 دراسات وبحوث

الأمراض النفسية والعقلية الناتجة من الإلحاد

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (5)

من المعروف الشائع في الطب النفسي أن الأمراض النفسية والعقلية التي تصيب الإنسان لا تنشأ من عامل محدد واحد بل تشترك عوامل كثيرة في ظهورها وإستمرارها.

ونحن هنا لا نبحثُ عن هذه العوامل إنما نركز إهتمامنا على سببٍ من أسبابها طالما أثبت حقيقة قدرته أو قدرتها على إحداث مثل هذه الأمراض ونعني به: الإلحاد بالله تعالى. ومن الأدلة الواضحة على أثر الإلحاد في أحداث المرض النفسي أو العقلي دليلُ قدرة المعالج النفسي على تحسين حالة المريض صعوداً إلى مرحلة إبرائه من مرضه بإستخدام العلاج الديني الذي يشمل تقوية إيمان المريض المؤمن بالله وعفوه ورحمته وتقوية معنويات المريض الملحد في العودة به إلى الإيمان.

ولقد دأبت مراكز الطب النفسي على إعتماد العلاج الديني جزءاً من العلاج العام فيها بعد أن لاحظ العاملون في هذه المراكز الأثر الموجب لهذا النوع من العلاج. سنختار نخبةً من الأمراض النفسية والعقلية وإعتلال الشخصية والإضطراب السلوكي، التي يتأثر ظهورها بجلاء عند الفرد الذي يعاني من خلل في إيمانه بالله.

1- العقل وأنواعه المَرضية السريرية: يظهر القلق (Anxiety) عند الإنسان نتيجة وجود مثير خارجي في البيئة المحيطة بالفرد أو مثير داخلي في جسمهِ. ولا تُسمى الظاهرة التحوطية التي يستخدمها الإنسان في مواجهة ظروف طارئة بالقلق ما لم تُحدِث أعراضاً تشمل المزاج والتفكير والسلوك وتتطلب علاجاً.

فالحالات المطلوبة من الحذر والإستعداد للمثير على نحوٍ منظم بدون أعراض مرضية، كالإستعداد للإمتحان، ومراقبة خطر داهم وأخذ الحذر في قيادة المركبة والتأكد من صحة الغذاء وغلق أبواب البيت الخارجية ليلاً، هذه لا تُعدُ قلقاً إنما درجة مطلوبة من الإنتباه تُفرق بين الإنسان المنتبه والآخر الخامل البليد، وإن كان بعض الباحثين يُسميها بالقلق الموجب.

إن ما نعنيه بالقلق هو ظهور الحالة على نحوٍ مرضي يعيق الإنسان عن التفكير السليم في مسألةٍ من المسائل وعن العواطف المنظمة المطلوبة في التعامل مع هذه المسائل على نحوٍ يؤدي إلى ظهور سلوكٍ مرتبك شامل للآتي:

أ‌- المزاج والعواطف: حيث يظهر الفرد القَلِق مُتطيراً متشائماً متوتراً مرتبك المزاج لا تتناسب عواطفه مع المطلوب من الإثارة في مواجهة مثيرٍ ما.

ب‌- الأعراض الجسمية: حيث يؤثر القلق في فسلجة الفرد فيبدو متعرق الجبين واليدين، جاف الفم،مرتعش الكفين، جاحظ العينين، مضطرب المشية، متنقلاً لا يستقر في مكان. قصير النَفَس، لجوج الصدر، خائفاً من خطر لا يستطيع معرفة مصدرِه، سريع التنفس، متلعثم الكلمات، سوداوي النظرة، مستريباً من الآخر، حساساً للكلمات من الطرف الآخر، كثير الأرق، ضعيف الشهية، بارد الأداء الجنسي. 

ج‌- الأعراض الإجتماعية: حيث يفقدهُ القَلق قدرته على التواصل مع الآخرين فهو متشائم لا يطيل الحوار ولا يتحمل مجالسة الآخرين، غير صبور على إنجاز أعمالهِ، شرودٌ من ساعات الإلتزام في العمل، مُنصرفٌ إلى نفسه وهمومها، غير معطاء للآخرين في ما يطلبونَهُ: فاقدٌ لقدرة تقديم الحنان إلى أسرته.

أنواع القلق:

ينقسم القلق على أنواع، نذكرُ المهم منها الذي يعنينا:

أ‌- الرهاب(Phobia)

ب‌- القلق العائم (General Anxiety)

ج‌- المُراق(Hypochondriasis)

د‌- التحولات الرحامية (الهستيريا Hysteria)

ه‌- الحصار القهري (Obsessive Disorder)

و‌- الفزع (Panic)

ز‌- داء الكرب (Post-Traumatic Stress Disorder)

كيف يكون الإلحاد سبباً للقلق:

إن أول ما يحتاج إليه الإنسان في حياته لكي لا يشعر بالقلق أو يعاني منه أمران:

1) معرفته لسبب قلقه حيث أن معرفة سبب القلق تُقلل كميته أو تمحوه تماماً.

2) شعُورهُ بأن له سنداً يحميه ويتكىء إليه في ساعاتِ ضعفهِ فلا يشعر أنه يواجه مشكلاته وحده.

لقد إكتشف الطب النفسي المعاصر على أيدي باحثيه أن هناك مراكز دماغية يكون إضطراب عملها نسيجياً أو كيميائياً أو هرمونياً سبباً لحصول حالة القلق ومنها: الدائرة الموقعية (Locus Circulus)، اللوزة (Amigdala)، والنواة القاعدية (Cuadate Nucleus).

ويختلف نشاط العمل الوظيفي في هذه المراكز من فرد الى آخر وبهذا الإختلاف يقلق بعض الناس لأبسط الأمور فيما يستطيع بعضٌ آخر مقاومة أعلى الحالات من القلق بدون تأثر.

ولكن حتى في هذا (البعض) الأخير، إذا كانت الصدمةُ شديدة وزمنها طويلاً فإن هذا البعض سريعاً ما يضعف وينهار. كل ذلك يحدث مالم يظهر السندالواقي والمعالج القوي الساند للفرد ضد حالة الإنهيار.

والإنسان بطبيعته ميال إلى الضعف أمام الأزمات وما لم يجد أو يشعر أن هناك قوة كبرى تحميه فالإنهيار مصيرُه. على هذا الأساس يشعر المحدون اللذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون بقوته ولا يعترفون بإسنادهِ ولا يعرفون لغة الإستعانة به بأن فردانيتهم التي آمنوا بها وإنسانيتهم التي اعتبروها هي المرجع سرعان ما تنهاران ويظهر القلق.

وفي حالة الرهاب الذي ينقس على نوعين: الرهاب الخاص (Specific Phobia) والرهاب العام (رهاب الناسSocial Phobia) يخاف الفرد من أشياء صغيرة كالعقارب والضفادع والمرتفعات والأماكن الضيقة ومن مجموع الناس حتى لو كانوا على عدد أصابع اليد، يحث ذلك لأنَ هذا الفرد يشعر بأصغريته، وإذا كان مُلحداً فإنه يضيف إلى خوفه هذا خوفه من فقدان القوة التي تحميه من خوفه؛ على عكس الفرد المؤمن بأن (الله أكبر) تعني حقاً إن الله أكبر من كل مخيف، هذا الفرد سينتصر على خوفه بإيمانه بالله.

وينطبقُ هذا الخوف على حالات القلق المُراقي. والفرد في حالة الوسواس القهري هو الذي يعيش بنفس لوامة لا تستقرُ على حال. فالموسوس لا يظل على حالة يقينية واحدة وإيمانه مهزوز وفي حالة ضعفهِ تسيطر عليه أفكار التردد وإنعدام الإستقرار.

فالإلحاد يجعله خاضعاً لسيطرة أفكاره الخاصة لأنه لا يؤمن بسند كبير هو الله. وفي قلق الفزع (Panic) يمر الفرد بحالة خوف شديد من الموت الذي يُصبح لديه يقيناً وانه سيموت بعد لحظات، هذا الفرد إذا كان ملحداً فإنه سيصارع فكرتين في آن: فكرة أن الموت قادم وفكرة أن الحياة غالية.

أما إذا كان مؤمناً فإنه سيقنعُ بعمق في مشيئة الله وان الموت حقٌ عليه وعلى غيره وأنه ميت في هذا اليوم أو في يوم آخر. ولقد أجرينا هذه المحاولات العلاجية مع حالات الفزع عند مرضى مؤمنين فحصلنا على تحسنٌ كبير في الحالات التي عالجناها.

إن الإيمان كلمةٌ أكبر من الإلحاد، فالإلحاد هو القول بأن لا إله موجوداً لهذا الكون بينما يعني الإيمان أن تؤمن بالله وبقدرته وما أنزل وبأنه المحيي والمميت والباعث من العدم حياة وبأن القضاء نازلٌ على الناس بصور مختلفة وحالات شتى، وهذا ما يجهله مريض داء الكرب الذي أشرنا إليه.

نعني بداء الكرب(Post-Traumatic Stress Disorder) تعرض الإنسان لشدةٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ يُصيح فيه على وشكالموت أو الأذى لكنه لا يُصاب بأذى جسدي ويقتصرُ أمرهُ على المشاهدة مما يترك لديه ذاكرة مؤلمة عن الحدث الذي تعرضَ لهُ فيمرُ بحالات معاودة تذكرية إلى زمن الحدث ومكانه ويُصاب بحالة قلق شديد حيث يتمثل ما جرى أمامه عياناً.

هنا يبرز الإيمان الذي قلنا أنه الشامل لكل مفردات هذه الكلمة. أما عند الملحد الذي لا يؤمن بأن ما حدث هو قضاءٌ نازلٌ رده الله عنه أو خفف منه فإنه سيظل يعاني من الحدث وتتكررُ صورته السريرية التي ذكرناها.

2- الكآبة:

لكي نُشخص مرض الكآبة في فرد منا فعلينا أن نتوفر على مجموعة معايير(Criteria ) يُصبح التشخيص بموجبها صحيحاً. وعلى رأس هذه المعايير (مفردها معيارCriterion ) يبرز أمامنا: إنخفاض المزاج، فقدان الرغبة في العيش والحياة (فقدان الأمل)، والألقاء باللوم على الذات سبباً في الإكتئاب.

هذه المعايير الثلاثة هي الأساس في التشخيص الذي يُصبح كاملاً إذا أضيفت إليه معايير أُخرى لسنا بصددها لأننا نعالج موضوعاً خاصاً. إن الإلحاد يقود إلى خفض مزاج الفرد لأن المزاج المستقر العالي في درجته يستقي قوته من معنويات الفرد وشعوره بوجود السند الحياتي له ولا سند للفرد أقوى من الله، والحياة التي بلا هدف يستمر مع الفرد حياً ويلاحقه الى عالم آخر بعد الموت تُصبحُ حياة سقيمةٌ خالية من الغاية.

فهذه الحياة ليست حكماً على السعادة وإنعدامها، حيث يعيش كثيرٌ من الناس كما عاش قبلهم كثيرون حياةً لم يجدوا فيها ما يرضيهم في عيشهم مالاً أو أبناءً أو صحةً. فإذا لم تكن هناك حياةٌ أخرى يُنصف فيها المظلوم في دنياه أصبح هذا المظلوم كئيباً خائباً في أمله الذي لم يتحقق.

وعودةً منا إلى تعريفنا بالإيمان بالله بأنه التصديق بوجود الله معطياً في الدنيا ومُكملاً لعطائه في العالم الآخر تُوجُب علينا أن نعترف بأن الإلحاد بالله هو الإلحاد بوجود دار القرار التي تُنصف من لم يُنصف في دنياه.

هنا لا يُوجَدُ مجال للفرد أن يكتئب لأنه لم يُوفَق في دنياه ما دام يؤمن بأن الله موجود يُعوِضُ خاسر الدنيا في سعادته بسعادةٍ أوسع وأشمل في آخرتِه.

والإلحاد مرةٌ أُخرى، هو ما يجعل الفرد مسؤولاً عن قرارِه في صحته ومرضه حيث لا مرجع له في اللأئمة إلا نفسه التي هي ليست كذلك وهنا يلوم هذه النفس ويعدها مسؤولة عما أصابه من إكتئاب. أما الإيمان فهو الذي يجعل الإنسان مؤمناً بالقضاء والقدر الذي يُقرر حصة الإنسان في الصحة والمرض.

إن أمامنا مسألة الفروق الفردية في كمية السلامة النفسية والقدرة على مقاومة المرض النفسي وهذه الفروق التي تُقسم الناس على قوي أمام المرض وضعيف ينهار أمامه هي من حصة الله في الكينونة لأنها جزء من الرزق الذي لا يؤمن بعدالة تقسيمه بين الناس إلا الإنسان المؤمن.

3- الذُهان (المرض العقلي):

يُوصَفُ المريض الذهاني بأنه مريضٌ أُحادي البُعد في التفكير فهو يتمتعُ بتفكير ابتدائي . وهذا الفكر هو الذي أنتج أديان الأسطورة والتابو البدائية الساذجة.

فالذُهاني، كمريض الفصام والهوس والذهان الزوري ومتلازمة التخلف العقلي، يعاني من الفكر الواهم الذي يتعدى بالمريض مرحلة العلاقة مع الناس إلى مرحلة الإساءة إلى مفهوم الإله الواحد.

وقد يكون الذُهاني مؤمناً بالله ولكن إيمانه يعتريه التشويه والنيل من الصورة المشرقة فيتصورُ مثلا أن الله قد عاقبه بمرضِه نتيجةً لسبب كامن في نفسه فيجعل من الله صورة للعقاب خاليةً من الرحمة (حاشا الله العلي القدير).

كما قد يكون الذُهاني مُلحداً أصلاً وقبل نشوء مرضه ووضوح صورته السريرية فيبدأ بوضع التفسيرات الساذجه للكينونة بحكم ما يُضدقه من إعتقادٍ بأنه نبي مرسل من الكواكب وبأنه مأمور بهدي الناس إلى صورة أخرى لله بعيدة عن الأيمان الحق.

ولقد وجدنا في علاجنا لمرضى فصاميين من كلتا الفئتين (المؤمنة والملحدة) صعوبةً في معالجة الفصامي الملحد تفوق الصعوبة الكامنة في معالجة الفصامي المؤمن على نحوٍ دعا إلى إعتبار الإلحاد عاملاً مُهدداً بعودة الفصام في أي ظرفٍ مُرشح للحالة.

4- إعتلال الاشخصية:

يُعدُ موضوع الشخصية من أصعب الموضوعات التي درسها علم النفس والطب النفسي، إن لم يكن أصعبها إطلاقاً. فهناك الكثيرون من أطباء النفس الذين لا يعتبرون إعتلال الشخصية مرضاً خاصاً إنما يقدرونه إختلالاً للنمط السلوكي يتعرض له الإنسان ولا يمكن علاجه لأنه شامل لكل معطيات الفرد على نحوٍ يمتاز به عن غيره، فيما يميل آخرون إلى إعتباره مرضاً يتطلب العلاج.

وإذا أخذنا القرآن (الكتاب السماوي في دين الإسلام) شاهداً على هذه الإتجاهات وجدنا أن هذا الكتاب لا يُشير بوضوح إلى مسألة (الشخصية)، إنما يتعامل مع الأنماط السلوكية البشرية بلغة (النفس البشرية) فيجعل كامة (النفس) معادلاً لفظياً لكلمة (الشخصية).

ففي القرآن الكريم نجد "النفس اللوامة" و" النفس المطمئنة" و " النفس الفاجرة" و" النفس التقية". وفيما يشيؤ مصطلح " النفس المطمئة" ومصطلح " النفس التقية" إلى حالة السواء والخلو من الإعتلال، يُشير مصطلح " النفس اللوامة" و" النفس الفاجرة" إلى إصابة هذه النفس " الشخصية" بالإعتلال.

وما دام الأمرُ كذلك فإننا غير مُلزمين بإيجاد مُرادفات لتقسيمات الشخصية المريضة حسب علم النفس بما يقابلها في القرآن، لكننا مُلزمون بأن نضع أوصافا لصورة المرض في الشخصية عموماً إذا كان صاحبها يحمل فكراً ملحداً بالله يقود إلى زيادة وطأة المرض في هذه الشخصية على النحو الآتي:

أ‌- النزوع العبثي في الشخصية غير الإجتماعية (السايكوباثية)؛ يزدادُ هذا النزوع إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه لن يشعر بذنب في عملٍ يقوم به ولا يرتدع عن الإتيان بخطأ كان أتى به سابقاً.

إننا نعرف أن سمات الإيمان بالله سمة الإرتداع عن الخطأ خشيةً من الله والشعور بالذنب إنطلاقاً من الحياء أمام الله. وما دام الله غير موجود في مريض هذه الشخصية فإنه سيزداد إهمالاً لكلٍ من إرتداعه وحياته.

ب‌- النزوع التشاؤمي في الشخصية الكئيبة يزداد إذا كان صاحبها ملحداً لأنه لا يُعلقُ أملاً في الخلاص من مرضه على إلهٍ لم يعد موجوداً لديه.

ج. النزوع العدمي في الشخصية الذُهانية يزداد شدةً ودرجةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه يؤمن بالعدم أكثر من إيمانه بوجودهِ ولا يعتقد بالله الكفيل بالخَلق من العدم إلى الوجود. إنه نزوع أُحادي الإتجاه ينتهي بالوجود إلى العدم حيث لا بعثً ولا نشوراً بعد الموت.

د. النزوع الجنسي في الشخصية الرحامية (الهستيرية) يزداد شدةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه مركزي الإهتمام بذاتهِ ولا يعد أو يعتبر أنه ذو إمتداد إلى قوة خارقة تفوق مركزيته. إنه يُفسر الأمور تفسيراً أنانيا فلا يحفل بأن الكون يَسعُهُ ويَسع غيره بإدارة القوة الأعظم(الله تعالى).

هـ. النزوع الترددي في شخصية الأفكار التسلطية (Obsessive compulsive personality disorder) يمتاز صاحب هذه الشخصية بإمتلاكه سماتٍ سلوكية لا ترتقي شدةً وزمناً إلى مصاف مرض الوسواس القهري لكنها تحمل شيئاً منه. وإذا كان حامل هذه السمات مُمهداً سلفاً بأفكار الإلحاد فإنه يظلُ عرضة للشك في الخالق وفاقداً للإيمان به على نحوٍ يجعل الإلحاد سبباً في طول زمن الإصابة بهذا النمط من السلوك.

ي‌- النزوع المنافق في شخصية (السلب والإيجاب Passive-aggressive personality disorder) إذا كان صاحب هذه الشخصية بثقافة فيها من الإلحاد ما يكفي للملاجحة والإعتراض فإنَ هذا النزوع الإلحادي يزيد صورة هذه الشخصية المريضة وضوحاً. فإذا شعر صاحبها أنه محكومٌ بسطوة إجتماعية تفرض عليه الإيمان فإنه يعلن عن إيمانه وإذا تسنى له ظرف الإعلان عن إلحاده فإنه لا يتردد في ذلك.

إنه شخصية غير مستقرة لكنها تتبع هوى الظروف المحيطة. وفي الأدب العام ولغة التداول ينطبق هذا النمط الشخصي على المنافق، نهاز الفرص، الذي لا يملك الجرأة التصريح بما يعتقد بل يساير الأقوى ويخضع له.

هذه هي أهم أنواع الشخصية المٌعتلة وقد أخذنا فيها أثر الإلحاد في زيادة وطأة السمات التي تمتاز بها؛ على عكس ما تؤول إليه نتائج المعالجة عندما يكون المصاب بها مالكاً لصورةٍ من صور الإيمان بالله.

***

إلى هنا في أعلاه نكون قد ناقشنا الأمراض النفسية والعقلية الشائعة في حياة الإنسان والتي رأينا ان للإلحاد حصة في ظهور وإستمرار وصعوبة الخلاص منها.

بقي علينا الآن أن نناقش الميول المرضية التي يمكن للفرد أن يمارسها في ظل إلحاده الذي يُجرِدهُ من الخوف من الله أو الحُب في إكتساب رضاه كما يُجرده من الحياء وإحترام أعراف المجتمع الذي يقيم فيه وينتمي له.

ومن هذه الممارسات:

1- الجريمة: ولا نعني بها الفعل الجرمي الذي يقوم به المريض النفسي أو العقلي الفاقد للإرادة والإدراك ساعة إرتكابه؛ إنما نعني به ذلك الفعل الناتج من فقدان الفرد لحرمة خالقه. فقتل النفس مُحرم إلا بالحق، ومن لا يملك الإيمان بالله لا يعرف الحق.

ومثل هذا المتهم القابل للإدانة يكون مجرماً، يؤسس لصعوبة قضائية حيث لا يردعه تحليف أو قسم أو ضمير ينشأ عند الفرد السوي من الإيمان بالله.

2- تعاطي المؤثر العقلي والإدمان: إن إيذاء النفس حد من حدود الإيمان بالخالق ومن لا يؤمن بالله لا يعرف مثل هذا الحد فيبدأ بإيذاء نفسه.

3- الزنا بالمحارم: وهذا أمرٌ يقع في دائرة التمرد على القانون الطبيعي ونداء الفطرة. ومن لا يؤمن بالله لا يعرف معنى المحرمات والمحارم من النساء.

4- الكذب: الكذ في المواعيد والكذب في المواثيق وإفتقاد المصداقية في الحديث، حيث ينهار إحترام الزمن وتزول الثقة بين الناس.

5- إضطهاد الأسرة: من لا وقار لله في نفسه لا وقار عنده لأبنائه وزوجه الذين كانوا ناتجاً لزواجه وتأسيسه أسرته.

والأسرة هي أصغر نواة إجتماعية ينتمي إليها الفرد ومنها يتضخم إنتماؤه إلى مجتمعه. ومن لا ينتمي إلى خالقه بالإيمان لا ينتمي إلى أبنائه.

هذه هي أهم الممارسات التي يقوم بها الملحد أو يكون مرشحاً لها. ورُبَ قائلٍ يرد علينا بوجود شخوص يقومون بمثل هذه الممارسات على الرغم من إيمانهم بالله.

ورداً على مثل هذا القول نقول: إن الإيمان عملية كبرى في النفس البشرية لا تقبل التجزئة، والذي يقوم بهذه الممارسات يعاني من خللٍ في إيمانه لأن الإيمان الناقص المريض شيء قريب من الإلحاد.

***

نودُ الآن أن نُثير قضيةً غايةً في خطورة طرحها على القارىء الكريم. مُلخص هذه القضية يُشير إلى وجود بعض الباحثين الذين يقولون إن الدين (وهو الطريق إلى الإيمان بالله) قد يُؤسس لأمراض نفسية؛ فيعدُون الإيمان نوعاً من الإستسلام وليس الإسلام بوجود الله فيكون الإيمان هنا قيداً في عنق صاحبه يعيقه عن حرية الإختيار.

لقد عالجت في عيادتي الخاصة نوعاً من هذه النتائج حقاً ولكنني فهمتُها على غير ما فهمها هؤلاء الباحثون. لقد صادفتُ مرضى يتعلقون بالإيمان على نحوٍ خاطىء.

وجدتُ بعضهم لا يُقبل على آيات القرآن (وكانوا من المسلمين) بروح التفاؤل بل يُقبل على آيات التهديد والوعيد ويكثر من استلهام مشاهد العذاب يوم القيامة فيعدُ نفسه مذنباً وهو لم يرتكب ذنباً، وبذلك يستحيل إلى مُستحق لعقوبةٍ لا وجود لها. ووجدت بعضاً آخر يحاول أن يعرف الله على وفق ما قربت به الآيات القرآنية صورة الله بيد وكرسي وعين، فيهمل فقه اللغة ومعنى المجاز في القول ويعمد إلى التفسير المباشر الذي يُشوش عليه صورة الله المُطلقة.

نعم ... هذا النوع من التواصل مع الإيمان نوعٌ مريضٌ يخلق الكثير من الأمراض النفسية التي يكون أساسها الخيبة من الرجاء والشك في رحمة الله وإخفاق الدعاء عن الإستجابة.

لقد أشار سيغموند فرويد إلى شيءٍ من هذا القبيل حين إعتبر الفكر الديني نوعاً من أنواع الحصار القهري واعتبر عدد ركعات الصلاة في الدين الإسلامي حصاراً قهرياً عندما يتعرض المُصلي إلى نسيان عدد الركعات في صلاتِه التي قام بها، ثم زاد على ذلك بعد رتابة الصلاة نوعاً من تعليم النمطMannerism Or Stereotypy.

كما أشار كارل ماركس إلى أن (الدين أفيون الشعوب) معتبراً أن الصلاة المكررة بتوقيت غير واضح والذرائعية في تفسير سلوك المستفيدين من الدين وممالاة الحكام بعدهم أولي الأمر نمطاً من الأفيون الذي يُخدر الناس ويُروِضهم على قبول النفاق.

إن كلا من سيغموند وماركس مردودٌ عليه في قولهِ. فهذه أمور تقع على عاتق الممارس الجاهل للطقوس، الذي لا يفهم المعنى الأبعد مدى والأعمق غوراً، وخطأ الممارس لا يُعَدُ خطأ الدين.

***

وفي الغُربة التي يتعرض لها كثيرٌ من الناس بسبب ضيق العيش في وطنهم الأول أو بسبب الإضطهاد الذي يواجههم في مجتمعهم الأول ينشأ كثير من الأمراض النفسية وعلى رأسها الشعور بالإغتراب.

تُعدُ كآبة الإغتراب Alienation depression أبرز الأمراض التي تصيب الفرد المهاجر. وعند الإصابة بهذا المرض لا يجد المريض سلواناً له ومُعيناً على الغربة إلا الإيمان بالله.

وإذا كان المهاجر مُلحداً فإنه يمرُ بأقسى أيامه من الشعور بالعزلة والإنطواء حيثُ يغيب عنه السند الإلهي المعين له على غربتهِ. وكثيراً ما يستعين هذا الفرد بتعاطي المواد المؤثرة عقلياً فيصبح مدمناً العقاقير التي تعيق مسيرته وتزيد غربته شدةً وزمناً. وأمام هذا الإنحدار السلوكي لا يجد غير الله واقياً له من الإنحراف.

***

إن تعرض الفرد للمآسي يستحث فيه العودة إلى الإيمان. فالسجين سجناً طويل الأمد يتعرض للعزلة القسرية وللحرمان الحسي حيث يَتشوَه عنده إحساسه بالزمن ويُصبح في حاجةٍ شديدة إلى الإستعانة بالله. ومثل ذلك ما يحدث للناس عند التعرض للوباء والزلزال والبركان والفيضان، حيث لا يعرف الإنسان ربه إلا عند الشدة التي تختفي فيها وأمامها كل تنظيراتهِ في الإلحاد وتفلسفه الفارغ في مسألة الوجود.

إن المحكوم بالإعدام لا ينسى أن يقول (لا إله إلا الله) ساعة تلتف المشنقة حول عنقه ناسياً إدعاءه السابق بأن لا إله لهذا الكون.

***

سألني أحد الأصدقاء: هل يُوجد فارقٌ في أثر الإلحاد في نشوء الأمراض النفسية بين المرأة والرجل؟ فأجبتُه: إن نسبة الملحدين في المجتمعات التي خضعت لدراسة بعض الباحثين تفوق نسبة الملحدات من النساء؛ وذلك لأسباب كثيرة منها حاجة المرأة تكويناً بايولوجياً إلى من تستند إليه، وانطفاء نزوع العبث والسلوك الفوضوي الصاخب مبكراً في حياة المرأة، وميل المرأة الفطري إلى الإيمان، وكره المرأة الدائم للدوران في ميادين الفلسفة الملحدة،ونزوع المرأة الدائم إلى الحتمية والإيمان بالقضاء والقدر. بهذه الأسباب يندر الإلحاد عند النساء فيقودُ إلى إنخفاض أثر هذا الإلحاد في إحداث أمراضهن النفسية.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5261 المصادف: 2021-01-30 03:47:45


Share on Myspace