 دراسات وبحوث

الاله في الأديان القديمة في الشرق الأدنى (3-11)

اياد الزهيري(البوذية، التاوية، الكنفوشيوسية)

تطرقنا في الجزء الأول من حلقة (الاله في الأديان القديمة في شرق آسيا) عن البوذية، وفي الجزء الثاني عن التاوية، وفي هذا الجزء سوف نتطرق الى الديانة والبعض يعتبرها الفلسفة الكونفوشيوسية في موقفها من مسألة الالوهية. في الحقيقة هناك الكثير من المشتركات بين التاوية والكونفوشيوسية، ولكن في الكونفوشيوسية الآلهة لها حضور أعمق وأشمل، وفيها طقوس وشعائر أكثر من التاوية، كما أن البعد الأخلاقي يدخل حتى في الجانب السياسي، وقد كان وما يزال للفلسفة والتربية الكونفوشيوسية الأثر البالغ في الحياة الصينية وبعض دول شرق آسيا، وأن البصمات التي تركتها واضحة المعالم في العادات والتقاليد والأخلاق العامة.

لقد نشأت الديانة الكونفوشيوسية في القرن السادس ق.م، وأن مؤسسها عاش بين (551-479 ق.م) وولد في ولاية (لو). ولد الرجل في ظل أزمة فكرية، وصراعات سياسية عصفة بالبلاد حتى أخذت الحياة السياسية والأجتماعية بالتداعي والأنحدار، مما راع الأمر هذا الفيلسوف وجعله يفكر في وضع حلول لما يجري بالبلاد من تداعيات خطيرة، هذا الأمر جعله يفكر بأسترجاع القيم والتقاليد الصينية، وأعادت الروح والمثل الصينية العليا، وهذا ما جعلته يركز على الفلسفة الأخلاقية، ولكن كالعادة في الحلقات السابقة سنركز على مسألة الاله في الديانة الكونفوشيوسية، ولكن من الضروري الأشارة الى أن كونفوشيوس قد جمع التراث الصيني القديم وشذبه وأضاف علية بما يحتاجه عصره، لذا ففي فلسفته الكثير مما يعتبر أمتداد لتعاليم صينية قديمة.

من الملاحظ أن بوذا لم تشغله مسألة الآلوهية كثيراً، بل ركز فقط على الأنسان، والبحث في أسباب شقاءه، وبأختصار كانت فلسفة بوذا تتركز على تحرير الأنسان من بؤسه ومعاناته، وحدد ذلك بالسيطرة على الرغبات والمتع الحسية، ولكن من الغريب أن أَتباع ومريدي بوذا جَعلوا منه الهاً يُعبد وتُقدم اليه القرابين والصلوات، وهكذا تحدث التغيرات في الأديان بسبب ما يتفرع منها من أديان شعبية، في حين أن كونفوشيوس يكون اله السماء من أولوياته، وأن لم يتعمق في ماهيته، لمعرفته المسبقه بأن الماهيه الالهية لا يمكن لعقل الأنسان أدراك كنهها، مما جعله يركز على وجوده، وما يعكسه هذا الوجود من تجليات، وما يطلبه اله السماء من الأنسان من أخلاقيات تشتغل على تساميه في عالم التكامل.

التاوية أقتربت من مجال الالوهية بخطوات أكثر من البوذية، وتكلمنا كما ذكرنا في الجزء الثاني من حلقة (الاله في الأديان القديمة في شرق آسيا) عن المبدأ الأول، وعن التاو الذي وصفته بالمطلق والخالق للطاقة والحركة التي تكمن في الأشياء، وهو القائم بنفسه، والذي يقول عنه لاوتسو بأنه لا يعرف أسمه، وفي مكان آخر يصفه بالعظيم، وكل هذه الصفات التي يصف بها لاوتسو تدور حول الألوهيه، وتقترب منها، بل وفي بعض تلميحاته تعني الاله بالخصوص، ومنها قول لاوتسو بوصف التاو (هناك شي بلا شكل، موجود قبل السماء والأرض...) أما كونفوشيوس فيعترف أعترافاً واضحاً، ويقر أقراراً صريحاً باله السماء، ويدعو الى التقرب اليه عند طريق الأخلاص بأقامة الطقوس، ومن خلال الألتزام بالأخلاق التي تدفع بالأنسان نحو التسامي. من مثل الأخلاص والصدق والتواضع، وبالنسبه للحكام أن يُعامِلوا الرعية بالحسنى، وأن يلتزم الأنسان بالفطرة الخيرة التي فطره الله عليها، وهناك قاعدة ذهبيه وضعها كونفوشيوس تقول (عامل الناس بما تحب أن يُعاملوك). فالاله في فلسفة كونفوشيوس ذو بُعد محوري، وفاعل في خلق الكون وصناعة المجتمع القوي والسعيد، بشرط الألتزام بتمجيد الاله (تين) وأجلاله والخشوع له، وأقامة فروض الطقوس بأخلاص وأنضباط، فكنفوشيوس وضع شرطاً لعدم وقوع الأنسان في مستنقع الخطيئة والسقوط والمرض، وذلك من خلال أتباع ما أودعه رب السماء من نظام أخلاقي يستطيع الأنسان التعرف عليه من خلال التعلم من الطبيعة والتثقيف الذاتي والنظره والألتزام بأيحاءات الفطرة السليمة. فاله السماء حاضراً في الخلق والمراقبة والجزاء،وهو القطب والمحور في دائرة الكون وليس كبقية الفلسفات العدمية كفردريك نيتشه الذي اعلن موت الله

لقد ربط كونفوشيوس الأنسان بالاله برابطة قوية، حيث أن الأنسان الكامل في نظره، والذي أطلق عليه لقب (تشون تزو) هو ذلك الأنسان الذي يكون ممتثلاً للاله، وخاصة في النظام الأخلاقي. أن فلسفة كونفوشيوس ترتكز على أن الكون برمته من أبداع رب السماء، وأن الأنسان عليه أن يساير النظام الطبيعي الذي هو جزء منه، وبما أن طبيعة الأنسان وفطرته الأصيلة ذات طبيعة خيرة، فعليه أتباعها من خلال الأستماع الى هذه الفطره التي تسعد بعمل الخير وتمتعض من عمل الشر. كما يدعو كونفوشيوس الى القبول بالقدر بأعتباره تقدير سماوي، ينبغي أن يأخذ مجراه في حياتنا، ونقبله كما قدر لنا، وهذا القبول والرضا سبب في سعادة الأنسان وأختفاء بؤسه وشقائه. لم يقف أيمان كونفوشيوس فقط برب السماء بل يؤمن بكائنات روحية، تشكل ماهية كل الأشياء، وهذه لا يمكن أن يوجد شيء من دونها (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح). أن أيمان كونفوشيوس برب السماء وبنظامه الأخلاقي وبالكائنات الروحية هو من أضفى على فلسفته الطابع الديني، وهذا الأيمان لا يختص بكونفوشيوس وحده، بل نرى تلميذه (مينغ تزو) قد نحى نفس المنحى، حيث آمن باله السماء الغير مجسد، وأنه قوة روحية لا بد من أطاعتها، وأن السماء في نظره هي من تتحكم بمصيرنا، كما يؤكد أن نظام الحكم الفاضل مدعوم من السماء، وأن هذا الدعم يُرفع حين تكون هناك أساءه من الحاكم، وهذا يوضح بشكل لا يقبل الشك بأن السماء من وجهة نظر الكونفوشيوسية، هي من تخلق الكون، وهي من تضع قانونه الأخلاقي، وهي من تراقب، ومن تجازي على فعل الخير والشر، ومن الملاحظ أن أحد علماء الكونفوشيوسيه وهو (تونغ تشانغ شو 176-104 ق م) ساق دليل على وجود اله السماء جواباً على سؤال الأمبراطور، بنفس الطريقة التي أعتمدها الفيلسوف الألماني عمانؤيل كانط في دليله على وجود الله أعتماداً على وجود المنظومه الأخلاقيه في فطرة الأنسان، حيث قال (تونغ تشانغ شو) (عندما تسود الفضيلة سوف تأتي بشائر خير من السماء أستجابة لذلك)، وهو عين ماقله كذلك تلميذ كونفوشيوس (مينغ تزو) (ان نظام الحكم الفاضل مدعوم من السماء...)، كل ذلك يدل على أن العلاقة التي تصفها الكونفوشيوسية بين الأنسان والاله هي علاقة ديناميكية، وذلك من خلال الأشارات التي ترسلها السماء من دلائل الخير والشر أنعكاساً لسلوك الأنسان وممارساته الأخلاقية.

هناك من المصادر التاريخية من تقول أن الكثير من الأفكار والعقائد التي قال بها كونفوشيوس، هي بالحقيقة أفكار صينية قديمة، ولكن كنفوشيوس جمعها وهذبها، وجعلها في نسق منتظم، وواحده من هذه العقائد، هو اله السماء (تيان) الذي آمن به الصينيون القدماء، وأن السماء كلمة مقدسة عندهم، ولا تعني عندهم بأنها كلمة مقابلة للأرض وأنما تحمل معنى الألوهية الكبرى، وقد ذكرنا بالجزء الثاني من هذه الحلقة أن التاويون يعتبرون (تيان) الاله الأكبر، وهذا ما موجود في كتبهم الخمسة القديمة (الأسفار الخمسة)، وهناك نص في سفر القصائد (23) يُستدل به على هذا المعنى، حيث قال الشاعر (أوجد السماء (تيان) انسان، ودبّر له القواعد لشؤونه، ليتمسك بها عروة وثقى، فيميل البشر الى الفضائل فطرة) كما يمكننا الأشارة الى سفر الوثائق كأقدم سجل بين الأسفار الخمسة فيه عبارات مثل كالاله الأكبر، والمالك الأعلى في أرادته وأوامره للأنسان والمجتمع). وقد أكدت الحضارة الصينية تعلق النظام الأخلاقي باله السماء من خلال ما يذكره التاريخ في عهد أسرة (تشو) (1077-771 ق م) حيث أصبح النظام الأخلاقي السماوي كبرنامج عمل سياسي للحكام والملوك، وننقل هنا نص ينصح فيه الملك الحكيم (شون) خليفته وولي عهده (يو) (لقد نزل عليك السماء (تيان) حظاً عظيماً، وقدر لك أن ترث مني سلطة ومُلكاً.... فكن متواضعاً دائماً.... وأد واجباتك لأجابة مطالب الرعية وحوائج الشعوب... وأن ضاق على الجمهور من أنحاء البلاد معايشهم وشقت شؤونهم، فسيقطعك السماء (تيان) من الحظ والنعمة بتةً) (المصدر: الأوهية في كتاب الوسطية والأعتدال عند مذهب الكونفوشيوسية، مريم سليمان- د أحمد جان الأزهري)، وهنا نلمس العقيدة باله السماء والأمتثال لأوامره متاصله في المجتمع الصيني السابق لكونفوشيوس، والذي نسج على منواله كونفوشيوس.

كما قلنا أن كنفوشيوس قد ورث تراث صيني كبير، لكن مشتت، فجمعه وطوره، وكان للبعد الأخلاقي أهتمام خاص، حتى أنه أدخل فكرة الرحمة (رين) والتي أعتبرها من صميم فطرة الأنسان التي فطر الله الناس عليها. فقد جاء بأحد النصوص الكونفوشيوسية (ان ما أمره السماء (تيان) للآنسان يسمى بالطبيعة الفطرية، وأتباع الآنسان لهذه الطبيعة الفطرية والأهتداء اليها يسمى بطريق الحق ( داو)، ونورد بالأضافة الى ذلك، وما يؤكد أمتداد هذا المعتقد أحفاد وتلاميذ كونفوشيوس ومدى أيمانهم برب السماء، وضرورة أتباع نظامه الأخلاقي، الذي يسير بالتوازي مع النظام الطبيعي الذي جاءت على أساسه المنظومة الكونية، فيقول حفيد كونفوشيوس (تس س) فيما يخص الأعتقاد بربوبية السماء ما نصه في الفصل السابع في كتاب (الوسطية والأعتدال) فمن يزرع حسنة يزده السماء اعلى فضيلة ونعمة، ومن يأت الى السيئه يزده خسارة وهلاكا.... سنة السماء الأعلى قدراً مقدورا).

هناك نقطة جديرة بالأهتمام، الا وهي ما أثاره بعض الباحثين بأن كونفوشيوس لم يتعمق كثيراً في مسألة الألوهية، ومنهم تلميذه (تس تونغ)، فقد قال (يمكن أن تسمع فضائل الأستاذ، وآدابه، ونادراً أن تسمع أحاديثه في طبيعة الأنسان وفي ذات السماء (تيان) وسنته)، وقد أجابه العالم (موزنغ سان) (1909-1990) حيث قال (ان وجود السماء (تيان) وذاته قائم بنفسه موضوعياً، وان الحكيم (كونفوشيوس) غالباً لا يسرف وقته في الأستقصاء عن ذات السماء (تيان) ولا يدخل فيه ظناً عقلياً، اذ كان هذا الموضوع في الحقيقة لا يصل بعقل الأنسان وظنه الى معرفة حقيقته. وبهذا ترك كونفوشيوس الموضوع جانباً، بل من جانب آخر فتح للأنسان باباً وهو التطبيق بفكرة الرحمة (رين) والسير على طريق الحق لمعرفة ارادة السماء (تيان)وعنايته، حتى يتصل الأنسان أخيراً به اتصالاً خلقياً وروحياً) المصدر (الالوهية في كتاب الوسطية والأعتدال عند مذهب الكونفوشيوسية). نرى من خلال ما توصل اليه عقل كونفوشيوس كان مصدره ما تفتق به عقله من أستنتاجات أقتربت به من مباديء الأديان السماوية، وهذا دليل على أن العقول الصافية والفطرة السليمة تقترب بالأنسان من المنبع الألهي المتجسد في مبادي وتوصيات الأديان السماوية..

هذا مجمل ما يخص موضوع الاله في الفكر والديانة الكونفوشيوسية وبأختصار شديد، ولكن قبل أن نأتي على نهاية المقال، أحببت أن نتطرق الى ما أبدع أحد أتباع كونفوشيوس، حيث أضافوا وطوروا بعض المسائل فيما يخص نشوء الكون، ومن هؤلاء ما يُدعى (شوهس) (1130-1200) فقد طور المفهوم الميتافيزيقي للكونفوشيوسية، حيث قدم أفكار مبتكره كمفهوم (المآل العظيم)، وهنا نجمل نظرية (شوهس) بنص ينقله لنا فراس السواح بموسوعته (موسوعة تاريخ الأديان ج4) ما يأتي ( أن هناك مبدأ يسمو على الزمان والمكان، وهو سبق وجود الكون، وسيبقى بعد أنهيار الكون)، وبحسب منهج ( شوهس) فأن الكون بمجمله ما هو الا مبدأ واحد (المآل العظيم)، وأن هذا المآل العظيم مستودع كل المباديء المتحققة والكامنة، وقد عزا (شوهس) القدرة الأبداعية أو التوليدية الى المآل العظيم، وبحسب قول (تشو) بأن المآل العظيم لا يحد بحدود، وليس له شكل مادي، وهذا يعني كما صورها المبدأ التاوي بالمبدأ الأول أو التاو. فالمبدأ عند تشو معنوي وواحد، وخالد ولا متغير، وثابت على حاله، انه يشكل جوهر الأشياء، وهو علة الخلق، خير دائم، انه يمثل العالم الميتافيزيقي، وهو ما يعبر عنه (تشينغ آي) بقوله (ما هو موجود فوق الشكل)، وأن (شوهس) قد جعل الأولويه للمبدأ على القوة المادية، ولكنه يقول أنهما متداخلان بحكم طبيعتهما، ولا يمكن فصلهما ولا يتقدم أحدهما زمنياً على الآخر ولكن للمبدأ أولوية.

 

أياد الزهيري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5415 المصادف: 2021-07-03 02:27:10


Share on Myspace