 دراسات وبحوث

النبوة المحمدية وتأسيس العقل الإسلامي

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (9)

لكل مرحلة تاريخية ثقافية عقلها الثقافي الخاص، ومن ثم عقلانيتها النظرية والعملية. فالإبداع العقلي والعقلاني الذي يلازم بالضرورة الانتقال من مرحلة تاريخية ثقافية إلى أخرى يحتوي على تأسيس الرؤية النظرية والعملية لإنجاز مهمات التحدي التاريخي، ومساعي الإرادة التاريخية لحل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي عبر إرساء أسس المرجعيات الثقافية المتسامية أو المافوق تاريخية. ففي المرحلة الثقافية الدينية، على سبيل المثال، يتباين العقل (الذهنية والنفسية العامة) ومساره الخاص عبر نوعية العناصر الجوهرية في رؤيته النظرية والعملية العاملة على إرساء منظومة المرجعيات المتسامية. ففي وادي الرافدين جرت عبر فكرة مركزية الدولة وقوانينها "الإلهية"، وفكرة الحق والحقوق، وفكرة المدينة والمدنية، بينما جرت في مصر القديمة عبر فكرة مركزية الدولة، وفكرة الأخلاق العملية والإدارية، وإلوهية الفرعون، والقانون الأخلاقي والديني. في حين اتخذت في الصين القديمة فكرة أولوية وجوهرية الدولة المركزية، ومركزية الدولة وحدودها، وفكرة الأخلاق العملية السياسية والإدارية، والأهمية التأسيسية للأسلوب الفلسفي في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي كما نرى نماذجه الكبرى في فلسفة لاوتسه وكونفوتسه (كونفوشيوس) وتيار القانون والشرعية. أما في اليونان فقد جرت عبر فكرة الدولة -المدينة، وجوهرية الرؤية الفلسفية في التعامل مع إشكاليات الوجود التاريخي وقضايا ما وراء الطبيعة، والإقرار بإمكانية وأحقية التنوع في اختيار النظام السياسي، كما نرى نموذجه الأعلى في الفلسفة السقراطية والأفلاطونية والأرسطية والرواقية والفيثاغورية وغيرها.

كل ذلك يكشف ويبرهن على الطابع التاريخي والثقافي للعقل، بوصفه معاناة وتجربة تاريخية متميزة وأصيلة، لكنها تعمل وتفعل ضمن حدود مرحلتها التاريخية الثقافية، وفِي الحالة المعنية ضمن حدود المرحلة الثقافية الدينية. ذلك يعني، إن العقل النظري والعملي هو عقل ثقافي، لأنه يحل إشكاليات الوجود بذهنيته الخاصة ومعاناته العملية، الأمر الذي يجعل من "العقل الجديد" عقلا تاريخيا وثقافيا وليس منطقيا. فالأخير هو احد أساليب المعرفة المجردة، بينما الانتقال من مرحلة إلى أخرى هو انتقال تاريخي وثقافي. ومع كل مسار تاريخي نوعي، أي تحول وانتقال من مرحلة إلى أخرى أكثر رقيا، تتضح معالم العقل الثقافي.

وبالنسبة للإسلام يعادل العقل الثقافي العقل التوحيدي أو العقل الاسلامي، بينما تعادل العقلانية النظرية والعملية فكرة الأصول، مع ما ترتب عليه من خصوصيته المتحققة في فكرة ومنهج الاعتدال والوسطية (تجاه كافة القضايا السياسية والأخلاقية والمعرفية والحقوقية وغيرها). وذلك لأن الاعتدال هو أسلوب وجود الأشياء ونموذج النظام الأفضل للبشر. فهناك على سبيل المثال، ترابط عضوي بين العدل والاعتدال. فكلاهما من جذر واحد، ويرميان إلى غاية واحدة، ويعبران عن نفس المساعي العامة النظرية منها والعملية، انطلاقا من أن العدل هو القيمة الكبرى في الأخلاق، والاعتدال أسلوبها الضروري.

اذ ليس العدل في نهاية المطاف سوى الصيغة الحقوقية والأخلاقية للحرية. وبالتالي، فإنه الرصيد غير المرئي للبحث عن الحقيقة وتأسيسها العملي في ميدان الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي للأفراد والمجتمعات. وليس مصادفة ألا تخلو أية فكرة متسامية من العدل والدعوة إليه. بل يمكننا القول، بأن تاريخ الرقي الإنساني الروحي هو تاريخ ارتقاء فكرة العدل. وقد كانت الإرادة المحمدية تحتوي في أعماقها منذ البدء على هاجس العدل العميق والاعتدال العقلاني، الذي يرفض ويناهض نفسية وذهنية الغلو والتطرف بمعايير ومقاييس المرحلة الدينية السياسية. وليس مصادفة أن تسعى اغلب الفرق الإسلامية المناهضة لسلطان الخلافة والإمامة الجائرة إلى تأسيس حقيقة العدل باعتباره اعتدالا، أي أن اغلب الاتجاهات الفكرية الكبرى في الحضارة الإسلامية كانت تسعى لتأسيس رؤيتها الخاصة عن العدل المجرد بالشكل الذي يتناسب مع الأصول الكبرى العامة للإسلام، وبكيفية انكسار هذه الأصول في مبادئها الملموسة وعقائدها العملية. وضمن هذا السياق تعادل أصول القرآن والسّنة المحمدية الصيغة الدينية للعقل النظري والعقل العملي، بينما تعادل أصول القياس والإجماع اللاحقة الصيغة السياسية أو الدنيوية للعقل الثقافي.

فإذا كان القياس بالمعنى المنطقي المجرد والثقافي الملموس يعني البحث عن تنوع الأدلة العقلية، فإن الإجماع هو توحيدها المنطقي المجرد. وليس مصادفة أن يقف النبي محمد موقف سلبيا من الشعر، وهو ابن وسليل التقاليد التي جعلت من الشعر ديوان العرب ومنطق لسانها العقلي والوجداني. وذلك لأنه وجد فيه وجدانا فرديا أو قبليا متحزبا. إضافة إلى الخلاف الجوهري بين كون الشعر مصدره الشيطان، والوحي مصدره الرحمن. والشعر تقرير وأحكام بينما القرآن جدل وبيان. الأمر الذي جعل من هيمنة العقل الجدلي والبياني فيه أمرا محتوما. فالبيان حالة ملازمة للوحي الديني، كما انه يستجيب لقيمة وأهمية البيان أو البلاغة في الوعي العربي وتقاليده. فهو يحتوي على مختلف أساليب وأنماط المعرفة العقلية مثل الشك واليقين والبحث والجدل والتدليل التاريخي والمنطقي والتجريبي وغيرها.

غير أن ما يميز العقل الإسلامي كونه عقلا إيماني، أي أن العقل جزء من الإيمان أو الإيمان نفسه، وأن الإيمان هو جزء من العقل أو العقل نفسه. وفي هذه العلاقة الجديدة لوحدة الطبيعي والماوراطبيعي تبلورت ماهية العقل الإسلامي، ومن ثم أثره بالنسبة لنقل العرب إلى المرحلة الدينية السياسية. وترتب على ذلك تلاقي وتناغم العقل الديني والعقل السياسي بالشكل الذي يستجيب لمرجعيات المرحلة الدينية السياسية كما بلورها الاسلام المحمدي في مرجعيات الوحي، والسنّة، والعقل، والمعرفة، واليقين، والاعتدال ورفض الغلو.

إن العقل الإيماني الإسلامي هو عقل توحيدي، يتداخل فيه العقل الثقافي والإسلامي وتوليفهما بهيئة عقل إسلامي ثقافي فسح المجال أمام قبول القياس أو العقل المنطقي المقارن والإجماع أو العقل المنطقي الجامع. ولكليهما أصول في الفكرة المحمدية عن التعقل والتأمل والإدراك والمعرفة، وفكرة التوحيد الاجتماعي (الأمة) انطلاقا من فضيلة الاختلاف، بوصفه أسلوبا لبلوغ اليقين الجامع، ودرء اختلاف الفتنة والصراع. فقد كان مضمون العقل الإسلامي كما تبلور بصورة تدريجية وخرج من رحم الفكرة التوحيدية المحمدية بوصفه عقلا ثقافيا أيضا، يرمي إلى تأسيس قيمته المجردة لتذليل الاختلاف القاتل، وتشجيع الاختلاف الخلاق، وأولوية المصالح العامة باستناده إلى العلم والمعرفة المنطقية وآثار السلف المجتهد.

 لقد تبلورت معالم ومفاهيم ومرجعيات العقل الإسلامي الأول (المحمدي) في مجرى الصراع التاريخي الهائل من اجل إرساء أسس التوحيد والعدل. ومنهما تحددت ملامح الوسطية الإسلامية بوصفها المرجعية النظرية والعملية للعقل الإسلامي المحمدي.

ذلك يعني، إن العقل الإسلامي المحمدي مبني على ثالوث التوحيد والعدل والاعتدال. فالتوحيد هو العقيدة العامة التي تعادل معنى الوحدة والواحدية، والعدل هو أسلوب تحقيق الفكرة التوحيدية وقيمها الأخلاقية والقانونية، والاعتدال يعادل رفض الغلو في الأقوال والأعمال والسريرة والعلن.

ومن هذا الثالوث تبلورت مرجعية العقل، بوصفه أصلا من أصول الإسلام ومظاهره المتنوعة في وحدة العقل والشرع، والعقل والنقل، أي كل ما سيشكل مضمون العقل الثقافي الإسلامي. وما قبل بلوغ العقل الإسلامي الأول مرتبة العقل الثقافي الاسلامي، كان ينبغي لهذا العقل أن يرسي أسسه الضرورية.

فكما لا ينجح التحدي الفردي إلا بوجود إرادة فردية متسامية، كذلك لا ينجح التحدي التاريخي بدون إرادة تاريخية كبرى. فالأول وثيق الارتباط باليقين الفردي المتفائل، والثاني وثيق الارتباط بالعقل الثقافي الجديد. وهذا بدوره ليس إلا العقل المؤسس لمنظومة المرجعيات المتسامية، أي منظومة البديل التاريخي الذي يعي الخلل البنيوي أو المأزق التاريخي للعنصر الجوهري في صيرورة وكينونة المرحلة التاريخية الثقافية السابقة.

فقد كان القرآن والوحي أساس الصيرورة التاريخية للعقل الإسلامي المحمدي، الذي جرى وضعه في أساس قراءة الواقع وتوسيع وتدقيق الفكرة الوحدانية. ومن خلالهما جرى تحديد السلوك العملي لاستكمال مهمات الإرادة التاريخية المتسامية وتنفيذ متطلباتها. ومن الممكن رؤية ذلك في تناثر الآيات القرآنية التي كانت تعاتبه وتنتقده وتوبخه وتحذره، أي كل تلك الصيغ المعبرة عن مراقبة النفس ونقدها ووعي سلوكها الدقيق. ففي هذه الآيات تنعكس أولا وقبل كل شيء ملامح ونماذج نقد الذات والمحاسبة، أي التأمل الذاتي للأفعال والأقوال، لكي لا تكون سنّة بعده. فهناك فرق جوهري بين النظرة المتسامية للأفعال وبين التقليد المباشر أو الفج. فعندما شاهد، على سيل المثال، جثة حمزة والتمثيل به بعد مقتله، قال:" لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بُطُون السباع وحواصل الطير". وقال أيضا "لأن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم". عندها قال المسلمون بأثر ذلك: "سوف نمّثل في قريش مثلة لم تمثل بها العرب". وبأثر ذلك ظهرت الآية: "وإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ". بينما نراه يغير موقفه من الصلاة على قبور الفاسقين أو المنافقين كما هو الحال بالنسبة لنموذج ابن سلول. فقد صلى النبي على قبره، بينما وقف عمر بن الخطاب بالضد منها. لكن النبي محمد رفض موقفه، ولاحقا عدّله بالآية: "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ". بينما أثارت حادثة الإسراء والمعراج جدلا وشكوكا كبيرة. وبغض النظر عن تغير وتطور وتباين واختلاف المواقف من هذه القضية، إلا أن الإجماع الأولي كان يدور حول إبراز المعنى الروحي في الإسراء والمعراج، كما نرى صداه اللاحق في آراء وتفسير ابن مسعود وقتادة والحسن البصري، الذين ركزوا في شرحهم إياها على فكرة الهداية الإسلامية. وقبلهم كما ينقل عن عائشة قولها بأن النبي محمد اسري بروحه وليس بجسده. غير أن مأثرة الإسراء والمعراج الكبرى فيما يتعلق ببلورة العقل الإسلامي تقوم في كشفها عن تجانس الفكرة الإسلامية وشحذ قوتها من خلال إثارتها للفتنة العقلية والجدلية. وقد وضعها محمد في آية تقول "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ". ومن خلالها وعبرها جرى توحيد المعنى.

كان "نزول الوحي" مرتبطا دوما بأحداث محددة ومعينة وثيقة الارتباط أو العلاقة بالنبي محمد. مما أدى إلى تحويل أحداث الزمن العابر إلى تاريخ "إلهي" (أبدي). بينما ترتفع العبارة بأثر ذلك إلى مصاف الآية القرآنية، التي تقرأ الاحداث والوجود عبر تحويلها الى آية إلهية أو خطاب إلهي. فقد ابتدأ الوحي على سبيل المثال في رمضان كما في الآية "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، أو أن يصور معركة بدر بعبارة "يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَا". بينما انقطع عنه الوحي لمدة خمس عشرة ليلة عندما قال لليهود الذين حاولوا إحراجه بأسئلتهم، بأنه سيرد عليهم غدا دون ان يتبعها بعبارة "إن شاء الله"، بينما انقشع هذا الانقطاع بالآية "والضحى والليل إذا سجى". وشأن كل قراءة جديدة للوجود فإنها أثارت مختلف أنواع الجدل، التي تراوحت بين الصد والرد بمختلف أشكالها. ومن بين أكثرها أهمية بهذا الصدد هو ظهور حالة صعوبة فهم بعض ما في القرآن. اذ تشير بعض الروايات إلى قول أبي سفيان للأخنس بن شريق: "لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها". بينما وجد البعض الآخر فيه شكلا من أشكال الشعر، مثل اعتباره هجوا. فقد كانت العرب تفهم الواقف النقدية لمحمد تجاه أفكارهم الوثنية وجاهليتهم الأخلاقية  على انه هجاء لهم كما في موقف أم جميل زوجة أبي لهب، التي التقت بابي بكر في الكعبة وقالت له: "يا أبا بكر! أين صاحبك؟ فقد بلغني انه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه"، أي لضربت فمه بالحجر. والشيء نفسه يمكن قوله عن التصورات والأحكام العربية الوثنية التي واجهها في مجرى ظهور وبلورة الآيات القرآنية. فقد كان اغلب هذه التصورات والأحكام في البداية تتصف بالاستغراب، ثم السخرية والاستهزاء، ثم الرد والجدل، وبعدها التأمل الخفي والعلني لما فيها من معاني. ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب. فقد كانت اغلب آيات القرآن تعبيرا عن وقائع الحياة اليومية. ومن الممكن أن نتخذ مما سمي بحديث الأفك نموذجا لهذه الظاهرة. فعندما طلب النبي محمد من عائشة التوبة، إجابته: "وأيم الله، لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شئنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يقرأ في المساجد".

إن تحول الوحي الذاتي إلى قرآن شامل مرتبط بوحدته الداخلية، بوصفها معاناة صادقة ومحكومة بفكرة التوحيد الصادق، والإخلاص الصادق مع النفس. من هنا غياب التبرير، لأنه معاناة مزيفة، ومن ثم لا يكشف الحقيقة كما هي. ومن الممكن العثور على ذلك في نموذج ما يسمى بعمرة القصاص عندما أفسدت عليه قريش العمرة عام ستة للهجرة. بعدها خاض معركة دخول مكة عنوة. ولم تكن ذريعة، بل استمرار فكرة الشهر الحرام والمحرمات قصاص. أنها تحتوي في ذاتها على إعادة تأسيس لتقاليد الأشهر الحرام العربية القديمة، أي تجربة الروح المسالم مع النفس. وعموما يمكننا القول، بأن القرآن هو مدونة الأحداث والصراع كما نراه في نموذج " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ"، لأن الأخير كان يقول "محمد يعدنا بأشياء بعد الموت لا نراها"، ثم ينفخ في يديه ويقول "تبا لكما!"، كما كان نبتل بن الحارث يقول أن محمدا "أذن"، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ...". بينما قال معتب بن قشير يوم أحد:"لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا". وكان الرد بالشكل التالي، و"طائفة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا"

 وهو نفسه من قال يوم الأحزاب:"محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن الذهاب إلى الغائظ". وكان الرد:"وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرور". في حين كان وديعة بن ثابت عادة ما يقول إنما كنّا نخوض ونلعب. وكان الرد:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟". أما سورة (المنافقين) فقد كانت متعلقة بالرد على عبد الله بن سلول الذي قال في غزوة بني المصطلح: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". بل إن جميع الآيات القرآنية ذات صلة بالحوادث والمواجهات والاختلافات التي واجهها محمد. فهي أما اختزال للموقف والتقييم والبدائل، أو إعادة صياغة لغوية ضمن مسار الفكرة الإسلامية أو ضمن سياق الرؤية المحمدية. ونعثر على ذلك في التكثيف الدقيق والجمالي لعبارات وكلام العرب الوثنية بعد صهرها في بوتقة القراءة الجديدة للقرآن. حينذاك يجري دمجها بوصفها وحيا. فقد كان ابن الزبعري على سبيل المثال يدعو لجدل محمد وفكرته عن أن جميع الآلهة التي تعبد ستكون حصب في جهنم، بالشكل التالي: سلوا محمد، أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود يعبدون عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم؟ وكان رد النبي محمد بالشكل التالي:"وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.". كما نعثر على مختلف أشكال المحاسبة الذاتية كما هو الحال بالنسبة لحالة ابن مكتوم الأعمى، التي وجدت انعكاسها في سورة (عبس). بل أن المائة الاولى من آيات (سورة البقرة) ذات صلة بالرد على اليهود ومنافقيهم. وهناك ستون آية من (آل عمران) حول معركة أُحد. أما سورة (الحشر) أو الجلاء، فقد كانت تتعلق بالجدل حول الحرب مع بني النضير وإجلاؤهم إلى خَيْبَر. كما أن سورة (براءة) كانت تسمى في زمن النبي محمد وبعده بسورة (الحشر) لما كشفت من أسرار الناس. وضمن هذا السياق يمكن فهم التمايز الذي اخذ بالوضوح والبروز على مثال الشخصية المحمدية وليس على مثال الأسلوب والصيغة والعبارة. فقد صحح أبو بكر في إحدى المرات بيت من الشعر قاله النبي محمد بصورة خاطئة أو ليست دقيقة، عندما استبدل الكلمات بما لا يتوافق مع القافية، بعدها قال أبو بكر:"اشهد أنك كما قال الله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي)". غير أن هذا لا يعني انه لم يعرف الشعر، على العكس. فهو لم يقف ضد الشعر كما هو، بل أراد تطهيره من حمية الجاهلية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل الدكتور ميثم الجنابي

تحية طيبة، وبعد

أتابع مقالاتك بشكل مستمر ومنها هذه التي تخص نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكنني لحد اللحظة لم يتضح عندي، هل انت تؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم على إنها رسالة ربانية وأن القرآن هو كلام الله عزَّ وجلّ أوحى بها للرسوله أم إن ما جاء به محمد إبن عبد الله مجرد فهم شامل للمجتمع الذي عاش فيه بكل خصوصياته وعاداته وعباداته مضاف إليه ما اسميته "الإرادة" القوية التي جعلت منها قائدا لهذه الأمة، ولا علاقة لنبوته برب ولا بوحي.

أرجو الإجابة بطريقة واضحة وغير فلسفية لكي أستطيع فهم ما تريد أن تذهب إليه ومحاورتك لو تكرمت

وتقبل بالغ احترامي وتقديري

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

تصويب!
أوحى بها للرسوله.. المصود بها: أوحى به لرسوله..
التي جعلت منها : المقصود بها: التي جعلت منه

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ عامر المحترم
بعد التحية
سوف اجيبك على ما استفسرت منه حالما انتهي من محاضراتي في الجامعة
مع خالص الود

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الأخ عامر كامل السامرائي
بعد التحية
سوف اجيبك بطريقة غير فلسفية!! مع أن خصوصية كتابي هي فلسفية خالصة.
افهم من كلامك انك تريد معرفة موقفي من الله والنبوة والوحي، وعما إذا كانت هذه جوانب عقائدية إيمانية بالنسبة لي أم أنها قضايا خاضعة للجدل العقلي، وبالتالي فإن موقفي من محمد اقرب ما يكون إلى كونه مصلح تاريخي كبير. وإذا كانت ظروفك لا تسمح بقراءة الكتاب كله فعلى الأقل مقدمته وهي بحدود اربعين صفحة. لاسيما وأنها مكتوبة بلغة سهلة نسبيا.

اجابة مختصرة

إن موقفي من محمد بوصفه شخصية تاريخية عظيمة أو ما ادعوه احيانا بالشخصية المافوق تاريخية، مبني على رؤيتي المنهجية التي تقف ما وراء الدين والإلحاد. فالرؤية الدينية بالنسبة لي فرضية إيمانية. والرؤية الإيمانية في أعلى درجاتها النظرية هي فرضية لاهوتية. وكلاهما بالنسبة لي مجرد فرضيات عقائدية غير تاريخية وليست علمية. وهي حالة متناقضة لكنها لا تنفي أو تقلل من أثرهما في التاريخ الواقعي وبالأخص في ما ادعوه بمرحلة الانتقال التاريخي الثقافي الى المرحلة (الدينية السياسية).

تنبيه

إن الاجابة الدقيقة والعميقة على اسئلتك موجودة في كتابي (محمد رسول الإرادة). والكتاب طبع في بيروت في (دار العارف) قبل سنة تقريبا أو اكثر بقليل. كما أن له طبعات الكترونية عديدة قابلة للتحميل على الكثير من المواقع المكتبية الالكترونية العربية وغير العربية. وقبل محاورتي بهذا الصدد، وهو امر اثمنه جدا، اعتقد أن من الأفضل الرجوع إلى هذا الكتاب وقراءته. عندها يصبح الحوار والجدل والاختلاف ذا معنى وله مذاقه العلمي والثقافي.

معلومة أولية ضرورية لفهم مضمون هذه المقالات وما قبلها من كتب.

يحتوي كتاب (محمد رسول الإرادة) على قسمين الأول ويحمل عنوان (إرادة الروح)، بينما الثاني يحمل عنوان (روح الإرادة). وبمجموعهما كل واحد. مهمة الأول تتبع الصيرورة الروحية لمحمد بمختلف مستوياته واتجاهاتها، بوصفها صيرورة الإرادة النبوية، أما مهمة القسم الثاني فتقوم في تتبع فعل الإرادة النبوية لمحمد في تحقيق المبادئ الإسلامية في نواحي الحياة بمستواها الطبيعي والماوراطبيعي من اجل نقل العرب (ولاحقا المسلمين) إلى المرحلة التاريخية الثقافية الجديدة (الدينية السياسية). وكلاهما كلّ واحد بمعايير التاريخ والحقيقة. فقد سبق وأن قمت قبل حوالي ثلاثة عقود بهذا العمل وانجازه في كتابين، الأول تحت عنوان (حياة محمد)، والثاني (تاريخ القرآن). وكلاهما كانا بالنسبة لي عمل واحد، أو على الأقل أن كل منهما يكمّل الآخر. والأكثر مشقة بالنسبة للبحث ارتبط بكتاب (تاريخ القرآن)، بالأخص ما يتعلق منه بترتيب آيات النزول حسب زمنها. وليس مصادفة أن تقول الثقافة الإسلامية لاحقا، بأن ترتيب نزول آيات القرآن ليست اقل مشقة من إبداعه! وقد أنجزت هذا البحث لنفسي أولا وقبل كل شيء من اجل دراسة شخصية وحياة النبي محمد. وإذا كانت نسخة كتاب (حياة محمد) قد ضاعت تماما بأثر فقداني لها قبل فترة طويلة بسبب نمط الحياة آنذاك والترحال، فإن كتاب (تاريخ القرآن) لحسن الحظ قد بقيت منه ثلاثة دفاتر بحدود ألف صفحة. وفيما لو سنحت الفرصة والوقت لاحقا فسوف أعود إليه. وبمجموعهما كان الكتابان يحتويان على ست مجلدات كبيرة. أما كتاب (محمد رسول الإرادة) فهو صيغة مكثفة جدا لما وضعته في (حياة محمد) و(تاريخ القرآن). لكنه يتمثل ما فيهما بمعايير وغايات أخرى مرتبطة بفلسفتي التي وضعتها في كتابي (فلسفة البدائل المستقبلية) الذي سأقدمه للطباعة والنشر حالما انتهي من وضع اللمسات الأخيرة على كل ما فيه.

الفكرة الجوهرية للكتاب

إن الفكرة الجوهرية لهذا الكتاب تقوم في تبيان أثر الشخصية المحمدية في وضع أسس اللحظة التأسيسية للمرجعيات الثقافية المتسامية التي أدت إلى نقل العرب من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية، وما استتبعها من تأسيس لاحق للثقافة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي الكشف عن انه كلما جرى الغوص في حقيقتها التاريخية كلما تعمّق البحث في حقيقتها الما فوق التاريخية. ومن ثم البرهنة على أثرها الجوهري في تحدي الوجود التاريخي بإرادة البدائل الكبرى. من هنا بقاءها الحي وقدرتها على الإلهام العقلي والروحي بوصفها شخصية تاريخية وما فوق تاريخية، أي كل ما جرى وضعه في مفهوم النبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية.
ذلك يعني أن الكتاب، يختلف اختلافا جوهريا عما هو سائد من أصناف الكتابة المتنوعة عن "السيرة النبوية". اذ ليس للكتاب علاقة بهذا الصنف من التأليف، بمعنى انه ليس كتابا عن "السيرة النبوية" و"حياة النبي محمد" بالمعنى المنتشر والسائد من الكتب التأريخية والعقائدية والوظيفية (التعليمية والتربوية والادبية والسياسية وما شابه ذلك).
انه كتاب فلسفي صرف يستند من حيث الأسس النظرية لفهم حقيقة الشخصية النبوية والرسالية لمحمد ودورها وأثرها التاريخي العربي والإسلامي والعالمي إلى فلسفتي التاريخية والثقافية. وبالتالي، فهو كتاب تفتقده المكتبة العربية والإسلامية، إذ لم يتمرس كلاهما بعد في فهم حقيقة الشخصية المحمدية بمعايير الفكرة النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. لاسيما وانه الأسلوب الأدق من أجل ارساء أسس النظرة المجردة والمتسامية والواقعية في الوقت نفسه عن الشخصية المحمدية والنبي محمد نفسه. ومن ثم إزالة الصيغ المبتذلة والظاهرية عن "توظيف" المعلومات عنها وعنه، أو "توظيفهما" من اجل "البرهنة" على رؤيتها العقائدية والعملية.

الأساس النظري لكتاب "رسول الإرادة".

اما كتابي هذا فيختلف بدوره عما أشرت إليه، رغم انه ينتمي إلى وحدة الرؤية النقدية والمنهج الفلسفي. انه يجمع بين الرؤية التاريخية الواقعية، والنقدية العقلية، والنظرية الفلسفية. وبالتالي، فهو الكتاب الأول في الثقافة العربية والإسلامية في كيفية تناوله لشخصية محمد، والشخصية المحمدية، والنبي محمد، والنبوة المحمدية، والرسول، والرسالة الإسلامية. أما لماذا يحمل عنوان (رسول الإرادة)، فلأنه يستند إلى فلسفتي التاريخية الثقافية، وبالأخص ما له علاقة بفكرتي المنهجية عما ادعوه بالمسار التاريخي ومنطق الثقافة والاحتمال العقلاني للبدائل. والمقصود بالمسار التاريخي هنا هو مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية، بينما (السادسة والسابعة) "ماوراطبيعية". وهي كما يلي:
• المرحلة الاثنية – الثقافية؛
• المرحلة الثقافية – الدينية؛
• المرحلة الدينية – السياسية؛
• المرحلة السياسية – الاقتصادية؛
• المرحلة الاقتصادية- الحقوقية؛
• المرحلة الحقوقية – الأخلاقية؛
• المرحلة الأخلاقية - العلمية.....
إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة.
فالتاريخ الإنساني هو تاريخ وعيه الثقافي ومن ثم تاريخ البدائل المرتبطة به، أي تلك التي تتبلور في مجرى ما اسميته بمسار التاريخ ومنطق الثقافة. أما مسار الثقافة فيجري من خلال فعل ونتائج أربع ثنائيات كبرى هي كل من:
• التشاؤم والتفاؤل،
• والفعل والخمول،
• والنفي والإيجاب،
• والعقل والوجدان،
إن تحقيق الانتقال من مرحلة إلى أخرى يجري بأثر فعل هذه الثنائيات وكيفية حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة. ومن خلال هذه المكونات تجري رؤية الماضي والمستقبل. وبأثرها تتبلور معالم الرؤية النظرية والعملية عن الحاضر. ومن هذه المعالم تتولد بدايات الثقافة والحضارة المدركة بمعايير البدائل، أي كل ما يساهم في تكامل واكتمال التاريخ الذاتي. وذلك لأن الرؤية المستندة إلى فكرة البديل، تفترض في تناقض التفاؤل والتشاؤم، والفعالية والخمول، والنفي والإيجاب، والعقل والوجدان، وحدتها بوصفها منظومة متكاملة للبدائل. ومن تعامل هذه المكونات (الثنائيات) النظرية والعملية مع الماضي والمستقبل يتبلور أسلوب وجود الحضارات وثقافاتها. وعادة ما يجري ذلك من خلال تحديد وتفاعل اتجاه التفاؤل، وفاعلية الإرادة، وكيفية النفي، ومضمون العقل.
وهو الشيء الذي حاولت تطبقيه في دراسة وتحليل الشخصية المحمدية وأثرها بالنسبة للتاريخ العربي والإسلامي والعالمي. وقد استعرضتها ضمن كتابي (فلسفة البدائل المستقبلية) في المجلد الأول والثاني منه بوصفها نموذجا تاريخيا.

حقيقة النبوة المحمدية

النبوة ليست تكهنا بالمستقبل، بل استدراكا له بمعايير المطلق. كما أنها ليست نبوءة بالمستقبل، بل إدراكا له بمعايير الماضي. وهي ليست فعلا عابرا ولا كيانا طارئا، بل إرادة متحررة من رق الماضي والمستقبل، لأن أولها حق وآخرها حق. الأمر الذي يميزها عن النبوة الكاذبة والأنبياء الكذبة. تماما كما نقول فيلسوف حقيقي وآخر مزيف، ومفكر حقيقي وآخر مقلد ومبتذل، وشاعر فحل وشويعر وشعرور وما إلى ذلك.
وفي هذا تكمن حقيقة النبوة باعتبارها إرادة متسامية. لأن النبوة هي معاناة الحق. وليس مصادفة أن تظهر على خلفية الانحطاط المادي والمعنوي للشعوب والأمم، باعتبارها تحد ملهم للحياة. من هنا وحدة الحياة والموت في بدايتها، والانبعاث والقيامة في نهايتها كما لو أنها تستعيد في مظهرها معنى الحركة المطلقة للحياة، باعتباره صيرورة حرة تحددها جبرية الالتزام الفردي والجماعي تجاه النفس والآخرين.

شخصية محمد الفعلية

إن الشخصية الواقعية هي شخصية تاريخية. ومحمد واقعي فهو تاريخي. والصورة الأكثر صدقا هي القادرة على رؤية الصيرورة التاريخية والواقعية للشخصية، ومن ثم رؤية أفكارها ومواقفها وعقيدتها ضمن هذا السياق. فهو الأساس الضروري لبناء الصرح الفعلي لعالمها الذاتي. حينذاك فقط يمكن الكشف عما فيه من دهاليز وطرق قادرة على إيصال البحث فيها عما كان محمد نفسه يدعو إليه: الخروج من الظلمات إلى النور! بمعنى كيفية تراكم وتحديد مهمات وغاية التحدي للواقع التاريخي وشحذ الإرادة وعقلها الذاتي من اجل رسم ملامح وحدود البديل التاريخي.

محمد الإنسان والنبي

لقد جمع محمد بين الإنسان والنبوة، أو أن النبوة امتداد للإنسان فيه واستكمال له وتحقيق ما فيه من خصال وتجارب. إذ لم يتحول محمد إلى نبي بل صار إياه. والنبوة، شأنها شأن كل حالة نوعية في الاحتراف الإنساني لها مقدماتها وخصوصيتها. فالأنبياء كالعلماء والشعراء والفلاسفة والأدباء وقادة الحروب وأهل السياسة والدولة، لكل منهم خصوصيته وموقعه في ما ينتمي إليه وصار جزءا منه، وأثره في تقاليد احترافه وخارجها.

خاتمة

وما وضعته في الاجابة هنا هو صيغة مكثفة جدا من المقدمة. اما متن الكتاب فتجده في هذه الحلقات. والتقديم الذي اوردته اعلاه يرمي الى فك شفرة المعنى وحقيقتها فيه
مع خالص الاحترام

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الدكتور ميثم الجنابي

جزيل الشكر والامتنان لهذا الإيجاز. لقد وصلت الفكرة. وهي بإيجاز شديد إنك لا تؤمن ولا تعتقد أن محمد ابن عبد الله نبي مرسل ولم يأتيه الوحي وإنما كل ما أتى به من قول في القرآن الكريم هو من لدنه ولم يوحى له بشئ من كلام الله. وإنما إنسان عادي يمتاز بإرادة قوية جعلت منه مصلحاً..

فاذا كان هذا هو رأيك به فلماذا إذن كلمة النبوة وهي تعني الاجتباء والتكليف؟ قال تعالى : {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا}..لماذا لا تكتفي بكلمة المصلح الكبير محمد إبن عبد الله؟

حالياً أنا متفرغ للقراءة وكوني لا أشاطرك الرأي فيما أوردت في هذه مقالات بهذا الخصوص فهذا سوف لن يمنعني من متابعة مقالاتك ولا عن البحث عن كتبك سواء الرقمية أو المطبوعة وتدوين ملاحظاتي عليها.
كما أود أن أشير لك إذا كان لديك الوقت الكافي لمطالعة ما كتبه العلامة الكبير الأستاذ محمد فريد وجدي من كتب قد تغير من وجهة نظرك بهذا الخصوص، فهو أفصح من ناقش هذه القضية ورد على الكثير من الفلاسفة.

تقبل فائق أحترامي وتقديري

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي عامر كامل السامرائي
بعد التحية
• ان اشكالية العقل والإيمان لها مقدماتها وجذورها التاريخية والمعرفية. ولي فيها نظريتي الخاصة التي لا مجال للاستفاضة بها الآن.
• انني استعمل كلمات النبوة، والنبوة المحمدية، والرسالة، والرسالة النبوية، والرسالة الاسلامية، بوصفها اصطلاحات ولكل منها معناها الخاص بوصفها فكرة وظاهرة تاريخية ثقافية. لهذا قيل ويقال النبي الحق والنبي الكاذب وأمثالها الكثيرة. كما ينطبق ذلك على مختلف اصناف وشخصيات المعارف والعلوم.
• لا تختلف النبوة الفعلية والحقيقية عن معنى ومضمون المصلح الكبير. فكل نبي حقيقي هو مصلح كبير، ولكن ليس كل مصلح هو نبي. فهذه أنواع متباينة من البنية المعرفية والعلمية والسلوكية. وقد تختلف احيانا اختلافا حادا أيضا
• عندما كنت اعمل على كتابي (السيرة النبوية المحمدية) وبموازاته (تاريخ القرآن)، فانني لم اترك او أهمل عملا لاغلب او لم يكن لجميع من كتب حول هذه القضايا من علماء ومتخصصين في هذين المجالين، وعلى امتداد اكثر من الف عام وبمختلف اللغات (حينذاك كنت اقرأ بثمان لغات). وقد كان عدد المصادر عندي اتحتوي على آلاف عديدة من المجلدات والكتب والأبحاث والمقالات، بمن فيهم محمد فريد وجد، واخص بالذكر (على ما اتذكره الان) كتاب (معالم الاسلام) و(في معترك الفلاسفة او الفلسفيين لا اتذكر الان بدقة) وكتبه في الرد على قاسم امين وطه حسين (حول المرأة والشعر الجاهلي)، وكذلك (ضمن سياق ما نحن بصدده، كل من كتاب (السيرة النبوية تحت ضوء العلم الفلسفة)، اضافة الى كتبه الاخرى المدافعة عن الاسلام ونقد التيارات المادية ومشاركته في الموسوعات الكبيرة وكذلك في التفسير (صفوة العرفان في تفسير القرآن) وغيرها.
إن محمد فريد وجدي وأمثاله ممن تخرج من تقاليد الأزهر والمدرسة الأزهرية، رغم تباينهم، هم في الأغلب اقرب إلى الرؤية العقائدية والدعوية. غير أن كثير من كتبهم لا تخلو من منفعة جيدة واجتهاد مقيد بمسلمات مسّبقة. وبالتالي لا تعمل في نهاية المطاف إلا على تقيّد العقل ولا تطلقه صوب البحث الحر والرؤية النقدية. وهذا حكم ونتيجة لا علاقة له بنياتهم. فهم في اغلبهم نبلاء من حيث النية. لكن هذا لا يكفي. وبالنسبة لي هي مجرد طبقة متكلسة من المعارف والمعلومات والتفسير الحشوي.
ادرج هنا بعض كتبي بطبعاتها الاولى فقط
الكتب المنشورة (الإشارة هنا للطبعة الأولى فقط)
1. التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية. دار الأهالي، دمشق، 1990.
2. علم الملل والنحل. ثقافة التقييم والأحكام. دار عيبال، دمشق. 1994.
3. الإمام علي بن أبي طلب- القوة والمثال. دار المدى، دمشق - بيروت . 1995.
4. التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي (أربعة أجزاء) ، دار المدى، دمشق - بيروت 1998.
5. "الإسلام السياسي" في روسيا،مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1999.
6. الغزالي. دار ادوين ميلين بريس، نيويورك، 2000 (بالروسية)
7. الإسلام السياسي في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 2001
8. روسيا - نهاية الثورة؟، دار المدى، دمشق، 2001.
9. حكمة الروح الصوفي (جزءان)، دار المدى،دمشق، 2001.
10. اليهودية الصهيونية في روسيا وآفاق الصراع العربي اليهودي، دار العلم، دمشق، 2003
11. الإسلام في أور آسيا، دار المدى، دمشق، 2003
12. العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى، دمشق، 2004
13. اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات، دار الحصاد، دمشق، 2005
14. العراق ورهان المستقبل، دار المدى،دمشق، 2006.
15. الحضارة الإسلامية – روح الاعتدال واليقين (ج1)، دمشق، 2006
16. جنون الإرهاب المقدس، بغداد 2006.
17. المختار الثقفي – فروسية التوبة والثأر، دار ميزوبوتاميا، بغداد 2007.
18. أشجان وأوزان الهوية العراقية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,
19. فلسفة الثقافة البديلة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,
20. العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2008.
21. هادي العلوي-المثقف المتمرد، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2009.
22. حوار البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010
23. التوتاليتارية العراقية- تشريح الظاهرة الصدامية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010
24. فلسفة المستقبل العراقي، دار الكتاب الجامعي، العين- الإمارات العربية المتحدة، 2010.
25. الفلسفة واللاهوت عند الغزالي،دار المرجاني، موسكو، 2010، (بالروسية)
26. فلسفة الهوية الوطنية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012
27. الحركة الصدرية ولغز المستقبل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012
28. ثورة "الربيع العربي" (فلسفة الزمن والتاريخ في الثورة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2013
29. فلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار صدره، موسكو، 2014 (بالروسية)
30. الإسلام: حضارة وثقافة وسياسة، دار صدره، موسكو 2015، (بالروسية)
31. المركزية الإسلامية الحديثة – الظاهرة الإسلامية. كيولن، ألمانيا 2016، (بالروسية)
32. فلسفة البدائل الثقافية (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018
33. التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي، مطبعة الجامعة الروسية، موسكو، 2018(بالروسية)
34. تأملات حول الحضارة الاسلامية، دار العارف، بيروت، 2018
35. الزمن والتاريخ (نقد الراديكالية والاوهام "المقدسة".)، دار العارف، بيروت، 2018
36. محمد – رسول الارادة، دار العارف، بيروت، 2018.
37. الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019
38. العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019
39. الفكرة الإسلامية المعاصرة وآفاقها، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019
40. فلسفة الفكرة القومية العربية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2019
41. الأشباح والأرواح.(ج1)، المركز الاكاديمي للأبحاث، العراق- كندا، 2019.
42. الاستشراق الروسي (المرحلة الـتأسيسية)، المركز الاكاديمي للأبحاث، العراق- كندا، 2019.
43. المختار الثقفي: تاريخ الاسطورة واسطورة التاريخ، المركز الاكاديمي للأبحاث، العراق- كندا، 2020
44. وعي الذات العربي الحديث والمعاصر (بمجلدين) المركز الاكاديمي للأبحاث، العراق- كندا، 2020
45. بوابة التاريخ الابدي (الفكرة السياسية في فلسفة التاريخ) المركز الاكاديمي للأبحاث، العراق- كندا، 2020
وغيرها من الاعمال المطبوعة والتي تطبع والجاهزة للطبع. وبمجموعها حوالي ثمانين كتابا، وآلاف الدراسات والأبحاث والمقالات.

ميثم الجنابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5187 المصادف: 2020-11-17 01:57:12


Share on Myspace