 دراسات وبحوث

الصراع السياسي عند سيد قطب

بدر الدين شيخ رشيدبدأ سيد قطب حياته السياسية مع حزب الوفد، وهو حزب ذو أغلبية شعبية أسسه سعد زغلول وسمي بهذا الاسم أخذا من حادثة الوفد من الزعماء المصريين الذين اجتمعوا بزعماء الإنجليز وفاوضهم بشأن استقلال مصر وكان هذا بعد ثورة( 1919م).

وسبب انتمائه لحزب الوفد منذ مطلع شبابه هو إقامته عند خاله أحمد حسين عثمان الذي كان وفديّا ثم تعرّف سيد قطب العقاد، وأُعْجِبَ به وبمكتبته، وكان وفديّا، وكان انتماء سيد قطب لحزب الوفد  في مرحلة دراسته المتوسطة، واستمر بها أثناء  دراسته الجامعية في كلية دار العلوم، وبقي سيد قطب مع الوفد ما يزيد على سبعة عشر عاما، إلى أن وقع حادث فبراير( 1942 م)، حيث تقدم السفير البريطاني في القاهرة بإنذار شديد إلى الملك فاروق، وطلب منه بإقالة رئيس الوزراء، وبالتالي أمره أن يعهد إلى مصطفي النحاس بتشكيل وزارة جديدة .

وكان سيد قطب من أول الساخطين الناقمين على الحزب وعلى زعيمه النحاس فتخلى عن الحزب، فشكل بعض الزعماء المنشقين عن حزب الوفد حزب الطليعة الوفدية، أو حزب السعديين نسبة إلى سعد زغلول مؤسس حزب الوفد، فانضم سيد قطب إلى الحزب الجديد، وبقي سيد مع حزب السعديين حتى عام ( 1945م ) وبعدها تخلى عن الأحزاب كلها[1].

محطات سيد قطب مع رجال  الثورة:

الأول:  التخطيط الإخواني المسبّق:

تشير بعض الدراسات إلى أن الإخوان المسلمين هم الذين خططوا للثورة، يقول الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي: «أجمع المؤرخون من الإخوان المسلمين – ومعهم المنصفون من المؤرخين المحايدين- على التخطيط الإخواني المسبق للثورة المصرية وأن هذا التخطيط بدأ في الأربعينيات»[2].

كما تشير مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف من أن الأخ محمود لبيب، كان وكيل الإخوان للشؤون العسكرية وأنه تعرف عليه، والتقى به بعد تخرج عبد الرؤوف ضابطا من الكلية الحربية،  وقد كان عبد الرؤوف مواظبا على حضور حديث الثلاثاء الذي يلقيه الإمام الشهيد حسن البنا في المركز العام للإخوان المسلمين، ثم صار يدعو معه ضباطا آخرين لحضور الحديث،كان في مقدمته النقيب جمال عبد الناصر حسين، وكان هذا في شهر أكتوبر عام ( 1942م)،  وهكذا، تم تشكيل أول أسرة  إخوانية للضباط، مكونة من سبعة من ضباط الإخوان المسلمين عام ( 1944م)،  وكان نقيب الأسرة هو الصاغ محمود لبيب، والأعضاء هم: عبد المنعم عبد الرؤوف، جمال عبد الناصر، كمال الدين حسين، حسين أحمد حمودة، سعد توفيق، صلاح خليفة، وخالد محي الدين، ثم تبعتها الأسر  الإخوانية.[3].

وهناك أخبار مكثفة تشير إلى أن جمال عبد الناصر كان من الإخوان، وإذا ثبت هذا، فمعناه أن الثورة انبثقت من رحم فكرة الإخوان، تقول استشهاد ابنة حسن البنا:«إن جمال عبد الناصر كان من الإخوان.. وبايع الوالد.. والمكتب الذى شهد البيعة لا يزال موجودًا بمنزل عمى عبد الرحمن بالقاهرة، ولو كان ينطق لشهد بذلك.. وقد رثى والدى بعد استشهاده، وحضر على قبره هو والسادات وزكريا محي الدين، بعد ثورة يوليو 1952»[4].

الثاني: جهود سيد قطب في التمهيد للثورة:

مهّد سيد قطب للثورة من خلال مقالاته،حيث تفرغ بعد العودة من أمركيا بالتركيز على  الجانب الاصلاحي الاجتماعي، والسياسي الإسلامي، وانطلق من الإسلام في دعوته الإصلاحية ومحاربته المظاهر والأوضاع الشائعة في المجتمع، وقد حارب سيد قطب في مقالاته، قبيل الثورة مظاهر الفساد والانحراف في الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، كما هاجم المسؤولين عن الفساد، وبخاصة القصر الملكي، وحاشية الملك، ورجالات الأحزاب، وكبار الرأسماليين والإقطاعيين، ونجوم الانحلال من الفنانين والفنانات، ورجال الإنجليز وعملاء الفرنسيين والأمريكيين وغيرهم[5].

الثالث: تأثر ضباط الجيش بسيد قطب:

تأثر ضباط الجيش الوطنيون الراغبون في الإصلاح والتغيير بمقالات سيد الإصلاحية الثورية التغييرية، وكانوا يقرؤون ما يكتبه سيد قطب، من كتب ومقالات، وكان عشرات من الضباط الوطنيين  منضمين إلى تنظيم الضباط الأحرار، وطلبت قيادة التنظيم السرية بزعامة عبد الناصر من الضباط قراءة مقالات سيد والتثقف بكتبه الفكرية الإسلامية، وكان كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، من أوائل الكتب التي كان الضباط الأحرار يتدارسونها في لقاءاتهم السرية.[6]

الرابع: سيد قطب مع قيادة الثورة قبل قيامها:

كان ضباط الثورة لهم صلة وثيقة بسيد قطب حيث كانوا يجتمعون في منزله في حلوان للمشاورة به في الإعداد للثورة ويدرسون معه وسائل نجاحها، ويدل على ذلك رواية سليمان فياض في مقاله« سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين»، حيث زار سيدا في بيته في حلوان بعد قيام الثورة، وينقل الحوار بينه وبين سيد قطب في حديقة  المنزل فيقول:« سألته عن رأيه في هذه الثورة،  ابتسم وقال لي:«هنا تحت هذه الشجرة كان الضباط الأحرار يعقدون بعض إجتماعهم معي في فترة التمهيد للثورة»[7].

غير أنه افترق مع رجال الثورة في شأن هيئة التحرير حيث تباينت نظرتهم حول منهج تكوينها، فبعد ذلك توثقت صلته بجماعة الإخوان باعتبارها«حقلا صالحا للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلها بحركة احياء وبعث شامل، وهي الحركة التي ليس لها في نظري بدليل يكافئها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية الاستعمارية التي كنت قد عرفت عنها الكثير خاصة في فترة وجودي في أمريكيا»[8].

انضمام سيد قطب  إلى الإخوان:

بدأ سيد قطب، صراعه السياسي الإسلامي المرير بعد انضماه إلى الإخوان المسلمين، فسيد قطب، لم يجد ما يرنو إليه في الثورة، بل رآها أنها انحرفت عن نهجها الصحيح، فهو ذكر في كتابه« لما ذا أعدموني» تاريخ صراعه السياسي من تاريخ الانضمام(1953 -1962م)، فبين أنه لم يكن يعرف من الإخوان إلا القليل إلى أن سافر إلى أمركيا، عام (1948م)، في بعثة وزارة المعارف، وقد قتل أثناء إقامته في أمريكا الإمام حسن البنا(1949م(، وقد لفت نظره ما أبدته الصحف الأمريكية، والإنجليزية من اهتمام بالغ بالإخوان ومن شماتة وراحة واضحة في حل جماعتهم، وضربها، وقتل مرشدها[9].

ومن هنا عرف سيد قطب ضالته التي كان طالما بحث عنها، فعرف أن الإخوان المسلمين هم الإتجاه الصحيح الذي يمثل الدور الأصلح للمجتمع الإسلامي في العصرالحاضر، ولهذا، عزم الإنضمام إليهم، وبالتالي تحمل المتاعب التي  تواجهه  إزاء هذا العمل.

هذا، وقد انضم إلى الاخوان بالفعل عام (1953م)، ورحبوا بانضماه إليهم، ثم تولى القيام  بالأمور الثقافية لقسم نشر الدعوة ودرس الثلاثاء والجريدة التي عمل بها، كرئيس لتحريرها وكتابة بعض الرسائل الشهرية للثقافة الإسلامية، أما الأعمال الحركية كلها فقد ظل بعيدا  عنها[10].

ثم حدث بعد انضماه إلى الإخوان في عام (1954م)، ما يعرف بحادثة المنشية في مدينة  الإسكندرية بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر الفاشلة، فاتهم الرئيس الإخوان بتدبيرها، وهو ما ينفيه سيد قطب والإخوان، ويرى سيد قطب أنها مدبرة من الخارج وخاصة من أمريكيا، من خلال جمعية الفلاح التي كان يترأسها الدكتور أحمد حسين وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة الوفد، ويعتقد سيد قطب أن الجمعية أسست من قبل أمريكيا؛لأن الدكتور أحمد حسين سافر إلى أمريكا، عام (1951م)، وعاد منها مستقيلاً من الوزارة، ثم أسس «جمعية الفلاح »، وفي مقدمة أهدافها تحقيق العدالة الاجتماعية للفلاحين والعمال، وهللت الصحافة الأمريكية للجمعية بصورة كشفت عن طبيعة العلاقة بين الجمعية والسياسة الأمريكية في المنطقة، وانضم إلى هذه الجمعية رجال كُثُرْ، منهم: الدكتور محمد صلاح الدين وزير الخارجية في وزارة الوفد، والدكتور عبد الرزاق السنهوري وزير المعارف في وزارة السعديين ورئيس مجلس الدولة، والشيخ الباقوري[11].

ويعتقد سيد قطب أن الأستاذ فؤاد جلال- كان وزيراً في أول وزارة برئاسة الرئيس السابق محمد نجيب، كما كان عضوا في الجمعيّة- هو الذي غذّي الخلاف بين رجال الثورة والإخوان المسلمين، وضخّم المخاوف منهم، حيث كان يستغل ثقة الرئيس جمال عبد الناصر به، ويبث هذه الأفكار في مناسبات كثيرة ولم يكن يخفيها عن سيد قطب؛ لأنه كان يرى أنه مقرب من رجال الثورة وموضع ثقة بهم[12].

كان نشاط سيد قطب ضد الحكومة قويا منذ أن انضم إلى الإخوان المسلمين عام (1952م).  وقد لقي سيد قطب اعتقالات عديدة قبل أن يحكم بالإعدام، حيث كان أولها في مطلع عام( 1954م)، وقد شمل هذا الاعتقال آلاف الإخوان، من بينهم المرشد العام حسن الهضيميّ، وذلك بحجة ما نسب إلى الإخوان بأنهم قاموا بأعمال خطيرة تفرق الأمة وتهدد الأمن كما نسب لهم الاتصال بالإنجليز والتآمر ضد الوطن[13].

ونظم الإخوان مظاهرات ضخمة حاشدة تطلب من عبد الناصر الإفراج عن جميع الإخون  المعتقلين، ونفذ عبد الناصر مطالب الإخوان حيث أفرج عن جميع المعتقلين من الإخوان بما فيهم المرشد العام وسيد قطب[14].

أقبل الإخوان على دعوتهم وعملهم بعد الإفراج في شهر مارس، وزادت أعمال سيد قطب حيث أصدر في جريدة الإخوان التي كان يشرف عليها سيد قطب،«رسائل إسلامية».

و لما زادت شقة الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر صار الإخوان يصدرون نشرات سرية يوردون فيها الأخبار السرية لتلك الخلافات مع عبد الناصر ويسجلون فيها الكثير من التحليلات، وكان لسيد قطب دور كبير في كتابة تلك التحليلات.

وقد استمر سيد قطب في عمله هذا، حتى كانت حادثة المنشية في عام (26-10-1954م)،  حيث أذيع في الساعة الثامنة من مساء هذا اليوم أن عبد الناصر قد نجا من محاولة الاغتيال، حيث كان يخطب في دار هيئة التحرير في المنشية في الإسكندرية، ونسب المؤامرة إلى الإخوان المسلمين، وقامت الحكومة بحملة مسعورة ألقي فيها القبض على الآلاف من الإخوان المسلمين، وكان من بينهم سيد قطب، وبإدخاله في السجن تكون قد بدأت محنته الحقيقية التي صاحبته حتى استشهاده والتي أكمل باقي حياته فيها[15].

وقد حكمت محكمة الشعب من الثالث عشر من تموز سنة ( 1955م ) عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما مع الأعمال الشاقة، وكان الحكم غيابيا  لعدم استطاعته حضور الجلسة من جراء ما أصابته من إعياء ومرض وتعذيب، وقد قدر الله لسيد قطب أن يعيش في مستشفي السجن حوالى تسع سنوات[16].

وفي سنة ( 1964م)، تعرض سيد قطب لانهيار حاد جديد في صحته، استدعى نقله مرة ثالثة إلى مستشفى المنيل الجامعي، لكن هذه المرة لم ينقل إلى المستشفي، بل أخرج منه إفراجا صحيا، لهذا خرج سيد قطب من سجنه بعفو صحي بعد إصابته بالذبحة الصدرية مع قائمة من الأمراض الأخرى في الكلى والمعدة والأمعاء[17].

لقي سيد قطب الاعتقال الثالث وهو الذي قضى نحبه في سبيل الله، وعند ما قبض سيد قطب، وقع على الإخوان ما يعرف بمذبحة الإخوان عام ( 1965 م)،  وسبب اعتقال سيد في هذه المرة هو اعتقال أخيه محمد قطب في( 29، أو 30 يوليو 1965م)، فقدّم سيد قطب رسالة احتجاج  إلى المباحث العامة برئاسة الضابط أحمد راسخ، والتي حملها ابن أخته رفْعَتْ بَكْرِ، حيث احتج فيها سيد قطب على طريقة اعتقال محمد، وكون أهله لا يعرفون مكان اعتقاله، فقارن احتجاجه بين اعتقال الحكومة لمحمد قطب وبين اعتقال المحكمة البريطانية للفيلسوف الإنجليزي »برتراند رسل«، لَمّا عارض سياستها حيث كان أهله يعرفون مكانه[18].

وفي ليلة الإثنين(9-8-1965م)، داهمت المباحث منزل سيد قطب في رأس البر قبل الفجر وألقت القبض عليه، وساقته إلى السجن الحربي، حيث بقي فيه في التعذيب، والتحقيق، والمحاكمة إلى أن تم إعدامه بعد سنة من هذا الإعتقال[19].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.................................

[1] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الإستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص177.

[2] - المصدر السابق،ص، 287.

[3] - المصدر السابق، ص،287-288.

[4] -  استشهاد حسن البنا، عبد الناصر بايع والدي، ومكتب عمي يشهد بذلك، (  تاريخ النشر،  15-7-2012م)، أنظر الرابط:

http://almesryoon.com/permalink/16803.html

[5] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا،  ط2/1994م، ص298.

[6] - المصدر السابق،ص298.

[7] - المصدر السابق،ص299.

[8] - سيد  قطب، لما ذا أعدومني، (PDF) تقديم، هشام محمد علي حافظ، (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص4.

[9] - المصدر السابق،ص5-6.

[10] - المصدر السابق،ص6.

[11] - المصدر السابق،ص7.

[12] - المصدر السابق،ص7.

[13] - صلاح عبد الفتاح الخالدي،  سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص345.

[14] - المصدر السابق، ص346.

[15] - المصدر السابق، ص347.

[16] -المصدر السابق، ص361

[17] - المصدر السابق، ص363.

[18] - المصدر السابق، ص418.

[19] - المصدر السابق، ص419.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4838 المصادف: 2019-12-04 01:01:45


Share on Myspace