 دراسات وبحوث

النبي محمد وإرادة النفي والبدائل

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (7)

إذا كان التحدي التاريخي الذي بدأه محمد بإعلان النبوة قد بلغ ذروته العملية بفكرة الإرادة المتسامية، التي تضع أمام أعينها وعقلها وبصيرتها فكرة المواجهة الشاملة، فإن تكاملها العملي يتخذ بالضرورة الصيغة المناسبة للنفي الشامل للواقع وتأسيس البدائل الفعلية. واتخذ هذا النفي صيغة الثورة الإصلاحية الشاملة، التي تشكل الثورة بؤرتها النظرية، بينما الإصلاح أسلوبه العملي. الأمر الذي أدى إلى بلورة العلاقة المتجانسة بين المبدأ المتسامي أو المافوق تاريخي للإسلام والقائم في فكرة التوحيد، والمبادئ المرجعية الكبرى للسياسة العملية والقائمة في مبادئ الاعتدال (الوسطية) والعدل.

ذلك يعني، إن الإسلام المحمدي الأول هو الصيغة المتجانسة للثورة الإصلاحية والإصلاح الثوري. من هنا تنوع وتباين الوسائل التي استخدمها النبي محمد من أجل تذليل الوثنية والجاهلية وقيمها الأخلاقية والعملية وبنيتها الاجتماعية وتفكيرها السياسي. فقد كانت المهمة الكبرى التي كسبها الإسلام تقوم في تحقيق الفكرة الوحدانية ومرجعياتها الفكرية والعملية في العدل والاعتدال عبر الثورة الشاملة على قيم الجاهلية والإبقاء على الإصلاح الدائم بوصفه نموذجا "للصراط المستقيم". ومن الممكن رؤية ذلك على كل ما واجهه الإسلام المحمدي في مجرى صراعه التاريخي مع قريش ومكة وعرب وأعراب الجزيرة.

وإذا كان صراعه الأول مع قريش ومكة، فلأنهما كانا القوة الكبرى، التي تحسست الخطر الكامن في تذليل سطوتهما السياسية والاقتصادية والأخلاقية. ومع أن هذه السطوة كانت نتاج تطور تاريخي مديد وبطيء، إلا أنها كانت عاجزة عن توحيد العرب والجزيرة في نظام معقول ومقبول، وذلك لأنها كانت سطوة وليست سلطة لها أسسها وقواعدها وبنيتها الاجتماعية ونظامها السياسي القادر على توحيد الجميع بدولة. غير أن ذلك لا يقلل من أهميتها الواقعية بالنسبة للبديل الإسلامي الذي تراكم في مجرى الصراع معها ونفيها بأساليب الفكرة الدينية والسياسية.

تحولت مكة والحجاز إلى بؤرة الانقلاب التاريخي الهائل في الجزيرة، بأثر تطورها التجاري وعلاقاتها العربية والخارجية. إذ تبلورت فيها فكرة قريش البطاح وقريش الظاهر، إضافة إلى تركز الثروة والجاه والمركز الديني. فقد أدى تركز الثروة فيها إلى جعلها قوة روحية وأخلاقية وسياسية كما نراه على سبيل المثال في ظهور دار الندوة والملأ، ومن ثم ظهور البراعم الأولية للفكرة السياسية والدور المحوري لقريش ومكة فيها. ووجد ذلك انعكاسه في فكرة "قريش وسط العرب"، التي سيحتج بها في أول صراع سياسي علني بعد موت النبي محمد، كل من عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق في ردهما على الأنصار في جدل السقيفة.

كان جدل السقيفة جزء أو حالة من حالات صيرورة الدولة ونظامها السياسي. وكان بالإمكان الاحتجاج بوسطية قريش بين العرب ومكانة مكة، إلا أنها لم تتخذ هذه الصورة والقوة في الحجج الفكرية والسياسية إلا بعد أن استتب دور الإسلام في التحكم بآفاق التطور اللاحق ووضع لبنات الأفكار التأسيسية للدولة ونظامها السياسي ومنظومة التشريع فيهما. وإلا فإن مكة وقريش كانا العدو الأكبر والأول والأخير للنبي محمد وفكرته التوحيدية الجديدة. كما إنهما لم يعنيا الكثير والكبير بالنسبة لمحمد وفكرته التأسيسية الجديدة. بمعنى إنهما لم يدخلا ضمن منظومة المرجعيات الروحية والعملية للفكرة الإسلامية، ولكنهما يأتيان الكثير بالنسبة للفكرة السياسية الإسلامية. ولعل الحادثة المروية عن موقفه العملي (السياسي) من "المؤلفة قلوبهم" أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد.

فقد أعطى النبي محمد للمؤلفة قلوبهم أكثر مما يستحقون، لاسيما وإنهم ألد اعداء الأمس. وعندما اخذ بعض الأنصار يقولون، بأن ميله إلى قريش أكبر بسبب تفضيلهم في توزيع الغنائم أجابهم: "إنهم سيرجعون بالشاة والبعير إلى أهلهم، بينما سترجعون برسول الله"، أو أن يرد على عمه العباس بن عبد المطلب، الذي خاطبه قائلا: "يا رسول الله! لو اتخذت عرشا، فإن الناس قد آخوك"، بعبارة: "والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعون رداءي ويصيبني غبارهم حتى يريحني الله منهم". بعبارة أخرى، لقد فضّل النبي محمد النبوة على سلطة أخرى، وذلك لأن سلطتها سلطانها على العقول والقلوب بالعقل والإيمان، المحبوكة بروح التجارب العملية ووجدانها الأخلاقي. وليس مصادفة ألا نعثر في القرآن على صيغة معينة لنظام الحكم.

فالفكرة الجوهرية فيه تقوم بالأخذ بما فيه، بوصفه أسلوب إدارة الجماعة والأمة. ذلك يعني، إن الفكرة الجوهرية في القرآن هي فكرة القانون أو الشريعة البّينة. وضمن هذا السياق يمكن الأخذ بإحدى  الصيغ الواردة في خطبة الوداع القائلة: "اسمعوا وأطيعوا وأن أّمر عليكم عبد حبشي مجدع أقام فيكم كتاب الله". وليس "كتاب الله" في الواقع سوى الفكرة الإسلامية العامة ونماذج تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي التي واجهها محمد وذللها بمعايير الفكرة الوحدانية. فهي الصيغة التي جسّدت وحدة الثورة والإصلاح الدائم. ومن الممكن رؤية الوحدة العلنية والمستترة للثورة والإصلاح في كافة مواقف النبي محمد الفكرية والعملية التي واجهها في مجرى صراعه ضد العرب الوثنية وتقاليدهم المتنوعة والمختلفة. بمعنى تداخل الرفض الشامل لها أو نفيها  الشامل أو تعديلها بمعايير الوحدانية.

فقد  تمثل الإسلام كل ما سبقه في تقاليد العرب الوثنية، ففي العقائد جعل منها عقيدة واحدة، وجعل من تنوع واختلاف اللهجات لغة واحد ولهجة واحدة، كما وحّد الروح والجسد فيما يمكن دعوته بتوحيد العقل العربي بمعايير ومقاييس أو قواعد العقل الإسلامي بوصفه عقلا توحيديا. وهي مهمة وإنجاز جرى تحقيقهما من خلال وضع أسسه الأولية، بوصفها لحظة تأسيسية للعقل الثقافي الاسلامي اللاحق. وذلك لأن توحيد العقل مهمة تاريخية كبرى تتسم بالتعقيد والتعرج. لكنها تتماشى بالضرورة مع صيرورة المرجعيات الثقافية الكبرى التي تجعل من الاختلاف العقلي جزء من عالم الاجتهاد ومنظوماته الفكرية المتنوعة. لقد كانت الصيغة الأولية لما أسميته باللحظة التأسيسية للعقل الإسلامي (التوحيدي) تقوم في لغة القرآن البسطة والعميقة، بوصفها لغة الفكرة وليس لغة الحوادث والوقائع. من هنا بقاءها ضمن الواقع التاريخي وتذليل خللها أو ضعفها أو طابعها الجزئي بالفكرة الإسلامية العامة ومبدأ التوحيد. فقد كانت الحرب "مقدسة" بالنسبة للعرب، لهذا نرى اشتراك الآلهة فيها بوصفها جزء من بقايا الفكرة الدينية للمرحلة الثقافية الدينية. والإسلام أيضا جعل الله يقف وراء الحرب وخاتمتها. بحيث تحوّل الانتصار والهزيمة إلى جزء من القدر الإلهي ومعيار للإيمان وتهذيب للصبر وتحمّل للشدائد، ومن ثم تقوية الإرادة وبث التفاؤل بالمستقبل. وهو المعنى الفعلي والعقائدي الكامن في الآية القائلة " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ".

كما واجه الإسلام أخلاق الجاهلية وذللها بطرق ومستويات متنوعة لكنها جميعا كانت تصب في تمثل فضائل العرب القديمة عبر دمجها في منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية. وبالتالي، نفي ما يتعارض منها مع الفكرة الإسلامية عبر تذليل مقوماتها وقواعدهـا وقيمها. فإذا كانت الفكرة الأخلاقية عند العرب قبل الإسلام تتميز بطابعها الجزئي والقبلي، فإن ما يميز الفكرة الإسلامية بهذا الصدد هو طابعها المنظومي. والشيء نفسه ينطبق على الطابع المتسامي لبعض قيم العرب الوثنية وطابعها المادي أو الأرضي، فإن الإسلام أقر بالجانب الأول كما في القول الشهير للنبي محمد بأن فضائل الجاهلية هي فضائل الإسلام، وفِي الوقت نفسه استكمل الطابع المادي للقيم الأخلاقية العربية القديمة بالأبعاد الروحية، أي انه جمع بين الطبيعي والماوراطبيعي فيها.

جعل الإسلام من الأخلاق مكونا جوهريا، ظاهريا وباطنيا لحقيقة التوحيد. وبالتالي تحولها إلى مرجعية متسامية في تذليل قيم الوثنية والجاهلية العربية. لاسيما وأن الأخلاق العربية ما قبل الإسلام ليست منظومة، ومن ثم تفتقد إلى وجود بؤرة ترتقي إلى مصاف المرجعية المتسامية. من هنا طابعها المحدود والضيق أحيانا، وذلك لأنها جهلت وتجاهلت الأبعاد الماوراطبيعية في الأخلاق، أي فكرة المطلق بوصفها "مثالا أبديا". الأمر الذي حصر وحاصر المفاهيم والقيم الأخلاقية بقيود الواقعية المبتورة والمادية الخشنة. فقد نظر العرب قبل الإسلام للحياة والموت على أنهما أجزاء ومظاهر مادية صرف، وجزء من سريان الدهر أو الزمن الخالد. لهذا اعتبروا أن كل شيء زائل، وأن الحياة هي لعب ولهو وسراب.

وظلت فكرة الدهر المستقرة في أعمق أعماق النفسية والذهنية العربية الجاهلية قائمة وفعالة، بحيث نسمعها في شعر أعشى بن قيس في مدحه للنبي حالما وقف لاعتناق الإسلام، كما في قوله:

الم تغمض عيناك ليلة أرمــــد      وبت كما بات السليم مسهدا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن     إذا أصلحت كفاي عاد فافسدا

كهولا وشبانا فقــــــدت وثروة     فللـــــه هذا الدهر كيف ترددا

وليس مصادفة أن يجري تدقيق الفكرة الإسلامية ونفيها لبقايا المعتقدات الوثنية حتى في تلك اللحظات التي تبدو في مظاهرها تأكيدا للفكرة الإسلامية. فقد علق عثمان بن مظعون على شطر قصيدة لبيد بن ربيعة المشهورة عندما سمعها قائلا: "صدقت" على شطرها (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، بينما قال على عجزها (وكل نعيم لا محالة زائل): كذبت!

أما الصفات الأخلاقية الأخرى مثل الكرم والصدق والمروءة والفروسية وغيرها فإنها تتميز باستقلال نسبي. لكنها مع ذلك  لم تتحول إلى منظومة مستقلة، أي أنها ظلت فردية وقبلية. من هنا سعي الإسلام إلى نفي الفردية القبلية والانتماء بالدم والعصبية بفكرة الانتماء للجماعة والأمة (الإسلامية). ذلك يعني إن الإسلام قد وضع في أساس تذليل مختلف مفاهيم وقيم التجزئة فكرة الجماعة والأمة الإسلامية المستندة بدورها إلى فكرة التوحيد. من هنا معارضة الشعوبية (التطرّف القومي) بمختلف مظاهرها عبر الدعوة الرافضة لأية عبودية والاستعاضة عنها بما اسماه الإسلام بالعبودية لله فقط، التي ستتخذ لاحقا فكرة أسماء الله الحسنى، بوصفها منظومة الوحدة المتسامية للرقي الأخلاقي. وضمن هذا السياق جرى نفي كافة القيم العربية الأخلاقية بالقيم الإسلامية. وتمثل هذا النفي الكثير من فضائل العرب الوثنية ولكن بعد صهرها في بوتقة الفكرة الإسلامية. فقد أبقى الإسلام، على سبيل المثال، على قيم الشرف والمجد والفروسية ولكن بعد تضمينها عناصر الرؤية والذوق الإسلامي، وكذلك الحال بالنسبة للقيم العربية الرفيعة مثل الجود والكرم وما شابه ذلك عبر دمجها بالفكرة الإسلامية القائلة، بأن الكرم والكريم والجود لله فقط، بمعنى أنها قيم لا تشوبها شائبة من أي نوع كانت قبلية أو فردية، ظاهرية أو باطنية. ولهذا نراه يجعل من كل الرذائل الموجودة مظهرا من مظاهر الكفر مثل القول بأن الصدق يعني الوفاء والإيمان، وأن النفاق يعادل الكفر، بينما الصبر يساوي الشجاعة ونفي اليأس والجزع. من هنا سعة وانتشار المفاهيم الإسلامية عن المسلم والمؤمن والصابر والصادق والشكور والتواب وما يتميز به من التقوى والخوف والرجاء وغيرها من القيم بوصفها وحدة موحدة أو منظومة متكاملة بذاتها تحدد هوية الإنسان الجديد وقيمه ومبادئه الأخلاقية. ومن ثم هي النموذج المثالي والواقعي المضاد للشخصية الوثنية التي تتماهى مع الفاسق والكافر والكاذب والظالم والمستكبر والفاجر والمنافق وصاحب الهوى والطغيان والاستهزاء وما شابه ذلك. كما نعثر في كل مفهوم إسلامي ناف لمثيله أو مضاد لما في التقاليد الوثنية العربية على بعدين مترابطين على الدوام فيما بينهما يعكسان علاقته بالإنسان والجماعة والأمة من جهة، وعلاقته بالله من جهة أخرى، أي بالقيم المثلى وبالمفهوم الإسلامي نفسه كما هو جلي في مفاهيم الحلال والحرام، والخير والشر، والصالح والفاسد، والطيب والخبيث وغيرها.

لقد جرى إدخال الكثير من القيم العربية في منظومة الأخلاق الإسلامية، بل أن هناك عدد من القيم كانت بالنسبة لبعض العرب الذين أسلموا أهم واقوى من قواعد العقائد الدينية. فعندما قدم أبو العاص بن الربيع، على سبيل المثال، من الشام ومعه أموال المشركين من قريش، فقيل له: "هل لك أن تُسلِم وتأخذ هذه الأموال؟"، فأجابهم: "بئس ما ابدأ به إسلامي أن أخون أمانتي".

إن حصيلة هذا التحول في المفاهيم أو النفي العقائدي والعملي لقيم الوثنية ومفاهيمها الجاهلية تكشف عن طبيعة الثورة الروحية والأخلاقية التي قام بها الإسلام، والتي وجدت تعبيرها التاريخي والاجتماعي في تأسيس وتحقيق فكرة الأمة الإسلامية الجديدة.

كانت فكرة الأمة بالنسبة للنبي محمد هي فكرة التجانس والحق والكينونة النموذجية التي ينبغي أن تتكامل فيها وحدة الحق والحقيقة، والروح والجسد، والأنا والجماعة. وجعل لها روافد عديدة. وذلك لأن الأمة المسلمة بالنسبة للنبي محمد تعني فكرة "أمة الحق". والحق هو الله. ومن ثم فإن فكرة الأمة وتحقيقها بالنسبة للرؤية المحمدية كانت الغاية الفعلية للمساعي الروحية والعملية. ومن الممكن رؤية ذلك حتى في موقفه من الجحيم. إذ ليس الجحيم في الواقع سوى الصورة المقلوبة عن الخطأ والخطيئة. ونعثر على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في قول النبي محمد: "من استطاع ان يقي وجهه من النار ولو بشق من تمر فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة". كما يمكننا العثور على نموذجها العملي الواضح في "كتاب المهاجرين والأنصار"، بوصفه الوثيقة الأولى التي بلورت بصيغة أولية أسس ومبادئ الأمة الجديدة. ففيه نعثر على الأفكار الجوهرية التالية: "إنها أمة واحدة من دون الناس، وفداء لأسير بالمعروف، والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين لا يتركون مغرما (المثقل بالديون والكثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى أو ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن".

أما الأبعاد الاجتماعية والسياسية في الوثيقة فتنكشف من خلال الأفكار التالية: إن أمة الله أمة واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين موالي دون الناس، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. ومن اعتبط (قتل بلا جناية) مؤمنا قتلا عن بينة، فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، وأن على المسلمين نفقتهم، وأن النصر للمظلوم، والجار كالنفس غير مضار ولا إثم.

إننا نعثر في هذه الوثيقة على إدخال نمط جديد في توحيد البشر على قاعدة الإسلام، كما هو جلي في سياسة الإخاء بين المهاجرين والأنصار. أما في وقت لاحق، فسوف يصبح الانتماء إلى الإسلام المعيار الوحيد، لأنه الأصدق والأفضل في توحيد أهل المدينة. وظهرت بداية هذا التحول في طرد المنافقين من المسجد. بينما ستتنوع لاحقا أساليب ومستويات هذا التوحيد. إلا أن البؤرة الداخلية والنموذج الأمثل ظلا يتطابقان عنده مع نفسه كما هو جلي في موقفه من ابن أبي سلول القائل: "والله لأن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".

وظهرت هنا للعلن أول محاول مأساوية للصراع النفسي والعقلي في صيرورة الأمة، بمعنى الصراع بين مرجعية الأمة الإسلامية وبقايا القبلية الوثنية كما هو الحال في موقف ابن أبي سلول تجاه الحكم بالموت على أبيه بسبب ما أحدثه من تخريب ومحاولة للخروج على فكرة الأمة الجديدة. إذ نراه يخاطب النبي محمد قائلا: "إن كنت لابد فاعلا، فمرني به! فأنا احمل إليك رأسه، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي النظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فاقتله، فاقتل مؤمنا بكافر فادخل النار".

أما في خطبة الوداع فنعثر على الأفكار الأساسية التالية:

دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم.

إن كل ربا موضوع. قضى الله انه لا ربا.

إن كل دم كان في الجاهلية موضوع.

إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا.

إن النسيء زيادة في الكفر.

إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. ان عدة الشهور من الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرام، ثلاثة متوالية ورجب منها.

إن لكم على نساءكم حقا، ولهن عليكم حقا، الهجرة في المضاجع وضرب غير مبرح.

استوصوا بالنساء خيرا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله.

إن كل مسلم أخ للمسلم، وإن المسلمين إخوة.

نعثر في هذا الموقف على قواعد اقرب ما تكون إلى منظومة شكلت الأساس الروحي والعقائدي والشرعي لمرجعيات الوحدة الاجتماعية والأخلاقية. وذلك لأنها تحتوي على مواقف مبدئية من تنظيم علاقة المسلمين فيما بينهم، وتنظيم شؤون حياتهم العامة والخاصة. ففيها نعثر على مبدأ الدفاع عن مصالح الفرد والجماعة وعدم المساس بحياة الفرد ومصالحه الاقتصادية، وتحريم الربا، ومن ثم الدعوة للعمل المنتج، وتحريم الاقتتال والأخذ بالثأر بالاحتكام إلى الشريعة وحدودها (القانون وحكمه)، وإزالة كل معالم الوثنية لأنها احد مصادر الخلاف والتفرقة والانعزال، والالتزام بقواعد عامة ملزمة بتنظيم الزمن، وتقنين العلاقة بالمرأة وحقوقها المصانة، وأخيرا إعلاء مبدأ الإخوة الإسلامية وليس إخوة الدم.

ونعثر في مواقفه من العبادات على معاناة التجربة الباحثة عن صيغة مثلى وثابتة فيما يتعلق بتوحيدها وثباتها ومن ثم فاعليتها بالنسبة لوحدة الأمة الروحية والعقائدية. فقد تعرض نمط الصلاة الإسلامية إلى تغيرات وتعديلات قبل أن تستتب بصيغتها النهائية. ففي البداية كانت مرتان، قبل طلوع الشمس ركعتان، وبعد غروب الشمس ركعتان كما لو إنهما يربطان الوحدة السارية في زمن الوجود الطبيعي، أو ربما بسبب حرارة الجزيرة. وأيا كانت الأسباب هنا، فإن استتبابها بخمس صلوات حدثت بعد الإسراء. كما أن صلاة الجماعة جرت للمرة الأولى في إحدى شعاب مكة والتي أثارت سخرية واستهزاء أهل مكة. بينما كانت وجهة الصلاة صوب الشام. إذ كان النبي محمد يصلي ووجهته صوب الشام، وكان يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، بمعنى جعل الكعبة بينه وبين الشام. ويتضمن هذا السلوك على طبيعة ومسار الخلاف والافتراق مع قريش، ومن ثم البحث عن نماذج ورموز وبدائل لا يمكن المسك بها أو السخرية منها، لأنها خارج المكان المباشر للرؤية المباشرة.

بينما نرى تحويل الصلاة صوب "قبلة العرب" الأولى احد النماذج العملية على استتباب التجربة المتعرجة في نهاية أقرب وأشبه ما تكون بالرجوع إلى المصادر الأولى. فقد كانت العرب الوثنية تصلي ووجهها صوب الكعبة المكية. وقد كانت تجربة محمد بهذا الصدد، شأن كل ما قام به، احد النماذج الثورية في إرساء أسس العبادات الإسلامية بالشكل الذي يجعلها متماهية مع النفس والافتراق عمن غيره وسبقه. بمعنى العمل من أجل إرساء منظومة العبادات الإسلامية الخاصة والمتكاملة بمعايير الذوق الإسلامي. وقد أدت به، بعد الصراع العقائدي مع اليهودية والنصرانية، للعودة إلى النفس. حيث مزجت هذه العودة بنسبها مضمون التوحيد الإسلامي وشكل تجليه الخاص في العبادات. ووجد ذلك تعبيره في الآية القائلة، بأن لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله. وقد حدث ذلك بعد سبعة عشر شهرا من قدومه إلى يثرب.

ومع ذلك فقد كان هناك بين المسلمين من بقي على هذه العادة، ورفضوا التوجه صوب الشام كما هو الحال بالنسبة للبراء بن معرور من الأنصار، الذي رفض أن يدير ظهره للكعبة. وعندما التقى بالنبي محمد وكلمه عن الأمر لم ينهه عنها ولم يطالبه بإعادة الصلاة. الأمر الذي جعل من موقفه هذا مصدرا للاعتزاز وفخرا للأنصار، كما في قوله شاعرهم عون بن أيوب الأنصاري:

ومنا المصلي أول الناس مقبلا   على كعبة الرحمن بين المشاعر

والشيء نفسه يمكن قوله عن شعائر الأذان. فقد كان الأذان في البداية تنفذ حسب مواقيتها. لاحقا جرى اقتراح الدعوة بالبوق كما هو الحال عند اليهود، غير أن المسلمين لم يستحسنوه، وكذلك الحال بالنسبة للناقوس. وعوضا عنهما جرى اختيار الكلمات. ولم يكن ذلك معزولا عن أهمية وقيمة الكلمة في الإسلام. فالقرآن كلام، وهو مصدر كل رؤية وحكم وموقف، إضافة إلى انه قراءة حية. أما كلمات الأذان فقد بلورها عبد الله بن زيد الخزرجي، الذي رأى رجلا عليه ثوبان أخضران ينطق بكلمات الأذان كالتالي:

الله اكبر  (مرتان)

اشهد أن لا اله إلا الله (مرتان)

اشهد أن محمدا ًرسول الله (مرتان)

حي على الصلاة (مرتان)

حي على الفلاح (مرتان)

الله اكبر (مرتان)

لا اله إلا الله (مرة واحدة)

وينطبق النفي الإسلامي أو التوليف الجديد للشعائر الأخرى مثل الحج والطواف حول الكعبة والوضوء. فقد كان الطواف حول الكعبة تقليدا عربيا في الجاهلية، بينما ينسب الوضوء إلى جبريل. أما الحج فقد كان جزء من تقاليد العرب الوثنية. واستمر بتقاليدها حتى بعد تحرير مكة عام ثمان للهجرة. لكن الأمر تغير بصورة قاطعة بعد سورة (براءة). إذ جرى إلغاء التقاليد القديمة والإبقاء أو الاكتفاء بالتقاليد الإسلامية فقط، كما في قول النبي محمد: "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان".

وعموما يمكن رؤية وحدة النفي والبدائل التي ميزت موقف الإسلام المحمدي من تقاليد العرب الجاهلية تجاه كل القيم والممارسات الشهيرة. إذ نراه يسير في اتجاه تقاليد العرب القديمة بتحريم نكاح الأمهات والبنات والخالات والعمات. كما نراه يأخذ ويقرّ بالطلاق بالثلاث التي كان العرب يمارسونها أيضا. كما اخذ تقاليد الحج والعمرة، والطواف سبعا حول البيت، والمسح بالحجر، والسعي بين الصفا والمروة، وإهداء الهدايا، ورمي الجمار، وكذلك يوم النفر بعد منى، ويحرمون الأشهر الحرام، ويكفّنون الموتى ويصلّون عليهم، وطهارة  الفطرة، إضافة إلى المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك، وما يقابلها في الجسد من الاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، وقطع يد السارق اليمنى، والوفاء بالعهد وإكرام الجار والضيف، وكذلك تحريم الخمر، إذ حرمت بعض الشخصيات العربية شرب الخمر مثل قيس بن عامر التميمي، وصفوان بن أمية الكناني، وعفيف الكندي وغيرهم. وكذلك قضية الحشر. فقد كان بعض العرب يقول لأولاده قبيل الموت: "أدفنوا معي راحلتي حتى احشر عليها"، أي اغلب الحصيلة التي شكلت عمود العبادات الإسلامية اللاحقة.

إننا نقف هنا أمام أسلمة شاملة للعبادات وشعائرها وتقاليدها التي بلغت صيغتها التامة والمستتبة بعد تحرير مكة، حيث جرى دمج البعض منها بصورة عضوية في منظومة العبادات الإسلامية، بينما جرى إلغاء الآخر. فقد قال النبي محمد بعد دخول مكة كلماته المشهورة: "لا اله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزّم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدنة وسقاية الحج. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الإنسان من آدم، وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". حيث نقف هنا أمام لوحة واضحة عن توحيد كل شيء بقواعد ملزمة. أنها مرجعية الأمة الجديدة التي تسعى وتعمل على تصفية الخلاف  والحساب مع الجاهلية، بمعنى نفيها التام عبر إزالتها من طريق المستقبل، بوصفه مسارا له مقدماته ومحدداته في الموقف من إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5184 المصادف: 2020-11-14 03:18:57


Share on Myspace