 دراسات وبحوث

فرقة اليهودية البشرية

jafar hassanتضم الديانة اليهودية اليوم فرقا متعددة ومختلفة،بعضها قديم وبعضها ظهر في العصر الحديث.ومن هذه الفرق التي ربما لم يسمع عنها القارئ من قبل، والتي لم أطلع أنا على شيئ منشور عنها بالعربية، هي الفرقة التي نتحدث عنها في هذه الدراسة المختصرة ،والتي قد تكون الأولى حولها بهذه اللغة. والإسم العربي أعلاه للفرقة هو ترجمتي من الإسم الإنجليزي: Humanistic Judaism

ولم أترجم الكلمة الأولى بكلمة الإنسانية، لأن ذلك سيعطيها معنى آخر، ليس هو المقصود هنا من هذه الكلمة، وسيتوضح للقارئ معنى كلمة "البشرية" في ثنايا الدراسة.

كانت بداية ظهور هذه الفرقة في الولايات المتحدة ألأمريكية عام 1963 م،عندما بدأ الحاخام شيروين واين (توفي عام 2007م) من فرقة اليهودية الإصلاحية، بانشاء أحد المعابد في مدينة ديترويت، في مشيغان،في الولايات المتحدة الأمريكية لنشر الدعوة إلى اليهودية البشرية. وهو بعمله هذا يعتبر مؤسسا. وفي عام 1966م تكونت لجنة خاصة في نفس المعبد، لإشراك الناس العاديين مع الحاخامين في العبادة وفي مجال التربية أيضا. ثم في عام 1967م اجتمع عدة أشخاص لهذه الحركة في ديترويت أيضاً، واصدروا بياناً أكدوا فيه على أن اليهودية، يجب أن تكون محكومة بالتجربة العقلية والحاجة الإنسانية. وبعد سنتين انشئ كنيس خاص بهذه الفرقة. وفي عام 1969 انشئت جمعية باسم "اليهودية البشرية" "من أجل إقامة التعاون والالتقاء بين اليهود البشريين". وفي عام 1970 عقدت هذه الجمعية مؤتمرها السنوي الأول في ديترويت، وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ، انشئت كنس عدة في الولايات المتحدة وكندا، ثم بعد ذلك أصبحت تسمى اليهودية العلمانية البشرية، وأخذت تنتشر كحركة عالمية لها مؤيدون في أكثر من قارة، وأصبحت لها تسع جمعيات عامة في كندا وامريكا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا والأرجنتين والأورغواي وإسرائيل.وفي عام 1986م أنشأ الحاخام واين إتحادا من هذه الجمعيات سمي " الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية".

وفي العام نفسه أصدر الاتحاد بياناً حول معتقدات هذه الفرقة وأهدافها جاء فيه: إننا نؤمن بقيمة العقل الإنساني، وفي واقعية العالم التي يكشفها العقل. وان الكون الطبيعي يقف وحده دون تدخل من عالم الميتافيزيقيا، ونحن نؤمن بقيمة الوجود الإنساني ونؤمن بقدرة الإنسان على حل المشاكل بشكل فردي وجماعي، وان الحياة يجب أن توجه من أجل ارضاء الحاجات الإنسانية. وكل انسان له الحق في الحياة والكرامة والحرية، ونحن نؤمن بقيمة الهوية اليهودية، ونؤمن كذلك ببقاء الشعب اليهودي، وان التاريخ اليهودي هو قضية سطرها البشر. كما أن اليهودية كحضارة لليهود هي من خلق البشر وصنعهم، والهوية اليهودية هي حقيقية عرقية. والحياة اليهودية تشمل كل مظاهر الحياة لليهود ومن ضمنها اللغات اليهودية، والاخلاق والذكريات التاريخية والتراث الثقافي، خاصة ظهور دولة اسرائيل في العصر الحديث. واليهودية كذلك تشمل عدة معتقدات وسلوك حياتي. ولما كانت اليهودية هي من خلق اليهود أنفسهم، ولأنها من ابتداع البشر فإنها دائماً تتغير وتتطور. ويقول أتباع هذه الفرقة، نحن نؤمن بقيمة البشرية العلمانية والديمقراطية لاسرائيل ولكل شعوب العالم. كما أن الدين والدولة يجب أن ينفصلا. ويجب أن يضمن لكل شخص الخصوصية والاستقلالية، وكل انسان مع غض النظر عن جنسه وعرقه ودينه له حقوق متساوية.

ولأتباع هذه الفرقة اليوم معهد كبير في اسرائيل، يتخرج منه حاخاموهم ويمنحونهم شهادات منه.

نظرةالفرقة إلى الله تذكر الفرقة على موقعها أن أتباعها يختلفون في نظرتهم إلى الله فمنهم الملحد الذي لايؤمن بوجود خالق للكون،ومنهم المشكك بوجوده،ومنهم من يؤمن بوجود قوة ميتافيزيقية. وتقول الفرقة إن الإيمان بالله وعدم الإيمان به لا يؤثر على طريقة سلوكنا في حياتنا.ونحن لانتوقع استجابة لصلاتنا من إلاه، ولا نلجأ إليه في الحصول على الحكمة والحقيقة، وإن صلواتنا ليس فيها إشارة إلى إله، وإنما نستعمل لغة تجعل الإنسان هو المركز في فلسفتنا.وردا على مايتبادر إلى أذهان بعض الناس عن كيفية أن تكون اليهودية دين بدون إعتقاد بالرب،فإنهم يجيبون على هذا التساؤل في أن اليهودية العلمانية كانت موجودة منذ عصر النهضة، واليوم يكَون اليهود العلمانيون الذين يعتبرون اليهودية ثقافة وليست دين، نصف يهود الولايات المتحدة الأمريكية.ويقولون وبالنسبة لنا فإن اليهودية ليست مقتصرة على الدين، وإنما هي حضارة تضم جوانب كثيرة من الحياة إضافة إلى بعض الجوانب العقائدية والطقوس الدينية المختلفة.(واليهودية كحضارة والدين جزء منها،هي معتقد إحدى الفرق اليهودية المعاصرة، تسمى "فرقة إعادة بناء اليهودية"، التي أنشأها الحاخام مردخاي قبلان في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن الماضي، ووضع أسسها في )Judaism as Civilisationكتاب مشهور عنوانه

نظرتها الى التوراة والتلمود والانبياء والمناسبات الدينية

 

التوراة

ترى اليهودية البشرية بأن التوراة تثير الارتباك والتشوش عند الإنسان، كما أن النقد العلمي قد كشف أنها لم تكن قد كتبت من قبل موسى (كما يقول الحاخامون)، ولكنها في الواقع مكونة من أربع وثائق رئيسة على الأقل، وهي وثائق كتبت منفصلة في أزمنة مختلفة وكان تحرير التوراة في القرن السادس الميلادي (وهذه الوثائق توصل إليها العلماء الألمان من خلال مايسمى بالنقد العالي في القرن التاسع عشر، ومازالت هذه النظرية هي السائدة بين الباحاثين إلى اليوم). كما أن الكثير من قصصها متناقضة، كما في الالاصحاح الأول والثاني من سفر التكوين. (وربما الإشارة هنا إلى قصة خلق الإنسان حيث القصتان مختلفتان عن خلق آدم). والكثير من الحوداث إما أنها لم تحدث، أو أنها لم تحدث بالطريقة التي تحدثت عنها التوراة. كما أن عدداً كبيراً من هذه القصص كتبت بعد قرون من افتراض حصولها. ويقولون إن التوراة تكشف أشياء أخرى من خلال التناقضات والادانات، وأنها إذا قرئت بتعمق فإنها ستكشف عن وجود آراء يهودية أخرى غير الآراء المعروفة، ونحن ليس علينا أن نقبل ما يكتبه محررو التوراة.

ويرى هؤلاء أيضاً بأن التوراة وثيقة عنصرية، إذ أنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً حيث لهم حقوق خاصة بهم دون غيرهم، إضافة الى أنهم مفضلون،وهذا التفضيل لايأتي من فضائل فطرية يتمتعون بها،بل لإنهم أبناء يهوه المفضلون. كما أنه ليس هناك دور للناس الآخرين عدا اليهود، وكلام كثير عما يعمل يهوه من أجلهم وماذا يتوقع منهم هو، فرب العالم والهه يسلك سلوك رب عشائري. كما ان التوراة تعتبر وثيقة رجعية تشجع على اهانة اليهود المعاصرين اخلاقياً. والحياة التي تعرضها التوراة هي حياة العائلة الدكتاتورية وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وحكومتها حكومة ثيوقراطية وتركز على الخصوصية العشائرية كما أنها تركز على الأضاحي. واساطير التوراة تحمل في طياتها اهانة للانثى وعداء عشائرياً، كما أن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة ولذلك فإنها لا يمكن أن تكون أساساً لشريعة علمانية من دون أن يكون الإنسان غير صادق مع نفسه. إن التوراة لا تناسب وجهة نظرنا انها شعار يناسب اليهود الذين يؤمنون بالحاخامين، وهي تناسب طموحهم وحياتهم التي يرغبونها، ولكنها بالنسبة الى اليهودية البشرية هي كذب لأنها تتحدث عن تقاليد غير صحيحة. واليهودية البشرية لم تخرج من الوثيقة الرسمية لليهودية الكهنوتية والحاخامية، بل إنها وليدة التجربة اليهودية وأن التاريخ اليهودي من وجهة نظر اليهودية البشرية يختلف عما ينظر إليه الحاخامون والكهنة. إن الشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة. إن التوراة لا تناسب اليهودية البشرية ونحن لا نريد أن ننقدها فهي الوثيقة الرئيسة لليهودية الحاخامية، وانها تعبير عن وجهة النظر الثيوقراطية للعالم والمجتمع.

إن محررين من القرن السادس قبل الميلاد قد وضعوا مبادئهم وقناعاتهم على لسان الآباء (ابراهام واسحق ويعقوب) وعلى لسان موسى. وان التوراة إذا درست بشكل علمي، فإنها ستظهر لنا حقيقة الأحداث خلف الأساطير. وان هؤلاء المحررين نظروا الى الماضي من خلال أفكارهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، كما أن التاريخ اليهودي هو بالضرورة ذلك الذي رآه الحاخامون والكهنة. إن التوراة هي مجموعة من الاشارات التي تقودنا الى الأحداث الحقيقية التي هي خلف الاسطورة حتى وإن كانت نصوصها التاريخية كذباً وشرائعها غير صالحة اخلاقياً. ويقولون إن أجدادنا قد آمنوا بذلك ايماناً عميقاً وكان ذلك ضاراً لهم.

إن يهوه لم يكتب التوراة ولكن الاعتقاد بأنه هو الذي كتبها يؤثر على الشخص في تعامله مع الأفكار.

وهم يعتقدون بأن السلوك العملي لليهود قد جاء من أفكار التوراة وشروحها، وان دراسة هذه الأفكار هي دراسة للتاريخ اليهودي، كما ان دراسة الحالات التي تناقض تلك هي أيضاً جزء من التاريخ اليهودي.

وإذا كانت هناك أفكار تتفق بها اليهودية البشرية مع اليهودية الحاخامية، فإن ذلك قد جاء من خلال وعي التجربة الإنسانية التي تجعل مثل هذا شيئاً مهماً حتى لو لم يكن ذلك في التوراة.

كما أن التأكيد على أن اليهود يجب أن يتذكروا اعتمادهم على التدخل الالهي هو مخالف للإعتماد على النفس. والسلوك الأخلاقي لليهود لم يأت من الوصايا العشر، التي ذكرتها التوراة، ولكنه جاء من التجربة اليهودية.

وخلاصة القول إن التوراة هي كتاب أدبي، وحقها ان توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية، يتحدث عنها المعلمون وعن أهميتها التاريخية وقوتها، ولكن لا يجوز لمن يؤمن باليهودية البشرية، أن يعبدها ويعتقد بأن الهوية اليهودية والسلوك الأخلاقي يتوقف عليها.

 

التلمود

 

اليهود البشريون لايعترفون بالتلمود، لأنهم يرون فيه نتاجا من نتاجات اختلاف الحاخامين، فالحاخامون قالوا بأن تعاليم التوراة هي تعاليم غير كاملة، وان هناك تعاليم ربانية أخرى تكتمل بها التوراة وهذه التعاليم هي شفوية (ويطلق عليها بين اليهود التوراة الشفوية) وهي مهمة كأهمية التوراة المكتوبة. وقد سميت هذه التعاليم الشفوية بالتلمود. وقد أصبح التلمود هو الاساس ليهود الحاخامية، وقد جعل الحاخامون يهوه مركز أفكارهم. فهم يقولون بأن يهوه قد اختار ابراهام (ابراهيم) الذي اعتبروه جداً لشعب خاص ومختارا وهو قد اقام عهداً معه، وإذا ما حاول احفاد ابراهام وجاهدوا من أجل أن يتبعوا تعاليم يهوه ويصبحوا قريبين اليه، فإنه سيجازيهم بجزاء خاص وستصبح اورشليم التي يعتبرها اليهود عاصمة لهم، سكناً خاصاً به، وسيكون لليهود الشرف في السكن قرب قصره وحضوره الأرضي.

وبعدما يظهر المسيح اليهودي المخلص ممثل يهوه، سيهزم الأشرار وسيجعل القدس عاصمة العالم (راجع كتابنا الدونمه بين اليهودية والإسلام). وفي يوم القيامة سيكون اليهود أفضل الشعوب، وسيجد اليهود الدخول الى الجنة أسهل من بقية الشعوب الأخرى وهم سيكونون سعداء برؤية أعدائهم يذلون ويُحاكمون، لكن على اليهود أن يلتزموا بالهلخا، الشريعة التي عرضت في التلمود والتوراة.

كما أن اليهود عندما يعاقبهم يهوه فهو عقاب خاص، إذ هو ليس بغرض الاهانة والاذلال، وإنما هو عبارة عن معاملة خاصة، كما أن الحاخامين جعلوا من هزيمة اليهود واذلالهم، رمزاً لرضا يهوه عنهم وجعلوه رمزاً للشرف، وتخفيفا من الذنوب وجزاء في المستقبل. ويؤكد الحاخامون على أن يهوه لا يقبل التعددية، وإنما اليهودية هي وحدها المقبولة.

وترى اليهودية البشرية بأن الحاخامين قد جعلوا من قصة يهوه دافعاً قوياً ومحركاً. وقد كانت هذه القصة – قصة يهوه – مقنعة لليهود الى العصر الحديث، ولكن في الوقت الحاضر، فإن أكثر اليهود قد تركوا ما قرره لهم الحاخامون بالنسبة الى يهوه.

 

الأنبياء

يقول اليهود البشريون إن أنبياء اليهود مثل عاموص واشعيا وميخا يعتبرون شخصيات مهمة في العهد القديم لدفاعهم الحار عن الفقراء والمحتاجين، حتى اصبح هؤلاء نماذج عليا لبعض اليهود في العصر الحاضر. ولكن لهؤلاء الأنبياء مشكلات جدية، تواجهها البشرية إذ انهم كانوا يعرضوا أنفسهم كملتزمين بالدين وأتقياء وقديسين ولكنهم أيضاً في الوقت نفسه كانوا ديكتاتوريين ولم يكونوا يسمحون بالرأي الآخر، وكانوا دائماً يأمرون بدون مناقشة. ولما كان هؤلاء صوت يهوه فهم كانوا يعتبرون معصومين. لا شك ان هناك بعض الفقرات في العهد القديم التي تصل الى ثلاثين أو اربعين، والتي تدين استغلال الفقير وتشجع على العدالة، ولكن الناس لا يعرفون بأن هناك مقابل هذه الفقرات القليلة مئات الفقرات التي تنبأت على تدمير العدو بشكل لاإنساني. وعند قراءتنا لكتب الأنبياء إشعيا إرميا وحزقيال والإثني عشر نبيا الآخرين) فإننا نقرأ كتباً مليئة بصفحات من الدم والقتل، قبل أن نعثر على القليل من الاحساس الإنساني.وأي توجه للشخص نحو آلهة أخرى غير يهوه، فإنه يستحق الموت. والواقع أن أنبياء يهوه الذين اختيروا من أجل اشاعة النص المقدس، يظهرون سلوكاً أخلاقياً غير متجانس وان كلامهم لم يحفظ من أجل سبب انساني، وإنما حفظ من أجل أن يعطي ثقة لليهود بمستقبلهم، ولتوضيح لماذا أن الحاضر هو سيئ. ولذلك فإن ما كتبه الأنبياء كان يقرأ في الاجتماعات العامة لاعطاء أمل وتعبير عن التأثر لحالة الضعفاء وعدا عن ذلك فإن كتب الأنبياء مثل التوراة لا يمكن أن تؤخذ على انها قواعد

اخلاقية. كما أن هؤلاء لايعتقدون بأن النبي موسى كان قد قاد الإسرائيليين الأوائل.

 

المناسبات الدينية

يرى البشريون أن المناسبات الدينية لم تأتي بأوامر ميتافيزيقية بل إنها كانت ردود فعل لأحداث طبيعية لإالفصح لم يكن بأوامر من الأعلى وإنما هو حدث تطرر ليخدم القوميين والحكام الوطنيين وكذلك يوم الكفوريم شرع من قبل الكهنة كوسيلة من أجل زيادة خوف الرب. ويقول البشريون، إنهم يصرون على أن الأعياد والمناسبات اليهودية، تعطيهم كرامة وإن الصلوات والقصص، التي تحول التجربة اليهودية إلى شهادة للاعتماد على الغيب، ليس لها مكان في احتفال المناسبة، وان مدح يهوه في الفصح، يقلل من جهد الإنسان وابداعه ولذلك لا بد ان يكون هناك طريق لتقديم القصص، التي تؤكد على العقل الإنساني والكرامة الإنسانية، وانه ليس هناك خطة غيبية تجعل العبودية ممكنة. إن مقاربة اليهودية البشرية للتقويم اليهودي، لا بد وأن تكون عملية، ولذلك فإن التواريخ التي وضعها الحاخامون للمناسبات لا بد من قبولها، لأن اليهود متعودون عليها وهم يصبحون أكثر وعياً لهويتهم اثناءها، وإذا كان من الصعب تغيير أوقاتها،فلا بد إذن أن تمارس بشكل مختلف حتى تتحقق الكرامة مع الهوية.

ويقولولون كذلك بأنهم لهم الحق في وضع مناسبات جديدة، كما كان لأجدادهم فالمناسبات القديمة تربطهم بكل اولئك الذين يشاركونهم بالهوية، وان المناسبة الجديدة التي تنشؤها اليهودية البشرية، تدعم تفرد فكرتهم الإنسانية. فمثلاً الاحتفال في شهر مارس بميلاد انشتاين يكون مناسبة إضافية ذات معنى، حتى لو لم يرد الحاخامون الاحتفال بها.

وقد تسقط بعض المناسبات القديمة التي لا تستحق بذل الجهود لإعادة تفسيرها واعطاءها معنى مثل صوم استير في 17 تموز وكذلك صيام 9 آب (وهو اليوم الذي يفترض فيه أن الهيكل اليهودي قد هدم فيه مرتين). إذ ليس هناك سبب جيد لاستمرارها، كما أن مثل هذه المناسبات تحول طاقتنا من مناسبة أكثر أهمية، فمثلاً تهديم المعبد في أورشليم الذي بسببه يصوم اليهود في التاسع من آب كان كارثة قومية لليهود، ولكن الهولوكست يعطي هذه الفكرة بشكل أوضح، ولذلك فإن قرار اليهودية البشرية لبعث المناسبات القديمة وإعادة تفسير الحالي منها، واختراع أخرى هو جزء من خطة لبرنامج واضح جداً، لأن المناسبات هي أفضل طريق وأكثر أهمية لتعليم التاريخ اليهودي والهوية لبشر مشغولين "في الحياة".

إن يهودية الحاخامين تطغي عليها النشاطات الدينية والصلوات وقراءة التوراة، كما أنهم اضافوا قصصاً جديدة لتضفى على المناسبات علاقة، وارتباط بيهوه وقد حاول الحاخامون أن يكون الحديث عن موسى والخروج من مصر جزءاً في أكثر المناسبات.

وهم يرون بان هذه المناسبات يجب أن تتخلص من دكتاتورية الحاخامين ويجب أن تعطى لغة علمانية وقصصاً غير دينية وليس من الصحيح اجراء تعديلات شكلية عليها، وان البشريين يجب أن يكونوا جريئين كجرأة الكهنة والحاخامين الذين نسبوا الكثير من هذه المناسبات الى موسى ويهوه ولا بد أن ننظر الى الجانب الآخر من التاريخ اليهودي في هذه المناسبة.

 

السبت

إن السبت هو من أكثر المناسبات الدينية تكراراً ولكن أصل السبت مجهول ويعود الاحتفال به إلى ما ذكر في سفر التكوين أن الاله يهوه استراح في اليوم السابع ويقول اليهود إننا أيضاً يجب أن نستريح كذلك في اليوم السابع، ولكنهم يفسرون كلمة "شبث" العبرية ليس بمعنى راحة ولكن بمعنى توقف عن النشاطات، وان يوماً ليس فيه نشاط هو يوم مختلف عن يوم الراحة.

ويقول هؤلاء إن يوم السبت يتسم بالخوف عندما تكون كل أنواع الحركة محظورة وخطرة، وان الكهنة نقلوا هذا اليوم الى اليوم السابع من الاسبوع وأعطوه أهمية قصوى، وأنه يوم خاص ليهوه وأكده أولئك الذين يؤمنون بالرقم 7.

وأصبح يوم السبت مع الختان علامتين رئيسيتين للهوية اليهودية وبما أنه مناسبة وضع اساسها الكهنة، فإنه جعل يوماً مخيفاً. فالتوراة قد حددت حركة الناس وجعلتهم يجلسون في بيوتهم كل اليوم وبدون ضياء كل الليل والخوف من السبت وتخويف الحاخامين منه هو انعكاس لخوف الوجود اليهودي. وان اختيار يوم معين للابتعاد عن كل أنواع اللذات والنشاطات هو أقرب الى الارهاب منه الى الراحة والاستجمام.

ولكن الحاخامين فيما بعد خففوا من قساوة هذا اليوم بأن سمحوا باشعال الشموع وبشرب النبيذ وباجتماع عام وقراءة التوراة وقد أجازوا للناس الذهاب الى الكنيس والصلاة فيه ولكنهم في الوقت نفسه يمنعون أكثر النشاطات ومع ذلك ليس من السهولة بأن يوصف بأنه يوم راحة.

وعندما جاء عصر تحرير اليهود في أوربا وجد العلمانيون الالتزام بالسبت أمراً صعباً وتهاونوا بالالتزام فيه ولذلك حاولت بعض المذاهب اليهودية فيما بعد التخفيف من شروطه ومن هذه المذاهب كان المذهب الاصلاحي. فالسبت عند هؤلاء هو يوم راحة وكل الأشياء الممنوعة قد أجيزت.

وعندما جاءت الصهيونية انقذت يوم السبت وجعلته عطلة رسمية في إسرائيل وأصبح اليهود العلمانيون في إسرائيل يعاملون يوم السبت كما يعامل الامريكان يوم الأحد على الرغم من نقد المؤسسة الدينية وهجومها عليهم ولكن هذا الحل الإسرائيلي لا يوفر حلاً للبشريين في الشتات.

ويقول اتباع اليهودية البشرية انهم يعتبرون يوم السبت رمزللإنسانية، وهو شاهد على الأواصر والعلاقات الانسانية والتي هي وحدها تجعل البقاء ممكناً. واجتماع العائلة يوم السبت عند العشاء يمثل القوة الرئيسة للبقاء الإنساني وإذا كان العالم يجعل الإنسان قلقاً، فإن عائلته تعطيه الاسناد والرعاية. ويقولون إن عشاءنا يوم السبت هو اعتراف للعائلة التي تجلس حول المائدة، وان ما نقدمه في السبت من شعائر هو اعتراف للعائلة اليهودية الكبيرة التي تشترك معنا في التاريخ وفي قدرنا الاجتماعي.

 

مساواة الرجل والمرأة

ذكرنا سابقا أن هذه الفرقة ترى بأن التوراة تصور العائلة على أنها دكتاتورية،وأنها لاتمت إلى مساواة الرجل بالمرأة،وتؤكد البشرية إنها تؤمن بالمساواة بين الرجلوالمرأة كما أنها لاتؤمن بممارسة الختان للذكر، إذ أن هذا في نظرهم يشي بالتفرقة بين الذكر والأنثى،وإنما هم يفضلون أن يكون هناك احتفال للإثنين، تجتمع أثناءه العائلة، وتكون فيه تسمية للذكر وتسمية للأنثى.وتطبيقا للمساواة فإن لهم حاخامون من الرجال والنساء،وكانت أول من تخرجت من معهدهم حاخامة اسمها تمارا كولتن من الولايات المتحدة الأمريكية،في عام1999 وكانت أول منشدة تخرجت أيضا إمرأة في عام 2001ولكن الفرقة توقفت فيما بعد عن تخريج المنشدين والمنشدات بعد هذا التاريخ .

 

الختان

يرى هؤلاء بأن الختان كان يمارس في السابق بين الساميين وغيرهم ولم يكن خاصاً باليهود ولكن اليهودية الكهنوتية قد عظمت كثيراً من قضية الختان وفسرته على أنه علاقة على كثرة النسل الذي وعد به يهوه ابراهام ونسله وقد نص في التوراة على الختان في سفر التكوين 17-9-14.

وقال الكهنة للناس إذا لم يقم الأب بعملية الختان في اليوم الثامن، فإن مصائب خطيرة ستصيب الطفل واليهود وما زال الخوف موجوداً الى هذا اليوم.

وأصبح الاحتفال بأداء الختان احتفالاً محكماً للذكر أما الانثى فلم يكن نصيبها سوى وضع التمائم وقراءة البركات.

إن اليهودية البشرية لا يمكن أن توافق على مثل هذا النوع من التفرقة، حيث يقام الاحتفال للذكور فقط، كما أن الختان بطبيعته لا يتفق مع قيم اليهودية البشرية وهي وإن كانت لا تمانع في اجراء ذلك بسبب صحي، ولكنها لا توافق على أن يكون موضوعاً للإحتفال بين الناس.

وتقترح اليهودية البشرية أن يكون هناك احتفال على مستوى العائلة أو الجماعة اليهودية لكل من الذكر والانثى، وبمستوى واحد ويُبرز الاحتفال ارتباط الطفل ذكراً وانثى بمستقبل العائلة وباليهود وبالإنسانية عامة واعطاء الطفل الاسم العبري بهذه المناسبة يكون رمزاً للارتباط باليهود.

وعلى الرغم من ان الغالبية العظمى من اليهود يمارسون عملية الختان لأبنائهم، إلا أن بعض المذاهب اليهودية غير الأرثوذكسية أخذت تتهاون في قضية الختان للأطفال خاصة إذا كان أحد الأبوين غير يهودي.

كما برزت اليوم بين اليهود ظاهرة عدم ختان الأطفال - وإن كانت على نطاق محدود- وأخذت هذه الظاهرة تتشكل منذ بضع سنوات على اعتبار أن عملية الختان هي عملية وحشية أو بدائية أو مؤذية نفسياً للطفل الى غير ذلك من أسباب.

ولهؤلاء موقع على الانترنت باسم يهود ضد الختان. كما اخذت هذه الظاهرة تبرز أيضاً بين يهود إسرائيل، ولهؤلاء أيضاً موقع على الانترنت كما ذكرت صحيفة الجويش كرونكل في عددها بتاريخ 6/7/2007). والكثير من هؤلاء الذين يعارضون الختان هم من المثقفين.

وبعض هؤلاء يقترح، كما تقترح اليهودية البشرية، احتفالاً بديلاً، وان البعض منهم اعطاه اسم "عهد السلام".

 

من هو اليهودي

قد يستغرب القارئ من أن اليهود لم يتفقوا إلى اليوم على تعريف واحد لليهودي، والسبب في ذلك هو تعدد الفرق والمذاهب في اليهودية .وقد جاء في بيان لهذه الفرقة حول من هو اليهودي ما نصه "اننا نحن أعضاء الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية، نعتقد بأن حياة اليهود تتوقف على نظرة أوسع للهوية اليهودية، ونحن نرحب بكل الرجال والنساء- من الذين يريدون أن يشاركوا باخلاص التجربة اليهودية، مع غض النظر عن اصلهم- أن يدخلوا في الشعب اليهودي. ونحن نرفض الاعتقاد بأن اليهود هم أصلاً بشكل خاص مجتمع ديني، وان الاعتقاد أو السلوك الديني، هو شيء أساسي من أجل أن يكون الانسان عضواً كاملاً في المجتمع اليهودي. إن الشعب اليهودي يتكون من أناس عالميون لهم ثقافات متعددة، وحضارات متعددة، وان اليهودية كثقافة لليهود هي أكثر من كونها التزام ديني، وهي تضم لغات كثيرة وآداب متعددة وتقاليد تاريخية مختلفة وفي وقتنا الحاضر، فإن الهولوكست وظهور إسرائيل مرة أخرى جزء رئيس من الوعي اليهودي.

ونحن كيهود علينا مسؤولية أخلاقية، كي نرحب بكل الذين يريدون أن ينتموا إلى ثقافتنا وقدرنا وان الأطفال والزوجات والأزواج من غير اليهود الذين يرغبون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي يجب أن لا يرفضوا بسبب أن أمهاتهم لسن يهوديات ولا يريدون أن يخضعوا لطريقة التهود الدينية. وان مهمة تعريف "من هو اليهودي" تتعلق بكل اليهود ولا يمكن أن تختطف من قبل أي مجموعة من اليهود. إن الجواب على سؤال من هو اليهودي الذي تدعيه بعض الاتجاهات الارثودكسية والتي تدعي على أساس من التجربة التاريخية لليهود هو تعريف مؤذ. وإننا نؤكد بأن اليهودي هو ذلك الشخص الذي ينحدر من أصل يهودي أو يعلن عن نفسه أو تعلن عن نفسها بأنه أو أنها يهودية، ويشخص نفسه أو تشخص نفسها مع القيم الاخلاقية والثقافة والحضارة والجماعة اليهودية والقدر اليهودي.

ويقول " شروين وين" إن الهوية اليهودية هي التزام مهم، ولكنها ليست الالتزام الوحيد والمثل الرئيسي ن وان اعطاء الهوية اليهودية الوضع الأكبر والأفضل هو خرق للاخلاق الإنسانية، وانه انتزاع للهوية الشخصية للأفراد وتضييق مجال الاكتشاف الأوسع لكرامة الإنسان.

 

تاريخ يهودي جديد

ترى اليهودية البشرية ضرورة أن يكون هناك تاريخ جديد لليهود، يختلف عن ذلك الذي تعارفوا عليه، وهذا التاريخ يتطلب مغادرة كاملة للتاريخ التقليدي، بحيث يتمكن أن يٌفرق بين الدعاية والتجربة،وبين الحقيقة والأيدلوجية الرسمية،وإن النظرة الجديدة يجب أن تقلل من التركيز على الأفكار الثيولوجية وعلى الممارسة العبادية. لأن دراسة العهد القديم أصبحت بديلا عن دراسة التاريخ. بل يكون التركيز أكثر على الخبرات التي تميز بها اليهود من أجل بقائهم.

إن فهم التاريخ اليهودي هو المفتاح للهوية اليهودية البشرية،وإن عدم التفرقة بين الأيدلوجية التقليدية والتجربة الحقيقية اليهودية، يجعل تاريخ اليهود قصة دينية عادية جدا، لا يمكن أن توضح لماذا اليهود هم على هذا الحال، وليس على غيره.وإننا فقط عندما نتخلى عن المقاربة التقليدية للتاريخ اليهودي،يمكننا أن نفهم الجانب البشري للتجربة اليهودية .إنه من الضروري أن تكون هناك مقاربة جديدة للتاريخ اليهودي، ولكن هذه تعتورها صعوبات جمة.لأن الذين كتبوا التاريخ اليهودي يصرون على إعطاء الأولوية للأفكار الدينية. فيهوه والتوراة يعتبران عنصرين أساسيين في تجربة اليهود.وهذا يخلق مشكلة كبيرة، لأنه يعني أنهما إذا تلاشيا، فإن الهوية اليهودية تتلاشى أيضا بسبب الترابط.وهذا التأكيد على الأفكار الدينية يزيف المقاربة للماضي .بخاصة وأن عصر الكهنة والأنبياء والأباء يغلب على أي عصر آخر، كما أنه يتميز عن أي عصر آخر(بسبب ما أعطي من أهمية).

وطريقة المقاربة هذه مضرة،لأنها تمنعنا من رؤية مايجب رؤيته،حيث تحل الأدبيات محل الأحداث، ونصبح مهتمين أكثر في وصف الأحداث بدل الأحداث نفسها .فمؤلفو التوراة يخبروننا أن النبي إبراهيم، كان شخصا حقيقيا، وأنه شخصية مهمة لا لأن هناك سببا يجعلنا نصدق ذلك، ولكننا أقنعنا بأن تصديق التوراة، هو شيئ أساسي للحفاظ على الهوية اليهودية.

ويخبروننا (الكهنة) أيضا، بأن موسى استلم الألواح، وأنه أهم نبي في التاريخ،فنحن نقبل هذا الكلام ولانشكك به، بخاصة وأنه ليس بأيدينا وثيقة تتحدى هذا الكلام.وعلى الرغم من كل الأدلة التي تؤكد، أن ماتذكره التوراة على أنها أحداث قد حدثت هي لم تحدث، لم يكتب أحد تاريخ آخر بشجاعة كبديل لتاريخ الكهنة.وفي الواقع إن التاريخ الحقيقي بقي خبيئا في كتب العلماء والباحثين.

إن مقاربة البشرية للتاريخ اليهودي يجب أن تكون من منظور طبيعي،وأن المقاربة الميتافيزيقة التي يعرضها الكهنة والحاخامون عندما حرروا التوراة والتلمود، هي غير مقبولة، لأن ماهو موجود في هذه الكتب "المقدسة" هي من صنع البشر ومن تأليفهم ,وهي في الواقع تصوير للزمان والمكان، الذي كتبت فيه ووجود مصلحة لمن كتبها. فقضايا مثل الأضاحي في الهيكل التي جاءت تفاصيلها في سفر اللاويين مثلا، كتبها الكهنة لأن لهم مصلحة في ذلك،وهكذا.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الحركة النسوية اليهودية،تدعو أيضا إلى إعادة كتابة التاريخ وتحدي التاريخ اليهودي الحالي، الذي- في رأيهن- كتبه الرجال فقط.وخلال العقدين الماضيين استمرت عضوات الحركة بنبش هذا التاريخ وفحصه ومراجعته والتأمل فيه بل وإيجاد البديل له، ومازلن إلى اليوم يقمن بذلك، حيث حققن ويحققن نجاحا . فهن لا يعتقدن في ان الرجال وحدهم هم الذين صنعوا التاريخ، وأن النساء جلسن في البيت ينجبن الأولاد،بل يصررن على أن الرجال والنساء كلهم قاموا وقمن بصنع هذا التاريخ .والأحداث التي تذكر في فترة تاريخية معينة ولايذكر دور المرأة مع الرجل في هذه الأحداث والعلاقة بينهما، إنما يكون تاريخ رجال فقط، وليس تاريخا عاما كما يدعي كاتبوه. وقد تقدمت هؤلاء النسويات من الكتابة عن ظلم المرأة ومشاركتها في الأحداث المهمة، إلى حالة فهم تاريخ المرأة من خلال المرأة نفسها .وتهدف هؤلاء المؤرخات والباحثات إلى تغيير نظرتنا للماضي،بما يعرضن من حقائق لم تذكر في التراث اليهودي، ليتمكن القارئ-كما يقلن- من رؤية تغير الماضي،عندما ينظر له من خلال عيون النساء وقيمهن التي يحددنها.

 

الزواج المختلط

لايجيز اليهود الأرثودكس الزواج من غير اليهودي أو اليهودية لأنهم يعتبرون ذلك مخالفا للهلخا (الشريعة اليهودية). بل إنهم يقيمون عزاء لفترة من الزمن إذا تزوج ابن لهؤلاء من امرأة غير يهودية حيث يعدونه ميتا.وبقية المذاهب غير الأرثودوكسية تجيز الزواج المختلط بصورة عامة.ويرى أتباع الفرقة البشرية إن اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود لا يعني أنهم يتخلون عن يهوديتهم ويرفضونها وانما ذلك تعبير عن قوة الحب عند الإنسان لشخص آخر يشاركه في الأفكار والمُثل حتى لو كان هؤلاء غير يهود. ويقولون إنه إذا كان الحفاظ على الهوية اليهودية هو أهم شيء فإن منع الزواج المختلط يكون شيئاً عقلانياً تماماً كي يوضع حد له، ويكون القول بأن الزواج المختلط منافياً للاخلاق شيئاً منطقياً. ولكن من جانب آخر إذا كان الهدف الرئيس للحياة السماح لليهود بتحقيق سعادتهم وكرامتهم فإن منع الزواج المختلط يكون تدخلاً لا اخلاقياً ويكون رفض الحاخامين للزواج المختلط منافياً للاخلاق لأنهم يضعون الهوية اليهودية فوق الحب الشخصي.

إن اليهودية البشرية تحترم حق الافراد في اختيار طريق كرامتهم واحترام رغباتهم الشخصية، شرط أن لا تؤذي كرامة الآخرين ولذلك فإن اليهودية البشرية تعطي الحق لكل اليهود في الزواج من أي شخص يختارون، وهي مستعدة لمساعدتهم. والزواج المختلط لا يصح أن يكون مانعاً ليهودية الشخص، الذي تكون أمه أو يكون ابوه من اليهود. وتعترف البشرية بالأطفال سواء أقام الأبوان بعمل شيء نحو الهوية اليهودية أم لم يعملا، لأن يهودية الشخص يحكم عليها بعلاقة النسب اليهودية، خاصة في عيون غير اليهود.

وهم ينتقدون اليهود الارثوذكس وغيرهم من اليهود الآخرين ممن يقولون إن يهودية الأم ضرورية لتحقيق يهودية الشخص، ويعتبرون ذلك ضد ممارسة الواقع الاجتماعي، فكما أن الشخص الأسود لا يحدده الأشخاص السود فقط، بل البيض أيضاً (يعرفونه أسود) كذلك اليهودي، فإنه لا يحدد من قبل اليهود وحدهم، ولكنه أيضاً يحدد من قبل الأغراب، ففي نظر أكثر اليهود وفي نظر الأغراب، فإن انحدار الشخص من اصل يهودي يكفي في اعطائه الهوية اليهودية.

وفي الواقع فإن اسم الأب الذي يعطى للشخص، هو أكثر قوة في تحديد الارتباط اليهودي من الأم.

وفرقة اليهودية البشرية تختلف عن غيرها من الفرق اليهودية، في أنها لا تطلب من غير اليهودي المتزوج من يهودية أن يتحول إلى اليهودية، ويقوم باحضار الشهود التي تطلبها بعض الفرق كي يكون رفضاً لمعتقده السابق، لأنه في نظر اليهودية البشرية ان الهوية اليهودية، هي إضافة وليست سبباً في رفض معتقد آخر، فاليهود البشريون هم أصلاً بشريون وتبني الهوية اليهودية الى معتقدهم لا ينفي معتقدهم بل هي تأكيد له.

ويقولون كذلك إن الزواج المختلط يجعل الهوية اليهودية أقل حدة وشدة، وفي الوقت نفسه يجعلها أكثر انتشاراً، وهي في هذه الحالة تكون أكثر أهمية للعلمانيين في عالم علماني. وهذا التغيير لا بد أن يكون مرحباً به، لأن الانفصال الذي يعمل عليه الحاخامون (انفصال الأرثودكس عن غيرهم) يقود إلى تعصب أعمى، وإلى رفض العالم غير اليهودي. ولا بد للهوية اليهودية أن تكون خياراً لمن ولد من اليهود الذين يختارون الزواج من غير اليهود، ولذلك سوف لا تصبح الهوية اليهودية مقتصرة في المستقبل على أولئك الذين يولدون لأمهات يهوديات وكذلك يكون يهود المستقبل مختلفين عن يهود السابق.

 

علاقة يهود الشتات بإسرائيل في نظر اليهودية البشرية

يقول أتباع البشرية، بأن إسرائيل مهمة جداً لليهود في خارجها، وليس هناك ما يثير الحماس والعاطفة لديهم أكثر مما تثيرهما إسرائيل، فهم يفكرون بها ويقلقون حولها ويعملون من أجلها. إضافة إلى أنهم يعتقدون بأن ذلك يحقق يهوديتهم. ففي الوقت الحاضر ليس هناك صلاة تقام في الكنيس، إلا وتذكر فيها إسرائيل، وليس هناك مشروع ثقافي يثير ما تثيره إسرائيل، بل حتى برامج الكنس قد جعلت إسرائيل قضية مركزية لبرامجها.

ويقول هؤلاء لقد جعلت الصهيونية انشاء الدولة حلاً لمشكلة الشتات، واعتقدت بأن الشتات سينتهي بانشائها، وأن الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية سيصبحان شيئاً واحداً. ولكن الذي حصل هو أن الشتات لم ينته، وأن الهويتين لم يتحدا، وان قسماً فقط من مجموع يهود العالم يعيشون في إسرائيل، وسيبقى أكثر من نصف اليهود يعيش خارج إسرائيل، بخاصة في أمريكا الشمالية، وان العلاقة اليوم بين إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها هي علاقة مضطربة، لأن إسرائيل هي من صنع الشتات. إذ الحركة القومية اليهودية، هي حركة أوربية، وهي رد فعل على المشاكل التي مرّ بها اليهود في أوربا، فانشأ الشتات اسرائيل. ومن جانب آخر، فإن اليهود خارج إسرائيل ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم أكثر يهودية منهم، حيث لهم ثقافة لغتها العبرية، فهم أكثر يهودية ممن يعيش في مجتمع انكليزي مثلاً. ويناقش يهود الشتات هذا الراي ويردون عليه بالقول إن الواقع ليس كذلك، لأن الكثير من سكان إسرائيل، الذين هم من غير اليهود يتكلمون العبرية أفضل من اليهودي الذي يزور إسرائيل.(ويشير هؤلاء هنا إلى فلسطيني 48 الذين يعيشون داخل إسرائيل).

ومع أن أكثر الشعوب تجعل الإنسان الذي يتكلم لغتها جزءاً منها، لكن إسرائيل ليست كذلك، إذ أن العرب الذين يتكلمون العبرية لم يصبحوا جزءاً منها، والإسرائيلي اليهودي يشعر بعلاقة ارتباط مع يهود الشتات أكثر مما يشعر مع العرب، الذين هم مواطنون معه.

والحقيقة كما يقول هؤلاء، فإن العلاقة مع العرب تؤكد أن إسرائيل، هي دولة ذات قوميتين ودولة ذات شعبين، ولولا الهجرة المتزايدة إلى إسرائيل( في العام الماضي2014 أكثر من ستة وعشرين ألف مهاجر)، لأصبح العرب هم الأغلبية. إن هناك أمراً ملحاً على إسرائيل، وهو أن تمنح العرب حقوقاً متساوية، وهذه تحتاج الى معالجة سريعة.

إن الصهيونية كحركة لتحرير اليهود، لم يبدأها مجموعة مضطهدة تعيش في وطنها، والصهيونيون الأوائل قبل أن يحرروا شعبهم، كان لا بد عليهم ان يقوموا بصنع البلد، وان القرار لصنع شعب في فلسطين سبق وصول هذا الشعب، وأصبح الشتات هو الحافظ لهذا البلد والمعين له.

كما أن إسرائيل تختلف عن بقية الدول بالنسبة الى اليهود خارجها عما يتعلق بالجذور. فالجماعات الاثنية، التي هي خارج موطنها الأصلي، مثل الايطاليين والايرلنديين والبولنديين لهم جذورهم وذكرياتهم في أوطانهم الأصلية، كما انهم يتكلمون لغة البلد الأصلي، وهذه تجعلهم يتطلعون الى البلد الذي هاجروا منه، أو هاجر منه اباؤهم أو أجدادهم ويرتبطون به، واليهود خارج إسرائيل ليس لهم جذورهم في إسرائيل، فهم لم يهاجروا منها وليس لهم ذكريات فيه ولا يتكلمون لغته. فيهود أمريكا الشمالية تثير ذكرياتهم روسيا واللغة اليديشية، وان إسرائيل واللغة العبرية كانتا نوعاً من الفنتازيا لهؤلاء اليهود. أضف الى ذلك ان الإسرائيليين والصهاينة بصورة عامة ينظرون الى يهود الشتات نظرة سلبية. إذ الصهاينة الأوائل (مثل بن غوريون) اعتقدوا بأن اليهود خارج إسرائيل لا مستقبل لهويتهم، وقالوا انهم سيختفون إما بسبب الاندماج أو بسبب العداء لليهود، ولذلك فإنه فقط بالهجرة الى إسرائيل يمكن لليهود أن يحفظوا الهوية اليهودية، وان واجب كل شخص يهودي خارجها أن يقوم بالعالياه (الهجرة) إلى اسرائيل، ولذلك فإن اليهودي – خاصة الصهيوني – الذي يعيش خارج إسرائيل عليه دائماً أن يبرر وجوده، والشعور بالدونية والذنب عند هؤلاء(نحو يهود إسرائيل) يطغى على الحوار بين الاثنين.

ولأن النظرة الى هؤلاء سلبية، فإن إسرائيل لا تتمكن أن تتعامل مع هؤلاء بشكل صادق وواقعي، وان الصهيونيين لم يتمكنوا أبداً أن ينظروا الى الشتات على أنه وطن تاريخي، تكونت فيه ثقافتهم وشخصيتهم بصورة عامة. والحقيقية أن الشخصية التي وضعت المشروع الصهيوني قد تكونت في الشتات، كما أن وجود اليهود تكون في الشتات .وقد بدأ الإسرائيليون يشعرون بأهمية العلاقة مع الشتات، وأن هذه العلاقة هي أبعد من جلب المهاجرين. كما أن إسرائيل كثيراً ما يطلق عليها مركز العالم اليهودي، ولذلك فإنها مصب المساعدات اليهودية، وصاحبة الحظوة منهم بالتأييد السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تعتقد بأن عليها أن تستورد شيئاً من ثقافة الشتات، أو أن هناك شيئاً يمكن أن تتعلمه من الخارج، لأنها تعتقد أن الثقافة اليهودية تصدر ولا تستورد. وهم يغضون النظر على أن الخارج هو الوطن الأصلي ن وان الشخصية اليهودية قد صنعت خارج إسرائيل وليس في مكان آخر، إذ اليهود هم الذين اخترعوا إسرائيل.

إن العلاقة مع الشتات تمثل للإسرائيليين أيضا مشكلة ايديولوجية وعاطفية، وهناك أيضاً مشكلة الجذور، فالصهاينة الأوائل ادعوا بأن جذور الدولة اليهودية الحديثة، هي في دولة اليهود القديمة، دولة داوود ودولة المكابيين(في القرن الثاني قبل الميلاد)، وأن للعهد القديم موقعاً سياسياً مهماً. كما أن العهد القديم يؤكد على علاقة تاريخية لليهود بفلسطين بينما تجاهل الشتات.

إن الجذور الحقيقية للشتات هي في الشتات نفسه، كما ان جذور اليهود الإسرائيليين هي أيضاً تضرب في الشتات، وهم واعون دائماً الى أن آباءهم وأجدادهم قد هاجروا من أماكن أخرى، وهم ليسوا سكاناً محليين كالفلاحين الايطاليين في ايطاليا أو الدنماركيين.

إن التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم والصراع بينهم(في إسرائيل)، هو دليل واضح على أنه نموذج للتوتر الذي يحصل في الشتات.

وعلى الرغم من آمال الصهيونيين الأوائل في أن تصبح إسرائيل دولة عادية تماماً، فإن ذلك لن يكون، لأن الشتات لم يكن عادياً. ومهما أراد الإسرائيليون ان يصبحوا إسرائيليين، دون أن يكونوا يهودا، فإنهم يفشلون لأن العالم ينظر الى إسرائيل على أنها دولة يهودية لها علاقات أساسية ومهمة مع يهود العالم، وكذلك الرأي العالمي يربط اليهود في العالم بإسرائيل.

والمهاجرون اليهود، الذين هم أغلب السكان، سيفرضون على العلمانيين التعامل مع حقيقة أن الهوية الإسرائيلية، هي ليست نفسها الهوية اليهودية. وقد أخذ العلمانيون الإسرائيليون يشعرون بأن أهمية العلاقة مع الشتات، هي أبعد من الحاجة لجلب المهاجرين. وكما أن اليهود تعلموا ليجعلوا إسرائيل مركزا، فكذلك يجب الاعتراف بالشتات على أنه الأصل والجذر.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3297 المصادف: 2015-09-15 09:46:13


Share on Myspace