 دراسات وبحوث

معضلة الوحي عند عبد الكريم سروش .. قراءة في احلام نبوية (6)

ahmad alkinaniفي معركة بدر المصيرية حدثت اشياء خارقة كشفت عن يد من وراء الحجب تدير وتدبر الاحداث ..اخراج قريش في البقعة المعينة، وتقليلهم في اعين المسلمين ثم ارسال الملائكة لقتالهم .. اذ تكاد ترى يد الله وهي ترسم مشهد المعركة وتهيئ الاسباب الخفية لايقاع القريشيين في الفخ ثم النكال بهم، فهي توقف طرفي النزاع في اماكنهم الخاصة بهم {اذ انتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب اسفل منكم} فالمسلمون حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة، ونزل جيش قريش يقودهم ابو جهل بالضفة الاخرى البعيدة من المدينة وبين الفريقين ربوة تفصلهما، اما الركب والقافلة فقد مال بها ابو سفيان نحو ساحل البحر اسفل الجيشين.

وبعد الاتقان في تنظيم خراج الجيشين وبالطريقة التي تهيء سبل النصر حدث تدبير الهي اخر وهو الامر المهم الذي يرتبط بموضوع المقال تمثل في رؤيا النبي من تقليل كل فريق في عين الفريق الاخر وفي اغراء كل منهما بالاخر{اذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو اراكهم كثيرا لفشلتهم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم} ...فقص النبي رؤياه على المسلمين، فأتخذها المسلمون كأمر واقع وصدقوا الرؤيا، فنزلوا الى ساحة القتال للقاء العدو فكانت الرؤيا طبق الواقع {واذ يريكموهم اذ التقيتم في اعينكم قليلا ويقللكم في اعينهم ليقضي الله امرا كان مفعولا}

روى المفسرون رواية شاهد عيان كان قد حضر معركة بدر وهو عبد الله بن مسعود فقال: لقد قللو في اعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل الى جانبي: تراهم سبعين؟ قال بل هم مئة، حتى اخذنا رجلا منهم فسألناه قال كنا الفا ...

 الوحي هنا كما هو نص الاية عبارة عن رؤيا نقلت الى المسلمين بعنوانها الاصلي وهو المنام، ثم تحولت تلك الرؤيا الى واقع تعامل معه المسلمين كذلك فتطابقت لغة النوم مع لغة اليقضة لتحقيق امر كان قد قضي ...

هذا الاستشهاد يذكره الدكتور سروش استطرادا لدعم مقولته بان الوحي من سنخ الاحلام، وهو كذلك في هذه الايات . ولعل من فسر المنام في الاية بمحل النوم وهو العين اي في موضع المنام لعله كان ملتفتا لهذه النقطة وهذا شائع في اللغة انهم يحذفون المضاف ويقيمون المضاف اليه مقامه للدلالة عليه، لكن ذكر رؤية اللقاء الثانية تثبت ان الرؤية الاولى ظاهرة في الرؤية المنامية وان الوحي هنا كان حلما تحول الى واقع ...

وغير بعيد عن هذه الرؤيا ومطابقتها مع الواقع هناك رؤيا النبي ابراهيم التي كادت ان توقع كارثة لو انها طبقت كواقع ايضا ولقطع ابراهيم رقبة ابنه اسماعيل لو انه عمل بمقتضى رؤياه على ارض الواقع ... من هنا خطَأ محي الدين ابن عربي النبي ابراهيم على فعلته هذه لانه وقع في غفلة اذ خلط بين لغة النوم بلغة اليقضة وفسَر لغة النوم بلغة اليقضة .

امام العرفاء والمتصوفة ابن عربي في الفص الاسحاقي من كتابه فصوص الحِكم يتعرض لقصة رؤيا ابراهيم وهو يذبح ابنه اسماعيل فيقول: "ان ابراهيم الخليل قال لابنه اني ارى في المنام اني اذبحك، والمنام حضرة الخيال فلم يعَبرها . وكان كبش ظهر في صورة ابن ابراهيم في المنام فصدَق ابراهيم الرؤيا . ففداه ربه ... فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج الى علم اخر يدرك به ما اراد الله تعالى بتلك الصورة " .

اذن المشكلة التي وقع بها ابراهيم بناء على رأي ابن عربي ان عملية الذبح كانت مجرد رؤيا وكان عليه ان يفسرها على اساس عالم اخر يختلف عن عالم الرؤيا والخيال وهو عالم اليقضة لكنه لم يفعل وكاد ان يقتل ابنه وفلذة كبده، ولولا الكبش الذي هو التعبير الواقعي للرؤيا لوقعت الكارثة .

هذا التحليل الذي خرج به محي الدين بن عربي عن المألوف يأتي بناء على متبنياته في التجلي الصوري والتجلي الواقعي، وفي الواقع تدرك ارادة الله من التجلي الصوري الخيالي . وهو بالضبط ما يعنيه الدكتور سروش من الاحلام النبوية التي هي وحي ينبغي تفسيره على اساس ما يرمز له في الواقع ولا يصح تفسيره على اساس الواقع اصلا .

وللمفسرين والاصوليين كلام اخر حول رؤيا ابراهيم بناء على اخذهم بظاهر الايات وتطبيقها على الواقع من دون الاخذ بالاعتبار قضية الاحلام واختلافها عن الواقع، اذ يعتقدون ان ابراهيم  مأمور بتطبيق الرؤيا كما هي والتسليم المطلق لقضاء الله وقدره وقد صدَق الرؤيا عندما " اسلما وتلَه للجبين وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا .

حوارية غار حراء

الرؤيا الالهية الاولى والمنام المقدس الذي غشي النبي في اول فجر الظهور حيث ترائى له الملاك او جبرائيل والروح الامين لاحقا  لم تكن حوارا بين اثنين اقرأ او لا تقرأ اذ لم يكن هناك سوى محمد مخاطَب ومخاطٍب، وبغض النظر عن الاحلام ولغتها ومفسريها فأن الروح الامين ذلك الذي اوصل القرأن الى قلب محمد وبلغة عربية مبينة نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين كان رابطا مشتبه به .

اما بملاحظة عالم الرؤيا ولغتها فلا يوجد شخصان في هذه الحوارية وانما هو شخص واحد ينوب مناب الملاك في الحديث، وبالتالي هو حديث مع النفس .

بالضبط كحديث الشيطان مع الانسان هو حديث نفساني ايضا، الانسان وما توسوس به نفسه، فلا حوارية متقومة بمخاطِب ومخاطَب اذ الشيطان ليش شخصا متقوما بالحديث ليخبر الانسان ويغريه بفعل ما لا ينبغي فعله ... لكن رسالة الاحلام القرانية تصوَر حديث النفس على شكل حوارية طرفاها الشيطان والانسان، كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني برئ منك اني اخاف الله رب العلمين .

بالطبع اشارة الدكتور سروش تأتي على ما هو المحقق فيما حدث في الغار واللقاء مع الملاك كان في المنام وليس في اليقضة كما هو الشائع عند المسلمين، ورواية ابن اسحاق في تاريخه تنص على ان رواية النبي كانت في عالم الرؤيا  " فجائني جبرئيل وانا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ...فانصرف عني وهببت من نومي فأنما كتب في قلبي كتابا "رغم انه يتكئ على نص اية نزول الروح الامين وان المتكلم هنا هو ذات النبي وليس جبرئيل .

وليس هذا المورد الوحيد الذي يحدث به تبادل للادوار وحديث النبي بدلا من جبرئيل، وانما هناك موارد ترقى الى اكثر من ذلك، تلك الموارد التي تتصدر ب " انزلناه " او " قل " هي من الموارد التي يقوم النبي مقام الله في الحديث بالنيابة عنه.

الفوضوية والارباك في تناسق الموضوعات

يستشهد سروش بأيات من سورة المائدة تثبت عدم التناسق في طرح الموضوعات بل هناك فوضوضية وارباك في النقل فتبتدا الاية الاولى من المائدة بالامر بالوفاء بالعقود ثم مباشرة الى حلية اكل بهيمة الانعام ثم احكام الصيد في حال الاحرام بعدها حرمة اكل الميتة والدم ولحم الخنزير ... ثم الاية ذاتها تقول اليوم اكملت لكم دينكم ورضيت لكم الاسلام دينا والمضطر لاكل المحرمات لا اثم عليه ... والملاحظ ان موضوع اكمال الدين لا ربط له بما قبله ولا بما بعده .

وكذلك سورة النور حيث تبتدء بالزنا والاحكام الشرعية المترتبة على ذلك ثم تنتقل الايات الى الجانب التوحيدي والى نوادر الرؤيا القدسية الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... ثم بعد عدة ايات يرجع بنا السياق الى احكام النساء العجائز ممن فاتهم قطار الزواج واحكام حلية الاكل من بيوت الاباء والامهات والاخوة والخالات والعمات ..

والشئ الملفت في هذه السورة وفي بداياتها تقول سورة انزلناها وفرضناها وانزلنا فيها ايات بينات لعلكم تتذكرون مما يعني انها جملة واحدة متناسقة الاحكام الواضحة البينة، رغم انها ليست كذلك فلا تناسق بين موضوعاتها كسورة واحدة وبنية لغوية متحدة، وكذلك تضمنها احكاما واضحة ليست بحاجة الى انزال وفرض من قبل الله كالاكل من بيوت الاهل والاقرباء ...

هذا التداخل في الموضوعات المختلفة بعضه بالبعض الاخر يعتبره سروش اقرب الى لغة الاحلام منه الى لغة اليقضة .

وكذلك قصص القران تحتوي على تصورات وخيالات منامية يشعر بها القارئ لتلك القصص وكأن الرواي لايرى كل الاشياء او يحدَث بها، فترة يلاحظ الراوي ينقل الاحداث من صميم القصة، وتارة اخرى من خارجها وكأنه مشاهد لها، وكأن هناك انتقالية من الشخص الاول الى الشخص الثالث وبالعكس، وبطبيعة الحال يحتاج فهم تلك الاحداث الى مفسر للاحلام،  والاتكاء على المؤرخين في فهم حقيقة الاحداث التي تسردها القصة القرانية امر متعسر .

حتى تقرير المعارك التي خاضها النبي لم يخلو من لغة الخيال والاحلام وتنزيل الصور الخيالية منزلة الواقع كمشاهدة الاف الملائكة يقاتلون في صف المؤمنين ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون،اذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين .

 او رؤية ابليس وهو يغوي المشركين ويرغبهم بالحرب ثم يتخلى عنهم ويتركهم يلاقوا مصيرهم المحتوم واذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال اني برئ منكم اني ارى ما لا ترون

 يعني ان النبي عند نقله للاحداث المعاصرة له لم تكن لغة المؤرخ حاضرة معه وانما حكاية الاحداث كان يراها تدور في فضاء اخر من الخيال واللاواقعية .

والملاحظ في القصص القراني ايضا حالة التكرار في القصة بالطريقة التي تنفي معها حقيقة التأليف في القصة، والظاهر ان النبي كان قد رأى موسى في المنام مئات المرات وفي كل مرة كان يروي له قصته، وفي اكثر من ثلاثين سورة تتجدد حكاية موسى بالمطابقة لسابقتها او عدم المطابقة احيانا، هكذا تكرار لا يتأتى عند مؤلف ما او لمؤرخ لحادثة ما، لكنه يتأتى عند الحالم لصديق له عشرات المرات وينقل حكاية حلمه بأساليب مختلفة ...

تناقضات النص

في ذات النص القراني شواهد على رواية رؤيا ذلك النص، تقدمت الاشارة الى بعضها وستأتي شواهد اخرى ودلالات تتضمن تناقض المتن ذاته او انفكاك موضوعة العلة والزمان، ووقوع حوادث خارج فضاء الطبيعة .

تجدر الاشارة الى الاختلاف الكبير بين لغة التشريعات والاحكام في القرأن وبين لغة التبشير والانذار واهوال اليوم الاخر وقصص الامم السالفة، هنا في الاحكام لغة مستقيمة لا يشوبها التشويش واقل نبوية، وهناك لغة اكثر نبوية تعلوها الرؤيا والخيال وكلما اوغلت في الخيال صارت اكثر نبوية !

والسؤال لماذا كل هذا التهافت بين اللغتين؟

ومع التصالح والتغاضي عن تلكم المتضادات السابقة الذكر فما عسانا ان نقول عن مقولة هو الاول والاخر والظاهر والباطن، اربع كلمات جامعة للمتناقضات غير المعقولة يرفضها النطق والمنطق معا، لكن المفسرين وعلى القاعدة يذهبون مذاهب في التأويل بأنه الاول قبل بدء الخليقة والاخر بعد فناء المخلوقات ... وهناك تجد الصعوبة في هضم مقولة بقاء الارواح وخلودها في الجنان او النيران، الم تكن الارواح مخلوقات فأي بقاء بعد فناء المخلوقات، نعم يمكن تصور الله ولم يكن هناك شئ فهو الاول، ويمكن تصوره بعد نهاية كل شئ فهو الاخر لكن هذا لا ينسجم مع بقية النصوص التي تثبت الخلود للروح في معادها الجسماني .

والاقل هونا من هؤلاء المفسرين هم الفلاسفة والعرفانيين حيث اذعن بعضهم بمقولة الرؤيا والاحلام فيما يخص موضوعة المعاد الجسماني .

في مواضع كثيرة نقرأ عن ارسال الرسل الى اقوامهم مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلا شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين ... وفي مواضع اخرى نقرا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

اذن ما الداعي لاقامة الحجة واقرارهم عليها في محكمة القيامة اذا هم امام قاض يَسأل ولا يُسأل؟

وفي مواضع هناك دعوة الى التوبة والحذر من اتباع الشيطان يا ايها الذين امنوا توبوا الى الله توبة نصوحا، ويا ايها الذين امنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...

وفي مواضع اخرى نلاحظ الايمان والتوبة لا يتأتيان للانسان الا بأذن ورحمة منه تعالى وما كان لنفس ان تؤمن الا باذن الله .

اذن ما الداعي للتوبة النصوحة المشروطة بالاذن منه تعالى؟

واقع حال النصوص يحكي عن قرائتين مختلفتين لكل منهما دلائلهما المتينة المستمدة من تلك النصوص لو تهيأ المناخ الفكري الحر لتلك القراءات، كالذي حصل بدايات القرن الثاني الهجري حيث قرأ المعتزلي بالاختيار وقرأ الاشعري بالجبر، ولازالت تناقضات النصوص تشعل فتيل الخلاف بين الاتباع والى هذه الساعة ...

وكل القصة تبتدء وتنتهي بالخيال والرؤيا ... فالتناقضات والمتضادات لوازم حضرة الخيال وعالم المنامات ولغة الاحلام، كل المشاهدات غير الممكنة في عالم اليقضة تجدها ممكنة الوقوع في عالم الخيال، هناك يشاهد المرء ذاته حرة طليقة ويشاهدها مكبلة مخنوقة في آن واحد، يشاهدها في الماء والنار في الوقت ذاته ...

وفي سياق المتناقضات يستشهد سروش بكلام لقطبي التفسير الفخر الرازي والسيد الطباطبائي ورأيهما في حلَ تناقضات هذه الاية :

 وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ

وجهتا نظر مختلفتان تستند الاولى الى الاخبار والروايات التي تسند الاعمال حسنها وقبحها الى الله، والاخرى تستند الى حكم العقل بحسن وقبح الافعال وترى ان السيئات مفهوم عدمي لا يصح نسبة خلقه الى الله بخلاف الامر الوجودي للحسنات التي هي مخلوقة ومنسوبة الى الله، وبالتالي فاراء المفسرين في هذا الباب مختلفة جدا وتدعو الى الحيرة بحسب رأي الطباطبائي في الميزان 5/15 (طبعة جامعة المدرسين قم)

وفوق هذا وذاك ولتأكيد انسيابية النصوص وجريها على نسق واحد بطريقة لا يشوبها التناقض والتهافت هناك دعوة الى التدبر في الايات ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا، نعم لا اختلاف في الايات لو تدبر بها على انها رؤيا واحلام، لكن تدبرت على انها لغة يقضة لوجدوا فيها اختلافا كبيرا .

وبالمراجعة للنص الذي يرجع الخلق والانشاء الى صيغة "كن" انما قولنا لشئ اذا اردناه ان نقول له كن فيكون، فأرادة الشئ وطلبه يخلق بقوله " كن " هذا الكلام يتضمن تناقضا كبيرا لان كن هذه خلقت ب كن ثانية وكن الثانية تخلق بكن ثالثة وهكذا الى ما لا نهاية وهو تناقض مستحيل لان لازمه التسلسل الى ما لا نهاية او توقف الشئ على نفسه وهو المعبر عنه بالدور، وكلاهما ثبت بطلانه واستحالته فلسفيا .

في خاتمة هذه الفقرة يبدي سروش اعجابه بطريقة سبك الايات هذه ويقول : حقا انها رسالة احلام رويت بطريقة فنية بديعة، واثر فني بديع، لكن نسبته الى الواقعية كما هو حال المؤمنين به جعلت منه كتابا ينشد الى الحضارة والمدنية، ويرشد الى السعادة، ومعلم للحكمة، وكان هوية للمسلمين  وسيبقى كذلك .

المعجزات وقانون العليَة

هل السببية والعلَية لها حاكمية على الطبيعة ام ان الطبيعة قد تجري على سنن مخالفة لقوانين العلة والمعلول؟ اذ لا احاطة تامة للعقل بكل السنن الحاكمة في الطبيعة ومن الممكن ان الاشياء تجري على سنن مجهولة لدينا، فالاحراق قد ينفك ويذهب بعيدا عن معلوله، فتصبح النار بردا وسلاما بدلا من كونها حرا ولهيبا، وقد تجري الامور احيانا من دون مسببات، بل يداه مبسوطتان وقدرة الله  مهيمنة على مقدَرات الكون  فهو الخالق البارئ المصور .

يقول سروش من الواضح ان السبب والعلة ليست صيغ قرأنية، وكلمة الخلق هي الصيغة المنتخبة لراوي المتن المقدس، والله هو صاحب الاسماء الحسنى الخالق والبارئ والمصور هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم، اذن هو ليس علة العلل وليس واجب الوجود كما يحلو للمتكلمين والفلاسفة ان يطلقوا عليه تلك الصفات رغم النهي الوارد عن اطلاق تلكم المسميات لتصحيح مسار الاسباب والعلل المفقودة في النص المقدس ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسماءه سيجزون ما كانوا يعملون .. الاعراف 180

وقد بذل اصحاب الخطاب التبجيلي من المتكلمين والفلاسفة والمفسرين المسلمين قصارى جهدهم لتاويل الايات وجعلها مطابقة لقوانين العلية وجعلوا حالات انفلات العلة عن معلولها بسبب المعجزات جارية طبق قوانين خاصة لا نعلمها خارجة عن قوانين العلية .

صاحب تفسير الميزان السيد محمد حسين الطباطبائي مثالا اورده سروش على الجهد الكبير المبذول للتوفيق بين العلية والمعجزات في بحث اورده في تفسير الاية 25 من البقرة حول معجزات الانبياء وانها خرق للناموس الطبيعي مع التسليم ان الامور في الكون تجري وفق قوانين العلية، يقول الطباطبائي :

" القرآن  يحكم بصحة قانون العلية العامة بمعنى أن سببا من الاسباب إذا تحقق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتبا عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة.

  ثم ان القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة والمعلول الموجود، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من الانبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد (ص) فإنها امور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة.

لكن يجب أن يعلم أن هذه الامور والحوادث وأن انكرتها العادة واستبعدتها الا أنها ليست امورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري ... ولو كانت المعجزات ممتنعه بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدل بها على شئ ولم ينسبها أحد إلى احد .

  على أن أصل هذه الامور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة بل هي مما يتعاوره نظام المادة كل حين بتبديل الحى إلى ميت والميت إلى الحى وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء، وإنما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أن الاسباب المادية المشهودة التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانية ومكانية خاصة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حية تسعى والجسد البالى وإن أمكن أن يصير إنسانا حيا لكن ذلك إنما يتحقق في العادة بعلل خاصة وشرائط زمانية ومكانية مخصوصة تنتقل بها المادة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر وتحل بها الصورة الاخيرة المفروضة على ما تصدقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط إتفق أو من غير علة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن ".

كلام الطباطبائي هذا لا يخلو من تهافت وتكلَف واضح في التوفيق بين قوانين الطبيعة ومعجزات الانبياء الخارقة والمحكية في النصوص، لكن سروش اورده مثالا على مدى الجهد المبذول من قبل المفسرين لاثبات ان لا منافاة بين قواعد العلية ونصوص القرآن، ومن دون الدخول في الاستدلال على بطلان مقولة الطباطبائي .. لكنه اكتفى بالقول بان الشواهد التي اوردها لا تثبت المطلوب، وما هو واقع على خلاف العادة والطبيعة انما هو في الرؤيا، ولا توجد دلالة اخرى غيرها . والرؤى والاحلام وحدها تثبت ما ورد عن عرش بلقيس ونقله الى مملكة سليمان باسرع من طرفة عين، ورجوع عزير الى الحياة بعد مائة عام، وامرأة زكريا العجوز العاقر وحملها بيحيى، وبقاء يونس في بطن الحوت حيا، وعشرات القصص الاخرى المبثوثة بين دفتي القرآن .

كان على المفسرين ان لا يتعبوا انفسهم في البحث عن عمر نوح الممتد الى 950 عاما وامكانه من عدمه، وهناك ساقوا عشرات الادلة على امكانه، وكان عليهم ان لا يتعبوا انفسهم في  بيان الاسباب والعلل بين طول عمر نوح وبين كثرة الذنوب والابتلاءات وما الى ذلك، وكان عليهم ادراك ان لا زمان ومكان واقعيين في عالم الاحلام، وان طول عمر نوح امر واقع ولا يحتاج الى برهان لكن في ذلك العالم الرحب .

اذن الزمان طال ام قصر لا قيمة حقيقية له في عالم الرؤيا .

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ

في سورة المعراج ارجع المفسرون طول يوم القيامة 50,000 سنة الى شدة صعوبات ذلك اليوم على المذنبين، ولسهولتها على الصالحين كانت اقصر زمنا امتد ما بين الظهر والعصر، والعجيب ان الطباطبائي في تفسير معراج الملائكة والروح اليه قد انسلخ عن مذاقه الفلسفي وسار بسيرتهم ومشى بطرقهم فجعل نسبة الخمسين الف سنة الى ايام الدنيا، وعروج الملائكة والروح رجوعهم الى الله عند انفكاك الاسباب عن مسبباتها يوم القيامة، واليك عبارته : 

"والمراد بكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة على ما ذكروا أنه بحيث لو وقع في الدنيا وانطبق على الزمان الجاري فيها كان مقداره من الزمان خمسين ألف سنة من سني الدنيا والمراد بعروج الملائكة والروح إليه يومئذ رجوعهم إليه تعالى عند رجوع الكل إليه فإن يوم القيامة يوم بروز سقوط الوسائط وتقطع الأسباب وارتفاع الروابط بينها وبين مسبباتها والملائكة وسائط موكلة على أمور العالم وحوادث الكون فإذا تقطعت الأسباب عن مسبباتها وزيل الله بينهم ورجع الكل إلى الله عز اسمه رجعوا إليه وعرجوا معارجهم فحفوا من حول عرش ربه " (تفسير سورة المعارج ايه 4)

هكذا يقول الطباطبائي، ويتسائل سروش: هل ان رجوع الملائكة والروح الى الله بزوال الاسباب والمسببات يحتاج الى زمان مقداره خمسين الف سنة، وبلا ادنى ترديد .. هنا اخفى صاحب الميزان رأيه وما يعتقد به وخاض مع الخائضين من غوغاء العوام متنازلا عن مبانيه الفلسفية والكلامية، ومن السهولة بمكان ان يقال ان عالم الاخرة عالم اللازمان واللامكان .

للحديث تتمة ...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3894 المصادف: 2017-05-04 04:09:04