 دراسات وبحوث

دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة (3)

محمود محمد علينعود مرة أخري في مقالنا الثالث للحديث عن دور المنطق في تجديد الخطاب العقدي عند الأشاعرة وفي هذا يمكن القول: بأن "وإذا تساءلنا عن هذا التمييز والفرق بين الطريقتين، نجد أن بعض الباحثين المعصرين يري أنه ليس إلا الصلة الضرورية المتبادلة، التي أثبتها المتقدمون بين فلسفتهم الطبيعية وبين العقيدة، وها نحن نري هذه الصلة تنفصم، والذي أدي إلي ذلك، هو استخدام منطق جديد، وهذا المنطق الجديد هو الذي يقوم فاصلا، وهو أمر لا نلبث أن نلاحظه لدي الجويني في كتابه " البرهان في أصول الفقه"، وليس المنطق في طريقة المتقدمين، إلا منطقا عربيا إسلاميا جاء من الأصول الفقهية التي يعتمد عليها الفقه في سياقه، ولم يظهر فيه القياس الأرسطي بعده، وقد اشتهرت هذه الطريقة بالباقلاني".

في حين أن طريقة المتأخرين اشتهرت بالغزالي، بينما كان الجويني نقطة الوسط بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين؛ فهو يعتبر أول أشعري أسهم في بناء طريقة المتأخرين، التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب عن الشاهد؛ وفي هذا يقول الجويني: " فإما بناء الغائب علي الشاهد فلا أصل له، فإن التحكم به باطل وفاقا. والجمع بالعلة لا أصل له، إذ لا علة ولا معلول عندنا، وكون العالم عالما هو العلم الحادث، مخالف للعلم القديم، فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما؟ والقول الجامع في ذلك : أنه إن قام دليل علي المطلوب في الغائب، فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد، وإنه لم يقم دليل علي المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معني له وليس في المعقول قياس".

ولما كان الجويني قد أسهم في بناء طريقة المتأخرين التي تخلت عن الأخذ بقياس الغائب علي الشاهد، فقد استخدم أساليب قياسية منطقية، كفكرة " السبر والتقسيم"، حيث يقول :" السبر والتقسيم، ومعناه علي الجملة أن الناظر يبحث في معان مجتمعة في الأصل، وينتقيها واحدا واحدا، ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به، إلا واحدا يراه ويرتضاه، وهذا المسلك يجري في المعقولات علي نوعين : فإن كان التقسيم العقلي مشتملا علي النفي والإثبات حاضرا لهما، فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت ".

وحتي في الوقت الذي تم فيه اعتماد اساليب قياسية منطقية من طرف الجويني بغية تطعيم المناهج اللامية، لم تستطع فيه تلك الأساليب ممارسة نفسها في وضوح وتميز واستقلال، بل انطبعت بالطابع البياني، أي " طريقة المتقدمين "، فالمقدمات أو ألأصول التي تم للجويني أخذها أخذها من منطق أرسطو كانت ناقصة.

ومع ذلك يعتبر الجويني أول من فتح الباب علي مصرعيه لتلميذه الغزالي الذي سيستخدم المنطق بشكل واضح في الدراسات الكلامية والفقهية. وهنا يمكن لنا أن ندرك إلي أي مدي ستكون حاجة الغزالي إلي المنطق، وإلي القياس الأرسطي بالذات، إنه سيكون في حجاة إليه لتقرير عقائد الأشعرية ضد المعتزلة الذين ظلوا متمسكين بمنهجهم المفضل " الاستدلال بالشاهد علي الغائب" وسيكون في حاجة إليه أكثر للرد علي التعليمة الباطنية الذين يبطلون الرأي والقياس، ويوقون بضرورة الأخذ من المعلم المعصوم، وسيكون في حاجة إليه أيضا لبيان تهافت الفلاسفة أنفسهم.

هذه الحجة الماسة إلي المنطق ستدفع الغزالي إلي تطويعه داخل الفكر الأشعري، إلي حد القول أنه هو القسطاس المستقيم، الذي عرض به القرآن العقيدة الإسلامية ورد به علي المجادلين الكفار، وأن أشكال القياس الأرسطي، هي نفسها " موازين القرآن "، كما أن الحاجة إلي المنطق ضرورية في علم الكلام لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات وحراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة والرد علي الباطنية.

فإعجاب الغزالي بالمنطق، ومحاولة ربطه بالدراسات الكلامية، جعل متأخري الأشاعرة يبدأون بحوثهم الكلامية بعرض المسائل المنطقية والمنهجية، والحديث عن طرائق العلم وأنواع الاستدلالات قبل الخوض في المسائل الكلامية، ومن هؤلاء " فخر الدين الرازي"، الذي استوعب الفلسفة المشائية الإسلامية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام، ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن القول بعبارة أخري أنه جعل تلك الفلسفة كلاما، وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة.

وإذا كان الرازي قد أدخل الفلسفة في علم الكلام، فإنه علي ضوء الفلسفة المشائية السينوية، قد أعطي اتجاها جديدا لعلم الكلام.

فلقد ابتكر الرازي طريقة جديدة في تصنيف المؤلفات العقائدية، قبل تكوين المذاهب الكلامية الخاصة، حيث استن في كتابه " المحصل " سنة في تبويب المشاكل الكلامية وتقسيمها، وسار عليها معظم من جاءوا بعده، من أمثال " الآمدي " و " البيضاوي" و" الإيجي"، وهو في الجملة ممتاز في التقسيم والتبويب، فهو إذا عرض لمسألة كلامية أو لمشكلة فلسفية استعرض وجهات النظر المختلفة فيها في تصنيف جامع، مع ربط محكم لكل ما يتصل بالموضوع من موضوعات أخري. وقد يجر الموضوع الكلامي أو الفلسفي إلي أبحاث لغوية أو تفسيرية في عرضه لها دون أن يفلت منه زمام، وهو إذ يناقش وجات النظر التي يعرض لها، يحدد موقفه الذي يعتقد أنه الحق، ويدافع عنه، وإذا كانت للرازي تلك القدرة الفائقة علي العرض والطلب، فإن القارئ الذي ليس له سعة إطلاع في مختلف العلوم قد لا يتمكن أن يلاحقه بفكرة في تقسيماته وتفريعاته وتشقيقاته.

ولذلك يمثل الرازي طفرة ممتازة ومرحلة متميزة في تطور كل من المذهب والمنهج الأشعريين، وعلي ارغم من أنه قد خالف الأشعري والغزالي في بعض القواعد والأصول، فإنه تأثر ببعض آرائهم، وبخاصة  في منهجه الجدلي ؛ حيث يقوم جدله علي تعدد الأدلة مثل، وتسيطر عليه نزعة فلسفية مثل تلك التي توجد لدي الغزالي، وهو يستخدم التعريف والتقسيم كسابقيه ويهتم بالقضايا الشرطية " المتصلة والمنفصلة"، ويعرض الأفكار في أشكالها المختلفة، ويقلب الموضوع علي كافة وجوهه في كل معانيه، وهو يستخدم بكثرة هذا المنهج في واحد من أهم كتبه الجدلية وهو " اساس التقديس".

ويعتبر الرازي آخر ممثل كبير لمدرسة الأشاعرة، ولذين جاءوا بعده يتوخون منهجه ويبدو ذلك واضحا لدي " الآمدي " في كتابه " غاية المرام في علم الكلام"، وأيضاً البيضاوي في كتابه " طوالع الأنوار من مطالع الأنظار ".

وهذان الكتابان يمثلان أعظم دراسة تحاكي صنيع فخر الدين الرازي في كتابه " المباحث المشرقية" وكتابه "المحصل".

كما نجد هذا الاتجاه أكثر بروزا عند متأخري الأشاعرة، وقد تمثل ذلك لدي " عضد الدين الإيجي (680هـ- 756هـ)" في كتابه " المواقف في علم الكلام "، وهو موسوعة كلامية فلسفية، استطاع من خلالها أن يقحم لموضوعات المنطقية واللغوية والميتافيزيقية في علم الكلام ؛ فقد تمكن الإيجي بقدرته الفائقة من تقديم نسق محكم مترابطة موضوعاته متبعاً المنهج المقارن بين المتكلمين بعضها ببعض، حقيقة لقد تضاءل موضوع العقائد، إذا قورن بما عرض له من موضوعات، مع أن العقائد هما موضوع علم الكلام، ومع ذلك فالقارئ، يستطيع أن يلمس الصلة الوثيقة بين الموضوعات الميتافيزيقية أو المنطقية أو الطبيعية، وبين علم الكلام، إلي حد يمكن معه القول بأن موضوعات أصول الدين، هي محور الموضوعات الأخرى.

بل إن البحث في العقائد قد اقتضي منه تخليلا منطقيا فلسفيا لموضوع الوحدة والكثرة ونظريتي : شيئية المعدوم والموجود، قد اقتضيا منه تفصيل القول في العلة والمعلول. وهكذا نجده في بقية المسائل التي عرض لها بالحث.

وهنا يتضح لنا مدي تطور الدراسات المنطقية في العلوم الكلامية عند الإيجي، ولقد قلده المتأخرون بدون أن يضيفوا تطورات في المنهج، وقد تمثل ذلك لدي " سعد الدين التفتازاني (ت: 791هـ - 1389م) صاحب كتاب "المقاصد"، وفي هذا الكتاب قامت الدراسات العقلية في العالم الإسلامي إلي أخريات القرن التاسع الهجري خلطت فيها الفلسفة خلطاً تاماً.

وفي القرن التاسع الهجري، نجد السنوسي (ت: 895هـ-1490م)، الذي يعد أكبر ممثل للأشعرية في شمال أفريقيا بعد المهدي بن تومرت ( ت:524هـ) وكتابه " السنوسة" أو " عقيدة التوحيد" من متون الدراسات الكلامية التقليدية في القرون الأخيرة، يقف السنوسي دائما إلي جانب الأشاعرة، ويرفض الآراء الأخرى، يأخذ برأي الأشعري في الغالب، وقد يؤثر عليه رأي الباقلاني أو إمام الحرمين " الجويني" في بعض التفاصيل والجزئيات.

ويلاحظ بوجه عام، أن الأشاعرة المتأخرين يرددون آراء السابقين من أمثال الغزالي، والفخر الرازي، وقل أن يضيفوا جديدا في الدراسات الكلامية والمنطقية."..... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4799 المصادف: 2019-10-26 00:57:32