 دراسات وبحوث

الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (4)

mutham aljanabiإن إحدى المفارقات الظاهرية الكبرى لصعود الحركة الإسلامية السياسية المعاصرة تقوم في بروزها وصعودها وهيمنتها النسبية في وقت كان المزاج العام والصاعد هو "انتصار الرؤية الثورية" والدنيوية والعلم والتقدم، أي كل الحصيلة المتراكمة في مجرى قرون الحداثة. الأمر الذي أعطى لصعود نجم الحركة الإسلامية طابعا سحريا اقرب ما يكون إلى المزاج الوثني والديني الأسطوري القائل، بأنه ليس من السهل رد الإلهة عن مقاصدها!

فقد كان الإسلام وقواه الاجتماعية التقليدية تبدو للامس القريب كما لو أنهما من عوالم بائدة، اندثرت منذ زمن طويل في غبار الوجود وأصبحت أثرا من كينونة ذائبة في زمن الكون البارد! بينما نراه يأخذ بالازدياد والتوسع والعنف بحيث يتطابق في الوعي العادي مع هيئة مارد ومخرب وعصابي ومدمر وأصولي وإرهابي من طراز غريب، كما لو انه الوجه الأكثر قبحا لسماحة الحضارة الليبرالية وعولمتها المدنية! حيث يبدو في كل ما يقول ويفعل، كما لو انه القوة المعبرة عن حالة رجوع وتراجع لعوالم سحيقة تستثير في كل قول وفعل كمون الذكرى والذاكرة وأمور أخرى عصية على منطق التقدم والحداثة، أي كل ما كان يبدو لوقت قريب كما ل انه حقائق منطقية وعلمية ترتقي إلى مصاف البديهة.

لقد كشف كل ذلك وسوف يكشف مع مرور الزمن عن أن هذه "الحقائق البديهية" في ميدان التاريخ السياسي والثقافي لا تتعدى كونها بديهيات التجارب الجزئية وتمثلها المناسب من جانب العقول البسيطة والنفسية الراديكالية وثقل الإرادة الفارغة من محتوى وعيها الذاتي بوصفه إدراكا تلقائيا للإشكاليات الواقعية والبدائل المستقبلية.

فمن الناحية الثقافية يشير ذلك أولا وقبل كل شيء إلى إشكالية الزمن والتاريخ، والحقيقة والوهم، والتراث والمعاصرة، والثقافة الكونية والقومية. أما من الناحية الفعلية فانه يشير إلى أن للأحداث التاريخية الجسام "منطقها" الخاص، أي مسارها الذاتي. بمعنى أن رؤية البواعث الدفينة لهذه الظاهرة وأسباب صعودها، وأنماط علمها وعملها وكيفية تعاملها مع إشكاليات الحاضر والمستقبل، ومن ثم آفاقها الفعلية بوصفها حركة تاريخية طبيعية، يفترض النظر إليها ضمن المسار الواقعي لصيرورة الأمم والثقافات، أي تحرير الرؤية من ثقل المزاج اللاهوتي في التفسير والتأويل، ومن تدخل "العلم الإلهي" ومكر "العقل المطلق" وما شابه ذلك.

فمن الناحية الثقافية والتاريخية أيضا، ليس الرجوع إلى نماذج قديمة سوى احد الأدلة الدقيقة على أن الوعي النظري والعملي لم يذلل بقايا المرحلة الثقافية الدينية وذهنيتها اللاهوتية في النظر إلى الواقع والمستقبل. بمعنى انه ليس قادرا بعد على النظر إلى الحاضر بمعايير المستقبل، كما انه عاجز عن النظر إلى المستقبل بمعايير المستقبل. من هنا يصبح الرجوع إلى الماضي فعلا ملازما للوعي والسلوك. كما يصبح في الوقت نفسه عملا ضروريا يصب في اتجاه تذليل هيمنة الرؤية الدينية اللاهوتية والانتقال بها صوب درجة أرقى في سلم التطور التاريخي للأمم والوعي. ومن الممكن رؤية هذه الآلية الصارمة في تجارب الأمم والحضارات الكبرى، القديمة منها والحديثة على السواء. لاسيما وأنها العملية الملازمة لتراكم التطور ونفي درجاته التلقائي.

وفيما يخص الظاهرة الإسلامية الحديثة فأنها "تكرر" هذا المسار النظري، لكنها تعمل على تذليله من الناحية العملية، بوصفها جزء ومستوى من مركزية إسلامية حديثة. فمن الناحية العقائدية، تمثل فكرة "الأصول" الإسلامية مصدرا حيا و"أبديا" للرجوع إلى الماضي. وذلك لان الأصول الأولى أولية ودائمة. ومن ثم فهي قديمة – حديثة. من هنا جوهرية الرجوع إلى المصادر الأولى، ومن ثم هيمنتها في الوعي النظري والعملي السلفي، وضعفها التدريجي فيما عداه، من خلال تفريغها في نماذج ومستويات متنوعة كالتأويل، والاجتهاد، وحكم الضرورة، والفائدة وما إلى ذلك. وبالتالي تغير مضمون وفاعلية "المصادر الأولى" و"الأصول".

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام اتجاهين ونمطين منهجيين مميزين للتطور التاريخي في كافة الميادين بما في ذلك في تاريخ الحضارات والأمم، اتجاه الذهنية الدينية اللاهوتية (السلفية) واتجاه الفكرة العقلية الفلسفية، أي اتجاه الفكرة التقليدية (بمختلف أنماطها ونماذجها) والفكرة النقدية (بمختلف أنماطها ونماذجها).

وليس مصادفة أن تتحول فترة النبوة المحمدية الأولى إلى بداية ونهاية التاريخ الإسلامي ووعي الذات الثقافي والروحي القومي (للمسلمين). وسبب ذلك يقوم أساسا بفعل أربعة آثار كبرى وهي:

•اثر النبي محمد، بوصفه الشخصية المركزية للإسلام،

•واثر الفكرة الإسلامية، المطابقة لمعنى العقيدة الشاملة،

•واثر الفرق وعقائدها في الاختلاف،

•واثر المرجعيات الفكرية في صنع الهموم المشتركة والإجماع الثقافي.

وقد كانت هذه الآثار الأربعة نتاج مآثر أربع مراحل تأسيسية، صنعت بدورها أربع موجات فكرية، وأربع تيارات كبرى في الفكرة الإسلامية السياسية، مازالت فاعلة في الوعي الديني السياسي الإسلامي ونماذجه الحديثة الكبرى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإسلام المحمدي هو نمط خاص، أقرب ما يكون إلى تيوقراطية الروح المتسامي. من هنا تجزئتها في مجرى الصراع إلى تيوقراطية سياسية (فكرة السلطان)، وأخرى روحية (فكر الإمام المعصوم في التشيع)، والتي يقابلها في الوعي النظري العملي كل من الفلسفة وفكرتها عن الحكيم الإلهي والفيلسوف (الصيغة العقلية الصرف)، وفي التصوف وفكرته عن القطب والإنسان الكامل (الصيغة الروحية الأخلاقية الصرف). بينما أدت المحاولات الأولى لاستخلاف الصيغة النبوية إلى وضع أسس الفكرة السياسية للخلافة التاريخية، التي صنعت في وقت لاحق نموذج أو أسطورة خلافة الراشدين. ففي مجراها جرى بلورة اغلب المفاهيم والقيم العملية للفكرة السياسية بوصفها مغامرة ومؤامرة أيضا، والتي يمكن تتبع حيثياتها الهائلة المسطرة في كتب التاريخ الإسلامية نفسها، مثل (تاريخ الأمم والملوك) للطبري و(الإمامة والسياسة) لابن قتيبة وكثير غيرهم. أما المسار التاريخي الواقعي اللاحق للفكرة السياسية فقد جرى ضمن هيمنة فكرة الدولة والسلطة، التي جعلت من الدين تابعا، أي أيديولوجية دولة. وبأثر ذلك ظهرت فكرة السلطة والسلطان، التي شاطرتها، رغم مقدماتها المختلفة، التيارات العقائدية السلفية، السنية منها والشيعية. الأمر الذي وجد انعكاسه في ظهور النظريات الأولي بهذا الصدد.

فقد كانت الفكرة السنية تدور حول أولوية السلطان والجسد، التي وجدت تعبيرها في أفكار عديدة مثل فكرة الفاضل والمفضول، وهيمنة "الإجماع" الشكلي، والقبول بالقهر والاستعباد حسب مفاهيم المصلحة والفائدة، وفقه الظاهر والجسد. بينما حصلت في التشيع على فكرة أولية الروح والعصمة، التي كانت تعني من حيث مذاقها ومسارها الوجه المعاكس (ظاهريا) والمقلوب باطنيا لفكرة السلطة والسلطان. ولم يكن ذلك معزولا عن ثقل الفكرة الوجدانية في التشيع وتقاليد المعارضة. وهي الصفة المميزة لكل تقاليد المعارضة العريقة والوجدانية، التي سرعان ما تستعيد قوامها الطبيعي حسب قاعدة الخواص والعوام (أو النخبة والجمهور)، ومن ثم تسير بنفس تقاليد السلطة والسلطان. في حين بلورت التقاليد العقلية والعقلانية للكلام فكرة الخلافة المثالية. أما الفلسفة النظرية والعملية فقد بلورت فكرة الدولة والأمة المدنية، التي نعثر على صيغها الأولية في الأدب السياسي كما هو الحال عند ابن المقفع، والجاحظ، والتوحيدي، وفي التفلسف النظري والعملي كما هو الحال عند إخوان الصفا، ثم في الفلسفة النظرية كما هو الحال عند الفارابي، وابن رشد وغيرهم.

لقد ارتبطت هذه العملية التاريخية المعقدة والذاتية للصيرورة الإسلامية وفكرتها السياسية بما يمكن دعوته بفكرة الأحوال التأسيسية في مقامات المسار (الرقي) التاريخي للأمم. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالات تأسيسية وليست مراحل محورية. وذلك لان الأحوال التأسيسية، هي الصيرورة الكامنة في وجود (ومعاناة) التجارب التاريخية للأمم، اي في إدراك وجودها التاريخي بمعايير الوجدان الروحي أو الأخلاقي أو العملي، ولاحقا بمعايير العقل النظري. وذلك لان توّسع وتعمّق التجارب التاريخية هو الذي يجعل منها مادة ضرورية في مجرى صيرورة العقل الثقافي للأمم. وهذا بدوره ليس إلا العقل التاريخي للثقافات والأمم، اي الصيغة الأكثر تجريدا للوقائع والحقائق الذاتية للأمم في مجرى تجاربها الخاصة لحل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي.

ذلك يعني، أن العقل الثقافي هو الصيغة الملموسة والتاريخية للعقل النظري وذلك لأنه يتمثل حصيلة الفكرة الوجدانية والمنطقية. وبالتالي، فان الأحوال التأسيسية هي المقدمة الوجدانية للعقل العملي، اي القاع الذي تستند إليه أرضية العقل النظري في إرساء أسس البنيان التاريخي للأقوام وثقافاتها، والأمم وحضاراتها. وذلك لان الحضارة تلازم فقط صيرورة الأمة وتكامل كينونتها الثقافية. ومن ثم فهي تلازم بالضرورة مراحل الانتقال التاريخية الكبرى من جهة، وكيفية تجسيدها لفكرة الإرادة (التحدي والتفاؤل) وفكرة العقل التاريخي (العقل الثقافي) وغاياته العملية، من جهة أخرى. وبما أن الفكرة السياسية هي الصيغة العملية المباشرة لفكرة الإرادة، من هنا تغلغلها بالضرورة في زوايا وخلايا العقل الثقافي من خلال ترسبها أولا في قاع الوجدان وارتقائها لاحقا في بنيان الفكرة النظرية. وهو الشيء الذي نعثر عليه فيما أسميته بالمراحل الأربع في مسار الانتقال التاريخي الكبير الذي أحدثه الإسلام بالنسبة لإرساء مرجعياته الكبرى، بما في ذلك بالنسبة للفكرة السياسية.

إن العلاقة بين الإسلام والسياسة وتبلور الفكرة السياسية الإسلامية كانت جزءا ومظهرا لصيرورة التراكم التاريخي للدين للإسلامي ومنظومته الشاملة، أي أنها التعبير النظري والعملي عن رؤيته المباشرة لإشكاليات النظام والوحدة بوصفها الصيغة النموذجية لفكرة التوحيد الميتافيزيقية والوجودية، والتي حصلت على صيغتها المباشرة والعميقة في مرجعية الإله الواحد والأمة الواحدة. وقد أدى ذلك إلى توسيع مدى ومستويات الوحدانية الإسلامية وصيغتها التاريخية الثقافية في الواحدية الإسلامية (الدولة والحضارة). وفي مجرى هذه العملية الدرامية الهائلة تراكمت النماذج الكبرى للتأسيس النظري والأحكام الفقهية والمواقف العملية (السياسية والأخلاقية) وتباينت في كل شيء وتجاه كل شيء، بما في ذلك تجاه إشكاليات الفكرة السياسية نفسها، بوصفه المسار الطبيعي لصنع تقاليد الفكر السياسي النظري والعملي في الإسلام.

إن استقراء تاريخ الفكرة السياسية الإسلامية وتطور مدارسها الكبرى تكشف عن أنها كانت تعبر عن نوعية التحولات الكبرى في تاريخ الدولة والثقافة. بمعنى إننا نرى فيها وفي تياراتها الكبرى ومرجعياتها النظرية اثر "المراحل التأسيسية" الكبرى لمسار الدولة والعقائد والنظام السياسي. وفيها ومن خلالها تبلورت الثنائيات الأكثر جوهرية بهذا الصدد مثل ثنائية الدين والدنيا وانعكاسها الخاص في علاقة الدين بالسلطان والأمة (أي بالدولة والنظام السياسي) ومختلف مظاهرها الأخرى.

فقد مر هذا التطور بأربع مراحل تأسيسية كبرى لازمت مراحل الانتقال الكبرى في بنية الدولة والثقافة، ومن ثم النظريات السياسية. وهي على التوالي مرحلة النبوة العملية، ومرحلة الخلافة الراشدية، ومرحلة الملكية الإمبراطورية، ومرحلة السلطانية الإسلامية (الثقافية).

فقد كانت المرحلة الأولى هي مرحلة النبوة العملية، أو اللحظة التأسيسية التاريخية للوعي السياسي الإسلامي وتقاليده اللاحقة. وفيها جرى تبلور الصيغة الخاصة للفكرة السياسية الإسلامية بوصفها فكرة متسامية، أو أيديولوجية متسامية (دين عملي). ووجد ذلك تعبيره في فكرة "تمام الدين" ولاحقا "ختم النبوة"، أي فكرة الإسلام "دين كامل"، ومحمد "خاتم الأنبياء"، والقرآن "الكتاب الجامع لعلم الأوائل والأواخر". ومن ثم بلور إحدى المرجعيات الخفية للعلاقة العضوية والدائمة بين الدين والدنيا. ولم يكن ذلك معزولا عن دور الدين (الإسلام) بوصفه أيديولوجية متسامية في توحيد الجزيرة والعرب وصنع الأمة والدولة على أساس الفكرة التوحيدية الجديدة، التي ربطت في كل واحد الوحدانية المجردة بالتوحيد العملي. وفي هذا الربط كانت تكمن الأبعاد التاريخية والروحية والميتافيزيقية في انتصار الإسلام المحمدي، أي الصيغة الأولية التي ستتحول لاحقا، بأثر هذا الربط إلى قيمة مستقلة بذاتها ولذاتها. وفيها تتناغم في الوقت نفسه قوة التاريخ والميتافيزيقيا الإلهية. الأمر الذي جعل منها انقطاعا في المسار التاريخي واستمرارا روحيا لما قبله ولكن بمعايير الوحدانية والأمة الوسط. بمعنى انه بلور للمرة الأولى فكرة "الإدارة الإلهية" للدولة والأمة، التي ينبغي أن تضمحل فيها كل قواعد وأحكام الوجود الشرطي والتقليدي للبشر. ومن ثم صنع تقاليد نوعية جديدة تحتكم إلى مبادئ وقيم أخلاقية وروحية متسامية، أي كل ما وجد تعبيره في فكرة الإرادة الإلهية، والمشيئة الإلهية، ومنظومة القيم العملية الواجبة للمسلم والمؤمن مثل الجهاد، والكفاح، والعمل، والصبر، والمروءة ومختلف القيم الأخلاقية الكبرى التي امتلئ بها القرآن. وعلى رأسها جرى تتويج النبي محمد بلقب "عبد الله" بالضد من لقب "ملك للعرب".

لقد كانت هذه الذروة المترامية ما بين ميتافيزيقيا الإله التوحيدي وتاريخ الجماعة الإسلامية المتوحدة في "امة وسط"، تعكس المسار الروحي للفكرة العملية (السياسية). فقد كان الإسلام الروحي وفكرته العملية السياسية مظهرا من مظاهر الشخصية المحمدية، أو يمكننا أن نرى فيهما حقيقة ومضمون التراكم الفعلي لفكرة ونموذج "العمل السياسي". تماما كما تجسدا من الناحية الزمنية فيما يسمى بالتاريخ المكي والتاريخ المدني، أو التاريخ الروحي والتاريخ السياسي. رغم إنهما يبقيان في مسار الفكرة النظرية والعملية كلا واحدا. وكما تنعكس في مكة صراع الروح من اجل الروح، فان المدينة تعكس صراع المدينة من اجل المدينة (الدولة) المحكومة بقوة الشريعة الإلهية. من هنا بروز ملامح العمل السياسي فيها، بوصفه أسلوبا يجمع بين الحلول الجزئية والكلية، بين الفكرة العابرة والثبات، أي أسلوبا لتوحيد الروح والجسد من اجل بناء جماعة وأمة واحدة. وفي مجرى هذه العملية تشكل مضمون الفكرة الإسلامية عن وحدة الدين والدنيا. أما انتصار محمد النهائي فقد أرسى أسس الانتصار التاريخي للفكرة الإسلامية السياسية أيضا، أي فكرة الوحدة الواجبة بين الدين والدنيا، التي كيّفت مجرى المسار التاريخي اللاحق وحددت منظومة مرجعياته الخفية. بعبارة أخرى، لقد كانت الثورة المحمدية ثورة إسلامية، تطابقت فيها فكرة الإرادة الحية وفكرة المرجعيات المتسامية. الأمر الذي جعل منها نموذجا مثاليا وعمليا مطلقا، وجد تعبيره في تحول القرآن والسنة النبوية إلى مصدرين وأصلين جوهريين للعلم والعمل.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخلافة الراشدية، أو اللحظة التأسيسية لفكرة المرجعية المتسامية للدين والدينا. ومن ثم الصيغة المكملة والعملية للمرحلة النبوية. أي كل ما اصطلح عليه بفكرة خلافة النبي محمد. مع ما ترتب عليه من بلورة فكرة التقليد والاجتهاد العلمية التي تغلغلت لاحقا في الثنائية الكبرى للفكر الإسلامي عن وحدة الرواية والدراية، أو المعقول والمنقول. وعلى ضفافها وفي مجراها، بوصفها تاريخيا سياسيا، جرى نقل أبعاد "الفكرة المقدسة" عن مصادرها المباشرة (مشكاة النبوة) بإدخالها في باب الاجتهاد العملي، التي حصلت على ذروتها الخالصة في الفكرة التي أطلقها وطبقها الخليفة الثالث عثمان بن عفان القائل، بان "الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

وقد كانت هذه العبارة القوية، فكرة تأسيسية وعملا بنيويا تغلغل في فكرة تطويع الدين وخدمته للمصلحة السياسية. ومن ثم كانت تحتوي على توظيف واضح وفاضح بقدر واحد لتجارب ومآرب الصراع السياسي من اجل السلطة (الإمام أو الخلافة) بعد موت النبي محمد. فقد كان عثمان نتاجا ظاهريا لباطن الفكرة والسلوك المتراكم في مجرى خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب. بمعنى انه خرج من نفس الحاشية التي تولت تقديمه وأحاطته برعايتها ووصايتها، بما في ذلك توظيف مقتله على انه "الشهيد الأول" للإسلام! بينما كانت هي في حقيقتها شهادة زور كبرى في تاريخ الروح، لكنها وثيقة واقعية فيما يتعلق بصيرورة الفكرة السياسية بوصفها مؤامرة ومغامرة أيضا.

لقد بلورت هذه المرحلة ليس فقط جملة من المفاهيم العضوية في الفكرة السياسية الإسلامية مثل البيعة، والرضا، والطاعة، وأمير المؤمنين، والوصاية، والشورى، والاختيار، والإمام والإمامة، بل ونشاط سياسي يتسم بقدر كبير من المراوغة والخداع والتبرير والتأويل وغيرها.

وفيما لو افترضنا مسار الأمور بدون التمرد التاريخي الأول في الإسلام على السلطة، لكان قد جرى بالطريقة التي أدت أيضا إلى استحواذ الأموية عليها، دون الحاجة إلى كل أساليب الغدر والخيانة. الأمر الذي يشير إلى أن بداية المرحلة الراشدية ونهايتها كانت تحتوي أيضا على مفاهيم وسلوك سياسي يبرر الغدر والمراوغة والخداع والجريمة. ومن الممكن رؤية ذلك في خاتمتها وكيفية ظهور وانتصار الأموية السياسية.

إن مسار الخلافة الراشدية كان يحتوي أيضا على ما يمكن دعوته بعناصر السير صوب أموية مبطنة. والتمرد الإسلامي الأول للأمة (وقتل عثمان) هو الذي قطع بصورة مؤقتة هذا الطريق. فقد كان هذا التمرد الأول هو المحاولة العملية لاستعادة واسترجاع الصيغة المثالية لوحدة الدين والدنيا، أي للفكرة المتسامية والحياة الواقعية، كما تجسدت في صعود علي بن أبي طالب للخلافة. لكن هزيمتها السياسية اللاحقة قد أدت إلى صعود الأموية وانتصارها السياسي. وفي هذا كان وما يزال يكمن سرّ الحالة الدرامية في التاريخ السياسي للفكرة الإسلامية وصراعها الداخلي على امتداد تاريخه لحد الآن. لكنها أدت إلى تغير بنيوي هائل أسّس للمرحلة الثالثة في صيرورة الفكرة السياسية في الإسلام بوصفها فكرة ملكية (أموية).

فقد تحولت هذه الحالة الدرامية إلى مفترق طرق فاعلة في تاريخ الإسلام وفكرته السياسية. من هنا بقاء جذوتها الملتهبة لحد الآن. الأمر الذي يشير إلى أن تاريخ الفكرة السياسية الإسلامية بهذا الصدد لم يذلل بعد فكرة الزمن، ومن جهة أخرى، تشير إلى أن الفكرة السياسية لم تذلل حقيقة هذا الافتراق بالشكل الذي يجعلها فكرة مرجعية عقلانية في وعي الذات التاريخي الثقافي والقومي والإسلامي. وعموما يمكننا القول، بان بقائها واستمرارها يشير إلى أنها كانت جزء من صيرورة التاريخ السياسي. أما سبب تحولها إلى عصب الفكرة السياسية، فيقوم في هيمنة التقاليد الدينية واللاهوتية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مرجعية قهر للإرادة الاجتماعية وتحويلها إلى غلاف لاستبداد أيديولوجي عند الجميع، باستثناء الفكر الثقافي الإسلامي الخالص، اي الفلسفي. ولهذا السبب أيضا نفهم لماذا كان الصراع وما يزال حولها وعنها يجري وضعه وتناوله ضمن أنساق مذهبية عصبية وتقاليد ذهنية بدائية وتقليدية لا يمكنها الفصل بين التاريخ السياسي وفكرة المقدس. مع انه لا مقدس في التاريخ. إذ لا رابط جوهري بين حقيقة الإسلام وحقيقة عثمان، أو بين الفكرة الإسلامية والدموية، أو بين السنية والأموية. والسبب يكمن في أن كل هذه الصنائع الخربة هي من نتاج الأموية، بوصفها سفيانية مروانية قرشية تجارية ومالية عملية ونفعية مراوغة. أما حلّها العقلي والعقلاني فيفترض كتابة التاريخ الإسلامي بمعايير التاريخ والحقيقة. لكي يجري فهمه وعقله بمعايير الضمير الاجتماعي والحرية التامة للروح والعقل والجسد. وبدون ذلك يبقى التاريخ الإسلامي زمن المشاحنات والخلافات الخبيثة والسخيفة، والغبية والدنيئة! أي كل ما يبرر الانطباع الممكن عن أن الدين هو "عرين" الحمير!

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الملكية الإمبراطورية، أو اللحظة التأسيسية لفكرة الدولة الإمبراطورية الصرف. فقد استتبت هنا فكرة وتقاليد الملك والملوكية والابتعاد التدريجي عن تقاليد ومضمون فكرة الخلافة بوصفها نموذجا حيا لاستخلاف النبي فيما يتعلق بوحدة الدين والدنيا، أو الشريعة والأمة. حيث تحولت السياسة العملية وفكرة المصالح والنفعية إلى قيمة مستقلة بحد ذاتها وجوهرية في الموقف من كل شيء. ولعل الأحداث المتعلقة بالتمرد على سلطة الخلافة وإعلان الحرب تحت شعار "قميص عثمان"، وحادثة رفع المصاحف على الرماح، وقضية التحكيم، هي الصور النموذجية لهذا النمط الذي اخضع كل ما في الوجود إلى فكرة المصالح الضيقة. ومن ثم الصيغة النموذجية للخداع السياسي، الذي جعل من الدين وسيلة وأداة صرف لبلوغ المآرب السياسية. وترتب على ذلك إرساء أسس جديدة للانقطاع النوعي عن تقاليد الخلافة الأولى، الذي وجد تعبيره في القول الشهير لمعاوية بن أبي سفيان عما اسماه "يفطم الأمة من التجرؤ على السلطان". من هنا التقييم الذي جرى وضعه بصيغة حديث نبوي يقول، بان الخلافة ثلاثون سنة وما بعدها ملك. وقد رافق ذلك حالة وكمية ونوعية الفرقة والانقسام والاختلاف الفكري والعملي تجاه جميع المفاهيم الكبرى للإسلام وتاريخه السياسي السابق.

لقد كانت تلك المرحلة تتسم بقدر هائل من "التجريب" الذي طوع كل شيء لخدمة المأرب السياسية وفكرة الدولة الإمبراطورية. ومن بين أكثرها تجريب الاستعمال النفعي والسياسي للدين والفكرة الدينية والشعار الديني، وبالأخص ما يتعلق منه بإدخال "الله" وزجه في حلبة الصراع وميادين الوغى ومأرب السياسة ومغامرات القوى المتحاربة، بعد أن كان قوة متعالية وبعيدة فيما وراء "السماء السابعة". بمعنى إجبار "المشيئة الإلهية" على الهبوط من علياء الميتافيزيقيا المتسامية إلى ارض المصالح العابرة. من هنا بروز المفاهيم الكبرى المتعلقة بقضايا الذات والصفات الإلهية وبالأخص مفاهيم المشيئة الإلهية والاستطاعة البشرية، والإرادة الإلهية والإنسانية، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، والعقل والنقل، أي كل تلك القضايا التي كانت تعكس في جزئياتها إشكالية السياسة والأخلاق. بمعنى بروز التأمل النظري والعملي للمفاهيم السياسية والأخلاقية.

أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة السلطانية الإمبراطورية، أو اللحظة التأسيسية لفكرة الإمبراطورية الإسلامية (الثقافية)، التي تطابقت مع مرحلة الخلافة العباسية في تاريخ الإسلام. وفيها بدأ التأسيس النظري للتاريخ السياسي عبر تعميم التجارب الذاتية وتجارب الأمم الماضية. ومن ثم وضعها في منظومات فكرية سياسية.

لقد بلورت هذه المراحل التاريخية الكبرى في لحظاتها التأسيسية معالم وتقاليد الفكرة السياسية الإسلامية. بحيث يمكننا القول، إن لكل لحظة تأسيسية إدراكها الخاص، وتعاملها مع الفكرة السياسية عن الدولة (الخلافة والإمامة)، والسلطان (نظام الحكم)، والأمة وما يتعلق بها من إشكاليات عديدة ومفاهيم كثيرة تتداخل فيها مناهج الفرق والمدارس المتنوعة ورؤيتها العملية في مختلف علومها وفنونها (الدينية منها والدنيوية).

***

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3100 المصادف: 2015-03-02 09:39:37


Share on Myspace