 دراسات وبحوث

ميثم الجنابي: انطون سعادة وأيديولوجية الفكرة القومية الاجتماعية (3)

ميثم الجنابيالقومية العربية والقومية السورية: بدائل وليس اضداد

لقد توصلت في المقال السابق إلى أنَّ موقف انطون سعادة المعارض "للعروبة" كان موجه أساساً ضد "العروبة الدينية" أي تلك الفكرة القومية التي تجد في الدين أساس ومصدر الفكرة القومية العربية. الأمر الذي يجعلها عاجزة عن توحيد الجميع في فكرة تتجاوز الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية المميزة لسوريا. من هنا ثنائية ما اسماه انطون سعادة بالعروبة الوهمية والعروبة الواقعية. وانطلق في موقفه هذا من اعتبار القول بوحدة الأمة العربية والشعب العربي الواحد التي هي شعوب وأمم متباينة من خلال إرجاع وحدتها (واحديتها) إلى اللغة والدين مجرد وهم. وأطلق عليها وصف "العروبة الوهمية"، التي "تجهل نواميس الطبيعة". وإذا كان "الناموس اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة" حسب فهم انطون سعادة، فإنَّ "النواميس لا تمحو خصائص الأنواع"[1]. وبالتالي، ففي كل النواميس التي نكتشفها يجب ألا ننسى إننا نستخرجها من الحياة نفسها. وبالتالي، لا يجب أنْ نجعلها تتضارب مع المجرى الطبيعي الذي نعرفه بها[2]. وأخيراً، إذا كنا قد اكتشفنا سنّة التطور، فيجب أنْ لا نتخذ من هذه السنُّة أقيسة وهمية تذهب بنا إلى تصورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة[3].

وعندما طبق هذه الفكرة المنهجية على موقفه من "العروبة الوهمية"، فإنه توصل إلى وجود "عروبة أخرى هي التي تقول بأنَّ العالم العربي أمماً وشعوباً لكل منها خصائص ومقومات وحياة وإمكانيات... والمهمة تقوم في أنْ يعي كل واحد وجوده وحقيقته وأهدافه من اجل بلوغ التعاون بينها"[4]. وبالتالي فإنَّ موقفه القائل بإنعدام وجود "مجتمع عربي"، مبني على أساس "انتقاصه لخصائص المجتمع الصحيح الحي الفاعل وكذلك عوامل الاتحاد الاجتماعي"[5]. ووجد في هذه النتيجة مقدمة الفلسفة الفاعلة للبديل القائم في الحركة السورية القومية ومضمونها الفعلي. من هنا قوله، بأنَّ الأولوية في الفكرة السورية تقوم في مواجهة ما اسماه بالثورة على "خيال العروبة وهذيان الوحدة العربية وجيوش العرب والعروبة" في قضاياها ومصالحها القومية "التي تعنيها وحدها، والتي يجب أنْ تقوم هي بها إذا كانت تريد سيادة حقيقية وتحقيق أهدافها"[6]. ووضع هذه الفكرة القومية تحت عنوان "عروبة العالم العربي"، وليس "عروبة الأمة العربية والقومية العربية"[7].

بعبارة أخرى، إنَّ العالم العربي ككل واحد متمايز من حيث مكوناته وخصائصه. وبالتالي لا تصلح له فكرة واحدة وقوالب واحدة. ومحاولة إرجاعها الى عنصر الدين واللغة لا يحل الإشكالية، بقدر ما انه يصنع أوهاماً جديدة. من هنا دعوته للعمل"إلى سحق هذه الأوهام وسحق الرجعية والرجعية الجديدة". مما يفترض بدوره العمل من اجل "فصل الدين عن الدولة واعتبار الأمة مجتمع واحد وإقامة نظام نفسي ثقافي علمي يزيل الشاق ويمحو التفسخ ويبعث اليقين والإيمان والثقة"[8]. ووضع ذلك في استنتاج نهائي يمكن أنْ نطلق عليه عبارة "معارضة كمية الأقوام بنوعية القومية الجديدة". بحيث نراه يجد في "العروبة الوهمية"، "عروبة الأربعين أو الخمسين مليونا" مرضا مزمنا. وضمن هذا السياق يمكن فهم ردوده على من اتهمه بمعاداة العرب والعروبة، بأنَّ لا علاقة لذلك بما يقول ويسعى إليه. بل على العكس[9]. بل نراه يكتب بهذا الصدد قائلا:"إذا كان في العالم العربي عروبة حقيقة صميمة فهي عروبة الحزب القومي الاجتماعي. فالجامعة العربية هي تحقيق ما كان يسعى إليه... ثم إننا جبهة العالم العربي وصدره ونحن سيفه ونحن ترسه... كما ناديت الأمة السورية إلى النهوض نفسها لتتمكن من الاشتغال في قضايا العالم العربي وتكون قوة فاعلة في تكوين الجبهة العربية"[10]. وأنْ يضيف أيضا "إني أؤمن بأن الأمة السورية هي الأمة المؤهلة بنهوض العالم العربي، ولكنها لا تستطيع القيام بهذا العمل إلا إذا كانت ذات عصبية قومية في ذاتها تجعل ثقافتها مسيطرة وإرادتها فاعلة"[11]. أما الحصيلة النظرية والعملية لها الموقف فتقوم في إبراز ما اسماه انطون سعادة برسالة الأمة السورية للعالم العربي. وكتب بهذا الصدد يقول:"إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي. ولكننا نريد قبل كل شيء أنْ نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا"[12]. أما مصدر هذه القوة الفعلية والرسالة التاريخية فهي الفكرة القومية السورية.

انطلق انطون سعادة في تأسيسه للفكرة القومية السورية من أنَّ اهتمامها الجوهري وحافزها الذاتي يقوم في إبراز قيمة وأولوية المسالة القومية لا المسألة السلالية (العرقية)[13]. من هنا توجهه صوب "خدمة أمة واحدة من أمم العالم العربي"، أي "الأمة السورية". والقضية هنا ليست فقط في احتياج "الأمة السورية" لذلك، بل وللرسالة المناط بها، بوصفها القوة الوحيدة القادرة في حال اكتمالها، على تحقيق الغايات الكبرى[14]. الأمر الذي جعله، كما يقول عن نفسه، ينسى قليلاً الاهتمام بالعالم العربي ككل، لكن ذلك لن يبعده عنه.

لقد وجد انطون سعادة العلاقة المثلى والصيغة العملية المناسبة في المعادلة النموذجية "للأمة السورية" بالبقية الباقية من "أمم" العالم العربي. وبالتالي لا يعني أولوية الاهتمام الأكبر "بالأمة السورية" سوى النتيجة المترتبة على إدراكه إياها بوصفها القوة الوحيدة القادرة في حال تكاملها للنهوض بأعباء جرّ "أمم العالم العربي" وراؤها، أو تأدية واجبها أمام العالم العربي، كما نعثر عليه في قوله الجازم:"إنني أؤمن بأنَّ الأمة السورية هي الأمة المؤهلة للنهوض بالعالم العربي. لكنها لا تستطيع القيام بذلك قبل أنْ تتكامل في عصبية قوية في ذاتها تجعل ثقافتها مسيطرة وإرادتها نافذة"[15]. من هنا وقوفه بالضد من فكرة "الهلال الخصيب" مع انه استعمل لاحقا عبارة "الهلال الخصيب السوري".

لقد أراد انطون سعادة أنْ تتماهى الفكرة والعبارة مع الأمة. ووجد في التجربة التاريخية السياسية والقومية للعالم العربي ما يؤيد مواقفه هذه، عندما اعتبر تبرير نكبة فلسطين بوضع أوزارها على القادة والعسكريين غير صحيح. ووجد في ذلك أسلوبا "يهودياً" من خلال تعليق كل آثامهم وهزائمهم على ماعز يطلقونه في البرية لكي يذهب الى "عزرائيل"[16]! واعتبر هذه النكبة والهزيمة أمراً متوقعاً. فقد كتب عنها وحذر منها منذ عام 1925، أي قبل وقوعها بفترة طويلة. بينما لا يرى أصحاب "الهلال الخصيب" وأمثالهم من أصحاب "العروبة الوهمية" الكارثة إلا بعد وقوعها! ووضع هذه الحصيلة في فكرة تقول، بأنه لا مهرب من الواقع، كم انه لا أفضل من الوجود ولا أبدع من الحقيقة! وليس هذا الواقع والوجود والحقيقة بالنسبة له سوى الفكرة السورية وسوريا الطبيعية. إذ وجد في "سوريا الطبيعية التاريخية" كياناً وقوة أفضل من "مرعى الهلال الخصيب".

لقد أراد انطون سعادة نقل الفكرة القومية من ميدان الجغرافيا والمصالح العابرة إلى ميدان التاريخ والمستقبل والحقيقة. لهذا نراه يعتبر "بناء النفوس في النهضة السورية القومية الاجتماعية" الأسلوب الوحيد لإنقاذ "سورية من الفوضى والتفّسخ الداخلي"، وبالتالي إنهاضها وإنهاض العالم العربي معها[17]. وذلك لأنَّ "القضية السورية القومية الاجتماعية" هي أولاً وقبل كل شيء أسلوب وفكرة مهمتها الانتصار على ما اسماه بعقلية التعلّق بتوحيد ما ليس واحداً في الاجتماع والأرض، وبتجزئة ما هو واحد في الاجتماع والأرض. ووجد في هذا الانتصار مقدمة نهوض "الأمة السورية". وبنهضتها يمكن إنشاء "جبهة عربية أمكن وأقوى من الجبهة التي تشكلت في "الجامعة العربية" في وضعها الذي أفلس"[18]. ذك يعني، إنَّ "الحركة الاجتماعية القومية السورية" كما فهمها وخطط لها انطون سعادة تسعى لتأسيس وإبراز أولوية الرؤية البديلة وليس النقد المعجون بنفسية وذهنية السخط والانتقام. أنها "حركة نهوض قومي اجتماعي وحل المشاكل النفسية والاجتماعية والسياسية التي تمنع الأمة من السير الى عزِّها وخيره". من هنا معارضته الشديدة والمتجانسة لما اسماه بتصنيع العقائد المزيفة للأيديولوجيات والأحزاب الطائفية والجهوية بدون استثناء. وليس مصادفة أنْ تفعل هذه الأحزاب أساساً على "محاربة الحركة السورية القومية الاجتماعية التي أوجدت القضية القومية الاجتماعية ونادت ببطلان القضايا الرجعية القائمة على الحزبية الدينية والمصالح العائلية"[19]. إذ وجد فيها مطية الاستعمار الأجنبي والتحلل الداخلي. لهذا نراه يقول، بأنَّ "تحبيب لبنان الأجنبي الثقافة" و"كره الاسم السوري" سوى الصيغة الظاهرية لهذا الاستلاب المادي والمعنوي والإفلاس التاريخي. فالحقيقة الجلية التي تقف بالضد من ذلك تقوم في استحالة مضاهاة الأمم الغربية المتقدمة المتفوقة إلا بوعي "الحقيقة السورية الأصيلة واستخراج النهضة منها ومن روح الأمة ومواهبها"[20].

وشكلت "الحقيقة السورية الأصيلة" مضمون الفلسفة القومية السورية بمستواها النظري والعملي، التي سعى انطون سعادة لتأسيسها التاريخي والثقافي والسياسي. ووضع ذلك في ما يمكن دعوته بالنزعة السورية التي تتميز بتاريخ ذاتي خاص تبلور في مجرى آلاف السنين، وصَنَعَ الخصوصية السورية التي لم يغير من حقيقتها الأصلية تقلبها في تيار الزمن. وابتدع انطون سعادة لهذه الخصوصية مصطلح "الإثم الكنعاني"، أي السرّ الذي ألزم ويلزم الكينونة السورية بالرجوع إلى ذاتها بوصفها أسلوب ديمومتها الفاعلة. وهذا بدوره كان النتاج الملازم لما أبدعه السوريون ووضعوه في أساس الحضارة الإنسانية. وقد كان الكنعانيون والفينيقيون أول من أرسى هذه الأسس الخاصة والمميزة للإبداع السوري التاريخي، ومن ثم للكينونة الثقافية الأصيلة[21]. فقد أعطى الكنعانيون "للدين الاجتماعي فكرته الأساسية للعالم". كما أنهم كانوا أول شعب تمشى مع قاعدة محبة الوطن والارتباط الاجتماعي وفقاً للوجدان القومي وللشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير. وأنهم أول من انشأ الدولة المدنية التي كانت طرازاً لما جرى عليه لاحقا الإغريق والرومان. وهم أول من أسس الملكية الانتخابية وجعلوا الملك منتخباً مدى الحياة. وهم أول من أسّس الدولة الديمقراطية. إذ ليست هذه سوى دولة الشعب أو دولة الأمة. وهي الدولة القومية المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه. كما كان انتشارهم بفعل الإمبراطورية انتشاراً قومياً وجاليات استعمارية ظلت مرتبطة بالأرض الأم وتتضامن معها في السراء والضراء. وأخيرا أنهم لم يُدْخِلوا الأقوام الغريبة التي أخضعوها بالفتح في نظامهم حقوقهم المدنية والسياسية التي شكلت دليلاً، بغض النظر عما إذا كان في ذلك مصدر قوة أو ضعف، "على روحهم القومية ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم"[22].

لقد أراد انطون سعاد القول، بأنَّ الفكرة الاجتماعية المرتبطة بفكرة الدولة القومية ونظامها السياسي المناسب، والارتباط الجوهري بالأرض (الوطن الأصلي)، والاحتفاظ بالكيان الذاتي الخالص هي الأسس التي شكلت مضمون "الدين الجديد" بوصفه "ديناً اجتماعياً"، والذي تكوّن الفكرة القومية لاهوته وناسوته.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[2] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[3] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[4] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[5] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 16، ص22.

[6] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 16، ص 22.

[7] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[8] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص25.

[9] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص22- 23.

[10] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص23.

[11] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص23.

[12] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[13] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص 185.

[14] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص185.

[15] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص186.

[16] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[17] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[18] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[19] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16، ص115.

[20] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16، ص116.

[21] إن اسم فينيقية يعود إلى الكنعانيين، كما أن الهكسوس (الملوك الرعاة) أصولهم سورية، كما يقول انطون سعادة.

[22] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص167.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5328 المصادف: 2021-04-07 01:53:18


Share on Myspace