 دراسات وبحوث

شبهة ضرب الزوجات

fadil alshimariمن القضايا المثيرة للجدل بين الفقهاء والمفسرين وبين المفكرين في زمن التحرر من التخشب الفقهي والجمود على النص هي قضية ضرب المرأة فهي قضية صراع رواسب الموروث والعرف ضد توجيهات المنهج الاسلامي، اضافة الى انه اثيرت هذه الشبهة حول الإسلام وذلك بالادعاء أن القرآن يبيح للزوج ضرب الزوجة فالفقهاء والمفسرون حاولوا ان يعطوا تبريرا وتوضيحا لكلمة الضرب والمفكرون يحاولون ان يعطوا تأويلا وكلما تعمقنا في البحث ازدادت الفجوة بينهما فكل يدعي الوصل بليلاه وكل يدعي الحقيقة ولكن الفرق بينهما ان الفقيه يحكمك بقانون الماهية أي انه يفرض عليك ان تكون كما هو اما المفكر فلا يحكمك بشيء بل يترك لك الباب مفتوحا للاستنتاجات العقلية ومحاولة استنطاق النص القرآني، والعقل عند الفقيه أو المفسر يسير مسار النص أي في مستوى ما يمكن التفكير فيه فيكون محدودا، اما العقل عند المفكر فيسير في مسار ما يمكن التفكير فيه وفيما لا يمكن التفكير فيه، والسجال بينهما مستمر. ولا بد ايضا من الآخذ بنظر الاعتبار ان المفسر ليس قرآن بل هو رأي يعتمد على مدى رجاحة عقل المفسر ومستواه المعرفي متأثرا بعوامل عديدة فالقرآن نص واحد، وان تباين التفاسير لا يقدح في ثبات النص وقدسيته انما يعني اختلاف العقول المنتجة لها، ولذلك نجد ان لكل عصر تفاسيره ولغته وتوجهاته وخصوصياته ففي زمن كانت البلاغة القرآنية هي الطاغية على التفسير وفي زمن آخر كانت الفلسفة وعلم الكلام وفي آخر كانت القصص والتاريخ وفي زماننا بدأ التوجه الى المادة العلمية المتوافقة مع الحركة الابداعية في الاكتشافات العلمية مع عدم انكار الاستفادة من تفاسير المفسرين المتقدمين والمتأخرين .

اما المعادون للإسلام فليس لديهم أي هم سوى النيل من الاسلام ومحاولة تشويه سمعته والنفوذ الى القضايا التي تثير الجدل والضبابية واتباع ما تشابه منه وبالخصوص قضايا المرأة لما يحمله العرف من سلبيات وموروثات حمّلت على الاسلام عنوة ومنها قضية الضرب هذه وادعوا بضرورة تعطيل النص الشرعي لعدم مسايرته للواقع، وعدم صلاحيته لعصر تحرر المرأة ونهضتها مستدلين بذلك بالقرآن الكريم وبالتحديد بالآية 34 من سورة النساء التي يقول فيها الحق سبحان: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) وهؤلاء يحاولون تشويه الإسلام من خلال قضايا المرأة، وفي البداية أحسست باستغراب وحيرة وخصوصا بعد ان جائني احد الاصدقاء وبرر لي موضوع الضرب للمرأة على انه امر الهي مكتوب في القرآن حين عصيان الزوجة لزوجها وحين بادرته بان الضرب بغصن وردة او بالمسواك المتعارف اجابني بان الانصراف الذهني لا ينهض لمثل هذا التفسير بل الضرب الذي يؤدى به الغرض والنفع، وازدادت حيرتي وقلت هل حقا يقر القرآن مسألة ضرب المرأة؟ لم تقنعني كثيرا من الآراء والتفسيرات الواردة حول الموضوع ما دفعني للبحث في كتب الفقه والتفسير والتطلع على اراء المفكرين وخلصت في النهاية الى ان كلمة الضرب الواردة في القرآن الكريم انما هي مشترك لفظي وردت بمعان كثيرة جدا وليس شرطا ان تكون ما انصرف اليه الذهن وخصوصا في المجتمعات المتأثرة بموروثها الاجتماعي والسيكولوجي المقيت الذي لا يمت بالإسلام صلة ولا بالعقل الموضوعي الحر.

وباختصار أقول ان الله تعالى خلق الإنسان وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، وأراد أن يكون الرباط الذي يجمعهما قائما على المودة والرحمة وحسن العشرة وحفاظا على هذا الرباط وضع عقد الزواج الذي سماه القرآن بالميثاق الغليظ واستمرارا للمعاشرة الطيبة بين الزوجين، بيّن الحق سبحانه الحقوق والواجبات المتبادلة بينهما وجعلها قائمة على الود والتراحم والاحترام المتبادل وتوالت التوصيات الربانية والأحكام القرآنية المتعلقة بالزواج تطغى عليها عبارات مثل المعروف، الإحسان، التقوى وغيرها إلا أنها لم تسلم من طعنات ودسائس الكارهين للوحي الإلهي الذين لم يتوانوا عن البحث عن ثغرات – في نظرهم - ليكشفوا من خلالها عن أحقادهم وأغراضهم الدنيئة.

والآية الكريمة موضوع البحث حسب الفهم السلبي المتعارف حضّت على ضرب الزوجة وأعطت الحق للزوج في تأديب زوجته الناشز بالموعظة، ثم الهجران في المضاجع، ثم الضرب غير المبرح إن لم ينفع الوعظ والهجران. لكن مع ذلك كثرت الأقوال في الآية الكريمة واختلفت، وأثيرت الاتهامات وتعددت بين من يدافع عن حق الرجل- مبالغا في تحديد معنى الحق- في تأديب زوجته وضربها إن تطلّب الأمر ذلك، وبين من يحاول تأويل النص القرآني وبين من يقول بتعطيله بدعوى عدم مسايرته للواقع .

وسأحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على المعاني السامية والدقيقة في هذه الآية (34) من سورة النساء – موضوع البحث - والتي تتلاءم مع روح الشريعة السمحاء والفهم الصحيح لشبهة ضرب الزوجة الوارد في القرآن الكريم.

 

1- النصوص القرآنية

المتتبع للنصوص القرآنية يلاحظ انها تدعوا الى تنظيم شؤون الاسرة واقامة العلاقات الزوجية على اساس ثابت من موحيات الفطرة والانسانية وحمايتها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية لحماية الاسرة وحماية المجتمع من انتشار الفاحشة والاستهتار بالحرمات ووهن الروابط العائلية كقوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وآيات كثيرة لا يفرق فيها القرآن بين الرجل والمرأة إلا في مواضع قليلة كالشهادة والميراث وحتى في اشد الحالات فالنص القرآني يأمر بالصلح لا بالضرب (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) النساء 35 . اضافة الى ذلك كيف يتأتى للاسلام ان يصلح بين زوجين ويقول له اضربها فهل يصلح الضرب للعلاقة بين الزوجين وحتى لو تنزّلنا وقلنا ان المقصود من الضرب في الآية هو الضرب غير المبرح كالضرب بالمسواك فهو كلام غير منطقي ايضا لان المقصود من الضرب اذا كان الاهانة وهو متحقق حتى في الضرب غير المبرح، ونلاحظ ذلك المعنى في المنهج الاسلامي حين يستعرض القرآن قصة نبينا أيوب (ع) حينما حلف على امرأته لأمر او فعل او قول انكره عليها لئن عوفي ليضربنها مائة جلدة فجاءه الأمر الإلهي أن (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) فبعدد ما حلفت به (فاضرب به) ولم يقل (اضرب به زوجتك) وإنما اضرب به دفعة واحدة، فإنك إذا فعلت ذلك، زال الغضب وبَرَّتْ يَمِينُكَ (وَلا تَحْنَثْ) أي ولا تحنث في يمينك قال القرطبي الضغث عيدانٌ رطبةً، أو ما يجمع من شيء مثل حزمة الرطبة، بما لا يتجاوز ملء الكف من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق.

ولذلك لا بد من الانصراف الى المعاني الاخرى غير المعنى المتبادر - ايقاع الشيء على الشيء - والذي يخلق لنا اشكالات عند تفسيرنا لمثل هذه الآية نحن في غنى عنها وما دام الباب مفتوحا والنص قابل للتفسير بمعنى آخر فما المانع من الأخذ به وتبنيه.

 

2-سيرة الرسول

من المتعارف ان المرجع عند نشوب أي خلاف هو الرجوع للسنة النبوية في افعاله واقواله وتقريره وفيما يخص ما نحن بصدده لم نجد في تاريخ السيرة النبوية ما يؤيد الضرب حتى في اشد الحالات كما هي في حادثة الافك وملخص القصة كما ورد في التفسير الكبير للقرطبي: (حينما خرج رسول الله في غزوة بني المصطلق وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش فلما فرغت من شأنها اقبلت الى الرحل فلمست صدرها فاذا عقد من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه فوجدته وانصرفت فلما لم تجد احدا وكانت شابه قليلة اللحم فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بنزولها منه فلما لم تجد احدا اضطجعت في مكانها رجاء ان تفتقد فيرجع اليها فنامت في الموضع ولم يوقظها الا قول صفوان بن المعطل : انا لله وانا اليه راجعون وذلك انه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش فوقع اهل الافك في مقولتهم وكان من اشعل الفتيل عبد الله بن ابي بن سلول المنافق فقال حين رأى صفوان آخذ بزمام ناقة عائشة : والله ما نجت منه ولا نجا منها ثم قال امرأة نبيكم باتت مع رجل) فمع ان الحادثة تدعو الى سوء الظن فان رسول الله لم يغضب على عائشة ولم يخاصمها بل صعد المنبر وقال ان بعضكم يؤذيني في اهل بيتي ثم تلا ما نزل به من القران الكريم (ان الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) سورة النور الآية 11 الى قوله تعالى (يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا ان كنتم مؤمنين) الآية 17 .

وكــذلك ما فعله رسول الله حينما ترك بعض ازواجه شهرا حتى نزلت الآيات 3-5 من سورة التحريم (وإذ اسر النبي الى بعض ازواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير، إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وأن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ازواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) وملخص القصة كما ورد في التفسير الكبير للقرطبي ان النبي (ص) أسر الى حفصة حديثا يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك ولكن حفصة أخبرت به عائشة فأظهره الله عليه مع كره رسول الله (ص) ان ينشر ذلك. وفيه ان ابو بكر وعمر استأذنا رسول الله (ص) في ضرب عائشة وحفصة فلم يأذن لهم رسول الله (ص) ولو كان الضرب جائزا ومسموحا لاجازه الرسول (ص) ولكنه بعكس ذلك كان يوصي بعدم الضرب ويقول لاصحابه كما ينقل عبد الله بن زمعة : (لا يجلد احدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر يومه ) وفي حديث آخر : (لا يضربن احدكم زوجته ثم يضاجعها لآخر الليل بلا حياء فليستح من الله). وعن معاوية بن حيدة القشيري قال : قلت يا رســول الله ما حــق زوجة احدنا عليه قال : ان تطعمها اذا طعمت وتكسوها اذا اكتسيت او اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت. رواه ابو داود (2142) .

فمن اراد التفسير فليفسره بسنة رسول الله (ص) لا بسلوك بعض المسلمين ولم يردنا من رسول الله حتى في ضرب أمة أو عبد فضلا عن ضرب الحر أو الحرة وقد روى النسائي وابن ماجة وابو داود عن النبي (ص) انه قال : (لا تضربوا إماء الله ) وعنه ايضا : (خيركم خيركم لأهله وانا خيركم لأهلي) وكذلك وردت روايات مستفيضة عن الرسول (ص) كقوله: (انما النساء شقائق الرجال) فكثير من سلوك المسلمين مخالف لحقيقة الاسلام بل سلوكهم نابع من البيئة الاجتماعية والتربوية بحيث ان الدين استخدم لتحقيق المآرب سواء الشخصية او السياسية .

وعلى هذا الاساس لا بد من فهم آخر للنص القرآني ينسجم مع روح الشريعة ويتوافق مع سيرة الرسول الكريم باعتباره مشرع وهو اولى بالالتزام بالنص ونحن اولى بالالتزام بسيرته وبنص كلام الله تعالى.

 

3-الضرب مشترك لفظي

ان المنصرف الى الذهن حينما نسمع كلمة ضرب هو ايقاع شيء على شيء ولكن حين التتبع نجد ان لفظ ضرب مشترك لفظي له معان كثيرة جدا وكان بالإمكان تقسيم العنوان الى عدة اقسام، الضرب من حيث اللغة او من حيث المصطلح او من حيث الخطاب الديني ولكن اختصارا للبحث حاولت ان ادمج هذه الاقسام في قسم واحد باعتبار ان بحثنا هو رؤية من ناحية النص القرآني بالخصوص.

فقد ورد في القرآن الكريم معان كثيرة للفظ الضرب وسنرى ان احد هذه المعاني ستكون اكثر ملائمة لما سنطرحه من تفسير للآية موضوع البحث.

فمن تلك المعاني:

1-ورد الضرب بمعنى الترك او السفر وكما جاء في لسان العرب: ضرب في الارض أي خرج فيها تاجرا أو غازيا أو مسافرا وقيل ذهب فيها وقيل سار في ابتغاء الرزق والطير الضوارب : التي تطلب الرزق قال تعالى (للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا وما تنفقوا من خير فان الله به عليم ) سورة البقرة 273 فالضرب بمعنى السفر، وقوله تعالى: (واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة) سورة النساء 101 وهنا المعنى اوضح أي اذا سافرتم ولذلك يقال ضرب في الارض : اذا سار فيها فهو مسافر فهو ضارب وأيضا قوله تعالى: (يا ايها الذين امنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم او ءاخران من غيركم ان انتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ان ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا أذا لمن الاثمين) سورة المائدة 106 أي بمعنى سافرتم.

ويضيف صاحب لسان العرب ان الضرب يقع على جميع الاعمال الا قليلا وضرب في التجارة وفي الارض وضرب في سبيل الله أي هاجر في سبيل الله . وضاربه في المال من المضاربة وهي القراض والمضاربة ان تعطي انسانا من مالك يتجر فيه على ان يكون الربح بينكما او يكون له سهم معلوم من الربح وكأنه مأخوذ من الضرب في الارض لطلب الرزق ويستدل بقوله تعالى: (يا ايها الذين امنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم اذا ضربوا في الارض او كانوا غزى لو كانا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) آل عمران 156 وقوله تعالى: (علم ان سيكون منكم مرضى وأخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا من تيسر منه) المزمل 20 .

ويقال فلان يضرب الارض أي يكسبه ويطلبه . وضربت الطير : ذهبت . وفي الحديث لا تضرب اكباد الابل إلا الى ثلاث مساجد : أي لا تركب ولا يُسار عليها. يقال ضربت في الارض اذا سافرت تبتغي الرزق. والطير الضوارب المخترقات في الارض الطالبات ارزاقها.

وجاء في كتاب مقاييس اللغة الضرب في الارض تجارة وغيرها من السفر. وايضا جاء في كتاب الصحاح في اللغة: ضرب في الارض أي سار في ابتغاء الرزق.

2-وتأتي كلمة الضرب بمعنى الانفصال والمباعدة والمفارقة مستفيدين من آيات القرآن في اتخاذ هذا المعنى وكما نعلم فان القران يفسر بعضه بعضا، قال تعالى: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) الحديد 13 أي فصل بينهم بسور. وياتي بنفس المعنى ضرب الرقاب والمباعدة كما في قوله تعالى: (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق ) محمد4 أي المباعدة بين الرأس والجسد، وقوله تعالى: (فاوحينا الى ام موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء 63، أي باعد بين جانبي الماء.

3- وتأتي بمعنى التجاهل كما في القول المعروف : ضُرب به عرض الحائط أي اهمله وأعرض عنه احتقارا.

4- وتأتي بمعنى الانصراف او الاهمال أو الاعراض كما في قوله تعالى : (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) الزخرف 5 اي نصرف عنكم الذكر ونهملكم فلا نعرّفكم ما يجب عليكم ويقال اضربت عن الشيء اي كففت واعرضت وأضرب عنه اي أعرض أو صرفه.

5- وتأتي بمعنى الفك كما في قوله تعالى: (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا).

6- وتأتي بمعنى التغطية كقوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن...) سورة النور الاية 31 .

7- وتأتي بمعنى ختم كقوله تعالى: (ضربت عليهم الذلة اين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بانهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الانبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) سورة ال عمران 112 والمقصود ان اليهود ختموا بخاتم الذل على جباههم مهما حاولوا اخفاء ذلك . والفرق بين الذل والمسكنة ان الذل ما كان مفروضا على الانسان من غيره والمسكنة ناشئة من عقدة الحقارة النابعة من داخله بينما تكون الذلة مفروضة من الخارج.

8- وتأتي بمعنى الجهاد والقتل في سبيل الله (يا ايها الذين امنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبيّنوا ان الله كان بما تعملون خبيرا) سورة النساء 94.

9- وتأتي بمعنى ذكر كما في قوله تعالى: (الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء) سورة ابراهيم 24 وايضا قوله تعالى: (ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) البقرة 26 .

10- وتأتي بمعنى وصف وبيّن كما في قوله تعالى (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون، وضرب الله مثلا رجلين احدهما أبكم لا يقدر عل شيء وهو كل على مولاه اينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) سورة النحل 74و 75 وايضا قوله تعالى : (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) سورة التحريم 10 .

11- وتأتي بمعنى اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به كما في قوله تعالى (واذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم) سورة الزخرف 17 وكذلك قوله تعالى: (ولما ضُرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون، وقالوا ءألهتنا خير ام هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) سورة الزخرف 57 – 58

12- وتأتي بمعنى الخلط وقريب منه التداخل يقال ضربت الشيء بالشيء أي خلطته كما في قوله تعالى: ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته ) البقرة 73 وكذلك قوله تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال) الرد 17

13- وتأتي بمعنى الضرب المتبادر عرفا وهو ايقاع الشيء على الشيء كما في قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم وذوقوا عذاب الحريق ) الانفال 50 وكذا قوله تعالى: (فراغ عليهم ضربا باليمين) سورة الصافات 93 وكذا قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) البقرة 60 وكذا قوله تعالى: (واوحينا الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء 63

14- وهناك معان لغوية اخرى مثل : ضرب بيده الى كذا أي اهوى وضرب على يده أي امسك وتأتي ضرب على يده ايضا بمعنى كفه عن الشيء وضرب على يد فلان اذا حجر عليه او منعه، وضرب أي اشتد ويقال ضربه البرد حتى يبس واضربت عن الشيء: كففت واعرضت، وضرب على العبد الاتاوة أي اوجبها، وأضرب الرجل في البيت أي اقام، وضرب الليل عليهم أي اطال، وضرب الزمان أي مضى، وضرب الخبز أي نضج .

وما ذكرناه من معاني الضرب - كان على سبيل المثال لا الحصر – للدلالة على ان للضرب معان كثيرة وأن المتبادر الى الذهن من ايقاع الالم الشيء على الشيء والمنصرف اليه الذهن هو أحد هذه المعاني الكثيرة .

وعند تتبع هذه المعاني نرى ان اقرب معنى للنص القرآني الوارد في الآية هو المعنى الاول والثاني والثالث والرابع المذكور انفا فعلى اساس هذ المعنى لكلمة ضرب يكون معنى النص القرآني الوارد في الآية الكريمة هو السفر او الترك او الانفصال او المباعدة او المفارقة او التجاهل او الانصراف او الاهمال او الاعراض، وكل تلك المعاني تدور بمدار واحد ومعانيها قريبة الواحدة من الاخرى بل وخوفا من وقوع الفتنة والنشوز كان من الانسب تبني هذه المعاني، وما يؤيد ذلك أيضا حديث علي (ع) قال: اذا كان كذا فذكر فتنة، ضرب يعسوب الدين بذنبه . قال ابو منصور أي اسرع الذهاب في الارض فرارا من الفتن . وبذلك يكون تبني هذا المعنى منسجما مع روح التشريع وخلاصا من شبهة المعادين للمنهج الاسلامي القويم ومن شبهات الذين يتبعون ما تشابه منه لتفسير القرآن على هواهم وتوظيف الآيات لمصالحهم الشخصية لا لما يريده الله تعالى .

 

4- الضرب ترك المضاجع

وايضا لا يكون الهجر إلا في المضجع ولذلك ورد (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ) وحرف الجر (في) يفيد الظرفية فلا ينفع انه يخاصم زوجته وينام في غرفة اخرى بل يخاصمها وهو نفس السرير فالوعظ اولا ثم الهجر ولكن في المضاجع ثانيا ثم الترك والسفر او هجرها في غير المضجع ثالثا وذلك من ادب القران الرفيع وهنا التفاتة لطيفة للمفكر سيد قطب (ره) في تفسيره لتلك الآية : وفي سبيل صيانة المؤسسة من الفساد ابيح للمسؤول الاول عنها ان يزاول بعض انواع التأديب لا للانتقام ولا للإهانة ولا للتعذيب ولكن للإصلاح ورأب الصدع في هذه المرحلة المبكرة فحين لا تنفع الموعظة يأتي دور المضجع وهو موضع الاغراء والجاذبية التي تبلغ فيها المرأة المتعالية قمة سلطانها فاذا اسقط من يد المرأة امض اسلحتها كانت اميل الى التراجع والملاينة، ويمكن ملاحظة دقة القران في الفاظه ومعانيه فأعطى ادبا معينا في هذا الاجراء – اجراء الهجر في المضاجع – وهو ألا يكون هجرا أمام الاطفال يورث نفوسهم شراً وفساداً ولا هجرا امام الغرباء يذل الزوجة او يستثير كرامتها فتزداد نشوزا فالمقصود هو علاج النشوز لا اذلال الزوجة ولا افساد الاطفال.

هذا يعني ان كلمة في المضاجع لم ترد اعتباطا بل لها دور كبير في ايضاح كلمة واضربوهن بالمعنى المتقدم انفا. ولو كان الضرب بمعنى الايلام لأصبحت كلمة في المضاجع زائدة وهذا ما لا يليق بالذوق القرآني ولا البلاغة القرآنية فضلا عما نعرفه من عدم وجود حتى حرف زائد في القران الكريم.

 

5- معنى النشوز

تشابهت الاقوال او تقاربت بين اقوال اللغويين واقوال والمفسرين واقوال الفقهاء في معنى النشوز، يقول القرطبي في تفسيره ان الناشز هي الكارهة لزوجها السيئة العشرة بينما تقول كتب الفقه ان الناشز هي الخارجة من بيت زوجها بغير اذنه وعرفه المالكية بانه الخروج عن الطاعة الواجبة ولكن التعبير القرآني واضح من خلال الآية فقد عبر القرآن عن غير الصالحات بالناشزات من الوقوف على النشز وهو المرتفع البارز من الارض وهي صورة حسية للتعبير عن حالة نفسية فالناشز تبرز وتستعلي بالعصيان والتمرد، ولا يمكن تفسير النشوز فقط في عدم تلبية الحاجة الجنسية لان الاسلام لا يعد اللذة الجنسية هي المقوم الاول في حياة الجنسين في عالم الانسان انما هي وسيلة ركبتها الفطرة فيهما ليتم الالتقاء بينهما للمشاركة في اطراد النوع البشري .

والمشكلة الكبيرة اني وجدت الكثيرين يخلطون بين الخوف من النشوز والنشوز نفسه ولكل منهما احكامه وشروطه وخصوصياته وليس من السهل على القاضي ان يحكم بنشوز إمرأة الا بعد تحقق شروط كثيرة تفرض على الرجل وتفرض على المرأة ولعل الحكم بالنشوز صار من المستحيلات في عالمنا اليوم فليس النشوز هو كلام يوقعه الرجل على المرأة كالطلاق بل ان الاحكام المترتبة على النشوز اصعب من الاحكام المترتبة على الطلاق وهنا تتدخل الارادة الالهية للمنع من تفاقم المشاكل الزوجية وايجاد الحلول بدل من التوصل الى نهايات تضر بالطرفين . ولم ينتظر المنهج الاسلامي حتى يقع النشوز بالفعل وتعلن راية العصيان وتسقط مهابة القوامة وتنقسم المؤسسة الى معسكرين فالعلاج حين ينتهي الامر الى هذا الوضع قلما يجدي فلا بد من المبادرة في علاج مبادئ النشوز قبل استفحاله. فبدأ بالوعظ ثم الهجر في المضاجع ثم الترك بأنواعه المتقدمة فالإسلام لا يريد ان يتحول الرجل الى جلادا ولا المرأة الى رقيقا باسم الاسلام، ولكن قد يقال ان بعض النساء لا تحس قوة الرجل الذي تحب نفسها ان تجعله قيما وترضى به زوجا إلا حين يقهرها عضليا فهذا أمر شخصي عائد الى الشخص نفسه ولا يمكن ان يتخذ مثالا يحتذى به .

واذا عرفنا معنى النشوز فانه في الآية المباركة تقديري نسبي فهو لم يقع بعد (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ) أي انه لا يمكن ترتيب اثر حقيقي على امر تقديري فحتى لو فرضنا ان الضرب الوارد هو الضرب المتعارف فكيف يمكن ترتيب مثل هذا الامر على امر تقديري فكيف اذا نشزت فماذا سيفعل الرجل . ان الآية تتحدث عن ما قبل النشوز وهي لا زالت غير ناشز فلو تحقق الضرب فهل ستحل المشكلة ام ستزداد استفحالا ونشوزا مع ملاحظة ان اغلب الآيات التي تتحدث عن الاسرة يتخذ القرآن فيها الوقاية وهو خير من العلاج لذلك نرى في ايات اخرى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) وكلمة الخوف جاءت للمرة الثالثة والخوف نسبي تقديري ولا يمكن ان يترك الباري تعالى المسألة امام تقديرات الرجل فماذا لو كان هذا الرجل جاهلا فماذا سيحل بالمرأة ولا اظن إلا ان النص القرآني كان ليترك للرجل المضي حسب تقديراته والقرآن كما نعلم ان القرآن اسمى من ان يدعه لظنونه بل ساوى المنهج الاسلامي بين الرجل والمرأة فكما ان النشوز قد يقع من المرأة كذلك قد يقع من الرجل كما في قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء 128 ونشوز الزوج : اذا أساء عشرتها، أو جفاها أو آذاها أو امتنع عن الانفاق عليها . وكما هي روح الشريعة السمحاء فالدعوة الى الصلح افرض واقرب للتقوى وكذلك الصلح خير حين الخوف من تحطم المؤسسة الاسرية ووقوع الطرفين في الشقاق (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً).

وهنا ايضا ملاحظة مهمة فان الخوف من حصول الشقاق كان علاجه في النص القرآني هو الصلح بكل طريقة فمن باب اولى لو حصل الخوف من النشوز من طرف واحد سواء من الرجل او من المرأة له نفس العلاج وربما سيكون اسهل من ان يكون من الطرفين وفي كل الحالات فان الخوف حالة تقديرية لها ما لها من التدابير العلاجية بعيدا عن استخدام العنف والضرب . وما يؤكد ذلك ان القرآن حتى في اتيان الزوجة للفاحشة فلا يأمر بضربها بل بإمساكهن في بيوتهن (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) فحتى في مثل هذه الحالات الصعبة في استشهاد اربعة وكلهم يجب ان يدلو بنفس الواقعة وباحداثها بالتفصيل الممل بحيث تكون المسألة شبه مستحيلة لكي لا تنتشر الدعاوى الكيدية بالمرأة بل ان الشهود لو اختلفوا تسقط عدالتهم وقيل تضرب اعناقهم فاذا ثبتت الفاحشة فلا تضرب هذه المرأة بل تمسك في البيوت فكان من باب اولى ان لا يقع الضرب ايضا للخوف من النشوز .

 

6- الجوانب النفسية للمرأة

ان حصول الشقاق واختلاف الرأي حالة طبيعية عند الزوجين وخصوصا في زمن تحرر المرأة واطلاعها على الثقافات الاخرى وفي زمن اضحى من العبث ان يقال ان خروج المرأة من بيتها او عدم خدمتها لزوجها يجعلها ناشزا تستحق التأديب بالضرب كما انه من غير المقبول في زمن تطور علم النفس ان يقال ان مجرد امتناع الزوجة عن الاستجابة لرغبة زوجها الجنسية لسبب او آخر يعد نشوزا او اخلالا بواجبها كزوجة وقد عالج المنهج الاسلامي بوضع القوامة للرجل حين اشتداد الاختلاف وعدم التوصل الى حل وسطي ولكن ان تصل الحالة الى الضرب حال الخلاف او حالة الخوف من النشوز فهو أمر مرفوض نفسيا وروحيا لان الضرب يتنافى مع الحياة بالخصوص الحياة الزوجية القائمة على الجنس والرومانسية اضافة الى انه يتنافى مع الكرامة الانسانية وعلى هذا كيف يكون الضرب وسيلة مثلى للاقتراب العاطفي والرومانسي وكما مرّ عن رسول الله (ص): (لا يجلد احدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر يومه ) وفي حديث آخر : (لا يضربن احدكم زوجته ثم يضاجعها لآخر الليل بلا حياء فليستح من الله).

 

7- روايات الضرب

اما ما ورد من الروايات في وصف الضرب على ان لا يترك اثرا وان يكون بغصن وان لا يكون ضربا مبرحا ولا يكسر عظما ولا يقطع لحما فهو لا يتحقق في مثل هذه الحالة – الخوف من النشوز – بل ان تلك الروايات تتحدث عن حالة واحدة وهي حالة الفجور الزوجي وهي فيما اذا ادخلت المرأة رجلا يبغضه الرجل ومحاولة اللعب بمشاعر الزوج وتشبّه الزوجة مع اللآخر بما يشبه الزنا، روى مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله الانصاري عن رسول الله (ص): (إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهنّ حقٌّ ألاّ يواطئن فرشَكُم غيركم، ولا يُدخلنَ أحداً تكرهونه بيوتَكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإنّ الله أذن لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ، وتهجروهُنَّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف) فالضرب هنا افضل من ان يفضحها على رؤوس الاشهاد ورفع دعوى الزنى من قبل الزوج والاحكام الفقهية فيها تفصيل وليس هو موضع الشاهد، وقد يقول قائل ان هذه الرواية تبين نفس المراحل الثلاثة في الآية موضع بحثنا باعتبار انها تمر بنفس المراحل وهي الوعظ والهجر في المضاجع والضرب وفي هذه الرواية يصف الرسول كيفية الضرب، ولكننا نقول ان الفارق بينهما واضح فالآية ناظرة الى ما قبل وقوع النشوز (فإن خفتم ) اما في الرواية فإنها ناظرة الى شيء قد وقع (فإن فعلن ) اضافة الى ان التأديب في الرواية قد ارتبط بسلوكين اثنين إذا صدر من الزوجة وهما : اذا ادخلن لبيوت ازواجهن من يكرهونه وثانيا اتيان الفاحشة وقطعا ان المقصود من اتيان الفاحشة ليس هو الزنا بل هو (ألاّ يواطئن فرشَكُم غيركم ) وإلا لو كان المقصود هو الزنا لاستوجب اقامة الحد لا التأديب.

 

8- شبهة ورد

قد يقال ان البيئة التي نزلت فيها آية النشوز لم تكن فيها بالمرة قضية اسمها ضرب المرأة، فنساء مكة كن يضربن بلا شك، ولا يشتكين من ذلك ولا يعتبرنه مسا بكرامتهن، ولا خارجا عن العرف وعن الوضع الطبيعي للمرأة. فكيف يستنكر ضرب الزوجة في بيئة كان وأد البنات فيها مألوفا، فعقلية القوم ليست هي عقليتنا، وموازينهم ليست هي موازيننا. وكما يروى أن عبد المطلب نذر إلى الآلهة نحر أحد أبنائه العشرة، فصارت القرعة على عبد الله والد الرسول محمد (ص) وكاد يفعل.

وهذه الممارسات العنيفة كانت رائجة جدا قبل مجيء الإسلام، ولذلك جاءت هذه الآية اضافة إلى الدعوات التي تتكرر في القرآن بالإحسان إلى النساء تطرح بدائل عن الضرب الذي كان رائجا فلعل الوعظ ينفع في ثني الزوجة عن سلوكياتها المنافية للمعروف، فإن لم ينفع الوعظ، ينتقل إلى الهجر، لما له من إيلام نفسي قد يكون داعيا للتصحيح. ومن لا تُحسِّن سلوكها بأي منهما تستحق استعمال التدابير اللازمة لإثنائها عن النشوز وحضها على الالتزام بواجباتها.

 

والجواب:

1- ان المنهج الاسلامي لا يقر العادات الخاطئة حتى لو جرت عليها العادة والعرف بل وقف بوجهها وبقوة سواء بالتدريج او دفعة واحدة والتاريخ شاهد بالكثير من الاحداث والمناسبات وما نحن بصدده هو احد هذه الاعراف التي كانت تمس كرامة المرأة ليرفع من شأنها وتكون صنو الرجل وكما ان الرجل لا يقبل ان تضربه زوجته كذلك فان كرامتها لا تقل عن كرامة الرجل ولو قلنا بإقرار المنهج الاسلامي لما تعارف عليه المجتمع من ضرب النساء فما فائدة المنهج الاسلامي في تغيير المجتمع اذا سلمنا بتقاليد العرف وعدم امكان تغييرها.

2- هناك روايات دلت الى ما هو عكس ذلك ومنها ما روي أن عمر (رض) جاء إلى رسول الله (ص) فقال ذَئِرَتْ - أي تمرَّدت - النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن . فطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي (ص): (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك (أي من يضربون نساءهم بخياركم)، وفي رواية أخرى: (يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد ثم يظل يعانقها ولا يستحي) فموقف النبي (ص) واضح في كراهيته في ضرب النساء.

 

فاضل الشمري

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3008 المصادف: 2014-11-29 23:19:28


Share on Myspace