 دراسات وبحوث

مصدر السلطة في الدولة المسلمة عند الإمام الخميني

بدر الدين شيخ رشيدأسس الخميني نظام الحكومة الإسلامية على غرار نظرية الشيعة المبنية بالنص من النبي صلى الله عليه وسلم، على تعيين علي بن أبي طالب لقيادة الأمة بعده، وهذا التعيين إنما تمثل في اثنى عشر إماما كان آخرهم المهدي المنتظر، فالشيعة الاثنى عشرية يتفقون على أن الحكومة العادلة ستقوم بيد المهدي المنتظر وسيملء الأض عدلا وقسطا، بعد ما ملئت ظلما وجورا، وهذه الحكومة المتوقعة بيد المهدي هي حكومة إلهيّة، بما أن المهدي من الأئمة المعصومين عند الشيعة، غير أن الإشكال في المسألة يظهر كالتالي: هل على الشيعة أن ينتظروا الإمام المهدي، أم عليهم طلب الحكومة في عصر الغيبة الكبرى؟ وإذا قامت فعلى أيّ مبدأ تقوم؟

ولاية الفقيه أساس الحكومة عند الإمام الخميني:

بنى الإمام الخميني أساس الحكومة الإسلامية على ولاية الفقيه، فشرعية الحكومة مستمدة منها ؛ لأنها تستند إلى دعامة النصب الشرعي للفقيه العادل الكفء ولياً للأمة، بوصفه نائباً عاماً للإمام المهدي، وهو الأمر الذي يحصر الحق الشرعي في رئاسة الدولة الإسلامية به، من دون أن يكون للشورى مدخلية في منحه شرعية الحكم؛ لأنها شرعية مكتسبة من ولاية الإمام المعصوم، ولكن مبدأ الشورى يمكن أن يكون معياراً للتفاضل بين الفقهاء الجامعين لشروط القيادة، فيما لو تعددوا، أما البيعة فهي مظهر لإعلان الطاعة من جانب الأمة .

إذن، الحاكم في الحقيقة هو الله، والوالي منفذ لأحكامه، وقد يعبر عن هذه الحكومة بالحكومة الثيوقراطيّة، بمعنى حكومة القوانين الإلهيّة على المجتمع، وتتمثل هذه الحكومة في عصر الغيبة الفقيه العادل العالم بزمانه البصير بالأمور والحوادث الرؤوف الحافظ لحقوق الناس حتى الأقليات غير المسلمة .

وتنطلق رؤية الإمام الخميني من أنّ المعيار لشرعية العمل الإرادي والاختياري، هو إرادة الله تعالى؛ لأنّ العدالة أمر ذاتي له وتتقدم إرادته سبحانه وتعالى على باقي الأعمال الإرادية، والنتيجة أنّ الوضع في جميع أفعال الإنسان الإرادية، هو أنّ إرادة الإنسان مصدر وجود الفعل الإرادي؛ وأن إرادة الله تعالى مصدر لشرعيته، بناءً على هذا، فإن موضوع الحكومة التي هي من أفعال الإنسان الإرادية، تتحقق بإرادة الإنسان واختياره، كما أن معيار الشرعية يكون هو إرادة الله تعالى، وأيّ حكومة تنطبق على هذا المعيار فهي شرعية، بدليل انطباقها عليه، ولهذا، فمثلما تكون إرادة الشعب مصدراً لقدرة الحكومة، فانّ إرادة الله تكون مبدءا لشرعيتها وأحقيتها؛ وأيّ حكومة لا تنبعث من إرادة الله تعالى حتى لو تحققت بإرادة الشعب فانّها تكون غير شرعية وتفتقد الى الأحقية .

يلاحظ من رؤية الخميني في إشكالية مصدر السلطة بأنه تتعارض إرادتان: إرادة تمثل الشرعية، وأخرى تمثل القوة الفعليّة. فالأولى: هي إرادة الله، وتتجسد في الفقيه المجتهد، والثانية: هي القوة الفعلية وتتجسد بالشعب، والإشكال كيف تجمع تلك الإرادتين؟

فالإمام الخميني قدم الإرادة الشرعيّة على إرادة القوة العملية، لكن هذا التقديم ينقصه التصور العقليّ؛ لأن إرادة الله- خارج المعجزات- لا تتحقق إلا بإرادة القوة الإنسانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إرادة الله فيما يتعلق بحياة الإنسان في هذا الكون هي مبنيّة باجتهاد الأمة، والفقيه جزء من الأمة،كما أن اجتهاده يقتصر على المسائل الفرعية الفقهية، إذن، فالأمة بمجموعها هي التي تمثل إرادة الله وليس الفقيه المجتهد.

علاوة على ذلك، فإرادة الله الشرعيّة تقتصر على الجانب الشرعيّ الدينيّ، وهي من مهمات الفقهاء، بخلاف الأمور العامة أو السياسة العامة؛ إذ هي من حقوق الأمة، وليست من وظائف الفقهاء، وذلك لما أن دائرة الأمور العامة أوسع من دائرة الإرادة الشرعية الدينية التي هي من اختصاص الفقهاء.

دور الأمة في مصدر السلطة السياسية عند الخميني:

للأمة دور محدود في السلطة عند الخمينيّ، وهي تقتصر بانتخاب رئيس الجمهورية وليس لها أيّ تأثير على المرشد الأعلى للجمهورية الإسلاميّة، وهذا يدل على ضعف دورها في ممارسة السلطة السياسية، فالأمة لا تنتخب المرشد ولا تقيد في صلاحياته المطلقة، فهو صاحب السلطة العليا الذي لا تقيده سلطة أخرى، وهذا يدل على الغاء دور الأمة السياسي، فهي تتعامل مع فقيه منصوب من قبل الله، فلا يمكنها الاعتراض أو انتقاد سياسته، لذا، تأخذ تصرفاته صبغة مقدسة غير قابلة للمساس، بالإضافة إلى كون الولي الفقيه فوق الدستور والقانون باعتباره القانون الواقعي. وينتج عن ذلك أن دائرة الممنوع والمسموح على المستوى الدستوري والقانوني لن تخلو من بعض الإبهام، ولهذا، تجد الأحزاب والصحافة والإتجاهات السياسية والفكرية نفسها تعمل وفق دستور ملغوم، فإذا أخذته بالاعتبار ولم تخالفه فقد تخالف ما يراه الولي الفقيه محظوراً ولو في ظرف معين، فيجعلها مكبلة خائفة من الإبداع الفكري والسياسي والإداري أن يجر عليها محظوراً .

وتفيد رؤية الشيخ عبد المنعم المهنّا- وهو من القائلين بالولاية المطلقة- أن لا دور للأمة في تعيين الولاية للفقيه؛ لأنه مجعول من قبل الله تعالى، وليس الشعب مصدرا للسلطات في الإسلام، بل الله تعالى هو المصدر، وعلى هذا الأساس، فدور الأمة مقصور بإطاعته عند التعيين من قبل الخبراء .

كما يؤكد خطاب الخميني الموجه إلى علي الخامنئى، المتضمن بصلاحات ولاية الفقيه، كونه فوق الدستور، وأن من حقه أن يلغي من طرفه ما أبرم في الدستور، يقول الخميني:«كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة... أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، مقدمة على جميع الأحكام الفرعية، ولو كانت صلاحيات الحكومة (أي ولاية الفقيه) محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية، لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وأن تصبح بلا معنى، ولا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع الحكومة (ولاية الفقيه) أن تلغي من طرف واحد الإتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الشعب، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام... وأن الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتا في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك، كأن تمنع الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية» .

وهذا النص وإن لم يكن مكتوبا في الدستور، إلا أن الكلمة «المطلقة» والتي أضيف إليها في الدستور، بعد وفاة الإمام الخميني تحقيقا لرغبته، هي التي تؤكد كونه فوق الدستور. ورغم أن الدستور ينص على أن الفقيه أمام الدستور كفرد من الناس، إلا أن صلاحياته المطلقة، هي التي تنسف هذا الأمر؛ لأنه كيف يكون الفقيه كفرد من الناس أمام الدستور، والمادة السابعة والخمسون تنص على أن«السلطات الحاكمية في جمهورية إيران الإسلامية:السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، و السلطة القضائية، تمارس صلاحياتها تحت إشراف ولي الأمر وإمام الأمة» .

وهذه إشارة واضحة على أن جميع السلطات في قبضة المرشد الأعلى، وأن دور الأمة من حيث الممارسات في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هو دور صوريّ لاحقيقيّ، وذلك لوجود مفارقة كبيرة بين سلطة فوق السلطات، وسلطة منتخبة لا تملك إلا صلاحيات محدودة مثل سلطة رئيس الجمهورية، بدليل، كما يقول الكاتب فاخر السلطان: «أنه حينما أعطى 20 مليونا من الإيرانيين ثقتهم في الرئيس السابق محمد خاتمي، باتت المشكلة متمثلة في وجود رئيس يتمتع بثقة أكثرية ساحقة من شعبه، لكنه لا يتمتع بالصلاحيات الدستورية اللازمة لتنفيذ برنامجه الذي كان برنامجا صلاحيا تنمويا، وعلى هذا، فالمشكلة تكمن في التناقض بين سلطة منتخبة شعبيا ولا تملك ما يلزم من الصلاحيات، وسلطة فوق كل السلطات تملك كل الصلاحيات بما في ذلك منع تنفيذ برنامج الإصلاح والتنمية» .

وقد عرض الشيخ محسن كدوير في كتابه«نظريات الحكم في الفقه الشيعي» النقاط الأساسية الواردة في رسالة الإمام الخميني والتي سبق بيانها، على أن الولاية المطلقة تعطي: عدم الالتزام - أي من الولي الفقيه- بالأحكام الإلهية الفرعية الأولية والثانوية، كما تعطي أيضا عدم الالتزام بالقوانين البشرية ومن جملتها الدستور، بالإضافة إلى ذلك، ذكر أن الولاية القائمة على أساس الشرعية الإلهية المباشرة تستمد من الشارع المقدس، وليس من الناس .

ومن هنا طرح الشيخ محسن كدوير سؤالا: طالما أن الدستور يستمد شرعيته من إمضاء الولي الفقيه فكيف له أن يقيد ولاية الفقيه المطلقة؟

والجواب كما أفاد الشيخ شفيق شقير تشير، إلى أن الدستور لا يقيّد الولي الفقيه، بل، يستطيع أن يلغي القانون عندما يرى أن ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين، وذلك باعتبار أن القانون الواقعي هو قانون الإسلام الذي ينقضه الفقيه الولي، وبناء على ذلك، فأوامر الولي الفقيه تعتبر في حكم القانون ، وهي مقدمة عليه في حالات التعارض معه .

ومن المفارقات أن الدستور منح للأمة اختيار المرشد الأعلى، ومع ذلك يختار من مجلس الخبراء، فالدستور يقرّ على أن ولاية الأمر في زمن الغيبة بيد الفقيه العادل..... ممن أقرت له أكثرية الأمة وقبلته قائدا لها ، إلا أنه يلاحظ في حالة عدم إقرارها له، أن الدستور أحال الأمر إلى مجلس الخبراء. فهذا مما لاشك فيه أنه إلغاء لدور الأمة في اختيار المرشد؛لأنه من المفترض في حالة عدم إقرارها له أن يعاد الاختيار أو التصويت إلى نوبة ثانية وثالثة للأمة، إلى أن يتم الإقرار لواحد من الفقهاء الحائزين للشروط؛ لأن الإقرار من الأمة، وليس لمجلس الخبراء، فهي التي تختار فقيها آخر؛لأن الفقهاء المجتهدين متعددون، فمثلا: إذا ترشح للانتخاب عدة من الفقهاء فالأمة تختار واحدا منهم. ففي حالة تساويهم يتساقطون ثم يبدءون دورا آخر، كما تقرر عند الفقهاء في إشكالية التزاحم في اختيار الإمام .

بيد أن الطريقة التي عالجها الدستور يهمّش دور الأمة في السلطة، وبالتالي لم يحقق حلولا ناجعة في حالة ازدحام الفقهاء؛ لأن الدستور يطرح في حالة اخفاق اختيار المرشد الأعلى، في النوبة الأولى، على أن الخبراء المنتخبين من الأمة« يبحثون ويتشاورون حول كافة الأشخاص الذين لهم صلاحية المرجعية والقيادة فإذا وجدوا مرجعا واحدا يملك امتيازا خاصا للقيادة، فإنهم يعرفونه للشعب باعتباره قائدا، وإلا فإنهم يعينون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شرائط القيادة ويعرفونهم إلى الشعب باعتبارهم أعضاء لمجلس القيادة» .

فالأمر كما تلاحظ وصل إلى تعدد القيادة بحيث وصلت النوبة إلى ثلاثة أو خمسة من القادة، وهذا بلا شك، يفيد تعدد المراجع وأن الأمر فيما بينهم شورى، وبالتالي يختار القائد من الأمة بعد ترشيحه من مجلس الخبراء، فاختيار الأمة هو الذي يحسم القضية حتى لا يكون أمر الأمة استبداديا، ويدل كون الأمة لا دور لها في ممارسة السلطة أو في إنشائها، وظائفُ القائدِ وصلاحياتهِ في الدستور الإيراني، ففي المادة العاشرة بعد المئة تقول: وظائف وصلاحيات القيادة هي:

تعيين فقهاء مجلس المحافظة على الدستور.

نصب أعلى مسؤول قضائي في الدولة.

تولي القيادة العامة للقوات المسلحة بالطريقة التالية.

أ‌- نصب وعزل رئيس أركان الجيش.

ب‌- نصب وعزل القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.

ج. تشكيل مجلس الدفاع الوطني الأعلى مؤلفا من سبعة أعضاء من التالية أسماؤهم:

رئيس الجمهورية.

رئيس الوزراء.

وزير الدفاع.

رئيس أركان الجيش.

القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.

عضوين مستشارين يعينهما القائد.

د- تعيين قادة القوات الثلاث باقتراح مجلس الدفاع الوطني.

ﻫ- إعلان الحرب والسلم والتعبئة العامة، باقتراح مجلس الدفاع الوطني الأعلى.

التوقيع على نتيجة انتخابات رئاسة الجمهورية بعد انتخاب الشعب.

عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد، وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن الوظائف القانونية، أو بعد رأي مجلس الشورى الوطني بعدم كفاءته السياسية

العفو أو التخفيف من أحكام المحكومين في إطار الموازين الإسلامية بعد اقتراح المحكمة العليا .

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4829 المصادف: 2019-11-25 03:58:01


Share on Myspace