ويزعم بأن المرحلة الثانية لتدوين القرآن بعد وفاة الرسول، أن الجمع لم يتجاوز ما كان في صدور الحفاظ..وبمبادرة شخصية، من بعض الصحابة ويعني ذلك أن جمع القرآن وتدوينه لم يتم بطريقة علمية صحيحة، إلا عند الخطوة التي اتخذها الخليفة الثالث عثمان بجمع القرآن بطريقة منظمة وعلمية وأكثر شمولا، إلا أن غياب النقط والرسم أدت إلى اختلاف في قراءة النص..كما أن الأحرف السبعة وضعت من أجل الحفاظ على وحدة النص القرآني، ولم تؤدي إلى القضاء تماما على اختلاف القراءات.

ويذهب بلاشير إلى أن المرحلة النهائية في تدوين النص القرآني تمت في العهد الأموي وذلك فيما يتعلق برسم القرآن ونقطه وقد اقتضى الأمر بعد ضبط القرآن حذف بعض الآيات التي تمجد عليا وأهل البيت لأسباب سياسية.(43)

     وفي نفس السياق قدم المستشرق جولد زيهر في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) قراءة تحليلية تاريخية، لمذاهب التفسير الإسلامي للقران الكريم، في مختلف العصور محاولا استخلاص بعض الفرضيات..، الغاية من ورائها التشكيك في صحة النص القرآني ونقض ما هو مشهور ومتداول لدى المسلمين عن تاريخ القرآن. يقول" لا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا، على أنه نص منزل أو موحى به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في النص القرآني".(44)

     هكذا يتبين بوضوح الموقف المسبق وسوء النية، فوصف النص بالإضطراب وعدم الثبات ينم عن جهل بالتناسب البياني والنظم المعنوي والصوتي في القرآن الكريم، كما ركز على موضوع القراءات السبع، معتبرا أنها مظهر للتفسير القرآني، في صدر الإسلام، وأنها دليل على اضطراب النص واحتماله لأكثر من وجه، فخلط بين الأحرف والقراءات وربط الاختلافات في أوجه القراءات إلى الخط العربي والرسم الذي كتب به المصحف العثماني..

     إن الرسم الذي كتب به المصحف هو الخط الرسمي المتداول العملي وقد تم تأليف لجنة مكلفة من الخليفة عثمان على رأسها (زيد بن ثابت) وكانت المهمة في جوهرها إخراج كتابي للنص القرآني من حرف واحد، موحد من أحرف النزول ( إنه حرف فيه تفاعل بني القحطانية والعدنانية، لغة قوامها القريشية السائدة، إنما هو انتخاب لساني، يستبقي الأصلح والأمثل،..وعن المصحف الإمام أخذت المصاحف جميعا وصار هذا المصحف برسمه وخطه ومنطوق حرفه هو المرجع قديما وحديثا عن كل بحث أودرس أو تاريخ للقرآن.(45).

وخلاصة القول أن الإضطراب هو الذي وقع فيه جولد زيهر وبلاشير وغيرهم من المستشرقين وما قاموا به من إسقاطات على النص القرآني خارج إطار المنهج العلمي، والضوابط الصارمة التي وضعها علماء القرآن، سواء تعلق الأمر بتدوين القرآن أو رسمه وذلك وفق المنهج الذي يضع القواعد لقراءة القرآن قراءة صحيحة.

وإنما يعرف القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، وافتتانها في الأساليب، بحيث تكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل، وكثرة الحشد وجلالة المقام.( 46)

إن منهج النفي الذي اتبعه هؤلاء كان الغرض منه نفي الحقائق والوقائع المرتبطة بنزول القرآن الكريم، وذلك من خلال إثارة الشكوك إلى حد إلغاء.

ويقول في هذا الصدد " اميل درمنغهم Dermenghem) في كتابه "حياة محمد" لقد غالى بعض هؤلاء المتخصصين من امثال (موير ومرجليوت ونولديكه وسبرنجر ودوزي وغريم وجولد زهير) وغيرهم، في النقد أحيانا، فلم تزل كتبهم عامل هدم ونفي على الخصوص ولا تزال النتائج التي إنتهى إليها المستشرقون سلبية وناقصة (47).

ولعل أبلغ مثال على التخبط والقصور في معالجة المستشرقين للنص القرآني، من زوايا النظر المتعددة..، ما انتهى إليه ريتشارد بل (R.Bell)من نتائج بعد أن خاض فيما اسماه بالترتيب النقدي لسور القرآن، فقد تراجع لإقراره لصعوبة الترتيب الشامل لسور القرآن ترتيبا زمنيا، كما تراجع أيضا عن أطروحته التي تركزت على الأسلوب بإعتباره المعيار الأدق في التوصل إلى تاريخ تقريبي للسور، إلا أن المتأمل للأطروحات الاستشراقية حول القرآن سوف يدرك من غير عناء أن القصور يكمن في المنهج الفيلولوجي التاريخي الذي اعتمدته المدرسة الألمانية وتطبيقه قواعده، بتعسف على النص القرآني، دون مراعاة لطبائع النص ولخصائصه الأسلوبية، وما تنطوي عليه ألفاظه من معاني عميقة وخصائص معرفية وتجليات روحية.

لقد ذهل المستشرقون عن كل هذه الحقائق وذهبوا يلهثون وراء تحليل الألفاظ والمفردات وتفكيكها ومقارنتها باللغات السامية بحثا عن حجة، تفند صحة وحقيقة النص القرآني، فالمعضلة إذن ناتجة عن عدم اختيار المنهج الأشمل الذي يمكن من فقه مختلف الأبعاد دفعة واحدة، (فالعبرة بطريقة الدلالة لا بالدلالة نفسها).

فالمنهج هو الذي يرسم ملامح وحدود المعنى، وليس مجرد البحث عن الدلالة عينها.(48)

المنهج هو قواعد للتفكير وضوابط للبحث تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ إذا مارس التفكير، وتقوده لبناء المقدمات الصحيحة للوصول بها إلى النتائج السليمة.

والمناهج إنما هي الطرق أو الأدوات أو العمليات الذهنية التي تستخدم في التفكير وفي السعي للوصول إلى الحقيقة المعرفية، ويتوسل الباحثون بها إلى تحليل المعلومات، وجمع الحقائق وتفسيرها وفهمها إضافة إلى القدرة الإدراكية على تحديد خواص الخطاب ووسائله وأساليبه.

ومن هذا المنطلق فان الخطاب القرآني يتمثل فيما بين دفتي المصاحف من سور وآيات تدل عليه الألفاظ المضمنة في آياته فكأن الآيات دال والمعنى مدلول عليه، فالمعنى والمدلول هما المعرفة أو الوعاء المعرفي الذي نسعى للوصول إلى المعرفة الكامنة فيه والكشف عنها.

والألفاظ هي علامات الإشكال الصوتية، والإيقاعية للمعنى، واللفظ علامات دالة على ذلك المعنى بمستويات مختلفة، ومهمة المنهج توظيف ما يحتاجه منها باعتبارها وسائل وأساليب للوصول إلى المعنى وإلى الحقيقة الكامنة فيه، التي تجعل اللفظ علامة دالة عليه فللفظ قواعد مضبوطة في التعبير عن المعنى لا يجوز إغفالها ومن خصائص النص القرآني انه جمع فنون المعاني والحقائق، ويتميز أيضا بوحدته البنائية والتنظيمية وترتيبه التوقيفي فهو كتاب عقيدة وشريعة يخاطب الضمير ويحث على التفكير والتدبر والنظر وقد قام ابن رشد باستنطاق المعنى المجازي عبر عملية التأويل في الإطار الكلي لمضامين القرآن الكريم، ويعتبر مبدأ الكلية من أهم مرتكزات علم التأويل. (49)

ويعتبر المنهج من الكليات لأنه يجمع بين القراءتين (قراءة الوحي، وقراءة الكون)إن فهم القرآن يتجدد بفهم مصطلحاته ومفاهيمه وفق الرؤية الكونية والحضارية.

التي تنطلق من رحابة المعتقد واتساع دائرته وسموه الأخلاقي وهو الذي يجعل للعقيدة الإيمانية مهمة عالمية وإنسانية.

فالقرآن يحرر الإرادات الاجتماعية، من كل العوامل التي تكبلها وتمنع انطلاقها في أفاق أرحب، إن الدور الكوني للإنسان مرتبط بفهم العلاقة بين الوحي والتاريخ..، ويتجلى ذلك في المنهج القرآني، الذي يربي النفوس وينظم النشاطات ويقوم السلوكات ويصلح العلاقة بين الكائن الإنساني والكون الذي يعيش فيه، وما قد يشجر في العلاقة بينهما.

فالدين من لوازم الحياة البشرية، ومنه يستمد الإنسان معنى الحياة وموضوع الوحي صلاح العقيدة الذي تستمد منها الجماعات البشرية حاجتها من الدين الذي لا غنى عنه والذي يسمح بالحركة الدائمة مع ثباته كما تسمح النواميس الكونية.

ان تجديد المعنى والفهم للقرآن الكريم، يؤشر إلى مواكبة الشرع للحياة، واستعصائه على التقادم واستجابته لمقتضيات حركة الزمن وكل من سبر أغوار البنية الداخلية للنص فإنه يحيط بكل اضاءات المعنى الأمر الذي يسمح ببلورة نظرية معرفية، تتيح إمتلاك حس إجتهادي فقهي متسق مع روح المقصد القرآني العام..( 50)

القرآن كتاب يرسم منهجا للحياة ويخاطب العقل والقلب وهو دستور الدعوة الإسلامية وروحها وباعثها وحارسها، وترجمانها، يربط بين قواميس الكون ونواميس الفطرة في تناسق تام يقول الأديب الرافعي في كتابه ( إعجاز القرآن) بان الطاعنين في القرآن الكريم يجهلون اللغة العربية وأسرار البيان وجهلهم هو الذي أضلهم وجعلهم يرون القرآن كلاما يجرون عليه الحكم الذي على غيره كما يظن الجاهل الذي ليس في نظره معان عقلية كل صورة ككل صورة وكل حصاة ككل جوهرة..

وغني عن البيان أن العلم القرآني يتطلب قاموسا " لسانيا معرفيا" يستند إلى تجديد دلالات الألفاظ فالمرجعية المعرفية تحيل إلى ثلاثة أمور في عملية توصيل دلالات المفردة، فهناك الكلمة وهناك الأمر الذي يشير إليه وهناك التصور العقلي المشكل عن هذا الأمر في الذهن، وذلك خلافا للتصور التقليدي لفقه اللغة والمعاني..

فاللغة إذن ليست مجردة كلمات دالة على مسمى، دون وسيط مشكل للتصور الذهني، فالكلمة تستدعي تصورا معينا مقيد في دلالته ..

والقرآن ينحو في دلالة المفاهيم إلى الضبط على غير ما هو سائد وشائع ..

ومن ثمة فإن عدم إدراك الخصائص المعرفية للخطاب القرآني ستقود حتما إلى الخلل في دلالات الألفاظ والمعاني، وبالتالي إلى ما هو أخطر وهو نفي عالمية الدين، وحقيقة الشريعة والمنهاج .. (51)

وقد سعى مفكرو الاستشراق إلى نفي حقيقة الوحي المحمدي وذلك من خلال قراءات وأطروحات " تؤنسن" النص القرآني أي أنهم يحاولون إرجاع النص الإلهي إلى نص إنساني، كما يقومون   ب" أرخنة " النص أي يجعلونه نصا زمنيا، بحيث تفقد الأحكام الواردة في القرآن قيمتها الإجرائية فضلا عن قيمتها التشريعية..

كما يتناولون النص من منظور "عقلاني" يرفض كل ما يتجاوز العقل المجرد من مضامين ودلالات غيبية.

وهكذا يرد النص القرآني إلى ما هو بشري وعقلي وتاريخي، بحيث يصبح مجرد نص من إنتاج العقل العربي.. (52)

إن المنهجية القرآنية ترجع الأفكار والاتجاهات ومحتوى الثقافات إلى أصولها البنائية، التي تحدد دلالتها، وذلك بضبط العلاقة بين البناء اللفظي وتركيبه ..

فالمنهجية تعطي المعنى الناظم الكلي لأفكار وأشكال الوعي والمعرفة، وإيجاد قواعد للتفكير وذلك انطلاقا من وحدة الكون الطبيعية والإنسانية معا. (53)

لهذا قرن الوحي المنهج بالشرعة ( شريعة تنظم الحياة وتحقق العدل بين الناس..) .

فالوحي إذن شريعة مقترنة بمنهاج، يوضح ويبين طريقة تطبيقها وتشكيل الحياة بمقتضاها بجوانبها كلها، بحيث يعصم الذهن من الخطأ في التفكير ويلهمه بناء مقدمات صحيحة للوصول إلى نتائج سليمة..

لقد أطلق القرآن العقل البشري من عقاله وحرره من سلطان الكهانة والسحر، ومنحه القدرة والجرأة على التفكير والاجتهاد والإبداع..

الهوامش:

1- العقيدة والشرعية ايجانس جولدزيهر، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرون، المركز القومي للترجمة، ط: 2013/ العنوان الأصلي للكتاب، (محاضرات في الإسلام) ص:4

2- يرجع إلى ترجمة الدكتور أنيس عبد الخالق محمود: المستشرقون للأستاذ جان دي جاك وارد نيرغ، نقلا عن موسوعة الإسلام الطبعة الثانية(Encyclopedia of Islam).

3- د- عبد الرحمان بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه- المدبولي الصغير- ط1، ص: 7.

4- د. حسن عزوزي : آليات المنهج الاستشراقي في الدراسات الإسلامية، ط: 1، 2007، ص: 16-17.

5- د. محمود حمدي زقزوق (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري ) كتاب الأمة، ط: 1، ص: 77.

6- دفاع عن القرآن مصدر سابق، ص: 8

7- د. ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي في الظاهرة الاستشراقية وأثرها في الدراسات الإسلامية، جزء1، دار المدار الإسلامي 2002، ص: 169

8- المصدر السابق، ص:165

9- نفس المصدر السابق، ص: 283

10- نفس المصدر السابق، ص: 270

11- نفس المصدر السابق، ص: 292

12- نفس المصدر السابق، ص: 299

13- نفس المصدر السابق ص: 300

14- نفس المصدر السابق ص: 303

15- عباس محمود العقاد / حقائق الإسلام وأباطيل خصومه دار الكتاب العربي ط:3/ 1966/ص: 389.

16- الشيخ محمد فاضل بن عاشور / ومضات الفكر / الدار العربية للكتاب ط:1/1982 ص: 21

17- المصدر السابق ص: 23

18- المصدر السابق ص: 15

19- عباس العقاد، الفلسفة القرآنية ص: 28.

20- د. محمد عبد الله دراز مدخل إلى القرآن ترجمة محمد عبد العظيم على دار العلم ط: 5، 2003، ص: 15.

21- نولدكيه تاريخ القرآن، نقله إلى العربية جورج تامر منشورات دار الجمل، ط: 1، 2008، ص: X

22- المصدر السابق، ص:XI

23- دفاع عن القرآن، ص:27

24- المصدر الساق، ص: 28

25- المصدر السابق ص: 42

26- المصدر السابق، ص: 50

27- د. محمد المنتار : خصوصية النسق المفهومي القرآني مجلة الأحياء عدد 27، فبراير 2008.

28- دفاع عن القرآن ص: 17-18

29- المصدر السابق، ص: 21

30- محمد الغزالي: كيف نتعامل مع القرآن في مدارسة مع عمر عبيد حسنة، نهضة مصر، ط: 2، 2002، ص: 12.

31- رضوان السيد، جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة نشر الفنك ط: 1، 2000، ص: 10

32- نولديكه تاريخ القرآن ص:11

33- المصدر السابق، ص: xxvII

34- تاريخ القرآن تأليف أبي عبد الله الزنجاني دار المعارف للطباعة والنشر تونس، 2012، ص: 114

35- نقد الفكر الاستشراقي مصدر سابق، ص: 345

36- دفاع عن القرآن مصدر سابق، ص: 119

37- تجدر الإشارة إلى أن بلاشير رجع إلى ترتيب المصحف في طبعة 1956 انظر: R.Blachére : le coran/ ed maison neuve –larose / et 2005

38- R.Blachére introduction au coran/ ed maison neuve –1991/P :VIII.

39- د. صبحي صالح مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملاين ط: 16، 1985، ص: 180

40- المصدر السابق، ص: 183

41- نقد الاستشراق مصدر سابق، ص: 345

42- المصدر السابق، ص: 350-349

43- المصدر السابق، ص: 318-319، يرجع كذلك فصل: la science des lectures et la fixation définitive de la vulgate. R.blachere- introduction au coran-op-cit-p :112-135.

44- جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي ترجمة د.عبد الحليم النجار، دار اقرأ، ط:5 1992، ص: 4

45- الشيخ أمين الخولي: عن القرآن الكريم، في التنوير الإسلامي، 51 نهضة مصر، 2000،ص: 45-46

46- ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم، تأويل مشكل القرآن، ط: 2، دار التراث 1973، ص: 12

47- آليات الاستشراق في الدراسات الإسلامية مصدر سابق، ص: 45.

48- حسن باير، المقاصد الكلية للشرع ومناهج التفسير مؤسسة الفرقان سلسلة المحاضرات 4 ط/1، 2007، ص: 17.

49- المصدر السابق، ص: 36

50- المصدر السابق، ص: 43-44.

51- محمد أبو القاسم الحاج حمد، منهجية القرآن المعرفية دار الهادي، الطبعة1 -2003 ص98-99.

52- د. طه عبد الرحمن، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1-2013، ص 160-161.

53- منهجية القرآن المعرفية، مصدر سابق، ص 336.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

إشكالية اللفظ والمعنى في القرآن ، إشكالية منهاجية وإشكالية واقعية إذ ثمة فرق بين اللفظ والمعنى ، ودعني أقول لم اللفظ في القرآن من طبيعة الوحي إنه لفظ مرتبط باللسان العربي ، وهذا يدل على أن اللفظ هو القالب الذي صب فيه المعنى الذي جاء وحيا ، أعني إن القرآن لم يأتي باللفظ ولكنه تنزل بالمعنى والرسول أو قل النبي هو من تبنى صب المعنى في اللفظ العربي المناسب ، وهذه الإشكالية تثير جدلا في المبنى وفي المعنى ولهذا أختلط في ذهن الدارسين الكيفية التي يجب فهم المعاني من خلالها ، حتى تهرطق البعض فقال بأن القرآن حمال أوجه هروبا من هذه الإشكالية ، لهذا لم تكن دراسات المستشرقين على ما هي عليه إلآ تنوير وتنبيه يراد منه الفهم في لغة القرآن ومعنى هذه اللغة بحسب الوضع والرسم اللاحق ، وعلى كل حال فمقالكم الطويل مفيد ولكنه مبالغ فيه أو إنحيازي بدرجة ما

سليم الدره
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2940 المصادف: 2014-09-23 02:24:28


Share on Myspace