 دراسات وبحوث

الفلسفة الحضارية للفكرة القومية عند قسطنطين زريق (5)

ميثم الجنابيالعقلانية والثورية في الفكرة القومية

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد النسبة المعقولة والمقبولة بين النزعة الثورية والنزعة العقلانية. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن ثقل الوهج الأيديولوجي المهيمن على الفكر والتفكير العربي آنذاك. الأمر الذي يجعل من تصوراته بهذا الصدد تراكما بمعايير الرؤية الواقعية أيضا. فقد انطلق قسطنطين زريق من واقع انتشار وهيمنة الروح الثوري في العالم العربي. ووجد فيه دلالة على ما تغلي به الصدور والنفوس من أحاسيس بالحاجات الملحة ومحاولة مصارعة الزمن (التخلف)[1]. لكنه في الوقت نفسه سعى لتحقيق فكرة "العقلنة" الضرورية لهذه النزعة الثورية التي أطلق عليها أيضا عبارة الثورية العقلية. لكنه خلافا للصيغة المتناحرة آنذاك بين القوى المتصارعة حاول عقلنة الرؤية الثورية للتيارات السياسية الحاكمة والمعارضة من خلال صياغة "مرجعيات" عامة للرؤية الاجتماعية والسياسية والتاريخية حصرها بأربع وهي

- ضرورة التخلي من سحر الماضي،

- ومقارنة التجارب الخاصة بتجارب الآخرين من حيث تحديد قيمتها وحقيقتها،

- والتجانس في التطور والعمل والشخصية (بمعنى عدم العيش في مراحل مختلفة في آن واحد)،

- والإقرار، بأن كل بناء يشيد يكون ضعيفا بمقدار بعده عن الحقيقة.

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد صيغة معتدلة أوسع تجمع بين الثورية والعقلانية قادرة على تخطى حدود التماس السياسي والأيديولوجي والفكري من خلال رفعها إلى مصاف الفكرة والأسلوب القادرين على التوحيد الاجتماعي السليم والتطور الديناميكي، أي كل ما وجده في فكرة المستوى الحضاري، أو الصيغة الحضارية للفكرة السياسية وعوارضها المختلفة والمتنوعة. من هنا نراه يقر بأهمية وضرورة الفكرة الثورية والثورة بالنسبة للتطور الحضاري. لكنه أكد في الوقت نفسه على خطورتها، انطلاقا من أن "لكل اختصار ثمنه، ولكل ابتسار ضريبته. وعلى الشعوب التي تختار هذا الطريق (أول ما عليها) أن تدرك مبلغ هذا الثمن وأن تقدّر نتائجه"[2]. وذلك لأن للثورة ثمنها الباهظ. ومنه ما يتعلق بنظام الحكم. إذ قلما تتفق الثورة مع الحرية السياسية والأساليب الديمقراطية. أما الثاني، وهو الأشد خطورة، فيكمن في كون الثورة تؤدي إلى الانقسام الحضاري [3].

وفيما لو دققنا المضمون الواقعي والفعلي لهذه الأفكار، أي ما أراد قسطنطين زريق تأسيسه، فإنها كانت ترمي إلى تذليل الراديكالية الفكرية والسياسية. فقد وقف قسطنطين زريق إلى جانب نقد الواقع، لكنه عارض الاتجاهات المتطرفة وبالأخص الثورية منها. وكتب بهذا الصدد يقول، "إن هذه الثورة ذاتها تستدعي، إذا أردناها صحيحة مثمرة، أن نكون مدركين لما نثور عليه حق الإدراك، وإلا قضت على الصالح والفاسد دون تحقيق أم تمييز"[4]. بعبارة أخرى، إن الثورة التي دعا قسطنطين زريق إليها هي ثورة عقلية ومستقبلية بقدر واحد، أي تستند إلى رؤية تاريخية ومحكومة بفكرة الحضارة ومتطلباتها وتحدياتها المعاصرة. من هنا تقييمه الرفيع لأهمية الرؤية المستقبلية للتاريخ، بحيث نراه يعتبرها إحدى مقدمات الرؤية الثورية والحركات الإصلاحية. لكنه شدد في الوقت نفسه على ما فيها من ضرر، لأنها "تنكر صفة أساسية من صفات الإنسان، وهي تاريخيته، وتناقض سنّة من سنن الحياة، ألا وهي سنّة التماسك والترابط والتراكم"[5]. ووضع هذا الاستنتاج في أساس نقده للتطرف والغلوّ والنظرة الأحادية الجانب في الرؤية التاريخية والعقل التاريخي. وأشار بهذا الصدد، إلى أن "الإنسان الحي الفاعل صانع التاريخ ليس "مستقبليا" مطلقا سابحا في الرؤى والأحلام، ولا "حاضريا" مطلقا غارق في ما حوله من المشكلات، ولا "تاريخيا" مطلقا يحنّ إلى الماضي، إنما هو يعيش في توتر دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل"[6]. ووضع هذا الموقف العقلاني الواقعي المبني في الوقت نفسه على فلسفة "الثقافة التاريخية" ومنحاها الحضاري تجاه الإشكالية الكبرى التي كانت تقف وراء بلورة وتراكم فكرته القومية. والمقصود بذلك إشكالية النكبة.

البديل العقلاني لحالة النكبة القومية

انطلق قسطنطين زريق من أن هزيمة العرب في فلسطين هي نكبة بكل ما للكلمة من معنى[7]. وبالتالي، فإن إدراك أسبابها وعلاجها يفترض الحديث عن علاج قريب وآخر بعيد المدى. ووضع في أساس العلاج القريب المدى خمسة أركان وهي:

- تقوية الإحساس بالخطر وشحذ إرادة الكفاح،

- والتعبئة المادية في ميادين العمل،

- وتحقيق اكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية،

- وإشراك القوى الشعبية في النضال،

- والاستعداد للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر.

أما في مجال المعالجة البعيدة المدى، فإنه يفترض تحقيق تبدل أساسي في الوضع العربي وانقلاب تام في أساليب التفكير والعمل والحياة بكاملها قادر على مواجهة أي خطر أجنبي[8]. واعتبر من بين أهم مقومات هذا الكيان العربي المنشود الاتحاد والتقدم الصحيح. والمقصود بالتقدم الصحيح حسب رؤية قسطنطين زريق هو "أن يصبح العرب بالعقل والروح قسما من العالم الذي يعيشون فيه، بحيث تجري مجاراته في نظم العيش والفكر والتكلم بلغته، والاتصال بأصوله، والانضمام بالمقدرات الذاتية إلى مقدراته[9]. ولا يمكن بلوغ ذلك دون وسائل تناسبه أدرجها قسطنطين زريق في ست وسائل كبرى وهي:

- اقتباس الآلة،

- وفصل الدولة عن التنظيم الديني فصلا كاملا،

- وتدريب العقل وتنظيمه بالإقبال على العلوم الوضعية والتجربة،

- والابتعاد ما أمكن عن الخيال المخدّر والرومانسية المائعة،

- وفتح الصدر واسعا لاكتساب خير ما حققته الحضارات الإنسانية،

- أما الأسلوب الأمثل لذلك فيقوم عبر "الإصلاح التطوري في مختلف نواحي الحياة القومية"[10].

عندها يمكن مواجهة الجميع أيا كانت مصادره ونوعيته. وحينذاك يمكن مواجهة إسرائيل وأمريكا وغيرهما. بمعنى انه وجد في "السعي لإحراز قدرة تساوي أو تشابه أو تقارب قدرتها علما وفنا وتقنية وتنظيما وتجنيدا للقوى الداخلية وللمؤيدات الخارجية" الأسلوب الوحيد والواقعي والأمثل لهذه المواجهة[11].

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للنزعة القومية، التي تنظّم وتجمع بنسب واقعية الرؤية الثورية والعقلانية من خلال رفعهما إلى مصاف الفلسفة الإصلاحية. وهذه بدورها إصلاحية تستند إلى رؤية خصوصية الحضارة المعاصرة والعمل بمعاييرها، أي السير معها وبها مع الاحتفاظ بالأصالة القومية المبنية على أساس الثقافة التاريخية وبلوغ حكمتها الفعلية. لهذا نراه على سبيل المثال يتكلم عن ضرورة التوحيد الدائم بين العلم والإنتاج والاستقلال التام. وأعتقد بأنَّ التجّهز بالعلم والإنتاج هو مصدر القوة وأساس الاستقلال الفعلي. وبالتالي، فإنَّ عدم بلوغ الاستقلال الفعلي للعالم العربي يكمن في أنه لا يوجد استقلال تام، ووقوف الاستقلال عند الحد السياسي. بمعنى أن الاستقلال الفعلي هو الاستقلال التام فقط. ومن اجل بلوغ ذلك وضع قسطنطين زريق ما يمكن دعوته بالحل المستقبلي الأمثل من خلال "بلوغ المجتمع العلمي"، و"دور الدولة" الخاص بذلك، و"فكرة النضال"، و"متطلبات النضال". كما لو انه يؤسس لأركان البديل الضروري بهذا الصدد.

وحصر سبل بلوغ المجتمع العلمي في ثلاث هي كل من

- الإيمان بها،

- وجهد رجال الفكر والعمل وقادة الحكم،

- وأن يكون المجتمع المنشود ما نريده، أي بقدر وضوح الإرادة وعمقها وانتشارها[12].

أما دور الدولة، فحصره في قواعد عامة وهي "أن يصبح هذا الهدف أساس سياستها ومحور نشاطها". وذلك لأن "الدولة لا تستطيع أن تبني مجتمعا علميا منتجا إلا إذا كانت هي ذاتها منظمة على أساس العلم ومنصرفة إلى الإنتاج"[13]. من هنا ضرورة الإنتاج والإنماء، والتخطيط والإستراتيجية، بحيث تسود العقلية التخطيطية التصميمية على نشاط الدولة والأفراد والجماعات[14]. وأن يجري استكمال ذلك بالبحث والاهتداء بهدى الحقيقة. وذلك لأن "البحث العلمي هو الركن الركين للإنتاج والإنماء والتخطيط. لهذا يجب أن ينفذ التخطيط في عروق الدولة وشرايينها لبثّ القوة والمناعة في أجهزتها"[15]. الأمر الذي يتطلب "حشد الكفاءات المادية والبشرية وتهيئة الكفاءات الممكنة"[16]. وأخيرا إتمام ذلك بتنشيط دور الشعب، من خلال جعله حافزا ومراقبا، أي ضرورة الرقابة الشعبية وحرية الفكر والكلمة. فالحرية ليست حقا، بل هي أولا وقبل كل شيء واجب وتبعة، كما يقول قسطنطين زريق[17].

أما فكرة النضال وبث الروح النضالي، فيحصرها زريق بمصادر وهي: وضوح الغاية وتغلغلها في النفس عبر إزالة الفرقة أو عدم الانخداع بوصفها قضية جوهرية. مع ما ترتب عليه من انقسام الدول والشعوب والأفراد إلى "قوميين" و"اشتراكيين" و"تحرريين" و"انقلابيين" و"تطوريين" و"مناضلين" و"انهزاميين" وما إلى ذلك من نعوت. وإنَّ أبرَز مظهر لتعّثر النضال هو انعدام الإرادة العربية الواحدة في مستويات الحكم العليا. من هنا ضرورة الإرادة الواحدة في صفوف الشعب والتعبئة الشعبية، وكذلك ضرورة ارتباطها بالدار والأرض والوطن. بمعنى الاستفادة من الدرس التاريخي لنكبة فلسطين. فقد وضع الفلسطينيون حربهم في أيدي الدول العربية وأنظمتها السياسية. وكان المفروض بالعكس، بمعنى جعلها فلسطينية بوصفها حربا وجهادا من أجل الأرض والوطن. وأخيرا ثقة الشعوب بقادتها[18].

أما متطلبات النضال فيحصرها قسطنطين زريق بأربعة وهي:

- العقلانية، أي التشوق إلى الحقيقة والأنفة من الجهل والخطأ والانخداع والخديعة،

- ومحبة العمل والقدرة عليه عبر رفعها إلى مستوى العقيدة،

- والانضباط والانتظام،

- والتقشف[19].

إنَّ الحصيلة الكامنة في هذه الرؤية تكشف عن طبيعة وحجم وغاية النقد الذاتي المكتوي بناء المحنة. فقد أراد قسطنطين زريق أن يجعل منه مصدر الإثارة بالنسبة للعقول وصهر النفوس وإعادة الخلق الذاتي خلقا جديدا. فالمحنة تغدو فاتحة النصر إذا هي أدت إلى خلق الإنسان العربي الجديد، كما يستنتج قسطنطين زريق[20]. وضمن هذا السياق يمكن فهم قيمة اقتراحه الذي دعا فيه إلى تأسيس "مؤسسة الدراسات العربية" من أجل دراسة الواقع والإمكانيات والمشاكل المشتركة[21]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

[2] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص254.

[3] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص246.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص19.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص183.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص190.

[7] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[8] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[9] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[10] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[11] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص19.

[12] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص35.

[13] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص36- 37.

[14] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص40.

[15] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص42.

[16] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص44- 45.

[17] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص47- 48.

[18] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص63- 65.

[19] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص50- 51.

[20] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص82.

[21] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص52.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5281 المصادف: 2021-02-19 00:39:44


Share on Myspace