 دراسات وبحوث

وثيقة المدينة وشرعية الدولة .. بمناسبة مولد الرسول الأعظم

abduljabar alobaydiكلمة النظم تطلق على كل شيء يراعى فيه الترتيب والانسجام والارتباط.ونظم اية دولة تتكون من مجموعة القوانين والمبادىء والتقاليد التي تقوم عليها الحياة في تلك الدولة. فهل كانت دولة محمد (ص) دولة مدنية بالمعنى العام والخاص، أم دولة دينية صرفة .. أم دولة المجتمع والدين معاً ...؟.

تعتبرالنظم في الدراسات الحضارية مظهرأ لشخصية الامة من حيث تقدمها ومدى تأثيرها في مجرى التاريخ الانساني والحضاري للشعوب، وهي تكشف عن الطبيعة العملية التي تنتجها وتطورها من اجل الكمال الفكري والحضاري فيها، ومنها النظام السياسي والقضائي والامني التي بها تسود الدولة وتحقق العدالة الاجتماعية، وبدونها لا دولة . وهذا ما اراده محمد (ص) لدولته المنتظرة...؟ لذا فأن الاسس الاولى لتنظيم الحياة العامة وحقوق الناس للأمة الاسلامية هي الشاغل الرئيسي لفكره (ص) وعمله فكانت الوثيقة التي كتبت منذ السنة الخامسة للهجرة.

 

ومن يقرأ النظم التي أنشأت منذ بداية عصر الرسول الكريم (ص) يدرك تماما ان بعداً سياسياً وفكرياً قد طرح على الساحة العربية الاسلامية لتنظيم امور الدولة وبنائها على مبدأ الحق والعدل بين الناس، ولم يكن الدين - المستغل اليوم لصالح الباطل - الا وسيلة لتحقيق هذا الهدف السامي الكبير..فالدولة كانت مدنية منذ البداية وليست دولة دينية بالمفهوم العام .

ومن خلال التنظيات الادارية التي جرت في عهد ه (ص) نستطيع ان نعرف كيف جرت الحياة عند الجماعة الاسلامية الاولى، وكيف استطاعت ان تنجح وتحقق كل ما رأيناه وسمعناه عنها في مراحلها الاولى، و في عصره بالذات. لقد كانت البداية مع وثيقة المدينة، هذا الوثيقة التي وضعت فيها كل حقوق الناس وواجباتهم، وكتبت بقرار متزن وواضح لا لبس فيه ولا غموض، وبأستشارة كل الصحابة دون أستثناء .والوثيقة لا تحتاج الى تأويل في لغتها العربية السليمة واهدافها الحرة النبيلة، وكيف استطاع (ص) ان يحدد سلطات الدولة وحقوق الناس فيها. كتبها يوم اراد (ص) ان تتخلى الحياة الاسلامية الجديدة من الكتلية والتحالفات السياسية المصلحية التي أفرزتها الحياة الجاهلية ومجلس الملأ فيها، فهل من حق احد اليوم الخروج عليها؟ وهل ان كاتبها كان يجهل الاسلام وهورائده ...؟ .

هذه الوثيقة القانونية التاريخية انتهت بوفاته (ص) وهو لم يدفن بعد، واصبحت القاعدة الجديدة عندهم :منا أمير ومنكم أمير بعد أن أصروا في السقيفة على تفضيل قريش على غيرها من القبائل العربية في أنتخاب الخليفة مخالفة لنص الوثيقة، فالمحاصصة قديمة والتخلي عن المبادىء رافقت التغيير منذ النشأة الأولى . فالدولة الاسلامية متهمة منذ البداية في التقصير.

 

الوثيقة دستور الجماعة الاسلامية الأول

في اثناء بحثي لشهادة الدكتوراه عام 79ا طلعت على الوثيقة من مصادرها الاصلية، فذهبت الى لندن واستطعت قراءة نص الوثيقة المودعة في المتحف البريطاني في لندن.وبعد جهد جهيد استطعت ان اطلع على هذا الذي نكتبه اليوم.ومن ساعتها أدركت لماذا كانت الأنظمة العربية عبر الزمن أخفت أو اهملتها، ولم تدرجها في مناهج الدراسة، لانها لا تتوافق وحكمهم المتسلط على الناس بالباطل في أمة الأسلام، خوفاً من ان تتركز مبادؤها في فكر الأجيال . لذا نقول :

 

بعد بناء المسجد في السنة الأولى للهجرة واعتباره مقرا سياسياً لادارة الجماعة الجديدة، ومقراً دينيا لاداء الواجبات الشرعية، جاءت الخطوة الثانية، وهي ترسيخ مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، الخطوة الاساس في سبيل تثبيت مبدأ الوحدة الداخلية للأمة واعتبارها مبدءً شرعيا لا يجوز الخروج عليه حين تمت المساواة بين الحقوق لأفراد الجماعة الاسلامية دون تفريق.

من خلال هذا الواقع الجديد ظهرت(الوثيقة) في السنة الخامسة للهجرة التي نظمت العلاقات، وأقرت الحقوق والواجبات والحدود والقواعد بين الناس حتى لا تخترق.وهي مُلزمة كألزامية النص القرآني في التطبيق . وبذلك اصبح التطبيق الرسولي يحتل مكانة المثل والأسوة، رغم ان الظاهرة الجديدة ظلت محكومة بظروفها.من هنا كانت الوثيقة على حداثتها مشروعا جديدا وجديا على مستوى الرؤية التاريخية، حتى تحولت خلال خمس سنوات من عمر الدعوة الى ان تكون مشروعا قابلا للفعل في ظرف العصرطبقت في بنود صلح الحديبية وفي معاهدة الصلح في فتح مكة. لكن المشروع فشل بعد موته مباشرة والى اليوم . لماذا...؟ هل ان المرافقين للدعوة لم يؤمنوا بها، أم ان شروطها كانت صعبة في التطبيق ؟.اشكالية بحاجةالى دراسة موثقة لقول الحقيقة فيها .

وقد حوت الوثيقةعلى مواد قانونية ودستورية لتنظيم حياة الجماعة الاسلامية نقتطف منها ما يلي مع أمانة التصرف .

أولا - ان المؤمنين الذين اشتركوا في تكوين أمة الاسلام يكونون وحدة اعتقادية وسياسية واجتماعية واقتصادية واحدة مستقلة بذاتها من دون الناس. وبهذه المادة تقررت المواطنة المتساوية وثبتت (حقوق اليهود وغيرهم على دينهم، وللمسلمين

على دينهم وأموالهم)، اي لا فرق بين الناس مطلقا في الحقوق، لان الله آله الناس جميعاً ولم يفرق بينهم، وبذلك حفظت حرية الاديان وحماية الاقليات من منطلق : (لكم دينكم ولي دين ).فلا يقتل مؤمن مؤمنا ًفي كافر والعكس صحيح .هنا تأمن الشرط الاول من الدعوة وهو شرط الامان على النفس والمال والعِرض.

ثانياً - أقرت الوثيقة : ان افراد الجماعة الاسلامية متكافلون فيما بينهم، يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وهنا يظهرمفهوم المتغيرالأجتماعي نفسه من وجهة نظر جدلية تاريخه كقانون. ألغي هذا الشرط بعد وفاة الرسول مباشرة، اي بعد السقيفة، فضربت الاحتجاجات بحجة الردة على الاسلام، فالردة جاءت لفقدان حقوق المشاركة في الحكم وليس ردة على الأسلام كما صوروها .

ثالثاً- عمدت الوثيقة الى أمتصاص مخلفات الماضي واسدال الستار عليها، كالثأر، والأنتقام بعاطفة قبلية او نزعة عشائرية، والغرض الاساس هو ألغاء قوانين مجلس الملأ القبلية، واحلال القانون المدني وعدم العودة الى ما كانوا عليه قبل الاسلام، لأن العودة عبر الزمن اصبحت مستحيلة. وهنا تحقق الشرط الثاني في الأطمئنان على الرزق والعيش بمؤاخاة حقيقية بين المسلمين وغيرهم، دون ان يكون لأحد حق حجبه على الأخر.

رابعاً- جميع افراد الجماعة الاسلامية متساوون في الحقوق والواجبات، متكافئون في الحقوق وحتى في الدماء. وهي نقطة مهمة جدا حين اصبح التأسيس القرآني للمجتمع بحث في ظاهرة ميلاد مجتمع جديد يؤمن بالحقوق والواجبات لكل الناس دون تمييز . وبهذا الشرط تحققت شروط الدعوة .

خامساً- الأمة في مجموعها مسئولة عن الامن الداخلي، والدفاع عن حدود أرض الجماعة واختراقها في حالة الاعتداء الخارجي .وقد ثبت القرآن ذلك في سورة التوبة آية 43، 120 حقوق الوطن على المواطن، أذ لا يجوز التخلي عنها امام العدو الخارجي ولاي سبب كان .فالوطن مقدس مثل النفس الانسانية المقدسة التي لا يجوز قتلها الا بفساد مشهود تستحق، يقول الحق : (من قتل نفساً بغير نفسٍ او فساد في الأرض كأنما قتل الناس جميعا، سورة المائدة آية 32) . لذا ان ما يعتقد به الجهاديون اليوم باطلا ويتناقض مع القانون.

سادساً- التأكيد على مبدا الاخلاق السامية في التعامل بين افراد الجماعة الاسلامية ومع الاخرين. ويقصد القرآن الكريم بالأخلاق السامية هي الالتزام بطريق الاستقامة في كل صغيرة وكبيرة، وعدم الأخلال بمفهوم الحق المطلق، ومنها الامانة والصدق والوفاء بالعهد والقسم واليمين ، وعدم التجرأ على الخيانة، لأن الحق في الاسلام مطلق . لذا فالتفريط في الحقوق الوطنية والاجتماعية والقسم واليمين مرفوض ومن يتهاون به لا يستحق ولاية المسلمين .

 

سابعاً- تحديداً للمسئولية القانونية، تقرر ان لا يؤخذ انسان بخطأ يرتكبه اخر، فالجريمة المرتكبة تخص صاحبها ولا غير، (ولا تزر وازة وزر أخرى ) وان التشريع الآلهي يحدد المسئولية وتوجيه الهدف لتحديد المسار بحدود التقوى، وبذلك يتحقق التزكي فيكون الفلاح بين الناس، ليمتص كل ضغينة من شيء. هل تحقق شيء من هذا عبر الزمن ؟ لا... أقرأوا التاريخ ...؟

ثامناً- حرمت الوثيقة الاقتتال بين اهل المدينة حفاظاً على الوحدة الداخلية للجماعة الاسلامية. ليكون الوعي المجتمعي وعيا تاريخيا مستوعبا ومتناميا ومتسعا ومتجاوزا كل اشكالية نفسية او مجتمعية متمثلا في أستيعابها من الجميع، فلا محاصصية ولا كُتل سياسية توافقية في الاسلام، ولا ندري من أين جاؤنا بها اليوم، والتي اصبحت عنوانا لفرقة المجتمع وتدميره .

تاسعاً- الرسول (ص) هو المرجع الاعلى والاول في حل الخلافات بين افراد الجماعة الاسلامية. لأن منطلقات المشروع الأسلامي كانت منطلقات وتوجهات محددة بسمات التوجهات القرآنية التي هي كلمة السماء الى الارض، وراعيها صاحب الدعوة. ولم تكن دكتاتورية بل في منتهى تصرف الحرية الفردية والجماعية، وبعد وفاته (ص) .لكن بعد السقيفة ضرت هذه التوجهات السياسية وحلت محلها (نظرية منا امير ومنكم امير) بعد اختلافات المهاجرين والانصار، لكن تغليب روح المؤاخاة أمكنتهم ان يجتمعوا على خير- في حالة انتخاب الخليفة الأول- ولولأجل قصير..

عاشراً- ثبتت الوثيقة أنه لا يحل لمؤمن آمن بالله واليوم الاخر ان ينتصر لظالماً، ويؤويه خلافا للقانون، ولا يجوز التستر عليه بحجة القرابة او السياسة اولمصلحة امن الدولة مطلقاً، لان الحق والعدل في الدعوة مطلق لا يجوز التجاسر عليه .

حادي عشر- لا يجوز التجاسر على الحقوق العامة واستغلال الثروة لصالح الحاكم أو المسئول، وهو محرم شرعا وقانونا كما نراه اليوم مطبقاً في أمتيازات الرئاسات الثلاث الباطلة، لكونها استغلالا للمال العام، ولا بد من ان تكون الجماعة يدا واحدة عليه، ولا يجوز التعامل معه حتى يسترد الحق.والهدف من هذا الشرط ضرب الرؤية القديمة المبنية على العادة والتقليد والأقاربية العشائرية لتغير المفهوم القانوني للمجتمع، وازالة المصالح الشخصية من التكتم على الباطل . فأين نحن اليوم من هذا القانون ؟ ولا شيء .

 

ان اهمية الوثيقة تتلخص في:

أولاً - تعتبر الوثيقة اول تشريع دستوري يتظمن المبادىء السياسية السامية في حكم الناس والتي لم يعرفها العرب من قبل، سوى ما تعارفوا عليه في مجلس الملأ في عصر الجاهلية. ولو اطلع القارىء على قرارات مجلس الملأ لوجدها ارحم من قوانين المسلمين بعد السقيفة: (أقرأ القانون في المفصل لتاريخ العرب قبل الاسلام للمرحوم الاستاذ الكتور جواد علي، طبعة بيروت) ستجد الفرق واضحاً بين الحالتين ..

ثانياً - حرص الرسول (ص) على تثبيت وتدوين الحقوق والواجبات والقواعد والحدود العامة بين الناس كتابةً تأكيداً لجعلها قاعدة قانونية يمكن الرجوع اليها عند الحاجة لضمان حقوق الناس وولاء الرعية. وهو اول دستور يدون في عهد المسلمين .

ثالثاً- أظهرت الوثيقة ان الجماعة الاسلامية الاولى كانت منظمة على اساس قانوني ) وليس ديني حسب (لا يمكن التخلي عنه مستقبلا . وبذلك أقرت الوثيقة مدنية الدولة القادمة وليست دينية صرفه كما ارادوها لنا، لأعتراف القرآن بحقوق كل المسلمين أنظر الآية 35 من سورة الأحزاب ......ً ًوكل ماجاء في في التراث من حقوق غير المسلمين والعبيد عند الفقهاء مرفوض في الاسلام لأعترافه بوحدة الخلق دون تمييز.لأن الله اله الناس جميعا.

رابعاً - السلطة والمال من حق كل فرد في الجماعة الاسلامية، ولا يجوز الأخلال بها، وشرط السلطة الأمانة والكفاءة والمقدرة، ولا شيء أخر. وحين ضرب هذا الشرط كان التدهور، حتى وصلنا الى نقطة أصبح فيها معدل النقص يعلو على القوة، فظهر التدهور المتناقض مع اسس تكوين دولة الجماعة.لذا ظل يتعايش مع الدولة الى اليوم، وباستمرارية الزمن فقد الاسلام قوانينه معا وبقينا نتعايش مع قوانين الجاهلية .فليس من حق اية فرقة اسلامية اليوم تدعي افضليتها في تطبيق قوانين الاسلام .

خامساً - برهنت الوثيقة على العبقرية السياسية والتنظيمية للرسول (ص). لان التوجه آلهي صرف لذا ظل هدى الانبياء والرسل قدوة . ان من يدعي العودة للقديم فهو يدعو لعودة العدم الى الحياة وهذا غير ممكن، فالسلفية والجهادية وكل الفرق الاخرى اصبحت امام امتحان صعب لا يستطيعون الاجابة على الاسئلة الصعبة اليوم، حتى اصبح الاسلام متهما بالعنصرية..

سادساً- منحت الوثيقة الحرية التامة للناس بحدود قانون الاسلام الخلقي. حسب النظرية الآلهية (لكم دينكم ولي دين). وكذلك يقول الحق : (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا، الكهف 29 )، ولم يقل سبحانه وتعالى للكافرين، لأن الظلم قد يقع من الأثنين معا) . من هنا فالناس متساوون لا يفرقهم شيءالا من كان ظالماً.

سابعاً -حددت الوثيقة ان تكون مسئولية الدفاع الجماعي عن الوطن بالمشاركة الجماعية ولا يسمح لاي فرد او جماعة اخرى من الاخلال بالحق الوطني للوطن والمواطن استنادا الى ما ورد في سورة التوبة آية 43 : يقول الحق :عفا الله عنك لم َ آذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين . وهذا التوجه الآلهي يتناقض مع مفهوم الجهاد الكفائي المعلن اليوم.بل يجب ان يعلن جهاد فرض العين ليشمل المسئول والمواطن دون تمييز.

ثامناً- مثلت الوثيقة القانون الحقيقي للجماعة الاسلامية الجديدة، وان صدورها كان ناتجاً عن تنظيم قانوني لا يخترق يشمل الجميع بما فيه صاحب الدعوة، وكلنا نعلم ان الرسول كان مع المحاربين كما حدث في غزوة احد حين اصابته سهام الكفار ، وظل جريحا لولا العناية الآلهية لقتل فيها. أنظر غزوة احد في السيرة..

 

ان الدارس لهذه الوثيقة يدرك ان ضوابطاً أدت الى صدورها:

اولا - حددت الوثيقة تحديداً قاطعاً، عدم الانفراد بالرأي من قبل الحاكم، لأن الحُكم في الاسلام تراضٍٍ بين الحاكم والمحكوم، لذا على الحاكم ان يصغي الى وجهات النظر المختلفة ولا يهملها او يسكت عنها بحجة القوة في يديه، وان يكون رأيه في نهاية الامر معبرا عن وجهة النظر الصحيحة بموافقة الجماعة، وأتخاذ القرار امر لا يتعلق بالحاكم كفرد الا بقدر ما يكون ذلك معبراعن الصالح العام، وليس من حق الحاكم تجاهل رأي المواطنين أو السكوت دون تلبية ما يريدون معرفته في حكم الدولة، فهو ليس في موقع التشريف بل التكليف الشرعي تجاههم ولا غير.وها تراهم اليوم يسكتون عن المعتدين وسراق المال العام.

ثانياً - الدستور هو الذي يمكن ان يضبط به سلوك الحاكم، فهو الذي يحدد سلوك الدولة ومسئوليتة، لذا روعي ان تكون مواد الدستورواضحة لا لبس فيها ولا غموض، ومعبرة عن ارادة صادقة في رفع شأن المجتمع، ولتتجاوزكافة انواع الضعف أو الهنات في مواده الذي كان يعاني منها مجتمع المدينة قبل الدعوة. ولم ترد في الوثيقة اية اشارة الى الفِرقة، والكتلة، والمذهبية والمحاصصية، والعنصرية لمن يحكمون بعد الرسول (ص)، من هذا المنطلق فان كل المذاهب الاجتهادية التي ظهرت منذ القرن الثاني الهجري انتهى دورها اليوم في عصر التفتح الحضاري فاصبحت تاريخ، ولم تعد هناك حاجة لأية مرجعية دينية تفلسف لنا قوانين الناس دون اعتبارات يتوافق مع مصالحها الشخصية، ومصلحة الحاكم الطامع بحكم الدولة دون حق او قانون؟ من هنا ظهر مصطلح وعاظ السلاطين.

ثالثاً - بهذه الوثيقة حددت حقوق وواجبات الحاكم مثلما حددت حقوق وواجبات عامة الناس، فبدأ المجتمع يشعر بالوحدة الداخلية وبالاستقرار الامني والنفسي والتحررمن الخوف بعد التخلص من قوانين الازدواجية على زمن القبيلة والعشيرة، والانطلاق نحو تكوين دولة جديدة، مغايرة تماماً لوضع القبيلة في المجتمع المكي. واليوم يعيدون لنا القوانين الأزدواجية دون حق يذكر.

رابعاً- حددت الوثيقة شروط انتخاب رئيس الدولة رغم انها لن تسرف في التفاصيل، لكن الشرط الصحي والعقلي كان واجبا ألزاميا لمن يحكم دولة المسلمين.وهذا مفقود في دول الأسلام عبر الزمن.

خامساً- المال العام، مال الجماعة ولا يجوز التجاسر عليه او تبذيره لأي سبب ذاتي او مصلحي من قبل الحاكم والمسئولين في الدولة، من اجل تحقيق مكاسب شخصية بالمطلق . بدليل ان الرسول(ص) والصحابة طبق عليهم هذا الشرط .لذا فأن كل الذين تجاسروا على المال العام على الدولة شرعا وقانونا يجب جلبهم ومحاسبتهم واسترجاع اموال المواطنين منهم ومن يتخلف عن هذا التكليف فهو آثم امام الله والحاكم مسئول عن التنفيذ.

سادساً- لم تذكر الوثيقة اي دور لما سميناه رجال الدين او المرجعيات الدينية، فالدستور واضح والحقوق والواجبات فيه أوضح فلا فُرقة بين المسلمين بالمطلق.والقرآن الكريم لا يعترف برجال الدين، ولا يخولهم حق الفتوى نيابة عن الناس، ولا يميزهم بلباس معين كما فعل كتاب العهد القديم. فالفتوى انتهت بوفاة الرسول (ص) وكمالية القرآن الكريم . (اليوم أكملت لكم دينكم...).

سابعاً- على هذا الاساس اصبحت الجماعة الاسلامية في المدينة تتمتع بشخصية قانونية ملزمة خلافا للعادات والتقاليد القبلية، المستمدة من القانون القبلي الجاهلي، وهذا رفض واضح لقانون العشيرة والقبيلة، ولا يجوز للحاكم والمحكوم الخروج عنها أبداً. والخروج يمثل سابقة فقهية لا تجيز للحاكم قبولها، وليس من حقه فرضها على الناس.

 

الأهمية القانونية للوثيقة :

الوثيقة النبوية، غيرت المفاهيم الخاطئة المتوارثة في اكثر من ميدان من ميادين المعرفة، وقيادة الجماعة والمجتمع.لان كل الذين ساهموا مع الرسول (ص) في كتابتها، كانوا من المتفائلين بمستقبل الجماعة الاسلامية الجديدة الذين نفضوا ايديهم من الماضي واشتركوا معاً في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان قائمة على العقل والعلم والحرية والقانون واحترام انسانية الانسان .

لذا وقفت الجماعة المعادية للدعوة الجديدة موقف العداء منها منذ البداية، وحاولوا طمسها ومراقبة من يتداولها بعد العهد النبوي الشريف، ورغم ان سلطة الخلافة الراشدة قد تمسكت بها نسبيا لكنها لم تنجح في تطبيقها، ثم عتم عليها وغيبت تماما في العصرين الاموي والعباسي لانهم ادركوا اهميتها في فكر الناس وحقوقهم، وخوفا من انها ستحرك عجلة التاريخ في الطريق السليم وتنزع منهم شرعية السلطة التي بها يدعون. وقد عاشت الدولة الاموية والدولة العباسية اكثر من 655 سنة بلا شرعية دينية، رغم المحاولات التي بذلت من قبل الخلفاء الأمويين والعباسيين لأكتسابها .

في الوثيقة تحددت سلطة الدولة عن حقوق الناس، ولم يعد ممكناً ان يغضب الحاكم على رجل ليقتله او يرميه في السجن كما كان في العهد القديم واليوم دون محاكمة او مسائلة صورية، فكسب الناس حرية الحركة و العمل والقول، حينما اعلن الرسول(ص) بعد فتح مكة في السنة التاسعة للهجرة مبادىء الدولة في حكم الناس القائمة على الامان والاطمئنان والكفاية والعدل لكل الناس دون تمييز، حين ردد بصوته الشريف"هذه امتكم امة واحدة، ولا فرق بين ابيض واسود وعربي واعجمي الا بالتقوى " (انظر الخطبة بعد فتح مكة عند الواقدي في كتابه المغازي) .

وهذه ميزات ادركها العام والخاص واصبحت قانوناً في الحكم المقيد بسلطان الشعب، وبذلك خلقت الوثيقة وعياً تاريخيا مستوعبا ومتناميا ومتسعا ومتجاوزا كل ظلم الماضي، فكلمة لا الله الا الله التي جاء بها القرآن ورددها الرسول (ص) قولا

وعملأ، انعكست فيها صورة القيم الاساسية للأسلام وهما : حرية التعبير عن الرأي، وحرية الاختيار. لهذا كانت الوثيقة عقبة كبرى امام المنتزين على السلطة وحقوق الناس من الأمويين والعباسيين ومن جاء من بعدهم والى اليوم. لذا غيبوها عن المنهج الدراسي كي لا تعيها الاجيال القادمة من الناس .

نخلص من الدراسة ان الدستور مقدس، ومن يشارك في كتابته يجب ان يكون من المتفيهقين بالفقه الدستوري وهو ملزم التنفيذ. وان اي تجاوز على الدستورونصوصه يعرض المتجاوز للمسائلة القانونية التي لا يمكن الدفاع عنها الا اذا عدل الدستور بقانون؟ .

اذن من اين جاءت المحاصصية، والطائفية، والكتلية التوافقية في الدستور العراقي وقد خلا من هذه النصوص، فلزاما على الدولة محاسبة كل الخارجين عليه- ولكن كيف وهم الذين يحكمون- ، ويجب تمثيل الشعب بالأنتخاب المباشر من الشعب، لا بالتعيين والتعويض والمقسم الانتخابي الباطل فجيء بكل الامعات الذين لا يفقهون، فكان مصيرهم الهرب خارج الوطن بحماية الدولة، لأانهم هم الذين وضعوهم في تمثيل الشعب باطلاً، هنا عليهم ان يعلموا ان لا يمكن للحاكم من التجاوز على الحقوق والمال العام للدولة، وعدم السكوت على قتل الناس بدون جرم مشهود، ولا يجوز التوافق مع الاجنبي ضد الوطن وتلفيق الأكاذيب من اجل الوصول الى السلطة كما حصل في قانون تحرير العراق عام 92، في وقت ان الكفاح ضد الظالم والمستبد جائز حقا وقانوناً، فكيف لا نقيم الحد على من تأمر مع الاعداء على وطنهم من اجل السلطة لا الشعب...؟

اذن ؟ اين الفقهاء وقضاة الدين؟ .ألم يكن هذا تناقضا منهم وتجاوزا على الحقوق وعلى الشرعية معاً.وهم ساكتون على الباطل ..؟ واين دولة القانون التي يدعون وهم اول من تجاسر على الوطن والدستور والقانون؟ واين المحكمة الدستورية وقضاة التمييز الكبارالذين أقسموا بالمحافظة على الدستور وحقوق الناس ؟؟ واين وزارة العدل المكلفة بمراقبة الدستور والقانون؟ كلهم أستمرؤا الباطل من اجل المصلحة الشخصية؟ اذن علامة القسم واليمين؟ . اذن هل هم يستحقون الولاء من المواطنين؟ .

نحن اليوم بحاجة الى التغيير الكلي، وفي مقدمته تغيير الدستور، وتغيير كل القوانين التي جاءت مخالفة لحقوق الوطن والناس وفي مقدمتها قانون مجلس النواب الخائب، وقانون المحكمة الاتحادية، وقوانين مرتبات ومغانم الرئاسات الثلاث، والقوانين المزدوجة بحقوق الناس ..فقد اصبح الاصلاح واللحاق بالأخرين اليوم مستحيلا من وجهة نظر التاريخ، مالم يُعدل الدستور..؟ .

 

وكلمة أخيرة نقولها بتجرد :

ان الاسلام لم يكن فاقدا لأهلية قيادة المجتمع وتطوره، لكن المسلمين هم من أنكروا قواعد وقوانين الاسلام وما جاء به لضبط المجتمع والدولة وتكوين دولة العدالة الاجتماعية. أمر محزن ان نفهم الاسلام اليوم خطئاً في النظر والعمل معاً، فالأسلام بريء مما يعملون .فهل علينا ان نضحي في الحقيقة من أجل المصلحة. لأن لبس الحاكم الظالم رداء التقوى، تولدت عندنا الفواجع. وليعلم تجار الدين وسفسطائيو الهرطقة من حكام الوطن الهظيم، سيأتي اليوم الذي به ينكشفون -وقد أنكشفوا - لكن الدين مع الاسف سيذهب هو الضحية، وهو الذي سيحرق كل الظالمين...؟

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3041 المصادف: 2015-01-02 06:34:22


Share on Myspace