 دراسات وبحوث

تحديد قواعد أصول الدين:رؤية المتكلمين والفلاسفة

بدر الدين شيخ رشيدالإمام الغزالي وابن رشد وابن تيمية نموذجا:

حاول بعض كبار فلاسفة متكلمي الأشاعرة وغيرهم، تحديد أُطُرِّ وقواعد أصول الدين من خلال دراستة الملل والنحل في علم العقائد، وذلك للوصول إلى قواعد مسلمة عند الكافة من المسلمين وغيرهم.

وجاءت أهمية وضع قواعد أصول الدين، بعد هيمنة المسلمين على العالم، وإتصال الحضارة الإسلامية، بحضارات الأمم السابقة كالفرس، والروم، والهند، وفي ظل تلك الإتصال الحضاري بين الأمم، ونشأة الفرق العقائد الإسلامية، أضطرَّ المتكلمون في تحديد أصول الدين

فإذا نظرنا إلى دراسة علماء الملل والنحل من خلال رؤية الفلاسفة والمتكلمين في تحديد قواعد أصول الدين، نجد أنهم حددوا بها على ثلاثة أصول ثابتة. ويقصد بها عند الفلاسفة والمتكلمين الإيمان بالله، واليوم الأخر، وبعثة الأنبياء عليهم السلام. وهي أصول إعتقادية مسلّمة عند كل من علماء المتكلمين والفلاسفة من أنها أصول تثبت بالعقل كما تثبت بالنقل.

يقول الآمدي الأشعري [ت:631ھ/1233م] في دور العقل وإدراكه إلى معرفة الله وجميع القضايا العقلية:«والعقل كاف فى معرفته (اى الله)، ومعرفة جميع القضايا العقلية، ولا حاجة إلى تعريف ذلك بالإمام» [1].

وجاء تقرير الآمدي، إثر ردّه على نظريّة الشّيعة الإسماعيليّة حول علة وجوب الإمام بأن الإمام معرِّف بالله.

وفى بيان طرق إثبات العقيدة من جهة العقل والشرع يقول الإمام الأكبر محمود شلتوت:«وقد إتفق العلماء على أن الدليل العقليّ الذى سلمت مقدماته، وانتهت فى أحكامها إلى الحس أو الضرورة، يفيد اليقين، ويحقق الإيمان المطلوب.

أما الأدلة النقلية فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنها لا تفيد اليقين، ولا تحصل المطلوب، ولا تثبت بها وحدها عقيدة... وذلك لأنها مجال واسع لاحتمالات كثيرة تحول دون هذا الإثبات. والذين ذهبوا إلى أن الدليل النقلى يفيد اليقين ويثبت العقيدة، شرطوا فيه أن يكون قطعيّا في وروده قطعيتا فى دلالته. ومعنى كونه قطعيّا في وروده ألا يكون هناك أيّ شبهة في ثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك إنما يكون في المتواتر فقط. ومعنى كونه قطعيّا في دلالته أن يكون محْكما في معناه، وذلك إنما يكون فيما لا يحتمل التأويل. فإذا كان الدليل النقلى بهذه المثابة أفاد اليقين وصلح أن تثبت به العقيدة» [2].

إن دراسة هذه الأصول- من خلال رؤية فلاسفة المتكلمين- سنختار رؤية ثلاثة من كبار فلاسفة المسلمين، ثم نكْمل منها بعض مقالات علماء المعاصرين. ومن هولاء المتكلمين: الإمام الغزالي [ت:505ھ/1111م]، والفقيه والفيلسوف الإسلامى ابن رشد [ت:595ھ/1198م] وشيخ الإسلام ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]، رحمهم الله على الجميع.

أصول الدين عند الغزالي: [ت:505ھ/1112م]:

الإمام الغزالى [ت:505ھ/1111م]، تولّى رئاسة الأشاعرة بعد وفاة شيخة إمام الحرمين الجويني [ت:478ھ/1085م]. فبعد ما توفي شيخه إمام الحرمين، وفد الغزالي إلى بغداد قاصدا للوزير النظام الملك« ثم ولاّه نظام الملك التدريس في مدرسة بغداد، وخرج له أصحاب وصنف التصانيف مع التصوف والذكاء المفرط وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخر بالطبران، قصبة بلاد طوس، وله خمس وخمسون سنة» [3].

قبل أن نبدأ رؤية الغزالي في تحديد أصول الدين، ينبغي أن نقف جانبا من مذهب الغزالى في الإعتقاد، وذلك هل هو أشعرى الإعتقاد؟ أم هو متحرر عنه؟

فالبحث في هذا المضمار سوف نشير إلى رؤية عالمين من علماء المعاصرين، تباينت وجهة نظرهما فيه.

أ - رؤية الشيخ أبي زهرة [ت:1396ھ/1976م]:

فإذا أخذنا من وجهة الشيخ أبي زهرة [ت:1396ھ/1976م] في إعتقاد الغزالي، نجد أنه يقرر من أن الغزالي لم يتقيد بمذهب الأشعري، بل كان متحررا عنه، بحيث «إن الإمام الغزالي إذا نظر فى كلام أبى منصور الماتريدي [ت:333ھ/944م] وأبي الحسن الأشعري [ت:324ھ/935م] كان ينظر، نظرة حرة بصيرة فاحصة، لا نظرة تابع مقلد، فوافقهما في أكثر ما وصل إليه. وخالفهما في بعض ما ارتآه دينا واجب الإتباع، ولذا، رماه كثير من أنصارهما بالكفر والزندقة» [4].

ب - رؤية الشيخ السبحاني:

خالف الشيخ جعفر السبحاني عن الفكرة المتقدمة، حيث يرى أن الإمام الغزالي هو أشعري المعتقد وأنه لم يخالف الإمام الأشعري في المسائل المختلفة بينه وبين الفرق الأخرى، كالمعتزلة والإمامية، كمسألة الحسن والقبح العقلين، ومعرفة الله هل تجب عقلا أم شرعا؟ وجواز التكليف بما لايطاق، وأفعال العباد هل يخلق بها العبد أم الله؟ وإستواء الله سبحانه وتعالى على العرش، ومسألة كلام الله، ورؤية الله في الأخرة، و رعاية الأصلح لعباده، والخلاف بين علي ومعاوية.

هذا وأكد الشيخ السبحاني أن الإمام الغزالي رجّح في جميع هذه المسائل الإعتقادية، موقف الأشعريّ بحيث لم يخالف عنه أهمّ المسائل المختلفة بينه وبين الفرق الإسلامية. يقول الشيخ السبحاني في هذا الصدد: « كيف! وقد أنكر الحسن والقبح العقليين، كما أثبت الرؤية في الآخرة، وقال بقدم كلامه، وبذلك ترك عارا على جبين أهل التوحيد، وإنما خالف الأشعريّ في الصفات الخبرية حيث ذهب فيها إلى التفويض دون الحمل على معانيها اللغوية، ونظرية التفويض وإن كانت أقل شناعة من الحمل على معانيها اللغوية، لكنها باطلة توجب أن يكون القرآن من المعميات غير نازل للفهم والتدبر» [5].

غير أن المتأمل إلى موقف الإمام الغزالي في مسائل الكلاميّة، يجزم بدون تردد، أن الغزالي كان أشعريّ الإعتقاد. وذلك لموافقته في الإمام الأشعري أهمّ المسائل الكلاميّة، مثل: أفعال العباد، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة اللطف، لأن هذه المسائل تعتبر من أهمّ المسائل الرئيسية بين الفرق الإسلامية وخاصة عند الكلام في مسألة الإمامة بين الشيعة الإماميّة القائلين بالنص، وبين الأشاعرة والمعتزلة القائلين بالإختيار، لأن جدليّة إشكال الإختيار والنص في الإمامة ترجع إلى إختلافهم حول مسألة «أفعال العباد».

هذا وقد ألّف الغزالي تصانيف مفيدة في علوم مختلفة. ومن بين تلك المصنفات كتابه: «المنقذ من الضلال»، ويعتبر هذا الكتاب من أواخر ما ألّفه رحمه الله تعالى. فهو يبين أن الإيمان اليقين بالأصول الثلاثة، أعنى الإيمان بالله، واليوم الأخر، وبالنبوة، والتي حصلها، إنما كانت نتيجة حصيلة تجارب وقرائن مارسها على فترة من الزمن. وأن الإدراك بها يمكن من جهة العلوم الشرعية، كما يمكن أيضا، إدراكها من خلال العلوم العقلية. فقال رحمه الله:«وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية والعقلية- إيمانُ يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيله» [6].

أصول الدين عند ابن رشد [ت:595ھ./1198م ]:

ابن رشد ولد في قرطبه [520ھ/1126م] وتوفي عام [595ھ/1198م] في عهدMarrakech, Almohad’s Empire)). واسمه الكامل،هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد. كان عالما فقيها فيلسوفا في عصره. لقد طلب الخليفة ابن الطفيل منه التلخيص والشرح بأعمال أرسطوس الفيلسوف (Aristotle’s works)، وكذلك أعمال جمهوية أفلاطون(Plato’s Republic) عام [/556/591ھ/1160/1194م]. حاول أن يوفق بين الفلسفة والدين أو الفلسفة والشريعة، فى كتابه: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الإتصال»، كما حاول التوفيق بينهما في كتابه«تهافت التهافت»عام [575/ 576ھ/1179 1180م/ م] [7]، ردا على كتاب« تهافت الفلاسفة» للإمام الغزالي.

أراد ابن رشد توفيق الفلسفة والشريعة فى كتابه «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الإتصال»، عن طريق توظيف الطرق للدلائل الثلاثة، أعنى طريقة البرهان، الجدل، الخطابية. وقد بحث أصول الإعتقاد الثلاثة، أعنى الإيمان بالله، والأنبياء، والميعاد، من خلال تلك الطرق المتقدمة، وذلك للوصول إلى إثبات تلك الأصول الثلاثة.

وهذه الطرق يمكن الإستفادة منها حسب درجات الناس في المفاهيم والإدراكات العقلية والحسية. فالناس عند ابن رشد من حيث الإدراك منقسمون إلى ثلاثة أصناف، أصحاب البرهان، والجدل، والخطابية. وكلهم يمكن أن يدركوا هذه الأصول الإعتقادية الثلاثة. هذا وقد إستدل ابن رشد فى تحقيق نظريته، بقوله تعالى:﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ [النحل:125]. فأهل البرهان هم الحكماء من الفلاسفة، حيث يدركون هذه الأصول عن طريق البرهان العقلى. وأهل الجدل يتوصلون بها عن طريق الجدل. والعامة- وهم أهل الخطابية- يدركون عن طريق الموعظة الحسنة. وبناء على ذلك، فهذه الأصول هي أصول الشريعة والإيمان.

يقول ابن رشد في تقرير هذه الأصول من خلال تلك الطرق:« وهذا هو مثل الاقرار بالله تبارك وتعالى، وبالنبوات، وبالسعادة، الأخروية، والشقاء الأخروي. وذلك أن هذه الأصول الثلاثة تؤدي اليها أصنافُ الدلائلُ الثلاثة، التي لا يعرى أحد من الناس عن وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته، أعني الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية. فالجاحد مثلا لهذه الأشياء إذا كانت أصلاً من أصول الشرع كافرٌ معاندٌ بلسانهِ دون قلبهِ أو بغفلته عن التعرض إلى معرفة دليلها. لأنه إن كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيلا إلى التصديق بها بالبرهان، وإن كان من أهل الجدل فبالجدل، وإن كان من أهل الموعظة فبالموعظة. ولذلك قال عليه السلام:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي، يريد بأي طريق أنفق لهم من طرق الإيمان الثلاث"» [8].

أصول الدين عند ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]:

أكدّ شيخ الإسلام ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]، على أن هذه الأصول الثلاثة هى مدار فلك العقيدة، حيث قال:«إن هذه العقيدة إشتملت على الكلام في الإيمان بالله سبحانه، وبرسله، واليوم الآخر. ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي: أصول الإيمان الخبرية العلمية. وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول. فجميع الرسل إتفقت عليها كما إتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإيجاب الصدق، والعدل، وبر الوالدين، وتحريم الكذب، والظلم، والفواحش.

فإن هذه الأصول الكلية عِلْماً وعملاً هي: الأصول التي إتفقت عليها الرسل كلهم. والسور التي أنزلها الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة، والتي يقال لها: السور المكية، تضمنت تقرير هذه الأصول كسورة الأنعام، والأعراف، وذوات ألمر، وحم، وطمس، ونحو ذلك. والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بالمكتوب وبمن نزل بها من الملائكة. وهذه الخمسة هي أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [البقرة:177]، وفي قوله عز وجل:﴿ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء:136]. وهي التي أجاب عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاءه جبريل في صورة أعرابي وسأله عن الإيمان، فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. والحديث قد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب وهو من أصح الأحاديث.

فتلك الأصول الثلاثة تتضمن هذه الخمسة، والله تعالى أنزل سورة البقرة، وهي سنام القرآن وجمع فيها معالم الدين، وأصوله، وفروعه إلى أمثال ذلك. فإن النظر فيها وجْهٌ من وجوه الإيجاب. ولما ذكر في أولها أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن، وكافر، ومنافق، أخذ بعد ذلك يقرر أصول الدين. فقرر هذه الأصول الثلاثة: الإيمان بالله، ثم الرسالة، ثم اليوم الآخر. فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين ثم قال تعالى تقريرا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾، [البقرة:21] إلى قوله تعالى:﴿بسورة من مثله﴾، [البقرة:23].فإنه ذكر التحدي هكذا في غير موضع من القرآن» [9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..............................

 [1] - الآمدى، إبكار الأفكار فى أصول الدين‘ تحقيق، أحمد محمد المهدى، مؤسسة دار الكتب والوثائق القومية القاهرة، مصر،ط2002م، ج5/ص125.

 [2] - شلتوت، الشيخ محمود، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق،، بيروت، لبنان، ط8/1975م ص53.

 [3] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى قم، إيران، ط7/1420ھ،ج2/ص 325.

 [4] - أبو زهرة، ابن تيمية حياته وعصره وأراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1420ھ/2000م، ص157.

 [5] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط7/1417ھ ج2/ص327-339.

 [6] - الغزالى، المنقذ من الضلال، ضمن مجموعة رسائل الغزالي إشراف، مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 1421ھ/2000م، ص552-553.

 [7] - Ibn Rushd biograpgy by Encyclopedia Britannica…( e-rext): http:// www. Muslim philosophy.com/ir/art/ ir-eb. htm

 [8] - ابن رشد، محمد بن أحمد، أبوا الوليد، فصل المقال فى تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال. انظر الموقع:

http://ar.wikisource.org/ wiki/%D9%81.

 [9] - ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، شرح العقيدة الأصفهانية، تحقيق إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد، الرياض ط1/1415ھ، ص211.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4859 المصادف: 2019-12-25 15:17:29


Share on Myspace