 دراسات وبحوث

جرجي زيدان ولغة التاريخ والوجدان(5)

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث(16)

فلسفة النهضة الثقافية والقومية

لقد وجد جرجي زيدان في البوادر الأولية أو الأجنة الصغيرة للنهضة العربية مقدمات التراكم الخفي التي ستعطي ثمرتها لاحقا. ولم يكن ذلك معزولا عن اعتقاده بقيمة الطفرة في التطور التاريخي بوصفه تراكما كميا وتبدلا نوعيا يعادل من حيث مضمونه فكرة النهضة. فالنهضة بالنسبة لجرجي زيدان هي طفرة كمية ونوعية. لهذا نراه يقول، بأننا حالما نتدبر تاريخ مختلف ظواهر الأمة كالأدب أو اللغة أو الشرائع باعتبار ما هو بها من الأصول في أثناء نموها وارتقائها وتفرعها، نراها تسير في نموها سيرا خفيا لا يشعر به المرء إلا بعد انقضاء الزمن الطويل. بحيث يتخلل ذلك السير البطيء وثبات قوية تأتي دفعة واحدة، فتغير الشئون تغيرا ظاهرا. وهو المسمى بالنهضة. إلا أن هذا التحول عادة ما يجري بفعل واثر الاحتكاك والتأثير الحضاري المتبادل.

لم تكن هذه الفكرة معزولة عن التأمل النظري للتاريخ وتطور "التمدن الإنساني"، كما أنها وثيقة الارتباط بالحالة التاريخية الواقعية التي لازمت ظهور "النهضة" العربية. وبهذا سعى جرجي زيدان إلى وضع أسس فكرية تاريخية مجردة عن سنّة التأثر المتبادل للحضارات والثقافات، ومن ثم إمكانية الأخذ من الثقافة الأوربية بوصفها حالة صحية وطبيعية، وفي نفس الوقت وضع هذه الفكرة والموقف على محك الرؤية النقدية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "سبب النهضات على الغالب احتكاك الأفكار بالاختلاط بين الأمم على أثر مهاجرة اقتضتها الطبيعة من قحط أو خوف، أو يكون سبب الاختلاط ظهور نبي أو مشرّع أو فيلسوف كبير أو نبوغ قائد طموح يحمل الناس على الفتح والغزو أو أمثال ذلك من أسباب الاختلاط". ذلك يعني انه جعل من التأثر بالغرب الأوربي سنّة طبيعية تفعل فعلها في تاريخ التمدن الإنساني ككل، تماما كما فعل الغرب الأوربي سابقا مع حصيلة الثقافة العربية الإسلامية. وأشار في كتابه (رحلة إلى أوربا) إلى أن ما يتوخاه هنا هو "النظر على الخصوص فيما يهم قراء العربية من أحوال تلك المدنية التي أخذنا في تقليدها منذ قرن كامل، ونحن نتخبط في اختيار ما يلاءم أحوالنا منها... ونبين ما يحسن أو يقبح من عوامل تلك المدنية بالنظر إلى طبائعنا وعاداتنا وأخلاقنا"[1].

فمن الناحية الظاهرية والمجردة لم تختلف كتابته عن الرحلة عما هو مميز لأغلب كتب الرحلة على امتداد التاريخ. إلا أنها اتخذت عنده (وعند رعيل عصر النهضة) بعدا ثقافيا غالبا، كما هو جلي في الغاية والوسائل وكيفية تسجيل الانطباعات الشخصية.

ففي مجرى حديثه عن فرنسا نراه يتحدث عن اختلاف المدارس وتنوعها وتعددها وكثرتها. حيث تنفق فرنسا 20 مرة على التعليم أكثر مما في مصر[2]. وكذلك عن تقاليد النقد فيها، بمعنى نقد العادات والتقاليد والأخلاق والآداب. وإذا كان الفرنسي يهتم بالمظاهر، فإن ذلك لا يتعارض مع كونه عامل نشيط يدأب على العمل ولاسيما أهل الزراعة. كما أن الفرنسي ذكي الفؤاد، سريع الخاطر، حاضر الذهن، فصيح، خفيف الروح، فيه ميل إلى الفنون الجميلة. بل أن للفرنسيين ذوق في الجمال لا تضارعهم فيه أمة. ومع ذلك فهو مقتصد (بالأخص الفلاحين) وبسيط في لباسه وأخلاقه[3].

أما القيم الجوهرية المميزة للفرنسيين فقد وجدها في كونهم من أكثر الأمم شعورا بالواجب، وكذلك معرفتهم بقيمة الوقت، وعدم التدخل بشئون الآخرين، وتعظيم عظماءهم (بالتماثيل وما شابه ذلك). ويستكمل كل هذه الفضائل نزوعهم إلى الحرية بمختلف أوجهها، بما في ذلك مطاردة بعض الجماعات الدينية، والحث على الشك بالأديان[4].

أما بالنسبة للمرأة الفرنسية فإن حالها كان في أوربا شأن حالها عندنا. لكن الأمر تغير بعد بزوغ فجر التمدن وتطور العلوم والمعارف. وتحرر المرأة (الفرنسية) أدى إلى نتائج عظيمة. لكنها لا تخلو من رذائل عديدة هي نتاج ما يدعوه زيدان بالحرية المتطرفة من دعارة وسكر وإباحة (نسبية)[5].

والشيء نفسه يمكن قوله عن تجربته "البريطانية". إذ نراه يبرز الطابع العريق لانكلترا في ميدان وضع الدستور معتبرا إياها أم الحكومات الدستورية[6]. وأنها أعظم وأقوى أمم العالم بسبب كثرة اهتمامها بالعمل والمعرفة والتربية. من هنا اختلافهم عن الفرنسيين في ميدان الرؤية السياسية والاجتماعية. فالانجليز عندهم الحرية والإخاء وليس عندهم المساواة[7]. أما دور الحكومة فيقوم في تنظيم كل شيء.

كما حاول إبراز أخلاق الانجليز من خلال التركيز على قيم الثبات والتعويل على الحقيقة، والتكبر والأنانية، والمنفعة وأولويتها في المواقف والأخلاق، والصراحة في الأقوال والأفعال، والاعتناء بالتربية البدنية والعقلية، والصدق والوفاء، والعمل حسب ما يقرر العقلاء عندهم، والمحافظة على التقاليد[8]. إضافة لذلك أنهم يختلفون عن الفرنسيين في موقفهم من التدين والنظام كما هو جلي في كتبهم المدرسية أيضا التي تعلم التلاميذ مختلف الفضائل.

أما المرأة الانجليزية، فإنها أميل إلى الحقائق في آدابها وعاداتها وأزيائها. لكن ذلك لم يمنع تطرف بعضهن "من المتهوسات"(!) حتى طلبن حق التصويت في مجلس النواب". مما جعل جرجي زيدان يعتقد بأن هذا النمط من النساء اللواتي يطالبن بحقوق الرجال، هن من غير المتزوجات(!)[9].

إن هذه الصورة المثالية والواقعية أيضا للشخصية الفرنسية والانجليزية كانت تسير ضمن سياق الفكرة العامة لجرجي زيدان عن النهضة، باعتبارها ممكنة في الأغلب بأثر الاختلاط. ومن ثم أراد من خلال اختلاطه المباشر تقديم الصورة التي يفتقدها العالم العربي آنذاك. وبالتالي لم تكن هذه الصورة المثالية والواقعية سوى الوجه الآخر لنقد الواقع العربي. مع أن آراء زيدان ظلت هنا تتسم بقدر كبير من الواقعية والمزاج النقدي أيضا.

فعندما يقارن بين حالة مصر وفرنسا، وتأثر الأولى بالثانية، بوصفه نموذجا للاختلاط، ومن ثم للنهضة المحتملة، نراه يشدد على أن تأثر مصر بفرنسا أغلبه في المظاهر[10]. فالحكومة والأغنياء لا يعملون كما يعملون في فرنسا[11]. والفلاح المصري ليس كالفلاح الفرنسي. بل نراه يجد السبيل لتغيير الفلاح المصري وإصلاحه عبر تعليم المرأة وتثقيفها[12].

لكننا نراه في الوقت نفسه يقف بالضد من التجربة الفرنسية فيما يتعلق بالموقف من التراث والدين. بل نراه يجد في النموذج الفرنسي بهذا الصدد خطورة بالنسبة لمصر، انطلاقا من اعتقاده بأن الدين وازع أخلاقي. والشك بالدين هو إفساد للأخلاق[13]. وبالمقابل نراه يقلل من اتهام التجربة الفرنسية في ميدان الحرية من خلال إرجاعها إلى أشياء عرضية مثل شرب الخمر. فقد وجد زيدان في شيوع الحشيش في مصر فعلا مقابلا له[14].

لقد بدلت الحرية وصنعت الإنسان وتقاليده. بل حتى العامة، أخذت بالتبدل في فرنسا. بحيث تحولوا من رعاع إلى مواطنين. أنهم أرقى تربية وأوسع تعلما. ولا توجد أمية بينهم. ووجد زيدان سبب ذلك في الحرية. غير أن للحرية مثالبها أيضا فيما يخص تنشيط العامة في ميدان الحياة السياسية. فالعامي يبقى قصير المعرفة. من هنا إمكانية اندفاعه وراء هذا الحزب أو ذاك. وبالتالي، فالعامة تبقى، مهما كان مستوى تطورها، ألعوبة بيد الخاصة[15].

وطبّق جرجي زيدان موقفه النقدي من تمثل التجربة الفرنسية والبريطانية من خلال رؤية واقعية وسياسية وثقافية وأخلاقية. فقد أشار بالعموم إلى أن التقليد المصري كان في اغلبه لفرنسا وليس لانجلترا. بمعنى انه تقليد لم يأخذ دوما ما هو جيد ويتجنب القبيح. لهذا نراه على سبيل المثال ينصح من يرغب بإرسال أبناءه للدراسة في فرنسا، ضرورة إرسالهم إلى مدن أخرى غير باريس!![16]. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم الباعث القائم وراء موقفه من الحرية الشخصية للمرأة. إذ تبدو آراءه ومواقفه هنا متخلفة مقارنة حتى بالطهطاوي ومحمد عبده. إذ نراه يربط، على سبيل المثال بين ما يدعوه "بالعلة الأصلية في شيوع التهتك بباريس، إنما هو إطلاق سراح الفتاة ومساواتها للرجل، وتكليفها الارتزاق مثله، وإباحة الحكومة للفحشاء رسميا. إضافة إلى الفتور الديني الشائع في فرنسا حتى أصبح شبانها يعدون الدعارة ضربا من التجارة"[17]. لكننا بالمقابل نعثر عنده على استكمال للفكرة تقول، بأن "الجهل والحجاب يضران بالمرأة، ويؤخران الهيئة الاجتماعية عن أسباب المدنية، لكن الحرية الزائدة مع العلم أو بدونه، تفسد المجتمع الإنساني وتضر بالعائلة"[18]. وذلك لأن المرأة، حسب قناعة جرجي زيدان، "خلقت لتدبر العائلة وتربي الأولاد. وتعليمها ضروري للقيام بمهمتها الطبيعية في الشئون العائلية. وأما تكليفها بأعمال الرجال فأنه خارج عما خلقت له"[19]. بعبارة أخرى، إن أفكار وآراء ومواقف جرجي زيدان بصدد القضايا الاجتماعية والأخلاقية والتقاليد كانت جزء من رؤية نقدية أكثر مما هي معارضة خفية أو علنية. وبالتالي، فأن القيمة التاريخية والفكرية والثقافية لآرائه المحافظة هنا تقوم في اعتدالها وواقعيتها ورفضها للتقليد. لكنها ليست سليمة من حيث رؤيتها تجاه مسار التطور التاريخي.

إلا أن الحصيلة العامة النقدية والمستقبلية لموقفه من تجارب الأوربيين (الفرنسيين والبريطانيين بشكل خاص) تبقى سليمة. فقد اعتقد أن الأشياء التي يمكن أخذها والاستفادة منها هي كل من: معرفة الواجب، والمحافظة على الوقت وصدق المواعيد، وتهذيب أخلاق العامة بالتربية الصحيحة، وتعليم المرأة وتثقيفها، وترقية التعليم والتوسع في الآداب، والعمل والجد.

أما ما يجب تجنبه فهو كل من الإفراط في الحرية واستخدامها في غير موضعها، وما يخالف الحشمة الشرقية، والأخذ بما يوافقنا في مجال التربية والتعليم الملائم لعاداتنا، والفتور في الدين والمجاهرة في الكفر هو احد أسباب الخراب[20].

وإذا كانت هذه الحصيلة تمثل طبيعة ومستوى الموقف النقدي المباشر من تمثل التجربة الأوربية على بعض أمثلتها النموذجية، فإن مستواها الفكري اتجه صوب تأسيس أو رسم المعالم العامة لكيفية وطبيعة التمّثل الثقافي لتجارب الأمم الأخرى. وانطلق في تأسيسه هذا من الفكرة العامة القائلة، بأن لكل "أمة آثارا معنوية تتناقلها الأمم عنها وتقلّدها فيها. فيكون لها أثر حي في تمدنها ونظام اجتماعها، أو علومها وآدابها فيذكرها لها التاريخ"[21]. وعندما طبّق ذلك على آثار الأمة الفرنسة وتأثيرها على العالم العربي، فأنه وجد في الحرية واستقلال الفكر، استخدام اللغة الفرنسية في المخاطبة بين الدول، الألفاظ السياسية والعلمية المنتشرة في اللغات الأوربية، من بين أكثر وأهم أثارها المعنوية[22]. من هنا اعتقاده، بما اسماه بفضل فرنسا على الشرق. ووجد ذلك في "الأثر المعنوي الكبير" الذي قام به نابليون بونابرت، كما لو أنه يستعيد مآثر الكسندر المقدوني. لكنه خلافا للأول لم يأت بالسلاح والعتاد فقط بل ونقل إليه بذور التمدن وأصول المعارف. إلا انه لم يوفق في رحلته. أما البذور فقد نبتت لاحقا، كما يقول جرجي زيدان[23]. إذ أن كل نجاحات وتجارب محمد علي باشا كانت تعتمد على النموذج الفرنسي. وبغض النظر عما في هذه الفكرة من استلاب معنوي وفكري وابتعاد كبير عن حقائق الأحداث ومجرياتها، إلا أنها تسير ضمن سياق الفكرة الأعمق التي أراد التأسيس لها، ألا وهي أن "الشرقيين إذا توفرت لهم الأسباب جاروا أرقى الأمم المتمدنة"[24].

وانطلق من هذه النتيجة لتأسيس مقدمة النهضة المحتملة في العالم العربي على أساس ما يمكن دعوته بالإدراك الذاتي لخصوصية الثقافة القومية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "لكل مدنية قواعد تبنى عليها دعائهما ولا تصلح إلا بها. فمدنية العرب أساسها مناقب العرب في صدر الإسلام، أهمها: الأريحية والنجدة والجوار والوفاء والحلم وسعة الصدر وكرم الخلق ونحوه مما لا يلاءم المدنية الحديثة.... فهذه المناقب بعيدة عن مقتضيات المدنية الحديثة التي أساسها مبادلة الحقوق والواجبات، لا حلم ولا عفو ولا أريحية ولا نجدة"[25]. وبالتالي، فأن النهضة العربية المقبلة ينبغي أن تنطلق من مقوماتها الذاتية مع الأخذ بنظر الاعتبار حصيلة التجارب الحديثة للأمم. لاسيما وأنها تفعل فعلها في العلاقة الواقعية بين الجميع، ومن ثم تحدد سلوكها الداخلي والخارجي. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، أبو ظبي- بيروت،ط1، 2002، ص21.

[2] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص30.

[3] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص37-39.

[4] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص39-42.

[5] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص45-47.

[6] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص85.

[7] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص94.

[8] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص101.

[9] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص103 – 104.

[10] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص31.

[11] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص29.

[12] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص39.

[13] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص42.

[14] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص43.

[15] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص43-45.

[16] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص48.

[17] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص49.

[18] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص50.

[19] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص50.

[20] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص51.

[21] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص51.

[22] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص52.

[23] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص52.

[24] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص84.

[25] جرجي زيدان: رحلة إلى أوربا، ص104.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5226 المصادف: 2020-12-26 00:25:45


Share on Myspace