 دراسات وبحوث

المناعة الثقافية وتأصيل فكرة الحداثة الثقافية العربية (2)

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (8)

لقد كان تأصيل التمدن في العالم العربي بالنسبة للطهطاوي والتونسي يعني تحصين الرؤية الثقافية. فقد صاغ كلاهما التقاليد الثقافية الإسلامية بهيئة كيان معنوي دعاه الطاوي بالأصل المعنوي ودعاه التونسي بالتقاليد الحضارية. من هنا وقوفهما ضد التقليد الأعمى للغرب. لأنهما وجدا في ذلك نزعا للذات من جلدها وتخريبا لاقتصادها وروحها المعنوي. فعندما يتناول الطهطاوي سرّ التقدم في أوربا وتمدنها المعاصر، فانه وجده في نظامها السياسي والاجتماعي، باعتباره نظام المجتمع المدني الحر، المتمتع بكسبه، مجتمع الدولة القوية الموحدة بالقانون. وأكد في نفس الوقت على أن التربية الإسلامية وضعت هذه الأسس قبل أوربا بقرون وبصورة أفضل مما فيها. وذلك لأن الإسلام لم يضع في شريعته أولوية مبدأ المساواة بين الجميع في الشريعة فحسب، بل وجسده من خلال العدل والأنصاف. ونفس الشيء يمكن قوله عن التونسي، الذي وجد سرّ تقدم أوربا في تنظيمها السياسي المبني على مبادئ العدل والحرية، التي هي أصول في الشريعة الإسلامية كم يقول التونسي. بل ذهب إلى ابعد من ذلك عندما أكد على أن تمدن أوربا المعاصر هو استمرار لما أبدعه التاريخ الإسلامي. فقد توصل بعد استعراضه جملة من شواهد ومعالم تطور المدنية الإسلامية وازدهارها ابتداء من خلافة الراشدين وذروتها في عصر المأمون وأمثاله، إلى أن نمو العمران وسعة الثروة والقوة الحربية في الأمة الإسلامية ناشئ عن العدل واجتماع الكلمة وأخوّة الممالك واتحادها في السياسة واعتنائها بالعلوم والصناعات ونحوها من المآثر العرفانية التي نسج الأوربيون على منواله في تقدمهم المعاصر. لذا نرى الطهطاوي في (تلخيص الإبريز) يستحسن في تجارب الفرنسيين (الأوربيين) ما لا يخالف نص الشريعة المحمدية. وهي ذات الفكرة التي بلورها التونسي عن أن للعرب اثر هائل في التاريخ الثقافي العالمي، مما يجعل منه أساسا معنويا لا غنى عنه للمعاصرة أيضا باعتبارها أساسا علميا وروحيا. وطبّق كل من الطهطاوي والتونسي هذه الموقف العام على مختلف القضايا السياسية والاجتماعية المتعلقة بالتمدن مثل مسألة الحرية والديمقراطية والرقابة وما شابه ذلك. فالطهطاوي يشدد على أن الحرية هي اصل في الإصلاح إلى جانب العدل والإنصاف. وتشكل تجربة الخلافة الراشدية دليلا قاطعا على ذلك كما هو جلي على سبيل المثال في ممارسة عمر بن الخطاب، التي وضعها في عبارته المشهورة:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!"، واعتبر خير الدين التونسي الشورى رديفا للديمقراطية المعاصرة، وجعل من وجوبها أصلا وحكمة، أي أن تكون سنّة واجبة على الحكام. ونفس الشيء يمكن قوله عن الرقابة والمعاقبة (من جانب الصحافة والقانون العصريين) ورديفها الإسلامي في الاحتساب (الحسبة).

إن لهذه المواقف العامة جذورا ثقافية في عالم الإسلام حاول الطهطاوي والتونسي استنهاضها وتحويلها إلى مبادئ مماثلة لما في إبداع الثقافة الأوربية المعاصرة من قيم سارية في أساس تقدمها وتمدنها. لذا نرى الطهطاوي يستند في مواقفه من التمدن إلى الكتب العربية ومؤلفات الأوربيين (الفرنسيين) ويعززها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأمثال الحكماء وآداب البلغاء وكلام الشعراء. وطبق هذا الأسلوب على مواقفه تجاه مختلف المسائل مثل التربية والتعليم والعلم والوطنية والتمدن والحرية والشورى والدين الدنيا والسياسة والدولة. ونلمح في مواقفه المتنوعة على تأثير التقاليد الأشعرية. وهي تقاليد العقلانية المعتدلة. ولا يغير من ذلك شيئا اقترابه في استعراضه الأفكار والقيم من تقاليد الحواشي. فقد مّثل هذا الأسلوب حينذاك المستوى التاريخي لتوليف "الكتب العربية والفرنساوية وما يفصح به البال"، أي الاجتهاد الشخصي. ونعثر على نفس الاتجاه عند  التونسي. إذ نراه يقر بضرورة الأخذ بالمندوب والواجب والمباح من الآخرين أيا كانوا مستندا بذلك إلى آراء أبي عبد الله المواق (ت – 897 هجرية) ومحمد بن عابدين (ت – 1252 هجرية) اللذين تابعا رأي الغزالي القائل بأن التشابه مع أي كان لا يضر إذا كان فيه صلاح للناس، لأن الصلاح بحد ذاته ضرورة من وجهة نظر العقل والحاجة، وكذلك لضرورته للعمران نفسه. إذ لا عمران حق إلا باعتماده على مبدأ العدل، باعتباره المبدأ الشامل للحرية والمساواة. وهي فكرة عثر عليها التونسي عند الغزالي وابن خلدون. فقد اعتبر الغزالي عمران البلاد وأمن العباد كلا  لا يتجزأ. واعتبر ابن خلدون أن الظلم يؤدي إلى خراب العمران. لذا فان نظام الدولة الأسمى هو النظام الذي يستند إلى القانون. وأن ضرورة القانون (السائد في أوربا) سبق وأن أسس له الفكر الإسلامي كما هو الحال عند ابن خلدون القائل بضرورة القوانين للدولة عقلية سياسية كانت أم سماوية. ونعثر على هذه الفكرة أيضا عند بيرم الخامس (1716-1806) في (رسالة في السياسة الشرعية) التي اقر فيها بأن السياسة الشرعية هي ما يكون معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد سواء كان ذلك في الوحي أو السنّة أو لم يكن، كما يقول التونسي، أي أن كل ما هو صالح ويؤدي إلى الصلاح فهو شرعي بحد ذاته. وأن سيادة القانون تجعل من فكرة الديمقراطية والرقابة الشعبية أمرا طبيعيا. واعتقد بأن لهذه الفكرة جذورها الخاصة في التقاليد الإسلامية السياسية والوعي النظري مثل رأي الغزالي القائل بضرورة استماع الحاكم لردود الناس وضرورة تغيير المنكر، وكذلك رأي أبي بكر ابن العربي القائل بأن "المشورة أصل في الدين وسنّة الله في العالمين. وهي حق على عامة الخليقة من الرسول إلى أقلّ الخلق". وينطبق هذا أيضا على فصل السلطات. فالمسلمون هم أول من فصل السلطات، كما هو الحال عند الماوردي القائل بإمكانية وضرورة "وزارة التفويض"، أي تلك التي تأخذ على عاتقها مهمة إدارة الدولة برأيها واجتهادها المستقل عن الخليفة (الملك). في حين رفض سعد الدين التفتازاني في (شرح العقائد النسفية) تعدد الأئمة (السلاطين) في حالة احترابهم وتعارضهم. ولكنه سح بها وبالشورى في حالة كونها "صوتا واحدا".

إن إحياء الجذور الثقافية يعبر عن إدراك لفاعلية الاستمرار الثقافي بالنسبة لتأسيس وترسيخ العناصر الضرورية للتقدم والتمدن المعاصرين. وهو إحياء يقابل معنى المقدمة الضرورية للرؤية المنظومية، التي حصلت عند الطهطاوي على مظهر "العقيدة". وليس مصادفة أن يتناول الطهطاوي "عقيدة الإسلام" التي ضمنها كتابه (المرشد الأمين) قضايا الذات والصفات والأفعال الإلهية، والعلم والشرع والعقل، والكتاب والسنّة، والعلماء والآداب والتأديب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقانون، ورياضة الجسد والروح، والكتابة، والقول، والضحك، وآداب الأكل والجلوس، والعلاقة بالناس وغيرها من المسائل. حيث نراه يربط مسائل جديدة مثل الصداقة والمحبة والعشق والصحة والنظافة بالحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والسلوكية والعقائدية، ويؤسس لها في نفس الوقت استنادا إلى القرآن والسنّة وسلوك النبي والصحابة وتاريخ الأمة الإسلامية في علمائها وحكامها، إضافة إلى حكمة (تجارب) الأمم الأخرى. ومن هذا الخليط حاول أن يرسي الأسس النظرية والعملية "للتمدن الإسلامي"، الذي استمده من اعتقاده بجوهرية الشرع (القانون) في الإسلام وأساسه في فكرة التحليل والتحريم. فهي الفكرة التي تقضي على "إتباع الهوى"، وتجعل من أحكام الشرع الصريحة واجتهاد الأمة ومصالح الرعايا التي لا تتعارض مع الشرع والاجتهاد مقدمات تمدنها الخاص. انطلاقا من أن كل ما يمنعه الشرع صراحة أو ضمنا فغير مباح ولا يعدد تمدنا، كما يقول الطهطاوي. ومن ثم فأن التمدن الإسلامي يستند إلى تقاليده الشرعية (القانونية) الخاصة باعتبارها أساس التمدن الحقيقي. فالتمدن الحقيقي ليس تطوير وتحسين المباحات، كما يقول الطهطاوي. فتطوير الوطن على سبيل المثال، هو عبارة عن تحصيل ما يلزم لأصل العمران من الأدوات اللازمة لتحسين أحوالهم حسا ومعنى مثل تحسين الأخلاق وكمال التربية واستجماع الكمالات المدنية والترقي في الرفاهية.

وتلتقي أفكار الطهطاوي هذه مع ما وضعه خير الدين التونسي في تحصينه الثقافي لأركان التمدن الإسلامي من خلال وحدة الدين والدنيا باعتباره "القانون" العقلي والروحي للحضارة الإسلامية. فهو يشير إلى أن سبب انحطاط أوربا فيما مضى كان مرتبطا بعدم تقيّدها بقانون عقلي، لأن النصرانية لا شريعة فيها. وعلى عكس ذلك في عالم الإسلام، الذي ارتبط تقدمه بتقييد الولاة بقوانين الشريعة المتعلقة بأمور الدين والدنيا. في حين أدى الابتعاد عنها إلى انحطاطه وهلاكه.

ذلك يعني، أن الطهطاوي والتونسي انطلقا من جوهرية الوحدة الدائمة بين الدين والدنيا في الإسلام، باعتبارها أصلا جوهريا يؤدي إلى إخراج الإنسان عن داعية هواه والى حماية حقوق الناس جميعا وكذلك إلى اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال وتقديم درء الفاسد على جلب المنافع، وأخيرا ارتكاب أخف الضررين اللازم أحدهما للآخر. ووضع كلاهما هذه الآراء في عبارة "مدنية الإسلام"، التي أعطى لها الطهطاوي أبعادا تامة، بحيث طابق بينها وبين الأصالة، التي تستمد بدورها مقوماتها من كيفية حل الإسلام لإشكالية الدين والدنيا، باعتبارها أصل التمدن الحقيقي. ودليل ذلك هو الحضارة الإسلامية، وبالأخص إبداعها الفقهي. إذ يكشف علم أصول الفقه وفروعه عن عظمة الضوابط والقواعد العقلية والأخلاقية الضامنة لتقدم المدنية. بل أن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت إليها الأمم المتمدنة المعاصرة (الأوربية) سبق وأن توصل إليها الفقه الإسلامي. غير أن مدنية الإسلام تتميز بأصالة تجعلها تختلف شديد الاختلاف عن مثيلتها الأوربية، وذلك لأن مدنية الإسلام مبنية على أصول الفقه، في حين تنبني مدنية أوربا على الحقوق الطبيعية. ومن أصول الفقه تنبع فروعه في مدنية الإسلام، بينما تنبع من الحقوق الطبيعية في مدنية أوربا الأحكام المدنية. والمبادئ الأساسية في مدنية الإسلام هما العدل والإحسان، في حين تشكل الحرية والمساواة المبادئ الأساسية لمدنية الغرب. وأخيرا يقابل الدين في مدنية الإسلام حب الوطن في مدنية الغرب.

إن تميز التمدن الإسلامي عن الغربي الأوربي عند الطهطاوي والتونسي لم يكن تعبيرا عن النظرة النقدية لتجارب الآخرين فحسب، بل ونتاجا عقلانيا لوعي الذات الثقافي. فقد احتوى التمدن الإسلامي في أعماقه على صيغة أولية للمناعة الفكرية في تأمل المشاريع البديلة للتمدن. وفرضت هذه المناعة حدودا على الفكر في تأمل الماضي والحاضر والمستقبل، وأجبرته على الاتساق مع ذاته الثقافية، التي شّكل التراث الإسلامي رصيدها الجوهري. لهذا كانت تأملات هذا التيار مرهونة بقيم الإسلام ومرجعياته الثقافية المتنوعة. فعندما تناول الطهطاوي والتونسي مسألة النظام السياسي، فإنهما تطرقا إليها من وجهة نظر الماضي (التاريخ) والواقع (الحاضر) والواجب (المثال والمستقبل). ونظرا إليها من خلال موشور المبادئ المرجعية الكبرى للثقافة الإسلامية مثل وحدة الدين والدنيا، والشرع (القانون) والعدل.

فقد اعتبر الطهطاوي ومن بعده التونسي أن وحدة الدين والدنيا هي المقدمة الضرورية لبناء المدنية الإسلامية. وفي مجال النظام السياسي انطلق الطهطاوي من المقدمة العامة القائلة بغياب التعارض والتناقض بين الدين والدنيا. إذ ليس الدين بنظره سوى "عدم معاداة الملة والجماعة". والدين هو "وضع إلهي لذوي العقول لما فيه الخير بالذات". وبالتالي لا تعارض ولا خلاف بين العقل والشرع (الدين). فأسباب وجود الحكمة الحية والعقل خادم في رؤيتها واكتشافها. وأحكام الشرع تستجيب لقوانين الطبيعة لأنها فطرية، ملازمة للإنسان وجوده. بل أن القوانين الوضعية الخالصة هي بتأييد من الله (الحق). لذا لا تعارض بين الدين والدنيا، على العكس! أن وحدتهما هي أساس ومصدر الرقي الحقيقي، انطلاقا من أن أدب الشريعة ما أدى الفرض وأدب السياسة ما عمرّ الأرض، كما يقول الطهطاوي. وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان (الدولة والحكم).

وعمّق التونسي هذه الأفكار بسبب اهتمامه الرئيس بالبحث عن بديل سياسي أفضل للتمدن الإسلامي. واستند في أحكامه إلى الدراسة النقدية وتحليله لتجارب التمدن الأوربي ونظمه السياسية. ووضع حصيلة آراءه بصورة تربط وحدة الشريعة الإسلامية بمهمات النهضة المعاصرة في تونس (والعالم العربي). وبنى هذه الوحدة على أساس دراسة "فلسفة الحق" الإسلامية، التي أوصلته إلى أن "التنظيم الدنيوي أساس متين لاستقامة نظام الدين". وهي أولوية لها معناها العملي الخاص في استنهاض حقيقة الشرع الإسلامي وإدراجه في صلب البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة العصرية (العربية). لذا اعتبر وحدة الدين والدنيا في بناء الدولة فضيلة، منطلقا بذلك من أن الإسلام هو شرع (دين) ودنيا ولا تعارض بينهما، والوازع الديني يمدّ الوازع الدنيوي بعناصر الوجدان والأخلاق. وجعل من هذه الفكرة مقدمة حكمه القائل، بأن تأسيس الإصلاح على أساس وحدة الدين والدنيا هو ضمانة نجاحه. إذ ليست السياسة الشرعية الحقة سوى تلك التي تتمثل عناصر الصلاح والعدل. واعتبر لهذا السبب "من أهم الواجبات على أمراء الإسلام ووزرائهم وعلماء الشريعة الاتحاد في ترتيب منظمات مؤسسة على دعائم العدل والمشورة، عاملة على تهذيب الرعايا وزرع حب الوطن والمصالح العامة". لقد طالب باتحاد طوعي مبني على القانون بين رجال السياسة وعلماء الدين (المجتهدين). واعتبر مخالطة علماء الدين لرجال السياسة للتعاضد من أجل الخير العام للأمة من أهم الواجبات شرعا". وطالب علماء الدين بضرورة الإطلاع على الحوادث. وذلك لأن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فعالم الدين ملزم بمعرفة مصادر التشريع وكذلك العالم المعاصر له وأحداثه لكي لا ينعزل عن الحياة، ولكن لا يترك الفرصة لاستبداد السياسي. إذ من المعيب على عالم الدين الدراية الدقيقة بالنصوص الظاهرة فقط والأقوال الموافقة لهوى السلطان، وذلك لأن مهمته الأساسية تقوم في القول والعمل بما يوافق المصالح المنزلة بمنزلة الحاجة والضرورة للمجتمع. كل ذلك يضع أمام علماء الشريعة مهمة صياغة "تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة"، أي نظام إصلاحي يستند إلى حقيقة الشريعة الإسلامية. من هنا رده على من اعتقد أن الشريعة (الإسلامية) منافية للإصلاح، لأنها غير قابلة للتمدن، وأن على من قال بأن الإصلاحات تؤدي إلى إضاعة الحدود بسبب ما يستدعيه من مزيد الضرائب على الدولة. فقد اعتبر هذه الآراء "شبهات" رد عليها قائلا، بأن الماضي والحاضر يدلان على أن الشريعة تقتضي النظام والإصلاح، وأن الشعوب الأخرى المتمدنة حاليا كانت اقل تطورا منا. إضافة لذلك أن مقارنة عوام المسلمين بغيرهم تظهر رجحان عقول المسلمين وعمق آدابهم وأخلاقهم بأثر تربية الشريعة وتهذيبها وتقاليد الأسلاف لهم. وفي حالة إذكاء حرية المسلمين بالإصلاحات، فأنهم سيكونون أكثر فعالية في التدخل في أمور أساسية وبالتالي في تعميق الإصلاح والنظام، وبالأخص إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة، بأن الحرية والهمة الإنسانية هي منشأ كل صنع غريب، لاسيما وأنهما "غريزتان" في أهل الإسلام، مستمدتان مما تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب، على عكس من لا يمتلك هذه الغريزة إلا بإجراء التنظيمات في بلدانهم، كما يقول التونسي. ذلك يعني أن الشريعة الإسلامية قابلة للعمران بحد ذاتها على عكس الشبهة الرافضة لهذه الفاعلية. أما "الشبهة" القائلة، بان الإصلاح والتمدن المعاصر يؤديان إلى إضاعة الحدود، فأن الجوهري في الإصلاح هو ليس "النوازل الشخصية"، بل "ضبط كليات السياسة، القابض لأيدي الولاة عن الجور"، لأن ضبط أصول السياسة هو أساس خير الدولة. ذلك يعني أن الجوهري في الإصلاح هو بناء نظام سياسي قانوني يحدد المبادئ الكبرى للحكم وصلاحيات الحكام مع ما يترتب على ذلك من إلغاء للتسلط والجور والاستبداد. وهي مبادئ تؤدي في حال ضبطها إلى تطور وتقدم التمدن في الدولة. أما "الشبهة" القائلة، بأن الإصلاح والتمدن يؤديان إلى ازدياد الضرائب على الناس، فأن الواقع يبرهن على عكسها. إذ لا شيء يقتضي كثرة الضرائب كالاستبداد، كما يقول التونسي. وذلك بسبب الصرفيات التي لا تحصى على أمور غير مقيدة بقانون.

ولا تعني سيادة القانون سوى تحقيق العدل، باعتباره وسيلة بلوغ السعادة الإنسانية وشرط التمدن الحقيقي. إذ لا يعقل العدل دون القانون. فهو "القابض لأيدي الجور" كما يقول التونسي. وهو أساس الحرية التي تحدد اتجاه ووتائر التمدن انطلاقا من أن الحرية هي الغاية من سيادة القانون. لذا اعتبر الطهطاوي سرّ تقدم أوربا وقوتها وتمدنها في القضاء على الاستبداد وفي انتشار الحرية. أما التونسي فقد ربط تطور أوربا في ميادين التربية والتعليم والعلوم والاكتشافات والرقي الاجتماعي والحضاري بمستوى الحرية والدستور. وأكد على أن ضعف الحرية يؤدي إلى انعدام الراحة والغنى ويستولي على البلد الفقر والغلاء وضعف الإدراك والهمّة. فالحرية تجّمع الناس وتشركهم في إنجاز الأعمال الكبيرة. وتجارب أوربا الدستورية في نظمها الملكية والجمهورية، الرئاسية منها والوزارية تهدف إلى إضعاف وإزالة الاستبداد. لهذا عارض التونسي أيضا فكرة المستبد المستنير، انطلاقا من أن الاستبداد بحد ذاته شر مطلق، لأنه يصنع على مثاله مستبدين صغارا كل على قدر مأموريته. بحيث وجد في الحرية شرط إزالة الاستبداد ومرآة تجلي سيادة القانون. وأعطى لها أبعادا فردية واجتماعية وفكرية مؤكدا على ضرورة فهم الحرية باعتبارها حرية شخصية (تتناول حفظ المال والعرض والدم أمام القانون) وحرية سياسية (حق تدخل الجمهور في شئون السياسة العامة من اجل تلافي الفوضى عبر انتخاب مجلس نواب) وحرية التعبير عن الرأي (حرية الكلمة). أما حاصل هذه الحرية فيؤدي إلى العدل، وذلك بسبب اشتراك الجميع في الفعل الاجتماعي المثمر. وذلك لأن الحرية المقيدة بالقانون تؤدي إلى إثمار الفلاحة، والتجارة، والأعمال البدنية، والفكرية. وهي الأصول الأربعة الأساسية للسعادة كما يقول التونسي.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5216 المصادف: 2020-12-16 03:41:15


Share on Myspace