 دراسات وبحوث

الشكوك على المعتزلة

emad ajahaعلى غرار تلك الأطروحة التي تقول إن كل الإشكالات الفلسفية والعلمية التي تقلق اليوم علماء ومفكري العالم المعاصر تَجِدُ أصولها وجذورها في تربة الثقافة الإغريقية القديمة، أي عند حكماء اليونان الطبيعيين الأوائل - السابقين على سقراط - الذين مهدوا لبزوغ الفلسفة والعلم ؛ فإنه هناك أيضا أطروحة أخرى، تطرح على مستوى محلي، تعتبر أن الصدام القائم بين الصف الأصولي والصف الحداثي، والصراعات والنزاعات السياسية والإجتماعية والثقافية، وأسئلة التنوير والحداثة والعلمنة بالعالم العربي والإسلامي الآن هي امتداد لأسئلة وصراعات ذلك الزمن الذي ازدهر فيه علم الكلام وتعددت فيه الفرق والمذاهب الكلامية، فإذا رجعنا إلى ذلك التراث وامتلكنا أساليب الحوار الفكري الذي دار بين الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة نكون قد اقتربنا من الإمساك بمفاتيح الإشكالات المطروح أمامنا حاليا على الأرض . لكن على أي حال فإن رجوعنا إلى سياقات تاريخية مغايرة وتعاملنا مع معطيات ونصوص التراث لن يكون غفلا من رقابة العين الناقدة، ولن تفلت المسلمات والشعارات والرموز والمقدسات التاريخية الكبرى من إجراءات الخضوع للفحص والغربلة وعملية الفسخ والتفكيك وإعادة التركيب .

مادام نخبة الحكماء وأهل الثقافة والمعرفة في الوطن العربي اليوم لا يختلفون في كون أن الحلول الناجعة لعلاج أمراضنا الحضارية وتماثلنا للشفاء لن تأتي إلا من طريق العقل وإلا بوساطة وسائل التفكير العقلاني، فإن هذا سبب كافي ليفسر كل ذلك الإهتمام الكبير الذي حظيت به جماعة المعتزلة وكل تلك الدراسات التي حررت والكتب التي طبعت حولهم، لأن المعتزلة كانت أكثر الحركات الفكرية في الثقافة الإسلامية ميلاً إلى استخدام العقل في مجالات وميادين كان يحسم النقاش فيها بالنصوص الدينية الحرفية فيحول ذلك دون بلوغ الأهداف المنشودة والتقدم خطوات نحو الأمام .

إنني لا أزعم هنا أبدا، في هذا المقال المتواضع، أنني بصدد القيام بإحاطة شاملة مانعة للفكر الإعتزالي، أو أنني قد قرأت وألممت بجميع مصنفات وأعمال المعتزلة حتى يتسنى لي الكتابة والحديث عنهم: " تصوّروا كاتبا قرأنا له كلّ ما ألّف و كلّ ما أُلّف حوله، هل نستطيع بعد ذلك أن نكتب عنه مجدّدا ؟ شخصيا لا أستطيع ذلك [...] أتساءل في الفترة الأخيرة: هل ينبغي، لكي نكتب عن مؤلّف ما، أن نقرأه ؟ "(1) لكنني أزعم أن الفكر الإعتزالي قد تجلى وبرز بشكل كبير في أصوله الخمسة إلى درجة أنه يمكن اختزال خلاصة النظرية الإعتزالية في هذه الأصول الخمسة، ودليلنا في ذلك هو قول الشيخ أبى الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط المعتزلى: " لسنا ندفع أن يكون بشر كثير يوافقوننا في التوحيد والعدل ويخالفوننا في الوعد والوعيد والأسماء والأحكام، وليس يستحق أحد منهم إسم الإعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة "(2) . وعلى هذا فإن عملنا في هذا المقال لن يتجاوز عرض مضمون هذه الأصول المعتزلية الخمسة وتسجيل بعض الملاحظات البسيطة هنا وهناك، وأينما وجدنا ضرورة لذلك . وهذا حتى تستقيم رؤيتنا للأنا فتتصحح علاقتنا بالآخر، وننتقد الذات قبل الهجوم على الغير .

 

أولاً: أصل العدل

لأصل العدل عند المعتزلة معنى أولي صريح يفيد تنزيه ذات الله تعالى، أي نفي الصفات البشرية التي تحمل معنى التجسيم عن الله، والهدف الأسمى من ذلك هو الرد على اليهود والمجسمة والمشبهة(3).

ينطلق المعتزلة من أية "ليس كمثله شيء" (الشورى: 11) ويعتبرونها أية محكمة لا تقبل التأويل، وعلى ضوئها يتم تأويل كل الآيات التي يحمل ظاهرها نوعا من التشبيه في حق الله .

يتجلى الله في تفكيرنا -حسب المعتزلة- وفق ضربين من الصفات يتحدد بموجبها فهمنا لله: الصفات السلبية والصفات الإيجابية . وأما الصفات السلبية فتنفي عن الله كيفيات الوجود المادية "الأسطقسية" المعروفة، فالله ليس لحما ولا دما ولا شبحا ولا صورة ... وما هو بعَرَضٍ أو بجوهر. ولا تلحقه الكيفيات الأربع للمادة: البرودة، السخونة، اليبوسة، الرطوبة . والله كذلك ليس له طول وليس له عرض ولا عمق، ولا جهات له: (أمام، خلف) ولا يحل بمكان، كما أنه لا يتجزأ ولا يتبعض وهو منزه عن علاقات المنفعة والمضرة .

ثم الصفات الإيجابية فهي وإن كانت إيجابية لفظا فإنها سالبة معنى، ذلك أنه حين نؤكد اتصاف الله بالوحدانية نكون بشكل ضمني ننفي عنه الشريك، ومثل ذلك أيضا عندما نقرر أن الله قديم نكون ننفي عنه صفة الحدوث، وعندما نصف الله بالصمدية نسقط عنه التباس الإحتياج .

من هنا يرى المعتزلة أنه وإن كانت توجد صفات يشترك فيها الله والإنسان فإنها تختلف من حيث أنها محدثة على الذات البشرية، بينما هي لصيقة بالذات الإلهية، نابعة منها . إن جهل الإنسان المطلق بالصفات الإلهية جعل المعتزلة يقولون بوجود صفات إلهية ملتصقة بالذات لكنها ليست تشبيها لها، ودائما كما هو الحال في جميع الأمور العقائدية المتعلقة بالله وصفاته كان هدف المعتزلة هو الرد على التصور المسيحي ومحاولة معارضته والخروج عن جادته .

هكذا يصبح الله في كراسات المعتزلة قادرا بقدرة هي هو، أي نابعة من صميم ذاته، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن باقي الصفات كالعلم والحياة وغيرها ... دائما تبقى هذه الصفات غير منفصلة عن الذات الإلهية، وحتى إذا تعددت فهذا لا يعني تعددا في الذات الإلهية، لأن هذه الصفات ملتحمة مع ذات الله وليس من الممكن فض هذا الإلتحام . لأنه إذا افترضنا استقلال صفات الله عن ذات الله لترتب عن ذلك القول بأن الله جوهر وأن الصفات حادثة عليه، وقد يمكن حينها القول بوجود أكثر من إلهين .

نفهم جدية المعتزلة في خدمة العقيدة وصيانتها وحرصهم على السمو بها من براثين وبقايا العقائد الوثنية التي كانت لا تزال سائدة في القرون الأولى للإسلام أو التي كان لا يزال يحتفظ بها الأقوام حديثي العهد باعتناق الإسلام المنحدرين من أعراق غير عربية . فبعد الفتح العربي لأرض العراق والشام وفارس ومصر دخل في الإسلام أفواج من اليهود والنصارى والمجوس ومن فرق ومذاهب شتى . فإذا كان هؤلاء قد غيروا دينهم في ساعة من ليل أو نهار فإنه لم يكن من المنتظر أن تتغير عقليتهم بهذه السرعة . هكذا نفهم سبب حرص المعتزلة على تنزيه الذات الإلهية وتفوقهم في هذا الحرص على باقي أتباع الأديان الأخرى . لكن مجرد إبداء إعجابنا بهذه الروح التجريدية عند المعتزلة والسلوك نحو التعالي والمفارقة في تصورنا لله ليس كافيا، بل يلزم التأكد أولا من الوسائل والأساليب التي اعتمدها المعتزلة لتحقيق هذه الغايات، وهل كان دفاعهم عنها خالصا لوجه الحق أم باعثه ومحركه أطماع وخصومات بعيدة عن هموم المعرفة والعلم ؟ .. وثم مراجعة مدى تطابق المقدمات المفترضة مع النتائج والخلاصات التي انتهوا إليها، وهل فعلا استطاعوا تقعيد تنظيراتهم وتبيئتها داخل مساحات النص القرآني أو حتى داخل الوسط الإجتماعي الإسلامي؟

ألمحنا إلى أن المعتزلة كان هدفها هو تطهير تصورنا لله من كل أثر حسي ومن كل معنى يفيد التجسيد، وأيضا تشكيل تصور إلهي مفارق للمادة من أجل القطع مع ما ذهب إليه المجسمة والمشبهة ومع ما جاء في الإسرائيليات ... فبعد أن قررت المعتزلة أصولها وعقائدها كان لابد لهم من استحداث أساليب وإيجاد طرق لرد الآيات والأحاديث الصريحة التي تعارض ما وصلوا إليه وأثبتوه ؛ فالأحاديث النبوية الصحيحة الثبوت كان زعمهم بأنها أخبار أحاد طريقا سهلا للتخلص منها وأما الآيات القرآنية فقد تعذرت عليهم تلك الدعوى بشأنها كونها قطعية الثبوت لا مجال لمعارضتها فلجؤوا إلى طريق ملتوي، هو طريق التأويل فقاموا أكثر من مرة بتحريف الكلم عن موضعه وبتر سيقاه. وكانت عملية التأويل تتم عندهم وفق ثلاث قواعد:

1/ الإعتماد على ثراء اللغة العربية: لفظة واحدة تحمل أكثر من معنى.

2/ خصوصية اللغة العربية التي تتميز بأساليب المجاز والتشبيه والإستعارة .

3/ القيام بتحريف بسيط لبعض الآيات .

لكن الملاحظ في التأويل الإعتزالي هو أنهم جعلوا جميع النصوص التي تصادم مقرراتهم نصوصا متشابهة وأولوها على ضوء الآيات التي اعتبروها محكمة لأنها تنسجم مع فلسفتهم ولا حجة لهم في ذلك سوى الإبتعاد عن حرفية النص وركوب صهوة العقل .

ففي مسألة رؤية الله يوم القيامة ينفي المعتزلة أي إمكانية رؤية حسية معتمدة على الرؤية والبصر الحسيين، وقد أولوا قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22- 23] فقالوا أن المراد بـ نَاظِرَةٌ هو "الانتظار"، "ويراد به التفكر بالقلب طلباً للمعرفة"(4) .

إن "نظر" في لغة العرب إما أن يتعدى بنفسه، وإما يتعدى بحرف، فإن تعدى بنفسه كان بمعنى الانتظار، كقوله تعالى: "انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ" (الحديد:13) . وإن تعدى بالحرف إما أن يكون الحرف هو "اللام"، وإما أن يكون هو "إلى"، فإذا تعدى باللام كان المعنى الانتظار أيضاً، فنقول: أنا لك ناظر، أي منتظر . وأما إذا تعدى بإلى – كما في هذه الآية – فيكون بمعنى نظر العين لا غير، فيقال: أنا إليك ناظر، أي بالعين الباصرة . "وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن ذلك إلا بالعين"(5). ثم أي معرفة يطلبها أهل الجنة، حتى يقال: إن النظر هو التفكر بالقلب طلباً للمعرفة ؟ لن يبقى للإيمان أي معنى وستفقد عملية العبادة قيمتها الرمزية إذا حرم الناس من رؤية معبودهم يوم الآخرة، فكأنهم سيتعرضون للخديعة العظمى، وهذا أمر من المحال تصور صدوره عن الله تعالى . وحدهم الكفار الذين يعذبهم الله يوم القيامة بحرمانهم من رؤية نور وجهه: "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (المطففين: 15) ويبدو أن المعتزلة يتحرجون من النظر في وجه الله لسبب غميس في سريرتهم لا يعلمه أحد غيرهم وغير الله .

هذا في مسألة رؤية الله، أما في مسألة الكلام فقد قاموا بتأويل قوله تعالى: "وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا" [النساء: 164] فزعموا أن المتكلم هو فاعل الكلام، ومرة قالوا: معناه من الكَلْمُ أي الجرح: "وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن"(6). يعلق إبن قتيبة على هذا التأويل المشبوه قائلا: "فخرجوا بهذا التأويل من اللغة ومن المعقول؛ لأن معنى تكلم الله أتى بالكلام من عنده، وترحم الله أتى بالرحمة من عنده، كما يقال: تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه"(7).

المثير في هذا الأمر هو أن المعتزلة بعدما قرروا مذهبهم قاموا بالهجوم على النصوص الشرعية دون أدنى هوادة، فما وجدوه يدل على وجه فيه إقرار لما قرروه جعلوه نصا محكما، ونصا آخر وجدوه يعارض مقرراتهم السابقة جعلوه متشابها وأولوه حتى لا يستعمله مخالفيهم ضدهم، وكان القاضي عبد الجبار صاحب كتاب "متشابه القرآن" من أبرزهم في هذا المجال: " والملاحظ أن القاضي يقتطع الآية من سياقها، بل يقتطع جزء من الآية ليستدل به على مذهبه، ويغفل ذكر السياق، أو بقية الآية، كما أنه يترك الكثير من الآيات الصريحة المحكمة التي تدل على خلاف مذهبه، أو تثبت مذهب الخصوم في هذه القضية "(8) .

أدى خوض المعتزلة في جملة من القضايا والإشكالات الثيولوجية ذات الحساسية المفرطة في المحيط الإجتماعي الإسلامي كجواز رؤية الله يوم القيامة ومسألة هل كلام الله قديم أم محدث؟(9) إلى أفول نجم المعتزلة وانتهاء سيرتهم . فجماعة المعتزلة بعد أن تقووا ووثبوا إلى أكبر المناصب السياسية في الدولة وظفوا نفوذهم وقوتهم من أجل فرض أرائهم بالقوة وإن اقتضى ذلك أن يفرضوها بالسيوف وقط أرزاق مخالفيهم والزج بهم في السجون وتعنيف العوام . هذا ما سوف يؤنب العامة والشيوخ والفقهاء ضد المعتزلة الذين تعصبوا من أجل فرض عقيدتهم، فأخذوا يحاربونهم ويطاردونهم خصوصا لما استعرش المتوكل فوق عرش الخلافة فامحت بعد ذلك أثار المعتزلة وحرقت كتبهم وحورب ما تبقى من فكرهم ورجالهم . فهل هؤلاء هم رواد الحركة العقلانية الإسلامية المزعومة ؟

 

ثانيا: أصل التوحيد

الغرض من إقامة هذا الأصل، الذي هو امتداد للأصل السابق، هو تنزيه الله عن أي شيء يتصف به الإنسان . والغرض منه كذلك الرد على التصور الثنوي السائد في العقائد الشرقية القديمة والذي يذهب إلى القول بوجود إلهين: واحد للخير وآخر للشر . فحسب فلسفة المعتزلة فإن الله يستحيل أن يصدر عنه القبح والشر(10)، غير أن المعتزلة لا يزيدوننا شيئا فوق هذه المسلمة غير أدلة نقلية وتبريرات نظرية بسيطة يمكن ردها بنصوص أخرى من الكتاب والسنة تعارضها .

تدعونا المعتزلة إلى التوقف عن اعتبار الآلام والمصائب التي تلحق بالناس كأشياء قبيحة، بل يجب القبول بها لأنها خير أراده الله لنا . ذلك أن دوام النعمة والدعة على البشر تؤدي إلى تجبرهم وتدفعهم إلى الطغيان، فالمؤمن حسب المعتزلة لا يجزع من المصائب ونوائب الدهر . لكن ألم يقرر المعتزلة كل هذه الآراء وهم ينعمون داخل بلاط السلطة ؟ ألم يطغوا ويتجبروا على مخالفيهم في الفترة القصيرة التي حازوا فيها على بعض من النفوذ والسلطة السياسية ؟ وإلا فأي نزعة عقلانية هاته التي تعمل على إقناع الناس بأن محنهم وشقائهم لطف وحكمة إلهية وليست ظلما وشرا يجب محاربته وتغييره حتى يسود العدل والسلم بين البشر ؟ كيف يمكن للمؤمن أن يتدبر ويتفكر حياته ومصيره والله ونعمه وهو غارق في المصائب والويلات ؟

يعود المعتزلة فيخبروننا أن الشهوى ليست هي ما يدفع الإنسان لإجتراح المعاصي لأن هذا الأخير يمتلك إرادة وعقل، وكأن المعتزلة لم يطالعوا يوما بعض ما جاء في كتب الحكمة - التي كانت رائجة في عصرهم - عن حقيقة النفس ونوازعها . هكذا تناقض المعتزلة دون احتراز أهم مبدأ بنوا عليه أصل عدلهم، فإذا لم تكن الشهوة ونوازع العدوان وحب السلطة والهيمنة التي جبل عليها البشر هي التي تؤدي بهم إلى إلى اقتراف المعاصي فما يكون السبب ؟ قد لا نحتاج هنا إلى برهان عقلي أو إلى دليل نصي، يكفي أن بداهة أي واحد منا تقوده إلى نسبة كل ما في الكون والعالم من أفعال وموجودات إلى علة أولى وصانع ومدبر حكيم . ثم ألم يخبرنا الله في قرآنه الكريم أنه خالق أفعال العباد ؟ "خالق كل شيئ" (الأنعام:102) ؛ "خلقنا السموات والأرض وما بينهما" (ق:38) .

يزعم القاضي عبد الجبار في كتاب المغني أن الأفعال الإنسانية صادرة عن الإنسان وأن الله لا يمكن أن يجبر الإنسان على القيام بأفعاله، ومن يرى أن الله هو من يجبر ويصير الإنسان فإن القاضي عبد الجبار يراه قد جانب الصواب وعظم خطؤه . نفهم اضطرار المعتزلة لنفي الجبر وتأكيد حرية الفعل والتصرف لكون حرية الإرادة عند المعتزلة تمثل ركنا هاما من النظرية الإعتزالية لأن القول بالجبر يهدم باقي الأصول المعتزلية الأربعة(11). لكن رغم ذلك فإن المعتزلة في سبيل إثبات مبدأ الحرية الإنسانية المطلقة هدموا أهم قاعدة في الدين الإسلامي فأنكروا القضاء الأزلي وأن الله تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى رأي المعتزلة فإنه يلزم أن يقع في ملك الله ما لا يريده الله . ألسنا نقرأ في القرآن: "خلقكم وما تعملون" (الصَّافَات: 96) ؟ لكن المعتزلة كعادتهم يحاولون تحريف هذه الآية وإخراجها عن سياقها، بدعوى أنها متشابهة، كما قاموا بتحريف ولَيِّ عنق كل النصوص الشرعية القطعية الثبوتِ التي لا تصب في مصلحتهم ولا تصطف إلا جانبهم في صراعاتهم الحزبية .

الغريب في الأمر أن المعتزلة لا يقررون حرية الفعل والإرادة الإنسانية إلا للتضييق على البشر وسجنهم وثم معاقبتهم في الآخرة على هذه الحرية الآثمة التي امتلكوها في حياتهم الدنيوية وحتما لم يجيدوا استخدامها، يتضح ذلك أكثر في أصل الوعد والوعيد وأصل المنزلة بين المنزلتين المواليين .

إن مبدأ الحرية عند المعتزلة ليس إلا مصوغ من المصوغات التي اعتمدوها لتبرير الإستبداد في الأرض والعقاب في السماء . فهم يزعمون أن الإنسان حر في أفعاله مع افتراض أنه ليس أهلا لهذه الحرية وبالتالي استحقاقه للشقاء والعقاب . بمنطق المعتزلة فإن الإنسان لا يحسن استخدام الحرية إلا متى تخلى عنها لصالح نقيضها . من العبث أن نمنح الناس الحرية بيد وننزع لهم باليد الأخرى مجال وفضاء ممارسة هذه الحرية .(12)

إن كل النزعات التنويرية والعقلانية وحركات الإصلاح الديني التي عرفتها القرون الوسطى كانت تهدف إلى الإعلاء بالقيم الإنسانية، وجعل الإنسان غاية لذاته وغاية كل الغايات ليعيش سيدا وليس عبدا خاضعا، فهل يمكن إدراج المعتزلة ضمن هذه الحركات ؟

 

ثالثا: أصل الوعد والوعيد

أصل الوعد والوعيد هو التجسيد النظري لفكرة العدل الإلهي التي تنص على أن الفعل الإلهي لا يمكن إلا أن يكون فعلا خيرا وعادلا، وأن الإنسان يتمتع بالحرية في اختيار أفعاله وإتيانها بمحض إرادته لكي يحاسب عليها ويعاقب إن لم يحسن استعمالها . وفي حال إقرارنا بمبدأ العدل يتقرر بالتبعية مبدأ الوعد والوعيد .

فحوى وعصارة هذا الأصل هو أن المؤمن يستحق الثواب على طاعته والعقاب على معصيته، ولا يجوز العفو عن معصيته إن لم تكن مقترنة بتوبة نصوح .

ويرى المعتزلة أن من يستحق الثواب لا يستحق العقاب، ومن يستحق العقاب ليس أهلا للثواب ومعنى هذا فإن الثواب والعقاب متعارضان لا يلتقيان . ولهذا فإن الناس في الآخرة صنفان: شقي وسعيد . الشقي يخلد في النار والسعيد ينعم في الجنة . وكأن رواد الحركة العقلانية في الإسلام لم يكن لهم من هم سوى الإنشغال بالبحث عن من سيدخل الجنة ومن سيخلد في النار وسيصلى العذاب الأليم فيها .

ولسنا ندري ما هي الفائدة الفكرية والإضافات الحضارية التي جناها المعتزلة من وراء الحكم على هذا بالخلود في النار وعلى ذاك بدخول الجنة واستباق الأحداث والتدخل في شؤون يعرف القاصي والداني من أتباع الدين الإسلامي أنها من اختصاص الله وحده . يبدو لنا تهافت مسعى المعتزلة إذا علمنا أن المرجئة الذين عاصروهم - حتى لا يقال أننا نحاكم المعتزلة بمقاييس وشروط لا تنتمي إلى زمانهم – كانوا أكثر حكمة وتعقلا منهم فيما يتعلق بمسألة مصير الناس يوم الحشر والنشر، فهم أرجؤوا الحكم على "مرتكب الكبيرة" إلى حين حلول يوم الآخرة لأن الله تعالى وحده المخول له الحكم والنظر في مصائر البشر، وأما أمثال هذه المزاعم التي جاء بها المعتزلة فلم تتسبب إلا في تشتيت شمل وحدة العقيدة وخلق الحروب والصراعات التي عانى منها المسلمون ولازالوا وهم في تمام الغنى عنها .

 

رابعا: أصل المنزلة بين المنزلتين

ربما كلنا يعرف تلك الحكاية الشهيرة التي يرويها الشهرستاني بأنه في إحدى الأيام جاء رجل إلى الحسن البصري يسأله عن مصير مرتكب الكبيرة، فبينما الحسن يتفكر في إجابة مناسبة لهذه النازلة انتصب واصل إبن عطاء ليرد بإجابته المعروفة: " أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلقا ؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر" . عموما فإن مرتكب الكبيرة في عرف المعتزلة لا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الثالث هو سبب تسميت المسألة بالمنزلة بين المنزلتين .

لكن من جهة ثانية لم يكن المعتزلة، رواد العقلانية المزعومة، قادرين على التخلص من هوسهم التكفيري بهذه السهولة والبساطة . فهم عندما يخرجون الفاسق من إطار الإيمان يضعونه إلى جانب الكافر في سلة واحدة، ولبيان ذلك وظفوا أحد الأحاديث الواضحة المعنى والدلالة وقاموا بتحريفها، فرجعوا إلى قول الرسول: " لا يزني الزاني وهو مؤمن " من أجل تكفير مرتكب الكبيرة مع العلم أن الله غفور رحيم وسعت مغفرته ورحمته كل شيء، والإسلام دين يسر وليس عسر، فما بال المعتزلة يريدون التضييق على الناس فيما وسعه الله ؟

يتضح فساد رأي المعتزلة وخبث طويتهم عندما نطالع تفسير الشيخ النووي لهذا الحديث: " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله (...) وإنما تأولناه على هذا المعنى لحديث أبي ذر وغيره " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق..." مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أهل الكبائرغير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبيرة كانوا في المشيئة، إن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولاً، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة "(13) .

 

خامسا: أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بإمكاننا الزعم أن هذا الأصل هو أخطر أصول المعتزلة على الإطلاق لما له من صبغة تطبيقية على أرض الواقع عكس الأصول السابقة التي كانت أصول نظرية محضة، لكنها مع ذلك تجد في هذا الأصل الأخير ترجمتها العملية . فإذا احتمل ظهور بعض أوجه الخلل والخطأ في الأصول السابقة لزم عن ذلك أن يكون هذا الأصل نقلا وتطبيقا عملياً لجملة تلك الأراء والمقررات المغلوطة والبعيدة عن جادة الصواب وهنا مكمن الخطورة . يقول الأشعري في مقالات الإسلاميين: " أجمعت المعتزلة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك ". هنا نقف ونسأل: ألم تسهم المعتزلة تاريخيا وفكريا في تكوين بذور التطرف ؟ أليس لجماعة المعتزلة، كما للخوارج والحنابلة وغيرهم، بطريقة أو بأخرى، يد أسهمت في ظهور تنظيم داعش ؟

صحيح أن المعتزلة قاموا بتحديد وإحاطة هذا الأصل بمجموعة من الشروط والضوابط المنهجية والأخلاقية كتحقق شرط العلم والدراية في المقدم على تطبيق هذا الأصل . والتأكد من جدوى ونجاح فعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الإقدام عليه مع الحيلولة دون وقوع أضرار جانبية . ربما ذلك على الأقل كتدبير احترازي من المعتزلة، وعيا منهم بخطورة هذا الأصل وبخطورة مثل هذه الدعوة . لكن، رغم ذلك لا يمكننا أن ننفي أن هذا الأصل يمثل دعوة صريحة للعنف و"الإرهاب"، خصوصا وأن المعتزلة يخاطبون مجتمعا تسوده الأمية والجهل ومن السهل شحنه واقتياده نحو الحروب والمحارق . وأيضا كيف لا تكون دعوة المعتزلة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة صريحة للإرهاب والتطرف ما داموا يحتفظون لأنفسهم بالصلاحية النهائية والمعنى الوحيد والأوحد لمفهومي "المعروف" و"المنكر" ؟

 

 

يبقى لنا في الختام أن نتحدث بعجالة حول مكانة العقل في الخطاب الإعتزالي ونعرف مدى تمكن المعتزلة من تشكيل حركة عقلية في الإسلام كما يزعم الكثيرون بثقة عمياء .

إن الواجهة المثلى التي يمكن أن نبحث فيها عن معنى العقل عند المعتزلة، ونقوم بالتأكد من مدى إلمامهم بمبادئ التفكير العقلاني، ومدى تشربهم لأصول التفكير المنطقي، وأخيرا الحكم على تجربتهم وعلاقتهم بالعقل ككل هي أصل " المنزلة بين المنزلتين " .

تشير أغلب المصادر التاريخية إلى أن المسلمين كانوا قد انفتحوا على الثقافة الإغريقية في عهد إبراهيم أبو سيار النظام وأبو هذيل العلاف (أحد أبرز رجال الجيل الثاني للمعتزلة)، ومعنى هذا أنه من غير المستبعد أن يكون المعتزلة قد استقوا بعض مواد تفكيرهم من التراث اليوناني كما استلهموا التراث الشرقي الغنوصي القديم . ومن المحتمل أيضا أن يكونوا قد سبق لهم أن سمعوا بأرسطو وبالمنطق الأرسطي . إلا أننا نستبعد كليا هذا الإحتمال الأخير، لأننا لا نكاد نجد أي أثر لمنطق أرسطو في تفكيرهم، وحجتنا نستقيها من أصل المنزلة بين المنزلتين الذي أشرنا إليه قبل قليل .

من المعروف عن منطق أرسطو الصوري أنه يقوم على ثلاث مبادئ أساسية:

1/ مبدأ الهوية ومقتضاه أن الشيء هو نفسه: A هيA . 2/ مبدأ عدم التناقض: ومعناه أن الشيء لا يمكن أن يكون هو وليس هو في نفس الوقت . 3/ مبدأ الثالث الممتنع: إذا كان الشيء هو نفسه طبقاً لمبدأ الهوية، وإذا كان لا يجوز منطقياً وطبقاً لقانون عدم التناقض أن نصف شيئاً واحداً بأنه هو نفسه وليس نفسه, لإستحالة ذلك منطقياً حيث لا وسط بين النقيضين، فيترتب على ذلك قانون ثالث هو قانون الثالث الممتنع، ومعنى هذا القانون هو إما أن يكون الشيء "A" أو أن لا يكون "A". فالإنسان إما أن يكون حيا، أو أن يكون ميت ولا يمكن أن يكون حيا وميتا في الوقت نفسه .

فهل للمنطق الأرسطي أي اثر في فكر المعتزلة ؟.. تتكشف الخيوط الأولى للجواب في نموذج أصل "المنزلة بين المنزلتين" الذي حددناه لأنه الأصل الذي تتضخم فيه الحاجة إلى الإستعانة بالعقل . فما معنى المنزلة بين المنزلتين ؟: حسب منطق أرسطو الإنسان إما أن يكون كافر أو يكون مؤمن و لا وجود هناك لحد ثالث وسط . لكنه عند المعتزلة هناك حد ثالث، هو المنزلة بين المنزلتين . إذا لو كان المعتزلة عقلانيين ولو بعض الشيء لأسقطوا هذا الحد الثالث .

من الصعب جدا أن نتحدث عن تفكير عقلاني عند المعتزلة، ويعسر علينا أيضا أن نقول إن المعتزلة كانت لهم نفس المكانة القريبة من التفكير العقلاني والمنطق الأرسطي كالتي كانت للقديس أوغسطينوس، قبلهم بنحو أربعة قرون، وكالتي كانت لإبن باجة أو لرجل لاهوت مسيحي كالقديس أنسلم الكنتربوري بعدهم بنحو ثلاث قرون .

إذا تساهلنا مع المعتزلة فإننا يمكن أن نساير زعمهم باتباع طريق العقل ؛ فنختصر وظيفة العقل كما تتجلى عندهم في القيام بمهمة التأويل لا غير، هذا التأويل الذي أوضحنا تهافته وكشفنا هفواته الحادة . أن يكون الإسلام قد عرف فعلا حركات عقلانية حاولت مقارعة القراءات السلفية المتزمتة للقرآن والتي تتشبث بسطحية النص فذلك حقا مما يثلج صدرنا، لكننا لسنا بتلك الغفلة والسهو حتى يفوتنا كيف كان المعتزلة يستميتون في التشبث بسطحية النصوص الدينية التي توافق أهوائهم ومصالحهم ولا يترددون في معاكسة ومغالطة نصوص القرآن والسنة الصريحة التي تعارض مزاعمهم . إن ما يسمونه المعتزلة عقلا وتأويلا عقليا لهو في حقيقة الأمر أحرى بأن يسمى نصبا واحتيالاً وتدليساً وتلفيقاً، وإلا نكون نسيء إلى العقلانية العربية والإسلامية العريقة، العزيزة الشأن، والشريفة الغاية التي أنجبت الكندي والفارابي وإبن باجة وإبن رشد ...

 

 

بقلم: عمـاد أجحـا

...........

الهــوامـش:

1/: عبد الفتاح كيليطو، مجلة " البيت "، 11/12 شتاء، 2009. 2/: الخياط، كتاب الإنتصار والرد على إبن الراوندي الملحد، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 126 و 127 . 3/: يعرف إبن خلدون علم الكلام بأنه: "علم يتضمن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الإعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد هو التوحيد " (المقدمة، دار احياء التراث العربي - بيروت- لبنان، ط،الرابعة / ج1 ص485 ) .

4/: القاضي عبد الجبار، متشابه القرآن، (2/674) . 5/: (لسان العرب 217/5) . 6/: الزمخشري: الكشاف، (1/314)/ الرياض/ مكتبة المعارف . 7/: إبن قتيبة، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، دار الراية، 1991، ص 25- 26 . 8/: فاروق أحمد الدسوقي، القضاء والقدر في الإسلام، المجلد الثاني، ص282، بيروت المكتب الإسلامي، 1406هـ . 9/: لقد أثبت الفيلسوف الأندلسي اليهودي موسى إبن ميمون أن مشكلة القدم والحدوث منفصلة كليا عن دلائل وجود سبب أول للعالم، أي أننا سواء افترضنا العالم (أو كلام الله) قديما أو حادثا فلا بد له من صانع . وكلا الدليلين متعادلين بالقوة . 10/: يقدم رجل اللاهوت المسيحي جان سكوت أريجنا (القرن 9) دليلا عقليا ممتازا من أجل البرهنة على كون الله ذات لا يصدر عنها إلا الخير المطلق، أما الشر فهو من صنيع الإنسان . حيث يقول: " علة واحدة لا تحدث معلولين متقابلين " . 11/: ألسنا هكذا نحطم المنظومة الإعتزالية ككل إذا أبطلنا قول المعتزلة بحرية الإرادة ؟ وما أسهل ذلك . 12/: تعتبر نظرية الكسب الأشعرية خط وسط بين المعتزلة القائلين بحرية الإرادة والجبرية القائلين بالجبر، وخلاصتها هي أن الإنسان إذا اختار فعلا حقق له الله ذلك الإختيار . هكذا يصير الإنسان فقط مختارا لأفعاله غير خالق لها . عموما فإن هذه النظرية حاولت تجنب الهفوات التي سقط فيها المعتزلة أثناء قولهم بحرية الإرادة . 13/: راجع الفتوى رقم 50018 في مركز الفتوى على موقع إسلام ويب .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3109 المصادف: 2015-03-11 00:54:01


Share on Myspace