 دراسات وبحوث

أياد الزهيري: الاله في الديانه الهندوسية (1-8)

اياد الزهيرينتجه شرقاً الى الهند حيث وجود منشأ الكثير من الديانات بعد أن غادرنا الزرادشتية في أيران الى حيث الهندوسية في الهند، الأرض التي ضجت ولا تزال بالأديان والالهه لنستكشف عوالم آلهتها عبر العديد من الأديان والمعتقدات، ولكن تبقى الهندوسية هي محور دراستنا بأعتبارها هي الديانة الأكبر في الهند . نشأت بالهند في فترة ما قبل هجرة الأقوام الآرية من أواسط أوربا الى أرض الهند ديانات محلية لسكانها الأصليون، الذين يمتازون بالبشرة الداكنة الأقرب للبشرة الزنجية، وذوي الشعر المجعد، حيث يشير المؤرخون الى ما قبل 1500 ق م، حيث سادت عندهم عبادة الآلهه، وكانوا كغيرهم من الأقوام التي سبق وأن تطرقنا لهم بدراسات سابقة كالرافدينيون والسوريون وعرب الجزيرة والمصريون وحتى اليونانيون، حيث عبدوا آلهة متعددة، فكان لكل مجموعة اله، حتى لترى لكل عائلة اله خاص بها يحتفظ فيه في بيته . هذا التعدد جاء نتيجة أعتقاد الهنود القدامى أن هناك قوى سحرية وخفية تكمن وراء الأشياء والظواهر، لذلك تجد الهنود منهم من يعبد حجر ذو شكل معين، ومنهم من يعبد نبات ومنهم من يعبد حيوان، ومنهم من عبدوا قوى الطبيعة كاله السماء والشمس والأرض والنار، والريح والماء، وهذا ما ميز أرض الهند بكثرة المعابد والمقامات والأضرحة، في الغابات والمدن والأرياف والجبال، وهنا هم لم يختلفوا كما قلنا عن الأشعوب الأخرى، وأن كانوا هم أكثر تعدد في عبادة الالهه من الشعوب الأخرى، ولكن لا يمنع من وجود التماثل بالعباده بين شعوب الأرض، فمثلاً الاله (ديوس) اله السماء عند الهنود، يقابله الاله زيوس عند اليونانيين وجوبتر عن الرومان وأنيليل عن السومريين وحورس ونوت عند المصريين، وهم كغيرهم من الأقوام الأخرى التي نحت نحو تجسيمي، حيث لا يسعهم ولا تطمئن نفوسهم الا بقرب آلهه مجسمه بقربهم تحميهم وتلبي لهم حاجتهم الدائمة والمختلفة، فقد سموا اله السماء (فارونا) وجعلوا منها أباً، واله الأرض (بريثيغي) وجعلوا منها أماً واله المطر (بارجانيا) والنار (اجني) والريح (فايو) والشمس (سوريا) أو مترا، أما أهم الالهه هو اله النار، اله الشعلة المقدسة، أما اله المطر فهو (أندرا) وهو من يجلب للهندي الأمطار التي تمثل له أهمية كبرى مما جعلوه أعظم الالهه مقاماً، وهذا هو ما أشرنا اليه حيث أن قرب أو بعد الالهه عنهم تقرره مدى حاجتهم اليه، وهذا هو سر التعدد والتحول مابين الالهه عندهم، وكغيرهم ممن سبق ذكرهم فأن هناك اله يختص بالأخلاق ورعايتها ويراقب تطبيقها وهو الاله (فاروفا) الذي هو أيضاً كما ذكرنا اله السماء في البدء ثم تطور عندهم ليصبح أكثر الهة الفيدا علواً في الأخلاق والمثل الأعلى للآلهه، وهو من يراقب العالم بعينه الكبرى، ويعاقب على الشر ويكافيء على الخير، ويعفو عن ذنوب التائبين، وكان حارساً على القانون الأبدي ومنفذاً له، وهذا ما يذكرنا بالآله أوزوريس في الديانة المصرية القديمة، الذي كان يمثل اله الأخلاق.

تُشير الدراسات التاريخية الى حدوث هجرات لأقوام من أصول أرية من أواسط أوربا الى شمال الهند وأستوطنت على ضفاف نهر الأندوس قبل 1500ق م، وهناك من يقول أبعد من ذلك بكثير، وقد حملت هذه الأقوام معها ديانتها الخاصه بها، وقد زحفت هذه الأقوام بأتجاه الوسط والجنوب وامتزجت مع الأقوام الهنديه الأصلية، وهنا أخذت تبرز عندهم الديانه الفيديه . أن الأقوام الآريه الزاحفة داخل الأراض الهنديه كانت من ضمن أهم آلهتها هو الاله (اندرا)، وهو سيد الالهه، كما أنه اله الحرب، كما كان لهم اله آخر يُدعى (رودرا) وكانوا يخشونه بأعتباره اله العواصف المدمرة، لذلك كانوا يناجونه بكلمات التضرع؛

أيا رودرا، لا تؤذ أنفسنا العزيزه علينا

لا تؤذينا في قطعاتنا ولا في خيولنا

أيا رودرا، لا تذبح أبطالنا في غضبك.

هذا المزيج بين الهة السكان الأصليين والقادمين، وما مروا به من أرهاصات وتحولات فكرية عبر الزمن تولدت عدهم ما يُدعى بالآلهه الفيديه والتي تمخضت عن ظهور الديانه الفيديه والتي تضمنت للآلهه أناشيد وصلوات وتبتلات، تمثل مجمل الديانه الفيديه، وهي ديانة بدأت متعددت الالهه، مشركة، وقد بنوا ثقافة غزيرة بلورة لظهور هذا الدين الذي يمتد لجذور سحيقه. لكن مع الزمن بدأ يظهر عندهم أتجاه نحو وحده أجمالية، وهنا ظهرت لنا شخصيات ذكرتها ترانيم متأخرة في (الريغا فيدا) من أمثال الاله (فيشا كارمان) الذي هو من صنع العالم، والاله (براجاباتي) رب المخلوقات، وهناك الاله (بوروشا) الاله الكوني والمانح للحياة لكل الكائنات الحية، وهو مخرج العالم بأسره من داخل ذاته، وهنا نلاحظ أتجاه لوجود مرجعي يتكثف في عدد محدود من الاله، فنرى أن الترنيمة 129 من الكتاب العاشر تشير الى حقيقه كونية عظيمه لا تسميها، ولكنها تشير اليها على أنها ذلك الشيء الوحيد، وهنا يمكن ذكر بعض من هذه الترنيمة؛

كان الخلاء لا يزال ممسكاً بالممكن الذي لم يتشكل

الى ان قامت قوة الدفء بأنتاج الواحد المتفرد

ثم تحركت الرغبة في ذلك الواحد لتتحول الى كينونة .

فقد أعتقدوا أن هناك كينونة مبدعة مجهولة الأسم، قبل وجود الآلهه وكل الأشياء، وهي من قررت خلق العالم. الهنود القدامى أطلقوا ألقاب عديده على هذه الكينونه المبدعه، فهم سموها (آغني، ياما، فارونا وغاروتمان ووو). لم يكن هذا التصور عن خلق العالم الوحيد في كتاب الفيدا، والسبب أن هذا الكتاب كُتب في مدة بين 500 ق م الى 500 م، وكان خليط متراكم من التصورات والأفكار والأعتقادات، والدليل أن هناك أساطير أخرى لمسألة الخلق فيه والتي تقول أن العالم كان أما بقرة أو حصان أو أنسان كوني أزلي خضع لعملية تضحية فَتَقطَع فأنتج الجبال والأنهار والمخلوقات الأخرى، وهذا الأنسان الأصلي يُسمى (بوروشا) ويدعى بالقربان الكوني، كما هناك أسطورة أخرى، تقول أن هناك بحر أزلي حمل بيضه ذهبية والذي خرج منه المنشأ (براجاباتي) الخالق، صانع الالهه والناس والحيوانات، وهذه الأساطير يرجع أصلها الى أزمان سحيقه سبقت الهندوسية، وقد تناقلت شفوياً عبر الأجيال والتي تجمعت ودونت بالفيدا التي تألفت خلال الالف سنه الى 800 جزء، ولكن مع وجود هذا التعدد في الأساطير التي تفسر نشوء العالم، وهذا التعدد في الالهه الكبير عبر الزمن والذي يُذكر أن للهنود 330 مليون اله، ولكن الهنود أتجهوا نحو نهايات قريبة للتوحيد، وهنا يصف فرانكلين ادغرتون هذا التوجه في تكثيف الالهه فيقول (اما أنه يتم جعل اله محدد يستوعب كل الالهه الآخرين ... أو أنه يمنح صفات لا تعطى في المنطق الدقيق الا لألوهية موحدة واحدة)، وهنا يتبين برغم التعدد الا أننا نرى توجه بمخاطبة حقيقة كونية واحدة هائله كما أشرنا بذلك الشيء الواحد بالترنيمه 129 من الكتاب العاشر من الفيدا، كما تذكر الفيدا في بعض سطور هذه الترنيمه ؛

وماذا اذا كان العالم مصنوعاً أم أنه وجد بذاته

انه يعرف بثقة كاملة، وحده هو الذي يحرس ويراقب في أعلى السماء.

نرى أن الفكر الهندوسي ينتهي باله واحد مقدس وأن لم يحسموا أمرهم بتسميته، وأحياناً يُسموها قوة الدفء، كما في فترات لاحقه أطلق حكماء الهند علية عدة أسماء ( آغني، ياما، ماتاريسان).

في خضم هذه الفوضى الفكرية والسائبة النهايات للديانه الهندوسة، نرى في غضون 200 ق م خرجت علينا مجموعة من الأرشادات التي سُميت بالبراهمانات، وهي ذات مضمون وتوجه تدفع بأتجاه التوحيد، حيث أدعوا أن هناك (براهما سفايانيبهور) ويُدعى براهما الموجود بذاته، والخالق الشخصي للكون، وهو القادر على تغير مجرى الكون، وهو القوة التي لها القدرة على فرض الطاعة على الالهه والناس على حد سواء، ويسموه (براهمان). أن حكماء الهنود تراهم يدورون حول توحيد غامض ومشوش، ولكنهم يرغبون بالوصول الى نقطة أو حالة مركزية . فكلمة (براهمان) نراها تشير في الهندوسية الى معنى الروح الفائقه، العالمية، وهو المطلق . (اليوكبيديا).

ولو نظرنا في تاريخ الديانه الهنديه القديمه لرأيناها تؤمن بحقيقة وجود عالم خارجي وبقواه السحرية، وهذه الفترة يدعوها بالهندوسية الأصلية، وهي من زمن ما قبل الآريين، وهذا الأمتداد بالأضافة لما جاء من قبل الآريين المهاجرين، ومجهولية المؤسس لهذه الديانه هو من جعلها مفتحة الأبواب بدخول وخروج الأفكار عليها، وسوف نجد في الجزء القادم من هذا البحث كيف ظهرت تيارات وفرق ومذاهب أخرى من هذه الديانة، وحدث ذلك بأنسيابية عالية نتيجة لعنصر التسامح والقبول بالآخر من قبل الديانة الهندوسية، وهذا ما سمح لها بالتطور والنمو والأضافة الفكرية المستمرة، لهذا نراها بدأت بالتعدد الضخم للآلهه وأنتهت الى الأيمان بالحقيقة الكلية التي تدعى براهمان – أتمان، وهو الوجود الشامل، وهنا نكشف شذرات من ترانيمهم التي تظهر عقيدتهم وتصورهم عن البراهمان ؛

(خالد هو وموجود كرب،

ذكي، موجود في كل مكان، حارس هذا العالم،

هل هو من يحكم هذا العالم على الدوام)

نلاحظ مدى التوجه الى الخالق الأوحد، ومن ناحيه أخرى يعتريهم التسائل والريبه في أخر سطر، عندما يقول (هل هو من يحكم...) أنه مخاض وقلق فكري لدى حكماء الهند القدامى، ولكن نرى في تطور لاحق يصفون الخالق بصورة تصفها هذه الكلمات في أحد ترانيمهم (في البدء كان هذا العالم براهمان. الواحد اللامحدود، لا محدود بالنسبة للشرق، ولا محدود بالنسبة للشمال ... لا محدود بالنسبة لكل الجهات...).

هناك فكرة أيضاً دخلت على الديانة الهندوسية، وهذا هو أستمرار لديدن الهندوسية في جريان العقائد تلو العقائد الى صفحات كتبها، بأعتبارها ديانة مستمرة التكون، هذه الفكرة تدعى قوة المايا، وهي قوة سحرية تقول أن الغير ظاهر هو مصدر لكل الأشياء والكائنات، والبرهمان المستور هو وحده الحقيقي بالمطلق ولا يفنى، وقد جاء في بعض كتابات الأوبانيشاد (أن البرهمان المستور عبر قوته الخلاقة المتأصلة في ذاته بأنتاج البيضه الذهبية التي عند فجر الخلق ... وأصبح الاله الخالق الفعال براهما، وخلق براهما العالم من خلال القوة السحرية (مايا) المتأصلة في البرهمان). وهنا يتبين أن برهمان المستور هو المصدر النهائي للعالم الخارجي، وهو الحقيقة النهائية، ويعبرون أحياناً عنه ب (برهمان- أتمان) بتصور ثنائي (موضوعي وذاتي). يتبع ج2

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5386 المصادف: 2021-06-04 03:27:53


Share on Myspace