 دراسات وبحوث

الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (6)

mutham aljanabiإن ما يميز المسار الفكري الأعظم في مجال الفكرة السياسية الإسلامية هو كونه تيارا معارضا. بحيث نعثر عليه في كل تلك التيارات التي شحذت منذ صيرورة الخلافة الأولى العقل النظري والعملي، والوجدان الاجتماعي، كما هو جلي عند الشيعة الأوائل والخوارج والمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة و"فقهاء القلب". فقد كان اغلب الشخصيات الكبرى "لفقهاء الرأي والقلب" والمتكلمين والشعراء والأدباء والفلاسفة والمتصوفة من المعارضة. كما تبلورت اغلب المرجعيات الروحية والأخلاقية والعملية ولاحقا النظرية بين تيارات المعارضة. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن هذه المعارضة كانت في الوقت نفسه الأقل تأثيرا في تاريخ الفكرة السياسية العملية، أي تاريخ النفي الفعلي للنظام السياسي "الإسلامي". أما السبب الجوهري لذلك فيقوم في أنها لم تستطع نفي المرجعية العقائدية الإسلامية عن وحدة الدين والدنيا بمرجعية العقل الدنيوي الخالص.

فقد شكلت وحدة الدين والدنيا القاعدة العقائدية والأيديولوجية الذائبة والمؤثرة في اغلب الإشكاليات النظرية والعملية للفكرة السياسية الإسلامية. بحيث حولها ذلك إلى مرجعية جامعة مانعة في التاريخ الإسلامي على مستوى الشعور والعقل والحدس! ولم يكن ذلك بدوره معزولا عن الأسلوب الذي رافق تحول الإسلام إلى دين الدولة. ومن ثم استبطانه الصيرورة الخفية التي جعلت منه في الوعي النظري والوعي الجمعي مرجعية متسامية ومقدسة بوصفه "إله الدولة"، أي صانعها. ومن ثم جرى "تقدسيه" منذ البدء عن أن يكون أيديولوجية موظفة من جانب السلطة، حتى في اشد حالاتها ابتذالا. وفي هذا تكمن وحدة القيم المتناقضة في تحول الإسلام إلى دين الدولة، وتحول وحدة الدين والدنيا إلى مرجعية متسامية في مختلف أشكال الوعي النظري والعملي للثقافة الإسلامية. مما أدى بدوره إلى بقاءها في حيز الفكرة الميتافيزيقية والتاريخية بقدر واحد، أي تلك التي يمكنها أن تكون مصدرا ومثالا حيا ونموذجيا بقدر واحد، وبالتالي مصدرا ومثالا للمقارنة والاستلهام. وفي هذا يكمن أثرها الباقي والفعال والمؤثر حتى الآن.

وقد ارتبط ذلك من الناحية التاريخية بالصيغة التي لازمت انتصار الإسلام وانتشاره. فقد كان انتصار الإسلام (الدين) يحمل في أعماقه إمكانية انتصار الدولة، كما أن انتصار الدولة (الخلافة) اللاحق أصبح الوجه العملي لقوته الروحية والمعنوية والعقائدية والفكرية. الأمر الذي جعل من الدين الإسلامي منتجا للدولة والأمة، بوصفها واقعا وفكرة بقدر واحد. من هنا احتواءهما على هويات واقعية تاريخية وأخرى ميتافيزيقية. فالأمة من حيث الأصل والجذر والغاية هي فكرة وليست تجمعا ولا حتى مجتمعا. وينطبق هذا أيضا على فكرة الجماعة والأمة. فالجماعة هي القوة المعنوية والروحية (الميتافيزيقية)، بينما الأمة هي قوة العملية والتاريخية. وفي هذا يكمن سر جاذبية وفاعلية "أمة محمد" و"أمة الإسلام".

إذ ليست "أمة محمد" من حيث معناها التاريخي سوى فكر الجماعة الإسلامية الحقة. أما من حيث معناها الميتافيزيقي فهي "أمة القرآن". كما أن فكرة "أمة الإسلام" تعني من حيث معناها التاريخي أمة الخلافة، أما من حيث معناها الميتافيزيقي فهي "أمة وسط"، أي نموذج متسامي، بما في ذلك بالنسبة للفكرة السياسية. بعبارة أخرى، إن فكرة "أمة محمد" تعادل معنى النبي محمد والقرآن، بينما تعادل فكرة "أمة الإسلام" معنى الإمامة السياسية كما تجسدت في مختلف صيغ الخلافة (التاريخية) ومثالها النموذجي في خلافة "الأمة الوسط".

فقد شكلت الشخصية المحمدية صيغة عملية (تاريخية) ومصدرا جوهريا (ميتافيزيقيا) بالنسبة لبلورة الطابع العملي للإسلام بوصفه موقفا سياسيا. وأدى نجاحه التاريخي إلى جعل المضمون السياسي للفكرة الدينية شيئا طبيعيا وضروريا. من هنا ظهور وتوسع مضمون فكرة الفرض والواجب، التي تغلغلت في الفقه والكلام ومنهما إلى السياسة وفكرة الجهاد، وتوسع وتعمق مضامينهما في مجرى التطور التاريخية للدولة والثقافة. مع ما لازمه من حركة دائمة للمفاهيم والمقولات، التي أدخلت في فلكها كل الكلمات القرآنية بدأ من الله والقرآن والنبي والوحي والكتاب والإسلام والحق واليقين والجهاد والصبر إلى أدق خلجات الضمير وأكثر مظاهر الجسد بروزا. الأمر الذي جعل من محمد "حديثا نبويا" دائما (أي حوارا متجددا وجديدا)، ومن ثم شخصية متجددة عند أتباعه، كانت تعادل معنى الصيغة المثالية الثابتة لمعنى الوجود السياسي الحقيقي للأمة والدولة. كما جعل من القرآن قراءة متجددة للنفس والوجود. ومن ثم للصراع السياسي أيضا. وأضفى ذلك على ثنائية الظاهر والباطن، والتفسير والتأويل أبعادا سياسية متنوعة على امتداد التاريخ الفعلي للإسلام. وبما أن الشحنة السياسية الكامنة في الكلمات ليست وليدة الكلمة بحد ذاتها، بل في "بدايتها الأزلية" وقدسيتها الخاصة فيه (القرآن)، من هنا طبيعة ومدى الطاقة الحية والفعالة في التأويل بالنسبة للفكرة النظرية والعملية السياسية. وبما أن "كلمات الله لا تنفذ"، كما يقول القرآن، من هنا عدم نفاذ الطاقة أو الشحنة الكامنة فيها. الأمر الذي ترتب عليه تنوع أساليب وأنماط التفسير والتأويل والتعامل مع النصوص. وبما أن "الكلمة الإلهية" من حيث الواقع هي كلمة محمدية، أي شخصية أيضا، من هنا استعدادها لقبول مختلف نماذج المعقول والمنقول. الأمر الذي أدى إلى إنتاج مفارقة منطقية وغير منطقية بقدر واحد يمكن وضعها بعبارة تقول: "القرآن متسام ومتعال، والناس فرحون كل بما لديه!". وضمنها جرى تفسير وتأويل الصراع والمواقف والأحكام وصيرورة القيم والمفاهيم السياسية. بمعنى احتواء هذه المفارقة على طابع تاريخي تلقائي عند جميع الفرق والتيارات، وبالقدر ذاته لم تكن مستقلة من حيث أصولها المنطقية إلا عند التيار الرابع، أي تيار الإسلام الثقافي (الفلسفي).

وبما أن التيارات الثلاثة الأخرى (السلفية الدينية، واللاهوتية السياسية، والإصلاحية الإسلامية) كانت على العموم جزء من حياة وموت السلطة والدولة وليس من تاريخ الفكرة الحية، من هنا بقاءها المختبئ في كل ثنايا الوجود الإسلامي، وانزواء التيار الرابع (الثقافي الفلسفي) واضمحلاله التدريجي. وهي الحالة التي تحكمت بمقولات ومفاهيم وقواعد ومبادئ الفكرة السياسية الإسلامية، التي جعلت من البقاء ضمنها يستلزم بالضرورة العيش بمفاهيم ومقولات وفكرة "الإسلام الأول"، و"إسلام الحق"، و"الإسلام الصحيح"، و"إسلام السلف".

إن هذا التناقض الديناميكي، بوصفه جزء من الصيرورة التاريخية والانتقال من حالة ثقافية إلى أخرى، وجد تعبيره النظري في علم الكلام والفلسفة والفقه وعلوم الدين والأدب وعلم التاريخ واللغة وغيرها، كما حصل على تعبيره العملي (السياسي) في مختلف مظاهر الانتفاض والتمرد والعصيان والثورات والحروب. إلا أن النتيجة الكبرى الشاخصة لحد الآن تقوم في أن التيارات الإسلامية جميعا لم تستطع تذليل حدود الفكرة الدينية اللاهوتية بشكل تام والانتقال بها صوب الفكرة المدنية الخالصة.

من الناحية الفكرية، أبدعت اغلب التيارات الفكرية الإسلامية (من فقه وكلام وفلسفة بل وحتى التصوف) نظرياتها الخاصة عن فكرة الإمامة والسلطان وما إلى ذلك. وكلها كانت تشترك بفكرة العلاقة الصميمة بين الدين والدنيا. والاستثناء قليل جدا. (ضمن التيار الفلسفي والفلسفي التاريخي). لكنه كان يبدو كما لو انه خارج تيار "الدين الإسلامي". فقد كان الصراع الفكري بهذا الصدد حيا وفاعلا ومنتجا. وأبدع كل منها أساليبه وتبريره وتأسيسه، التي بلغت ذروتها في الفكر الفلسفي التاريخي عند ابن خلدون وفكرته التاريخية عن الدولة، وليس الدوران في فكرة الإمامة وإشكالاتها المتعلقة بالنص والاختيار باعتبارها فكرة عقائدية مذهبية (سنية – شيعية) أكثر مما هي قضية فكرية مستقلة بحد ذاتها.

أصيبت التيارات المدنية (العقلانية) مع مرور الزمن بإحباط وجد تعبيره الخاص في فكرة الفيلسوف الفرد، المتسامي، المنزوي، المتكامل بمعايير الروح المعرفي والأخلاقي (كما هو الحال عند الفارابي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد)، أي الصيغة الموازية للفكرة الصوفية عن "الإنسان الكامل". بينما أدى سقوط المراكز الثقافية السياسية الإسلامية الكبرى (منذ القرن 7- 8 الهجري) وصعود واستتباب الظلامية الدينية إلى ظهور تأملها النظري العميق فقط، كما هو جلي في الفلسفة التاريخية لابن خلدون في (المقدمة) وابن الأزرق في (بدائع السلك في طبائع الملك). وما بعد ذلك تلاشى التاريخ وتناثر في ذرات الزمن العابر. من هنا انعدام الفكر والتفكير والتأمل النظري والعملي. وبالمقابل توسع مدى التفسير، وكتابة الحواشي، ثم الحواشي على الحواشي، أي مختلف مظاهر وأشكال الاجترار الميت للمعلومات والأحداث.

بعبارة أخرى، لقد بدأت بعد القرن الثامن الهجري مرحلة الجمود وبداية الانحطاط. وحصلت على ذروتها في السلطنة العثمانية وتمويت الروح الثقافي للحضارة الإسلامية وتحويلها إلى مجرد كمية قليلة من العقائد والأجهزة التابعة للحريم والغنائم. وليس مصادفة أن تكون استعادة النمط "الإلهي النبوي" الموافق للمرحلة الدينية اللاهوتية في الوهابية وما قبلها عند شخصيات مؤثرة مثل احمد السرهندي (1563-1625) ، ومحمد بن علي الشوكاني (1173- 1834) وأمثالهم.

فقد مّثل الشوكاني نموذج الشخصية الذائبة في إرساء أسس الرؤية النقدية من خلال الخروج عن تقاليد الزيدية بعد انزوائها في جبال اليمن. فقد كانت الأفكار الأساسية التي قال بها موجهة ضد ما جعلته الوهابية لاحقا جوهر عقيدتها العملية، أي محاربة التقليد ومظاهر الوثنية الجديدة. مع الأخذ بفارق الفكرة وتقاليدها. فقد كان الشوكاني متبحرا في علوم الدين والأفكار، على خلاف محمد بن عبد الوهاب الذي اكتفى بفتات المعرفة الدينية المغربلة بمصفاة الحنبلية والمغذاة بالأسلوب الظاهري لابن تيمية.

وضع الشوكاني أفكاره النقدية هذه في (شرح الصدور بتحريم القبور) و(السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار). وانطلق من معارضة أولئك الذين أوغلوا "في طريق الوثنية وراء شياطين الصوفية، الذين هم أعداء الله وأعداء الإنسانية في كل مكان". انه حاول التأسيس لفكرة محاربة ومعارضة وتفنيد زيارة القبور والكرامات، معتبرا إياها أكاذيب. بحيث نراه يهاجم الإمام يحيى. وانطلق في موقفه هذا من انه إذا كان هناك خلافا بين المجتهدين، فمن الضروري رده إلى الكتاب والسنة، استنادا إلى الآية (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول". واعتبر مهمة العالم أن لا يكتم شيئا، بل يعلنه، استنادا إلى الآية القائلة، (وإذا اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليتبينه للناس ولا يكتموه)، و(إن الذين يكتمون ما أنزلناه من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون". ومن ثم ليس هناك من ضرورة للتقليد. لقد سبق الشوكاني هنا محمد بن عبد الوهاب فيما يتعلق بفكرة جوهرية القرآن والسنة. بل يمكننا القول، بان الصيغة العلمية للفكرة الوهابية الأولية ليست إلا احد نماذج التراكم النوعي الجديد للشحنة التي كانت تتطاير في فضاء الجزيرة العربية التي أسس لها الشوكاني في الجنوب، والشيخ الاحسائي (1753-1826) في الشرق والشمال.

فقد كانت الفكرة الأساسية عند الشوكاني بهذا الصدد تقوم في البرهنة على أن التكاليف الشرعية عامة للعالم والجاهل. من هنا تناوله ودفاعه في الوقت نفسه عن ضرورة الرجوع في حل الإشكاليات الفكرية والاجتماعية والسياسية إلى القرآن والسنة. وانطلق هما من أن الجوهري هو القرآن والسنة وليس كتب المتكلمين في حال تناول القضايا (بما في ذلك من حيث مستوى تناولها بمعايير القياس والمقارنة. كما وقف موقف المعارض الشديد من بناء القبور، بحيث نراه يضع هذه المقدمة في انتقاده لأراء الإمام يحيى بن حمزة (1270-1346 للهجرة) بصدد رفع القباب على قبور الموتى. كما عارض بشدة أيضا زيارة القبور. ووقف بالضد منها ومن عادات النذور باعتبارها بقايا وثنية. ووضع هذه الأفكار في صلب فكرته الإصلاحية الأولية. ومن الممكن أن نتخذ من مقال (رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة) و(الدواء العاجل في دفع العدو الصائل) احد نماذجها النقدية تجاه الواقع والأيديولوجية الدينية. ففي (رفع الريبة) نراه ينحو منحى اجتماعيا وسياسيا في نقد الواقع، خصوصا فيما يتعلق بفكرة الغيبة، وكذلك تجاه الموقف من تغيير الواقع (الاستعانة على تغيير المنكر). ويبرز هذا الاتجاه بوضوح اكبر في مقالته (الدواء العاجل) إذ نراه هنا يقف إلى جانب فكرة التطبيق الحي لمبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). من هنا نظرته النقدية والعملية تجاه مختلف مظاهر الخروج على هذا المبدأ في اليمن، بغض النظر عن المذاهب من خلال نقده لسلوكهم تجاه مختلف قضايا العبادات من صلاة وصوم وغيرها. إذ يعتبرها ابتعادا عن الدين. كما نراه يناقش مواقف العمّال الكتّاب والحّكام من الناس، باعتبارها مواقف مخالفة ومنافية لحقيقة الإسلام وتقاليده. ووجد فيها أساليب قمعية وشرهة ومتخلفة. فمهمة العامل "استخراج الأموال من أيدي الرعايا". ومهمة الكاتب "جمع ديوان يكتب فيه المظالم التي يأخذها العامل من الرعايا". أما القاضي فهو "عبارة عن رجل جاهل للشر عاما جهلا بسيطا أو جهلا مركبا".

إن الحصيلة العامة لهذه النماذج وأمثالها، كانت أشبه ما تكون بإصلاحية تقليدية صرف. أنها حاولت استعادة العلاقة بين الدين والسياسة من خلال حصرها بفكرة "التوحيد" اللاهوتية الصرف، اي ضمن حدود عملية بسيطة وواضحة ومتشددة. من هنا أفكارها الأولى العامة عن الرجوع إلى الإسلام الأول، وفكرة التوحيد، وهدم الأضرحة والقبور والمزارات. بمعنى أنها استعادت بصورة عملية لا تخلو من وجدان تقليدي ومتشدد، تقاليد التسنن الحنبلي. بمعنى استعادة التقاليد الراسخة لكمية "الرسوم والعلوم" "المقدسة"، أي الميتة. بينما اتخذت في التشيع مسارا مختلفا نسبيا، لكنه كان يصب في نفس الاتجاه.

لقد طورت التقاليد الشيعية السياسية شحنة العداء للجبابرة (الاستبداد)، وعمقت روح الكفاح، وقيم الاستجابة نداء الحق والقدر والمصير. وفيها تنعكس أيضا نفس تقاليد الانقلاب من المعارضة إلى السلطة، بمعنى انقلاب القيم والمفاهيم. وهذا جزء من صيرورة الدولة والتاريخ. وفي هذه الإعادة والاستعادة لتناقض الوجود تتراكم الرؤية وتتوسع فيما يتعلق بالمفاهيم والقيم والأساليب.. (العباسيون في العراق، الفاطميون في مصر، الزيديون في اليمن..). إن هذا جزء من طبيعة السلطة ومستوى التطور. فالتدين السياسي هو اقرب إلى جسد الغريزة رغم شعار الروح المهيمن، على عكس السياسة المدنية المحكومة بقيم الانتماء الروحي لأحد نماذج تمثل الكلّ الروحي للأمة. أما الفرق بينهما فيقوم في بقاء جذوة الغنوص الشيعي وبقايا التفلسف العقلي، والتصوف الروحي، أي على كمية تقليدية أيضا من الوجدان الروحي والأخلاقي والمعرفي.

غير أن كل هذه الكمية الهائلة للحشو والتقليد استطاعت مع ذلك إثارة الحماس العملي في ظل المواجهات الأولى مع الغرب الكولونيالي الزاحف على مختلف بقاع العالم الإسلامي. وجرى ذلك أول الأمر من خلال ما يمكن دعوته بالتشيع العامل والتصوف الفاعل. وليس مصادفة أن تتحول الأفكار الصوفية لابن عربي عن الإنسان الكامل وتقاليدها اللاحقة إلى قوة مثيرة في مختلف المناطق. ففي إيران نراها في فكرة "الشيعي الكامل" عند الشيخية، وفكرة "الباب" عند البابية، واستعادة الرموز التاريخية وتنشيطها العملي عبر التأويل السياسي.

إن هذه الحالة ليست معزولة عن تاريخ وخصوصية التشيع وفكرة المهدي المنتظر بمعناها الميتافيزيقي والسياسي. فالتاريخ الشيعي تاريخ مؤنسن، بفضل جوهرية الإمام وفكرة الفرد المتسامي والرجوع الأبدي للمهدي. من هنا على سبيل المثال (تقاليد الغلاة وفكرة الإيمان بالإمام بوصفه مرجعية مطلقة على النص..). فقد كانت الشيخية تقول "لكل عصر سليمانه الخاص". وبعد الثورة في إيران ظهرت رسوم تصور الخميني منقضا على الشاه وتحتها عبارة "لكل فرعون موسى". بينما تحولت فكرة ونية وذهنية التضحية والحرب والشهادة المعمدة بالدم إلى شعار متجدد في المواجهات الدامية. بحيث نراها تجد زمن التمرد البابي في حسين بوشروي تجسيدا للحسين بن علي، وفي مازندران تجسيدا لكربلاء. كما نجدها في تحول فكرة "فقراء الله" التي قالت بها تقاليد التشيع الاجتماعي كما هو جلي في الحركة المختارية وفكرتها عن الحرية والمساواة، إلى فكرة "المستضعفين" عند الخميني.

ووجد ذلك انعكاسه الأول في "الثورة المشروطة" ولاحقا في "الثورة الإسلامية". وفيها يمكننا رؤية ما يمكن دعوته بالاستنساخ المبدع لتاريخ التمرد والثورة في حلقات الحركة البابية ثم الثورة الدستورية (المشروطة) ثم الثورة الإسلامية. كما يمكننا رؤيته في تطور تقاليد المواجهة السياسية وانعكاسها النظري والأيديولوجي في "الإسلام الثوري" عند شريعتي و"ولاية الفقيه" عند الخميني.

وفي المغرب العربي نراها تظهر في انتعاش فكرة الإنسان الكامل كما وضع الغزالي أبعادها الأخلاقية العملية، وابن عربي صيغتها الروحية والمعرفية، في مجرى مواجهة الكولونيالية الفرنسية والاسبانية والايطالية. وتبرز نماذجها العملية الكبرى في مختلف الطرق الصوفية مثل التيجانية والسنوسية والشاذلية، وفي حياة وموت شخصيات شهيرة مثل عبد القادر الجزائري (1808-1883) ، وعمر المختار(1861-1931)، وعبد الكريم الخطابي (1882- 1963) وأمثالهم.

استثار الصعود المتنامي للمركزية الإسلامية الحديثة أنماط أخرى جديدة في تأمل وتأسيس النشاط السياسي، تمثلت تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والإصلاحية والفلسفية القديمة مع تأثر حي بنتاج الفكر الأوربي الحديث بشكل عام والفرنسي والانجليزي بشكل خاص. من هنا الانزواء النسبي للوهابية وانحصارها ضمن الجزيرة العربية، وصعود حركات الإصلاح الحديث والنهضة القومية الأدبية والإصلاحية في مختلف مناطق العالم الإسلامي.

ففي العالم العربي نرى الملامح الظاهرية والفعلية لهذا النمط الإصلاحي الجديد في شخصيات جمال الدين الأفغاني (1839-1897)، ومحمد عبده (1849-1905)، وعبد الرحمن الكواكبي (1849-1903)، وغيرهم. وفي العالم الإيراني (العراقي) نراها على مثال محمد حسين النائيني (1273-1355 للهجرة) وغيرهم. وفي العالم الهندي نراها على مثال احمد خان (1817-1889) وأمير علي (1849- 1928) ومحمد إقبال (1877- 1938) وغيرهم. وفي العالم التركستاني - الروسي على مثال "الحركة الجديدية" وشخصياتها الكبيرة مثل شهاب الدين مرجاني (1818-1889)، ومفتاح الدين اكمولا (1831-1895)، وحسين فيض خان (1823-1866)، وإسماعيل غاسبرينسكي (1851-1914)، وموسى بيغيف (1874-1949) وغيرهم.

فقد أسست الإصلاحية الإسلامية الكلاسيكية بشخصية الأفغاني وعبد والكواكبي لثلاث أفكار كبرى هي بقدر واحد مبادئ متسامية ومناهج عملية.

فقد أسس الأفغاني لفكرة كيفية مواجهة العدو الخارجي (الكولونيالي الأوربي) من خلال بلورة مبادئ الجامعة الإسلامية والهموم الفعالة المشتركة والسعي العملي للحرية السياسية والأصالة الثقافية.

بينما أسس الكواكبي لفكرة كيفية مواجهة العدو الداخلي (الاستبداد) من خلال بلورة مبادئ العمل السياسي الاجتماعي من اجل القضاء على الاستبداد ومن ثم بناء الدولة القومية الحديثة المتنورة بمبادئ الحرية والعدل والمساواة والنظام الدستوري.

أما محمد عبده فقد أسس لفكرة كيفية مواجهة العدو الباطني من خلال بلورة منظومة الرؤية الواقعية للتنوير والنهضة الثقافية والعلمية الأصيلة عبر محاربة التقليد والجمود الفكري والعقائدي.

وقد سار محمد إقبال من حيث الجوهر ضمن نفس فصول وأصول الأفكار الكبرى للإصلاحية الإسلامية الكلاسيكية، ولكن من خلال تطبيقها العملي على واقع الهند وتوظيفها السياسي المباشر في فكرة الدولة الإسلامية (الباكستان).

أما النائيني فقد كان الأكثر تدقيقا وتوفيقا في فكرته السياسية الإصلاحية، التي وضعها في احد أدق الرسائل الفكرية الحديثة للفكرة الإصلاحية الإسلامية السياسية كما هو جلي في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة).

لقد انطلق النائيني من أن ما اتفق عليه "عقلاء العالم أجمع، هو أن استقامة نظام وحياة النوع البشري متوقفة على وجود سلطنة وحكومة سياسية، سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة، وسواء كان المتصدي لها غاصباً قاهراً أو وارثاً منتخباً". وانه "مما هو معلوم بالضرورة أيضاً أنه لا يمكن حفظ شرف استقلال أية أمة أو قومية وحفظ خصائصها الدينية والوطنية إلاّ إذا كان النظام الحاكم فيها منتزعاً منها".

وان استعراض تاريخ ونوعية السلطة (النظام السياسي) تشير إلى أن الأنظمة القاهرة (الاستبدادية) هي مصدر خراب الأمم واندثارها. بينما تكشف التجارب القديمة والحديثة عن أن أفضل الأنظمة السياسية هي الأنظمة الدستورية، التي تصنع سلطة تناسبها هي "السلطة المحدودة، والمقيدة، والعادلة، والمشروطة، والمسئولة، والدستورية". أما بنائها فمرتبط بأمرين وهما "إيجاد دستور وافٍ بالتحديد المذكور، بحيث تتميز الوظائف التي يُلزم السلطان بإقامتها عن المجالات التي لا يحق له التدخّل فيها والتصرف بها. ويتضمن أيضاً كيفية إقامة تلك الوظائف وإيضاح درجة استيلاء السلطان وحرية الأمة وما لفئاتها وطبقاتها من حقوق، على وجه يكون موافقاً لمقررات المذهب ومقتضيات الشرع"، والثاني "إحكام المراقبة والمحاسبة، وإيكال هذه الوظيفة إلى هيئة مسددة من عقلاء الأمة وعلمائها الخبراء بالحقوق الدولية المطلعين على مقتضيات العصر وخصائصه، ليقوموا بدور المحاسبة والمراقبة تجاه ولاة الأمور الماسكين بزمام الدولة، بغية الحيلولة دون حصول أي تجاوز أو تفريط، وهؤلاء هم مندوبو الأمة والمبعوثون عنها".

ووجد في هذا النظام السياسي الدستوري ضمانة الحرية والمساواة، باعتبارهما أهم مبادئ الوجود الإنساني الحق. ووجد في هذه الحصيلة شيئا يستجيب ويتطابق مع حقيقة الفكرة الإسلامية عن الدولة والسلطة والحاكم. من هنا رده بنفي قاطع على ما إذا كان من الممكن في العالم الحديث وجود بديل عن الحكم الدستوري. ووضع ذلك في أجوبته على ما اسماه بالشبهات التي أثيرت حول الحكم الدستوري. إذ وجد فيها مجرد وساوس، هي بدورها كانت وما تزال "ناتجة من أعمال الطواغيت وجبابرة الأمم ومن إفرازات شعبة الاستبداد الديني. وقد ألقيت من قبل بعضهم بهدف الحفاظ على شجرة الاستبداد الخبيثة".

ولا تشذ الفكرة الإصلاحية وشخصياتها في العالم الروسي والتركستاني عن هذا الاتجاه العام رغم خصوصيته النسبية آنذاك. فقد كانت شخصية المرجاني، على سبيل المثال، تجسيدا حيا للروح الإصلاحي العقلاني والتنويري النقدي. فهو الأول من بين التتر المسلمين في روسيا، الذي استطاع إرساء التقاليد الإصلاحية العقلية في مختلف الميادين العلمية والعملية. وأرسى هذه الأسس من خلال محاربة التعصب وضيق الأفق الديني والثقافي والقومي. وتجلى ذلك بوضوح في موقفه من الاجتهاد والدعوة الدائمة إليه. وانطلق بذلك من يقينه بأنه لا إنسان معصوم من الخطأ، وان الاجتهاد فضيلة، وبابه مفتوح على الدوام. لأن التقليد يحّجر عقل الإنسان ويقلل من قدره وقيمته، بما في ذلك من وجهة نظر الإيمان. كما أن محاربة الاجتهاد هو منافاة لحقيقة الدين الإسلامي. فالتقليد يجعل الإنسان عبدا للماضي ويقيّد عقله الذي وهبه الله إياه للتفكر والإدراك. لاسيما وأن الإسلام لا يقرّ بعبودية لغير الله، ومن ثم فان العبودية لغيره أيا كانت هو منافاة لحقيقته.

أما إسماعيل كسبرالي (غاسبرينسكي) ، فقد أرسى رؤيته الإصلاحية من خلال فكرة ومشروع (الوفاق الروسي الشرقي). فقد كانت أعماله الفكرية تهدف إلى إنهاض الروح العملي عند المسلمين. وانطلق في رؤيته عن وحدة المسلمين من ضرورة اعتمادها على عقول مستنيرة وناس قادرين على التضحية والعمل. وهي مهمة مستحيلة في ظل سيادة الجهل والتخلف المادي والمعنوي. من هنا وضعه قضية الاهتمام بالمعارف والعلوم في صلب تصوراته الإصلاحية. وأكد بهذا الصدد على ضرورة الاستفادة من إيجابيات الثقافات الأخرى في مختلف الميادين والعلمية منها بالأخص. فهو يسير هنا في نفس تقاليد العقلانية الإسلامية وتقاليدها الإصلاحية القديمة عن أن العلم بحد ذاته فضيلة. بحيث جعله ذلك يقر بإمكانية بل وبضرورة توسع روسيا في المناطق الإسلامية ولكن بشرط مساهمتها في إنهاض المسلمين ثقافيا وعلميا. وبنى اجتهاده هذا، الذي كان يهدف ضمن تصوراته إلى خدمة وحدة المسلمين على اعتبارين، الأول هو حقيقة الإسلام التوحيدية والأممية، والثاني رؤيته عن طبيعة المكونات الثقافية لروسيا نفسها. ووضع في الاعتبار الأول الفكرة القائلة بان عظمة الإسلام تقوم في قدرته ومساعدته المسلمين على الاحتفاظ بهويتهم الثقافية. من هنا فانه لا معنى لتجزئة المسلمين على أساس العنصر والمكان والتراب. ووضع في الاعتبار الثاني ما اسماه بالعامل الوسط في الثقافة الروسية بين الغرب والشرق، وبالعامل الوسط للمسلمين في روسيا بين روسيا وعالم الإسلام. وأعطى لهذه "الوسطية" أيضا أبعادا سياسية وروحية، بحيث جعلته يتكلم عن "المكان الشرعي" للروس والمسلمين في روسيا بين الغرب والعالم الإسلامي، وذلك بفعل التوافق الباطني بين المسلمين والروس.

وحاول أن يؤسس لفكرته عن الوفاق الروسي – الشرقي(الإسلامي) من خلال ربط الأبعاد الجيوسياسية والثقافية للعلاقة الروسية – الإسلامية في كل واحد. فقد انطلق مما اسماه بضرورة تذليل خطورة الصين والإنجليز. فالصين تتميز بسيادة فكرة السلطة من اجل السلطة والتصنين، الذي يسحق الأصالة الثقافية للشعوب والقوميات الأخرى، بينما يتميز الإنجليز بالصلف وعدم احترام تقاليد الشعوب الأخرى. أما الروس فإنهم على خلاف ذلك. فهو لم ير شعبا سائدا يعامل الشعوب الأخرى الخاضعة له ضمن الدولة على قدر المساواة، كما أنهم ينظرون إلى الآخرين كما لو أنهم منهم واليهم. ولا يتميز الشعب الروسي بروح العداء للمسلمين، بل هم أكثر تسامحا واعدل في علاقتهم بالشعوب التركية المسلمة في روسيا من أتراك السلطنة العثمانية تجاههم. إضافة لذلك أن الروس يختلفون عن الأوربيين الغربيين المتميزين بالأنانية والنفعية الباردة. فالمسلمون يرون في الروس أيضا ذاتهم المشتركة مثل الانفتاح والتسامح والصداقة وحب الآخرين. لهذا اشترط في ترسيخ الوفاق الروسي الإسلامي اعتماده على الشعور المشترك بالانتماء المعنوي لروسيا، لا على أساس الاعتبارات النفعية والسياسية الضيقة. وطالب المسلمين بان يكونوا أولا وقبل كل شيء وطنيين والعمل مع الروس من اجل التنوير والنهضة.

ويفترض ذلك من الدولة الروسية العمل من اجل تخليص المسلمين من الجهل والتخلف. إذ لا ينبغي أن تكون السيطرة الروسية من اجل السيطرة والاستغلال ودفع الجزية. ومن العيب على روسيا أن تكون مهمتها بهذا الصدد مجرد الاستعاضة عن القاضي بتسمية الحاكم وعن النائب بتسمية الشرطي. إن مهمة روسيا كما خطط لها كسبرالي في الوفاق المفترض هي مهمة حضارية. واعتقد بان سياسة كهذه سوف تدفع حدود روسيا إلى كل مناطق الأتراك المسلمين. بحيث تصبح هذه المناطق عاجلا أم آجلا جزءا من الدولة الروسية.

إننا نعثر فيما جرى استعراضه بصور مكثفة لبعض نماذج الإبداع النظري والسلوك العملي لرجال الإصلاحية الإسلامية على نوعية الرؤية الإصلاحية المرافقة لكمية ونوعية التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية والروحية في العالم الإسلامي آنذاك. كما تنعكس فيها تنوع التجارب الفردية والقومية من جهة، ونوعية الحلول الواقعية والمفترضة من جهة أخرى. والاهم من ذلك أنها استعادت بطريقة جديدة وآفاق مستقبلية ثنائية الدين والدنيا دون أن تجعل منها مرجعية لاهوتية. بمعنى أنها نظرت إليها بوصفها مرجعية ثقافية سياسية. من هنا جوهرية التحرر والحرية من الغزو الكولونيالي، وأهمية النهضة العلمية والثقافية بوصفها الصيغة المكملة أو الخط الموازي للتحرر الفعلي. وكلاهما يشكلان خطوط القاطرة الجديدة للرقي المادي والمعنوي بوصفه حقيقة الإسلام وجوهره.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3104 المصادف: 2015-03-06 22:49:09


Share on Myspace