 دراسات وبحوث

الاله في الديانة الهندوسية (2-9)

اياد الزهيريفي الجزء السابق، توصل العقل الهندي القديم الى نتيجه لملم فيها آلهته العديده، جامعاً لها في الروح الكليه، والحقيقة النهائية التي تمثل الجوهر، وكل ما سواه هو عرض له، او ما تدعى بالثنائية الموضوعية والذاتيه، وهي (برهمان-أتمان). وأن هذه الروح موجوده في كل كيان حيوان أو جماد، وأنها تمثل الحقيقة الجوهرية لكل مظهر كوني موجود، وهذا يعني أنها العالم والعالم هي، وقد عبروا عنها في أحد أناشيدهم (...ان نفسي هذه موجودة داخل القلب في برهمان) . هذه الرؤيه أو العقيدة أطلقوا عليها عقيدة وحدة الوجود، وهذا المبدأ قريب لمبدأ الحلاج في عقيدة وحدة الوجود الذي عبر عنها (أنا من أهوى ومن أهوى أنا. نحن روحان حَلَنا بَدَنا ....فأذا أبصرتني أَبصرته ..). هذه العقيدة أعتقد بها الهندوس في أحد مراحل تطور عقيدتهم المفتوحة والسائبة النهايات كما قلنا في بداية الكلام عنهم. أن هذه العقيده عن الاله يعتريها شيء من الغموض، وذلك بلحاظ أن العالم قد جاء بنفحه من (برهمان-أتمان)، وأصبح برهمان-أتمان كينونة هذا العالم، ولكن من الواضح أن من نفخ سابق بالزمن والوجود على من أصبح نتيجة لهذه النفخة، وبالتالي يحصل هناك سابق زمني وجودي بين الأثنين ، وهذه مسأله واضحة من طريقة التسلسل الزمني، ولكن مع ذلك تراهم يصرون على وحدة الوجود بين العالم وروحه الكلية التي تمثل جانب الكينونة فيه، ولكن يبدو أن الهنود لم يستطيعوا الأنفكاك بين هذين الوجودين المختلفين وكأن كل واحد منهم صنو للآخر ولا يستطيع الأستغناء عنه، ولكنهم يقرون بأن العالم الموضوعي سيذوب ويفني، حيث يحل العدم المطلق، وأن النفوس التي كانت تسكنه ستتجمع، وتعود الى الكينونه، التي هي تمثل الروح المطلقه، أي لا وجود الا للرب (براهمان-أتمان)، ولكن وبنفخه منه يرجع الوجود ثانيةً، وهكذا الأمر دواليك، حيث أنهم يؤمنون بهذه الدوره للخلق، ولكن عندما يريد الأنسان التحقيق بما يقول حكماء الهندوس، سيرى أن المادة مفصولة ومخلوقة، لأنها تتراوح بين الوجود والعدم، ولا وجود دائم الا لبرهمان-أتمان، وهذا أعتراف واضح وضمني بالخالق الأول، لكنهم وبحكم البعد الحسي الذي يهيمن على عقولهم ومشاعرهم يعرقلهم بالأندفاع الى المجرد التام، الخالق للوجود، وهي حاله غير غريبة في وضع أنساني يكون فيه العقل في سلم بداياته الأولى بعملية الأرتقاء العقلي في عالم المعرفة . أن ما سعي العقل الهندوسي يكاد أن يصل في نهاياته الى المجرد، لأن بعض رسائل الأوبانيشاد تنطق بما يُسمى بالحقيقة النهائية، وكما يسموها أيضاً بمملكة الكينونة الخالدة، والتي لا تشبه مطلقاً هذا العالم المليء بالتغير والأنحلال وآلية الولادة والوفاة...) . أنهم يعتقدون بما يُسمى بالوجود الحق، الغير هذا العالم المادي.

يتضح من ذلك أن الهندوسية سارت في طريق تطورها نحو محاولة الأتحاد مع المطلق، وأن هذا المطلق هو الروح الكلية والأزلية التي يسعى اليوغي عن طريق الرياضة الروحية (اليوغا) بالأندماج به عن طريق التأمل بالروح المطلقة، وأن جسده الحالي لا يمثل الا وعاء لنفسه التواقه بالسكون مع النفس الكبيره والأزلية، والتي يسميها أحياناً بالروح العالمية الخالدة، كما أن هناك بعض الكتابات الهندوسية، تصف الأنسان الهندوسي المتأمل، بأنه من يركز ذهنه على الواحد، وأن من يمنح نفسه الى النفس العلوية، ومتخلياً عن الأثم والمعاصي، يمر بلا عقاب الى بركة الأتحاد مع براهمان اللانهائية (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).

هناك من بين عقائد الهندوسية من تتجه صوب قوة فائقة القدرة والقوة، فيصفون البرهمان بصفات أسطورية لا يمكن لكائن يتصف بها غيره، وذلك من مثل هيئته البالغة الضخامة، وما لدية من أفواه لا تعد ولا تحصى، وعيون لا حصر لها، ووجوه تلتفت في كل أتجاه، ولو دققنا بهذه المواصفات لرأينا المحاولات المضنيه في الوصول الى أساس القدرة الكلية، ولكن بوسائل حسيه، وهذا هو السبب في تعثر وصولهم الى الذات الالهيه المجرده . أن الحكمة الهندوسية تحلم بالظفر بالروح المطلقة لكن أدواتها المعرفية المتواضعة، ومحدودية مجساتها البايلوجية تعيق تحقيق حلمها، الذي عبرت عنه في هذا المقطع من أنشودة الأوبانيشاد ؛

(أذا حدث وأنفجرت آلاف الشموس في السماوات بشكل مفاجيء، وغمرت الأرض بأشعة لم يُرَ مثلها، عندئ من الممكن أن نحلم بذلك الواحد المقدس والمبجل).

أن رؤية الهندوس وعقيدتهم بفناء العالم، وأن النهاية الأزليه هو الروح المطلقه التي يمكن أن تضمه لها، هو من جعله يتخلى عن جسده، ويعيش حالة الزهد الى أقسى حالاته، لأنه يعتير الجسد مادة، والمادة تمنع الروح من الأنطلاق والتأمل في الروح الكلية، هذه الفلسفة هي من كشفت حياة الزهد والكفاف في حياة الهندي وأهماله لجسده، أنه يتوق لنشوة الأتحاد مع البرهمان-أتمان. وكما قلنا أن هذه الديانه متحركة المواقف فيما يخص الاله، وأن كانت لها مواقف ثابته في شؤون أخرى، مثل نظام الطبقات، وعقيدة تناسخ الأرواح، وهي أن الأنسان يمكن أن تنتقل روحه الى كائن أخر سواء كان أنسان أو حيوان أو نبات وحتى جماد، وهذه ما تسمى بتدوير الولادة، أما تكون نحو الأعلى أو نحو الأسفل، وهذا يعتمد على سلوك الأنسان ونوع الأخلاق التي يمارسها مع الأخرين، وهناك عندهم قانون كارما تُوضح فيه هذه التفاصيل، ولكن على العموم هناك ما هو متغير وخاصة مسألة الالهه وطبيعتها وعلاقتهم بها، ولذلك نرى بين فتره وأخرى تخرج علينا فرقه أو طائفة تحمل عقيده حول الالوهه تفترق فيها عن ما سبقتها، لذلك حتى في مسألة وحدة الوجود التي أفترضت الوحده التامه، نرى هناك من جاء ببعض الأفكار التي تحمل شيء من الأختلاف، الا وهو رجل أسمه (سانكارا (788-820م) حيث لا تخلو أفكاره من الغموض والأبهام، حيث يفصل سانكارا بين العالم والبراهمان، ولكن في نفس الوقت مرتبطين مع بعضهم بشكل غير مستقل، فهو يصف البراهمان بالغير مشخص، والغير موصوف، وأنه خارج نطاق التجربة الأنسانية، وأنه لا يفنى ولكن لا تربطه بهذا العالم علاقة سببيه لأن الكون على حد زعمه ظهر بفعل وقوة المايا، وهي قوة سحرية جاءت على يدي الاله أشفارا، وتنتهي بسلسله الى اله مستتر هو براهمان، وهنا أتسال كيف لا تربطه علاقة سببيه بالعالم، والسلسله تنتهي به؟ فهم يلتقون مع من سبقهم أن هناك قوة المايا، كقوه وسطية بين الالهه والعالم، وأن العالم جاء عن طريقها، وهذه القطعة من أناشيد متأخرة من الأوبانشياد يكشف ذلك:

(ان صانع الوهم يعكس الى الخارج هذا العالم كله من براهمان...)، فنرى هنا أن المايا هي القوة الساحرة التي أظهرت العالم، ولكن هذا الوهم غير مطلق، فالمطلق فقط هو البراهمان (اشفارا)، وأن أشفارا هو المبدأ الالهي الحي، والذي يكون تحت أسماء مختلفة مثل (فيشنو، شيفا، براهما) هم عبارة عن ظهور الهي ثلاثي الأبعاد صدرت من (براهمان-أتمان)، وهو بالحقيقه أن اشفارا هو (براهمان –أتمان)، وبالتاي هو الخالد بلا مكان ولا زمان، وأنه الضابط الباطني لكامل العالم في مختلف أجزاءه كما تُشير الأوبانيشاد في ذلك حتى تُسمى بالتوحيد المؤهل، أو بالحقيقة النهائية أو الكائن الأعظم. ففي الأعتقاد السابق كانت هناك وحدة تامه للوجود أما سانكارا فقد فككها بعض الشيء وأضاف لها قوة المايا، وهكذا تمر الهندوسيه عبر الزمن بأطوار متعدده يتخللها الكثير من التباينات والتحولات في مسألة الالوهية وطبيعتها. فعلى سبيل المثال كمصداق على هذه التحولات والفرق التي خرجت من رحم الهندوسيه، هي الجاينية والبوذيه والسيخية، وهي توجهات أدلت بدلوها عن الهندوسية الأم في مسألة الالوهه، وأحدثت أنعطافات كبيره، حتى أثرت على تماسك وأمتداد الهندوسية في الهند مما أصابها بعض الوهن والتلكأ في أنتشارها، ولكن مع ذلك بقى عامة الجمهور الهندي سادراً بديانته الشعبية بعيداً عن النخب الفكريه وقد نرى بعض الموظفين البرطانيين الذي عملوا بأدارة الهند أنذاك وقد وصفوا حالة التدين في الوسط الشعبي فذكروا (الفرد العادي لا يلقي بالاً في حياته اليومية لمستقبل وجود لاحق، هو أنسان قانع بعبادة الهة القرية الصغار، الذين يتطلع أليهم من أجل المطر والمواسم الخيرة، والنجاة من الطاعون والكوليرا..).

نلاحظ أن التعدد يقوى ويضعف بين الحين والآخر، لذا الهندوس يأتون بالهه معاونون للحقيقة المطلقة (براهمان-أتمان) ويكونون كمساعدين الى جنبه، وهؤلاء الالهه الثلاثة هم (براهما-شيفا-فيشنو)، وحتى هؤلاء الثلاثة، وحتى هذه الالهه الثلاثة تستوعب وظائف مئات بل آلاف الالهه المحلية في المدن والقرى المختلفة، وهذا التعدد بالوظائف ما لمسناه بالديانات التي تطرقنا عنها سابقاً (السومرية والبابليه والسورية والمصرية واليونانية) وسميت بالآلهه الثانوية، وكذلك الأمر يتكرر هنا بالديانه الهندوسيه وهذا دليل أشتراك الكثير من الأديان بمشتركات كثيره، وهذا دليل على سير التفكير الأنساني في المسألة الدينيه بطريق شبه متوازي خلال تطور التفكير الأنساني عبر التاريخ، فهنا نرى الهنود وقد قسموا هذه الآلهه حسب وظيفتها، فمثلاً يختص الاله (براهما) بالخلق، والاله (شيفا) بالتدمير، والاله (فيشنو) بالحفظ، ويبقى (براهمان-أتمان) فوق كل ذلك.

لم يقف قطار التغير على الديانة الهندوسية عند هذا الحد، بل سار قُدماً بأتجاهات مختلفة، كما وهناك من رجع القهقري الى الديانه الهندوسيه القديمه وأعتبروها هي الأصل بعد أن رأوا التغير الذي عصف بمبادئها، مما خلق حالة من الأضطراب والحنق بين صفوف أتباعها، مما حدى بهم بالرجوع الى أصل الديانه لكي يتخلصوا مما عَلق بها مما يعتبرونه من تشوهات، لذى رجعوا الى الفيديه القديمه والتي تحتوي فيها على عدة الهه.

من الفرق التي أنحدرت من الهندوسية قديماً مثل الجاينيه والبوذيه، أما التي جاءت بعصور متأخرة فكانت مثل السيخية و والحركة الليبرالية بقيادة (رام موهانروي) عام 1828 م وأتباعها يُدعون بـ(البراهمو ساماج) وهو توجه يسعى الى أن كل الأديان لها نواة روحية واحدة والأيمان بوحدانية الله والتي يدعوها بـ(الكينونة الخالدة والممتنعة التي لا تخضع للبحث، مؤلفة الكون وحافظته)، كما هناك من أنصاب بردة الفعل القوية على ما طرأ من تغيرات لم تعجبه على الديانه الهندوسية وأعتبرها نوع من الشعوذه والأنحراف ، فرجع الى الفيدا بأعتبارها الديانه الأصلية التي لم تدنس بالشرك والألحاد، بالأضافة الى ظهور حركة (راماكريشنا) وهي الأخرى أنبثقت من الهندوسية، والتي دعى منظرها (راماكريشنا) الى أن جميع الآلهه والألهات أنما هم جوانب متعددة لبراهمان مطلق واحد. يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5390 المصادف: 2021-06-08 03:49:50


Share on Myspace