 دراسات وبحوث

الخارجي مسلم بن أبي كريمة

ميثم الجنابيإن بقايا البراكين سوداوية الألوان متعرجة المظاهر. وهي المفارقة التي تجسد إحدى حقائق الوجود الكبرى القائلة، بأن الاحتراق ليس حريقا فقط، بل ودفئ ورماد! والأول يحيا في إثارة الذوق وهواجس الضمير، بينما تلعب في الثاني رياح الذاكرة وأمواج الزمن. ونعثر على هذه الصورة في مظاهر أبي عبيدة وملامحه الفارقة، وأثره في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أبو عبيدة زنجيا أصيب بالعمى آخر حياته، مهنته صنع القفاف من سعف النخيل، لهذا لقبوه بالقفاف[1]. من هنا تلاشي مظاهره الفارقة بأثر الرياح العاتية للزمن وبقاء ألوانه المثيرة في زخارف التنظيم الفكري والعقلي للحركات الاجتماعية والسياسية الإسلامية الإنسانية، وفي تجاعيد الوجوه العبوسة للإمامة الجائرة.

وما بين هاتين الظاهرتين تراكمت شخصيته وأثرها الثقافي العام. فهو شأن الشخصيات الطبيعية الكبرى لتلك المرحلة، تولد مجهولة الهوية لتنتهي في سلسلة التاريخ الروحي بوصفها إحدى حلقاته اللامعة. وليس مصادفة ألا نعرف سنة ولادته، لأنها جزء من زمن مجهول. أما موته فقد أثار بما في ذلك الخليفة أبو جعفر المنصور بحيث نراه يستغرب موته قائلا: "أو قد مات؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت الاباضية!"[2] وليس معرفة سنة وفاته سوى الإشارة المقلوبة لدخوله تاريخ الوعي والثقافة، ومن ثم علامة على دخوله عالم الروح. أما الأبعاد الوجودية لوحدة التاريخ والروح في شخصيته، فقد تراوحت ما بين أربعينيات القرن الأول الهجري ومنتف القرن الثاني. وإذا أخذنا الصيغة الأكثر انتشارا لها أي ولادته عام 45 للهجرة ووفاته عام 145، فان أبو عبيدة يكون قد لازم القرن الأكثر فاعلية واحترابا في صيرورة الخلافة الإسلامية والدولة الإمبراطورية والخلافة الإمبراطورية[3].

فقد لازمت صيرورته الفردية صعود الخوارج وفوران تأثيرهم ونشاطهم السياسي والعقائدي. إذ ينقل عنه مشاركته الجلوس في مجلس أبـي بلال مرداس بن جدير[4]. وإذا كانت وفاة أبي بلال مرداس بن جدير سنة (61 للهجرة) فان ولادة أبو عبيدة هي على الأقرب في أربعينيات القرن الأول. انطلاقا من أن الخامسة عشر من العمر هو سن التمييز والمجالسة بالنسبة لتقاليد المرحلة[5]. بينما يجري التأكيد اليقيني لاحقا من انه كان كبير تلاميذ جابر بن زيد. وهي تلمذة وجدت تعبيرها التام في تبلور شخصيته العلمية التي جعلت منه نموذجا "للعالم الزاهد، المتواضع مع نيل الدرجات العليا".[6] وهي درجة ما كان بإمكانه بلوغها لولا تميزه بالذكاء والكفاءة في التنظير وحسن التدبير، الذي وجد انعكاسه في تحول الخوارج إلى حركة إسلامية كبرى في هيئة الاباضية. بمعنى جمعه بين الأصالة في الشخصية والعلم والعمل، بحيث جعلت منه احد مصادر الثقة والاطمئنان.

لقد حقق أبو عبيدة في شخصيته نموذج الخوارج الأوائل في الاطمئنان لليقين الخالص وخالص اليقين، الذي جعل من شخصياتهم أعلاما في ميدان الثقة والصدق. لهذا قيل عنه بأنه "كان من الثقاة لا يشك في كلامه"[7]. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعتبره الجاحظ احد الخطباء البلغاء. ويعني هذا الوصف في منظومة الجاحظ القيميية بلوغ ذروة الأصالة العربية الإسلامية. فالعروبة بالنسبة له هي ذروة اللغة والبلاغة. غير أن حقيقة البلاغة التي بلغها أبو عبيدة تقوم في بلوغ الفكرة الخارجية صيغتها العملية المعتدلة. وهو الإبداع الأشد تعقيدا بالنسبة للفكر النظري والعملي في مراحل الانتقال العاصفة. وليس مصادفة أن تتناسب في شخصيته وحدة التشدد في ميدان الحقيقة والمبادئ ولين العريكة في معاملة الناس أجمعين. وهو تناسب يشير إلى روح الاعتدال وفكرة الوسط العقلانية في شخصيته الفكرية.

إن توحيد روح الاعتدال وفكرة الوسط هو التعبير النموذجي عن تأسيس فكرة الاعتدال التاريخية التي إثارة في بادئ الأمر حدة الإرادة الإنسانية الفاعلة بمعايير الإلوهية المتسامية. وهي الحالة التي أدخلت الخوارج في زوبعة المواجهة العنيفة للرذيلة السياسية والانحطاط الأخلاقي للسلطة وحاشيتها. لكنها أجبرتهم بفعل الثقل التاريخي للدولة الإمبراطورية والهواجس الغريزية للجسد ومتطلباته اليومية للعوام إلى الانكفاء التدريجي والخروج لاحقا بفكرة الوسط والاعتدال. بمعنى البقاء ضمن الإقرار بفاعلية الأبد الإلهي في الوجود الدائم، والمسئولية الأبدية للمرء تجاه كل ما يجري ويسري في الظاهر والباطن. وعبّر عن هذه الفكرة مرة أبو عبيدة في نقاش حول قضايا الجبر والاختيار. فقد أجاب على سؤال:

هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟

ما اعلم أن الله جبر العباد على طاعته أو معصيته. ولو كنت قائلا إن الله جبر أحدا، لقلت جبر أهل التقوى على التقوى.

العلم (الإلهي) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟

لا! ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، وكان منهم ما علم الله.[8]

. وعندما قيل له مرة

لا يستطيع الكافر الإيمان

لا أقول أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلي ركعتين، ولا أقول انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله.

والشيء نفسه يمكن رؤيته على مثال عدد من الصيغ النموذجية لجدل المرحلة. فعندما قال له احد (المعتزلة)

هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟

لا!

هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟

إذا شئت!

وعادة ما تورد كتب الاباضية النادرة الأكثر إثارة عن نادرة الجدل الذي جرى بينه وبين واصل بن عطاء ممثل القدرية الأول والأكبر. فهي تحكي لنا عن كيفي التقاءهما في البيت الحرام، وكيف أن واصل سأله:

أنت أبو عبيدة؟

نعم!

أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟

ما كذا قلت؛ لكن قلت، إن الله يعذب على المقدور. لكن ألست أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعصى بالاستكراه؟

فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. وعندما لامه أصحابه على سكوته أجاب "ويحكم بنيت بناءاً منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم"[9]. ومهما يكن من أمر هذه النادرة، فان مضمونها الفعلي يقوم ليس في إبراز الصيغة الجميلة للقدرة المتنامية والهائلة لأبي عبيد في إفحام الآخرين، بقدر ما أنها تحتوي على معالم التأسيس والتميز المتزايدين في تنظيم فكرة الحد الوسط والاعتدال. وهو الانجاز التاريخي الكبير لأبي عبيدة ضمن تقاليد الخوارج التي تطابق نشوءها وصيرورتها وكينونتها التاريخية والسياسية والعقائدية مع قيم الغلو والتطرف.

إن الصورة المتراكمة عن نقاء الجدل العقلي والقدرة الهائلة لبلاغة أبي عبيدة هي الاستمرار المتجدد للتقاليد التي أرساها أستاذه جابر بن أبي زيد. فقد أسس الأخير لأسلوب الجدل الهادئ والتدرج في إقناع الخصم. وهو جدل لا يخرج بمعاييره عن أولويات الإيمان واليقين الملزمة للعقل "النظيف" من أدران السياسة العفنة للسلطة الجائرة، لكنه يحتوي بالقدر ذاته على تجديد المضمون التاريخي للفكرة والإيمان بالشكل الذي يجعل قادرا على تذليل وكسر شوكة الجمود والغلو. وتحتفظ لنا كتب التاريخ المتخصصة بالخوارج نماذج من هذا الجدل، مثل تلك الحالة التي أراد بعض الخوارج استفهام جابر بصدد القضايا المختلف عليها، وبالأخص قضية تحريم دماء المسلمين. فعندما قال لهم:

أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟

نعم!

وحرم البراءة منهم بدين؟

نعم!

أو ليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟

بلى!

وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟

نعم!

هل أحل ما بعد هذا بدين؟

فسكتوا! لقد أوصلهم إلى فكرة الحد الوسط والاعتدال الملازمة لمسار الرؤية الواقعية والإنسانية عن أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن الموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه لا يكون ذلك كافياً لاستحلال ماله وسبي نسائه وأطفاله. بمعنى البقاء ضمن "إرادة الأزل" وتحكيم العقل والرؤية الإنسانية في الموقف من النفس والجماعة والأمة والبشر. وتمثل أبو عبيدة هذه القواعد ودفعها إلى غايتها القصوى من خلال تحويل الجدل إلى مؤسسة الإنتاج المكثف للفكر والنظام والدولة، بحيث ارتبطت هذه المهمة بشخصيته ومن خلالها استطاع تحقيق مرجعيات الروح الثقافي. وليس مصادفة أن ترتبط بشخصيته تربية رجال "الاباضية" الكبار من مختلف أمصار الخلافة الدولة الإمبراطورية[10]. بحيث أصبح هو معهد إنتاج رجال الدعوة الفكرية والسياسية للخوارج.

وضمن هذا السياق يمكن اعتباره من أوائل الشخصيات الفكرية والتنظيمية الكبرى في التقاليد العربية الإسلامية التي استطاعت أن توحد في ذاتها الفكرة التنظيمية والسياسية بمعايير الاعتدال الفكري والعملي. إذ تمثل هذا التوحيد أيضا التقاليد التي أرساها جابر بن زيد، ولكن من خلال نقد التجربة العملية لمختلف تيارات الخوارج. بمعنى نقد تجاربها المتطرفة وغلوها العقائدي والسياسي، والبقاء في نفس الوقت ضمن أعماق الرؤية المتجانسة والأصلية للفكرة الخوارجية بوصفها فكرة "إماتة الجور وإحياء الحق"، و"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، و"الخروج ضد الظلم والجور". وتماهت هذه الأفكار من الناحية الفعلية مع قواعد الحياة الشخصية الظاهرية والباطنية للخوارج. بمعنى موت فكرة الثأر والملك. ولعل مأثرة أبو عبيدة بهذا الصدد تقوم في انه دفعها صوب فكرة الدولة. وبهذا يكون هو من بين أوائل المثقفين المسلمين الذي وضع مهمة تنظيم الفكرة والعمل من اجل بناء الدولة بمعايير الرؤية الواقعية والاعتدال العقلاني. فقد كانت هذه الرؤية تتمثل حقائق الإسلام المحمدي بعد وضعها على محك التجربة الدرامية القاسية للخوارج وغيرها من حركات المعارضة للأموية. وهو تمثل يكمن رؤية ملامحه في مواقفه من السلطة الأموية زمن قوتها ووحدتها الداخلية زمن عبد الملك بن مروان وأياديه الضاربة مثل الحجاج الثقفي وأمثاله. وقد كان الرد المناسب من جانب أبو عبيدة هو تأسيس الدولة الافتراضية أو البديلة بمعايير الفكرة الخارجية من خلال توحيد جهودها النظرية والعملية عبر تنظيمه لفكرة المجالس[11]. ولعل أكثرها شهرة وفاعلية هي المجالس العامة[12]، ومجالس الخاصة[13] ومجالس العلم[14]. ويعكس هذا التنظيم طبيعة الذهنية الجديدة للخوارج. بمعنى تمثلها لتقاليد العقلانية البصرية وباطنية الوعي السياسي المناهض للأموية.

فقد كانت الخوارج الصوت الجهوري المباشر لاحتجاج الروح والجسد والتقاليد. غير أن قمعها المستمر وغلو بعض تياراتها قد فعل فعلته في تهذيب جوارح الجسد ولسان العقل والضمير. واستمرت هذه العملية عقودا عديدة قبل أن تتكامل في صيغتها الأولية التي وضع أبو عبيدة أسسها وقواعدها العام. وأسست هذه التقاليد لمنظومة الوعي الفكري المنظم الذي سوف يبلغ لاحقا ذروته في حركة إخوان الصفا وأمثاله من التيارات الفكرية السياسية. ففي تباين المجالس انعكاس لفكرة العوام والخواص، والظاهر والباطن، وتوحدهما في العلم والدعاة. ووجدت هذه الصيغة النموذجية والفاعلة تعيرها في النتائج الكبرى التي ستتمخض عنها حركة الخوارج لاحقا. بمعنى انطلاقا من تحت سراديب البصرة إلى أرجاء الإمبراطورية وتأسيس جمهورياتها الخاصة.

لقد حول أبو عبيدة البصرة إلى كعبة البيت العلمي والسياسي للخوارج. ومن ثم نقل نفسية وذهنية الخوارج من المواجهة العلنية والمباشرة مع السلطة إلى أنماط لينة المظهر قاسية المحتوى في مواجهة السلطة[15]. كما انه نقل حالة الخوارج من التشرد والفروسية الفردية إلى التكاتف المنظم وامتلاك زمام المبادرة في نقد الواقع وتتأمل المستقبل والعمل من اجله. بعبارة أخرى، لقد جعل أبو عبيدة من الثقافة سلاح الفكر والروح والجماعة والأمة والدولة. ووضع لهذه المهمة نظامها الخاص. إذ لم يجعل من المجالس التزاما ومسئولية فردية للمثقفين الخوارج (العلماء)[16]، بل وبلور فكرة الاستشارة والمستشارين، أي إبداع صيغة الدولة النموذجية والواقعية كإمكانية قادرة على التحقق بالفعل[17].

وأسس لهذه الصيغة بمعايير العلم النظري والعمل السياسي والأخلاقي. فقد تولى هو بصورة مباشرة قيادة التيار الخارجي الذي وضع أسسه عبد الله بن وهب الراسبي ومرداس بن جدير وعبد الله بن أباض وجابر بن زيد منذ تسعينيات القرن الأول الهجري، أي بعد وفاة جابر عام 93 (711). ففي مجال العلم ترك آثاره فيما استجمع عنه من فتاوي ومحاورات بعنوان (رسائل أبي عبيدة)، و(كتاب الزكاة) و(الأحاديث) التي كان يرويها جابر بن زيد إضافة إلى فتاوى في الفروع والأصول تناثرت في مختلف الكتب والمراجع. لكن قيمتها الفعلية ومضمونها الواقعي والفعلي بالنسبة للموقف من السلطة تبرز في أرائه وموقفه ونشاطه السياسي. إذ إننا لا نعثر فيها على جدل الكلام التقليدي، بل جدل إشكاليات الحياة العادية. بمعنى التحرر من ثقل الجدل العقائدي والفرقي (المدرسي) العادي. ومع أنها ليست فضيلة بذاتها، لكنها كانت تتسم بقدر هائل من الفضيلة في شخصية وسلوك أبي عبيدة، وذلك لأنها كانت جزء من نقل ثقل التقاليد الراديكالية للخوارج إلى ميدان الحياة العادية. وهو السبب الذي جعله محط المراقبة الدائمة، العلنية والمستترة من جانب السلطة الأموية. فنرى الحجاج يودعه السجن. ويتفنن في إيذائه. ويقال أنه استشار عن كيفية تعذيبه دون قتله فأشاروا عليه بإطعامه الكراث والزيت! ولم يطلق سراحه إلا بعد موت الحجاج عام 95 للهجرة.

إن تجنب القتل من جانب السلطة الأموية والبقاء ضمن تقاليد الخوارج هو الحد الذي ميز علاقة أبي عبيدة بالسلطة. بمعنى جمعه في كل واحد تراث الخوارج المتنوع وصهره في بوتقة الرؤية الواقعية والعقلانية البعيدة المدى. من هنا معارضته للمواجهة العلنية بشكل عام والعسكرية بشكل خاص ضد السلطة. والاستعاضة عنها بتأهيل الدعاة. وهو الأسلوب الذي كان يحتوي في أعماقه على تمثل حقيقة الخوارج التاريخية وأثرهم الروحي الجوهري بالنسبة لمصير العقل الثقافي الإسلامي.

لقد استطاع الخوارج بتضحياتهم الهائلة حفر أخدود الثقافة الروحية في إمبراطورية الدولة الأموية، ومن ثم المساهمة الكبرى في إرساء أسس الثقافة الإمبراطورية ومعتقداتها الكونية. وظلت هذه المواجهة تلازم الأعماق السحيقة للخوارج في مناهضة أئمة الجور والإمامة (السلطة) الجائرة واعتبارها دار بغي وعدوان. وقد تكون هي الفكرة السياسية الوحيدة التي لازمت تاريخ الخوارج السياسي والروحي بحيث ارتقت إلى مصاف العقيدة الكونية والمرجعية الذاتية المميزة لهم. ولم يكن ذلك معزولا عن التنظيم الفكري والعملي السياسي الذي أسس له واتبعه وحققه أبو عبيدة في مجرى حياته الطويلة. ولم يكن هذا التحقيق معزولا عن معاناة التجربة التاريخية للسلطة والمعارضة على السواء.

فقد أجبرت الضغوط العنيفة والقهر الشامل في زمن الحجاج أبا عبيدة إلى إتباع سياسة النقية والسرية. ومواجهة ابتزازها بأسلوب الانطواء على النفس وإعادة صقلها بمعايير الترقب الحذر والاستقطاب المتزايد للمعارضة الفكرية عبر إعادة تأهيلها للمستقبل. وكذلك تقديم المثال الشخصي بوصفه النموذج المحتمل والضروري للائمة من خلال نشر فكرة أن الخليفة والإمام والعامل هو حامل أمانة تجاه الأمة، مهمته السهر على أحوالها وإحقاق الحق وإقامة العدالة والمساواة بينهم. وان الفرد المسلم حر. فقد حيّدت هذه الممارسة عنف السلطة ووجدت إلى قلبها الطريق حال خشوعها، كما حدث على سبيل المثال زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز(99-101هـ). فقد تحولت العلاقة بينه وبين السلطة إلى أسلوب الدفاع عن المبادئ الإسلامية العليا من خلال دعم السلطة ولكن دون الاشتراك معها. وهي ممارسة كانت محكومة بدورها بشحنة وتاريخ العداء الدفين للسلطة الأموية من جانب العراقيين لشكل عام وأهل البصرة والكوفة بشكل خاص. والخوارج بصرية المنشأ والتربية والمزاج والروح والرؤية. ومن الممكن رؤية هذا الشيء في كيفية ونوعية تفجر الاحتقان الداخلي بين الخوارج وأتباعهم بعد القضاء على تمرد يزيد بن المهلب ومقتله عام 102 في موقعة العقر[18].

لقد وضعت النتائج المأساوية لهزيمة يزيد بن المهلب أبو عبيدة أمام الامتحان التاريخي الأكبر في بداية القرن الثاني. بمعنى محاصرته بين إرهاب السلطة المنظم والعنيف وبين ضغط الخوارج وإتباعهم في الانتفاض والتمرد. وهي حالة حرجة لأنها تتأرجح على بركان التقاليد الحية الفاعلة في الوعي والعقل والذاكرة والضمير. لكنه استطاع في نهاية المطاف أن يؤسس لفكرة الاعتدال السياسي والفكري بالشكل الذي يستجيب لتحديات الانعطاف الحاد في المزاج والتاريخ الفعلي للدولة والمعارضة. وقدم احد النماذج العملية والممكنة من خلال بلورة ما يمكن دعوته بالتقية الفاعلة أو الصمت المتحرك. ومن خلالها استطاع امتصاص النقمة والثورة والانشقاق والبقاء ضمن حيز الرؤية المناهضة ومشاريعها العملية. بمعنى الصمت الظاهري والعمل من اجل تأسيس الدولة البديلة. إذ كانت ترتسم ملامح هذا التأسيس من خلال تأمل تاريخ الخوارج ونوعية صراعهم من اجل الفكرة. بمعنى الخروج عل خوارج الغلو كما جسدته الازارقة، والبقاء ضمن حيز انتمائهم الروحي للحق ووجدانهم الملتهب بحب الحرية والعدل. ومن ثم لم تكن فكرة الدولة البديلة جزيرة الحرية النائية أو المتقوقعة على ذاتها ولتكن ليوم واحد وفي أي مكان كما فعل مرداس ونافع بن الأزرق وأمثالهم، بل هي فكرة البديل الشامل للدولة الأموية. فقد ظلت فكرة "دولة خارجية" ولو ليوم واحد تراود الكثير من الخوارج. أنها الرغبة العميقة والمخلصة برؤية الخلاص و"الجنة" الأرضية التي كانت تتلألأ في خيال ونموذج الدولة المثلى التي رفعها الخوارج الأوائل إلى مصاف المرجعية الجوهرية. وفيها تنعكس أيضا ملامح الجزع من مواجهة السلطة والرغبة الدفينة في رؤية الحلم الأبدي بإقامة دولة الحق والعدل. فقد استوعب أبو عبيدة هذه الحالة المتناقضة بالشكل الذي جعل منها برنامج العملي اليومي والمستقبلي. وحقق بعض نماذجها الجزئية والدائمة في ظهور الدول والدويلات "الاباضية"، بوصفها الصيغة المناسبة لحالة الخوارج التاريخية التي تشكلت منذ البدء بوصفها حركة الروح الهائج والمنتفض. وليس مصادفة أن تظهر في زمنه وتحت تأثيره المباشر وغير المباشر دول الخوارج المتناثرة في أرجاء الإمبراطورية المفككة للأموية. بمعنى ظهورها المتعدد والمتنوع في المغرب والمشرق. ومن خلالها انتشرت إحدى الصيغ النموذجية للخوارج، بعد خروجها من البصرة إلى الكوفة والموصل والحجاز لتستقر في اليمن وحضرموت وعمان وتنتقل عبرها إلى ما وراء البحار والمحيطات[19]. ويعكس هذا الانتقال أولا وقبل كل شيء شخصية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بوصفه احد الممثل النموذجي لمثقف العقل المنظم والدعوة العملية بين الخوارج.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] إن الجدل حول ما إذا كان أبو عبيدة تميميا أصليا أو من الموالي تقطعه مهنته. فصنع القفاف والمهن اليدوية كانت في بداية الخلافة حكرا على الموالي. وشكلت هذه الظاهرة رصيد الحركات المناهضة للأموية. ويمكننا العثور عليها في كل قوات المتمردين في العراق ضد السلطة الأموية. وليس مصادفة أن تطلق الارستقراطية الأموية وأتباعها مختلف الألقاب المهينة عليهم من خلال مطابقتهم مع حرفهم اليدوية. إذ عادة ما تلازم هذه الظاهرة صيرورة الإمبراطوريات في أول نشوئها. اضافة لذلك عادة ما تكون شعوبها أو أقوامها المؤسسة عسكرية النفس والقيم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تقاليد العرب الجاهلية وحروبها وفروسيتها والصيغة التي رافقت فكرة الفتح والغزو والغنائم، فمن الممكن تحسس قوتها آنذاك بالنسبة للموقف من المهن اليدوية. لكن اشتراك الموالي في توسيع مدى الروح الفكري والأخلاقي ليس إلا الصيغة الظاهرية للباطن الثقافي العربي المتراكم في منظومة القيم الجديدة التي قدمها الإسلام والصراع من اجلها ضد انحراف الأموية. وهو صراع بلور معالمه وقيمه وقواعده وأفكاره النظرية والعملية شخصيات العرب الكبرى في مختلف الميادين والمستويات والاتجاهات. وقد كان الخوارج عربا اقحاح، أي أولئك الذين تمثلوا فضائل الجاهلية والإسلام. من هنا نزوعهم الإنساني العميق وفكرتهم الأخلاقية الرفيعة وسموهم الروحي وأفكارهم الكونية. ومن هنا أيضا اضمحلال وتلاشي شخصية "الموالي" في صيرورة الحركات وأفكارها. وهو السبب الذي أثار الجدل حول ما يسمى بصميمية التميمية في أبي عبيدة أو كونه من الموالي. وهو جدل له قيمته بالنسبة للحالة المعنية فقط فيما يخص أصالة الفكرة الخوارجية وتطابق رؤيته النظرية والعملية، التي جعلت "زنجي" "مولى" يقود الحركة ويؤسس لتنظيمها الفكري والعملي والسياسي.

[2] معجم أعلام الاباضية من القرن1-15،ج4، ص873-875. لم يكن تأثيره أو صداه في تقييم أبي جعفر المنصور أمرا طارئا، وذلك للدور الكبير الذي لعبه أبو عبيدة بالنسبة لبلورة الروح المنظم والمعارض للأموية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أبو جعفر المنصور قد توفي عام 158 للهجرة، بينما كانت سنة توليه الحكم عام 136 فمن الممكن توقع درايته بتاريخ أبي عبيدة العريق في العراق وبين حركات الخوارج المناهضة للأموية. إذ لم تكن معارضته تسعى إلى سلطة غير سلطة الفكرة الإسلامية عن الإمامة الصالحة. إلا أن القيمة الفعلية بالنسبة لنا بهذا الصدد تقوم في الإشارة إلى ارتباط شخصية الاباضية بشخصية أبي عبيدة. وفيما لو صحت العبارة المنسوبة إلى أبي جعفر المنصور، فان ذلك يعني أيضا أن مصطلح الاباضية كعلم للفرقة كان مستتبا آنذاك. ومن ثم لم يكن معزولا عن النشاط الدءوب والمنظم لأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة.

[3] خير الدين الزركلي: الأعلام، ج7، ص272.

[4] البرادي أبو القاسم بن إبراهيم الجربي: الجواهر المنتقاة فيما أخل كتاب الطبقات، ص 35.

[5] ابن الأثير:الكامل في التاريخ، ج3، ص254.

[6] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238.

[7] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238-246.

[8] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص241.

[9] أول من يوردها الدرجيني في كتاب (طبقات المشايخ، ج2، ص246.). والدرجيني من القرن السابع الهجري. أما صيغة اللقاء "الغريبة" لرجالات البصرة، فمن الممكن تفسيرها بسبب إصابتهما بالعمى آخر العمر، أو ضعف الرؤية.

[10] فقد تربى عليه رجال الخوارج الكبار من مختلف المناطق، كما نعثر على أثره، على سبيل المثال لا الحصر في شخصية الربيع بن حبيب الفراهيدي (عمان) وعبد الله بن يحيى الكندي (اليمن) وعلي بن الحصين (الحجاز) وهلال بن عطية الخراساني (خراسان) ومحمد بن عباد المصري (مصر) وعبد الرحمن بن رستم الفارسي (المغرب).

[11] أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: سير الأئمة وأخبارهم، ص55-65؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص21.

[12] المجالس العامة وتضم الأشخاص الذين ينتمون إلى أهل الدعوة. وعادة ما كانت تعقد هذه المجالس في بيت أحد المشايخ. وكانت تتميز بالسرية والاختفاء جهد الإمكان من مراقبة ومتابعة أجهزة السلطة. ومهمة هذه المجالس الأساسية تقوم في نشر الفكرة الخارجية عن طريق المواعظ والدروس.

[13] كانت مجالس الخاصة (أو الأعيان) مقتصرة على رجال الدعوة وعلمائها. وكانت تتميز بطابع سري صارم. وكانت تخصص للقضايا المتعلقة بشؤون الحركة السياسية. بمعنى مزاولتها لمهمة التخطيط السياسي وتنفيذه.

[14] مجالس العلم اقرب ما تكون إلى حلقات الدراسة. وكانت مفتوحة للذين يفدون إلى البصرة لتحصيل العلم. لكنها لم تخل من الطابع السري أيضا. حيث كانت عادة ما تعقد في سراديب البيوت.

[15] كما لو انه يستظهر شخصيته. فقد كان معروفا عنه تشدده في المبادئ ولينه مع الجميع.

[16] وهي مهمة نموذجية وجليلة في نفس الوقت، استطاعت أن توحد المثقف مع المجتمع وتصنع بالقدر ذاته أصالة الإبداع الفردي ومسئولية المثقف تجاه حلقته والفكرة العامة ومصير التيار النظري والسياسي. لهذا جعل لكل شخصية علمية متميزة مجلسها الخاص، كما نعثر عليه في أسماء المجالس مثل مجلس علي بن الحصين، ومجلس عبد الملك الطويل، ومجلس أبي سفيان قنبر، ومجلس حاجب الطائي وغيرهم.

[17] لقد بلغت مهمة الاستشارة بالصيغة المذكورة أعلاه أنموذجها التام آنذاك بالنسبة للحركة في شخصية حاجب الطائي (ت-145 للهجرة). فقد كان مسئولا عن الشؤون العسكرية والمالية والدعوة خارج البصرة. ووصفه الدرجيني "بالاجتهاد موصوفا، وبالزهد والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم". وقد أسندت إليه مهمة تسيير أمور الحركة المتعلقة بقضايا الحرب وجمع المال والمعونة وحل الخصومات وغيرها من القضايا العملية. كذلك إسناد أمور الدين والمسائل إليه. ولعب دورا كبير في تنظيم الدعم المادي والمعنوي لحركات التمرد على السلطة كما هو الحال بالنسبة لتزويده بالمال والسلاح حركة طالب الحق في اليمن، وحركة أبي حمزة المختار في الحجاز ثم حركة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان.

[18] لم يكن يزيد بن الملهب خارجيا ولا حتى ممن تربى بتقاليد المعارضة. على العكس لقد كان سليل السلطة الأموية. لكنه كان يتمتع بأثر التربية والتقاليد والصراعات القبلية مكانا مرموقا جعله احد بواعث الخطر على الأموية، إضافة إلى اختلافه الأخلاقي والمعنوي مع نماذج الولاة الأمويين الخلص مثل الحجاج الثقفي. وفي هذا يكمن سر الخلاف الدفين وارتقاءه حد الثورة والتمرد والمواجهة العنيفة مع الأموية التي أدت إلى مقتله وتلف المهالبة في العراق. وبالتالي لم تكن ردود الفعل العنيفة آنذاك بين الخوارج والدعوة لمواجهة العنف الأموي بعنف مقابل سوى الوجه الآخر لما أسميته بالاحتقان المكثف من تاريخ الأموية أولا وقبل كل شيء. فالعلاقات القبلية لها اثر وفاعلية، ويمكنها أن تكون باعثا مهما في الانتماء والصراع، لكنها لم تكن حاسمة في حالة موقف الخوارج المؤيد لانتفاضة يزيد بن المهلب. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أباه كان من القواد والولاة الذين عملوا على إبادة الخوارج في غضون ثمانية عشر عاما متتالية!

[19] وفي عمان وجدت حركة الخوارج (الاباضية) ملجئها الأخير والنموذجي. بحيث تحولت عمان لاحقا إلى احد المراكز الكبرى والوحيدة لحد ما للفكرة الخوارجية والحفاظ على تقاليدها الخاصة. وليس توسعها خارج حدود "البقعة الإسلامية" التقليدية التي ناصبتها العداء بفعل تقاليد التشويه العميقة في مختلف مدارس ومذاهب الإسلام الأخرى تجاهها، سوى الرد الإسلامي العميق على نقاءها وحماسها الروحي القديم. إذ يعود الانتشار السلمي والهادئ لأحد أشكال الإسلام المسالم في مختلف بقاع المحيطات والبحار إلى عمان (وحضرموت) وتقاليدها الخوارجية (الاباضية).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5067 المصادف: 2020-07-20 03:54:39


Share on Myspace