 دراسات وبحوث

ابن مسكويه وتهذيب الأخلاق

محمد بنيعيشأولا: التعريف بابن مسكويه:

هو أحمد بن محمد ين يعقوب المعروف بان مسكويه أو مسكويه، هكذا كما ذهب إليه بعض المؤرخين وتبعهم في ذلك بحاث محدثون.

ولد سنة 330 هـ بالري ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد حيث مركز الخلافة ووجود البويهيين آنذاك، والذي صاروا أصحاب النفوذ الحقيقي في الدولة العباسية، التي لم يعد لها دور سوى التمظهر بمراسيم الخلافة والتوحيد الرمزي للأمة، من حيث إقامة الخطبة للخليفة في الجمعة وضرب السكة باسمه، أما التصرف الفعلي في شؤون الدولة فقد كان من اختصاص البويهيين.

وكان ابن مسكويه من بين الذين نالوا الحظوة عندهم بالتقرب من أمرائهم والتعرف عليهم، إذ أمكن له الاتصال بالوزير المهلبي الحسن بن محمد الأزدي ومن ذرية المهلب بن أبي صفرة، وهو وزير معز الدولة بن بويه سنة 348هـ.فعمل له كاتما للسر ثم عاد بعد وفاة الوزير سنة 352هـإلى الري ليحضر لدى الوزير العميد ويصير أمينا لخزانة كتبه ومختصا كما وصفه ياقوت[1]...

وقد ظل ينتقل من خدمة وزير إلى أمير إلى ملك في دولة بني بويه حتى مات بأصبهان عام 421هـ، وهو بذلك يكون قد قضى أكبر مدة من عمره في القرن الرابع الهجري، ومن ثم فقد يعتبر كشخصية من أعلام القرن الخامس وهي مخضرمة بهذا التواجد بين القرنين...

وأهم ما تمكن الإشارة إليه في ترجمته هو شغله كخازن للكتب في الدولة البويهية، وبهذا اللقب ابتدأ القفطي بالترجمة له، إذ ذكر أنه"الخازن من كبار فضلاء العجم وأجلاء فارس، كانت له مشاركة حسنة في العلوم الأدبية والعلوم القديمة، كان خازنا للملك عضد الدولة بن بويه، مأمونا لديه أثيرا عنده وله مناظرات ومحاضرات وتصنيفات في العلوم، فمن تصانيفه: كتاب "أنس الفريد"وهو أحسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف، وكتاب "تجارب الأمم"في التاريخ بلغ فيه إلى بعض سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة، وهي السنة التي مات فيها عضد الدولة بن بويه، وهو كتاب جميل كبير يشتمل على كل ما ورد في التاريخ، مما أوجبته التجربة،  وله في أنواع الباجات من الأطعمة أحكمه غاية الإحكام وأتى فيه من أصول علم الطبيعة وفروعه بكل غريب حسن، وعاش زمانا طويلا إلى أن قارب سنة عشرين وأربعمائة "[2].

والملاحظ على هذه النبذة من ترجمة ابن مسكويه هو غياب ذكر أهم كتبه التي كانت وراء شهرته العلمية ك"تهذيب الأخلاق "و"ترتيب السعادات"، وهي كتب فلسفية بمعنى الكلمة .وغيابها، خاصة تهذيب الأخلاق، من هذه القائمة التي أوردها القفطي ليس بغريب على الباحث، إذ أن كثيرا من المترجمين يهملون ذكر أكثر كتب الأعلام المترجم لهم، وذلك بحسب الاتجاه العلمي الذي قد يتبناه المترجم، لأنه إذا كان فقيها غلب عليه ذكر كتب العلوم الفقهية، وإذا كان فيلسوفا حدث نفس الشيء، وهكذا ...

غير أن سبب إثارة هذا التساؤل أو الملاحظة هو أنه قد يوجد في كتاب "كشف الظنون" لحاجي خليفة تعريف لكتاب عنوانه: "أخلاق الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا"المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال عنه بأنه "مختصر مرتب على ست مقالات، أوله: "اللهم إنا نتوجه إليك...، ويقال له "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "وفي الموضوعات أنه كتاب البر والإثم "[3]. وعند مطالعتنا لكتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" المنسوب إلى ابن مسكويه، والمتداول عند القراء والباحثين، وجدنا بأنه يحمل نفس العنوان الذي أشار إليه حاجي خليفة، كما أن مقدمته تبتدئ بنفس الجملة التي ذكرها النص السابق ! فهل معنى هذا أن الكتاب لابن سينا وليس لابن مسكويه.

إن هذا التشكيك قد يتضاءل أمام الرأي الذي يكاد يجمع عليه كل الباحثين في نسبة كتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "لابن مسكويه، بحيث لا يكاد يذكر هذا الأخير إلا ويذكر معه كتاب التهذيب، ومن البديهي والموضوعية إضافة الخطأ إلى رواية الآحاد إذا عارضتها رواية التواتر، تماما كما هو عليه حال منهج المحدثين.

بالإضافة إلى هذا فقد عرف عن ابن مسكويه اشتغاله بالأخلاقيات أكثر من اشتغاله بالمنطقيات والفلسفيات، ويحكى: "أن ابن سينا عابه في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية ثم أعادها عليه فلم يفهمها ودفع إليه مرة جوزة كانت في يده وقال له: امسح هذه-أي أخرج مساحتها- .فألقى إليه مسكويه أوراقا وقال له: أصلح بهذه أخلاقك"، مما يدل على أنه قد كان متجها إلى الناحية الخلقية في تخصصه العلمي [4]، كما جرت له مناظرات مع ابن سينا نفسه حول مسائل تتعلق بالنفس [5]، وهو دليل أيضا على أنه قد كان ذا توجه نفسي وأخلاقي في دراسته .

ومما يزيد في تزكية هذا الطرح القائل بالتخصص الكلي في المجال النفسي والأخلاقي عنده هو هذا العهد الذي خطه بنفسه، والذي يبرز فيه غايته العلمية، مطلعه كالتالي:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا عهد عاهد عليه الله فلان بن فلان وهو يومئذ آمن في سربه معافى في جسمه وعنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، فلا يوالي مخلوقا ولا يستجلب منفعة من الناس ولا يستدفع مضرتهم.

عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع فيعف ويشجع ويحكم، وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته، وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة ولا غضب في غير موقعه، وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجادة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها"[6].

من هنا فقد أمكن لنا الجزم بأن كتاب: "تهذيب الأخلاق"، لا ريب في نسبته إليه لأنه قد يتطابق مع ترجمته وما تضمنه الكتاب، وأيضا ما لخصته هذه المعاهدة الجميلة والرصينة في فقراتها وغاياتها.

ثانيا: المنهج العلمي في التأليف الأخلاقي عند ابن مسكويه

مبدئيا، يمكن لنا تحديد أهم عناصر المنهج المتبع لديه في دراسته الأخلاقية على المحاور التالية:

أ - النزعة الفلسفية والنظرية عند ابن مسكويه

حينما ألف كتابه "تهذيب الأخلاق" فقد قدم له بتحديد الاتجاه الذي الذي يتبناه في دراسته ومنهجها، كما أنه قد أعلن صراحة ومن دون تلميح بأنه يسير على نمط مناهج الفلاسفة الإغريق في بحوثه الأخلاقية، وفي هذا يقول: "ولما كان غرضنا في هذا الكتاب السعادة الخلقية وأن تصدر عنا الأفعال كلها جميلة كما رسمنا في صدر الكتاب وعملناه لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام، وكان النظر يتقدم العمل وجب أن نذكر الخير المطلق والسعادة الإنسانية لتلحظ الغاية الأخيرة ثم تطلب بالأفعال الإرادية التي ذكرنا جملها في المقابلة الأولى، و أرسطوطاليس إنما بدأ كتابه بهذا الموضوع وافتتحه بذكر الخير المطلق ليعرف ويتشوق، ونحن نذكر ما قاله ونتبعه بما أخذناه عن مفسري كتبه المقتبسين لحكمته نحو استطاعتنا"[7].

من خلال هذا النص يتبين لنا أنه لم يكن هدفه الإصلاح العام أو التوجيه الكلي للمجتمع وإنما كان يقصد إلى إصلاح البنية الفوقية أو الخواص، والذين هم في نظره كمحرك أساسي لما دونهم من المستويات أو الطبقات . وبحسب هذه الطبقة الخاصة ونسبتها من الوعي الأخلاقي والعلمي تكون نسبة الوسط العام للمجتمع، ولهذا فسيحاول التركيز على الجانب النظري أكثر من التطبيقي العملي، وسيسعى إلى إقامة صرح للأبنية العقلية التي قد تتحدد من خلالها المبادئ النفسية والأخلاقية، ولا يمكن للإنسان أن يترقى في الفضائل وتحصيل السعادات كما يرى: "إلا بعد أن يعلم أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا ويستوفيها أولا كما رأيناها في كتابنا المسمى بترتيب السعادات، ومن ظن أنه يحصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذك المنهج فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا، وليتذكر في هذا الموضع الخطأ العظيم الذي وقع فيه قوم ظنوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وإهمالها وبترك النظر الخاص بالعقل واكتفائهم بأعمال ليست مدنية، وبحسب ما يسقطه التمييز والعقل، وقد سماهم قوم العاملة والناجية، ولذلك رتبنا هذا الكتاب عقب ذلك الكتاب ليلحظ منهما السعادة الأخيرة المطلوبة بالحكمة البالغة، وتتهذب لها النفوس وتتهيأ لقبولها غسلا وتنقية من الأمور الطبيعية وشهوات الأبدان، ولذلك سميته أيضا بكتاب "طهارة الأعراق".

بحسب معطيات هذا النص فإن ابن مسكويه قد كان لديه مشروع أخلاقي أخرجه على صورة سلسلة علمية تتحكم فيها منهجية خاصة في البحث، متأثرة بشتى المشارب الثقافية، وخاصة اليونانية.

بالإضافة إلى هذا فلا شك في أنه: "قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت حكما وعنى بمعرفة النفس وقرأ فيها كثيرا، وبنى فلسفته الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية" على حد قول أحمد أمين[8].

ومن ثم فلا غرابة إذا رأيناه يسير على منهج الفلاسفة المسلمين من تبني تلك النزعة التوفيقية التي أوغلت بجذورها في مباحثهم لحد التطرف.غير أن محاولته التوفيقية هاته لم تكن بالقوة التي كانت عند أولئك الفلاسفة الإشراقيين الذين سبقوه أو قد كانوا معاصرين له .

فهو رجل يبحث عن الفضيلة، وبتعهد كما سبق ورأينا، وهذا ما يقتضي منه الاعتدال في الأمور، وإن كان قد أخذ من الفلاسفة الإغراق فإن اغترافه هذا لم يكن على مستوى التقليد الأعمى أو التلفيق الأهوج، بل سيضع محصلاته العلمية على محك النظر الموضوعي ثم بعد ذلك سيقرر أو ينتقد ما لديه من أفكار والرد عليها أيا كان مصدرها، وذلك بحسب ما توصل إليه من دراسة وبحث .

فنراه يرد على أهم شخصية يونانية معتمدة لديه، وهو أرسطو، حول موضوع السعادة، فيصف بعض أقواله بأنها في "غاية الشناعة" ثم يبدي بعد ذلك اعتراضه ووجهة نظره في المسالة: "فكيف تقول ليت شعري في الإنسان إذا مات سعيدا ثم لحقه من شقي بعض أولاده أو سوء سيرة من يحيى من نسله ما يكون ضد سيرته وهو حي؟ فإنه إن غيرت سعادته كان هنا شنيعا وإن لم يلحقه أيضا شيء من ذلك كان أيضا أشنع"[9].

ب) الاستنباط الرياضي في التوظيف الأخلاقي

فبما أن ابن مسكويه قد كان يصبو إلى إقامة البرهان على آرائه الأخلاقية فسيحاول أن يعرضها بشكل شبه رياضي مع استعمال الرمزيات والحروف لتحديد التسلسل المنطقي، أو بعبارة أخرى فقد وظف بشكل وجيز المنطق الرياضي في علم النفس والأخلاق.

إذ في إثبات فضيلة العدالة قد ذهب إلى أنها: "في الأفعال مشتقة من معنى المساواة، والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي، ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة، فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها، وذلك أنا حينئذ نضطر على أن نقول نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا، ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة بتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية تسمى متصلة.

ومثال الأولى: أ ب ج، فنقول: نسبة أ إلى ب كنسبة ج إلى د.

ومثال الثانية: أنا نأخذ الباء مشتركا فنقول: نسبة أ إلى ب كنسبة ب إلى ج، وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء، وهي: النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية، وجميع ذلك مبين مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد، وأما سائر النسب فراجعة إليها، ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الحية الشريفة . ولما كانت نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخرى في الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها"[10].

بهذا التحليل للأوساط الخلقية وإقامة دعائمها على نسبية المساواة يكون قد مزج بين المفهوم الأفلاطوني والمفهوم الأرسطوطاليسي، وأيضا قد انصب التوفيق لديه على الجمع بين الفلاسفة أنفسهم، مما يعني أن منهجه قد كان ائتلافيا توفيقيا إلى حد ما، ويمتاز بالحرية وجلب المعرفة من أي مصدر أراد.

ج) آليات التوفيق بين الشريعة والفلسفة وخصائصها:

فيما يخص التوفيق بين آراء الفلاسفة وأحكام الشريعة الإسلامية في مسائل النفس والأخلاق فإنه يبدو واضحا في كتابه تهذيب الأخلاق هذا، لكنه مع ذلك غير متكلف أو محمل الكلام على غير صورته ومعناه، بل إنه قد يستعمل البرهان العقلي، كما أنه في إقامة وجه هذه العلاقة التوفيقية سيركز على ا لجانب العملي في الشريعة الإسلامية أكثر من الجانب المتعلق بالتصور والاعتقاد، ولهذا فقد يلاحظ على تهذيب الأخلاق ندرة النصوص الدينية التي استشهد بها كمحاولة توفيقية . حتى إن الإنسان قد يطالع شطرا كبيرا من الكتاب فلا يكاد يعثر على نص قرآني أو حديث نبوي يدعم به آراءه النفسية أو الخلقية، وليس ذلك إلا لأنه قد تقيد بالمنهج الذي رسمه لنفسه في البداية والمتمثل في أن الكتاب خاص بأهل الفلسفة . لهذا فقد حاول أن يقيم بناءه على دعائم عقلية محضة ومن دون أي مؤثر خارجي كيفما كان نوعه.

غير أن هذا قد لا يعني ابتعاده عن الشريعة في روحها ومقاصدها، بل قد كان يورد بين فينة وأخرى صورا من الأحكام الشرعية بالمعنى وليس بالحرف، ولا تفوته الإشارة إلى المنهج الشرعي في إرساء دعائم الخلق الفاضل، وذلك في المواضيع التي قد تمس الحياة العملية في أغلب الأحيان .

فعند التدليل على إثبات غريزة المحبة والأنس سيهرع إلى اعتماد أسلوب الشريعة في هذه القضية حيث يقول: "وإنما وضع للناس بالشريعة وبالعبادة الجميلة اتخاذ الدعوات والاجتماع في المآدب ليحصل لهم هذا الأنس الطبيعي الذي هو فيهم بالقوة حتى يخرج إلى الفعل"[11].

بالرغم من وجود هذه النزعة التوفيقية عند ابن مسكويه فإنها قد تختلف نسبيا عن التي كانت سائدة عند الفلاسفة المسلمين قبله، وكذلك الذي جاؤوا من بعده . بحيث إن الذين قبله قد كانوا يحاولون التوفيق بشكل مفتعل ومقصود، ولكن من دون الاستشهاد بالنصوص الدينية، فلا تكاد تعثر لدى البعض منهم ولو على نص واحد أو إشارة ولو بصورة مجملة إلى وجه العلاقة بينه وبين فكرة فلسفية قد تتطابق معه في الغاية والوظيفة، ككتاب "الحيلة في دفع الأحزان "للكندي و"تهذيب الأخلاق "لابن عدي "...أما الذين جاؤوا من بعده أو الذين عاصروه كابن سينا فقد كان استشهادهم نوعا ما أقرب نسبيا إلى ما ذهب إليه ابن مسكويه، غير أن النموذج الأكثر استشهادا بالنصوص مع الحضور العقلي المكثف هو ما ستعرفه كتب الغزالي خصوصا، وذلك في كتبه النفسية أو الأخلاقية المحضة.

بهذا فيمكن القول بأنه قد كان ذا موقف وسط في هذا الاتجاه التوفيقي، وذلك لأنه وإن لم يكن يستشهد كثيرا بالنصوص فقد حاول جهده أن لا يخرج عن روحها، بل قد وظف كل طاقاته الفكرية للوقوف عند حدودها والدعوة بالرجوع إليها في كل حال "فهو يأخذ عن جالينوس وعن أفلاطون وعن غير هؤلاء جميعا ويضم هذا الرأي لذاك وتلك النظرية لأخرى ويمزج ذلك كله بما يأخذه من الشريعة مزجا لا تضيع به سمات تلك المذاهب"[12].

هذه القدرة على التوفيق مع التدقيق عنده قد كانت نتيجة عوامل عدة منها: الثقافية والبيئية الاجتماعية، سيحددها أحمد أمين في العناصر التالية:

- الفلسفة اليونانية

- الكتاب والسنة

- تعاليم الفرس وحكمهم

- تجاربه الشخصية

وقد يستدل على حضور هذا العامل الأخير بأنه عمر طويلا وكان في شبابه منغمسا في الحياة مستمتعا بها، ثم كان صديقا للوزير المهلب ومن جلسائه، والوزير المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه ينفق ما يشاء على الثلج والورد والشراب، ثم كان من أتباع عضد الدولة ومصاحبا له في سفره وإقامته، ومشتغلا بالكيمياء يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عمر طويلا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجا غريبا، وأخرج من هذا المزيج كتبه في الأخلاق"[13]. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة أو بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألف كتاب"تهذيب الأخلاق"وفي الجماعية ألف كتاب "تجارب الأمم"[14].

على ذكر هذا الترتيب للعوامل المكونة للثقافة النفسية والأخلاقية عنده يمكن القول بأن العامل الرئيسي وراء ثقافته قد كان هو الكتاب والسنة، وإذا سلمنا بأنه قد كان حديث العهد بالإسلام، وهذا غير مؤكد تاريخيا، فإن الثقافة الفارسية قد كانت هي التي ستحل محل الصدارة في تكوينه الثقافي والفكري وليست اليونانية، إذ أن هذه الأخيرة لم يمارس النظر فيها إلا بعد نضجه وكبر سنه، بل إن صح القول، لم يتصل بها مباشرة إلا بعد أن صار خازنا للمكتبة البويهية...

د – التوفيق بين النفسي والحسي في البعد الفلسفي:

إن هذه النزعة التوفيقية البارزة في كتاباته سوف لن تقتصر على هذا المستوى العام، الذي له علاقة وطيدة بالمذهبية العقدية فقط، وإنما سيسعى إلى تطبيقها أكثر في إطارات ومواضيع خاصة بعلم النفس والأخلاق، وبالأخص في تحديد علاقة النفس بالجسد.

فبما أنه كانت له صلة بميدان الطب ومزاولته والذي كان قد ألف فيه بعض الكتب ك"الأدوية المفردة"، فسيحاول قياس أحوال النفس على أحوال الجسد بدعوى أن الأمراض النفسية مشابهة للأمراض الجسدية، ومن ثم فسيعمل على تطبيق منهج الأطباء في العلاج الجسدي بكل مراحله . بحيث سيذهب إلى أنه "لما كان طب الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين: أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة والآخر ردها إليها إذا كانت غائبة وجب أن نقسم طب النفوس هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ونتقدم في حفظ صحتها إذا كانت حاضرة "[15].

وتظهر بعض تطبيقاته لهذا المنهج عند الحديث عن الصداقة والصديق بقوله: "فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة، فإن الطبيب الرفيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما لا يبلغه غيره بالشق والقطع والكي، بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء"[16].

ولم يكن ابن مسكويه أول من اتخذ هذا المنهج في دراسته النفسية والأخلاقية وذلك لوجود شبه اتفاق لدى جمهرة المفكرين المسلمين على اعتبار أن الرذائل أمراض نفسية تتطلب العلاج بواسطة الأخلاق ذي البعد التطبيبي، تماما كما هو الشأن في الطب البدني[17]. لكن يبدو أنه قد أوغل في هذا الجانب أكثر من سابقيه، وذلك لسعيه إلى إبراز هذا الجانب بقوة علمية وتطبيقه على الجزئيات النفسية الأخلاقية وقياسها على الجزئيات الجسدية الطبية.

ولهذا فإن فكره الأخلاقي سوف لن يتميز بالفصل بين الجانب النفسي والشطر الجسدي كما هو الشأن عند أبي بكر محمد بن زكريا الرازي، الطبيب العربي، الذي ألف كتابه "الطب الروحاني"بعدما كان قد ألف كتاب "المنصوري"في الطب الجسماني، وذلك بتطبيق كل منهج على حدة في الكتابين على سبيل الفصل الكلي فيما يبدو من العنوان، حتى إننا قد لا نلمس وجود رابطة بين العملية العلاجية في الطب الجسماني وبين وسائل العلاج في الطب الروحاني . والسبب في هذا هو أن كتاب الطب الروحاني قد غلب عليه الطابع الفلسفي القائم على النظر فقط وانحصر في تقليد أفلاطون الذي يرى"أن يجتهد الإنسان بالطب الجسداني وهو الطب المعروف والطب الروحاني وهو الإقناع بالحجج والبراهين في تعديل أفعال هذه النفوس لئلا تقصر عما أريد بها ولئلا تجاوزه"[18].

عند هذا الرأي يبدو واضحا وجود الفصل عند الرازي بين مجال الطب الجسماني وأساليبه وبين الطب الروحاني، الذي يرى أنه قد يقوم على الإقناع النظري والتفلسف فقط . بينما على العكس من هذا فسيذهب ابن مسكويه إلى القول بالعلاج النفسي والأخلاقي عن طريق إحداث التطبيقات العملية التجريبية المطابقة لعملية الطب الجسماني مطابقة شبه كلية من حيث المنهج والأساليب[19].

هذا الاتجاه قد اكتسبه من خلال اهتماماته بالميدانين الطبي والكيميائي، الذين نهلهما عن كتب الرازي نفسه كما يذكر أبو حيان التوحيدي بأنه قد كان له اهتمام بها[20]، وهذا يدفع إلى القول بأنه لا بد وأن يكون قد اطلع على كتاب الطب الروحاني، ثم تولدت لديه الفكرة بمحاولة تقنين الجانب النفسي في القوالب الخاصة بالجانب الجسدي على الوجه الذي أورده في كتاباته النفسية والأخلاقية وخاصة "تهذيب الأخلاق".

ومما يبعث على نوع من الاستغراب حول هذا المنهج هو أنه قد رفض، مع هذا القول، وجود اتصال أو شبهه بين الجوهر الروحاني أو الجوهر النفسي وبين الجوهر الجسماني البدني، فالنفس عنده "ليست جسما ولا جزء من جسم ولا عرض، وأيضا فإن الطول والعرض والعمق الذي به صار الجسم جسما يحصل في النفس في قوتها الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ثم تزداد فيها هذه المعاني أبدا بلا نهاية فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق، بل لا تصير بها جسما ألبتة"[21].

فإذا كانت هذه المفارقات أو المخالفات موجودة بين النفس والجسد فكيف إذن سيتسنى لابن مسكويه وغيره أن يطبق قواعد الطب الجسماني على ميدان الطب الروحاني، خاصة إذا علمنا أنه قد يسعى إلى البرهان في إثبات مذهبه كما سبق ورأينا؟.

لا شك أنه هنا قد استعمل قياس الغائب على الشاهد، لكن قد يبدو فيه نوع قصور، خاصة إذا حاولنا قياس المجال النفسي الفسيح على المجال الجسمي الضيق والمحصور نسبيا في الظواهر المتداولة والمتعود عليها حسا ومشاهدة . بحيث كم من مريض نفسيا أو أخلاقيا قد لا يزيده الدواء إلا نفورا ولا ينفع معه تدرج ولا تلطف ولا شدة في هذه  الأحوال...

استنتاج واستخلاص

إن اعتماد الأساليب العقلية والطرق التجريبية، بالمنهج الطبي العادي، في الدراسات النفسية والأخلاقية قد تكون نتيجته نوعا ما ضئيلة وهشة، وناذرا ما يأتي الإصلاح عن طريق هذاته الأدوات، ولئن تحقق بعض النجاح فإنه قد لا يمس علاجيا إلا الطبقة جد واعية في مجتمع ما، أو التي تكون بارزة كبروز جلد الإنسان من كل بدنه، سرعان ما يتعرض للتغيرات بفعل المناخ وتعرضه للحرارة والبرودة ولفح الشمس.. وهذا الحصيلة لا تمكنها من إحداث تغيير أو تقدم ملموس يعتد به، مما سيجعل هذا الاتجاه الفلسفي في الدراسات النفسية والأخلاقية لا يمثل بعدا اجتماعيا وإنما سيبقى في الأغلب حبيس الاستجابة لنزعات شخصية وفئوية جد محدودة . ولهذا فقد كان هذا الاتجاه وما يزال لا يمثل الأصالة الإسلامية في أهدافها وغاياتها الشاملة بالرغم من أنه لم يخرج عنها روحا وقواعد من حيث احتواؤه للجانب المعرفي ووقوفه عند ما تحتمله النصوص من مفاهيم.

 

(تأليف وتوفيق)

الدكتور محمد بنعيش

جامعة محمد الأول بوجدة

...............................

[1] أحمد أمين: ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الخامسة ج2ص 177

[2] الدكتور يوسف موسى، فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلتها بالفلسفة الإغريقية، الطبعة الثالثة، مؤسسة الخانجي القاهرة ص 75

[3] حاجي خليفة: كشف الظنون، منشورات مكتبة المثنى ببغداد ج21ص37

[4] أحمد أمين: ظهر الإسلام  ج2 ص 177

[5] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، إصدار دار الفكر 1377-1959ج3ص28 وتاريخ الحكماء للقفطي ص332

[6] محمد يوسف موسى: فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلتها بالفلسفة الإغريقية، الطبعة الثالثة، مؤسسة الخانجي، القاهرة ص 78

[7] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ص76

[8] أحمد أمين: ظهر الإسلام  ج2 ص178

[9] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص 99-100

[10] نفس ص115

[11] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص143

[12] محمد يوسف موسى: فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية ص 106

[13] أحمد أمين: ظهر الإسلام ج2 ص 177

[14] نفس ج2 ص 179

[15] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص180

[16] نفس  ص 169

[17] الدكتور توفيق الطويل، فلسفة الأخلاق: نشاتها وتطورها، ط3 – 1976 ص138

[18] ابو بكر الرازي: الطب الروحاني، نقلا عن كتاب الفكر الأخلاقي العربي ج2 ص35

[19] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق  ص 178-179

[20] أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ج1 ص 35 نقلا عن الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام ص 164

[21] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص 6

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4962 المصادف: 2020-04-06 01:49:40


Share on Myspace