 دراسات وبحوث

الاعتبارات الأمنية والخصوصية الشخصية القانونية: أية مقاربة؟

محمد بنيعيشأولا: المواطن والأمن والدولة، هل من تكامل؟

لكل كائن حرمته وحريته وحصانته و"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا "هذا هو حكم الإسلام، وهذا هو مبدأ المواثيق العامة، وهذا هو أساس العقد الاجتماعي ومبنى الحريات والحقوق في العالم.

فالفرد من المجتمع، والمجتمع مجموعة أفراد، والدولة من كليهما مؤسسة، وعليهما معتمدة وبهما قائمة ! .

وحينما نتناول موضوع الحقوق والحريات فينبغي مراعاة هذه الدورية في الأدوار، وهذا التأسيس مع الأطوار، ومن ثم فقد يمكن لنا إصدار الأحكام على هذا التصرف الصادر من الفرد أو المجتمع والدولة: هل هو حق وشرعي قانوني أم هو ظلم وشطط واعتداء على الحرمات والحريات؟

فلكل بلد رؤيته ولكل مجتمع قانونه وأعرافه وعاداته.ومن المستهجن أن ترتكب أخطاء واختراق لحرمات في بلد ما مع مزاعم أن هذا الأمر جائز في بلد آخر غير الذي هو موطنه الأصلي. ومن المستثقل والمرفوض أن تعمم القوانين الخارجية على مجتمع داخلي له عقده الاجتماعي الخاص به وعاداته وتقاليده وعقائده وتدينه ! .

فما قد يعتبر استجماما في بلد ما قد يكون جريمة في بلد آخر، وما قد يكون جريمة في السر قد لا يعتبر كذلك في الجهر .وما يحتاج فيه إلى بينة في بعض الدعاوى قد لا يعتبر ولا يمكن في دعاوى أخرى، وهكذا دواليك.

وما بين الدولة والمواطن حكايات وتقاطعات وحسابات، قد تكون فيها الغلبة والقرار المعتبر غالبا للعنصر القوي في المعادلة وهو الدولة، لأنها بالمواطن قامت وعلى أمنه سهرت وبورقته توازنت.

فالأمن والقضاء هما القوة القاهرة في كل مجتمع متمدن وحضاري وذي كيان سياسي.وللأمن دوره وللقضاء حكمه، والعدل أساس الملك كما عليه الشرائع والحكمة وفلسفة السياسة.

ولكي نركز الحديث ونختصره فسأطرح في هذه العجالة مسألتين مهمتين وخطيرتين ومثيرتين وهما: حق أمن الدولة في مراقبة المواطن وحق القضاء في إصدار الحكم من غير تبين.

ثانيا: المراقبة والمخابرة بين خصوصية الفرد ومقتضيات المجتمع

فالأول قد يمتزج فيه السياسي بالأمني والمدني بالجنائي.وهذا يتطلب حنكة وضوابط وفلسفة أمنية راقية، يمكن من خلالها حماية الدولة وأمنها مع حماية المواطن واستقراره في نفس الوقت.

إذن فنحن هنا أمام مطلبين متشابكين، بينهما برزخ لا يبغيان:مطلب الدولة للحفاظ على كيانها ونظامها، وهذا حق مشروع ومنطق سياسي اجتماعي محض .ومطلب المواطن في صيانة حقوقه مع تحقيق احتياجاته وضمان حرياته.

لكن حينما يكون هذا المواطن غير عادي، ومنصبه يجمع بين مقتضات القمة والقاعدة، فعندئذ يترتب عليه حكم آخر، ألا وهو تشديد الرقابة عليه أكثر من غيره وتتبع خطواته وتلمس عوراته وسقطاته.لأن الأمر هنا إما أن يحاصَر أو يحاصِر، يبادر أو يبادر به، ومن لم يستسغ هذا المنطق فليقرأ "مقدمة" ابن خلدون وكتاب" الأمير" لمكيافيللي وغيرهما، حيث أحكام السياسة قد تختلف عن أحكام العلم وأحكام الشريعة من باب التطبيق.

فأي خطأ بسيط، من هذا الإطار المسؤول أو ذاك، قد يسجل عليه ويحسب ضده حينما يريد تجاوز قدره ويتطاول على مقام غيره بشكل ما.وهذا الإجراء قد تستعمله أكابر الدول المعاصرة التي تسمى بالديمقراطية، وتوظفه خصوصا عند الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها كورقة ضغط وسلاح فتاك إذا اقتضى الأمر ذلك، ولا يحق للآخر أن يشتكي ويزعم أنه ظلم، إذ هذه هي قواعد اللعبة وشروطها !!!.

وهذا حق الدولة وحق الأحزاب والمنظمات في باب التدافع، وهو يدخل في باب التجسس السياسي المشروع على حسب مذاهب السياسة .إذ، هيهات هيهات أن يقاس الملائكة بالحدادين !!! كما يعبر أبو حامد الغزالي كثيرا في باب الأخلاقيات والسلوكيات.فليس هناك نحْل بالمطلق وليس هناك دبابير سليمو التدبير !!!.

فعيون الدولة ينبغي أن تبقى مفتوحة أكبر من عيون البومة، المتهمة ظلما بالشؤم، والتي ترى في الليل أكثر من النهار، لأن الظلام هو الذي قد تحاك فيه الدسائس وعنده ترسم المخططات وتدبر المؤامرات.

ولهذا فلا تبقى حرمة تراعى بمفهومها البسيط والعادي، أو يغض الطرف عن هنات وهفوات المسؤول ومن في حكمه، كما رأينا في الحديث أعلاه.إذ هناك حرمة عليا مهددة ألا وهي حرمة الدولة والمجتمع عموما، فيكون من اللازم وغير المحذور والممنوع أن يرصد هذا أو ذاك في جميع تحركاته وخاصة خارج بيته الأصلي . بل إذا اقتضى الأمر وحامت الشكوك حول فلان وعلاّن فلتكن البيوت مخترقة في حدود، سدا للذريعة، كما يقول علماء الأصول !.

أرى، والله أعلم، أن هذا هو الإجراء السليم لحماية الوطن والمواطن معا، ولكن من غير شطط وترك الحبل على الغارب في هذا الأمر، إذ ينبغي تحديد الهدف وحصره في مهمة خاصة لا تتجاوز .يقول الله تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ""وَلَوْلَا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ".

وحينما نطالع التاريخ وإجراءات أهل العدل ورواده على هذه الأرض نجد أن مبدأ المراقبة الخاصة قد كان العمل به جاري من غير اعتراض، اللهم إلا إذا كان بغير مبرر شرعي وقانوني.

ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبرز من طبق هذه المسطرة لحماية أمن الدولة والمجتمع، حتى إنه كما يقال كان لا يثق بالولاة ولا يترك لهما الاستفراد بالسلطة أو استحلاء كراسيها لمدة طويلة .فقد كان يغير الولاة بعد فترة وجيزة أقصاها أربعة سنوات، كما كان يرصد أحوال القادة في الجبهة ويتابع أخبارهم بعيون متخصصة واستخباراتية بامتياز. فإذا وصل إليه نوع تذمر أو تلكؤ من قائد عزله وعين بداله شخصا آخر .

هذا من جهة الولاة أما من جهة المواطنين العاديين فقد كان يرصد السلوك العام بالعمل على حفظ طهارة المجتمع واستقرار الأخلاق العامة فيه، لغاية أن تسور بيتا سمع فيه مجونا وغناء وإيحاءات مشبوهة كما وقع له مع أبي محجن الثقفي لما وصله أنه يشرب الخمر ويجمع حوله الندماء في داره قد يقلق به راحة الجيران ويهدد سلامة المجتمع.وقصة نصر بن حجاج الجميل الوجه وسماع عمر في ليلة تفقّد لتلك لمرأة التي كانت تتغنى بنصر داخل بيتها، هي مشهورة ومهمة جدا، حيث اتخذ ما اتخذ من إجراء لحماية طهارة النساء والرجال معا كما هو معلوم.

وفي هذا الإجراء قال الغزالي كإفتاء : إلا أن يظهر –المنكر- ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة.

(21) وقال ابن الجوزي: من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، وإن فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار.

ثانيا: دور الأمن والقضاء في حماية المتضرر بغير بينة

أما المسألة الثانية التي أشرت إليها آنفا فهي تبع لهذا الحكم العام، ولكنها ذات صفة قضائية وأمنية في نفس الوقت، وهذه لا تتعلق بالحريات الفردية والخصوصيات الشخصية وإنما هي ذات صفة تعدّي واعتداء على الآخر.وقد تنطبق على جرائم يمكن أن تقع في الخفاء وتؤذي الناس في الظلام ولا بينة عليها .فقد يشتكي المدعي ويتألم ويتضرر ماديا ونفسيا ومعنويا ولكن لا يجد ما يبرر به قانونيا دعواه ضد شخص أو جماعة متواطئة ضده بشكل ما.و هذا الاعتداء قد يكون إما بالكلام والوقيعة والابتزاز والاستفزاز والإرهاب النفسي وما إلى ذلك، وهذا من أقبح الجرائم التي قد تسبب أمراضا ونكسات صحية وعواقب اجتماعية وخيمة !.

ومن أقبح وأقذر هذه الإذايات يتصدرها موضوع السحر والسحرة، وما قد يوظف فيه من شعبذات وتضليل واستدراج وابتزازا وتخويف ...وهذا قد أصبح مما تعم به البلوى ويوظف حتى في المجالات السياسية والعمل على إحداث تأثير في وعي وقرار هذا المسؤول أو ذاك، إما بواسطة التوظيف الروحاني وتسليط الشياطين والجان ضدا على الآخر، أو بفعل التسميم واستعمال الوصفات الكميائية القذرة عن طريق الدس في الأكل والشرب وما إلى ذلك.

وسواء سلم البعض بالجانب الروحاني أم لم يسلم به حسب معتقده فإنه بمجرد اللجوء إلى هذه الوسائل بنية إذاية الآخر قد يعتبر جريمة في حد ذاتها.وهنا يطرح موضوع المراقبة الأمنية وتتبع النازلة بالموازاة مع قرار القضاء حينما تصله شكوى من هذا النوع.فهل يطلب الدليل، وهذا مستحيل، أم ينتقل إلى التجسس والتحري وتعقب المتهم؟.

في رأينا المتواضع أن الحل لهذه المعضلة الأخلاقية والقانونية والأمنية معا هو العمل على تعقب الظنين بالوسائل المعهودة في التجسس والاستخبار العام.إما بالمباشر أو المتحايل أو الاستدراج أو تسجيل المكالمات والمراسلات حتى يقع المجرم في الفخ ويقدم للعدالة.فيحاكم الساحر والمستسحر معا !!!.ولا ينبغي إهمال شكوى المدعي جملة وبزعم عدم استيفاء البينة.وهذه قيمة مضافة قد توشح بها صدور رجال الأمن إن هم التزموا بها وأخذوها في الاعتبار حماية للمواطن والوطن والفرد والمجتمع.كما بإمكان المخبر أن يتقمص دور المستسحر أو الساحر حتى يوقع بمثل هذه الجراثيم الاجتماعية ويطهر البلد من رجسهم.وبهذه العملية سيكون المجتمع قد ضرب عصفورين بحجر واحد وهما:الأول ضبط الساحر المؤذي وذي النوايا الخبيثة، الثاني :استبعاد والحد من انتشار ما يزعم بالرقاة الشرعيين، الذين بدورهم قد يتحولون إلى سحرة ولكن بقناع ومزاعم العمل الشرعي وما إلى ذلك مما قد يصطلحون عليه.

وهذا الإجراء قد سبق ووظف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يتعقب السحرة بالمدينة، إذ يروى أنه قد أقام حد الساحر على ثلاثة منهم، فكانت هيبته خير مطهر للمجتمع وصائن لحرماته وأمنه واستقراره.

تلكم هي وقفة سريعة مع موضوع شائك ودقيق قد تنخرط في همومه جل الشرائح والمؤسسات السياسية والاجتماعية والفكرية والقانونية نتمنى لو وجدت آذانا صاغية.والله من وراء القصد.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية  الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5211 المصادف: 2020-12-11 02:11:28