 دراسات وبحوث

أشكال الدولة بين الوحدة والإنقسام.. مقاربات بين رؤيتي الكلاسيكيين والمعاصرين

بدر الدين شيخ رشيدأولا: رؤية الكلاسيكيين: ظهرت إشكالية الدولة بين الوحدة والانقسام في أدبيات الكلاسيكيين من المتكلمين والفقهاء من خلال تنظيرهم لمفهوم شكل الدولة، حيث انقسموا إلى ثلاثة أقسام هي:

الوحدة وعدم الانقسام:

يرى هذا الاتجاه أن الوحدة وعدم الانقسام في الدولة مبنيّ على وحدة الإمام، فقد ذكر الإمام ابن حزم (ت:465ﻫ)، في معرض جوابه على هذا الإشكال:«لا تصح إقامة الدين إلا بالاسناد إلى واحد، أو إلى أكثر من واحد، فإذن، لا بد من أحد هذين الوجهين، فإن الاثنين فصاعدا بينهما أو بينهم ما ذكرنا يعنى الخلاف، فلا يتم أمر البتة فلم يبق وجه تتم به الأمور إلا الاسناد إلى واحد فاضل عالم بالسياسة قوي في الانفاذ»[1].

وقال الماوردي «وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لن تنعقد إمامة منهما؛ لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه»[2].

ورأي الشيعة الإمامية منسجم مع هذا الاتجاه وإن اختلفت الأسس الفكرية بينهم وبين جمهور أهل السنة؛ إذ أن رأي الشيعة الإمامية في هذه المسألة نتيجة ضرورية لعقيدتهم في حقيقة وجوهر الإمامة، وهي كون الإمامة خلافة النبوة في تبليغ أحكام الإسلام وشرعه، فمهمة الإمامة والإمام تتصل في الأساس وبالدرجة الأولى بالقضية التشريعية للإسلام، وتتصل بكيان الأمة الإسلامية الواحدة وأما صلتها بالقضية السياسية والتنظيمية( قضية الحكم والدولة)، فإنها تأتي بالدرجة الثانية، ومن هنا كانت قضية الإمامة مشروطة بالعصمة ومتربطة بالنص، وعلى هذا الأساس، فإن مسألة وحدة الإمام أو تعدده عند الشيعة ليست مسألة اجتهادية مطروحة للبحث عن حلها، بحسب الأدلة وإنما هي تشريع ثابت بوحدة الإمام المعصوم[3].

جواز الانقسام وتعدد السلطات:

وقد نسب هذا الرأي إلى بعض الفرق الإسلامية كالكرامية، منسوب إلى محمد بن كرام (ت:255ﻫ)، والجارودية من الزيدية، قال الإمام الشهرستاني في تقرير نسبة هذا الرأي إلي الكرامية، وقالوا في الإمامة: إنها تثبت باجماع الأمة دون النص والتعيين، كما قال أهل السنة، إلا أنهما أي الكرامية والجارودية من الزيدية، جوزا عقد البيعة لإمامين في قطرين[4].

التفصيل:

وهذا الرأي مبني على أساسين:

الأول: على أساس اتساع القطر وتضييقه فأجازوا تعدد السلطات للدول في حالة اتساع القطر.

الثاني: على أساس التفريق بين عصر حضور الإمام المعصوم وبين عصر غيبته- بالنسبة للشيعة- وهذا الرأي تبناه بعض أعلام الشيعة الإمامية المعاصرين؛ إذ أجازوا تعدد السلطات للدول في عصر الغيبة.

وقد مال إلى هذا الرأي عدد من الفرق الإسلامية ووافقهم عدد من جمهور أهل السنة، ويصنّف الكرامية في هذا الإتجاه؛ إذ إنهم أجازوا تعدد الأئمة في حالة القطرين، كما يصنّف أيضا بعض الشيعة الزيدية، وقد نسب الشهرستاني إليهم، حيث أنهم ذهبوا إلى القول: من شهّر سيفه من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكان عالما زاهدا شجاعا، فهو الإمام.... وإن كانوا اثنين وشهّرا سيفيهما ينظر إلى الأفضل والأزهد، وإن تساويا ينظر إلى الأمتن رأيا والأحزم أمرا، وإن تساويا تقابلا، فينقلب الأمر عليهم كُلاً، ويعود الطلب جدعا والإمام مأموما والأمير مأمورا، ولو كانا في قطرين انفرد كل واحد منهما بقطره، ويكون واجب الطاعة في قومه[5].

كما مال إلى هذا الرأي بعض أعلام السنة كعبد القاهر البغدادي(ت:429ﻫ)، وعبد الملك الجويني، حيث قال الأول:لا يجوز أن يكون في الوقت الواحد إمامان واجبا الطاعة، وإنما تنعقد إمامة واحد في الوقت، ويكون الباقون تحت رايته، وإن خرجوا عليه من غير سبب يوجب عزله فهم بغاة، إلا أن يكون بين البلدين بحر مانع من وصول نصرة أهل كل واحد منهما إلى الآخرين فيجوز حينئذ لأهل كل واحد منهما عقد الإمامة لواحد من أهل ناحيته[6].

أما الجويني، فقال: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين... والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل الاجماع عليه، وأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال، وهو خارج عن القواطع[7].

ورغم أن هذا الرأي محل استنكار من علماء الجمهور؛ إذلم يجوزوا تعدد الأئمة ولو في بلدين[8]، إلا أنه هو الملائم في العصر الحديث، في بناء العلاقات بين الدولة الإسلامية، وذلك لتعدد الأقطار في البلاد الإسلامية والاختلاف في الأجناس، فقبول تعدد الدول الإسلامية أمر مطلوب، وبالتالي البحث في كيفية أخرى تتم من خلالها بناء الوحدة الإسلامية، كالفيدرالية، أو غيرها من الأنظمة الحديثة.

ثانيا: رؤية المعاصرين

إن غالبيّة المفكرين يرون أن الدولة الإسلامية دولة مدنية، وبالتالي فالإسلام لم يحدد شكلا محددا للنظام السياسي، وإنما ترك هذه المسألة للأمة، فهي التي تحدد الشكل الذي تراه مناسبا للدولة، طبق التطور الزماني والمكاني الذي تمر به الأمة، وإنما قدم الإسلام مبادئ عامة وقواعد كلية، وترك التفصيلات الجزئية للتطبيقات العملية المتبدلة بحسب الأحوال والأزمنة[9].

من هنا، أكد هذا الرأي السيد محمد باقر الصدر، حيث ذهب إلى أن النظرية الإسلامية، تطرح شكلا للحكم يحتوي كل النظم الإيجابية في الأنظمة الديمقراطية، مع فوارق تزيد الشكل موضوعية وضمانا لعدم الانحراف، فنظام الإسلام يقترب من النظام الرئاسي مع فوارق[10].

كما أكد الشيخ صالح الورداني- من مفكري الشيعة في مصر- أن الدولة الإسلامية في منظور آل البيت ليس لها شكل محدد ومعالم وأطر ثابتة، وهي متحررة تماما من النزعة الإلهية، ومثل هذه الأمور، إنما هي متروكة للاجتهاد، ولعل طرح فكرة ولاية الفقيه من قبل الإمام الخميني وتطبيقها في إيران اليوم يشير إلى ذلك[11].

كذلك، يستفاد من رؤية الشيخ حسن البنا، بأنه ليس للدولة شكل معين، بل هناك مبادئ وقواعد يبنى عليها يقول:«والحكومة في الإسلام تقوم على قاعدة معروفة مقررة، هي الهيكل الأساسي لنظام الحكم الإسلامي، فهي تقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها، ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال»[12].

ويمكن لنا أن نعلل كون الدولة في الإسلام ليس لها شكل محدد، بناء على مبدأ الشورى الذي تنبثق منه السلطة؛ لأن نظام الحكم في الإسلام سواء من جهة الشيعة في عصر الغيبة، أو من جهة السنة هو مبنيّ على الشورى، فهو كما قال الشيخ محمد الغزالي: إنه لم يقترح نظاما خاصا أو حدّد شكلا معينا، بل، طرح الشورى كقيمة لابد منها، أما كيفية التنفيذ، فأمر خاضع للاجتهاد، حتى فى هذا العصر الحاضر، نجد فى الدول الحرة، ليس للديمقراطية شكل خاص يشيع بين الجميع، فالولايات المتحدة نظامها رئاسى، والسلطة التنفيذية فيها تنكمش أحيانا أمام السلطة التشريعية، فلا يملك رئيس الدولة، وهو رئيس السلطة التنفيذية أن يعين رجاله إلا بإذنها... بينما الديمقراطية الغربية ليبرالية ملكية، فيها ملك أو ملكة تملك ولا تحكم، فالنظام الديمقراطي فى إنجلترا مخالف تماما للنظام الديمقراطي فى الولايات المتحدة...كما أن النظام الديمقراطي فى فرنسا يجعل انتخاب رئيس الجمهورية من حق الشعب، بينما هو فى إيطاليا من حق مجلس النواب والشيوخ؛ إذ إن طبيعة هذه النظم تختلف من نوع لآخر[13].

وسبب هذا التنوع في الشكل-كما قال الباحث السوري وائل حمدوش- يرجع إلى أنه: «لا يوجد في القرآن تحديد لصورة الدولة، بل ترك ذلك للناس تسهيلاً لحياتهم، ولكن نجاح نموذج الخلافة، لعدة قرون جعل منه النسخة الوحيدة في العقلية الإسلامية الصالحة لكل مكان وزمان»[14].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................................

[1] - علي بن أحمد ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل،  مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، (بدون تاريخ الطبع)، ج4/ص72.

[2] - الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع)، ص9.

[3] - محمد مهدي شمس الدين،  نظام الحكم والإدارة في الإسلام، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، لبنان، ط2/1991م، ص132.

[4] - محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/ 1404ھ، ص110.

[5] - المصدر السابق، ج1/153.

[6] - ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط/1987م، ص322-323.

[7] - محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق، هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط/ 2003 مج1/ص273.

[8] - محمد الحسيني،  التكييف الدستوري لشكل الدولة الإسلامية، مركز ابن إدريس الحلي الفقهية،  النجف، العراق، ط1/2008م، ص27.

[9] - محمد الغزالي، الإسلام والطاقات المعطلة، دار النهضة، القاهره، مصر، ط1/(بدون تاريخ الطبع)، ص71.

[10] - محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران،  إيران، ط2/1403ھ، ص17-18.

[11] - صالح الورداني، السيف والسياسة، دار الحسام، القاهرة، مصر، ط1/1996م، ص188.

[12] - الشيخ حسن البنا،  مجموعة الرسائل، بيروت، لبنان، ط/1981م.ص339.

[13] - محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، دار النهضة، القاهرة، مصر، ط1/ (بدون تاريخ الطبع)، ص109.

[14] - وائل حمدوش، إشكالية نظرية في دولة الإسلاميين المدنية، (تاريخ النشر، 19-7-2013م)، أنظر الرابط:

http://www.ahdath.info/?p=127961

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4832 المصادف: 2019-11-28 04:00:49