ميثم الجنابياعتقد الريحاني، بأن تغلغل السياسة والرؤية السياسية المتطرفة للأمور هو سبب التفاؤل المفرط والتشاؤم المفرط. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "المتشائمون والمتفائلون في الشرق لا يتجاوزون في نظراتهم ومساعيه الحدود السياسية"[1]. وهو حكم دقيق ينطلق من فكرة الريحاني نفسها عن أن الإصلاح هو تدرج في ارتقاء من المستوى الطبيعي إلى المستوى الاجتماعي ومنه إلى الأخلاقي، أي عملية مترابطة ومعقدة تفترض التوازن والتجانس بين مكونات التطور والرقي. لهذا حذر من مغبة التطرف وتجاهل قيم الإصلاح الحقيقي. وتوصل هنا إلى أحد أهم استنتاجاته الفكرية العميقة القائلة، بأنه "إذا اختل التوازن في المنفعة ومالت كفة الميزان فهناك السيادة الفاسدة أجنبية كانت أم وطنية، من القوي كانت أم من الضعيف، وهناك الاستيلاء والاغتصاب والظلم والاستبداد"[2].

من هذا المنطلق يمكن فهم موقفه من تقييم ثورة العشرين في العراق، التي وجد فيها تسرعا. إذ اعتقد حينذاك بأفضلية وجود الإنجليز المؤقت في العراق انطلاقا من أن العراق تحمل السيطرة الأجنبية (من فرس وأتراك) حوالي الف سنة، وبإمكانه أن يتحمل ذلك سنة أخرى! لاسيما وأن المعتدلون والمتطرفون يدركون بأن الاستقلال لا يعطى مجانا. وأن الانصياع والاندفاع وراء رجال الدين مهما كان إخلاصهم، لا ثبات فيه، لأنهم عرضة للتغير السريع. وليست الثورة في الواقع سوى نتاج مغامرات رجال السياسة وتأييد القبائل، وليست نتاج تطور اجتماعي وإدراك حقيقي للتقدم. لهذا أدت إلى صنع أحد أسباب التخريب الكبيرة، ألا وهو تأسيسها لشرعية استخدام السلاح وتقاليد الاقتتال عوضا عن دفع أولوية صراع الفكر وحاكميته في حل الخلافات. ولعل القدر الإيجابي الوحيد في ثورة العشرين في العراق، أنها وحّدت العراق في مدنه وقراه وقواه[3]. ولم يعن ذلك انتقاده للثورة كما هي أو انتقاصه منها. على العكس. فقد قيّم الريحاني الثورة عاليا، بل اعتبرها ضرورة تاريخية ووجد فيها "كلمة الله مجسدة في الأشياء"[4]. بل وجد تجليها في كل شيء، بما في ذلك في الطبيعة من زلازل وبراكين وسيول وطوفان. ومن هذا المنطلق توصل إلى أن تاريخ الإنسان هو "هزات هائلة تسمى بالثورات والحروب"[5]، أي انه أعطى لها بعدا ناموسيا (طبيعيا)، واعتبرها حلقة ضرورية في كسر مسار التاريخ "السيئ". من هنا استنتاجه القائل، بأن الثورة هي "مطهر الأمة وقد ثارت على ما فيها من الظلم والفساد، ومطهر الإنسان وقد ثار على ما في نفسه من قديم التقاليد والخرافات"، وبالتالي فأن من لا يثور على ما في نفسه لا ينجو من العبودية، ولا حق له بأن يشكو من العبودية[6]. واعتبر نفسه لهذا الغرض إنسانا ثوريا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه ثوري لا تهمه الكعبة أكثر مما يهمه الدستور[7]. ولكنه "ثوري روحي سلاحه الكلمة". وأكد في إحدى مقالاته على أنه كان متخصصا في البداية بحياة روبسبير وكتب سلسلة مقالات عن "زعيم الثورة المعصوم" لجريدة شبلي شميل[8]. وهي "عصمة" وجدها في كل تاريخ الثورة الفرنسية والثورة البلشفية بالنسبة لتاريخ العالم ككل. وأورد بهذا الصدد الحكاية التي تروي قصة الملك الذي أمر باختصار حجم الكتاب الكبير الذي دوّن له حسب طلبه لأجل معرفة تاريخ الشعوب كلها. وعندما اختصره للمرة الأولى رده إليه ثانية وأمر باختصاره مرة أخرى. وفي كل مرة بعد اختصاره يأمر باختصار إلى أن شارف على الموت. عندها اختصره له الحكيم بعبارة واحدة:"لقد تنفسوا وتنافسوا وتعرفوا وماتوا"! وعلق على هذه الحكاية، قائلا بأن "في الأمة الفرنسية من نتائج الثورة العظيمة ما تبقى آثاره حية في ترقي الأمم"[9]. ونفس الشيء قاله عن الثورة البلشفية، التي "زرعت بذور الإصلاح البشري الأكبر، بحيث وجد فيها أسلوبا لتطهير الشرق من أمراضه واستثارته صوب الترقي"[10]. واعتقد بأن الثورة البلشفية أو ما اسماه أحيانا "بالكارثة الحمراء" تغطي برياحها "على كل الأضاليل الروحية والمدنية والسياسية والاقتصادية التي قيدت الإنسانية منذ البدء حتى الآن"[11].

فالثورة بالنسبة للريحاني هي ليست فعلا مرتبطا بالبطش. ولهذا عارض فكرة كارليل، الذي وجد فيها فعلا لأجل الخبز. ورد عليه قائلا، بأن المؤرخ الذي يعتقد "بالصعود المتواصل والترقي الدائم فهو لا شك يرى أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"[12]، أي أن للثورة أبعادا تتجاوز المتطلبات المادية المباشرة. فالثورة هي "كلمة الله المجّسدة في الأرض"، أي أنها معنى البديل الحق. لهذا نراه يقول، بأن قوة الفوضى زمن الثورات يتبعها نظام جديد مبني على الخير والعدل هو أفضل من المظالم المستمرة[13]. لاسيما وأن الثورات في الأمم هي "نوع من العدل البشري الذي يمده من جهة عدل الإنسان، ومن جهة أخرى عدل الله"[14]. وليس عدل الإنسان وعدل الله هنا سوى الصيغة "التقليدية" لوحدة العدل كفضيلة (أخلاقية) والارتقاء (كحاجة طبيعية). وفي نهاية المطاف يرتبطان بحرية الإنسان وإرادة الخير باعتباره تحررا. وهي فكرة نعثر عليها واضحة في بحثه الذي قدمه عن (الشاهنامة) وفي تمثيليته (وفاء الزمان)، التي جعل من الثورة فيها أسلوبا للتحرر من الظلم كما جعل من الفعل الإنساني شرطا ضروريا للتحرر. ومن ثم ليس الإبداع الحق للحرية سوى الفعل الذي لا يحدده شيئا غير الحق. وليس مصادفة أن يشيد الريحاني بالخوارج ويعتبر نفسه خارجيا، على الأقل في ميدان اللغة والأدب[15]. وأن يفسر فكرتهم عن أنه "لا حكم إلا لله" بمعناها الصحيح، معتبرا إياها تمثلا وتمثيلا للحق المطلق، أي حق الجماعة (المجتمع). بل اعتبرها كلمة عظيمة لم ينضج آنذاك المجتمع ولا الآن لتمثل حقيقتها كما هي. وذلك لأن تنفيذها يفترض ارتقاء المجتمع إلى مصاف الحق[16]. كما وجد في المسيح اشتراكيا مبشرا بالحرية والعدل والمساواة وعدوا للمسيحية المعاصرة والكنيسة، لأنهما على طرفي نقيض. إذ لو ظهر المسيح الآن لخاطب المسيحية والكنيسة قائلا: أين عهد الإيمان؟![17].

لم تكن آراء الريحاني المبعثرة عن الثورة في مقالاته وتعليقاته وتمثيلياته ويومياته سوى الوجدان الذي تحسس وتلمس معنى الانتفاضة على الواقع القائم والرد إلى الرذيلة المنتشرة بوجد الفيلة ونفيها لمضاداتها. لهذا اعتبر طريقة الشخصية المثلى في الثورة هي إنجاز الثورة الفكرية. من هنا فكرته عما اسماه بأولوية الثورة الأدبية على الثورة السياسية، وأولوية الثورة الروحية على الثورة الاجتماعية[18]. ولهذا السبب وجد في الفلسفة الرواقية "أصلح الفلسفات"، لأنها "تعلمّ الواجب والإرادة والهمّة"[19]. وفي هذا تكمن رؤيته للدنيوية (العلمانية) والمجتمع المدني باعتبارهما ميدان تجلي الثورة السياسية والاجتماعية. وبهذا المعنى أيضا يمكن فهم آراءه عن ضرورة إصلاح الدين وتنقيته من خلال "تخليصه من السياسة". ووجد في ذلك الشرط الضروري للإصلاح، الذي لا تتم بدونه النهضة الفكرية والروحية الحقيقية[20]. ومن هنا شعاره "كن من أنصار الدعوة الإصلاحية التي تنير بنور الوطنية"[21]. وليس مصادفة أن ينتقد بهذا المعنى كل من الأفغاني وسليم سركيس اللذين اشتركا في اللهجة الحرة والغيرة الشرقية والجرأة، إلا أنهما لم يتجردا من التقاليد الدينية، الأول من الإسلام والثاني من النصرانية. واعتبر ذلك ضعفا[22].

إن الشيء الوحيد الذي يجمع آراء الريحاني المتضاربة هو وجدانيتها الصادقة، أي ليس فقدان النظام الفكري فيها سوى الصيغة التي تتفاعل مع متغيرات الوجود. أما هذه المتغيرات فهي الوحيدة التي تستحق الانتباه والتأمل والتحليل وتحديد المواقف. وهي وجدانية أرادت جمع كل شيء من اجل قول كل شيء. لهذا ظلت عائمة مع ما هو قادر على العوم، وغائصة مع ما هو قادر على الغوص، ومتحركة مع ما هو حي، وجامدة مع ما هو ساكن. كما احتوت على أنواع المتضادات دون أن ترتقي إلى مصاف الوحدة. ولم يكن ذلك معزولا عن رغبتها الوجدانية الصادقة في الوحدة. بل يمكن القول، بأن الوحدة هي علة التنوع والمتضادات في إبداع الريحاني وهاجسه الخفي. وقد أجاب مرة على سؤال عن ماهية ذاته، قائلا "من الناحية العنصرية هي سامية آرية (آشورية-إيرانية-يونانية-عربية)، ومن الناحية الدينية هي بعلية-ادونيسية-مسيحية-إسلامية-صوفية، ومن الناحية الأدبية هي شرقية-غربية، ومن الناحية السياسية هي أرستقراطية (شرقية بالإرادة) وديمقراطية (غربية بسيطة)"[23]. وهو خليط يمكن عقله والقبول به، باعتباره أمرا "طبيعيا" من الناحية التاريخية والثقافية "للنشوء والارتقاء" الفردي للريحاني. ولكنه خليط ظل "متجزئ" في المواقف، أي انه لم يتحول إلى نظام معقول له مبادئه المستقلة. وهي نقيصة لها فضيلة في ميدان المعركة الدائرة آنذاك في العالم العربي بشكل عام وفي سوريا الطبيعية بشكل خاص، من اجل "الارتقاء" عن حضيض التجزئة والطائفية.

لقد أراد الريحاني القول، بأن الوجود "الطبيعي" للعالم يفترض انطلاقه من المستوى "الطبيعي"، والإرتقاء إلى مصاف المستوى الأدبي والروحي. وهو ارتقاء لا يمكن تجسيده دون ما اسماه بالتساهل، حيث وجد فيه مبدأ ضروريا ومطلوبا في كل أمور الحياة[24]. إذ أنه "أساس التمدن وحجر زاوية الجامعة المدنية"[25]. وفي هذا يكمن سرّ معاداته للحزبية والسياسة المبتذلة، باعتبارهما الأساليب الأشد تدميرا للكينونة العربية ووحدتها الداخلية. واستغرب أن يكون ما اسماه بالأمة السورية التي لا يتجاوز عددها ثلاثة ملايين أن يكون فيها خمسة عشر حزبا وملة. وجعل من شعر ابن عربي

لقد صار قلبي قابلا كل صورة       فمرعى لغزلان ودير لرهبان

شعاره العملي في محاربة التجزئة والحزبية والطائفية بمختلف ألوانها وأشكالها ومستوياتها. وردد في أكثر من مكان آراء ابن عربي عن أن قلبه يتسع للأديان جميعا، لأن دينه هو دين الحب، فكيفما توجهت ركائبه فالحب دينه وإيمانه. وهو رد يستند إلى ملاحظاته ودراسته لتاريخ سوريا، باعتباره تاريخ النكبات بسبب العصبية والقبلية والجهوية والأسرية والطائفية. ووجد في العصبية سبب سقوط الدولة العربية، التي طابقها مع المرحلة الأموية فقط. واعتقد بأنها عصبية ظالمة وليست عصبية عربية جامعة للكلّ[26]. وتجربة التاريخ العربي تكشف عن انه حتى الدين التوحيدي (الإسلام) لم يستطع القضاء على عصبيات العرب من قبلية وجهوية ومذهبية. وجعله ذلك يصف سوريا ببابل العصبيات وبابل الأديان[27]. وهي تسمية يهودية توراتية تفتقد لما يسعى إليه الريحاني نفسه، لأن بابل هي ليست رمزا للعصبية والتجزئة، بل رمز القدرة الكبيرة على ردم عصبيات اليهود وأمثالهم. إلا أن معناها هنا يقوم في ذم التجزئة. وقدم نفسه نموذجا لتجاوزها، عندا كتب يقول، بأنه لبناني المولد عربي اللسان، ماروني مسيحي، روحه في العالم العربي ككل. وتوصل إلى هذا الإدراك في مجرى رحلته المديدة إلى أمريكا ورجوعه منها إلى مسقط رأسه. ذلك يعني أن العصبية التي نشأت معه عرضة للتغير والتبدل والارتقاء، شأن كل شيء آخر. من هنا اعتقاده بإمكانية حل العصبية في سوريا والعالم العربي ككل. أما حلها فيفترض القضاء عليها. إذ العصبية بحد ذاتها ليست حكما أزليا، بل عرضة للتغير. ومن ثم فهي عملية تحوير وتحرير. وحلها الحقيقي يقوم عبر استبدالها بفكرة القومية أو الوطنية السليمة. والتجربة التاريخية لسوريا تكشف عن أن "الأقليات" الدينية والطائفية والمذهبية وما شابه ذلك عادة ما تكون "طعما للسائد من الحكام" و"مطية للمظالم" و"سيفا بيد الغزاة" وفريسة للمنتفعين". كما أنها كانت في الأحوال جميعا ويلا على نفسها وعلى الأكثرية في البلاد[28]. ولعل أشد هذه الأشكال إثارة في التعصب هو التعصب الديني والطائفي. بحيث وجد فيه "آفة الشرق الكبرى". من هنا استنتاجه الراديكالي القائل، بأنه "إذا كان الكفر هو السبيل الوحيد للقضاء على هذا التعصب، فلا بأس من أن يكون الكفر لازما للشرق"[29]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] المصدر السابق، ج2، ص137.

[2] المصدر السابق، ج1، ص353.

[3] أمين الريحاني: ملوك العرب، 2، ص335-336.

[4] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص38.

[5] أمين الريحاني، التطرف والإصلاح، ص24.

[6] المصدر السابق، ص24.

[7] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص129.

[8] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص146.

[9] المصدر السابق، ص56.

[10] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص19.

[11] المصدر السابق، ص23.

[12] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص52.

[13] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص19.

[14] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص19.

[15] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص154.

[16] المصدر السابق، ج2، ص133-134.

[17] المصدر الساق، ج2، ص142-143.

[18] أمين الريحاني: الطرف والإصلاح، ص31-32.

[19] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص183.

[20] المصدر السابق، ج2، ص130.

[21] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص15.

[22] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص111-112.

[23] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص10.

[24] المصدر الساق، ج1، ص15-16.

[25] المصدر السابق، ج1، ص25.

[26] أمين الريحاني: النكبات، ص74.

[27] المصدر السابق، ص59.

[28] المصدر السابق، ص5.

[29] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص15.

 

 

ميثم الجنابيإن التاريخ بالنسبة للريحاني هو ليس مادة وعي الذات وأسلوب الرؤية الواقعية وفرضيات البدائل الممكنة، بل مدرسة المواجهة الوجدانية مع الواقع وآفاقه. وتحتوي هذه المواجهة في أعماقها على أثر ما ادعوه  بتيار "لغة الضمير" و"تحصين الأركان" كما كان الحال عند جرجي زيدان وأمثاله، دون أن تتمثل استنتاجاتهما بصورة متجانسة مع تجاهلها لإبداع الإصلاحية الإسلامية الكبير. لهذا نراه ينتقد بصورة لاذعة آراء كارليل المليئة بأساليب الازدراء والسخرية في تعامله مع الماضي، معتقدا أن هذا الأسلوب لا يليق في سرد التاريخ لأنه كثيرا ما يشوش المعنى الحقيقي فيه[1]. بينما يعتمد على رؤيته عن البطولة والأبطال في التاريخ باعتباره أسلوبا جوهريا في "نسيان" الماضي، من ثم أسلوبا للتأهب نحو مواجهة الحاضر والمستقبل. ويندفع في نفس الوقت إلى "تسويد" الماضي وتعريته من كل فضيلة من اجل ألا ينخدع المرء به. ففي تعليقه على كتاب (خطط الشام) لمحمود على كرد، الذي جعل من تاريخ الدولة العربية الإسلامية نموذجا مثاليا يستحق التعظيم والبعث والمحاكاة، نرى الريحاني يبحث في التاريخ السوري (العربي) عما اسماه "بالنكسات". بحيث يقدم لنا في كتابه (النكسات) صورة مضادة تماما "للصورة الجميلة" عن التاريخ العربي. إذ يجعل من تاريخ سوريا سلسلة من النكسات القبيحة ابتداء من "الاستيلاء المصري" عليها وانتهاء "بالمماليك"، مرورا بالآشوريين والفرس والسلوقيين والأنباط والغساسنة والرومان والعرب والصليبيين وهولاكو! ويتحول تاريخ سوريا عنده هنا إلى سلسلة من الهدم والردم والخراب والدمار. إضافة لذلك أدت "موضوعية" الريحاني الوجدانية في التعامل مع "أحداث" التاريخ "السوداء" فقط إلى أن يتناسى دورته. وهو نسيان له قيمته الإيجابية في ما اسماه الريحاني نفسه بضرورة التناسي، لأن الهاجس المباشر وراء "اكتشافاته" للنقاط السوداء في التاريخ يتلألأ في بحثه عن العدالة والسلم والحرية والتسامح والعمران. مع أن كل هذه القيم لا يعقل إدراكها بمعزل عن نقائضها. وذلك لأن عمق محتواها نفسه يتحدد تاريخيا بمدى وسعة وعمق وجوه الشر والظلم والاستبداد.

إن تحويل التاريخ إلى "نكبات متواصلة"، لا يبدع وعيا ذاتيا، بل يؤدي في أفضل الأحوال إلى بلورة رؤية نقدية عادة ما تحفر فجوة الانفصال والانقطاع الثقافي مع التاريخ الذاتي. وأقصى ما يستطيع الوعي الفردي والقومي بلوغه فيها هو حدود القيمة الوجدانية للأبطال. وهو السبب الذي جعل الريحاني يطالب الإنسان العربي بقراءة التاريخ من اجل إدراك اللب فيه، و"من اجل نسيان قريضه وقوافيه". ووضع هذه الفكرة في عبارته القائلة "اقرءوا التاريخ متفهمين روحه وروح أبطاله، فتودون إذ ذاك أن تنسوا الماضي"[2]. ومع أن "نسيان الماضي في قريضه وقوافيه" يعني بالنسبة للريحاني استذكار أبطاله وذواته القوية والفاعلة، والذي نعثر عليه في إلحاحه على أن يكون هذا النسيان "مقدمة كتابة صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد"، إلا انه لا يؤدي فعليا إلا إلى اجترار تجارب الماضي والوقوع في دورة التاريخ التجريبية. وذلك لأن الوجدانية العارمة لا يمكنها خزن تجارب الماضي ولا جعلها وسيلة لترسيخ وعي الذات الثقافي ونفيه الدائم.

لقد "حرر" ذلك آراء الريحاني من هاجس الحصانة الذي ميز آراء أسلافه كالطهطاوي وخير الدين التونسي، وأبقى في نفس الوقت عليه بهيئة ذرات منحلّة لا يجمعها نظام، كما هو جلي في مقارناته بين الشرق والغرب. أما مساعيه لتوليفهما في سبيكة جديدة، فإنها مجرد تمني يستحيل تحقيقه، لأنه من مكونات مختلفة. فنراه يعظم إنجازات الغرب الأوربي في مختلف الميادين بحيث جعل منه نموذجا للمحاكاة وحافزا للرقي والتمدن الشرقي من جهة، وينتقد بصورة جلية ومستترة ما يتميز به هذا التمدن الأوربي من نواقص جوهرية.

فنراه ينتهز في مجرى استعراضه لأعلام الشرق والغرب كل فرصة متاحة من اجل كشف خلل الحضارة الأوربية. ففي تطرقه، على سبيل المثال، إلى شخصية تولستوي، نراه يشير إلى "أن أعماله تثبت أقواله، وله أقوال هي اقرب إلى رد الفعل على التمدن الأوربي مما هي إلى التعاليم التي قام عليها هذا التمدن"[3]. وارجع سرّ الخلل الجوهري في التمدن الغربي إلى ما اسماه بمدنية المال. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "تمدن أهل الغرب مؤسس على التجارة فقط. وروح التجارة الخبيث سائد على دوائرهم الاجتماعية والمدنية والأدبية والدينية". بل التمدن "عندهم هو التمويل بجميع أساليبه"[4].

وارجع أسّ التمدن الغربي، بما في ذلك خارج النطاق الأوربي إلى سيادة ما اسماه بروح التجارة. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "روح التجارة الخبيثة منبثة في دوائرهم الاجتماعية والمدنية والدينية. ومن اجل التجارة ينشرون حضارتهم في الشرق"[5]. فالولايات المتحدة علي سبيل المثال، حررت "نفسها من سيادة التاج البريطاني، ولكن فيها تيجانا أكثر خباثة"، كما أنه "لا الاختراع ولا الحرية متخلص من سيطرة المال عندهم"[6].

وتوصل في نهاية المطاف إلى أن ما يميز روح المدنية الغربية، بما في ذلك فكرها الإصلاحي، هو "سيادة روح التجارة والقوة والسيطرة"[7]. وهو روح شق لنفسه الطريق في حروب الأوربيين ضد الشعوب الضعيفة والاستيلاء على ثرواتها وقهرها. وليس ذلك في نهاية المطاف سوى النتاج الملازم للخلل الجوهري في الحضارة الغربية، وبالأخص بسبب سيطرة وسيادة التعصب والفكر الفاسد فيها. فهي تتساهل فيما بينها، على عكس ما هو عليه الأمر مع المستضعفين والمختلفين معها. ذلك يعني أنها لا تتمسك بالمبدأ الشريف الذي تدعو إليه[8]. ولعل معاهدة فرساي وما تبعها من نتائج وسياسيات بعد الحرب العالمية الأولى قد ذهبت أدراج الرياح وكشفت عن حقائق التمدن الأوربي. فكل الأحاديث والشعارات عن جمعية الأمم وحرية الشعوب الصغيرة والحكم الذاتي واستئصال السياسة السرّية وتخفيض السلاح وما شابه ذلك، مستمر لحد الآن بل وبقوة أشد وأخشن وأرذل[9]. في حين أن لدى الشرق من الصفات والفضائل ما تمكنه من إنقاذ الحضارة الغربية نفسها من رذائلها. إذ لدى الشرق من السكينة والاطمئنان ما لو وجد شيء منه في الغربيين لقلّت في مجتمعاتهم المنكرات والمفجعات مثل القلق والسكر والانتحار، وكذلك لقلّ تكالبهم على الماديات ولقلّت الحروب. كما توجد عند الشرقيين (والمسلمين بالأخص) من الديمقراطية الحقيقية في الحياة الاجتماعية ما لو توفر لدى الغربيين ليّسر لهم حل المشاكل الاقتصادية التي تهدد بالبلشفية![10].

بصيغة أخرى، إن إنقاذ الحضارة الغربية ممكن من خلال ما اسماه بوصل الشرق بالغرب، أو حسب عبارته بوصل "عالم العلم بعالم الشعر والروح"[11]. لكن إذا كانت آفات التمدن الغربي معروفة ويجري محاربتها، فأن الشرق بدأ ينتفض لتوه. مما يعطي له حق التمرد والانتفاض والثورة إذا استلزم الأمر من اجل الحرية[12]. إننا نعثر في الشرق على أثر التطور الاجتماعي، ولكنه ما يزال يعاني من "ضعف النشوء الطبيعي" و"الارتقاء الخلقي"، أي القوة المادية والأدبية. وأن الذي يقيدهما هو التقاليد والعقائد التي لا تلتئم مع العصر. من هنا فأن نهضة الشرق تفترض تحرره من قيود القديم أولا، ومن ثم الاستناد إلى نظام يقضي على الفوضى المنتشرة فيه[13]. ولا سبيل لذلك غير الثبات الدائم والمجاهدة الذاتية، لأن مشكلة الشرق تقوم في "افتقاره إلى الثبات الذي يتغذى به الإتقان"[14].

وهو افتقار عانى منه الريحاني. فهو لم يستطع تمثل هذا "الافتقار" وتجاوزه منهجيا رغم إدراكه العميق لآثاره وتأثيره في مجال العلم والعمل. فقد أعاقت وجدانية الرؤية وهواجسها العميقة صياغة نظام "للثبات يتغذى به الإتقان" العلمي والعملي. وهي صفة ميزت اغلب كتاباته. ولعل (بذور الزارعين) أحد النماذج الرفيعة لما يمكن دعوته بالحكمة المبتورة. فقد مثل الريحاني مزاج المرحلة العاطفي للخلاص من قيودها. وليس مصادفة أن تتشبع آراءه وآراء "الانعتاق الوجداني" بالحماسة المخلصة "لناموس الارتقاء والتطور". فقد تغلغل يقين الدارونية الطبيعي في وجدانية الرؤية وجعل من "بذر البذور" المهمة الأولى والضرورية، والقيمة الكبرى للفعل والعقل، لأن يقين نموها اللاحق وارتقاءها وتطورها هو نتيجة طبيعية أيضا!

تمثل الريحاني هنا أسلوب شبلي شميل في موقفه من "سنّة الارتقاء والتطور". وعبّر عن ذلك في (وجوه شرقية وغربية) قائلا، بأن من محاسن شبلي شميل هو ثباته على آرائه، وأنه أول من بّشر ونشر مبدأ النشوء والارتقاء في الأمة العربية، وله المقام المنشود فيها[15]. وكرر في أكثر من موضع في كتاباته على جوهرية مبدأ الارتقاء والتقدم والتطور، وجعل منه "ناموسا عاما شاملا ينطبق على الطبيعة الفكر والحياة". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن فكرة القضاء والقدر كانت في يوم من الأيام قوة دافعة، أما الآن فأنها قوة مدمرة. والشريعة التي حررت المرأة فيما مضى أصبحت غير مقبولة الآن كما هي. كل ذلك يستلزم أخذه من قبل الجميع أدباء ورجال دين وسياسيين[16]. لاسيما وأن كل ما "ظهر في العالم حتى اليوم من حقائق الاجتماع والسياسة والدين، إنما هو خاضع لناموس التطور والتحول، وناموس النشوء والارتقاء"[17].

لم يكن تركيز الريحاني على "ناموس النشوء والارتقاء" سوى الصيغة النظرية للأعراض النفسية الملازمة للانبهار الوجداني في تأمله بساطة الاكتشاف وروعته في نفس الوقت. فقد ترافق اكتشاف هذه "الناموس" مع بداية اكتشاف "الأنا العربية" و"نشوءها وارتقاءها" المعاصر. فمن الناحية الفعلية لم تكن فكرة النشوء والارتقاء سوى فكرة الصيرورة التاريخية الخاصة للثقافة الأوربية المعاصرة، أي أنها لم تكن عنصرا علميا خالصا فيها. وهو سبب وشرط تغلغلها في نسيج الوعي الفلسفي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي وتمثلها بصيغ ومستويات ذوّب حقائقها في صرح الأوربية وكيانها الروحي. بينما لم تكن بالنسبة لتقاليد الوجدانية العربية، كما هو الحال عند الريحاني وسلامة موسى وشبلي شميل، أكثر من فكرة علمية خالصة. وبالتالي فأن "موضوعيتها" كانت جزء من اجتهاد دعاتها ومعتنقيها. إذ لا تاريخ ذاتي فعال ومتواصل بها في الثقافة العربية المعاصرة آنذاك. من هنا ظاهريتها وطفوها على سطح المستنقعات الآسنة كما لو أنها الوردة الوحيدة المرمية من أيد غافلة. إلا أن ذلك لم يفقدها جمالها ورونقها ورائحتها. على العكس! أنها أصبحت محل الإثارة والمنافسة والاحتراب!

لم تكن فكرة "ناموس النشوء والارتقاء" سوى الصيغة الدافعة على ضرورة النشوء الجديد والارتقاء المدني المعاصر كما هو والتي نعثر عليها في إحدى العبارات الطنانة التي أطلقها الريحاني في معرض تقييم المبجل لشخصية محمد علي باشا ودورها في نهضة مصر الحديثة قائلا:"وجاءك من مصر ابن ألباني عظيم ينشد ضالة الكورسكي الأعظم بونابرت"[18]. ولم يكن هذا الإطراء معزولا عن اعتقاده القائل، بأن النهضات الكبرى ترتبط  بسيرة الأبطال في استكمال أداورهم التاريخية بوصفهم "زارعين لبذور التجديد". بينما لم تكن هذه المواقف في الواقع سوى التمثل الجزئي لما في "لغة الضمير" و"تحصين الأركان" من حب للجديد والتمسك العقلاني والإيجابي بتقاليد الماضي. من هنا نراه يسير في اتجاه تجديد اللغة عبر نقد الاهتمام المفرط باللغة القديمة ومفرداتها وحشوها، وعدم تطابق المعنى والعبارة، والكلمة والمنطق. فقد علّق على كلمات من وصف الإسلام بعبارة "نشب مخالبه في أعماق البسيطة، وثبت رجليه على تخوم الأرض، واطلع رأسه من وراء خط الاستواء، ووضع قوادمه على جدران الصين"، بعبارة "تصوير غريب يصور الإسلام بصورة حيوان غريب بدايته طائر ووسطه أسد ونهايته بعير"[19].

إن الجوهري في اللغة بالنسبة للريحاني هو "روح اللغة" وطريقة التفكير فيها. وأسلوب الكاتب الذي هو صورة لشخصيته، والحرية الذوقية والاختراع في معالجة لمواضيع[20]. ومن ثم فأن الجديد هو المشيع للحقيقة والذوق، والنابذ للماضي البائد، والمتبع للجميل[21]. وقدم في (انتم الشعراء) مجموعة وصايا جعل منهن شعارا للتجديد والإبداع، حيث طالبهم فيها بتجريد النفس من قيود التقليد، والصدق في الشعور، والحرية في الفكر، وأخذ البيان من لوح الوجود، وأن يكون في خيالهم حقائق كونية وبشرية، وأن تكون للقصيدة بداية ونهاية، وأن يجري النظر إلى الكون من خلال النفس الباصرة[22].

وليس مصادفة أن يجلّ الريحاني من بين الشعراء الأمريكيين الشاعر ولت ويتمان، الذي فتح طريق "الشعر الحر" وديمقراطية الفكر والأخلاق. ووضع تقييمه لويتمان بما اسماه بفلسفته الأمريكية التي وجدت انعكاسها في شعره، الذي تدور مزاياه على عدم انحصارها بقالب الغريب الجديد فقط، بل بما فيه من الفلسفة والخيال مما هو اغرب وأجّد"[23]. بل أن الريحاني نفسه كتب قصائد من "الشعر الحر"، التي يمكن عدها من بين أول التجارب العربية بهذا الصدد. غير أن قيمتها الحقيقية تقوم لا في شعريتها، بل في تجسيدها لانعتاقه الوجداني ومفهومه عن الحرية. فعندما قلّد الريحاني والت ويتمان في شعره، فانه لم يسع لمحاكاة الفلسفة الأمريكية، بل لإبداع صيغة مناسبة لما سيدعوه بالاستمداد من لوح الوجود العربي في التعبير الحر عن الحياة كما هي، وصدق البيان والاهتمام بحقائق الوجود الكونية والإنسانية عبر معاناة فردية اجتماعية تدرك مسئوليتها تجاه كل ما هو حولها. وعبّر في أشعاره ومأثوراته عن تعامل مع الكلمة، حررها نفسها من قيود البديع التقليدي، كما سعى لتحرير النفس في صغائرها وكبائرها من إسار الجمود والعادة. ووضع هذا المبدأ في موقفه من الشعر العربي عل مثال موقفه من مقارنة المتنبي مع المعري. فقد اعتبر إبداع المتنبي ناقصا بسبب عدم تطابق الحقيقة والمشاعر والعبارة فيه. إذ اعتقد بأن الانسجام في الشعر العربي يكاد ينحصر في الألفاظ وفي الصيغ اللغوية. أما في المعاني فهو نادر وكثيرا ما تجئ المعاني مستقلة بعضها عن بعض ومتقلقلة في قصائد أكثر الشعراء[24]. ولعل المعري هو الوحيد الذي طابق في إبداعه بين الكلمة والمنطق، والعبارة والمعنى، والشعر والحقيقة. وجعل من حياته وشخصيته نموذجا لإبداعه من صدق الشعور وحرية الفكر واخذ البيان من لوح الوجود، والاهتمام بالحقائق الكونية والبشرية، والنظر إلى الكون بعيون النفس الباصرة.

ولا يعني "لوح الوجود" هنا سوى الحياة كما هي بكافة ميادينها ومظاهرها. لهذا أكد على أن الجديد في اللغة لا يعني الخروج على روح اللغة، وألا تصبح الكتابة إفرنجية بحروف عربية. وهو المعنى الذي شدد عليه فيما اسماه بالرجوع إلى لوح الوجود ومنه استمداد الشكل والمعنى[25]. ومن ثم ليس الرجوع إلى لوح الوجود سوى الرجوع إلى النفس. وهذا بدوره ليس إلا المهمة الملحة والمرتبطة بادراك وظيفة الأدب والأديب، والشعر والشاعر تجاه المجتمع والتاريخ والأمة والثقافة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الكاتب الحر هو العالم الحقيقي الذي يضع أمام الناس نتائج علمه وثمار بحثه ودروسه حقيقة الأمة[26]. واعتبر الشاعر الحقيقي "مرآة الجماعات"[27]، انطلاقا من موقفه المؤيد للفكرة القائلة بالتوازن بين الشعور والفكر في الآداب والفنون، والخيال الذي ينتشر من حقائق الحياة كما تنتشر الروائح من الأزهار فتقود بالمرء المبدع إلى الحقيقة المادية والاجتماعية التي نشأت منها[28]. وهو موقف يستمد جذوره من الفكرة الأوسع التي أيدها الريحاني والقائلة، بأن الشعر والأثر الفني الجميل فوق صاحبه (مبدعه)[29].

لم تكن أولوية الوظيفة المعرفية والجمالية والعملية سوى الصيغة النظرية والتاريخية لأولوية الإصلاح الأدبي (المعنوي) والسياسي. إذ نعثر فيها على نفس هواجس انعتاق الوجدان من تشديد على قيمة الروح المعنوي ضمن "ناموس النشوء والارتقاء". حيث أكد الريحاني على انه "لا تدوم إلا سنّة التطور". وأن "الثابت في الحياة ثابت إلى حين، أما التجدد فثابت إلى الأبد"[30]. ولا يعني ذلك سوى أن الحركة هي الشيء الوحيد المطلق، وأن الجمود عرضة للفساد، بينما التجدد دائم أبدي. ووضع هذه الرؤية الفلسفية في موقفه من الإصلاح، باعتباره إصلاحا ورقيا، كما هو جلي في عبارته عن أن حقيقة الإصلاح تقوم في ربط "النشوء الطبيعي بالتطور الاجتماعي وبالارتقاء الخلقي"[31]. ذلك يعني انه أعطى للإصلاح الحقيقي أبعادا اجتماعية وأخلاقية مترابطة مستندا بذلك إلى الفكرة العامة عن أن الحركة والتجدد هما الثوابت الوحيدة في الكون، وبالتالي ليس الإصلاح الحقيقي سوى ذاك الذي يعني وحدة هذه المكونات، باعتبارها روابط ضرورية. بمعنى الانطلاق من "الحقيقة الأبدية" للتحوّل والتغيّر ودمجها في الرؤية الاجتماعية والأخلاقية عن التقدم،. أي أنه أعطى للإصلاح بعدا ذاتيا، انطلاقا من أن التدرج في سلم التطور الاجتماعي والارتقاء الأخلاقي هو استمرار للنشوء الطبيعي، كما يقول الريحاني. من هنا تأكيده على أن "الخطر على تمدننا الكاذب هو من الداخل لا من الخارج"[32]. ووضع هذه الفكرة في نقده اللاذع للتقليد الأجوف. وأكد بهذا الصدد على الفرق بين ما اسماه بالإصلاح النهضوي والتقليد الأعمى. وعبر عن ذلك في أحد مواقفه من التقليد الأعمى للغرب في المدارس المعاصرة له. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن مدرسة مثل تلك التي أسسها البستاني في زمانه "لأصلح وانفع من هذه التي يتخرج الشبان فيا متفرنجين لا يعرفون لغتهم ولا تاريخ بلادهم، وقلما يحترمون غير الأجنبي"[33].

حددت هذه الرؤية موقف الريحاني من الإصلاح باعتباره اعتدالا. وكتب عن نفسه يقول، بأنه "إنسان يهمه من الحياة كل ما يفيد الإنسان في جسده وعقله وروحه. الماديات لا يحتقرها، والعقليات لا ينبذها، والروحانيات لا ينكرها. ولكنه رجل ولوع بالتوازن والاعتدال"[34]. وهو موقف حياتي استند إلى آرائه عن قيمة الاعتدال، بوصفه القدر الذي بلور أيضا شخصيته "التوليفية" المعتدلة (مقارنة بانطون فرح وشبلي شميل). من هنا استنتاجه الإصلاحي العميق عن أن "الأمة في مجموعها الراقي والترقي التام لا يكون إلا في التوازن بين قوى العقل والروح والجسد"[35]. ووضع هذه الفكرة في حكمه العام القائل "لو كانت الإنسانية مرنة في معقولها لأثر فيها الحكمة والاعتدال تأثير حسنا سريعا"[36]. من هنا موقفه المعارض لمن اسماهم بالمشعوذين من السياسيين، الذين وجد فيهم سبب وجود التشاؤم المفرط والتفاؤل المفرط في الموقف من التطور في الشرق بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص[37]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص43.

[2]أمين الريحاني: النكبات، ص8.

[3] أمين الريحاني: وجود شرقية وغربية، ص18.

[4] أمين الريحاني: أدب وفن، ص7.

[5] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص91.

[6] المصدر السابق، ص92.

[7] المصدر السابق، ص103-104.

[8] المصدر السابق، ص16-17.

[9] المصدر السابق، ص266.

[10] أمين الريحاني: وجوه شرقية وغربية، ص103.

[11] المصدر السابق، ص119.

[12] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص179.

[13] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص29-30.

[14] أمين الريحاني: وجوه غربية وشرقية، ص15.

[15] المصدر السابق، ص59-61.

[16] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص185.

[17] المصدر السابق، ص240.

[18] أمين الريحاني: النكبات، ص16.

[19] أمين الريحاني: أدب وفن، ص88-89.

[20] المصدر السابق، ص70.

[21] المصدر السابق، ص55-57.

[22] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص90-92.

[23] أمين الريحاني: هتاف الأودية، ص9.

[24] أمين الريحاني: أدب وفن، ص7-10.

[25] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص148-150.

[26] المصدر السابق، ص48.

[27] أمين الريحاني: أدب وفن، ص50.

[28] المصدر السابق، ص43.

[29] المصدر السابق، ص21.

[30] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص37.

[31] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص29.

[32] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص93.

[33] المصدر السابق، ص171.

[34] المصدر السابق، ج2، ص11.

[35] المصدر السابق، ج2، ص11.

[36] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص23.

[37] أمين الريحاني الريحانيات، ج2، ص131.

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (5)

من المعروف الشائع في الطب النفسي أن الأمراض النفسية والعقلية التي تصيب الإنسان لا تنشأ من عامل محدد واحد بل تشترك عوامل كثيرة في ظهورها وإستمرارها.

ونحن هنا لا نبحثُ عن هذه العوامل إنما نركز إهتمامنا على سببٍ من أسبابها طالما أثبت حقيقة قدرته أو قدرتها على إحداث مثل هذه الأمراض ونعني به: الإلحاد بالله تعالى. ومن الأدلة الواضحة على أثر الإلحاد في أحداث المرض النفسي أو العقلي دليلُ قدرة المعالج النفسي على تحسين حالة المريض صعوداً إلى مرحلة إبرائه من مرضه بإستخدام العلاج الديني الذي يشمل تقوية إيمان المريض المؤمن بالله وعفوه ورحمته وتقوية معنويات المريض الملحد في العودة به إلى الإيمان.

ولقد دأبت مراكز الطب النفسي على إعتماد العلاج الديني جزءاً من العلاج العام فيها بعد أن لاحظ العاملون في هذه المراكز الأثر الموجب لهذا النوع من العلاج. سنختار نخبةً من الأمراض النفسية والعقلية وإعتلال الشخصية والإضطراب السلوكي، التي يتأثر ظهورها بجلاء عند الفرد الذي يعاني من خلل في إيمانه بالله.

1- العقل وأنواعه المَرضية السريرية: يظهر القلق (Anxiety) عند الإنسان نتيجة وجود مثير خارجي في البيئة المحيطة بالفرد أو مثير داخلي في جسمهِ. ولا تُسمى الظاهرة التحوطية التي يستخدمها الإنسان في مواجهة ظروف طارئة بالقلق ما لم تُحدِث أعراضاً تشمل المزاج والتفكير والسلوك وتتطلب علاجاً.

فالحالات المطلوبة من الحذر والإستعداد للمثير على نحوٍ منظم بدون أعراض مرضية، كالإستعداد للإمتحان، ومراقبة خطر داهم وأخذ الحذر في قيادة المركبة والتأكد من صحة الغذاء وغلق أبواب البيت الخارجية ليلاً، هذه لا تُعدُ قلقاً إنما درجة مطلوبة من الإنتباه تُفرق بين الإنسان المنتبه والآخر الخامل البليد، وإن كان بعض الباحثين يُسميها بالقلق الموجب.

إن ما نعنيه بالقلق هو ظهور الحالة على نحوٍ مرضي يعيق الإنسان عن التفكير السليم في مسألةٍ من المسائل وعن العواطف المنظمة المطلوبة في التعامل مع هذه المسائل على نحوٍ يؤدي إلى ظهور سلوكٍ مرتبك شامل للآتي:

أ‌- المزاج والعواطف: حيث يظهر الفرد القَلِق مُتطيراً متشائماً متوتراً مرتبك المزاج لا تتناسب عواطفه مع المطلوب من الإثارة في مواجهة مثيرٍ ما.

ب‌- الأعراض الجسمية: حيث يؤثر القلق في فسلجة الفرد فيبدو متعرق الجبين واليدين، جاف الفم،مرتعش الكفين، جاحظ العينين، مضطرب المشية، متنقلاً لا يستقر في مكان. قصير النَفَس، لجوج الصدر، خائفاً من خطر لا يستطيع معرفة مصدرِه، سريع التنفس، متلعثم الكلمات، سوداوي النظرة، مستريباً من الآخر، حساساً للكلمات من الطرف الآخر، كثير الأرق، ضعيف الشهية، بارد الأداء الجنسي. 

ج‌- الأعراض الإجتماعية: حيث يفقدهُ القَلق قدرته على التواصل مع الآخرين فهو متشائم لا يطيل الحوار ولا يتحمل مجالسة الآخرين، غير صبور على إنجاز أعمالهِ، شرودٌ من ساعات الإلتزام في العمل، مُنصرفٌ إلى نفسه وهمومها، غير معطاء للآخرين في ما يطلبونَهُ: فاقدٌ لقدرة تقديم الحنان إلى أسرته.

أنواع القلق:

ينقسم القلق على أنواع، نذكرُ المهم منها الذي يعنينا:

أ‌- الرهاب(Phobia)

ب‌- القلق العائم (General Anxiety)

ج‌- المُراق(Hypochondriasis)

د‌- التحولات الرحامية (الهستيريا Hysteria)

ه‌- الحصار القهري (Obsessive Disorder)

و‌- الفزع (Panic)

ز‌- داء الكرب (Post-Traumatic Stress Disorder)

كيف يكون الإلحاد سبباً للقلق:

إن أول ما يحتاج إليه الإنسان في حياته لكي لا يشعر بالقلق أو يعاني منه أمران:

1) معرفته لسبب قلقه حيث أن معرفة سبب القلق تُقلل كميته أو تمحوه تماماً.

2) شعُورهُ بأن له سنداً يحميه ويتكىء إليه في ساعاتِ ضعفهِ فلا يشعر أنه يواجه مشكلاته وحده.

لقد إكتشف الطب النفسي المعاصر على أيدي باحثيه أن هناك مراكز دماغية يكون إضطراب عملها نسيجياً أو كيميائياً أو هرمونياً سبباً لحصول حالة القلق ومنها: الدائرة الموقعية (Locus Circulus)، اللوزة (Amigdala)، والنواة القاعدية (Cuadate Nucleus).

ويختلف نشاط العمل الوظيفي في هذه المراكز من فرد الى آخر وبهذا الإختلاف يقلق بعض الناس لأبسط الأمور فيما يستطيع بعضٌ آخر مقاومة أعلى الحالات من القلق بدون تأثر.

ولكن حتى في هذا (البعض) الأخير، إذا كانت الصدمةُ شديدة وزمنها طويلاً فإن هذا البعض سريعاً ما يضعف وينهار. كل ذلك يحدث مالم يظهر السندالواقي والمعالج القوي الساند للفرد ضد حالة الإنهيار.

والإنسان بطبيعته ميال إلى الضعف أمام الأزمات وما لم يجد أو يشعر أن هناك قوة كبرى تحميه فالإنهيار مصيرُه. على هذا الأساس يشعر المحدون اللذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون بقوته ولا يعترفون بإسنادهِ ولا يعرفون لغة الإستعانة به بأن فردانيتهم التي آمنوا بها وإنسانيتهم التي اعتبروها هي المرجع سرعان ما تنهاران ويظهر القلق.

وفي حالة الرهاب الذي ينقس على نوعين: الرهاب الخاص (Specific Phobia) والرهاب العام (رهاب الناسSocial Phobia) يخاف الفرد من أشياء صغيرة كالعقارب والضفادع والمرتفعات والأماكن الضيقة ومن مجموع الناس حتى لو كانوا على عدد أصابع اليد، يحث ذلك لأنَ هذا الفرد يشعر بأصغريته، وإذا كان مُلحداً فإنه يضيف إلى خوفه هذا خوفه من فقدان القوة التي تحميه من خوفه؛ على عكس الفرد المؤمن بأن (الله أكبر) تعني حقاً إن الله أكبر من كل مخيف، هذا الفرد سينتصر على خوفه بإيمانه بالله.

وينطبقُ هذا الخوف على حالات القلق المُراقي. والفرد في حالة الوسواس القهري هو الذي يعيش بنفس لوامة لا تستقرُ على حال. فالموسوس لا يظل على حالة يقينية واحدة وإيمانه مهزوز وفي حالة ضعفهِ تسيطر عليه أفكار التردد وإنعدام الإستقرار.

فالإلحاد يجعله خاضعاً لسيطرة أفكاره الخاصة لأنه لا يؤمن بسند كبير هو الله. وفي قلق الفزع (Panic) يمر الفرد بحالة خوف شديد من الموت الذي يُصبح لديه يقيناً وانه سيموت بعد لحظات، هذا الفرد إذا كان ملحداً فإنه سيصارع فكرتين في آن: فكرة أن الموت قادم وفكرة أن الحياة غالية.

أما إذا كان مؤمناً فإنه سيقنعُ بعمق في مشيئة الله وان الموت حقٌ عليه وعلى غيره وأنه ميت في هذا اليوم أو في يوم آخر. ولقد أجرينا هذه المحاولات العلاجية مع حالات الفزع عند مرضى مؤمنين فحصلنا على تحسنٌ كبير في الحالات التي عالجناها.

إن الإيمان كلمةٌ أكبر من الإلحاد، فالإلحاد هو القول بأن لا إله موجوداً لهذا الكون بينما يعني الإيمان أن تؤمن بالله وبقدرته وما أنزل وبأنه المحيي والمميت والباعث من العدم حياة وبأن القضاء نازلٌ على الناس بصور مختلفة وحالات شتى، وهذا ما يجهله مريض داء الكرب الذي أشرنا إليه.

نعني بداء الكرب(Post-Traumatic Stress Disorder) تعرض الإنسان لشدةٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ يُصيح فيه على وشكالموت أو الأذى لكنه لا يُصاب بأذى جسدي ويقتصرُ أمرهُ على المشاهدة مما يترك لديه ذاكرة مؤلمة عن الحدث الذي تعرضَ لهُ فيمرُ بحالات معاودة تذكرية إلى زمن الحدث ومكانه ويُصاب بحالة قلق شديد حيث يتمثل ما جرى أمامه عياناً.

هنا يبرز الإيمان الذي قلنا أنه الشامل لكل مفردات هذه الكلمة. أما عند الملحد الذي لا يؤمن بأن ما حدث هو قضاءٌ نازلٌ رده الله عنه أو خفف منه فإنه سيظل يعاني من الحدث وتتكررُ صورته السريرية التي ذكرناها.

2- الكآبة:

لكي نُشخص مرض الكآبة في فرد منا فعلينا أن نتوفر على مجموعة معايير(Criteria ) يُصبح التشخيص بموجبها صحيحاً. وعلى رأس هذه المعايير (مفردها معيارCriterion ) يبرز أمامنا: إنخفاض المزاج، فقدان الرغبة في العيش والحياة (فقدان الأمل)، والألقاء باللوم على الذات سبباً في الإكتئاب.

هذه المعايير الثلاثة هي الأساس في التشخيص الذي يُصبح كاملاً إذا أضيفت إليه معايير أُخرى لسنا بصددها لأننا نعالج موضوعاً خاصاً. إن الإلحاد يقود إلى خفض مزاج الفرد لأن المزاج المستقر العالي في درجته يستقي قوته من معنويات الفرد وشعوره بوجود السند الحياتي له ولا سند للفرد أقوى من الله، والحياة التي بلا هدف يستمر مع الفرد حياً ويلاحقه الى عالم آخر بعد الموت تُصبحُ حياة سقيمةٌ خالية من الغاية.

فهذه الحياة ليست حكماً على السعادة وإنعدامها، حيث يعيش كثيرٌ من الناس كما عاش قبلهم كثيرون حياةً لم يجدوا فيها ما يرضيهم في عيشهم مالاً أو أبناءً أو صحةً. فإذا لم تكن هناك حياةٌ أخرى يُنصف فيها المظلوم في دنياه أصبح هذا المظلوم كئيباً خائباً في أمله الذي لم يتحقق.

وعودةً منا إلى تعريفنا بالإيمان بالله بأنه التصديق بوجود الله معطياً في الدنيا ومُكملاً لعطائه في العالم الآخر تُوجُب علينا أن نعترف بأن الإلحاد بالله هو الإلحاد بوجود دار القرار التي تُنصف من لم يُنصف في دنياه.

هنا لا يُوجَدُ مجال للفرد أن يكتئب لأنه لم يُوفَق في دنياه ما دام يؤمن بأن الله موجود يُعوِضُ خاسر الدنيا في سعادته بسعادةٍ أوسع وأشمل في آخرتِه.

والإلحاد مرةٌ أُخرى، هو ما يجعل الفرد مسؤولاً عن قرارِه في صحته ومرضه حيث لا مرجع له في اللأئمة إلا نفسه التي هي ليست كذلك وهنا يلوم هذه النفس ويعدها مسؤولة عما أصابه من إكتئاب. أما الإيمان فهو الذي يجعل الإنسان مؤمناً بالقضاء والقدر الذي يُقرر حصة الإنسان في الصحة والمرض.

إن أمامنا مسألة الفروق الفردية في كمية السلامة النفسية والقدرة على مقاومة المرض النفسي وهذه الفروق التي تُقسم الناس على قوي أمام المرض وضعيف ينهار أمامه هي من حصة الله في الكينونة لأنها جزء من الرزق الذي لا يؤمن بعدالة تقسيمه بين الناس إلا الإنسان المؤمن.

3- الذُهان (المرض العقلي):

يُوصَفُ المريض الذهاني بأنه مريضٌ أُحادي البُعد في التفكير فهو يتمتعُ بتفكير ابتدائي . وهذا الفكر هو الذي أنتج أديان الأسطورة والتابو البدائية الساذجة.

فالذُهاني، كمريض الفصام والهوس والذهان الزوري ومتلازمة التخلف العقلي، يعاني من الفكر الواهم الذي يتعدى بالمريض مرحلة العلاقة مع الناس إلى مرحلة الإساءة إلى مفهوم الإله الواحد.

وقد يكون الذُهاني مؤمناً بالله ولكن إيمانه يعتريه التشويه والنيل من الصورة المشرقة فيتصورُ مثلا أن الله قد عاقبه بمرضِه نتيجةً لسبب كامن في نفسه فيجعل من الله صورة للعقاب خاليةً من الرحمة (حاشا الله العلي القدير).

كما قد يكون الذُهاني مُلحداً أصلاً وقبل نشوء مرضه ووضوح صورته السريرية فيبدأ بوضع التفسيرات الساذجه للكينونة بحكم ما يُضدقه من إعتقادٍ بأنه نبي مرسل من الكواكب وبأنه مأمور بهدي الناس إلى صورة أخرى لله بعيدة عن الأيمان الحق.

ولقد وجدنا في علاجنا لمرضى فصاميين من كلتا الفئتين (المؤمنة والملحدة) صعوبةً في معالجة الفصامي الملحد تفوق الصعوبة الكامنة في معالجة الفصامي المؤمن على نحوٍ دعا إلى إعتبار الإلحاد عاملاً مُهدداً بعودة الفصام في أي ظرفٍ مُرشح للحالة.

4- إعتلال الاشخصية:

يُعدُ موضوع الشخصية من أصعب الموضوعات التي درسها علم النفس والطب النفسي، إن لم يكن أصعبها إطلاقاً. فهناك الكثيرون من أطباء النفس الذين لا يعتبرون إعتلال الشخصية مرضاً خاصاً إنما يقدرونه إختلالاً للنمط السلوكي يتعرض له الإنسان ولا يمكن علاجه لأنه شامل لكل معطيات الفرد على نحوٍ يمتاز به عن غيره، فيما يميل آخرون إلى إعتباره مرضاً يتطلب العلاج.

وإذا أخذنا القرآن (الكتاب السماوي في دين الإسلام) شاهداً على هذه الإتجاهات وجدنا أن هذا الكتاب لا يُشير بوضوح إلى مسألة (الشخصية)، إنما يتعامل مع الأنماط السلوكية البشرية بلغة (النفس البشرية) فيجعل كامة (النفس) معادلاً لفظياً لكلمة (الشخصية).

ففي القرآن الكريم نجد "النفس اللوامة" و" النفس المطمئنة" و " النفس الفاجرة" و" النفس التقية". وفيما يشيؤ مصطلح " النفس المطمئة" ومصطلح " النفس التقية" إلى حالة السواء والخلو من الإعتلال، يُشير مصطلح " النفس اللوامة" و" النفس الفاجرة" إلى إصابة هذه النفس " الشخصية" بالإعتلال.

وما دام الأمرُ كذلك فإننا غير مُلزمين بإيجاد مُرادفات لتقسيمات الشخصية المريضة حسب علم النفس بما يقابلها في القرآن، لكننا مُلزمون بأن نضع أوصافا لصورة المرض في الشخصية عموماً إذا كان صاحبها يحمل فكراً ملحداً بالله يقود إلى زيادة وطأة المرض في هذه الشخصية على النحو الآتي:

أ‌- النزوع العبثي في الشخصية غير الإجتماعية (السايكوباثية)؛ يزدادُ هذا النزوع إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه لن يشعر بذنب في عملٍ يقوم به ولا يرتدع عن الإتيان بخطأ كان أتى به سابقاً.

إننا نعرف أن سمات الإيمان بالله سمة الإرتداع عن الخطأ خشيةً من الله والشعور بالذنب إنطلاقاً من الحياء أمام الله. وما دام الله غير موجود في مريض هذه الشخصية فإنه سيزداد إهمالاً لكلٍ من إرتداعه وحياته.

ب‌- النزوع التشاؤمي في الشخصية الكئيبة يزداد إذا كان صاحبها ملحداً لأنه لا يُعلقُ أملاً في الخلاص من مرضه على إلهٍ لم يعد موجوداً لديه.

ج. النزوع العدمي في الشخصية الذُهانية يزداد شدةً ودرجةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه يؤمن بالعدم أكثر من إيمانه بوجودهِ ولا يعتقد بالله الكفيل بالخَلق من العدم إلى الوجود. إنه نزوع أُحادي الإتجاه ينتهي بالوجود إلى العدم حيث لا بعثً ولا نشوراً بعد الموت.

د. النزوع الجنسي في الشخصية الرحامية (الهستيرية) يزداد شدةً إذا كان صاحب هذه الشخصية ملحداً لأنه مركزي الإهتمام بذاتهِ ولا يعد أو يعتبر أنه ذو إمتداد إلى قوة خارقة تفوق مركزيته. إنه يُفسر الأمور تفسيراً أنانيا فلا يحفل بأن الكون يَسعُهُ ويَسع غيره بإدارة القوة الأعظم(الله تعالى).

هـ. النزوع الترددي في شخصية الأفكار التسلطية (Obsessive compulsive personality disorder) يمتاز صاحب هذه الشخصية بإمتلاكه سماتٍ سلوكية لا ترتقي شدةً وزمناً إلى مصاف مرض الوسواس القهري لكنها تحمل شيئاً منه. وإذا كان حامل هذه السمات مُمهداً سلفاً بأفكار الإلحاد فإنه يظلُ عرضة للشك في الخالق وفاقداً للإيمان به على نحوٍ يجعل الإلحاد سبباً في طول زمن الإصابة بهذا النمط من السلوك.

ي‌- النزوع المنافق في شخصية (السلب والإيجاب Passive-aggressive personality disorder) إذا كان صاحب هذه الشخصية بثقافة فيها من الإلحاد ما يكفي للملاجحة والإعتراض فإنَ هذا النزوع الإلحادي يزيد صورة هذه الشخصية المريضة وضوحاً. فإذا شعر صاحبها أنه محكومٌ بسطوة إجتماعية تفرض عليه الإيمان فإنه يعلن عن إيمانه وإذا تسنى له ظرف الإعلان عن إلحاده فإنه لا يتردد في ذلك.

إنه شخصية غير مستقرة لكنها تتبع هوى الظروف المحيطة. وفي الأدب العام ولغة التداول ينطبق هذا النمط الشخصي على المنافق، نهاز الفرص، الذي لا يملك الجرأة التصريح بما يعتقد بل يساير الأقوى ويخضع له.

هذه هي أهم أنواع الشخصية المٌعتلة وقد أخذنا فيها أثر الإلحاد في زيادة وطأة السمات التي تمتاز بها؛ على عكس ما تؤول إليه نتائج المعالجة عندما يكون المصاب بها مالكاً لصورةٍ من صور الإيمان بالله.

***

إلى هنا في أعلاه نكون قد ناقشنا الأمراض النفسية والعقلية الشائعة في حياة الإنسان والتي رأينا ان للإلحاد حصة في ظهور وإستمرار وصعوبة الخلاص منها.

بقي علينا الآن أن نناقش الميول المرضية التي يمكن للفرد أن يمارسها في ظل إلحاده الذي يُجرِدهُ من الخوف من الله أو الحُب في إكتساب رضاه كما يُجرده من الحياء وإحترام أعراف المجتمع الذي يقيم فيه وينتمي له.

ومن هذه الممارسات:

1- الجريمة: ولا نعني بها الفعل الجرمي الذي يقوم به المريض النفسي أو العقلي الفاقد للإرادة والإدراك ساعة إرتكابه؛ إنما نعني به ذلك الفعل الناتج من فقدان الفرد لحرمة خالقه. فقتل النفس مُحرم إلا بالحق، ومن لا يملك الإيمان بالله لا يعرف الحق.

ومثل هذا المتهم القابل للإدانة يكون مجرماً، يؤسس لصعوبة قضائية حيث لا يردعه تحليف أو قسم أو ضمير ينشأ عند الفرد السوي من الإيمان بالله.

2- تعاطي المؤثر العقلي والإدمان: إن إيذاء النفس حد من حدود الإيمان بالخالق ومن لا يؤمن بالله لا يعرف مثل هذا الحد فيبدأ بإيذاء نفسه.

3- الزنا بالمحارم: وهذا أمرٌ يقع في دائرة التمرد على القانون الطبيعي ونداء الفطرة. ومن لا يؤمن بالله لا يعرف معنى المحرمات والمحارم من النساء.

4- الكذب: الكذ في المواعيد والكذب في المواثيق وإفتقاد المصداقية في الحديث، حيث ينهار إحترام الزمن وتزول الثقة بين الناس.

5- إضطهاد الأسرة: من لا وقار لله في نفسه لا وقار عنده لأبنائه وزوجه الذين كانوا ناتجاً لزواجه وتأسيسه أسرته.

والأسرة هي أصغر نواة إجتماعية ينتمي إليها الفرد ومنها يتضخم إنتماؤه إلى مجتمعه. ومن لا ينتمي إلى خالقه بالإيمان لا ينتمي إلى أبنائه.

هذه هي أهم الممارسات التي يقوم بها الملحد أو يكون مرشحاً لها. ورُبَ قائلٍ يرد علينا بوجود شخوص يقومون بمثل هذه الممارسات على الرغم من إيمانهم بالله.

ورداً على مثل هذا القول نقول: إن الإيمان عملية كبرى في النفس البشرية لا تقبل التجزئة، والذي يقوم بهذه الممارسات يعاني من خللٍ في إيمانه لأن الإيمان الناقص المريض شيء قريب من الإلحاد.

***

نودُ الآن أن نُثير قضيةً غايةً في خطورة طرحها على القارىء الكريم. مُلخص هذه القضية يُشير إلى وجود بعض الباحثين الذين يقولون إن الدين (وهو الطريق إلى الإيمان بالله) قد يُؤسس لأمراض نفسية؛ فيعدُون الإيمان نوعاً من الإستسلام وليس الإسلام بوجود الله فيكون الإيمان هنا قيداً في عنق صاحبه يعيقه عن حرية الإختيار.

لقد عالجت في عيادتي الخاصة نوعاً من هذه النتائج حقاً ولكنني فهمتُها على غير ما فهمها هؤلاء الباحثون. لقد صادفتُ مرضى يتعلقون بالإيمان على نحوٍ خاطىء.

وجدتُ بعضهم لا يُقبل على آيات القرآن (وكانوا من المسلمين) بروح التفاؤل بل يُقبل على آيات التهديد والوعيد ويكثر من استلهام مشاهد العذاب يوم القيامة فيعدُ نفسه مذنباً وهو لم يرتكب ذنباً، وبذلك يستحيل إلى مُستحق لعقوبةٍ لا وجود لها. ووجدت بعضاً آخر يحاول أن يعرف الله على وفق ما قربت به الآيات القرآنية صورة الله بيد وكرسي وعين، فيهمل فقه اللغة ومعنى المجاز في القول ويعمد إلى التفسير المباشر الذي يُشوش عليه صورة الله المُطلقة.

نعم ... هذا النوع من التواصل مع الإيمان نوعٌ مريضٌ يخلق الكثير من الأمراض النفسية التي يكون أساسها الخيبة من الرجاء والشك في رحمة الله وإخفاق الدعاء عن الإستجابة.

لقد أشار سيغموند فرويد إلى شيءٍ من هذا القبيل حين إعتبر الفكر الديني نوعاً من أنواع الحصار القهري واعتبر عدد ركعات الصلاة في الدين الإسلامي حصاراً قهرياً عندما يتعرض المُصلي إلى نسيان عدد الركعات في صلاتِه التي قام بها، ثم زاد على ذلك بعد رتابة الصلاة نوعاً من تعليم النمطMannerism Or Stereotypy.

كما أشار كارل ماركس إلى أن (الدين أفيون الشعوب) معتبراً أن الصلاة المكررة بتوقيت غير واضح والذرائعية في تفسير سلوك المستفيدين من الدين وممالاة الحكام بعدهم أولي الأمر نمطاً من الأفيون الذي يُخدر الناس ويُروِضهم على قبول النفاق.

إن كلا من سيغموند وماركس مردودٌ عليه في قولهِ. فهذه أمور تقع على عاتق الممارس الجاهل للطقوس، الذي لا يفهم المعنى الأبعد مدى والأعمق غوراً، وخطأ الممارس لا يُعَدُ خطأ الدين.

***

وفي الغُربة التي يتعرض لها كثيرٌ من الناس بسبب ضيق العيش في وطنهم الأول أو بسبب الإضطهاد الذي يواجههم في مجتمعهم الأول ينشأ كثير من الأمراض النفسية وعلى رأسها الشعور بالإغتراب.

تُعدُ كآبة الإغتراب Alienation depression أبرز الأمراض التي تصيب الفرد المهاجر. وعند الإصابة بهذا المرض لا يجد المريض سلواناً له ومُعيناً على الغربة إلا الإيمان بالله.

وإذا كان المهاجر مُلحداً فإنه يمرُ بأقسى أيامه من الشعور بالعزلة والإنطواء حيثُ يغيب عنه السند الإلهي المعين له على غربتهِ. وكثيراً ما يستعين هذا الفرد بتعاطي المواد المؤثرة عقلياً فيصبح مدمناً العقاقير التي تعيق مسيرته وتزيد غربته شدةً وزمناً. وأمام هذا الإنحدار السلوكي لا يجد غير الله واقياً له من الإنحراف.

***

إن تعرض الفرد للمآسي يستحث فيه العودة إلى الإيمان. فالسجين سجناً طويل الأمد يتعرض للعزلة القسرية وللحرمان الحسي حيث يَتشوَه عنده إحساسه بالزمن ويُصبح في حاجةٍ شديدة إلى الإستعانة بالله. ومثل ذلك ما يحدث للناس عند التعرض للوباء والزلزال والبركان والفيضان، حيث لا يعرف الإنسان ربه إلا عند الشدة التي تختفي فيها وأمامها كل تنظيراتهِ في الإلحاد وتفلسفه الفارغ في مسألة الوجود.

إن المحكوم بالإعدام لا ينسى أن يقول (لا إله إلا الله) ساعة تلتف المشنقة حول عنقه ناسياً إدعاءه السابق بأن لا إله لهذا الكون.

***

سألني أحد الأصدقاء: هل يُوجد فارقٌ في أثر الإلحاد في نشوء الأمراض النفسية بين المرأة والرجل؟ فأجبتُه: إن نسبة الملحدين في المجتمعات التي خضعت لدراسة بعض الباحثين تفوق نسبة الملحدات من النساء؛ وذلك لأسباب كثيرة منها حاجة المرأة تكويناً بايولوجياً إلى من تستند إليه، وانطفاء نزوع العبث والسلوك الفوضوي الصاخب مبكراً في حياة المرأة، وميل المرأة الفطري إلى الإيمان، وكره المرأة الدائم للدوران في ميادين الفلسفة الملحدة،ونزوع المرأة الدائم إلى الحتمية والإيمان بالقضاء والقدر. بهذه الأسباب يندر الإلحاد عند النساء فيقودُ إلى إنخفاض أثر هذا الإلحاد في إحداث أمراضهن النفسية.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيإن الغموض الذي يلف حقيقة الشخصيات الكبرى الناشئة في مراحل الانقلابات والتحولات العاصفة والمفاجئة عادة ما يؤدي إلى سوء فهم مقاصدها. وهي إساءة تتولد في الأغلب عن أعماقها السحيقة والمتضادة أيضا، والتي يصعب سبر غورها دفعة واحدة. ويشتد هذا الغموض وما يرافقه من سوء فهم، عندما "يتذبذب" المفكر في تفكيره مع انعطافات التاريخ الحادة.

فقد مرت طفولة أمين الريحاني (1876-1940) وكذلك صباه وفتوته في المهجر (أمريكا). ومن هناك قفل راجعا إلى "مهبط الوحي" العربي بعد أن تعرف على أصوله وجذوره في مرآة الآخرين، وأعجب بها أيما إعجاب. وأشار في مذكراته إلى أنه تعرف على "سيد العرب النبي محمد" من خلال كتاب توماس كارليل عن (الأبطال وعبادة البطولة). كما أدهشته حضارة أسلافه الأندلسية من خلال كتاب ارفنغ واشنطن (الحمراء). وعندما أراد التغلغل إلى أعماق الروح العربي، فأنه عثر عليه في أبي العلاء المعري[1].

وهي انعطافات مفاجئة أّسرت أعماقه وساهمت في نفس الوقت ببناء كيانه الروحي. من هنا تطابق ذاته التاريخية مع تاريخ الصيرورة الجديدة للعرب في القرن العشرين. ورسم الريحاني هذه الحالة في ردوده التي ذيلها على كتابه (فيصل الأول)، وبالأخص على الاتهامات والانتقادات التي شككت فيما إذا كان هو أمريكيا أم لبنانيا أم عربيا أم الكلّ في واحد؟ وهل هو ملكي أم ديمقراطي أم اشتراكي أم الثلاثة في واحد؟ وردّ آنذاك قائلا، بأنه تربى في أمريكا الديمقراطية ولكنه اقتنع بأن الاسم فيها للأحرار والحكم للدولار. وأن الإنسان لم يتوصل بعد إلى حكومة صالحة من حيث الشكل والروح لكل شعوب الأرض. ذلك يعني أن نوعية الحكم ينبغي أن تتوافق مع "تقاليد الأمة وثقافتها"[2]. فإنجلترا على سبيل المثال لا يصلح لها النظام الجمهوري وإن كان الشعب ألف الأحكام الديمقراطية في النظام الملكي (الدستوري). كما لا تصلح الملكية لأمريكا رغم اقتناع شعبها بمساوئ الحكم الجمهوري. أما تقاليد العرب فهي تقاليد حب الملوكية وأبهة السلطة رغم فطرتهم الديمقراطية. بل أن تاريخ العرب كله هو تاريخ منافاة الشورى الإسلامية. ذلك يعني أن عقلية الأمة العربية عقلية ملوكية، كما أن تقاليدها في الحكم تقاليد ملوكية. لهذا اعتبر من الخطورة المجازفة بجعل النظام الجمهوري نظاما سائدا في العالم العربي[3]. وذلك لأن تقاليد العرب مبنية على أولوية فكرة العدل كأساس للملك (الدولة والنظام)، إضافة إلى أبوية السلطة. وبالتالي فأن أي تحويل لهذه التقاليد سوف يؤدي إلى صنع فجوة قاتلة. وهو السبب الذي يفسر رؤيته لما اسماه بخطورة النظام الجمهوري في العالم العربي. فالملوك العرب هم من قاد عملية تغيير حالة الأمة وتطويرها. فلولا الملك حسين لما قامت الثورة على الأتراك، ولولا ابن سعود لبقيت الجزيرة خراب وعراك، ولولا الإمام يحيى لهلكت اليمن، ولولا الإدريسي لتمزقت عسير[4]. وبغض النظر عن النتائج الواقعية، التي تزكي جزئيا استنتاجات الريحاني بهذا الصدد، فإنها كانت من حيث واقعيتها النتاج الملازم "لصيرورته" و"تناسقه" مع انقلابات العالم العربي آنذاك.

فقد كان خروجه من العالم العربي ورجوعه إليه صدفة. وما وراءها كان هناك تيار الانتماء للعروبة الذي يصعب تفسيره، شأن كل انتماء وجداني صادق بمعايير المنطق الشكلي. لكن اليقين الجازم هنا يقوم في أن اكتشافه للنفس لم يكن اكتشافا تاريخيا، بل اكتشافا وجدانيا جرى على خلفية الانكسار الحاد في صيرورة العالم العربي ودوله الحديثة، الذي صنع ما يمكن دعوته بالثبات العقلي فيه. فقد بحث الريحاني عن "عروة وثقى" في كل شيء من ديمقراطية وملوكية واشتراكية، أي في المتضادات التاريخية لنشوء النظم الاجتماعية وتغيرها. وفي نفس الوقت حاول التأسيس الحقوقي "للعقلية العربية" في نمط الحياة ونظام الحكم. مما أدى إلى دخول كافة هذه الأجزاء المختلفة في ذاته وأن تتعايش كمكونات طبيعية صيّرت وجوده الفكري وكيانه الروحي. لهذا نراه يجمع في آرائه كل شيء كما لو أنه يريد قول كل شيء. وليس مصادفة أن يجعل من "قل كلمتك وامش!" شعاره الحياتي.

لم يعن شعار "تكلم وامش!" عند الريحاني سوى تحديد الموقف الحر دون تهيب من المكان والزمان. فالكلام لم يعن هنا كلام المتكلمين، كما لم يعن المشي مشائية الأرسطيين، رغم صداهما الباهت في آرائه، وذلك لأن الكلام والمشائية هنا ليسا منظومة للقيم والأفكار، بقدر ما أنهما خليط من المواقف المعبّرة عن العاطفة المتحررة والراغبة في أن تكون مسموعة رغم أن السماع يبدو ثانويا في شعارها. ثم أن شعار "قل كلمتك وامشي" يوحي ظاهريا بان القائل لا يهمه ردود الفعل ولا يدقق فيما إذا كان المخاطب صما أو بكما! أما في الواقع، فأن هاجس الاستماع الحر للنفس والبوح بما فيها هي الصيغة المقلوبة لحب السماع والاستماع. أما في حالة الريحاني فقد كانت هذه الصيغة تعبيرا عن ثباته في الحركة الدائمة والدائبة والمتقلبة للوجدان، التي تجعل من تناسق الأفكار واتساقها في نظام من الألف إلى الياء أمرا مستحيلا. فقد كانت هذه الديمومة المتقلبة التمثيل الوجداني النموذجي الذي يسعى لجمع كل ما يمكن جمعه من اجل قول كل ما يمكن قوله، والذي عادة ما يميز مراحل التحولات العاصفة وانقلاباتها المفاجئة. وهو نموذج له فضيلة كبرى زمن التعصب وضيق الأفق، ورذيلة مماثلة أيام الحسم والقرار.

صوّر الريحاني في (ملوك العرب) مرحلة الانتقال كما شاهدها وتحسسها وعايشها وعاناها وتصورها. إذ وجد فيها حالة البؤس المتعدد الجوانب. وفي بعض "إرهاصاته اليمنية" عندما تجوّل في شمالها، كتب يقول، بأنه "يخيل له انه في أرض غريبة الظل والسراب، فيها أشباح تتكلم العربية"[5]. وهي أشباح وجدت انعكاسها في كل شيء فترى الشخص هندي الأم، صومالي الأب، عربي اللسان، إسلامي الدين. فلا هو مسلم ولا هو عربي ولا هو صومالي ولا هو هندي لا في أخلاقه ولا في ملامحه ولا في ملابسه[6]. ولم يقصد الريحاني بذلك إدانة الاندماج بين الأقوام والأديان والثقافات، بقدر ما كان ينتقد صيغتها المفككة انطلاقا من أن السبيكة المتماسكة تفترض وجود عناصر جوهرية متناسقة في تركيبها الداخلي. بينما تشير حالة البلاد العربية إلى التفكك في عرى الأحكام والتفرد والضعف المهلك في السيادة[7]. وهي حالة تكشف عنها الواقعة التي أوردها الريحاني عندما استفسر الإنجليز من الحديديين (سكان منطقة الحديدة اليمنية) عمن يريدون أن يحكمهم!؟ أجابوا: نريد الترك! وعندما قال لهم الإنجليز بأن ذلك محال، قالوا "نبغي إذن الحكومة المصرية!". وهي حالة تشترك فيها البلاد العربية حينذاك جميعا، رغم تمايزها الجزئي من مكان لآخر. ولكنها تشترك من حيث تغلغلها في "الأنظمة السياسية" العربية آنذاك، والتي ظل اغلبها أسير وحدة الدين والدنيا والطائفية والعشائرية والعائلية. بمعنى افتقادها للطابع المدني. وفي هذا يكمن بنظر الريحاني أحد الأسباب الأساسية لهلاك العالم العربي. ووجدت هذه الحالة تعبيرها غير المباشر في كثرة وانتشار كلمات الجهل والكسل والادعاء والظلم والعبودية والتعصب والخوف والخرافة والطاعة العمياء والأثرة والجبن والخداع والنفاق والأضاليل والغبن والخمول والفخفخة والأبهة والتدليس والكذب والقلوب المترهلة والقلوب المائعة والدموع والأسى والنحيب والنواح وكثير غيرها، في كتاباته. وهي كلمات موجودة في قواميس الأمم جميعا في مراحل صعودها وانحطاطها، إلا أن كثافتها المركبة في عبارات الريحاني تشير أولا وقبل كل شيء إلى وجدانية تعامله مع الأحداث والوقائع التي وصفها بحالة التفكك العام آنذاك.

وهي وجدانية أرادت أن تتحسس في عباراتها كل ما بإمكانه إثارة الجسد المتهرئ للعالم العربي حينذاك. لهذا أخذت بالإفحام والاتهام والتعظيم السريع. ولم تقصد بذلك شيئا غير ذاتها. وحدد هذا الحافز وجدانيتها العارمة في تحدي كل ما يمكن تحديه وتوجيه الاتهام إلى نفسها ومخاطبتها بأقسى الكلمات وأرقها. مثل أن ترى في نفسها "نبيلا يتجلى بجلاله كما يتجلى في مظاهر الربيع الجليلة"[8]، أو أن يشعر بالغربة المتسامية بحيث "يصرخ ساكتا: إلهي إنا غريبان ههنا"[9].  كما يجد في صوته صدى واستمرارا "لناي الرعاة، وعود الفسّاق، وكنارة الراقصات، وصوت الدهر، وروح الفيدا، والرسول إلى الصفوة"[10]، أو أن يصرخ بأنه "هو الشرق وأنه حجر الزاوية الأول لهيكل من هياكل الله، وأول عرش من عروش الإنسان". لهذا نراه "منحني الظهر ولكنه قويم الرأي ثابت الجنان"[11]. وهي الطاقة الخالدة للحقيقة والمتجسدة في "سلام الأنهر المقدسة"، وفي "لبيك اللهم لبيك"، وفي "منابر الوطنية والدعوة للثورة"، وفي "نشيد النرفانا وعقيدة الكارما"[12]. وليست هذه "المتناقضات" سوى الصيغة الوجدانية والعقلانية لحقيقة التصوف المتجزئة والمندمجة في نفس الوقت في مشاريع التفاؤل المغري للريحاني.

بحث الريحاني عن قلوب نابضة في المراكز التاريخية الغابرة للعالم العربي. لذا نراه يكتب عن "قلب لبنان" و"قلب العراق". كما نراه يعثر في مصر على "ابنة فرعون"، الذي أول من قال للموت: لا! وأول من قال للحياة: نعم! فمصر هي آية الزمان، وابنة فرعون، ومعجزة الدهر، وفتاة النيل، كما أن دجلة هي رب العراق وحياته الخالدة[13]. فقلب العراق حي إلى الأبد[14].

سعى الريحاني إلى "كسر" عود المنطق المتكلس بعبارات الخنوع أمام الحروف المتجزئة في الكلمات، والأوهام المستطابة للسرديات الجليلة الفارغة، والحماقات المستلذة لإطنابها بالماضي الممتطى، وقذارة الحنكة المتمرسة في إركاع الكلمات إلى ما تهواه الأنفس الخائرة. لهذا نراه يهاجم ما اسماه "بالقلوب المائعة للشرقيين"، ويدين "داء البكاء" ويطالب "برفع القلوب من مستنقعات التخنّث"[15]. ولم يعن ذلك في الواقع سوى مخاطبته الوجدان العربي بمعايير الوجدان نفسه، باعتباره الأسلوب الخالص والمخلص في نفس الوقت للحق والحقيقة والعدالة والحرية، ورفض الظلم والكذب والاستبداد.

وجسّد الريحاني مواقفه هذه عبر مخاطبته الشعراء باعتبارهم ممثلي الوجدان. وكتب في (بذور الزارعين) يقول، بأن "الشاعر هو من يخلص لإنسانيته أولا"، وأن "شرّ ما يكتبه الإنسان مقال لا إيمان فيه". ووجد القيمة الكبرى في كل ما ينظّم شعرا ويكتب نثرا يقوم في ما اسماه "بروح الشاعر الصادقة في قصائده وحياته معا"[16]. وليست هذه "الحنبلية" الشعرية سوى الصيغة الصارمة للوجدانية المتسامية في تعاملها مع النفس في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم وضعه للمعري فوق مرتبة المتنبي. فقد وجد في المعري نموذجا متساميا لحقيقة الشعر (العربي). إذ كان شعره صورة صادقة لبيئته، حيث انتقد فيه الواقع "بكلمات من نار وقواف من نور". بينما انتقص من شعر المتنبي "لكذبه في المدح"[17]. وهو موقف مبني على انتقاده للفكرة القائلة بأن أجمل الشعر أكذبه، وما ترتب عليها من فجاجة في الرؤية تعتقد بأن الشعر لا علاقة له بالحقيقة وهدف الشاعر. من هنا نقده الشديد للمتنبي، حيث اعتبر صوره الشعرية في الغالب "صناعية تقليدية لا أثر فيها للعقل المقرون بالروح، أي للخيال الذي تغذيه الرؤيا"[18]. وعندما جمع حصيلة انتقاداته إياه، فانه وضعها في تقييم عام يقول:"ليس في المتنبي أتضاع الفيلسوف، وليس فيه روح الصالح التقي، بل ليس في ديوانه إلا بيت واحد يذكر الرحمة"[19].

إن تقييم المتنبي المذكور أعلاه له معناه ومغزاه الخاص بمعايير الوجدانية التي مثّلها الريحاني، بوصفها التيار العملي للملمة الجزئيات المتناثرة في التاريخ والمعاصرة والثقافات من اجل سكبها في الكلمة الفاعلة والإخلاص لها في الإحساس والعمل. من هنا انتقاده اللاذع للأنانية الضيقة بين الشعراء، ولخضوع شعرهم للأوزان والقوافي لا لمعاناة الإخلاص للعدل والحرية[20]. ووضع هذا الإخلاص في عباراته التي حورّ فيها مضمون الوصايا البابلية، بأن "يكرم أبويه من سيبويه ونفطويه والكسائي، وأن لا يحلف باسم ليلى بالباطل، ولا يمدح بالزور، ولا يكذب على هند وشقيقاتها، وأن لا يشته قصيدة أخيه"[21].

لقد أراد الريحاني الانتصاف من الشعر والشعراء، والإنصاف للمخلصين منهم. ولا معيار للإنصاف سوى الوجدان الذي ينبغي أن تتلألأ فيه ومن خلاله صدق المعاناة ورؤيتها الحالمة وقدرتها على إدراك المعنى الحق في الفعل. ولا يعني ذلك سوى الدعوة للخروج من إسار الكلمة وحروفها إلى فضاء الحقيقة الكامنة فيها، والاعتماد عليها في تأسيس وبناء وعي الذات القومي. ووضع الإطار العام لهذه الفكرة في مطالبته لأن يكون وجدان الشاعر "قوميا صحيحا في إنسانيته". فالإبداع الأدبي بشكل عام والشعري بشكل خاص عند كل أمة لها وزنها التاريخي، يكشف عن أن أدبها وعلمها مسخران للغرض الأكبر من جهادها وهو هويتها واستقلالها وتعزيز قوميتها ووطنيتها[22]. من هنا اعتقاده القائل، بأن "من ينشد فنا لا وطن له يمسي ولا فن له ولا وطن"[23]. وذلك لأنه حتى الأمة القوية التي لا أدب لها ولا فن لهي كالعملاق الأبكم. بينما الأمة القوية الحرة لا تستحق حريتها ما دام في العالم أمم مستضعفة[24].

لا غاية لهذه الوجدانية العارمة التي مثّلها الريحاني في عباراته الخطابية وملأ بها كتاباته، وبالأخص في (انتم الشعراء) و(بذور الزارعين) و(الريحانيات) غير استثارة عقل وضمير الأمة العربية في أفرادها وجماعاتها. من هنا استنتاجاتها العامة الجميلة التي لا أساس تاريخي لها. وهو ضعف لازم تيار الوجدان ككل. فالتاريخ الواقعي يكشف عن أن "الأمم الحرة القوية" هي أكثر من يستعبد "الأمم المستضعفة"، وبالتالي، فأن حرية المستضعفين ليست هبة أو هدية من أحد، بل النتاج الضروري لإرادة الأمم نفسها. ومن ثم فلا حرية حقيقة دون النضال من اجلها.

وهي فكرة شاطرها الريحاني خطابا ووجدانا، ولكنه لم يكن قادرا على صياغة منظومتها. وهو نقص عوضته "عقلانية الجنان" في نسجها الخيوط غير المرئية لوجدان الأمة وصقل عاطفتها بقيم العدالة والوحدة. من هنا تحول التاريخ عندها إلى جزء من العاطفة لا بالعكس. مما أدى إلى ضعف رؤيتها الواقعية وكذلك ضعف قدرتها على تأسيس منهج قابل للنفي الذاتي في مجرى بناء وعي الذات الثقافي. بل حتى في استلهامه الإيجابي والمتفائل لفكرة الدورة التاريخية القائلة، بأن التاريخ هو سلسلة دائرة تبدأ وتنتهي بالرجوع إلى بدايتها، باعتبارها "ناموس الارتقاء والتطور"، فأن الدورة تظل جزئية وعابرة. وذلك لأنها لم تعدو، شأن "منهجيته" التاريخية، أكثر من كونها اجتزاء للفكرة وتطبيقا خاطفا لها بما يتناسب مع مزاج الوجدان الهائج. ولعل قصته القصيرة المنشورة بعنوان (عام 1950)، التي كتبها عام 1920، والتي يمكن اعتبارها من بين أجمل القصص السياسية (الخيالية) القصيرة وأكثرها "نبؤة" في القرن العشرين عن الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 وآفاقها، نموذجا متميزا لذلك. حيث نراه يستلهم في آن واحد الفكرة الماركسية والدارونية المخلوطتين بالرومانسية الأدبية وشذرات متناثرة من مختلف التيارات السياسية الأوربية. إذ يتكلم فيها عما اسماه بسلسلة التاريخ التي تبدأ من الحكم الأبوي وتنتهي بالحكم الاشتراكي مرورا بالحكم الاستبدادي والحكم الدستوري. في هذه القصة القصيرة "يتنبأ" بسقوط الثورة البلشفية وذلك لعدم مرور روسيا بالدستورية بعد النظام الاستبدادي. وكتب بهذا الصدد على لسان أحد أبطاله الذي يروي قصة انتصار وهزيمة الثورة، قائلا:"إذا تأسس حكم العمال على عرش الحكم الاستبدادي مثلا لا يلبث أن يسقط فيقوم مقامه الحكم الدستوري البرجوازي. كذلك الحال في روسيا، عندما سقطت البلشفية"[25]. غير أن دورة التاريخ الخالدة لا تلبث أن تعيد مجراه إلى نصابه الحق، حيث تنتصر الثورة البلشفية من جديد على النطاق العالمي بعد اتحاد عمال بريطانيا وأمريكا ووقوفهما ضد الحرب الجديدة. ولكن "لا برايات حمراء، بل برايات بيضاء". حينها "تنبعث البلشفية من قبرها وقد طهّرها الفشل والزمان، فاستولت وهي عزلاء على زمام الأحكام في العالم المتمدن"[26].(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.........................

[1] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص2-3.

[2] أمين الريحاني: فيصل الأول، ص277.

[3] المصدر السابق، ص278. وهو استنتاج سبقه إليه الأفغاني.

[4] المصدر السابق، ص280.

[5] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص104.

[6] المصدر السابق، ج1، ص281.

[7] المصدر السابق، ج1، ص277.

[8] أمين الريحاني: هتاف الأودية، ص23.

[9] المصدر السابق، ص25.

[10] المصدر السابق، ص29.

[11] المصدر السابق، ص84-85.

[12] المصدر السابق، ص89.

[13] المصدر السابق، ص93-94، 97.

[14] المصدر السابق، ص101.

[15] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص6-7.

[16] المصدر السابق، ص153.

[17] المصدر السابق، ص44.

[18] أمين الريحاني: أدب وفن، ص112.

[19] المصدر السابق، ص113.

[20] أمين الريحاني: انتم الشعراء، ص14-18.

[21] المصدر السابق، ص10.

[22] المصدر السابق، ص82.

[23] المصدر السابق، ص88.

[24] أمين الريحاني: بذور الزارعين، ص87.

[25] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص267.

[26] المصدر السابق، ص274.

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (4)

لقد صنعَ العقل البشري ديناً كما صنعَ الدين عقلاً. هذا ما حصل عبر مسيرة الإنسان الطويلة إلى أن التقى العقل والدين في محطةٍ واحدةٍ أو حقيقةٍ واحدة هي وجود الله واحداً لا مُتعدداً وشاملاً لا محدداً.

ونحاول الآن أن نفحص الدين (الوسيلة إلى الله) كما حاول العقل أن يصنعه. عندما نقول أن العقلَ صنع ديناً، فمعنى ذلك أن هذا الدين هو مُعطى عقلي أو فاعلية عقلية (Mental activity). وكل فاعلية عقلية لا تعدو كونها وسيلة، كما هو الحال مع اللغة التي هي فاعلية عقلية يتخذها هذا العقل للتواصل والوصول إلى غاية. إن غاية (اللغة، الوسيلة) هي تحقيق التواصل الإجتماعي، بينما يقوم الدين الذي أوجده العقل البشري وسيلةً غايتها الوصول إلى الله.

أ‌- إنسان بعقل ← بوسيلة اللغة ← تواصل إجتماعي مع مجتمع.

ب‌-  إنسان بعقل ← بوسيلة الدين ← الوصول إلى إله.

وكل وسيلة تحمل جانبين فيها: الجانب العملي والجانب النظري. والجانب العملي هو المحسوس الملموس بينما النظري هو الذي يمكن تصورُه لكنه ليس بالضرورة ممكناً أن يتحقق. لقد كان الإنسان قديماً يميل إلى تصديق المشاهدة والميل إلى الجانب العملي أكثر من ميلهِ إلى الجانب النظري وفيه التنظيرات، لذلك أصبح الإنسان كائناً طقوسياً يحاول بالطقوس الوصول إلى الماهية. ولازال الإنسان المعاصر ميالاً إلى المختبر الذي يُقدم له نتائج التجربة. إن الطقوس ممارسات سلوكية تملك قدرة إرجاعية إلى أفكاره (Bio Feed Back)، ومركز هذه الأفكار هو الدماغ.

تبرز لدينا في الإنسان الباحث عن ربِهِ آليتان: آلية الدفاع (Motive) وآلية الحافز (incentive). ويقف وراء الدافع عاملان: حُب الفضول في إكتشاف الشيء والخوف من المصير. الحافز هو وجود ظاهرة المخلوقات التي تَحث الإنسان على إكتشافها وإكتشاف مُوجدها.

وفي علم النفس يرتبط الحافز بالدافع إرتباطاً كبيراً، فكلما كان الحافز كبيراً، ضخماً، مثيراً، دعا إلى وجود دافع كبير ضخم مستثار. أمام هذه المراوحة بين الدافع والحافز حاول الإنسان الأول أن يُوجد طقوساً يتقرب بها إلى فهم الحافز الذي استثاره.

***

إن إنعدام الإستقرار النهائي على فهم الحافز (وجود الله) حدا بالإنسان إلى ظاهرتين:

1- ظاهرة تَعدد الدوافع.

2- ظاهرة الإحتمالات.

وقبل قليل قلنا أن هناك دافع الحُب في الإكتشاف ودافع الخوف من المصير. أما ظاهرة الإحتمالات التي أصبحت لاحقاً نظريةً معترفاً بها في مجالات البحث، فإنها واحدةٌ من وسائل الدافع الى المعرفة. والمشكلة في نظرية الإحتمالات هي مشكلة قدرة تلك الإحتمالات على الإنشطار والتشظي إلى عدد لا محدود من التوقعات على نحوٍ يُربك الفكر وقد لا يقود إلى نتيجةٍ حتمية.

ولكي يخرج الإنسان الإبتدائي من نظرية الإحتمالات التي تحتاج إلى عقلٍ كبيرٍ ناضج في إنشائها والقيام على جداليتها لجأ إلى إقامة الطقوس الميثولوجية فأصبح له دينٌ (إتقائي) يواجه به خوفه بتلك الطقوس وممارستها.

على هذا الأساس كان الدين الذي صنعه العقل ديناً:

1- تحولياً من حالة إلى حالة

2- طقوسياً أدائياً يفتقر إلى النظرية.

ويحاول بعض الباحثين في العصر الحاضر إعتبار الطقوس التي وردت في الدين السماوي (الكتاب السماوي، وممارسة رسوله) بقايا من الدين الأول الذي صنعه الإنسان، ولكن هذا غير صحيح لأن الطقوس في دين السماء تستند الى إرتباط وثيق بين المعملية والنظرية؛ ومثالنا على ذلك: النُذر أو الفدية، تلك الحالة التي أقرها الدين السماوي (دين النضج) لأنها تحمل دلالات ورموزاً تتحقق بها مصداقية السريرة.

إن الدين، صنعة العقل، ظلَ يؤثر في قدرة الإنسان المعاصر على استلهام الإشراق الفاضل في الدين السماوي الذي صنع أو صنَع العقل الإنساني من جديد فظهرت لدينا في هذاالإنسان حالة (التدين) ونعني بها الإتكاء على الوسائل الوضعية في فهم الدين الخالص.

والإنسان كائن بطيء الإنسحاب من معتقداته حتى في أجلىى حالاته الفكرية لانه لا يملك عقلاً (مفكراً) نقياً خالياً من التفكير الوجداني الذي يغطي مساحة العقل بالسلوان العاطفي ورطوبة المشاعر.

والتدين هو الذي أوجد الإنشطار المذهبي في الدين الواحد حينما أصبحت الشخصيات وقداسة الفرد وطهرانية الضريح وإختلاف النظرة إلى طبيعة الدولة التي أنشأها الدين السماوي عوامل ناخرة هادمة لحقيقة الدين الخالصة.

***

قلنا كما نقول الآن أن وظيفة الدين العُليا هي بث الطمأنينة والإستقرار في النفس البشرية، وهذا ما عجزَ عنه الدين الذي صنعه العقل، لأن العقل صانع والدين الذي أوجده العقل مصنوع، والمصنوع لا يجوز أن يكون أكبر أو أقدر من الصانع على أداء المهمة.

هل يرضى الأب أن يكون إبنه قائداً له في مسيرة حياته وهو الذي كان سبباً في ولادته ومُعلماً له دروس حياته؟ وإذا أردنا أن نشير إلى فضيلةٍ للعقل في إختراعه ديناً خاصاً به، مُفصلاً على حالة وعيه المحددة بزمانه ومكانه وثقافته، فإننا ملزمون بالإعتراف بأن الدين ضرورة عقلية للإنتماء على الرغم من الإختلاف القائم في فهم محتواه.

فما دام العقل قد (فكَر) في إيجاد دين ينتمي إلى نفسه وإلى خَلقِه وخالقه فيعني ذلك أن الدين يظل عملاً عقلياً لم يُسعفه الدين السماوي بالتبكير في الظهور فأوجده الإنسان من عندياتهِ.

إذن، لو فرضنا أن الدين السماوي لم يظهر ابداً، فهل كان العقل البشري قادراً على الوصول بتدرجه الديني الذي هو من صُنع محاولاته إلى مرحلة الدين السماوي أم أنه سيستمر في الإنتقال من دين الى دين بصورة وضعية حسية تعتمد على إدراك اللامحسوس بالمحسوس (استخدام الحس الفائق)؟ الذي نعتقده هو انه سيصل إلى مشارف الدين السماوي أو الدين السماوي نفسه ولكن بعد أن يستنفذَ كل محاولاته في صناعة إله على هواه فينشأ عنده ما نُسميه (إدراك اليقين باليأس من الشك).

هنا يلتقي الدين الذي صنعه العقل مع الدين الذي ضيع العقل، وهذا ما يؤكد ان الدين السماوي هو دين الفطرة والفطرة هي التلقائية والإستعداد الجبلي لقبول التوحيد والدين الذي ينادي بالتوحيد.

فلنعترف الآن أن الإنسان في مسألة إعتقاده كان قد دار في حلقة مُغلقة لم يُخرجهُ منها إلا استسلامه إلى القدرة الأعلى وهي الله.

نحاول الآن أن نفحص الدين الذي صَنع العقل، أي الذي أخضع العقل الطاغي المتمرد لقوته ونظَم وعيه بالطريقة التي يريد. إن الكائن الإنسان محكوم بتلاثة معطيات: التفكيروالعواطف والسلوك.

والذي فعله الدين في العقل، لكي يسيطر على هذه المعطيات هو الآتي:

1- قَدم الدين السماوي صيغة المُسلمات وهي النصوص التي لا جدال فيها. ولكي لا تكون تلك النصوص قيوداً على العقل ترك الدين للعقل فرصة التفكير في النص ولماذا جاء بهذه الصيغة الثابته. أي أن الدين لم يسلك مع العقل سلوك التدرج بل قَدم الثابت ليدور حوله النقاش.

2- قَدم الدين معلوماتٍ عن الخَلق (آثار الله) بطريقة رمزية وإشارية تتطلب من العقل البشري إعمال المجاهدة فيكشف تلك الرمزية.

3- جعل الدين ظاهرة الشك قائدة إلى اليقين ولم يجعل اليقين سبباً لإسترجاع الشك.

4- رسخ الدين السماوي في العقل ظاهرة التأمل.ويعرف الكثيرون أن التأمل هو أولى الخطوات إلى المعرفة الحقة.

5- أردفَ الدين السماوي ظاهرة العواطف في الإيمان إلى جنب ظاهرة التفكر لأننا نعرف، وفي علم النفس تحديداً، أن التفكير الوجداني يشحن التفكير العقلي بقوة المتابعة والإستمرار في المتابعة.

6- جَرد الدين السماوي سلوك الإنسان من الممارسات الساذجة والطقوس البدائية في التابو والطوطم والأسطورة لأنها لا تُفضي إلى الإيمان الحق بالخالق الحق.

7- علم الدين السماوي العقل البشري ظاهرة التواضع أمام المجهول لحين إكتشافه فأصبح عقلاً لا يمارس العمل الإختزالي في الوصول إلى النتائج.

***

لقد إتجه الدين الذي صنعه أو أوجده العقل البشري إلى فحص ظاهرة الطبيعية التي تحيط بالإنسان لكنه أهمل أهم ظاهرة إنسانية وهي ظاهرة النفس البشرية بكل ما يكتنفها من غموض وأسرار وخفايا.

فلقد حاول هذا الدين الوضعي حلَ ألغاز البراكين والزلازل والشمس والقمر والرعد والغيوم ناسياً أن أكبر لغز هو هذه النفس العاقلة؛ بينما إهتم الدين السماوي بالنفس واعتبر خَلقها وكينونتها تحدياً واضحاً أمام العقل.

أتزعمُ أنك جُرمٌ صغيرٌ    وفيك إنطوى العالَمُ الأكبرُ؟

إن هناك إختلافاً واضحاً في المعاني والتسميات بين علم النفس العام وعلم نفس الدين.

وسنضع الآن جدولاً لهذه الإختلافات لنُبين فيه ما ذهب إليه علم النفس الوضعي الناتج من الدراسات الإنسانية وما ذهب إليه الدين في محاولته تأسيس علم نفس ديني يصوغ العقل البشري من جديد.

علم النفس العام - علم النفس الديني

1- هو نتائج ما تَوصلت إليه الدراسات الإنسانية للدماغ ومعطياته الفكرية والعاطفية والسلوكية.

 1- هو الناتج الجاهز للنص الديني الذي يعتمد الثبات والتقدير المُسبق للسلوك الإنساني.

2- لم يناقش هذا العلم ظاهرة (الروح) وإعتبر الحديث عنها عودةً إلى بدايات غير واضحةِ المعالم.

2- أكد موضوع الروح وإهتم بها.

3- إهتم بموضوع "الشخصية" وقسمَها على نوعين: السليم والمريض وعدد أنواعاً كثيرة للشخصية المريضة.

3- لا يوجد موضوع واضح باسم "الشخصية" في علم النفس الديني بل أناب عنها مصطلح النفس في صحتها ومرضها كالنفس المطمئنة والنفس اللوامة.

4- إعتبر الدماغ مسؤولاً عن إدارة الصراع في توجيه السلوك وتحديده.

4- تحدث علم النفس الديني عن الأفئدة والقلوب وجعلها شريكة للعقل في ما تفقه فيه أو ما تضمُره من نوايا

5- لم يُفسر الأحلام تفسيراً نبوئياً مستقبلياً بل إعتبرها محاولات رمزية لحل المستعصى من المشكلات التي عجز الوعي عن حلها.

5- تعامل مع الحلم على أنها استنباءٌ بما سيحدث من خير أو شر.

6- لم يؤكد موضوع الجن والسحر والكهانة واعتبرها ميثولوجيا مَجة مُتخلفة.

6- يشير إلى هذه الأشياء بإهتمام واسع ويؤكد أثرها في النفس البشرية.

7- لا يؤمن بالحتمية السلوكية ويعد الإنسان كائناً قابلاً للتعديل والعلاج.

7- يميل إلى تقرير حالة الإنسان الذي يتصرف في حياته على وفق ما هو عليه من ثوابت وُلِد عليها.

***

كان الإنسان في دينهِ الوضعي (الدين الذي أبدعه أو إبتدعه العقل) يتغير لكي يتطور فهو ينتقل من حالة وعي إلى أخرى مستخدماً التدرج الزمني. فإله الغيم عند قوم من الأقوام يتغير إسماً وتكويناً طبقاً لوعي وثقافة أولئك القوم من زمن إلى زمن. وعدَ الأنثروبولوجيون الثقافيون حالة التغير هذه نوعاً من أنواع التطور.

هذا ما حصل في الدين الوضعي بينما كان الإنسان في الدين السماوي (الدين الذي صنع العقل والوعي) مُطالباً بأن يتطور من دون أن يتغير. وقد تحقق ذلك للدين السماوي لأنه أكد استمرارية ثبات مَرافق في حياة الإنسان وأكد مطالبة الإنسان بأن لا يتغير فيها إنما حقه أن يتطور في ضمنها. هذه المرافق هي: الإقتصاد ، واللغة، والمحرم المقدس.

ففي حالة المسلم في الإسلام لا يستطيع هذا المسلم أن يُغير من ثوابت الحلال والحرام في مصادر إقتصاده خلافاً لِما قرره كتابه السماوي (القرآن)، فهو ثابتٌ فيه وعليه أن يتطورَ في حدود هذا الثابت.

وفي اللغة العربية لم يستطع المسلم أن يُغير من لغته التي نزل بها القرآن حرفاً واحداً لأن القرآن عنده هو سيد المعاجم ورائد القواميس الذي يندحر أمامه كل إجتهاد في التغيير. وهذا ما جعل هذا الكتاب صعباً جداً على مترجمه إلى لغة أخرى لأن الترجمة الحرفية النصية أخفقت كثيراً في استلهام روح التأويل وفقه ما بعد المعنى المباشر في الجملة القرآنية.

وأدى ثابت (المُقدس المحرم أو المحرم المقدس) دوراً في العمل ضمن دائرة الطاعة للقوة الأعظم وليس في التمرد عليها، أي في العمل من الظاهرة بإتجاه خالقها. أمام هذه الثوابت وجه الكتاب السماوي العقل إلى العمل في ضمنها فأشاع في النفس البشرية الآتي من التعلم:

1- التواضع الجم في البحث العلمي عن الخالق وانعدام المكابرة في إصدار قرار الإلحاد. لأن العلم يعترف ويناقش في ما وصل إليه ولا يُصدر رأياً بالإلغاء والنفي لما يجهله، وإذا قال عالمٌ عن شيء لا يعرفه بأنه غير موجود لأنه لا يعرفه فقد جَهِل.

2- الصبروالتأمل الكاملان وهما سمتان في طالب التعلم، وبدونهما تشيع اللجاجة والفوضى والإستعجال. وإذا شاع الصبر والتأمل قلت كمية (العُصاب) في النفس البشرية وأصبح صاحبها أكثر إستقراراً ة وقدرةً على الحوار من أجل الحقيقة.

3- العلم بالمقارنة (Comparison learning): وهذا ما كان مفقوداً في الدين الوضعي، فلم يكن مُعتقِدُ دينه الوضعي قادراً على المقارنة بين ما أوكل إلى تصوره في معتقداته وكمية المنجز من هذه المعتقدات.

لقد ظل الذي يتصور ربه أفعى أو كائناً بحرياً أو صنماً حجرياً عاجزاً عن فهم العجز الكامن في هذه المؤلهات عن تحقيق شيء، أما الدين السماوي (وفيه الكتاب) فقد أوقد فتيل المقارنة في العقل.

4- محاربة الشك بفتح باب اليقين: فعلى الرغم من عدِ الشك عند بعض المدارس الفكرية سبباً لليقين فإنه له أثراً سالباً في النفس البشرية حيث يقود أحيانا الى ظهور البارانويا (أفكار الإضطهاد وأفكار العظمة). ولا يمكن أن يتحقق الإيمان ما لم يتحقق اليقين. فالفصامي والهوسي ومريض الأفكار الحصارية ومريض القلق يعانون من الوهم الذي كانت بدايته تدور في دائرة الشك.

***

من هذا الذي أوردناهُ نستنتج أن الدين السماوي أثر في العقل وقاده إلى التوحيد على ثلاثة أصعدة:

1- التفكير: وهو الذي يرتكز إلى الذكاء والذاكرة واللغة والإستنتاج عبر أدوات الحس وما فوقها من قدرة على الإستلهام.

2- العواطف: حين هذبها تهذيباً يليق بوقار الكائن الإنساني المُطالب بكيفية المثول أمام قدرةٍ تتمتع بالمُطلق.

3- السلوك: حين استطاع هذا الدين أن يرسم حدوداً وحرية محكومةً بإحترام حرية الأخر.

لقد حَقق الفكر الإنساني المُلحد بالله إغراء لدى الكثيرين فنشروا نظرياتهم وأفكارهم الداعية إلى إنكار وجود الله، واستطاع هؤلاء بما ملكوهُ من قدرة على الكتابة والنشر أن يُغروا جيل الشباب من بني الإنسان بأفكارهم.

وكثيراً ما يكون الإنسان في مُقتبل عُمرِه متمرداً مشاكساً باحثاً عن وجودهِ عبر قاعدة "خالف تُعرَف"؛ حتى إذا تَقدَم العمر بهؤلاء الشبيبة آلو إلى التمحيص وإعادة النظر في ما أغراهم من هؤلاء المفكرين الداعين إلى الإلحاد.

إن علم النفس الملحد لم يستطع أن يقف أو يصمد أمام علم النفس المؤمن بالله، لأن ذلك العلم كان يدرس السلوك البشري بواسطة مختبره النفسي والعقلي فيأخذ الظاهرة الإنسانية أخذاً تفسيرياً لا تأويلياً.

لقد جعل علم النفس الملحد الإنسانَ نواةً لأبحاثه وأوكل إلى طبيعة الإنسان كل قدرةٍ على الكينونة. ولنأخذ أمثلةً على ذلك: درسَ علم النفس حالة الغضب (Anger) عند الإنسان ووصل إلى أن مركز السلوك الغاضب هو اللوزة (Amigdla) التي تجعل الإنسان غاضباً عندما يتعرض لأسباب نفسية أو إجتماعية أو بيئية؛ فيصبح غاضباً لأن منطقة اللوزة مستثارة، لكن علم النفس لم يستطع أن يجيب عن الأسئلة الآتية:

1- لماذا اصبحت اللوزة مركزاً للغضب عند استثارتها؟

2- لماذا تُثير الأسباب النفسية والإجتماعية اللوزة؟

مثال آخر: قرر علم النفس أن المكان الأكثر من غيرهِ في الدماغ إختصاصاً بالذاكرة هو الفص الصدغي وقرن آمون.

لكن الكتاب السماوي يقول: يومَ تشهد عليهم جلودهم وأقدامهم وأيديهم. والشاهد لا يكون إلا بذاكرةٍ لديه عن الحدث الذي حضر حدوثه. هنا لم يستطع علم النفس أن يجيب عن سبب قدرة الجلود والأيدي على الشهادة.

هذا هو التحدي الذي قام به الدين أمام العقل البشري فإما أن يرفضه هارباً منه إلى الإلحاد أو أن يكتشف حقيقةً لا يستطيع إنكارها. مثال آخر:

1- لماذا تُبصر العين ولا تسمع؟

2- لماذا تسمع الأُذن ولا تبصر؟

3- لماذا لا يضحك الحيوان؟

4- لماذا ننام؟

5- كيف نحلم؟

6- هل ينام الدماغ؟

***

إن العقل المجاهد في محاولة صناعته إلهاً وديناً يوصله إلى ذلك الإله سيلتقي يوماً ما مع الدين السماوي الذي قدَم للعقل صورة الإله وطبيعة الدين الذي أقره الله طريقاً للوصول إليه، وهذا ما حصل عَبر كل ما قدمناه من تدبر وقراءة.

إذا كان الأمر كذلك وقد كان كذلك، فهل يمكن القول إن واحداً منهما يكفي للقيام على حياة الإنسان وصولاً إلى التوحيد؟ هل سيكون العقل وحده عقلاً ونائب فاعل عن الدين كما سيكون الدين ديناً ونائب فاعل عن العقل فيعيش الإنسان بواحدٍ منهما؟

إثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا  دينٍ، وآخر دَينٌ لا عقلَ له.

للإجابة عن هذا السؤال نقول: ستستوي كفة العقل والدين وصولاً إلى مرحلة الإيمان بالله على المستوى العقلي الرياضي المجرد لكن لن يغني وجود العقل عن وجود الدين على المستوى القيمي للأشياء وعلى مستوى الأخلاق، لأن العقل في طبيعته لا يؤمن بالقيم ولا أخلاق مع العقل بينما تكمن القيم التي تٌقاس بالميزان ولا تحسب بالعداد في الدين.

فالإيمان العقلي بالله يُشبه الإيمان بالمسألةِ الحسابية يقرأها ويضع حلاً لكنه لا يقيم لها اعتبارات أخلاقية. فيما الإيمان الديني يضيف إلى الإيمان العقلي حلاوة ورطوبة ومذاقاً.

للإيضاح أكثر نقول: هَب أن رجلاً عالماً في الرياضيات أو الفيزياء يُوحد الله ويؤمن بخلقه للصغير والكبير بدون أن يعتنِقَ ديناً، فهل يجد هذا العالم معنى للصلاة والصوم وصولاً إلى رضا الله كما يفعل أتباع الدين السماوي؟ إنه لن يقوم بذلك لإفتقاده إدراك الغرض من هذا، لكن رجلاً آخر عالماً مثله في الرياضيات أو الفيزياء مثلاً يُوحد الله بعد إعتناقه ديناً سماوياً، سيقوم بالصلاة والصوم لأنه يؤمن بهما طريقاً إلى رضا ربه. فالأول لا يفهم معنى للعلاقة بين أن يُوحد الله وأن يُصلي له. هذا المثال يكفي على ما نعتقدُه سبباً للقول أن العقل يُوفر الإيمان المجرد بالله فيما يوفر الدين الإيمان المًعضد بطريقة الشكر لهذا الإله.

***

لماذا يُثير أتباع العقل الأسئلة حول الله فيما يتحاشى ذلك أتباع الدين وخصوصاً الدين السماوي؟ إن أسئلة أتباع العقل تتركز على النواحي الآتية:

1- إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله؟

2- لماذا أقر الدين قاعدة (لا إجتهاد في النص)؟

3- إذا كان الله جميلاً فلماذا خلق القبح في الأشياء؟

4- إذا كان الله يعاقب المجرم فلماذا خلقه غير قادر على الفضيلة؟

5- إذا كان نور الله يملأ كل شيٍ في الكون فأين تكمن النجاسة؟

6- إذا كانت الوراثة تفعل فعلها في إنتاج أجيال الملحدين فما دور العقل في الإنتصار على الموروث؟

هذه هي أهمُ الأسئلة التي أثارها العقل فلم يجد لها جواباً فمالَ إلى الإلحاد. وفي مقابل هذه الأسئلة لجأ أتباع الدين إلى ترك أسئلةٍ لا يملكون إجابة لها فأقروا ان مجرد إثارة مثل هذه الأسئلة عملٌ يقع في دائرة الحرام، فلجأ الكثير منهم إلى الصمت حتى تناهى إلى أذهان أتباع العقل أن اسئلتهم مفحمة ومعجزة لأصحاب الإيمان.

إن علم النفس يردُ على أتباع العقل بالآتي:

1- في مسألة (مَن خلق الله؟) يسأل علم النفس أتباع العقل ما يأتي: إذا كان النجار قد صنع (خَلق) الكرسي فكيف صنعه؟ إنه صنَعه بالفكرة فمن صنع الفكرة؟ صنعها الدماغ. فلماذا لم يسأل هؤلاء: من صنع الدماغ؟ إنهم لا يبحثون عن صانع للدماغ بل يحيلون إليه قدرة وفكرة الصناعة وينسون أن الدماغ مخلوق.

فإذا وصلنا إلى أن الله هو خالق الدماغ نكون قدوصلنا إلى سؤال: مَن خلق الله؟ ولو أجبنا أتباع العقل بالقول أنه لابد لله من خالق فينشأ سؤال آخر يقول: من خَلق خالق الله؟ وهنا ينشأ الإلحاد بالله لأنه سيُصبح قيمة وسطى بين خالقهِ ومخلوقاته، بمعنى آخر إنه سيُصبح مبعوثاً من خالقه إلينا وهذا لا ينطبق على الوصف الذي أقر بأن الله هو المُطلق.

وإذا أردنا أن نُقرب ما أوردناه بأمثلة فلدينا ما نقول به الآتي: يوجد في عضلة القلب مركز لكهربائية القلب تُسمى (العتبة الصانعة Base maker). وفي الدماغ البشري تنبعث موجات كهربائية من الفص الخلفي له (Occipital lobe) و تبعث الموجات الكهربائية المغذية لفصي الصدغ والجدار والفص الأمامي.

من أين جاءت الطاقة الكهربائية للدماغ مع علمنا أنه لا يوجد أي إتصال للنسيج الدماغي مع أنسجة أخرى أو محطات تغذية أخرى؟ معنى ذلك أن الدماغ صانعٌ لطاقته الكهربائية بنفسه فلماذا لا يقودنا هذا إلى استنتاج أن الله قوةٌ مكتفية بذاتها في صُنع ما تريد؟

2- الدين دينان: دين الإيمان بالله خالقاً أزلياً واحداً لا يتجزأ، ودين العقيدة. والنصوص تخص الحدود التي تجعل للإيمان معنى. مثال ذلك المدرسة : للمدرسة مناهج تُعلم التلميذ الكيمياء والفيزياء والرياضيات واللغة ولها أعرافٌ وطقوسٌ تقوم على إحترام المعلم والنظر إلى المعرفة بأخلاق وإنضباط أمام مُعلمها ولها مراسم إحترام زمن الدرس واللباس الخاص بالتلمذة.

ومثلما لا يمكن الإعتراض على عِلم المدرسة (النص) بينما يمكن الإجتهاد في أعرافها بحرية محدودة، كذلك لا إجتهاد في النص الذي منه وعلى رأسه الإيمان بمنهج الكون (الله).

3- الله جميل وقد خلق القبح في مخلوقاته لكي يُبرزَ صورة صورة الجمال على طريقة صراع الأضداد (الضِدُ يُظهرُ حسنه الضد). ولولا القُبح لما ظهر الجمال. فالكون في كل مفاصله محكوم بالثنائية. فالرسام البارع يرسم المناظر الجميلة لكنه يستطيع أن يرسم لوحةً تظهر قبح رأس البوم.

4- أودع الله في الإنسان عنصري الصراع (الشروالخير) ليرى كيف يجاهد الإنسان في خلاصة من السلوك الشرير.

5- الوراثة مؤثرٌ قويٌ لكن مبدأ الطفرة عامل كبير كما أن وسائل التعليم الجيد تٌخفي الكثير من آثار التوريث السيء.

 

د. ريكان إبراهيم

 

منى زيتونكان بيان ترامب الأربعاء 6 ديسمبر 2017 بتنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ضربة قاسية لجميع العرب، وإن لم تكن مفاجئة.

يدّعي الإسرائيليون أن القدس هي عاصمتهم الأبدية، وأن ما يُعرف بأرض فلسطين هي أرض كتبها الله لهم، ولا مجال للتشكيك في ذلك، فهو مسطور في التوراة، بل وفي آيات القرآن أيضًا. فما هي حقيقة تلك المزاعم؟

في موضع واحد من كتاب الله ذكر الله تعالى أنه كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل. ففي سورة المائدة، يقول الله تعالى قاصًا علينا حوارًا بين الرب سبحانه وتعالى وموسى عليه السلام وبني إسرائيل:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة 20: 26]

والحوار القرآني يوضح لنا أنهم خالفوا أمره تعالى ولم يمتثلوا لنبيهم موسى عليه السلام بالعودة إلى الأرض المقدسة "أرض فلسطين" التي كانوا يسكنوها زمن أبيهم يعقوب عليه السلام قبل أن يتركوها ويدخلوا مصر زمن يوسف عليه السلام، وحل محلهم فيها العمالقة. ورغم أن موسى عليه السلام حذرهم من تبعات عصيان أمر الله تعالى وأنهم إن لم يفعلوا ما أمر الله به سينقلبوا خاسرين، فقد تجاسروا على الله تعالى وكليمه عليه السلام، فما كان منه تعالى إلا أن عاقبهم بالتيه أربعين سنة، حتى مات آخر هؤلاء العُصاة، ونشأ من بعدهم جيل آخر دخل أرض فلسطين على يد يوشع بن نون، الذي خلف بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وبعد مدة بعث الله لهم طالوت ملكًا، الذي حارب والمؤمنون معه العماليق بقيادة جالوت، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 251]. وتكونت مملكة بني إسرائيل في بلاد الشام كلها، وليس فقط في غربها "أرض فلسطين"، على يد نبي الله داود.

جاء في سورة الأعراف وصفًا لحال بني إسرائيل بعد أن بُعث فيهم النبي الملك داود. يقول تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137].

قال الإمام الطبري في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم, فيذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم, ويستخدمونهم تسخيرًا واستعبادًا من بني إسرائيل مشارق الأرض الشأم، وذلك ما يلي الشرق منها، ﴿وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، يقول: التي جعلنا فيها الخير ثابتًا دائمًا لأهلها. وإنما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾، لأنه أورث ذلك بني إسرائيل بمهلك من كان فيها من العمالقة"أهـ.

والملحوظ هنا تغير الصياغة التعبيرية بين دعوة موسى الأولى لهم لدخول الأرض المقدسة، بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ﴾، وتقرير حالهم بعد عقوبتهم ثم مبعث داود بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا﴾. فما الفرق بين "كتب" و"أورث"؟

"كتب" في العربية أصلها من كتب البعير أي قيّده، ثم استخدمت الدلالة المعنوية للكلمة وغلبت على الدلالة الحسية، حتى لم يعد يعرف الدلالة الحسية للكلمة إلا قليل. وفي "المصباح المنير" كتب أي حكم وقضى وأوجب.

و"كتب" تُستخدم لتقرير أبدية الحكم ما لم يُنسخ، فنجد الأحكام القرآنية تستهل عند تقريرها بـ ‏﴿‏كُتِبَ﴾، مثل: ‏﴿‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]. والله تعالى يخبر عن نفسه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].

فأي تقرير يبدأ بـ﴿كَتَبَ﴾ أو ‏﴿‏كُتِبَ﴾ فهو حكم أبدي ما لم يُنسخ، كآية الوصية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، والتي يكاد يجمع العلماء أنها نُسخت بآيات المواريث.

وكذا الحال فيما يخص حكم الأرض المقدسة بالنسبة لبني إسرائيل، فقد نُسخ حكم كتابتها لهم، والنصوص القرآنية تؤكد أنهم انقلبوا خاسرين، عقابًا على عدم امتثالهم أمر الله وأمر نبيهم موسى، وأنه حتى بعد أن نشأ منهم جيل آخر استجاب وحارب العماليق، فقد وهبهم الله تعالى كامل أرض الشام وليس غربها المقدس فقط، ولكنها كانت ميراثًا، والميراث يدور بين الناس، ولا يبقى حكمًا أبديًا لأحد.

فلِم الاستمرار في الكذب على العالمين يا بني إسرائيل؟! فهذا ما جناه آباؤكم عليكم بعصيانهم، ولم تجف أرجلهم من ماء البحر بعد!

 

د. منى زيتون

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (3)

إن الإنسان كان محكوماً بالتفكير الإبتدائي الذي ذكرنا عنه بعض المعلومات التي تفرِقهُ عن التفكير الناضج. وكان ذلك النوع من التفكير ضرورةً مباشرة للتعويض عن حاجة الإنسان إلى سدِ شاغره المعرفي حولَ كينونتهِ وفلسفة وجوده ومصيره نظراً لفقره في مُدركه البايولوجي الدماغي لكل ما يَدورُ حوله.

تحت هذا الظرف من الفقر الإدراكي إستعان الإنسان على جهله وخوفه من صعوبة إستقراره بالكثير من التفسير الميثولوجي، الطَموح الساذج في كثير من الأحيان.

لقد كان يستعينُ بالتفسير المُبَسط على فهم الظاهرات الطبيعية بما فيها القوة أو القوى التي تقف وراءها. وعلى رغم من إيماننا الكامل بسذاجة التفكير الإبتدائي وبساطة تفسيره لما يجري في الإنسان من ولادة وعيش وموت وما يجري في الكون من صخبٍ باعث على القلق، علينا أن نُقِر أن التفكير هذا لم يكن صادراً من فراغ نفسي وعقلي. إن القدرةَ على خلقِ الإسطورة حول ظاهرةٍ ما تنطوي على محاولة عقلية جادة للتفسير وعلينا أن نجد العُذر للعقل الذي (أبدعها) لأننا لا نُحاكم الماضي بعينِ الحاضر حيث يقوم لكل منهما ما يُبرِزُ ظروف ظهوره.

إن تَدرُجَ الإنسان من مرحلة الفكر الإبتدائي إلى الفكر الذي هو عليهِ الآن كان ضرورياً للتعامل مع مسألةٍ معقدة كمسألة الوجود. لقد أطلقنا على ما نحن عليه الآن تسمية " الفكر الناضج"، وهذا قولٌ فيه الكثير من الصِحة لكنه ليس الصحيح الكامل، فما زال أمام الإنسان ما ينتظره من كشوفٍ ومعرفة على نحوٍ يجعلنا مضطرين إلى تعديل التسمية من (الفكر الناضج) إلى (الفكر المتناضج).

ومن يدري؟ فلربما سترفدنا الأيام (الأعوام، العقود، أو القرون) بالمزيد من المعرفة الكافية لجعل ما نحن فيه من فكر مرحلةً وسطى بين ما كان فكراً إبتدائياً وما سيكون أنضج وهكذا تستمر المسيرة.

إذن علينا الآن أن نناقش بإقتضاب علم نفس التفكير الإبتدائي الذي استطاع أن يُنتجَ لنا إلهاً أو آلهةً وديناً أو أدياناً وتفسيراً للطبيعة أو تفسيرات. يُشير علم نفس الأسطورة التي هي روح التفكير الإبتدائي ولُبُه إلى الحقائق الآتية:

1- تحتاج الأسطورة إلى كميةٍ هائلة من المُخيلة المبدعة (أو قل المبتدعة).

2- تحتاج الأسطورة إلى غياب المعرفة الحقيقية بما هية الظاهرة التي تدور حولها.

3- تحتاج الأسطورة إلى وجود مُتلقٍ جماهيري يقبل بها ويرضى بتفسيرها للإنسان والكون.

4- تحتاج الأسطورة إلى قوتها في الإقناع مبنىً ومعنىً، حيث يتضافر فيها الشكل الناقل لها مع المحتوى الذي تنقله.

5- تنسجم الأسطورة مع طبيعة المجتمع الذي تظهر فيه بين أبنائه. فأسطورة المجتمعات المتشاطئة مع البحار تختلف عن أسطورة المجتمعات التي تتخذُ من الصحارى سكناً لها. وفي بيئة يزدهر فيها وجودالأفاعي والزواحف الأخرى تختلف الإسطورة عن تلك التي تظهر في بيئةٍ خاليةٍ منها.

6- تُقسِمُ الأسطورة ظاهرة القوة في البطل على أنواعٍ من تلك القوة، ولا تميل إلى جعل بطلٍ واحدٍ مسؤولاً عن المشهد الكلي للظاهرة. ومثال ذلك ما قامت عليه الأسطورة الإغريقية التي جعلت للغيوم والرعود إلهاً (بطلاً) وللحياة إلهاً (بطلاً) وللموت إلهاً (بطلاً) فكان ذلك سبباً لتعدد الأبطال مثالاً على تَعدد الآلهة.

7- كانت الأسطورة تُعالج حاجة الإنسان إلى الحكمة من وجود شيء ما. وكثيراً ما تكون على شكل حكاية أولية (قصة) ينتصر فيها بطل الخير ويندحر فيها بطل الشَر في محاولةٍ مستمرة لإثبات الحكمة من وجود الإنسان على ظهر الأرض.

8- لا تميل الأسطورة إلى التعامل مع القوة الخارقة القادرة على التحدي بنحوٍ مُطلق وبذلك لم تستطع الأساطير أن تَزرع في الناس مفهوم (المُطلق) اللانهائي في البطل، ذلك الزرع الذي يُمهِد لفكرة الإله الواحِد. فالبطولات الأسطورية، مهما كانت، محكومةٌ بميلاد وظهور وموت على نحوٍ أبعد فكرة الخلود عن البطل. فحتى في أسطورة كلكامش كان الأخير يبحث عن الخلود الذي إعتبرهُ جزءاً من حقه الذي يُقاتل من أجله.

9- لا تميل الأسطورة إلى النبوءة والإستقراء المستقبلي لظاهرةٍ تُعالجها، إنما تحاكي دائماً ما هو قائم بأثرٍ رجعي فتهتم بالتعامل مع النتائج وليس مع السبب الذي أوجد الناتج. لذلك كانت الأساطير بلا مستقبل فيها أو لها. 

ومن هذه النقاط التي أوردناها يظهر لدينا عددٌ من التساؤلات:

1- يُفترض أن الأسطورة كانت تحاكي مقطعاً زمنياً في المجتمع الإنساني لتختفي بعد ذلك. إذن لماذا استمرت في بعضها إلى الآن في بعض المجتمعات؟

2- إذا كان على الأسطورة أن تنتهي، فلماذا ظهرت دراسات كثيرة مزج أصحابها بين مفهوم الأسطورة الأنثربولوجي وبعض الظاهرات الدينية؟ مثالٌ على ذلك: قصة خلق الإنسان، نظرية التطور التي نادت بإرتقاء الإنسان من مرحلته الحيوانية إلى الإنسانية فبررت الأسطورة بأنها ناتج مرحلي للتفكير، قصة الطوفان بين أسبابه الأخلاقية وخرافية تصويره على النحو الذي نعرفه، قصة القيامة بين التفسير الديني السماوي لظهورها وآلية تفسيرها على أنها إنفجار كوني قابل للحدوث بدون تفسير أخلاقي؟

3- إذا كانت الأسطورة قد ملأت الفراغ المعرفي عند الإنسان بشيءٍ من الترضية العاطفية لتساؤلاته؟ فلماذا لم يستطع الإنجاز العقلي أن يُجهز على كل معالم الأسطورة في حياة الإنسان. مثالٌ على ذلك: استمرار الإيمان بقوة السحر والساحر، استمرار إعتقاد الإنسان بتفسير الأحلام تفسيراً مستقبلياً قامعاً لآلامه وآماله، إستمرار التفسير الطوطمي لسوء الطالع والتطير؟

4- إذا كانت الأسطورة قد فقدت وجودها أو قوتها، فلماذا لا تزال تصنع من الإنسان مريضاً نفسياً وعقلياً كإعتقاداته في التعاظم والخيلاء وإدعاءاته في النبوءة والإصطفاء. ولماذا يستعصي على العلم الطبي أن يُحرر هذا المريض من فكره إذا استطاع أن يُحرِره من عواطفه؟

5- هل يصِحُ إبطالنا لمفهوم أسطورةٍ ما مثالاً على إبطالنا نظرية علمية تُثبت الأيام خطأها لنعوضها بنظرية أخرى؟ وهل يمكن بذلك أن نعتبر النظرية الملغاة مرحلة إنتقال من فكر إبتدائي إلى فكر ناضج؟

إنَ الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في قدرتنا على فحص الإنسان الأسطوري وليس في الأسطورة نفسها، ذلك لأنه لا أثر لأية أسطورة ما لم يكن هناك مُستقبل لها قانع بتصوراتها. معنى هذا أننا سنجيب عن هذه التساؤلات عندما نفحص شخصية الإنسان الذي قبل بالأسطورة واستمر في رضاه بها.

إن الإنسان المؤمن بالأسطورة يملك السمات الآتية:

1- إنه شخصية عُصابية التكوين، ذات ردود أفعال غير مستقرة تستقي إستقرارها من تفسيرها للظاهرة تفسيراً جبرياً.

2- ذو مزاج مضطرب باضطراب الظروف الحياتية المحيطة به. يحتكم في تفسير أحلامه إلى (ثوابت) تشرحها الأسطورة على أنها مُسلَمات؛ ويحتكم في معالجة أية قضية إلى نوع الطالع سلباً أو إيجاباً.

 

3- إرجائي غير منجز لأعماله التي يُفوض مفهوم الأسطورة طريقة لحلها.

4- يمرُ بنوبات من الأعراض الذُهانية كالهلاوس والأوهام التي يكون فيها قريباً من تشخيصه بأنه شخصيةٌ حافية (حدِية) Borderline Personality وفيها يُفسِرُ الأحداث تفسيراً مريضاً خاضعاً للوهم.

5- يتمتع بقدرته على تضخيم الأحداث overvalued ideas حيث يُعطي للسحر والساحر وللكهانة والكاهن حجماً من التأثير لا ينسجم مع واقعها.

6- عرضةً للنوبات الإكتئابية التي تتجلى فيها ظاهرة القاء اللوم على نفسه بأنه السبب في ما حصل له لأنه خالف عُرف أو أعراف ما تقول به أسطورةٌ من الأساطير.

7- يظلُ هذا النوع من الناس عُرضة للإنهيار النفسي (قلق وإكتئاب مُتكررين) ويظل بحاجة إلى الإسناد النفسي والتدعيم، ويندر أن يبرُز بين أفراده أشخاص قياديون مبدعون في الحياة نظراً لما تتطلبه القيادة الإجتماعية من صلابة في العواطف والبناء الشخصي.

***

تذكر أيُها القارىء أننا قلنا إن الإجابة عن التساؤلات التي أوردناها تكمُن في تشخيص الفرد الأسطوري عبر أعراضه التي تظهر عنده، وهذا ما أصبح واضحاً الآن حيث أن مُعتنق الأسطورة الذي أثبتنا معاناته من العصاب والمزاج المضطرب والإرجاء والأعراض الذُهانية كالهلاوس والأوهام، والتقويم والتقييم المُفخم للأحداث والشعور بالذنب والتعرض للقلق والإكتئاب، هذا المٌقتنع لا يستطيع أن يضع تأثير الأسطورة في مقطع زمني لأنها تشمل كل مرافق سلوكهِ، ولا يستطيع أن يكون مُدركاً عقلياً لفواصل الإلتقاء والإقتران بين التاريخ الأنثربولوجي والتاريخ الديني، ولا يستطيع أن يجعل مُعطاه العقلي كافياً للتفريق بين الأثر البايولوجي والأثر الأسطوري في صناعة مرضهِ.

***

نلتفت الآن إلى السؤال الذي أثرناهُ (لماذا تأخر ظهور الدين السماوي؟). لو سألنا هذا السؤال بصيغةٍ أخرى كالآتي: (ماذا يكون لو ظهرَ الدين السماوي مبكراً في حياة الإنسان؟) أو بصيغة ثالثة (ماذا يكون لو لم تكن الأسطورة الإعتقداية قد ظهرت أصلاً؟). إن هناك حكمةً تكمن وراء تأخر ظهور الدين السماوي.

فلقد أرد الله الخالق العظيم، أحكم الحاكمين أن يستنزف كل محاولات الإنسان في البحث عن إله يعبده بكل ما كان عليه هذا الإنسان من قدرات على التصور والتخيُل والإبداع الذاتي عبر تاريخ طويل من الجهد والمجاهدة بتفكيرٍ لم ينضج ولم يستطع أن يُنضِجَ معه شيئا أكبر من الأسطورة التي لم تحمل فيها ومعها معدات بقائها واستمرارها.

فلو نزلت الكتب السماوية في أول تاريخ الإنسان، على ما هو عليه من أحادية البُعد وفقر الإستنتاج، لألغت تلك الكتب كل رياضة فكرية ولأصبح الإنسان خاضعاً مباشراً للنص الذي لا إجتهاد فيه ولمات العقل المجتهد. فالنص الديني المنزل وضَع الإنسان أمام خيارين فإما أن يستمر في الأسطورة التي لن تُفضي إلى شيء ليُصبِح بعدها كافراً بكل محاولاته التي ستقوده إلى الإيمان وإما أن يعتنق الدين عاملاً مساعداً لعقله في الإنقياد الى حقيقة وجود الله.

من هنا نستنتج أن للأسطورة على سذاجتها فضلاً في إظهار الحاجة إلى قيام بديل صحيح عنها. ولو تدبرنا جدول المقارنة الآتي بين معتنق الأسطورة ومعتنق النص الدين لوجدنا الآتي:

مٌعتنق الأسطورة (الدين الإبتداعي) - مٌعتنق النص الديني السماوي

1- لا يملك قدرة الإعتراض عليها لأنه لم يتوصل إلى البديل منها.

1- يملك قدرة الحوار والإعتراض لأنه أمام فكر ناضج يحاور به فكراً إبتدائياً.

2- الأسطورة وسيلة تساعده على مقاومة خوفه فقط.

2- النص الديني غاية تجعل فكره وسيلةً للوصول إليها.

3- الأسطورة لا تحمل تفسيراً للمستقبل بل تكتفي بشرح الماضي من الأحداث.

3- النص الديني يُقارن الماضي بما سيحدث وبذلك يُعدُ مُشرِعاً لما سيأتي.

4- مُعتنق الأسطورة قَلقٌ أمام زوالها.

4- مُعتنق النص السماوي مُطمئن أمام ثبات محتوى ذلك النص

5- مُعتنق الأسطورة يفيد من حكمتها المقترنة بزمن ظهورها.

5- مُعتنق النص الديني لا يعاني من زمن قد يُغير محتوى النص.

6- مُعتنق الأسطورة إقليمي الوعي محكومٌ بثقافة مجتمعه وعاداته وجغرافيته.

6- مُعتنق النص الديني عالمي الوعي لا تحكمه ثقافة معينة لأن النص الديني أشمل من الأسطورة.

7- مُعتنق الأسطورة مُروضٌ على قبول روح القَص والرواية والحكاية لأن الأسطورة كذلك.

7- مُعتنق النص الديني منحازٌ إلى النص نفسه وليس لديه الميل إلى حالة الأقصوصة أو الحكاية.

***

إنَ التقدم التقني في الميدان الإجتماعي ومثله ميدان بايولوجية الإنسان كشَف زيف الأسطورة وسذاجتها ولم يستطع أن يُحقق مثل هذاالكشف في الكتب السماوية بل جاء مؤيداً لما كان فيها فظهر كأنه جاء ليُثبتَ صحتها. والإنسان مُغرمٌ دائماً بالنتائج، فكلما إكتشف حقيقةً دينية بإثباتٍ تقني زاد تعلقه بكتاب الدين الذي مهمته الإيمان بالله.

***

لقد مرَ الدين السماوي بمرحلتين: مرحلة الدين على يد النبي، ومرحلة الدين على يد الرسول. وكل رسولٍ نبي لكن ليس كل نبيٍ رسول إنطلاقاً من أن النبي يكون بدون كتاب منزل فيما يكون الرسول - حتماً - بكتاب منزل.

فرجال الله والدعوة إلى توحيده في المرحلة الأولى كانوا أنبياء فيما كان رجال الله في المرحلة الثانية رُسُلاً. إن النبي هو المبعوث في بيئة مُحددة بمجتمعها ولغتها وثقافتها وزمنها، فيما يكون الرسول مبعوثاً إلى مجتمعات لا يُحددها لون أو لغة أو عِرق.

ولما كان الكتاب السماوي هو الأصل في التوثيق، صار الرسول أكثر إمتداداً وأثبت مقاماً وأخلد أثراً من النبي. إن لكل نبيٍ آيةً في البرهان على الإيمان مثل عصا موسى وناقة صالح وهدهد سليمان ونجمة داود، وإن لكل رسول آيةً في البرهان ولكنها آية أكثرُ ثباتاً وخلوداً عن الدهر كالتوراة عند موسى والإنجيل عند عيسى والقرآن عند محمد (أكثر ثباتاً وخلوداً ذلك لأنها كتاب).

إن الأقوام التي كانت تُشاهد النبي المبعوث إليها كانت تستخدم العين في رؤية إعجاز نبيها حيث لم يتسنَ ذلك لأقوام بعدها مما جعل تلك الدعوات وآثار هؤلاء الأنبياء محواً سرعان ما ينسى.

لكن الأقوام التي قرأت ما أُنزل على رسولها آمنت وظل هذا الكتاب سبباً لإيمان أقوام تأتي بعدها، فانتقلت حاسة المشاهدة (العين) من رؤية الرسول إلى إن مات إلى رؤية أثرهِ (الكتاب المنزل) حتى بعد أن مات. هذا هو التدرج الذي أشرنا إلى ضرورة حصولهِ للإنتقال بالإنسان من الفكر الإبتدائي الى الفكر الناضج.

***

لقد عانى أنبياءُ المرحلة الأولى الكثير من التشكيك في صدقيتهم عند أقوامهم. وسبب هذا التشكيك، في ضمن أسباب كثيرة، هو مزج الناس بين آيات إعجازهم وقدرات أخرى كان يقوم بها السَحَرةُ والكَهنةُ على نحوٍ جعل هذه الناس لا تُفرقُ بين النبي والساحر وبين الدعوة والإدعاء.

ولولا تفوق آية النبي على آيةِ الساحر بمددٍ من الله لظلَ الأمر متلبساً. وإذا أردنا أن نضيف سبباً أخر لهذه المعاناة لقلنا أن إصطفاء الله أنبياءهُ من بين الفقراء والمستضعفين جعل تلك الأقوام تشكِكُ في هذا الإصطفاء طريقاً إلى تكذيب هؤلاء الأنبياء.

ومثلما عانى هؤلاء في المرحلة الأولى، كذلك عانى رُسُله في المرحلة الثانية. إن الكتاب السماوي هو الذي أثبت وحدانية الله عبر القنوات الآتية:

1- الكتاب السماوي باقٍ حتى بعد موت من تلقاه من الرسل فاستمر بذلك مؤثراً وفاعلاً.

2- الكتاب السماوي يحكي للناس ما كان وما سيكون، فإذا صار في مقدور مَن يُشكِكَ في ما مضى على أنه تسطير وتخريف فإنه ليس في مقدورهِ أن يشكك في ما سيأتي من حقائق يُثبتها البحث العلمي والتجارب اللاحقة.

3- الكتاب السماوي يحتوي على ثوابت النص في القواعدالحياتية الثابته وعلى متغيرات النص في الحقائق التي تنتظر من يكتشفها.

4- الكتاب السماوي يملك قدرة الإيقاع بضعفاء الحُجة والمخيلة. فقد يقتنع مُشككٌ ما بإمكان كائنٍ غير الرسول أن يكتب بعض كلمات الكتاب الذي أتى به رسوله لكنه سرعان ما يصطدم بنصٍ يحمل من الإعجاز المستقبلي ما يجعل المُشكك يقتنع بأن أيًاً من البشر بمن فيهم الرسول لا يستطيع الإتيان بذلك.

***

إن المٌشكك في الرُسل هو المُشكك في الكتاب السماوي، والمُشكِك في هذا الكتاب هو المُشكِك في وحدانية الله المُرسل. ولو أردنا أن نفحص الآليات الدفاعية التي يستعين بها المُشكِك على إدعاء إنكارهِ للكتاب السماوي لوجدنا الآتي:

1- الرفض Rejection: وتنطوي هذه الآلية على وجود شخصيةٍ مشاكسةٍ لجوجة تتخذُ من العناد سلوكاً لها حتى لو ظهرت أمامها الحقيقة. ومثالُ ذلك: مريض الهوس الإكتئابي، والذُهان الزوري، وضحايا عُقدة أوديب.

2- التسامي Sublimation: ونعني به مَيل الإنسان إلى الإرتقاء على ضَعفه وشعوره بالنقص في محاولةٍ منه للتعويض عن أصغريتهِ بإنكار القوة التي تعلوهُ (لا يعترف بالههِ في محاولةٍ بأن يكون هو الإله(.

3- الحَسد Envy: هناك نفوسٌ مجبولةٌ حتى على حسد الله في مقامه.

4- التبرير Rationalization : ونعني به محاولة الفرد إيجاد عُذر لما يقوم به. والمُشككُ يقومُ بالتبرير المُخطىء للكتاب لكي لا يجعل لأخطائه السلوكية مرجعاً يعاقبه على أخطائه. (فتجاهُل القانون يُسهل على المجرم قيامه بجريمته). ومثال هذا الذرائعي: الشخصية غير الإجتماعية Antisocial Personality ، الفصامي، الشاذ السلوكي بما فيه الشاذ الجنسي.

5- الترددية Ambivalence: ونعني بها الآلية التي تقوم على عدم القدرة على إتخاذراي واحد أو قرار واحد. فمرةً يؤمن ومرةً يعترض. ومثال ذلك: مريض الأفكار القسرية OCD، ومريض القلق، ومريض الإكتئاب المزمن، ومريض الرهاب Phobia.

***

ربما يقود ما أوردناه عن الكتاب السماوي تفكير القارىء الى إبداء سؤال مهم جداً. نعني بذلك سؤالاً لنفسه أو لنا: هل يعني وجود الإنسان غير المؤمن بالكتاب السماوي أنه إنسانُ مريضٌ نفسيٌ دائماً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لايستطيع الكتاب السماوي أن يشفي مرضى النفس، وهم ملايين، من أمراضهم فيشفون ويصيرون مؤمنين؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يعني هذا على أن الكتاب السماوي لا يُخاطب إلا الأصِحاء فيؤمنون به، مهملاً في ذلك جانب المرضى؟ نجيب عن هذه التساؤلات التي تؤسس لسؤال واحدٍ بالآتي: إن كل من لا يؤمن بالله وعبر كتابه السماوي مريضٌ في ظرف معين في مكان معين وفي زمني معين بنوعٍ من أنواع المرض النفسي.

والكتاب السماوي لا يشفي مَن لا يطلب الشفاء، مثلُهُ في ذلك مثلُ المريض الذي لا يزور العيادة النفسية ولا يُقبل على علاجه فيظل مريضاً والعِلةُ ليست في الطب ولا الطبيب إنما في المريض نفسِه.

والكتاب السماوي في محاورته النفس البشرية مثلُهُ مِثلُ دوائر الصحة النفسية التي تطبع النشرات الطبية التي يقرؤها الأصحاء فيزدادوا صِحةً ولا يقرؤها المرضى فيزدادوا مرضاً.

والفرد الذي لا يؤمن بالله يفتقر إلى واحدٍ من إثنين: الإدراك السليم والعواطف السليمة فينشأ من ذلك سلوكٌ يطبعه بطابع المرض.

***

سيعترض علينا بعضهم بالقول: إن هناك عظماء في التاريخ الإنساني أبلوا في المعرفة بلاءً حسناً وقَدموا أنفسهم شموعاً تحترق للبشرية وكانوا في غير حاجةٍ إلى الإيمان.

نجيب عن هذا الإعتراض بالقول: إن العطاءالفكري لا يعني دائماً الخُلو من الأمراض النفسية. فهناك عظماء يصدق عليهم قول من يعترض، لكنهم كانوا يعانون من دواخل غير مستقرة.

فكثيرٌ من هؤلاء لم يستطع أن يُحقِقَ استقراراً نفسياً وسعادةً حياتيةً على الرغم من ضخامة عطائه الفكري، وهذا هو ما قصدناه بقولنا أن الإيمان بالله وكتبه السماوية هو السبب في إمكان زوال المرض من هؤلاء، ونودُ أن نذكر قائمةً بأسماء بعض العظماء التي أوردها كتابٌ صدر عن جامعة أوكسفورد في الطب النفسي حيث أشار إلى اسمائهم بأنهم مرضى على الرغم من جلال عطائهم؛ فمن الفصاميين:

1- فالسوف فومش نيجنسكي: ملك الرقص.

2- ليونيل ألبرج: الرياضة.

3- روجر باريت: الموسيقى الشعبية.

4- جون فاربس ناش: عالم الرياضيات ورابح الجوائز الكبرى.

ومن المصابيين بثنائية القطب (الهوس الإكتئابي) من المشاهير: -

1- وليام بليك.

2- نابليون بونابرت.

3- أجاثا كريستي.

4- ونستون تشرشل.

5- ت.س. آليوت.

6- سكوت فيتسجيرالد.

7- كاري كرانت.

8- فيكتور هوغو.

9- روبرت لي

10- ابراهام لنكولن

11- صموئيل جونسون

12- مارلين مونرو

13- موزارت

14- اسحق نيوتن

15- إدغار آلن بو.

لقد أشارت السير الذاتيه لهؤلاء العظماء إلى معاناتهم من أمراضهم العقلية والنفسية ولم ينفع عطاؤهم الفكري والفني في شفائهم. فهم بذلك ليسوا دليلاً على أن عظمتهم سعادةُ لهم في مقابل السعادة التي يمنحها الإيمان الذي لم يكن الكثير منهم يتمتع به.

 

د. ريكان إبراهيم

 

احمد ابو قدومإن من أهم قواعد الحكم في الإسلام هي قاعدة الشورى، قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) ويقول أيضا: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) ولم يكن أحد أكثر من الرسول صلى الله عليه وسلم استشارة للمسلمين، فقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة أنه قال: "ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله"، ومعلوم لدى العلماء والفقهاء أن الله سبحانه وتعالى أوجب وحرم على المسلمين أمورا كثيرة، فأوجب الصلاة والصيام والزكاة وغيرها، وحرم الزنا والسرقة والربا وأكل مال اليتيم والرشوة والاختلاس والتجسس والتهرب من الضريبة وغيرها، لكن الله سبحانه لم يحدد عقوبات لمن ترك واجبا أو فعل محرما إلا في الحدود والقصاص، فكان لزاما على الدولة اٍلاسلامية أن تضع عقوبات زاجرة ورادعة للجرائم حتى تحافظ على حقوق الجماعة والأفراد في المجتمع الإسلامي، وكثير من هذه الجرائم تتفق على كونها جرائم تستحق العقوبات كل الأمم والدول، مثل جريمة الرشوة والاختلاس والتجسس وأكل مال الغير بالباطل والتهرب من الضريبة وغيرها، وتجد عقوباتها عند جميع الدول متقاربة، وقد ترك الإسلام للدولة أن تحدد العقوبة المناسبة للجريمة، ومن الأساليب في تحديد العقوبة للجرائم من غير الحدود والقصاص هو أن يستشار في وضعها خبراء من القضاة والمحامين، كما وضع الشيخ النبهاني مشروعا لنظام العقوبات المقترح للدولة الإسلامية بصفته كان قاضيا ممارسا لمهنة القضاء.

كذلك القوانين الإدارية، ومعلوم أن أغلب قوانين الدول بما فيها الدولة الإسلامية هي قوانين إدارية، فيعمد عند سن القوانين الإدارية إلى استشارة الخبراء فيها، فمثلا يستشار ويطلب من خبراء السير أن يضعوا قوانين السير، وكذلك قوانين الأشغال وتنظيم المدن والبناء والطاقة والكهرباء والمياه فيستشار الخبراء ويطلب منهم وضعها، ولا مانع من أخذها من الأمم والدول التي لها ريادة في هذه المجالات كما فعل عمر بن الخطاب أمام مسمع ومرأى من المسلمين دون الانكار عليه، فقد أخذها عن الفرس، وكان يقوم عليها مرارزبة الفرس ويكتبونها بلغتهم حتى أشار الحجاج على عبد الملك بن مروان تعريبها،

فقد ذكر ابن الطقطقي في كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية كيف تم تدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب فقال: "وكان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا... لكنَّهم كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبًا من الغنائم قرَّرته الشريعة لهم، وإذا ورد إلى المدينة مالٌ من بعض البلدان أُحضر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفُرِّق فيهم حسب ما يراه صلى الله عليه وسلم، وجرى الأمر على ذلك مدى خلافة أبي بكر رضي الله عنه... فلمَّا كانت سنة خمس عشرة للهجرة وهي خلافة عمر رضي الله عنه رأى أنَّ الفتوح قد توالت، وأنَّ كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأنَّ الأحمال من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين، وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرارزبة الفرس، فلمَّا رأى حيرة عمر رضي الله عنه قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ للأكاسرة شيئًا يُسمُّونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوطٌ فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتَّبون فيه مراتب لا يتطرَّق عليها خلل، فتنبَّه عمر رضي الله عنه وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوَّن الدواوين وفرض العطاء، فجعل لكلِّ واحدٍ من المسلمين نوعًا مكرَّرًا"

 

بقلم: أحمد أبو قدوم

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (2)

إن الخوف هو المفردة الأولى من مفردات السلوك البشري الذي يواجه به الإنسان الكينونة من حولهِ. وأكبر الخوف هو الخوف من المجهول. ولا يستقر الخائف إلا بظهور مفردة أو مفردتين مع بعضهما ونعني بهما: إكتشاف مصدر الخوف، ووجود المطمئن من هذا الخوف.

فمعرفة مصدر الخوف تٌحدده فتَحِده فَتٌحجمٌ شأنه فيصغر فيقوى عليه الخائف. كما أن معرفة المطمئن من الخوف تقود إلى إكتشاف السند الذي يلجأ إليه الخائف فيوكل إليه آلية التخلص من هذا الخوف

يقودنا هذا الإستدراج الذهني إلى إمكان القول أن الإنسان كائن مٌنتم بالفطرة إلى الأقوى منه، ليس بحكم حٌبِ الإنتماء، إنما بحكم ضرورة الولاء لمصلحته الذاتية، التي يراها تتحقق بموالاة الأقوى.

إنَ الظاهرات الطبيعية (مصادر التخويف) التي واجهها الإنسان تشمل ما يأتي من السماء وما ينشأ من الأرض، كالرعد والبرق والإعصار مثالاً على النوع الأول، وكالزلزال والفيضان والوباء المرضي مثالاً على النوع الثاني.

وأمام هذين المصدرين للخوف (السماء والأرض) يبرز مصدر آخر لخوف الإنسان ونعني به: خوف الإنسان من نفسه. فالنفس البشرية هي (مخيف) يتهدَد الإنسان منذ اليوم الأول لولادته وحتى موتِه.

وحينما كان الإنسان جاهلاً بمصدر القوة التي تقف وراء هذه الظاهرات المٌحدثة (ما يأتي من السماء وما ينشأ من الأرض وما يعتمل في النفس)، فإنه كان يلجأ إلى عبادة الظاهرة بدلاً من عبادة مٌحدِثُها. فهو لا يعرف مصدر البرق والرعد فيعبدهما لشرِهما (العبادة الخائفة)، وهو لا يعرف لماذا يغيب المطر فيعبد الغيمة زلفى لجودها به، وسرى هذا النوع من العبادة على الزلزال والإعصار والبركان وكذلك على الطاعون وفيضان النهر.

هذا هو الإنسان المنتمي إلى مزيلات خوفه بالتعامل الحسي الفاقد لأية قدرة على التعامل اللاحسي. فما لا يُدركه لا يؤمن به، وما يُشاهده أو يسمعه يتوقاه بالتقرب إليه مباشرة أو بغير مباشرة.

***

وتدرج الإنسان الأول في البحث عن القوة (وليس عن ناتجها وهو الظاهرة) بعد أن فقدَ الرجاء في معاونة الظاهرة له على تجاوز خوفهِ. ومن هنا نشأَ تعددُ الآلهة. ووزَع وعي الإنسان القديم الآلهة توزيعاً وظيفياً فإلهٌ للنار وإلهٌ للموت وإلهٌ للحُب وإلهٌ للحياة....إلخ

إن قصور الذهن البشري عن إدراك وجود إله واحدٍ قادرٍ على إدارة كل هذه الظاهرات الكونية هو الذي قاد الإنسان إلى تَعدد الآلهة. إن عملية الإلحاد عمليةٌ أسهل من الإيمان والتوحيد ذلك لأن الإلحاد لا يحتاج إلى إعمال التفكير والتدبر والمقارنة بين السبب والنتيجة وبين العلِة والمعلول على عكس ما يكون عليه الإيمان الذي يعتمد على الفكر الإستنباطي (Abstractive Thinking)، وهو أعلى درجات التفكير. لقد أفرز التاريخ البشري أُناساً عظماء في الفكر ومبدعين في الإنتاج الثقافي ولكنهم كانوا ملحدين. والسبب في ذلك أنهم كانوا من عُشاق التعامل الحسي مع الظواهر (الظاهرات).

وبالحس المباشر لا يمكن إدراك ما هو فوق الحس. إن الإيمان بالله الواحد له معايير (Criteria) مثلما لكل ظاهرة أخرى على الرغم من تفرِد هذه الظاهرة بمعايير ها الخاصة والتي تشمل:

1- إنتفاء الزمان والمكان في تحديد مفهوم كلمات (الأزل) و(الأبد).

2- التحقق الكامل لكلمة (المُطلق) في الذات الإلهية يقابلها التحقق الكامل لكلمة (الجزئي) في ذوات أُخرى.

3- إختفاء الكلمات الوصفية وعجز اللغة عن وضع صورة نهائية للخالق.

4- الإعتراف بأنَ المُغيب لا يعني عدم وجودهِ بل يعني أيضاً قصور وسائل إدراكه عن مهمتها.

5- لا يملك سؤال "الله هو الخالق لكن من خَلقَه؟" قدرةَ على إيجاد جواب له، لأنَ هذا السؤال يصلح لمخلوقات مُدركة بالحس ومسألة الله فوق الحس ولا تكفي اللغة أن تحير جواباً لمثل هذا التساؤل.

6- العِلم الحقيقي هو الذي يُخبرك عما عَلِمهُ عن الشيء ولا يتبجَح بإنكاره ما لا يعرف وعدم معرفة الناس بالله لا يعني عدم وجودِه.

***

إن تقدُم الإنسان في إكتشاف الكثير من أسباب حدوث الظاهرات التي كانت تُخيفه ولا يملك تعليلاً أو تفسيراً لم ينتصر على إستمرار خوفه، وذلك بسبب عدم قدرته على إستخدام هذا الإكتشاف في منع تكرر هذه الظاهرة أو تلك. مثالاً على ذلك: في الإتحاد السوفيتي السابق حصل تقدمٌ كبير في الإستنباء بالزلازل في الأرض السوفيتية بإستخدام القدرات الفائقة لبعض الحيوانات (الديكة والأفعى والجرذان) للكشف المبكر عن الزلزال القادم قبل وقوعه وأفاد الباحثون كثيراً لكنَ الخوف لم يكن ليزول لأنَ المهم ليس إكتشاف الزلزال إنما المهم هو الإجابة عن السؤال الأكبر وهو لماذا يحدث الزلزال وفي هذا الوقت وفي هذه المنطقة دون غيرها ليموت هؤلاء الناس ولا يموت غيرهم. وظل الحال في هذا المثال قائِما ليُميز الباحثين الذين اضطروا أخيراً إلى فهم الأمر على أنه تدبير فوقي من قوة أكبر من المُدرك الإنساني. وأمام هذا الإعتراف (سَمه الإستسلام) نشأ الإيمان بالقوة الأكبر وهي الله.

***

بين منزلة الإلحاد ومنزلة الأيمان تقوم عند الإنسان مرحلة أو منزلة اسمها (اللاأدرية). وتنشأ هذه المنزلة من التفكير حين لا تكفي هذا الإنسان أدوات الإلحاد كما لا تكفيهِ أدوات الإيمان. فيظل يجاهد ويجتهد إلى أن يجهد فيؤول أمره إلى إستراحة عقلية من تعبه في هذه المساجلة فيفوض حالته إلى تجاهل السؤال الباحث ويقف عند اللاأدرية.

وحينما تطول لديه هذه المرحلة أو المنزلة ينشأ عنده مبدأ الإيمان بالصُدفة. والصُدفة التي يُعبر عنها في اللغة الإنجليزية ب "By chance" وبكلمات أدَق من هذه الكلمة مثل "Co-incidence" أو "Accidental". هذه الصٌدفة في التعبير الأكثر عَجزاً عن الإتيان بأية حالة إرضاء للسؤال.

فلا يمكن أن تشرح الصُدفة هذا الإتسَاق المزمن في الفسلجة والكيمياء الحيَة في الكائن الحيَ كما لا يمكن أن أن تضع شرحاً لهارمونية الكون. إن الناموس الذي يحكم الكينونة يُحيِد "دور الصدفة". وأمام (اللاأدرية) يعود الإنسان إلى دائرة القلق، فيغادرها إما إلى الإلحاد والإنكار أو إلى الإيمان. إن الإيمان الناشيء من عدم القدرة على الإلحاد خوفاً أو رهبة هو أضعف الإيمان لأنه يُمثل الموالاة ولا يٌمثل الإنتماء.

***

إنَ عظمة الإله المُطلقة التي لا يَحدُها وصف ولا ترسمها كلمات حَدت بكثيرين إلى الإلحاد بهذا الإله وقد يستغرب القارىء ذلك. ولكي نزيل عن القارىء إستغرابه نذكرِه بأنَ قصور مخيلته "his Imagination" عن التعامل مع المُطلق هو السبب في إنحسار قدرته على الإيمان. إنك لا تستطيع أن تتعامل مع كلمة " إله" على أنها تعني رئيساً لمرؤوسين أو قائداً لمقادين، أو مديراً يجلس في مكتبه في ساعات الدوام محدودة مٌقررة ليصدر أوامره إلى هذا أو ذاك. هذا لا يجوز وبمثله لا يمكن أن تدرك عظمة الله.

إن المُلحد في حيرة دائمة، حتى في محاولة فهمه للنص. فالله قد خلق الأرض والسماوات في ستة أيام ثم إستوى على العرش. يسأل هذا الملحد : لماذا لم يستخدم الله قدرته القائلة بمبدأ "كن فيكون" في خلق السماوات والأرض فلا يحتاج إلى ستة أيام؟ ثم يسأل: ما المقصود باليوم الواحد من هذه الستة، هل هي أيامنا المُقسمة على أربع وعشرين ساعة أم هي أيام أخرى لا نعرفها؟ ثم يسأل: لماذا إستوى على العرش، هل العرش مكتب للقيادة أم له مفهوم آخر؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل الملحد في حيرة دائمة كما أسلفنا. إن حيرته تنشأ من محاولتهِ معرفة كل شي بإدراك حسي ناسياً أنه لو إستطاع إدراك كل شيء بقدراته الحسية لأتى على نهاية للإله وللكون الذي خلقه جاهلاً بأن لله الخالق حكمةً لا تُدرك بل يمكن إدراك جزء منها يظل صغيراً مهما تعاظم.

***

يُثار في علم النفس الديني سؤال يتكرر: لماذا يلجأ الإنسان إلى الإلحاد عندما يعجز عن تحقيق حالة الإيمان بالله؟ بمعنى آخر: هل الإلحاد هو النقيض الدقيق في المعنى للإيمان؟. نحاول أن نتدبر الآن الإجابة فنقول: هل يستطيع تلميذ الرياضيات أن يقول عن مسألة حسابية يعجز عن حلَها بكل محاولاته إنها غير موجودة إنطلاقاً من عجزه عن حلِها؟

إن قال ذلك فإنه يكون قد "ألحدها" أي ألحدَ بها، وهذا ما يخالف المنطق في مجال الفلسفة الطبيعية " القانون الطبيعي". معنى هذا أن الإلحاد لا يناظر الإيمان معنىَ أو مبنى. فإنك لم تكن مؤمناً فلا يعني أنك ملحد بالضرورة. إن المُلحد مؤمن مؤجل يزول إلحادُه في أية لحظه.

***

لقد عرف علم النفس خمساً من الحواس بخمسةٍ من أعضاء الحس ولكنَ هناك حاسةٌ تفوق هذه الخَمس إسمها "الحاسة السادسة"، وقد سُميت كذلك إختصاراً لأنها تشمل أكثر من حس أو إحساس، فيصحُ هنا أن نسميها "الحواس السوادس" أو " حواس ما بعد الخمس". وفي هذه الحاسة يختلف الناس فينشأ من هذا الإختلاف تفاوت الناس في " الإلهام" و "الإستنباط" و " الإستنتاج" و "الحدَس" و " الإستنباء" و" الإبداع".

إن تفاوت الناس في الحواس الخمس لا يحمل أو يملك تأثيراً فيهم مثلما يملكه تفاوتهم في الحاسة السادسة. فهناك عُميانٌ فاقوا المبصرين قدرةً على الإبداع. إن الحاسة السادسة هي ناتج صراع الإنسان مع متحدياته من الغوامض.

وأولُ الغوامض هو " السِرُ" أو " المخفي". وأعلى سرِ هو الله. فعلى الرغم من اعتمادنا في إدراكه على آثاره في خَلقه، يظل سرَاً أكبر في كيفية إختلاف هذه الآثار تكويناً وتلويناً وظهوراً وزوالاً.

إن الفص غير المُهيمن من الدماغ " وهو الفص الأيمن عند أغلب الناس" هو مركز الإلهام كما دلَت على ذلك دراسات كثيرة. إن الفص مكفوف عن عمله بحكم هيمنة الفص الآخر الذي يختص بالحساب والعقلنة والإدراك المباشر والتعامل اليومي مع الجوع والعطش والجنس والنوم.

وقد قَدر بعضهم أن ما يظهر لدينا من قدرة هذا الفص المكفوف لا يتجاوز 10% . فلو أطلق العنان له لأظهر الإنسانُ الفائقَ من خياله. وهذا ما يقودنا إلى القول بأنه من الممكن كثيراً أن يكون هذا الفص هو المسؤول عن مفردات الإلهام والحدس والإستنباء والتخيل.

إن المُبدعين من الشعراء والرسامين والموسوعيين والنحاتين هم الذين يمكلون نسبةً من إنطلاق فصوص أدمغتهم المكفوفة تفوق غيرهم من العقلانيين. معنى هذا في ضمن معانٍ أخرى أن الفص المهيمن مسؤول عن العيش وأن الفص المُتخيِل مسؤول عن الحياة. وخير طريق إلى الإيمان بالله هو طريق الفص المسؤول عن الحياة لا عن العيش. فلأنَ الحيوانات البهائم تعيش، لا تحتاج إلى الإيمان، ولأنَ الإنسان يحيا فهو يحتاج إلى الايمان بالله.

***

بعد أن تحدثنا هنا عن عوامل الخوف وعلاقته بالإيمان، نَود الحديث عن عامل آخر في تحديد أسبقية الظهور للإيمان أو الإلحاد في حياة الإنسان. ونعني به عامل العُمر.

إن نسبة من بدأوا حياتهم ملحدين وآلو في خاتمتها إلى الإيمان تفوق نسبة من بدأوا حياتهم موحدين مؤمنين ثم آلو في خاتمتها إلى الإلحاد. هل لتقدم الإنسان في العُمر أثرٌ في هذه الظاهرة؟

إن التقدم في العُمر " Aging process" يخضع لمفهومين: مفهوم النضج "Growth" ومفهوم النمو "Development". فقد ينضج دماغ الإنسان حجمَاً وتكويناً تشريحياً وأداءً يومياً ولكنه لا ينمو حيث يُمثل النضج إرتقاءاً كمياً. ويُمثل النمو إرتقاءاً وظيفياً. إن ممارسة الدماغ الإنساني لعملية النضج يعتمد على عوامل واضحة كالتغذية الصحيحة والسلامة من الأمراض العضوية والأمراض النفسية، بينما تعتمد عملية النمو على طريقة التعلُم والتحدي الإجتماعي وقراءة المعارف والحوار والنقاش.

وكُلما إزداد النمو أو إنتظم تنبه الإنسان على مسألة الإيمان والإلحاد، حتى يؤول في آخر مطافه إلى الإيمان بعد أن تهدأ فيه اللجاجة والصخب والإستعراض والتقريرية والخطابية وبعد أن يرتطم بصخرة التحدي التي رسمتها أو أوجدتها أمامه كفُ القادر الذي لا يٌقَدر عليه. إذن لماذا لم يُؤمن بالله عُلماء باهرون في علمهم ونظرياتهم وظلوا ملحدين إلى أن ماتوا؟ السبب في ذلك في ضمن أسباب كثيرة هو أنهم إنشغلوا ب " المُظهر" حيث تعاملوا مع السرِ في الشيء ذاته.

يضاف إلى ذلك أن إستمرارهم في الإلحاد كان نتيجة عدم قرائتهم للنص الديني الذي أثبتت التجارب أنه قادرٌ على لفت إنتباه أرقى العلماء مقاماً عقلياً إلى الحقائق كانت خافيةٌ عليهم. ومثالٌ على ذلك ما حدث للكثير منهم حين قارنَ ما وصل إليه من إكتشاف بما كان القرآن أشار إليه سابقاً، فآمن بالنص مروراً بالنبي إنتهاءً بالمرسل الأعلى: الله.

يعني هذا أن العقل مهما تعاظم فإنه ليس نائباً عن النص الديني في ظاهرةٍ من الظاهرات بل هو مطابقٌ له في أحسن حالاتِه.

***

لقد عالج علم النفس الديني في بعض الدراسات المتأخرة زمناً في الظهور مسألة الإشراك بالله، فوضع مرحلة " الشرك" في الوعي الإنساني في منطقة وسط بين الإلحاد والإيمان و إعتبرها خطوة تتدرج بهذا الوعي صعوداً إلى مرتبة الإيمان أو التوحيد. إنَ الدين يَعدُها في منزلة الإلحاد لأن الله لا يغفر أن يُشرك به ولكننا هنا ندرس هذه الظاهرة في منظور نفسي.

إن المُشرك بالإله يختلف عن الملحد أو الكافر. والمُشرك يؤمن بوجود الله كما حدث هذا لعرب ما قبل الإسلام في جزيرة العرب، لكن إيمانه ناقص منقوص لأنه لم يستخدم صيغة المُطلق المتنزه عن الوصف في خِطابه مع خالقه. إنَ هذا التجزيء لمفهوم الإيمان بوضعه على مراحل يُوضح لنا حاجة وعي المشرك إلى فهم الصورة الكلية لله.

ولو فحصنا إدراك المشرك وأثر هذا الإدراك في تكوين شخصيته لوجدنا الآتي:

1- شخصية المُشرك تفتقر إلى الإلهام ومن ثَمَ فهي تعتمد على الآخر في تحقيق أمانيها ورجائها (شخصية اعتمادية تستعين بالملموس من الأشياء في الوصول إلى القوة الأعلى المُهيمنة).

2- شخصية عانت من سطوة الأب في طفولتها فكانت تستعين في قضاء مطلوبها منه بالأم كمرحلة وصول إلى عطف الأب.

3- شخصية تتمتع بإدراك ساذج تتعامل مع المعلومة تعاملاً مباشراً (الكرة مقعرة لأن في داخلها ومُحدبة لأنها في خارجها لكنها ليست مقعرة ومحدبة في آن نظراً لإفتقار تلك الشخصية إلى الإدراك الكُلي (Global Perception).

4- شخصية تعتمد آلية الدفاع اسمُها (Displacement) أي الإزاحة، ومعناها أنها تُسقط إعتقادها وتُزيحه إلى أقرب محطة ممكنة كالإعتقاد بوساطة الحجر أو الأفعى أو البقرة أو العنقاء أو النجوم في الوصول إلى الغاية القصوى.

5- شخصية مضطربة المزاج سرعان ما تثورُ على القوة الأعلى (الإله) بتحطيم وسائل الرجاء (قبائل تصنع وسيلة الوصول إلى الله من التمر وتأكله عندما تجوع).

6- لا تتزامن هذه السذاجة في التفكير العاطفي، الوجداني ذي البعد الواحد مع التفكير العقلي لدى هذه الشخصية. فقد تجد رجلاً أو رجالاً في مجتمع مُعيَن أو تجد مجتمعاً كاملاً يُحققُ أداءً عقلياً باهراً في العلوم والآداب والفنون لكنه يمارس طريقة بدائية في تعامله مع المُعتقد بالههِ.

(في الأديان غير السماوية نجد رواداً في النظرية الأخلاقية والإبتكار العلمي لكنهم يمارسون طقوساً تافهةً لا توحي بأي إرتقاء في التعامل مع التوحيد).

ومن مُجمل ما أوردناه عن شخصية المُشرك من سمات نخلُصُ إلى ذكر الأعراض المرضية الآتية في تلك الشخصية:

1- العُزلة: كثيراً ما ينحسر هؤلاء الوسطيون الإرجائيون في مناخ مكاني وزماني خاصينِ بهم لأنهم لا يملكون ما يدافعون به علمياً عن سذاجة تَصورهم. فلكي لا يُحرَج أمام البرهان العلمي يميل هذا المُشرك إلى العزلة الإجتماعية (Social Isolation).

2- الضلالة الحسية (Illusions): إن المُشرك يرى في الحجر وما يُصنع منه من أصنام أو في الأفعى وما تنفئه من سم قاتل أو في وميض النجمة في الليل مالا يراه غيره حيث يعاني من فقدان الواقع في تعامله مع الأشياء.

3- الهلاوس (Hallucinations): فصوت الرعد هو صوت الحوار الدائر بين الوسيط والرب، والمطر هو إستجابة باكية من الغيم لسوط الإله الضارب له بقوة؛ والأفعى هي المسيطرة الأولى على النزوع البشري في شجرة الإغراء وتملكها إستمرار سيطرة الإنسان في لاحق أجيالهِ وسلالته على الأرض، وبذلك فلكل هذه الوسائط مذاقات خاصة في الصوت والمظهر والمذاق والشم واللمس.

4- الأفكار الواهمة (Delusions): وأجلى ما تتمثل به الوسيطية (الشرك) عنا هو إعتقادات بكرامات كثير من الأشياء والأشخاص، فيصبح الكاهن أو المشعوذ أو الساحر وسطاء وهميين بين الفرد والإله. وكثيراً ما يستشري الوهم بصاحبه فيتوهم نفسه وسيطاً خصوصاً عندما يبلغ درجة التفوق الذاتي الواهم (Manic Thinking).

***

من جملة ما أوردناه من سماتٍ يتَسم بها المشرك نصل إلى حقيقة واحدة تقول ببدائية فكر المُشرك بالأله الواحد (التفكير الإبتدائي، Primitive thinking). ولأجل أن نجعل القارىء واضحاً معنا ومع نفسه، نودُ أن نضع أمامه مقارنة بين ما يُسمى بالتفكير الإبتدائي (Primitive thinking) وما يسمى بالتفكير الناضج (Mature thinking) على النحو الآتي:

التفكير البدائي

1- قديم وأغل في القدم يمتد إلى أغوار التاريخ الإنساني

2- يعتمد في محتواه على الميثولوجيا (الخرافة والأسطورة) والتابو والطوطم

3- يعتمد البعد الواحد (البعد الزماني أو المكاني أو الشخصي)

4- يعتمد فكرة المُقدس المُحرم التي تمنع المساس بالمجهول حذراً منه.

5- يحاول أن يجعل الظاهرة الطبيعية قاهرة للإنسان.

6- يميل إلى جعل المجتمع مُثقلاً بالمزيد من الأعراف والنواميس التي تُقيد تفكيره.

التفكير الناضج

1- حديث مبتكر يعتمد على أحدث ما وصل إليه العقل البشري من إنجاز

2- لا يعتمد على الميثولوجيا وإنما ينظر إليها على أنها أوليات فكرية ظهرت كآليات دفاع ضد مجهول مخيف

3- يعتمد الأبعاد الثلاثة لأية قضية (الطول والعرض والعمق) ويضيف إليها البعد الرابع (الزمن)

4- يعتمد التفكير المفتوح الذي لا يضع نهاية لأي سؤال بأي جواب مُغلق.

5- يُحرض الإنسان بأن يجعله قاهراً للظاهرة الطبيعية.

6- يميل إلى تحرير المجتمع والإنسان من ربقة المزيد من الأعراف والنواميس ويحاول إطلاق الفكر من قيوده.

***

من الجدول الذي قرأناه الآن معاً، نجد أن سمات التفكير الإبتدائي تنطبق بكاملها على خارطة تفكير المشرك فيما ينطبق التفكير الناضج بكامل سماته على خارطة تفكير الموحد أو المؤمن. نحاول الآن أن نذكر شيئاً عن أثر الإختلاف الجنسي في الإنحياز إلى الإلحاد أو الإيمان.

نقصد بالإختلاف الجنسي حالة الإنسان بين الذكورة والأنوثة (الرجل والمرأة). إن الدراسات الكثيرة التي قرأناها تُشير إلى أن المرأة أكثر ميلاً إلى الإيمان من الرجل، ولكنها تتعامل مع إيمانها بطريقة تختلف عن الرجل في تعامله مع إلحاده.

هناك أسباب كثيرة تقف وراء هذه القضية. إنه من النادر أن تجد المرأة ميالةً إلى مناقشة الإلحاد والإيمان لأنها تميل دائماً (إلا في القليل) إلى الأخذ بالمسلَمات. إن قضية الإلحاد قضية عقلية والمرأة تضجر من الحوار العقلي وتُفضل عليه برودة الحوار العاطفي أو الوجداني.

وفي الوقت الذي غادر فيه الرجل مرحلة الإعتقاد بالميثولوجيا ما زال الكثير من النساء يؤمن بقوتها حتى في صناعة التفكير أو توجيهه. فالمرأة قدرية لا تجادل في المُغلق الشائك من النص وتقنع بأبسط الأجوبة لأصعب الأسئلة.

هذا لا يعني أن المرأة تفكر تفكيراً إبتدائياً لكنها كائن يُرجىء الكثير من المشكلات إلى عامل الزمن الكفيل بحلِها. والمرأة لا تميل إلى التحدي الفكري. كما أن المرأة يُغريها الإقناع، فإذا توفر لها رجل مُلحد يملك قوة الخطاب فإنه كفيل بإقناعها أو قل بإلباسها قناع الموافقة.

إن أقوى إيمان بالله هو الإيمان قبل المعرفة لأننا جميعاً آمنا بالله قبل أن نعرفه وهذا ما يُحسب للمرأة ولصالحها على حساب صفحة الرجل فهي تُؤمن قبل المعرفة حتى إذا برزت الأخيرة زادتها إيماناً.

ولدينا دراسة قام بها صاحب هذا الكتاب وجدت أن الكتب الدينية التي تقتنيها المرأة هي الكتب المطمئنة المليئة بالدعاء والتسبيح ورجاء الطالع الحسن، فيما يميل الرجل إلى إقتناء الكتب الدينية التي تُثير الكثير من الأسئلة القلقة الباحثة عن أجوبة تبدو أحياناً مستحيلة. والبنت المولودة لأب مُلحدٍ وأم مُوحدة تنحاز كثيراً إلى أُمها ولا تنسى أباها من الدعاء له بالعودة إلى الإيمان، على عكس الإبن الذي كثيراً يُجاري أباه.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

بدر الدين شيخ رشيدتضامن الحضارات

البحث في موضوع تضامن الحضارت يعتبر موضوعا ذات أهمية بالغة في واقعنا اليوم لأن العالم يمر في حالة إنتحار وذلك بعد أن سيطر العالم قطب واحد وأعلن الرييس الأمريكي السابق دبليو بوس " نظام العالم الجديد" في عام 1991م بعد إنهيار قطب إتحاد السوفيتي، وبعد أن ألف صامول هنتنجتون في كتابه:" صراع الحضارات وإعادة تشكيل النوام العالمي"إضافة إلى ذلك تظهر أهمية بحث تضامن الحضارات بعد فشل الثورات العربية والمعروف" بالربيع العربي" وتصاعد حركات الجهادية في العالم الإسلامي لمراجعة حسابات النهضة الإسلامية المعاصرة.

إن مناقشة موضوع رؤية الحضارية الإسلايمة المعاصرة للتعان بين الأمم تنطلق من خلال هذه المفاتيح وهي: مفهوم الحضارة وآلياتها، خصائص السنن الكونية الإلهية، الحضارة الإسلامية والغربية وإشكال الهوية، مراجعة آليات الحضارة الإسلامية، رؤية الحضارية الاسلامية نحوتضامن الحضارات.

أولا: مفهوم الحضارة وآلياتها.

الحضارة لغة وإصطلاحا:

لكل حضارة لها دلالة لغوية وإصطلاحية فدلالة الحضارة من ناحة اللغة مشتقة من فعل حضر الثلاثي الدال على عدة معاني أهما: الحضور والشهادة والإقامة. فمن حيث المادة جاءت من لفظ حاضرة أى السكنى والإقامة والإستقرار، وبهذ تأخذ معنى التمدن الذي هوضد البدو. ومن حيث القيم الروحية تدل لفظ حضر الشهادة أي شهادة الإنسان وحضوره التام في تعمير الأرض ماديا ومعنيا.

أما من حيث الإصطلاح فيقصد الحضارة بأنها مذاهب وعقائد دينية مرتبطة بالإقتصاد، والعمران، والمظاهر العلمية، والأدبية، والفنية، والإجتماعية، الموجودة في مجتمع ما بالإضافة إلى ذلك أنها نظام تشريعي إجتماعي يشمل العادات والتقاليد وتنوع الأجناس وفنون الحرب والقتال.

فحياة الإنسان بدأت من البدو وبالتالي تطورت من البدو الرحل إلى الإستيطان بالقرى والريف والمدينة الصغيرة ثم الكبيرة. ومن هنا نشأت الحضارات القديمة كالحضارة السومرية والبابلية والمصرية والإغريقية والصينية والرومانية مرورا بالحضارة الإسلامية وصولا إلى الحضارة الغربية الحديثة.

فحياة الإنسان من البدو ألى التمدن بدأت تتطور شيئا فشيئا مستعينة بما وهبه الله للإنسان من عقل وعلاقته بربه عبر الرسل. فبدء الإنسان أن ينشأ العمران في الأرض لأداء وظيفة الإستخلاف في الأرض لتتحقق أداء ألأمامة التي حملها الإنسان.

آليات الحضارة الإسلامية:

إن لكل حضارة لها آلياتها الخاصة في كل زمان ومكان في جميع الحضارات المتعاقبة جيلا بعد جيل، ألى أن وصلت النوبة بتفوق الحضارة الغربية المعاصرة الحديثة من ناحية المادة وبالتالي تسيطر اليوم على العالم.

فآليات الحضارة الإسلامية مبنية على عنصرين هامين هما: كونها دمجت بينالروح والمادة، بخلاف اليهود والنصاري. فالأصل عنداليهود المظاهر المادية وعند النصاري تغليب جانب الروح على المادة في بداية أمرها، إلى أن إنصهرت الديانة المسيحية في الحضارة الرمانية، وذلك عند ما إعتنق الملك قسطنطين العظيم في المسيحية في عام 313م.

فآليات الحضارة الإسلامية تبدء باستلهام الإنسان من الوحي الإلهي بشقيه القرآني والسني، من خلال تشجيع آليات الحضارة على تنمية قدرات الإنسان العقلية، والمعرفية، والأخلاقية، والفلسفية، والأخلاقية، ليكتشف أسرار ملكوت السموات والأرض، من أجل تحقيق العمرن في الأرض، في إطار تطبيق عدالة الله في الأرض،لإشباع حاجات الإنسان الروحية والمادية .

ثانيا: خصايص السنن الكونية الإلهية:

الله سبحانه وتعالى أودع في هذا الكون الفسيح سنن ونواميس إلهية تعمل بدون محاباة بين الناس فمن أخذها إستمرت حضارته ومن تركها سقطت حضارته وتخلف عن الركب الحضاري.

وبما أنها خصائص إلهيىة كونية تعمل ضمن نواميس كونية ألهية تعتبر من أهم عناصرها: الثبات وعدم التغير، والعموم، والإطراد.

فالثبات تعنى أن الله أودع هذه السنن في الكون وجعلها قوانين صارمة تشبه بالمعادلات الرياضية. فهي تنظم حركة الكون كله وحياة الإنسان، بحيث تتحكم في درجة الحضارات فتوضح عامل النهضة وعامل السقوط لكل منهما.

أما خاصية العموم، فهي تعمم كل البشر وكل الخلائق على حد سواء دن تميز أو محباة، لا يملك الإنسان الخروج عنها. قال تعالى : ( ليس بآمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به) النساء: 123.

كما أن خاصية التغيير تعنى تكرارها وظهورها في أي ظرف وجدت منه مقومات ظهورها والتى أرادها الله من كل زمان ومكان وأشخاص وأفكار قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين) آل عمرن: 251.

سنن التدافع بين الحضارات :

تنطلق رؤية الحضارية الإسلامية في التعان بين الأمم من أن تعاليم الإسلام تطرح كمبدء إسلامي أصيل على أن الصراع بين الأمم هي جزء من سنن التدافع الكونية الإلهية بحث يدفع بعضهم ببعض. وهذه التدافع تعمل في إطار دفع الشر والظلم والعدوان والتسلط على نفوس البشرية كمال قال الشاعر العربي:

والظم من شيم النفوس فإن تجد: ذا عفة فلعلة لا يظلم:

هذه العلة أى علة الدفع، لا تخلوا إما أن تكون أخلاقية أو قوة قانونية أوطبيعية. فالأخلاق عبر عنها القرآن " إلأ ولا ذمة"قال تعالى:( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) التوبة: 8 . فإلا ولا ذمة تعملان في إطار الأخلاق، من حيث مراعات القرابة أوالمعاهدة في تعامل المجتمعات، وبالتالي فإن فقدان تلك العنصرين في المجتمع، يأتي دور القوة القانونية والطبيعية في إطار دفع الظلم والشر والعدان، ونشر العدل والقيم والأخلاق بين الناس. وهي سنن كونية إلهية ربانية تلجم طغييان المعتدين للإيقاف على حده، وإلا، لوقع الفساد في الأرض كما عبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، بقوله: )ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأض و لكن الله ذو فضل على العالمين (البقرة:251 .

والتدافع بين الناس ينبغي أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ولي حميم) فصلت:34.

سنن التغيير في الحضارات:

التغيير سنة كونية إلهية فلا يدوم على حال إلا الله سبحانه وتعالى. فالذي يدوم هوالله أما المخلوق فهو متغير من حين لآخر من خلال تمسكله بأسباب البقاء أو إخلائه بهذا الأسباب. وعلى هذا،فمفهوم التغيير بين الحضارات إما أن تكون من الأنحطاط إلى الأصلاح أومن الإصلاح إلى الإنحطاط، فكل من الحالتين هو نتيجة لتمسك الإنسان والإستفادة من سنن الإلهية الكونية التغييرية أوعدم إستفادته منها. فالقرآن تحدث عنها بقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد: 11.

إصلاح الحضارات:

الإصلاح عنصر مهم للتعان بين الحضارات فقد ورد إشتقاقات لفظ "صلح" في القرآن 180 مرة تقريبا مما يدل على أهمية الإصلام في المجتمعات،لكى تتضامن وتتفاعل الحضارات بعضها ببعض وخاصة الحضارة الإسلامية والغربية. فإصلاح حضارة الغرب أمر مونط به كما أن إصلاح حضارة المسلمين في غاية الأهمية إذ، الإصلاح في كل من الحضارتين يتم التعاون بينهما.

فإصلاح حضارة الغرب تنطلق بإصلاح بنيتها المادية وغرسها وتبنيها بمبادئ القيم الروحية، والأخلاقية، والإنسانية، والمحبة، والتسامح، والعدل بين الناس، والتعامل في إطار البر والتقوى، لأن جوهر حضارة الغرب مبنية على المادة،والقوة،والصراع،وعلى مبدأ البقاء للأقوى. كما يفهم من كتاب: "صراع الحضارات وإعادة تشكبل النظام العالمي" لصامويل هنتنجتون.

من جانب آخر، ينبغي إصلاح الحضارة الاسلامية من الأمراض التي أصابتها، كالأستبداد وأمراض النفسية والتخلف العقلي أو بالأحري كما عبر عنها الدكتور عبد الحليم عويس:" الفقر العام الذي مبعثه الفقر العقلي والجمود الحضاري والإنحطاط الفكري والتخلف والخمول ومضاعفات أخرى تراكمت في ظل أنفكاك إرتباطنا بديننا1.

أو كما عبر عنها رئيس وزراء ما ليزيا السابق داتوا سري عبد الله أحمد  بتحديات الحضارة الإسلامية وهي : الجمود، والتقليد، والتطرف،والإنعزال والرهبانية، والعلمانية، وأحادية المعرفة، والضعف في إدارة الوقت).2

ثالثا: الحضارة الإسلامية والغربية وإشكال الهوية:

يدور بين الغرب والإسلام صراع الهوية (identity) . فالإسلام حينما كان يهيمن على العالم لم يفرض على اليهود، والنصاري، وغيرهم بهويته الخاصة له، كمعتقده ونمط عيشه وتفكيره وملبسه بل ترك كل جنس لهويته الخاصة له.بينما العالم الغربي يسعى لإفراض هويته الخاصة له على المسلمين،وخير دليل في ذلك ما يجري في فرنسا في الآونة الأخيرة من إجبار بتات المسلمين من التخلي عن حجابهم.

كيف حل الإسلام بإشكالية الهوية؟:

حل الإسلام بإشكالية الهوية من حيث قبوله بالتعددية والإختلاف. فقد قبل التعددية من حيث حرية الإعتقاد، فلم يجبر الإسلام على اليهودولا النصاري ولا غيرهم من أهل الأوثان بهويته الخاصة له،ولا على إعتناقهم بالإسلام. لذا عاش اليهود و النصارى وغيرهم من أهل الأوثان في ظل هيمنة الحضارة الإسلامية على العالم يمارسون بمعتقداتهم وشعائرهم الدينية بحرية تامة.

كما جعلالإسلام إختلاف الأجناس والتنوع من سنن الكونية الإلهية قال تعالى: (ومن آياته خلق السموات و الأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) الروم: 22.

رابعا: مراجعة آليات الحضارة الإسلامية:

تشخيص الداء:

المعروف أنه لايمكن مداواة وعلاج داء المريض إلا إذا عرف نوع الداء وبالتالي يمكن للطبيب توصيف وكتابة الدواء المناسب للمريض لكي يتشفي المريض ويستعيد عافيته وشفاه.

فالحضارالإسلامية منذ بكورها أبتلي بالإنشقاقات، والمذاهب، والتفرق، والحروب الداخلية، منذ وفاة النبي صلى الله عليه سلم. وما نتج في الحكم من يوم السقيفة من حيث الشورى الشكلي الذي لميدم طويلا حتى إنتهي بموت علي بن ابي طالب عليه السلام. من هنا بدء نظام الملكي الأسري بدءا من ملك بني أمية ثم العباسية إلي أن انتهت الخلافة العثمانية في عام 1924م. ولا يخفي الصراع الدائر بين الصفوية والعثمانية منذ 1500م، الذي قوض وحدة الإسلامية في ظل تصاعد هيمنة الغرب وأفول نجم الحضارة الإسلامية حتى سقطت آخر الخلافة العثمانية في عام1924م.

إضافة إلي ذلك، الإنقسامات الفكرية والمذهبية بين المذاهب الإسلامية كان له دره في تضعيف الحضارة الإسلامية، مما سبب التخلف العقلي الذي رافق مسيرة الحضارة الإسلامية مع بداية العهدالأموي الذي كان مرده تأسيس النظام الملكي، وغرس العقيدة الجبرية في المجتمع الإسلامي، ومحاربة العقل من خلال تقويض المذاهب التي تبنت العقل على أنه أحد مصارد التشريع الإسلامي كالشيعةلإمامية والمعتزلة.

ويمكن أن نرجع إلى أسباب تخلف الحضارة الإسلامية إلى ثلاثة عوامل آساسية:

الأولى: غرس عقيدة الجبر في المجتمع الإسلامي والتي عطلت قدرة الإنسان وإختياره.

الثانية: تعطيل مبدء السببية في الحياة وإحلال مكانه التواكل.

الثالث: إلغاء دور العقل. 

منطقات الحضارة الإسلامية الجديدة:

إن من أولويات منطلقات التضامن الحضاري بين الأمم تبدأ من جهة المسلمين بمراجعة آليات الحضارة الإسلامية بشقيها الروحي والمادي.وأقصد بالروحي، مصادر تشريعنا الأولى، وهما: القرآن والسنة النبوية، وقراءة خطابهما بقراءة نقدية جديدة، إضافة إلى ذلك، قراءة تراثنا، سواء كان تفسيرا، أوحديثا، أو كلاميا، أو فلسفيا، أو أخلاقيا، أو لغوزيا أو في علوم الكونية. وأقصد الجانب المادي المظاهر الكونية.

وهذه القراءة النقدية الجديدة لتراثنا تتطلب بمعيارين: الأول: التجرد الكامل عن التعصب المذهبي والطائفي. الثاني: الإجتهاد المطلق بفهم واستيعاب آليات الحضارة الإسلامية بشقيها الروحي والمادي، حتى يتمكن المسلمون،بإحداث حضارة جديدة، تفوق على الحضارة الغربية وتقود العالم بآمن وسلام ووئام.

خامسا: رؤية الحضارية الاسلامية نحو تضامن الحضارات:

وحدة الإنسان:

تنطلق رؤية الإسلام في تضامن الحضارات من منظور إسلامي، مبني على وحدة الإنسان، وأنه ينتمي إلى أصل واحد،وهو آدم عليه السلام، وآدم من تراب. (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقي، الناس من آدم آدم من تراب) 3.

الإسلام وحوار الحضارت:

الإسلام أصل من حوار الحضارات، ويدل على ذلك خطاب القرآن الكريم بالمخالغين، حيث قسم الخطاب على المخالفين إلى ثلاثة أنواع: أصحاب الحكمة، وأصحاب المجادلة، وأصحاب الموعظة الحسنة، كقوله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125 ولما كان الجدال من حيث الأصل مذموما قيد الإسلام المجادلة مع المخالفين بالتي هي أحسن. قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)العنكبوت: 46. بل زاد مخاطبة جميع الناس بالقول الحسن. قال تعالى: (وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83

إضافة الي ذلك يدل حوار الحضارات فعل النبي صلى الله عليه وآله بالحوار مع رؤساء الملوك والحكام في عصره، وذلك بإرسال الرسائل إليهم يدعوهم إلى الإسلام والتعان المشترك بينهم وبين المسلمين، كهرقلي ملك الروم وخسروالتاني برويز (كسرى) ملك فارس ومقوقس ملك مصر.

الإسلام والتعاون الدولي في ظل هيمة الحضارة الغربية:

الإسلام يدعو إلى التعاون التام بين الحضارات والشعوب والأمم حتى في ظل هيمة الحضارة الغربية بشقيها الرأس المالية والإشتراكية.

فرؤية الإسلام نحو تضامن الحضارات تنطلق من إيمانه العميق بكرامة الإنسان واستخلافه في الأرض، وبالتالي فلا يمكن أداء وظيفة الإستخلاف في الأرض وتعميره إلا بالتعاون الكلي بين الشعوب للتغلب على الصعاب وعلى المشاكل البشرية والطبيعية. ومما يدل على ذلك هو خطاب الله العام على قوم صالح بقوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من من إله غير هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها) هود: 61

فسياق الآية يدل، على أن الخطاب يعم على قوم هود جميعا مؤمنهم وكافرهم، وبالتالي فخطاب التعمير يكون للجميع ما درام الإنسان خلق من الأرض فتعمير الأرض أيضا مطلوب من جميع الناس.

وفي ظل هميمة الغرب في العالم فإن للمسلمين لهم مساهمات وفعاليات في إطار التعاون الدولي بشكل إيجابي كما عبر عنه القرآن:"التعاون بالبر والتقى". فالبر يشمل جميع خصال الخير سواء كانت مادية، كالمال أو معنوية كخصال الإيمان، وأركان الإسلام، والأخلاق الطيبة. وبهذا، قدم البر على التقوى، لأن التقوي قاصرة بعبادة الله سبحانه تعالى، رغم أن تأثيرها المعنوي والتربوي تتعدى من حيث النفع إلى الناس كالهداية والعلم. وهذا العلم والهداية يسهم في إبتكار المادة وتطويرها، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدان)المائدة: 2.

والبر لفظ شامل لوجوه الخير من المعتقدات الإيمانية، والإخلاق الحسنة، والتعاوان المادي، والذي يمكن من خلاله أن يحدث التعاون التام بين الإسلام والغرب وخاصة في إطار مجلس الأمم المتحدة.

الحوار والمقاومة:

الإسلام يدعو إلى التعاون والتضامن التام بين الشعوب والأمم من خلال التعامل في البر والتقوى والإحسان ورعاية الحقوق ونصرة المظلومين والمستضعفين وإرشاد الناس الى الهداية والعلم والرحمة.

علاة على ذلك الإسلام يدعو إلى الدفاع النفسي والمالي والعرضي ودفاع الوطن من المعتدين عليه وحفظ الحقوق وحريات الفرد والمجتمع.

وعلى هذا، تشمل رؤية الإسلام في التعاون بين الأمم، التعاون والتضامن الكلي الإيجابي من جميع الوجوه الخيري كما يؤمن بردع الإعتداء على أراضي المسليمن.

فالحواروالتعاون من النقاط الإيجابية بين الحضارات مع ردع المعتدين على العالم الإسلامي وخاصة إسرائيل وتحرير أرض فلسطين تكون منطلقات تضامن الحضارات بين الإسلام والغرب.

 

الدكتور: بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

كاتب وباحث في القضايا الإسلامية المعاصرة

مدير مركز شرق إفريقيا للدراسات والبحوث

.....................

1- د. عبد الحليم عيس حضارتنا الاسلامية.. من المرض الى النهضة  النشر: 1-2-2014م  الزيارة: 5-1-2021م مقع الالوكة www. Alukah.net

2- أمحمد محمود الاسلام الحضاري .. قراءة في تحليل المضمن تاريخ النشر 14-2-2016م  الزيارة 13-1-2021م  مقع: طريق الإسلام :

http://www.malaysia....es/default.aspx

3- أبو نعيم في الحلية 3\100 البيهقي في شعب الإيمان رقم: 5137.

 

 

 

ريكان ابراهيمإن صرخة الطفل الأولى ساعة ولادته هي صيحة الإعتراض الأولى على الوجود، والسؤال الأول عن (لماذائية) الخروج من بيئة الرحم إلى بيئة الحياة.

معنى هذا أن أول عمل يقوم به الكائن البشري - مختلفاً في ذلك عن الكائنات المولودة الأخرى - هو الإعتراض، والإعتراض يحمل سؤال الإختلاف، وسؤال الإختلاف يحمل ظاهرة إنعدام التوافق. إن كل شقاء الإنسان اللاحق وأمراضه النفسية والعقلية وحتى الكثير من الأمراض الجسدية يٌعد ناتجاً من إنعدام القدرة على التوافق أو التوافق على نحوٍ خاطىء.

معنى هذا أيضاً  أن الإنسان كائن يقوم على الرفض أكثر من قيامه على القبول. وتعرف الأمهات أكثر من غيرهنَ ما يكابدنه من مشقة في إقناع الطفل الجائع حتى يرضع مع انه في حاجة إلى ذلك. ويكبر الطفل قليلاً ليزداد تمرده على رفض الأشياء التي حوله. فهو لا يلعب مع الدمية التي تٌقدم إليه بل يكسرها ليعرف ما فيها غير مقتنع بجمالها الخارجي. ويسبق دماغ الطفل في نضوجه النوعي حجمه أو وزنه، ولكن ذكاءه - وهو عمل إدراكي مبكر - يسبق لغته - وهي أداة أو وسيلة للتعبير عن هذا العمل الإدراكي. وكٌلما تقدم الذكاء أو العمل الإدراكي على اللغة مال الطفل إلى (معملية) الأداء وقصَر في (نظرية) الأداء، حتى إذا تأخر الطفل عن النطق بكلمات مفهومة عَبرَ عن ذلك بالمزيد من الفهم وقوة الملاحظة.

ولهذا نجد أن عطل اللغة يرافقه غالباً حدة في الذكاء صعوداً إلى مرحلة (الأخرس) الذي كثيراً ما يتمتَع بذكاء عالٍ (بإستثناء حالة واحدة وهي وجود الصمم).

* * *

إنَ الطفل لا يتعلم النطق لأنَ النطق قدرة مولودة يشترك فيها الدماغ (منطقة بروكا  Broca’s area في الفص الجبهوي) والحبال الصوتية في الحنجرة. هذا هو النطق. أما ما يتعلمه الطفل في مجال اللغة فهو الكلمات في لغة الوالدين والأسرة بكل إنشطاراتها في السؤال والجواب وعلاقة الأشياء بأسمائها. وحين تنضج منطقة فيرنكا ( Wernicke’s area ) في الفص الصدغي المسؤول عن فهم الكلمات، تصبح اللغة مفهومة ويٌصبح النطق المولود قادراً على ترديد المكتسب واستعادته. ويمٌر الطفل في مرحلة مبكرة بفهم الكلمات فهماً رمزياً يساعده على الدلالة ونعني بذلك اللغة السميائية Semantic language.

* * *

إن الطفل يبدأ باسئلة كبرى على عكس ما كان يٌقال سابقاً عن سذاجة أسئلة الطفل. ويركز الطفل مبكراً في السؤال عن مغيِبات مثل الخالق الذي خلقه وعن الخالق الذي خلق مَن خلقه، وعن الجنس، وعن المصير بعد أن يموت الإنسان.

وعلى مدى ذكاء المجيب، أٌمَا كان أو أباً، يبني الطفل فهمه للظاهرة ولكنه لا يبني بالضرورة قناعته، وفَهمُ مجردٌ من القناعة يقود إلى الشك. وبالمنطق السيميائي للغَة ينظر الطفل إلى الأشياء المجهولة حوله على أنها كرة أكثر من كونها شكلاً هندسياً آخر، ولذلك تبدأ مهاجمته للأشياء على أنها كرات مغلقة، ويقع في ذلك ثدي الأم الذي يٌمثل عنده سراً يرضع منه حليبه ويعضه بأسنانه في محاولة لتحطيمه وإكتشاف محتواه.

ومن هذا المنطق السيميائي تبدأ رحلة الكشف عن (المجاهيل) بما فيها الإله والولادة والموت.

* * *

إن فوضى الأفكار التي لدينا، نحن الكبار، حول الظاهرات الكبرى التي ذكرناها (ومنها الله تعالى) ناتجة من الفوضى الأولى في حياتنا ونحن أطفال، يوم كنا نتلقى أجوبةً أضعف من أسئلتنا ومعلوماتٍ أقل من قناعتنا.

ان (جان بياجيه) يشير الى ظاهرة الحس على أنها بداية الإدراك ( Sensory-motor-st) . ماذا يقول بياجيه عن بداية الأسئلة الإدراكية عند الطفل قبل تنامي معالم الحس بما فيها معلَم الإدراك السمعي والبصري؟

يشير الحديث إلى أن الطفل يٌولد على الفكرة وإنما أبواه هما اللذان يٌنصرانه أو يٌهودانه، وهذا على مستوى الدين ولكنه ينطبق على الإيمان بالله أيضاً.

والفطرة عند الإنسان لجوجة، متسائلة، قلقة، غير مستسلمة، كما أنها جموحة لا تقنع بشيء في سهولة. والذي يحدُ من تمرد الفطرة بتقادم عمر الإنسان هو مجموعة عوامل منها:

1- العقلنة: أي دخول حسابات العقل في الإجابة عن سؤال الكينونة والمصير.

2- اليأس من فائدة التمرد: ان التمرد  في حياة الإنسان لا يضع حلا لاسئلته، وكلما تقدمت السنوات يبدأ هذا الكائن بالإيمان بعبثية التمرد لأن الأخير يجعلة في حلقة مفرغة تحيله إلى (لا جدوى الأسئلة).

3- التأثر بالمجتمع: حيث يخضع الفرد المٌتمرد للناموس الإجتماعي والعٌرف العام شاء أم أبى لكي يٌحقق الإنسجام حيث لا يٌحقق التمرد (سايكولوجية التوافق).

4- الخيبة الذاتية: يملك الإنسان بالفطرة ظاهرة النظر إلى ذاته نظرةً مركزيةً مملوءة بالنرجسية حيث يعد تلك الذات مركزاً للعالم الذي يدورحوله حتى إذا تعب من هذه المداولة بدأ بمشاعر الخيبة من قدراته على حل السؤال بجواب مغلق لأن أجوبته عن أسئلةٍ فتحت وتفتح أمامه أسئلةَ أخرى لا تنتهي.

5- قصور المحسوس أمام اللامحسوس: يٌحاول السلوك الفطري في الإنسان أن يفهم كل شي عن اللامحسوس فِهماً مباشراً بوسائط الحس وهذا الشيء صعبٌ تحقيقه. حيث لا يعني غياب اللامحسوس عن الإدراك الحسي أنه غير موجود، فقد يكون غائباً لأنه موجود في مكان آخر أو في صورة أخرى.

* * *

إن الطفل يخاف ولكنه لا يستحي من شيء، فهو كائن غير منضبط لأنه لم يخضعٌ بعد للعيب الإجتماعي ولا لسطوة القانون ونتائج تطبيقهِ. وبسبب هذا الخوف وهذا الفقدان للحياء من شيء ما تبرز قدرته على إثارة الأسئلة التي تبحث عن إجابة تمحو خوفه. وهذا الكائن الفطري يٌلقى إيمانه بطريقة التخويف من الإلحاد فينشأ مؤمناً بالتلقين وليس القناعة.

لكنه لو لم يُلقن بل تٌرِك حٌراً طليقاً لوصل إلى ربه عن طريق عقله لأنه لا يوجد إنسانً بعقل ما لم يكن مؤمناً أو باحثاً عن إيمان. إن علينا أن نٌفهم هذا الكائن الفطري أن هناك فرقاً بين (الإلحاد) و(الإنكار)، فالإلحاد يعني الإيمان بأن لا يوجد إله بينما الإنكار يعني معرفة الإله مع التنكر لحقيقتها، ويظلُ الملحد باحثاً عن ربِه بينما يظل المٌنكر إنساناً عارفاً بالحقيقة لكنه يتنكر لها، وهذا أخطر من الأول.

* * *

إن الدين الأول هو دين الفطرة التي جَبل الله الإنسان عليها. وسٌمي الدين (أي دين) بهذه التسمية لأنه معارفٌ لا تحتاج الى الكثير من العناء في الإطمئنان إلى وجود الله.

ففي الصف المدرسي الأول، وقبله في البيت، يستطيع أيُ منا أن يقول للطفل: ما دام لك خالق فإذن لابد لهذا الكون من خالف فيكون الله.

هذا مثال بسيط على كيفية الوصول إلى مشارف الفطرة وبأبسط الأمثلة، وإذا أردنا أن نضع منطلقاً للفرد الطفل في بداية عمره في تحديد موقفه: هل هو كائن مفطورُ على الإلحاد أو مٌهيأ للإيمان أو مٌولع بالإنكار، فإنَ أفضل تسمية منا لهذا المنطلق هي: مرحلة (اللاأدري).

ففي هذه المرحلة يكون الطفل مٌهيأ لكل شيء طبقاً لثقافة من سيوصل المعلومة إليه. ولهذا نشير كما أشرنا إلى أن طريقة التعريف بالله هي الأساس في صياغة إيمان الطفل وإبعاده عن الإلحاد أو المكابرة وفيها الإنكار.

إن أسئلة الطفل الأولى عن الله تقع في (المنطقة المحايدة) فهو ليس مؤمناً وليس مٌلحداً لكنه ينتمي إلى (اللاأدرية). وكثيراً ما تٌقمع أسئلة الطفل بأجوبة لا اقناع فيها بسبب جهل المجيب أو ضعف ثقافته أو ضبابية إنتمائه إلى الله.

وكثيراً ما يقودنا الغرور بالإنسان المحدود فنسمي حركات الإلحاد بالله تسمياتٍ فيها من البريق اللفظي أكثر مما فيها من المعلومات ونسمي أصحابها روادَاً في ( الوجودية) و(العبثية) و(ما بعد الحداثة) و(العدمية).

نسميهم هكذا وننسى أنهم ما زالوا أطفالاً كبروا  أجساماً حسب فظلوا يرددون أسئلة طفولتهم الأولى، يختلفون عنها ببريق التخريج اللغوي والتزويق الإصطلاحي وهذا في حقيقته لا يعدو كونه انتصاراً لصالح المبنى على المعنى والشكل على الٌمحتوى.

* * *

1. جئتٌ لا أعلم من أين ولكنني أتيتٌ

ولقد أبصرتٌ قدامي طريقاً فمشيتُ.

حينما قالها شاعرها، سٌميَ فيلسوفاً شعرياً يبحث عن سبب المجيء وعبثية الإتجاه مستقبلاً، وننسى كما ينسى شاعرها أنها كلماتُ سبق أن قالها الطفل بكلمات أٌخرى تفتق  إلى العروض الشعري الذي لا يعرفه الطفل.

2. إلهي الذي في السماء

أٌناديك من هذه الأرضِ

يا قاهر الأقوياء.

يتصور هذا الشاعر أن ربَهٌ في السماء حسَب. هل يختلف هذا الشاعر (الطفل الكبير) عن الطفل الذي يسأل أٌمه: أين الله؟

فتجيبه - وهي منشغلة بإعداد وجبة الغداء - فوق، في السماء.

الإختلاف هو في شيء واحد. أن الطفل الكبير يجيد كتابة السؤال في قصيدة.

هل ولدنا أطفالاً صغاراً لنموت أطفالاً كباراً؟

* * *

لماذا يسأل الطفل عن الله؟

سؤالُ جديرُ بأن يٌثار. ألا يكفي هذا الطفل إنشغاله بالأكل لكي لا يجوع، وبالدفء لكي لا يبرد وبالبرودة لكي لا يضايقه الحر وبالنقود لكي لا يحرم من اللعب، روادعَ له عن إثارة سؤال كوني يتعلق بالولادة والخلق والموت والمآل؟

إنه يسأل عن الله بفضول كبير:

1- ما معنى الله؟.

2- ما شكله؟.

3- أين مكانه؟.

4- كيف خلقَنا؟.

5- من خلقهٌ؟ .

6- لماذا هو خالد؟.

إن الطفل يسأل مثل هذه الأسئلة لأنه محكومُ بالعالم الحسي الذي حوله وبمحدودية هذا الحس في العالم. إنه الكائن الذي يحاول إدراك اللامحسوس بالمحسوس. إنه لم يُدرِك بعد معنى (مفهوم المٌطلق والجزئي).

إن هذا الكائن الفطري يتعلم ما هية الله عن طريق وسائل أخرى وبأيدي أبويه - اللذين لا يٌقدمان بالضرورة إقناعاً له. خٌذ مثلاً:

1- أنه يتابع الطقوس في دين أبويه فيصعب عليه إكتشاف العلاقة بين ممارسات طقوسية مرئية وخالقٍ لا يمكن رؤيته.

2- أنه يسمعٌ من أبويه استخدامات لفظية تصف الله بلغتهما التي تختلف في معانيها عن لغته. (يدٌ الله فوق يد الظالم) و(يحرسكالله الذي عينه لا تنام) و(كرسيه على الماء) و(أقربٌ اليك من حبل الوريد) و( أنى تٌولوا وجوهكم فثَم وجه الله). هذه الأقوال وفيها الآيات، يستخدمها الناطقون بها بلغة المجاز  التي لا يعرفها الطفل لأنه ما زال في طَور عقلي يٌفسر ولا يُؤول.

3- كثيراً ما يخاطب الناس ربهم بلغةِ دٌعاء فَجة تٌوحي إلى من يجهل رحمة الله ولطفه بأنها لغة تذمر وضجر من مظلومية يتنزه عنها الله الذي لا يظلم أحداً (ليس ربك بظلام للعبيد). وترديد مثل هذه اللغة أمام الطفل تٌشوه في عقله الكثير من صورة الله المشرقة العادلة فيبدأ بإثارة أسئلة أمام والديه في دواخل نفسِه.

4- يٌعلم الأبوان الطفل الكثير عن الله بطريقة التخويف منه وليس الحٌب له، لأنهما خائفان أصلاً والخائف لا يستطيع أن يٌعلم خائِفاً آخر درساً في الطمأنينة. هنا يبدأ الطفل بإثارة الأسئلة في داخله حول هذا الجبَار المخيف وليس هذا الرحيم الرحمن اللطيف.

5- يٌقدِم الأبوان صورةً عن الله للطفل فيها الكثير من الفهم الأرضي المحدود لهذا المٌطلَق ومن أمثلتها: أن الإنسان إذا كان تقياً فإن الله يٌغدق عليه شآبيب الغنى والصحة. وهذه المقايضة مهزوزة تجعل الطفل يٌفسر رضا الله بأنه نوع من تبادل العطايا بين خالق ومخلوق كما تجعل الطفل يبتعد عن مفهوم (الله المٌطلَق) الذي لا يٌمكن ان تٌجزأ قدرته وكٌليتِه.

6- كثيراً ما يٌفهم الأبوان الطفل أن أسئلته التي ذكرناها هي نوع من أنواع التشكيك الذي يجب  أن لا يٌثار. والممنوع في كل ظاهرة يٌعدُ عاملاً مٌحرضاً على السؤال عنه.

* * *

إن إمتداد طريقة التفكير فيحياة الإنسان في الطفولة إلى العٌمر الناضج (وهذا مايحدث كثيراً) يقود إلى استمرار طريقةٍ مغلفة لا تٌوفر الإنفتاح المطلوب.

فالذكاء الذي لدينا يرتكز على التعلم (learning). والتعلم يقوم على ثلاثة أنواع من الوسائل:

1- التعلم بالتطبيع على الشيء (Conditioning learning).

2- التعلم بالمٌحاكاة والملاحظة (Observation learning).

3- التعلم بالمٌقارنة (Comparison learning).

ومن هذه الثلاثة ينشأ الحاصل النهائي للذكاء وهو الذكاء الإستنباطي (Abstractive intelligence). وكلما تأخر ظهور الإستنباط تأخر الدماغ في تحقيق حالة الفكر الحٌر الذي يقود إلى الإبداع. ويٌعَدُ الأفراد الذين يتأخر عندهم ظهور الإسنتباط أطفالاً استمر لديهم التعلم بواحدة من الوسائل الثلاث فظلوا أسرى ارتباطهم بفهم يقوم على محاكاة المألوف والتطبع عليه فيتأخر عندهم الإستنباط. ويٌعدُ الأخير (الإسنتباط) أرقى أنواع الذكاء الذي يتميز به الإنسان في الوصول إلى إدراك اللامحسوس بالمحسوس واستقراء الأسباب بمناقشة النتائج، ومن ذلك معرفة الله الخالق بمعرفة آثاره في الخَلق والتكوين على أساس قاعدة بسيطة غاية في البساطة، مثلٌها يقوم على أن الكرسي صنعه نجار والبيت بناه بنًاء ولولا النجار والبنًاء لما رأينا الكرسي ولا رأينا البيت.

معنى هذا أن العقل الذي لا يقدر على استنباط لن يقدر على معرفة وجود الله. والإستنباط ميزةُ للعقل البشري لا تملكها أدمغة الكائنات الأخرى مع أنها تملك بسائط أخرى للتفكير حيث تأكل عندما تجوع وتشرب الماء عندما تعطش.

ولما كان الإستنباط ميزة فهو لا يظهر فجأة إنما يتدرج، وبذلك فهو يبدأ في الطفل ليزداد وضوحاً في النضج، وكلما عجلنا في تعليم الطفل الإستنباط عجلنا في جعله ناضجاً مٌبكراً. وخيرٌ طريقة نٌعلمها للطفل في كيفية النظر إلى وجود الله والإيمان به هو أن لا يطلب ممن يواجهه أن يٌثبت له وجود هذا الإله العظيم بل يطلب من الآخر ان يٌثبت عدم وجود الله، وهذا موضوع يٌحرج الملحد أو المنكر لأن معرفة الظاهرة (أية ظاهرة) تقوم على مرتكزين:

1- إثبات الظاهرة بالأدلة.

2- إثبات عدم وجودها بالأدلة.

وحينما يعجز منكر الله عن نفيه سيكون بذلك عاجزاً عن إنكاره فينقاد إلى إثباته وبذلك تبطل الثقافة المضادة التي تنفي وجود الله.

* * *

إن أطفال المجتمعات البدائية كالمجتمعات الوثنية أو التي تٌقدس الحيوانات والنباتات وترفعٌها إلى مقام الآلهة يعانون كثيراً من هذا الفكر الوسيط ونعني به الفكر الذي يجعل الإيمان بالإله في حاجة إلى وسيط كصنم أو الأفعى أو البقرة أو شخصية الكاهن أو الضريح، مثلُهم مثل أطفال المجتمعات التي تؤمن بالظاهرات الطبيعية  كالمطر والرعد والنجوم على أنها آلهةُ تعبد أو تجب عبادتها.

وفي مثل هؤلاء الأطفال تنشأ ظاهرة التعلم بالمشاهدة أو المراقبة للكبار عن أبناء مجتمعاتهم وبذلك يزرع فكر هذه المجتمعات في الأطفال تفكيراً ساذجاً مدعوماً بالخرافة والتأويل (الميثولوجي). وفي مقابل هؤلاء الأطفال تبرز معاناة أطفال المجتمعات الموحدة لإله واحد حينما يتعلم الطفل منهم دينه بالتلقين من دون إبداء المرونة لهذا الطفل في أن يسأل ما يريد لأنً كبت أسئلته بالتخويف سيجعله يؤخر إعتراضه اللاشعوري إلى يوم يثور فيه على قناعته الزائفة الخجولة.

إن أبرز الأسئلة عند الطفل ثلاثة هي:

1- ما معنى الله؟.

2- أين الله؟.

3- كيف الله؟.

وما لم يٌفَهم الطفل معنى (المٌطلق) في مقابل محدودية (المجزوء) فإنه لن يدرك الإجابة عن هذه الأسئلة. وخير طريقة لإفهام الطفل حقيقة الله هي توجيه ذهنه إلى آثار الله  في خَلقه، ونبدأ في ذلك بتوجيهه إلى فحص نفسه وفهم أسرارها لأنها أقرب الأشياء إليه.

لقد كان الكثيرون من المعلمين الدينيين يميلون إلى تحذير الناشئة من أسئلة الشك وتخويفهم بالعقاب إذا مارسوا عملية الشك في خطابهم.

إن التخويف من الله هو صورة من صور التخويف من بعض المفردات في ذهن الطفل كالخوف من الوالد القاسي أو المعلم المتشدد أو القانون أو المحاكم وهنا تٌصبح صورة الله مخيفة لدى الطفل ويبدأ بممارسة حياته خائفاً من الرقيب.

إن اليقين المصطنع ينتظر يوماً يتحول فيه إلى شك بينما يقود الشك في كثير من الحالات إلى اليقين الذي لن يتزعزع. إنَ (مع العسر يسراً) أقوى وأفضل من (إن مع اليسر عسراً) ولذلك استخدم القرآن الكريم القول الأول ونأى عن إيراد القول الثاني. والشك عٌسر ولكنه يقود إلى اليسر الذي يحققه الإيمان.

* * *

إن أسئلة الطفل تختلف عن أسئلة الكبار في موضوع شكها حيث تنطلق من التلقائية فيما تنطلق أسئلة الشك عند الكبار من (القصدية) التي تتوزع على ثلاثة أنواع: نوع يبحث عن مٌزيل لها باليقين، ونوع من الإصرار على نكران المشكوك فيه ونوعٍ محايد يبحث عن الإستقرار  على الإيمان أو الإستقرار على الإلحاد (النوع الثالث لا يحمل سوء النية بل يحمل المٌحايدة). إن فتح الباب باكراً  أمام أسئلة الطفل مهما كانت جرأتها  أو نوعها أو لغة بنائها يقود إلى الآتي:

1- زوال القلق عند الطفل ونعني به قلق السؤال والخوف من الرقيب.

2- تنشئة حرية التفكير في وجود الكينونة وقصدية المصير.

3- إزالة مفهوم (المٌقدس المٌحرم) وإثبات مفهوم (المٌقدس غير المٌحرم الذي يمكن السؤال عنه بالممكن من الكلمات في إنتظار الممكن من الجواب).

4- نشوء الفهم عند الطفل لآلية الفصل بين الظاهر الذي يمكن الإجابة عنه والغيب الذي لا يمكن الإجابة عنه لأنه شيٌء فوق الحس أو أداء أعضاء الحس وسيد إدراكها، الدماغ.

5- إزالة الحذر من القوى التي تَتَمثل نوعاً من سلطة الخوف مع الطفل كسطوة الأب أو الشرطي أو السجن أو العقوبة أو القانون الصارم.

6- بظهور المعالم التي ذكرناها (من 1 - 5 ) يتخلصٌ الطفل من النشوء المبكر للأمراض النفسية التي تتعلق بالموت المخيف واندحار الكائن كما يتخلص من (قلق الإغتراب) في المكان الذي يٌفترض أن يكون مكاناً للطمأنينة.

7- نشوء سلامة الشخصية لدى الطفل وإنعدام ظاهرة (البارانويا) التي تقوم أساساً على الشك المريض الخفي الذي من نتائجه ظاهرة الإنكار الواهمة (Persecutory delusion).

إن ظاهرة قَمع الطفل عن الله، على جلالة قَدره وعظمته، لها مثائل أدنى في المهمة لكنها شبيهة في النتائج  ونعني بها  أسئلة الطفل المٌحرمة عن الجنس والسياسة وقٌدسية الحاكم. إن تعليمنا الطفل صعوبة الثقافة الجنسية مثلاً هو الذي جعلنا نتأخر عن إفهام الطفل ظاهرة أصلية لا يلبث أن يمارسها لاحقاً في حياته. ومثال ذلك ما يسري على السياسة وقدس الحكومات مهما كان ظلمها وصعوبة مناقشتها من الأفراد والمحكومين.

فالإنفتاح على أسئلة الطفل في دلالة (الله) العظيم بحرمة تٌهون انفتاحه على ظاهرات أرضية وتجعل من الطفل فرداً  حٌراً  يبحث عن الحقيقة.

* * *

إن الطفل، أي طفل، فيلسيوف مبكر. فيلسوف يسألأ ولا يجيب حتى إذا لم يجد جواباً في من سبقه عٌمراً عمَد إلى وضع أجوبة من عنده. ولهذا ظنَ بعض الكبار  أن الفلسفة تراثٌ طفولي إمتدَ به العمر وبذلك فرق هذا (البعض) بين الدين والفلسفة بإعتبار الأخيرة مثيرةً لأسئلةٍ لا جواب لها. 

إن للدين فلسفة تٌعلم الإنسان ضرورة الإيمان بالله ونعتقدٌ أن فلسفة الإلحاد شيٌ عابث ينطلق بها أصحابها من منطلق العجز عن الإجابة. إن أسئلة الطفل الثلاث التي ذكرناها (معنى الله؟، أين الله؟، كيف الله؟) هي أسئلة فلسفية  مٌبكرة مما يؤكد وجود فلسفة للدين الذي تَدرج بالإنسان من مرحلة تعدد الآلهة وطوطمية الإنتماء وتابوية المصير إلى مراحل الدين السماوي الذي توفرت فيه عناصر الإله الواحد ومٌبلغ الرسالة (الملاك)، والمحتوى (الكتاب المٌنزل) والرسول المبعوث، وهذه الثلاثة (الكتاب والوحي والنبي) ليست مثيلاً للوسيطية التي فيها الصنمية، بل أنها تبسيط واقعي لطريقة تبليغ الناس بالرب الواحد خالق كل شيء.

وهنا تجب علينا إجابة الطفل الذي قد يكون ذكيَاً فيسألنا عن الفَرق بين الصنم الذي يتوسله الناس وصولاً إلى الله ومفردات الدين السماوي الذي يتسلسل على النحو الآتي (إله        ملاك          كتاب          رسول بشري). هذا الفرق يتوضَح أما الكفل، إذا استطعنا توضيحه كالآتي:

1- الصنيم يصنعه الناس بأيديهم حجراً  أو حيواناً  أو نباتاً  أو طائراً  خرافياً بإتجاه الله. بينما يبدأ الدين السماوي من الله وبأمره عبر الملاك المٌوحى  وضمن محتوى الكتاب وعلى لسان النبي، نزولاً من الله بإتجاه البشر.

2- مفردات الدين السماوي مفردات نقاش تملك حركة اللغة وحياة الخطاب وقوة الحجة بينما لا تملك مفردات الوثن إلا الجمود وفقدان الحجة.

إذا استطعنا أن نضع أمام الطفل مثل هذا الإيضاح نكون أستطعنا تحطيم مفهوم الوسيطية عنده والجأناه بمحبةٍ ولطف إلى فهم الفَرق بين الصنم الجامد والدين المتحرك حتى في فهم الثوابت وعلى رأسها  الله الواحد الأحد.

 

د. ريكان إبراهيم

 

علي جابر الفتلاويوردت عدة آيات في القرآن الكريم فيها كلمة دين ومشتقاتها، قبل أن نبحث في الآيات ومعانيها ودلالاتها، نبين المعنى اللغوي لمفردة دين.

الدِّيْن: واحد الدّيون؛ تقول دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مَدين ومَدْيون كثُر عليه الدَيْن. الدِين: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَه دِيناً أي جازاه، يقال: كما تدين تُدان، أي كما تُجازِي تُجازَى، أي تُجازَى بفعلك وبحسب ما عملت.

 قال تعالى: (أئنّا لمدينون) الصافات:53. أي مجزيون محاسبون، ومنه الدّيان، في صفة الله تعالى.(1) المعنى اللغوي في الاتجاهين وارد في القرآن الكريم، دَيْن بمعنى القرض، ودِين بمعنى الجزاء والمكافأة بحسب العمل، مع اشتقاقات لمعاني أخرى من المعنى الثاني الذي فيه دلالة على الثواب والعقاب والجزاء، ودلالات اخرى.  قال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدَيْن إلى أجل مسمّى فاكتبوه وليكتُبْ بينكم كاتب بالعدل) البقرة: 282. الآية تتحدث عن الدَّين بمعنى القرض، وهي أطول آية قرآنية أقتبسنا منها ما له علاقة ببحثنا، وفيها عدة أحكام فيما يتعلق بالمعاملات: (ينظّم الاسلام المعاملات ويجعلها في مسيرتها الصحيحة، تخدم التداول وتسدّ الاحتياجات في إطار من الثقة والاطمئنان، بعيدا عن أي نزاع أو سوء تفاهم. فالمجتمع الإسلامي المفروض عادل متعاون لإحقاق الحق.)(2)

بداية الآية تؤكد أنه إذا تعامل مسلمان بدَيْن: وهو كلّ معاملة فيها تأجيل لدفع أحد العوضين فالمستحسن لهما أي الدائن والمدين كتابة وثيقة التعامل بما لا يدع مجالا للنزاع في كيفيّة التعامل ومقدار الدّين، وليكن الكاتب شخصا عادلا فلا ينحاز إلى أحد الطرفين، ولا يتعدى الحدود والحقوق. (3)

أمّا كلمة دِين فقد جاءت القرآن المجيد في عدد من الآيات، وتعطي معنى الجزاء والمكافاة، وأن الدِين عند الله الإسلام وأن الدِين لله، ومعاني أخرى ضمن هذا المحور، قال تعالى: (إنّ الدِّين عند الله الإسلام) آل عمران: 19. يقول ابن كثير في تفسير الآية: إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرّسل فيما بعثهم الله به في كلّ حين حتى ختموا بمحمد (ص) الذي سدّ جميع الطرق إليه إلّا من جهة محمد (ص)، فمن لقي الله بعد بعثة محمد (ص) بدين على غير شريعته فليس بمتقبّل كما قال تعالى (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) آل عمران: 85 . أضاف ابن كثير: الله يخبر بانحصار الدِّين المتقبّل بالإسلام.(4) ويقول محمد متولي الشعراوي: إنّ معنى ذلك أنّ هناك دينا لغير الله، فيه خضوع واستسلام، وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس دينا لله ولا دينا عند الله، إنّ الدين المعترف به عند الله هو الإسلام، والدين يُطلق مرّة على الملّة، ومرة أخرى على الشريعة فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة، فلك أن تسميها شريعة، وإن أراد المؤمن الطاعة والخضوع وما يترتب عليهما من الجزاء، فليسمها المؤمن الدِّين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم فليسمها الملّة.(5) أرى انّ الشيخ محمد الشعراوي لا يعتمد في تفسيره للآية: (إنّ الدِّين عند الله الإسلام) على الاختلاف اللغوي، بل يعتمد على أرادة المتكلم في المعنى الذي يقصده، فعنده أنّ الدين قد يأتي بمعنى الملّة أو الشريعة أو الدِّين بمعنى الطاعة والجزاء، حسب إرادة ونيّة المتكلم.

قوله تعالى: (إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنّ إلّا وأنتم مسلمون) البقرة:132. أي أثبتوا على الإسلام حتى الموت، لأنّه الدين عند الله، كي تٌبعثوا عليه، وتقابلوا الله به. (6) ومن الآيات في هذا المحور ايضا قوله تعالى:(أفغير دين الله يبغون وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يُرجَعون) آل عمران: 83.  جاء في التفسير المعين: أسلم: خضع وانقاد، طوعا: بإرادتهم واختيارهم، وكرها: رغما عنهم.(7) وجاء في تفسير المختصر المفيد: إنّ دين الله هو الإسلام الحقيقي، فإذا صدق أهل الكتاب في دعواهم اتباع دين الله فليتّجهوا إلى الإسلام الذي تصدّقه الفطرة والأدلّة القاطعة، حيث أسلم الجميع طوعا أو قهرا لله الخالق العظيم والغنّي المطلق، إذن فلتسلّم الإنسانية أمرها لله خالقها، ولترجع إليه في تنظيم حياتها، كما سترجع إليه يوم القيامة فيحاسبها على مسيرتها، ومدى التزامها ميثاقه وعهده. (8) ومن الآيات التي تؤكد أن الدين لله، قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين لله) البقرة: 193 .(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله) الأنفال: 39. يقول محمد جواد مغنية: إنّ الجهاد من أجل الإيمان بالله والقضاء على الجحود واجب، فإذا آمن الناس جميعا بالله سقط وجوب الجهاد، أما الجهاد من أجل انتشار الإسلام مشروط بإذن الإمام العادل، ولا يجوز من غير أمره، أمّا الجهاد دفاعا عن الدين والنفس فإنّ وجوبه مطلق غير مقيد بشيء. (9)

قوله تعالى: (وله الدين واصبا) النحل: 52. المراد بالدين هنا الانقياد والطاعة والواصب الدائم، وإذا كان الله خالق ومالك كلّ شيء، وجب الثبوت والاستمرار في طاعته دون سواه.(10) قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفُلك دَعَوا الله مخلصين له الدين فلمّا نجّاهم إلى البّرِ إذا هم يشركون) العنكبوت: 65.قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظّلل دعوا الله مخلصين له الدين فلمّا نجّاهم إلى البرِّ فمنهم مقتصد) لقمان:32 يقول البيضاوي في تفسير آية سورة العنكبوت: هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر صاروا في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، إذ لا يذكروا إلّا الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشّدائد إلّا الله، فإذا أنجّاهم الله ووصلوا البّر عادوا إلى الشرك.(11) والآية من سورة لقمان، تفسيرها: الإنسان المتقلب يؤمن بالله ويلجأ إليه عندما يغطيه الموج كالسحاب، فإذا منّ الله عليه وأنجاه إلى برّ الأمان راح البعض يجحد بآيات الله، نتيجة عنادهم وكفرهم. (12)

 نستوحي من معنى الآيتين أن المشركين والكافرين والمعاندين يعرفون أن الله هو الخالق المنجي ولا يوجد سواه، لكن عندما يعيشون في الراحة والنعيم ينسون أو يتناسون الله الخالق العظيم. هناك آيات تشير إلى يوم الدين، وهو يوم القيامة، نذكر هذه الآيات: قال تعالى: (مالك يوم الدين) الفاتحة:4. الدّين الجزاء والحساب، هذا تأكيد على حقيقة المنتهى، حيث يقوم الناس لربِّ العالمين، ولهذا التصور الواسع للحياة أثره في مجال حمل المسؤولية والترغيب والترهيب، والتوفيق بين المصلحة الذاتية والاجتماعية.(13) قوله تعالى: (وإنّ عليك اللعنةَ إلى يوم الدِّين) الحجر:35 الخطاب إلى الشيطان الذي عصى أمر ربّه، (وستشمله اللعنة الإلهيّة إلى يوم القيامة)(14) وهناك آيات تصف يوم القيامة أنّه يوم الدين منها: (والّذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يومَ الدين) الشعراء: 82.

 يقول الطباطبائي: أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، ولم يقطع الله تعالى بالمغفرة فهي ليست بالاستحقاق بل هي فضل من الله، فليس يستحق أحد على الله سبحانه شيئا لكنّه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإماتة والإحياء لكلّ ذي نفس، ولم يقضِ المغفرة لكل ذي خطيئة.(15) قوله تعالى: (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدِّين) الصّافات: 20. وقوله تعالى:(وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين) ص: 78. يقول الشيخ محمد هويدي: يوم الدين هو يوم الحساب(16) قوله تعالى: (فأقم وجهك للدِّين حنيفا فطرة الله الّتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) الروم: 30.

فسّر الطبري الآية بقوله: سدّد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربّك يا محمد لطاعته وهي الدين، (حنيفا) مستقيما لدينه وطاعته، (فطرة الله التي فطر الناس عليها) صنعة الله التي خلق الناس عليها.(17) وفسّر الطباطبائي الآية::أقم وجهك للدين والزمه، فإنّه الدين الذي تدعو إليه الخلقة الإلهية. فقوله: (فأقم وجهك للدين) المراد الإقبال عليه بالتوجه من غير غفلة منه كالمقبل على الشيء بقصر النظر فيه بحيث لا يلتفت عنه يمينا وشمالا، والظاهر أن اللام في الدين للعهد والمراد به الإسلام، للإنسان فطرة خاصة تهديه إلى سنّة خاصة في الحياة، وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلّا أنْ يسلكها خاصة، وهو قوله تعالى في الآية الكريمة.(18)

الشيخ محمد جواد مغنية، فسّر الآية بتفصيل أكثر مع تضمين التفسير رؤاه كعالم مجتهد عاش عصر الحداثة والتطور العلمي، ننقل تفسيره باختصار:

هذه الآية تقرر أصلا هاما يرتكز عليه الإسلام عقيدة وشريعة، ويدلّ أنّ تعاليم الدين تهدي إلى الرشد والوفاء بمطالب الحياة ونموها وتقدمها، إذا فُهِم الإسلام على أساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتعني كلمة الفطرة عند تعميمها واطلاقها غريزة في داخل الإنسان، تقبل الخير حين تعلم أنّه خير وتلتزمه لا لشيء إلّا لأنّ الخير يجب أن يُقبل ويُلتزم، وترفض الشّر حين تعلم أنّه شرّ أيضا، لا لشيء إلّا لأنّ الشرّ يجب أنْ يُرفض ويُجتنب .. هذا إذا خُلي الانسان وفطرته التي فطره الله عليها، ولم تدنسها العادات والتقاليد، وتلوثها الأهواء والأغراض، وهذه الغريزة عناها الرسول الأعظم (ص) بقوله:  كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصّرانه. وكلمة (حنيفا) تعني من استقام على فطرة الله التي فطر الناس عليها مبتعدا عما يدنسها من الأهواء والاغراض. والمراد من قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله) أنّ الدين عند الله قائم وثابت على أساس هذه الفطرة لا يحول أو يزول عنها. وهذا إشارة لأن يلتزم العباد الدين قولا وعملا. الآية بمجموعها تدلّ على أنّ الدين يرتبط بالفطرة، ولكن ليس معنى هذا أنّ الفطرة هي المشرّع والآمر الناهي، وأنّ وظيفة الدين هي الكشف والتعبير عن أحكامها.. كلا، فإنّ الله الذي خلق الدين والفطرة هو المشرّع الأول، القصد من الآية هو تحديد المقياس الذي نقيس به دين الله، وأنّه بما فيه من عقيدة وشريعة وأخلاق ينسجم مع فطرة الناس ومصالحهم، هذا هو الضابط والفاصل بين أحكام الله وأحكام غيره، أما أقوال العلماء من الفقهاء والمفسرين والفلاسفة ليست هي أصل من أصول الإسلام ولا يصح الاعتماد عليها كدليل شرعي – لا يعتمد على الاجماع في العقائد، ولا في المسائل الفقهية مع الاحتمال أنه لم يكشف عن رأي المعصوم – لأنها تعكس اجتهادهم وفهمهم للدين وأحكامه، ولا تعكس الدين كما هو في حقيقته، ويخلص مغنية إلى نتيجة، أن الإسلام لا يرفض بقية الأديان والمذاهب بكل ما فيها، بل ينظر إليها نظرة المدقق المنصف فيقر منها ما يتفق مع الفطرة، ويرفض ما عدا ذلك.(19)

 

علي جابر الفتلاوي

.............

المصادر

(1): اسماعيل بن حماد الجوهري، معجم الصحاح، ص380 .

(2): محمد علي التّسخيري، ومحمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص48.

(3): المصدر نفسه.

(4): اسماعيل بن كثير، تفسير ابن كثير (تفسير القرآن الكريم)، ج2،ص52. عن موقع القرآن الكريم للجميع، www.quran-for-all.com.

(5): محمد متولي شعراوي، عن موقع: مصراوي: www.masrawy.com.

(6): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م1، ص209.

(7): الشيخ محمد هويدي، التفسير المعين للواعظين والمتعظين، ص60.

(8): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص60.

(9): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م1، ص299.

(10): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م4، ص520 – 521 .

(11): عبد الله بن عمر البيضاوي، تفسير البيضاوي، م3، ص335 .

(12): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص414.

(13): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص1.

(14): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص264 .

(15): محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص203 .

(16): الشيخ محمد هويدي، مصدر سابق، ص446، ص457 .

(17): محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن، ج18، ص407.

(18): محمد حسين الطباطبائي، مصدر سابق، ج16، ص417 – 418 .

(19): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م6، ص141 – 142 .

 

 

عادل بن خليفة بالكحلة(1555-1605م.غ):

دولة ناجحة وتسامحية توحّد الهند لأوّل مرة


1- الهند تحاول التعرف على النبي محمد والإسلام/ تماثل بين البرْهَميّة والإسلام:

إذا كان بإمكاننا أن نرفض ادعاء «رَتَن» الهندي الصحبة لرسول الله وأنه ذو 600 سنة؛ وإذا كان بإمكاننا أن نرفض ادعاء الملك الهندي «سَرْبَاتك» الصحبة وهو في القرن الثامن الهجري؛ فإنّ ما رواهُ أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخُدْري من أن ملكا من ملوك الهند أهدى إلى الرسول «جرّة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة»[1]. قال الحاكم: «ولم أحفظ في أكل رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، الزنجبيل سواه». وهذا ربما من أمارات صحة الخبر.

في صَلاَلة، بظَفار، أي بدولة عُمان الراهنة، ضريح تنسبه الذاكرة العمانية إلى ملك من ملوك مَلِيبار (شِيرْمَان فَرْمال)، سمع بالدعوة المحمدية، فزار النبي، ثم رجع باتجاه بلاده، ولكنه توفي بطريق الرجوع. ولعل ما يقوّي مُدّعَى الذاكرة العُمانية، أن الذاكرة المَلِيبارية تدّعي نَحْو ذلك مُبْتَنِيَة مَسْجدا باسمه عام 622م،غ في كَدَنْغلور في مليبار[2]. وفي الحقيقة فإن لمَلِيبار علاقات تجارية قديمة بالأقطار العربية- الجزيرية.

وما يَهمّ، حتى في الأخبار التي وقع استبعادها، أن الهند طالِبةٌ الصحبةَ مع رسول الإسلام، وطالبةٌ لِعَراقة في الإسلام، رافضة لبداية إسلامها بقهر أموي أو بتدمير سَبُكْتُكِينيّ-غَزْنَوي.. وذلك الطلب الهندي غير الواعي إنما يعود إلى تماثل كبير بن اللاهوت البَرْهَمِي واللاهوت الإسلامي- المحمدي. وهو سابق على الفكر الأموي والغزنوي.

فمؤسس اللاهوت البرهمي هو بْرَهْمَا أو «إبراهيم» (والتشابه اللفظي واضح بين الكلمتين) وزوجته «سَارَاسَفاتي» (غير بعيد عن :«سَارَّة» كان لها ولدان، أحدهما تعرّض لامتحان إلهي تمثّل في طلب الله منه ذبح ابنه، ففداهُ لما أطاعاه بـ﴿ذَبْحٍ عَظِيم﴾..

وإله البراهمة ربٌّ يسْكُن في السماء ليس له شكل ولا حيز، خلق كل شيء. جاء في الفيدا: «إله واحد لا ثاني له» (الفصل 6، الفقرة2، الآية1)، وجاء في الأوبانيشاد : «ذلك الإله ليس له أبوان أو سيد» (الفصل6، الآية6).. وجاء فيه أيضا: « الإله لا صورة له» (الفصل4، الآية19).. في البرهمية خَلَق الله الإنسان من طين، وخلق له أنثى، «ثم ساد الطوفان بعد فساد البشر، لتعود الأرض من جديد إلى الإنسان»[3]. ومَعْبدهم يشبه مسجد المسلمين. ومَعْبدهم يشبه مسجد المسلمين. «وتتشابه صلواتهم كثيرا مع صلوات المسلمين فيقفون على سجادة صفوفا فيضمون أياديهم إلى بطونهم يمسكون الواحدة بالأخرى، ويسجدون ثم ينهضون ويتمتمون بكلمات الصلاة»[4].

2- صدمة محمود الغزنوي وتسامحية البيروني:

يكتب المؤرخ الهندي المسلم محمد قاسم فرشتهِ (ت. 1620) مِن مَصَادِر هندية (إسلامية وبرهمية) أن 400 مليون بَرْهَميّ قُتلوا، وأن ملايين استعبدوا وخُصُوا، وأهم تدمير ديمغرافي وعِماريّ لهم كان على يد محمود بن سُبَكْتِكين الغزنوي (971-1030م.غ)[5]. كانت صدمة عظيمة أقامت قطيعة مع الرغبة الهندية في تمثُّل الإسلام، مُنْتِجةً رُهابا بَرْهميّا منه، ورفضًا في التفاعل معه. ذلك رغم أن أبا الريحان البيروني، المعاصر لمحمود الغزنوي، كان يكتب: في التحقيق ما للهند من مَقُولة باحترامٍ شديد للديانة البرهمية دون تكفير أو استهجان، وبعد بحث ميداني دام سِنين، ومِنْ مصادر الديانة باللغة الأصلية (السُّنْسَكْرِيتية)، ليؤسس العلوم الانسانية لاول مرة[6]. ولولا الاختراقية الإنسانية التصوفية للأديان ومنها البرهمية، لكان هذا الرُّهاب مستحكِما وعميقًا في الثقافة الهندية، ولا يمكن اجتثاثه.

كان أبو محمود، ثم ابنه إسماعيل، فمحمود، وُلاة من وُلاة الدولة السامانية، ثم انشقّ عليها ليقتل آخر ملوكها. وفي عام 1026 «انتزع الري من مجد الدولة البويهي واقتاده إلى عاصمته غزنة»[7]، ودولة بني بُوَيْهٍ هي دولة الحرّيات الدينية والتطوّر العلمي والتِّقَاني[8]. وقبل ذلك كان عام 1006 في حملته الرابعة ضد أبي الفاتح داود، زعيم حركة الباطنية، إذ اعتبره محمود الغزنوي «كافرا» و«ملحدًا»، مستوليا على مُلتان والبنجاب. وقد كان يُكره البراهمة على الإسلام، وعندما انشغل بحروب الشمال ضد الترك المسلمين وغير المسلمين، استغل صوبحال الفرصة ليرجع إلى دينه الأصلي عام 1008. فكان الانتقام منه ومن قومه رهيبًا.

وتتالت حملاته على المدينة البَرْهَمية المقدَّسة زان وُرْ شمال دِهْلِي لهدْم «صنمها» الأكبر وجمع الغنائم منها، وقد حمل ذلك «الصنم» إلى غزنة بعد انتصاره عام 1014، فازدادت جاذبيته للترك فجاءَه من آسيا الوسطى 20 ألف متطوّع. ومُنَذَئذ لم تقف أمَامَهُ قوة. وكانت حملته السادسة عشر على البراهمة، من أعظم الحملات العسكرية في التاريخ قاطبةً، وهي معركة سومنات عام 1026 مزيلا «صنم» «شيفا» ومؤذّنا في معبدها، رغم ان ذلك محرم في الاسلام. ومن العجيب أنه جعل عتبات قصره ومسجده من «أصنام» هيكل سومنات.

وفي الحقيقة، لم يحطم رسول الله «صنما» واحدًا لأي قبيلة قط، ولو أراد ذلك لفعله من باب أولى في مكة وفي الكعبة في بداية دعوته، لأنه كان يعرف أن الصنم يُصنع في الذهن قبْل أن يُصنع في الخارج، فلا فائدة من إزالته بالخارج ما دام لم يُقلع- بالمجادَلة العقلية بالتي هي أحسن- من الذهن. وكنّا نرى، في سيرته، أن القبيلة عندما تؤمن بدينه بَعْد حِوار، تقوم هي بنفسها بإزالة أصنامها. وليست كل التماثيل أصنامًا، فلقد أبقى رسول الله بالكعبة صُور المسيح مع والدته لأنها لا تحمل إضافات شركية على الوحدانية الإبراهيمية[9].

3- ترجمة رجل عظيم:

وُلد محمد جلال الدين أكبر عام 1542م.ع في السِّنْد. تشرّدت العائلة بعد أن فقدت حكمها، لتعيش سنوات منفى في إيران الصفوية، ثم أفغانستان. في الأثناء كان الوريث الطفل فالمراهق، يتعلم الصيد وعلوم الدين والحكمة والسياسة وترويض الفهود والفيلة. في عام 1555، أصبح وهو ذو 13 سنةً «ملكَ ملوك»، بعد أن اكتسب «خبرة كافية باستعمال الأسلحة، وشاهد الكثير من المعارك أثناء صحبته لأبيه في منفاه»[10]. وكان الوصي عليه بيرم خان، رجل الدولة الصفوية سابقا. تخلص من وصايته لما تمرد عليه، وعفا عنه سامحا له بالحج إلى مكة. بدأ وعمره 15 سنة، في مشروع توحيد الهند والأمة الهندية بمستشار إيراني أمين هو "أبو الفضل". من أهمّ من تأثر به المَهَاتْمَا غَانْدِي.

جلال الدين محمد أكبر هو أعظم ملوك الهند جميعا. وذلك لأنه حَكَم نحْو 50 عامًا، ووحَّد البلاد لأوّل مرة، وجعل أهلها أكثر رفاهة وأبعد عن الفقر، وفرض التسامح الديني، بين عامي 1556 و1605م.غ.أطلق عليه الهنود لقب «أكبر»، أي «البالغ في عظمته حدّا بعيدًا»[11]، لأنه فعلاً كان أعظم ملوك الهند اذ هو أول موحد لها ولأمّتها رغم صعوبة ذلك.

عام 1562، لما بلغ أكبر، تحالف مع الراجا البَرْهَمي «بِهَارِي مال العنبري»، متزوجًا ابنته التي أصبحت تسمى «مريم زماني»، ولم يكرهها على الإسلام. «كرّس هذا الزواج الاتحاد الأقوى بين الأمراء الرَّجْبوت مع العائلة المسلمة الحاكمة، مسجّلا عهدًا جديدًا في سياسة أكبر»[12]. كانت الحياة المتشرّدة لأكبر قد عرفت في شبابه بمصاحبة أبيه هُمايون، مثال الحكم الذي قدَّمَهُ شَارْ شاهِ، وتعاليم رجل الدولة والعسكري بيرم خان الذي كان في خدمة الشاه الصفوي طهماسب ثم في خدمة هُمايون، «توحي بتعاطف مع أهل التشيع، وجعلتْه يفكر طويلا في الوسائل الضامنة للهند حكمًا مستقرا وقادرْا على توحيد العصبيات المسلمة البرهمية المختلفة»[13].

كان أكبر، كجُلّ تُرْك آسيا الوسطى وَرعًا سنّيّا، ولكنّ «روحه نزّاعَةٌ نحو التصوف، جعلته حَانِقًا على التضادّ الدائم بين أهل التشيّع وأهل التسنن، وعدم تسامحهم تجاه المعتقدات البَرْهَمية»[14]. «فلقد أصبح مُريدًا لوليّ صوفي هو معين الدين الجِشتي، على الضريح، الذي يصلّي عليه أحيانا كثيرة. ولم يلاقِ هناك المسلمين الصوفيين فقط، والذين كان يُسَرُّ برعايتهم، ولكن أيضا البراهمة الذين يأتون هم أيضا إلى زيارة قبر هذا الولي ناسبين له الكرامات العجيبة. وهناك يتردّد أيضا مسلمون عديدون اعتنقوا الإسلام محتفظين بتقاليدهم البَرْهمية»[15].

4- المشروع الأكبري لتوحيد الهند وأمّتها: مَسارُ الإصلاح:

كان في شبابه قد تلقّى دراسات، جعلتهُ يحمل إعجابًا كبيرًا بالأشعار الفارسية، لجلال الدين الرومي (ومنه لقبه: «جلال الدين») وحافظ الشيرازي اللذين مجَّدَا التسامح ونوعًا من النزعة الإنسانية. و مُنذ أن تحرر من وصاية بيرم خان، دفعه ذهنه القلق بحقيقة تتفلّت منه، للبحث بنشاط عن مصاحبة أولياء زمنه، سواءًا كانوا براهمة أو مسلمين. «عام 1562، لاقى- أثناء مَصيدٍ، رؤساء دين جوّالين ينشدون بركات الولي معين الدين الجشتي، عازمين على زيارة الولي في عَجْمر». وقد تزامن ذلك مع مهمة تحالفية مع بِهاري مال. «فهم أكبر أن جيوشه لا تستطيع أن تأمَل فتح الهند دون مساعدة المحاربين الرَّجْبوت»[16]؛ وهم لن يتعاونوا معه إذا لم يكن متسامحًا مع دينهم. هُنا أصبح «الفتح» معناه فتح قلوب الهنود لا الاحتلال الغزنوي.

في العام نفسه، حرَّم على جنوده استعباد عائلات المنهزمين، ذلك التقليد الذي استمر منذ تدمير محمود الغزنوي للبراهمة بين عامي 1001م و1027م، بعد أن حطّم حضارة المسلمين السَّامانية والمذاهب الإسلامية التي تخالف مذهبه.

وفي سنة 1563 ألغى الضريبة على الحج، البرهمي والمسلم، «محتجّا بأن هذه الضريبة تَعُوق حرية العبادة من ناحية، وتضرّ بالمُعَامَلات التجارية. وفي عام 1564 أبْطَل «الجِزْية»، «معتبرًا أن هذه الضريبة مميِّزة، تَقْسم البلاد بَدَل أن توحدها، و تَمْنع الرَّجْبوت من المساهمة في مشروعه الفتحيّ»[17]. وهكذا أحس الرّجْبوت أنهم مساوون للمسلمين، فأصبح حماسهم للمشروع عظيما. كما أحس معظم البراهمة أن بالإمكان أن يكون دينهم موجودًا إلى جانب دين المسلمين داخل الدولة الهندية المسلمة.

وفي الحقيقة، تحصر سورةُ التوبة «الجزية» (= الجزاء المالي)، عقوبةً على المعتدين: ﴿قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسولُهُ [نقض المعاهدات كما جاء في الاية الاولى من السورة] وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ [وليس كلهم، ففيهم الذين لهم ود ومسالمة وحفظ المعاهدات] حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾. أما سورة الكهف فتجعل الملك الصالح ذا القرنين لا يقبل ضريبة من المنهزمين ﴿قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ﴿٩٤﴾ قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ ﴾.

ولكنْ، إذا كانت الشعوب البَرْهمية مُرتاحة جدّا لهذا «القرار»، فإنّ «المتعصّبة السنّيون بالبلاط لم يقبلوه إلا بتحفظ، وخاصة العلماء الأرثوذكس، الذين لم يكونوا بعد عشر سنوات، عُزَّلًا، محاولين إعادة هذه «الجزية»، دون نتيجة»[18].

استطاع محمد جلال الدين أكبر أن يوطِّد سلطتَهُ، ذلك ما جعل هيمنة التسلطِيّين من الطائفة الأكبر تتقلص إلى العجز، مثل شِيرْ شاه مُورِي، إذْ قدَّم المَلِك توقيرًا كبيرًا تجاه «العلماء» والقضاة، متصرِّفا مثل السُنيّ المحافظ، دون السماح لهم «بالمبادرة الأدنى لمعاكسة أهدافه السياسية. وفي الآن نفسه، لم يترك الشيعيّين، الذين يَبْدو أنهم كثيرون ببلاطه، خاصة بين النبلاء القادمين من بلاد فارس أن يأخذوا هامّيّةً ما في شؤون الدولة، حتى وإنْ كان بعضهم، مثل الإخوة الجيلانيّين الثلاثة (حكيم أبو الفتح، وهُمايون، وهُمان)، مواضع ثقته، حريصين حقيقةً في محاوَلتهم استجلاب الحاكم لمقاسَمَتِه عقِيدَتهُم. فقد واصَل أكبر في مساندة السّنيّين، جاعلاً نفسه- في الآن عينه- ضِمْن المنتسبين لطائفة لمّا يجدون أنفسهم في مَرْمَى اضطهادات العلماء»[19]. فلقد أصبحت الهند في عصره مَسْرح أنشطة كثيرة جدًّا لكل طوائف الإسلام  وكل طوائف البرهمية، وغيرها من أهل الأديان.

وقد كانت جميعًا مُخْترَقة بالحركات الاجتماعية الصوفية، وخاصة أتباع الجشتي والسُّهْرَوَرْدي والشَّطّاريّ وعبد القادر الجيلاني ونَقْشْ-بَنْد. ودون أن ينتمي محمد جلال الدين أكبر إلى التنظيم الجِشْتي، كان «يُظْهر دائما نزوعًا كبيرًا نحو مؤسّسيه»[20]. ورغم إظهاره لكثير من التقدير في بعض الزمن للنَّقْش- بَنْدِيّة إلا أنهم لم يَعْرفوا إلا نجاحًا محدودًا.

على الساحة البَرْهَمية، كان من نتائج سيادة الحرّيات الدينية، ظهور حركات تجْنح لمصالحة وحدانية الإسلام مع الأطروحات البرهمية، مثل الحركة البْهَكْتيّة المتأثرة بالتصوف، وفي عام 1470م، أعلن «كبير» تمازجًا برهميّا- إسلاميّا، وبعد بضعة سنوات أسس حواريُّهُ نَانَاك طائفة «السِّيخ» (أي طائفة «الحَوَاريين»). وغيرُ هؤلاء بغرب الهند كثير. وليس غريبا أن نَانَاك بدأ إصلاحيته الدينية بمصادَفة متصوف مسلم، ثم بارتحاله إلى مكة والمدينة. وما استعارة الألفاظ العربية والفارسية في نصوصه، مجرد استعارة لفظية، فلقد جعل فريد الدين الجِشْتي من مصادر إصلاحيته و جعل نصوصه نصوصا مقدّسة، رغم أنه متوف عام 1265م.

عام 1587، «حظر على المسلمين، كما البراهمة، بالزواج اكثر من زوجة «شرعية» واحدة[21] وبرّر ذلك بقوله: «أن يكون لك أكثر من زوجة هو عمل ضد ذاتك الخاصة (...). لو كنت عاقلا في حياتي لما تزوجت امرأة من مملكتي بحريمي، لأن كلّ رعاياي هُم بالنسبة إليّ أبنائي»[22]، ولتسهيل فهم المثقفين بالبلاد للأديان وتقاليد البراهمة، أسس وزارة ترْجمة، «مكلّفة بالترجمة باللغة الفارسية التي هي اللغة الرسمية للبلاط والإدارة، للنصوص الدينية والعلمية البرهمية»[23].

ومثلما كان موسيقيّا مُرْهَفًا، كان رسَّامًا كذلك، وباعتبار أنه كان فقيها مجتهدًا، فقد حلَّل الرسم والنحت: «لقد بدا لي أن للرسام طريقة خاصة في الإقرار بالله تعالى، لأنه عندما يصور كائنا حيّا وعندما يصور أعضاءه عضوا عضوا يحس بأنه غير قادر على إعطاء الذاتية لعمله، وهو مضطر في هذا الحال إلى التفكير في الله واهب الحياة. وبذلك يزيد من حكمته»[24].

كان الرسم الذي شجعه، على الجدران وضمن الكُتُب، وظهر في عهده الرسم الشخصي لأوّل مرة عند المسلمين (مترادفًا مع ظهوره لدى جيرانه الصفويين)، وكان في العموم ذا مَسْحة فارسية. «أنشأ حتى ببلاطه ورشات رَسْمِ جمعت الفنانين [البراهمة] والمُنَمْنَمِيّين القادمين من فارس». ولكن أكثرية «الفنانين الرسميين بإدارة عبد الصمد [الإيراني] كانوا هنودًا، مسلمين، مثل [الشريف] مير سيد علي وفاروق بك، أو [براهمة] مثل دسْوَنْش وبَاصَاوَان وطارا شَنْد»[25].

وبتأثير «أبو الفضل» وأخيه فائزي، تُرجمت عديد الكُتُب الفارسية، خاصة التاريخية والشعريّة، بينما نُقِلتْ عديد النصوص السُّنْسَكْرِيتية إلى الفارسية. لم تضم مُحاورات المَلكِ التوحيدي ممثلي الدينيْن الرئيسَيْن بالهند، فقط، بل ضمت أيضا «المسيحيين واليهود، والفرس [الزرادشتيّين] واليانيّين، وحتى أتباع ديانة الكَرْفَاكا، وهي مدرسة للتفكير الإلحادي نشأت وازدهرت بقوة في الهند لأكثر من ألفي عام منذ نحو القرن السادس ق.م»[26].

كان الفقيه المجتهد الحكيم [الفيلسوف] رافضا لموقف «كلُّ شيء في ديني، ولا شيء خارجه». فقد كان «يفكر في المكوّنات الخاصة بكل ديانة متعددة الأوجه. وعلى سبيل المثال، بالتجادل مع اليانيّين، ظل أكبر متشككا في طقوسهم، لكنه اقتنع بحجتهم في ما يخص الالتزام بالنباتية، وانتهت به الحال لأن يَأْسَى بشدة لأكل كل أنواع اللحوم بشكل عام»[27]، بالأقل في أكثر أيّام السنة. ولكنه لم يفرض  ذلك  على  أمته. ومن الأكيد أن الطب الراهن يوافقه على موقفه هذا نسبيا.

يلخص محمد جلال الدين أكبر مشروعه في المفهوم العرفاني  «لَسُولْ كَحَل» (=«السلام للجميع»). ويلخص جوهره في رسالته إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني سنة 1582م: « بما أن معظم الرجال يتم تقييدهم من خلال روابط التقاليد، وبتقليد الطرق التي يتبعها آباؤهم ... يستمر الجميع، دون التحقيق في حججهم وأسبابهم، في اتباع الدين الذي ولدوا فيه وتلقنوه مستبعدين  أنفسهم  من إمكانية التحقق من الحقيقة، التي هي أنبل هدف للعقل البشري.  لذلك نحن نتواصل في مواسم ملائمة مع الرجال المتعلمين من جميع الأديان لكي نستفيد من خطاباتهم الرائعة وتطلعاتهم السامية»[28].

5- الملك أكبر والإسلام و«توحيد إلهي»:

منذ بدايات حكمه، كان أكبر «يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد في أوقاتها، بل لقد كان يقوم أحيانا مقام المؤذنين فيدعو الناس للصلاة»[29]. وذلك نادر جدّا في ملوك المسلمين حتى يومنا. واستمر حتى آخر حياته، في المذاكرات الدينية مع علماء المسلمين كل ليلة جمعة، في الفقه وتفسير القرآن الكريم، فالرجل مجتهد في كل العلوم الدينية[30].

وقد كان «يحترم علماء الدين والمتصوفة الزاهدين (...) فيقضي في حضرتهم الساعات الطوال، ولا يتردد في إجابة مطالبهم»[31]. وقد سمَّى ابنه «سليم» باسم الولي الجشتي[32]. وكان لا يبدأ عملا إلا بعد أن يقول: «يا هادي! يا معين!»، فكانت ذات حافز قوّي في نفسه وفي نفوس جنوده. وقد دفعه وازعه الديني إلى الإقبال «على دراسة القرآن والحديث، وساعدته حافظته القوية على استيعاب كل ما يلقيه أساتذته»[33].

وكان يرسل كل سنة «عددًا كبيرا من الحجاج إلى الحرمين الشريفين على نفقة الدولة، ويبعث مع أمير الحج الهدايا والتحف إلى والي مكة المكرمة، والنقود والغلات لأهل الحرمين. وكان يشيع الحجاج عند توديع قوافلهم محرما إحرام الحج، مقصرا شعره، ملبيّا، حاسر الرأس، حافي القدمين»[34].

وقد نشر القضاة بين أقاليم مملكته «ليحكموا  بين الناس بالعدل، تبعًا لأصول الشريعة الإسلامية»، وكان يجلس بين أيديهم ليثقفوه.

لم تكن دار الندوة العلمية التي بناها عام 1575 داعيًا إيّاهَا «عبادت فانه» (= دار العبادة) في مدينة فتح بورسكري مَعْبَدًا قُبَالة المَعابد الأخرى أو الأديان المختلفة. فما كانت إلا دارًا للتحاور بين مذاهب المسلمين بغية التقريب بين الآراء المختلفة»[35]. وفي أحد مجالس عام 1578، اشتد الجدل بين علماء المسلمين حتى كفّروا بعضهم، فسألهم: «مَنْ يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينية الواجب اتباعها إذا اشتد الخلاف بين الفقهاء؟»، فأجابهُ الشيخ مبارك: «إن السلطان يكون صاحب هذا الحق»[36]. فطلب منهم أن يُعْلنوا في مَحْضر الجلسة أنه «إمام عادل»، ففعلوا. وبذلك ضمن أنْ لا تهدّد خلافاتهم وحدة المسلمين بالهند.

ثم أصبح يفكّر في حلّ لأزمة الصراع القاتل بين براهمة البلاد ومسلميها، لتوحيد كل الهند لا هند الإسلام فحسب. فاستدعى علماء البراهمة للمشاركة في مجالس «عبادت خانه» (= دار العبادة). وهنالك تحدث الملك عن أضرار كثرة الأديان وتعددها، وعن ضرورة اكتشافهم القاسم المشترك بينها ليكون هو دين الجميع، فبذلك يعمّ الأمنُ الهند الموحَّدة وتستمر وحدتها دون انفصالات.

وقد سمَّى الملك هذا القاسم المشترك «التوحيد الإلهي» (=«توحيد-اي- إلهي» بالفارسية)[37]، و«يرْتكز على: توحيد الله (...)، وتقوم طقوسه على أسس من الصوفية»[38] المشتركة بين البرهمية والزرادشتية والإسلام. فالملك لم يُبْدع دينًا جديدًا، وإنما ساعد رؤساء طوائف الهند المختلفة على الوصول إلى ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ : ﴿قُلْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [كل أهل كتاب مقدّس حتى المسلمين] تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ﴾ (سورة آل عمران، الآية64)، فكل الأديان إنما تعود إلى أصل واحد. فمحمد جلال الدين أكبر إنما كان ينفّذ آية الكلمة السواء باحثا عن توحيد الأمة الهندية. وقد جعل يوم الأحد يوم تدشين الدخول إلى «توحيد إلهي»، حتى لا تشعر أي طائفة بتفوق تجاه الطوائف الأخرى بتمييز يومها المقدس، مختارًا يوم الأقلية المسيحية الأضعف ديمغرافيا. أما «تقديس» الشمس والنار فلا يعني تأليهًا لهما: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ (سورة المائدة، الآية 21)، وإنما يعني إعلاءًا لشأنها وشكرًا لخالقها على خلقه للبشر، فأول عنصر مؤسِّسٍ لـ«توحيد إلهي» هذا، هو توحيد الذات الإلهية.

استطاع أن يُوقف الممالك التابعة له لنسق إداري مُوَحَّد، في الشرطة والقضاء، وتَحصيل الضرائب، والتداوُل النَّقدي واشتغال الآلة الدّيوانية.

ورغم الحروب والمجاعات المحلية، «عرف المَعَاش الهندي في عهده، تقدّما حقيقيًّا، بفضل سياسة حكيمة في الجباية وتوزيع الأراضي. فلأوّل مرّة كانت الهند تنتج ما تستهلكه، وتستطيع التصدير بانتظام. وقد استفادت التجارة والفلاحة والصناعات من ذلك كثيرا»[39].

واستطاع تعويض اللغات الرسمية العديدة بكل مملكة بلغة رسمية واحدة هي الفارسية. وربما كان اختيار لغة غير هندية خطأً فادحًا، فلقد كان اختيار لغة هندية موحدة دافعًا لنجاح أكبر. ولكنْ ربما لم يكن له اختيار آخر، بينما لم يكن للسُّنْسَكْريتية سوى استعمال طقوسي. وكان التعبير الثقافي الأكثر اعتبارًا هو للفارسية[40]. وقد كانت الفارسية، عبارة عن «لنْغْوَا فْرَانْكَا» لكل الهند الشمالية. ولكنه في المقابل،  كان راعيًا طموحا «للأدب والشعر باللغة الهندية»[41]. ولظهور مدرسة هندية-مغولية- في الرسم والموسيقى والعمارة.

وبهذا المشروع العظيم، ظهر الحسّ القومي الهندي بعد أن كان غائبا، وقد أسس ذلك روحيّا التصوف العابر للطوائف، وجاء أكبر ليجعله متعينًا في دولة واحدة، وسلام دائم، ونقد واحد، وإدارة واحدة، ولغة رسمية واحدة.

6- دور الحكيم أبو الفضل في تأسُّس الوحدة الهندية الأكبرية:

مارس «أبو الفضل» دورًا جوهريّا في إيجاد «التوحيد الإلهي» وفي اختيار أعضائه وإقامة قواعده. هذا الرجل «النابغة، والعالِم، والكاتب، المنعوت أحيانًا بـ«الموجه الخفيّ» الأكبر (...)، كان له تأثير كبيرٌ في عقل أكبر، وعلى عقول عدد من مُعاصريه، رغم أنه جلب حقد بعضهم، وخاصة الأمير سليم»[42]. كان ذا طبع وعقل نافذ لحسّاسيّات الآخر. كان دارسًا عظيمًا في مختلف ثقافة الهنود آنئذ: في الثقافة السُّنْسَكْرِيتية وكذلك العربية والفارسية، وله الكثير من الخبرة بالديانات المختلفة، ومن ضمنها البرهمية والإسلام. وكان دائما الأب والأخ للملك الصغير محمد جلال الدين وصديقه الأقرب، وذراعه الأيْمن، قبل أن يصبح كاتبه، ولم ينفك عن دفعه إلى طريق «العدل والتسامح». إنه ينتمي –أصلا- إلى «المهدويين من الطائفة الشيعية، وكان دائما حسَّاسًا تجاه عدم التسامح»[43]. فمن المحتَمل جدّا أن الملك بحثِّه، أقام «عبادت خانه» التي مهّدت لمشروع «توحيد إلهي». ولقد نصحه بأن يَظهر كل يوم لشعبه من نافذته، حسب التقليد البرهمي، ليحبه شعبه أكثر.

«كان أكبر، المغولي العظيم، قد وُلد مسلما ومات مسلما»[44]، لكنه أصرّ على أن الدين لا يمكن أن يُفهم خارج العقل، حيث أن الإنسان لا بد أن يَقْبل-أو يرفض عند الضرورة دِينَهُ الموروث عن طريق العقل. وعندما هاجمه من التقليديون الذين احتجوا لمصلحة الدين الغريزي، أخبر أكبرُ صديقَهُ وقائده العسكري الذي كان محل ثقته، أبا الفضل: «إن معي العقل. ورفض التقليدية واضح وضوحا يجعله فوق الحاجة إلى الجدل. فإذا كانت التقليدية ملائمة، لما كان أمام الأنبياء إلا اتباع السابقين، ولما أتوا برسالات جديدة»[45]. فَسُرَّ أبو الفضل لأن تلميذه استوعب درسه جيدا.

وقد كان أبو الفضل، بداية من عام  1552 يترجم القصيدة الملحمية السُّنْسَكْرِيتية الكبرى «مَهَبْ- بَهَارَاتا» التي كان يكتب لها هو بنفسه مقدمة ترجمتِها، كما نقل إلى الفارسية عديد الآثار البَرْهمية وعديد الأناجيل، ذلك حتى يمكن للملك أن يَفْهم شعبه المتعدد الطوائف، فلا يظلمها بتعصب إذْ «مَنْ جهل شيئا عاداه».

كتب أبو الفضل[46]:

يا الله، داخل كل مَعْبد أرى الناس

تبحث عنك، وبكل لغة،

وأسمع الذين يدعونك

يقدّمون البرهمية والإسلام.

كل دين يقول: «أنت الأوحد دون كُفْءٍ»:

بمسجد، يَهمِسُون بالدعاء المقدّس،

وبكنيسة يقرعُ الناس الجرسَ لحبّك.

أحيانًاـ، أعود لِروَاق دَير،

[وأخرى] لمعبد برهمي،

وأحيانًا بمسجد،

ولكنْ دائما، أنت الذي أبحث عنه

من معبد إلى آخر[47].

7- مَواطن ضعف في المشروع الأَكْبري:

نقطة ضعف المشروع الأكبري الجوهرية أنها لم تُثبّت عناصر لاستمرارها بَعد أن يتوفى الملك. كان محمد جلال الدين أكبر يعرف أن محمد سليم ليس الوريث الأكفأ. فقد «كان واعيًا أن سليمًا لا يملك الخصائص العسكرية لهذا المشروع»[48]. ولكنه كان يتعلل بأن ابنه «مراد» توفي، وأن ابنه دانيال مشغول في الدّكن.

لقد كان لسليم طبعٌ تمرُّديٌّ، «وقد اضطر أبوه عديد المرات لمعاقبته، حاظِرًا عليه لعدة فترات طويلة أحيانا، ليعود فيقدم له كل يوم احترامه (...). ولكن في كل مرة يعفو أكبر عن حماقات ابنه»[49]. ولقد كان سليم حاسدًا حتى لـ«أبو الفضل» على حظوته لدى أبيه، رغم أنه هو صاحب الأيادي الأكبر على مشروع أبيه. ولقد أعلن لأبيه عديد المرات عن موالاته للتعصبيّة الموروثة، واعتراضه على «توحيد إلهي»[50]. وكان الأب يرى ما يؤكّد ان ابنه «عنيف، وصاحب نزوات تذهب أحيانًا إلى الاستبدادية والفظاظة المجَّانية، وذلك ما يجعل أكبر يأسف»[51]. وقد كتب أبو الفضل في أكبر نامه عن عِلم المَلِك بإدْمان ولي العهد على الخمر، وأنه خالف حَظر الملك للتّبْغ، وحظْره زواج الأقارب إذْ أراد الزواج مِن قريبته[52]، فشهوته كانت أقوى من عقله.

ليست وفاة «أبو الفضل، روح المشروع الأكبري سنة 1602، هي المبرر لعدم استمرار المشروع الأكبري، إنما لأن هذا المشروع لم يفكر في النظام السياسي الديمقراطي (أو «الجماعي» بلغة الفارابي) خاصة في مسألة «الوراثة»، دون ربطها بعائلة حاكمة، بل بإيلاف دُوَلي ينبغي أن ترتبط بِصحيفة (=«دستور»)، أو بالأقل أن تكون السلطة المركزية إيلافًا بين الملوك الذين يكوّنون الإيلاف.

كان محمد جلال الدين أكبر عاقلا في الدين وفي إقامة الأمّة والوحدة الهنديتين، ولكنه لم يكن عاقلا في تجاوز حكم الفرد نحو حكم الجماعة الدائم بشروط عقلانية (كالتي اشترطها الفارابي). فهل كان «أبو الفضل»، روح «توحيد إلهي»، لم يكن يعرف التوحيد الاجتماعي القَرْمطي، والتوحيد السياسي القَرْمَطي؟ وهل يمكن أن يكون التوحيد اللاهوتي العقلاني دون توحيد اجتماعي- سياسي وتوحيد عدالة اجتماعية بين الطبقات؟

8- الهند بين الإسلام السَّبُكْتَكِينيّ والإسلام الأكبريّ:

كان المؤرخ السلفي الهندي ذو الملة السَّبُكْتَكِينيّة، عبد القادر البدايوني (1540- 1615م)، اول من شوه سيرة اكبر ومشروعه بعيد وفاته. وقد كفَّر المشروع الأكبريّ دون الرجوع إلى مَصْدر من المصادر التاريخية التي عايش اصحابها الملك كامل حياته مثل «أكبر نامه» و«عَيْن أكْبَري»، فاتهمه بما لا نجده في تلك المصادر: «إباحة السجود للامبراطور»، و«عبادة الشمس والنار»، و«وضع الخنازير في القصر الإمبراطوري»، و«تحريم أكل لحم البقر على المسلمين»، و«تحريم تربية اللحى على المسلمين»، و«منع الآذان»، ومنع «صيام شهر رمضان»، و«تحويل المساجد إلى مخازن وقلاع»[53]، بل نجد في تلك المصادر نقيض ذلك تماما. أما ادعاؤه أنه «حارب دراسة اللغة العربية»، فنجد عكسه في مسيرته بتلك المصادر، وأما أنه «أوقف الحج إلى مكة» فيكفي ذكر أنه كان يؤمِّن مع جنوده طريق الحج الهندي، ويُسْقط الضرائب على الحجّاج.

وأما ادعاؤه رفضه اسماء الرسول الكريم، فيكفي أن ننظر إلى عُمْلاته النقدية الموجودة إلى اليوم بمتاحف الهند وعلى بعض صفحات الانترنت المتخصصة في النقد لنكتشف أن اسمه بقي حتى آخر عمره «محمد جلال الدين». وقد استنكر المؤرخ السبكتكيني الملة سماحه لزوجاته البرهميات بممارسة طقوسهن البرهمية وعدم إكراههن على الإسلام. ولم يثمّن منع الفقيه المجتهد محمد جلال الدين أكبر زواج  الأطفال (لدى البراهمة خاصة، ولدى بعض المسلمين)، و«عادة حرق الأرمل حيّة مع زوجها الميّت» لدى البراهمة»[54] ومنعهم زواجها بعد وفاته، ودعوته «لمحاربة  التمييز بين الطبقات» لدى البراهمة[55]. واستنكر نشره للتعليم «بين الجميع دون استثناء، ففي عهده كان البراهمة يدرسون مع المسلمين جنبًا إلى جنب[56]؛ وأنه جعل أحيانا الضابط البرهميّ الأكفأ على رأس الضباط المسلمين. فهو يحمل ملة محمود الغزنوي التدميرية- الإكراهية لأنه منحدر من كبار الأرسْتقراطية الأفغانية بالهند، التي مسّتها الإصلاحات الأكبرية في مَصَالحها.

*-*-*

كانت هشاشة شخصية محمد سليم هي التي جعلته يقتنع ببساطة بدعوة الشيخ السلفي، السبكتكيني الملة، احمد السرهندي (1564-1624) بعد ان كان صامتا في عهد اكبر، ان يقلع عن كلمة السواء «توحيد إلهي»، وان دعم الشوكة السلفية-السبكتكينية  كاف وحده بان يديم ملكه، فتخلى عن التسامح مع البراهمة، وعن شراكتهم في السلطة المدنية والعسكرية...

لقد اصبح الملك المغولي أورنك زيب (تولى الملك سنة 1659 وتوفي سنة1707) حنفيا، ولكنه كان سلفي السلوك وسبكتكيني السياسة. وقد ترجم له أبو الفضل المُرادي، المقرّب إليه، فقال في ترجمته: «أبَاد الكُفّار في أرضه [وهم براهمة أساسًا]، وقهرهم وهدَّم كنائسهم (..) وأخذ الجزية من كفّار الهند [أي البراهمة]»[57]. وهنا نجد مثقف الطبقة الحاكمة الجديدة غير متفهم للدين البرهمي، ومن الأدلة على ذلك انه يسمي المعبد البرهمي «كنيسة». لقد ألغى أورنك زيب نهائيا كلمة السَّواء الأكبرية (= توحيد إلهي)، وألغى إلغاء الملك أكبر للجزية على البراهمة وغيرهم من غير المسلمين، واعتدى على معابد أهل الكتاب، في ردة الى الملة السبكتكينية. وقد اضطهد السّيخ رغم أنهم كانوا مسالمين له، ورغم انهم اقرب الى الاسلام. وقد ساهم غَدْر أورنك زيب بهم في بداية نفورهم من التقارب مع الإسلام والمسلمين، وإن كانوا هم أيضا لم يَسْعوا أكثر في ذلك.

*-*-*

بقيت هِنْدُ الإسلام  إلى اليوم تتأرجح بين إسلام سبُكْتَكِينيّ - تدميري للآخر (مذَهبا ودينًا) وبإسلام أكبري تسامُحي- توحيدي مع الآخر (مذهبا ودينا)، بين إسلام يمزق الهند وإسلام يوحد الهند لأول مرة. وفي عام 1947، انتصر الإسلام السَّبَكْتَكِينيّ، فرفع محمد علي جناح وحزب رابطة مسلمي عموم الهند راية الانشقاق، وكانت بريطانيا مؤيدة له. ومن الأكيد أن من البراهمة مَنْ كان على دين الفُرْقَة والتمزق آنئذ. فكان تأسيس پاك-سْتَانْ (= أرض الطهارة)، فتكون هِنْدُ البراهمة: «أرض النجاسة»، وكان قتْلُ التعصبِ البرهميِّ لداعية الأمة والوحدة الهنديتين: غانْدي عام 1948. فكان خروج بريطانيا آنئذ أبْعد عن الهزيمة، بل كان بذلك أقرب إلى الانتصار.

ومن العجيب أن حَوَاريّ جلال الدين الرومي (صاحب مقولة: «الطُرق إلى الله بعدد أنفس الخلائق»): محمد إقبال، كان من مؤيدي «القومية الإسلامية»، و«الپاكيّة» التعصبية الناقضة للأمة الهندية الأكبرية العظيمة. ومن العجيب أن أبو الأعلى المودودي الذي كان ضد أطروحة « پاك-سْتَانْ» (ربما لأنها دولة العلمانية لا دولة «الشريعة» كما يراها)، أصبح مؤيّدا لها بعد تأسيسها فيسافر من حِماه غير الباكْسْتاني، «النجس»، نحو حِمَى «الپاكْ»، حِمى «الطهارة».

صحيح أن الكثير من مسلمي الهند كانوا في أربعينيات القرن العشرين ضد ثنائية « الپاكْ» و«النجاسة» الهنديين، مثل وحيد الدين خان الذي نقد أطروحة «الخلافة» و«الحاكمية» عند أبو الأعلى المودودي ونقد عُنفية بعض الحركات الإسلامية وتسلحيّتها. ومن هؤلاء «الأكبريين»، الذين يؤمنون بالهند الكُبرى لا متشظيةً، كان أبو الكلام آزاد (1888-1958).

كان حزب المؤتمر الهندي رأس حربة الأمة الهندية لمقاومة الإمبريالية البريطانية، وكان أبو الكلام آزاد عضوا بارزًا فيه. كان قبل انضمامه، يوقِظ الهمم ضد الاحتلال على صفحات جرائد واسعة الانتشار، حتى منع إصدارها، و ينبه إلى مخاطر انشقاقية محمد علي جناح وحزب رابطة مسلمي عموم الهند. «والتقى بغانْدي عام 1920، وشارك معه في حركة ترك الموالاة والخلافة، وصار من القادة الكبار للكفاح السياسي الوطني»[58]. وقد خطب عام 1943 قائلا: «لو أنّ مَلَكا نزل من السماء على منارة قطب، وقال إن الاستقلال يمكن الحصول عليه خلال 24 ساعة شريطة التنازل عن الوحدة بين البراهمة والمسلمين لتنَازَلْتُ عن الاستقلال. ولكن لن أتنازل عن الوحدة لأن التأخر في إحراز الاستقلال يكون خسارة للهند، ولكن ضياع المحبة والوئام بين الطائفتيْن سيكون خسارة للبشرية جمعاء»[59]. وقد أكَّد جواهر لال نهرو صدقه في فعله[60].

أكد أبو الكلام آزاد دائما: «روح الإسلام تُرشد في هذا الطريق، وهو أنني أشعر باعتزاز بأني هندي وأنني عنصر عظيم للأمة الهندية التي لا يمكن تفريقها أو تقسيمها»[61].

ومِن الأكبريين البراهمة، جواهر لال نهرو. كتب في كتابه اكتشاف الهند: «في التاريخ أبطال سعوا إلى توحيد الهند وحمايتها، وفي مقدمتهم: آشوكا، وكبير، وجورو ناناك، والأمير خسرو، وجلال الدين أكبر». أما حفيد أكبر: أورَنك زِيب، فهو في نظره: «حاكم متعصب أدت سياسته إلى إدارة عقارب الساعة إلى الخلف»، فاستغلت الإمبريالية البريطانية الفرصة لابتلاع هِند موحَّدة جاهزة منذ عهد أكبر ثم للتلاعب بمستقبلها التاريخي.

ولكنْ، قد يكون المهاتْما غَاندي، الذي تأثر جدا بـ«توحيد إلهي»  للملك أكبر، أعْظم من أكبر نفسه. في كل الأحوال، هو أكبر البَرْهمي بلا مُنازع.

*-*-*

لم يكن للمشروع الأكبري وملته التسامحية أي تأثير في الاسلام العربي، بل بالعكس كنا نجد في ذلك الإسلام احتفاء اقتدائيا بمحمود الغزنوي وملته التدميرية الإكراهية. وذلك مما أوجد مقدمات منطقية لتعصب اسلامي عربي.

كانت حركة الإخوان المسلمين بتونس في ثمانينات القرن العشرين، تصدر كل عام روزنامة في شكل كراس دَعَتْها «دليل المصلّي»[62]. وكان مِن مُلْحقاته ملحق تاريخيّ يَحمل تأريخًا سلفيا محافظا. وفي عام 1403ه/ 1982-1983م، اختارت أعلامًا للاقتداء بهم لم يكن من بينهم محمد جلال الدين أكبر، ولكن كان منهم من سمَّتْهُ «فاتح الهند»،أي محمود الغزنوي. وقد ثمَّنتْ في حياته أنه «استولى على الإمارة»، وأنه «استَلَبَ مُلْك [خراسان] من أيدي السامانية [الذين احتضنوا ابن سينا وغيره]، وصمد لقتال مَلِك الترك»، وأنه «جعل دَأبه غزو الهند مرة في كل عام، فافتتح بلادًا شاسعة». وبذلك كانت الحركة تزرع ملة سياسية تقوم على شرعية «الاستيلاء» (=اغتصاب السلطة) ومهاجمة الدول الإسلامية الأخرى (السامانيون) لأنها لا تنتمي «لمذهبه»، ومقاتلة الآخر لأنه «غير مسلم» كالتُّرْك وبراهمة الهند الذين أنهكهم بالغزو «مرة كل عام». ولم نَجد في تراجم هذه الروزنامة (وغيرها من الروزنامات التي أصدرتها الحركة بثمانينيات القرن العشرين) نقيض محمود الغزنوي في التسامح وفي البحث عن «الإيلاف» (=التوجه الكنفيدرالي) وعن «الأمة» لا عن «الفُرْقة» و «الفِرْقة الناجية» (وهو دأب محمود الغزنوي)، سواء الملك أكبر أو غيره.

خاتمــــة:

كان عهد الملك محمد جلال الدين أكبر عهد تسامح، عُمِّد بأبيه ووُجِّه بكاتبه أبي الفضل، ماحيًا فيه عَهْدَ تدميرٍ وإكراهٍ دشَّنَهُ محمود الغزنوي سنة 1008، م.غ. وكان نصف القرن الذي حكمه من قرائن مشروعيته الشعبية.  لقد كانت الهند قبله مجموعة مَمالك عديدة جدًّا ومتقاتلة، ومجموعة أديان وطوائف متناحرة، لم تكن تشعر أنها تنتمي إلى كلية هندية. كان أكَبر أوّل حاكم هندي يوحّد الهند في دولة واحدة. ولم يكن ذلك ممكنًا بالحرب وحدها، فقد عجزت عن ذلك طويلا، بل خاصة بالكلمة الدينية السواء وسياسة الاندماج الأدياني والطوائفي، بواسطة «توحيد إلهي». لقد أوقف حَرْبَ الكل ضدّ الكل، تلك الحرب الهندية المجنونة، وأسّس هند الجميع، هند السلام الدائم.

يلخص أبو الفضل عَهْد تلميذه أكبر بقوله: «إن الحكماء والرجال الأريبين، الذين يفهمون روح هذا العصر، قالوا إن هذا العالَم المُتَحضرّ [الهند] الذي انقسم بحجّة نقص عناية الأرواح الكبيرة، يُمْكن ان يكون موجَّها بحاكم واحد، قادر، عادل، له الوسائل لإسقاط غُبار الفتن دون شك ويجد البشر الراحة. ففي متابعة هذا الهدف كان [أكبر] متجندًا دائمًا»[63].

كان يريد «نهضة» (أو «إعادة ميلاد») نحو هند حديثة، بإمَّتِه الجديدة. لم تكن المقاومات التي واجهها مشروعُهُ لتُحْبطه عن بناء هند السلام وبعض رفاه الحياة. ولكن مشروعه لم يفكر في ما بَعْد وفاة الملك، ولم يُدَسْتر الإيلاف الوحدوي الهندي، ولم يعمق محوره الاجتماعي- المَعَاشي بالعدالة الطبقية.

من سوء الحظ، أن مشروعه لم يَدُمْ، بانتصار التعصّب الديني لابن حفيده أورنْك زيب وبنزاعات المصالح التي ظهرت بمبادرات الاحتلال الإنكليزي والفرنسي، ثم كان الانشقاق الباكستاني عام 1947، الذي استعاد الأطروحة السَّبُكْتَكِينيّة لـ«دار الإسلام» من ناحية و«دار الكفر البرهمي» من ناحية أخرى، مكرسا أن البرهمية هي «الهندوسية» أو الدين الهندي [الوحيد]، كأن الإسلام لم يكن هنديًّا، وكأن البرهمية ليست من أصل غير هندي بدايةً. وقَدْ كانت الإمبريالية البريطانية، بعد أن احتلت غَزنَة بأفغانستان، نَقَلَتْ ما أوْهَمَتْ بأنه بقايا لمعبد سومنات، محاوِلة اجتذاب الأكثرية البرهمية والأقلية السيخية، ونَفَتْ آخر الملوك المغول. والأهم أنّها اختلقت السلفية في الإسلام الهندي قبل أن تختلقه في الإسلام العربي.

كان ذلك تحطيمًا «نهائيًّا» لمشروع أكبر الهندي، وذلك ما كانت تريده الإمبريالية البريطانية منذ سنة 1858، دامجة الهند في مملكتها، فكان حكمها للهند مباشرًا.

ومن العجيب، أن الهند بعد استقلالها، وبعد وفاة غاندي، أصبحت ضمن ما سُمّي «الكومنولث البريطاني»، ويكفي هذا النعت لكشف الطابع الوصائي- التبعي والإمبريالي لهذا «الكومنولث».

فعلى القواعد التي بناها أكبر كانت الهند الراهنة موجودة بما هي أمة واحدة، نجح أكبر حيث أخْفق آشُوكا في القرن الثالث قبل الميلاد وشَنْدْرًا عُبْرا في نهاية القرن الرابع، اللذان لم يفتحا إلا بعض الممالك البرهمية، ولم يكن لهما مشروع لتجاوز تناقضات الأديان. فلقد كان محظوظا إذ سبقَتْه قرون من الاشتغال الاختراقي التصوفي للطوائف والأديان حتى تربّيها على «الكلمة السواء» والجوهر الإلهي، ولكنّ شجاعة أكبر وإرادته العظيمة وثقافته التسامحية هامة بهامّية الاختراق الإنساني التصوفي، وكذلك لأنه كان محظوظا بمَحُوطيّته بمثقفين وَحْدَوِييّن أفذاذ من نوع بيرم خان المسلم، وتودَر مال البَرْهمي، ومان سِنغ، وخاصة المسلم «أبو الفضل».

لقد استطاع تجاوز المؤامرات التحازبية داخل البلاط، وأفكار عصره وتقاليده، و«أن يركّز جهوده من أجل إقامة سلطة مركزية غير دينية، قائمة مع روابط قوى فقط»[64].

لم يكن أكبر مجرد رجل ذا كفاءة في الحكم والسِّفارة والحرب، بل كان أيضا «قائدا لشعوب، وباحثا جَوّالاً عن الحقيقة»[65]. ولم يكن من أعظم حاكمي الهند السابقين، بل كان أيضا «أحد الأرواح الأكثر كونية»[66].

لقد غيّرت حركةُ «توحيد» الأمّةِ الأكَبَريةُ، الإمّة البرهميةَ، فظهرت حركة داخل الديانة البرهَمية تَجْنحُ-بوعي ودون وعي- لموافقة البرهمية مع تَجريدية اللاهوت الإسلامي ووحدانيته، ولو أنّ ذلك سَابق على العهد الأكبري بفضل الاختراقية التصوفية ذات المَلْمَح الإنساني- التسامحي.

كتب الملك أكبر إلى معاصره الملك التنويري مِثْلَهُ عباس الصَّفوي عام 1594م: «في دُول السيادة والدين الإنسانيّ، وبالألْفَةِ الأجْدَر بالتفضيل على التضادّ؛ فالسلام أفضل من الحرب. هذا، كما تصرّفنا منذ بداية [حكمنا] بعدم الاكتراث باختلافات الأديان، كما التباينات والتقاليد، والنظر إلى قبائل الناس بما هي كلها في خدمة الله، فشرعْنا بتلقين الإنسانية عمومًا يجب أن نعتبر أن الرَّحْمة الإلهية تمتد إلى كل أشكال المعتقدات، وأن جهدا أعلى ينبغي أن يُبْذَل من كل واحد من أجل الوصول إلى الجنة الأبدية الربيعيّة للسلام مع الجميع»[67]. أصبحت الهند أمَّةً. ولكنه لم يفكر في أسس مستقبل الوحدة الهندية حتى تستمر بدونه، ولم يفكر في أس العدالة الاجتماعية والحقوق المعاشية (=الاقتصادية) التي تضمن تماسك المضمون الهندي. 

 

د.عادل بن خليفة بالكحلة        

 (باحث إناسي،الجامعة التونسية)

...............................

[1]  رواه أحمد بن حنبل وغيره...

[2]  م.س.

[3]  ... ظهرتْ الإضافات على هذه المَحاور الرئيسية، بظهور الكتب الثانوية المقدَّسة بمرور القرون...

[4]  كاظم (جاسم محمد)، «التشابه ما بين الهندوسية والإسلام: ملاحظات شاهد عيان»، مجلة الحوار المتمدن، العدد 4253، 22/10/2013.

[5]  هندوشاه (محمد قاسم)، تاريخ فرشته، أنجمن آثار، طهران، 2002، ص 122. [وحتى إن حوّلنا ملايين فرشته، وهو الهندي، إلى، «آلاف» ابن كثير وابن الجوزي السلفيين لن نقلل من حجم الجريمة. و لم يكن ابن الجوزي وابن كثير يعرفان اللغات والمَصادر والذاكرة الهندية وهما بعيدان جغرافيا عن الهند على، عكس فرشته هندوشاه. وقد كان فرشْتِه طبيبا تجريبيا بينما كان السلفيون كابن القيم يحرّم الطب التجريبي فهم غير علميين].

[6]  انظر: بالكحلة (عادل)، «البيروني والقطيعة الإيستولوجية في العلوم الإنسانية»، على موقع الباحث.

[7]  بَروكلمان (كارل)، تاريخ الشعوب الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص 268.

[8] Merçil (Erdogan), Zazneliler devleti tarihi, TTK, Yahinevi, Ankara, ISSBN 975-16-0189-4.

[9]  راجع: الأزرقي (محمد)، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، دار الأندلس، بيروت.

[10]  الشَّيال (جمال الدين)، تاريخ أبّاطرة المغول الإسلامية في الهند، مكتبة الثقافة الدينية، 2001، ص 79.

[11]  الطريحي (محمد سعيد)، في العصر المغولي، أكاديمية الكوفة، هولندة، 2006، ص 66.

[12] Frédéric (Louis), L’Inde de l’islam, Arthaud, Paris, 1989, p.174.

[13] Ibid, P. 175.

[14] Ibid, p. 175.

[15] Ibid, p. 175.

[16] Ibid, p. 175.

[17]  م. س، ص 175.

[18]  م. س، ص 175.

[19]  م. س، ص 176.

[20]  م. س، ص 177.

[21] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.300.

[22] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.300.

[23] Frédéric (Louis), L’Inde de L’Islam, p. 183.

[24]  يايادُو بُولو (الكسندر)، جمالية الرسم الإسلامي، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله، تونس، 1979، ص 37.

[25]  م. س، ص 193.

[26]  م.س، ص 163.

[27]  م. س، ص 163 أيضا.

[28]  https://eferrit.com.

[29]  الشيال (جمال الدين)، تاريخ أبّاطرة المغول الإسلامية في الهند، مكتبة الثقافة الدينية، 2001، ص 109.

[30]  الطريحي (محمد سعيد)، م.م، ص 45.

[31]  م. س، ص 110.

[32]  م. س، ص 110.

[33]  م. س، ص 110.

[34]  الطريحي (محمد سعيد)، م.م، ص47.

[35]  م. س، ص 110.

[36]  م. س، ص 111.

[37]  ...وليس «الدين الإلهي»، كما جاء في الكتابات العربية المعاصرة التي لا تعود إلى مَصَادر العصر الأكبري، والمتأثر بوعي أو بلاوعي بالإمَّة السلفية- الوهابية، وغير الموضوعية، وغير العلمية!!!

[38]  م. س، ص 112.

[39]  م. س، ص 370.

[40]  م. س، ص 368.

[41]  م. س، ص 370.

[42] Frédéric (Louis) , Akbar le grand mogohol, Denoel, Paris, 1986, p. 275.

[43]  م. س، ص 275.

[44]  صَنْ (أمَارْتيا)، الهوية والعنف، عالَم المعرفة، الكويت، يونيو 2008، ص 162 وص 163.

[45]  م. س، ص 162 وص 163.

[46]  ...ترجمة: بالكحلة (عادل)، عَنْ لْوِي فِريدريك.

[47]  م. س، ص 334.

[48] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.333.

[49]  م. س، ص 334.

[50]  م. س، ص 335.

[51]  م. س، ص 335.

[52]  م. س، ص 335 و336 و395.

[53]  م. س، ص 114 وص 115.

[54]  الشيّال (جمال الدين)، م. س، ص 90.

[55]  الشيّال (جمال الدين)، م. س، ص 90.

[56]  م. س، ص 91 [ من فرط انحياز المؤرخ السلفي جمال الدين الشيّال أنه دون أن يشعر لا يعتبر المسلم الهندي هنديًّا، معتبرا البرهمي وحدة «هنديا»، مخفيا روحا غزْوية- غزنوية للهند: «ففي عهد كان الهنود يدرسون مع المسلمين جنبا إلى جنبا»، ص 91، مثلا

[57]  المُرادي (أبو الفضل)، سَلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ج4، ص 113.

[58]  مجيب الرحمان، «تذكار بأبي الكلام آزاد»، مجلة ثقافة الهند، المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، العدد 201، 2003، ص 225.

[59]  م. س، ص 226.

[60]  م. س، ص 227.

[61]  م. س، ص 231.

[62]  طَبعَتْه ونَشرتْه مطبعة الشَّحْمي بتونس، التابعة للحركة.

[63]  مجيب الرحمان، «تذكار بأبي الكلام آزاد»، م.م، ص 368.

[64]  م. س، ص 371، نقلا عن كـ.م. مُنْشِي.

[65]  م. س، ص 371.

[66]  م. س، ص 371.

[67]  م. س، ص 370.

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" (الحصري)


 فلسفة الوحدة والعروبة

لقد أراد الحصري إبراز وتأسيس أهمية الموقف من الفكرة العربية القومية عبر رفعها إلى مصاف المرجعية النظرية والعملية. من هنا تدقيقه للكلمة والعبارة لأنها تعكس بقدر واحد منهج الرؤية ومنطق الاحتمالات الكامنة فيها. لهذا نراه يقف بالضد من عبارة وفكرة "الشرق الأوسط" وأمثالها. وطالب بترك فكرة "الشرق الأوسط" والتمسك بفكرة "العالم العربي"[1]. وكتب بهذا الصدد يقول:إننا لا نعترف بوجود "الشرق الأوسط" إنما نقول بوجود العالم العربي. وندرس هذا العالم. أما ما يسمونه إستراتيجية الشرق الأوسط فما هو في نظرنا إلا إستراتيجية الدول الغربية في البلاد التي أطلقوا عليها اسم الشرق الأوسط[2]. وتوسع في هذه الفكرة في كتابه (دفاعا عن العروبة). ففي معرض نقده وتعليقه على فكرة محمد أنيس التي وضعها في كتابه (القومية العربية) نراه يشدد على أنه لا معنى لتقسيم العالم العربي إلى أقسام مثل مشرق ومغرب وحوض النيل. وذلك لأن "العالم العربي هو عالم واحد"[3]. وضمن هذا السياق سار في تدقيق هذه المفاهيم وذلك لما فيها من أبعاد مهمة بل وجوهرية بالنسبة للفكرة القومية. لهذا نراه يقف أيضا بالضد من فكرة "ثقافة حوض البحر المتوسط". واعتبرها فكرة أول من أطلقها الفرنسيون. بينما لا يمكن للثقافة أن تكون من حيث الجوهر إلا ثقافة قومية. أما الحضارة فيمكنها أن تكون جامعة للأمم[4].

وضمن هذا السياق حدد موقفه وفكرته من "الوحدة الإسلامية". إذ اعتبرها فكرة طوباوية. ولم يجد في صيغتها التاريخية الأولى نموذجا قابلا للتجسيد في العالم المعاصر. والقضية ليست فقط في كون الوحدة السياسية التي وجدت في صدر الإسلام لم تقو على تقلبات الأيام مدة طويلة، بل ولأنها لم تتحقق آنذاك رغم بساطة وسذاجة الحياة. أما في العالم المعاصر، فإن الحياة أشد تعقيدا، كما أن العلوم والصناعات خرجت من سيطرة التقاليد[5]. وبالتالي، فإن الدعوة للوحدة الإسلامية (بالضد من الوحدة العربية) ما هي إلا "دعوة شعوبية أو انخداع السذج بتصديق كل ما يقدم لها مقرونا بالدين"[6]. وبالحصيلة توصل الحصري إلى أن الوحدة الإسلامية مستحيلة دون الوحدة العربية. بينما الوحدة العربية ممكنة وضرورية. وبالتالي، فإن "من يعارض الوحدة العربية يكون قد عارض الوحدة الإسلامية أيضا. أما من عارض الوحدة العربية باسم الوحدة الإسلامية أو بحجة الوحدة الإسلامية، فيكون قد خالف ابسط مقتضيات العقل والمنطق"[7].

لم ينف الحصري قيمة وأهمية الرابطة الإسلامية، على العكس. لهذا نراه يقدّمها ويفضّلها على نماذج "الوحدة الجغرافية" مثل الوحدة الإفريقية أو الآسيوية أو غيرها وذلك لافتقادها إلى أسس ذاتية. لهذا نراه يعتبر الرابطة الإسلامية أهم وأقوى من الإفريقية ومن رابطة البحر المتوسط. إلا أن تجربة العرب والفرس والأتراك (الشعوب الإسلامية الكبيرة) تكشف عن أن الدين لم يمنع الحروب والخصومات بينها. كما أن اختلاف الأديان أحيانا لم يمنع توحد الدول. إضافة لذلك أن الاختلافات الثقافية والسياسية بين الدول الإسلامية مازالت قائمة رغم اشتراكها التاريخي الموحد الكبير. من هنا تدقيق الحصري لمفاهيم "الأخوة الإسلامية" و"الاتحاد الإسلامي" و"السياسة الإسلامية" وضرورة التفريق بينها[8]. إلا أن الحصيلة النظرية الدقيقة لكل ذلك تبرهن على أن الرابطة الوطنية والقومية تشرك الجميع أكثر من الروابط الدينية. من هنا ضرورة تقدمها على الرابطة الدينية في الشئون السياسية[9]. إذ ليس جميع المصريين مسلمين وكذلك في لبنان.

لقد سعى الحصري للكشف والبرهنة على أن حقيقة الوحدة العربية تستمد مقوماتها من الفكرة القومية (العربية) كما هي. ذلك يعني أنها تعتمد على عقل الثقافة ومنطق التاريخ المعاصر أيضا. من هنا انتقاده التاريخي والمنطقي للاتهامات التي ترتقي إلى مصاف الشائعات عما يسمى بتصنيع الانجليز للفكرة القومية العربية. وفي معرض رده على هذه الأفكار (الاتهامات) كتب يقول، بأن مما لا ينكر هو مسايرة الانجليز "للحركة العربية أكثر من سائر الدول... إنهم عرفوا القوة الكامنة في الفكرة العربية قبل غيرهم. فرأوا أن يسايروها بعض المسايرة ليدفعوا ضررها منهم ويجعلوها أكثر ملائمة لمصالحهم"[10]. والسبب يكمن في أن السياسة الانجليزية سياسة عملية. فالوقائع التاريخية تكشف عن أن بريطانيا هي التي خلّصت الدولة العثمانية (صاحبة الخلافة الإسلامية آنذاك) من استيلاء الروس عليها عدة مرات. كما أنها أوقفت الجيوش المصرية في قلب الأناضول، وحالت دون اتحاد مصر مع سورية في عهد محمد علي الكبير[11]. ووضع كل ذلك في استنتاجه القائل، بأن "كل من يفهم فكرة الوحدة العربية بأنها وسيلة أجنبية يكون قد قال بخدعة ليس وراءها خدعة"[12]. وذلك لأن السياسة الأوربية تجاه العالم العربي كانت تجري لصالح الدولة العثمانية. فقد كانت تتسم بحمية السرقة والغيلة. والسبب يكمن في خضوع العالم العربي للدولة العثمانية آنذاك. بل ويصل الحصري في مجرى تقديمه وتحليله لعدد كبير من الوثائق الرسمية إلى "أن أساس اقتسام البلاد العربية كانت قد تقرر قبل الحرب العالمية الأولى، وبعلم من الحكومة العثمانية نفسها"[13].

ووضع الحصري حصيلة هذا التحليل والتدقيق والنقد المنطقي والتاريخي في استنتاج نظري مهم يقول، بأن "فكرة الوحدة العربية فكرة طبيعية، لم يوجدها موجد. إنها نتيجة طبيعية لوجود الأمة العربية نفسها". وأنها في الوقت نفسه "قوة اجتماعية تستمد نشاطها من حياة اللغة العربية وتاريخ الأمة العربية، واتصال (جغرافيا) البلاد العربية". ومن ثم فلا يستطيع أحد أن يدعي أن فكرة الوحدة العربية صناعة انجليزية إلا إذا برهن على إنهم من خلقوا اللغة العربية وأوجدوا التاريخ العربي وكوّنوا الجغرافية العربية"[14].

ووضع هذه الحصيلة في مقدمة مواقفه العملية من فكرة الرابطة العربية والوحدة العربية. فعندما تناول هذه القضية على مثال الحالة المصرية بوصفها الصيغة الأكثر إشكالية آنذاك من الناحية الثقافية والسياسية، نراه ينطلق من الحقيقة القائلة، بأن أهل مصر عرب من حيث اللغة. وهي أمتن وأقوى رابطة للمصريين. أما الحقيقة الأخرى التي تستكمل ما سبقها فتقوم في كون حدود اللغة العربية أوسع بكثير من حدود الدولة المصرية الحالية. إضافة لذلك أن العالم العربي متصل جغرافيا. ومصر في القلب منه. لهذا ينبغي أن تعمل من اجل توحيده. ذلك يعني أن مصر عربية. ومن ثم فإن مستقبلها مرتبط بمستقبل العروبة وثيق الارتباط.

ووضع حصيلة هذه الصيغة المنطقية في أساس مواقفه العملية السياسية من أولوية العروبة على القطرية أو الوطنية الجزئية. وأقرّ بوجود قضايا إقليمية ومحلية تخص كل دولة عربية. لكن الواقع يكشف عن انه أحيانا ينبغي التضحية بمصلحة مدينة لصالح البلد. وفي النهاية يعود بالنفع على الجميع. ونفس هذا المنطق ينبغي تطبيقه تجاه العروبة. ذلك يعني، أن السياسة العليا في مصر وغيرها ينبغي أن تبنى على أساس العروبة أولا[15].

إن أولوية الفكرة القومية والوحدة العربية والعروبة لا تتعارض مع واقع الدولة القطرية الحالية. إلا أن المهمة والغاية تقوم في رفع الوطنية إلى مصاف القومية الفعلية، ورفع القطرية إلى مصاف الوحدة الحقيقية. ومن ثم النظر إلى كل ما يعترض ذلك على أنها عوائق ومن ثم مهمات قابلة للحل والتذليل. واعتبر الحصري التفاوت الاقتصادي وليس الثقافي أو حتى الجغرافي أهم ما يعيق الوحدة العربية[16]. لهذا نرى الحصري يعتبر الدعوة للوحدة العربية مهمة ينبغي أن تصبح جزءا من العقيدة الروحية، وأن تتحول إلى مبدأ ثابت دائم، وكذلك العمل الدائم من اجلها. واعتبر الوحدة العربية "ضرورية" لحفظ كيان الشعوب العربية. وأنها "طبيعية" بالنسبة إلى حياة الأمة العربية وتاريخها الطويل. فلا شك أبدا في أنها ستتحقق يوما من الأيام، إن عاجلا أو آجلا[17]. وبالمقابل اعتبر الحدود بين الدول العربية بمثابة حدود "الحبس الانفرادي" و"الإقامة الجبرية" التي جرى فرضها على العرب في ظرف تاريخي طارئ[18]. وضمن هذا السياق يمكن تحسس وفهم نقده اللاذع والعميق تجاه تجربة "جامعة الدول العربية" في مرحلتها التأسيسية. إذ نراه ينتقد الأثر الذي تركته وتتركه البنية التقليدية على حياة وعمل جامعة الدول العربية كما هو الحال في مجرى تتبعه لأثر الخلافات التي استجدت بين السياسة الهاشمية والسعودية على بلبلة الأمور في جامعة الدول العربية[19].

إلا أن الصيغة الأكثر عمقا للخلل القائم في عمل جامعة الدول العربية نراها على مثال نقده لآراء عبد الرحمن عزام (أول رئيس لجامعة الدول العربية) الذي حاول تبرير فشل عملها عندما قال، بأن "الأمانة العامة للجامعة ما هي إلا مرآة الدول العربية. وفيها تنعكس أحوال البلاد العربية". وقد وجد الحصري في هذه الفكرة تبريرا سيئا لما جرى وما آلت إليه من نتائج. إذ اعتبر تشبيه الأمانة العامة بالمرآة بحد ذاته دليل على عدم إدراك خطورة مهمتها حق التقدير. فقد استلم عبد الرحمن عزام رئاسة الجامعة وهي لوحة ملساء، وأرض فضاء وكان بإمكانه رسم ما يريد. بينما أدت أعماله إلى تأسيس إدارة من أسوء الإدارات. إضافة لذلك أن جهوده تركزت على المسائل السياسية وحدها وأهمل الاقتصاد والقانون والثقافة. وأخيرا، أنه فهم السياسة على أنها خطب ولقاءات مرتجلة وليس علما يحتاج إلى بحث واستقصاء وتحليل واعتماد على وثائق، كما يقول الحصري[20].

ولم يقف الحصري عند حدود أو تخوم السياسة الفعلية والكفاءة الشخصية للنخب السياسية والحالة الواقعية للدول العربية آنذاك في مواقفها من الفكرة القومية ومبدأ العروبة، بل وحاول تجاوزها إلى المدى الفردي والاجتماعي للعالم العربي، أي إلى القوى الأكثر ديناميكية ومستقبلية. ومن الممكن العثور على ذلك في محاولاته إرجاع إشكالية الفكرة القومية العربية ومبدأ العروبة إلى قاع الضمير والوعي الفردي والاجتماعي. لهذا نراه يضعها على محك الاختبار العملي للأفراد والجماعات عبر إبراز طبيعتها الفعلية وكيفية حلها، كما هو جلي في إبراز الطابع المتناقض في قضية علاقة العربي بالعروبة، أي علاقته بفكرته القومية. فقد وجد فيها شيئا اقرب ما يكون إلى مفارقة غريبة، لكنها تحمل سمات الماضي، أي لها تاريخها الخاص. وحدد معالم هذه الظاهرة المفارقة في ما اسماه بمشكلة القومية عند العرب. بمعنى ضعفها أو فقدانها رغم تاريخهم العريق وكينونتهم الذاتية القوية. وصوّر هذه القضية المفارقة أو المشكلة القومية في حالة وجود عروبة عند العرب ولكنها إما جهالة (مجهولة وغير مدركة) وإما غافلة وإما فانية. من هنا استنتاجه القائل، بأنه "ليس بعربي من لا يريد أن يكون عربيا وما دام لا يعترف بعروبته أو يأنف منها"[21].

ذلك يعني، أن الحصري أراد أن يجعل من الانتماء القومي فعلا لا إلزام فيه لغير الاختيار الشخصي بوصفه اختبارا واعيا مبنيا على أساس اللغة والتاريخ، أي على أساس العناصر الثقافية الخالصة في وجود الأمم. من هنا محاولاته الحثيثة لنقد الحالة الفعلية للمشكلة القومية على مستوى الوعي الفردي والاجتماعي. وضمن هذا السياق يمكن فهم تشديده الخاص على ثنائية الخلاف المثيرة بين الخصال الفردية والاجتماعية عند العرب. إذ اعتبر العرب أقوياء من حيث الخصال الفردية، ضعفاء من حيث الخصال الاجتماعية[22]. ولا يعني تشديده على طبيعة الخلاف بينهما سوى محاولة تذليله. من هنا مطالبته بتدريس التاريخ العربي بالشكل الذي يحرره من اعتبارات الدين والدعاية، ويوظفه للمصلحة القومية فقط[23].

إننا نقف هنا أمام دورة جديدة للمفاهيم والقيم مهمتها تأسيس منظومة للرؤية القومية تجعل من العروبة مبدأها وغايتها، ومن اللغة العربية والتاريخ الذاتي عناصرها الجوهرية. وتنفيذ ذلك عبر تحقيقها في برامج التربية والتعليم وغرسها في الوعي والضمير. الأمر الذي جعل من تنظيره بهذا الصدد الصيغة الأولية للفكرة القومية الثقافية، وذلك لأنها سعت لتحقيق ما تصبو إليه عبر الفكرة التربوية. وهذا بدوره كان يحتوي على ما يمكن دعوته بالتنوير المنظومي الأول في تاريخ الفكرة القومية العربية من خلال إعلاء أولوية وجوهرية العلم في تأسيسها النظري وتطبيقها العملي.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص8.

[2] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص55.

[3] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص 10-120.

[4] ساطع الحصري: حول الوحدة الثقافية العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985ص71-78.

[5] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص 102-103.

[6] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص104.

[7] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص100.

[8] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص108.

[9] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص100.

[10] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص105.

[11] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[12] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[13] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ،ص227.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[15] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص111.

[16] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص39-47.

[17] ساطع الحصري: حول الوحدة الثقافية العربية، ص67.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص7.

[19] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص51.

[20] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص69-73.

[21] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص77.

[22] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص86.

[23] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص88.

 

 

علي القاسميأصناف الحبّ في الثقافة العربيّة:

أفترض أنّ الحبّ هو عبارة عن مستوى سامٍ من العلاقة بين الذات والآخر تكون فيها الأفضليّة للآخر على الذات. وقد يختلف هذا الآخر من ثقافة لأخرى أو في داخل الثقافة الواحدة، فقد يكون إنساناً أو حيواناً أو وطناً أو إلهاً، وقد يكون كلّ ذاك في إحدى الثقافات أو بالنسبة لأحد الأفراد.

ومفهوم الحبّ في العقل العربيّ، مفهوم مُعقَّد، لتعدّد أنواع الحبّ ومذاهبه في ثقافتنا العربيّة. فهنالك ثلاثة أنواع رئيسة من الحبّ في الثقافة العربيّة منذ زمن بعيد، بحيث يتداخل بعضها ببعض في ذهن الفرد العربيّ لاشعوريّاً وتجعل من مفهومه للحبّ مفهوماً معقَّداً لا بسيطاً. وهذه الأنواع هي:

(1) الحب الإلهي:

في هذا النوع من الحبّ يحلّق العاشق في عوالم نورانيّة، حيث الينابيع الروحيّة الثرّة والفيض الربانيّ الغامر، وتنتشي روحه بنفحات إلهيّة، وتختلج نفسه بأقباس عُلويّة، ويهيم بجمال الخالق المتجلِّي في الكون والطبيعة والوجود وجميع المخلوقات، فيفيض وجدانه بترانيم الحبّ والطهر، وتذرف عيناه دموع الشوق واللوعة والخشوع.

وقد عرف العرب العاربة هذا الحب الصوفيّ منذ عهد سيدنا إبراهيم الخليل وابنه الذي قبِل عن طوع أن يضحِّي بنفسه حبّاً بالله وطاعة له. هذا النوع من الحبّ هو الذي جعل القطب الصوفيّ محي الدين بن عربيّ يقول:

أدينُ بدينِ الحبّ أنّى توجهتْ  ...   ركائبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني

(2) الحبّ العُذْريّ:

في الصحراء العربيّة ذات الرمال الذهبيّة النقيّة المترامية تحت السماء الصافية الأديم الرائعة الزرقة، يترعرع الحبّ طاهراً كالغيث، شفافاً كالنسيم، دافئاً كالنور؛ زاخراً بالمشاعر النبيلة، والعاطفة المشبوبة الثرّة الزكية، متقيَّداً بأخلاق الفروسية وتقاليدها في العِفّة والوفاء والإخلاص. وتمتزج في هذا النوع من الحبّ قوة المشاعر برفعة العقيدة وسمو الخُلق، فتتفجر قريحة العاشق بالغزل العفيف واللفظ اللطيف. وليس بين العاشق وحبيبته إلا المحبّة الصافية والعاطفة الصادقة، فيمضّه الشوق، ويشفّه التبريح، ويتيّمه الهوى، ويُضنيه الحرمان، فيذوب صبابة ووجداً، ولكنّه يظلّ متعففاً عزّة وإباء، ويبقى حريصاً على كرامة محبوبته وسمعتها، ليس بينهما سوى المُنى والأمل والرجاء، فلا من لمسة ولا من قبلة ولا من اتصال، بحيث لو اطَّلع واشٍ عليهما في خلوتهما لما استطاع أن يؤاخذهما على شيء، كما قال جميل بن معمر العُذريّ، الملقَّب بجميل بثينة، نسبة إلى اسم محبوبته:

وإنّي لأرضى منْ بثينةَ بالـذي  ...      لو أبصرهُ الواشي لقرّتْ بلابلُهْ

بلا، وبألا أســــتطيع، وبالمُنــى   ...   وبالأملِ المرجوِ، قد خابَ آملُهْ

وبالنظرةِ العَجلى وبالحولِ ينقضي  ...   أواخـرُهُ، لا نلتقي، وأوائـلُه

(3) الحبّ الجسديّ:

العربيّ ذواقة للجمال الأنثويّ، تَعشَّقَه منذ القديم حتّى إنّه عبدَ عشتار، إلهة الجمال عند السومريّين، وعبدَ اللاة ومناة والعزى. وفي هذا النوع من الحبّ، يُفتَن العاشق بجسم محبوبته الغضّ بجميع تفاصيله: بوجهها المشرق كالصبح، وشعرها الأسود الفاحم كالليل، وجبينها الناصع كالبدر، وعينيها الواسعتين الكحيلتين، وجيدها الذي يضاهي جيد الغزالة، وصدرها الناهد النافر، ويدها البضّة، وبكلّ نبضة من نبضات قلبها، وكلّ رفّة من رفات أجفانها الهدباء، وكلّ رعشة من رعشات شفتيها المكتنزتَين. وقد عرف الشعر العربيّ هذا اللون من الحبّ منذ أقدم العصور، فقد وصف لنا أمير الشعراء في العصر الجاهلي، امرؤ القيس، بعض مغامراته الجنسيّة في معلقته الشهيرة التي ورد فيها:

ومثلـكِ حُبلى قد طرقتُ ومُرضعٍ    ...    فألهيتُها عن ذي تمائمَ محولِ

إذا ما بكى من خلفها انصرفت لهُ   ...    بشِـقٍّ وتحتي شقُّها لم يُحوَّلِ

ونجد هذا اللون من الحبّ في جميع عصور الشعر العربيّ: في شعر عمر بن أبي ربيعة في العصر الأمويّ، وفي شعر أبي نواس ودوقلة المنبجيّ في العصر العباسيّ، وهكذا دواليك.

ومفهوم الحبّ في العقل العربيّ يمتح من هذه الأنواع الثلاثة، وتمتزج فيه خصائصها وسماتها الذاتيّة والعرضيّة المتعددة. ومن هنا أصبح مفهوم الحبّ مفهوماً مُعقَّداً لا بسيطاً. ومما يزيده تعقيداً اتساع شبكة العلاقات التي تربطه مع مفاهيم أخرى، كالفراق، والشوق، والحنين، والدلال، والصدّ، والهجر، واللقاء، والوصل، الخ.

فضل الحبّ:

والحبّ هو أنبل العواطف الإنسانية وأسماها، فهو يثير زوبعة من الانفعالات والأحاسيس البشرية المتنوّعة، من أملٍ، ورجاء، وفخر، ورضاً، وغضب، وغِيرة، وحنان. ولهذا أكثر العربُ من الترحال في آفاقه وأرجائه، والتجوال في بساتينه وجناته، والبحث في كينونته وماهيته وطرائقه ووسائله وكلِّ ما يتعلَّق به. فتصدَّى عدد من الفقهاء والأدباء والعلماء إلى الكتابة عنه من أمثال أبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي (ت 327 هـ) في كتابه (اعتلال القلوب في أخبار العشاق والمحبين)، وأبي بكر محمد بن أحمد الأصبهاني (ت 355 هـ) في كتابه (الزهرة)، وعلي بن محمد الديلمي (ت 385 هـ) في كتابه (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف)، والإمام ابن حزم (ت 456هـ) في كتابه (طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف)، ، والإمام أبي الفرج عبد الرحمان بن عليّ بن الجوزيّ (ت597 هـ) في كتابه (ذمّ الهوى)، والشاعر الأندلسيّ عليّ بن سعيد المعروف بابن حمامة (ت 604 هـ) في كتابه (نفائس الأعلاق في مآثر العشّاق)، والإمام ابن قَيْم الجَوزيّة (ت 751 هـ) في (روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين)، ولسان الدين ابن الخطيب (ت 776 هـ) في كتابه (روضة التعريف بالحبّ الشريف)، والطبيب الضرير داود الأنطاكيّ (1008هـ) في كتابه (تزيين الأسواق في أخبار العشاق)، وغيرهم كثير.

وفي فضل الحبّ، تروي لنا كتب التراث العربيّ أنّ أحد الحكماء قال لتلاميذه:

" لقد نلتم من الحكمة والأدب الشيء الكثير، فهل فيكم مَن عشق؟" قالوا: "لا"، قال: " اعشقوا فإنّ العشق يُطلق لسان العييّ، ويفتح قلبَ الغبيّ، ويحثُّ على أفخر المكاسب والمطالب، ويدعو إلى مصافاة الكرام. وإياكم ومباشرة الحرام."

تعريف الحبّ؟

على الرغم من كَثرة ما كُتب عن الحبّ في الثقافة العربيّة، فإنّ العربيّ لا يستطيع أن يصف الحبّ أو يعرّفه أو يحدّده، لأنّه مفهوم معقّد كما أسلفنا، أو لأنّه ذو مراتب متعدِّدة ودرجات متفاوتة. ولهذا نجد البهاء زهير يقول:

يقولُ أناسٌ: لـــــــو وصفتَ لنا الهوى

فوا اللهِ، ما أدري الهوى كيفَ يُوصَفُ!

ولعلَّ عجزَ أهل الفكر عن تعريف الحبّ وتحديده ناتجٌ من كونه عاطفة يدركها الإنسان في الأعماق، وليس شيئا محسوساً ملموساً يستطيع أن يُخضِعه لحواسه الخمس. إنّه شيء يشعر به حين يسري في كيانه وقلبه ومهجته، شيء كالكهرباء كما يقول شاعر عسكري مصريّ لُقب برب السيف والقلم هو محمود سامي البارودي (1839 ـ 1904م) الذي عاش في عصر اختراع الكهرباء ودخولها مصر:

الحبُّ معنىً لا يُحيطُ بسرّه  ...      وصفٌ ولا يجري عليهِ مثالُ

كالكهرباءةِ دَرْكُـها مُتَعذّرٌ   ...          ونسـيمُها مُتحــدّرٌ سـيّالُ

وذهبَ بعضهم في وصف الحبِّ إلى تشبيهه بمسحوق خفيّ يُذَرّ في القلب فيبلغ مفعوله ما لا يبلغه شراب، ولا حزن، ولا سرور:

تغلغل حبُّ عثمةَ في فؤادي  ...    فباديهِ معَ الخافي يَســيرُ

تغلغل حيثُ لم يبلغْ شـرابٌ     ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ

صدعتِ القلبَ ثم ذررتِ فيهِ   ... هواكِ، فليمَ فالتأمَ الفطورُ

وذهبَ بعضهم الآخر إلى تشبيه الحبّ بالسحر، مع فارق واحد هو أنّ السحر قد يُتوقَّى بتميمة أو يُبطَل مفعوله برُقية، على حين أنّ الحبّ لا تنفع معه تميمة ولا رقية، كما قال ذو الرمَّة (77 ـ 117 هـ) ، وهو شاعر بدوي عاش في العصر الأموي واشتهر بحبّ مَية:

هو السحرُ إلا أنَّ للسحرِ رقيةً  ...     وإنيَ لا ألقى من الحبِّ راقيا

ورأى بعضهم أنَّ الحبّ داء من الأدواء ومرض من الأمراض، إلا أنّ الفرق بين الداء والحبّ يكمن في أنَّ " لكلّ داءٍ دواء، عرفه مَن عرفه وجهله مَن جهله"، كما قال الرسول (ص)، على حين أنّ الحب داء لا دواء له، كما استنتج  الشاعر العذري عروة بن حزام (ت 30 هـ) الذي قتله عشق عفراء،  بعد أن لجأ إلى عرّافَين (طبيبَين)، أحدهما في اليمامة والآخر في نجد، لمداواته مما به من وَلَهٍ ووجْد، وهو مستعدّ لبذل ما يستلزم العلاج من نفقات وأموال، فجرّبا جميع الأدوية ومختلف الوسائل، بلا جدوى، حتى اعترفا بإخفاقهما:

جعلتُ لعرّافِ اليمامةِ حكمَهُ  ...    وعرّافِ نجدٍ، إنْ هما شفياني

فما تـركا من حيلةٍ يعرفانها   ...        ولا شربةٍ إلا وقد سـقيانـي

وقالا: شفاكَ اللهُ، واللهِ ما لنا  ...     بما ضمنتْ منكَ الضلوعِ يدانِ

بدايات الحبِّ:

كيف يبدأ الحب؟

يرى بعضهم أنّ القلب يعلّق من نظرة واحدة. وقد لخّص أمير الشعراء، أحمد شوقي، خطوات الحبّ ببيتٍ واحد:

نظرةٌ، فابتسامةٌ، فسلامٌ،  ...    فكلامٌ، فموعدٌ، فلقاءُ

ويؤيِّد هذا الرأيَ القولُ المأثور: " ربَّ صبابة غُرست من لحظة، وربَّ حربٍ جُنيت من لفظة".

ومن العشّاق الذين خطف قلوبَهم الحبُّ من نظرة واحدة الشاعر العاشق العبّاس بن الأحنف (ت حوالي 190 هـ)، الذي تصفه بعض المصادر بأنّه شاعر الخليفة العباسي هارون الرشيد ببغداد:

فيا لكِ نظرةٍ أودتْ بقلبي  ...   وخلّفَ سهمُها جسمي جريحا

وفي مقابل هذا الرأي، نجد رأياً آخر مفاده أنّ القلب يحتاج لوقت طويل قبل أن يعلَق بإنسان ويتولّه به. فالإمام ابن حزم يقول في كتابه (طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف):

"وأنّي لأطيل العجب من كلّ مَن يدّعي أنّه يحبّ من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدّقه، ولا أجعل حبَّه إلا ضرباً من الشهوة. وما لصق بأحشائي حبٌّ قطّ إلا مع الزمن الطويل، وبعد ملازمة الشخص لي دهراً، وأخذي معه في كلّ جدّ وهزل."

ولعلَّ الأمر يتوقَّف على نوع الحبّ وطبيعة الشخص، فهناك مَن هو مرهف الإحساس تأخذ لبه نظرةٌ واحدة ذات معنى، وهناك مَن يتّسم برجاحة العقل ويحتاج إلى وقت طويل لاختبار خصائص الآخر قبل التعلّق به.

وقد يبدأ الحبّ في الصغر وينمو ويكبُر كلّما كبر الشخص. فقيس وليلى التقيا صغيرين وهما يرعيان الأغنام:

تعلّقتُ ليلى وهي غـرُّ صغيرةُ         ولم يبدُ للأترابِ من ثـديها حجمُ

صغيرَين نرعى البَهمَ يا ليتَ أننا    إلى اليوم، لم نكبرْ ولم تكبرْ البَهمُ

ويبدو أن هذا النوع من الحبّ الذي يبدأ في الصغر، يزداد ويشتدّ كلّما كبر المتحابان، كما يقول المتنبي:

ولكنَّ حبّاً خامرَ النفسَ في الصِّبا   يزيد على مرِّ الزمان ويشتدُّ

وقد تبدأ المودة بخصام، ثمّ ينجذب المتخاصمان أحدهما إلى الآخر وينقلبان مُحبَّين. وهذا ما حصل لجميل وبثينة:

وأوّلُ ما قادَ المـودةَ بيننـا     ...    بوادي بغيضٍ، يا بثينُ، سبابُ

وقلنا لها قولاً، فجاءتْ بمثله  ...    لكلِّ كلامٍ، يا بثينُ، جــوابُ

ولكن هناك مَن يعتقد أن الحبّ لا يبدأ في هذه الدنيا وإنّما في عالم المُثُل والأرواح، ويستمر هذا النوع من الحبّ حتّى بعد الممات. وهذا ما أراد أن يقوله الشاعر العُذريّ قيس بن ذريح، عاشق لُبنى:

تعلّقَ روحي روحها قبل خلقنا ...    ومِن بعد ما كنّا نطافاً وفي المهدِ

فزاد كما زدنا فأصبحَ نامـيا    ...       وليسَ إذا متنا بمنصرمِ العهـدِ

ولكنـّه باقٍ على كلّ حـادثٍ     ...      وزائرنا في ظلمةِ القبرِ واللحدِ

سبب الحبّ وعلته:

ولعلَّ هذا يجرنا إلى البحث عن أسباب الحبّ؟ لماذا يحبُّ أحدنا شخصاً بالذات دون غيره؟

ألأنّه يراه جميلاً حَسَناً فينجذب إليه. ولكن العرب قالوا: " يا ربَّ مُستحسَنٍ ليس بالحَسَن!" فالحُسن ليس وحده الدافع إلى الحبّ. وثَمَّةَ مَن يقول إنّ الإنسان ينجذب إلى شخصٍ يختلف عنه في صفاته كما ينجذب القُطبان الموجب والسالب إلى بعضهما، وكأن الفرد يسعى إلى استكمال ما ينقصه.

ويبدو لنا أنّ العقل العربيّ يميل إلى قبول الفرضيّة المعاكسة القائلة إنّ الإنسان ينجذب إلى إنسان آخر يشابهه في صفاته ويشاركه اهتماماته، ومن هنا جاء المثل العربيّ " إن الطيور على أشكالها تقع ". ويميل إلى هذا الرأي إخوان الصفا، وهم جماعة فلسفيّة سريّة ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري ونشرت مؤلفاتها بعنوان " رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء" وأثّرت في مجرى الفكر العربيّ، فقد قالوا في فصل " ماهية علّة فنون المعشوقات":

" ولكن العِلَّة في ذلك هي الاتفاقات بين العاشق والمعشوق، وهي كثيرة لا يُحصي عددَها إلا اللهُ جلّ ثناؤه."

ولعلَّ في قولهم هذا إحالة جزئية إلى الحديث النبويَ الشريف: " الأرواح جنود مُجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف."

شدّة الحبّ:

العربيُّ وفيٌّ مخلص، فكلّما مرّ الزمانُ على المودَّة، نما الحبّ واشتدَّ أواره، فتُصبِح المَحبّة كبيرة لا يمكن قياس مقدارها، فهي أزيد من ذرات الرمل والحصى والتراب مجموعة، كما يقول لنا عمر بن أبي ربيعة:

ثم قالوا: تحبّها؟ قلتُ: بَهْراً  ...   عددَ الرملِ والحَصى والترابِ

يزداد الحبّ حتّى يجد المرء نفسه محاصراً بالحبّ من كلّ الجهات ولا مفرّ له منه، كما حصل للشاعر العباسيّ الضرير بشار بن برد:

عن يميني وعن شمالي وقُدّا      مي وخلفي الهوى، فأينَ أفرُّ؟!

ويذكِّر هذا الحصارُ بعضَهم بالحصار العسكريّ الذي يفرضه الجنود الغزاة المتناوبون على إحكامه، كما تراءى لقيس لُبنى:

غزتني جنودُ الحبِّ من كلِّ جانبٍ  ...   إذا حانَ من جُندٍ قفولٌ أتى جُندُ

وهكذا لا يجد العاشق راحة من هذا الحبّ المثابر الذي لا يتوانى ولا يفتر لحظة واحدة، وإنّما يزداد حرارةً ويتعاظم سعيراً، فيتمنّى الخلاص منه، على حد تعبير جميل بثينة:

عدمْتُكَ من حُبٍّ، أما منكَ راحةٌ  ...  وما بكَ عنِّي من توانٍ ولا فترِ؟

يجري هذا الحبُّ في عروق العاشق ومفاصله كدمه، ويستحوذ عليه بصورة تامّة، ويكون شغله الشاغل، كما يقول المتنبيّ:

جرى حبُّها مَجرى دمي في مفاصلي ...   فأصبحَ لي عن كلّ شغلٍ بها شُغلُ

وهكذا يظلّ العاشق مشغولاً في ذكرٍ دائمٍ للمحبوب، لا يرتوي من ذكره، يقتله الأسى ويحييه الأمل، ويعجب ممَّن يقول إنّه يذكر محبوبه، لأنّه لا ينساه فكيف يذكره؟ فهذا القطب الصوفيّ، أبو بكر الشبليّ (274 ـ 334هـ) ، الذي كان يلقّبه شيخُه الجنيد بـ " تاج الصوفيّة وريحانة المؤمنين"، فقد كان أمير دوماند في طبرستان، وترك عمله للتفرغ للعبادة:

شربتُ الحبَّ كأساً بعدَ كأسً  ...     فما نفدَ الشرابُ ولا رُويتُ

أموتُ إذا ذكرتُـكَ ثم أُحيى   ...        فكم أُحيى عليكَ وكم أموتُ

أموتُ أسىً وأُحيى بالأماني   ...      ولولا ما أُؤمِّلُ ما حييــتُ

عجبتُ لمن يقولُ ذكرتُ حبّي ...     وهل أنسى فأذكرُ مَن هويتُ؟

وهكذا يثبت الحبّ ويرسخ في القلب ويصبح جزءاً لا يتجزأ منه كما أنّ الأصابع جزء من الكفّ، على حدّ تشبيه مجنون ليلى:

لقدْ رسختْ في القلبِ منكِ محبّةٌ ...   كما رسختْ في الراحتين الأصابعُ

كتمان الحبّ:

من المفاهيم المتعلِّقة بمفهوم الحبّ في العقل العربيّ هو كتمانه، بحيث يبقى سرّاً لا يعلم به أحد. وهذا الكتمان يسري على الحبّ بمختلف أنواعه ومتباين حالاته.

فالمتصوِّفة العرب، مثلاً، يرون وجوب كتمان الحبّ الإلهيّ بحيث لا يُظهره الصوفيُّ للناس أبداً. ولا نعرف السبب الحقيقيّ لهذا الكتمان على وجه التحقيق والتوثيق: هل هو وسيلة لتأجيج الحبّ داخل النفس بحيث يزداد الوجد مع الكتمان حتّى يبلغ بالصوفيّ درجة الشهادة في سبيل الله؟ وهذا ما فهمته شخصياً من بيتيْن يرويان للشبليّ:

باحَ مجنونُ عامرٍ بـهواهُ    ...      وكـتمتُ الهوى فـمتُ بوجدي

فإذا في القـيامةِ نـودي: مَن ....      شهـيدُ الهوى؟ تقدّمتُ وحدي

فالبوح بالحبّ يخفِّف من لوعته. وفي هذين البيتيْن، يعدُّ الشبليُّ قيسَ بن الملوح مجنوناً من مجانين بني عامر، لأنّه لم يعرف كيف يتلذَّذ بالحبّ، ويزيد من سعير الوَجد في ذاته، فيبلغ أعلى مراتب الهيام. ونظراً لهذا الجهلُ أو الحمق أو الجنون، فإنه لم يكتم حبّه وإنّما باح به، فأفسد تلك المتعة الروحيّة السامية.

ومن ناحية أخرى، قد يكتم الصوفيّ حبّه الإلهي خوفاً من أن عامّة الناس لا تفهم هذا النوع من العبادة فيسيئون تفسير القصد، ويلحق بالصوفيّ أذى، بل قد يستحلّ الناسُ قتله. وهذا ما يمكن أن نستشفه من أبيات للقطب الصوفيّ السهروردي المقتول، الذي أدّت الوشايات به إلى أن يأمر السلطان صلاح الدين الأيوبيّ بقتله:

وا رحـمة للعاشقين تكـلّفوا   ...      سِترَ المحبَّةِ، والهوى فضّاحُ

بالسرّ إنْ باحوا تُباحُ دماؤهم ...        وكـذا دماءُ البائـحينَ تُباحُ

فكشفُ الكشفِ قد يؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه، فالشبليّ، مثلاً، كان يرى أنّ الحسين بن منصور الحلاج كشفَ السرَّ فلقي الموت، ولهذا كان يقول : " كنتُ أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً، إلا أنّه أظهر، وكتمتُ". ويقال إنّه عندما اعتُقل الحلاج، قال له الشبلى: " إنّ الله ائتمنك على سرٍ من أسراره فأذعتَه، فأذاقك طعم الحديد." أجاب الحلاج، مخاطباً ربّه:

تجاسرتُ فكاشفتـ            ـكَ لما غُلبَ الصبرُ

وما أحسنَ في مثلـ            ـكَ أنْ يُنتهكَ السترُ

وإنْ عنَفني الناسُ              ففي وجهكَ لي عذرُ

كأنَ البدرَ محتاجٌ                إلى وجهـكَ يا بـدرُ

أما في الحبّ العُذريّ، فإنّ الكتمان واجب محتّم، لأنّ تقاليد القبائل العربية تقضي ألّا تزوِّج ابنتها لرجل افتضح حبُّه لها، حتّى لو لم تبادله حبّاً بحبّ، بل يزوجونها لرجل آخر إثباتاً لبراءتها وعفّتها. وهذا ما حصل فعلاً لليلى العامرية، محبوبة المجنون، إذ زوّجها أهلُها لرجل آخر من غير عشيرتهم ليشهد بأنّها بِكر لم تُمسّ.

وحتّى في الحبِّ الجسدي، يعدّ الكتمان واجباً لئلا يُسئ العاشق إلى سمعة حبيبته، أو يعرِّض نفسه للثأر من قبل أهلها غسلاً للعار.

وأنتَ وأنا نعلم أنَّ كتمان الحبّ ليس بالأمر اليسير. فأنتَ وأنا في حاجة إلى صديق حميم نبثّه شجوننا ونقاسمه أحزاننا، ليخفِّف عنَّا لوعتنا وعناءنا، لأنّ كتمان الحبّ يزيد من الوجد ويفاقم الهيام. فالإنسان لا يستطيع كتم الحبّ، كما ذكرنا قبل قليل، وكما شرح ذلكَ، الشاعر جرير ببيتَين جميلَين:

ما كنتُ أولَ مشتاقٍ أخا طربٍ   ...     هاجت له غدواتُ البينِ أحزانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتّى تهيَّمني  ...       لا أسـتطيعُ لهذا الحبِّ كتمانا

نعم، لا بُدَّ من أن نُفضي بدخيلة أنفسنا وحقيقة مشاعرنا لصديق صدوق وفيٍّ ليخفف عنّا من ثقل السرّ الذي تنوء به أنفسنا. ولكنّ الخبرة علمتنا أنكَ إذا أنتَ لم تستطع كتمان سرّك، فإنّ غيرك أقلّ قدرةً على ذلك. ودلّت التجربة على أنَّ أيّ سرّ يتجاوز شخصَين ينتشر ويذيع. ولهذا فإنّ المحبَّين العربيَّين يتواصيان ويتعاهدان على كتمان حبِّهما. فهذا ابن الحدادية، وهو شاعر جاهلي من الصعاليك يوصي حبيبته أم مالك:

فلا يسمعنْ سرِّي وسرَّك ثالثٌ ...   ألا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنَين شائعُ

وهذا ابن الهبارية، وهو شاعر بغدادي عاش في القرن الخامس الهجري وكان مولعا بنظم أمّهات الكتب شعراً، فنظم كتاب " كليلة ودمنة" وكتاب " حي بن يقظان" شعراً، يكرِّر الوصية ذاتها على مسامع محبوبته:

فلا تجـعلي بيني وبينكِ ثالثاً ...    فكلُّ حديثٍ جاوز اثنين ذائعُ

ولهذا فإنّ العاشق العربيّ قد يستعمل وسائلَ تمويه لئلا يفتضح حبُّه ويشيع. فهو يبتعد، مثلاً، عن بيت المحبوبة مع أنّ قلبه مصلوبٌ على جدرانه، وذلك خوفاً من الوشاة والأعداء، كما أنّه يصدّ نظره عن جهة الحبيبة على الرغم من أنَّ كيانه كلَّه يميل إليها، كما أخبرنا الشاعر الأموي عبد الله الأنصاري الملقّب بالأحوص (ت 105 هـ)، لضيق في عينيه:

يا بيتَ عاتكة الذي أتعزّلُ   ...    حذرَ العِدى، وبهِ الفؤادُ موكَّلُ

إنّي لأمنحكَ الصدودَ وإنّني ...     قسماً، إليكَ مع الصدودِ لأمْيلُ

بل إنَّ المرأة توصي حبيبها أحياناً بأن ينظر إلى غيرها ليظنَّ مَن يراه أنّه يحبُّ تلك المرأة الأخرى، فهذه إحدى حبيبات عمر بن أبي ربيعة توصيه:

إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينِكَ غيرَنا  ...   لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ

ولكن بالرغم من جميع وسائل التمويه والتضليل والمداورة التي يستخدمها العُشّاق، فإنَّ علامات الحبّ بيّنة واضحة فاضحة لا تفوت الوشاة المتربِّصين بالعشّاق، فهذا الشاعر على بن الحسن البغدادي (ت 465 هـ) الذي كان لقب أبيه (صرَّ بَعْر) ولكن نظام الملك استحسن شعره فلقّبه بـ (صرَّ دُرّ) يقول:

ولو أنّي أنادي: يا  سُليمى     لقالوا: ما أردتَ سوى لُبينا

ولذلك السبب فإنّ العشّاق العرب يؤكِّدون كتمانهم حبّهم طمأنةً للحبيبة وحرصاً على سمعتها. فهذا العباس بن الأحنف يقطع عهداً على نفسه:

لأخرجنَّ من الدنيا وحبّهمُ  ...   بينَ الجوانحِ لمْ يشعرْ بهِ أحدُ

وهذا جميل بثينة يبالغ في كتمان حبّه، فهو لا يكتمه عن غيره فحسب، وإنّما يكتمه عن نفسه وضميره كذلك، لو كان ذلك بالإمكان:

لو أن امرأّ أخفى الهوى عن ضميرهِ ...    لَمتُ ولمْ يعلمْ بذاكَ ضميرُ

ولكنْ سـألقى اللهَ والنفسُ لم تَبُــحْ    ...     بسرّكِ والمستخبرونَ كثيرُ

أعراض الحبّ وعلاماته:

إذا كان تعريف الحبّ وتحديده من الأمور الصعبة جداً، إنْ لم تكن مستحيلة، فكيف نعرف أنّ الإنسان قد أصيب بهذا المرض أو السحر أو الصعقة الكهربائية؟ ما هي العلامات أو الأعراض التي تنمّ عن الحبّ؟

تبيّن لنا النصوص الأدبيّة العربيّة التي بين أيدينا أنّ للحبّ علامات بادية على وجه العاشق لا تخطئُها العين كما يقول العباس بن الأحنف:

إنّ المحبّينَ قوم بين أعينِهم  ...    وسمٌ من الحبِّ لا يخفى على أحدِ

ويتطرق الحكيم الطبيب الضرير، داود الأنطاكي (ت 1008 هـ)، الملقب بالرئيس الضرير، لأنه كان رئيس الأطباء في زمانه، إلى علامات الحبّ في كتابه الشهير " تزيين الأشواق في أخبار العشّاق" فيقول عنها:

" هي أحوال يّتصف بها البدن كتغيُّر الألوان والعينين وتواتر النبض والخفقان، وربّما ازدادت هذه عند رؤية المحبوب أو سماع ذكره حتّى أنّها قد تقضي بالهلاك. وكذا اعتقال اللسان، وأحوال يتّصف بها الفكر كفساد الذهن والتعقُّل، وقد مرّ ذكرها. ثم هذه قد يُستدلّ عليها بالتطورّ والتنقُّل."

وهذه العلامات وتلك الأعراض تبدو بوضوح على العاشق حتّى إذا تمالك نفسه، وكتم حبَّه، وتسلّح بالصبر، وتحكّم في نفسه، فمنع الدمع من التحدّر على الخدين. ولهذا فإنّ المتنبيّ يُخطِرنا بهذه الوضعيّة العجيبة:

بادٍ هواكَ صبرتَ أمْ لمْ تصبرا ...   وبكاكَ إنْ لمْ يجرِ دمعُكَ أو جرى

وأوّل هذه العلامات أو الأعراض البادية للعين شحوبُ الوجه، وهزال الجسم، وظهور السقم على البدن، وكأن الحبّ ضيف يقتات على لحم العاشق ويرتوي من دمه، كما يقول ابن رشيق القيروانيّ، الشاعر الناقد الأديب اللغوي العروضيّ المؤرِّخ، الذي عاش في القيروان وصقلية في القرن الخامس الهجري:

وقائلةٍ: ماذا الشحوبُ وذا الضنى ؟ ...  فقلتُ لها قولَ المشوقِ المتيّمِ:

هواكِ أتاني، وهو ضيفٌ أعـزُّهُ  ...     فأطعمتُه لحمي وأسقيتُه دمي

ويؤكّد لنا هذه العلامة، أعني شحوب الوجه، عاشق آخر هو العُذري قيس بن ذريح متيّم لُبنى، ويزيد علها علامة أخرى هي ابتعاد العاشق عن الناس وتفضيله العزلة ليخلو بهمِّه ويتفرَّغ لهيامه المتواصل:

وللحبِّ آياتٌ تُبيّن بالــفتى:   ...    شحوبٌ وتعرى من يديه الأشاجعُ

وجانَبَ قربَ الناس يخلو بهمّه ...       وعـاودهُ فيها هيامٌ مُراجِـــعُ

أمّا هزال جسم العاشق ونحوله فهي علامة أخرى يؤكِّدها سريّ السقطيّ (ت حوالي 160 هـ)، وهو كبير متصوِّفة بغداد وخال الجنيد وشيخه، ويضيف إلى النحول علامة جديدة هي الذهول، أو شرود الذهن:

إذا ما شكوتُ الحبَّ قالتْ: كذبتني ...   فما لي أرى الأعضاءَ منكَ كواسيا

فلا حبَّ حتّى يلصقَ الجلدُ بالحشا  ...    وتذهل ُحتّى لا تجيب المناديــا

وقد يبلغ الذهول أو شرود الذهن حدّاً يتعذَّر معه على العاشق القيام بأقدس عباداته الدينيّة على الوجه الصحيح بمجرَّد ذكر الحبيبة، فينسى، مثلاً، عدد الركعات أثناء الصلاة، بل يصعب عليه حتّى التوجّه إلى القِبلة الصحيحة، كما حصل لمجنون ليلى:

أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتُها  ...    أثنتينِ صـلَّيتُ الضحى أمْ ثمانيا

أراني إذا صليتُ يمَّمتُ نحوَها  ...  بوجهي، وإنْ كان المُصلى ورائيا

وما بي إشراكٌ، ولكنَّ حبَّها  ...     كعودِ الشجا، أعيا الطبيبَ المداويا

وبلغ النسيان بمجنون ليلى مبلغه بحيث كان ينسى الحاجة المهمة التي من أجلها ذهب إلى منزل ليلى في ظلمة الليل:

فيا ليلُ، كمْ مِنْ حاجةٍ لي مهمةٍ  ...   إذا جئتُكم بالليلِ، لم أدرِ ما هيا

فإذا اشتدّ  الحبُّ، فإنه يستحوذ على جميع حواس الإنسان وأحاسيسه،  حتّى أنّه لا يرى ولا يسمع شيئاً آخر غير الحبّ والمحبوب، وهذا المعنى وجه من الوجوه التي يتضمنها الحديث الشريف: " حبُّك الشيءَ يعمي ويُصم." كما أنّ شرود الذهن يجعل من الصعب على العاشق التركيز أو فهم ما يُوجِّه إليه محدِّثُه من كلام، كما يخبرنا عروة بن حزام:

وقد تركتْني لا أعي لمُحدِّثٍ  ...    حديثاً وإنْ ناجيتُهُ ونجاني

إن شرود الذهن أو الذهول عَرَضٌ شائع بين المحبّين، فترى أحدهم شارد الذهن ساهياً، لا يُجيب مَن يناديه، ولا يسمع مَن يكلّمه، فتجده ساكتاً، كأن شيئاً يعقِل لسانه عن الكلام. وإذا تكلّم فألذّ كلامه الشكوى من الحبّ، كما يقول المتنبيّ:

الحبُّ ما منعَ الكلامَ الألسُنا ...      وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا

ومِن تلك العلامات أو الأعراض، الآهات والزفرات التي تعقبها دموع تترقرق في العينين عند أدنى إشارة تُذكِّر بالمحبوب. فالعاشق العُذريّ قيس بن ذريح يعرِّف الحبَّ لنا بأعراضه وعلاماته، وهي طريقة من طرائق التعريف في علم الدلالة وصناعة المعجم، فيقول:

هل الحبُّ إلا عبرةٌ بعد زفرةٍ  ...   وحَرٌّ على الأحشاءِ ليسَ لهُ بَردُ

وفيضُ دموعٍ تستهلُ إذا بـدا ...     لنا عَلَمٌ من أرضِكم لم يكُن يبـدُ

وهناك علامة أخرى يُعرَف بها العاشق وهي سرعة طربه لأدنى سبب. والطَّرب، في اللغة العربية، يعني الاهتزاز والاضطراب من فرح أو حزن. فالعاشق تُستثار عواطفه بأدنى الأسباب وأوهاها. فالموسيقى تثير شجنه، والغناء يبكيه، والشعر يشجيه، وهكذا. ويخبرنا أبو نواس، وهو من كبار الخبراء في الحبّ وشؤونه، بذلك:

حاملُ الهوى تَعِبُ  ...    يستخفّهُ الطربُ

إن بكى يحقُّ لـهُ    ...     ليسَ ما بهِ لَعِبُ

والسمة الرئيسة التي يشترك فيها جميع العشّاق هي البكاء. فهذا شيخ العشّاق، الشريف الرضي، تنفد الدموع من عينيه لكثرة ما أعان العشاق بدموعه، فيطلب من صاحبه معاونته في البكاء:

وابكِ عنّي فطالما كنتُ من قبـ      ــلُ أُعيرُ الدموعَ للعشّاقِ

وكلّما أراد العاشق أن يزجر نفسه عن البكاء الذي لا يليق بالرجل، هطلت دموعه بغزارة بغير إرادة منه، كما يقول لنا أحد شعراء العصر الأموي، الصمة القشيري (ت 95 هـ) في قصيدته العينية الخالدة:

بكتْ عيني اليسرى، فلمّا زجرتُها عن الجهلِ بعد الحِلم، أسبلتا معا

وقد يزداد بكاء العاشق ويتواصل حتّى تصاب عيناه بنوع من العمى فيبكي بعضه على بعضه، كما حصل للطبيب الشاعر الأندلسي، ابن زهر الإشبيلي (ت 557هـ) في أحد موشحاته الجميلة:

عشيتْ عيناي من طولِ البكا ...   وبكى بعضي على بعضي معي

ولا يستطيع أحد أن يمنع العاشق من البكاء، فقد تمكنوا من منع قيس بن الملوّح من رؤية ليلى العامريّة والتحدث معها، ولكنّهم لم يستطيعوا أن يمنعوه من قول الشعر والبكاء عليها:

فإنْ تمنعوا ليلى وحُسنَ حديثِها  ...    فلنْ تمنعوا عنّي البُكا

ويبدو أنّ البكاء يزداد شدَّة ً وسعيراً مع تمكُّن الحبّ من القلب، كما يحذرنا بشار بن برد:

بكيتَ من الهوى، وهواكَ طفلٌ  ...   فويلكَ ثمَّ ويلكَ حين شبّا

وحتّى إذا أراد العاشق أن يكتم حبَّه عن الآخرين ويُخفيه عن الأنظار فإن دموع الأشواق تفضحه. وفي هذا يقول الشاب الظريف (661 ـ 688 هـ) ابن الشاعر العفيف مخاطباً أحد رفاقه من العشاق بقوله:

لا تُخفِ ما صنعت بك الأشواقُ   ..   واشرحْ هواكَ فكلّنا عشـّاقُ

قدْ كانَ يخفى الحبّ لولا دمعُكَ الـ      ـجاري ولولا قلبُكَ الخفّاقُ

فعسى يُعينكَ مَن شكوتَ له الهوى ...    في حَملهِ، فالعاشقونَ رفاقُ

لا تجزَعنَّ، فلسـتَ أوّلَ مُغـرمٍ  ...        فتكتْ بهِ الوجناتُ والأحداقُ

وحتّى أولئك القادة الشجعان الذين لا يليق بهم ذرف الدموع أمام أتباعهم، فإنّهم يذرفون الدمع سخيناً في خلوتهم ليلاً. فهذا الأمير أبو فراس الحمداني قائد الجيش الذي أبلى بلاء حسناً في محاربة الروم، يعترف بأنّه كان يبكي عندما يخلو بنفسه ليلاً:

أراكَ عصي الدمع شيمتك الصبرُ ...    أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعــةٌ    ...     ولكنَّ مثلي لا يُذاعُ لهُ سـرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ...   وأذللتُ دمعاً من خلائقِهِ الكِبْرُ

دلال المحبوب وصدّه وهجره:

الدلال، لغة، يعني مخالفة الفتاة للحبيب، وتجرؤها عليه بلطف، وتمنُّعها. ولنضرب بعض الأمثلة على تدلُّل الفتاة العربيّة، وهي أمثلة مستقاة من أشعار عدد من العشّاق المشاهير.

فصاحبة امرؤ القيس تتظاهر بعدم تصديق كلامه، وتوجّه إليه أسئلة تهكمية لتسخر منه:

إذا قلتُ: يا لمياءُ، حبُّكِ قاتلي        تقولُ: وكمْ مِنْ عاشقٍ قتلَ الحبُّ؟

وترفض بثينةُ جميل طلباته بعناد وتنصرف دون أن تأبه له:

إذا قلتُ: ما بي، يا بثينةُ، قاتــلي   ...    مِن الحبِّ، قالتْ: ثابتٌ ويزيدُ

وإنْ قلتُ: ردّي بعضَ عقلي أعش بهِ ...   تولتْ وقالت: ذاكَ منكَ بعيد

فلا أنا مردودٌ بما جـئتُ طالـبـاً   ...       ولا حبُّها، فيما يبيدُ، يبيــدُ

ومحبوبة الأمير الشاعر أبي فراس الحمداني، تنكره وهي تعرفه وتتجاهله بتعنُّت، وهو رجل طبّقت شهرتُه الآفاق ويعرفه القاصي والداني:

تسائلُني: مَن أنتَ؟ وهي عليمةٌ ...    وهل بـفتىً مثلي على حالِهِ نُكرُ؟

فقلتُ لها: لو شئتِ لم تتعـنتي ...      ولمْ تسألي عنّي، وعندكِ بي خُبرُ

فقالتْ: لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدَنا  ...   فقلتُ: معاذَ اللهِ، بل أنتِ لا الدهرُ

هذه أمثلة على دلال الفتاة العربيّة، ومخالفتها للمحبوب، وتجرؤها عليه بلطف، وتمنُّعها. ولعلّ هذا الدلال ناتج عن عزّة نفسها، أو عن يقينها أنّ الدلال جزء من لعبة الحبّ، تزيد المحبّ تعلّقاً بالحبيبة، وتجعله يجري وراءها، طبقاً لقاعدة " كلُّ ممنوع متبوع" التي يشرحها الشاعر الأحوص ببيت من الشعر:

وزادني كلفاً في الحبِّ أنْ مُنعتْ ...  أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنعا

ويفسّر امرؤ القيس دلال حبيبته بغرورها الناتج من تمكّن حبّها من قلبه:

أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدلُّل ...    وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأجملي

أغرَّكِ منّي أنَّ حـبّك قاتلي   ...    وأنـَّكِ مـهما تأمري القلـبَ يفعلِ؟

فالحبيب يعرف ما له من مكانةٍ مكينةٍ في قلب المحبّ، ويعلم أنّ دلاله لا ينال من هذه المكانة، بل قد يزيدها سموّاً وثباتاً، فيتدلّل أكثر وأكثر، كما يقول البهاء زهير:

عرفَ الحبيبُ مكانهُ فتدلّلا   ...     وقنعتُ منهُ بموعدٍ فتعلَّلا

وكثير من العشّاق يستلذون دلال المحبوب، كما هو حال المتنبي القائل:

وأرى تدلّلكِ الكثيرَ محبَّباً   ...  وأرى قليلَ تدلُّلٍ مملولا

وهذا الدلال هو الذي يمنع الفتاة من الاستجابة إلى رغبات الحبيب وطلباته، كما يفسّر لنا الأمر شيخ العشّاق الشريف الرضي، في حوار جميل تعدّد المحاورون فيه وتكاثروا وتباينوا واختلفوا، فضاع المطلوب في وسط هذه الضجة :

هيفاءُ إنْ قالَ الشبابُ لها: انهضي ...  قالتْ روادفُها: اقعدي وتمهَّلي

وإذا سألتُ الوصلَ، قال جمالُهـا:   ... جودي، وقالَ دلالُها: لا تفعلي

ويفعل العاشق كلَّ ما في وسعه لإرضاء الحبيبة، فلا يصل مبتغاه. يمحضها خالص الود ليتقرّب إليها ويقترب منها، ولكنّها تبتعد عنه، فيصرخ كما صرخ بشار بن بُرد، الذي قتله الخليفة العباسي المهدي لوشايةٍ:

هل تعلمينَ وراءَ الحبِّ منزلةً  ...    تُدني إليكِ؟ فإنَّ الحبَّ أقصاني

وتتقد عاطفةُ العاشق حتّى ينقدح منها الشعر فيقول أجمله وأطوله في صدق محبّته ولهفته إرضاءً لحبيبته، ولكنّها تتمادى في دلالها ولا تُعيره بالاً، كما كان حال جميل بثينة:

وقد قلتُ في حبّي لكم وصبابتي ...    محاســنَ شعرٍ ذِكرهنَّ يطولُ

فإنْ لم ينلْ قولي رضاكِ فعلّمي ...   هبوبَ الصَّبا، يا بثنُ، كيفَ أقولُ

وتتمادى الحبيبة في دلالها فتأتي بطلبات غير معقولة وتضع شروطاً غير منطقية، فيقبل العاشق بما تفرضه عليه، ويصدع لما تأمر به، ويفعل كما تشاء. فهذا الأمير أبو فراس الحمداني أجاب حبيبته بما يُرضي غرورها عندما سألته أن يعرّفها بنفسه، ولكنها تمادت في دلالها بما يثير غيرته:

فقلتُ، كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى:   ...   قتيلُكِ، قالتْ: أيُّهم؟ فهمُ كُثرُ

وهذا المؤمّل المحاربيّ (ت 190 هـ)، يقبل بقلب الحقائق وتبادل الأدوار، فيعتذر عندما تُخطئ الحبيبة ويعودها عندما يمرض هو:

إذا مرضنا أتيناكم نزوركمُ  ...   وتذنبون فنأتيكم فنعتذرُ

ويلخِّص لنا العباس بن الأحنف تجربته في العشق ويقدّمها نصيحة بالمجّان لكل من يريد الدخول في تجربة الحب، غير المأمونة المخاطر:

تحمّلْ عظيمَ الذنبِ ممَّن تحبُهُ   ...    وإنْ كنتَ مظلوماً فقلْ: أنا ظالمُ

ولكن قوة احتمال العباس بن الأحنف نفسه تتردّى بفعل ما يعانيه من مذلّة، فيتمنّى لو أنّه لم يُخلق بتاتاً، ولم يوجد الحبُّ مطلقاً:

أباحَ حمى قلبي الهوى فأذلَّهُ ...   ألا ليتَ لم أُخلَقْ ولمْ يُخلقِ الحبُّ

فالعربيّ تتنازعه عاطفتان قويتان: كرامتُه وحبُّه، وهما أحياناً على طرفَي نقيض، فالحبّ والذلّ صنوان، والهوى والهوان من أصل لغوي واحد، كما يخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

نونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ ...   فإذا هويتَ فقد لقيتَ هوانا

وقد أكَّد لنا أبو فراس الحمداني أنّ عذاب الصدّ والهجر يستنفد صبر الإنسان وينال من عزّة نفسه ويجرح كرامته، ويؤدّي، لا محالة، إلى شعوره بالذلّ والهوان:

وتهلكُ بينَ الهزلِ والجدِّ مهجةٌ  ...   إذا ما عداها البينُ عذّبها الهجرُ

فأيقنتُ أنْ لا عزَّ بعدي لعاشقٍ   ...   وأنَّ يدي مما علقتُ به صفـرُ

وقد تأكَّد للباحثين أن الهوى يجلب الذل والهوان للعاشق مهما كانت مكانته، كما هو واضح من بيتٍ من الشعر ينسبه بعضهم إلى راوية الشعر عبد الملك بن قريب الأصمعي (121 ـ 216 هـ) المتهم بتزيّده فيما يروي:

مساكينُ أهلُ العشقِ حتّى قبورهم  ...   عليها ترابُ الذلِّ بينَ المقابرِ

وعلى الرغم من خضوع العاشق ومذلّته، فإنّ دلال الحبيب وممانعته ورفضه قد تتحوّل في ظروف معينة إلى صدّ وهجر، ولا يبقى للعاشق سوى الشكوى، كما اشتكى البحتريّ:

لجَّ هذا الحبيبُ في هجرانِه  ...     ومضى والصدودُ أكبرُ شانِه

ويضيق الحبيب بصدود المحبوب، ويؤلمه الهجر، ويحرق كبده، ويسلب لبَّه، كما يؤكِّد لنا ذلك فتى مخزوم اللعوب عمر بن أبي ربيعة، مُردفاً تأكيده بالقَسَم بكتاب الله:

مَن رسولي إلى الثريا فإنّي   ...     ضقتُ ذرعاً بهجرها، والكتابِ

سلبتني مَجّاجةُ المسكِ عقلي  ...     فسلوها: ماذا أحلَّ اغتصابي؟

وعندما يشكو العاشق الصدّ والجفاء والهجران تأتيه النصيحة جاهزة من العشّاق المُجرِّبين:

إنْ شكوتَ الهوى فما أنتَ منّا  ...    احمل الصدّ والجفا، يا مُعَنَّى!

وينصحونه بالصبر على صدود الحبيب، ويمنّونه بالوصال بعد الهجر، فطباع الإنسان تتغيَّر بتغيُّر الظروف والأحوال:

واصبرْ على هجرِ الحبيبِ فربّما  ...     عادَ الوصالُ، وللهوى أخلاقُ

ويصبر العاشق المسكين، ويصبر حتّى ينفذ صبره، ويمضُّ في نفسه الشعور بالمذلّة، فيُصاب بالاكتئاب، ويودي سهد الليالي بصحته، فيلجأ إلى الطبيب، لعلّ الطبّ يفيده. ولكنّ الطبيب يؤكِّد له أنّ الحبّ داء لا ينفع معه دواء، كما حصل لعلي بن الجهم:

وقلتُ: أيا طبيبُ! الهجرُ دائي ... وقلبي، يا طبيبُ! هو الكئيبُ

فحرّك رأسَـــهُ عجباً لقولــي    ...  وقال: الحبُّ ليسَ لهُ طبيـبُ

وإذا كان الحبّ لا ينفع معه طبّ، فإنّه لا ينفع معه سحر كذلك. فلا توجد تميمة ولا رقية تقي من الحبّ، كما تقول الشاعرة الأندلسية الحسناء المترفة زينت بنت فروة المريّة  التي ولدت في أسرة عربية مترفة في مدينة المرية الإندلسية،  بعد أن وقعت في حبّ ابن عم لها يُقال له المغيرة:

ولو أنَّ أهلي يعلمونَ تميمةً   ...  من الحبّ تُشفي، قلَّدوني التمائما

إن العشّاق العرب يعرفون جيداً أنَّ الطبَّ لا يُجدي، وأنَّ دواء الحبِّ الوحيد هو الوصال، كما يقول ابن زيدون:

لو شئتِ ما عذّبتِ مهجةَ عاشقٍ ...    مُسـتعذِبٍ في حبّكِ التعـذيبا

ولزرتهِ بل عدتهِ، إنَّ الــهوى ...     مرضٌ يكونُ لهُ الوصالُ طبيبا

أشواق العشّاق:

تُعرِّف المعاجمُ العربيّة الشوقَ بأنّه تحرّك النفس ونزوعها إلى شيء أو أمر ما. ولكنّ العشّاق العرب، الذين كابدوا الأشواق، يصِفون الشوق لنا بشكل آخر. فهو، بالنسبة إليهم، ألمٌ ممضّ يعبث بالقلب ويبعث الدمع في الآماق، كما يقول ابن بقي الأندلسيّ (465 ـ 545 هـ) في أحد موشحاته الجميلة:

عبثَ الشوقُ بقلبي فاشتكى      ألمَ الوجدِ فلبّتْ أدمعي

ويصف بعضُهم الآخر الشوقَ بأنّه نار موقدة كحمم البركان تأتي على مهجة الإنسان، حتّى يكاد لهيبها يضيء الكون كلَّه، أو كما قال الشاعر العاشق العبّاس بن الأحنف:

لو لم يكُن قمرٌ إذا ما زرتكم       يهـدي إلى نهجِ الطريقِ الواضحِ

لتوقّدَ الشوقُ المُبرُّ بمهـجتي      حتّى تضيء الأرض بين جوانحي

ووصفه حدّاد يتعاطى الشِّعر لُقِّب بالأخفش الحدّاد بأنّه مطارق ثقيلة تهوى على سندان القلب فتسحق حشا الإنسان سحقاً بعد أن أحرقته نار الهوى وبَرَده مبرد الحبّ:

مطارق الشوق منها في الحشا أثرُ     يطرقن سندانَ قلبٍ حشوه الفكرُ

ونارُ كورِ الهوى في الجسم موقدةً     ومبردُ الحبِّ لا يُبقي ولا يذرُ

ويؤيِّد مغني وموسيقي المدينة طويس (ت 92 هـ) هذا الرأي في بيت كان  يردده كثيراً حتى لُقِّب بالذائب:

قد براني الشــوقُ حتّى         كدتُ من وجدي أذوبُ

وعجز العبّاس بن الأحنف ذات مرَّة عن وصف الشوق فشبَّهه بالعطش الذي يعانيه إنسان لا يصيب قطرة ماء تُشفي غليله، فقال:

وأشـتاقُ فلا يـعلمُ         إلا اللهُ مـا ألـقى

ألا مَن يرحمُ الظمآنَ     يَستسقي ولا يُسقى

مَن يعرف الشوق؟

قلنا إنّ المعجميّين العرب لم يعرّفوا لنا الشوق بصورة شافية، ولا يعرف حقيقة الشوق إلا من يكابده، كما يخبرنا شاعر غير معروف اسمه الأبله البغدادي ولكنه ترك لنا بيتاً مشهوراً:

لا يعرفُ الشوقَ إلا مَن يكابدُهُ     ولا الصبابةَ إلا مَن يعانيها

وينهانا المتنبّيّ عن عذل المشتاق ما لم نجرّب إحساسه بالحرقة ومعاناته وشعوره باللهب الذي يضطرم في أعماقه:

لا تعذلِ المشتاقَ في أشواقِهِ    حتّى يكونَ حشاكَ في أحشائِهِ

أسباب الشوق:

هنالك عوامل عديدة تؤجِّج الشوق في نفس العاشق، في مقدِّمتها فراق المحبوب والابتعاد عن دياره. فكلَّما اتسعت الشقَّة بينهما وطال الفراق، اضطرم الشوق وتطاير شرره. فالشاعر سحيم عبدُ بني الحسّاس يستغرب اشتعال الشوق في نفسه منذ الليلة الأولى من ليالي السفر، ويتساءل عمَّ سيصيبه من الشوق إذا مرت عشرة أيام على الفراق:

أشوقاً ولمّا يَمضِ لي غيرُ ليلةً  ...   فكيفَ إذا خبَّ المطيُّ بنا عشرا؟

أما أمير العشاق العذريين، مجنون ليلى، فإنّه لا يتصوَّر مرور عشرة أيام على فراق المحبوبة، ويحسب أنّ ثمانية أيام من الشوق كافية لذهاب عقله أو قتله:

أشوقاً ولمّا تمضِ لي غيرُ ليلةٍ    رويدَ الهوى حتّى يغبَّ ثمانيا؟

وعلى الرغم من أنَّ أغلبية العشّاق متفقين على أنَّ البُعد والفراق يضرمان نار الشوق، فإنّ بعضهم كان يظنّ ذلك؛ ولكنّه اكتشف أنَّه يشتاق إلى الحبيب كذلك حتّى إذا كان بالقرب منه:

لئن كُنتَ أخليتَ المكانَ الذي أرى  ...    فهيهاتِ أنْ يخلو مكانكَ مِن قلبي

وكنتُ أظنُّ الشــوقَ للبُعدِ وحدَه    ...     ولم أدرِ أنَّ الشوقَ للبُعدِ والقربِ

وهكذا اتضح له أنّ الشوق لا علاقة له بالبعد والفراق، لأنّ الشوق صنو الحبَ، فما دمتَ مُحباً فأنتَ مشوق، سواء اقتربت من المحبوب أم ابتعدت عنه، وسواء حضر المحبوب أم غاب، كما تأكَّد للشريف الرضي:

أشتاقُهم إنْ دنوا منّي وإنْ بعدوا  ...   وإنْ أقاموا وإنْ غابوا وإنْ حضروا

ويبالغ عاشق آخر هو ابن الرومي في أشواقه فيخبرنا أنّه يشتاق إلى الحبيبة حتّى إن كانت بين أحضانه وملك يديه، ويصل إلى نتيجة خطيرة مفادها أنّه لا نهاية لأشواقه ما لم تمتزج روحه بروح الحبيبة، كما تمتزج الخمرة بالماء، ويغدوان روحاً واحدة:

أعانقها والنفسُ بعدُ مشـوقةٌ  ...        إليها، وهلْ بعدَ العناقِ تدانِ؟

وألثمُ فاهاً كَيْ تزولَ صبابتي   ...       فيشتدُّ ما ألقى مِن الهـيمانِ

ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الهوى ...     لتُشفيهِ ما ترشفُ الشفتانِ

كأنَّ فؤادي ليسَ يَشفي غليلهُ   ...     سوى أنْ يرى الروحَين يمتزجانِ

ويبدو أنَّ بعض الظواهر الطبيعيّة مِن آثار وأصوات وأنوار وغيرها قد تثير الشوق في نفس العاشق. ونستطيع تفسير علاقة هذه الظواهر بالحبّ أو المحبوب ولا نستطيع أن نجد صلة بين بعضها الآخر وبين الحب أو المحبوب. ومن هذه الظواهر رؤية ديار المحبوب أو أطلالها. فعندما وفد الصوفيّ الكبير أبو بكر الشبليّ إلى الكعبة المشرَّفة، ولاحت رسومها لناظريه، تأجج الحبّ الإلهي في قلبه وفاض شوقه شعراً:

قلتُ للقلبِ، إذ تراءى لعيني  ...   رسمُ دارٍ لهم، فهاج اشتتياقي:

هذه دارهُم وأنتَ محــبٌّ    ...     ما احتباسُ الدموعِ في الآماقِ؟!

ويضع لنا المغنيّ الشاعر العباسيّ، إسحاق الموصليّ، أستاذ الموسيقي زرياب، قاعدة مفادها إنّ القرب من ديار المحبوب يزيد الشوق ويؤجِّجه:

وكلّ مسـافرٍ يزدادُ شوقاً   ...  إذا دنتِ الديارُ مِن الديارِ

والوقوف على الأطلال، وتذكُّر الحبيب، ونثر الأشواق، وذرف الدموع كان تقليداً شِعريّاً مشهوراً حتّى قيل " أشهر مِن قِفا نبكي" أي مطلع مُعلَّقة الشاعر الجاهليّ امرئ القيس المشهورة. وهذا موضوع يستحقُّ بحثاً كاملاً، إلا أنّنا نكتفي بإيراد ثلاثة أبيات للشريف الرضي تصوِّر لنا كيف يهيّج مرأى الأطلال أشواقَ المحبّ وحنينه إلى المحبوب:

ولقد مررتُ على ديارِهم   ...    وطـلولُها بِـيدِ البِلى نهبُ

فوقفتُ حتّى ضجَّ من لَغبٍ ...    نِضوي، ولجَّ بعذليَ الركبُ

وتلفَّـتتْ عيني، فمُذْ خفيتْ ...    عنها الطلولُ تلفّتَ القلـبُ

ومما يشعل نارَ الشوق في قلب العاشق التحدُّثُ مع الآخرين عن الحبّ، وملاقاة غيره من العاشقين، كما يخبرنا بذلك عاشق محترف هو فتى مخزوم النرجسيّ عمر بن أبي ربيعة:

وذو الشوقِ القديمِ وإنْ تسلّى  ...   مشوقٌ حينَ يلقى العاشقينا

وإذا كانت الديار والأطلال والحديث عن الحبّ أموراً ذات علاقة مباشرة بالحبيب، تؤجِّج الشوق في نفس العاشق، فإنّ أموراً أخرى لا علاقة مباشرة لها به تفعل الفعل نفسه، منها هديل الحمام، إذ يفترض العربيّ أنّ الحمام هو الآخر عاشق مولّه ينوح على فراق حبيبه. فالشاعر البحرانيّ، مثلاً، يقول:

إذا غنّى الحَمامُ طربتُ شوقاً  ...  إليك، وكلُّ مشتاقٍ طروبُ

ونيران الشوق في قلب العاشق الولهان لا تحتاج إلى ريح لتتأجَّج، فقد تزداد اضطراماً لأوهى الأسباب، فتغريد حمامة، أو تألُّق نجمة، أو لمعان برق من جهة ديار الحبيب، أو أي شيء آخر مهما كان بعيد الصلة بالمحبوب يكفي لجعل العاشق يسهر الليل كلَّه نهباً للوساوس والفِكَر، كما يخبرنا علي بن إسماعيل بن القاسم بن محمد:

أكذا المشـتاق يـؤرّقهُ  ...   تغريد الوُرْق ويقلقُهُ

وإذا ما لاح على إضـمٍ  ...    بـرقٌ أشـجاه تألّقُه

يُخفي الأشواقَ ويُظهِرها ... دمعٌ في الخدِّ يرقرقُهُ

وعندما  يجتاح الشوقُ العاشقَ مثل إعصارٍ، يتمنَّى لقاء المحبوب في الحال. ولكنَّ بُعد الشقَّة يجعل الأمر عسيرَ التحقيق. فعندما برّح الشوقُ بالعباسَ بن الأحنف، تمنّى لو أنَّ طيراً من الطيور أعاره جناحه ليطير به إلى المحبوب، ولم يَدُر بخلده أنّ هذه الأمنية التي كان يشاركه فيها كثيرون، سيحقِّقها الإنسان في يوم من الأيام، وتقلّل من روعة بيته الشعري وأصالته:

أسربَ القطا، هل من يُعيرُ جناحَهُ؟   لعلّي إلى مَن قد هويتُ أطيرُ

فلم يكُن العربيّ آنذاك يملك في أسفاره سوى العيس، وهي إبل سريعة السير كانت تُستخدَم في الأسفار ونقل الأحمال. فكان العاشق المشتاق يُلهب أعناقها بالسياط وقلّما يتوقَّف في منازل الاستراحة لعلّه يصل إلى المحبوب بأسرع ما يمكن ، كما يخبرنا أبو نواس:

أما الديـار فقـلّما لـبثوا بـها        ...        بينَ اشتياقِ العيس والركبانِ

وضعوا سياطَ الشوقِ في أعناقِها ...       حتّى اطّـلعنَ على الأوطانِ

 

عذل المحبين ولومهم:

يتفق العشّاق العرب جميعهم على أن لا فائدة تُرجى من العذل، ولا نفع يُتوخى من اللوم، وذلك لعدة أسباب:

أولاً، لا فائدة في التحذير بعد أن يقع المحذور، أو بعد أن يهوى الفاس على الرأس، كما يقولون. ويلخّص النابغة الجعديّ هذه القاعدة لنا بقوله:

ألمْ تعلما أنّ الملامةَ نفعُها   ...    قليلٌ، إذا ما الشيءُ ولَّى فأدبرا؟

وثانيا، إنَّ الحبّ كالقَدَر، لا قُدرة للمُحبّ على ردّه أو اتقائه. ولو قُدّر لكَ الحبّ، لم تستطع أن تفعل شيئاً. ولهذا ينبغي أن لا تلوم العاشق، كما يقول أحمد شوقي:

يا لائمي في هواهُ ـ والهوى قَدَرٌـ  ...    لو شفّكَ الوجدُ، لم تعذلْ ولم تلُمِ

وثالثاً، إن العاشق لم يبتكر الحبَّ، ولا ذنبَ له في حبّه، فهذه سُنّةُ الحياة، ونحنّ جميعا مُعرّضون للحبّ بفضل العواطف والأحاسيس التي وهبها لنا الخالق، فلماذا نلوم غيرنا حين يعشق، كما يقول جميل بثينة مدافعاً عن نفسه:

فلا تكثروا لومي، فما أنا بالذي    سننتُ الهوى أو ذقتُهُ وحدي

ورابعاً، قبل أن تنحى باللوم على المحبِّ وتعذله على حبِّه، يجب أن تجرّب أنتَ الحبّ، وإلا فكيف تعذل إنساناً على أمْرٍ أنت تجهله ولا عِلم لك به، وهذا منطق عمر بن أبي ربيعة وحجاجه:

تلومُكَ في الهوى نُعْمُ  ...  وليس لها بهِ عِلمُ

ويؤيِّده في منطقه هذا شاعر فحل آخر هو بشار بن برد، ويزيد قائلاَ إنّه لو أُصيب العاذل بمرض الحبّ لما سمع عذل مَن عذل، حتّى لو كان العاذل أباه أو أمه:

يلومكَ في الحبِّ الخليُّ ولو غدا    ...    بداءِ الهوى، لم يرعَ أُمّا ولا أبا

وهذا المعنى نفسه ردده الصوفيّ عمر اليافيّ (1173 ـ 1233 هـ) بقوله:

يلومونَ في خلعِ العذار أخا الهوى ...   وما شربوا كأسي وقد جهلوا أمري

خامساً، إنّ العاشق لا يستطيع أن يُصغي لما يقوله له الآخرون بسبب ما أصابه من السقم والألم. وهذا فحوى السؤال الاستنكاريّ الذي وجهه الشاب الظريف:

كيفَ يُصغي لعاذل أو يميلُ  ..     مغرمٌ شفّهُ ضنىً ونحولُ؟

سادساً، إنّ اللوم قد يأتي بنتيجة عكسية، فقد يزيد العاشق تمادياً في غرامه، كما يحذِّرنا شاعر كان يتكسَّب بشعره، ابن حيوس (395 ـ 453 هـ):

واللومُ مثلُ الريحِ يذهبُ ضَلّةً  ...  ويزيدُ نيرانَ المُحبِّ تضرُّما

وسابعاً، إنّ كثيراً من المُحبِّين يجدون لذة في اللوم لأنّه يتضمّن ذكر المحبوب، ولا يأبهون بقصده، كما أوضح لنا شاعر كوفي اسمه أبو الشيص (130 ـ 196 هـ):

أجد الملامة في هواكَ لذيذةً     حبّاً لذِكركَ، فليلمني اللوّمُ

وثامناً، إنّ الحبّ كافٍ لإيلام العاشق، وليس من العدل أن نضيف إليه ألماً آخر يتمثل بلومه وعذله، وإنّما ينبغي أن نرفق به ونشفق عليه، كما يرى الشاعر الجاهلي عمرو بن صخر بن الشريد، أخو الشاعرة الخنساء التي رثته بعد موته في بكائيات كثيرة:

وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومُني      ألا لا تلوميني، كفى اللومَ ما بيا

وللبحث صلة في الكتاب*

 

بقلم الدكتور علي القاسمي

.................................

* فصل من كتاب:

ـ علي القاسمي، مفاهيم الثقافة العربية (حائل: النادي الأدبي الثقافي بحائل، 2018)،  318 صفحة ، وهو طبعة ثانية مزيدة من كتاب:

ـ ــــــــ، مفاهيم العقل العربي  (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2006).

والكتاب بأكمله متوافر في موقع (أصدقاء الدكتور علي القاسمي) على الشابكة.

 

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" ( الحصري)


إشكالية الوطنية والقومية العربية عند ساطع الحصري

إن التأسيس النظري للفكرة القومية عند الحصري اتسم أيضا برؤية واقعية. من هنا محاولاته ايجاد الصيغة النظرية والعملية المناسبة للإجابة على الأسئلة الأكثر حيوية، وبالأخص واقع التجزئة مع ما ترتب عليها من إشكالية الوطني والقومي، وواقع الصراع السياسي والأيديولوجي، وبالأخص الأفكار المناهضة للفكرة القومية العربية.

ففيما يتعلق بقضية الوطنية والقومية، شدد الحصري على أن "الوطنية والقومية من أهم النزعات الاجتماعية التي تربط الفرد البشري بالجماعات"[1]. ومن هذه المقدمة النظرية حاول حل إشكالية التعارض أو التضاد أو حتى الاختلاف بينهما. ووضع ذلك في فكرة مقتضبة تقول، بأن الوطنية حب الوطن، والقومية حب الأمة[2]. وأن منبع الوطنية حب الوطن، بينما منبع القومية هو حب الأهل[3]. ذلك يعني انه حاول وضع ما يمكن دعوته بتناسب الفكرة الوطنية والقومية في معادلة التأسيس النظري والعملي للبدائل الممكنة بهذا الصدد. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عن تقارب مفهوم الوطنية والقومية.

ومن هذه المقدمة حاول تفسير واستشراف العلاقة الواقعية والمفترضة بينهما. وبما أن فكرة الوطنية الحديثة في العالم العربي قد ارتبطت بصيرورة الدولة الحديثة والمجزأة في الوقت نفسه من جانب الاستعمار الأوربي، لهذا نراه ينطلق من تقرير المدخل العام القائل، بأن ارتباط الوطنية والقومية بالدولة ليس واحدا في كل الدول والأمم وفي جميع ادوار التاريخ. فالأمة قد تؤلف دولة واحدة مستقلة عندما تصبح الوطنية والقومية شيئا واحدا[4]. وفي حال وجود أمة ذات دول عديدة، عندها يظهر عدم الارتياح وتظهر فكرة وطن معنوي مثالي. وهنا قد يصبح الخلاف والفرق بين الوطنية والقومية ممكنا[5]. وعندما تكلم الحصري عن وجود "أمة محرومة من دولة خاصة وتابعة لدولة أجنبية" إلى جانب وجود "أمة محرومة من دولة خاصة ومجزأة وموزعة في دول"، فان مقصوده كان يرمي إلى حالة الأمة العربية. فقد كانت في مرحلة تأسيسه للفكرة هي "أمة محرومة من دولة خاصة وتابعة لدولة أجنبية".

لقد أراد الحصري القول، بأن الأمة العربية كينونة قائمة بذاتها خارج كل التأويلات والتفسيرات "العلمية" والأيديولوجية المحتملة التي تحاول أن تربط الفكرة القومية بشيء غير ذاتها. كما أن حالة الاختلاف والتباين الواقعية بين الوطنية والقومية في العالم العربي لا علاقة جوهرية لها بفكرة الأمة العربية، بقدر ما أنها تمس الأبعاد العملية المباشرة للفكرة القومية السياسية.

ووضع هذه النتيجة في موقفه من علاقة الوطنية والأممية. وانطلق الحصري هنا من استنتاج أو رؤية عادية تقول، بأن هناك صفات تعادي الوطنية وذلك لأنها تعادي الفضائل والنزعات الأخلاقية، مثل الأنانية. لكن هناك صفات تعادي الوطنية، لكنها لا تعاكس سائر الفضائل مثل الكوسموبوليتية[6]. واستشهد هنا بموقف جان جاك روسو الذي قال مرة، بأن هناك من "يحبون أبناء الصين لكي يتخلصوا من الواجبات الفعلية التي تترتب عليهم جراء حب أبناء وطنهم". أما انتشار الكوسموبوليتية في ألمانيا في مرحلة معينة من تاريخها، فقد كان لأسباب عديدة حصرها الحصري بكونها كانت آنذاك موافقة للروح الفلسفي السائد بين الألمان، إضافة لانعدام وجود نزعة وطنية وقومية ألمانية، وأخيرا بسبب صراع الآراء وعدم رغبتهم حينذاك في تشكيل نزعة قومية قوية. لكن الألمان حالما اصطدموا بالاحتلال الفرنسي، أي من جانب أمة كانت حينذاك مشبعة بالفكرة القومية والروح الوطنية (زمن نابليون)، عندها تغيرت آراء الألمان. بحيث نسمع الشاعر الألماني آرنت يقول: "عرفت وطني في ثورة الغضب، وأحببته في ساعة النكبة"[7].

ومن هذه المقدمات العامة حاول الحصري الانتقال إلى حالة العالم العربي وإشكالية الوطنية والأممية فيه. ووجد في الشيوعية و"دعاة السلم" القوى السياسية التي استحكمت في رؤيتها العملية تجاه إشكالية القومية والأممية، الرؤية الأيديولوجية الصرف. وعندما تناول "الحلم" البارد لدعاة السلم الذين يتكهنون بأن ساحات الحرب ستتحول إلى أسواق تجارية، بينما ستنتقل المدافع إلى المتاحف، فإنه توصل إلى أن الواقع يكشف عن أنه لم يجر لا هذا ولا ذاك. أما كون بعضها جرى إرساله للمتاحف، فلأنه أصبح تحفة مقارنة بما هو جديد وفعال[8]. من هنا معارضة الحصري لدعاة السلم ومناهضة الوطنية. وانطلق في موقفه هذا من أن لكل مرحلة متطلباتها. ولا يكفي وضع فكرة المستقبل المجردة في صلب الحياة السياسية الحالية. حينذاك تصبح فكرة معرقلة لما نسعى إليه.

أما الشيوعية فأنها تستكمل هذا التيار من حيث حرفها حقيقة الوطنية والقومية وأثرهما بالنسبة للحاضر والمستقبل والشعارات الاجتماعية التي ترفعها. وأعتبر لهذا السبب، أن الشيوعية معادية للوطنية والقومية. لكنها على خلاف فلسفة السلم تدعو للصراع والحرب، وأن الثورة عندها لا يجب أن تتقيد بقيود الوطنية، بل يجب أن تعمل ضدها[9]. إلا أن تحليل تجارب الشيوعية بهذا الصدد يكشف عن أن استيلاءها على روسيا كان بفعل الدعاية الخلابة بين الفقراء وآمال الرفاهية التي أدت إلى تقوية هذا الاتجاه. وأقامت بهذه الصورة أمام النزعة الوطنية عدوا جديدا خطرا جدا[10]. غير أن تجربة روسيا الأممية نفسها تكشف (وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية) عن انتصار فكرة الوطنية (وإلغاء الأممية الثالثة)، وإهمال النشيد الأممي المعروف[11].

لم يقصد الحصري من وراء آراءه النقدية هذه سوى تذليل الأبعاد الأيديولوجية (العقائدية) الصرف التي تميز هذا النوع من التيارات الفكرية والسياسية، التي لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إفراغ الفكرة الوطنية والقومية والأممية والاجتماعية من مقوماتها الذاتية. من هنا تشديد الحصري في قوله على أنه لا يخالف من يدعو للاشتراكية، بل وأنه حتى لا يعارض من يقول بالشيوعية. غير أنه يطلب منهم ألا يمزجوا دعوتهم هذه بالفكرة الأممية. وألا يجعلوا أحزابهم معادية للنزعة الوطنية. وذلك لأنه كان يعتقد، بأن الأضرار التي تنجم عن الإصغاء إلى الدعاية الأممية لا تكون متساوية في كل البلاد، بل أنها تزداد أو تنقص تبعا لحالة الوطنية فيها[12]. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأمة المتأخرة في حضارتها، المتفرقة في سياستها، المترددة في وطنيتها، المستيقظة من سبات عميق قريب العهد بحيث لم يتكون عندها الشعور القومي وتتأصل فيها النزعة الوطنية، لا تفعل رياح الأممية إلا على بعثرت ما فيها... لأنه يوقف اختمار الفكرة القومية في مبادئها ويحول دون تكوّن الشعور القومي العام"[13].

إن هذا النقد العقلاني للعقائد المغلقة والطوباوية، لا يعني استبدالها بأخرى ملبّسة بلباس الوطنية والقومية. على العكس. أنه يهدف إلى تأسيس الرؤية الواقعية تجاه إشكاليات الفكرة الوطنية والقومية نفسها. بمعنى الإبقاء على جوهرية الفكرة الوطنية والقومية باعتبارها المبدأ الأعلى، وتوظيف كل السياسة العملية من اجل بلوغ غاياتها الكبرى. من هنا فكرته عن ضرورة أن تكون أسس الوطنية والقومية اجتماعية وأصيلة. وأعتقد بأنه لا يجب ترك الأمور على حالها فلا نفكر في إزالة الجور عن أفراد الأمة، بل من الضروري قول العكس، أي وجوب بذل كل الجهود لإصلاح الأحوال وإزالة الجور ما يمكن من السرعة، على أن لا يخرج ذلك الأعمال والتدابير عن مقتضيات الوطنية، وأن يكون الاعتقاد السائد والدائم هو "أن الوطن قبل كل شيء وفوق كل شيء"[14].

إن المبدأ المشار إليه أعلاه يستند في مواقف الحصري إلى فكرته القومية ومبادئها الأساسية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الملموسة لتجلي الفكرة القومية بمبدأ العروبة. فعندما يتناول فكرة العروبة، فانه يفرّق ويمّيز بين العروبة وبين الشعور بالعروبة. فإذا كانت العروبة تعود إلى تاريخ سحيق في القدم، فإن الشعور بها وتحولها إلى فكرة سياسية وعملية واضحة هو نتاج الفترة المعاصرة ومستقبلها، كما يقول الحصري[15]. فالعروبة كينونة خاصة مرتبط باللغة وتاريخها الثقافي. بينما الإسلام مكون تاريخي إضافي. لهذا نرى الحصري يربط الفهم العميق والسليم لتاريخ العروبة بفهم وقائع انتشار اللغة العربية واستقرارها[16]. بينما أدى ارتباط العربية بالإسلام ونشر الدين واللغة إلى نتائج مختلفة. ففي بعض الأماكن تغلبت اللغة العربية وصارت الديانة الإسلامية دين الأغلبية. وفي بعضها تغلب الإسلام فقط. بينما سادت العربية والإسلام في مناطق أخرى ثم انحسرت لاحقا كما جرى الحال في الأندلس وصقلية.

ووضع الحصري هذه الفكرة العامة في أساس موقفه من الإشكاليات الكبرى التي واجهت الفكرة القومية العربية مثل قضية الموقف من مختلف أشكال الوطنيات المنغلقة، وقضية تحديد ماهية "العالم العربي" و"الوحدة العربية" والسياسة العملية المتعلقة بالوحدة العربية، وعلاقة الوحدة العربية بالوحدة الإسلامية وغيرها من القضايا.

ففي معرض رده على فكرة "المصرية" المتماهية مع الفرعونية آنذاك، انطلق الحصري من السؤال العام المتعلق بماهية المصرية والفرعونية؟ وهل المقصود به اللغة أم الثقافة أم الحضارة أم الدين أم السياسة؟ أو مختلف تركيباتها المتنوعة؟ وفيما لو تناولنا كافة هذه الجوانب، فإن النتيجة الجلية تقوم في انعدام معنى وقيمة ما اسماه الحصري بصناعة خصم للفكرة العربية من الآثار الفرعونية. إضافة لذلك أن الفرعونية من وجهة نظر الحصري فكرة قديمة. بينما الفكرة العربية فكرة الحاضر والمستقبل. أما الادعاء القائل، بأن الدم المصري لا علاقة له بالعرب، فقد وجد فيه مجرد هوس وأوهام. أما الفكرة القائلة بخصوصية مصر، وأنها مستقلة بذاتها ولها تاريخها الخاص، فإن الحصري لم يجد فيها ما يتعارض مع الواقع والتاريخ[17]. كما أنه يمكن تطبيقها على اغلب الدول العربية. وضمن هذا السياق يمكن فهم نقده الفكري والسياسي لآراء ومواقف طه حسين (عميد الأدب العربي!!) الذي كان يقول ويدعم شعار "المصري مصري قبل كل شيء". وأن "المصري لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف". والشيء نفسه ينطبق على ما كان يسميه طه حسين "فرعونية مصر. وأنها متأصلة في نفوسهم".

وقد وجه الحصري نقده اللاذع للنزعة الوطنية الضيقة (المصرية والفرعونية). إذ وجد في هذه الكلمات والآراء والمواقف والشعارات عن حياة ودور وموقع مصر كلمات جوفاء، وتحتوي على كمية كبيرة من الأوهام. وقد أدت هذه الأوهام والانغلاق المغترب إلى انتشار ظاهرة المعارضة العلنية للفكرة القومية العربية في مصر آنذاك، وبالأخص بين مثقفيها المتأثرين بمختلف التيارات الفكرية والسياسية والأيديولوجية الأوربية. بحيث اتخذت أو بلغت ذروتها في الأفكار الشاذة مثل إطلاق عبارة "الغزاة العرب" على تاريخ مصر (كما قال بها فكري اباظه!). وأشار الحصري إلى أنه حالما نشر ناظم المقدسي(رئيس وزراء سوريا) عام 1951 مذكرة الوحدة العربية التي أيدتها الجرائد في العراق وفلسطين والأردن، فإن المعارضة الشديدة له جاءت في الأغلب من جرائد مصر ولبنان.

وعندما اخذ بنقد هذه الحالة، فانه اتخذ من حالة ألمانيا التي كانت تشبه في الكثير من جوانبها حالة العرب. وكتب يقول، بأن أهل بروسيا لم يقولوا أن بروسيا أولا وألمانيا ثانيا، بل كانوا يقولون "بروسيا في خدمة الفكرة الألمانية"[18]. وتتبع الحصري هذه الحالة في واقع وتناقض هذه الحالة في مصر آنذاك، بوصفها "قلب العالم العربي". فقد كانت مصر آنذاك أهم مركز من مراكز الثقافة، وأقدم الدول العربية في تشكيل الدولة العصرية وأقواها في الآداب، كما يقول الحصري. وليس مصادفة أن يتوجه إليها آنذاك كل من عمل من اجل الوحدة العربية والنهضة العربية. لكن المفارقة تقوم في أنهم جميعهم أصيبوا بخيبة الآمل بسبب إعراض مصر عن الفكرة العربية. إلا أن ذلك لم يمنع الحصري من التنبؤ الدقيق حول أن "مصر ستسير بالضرورة صوب الفكرة العربية"[19]. وسوف يكتب لاحقا في ملاحظاته التاريخية والسياسية حالما تناول قضية الوحدة العربية وعلاقة مصر بها، إلى انه عايش المرحلة التي كان المصريون المتنورون ينكرون فيها عروبتهم إنكارا تاما. ويصرون على فكرة "مصر لا غير" و"مصر بس!". لكنه بالمقابل كان يتأمل مصدر الفكرة القومية العربية الحديثة ومنبع نموها التاريخي في الشام. وأشار هنا إلى أن سوريا أشد البلاد العربية تشبعا بالفكرة العربية. وأن بلاد الشام ظلت بعيدا عن النزعة الإقليمية وتواقا إلى الوحدة العربية. والتجربة السورية كشفت عن أنها الدولة العربية الوحيدة (آنذاك) التي أدخلت في دستورها (مادة) الشعب السوري جزء من الأمة العربية[20].

وضمن هذا السياق يمكن فهم يقينه عن نمو الفكرة القومية العربية في مصر و"رجوع" مصر إلى كينونتها العربية الأصلية. وانطلق في ذلك مما اسماه بتلازم المصرية والعروبة. من هنا يقينه، بأن فكرة ومبدأ وشعار "العروبة أولا" سينتصر في مصر مع مرور الزمن[21]. أما النزعة الفرعونية، فإنها آيلة للزوال. وذلك لأن "العهود الفرعونية مدفونة تحت رمال الزمان منذ آلاف السنين مثل الحضارة السومرية في العراق والفينيقية في سوريا". وبالتالي، "لا يجوز للمصريين أن يتنكروا للعروبة بحجة الارتباط بالحضارة الفرعونية" كما يقول الحصري. فالحضارات القديمة، حسب رؤية الحصري قد اندثرت ولا يمكنها العودة للحياة. أما العروبة فليست من محنطات الماضي، بل هي نوع من الحاضر الحي. وبالتالي، فأن "العروبة ليست خاتمة لماض سحيق، بل هي فاتحة مستقبل باهر"[22]. ووضع هذا الاستنتاج النظري والتاريخي والسياسي في أساس نقده لمختلف الاتجاهات المعارضة لأهمية وآفاق الفكرة العربية الجامعة بالنسبة للمستقبل، كما نراه في مواقفه النقدية القوية من آراء سعد زغلول وطه حسين وعدد لا يستهان به من ساسة ومثقفي مصر آنذاك.

ففي مجرى نقده لعبارة (فكرة) سعد زغلول، الذي قال مرة في موقفه من الوحدة العربية: "إذا جمعت صفرا إلى صفر. ماذا تكون النتيجة؟"، بأن هذا الموقف لا علاقة له بالعلم والتاريخ والسياسة المستقبلية. وعلق على ذلك قائلا، بأن "الاجتماع لا يشبه الجمع"، و"أن تشبيه الاجتماع بعمليات الجمع والضرب الحسابية يكون بهذا الاعتبار نوعا من الهرطقة العلمية"[23]. كما أنه يجعل من كل شيء ليس بذي معنى ولا قيمة له. إذ لا تعني عبارة سعد زغلول سوى أن الشعوب العربية صفر، ومصر كذلك. وهذه مواقف وآراء لا تدل على حصافة عقل في ما يتعلق بتأثيرها بالنسبة للهمم والمستقبل. إضافة إلى تعارضها مع ابسط مقومات الرؤية الواقعية والعقلية والعقلانية. فالاتحاد يوّلد قوة ليس عن طريق جمع القوى فحسب، بل وعن طريق إيجاد حياة جديدة وأوضاع جديدة تولد قوى جديدة، تفوق مجموع القوى المتفرقة، كما يقول الحصري[24].

كما نراه يقف بالضد من فكرة طه حسين عما اسماه برابطة البحر المتوسط. وأعتبرها فكرة ناقصة ومزيفة. وذلك لأن التاريخ والواقع يكشف عن أنه ليس بإمكان بحر أن يكون مصدرا لوحدة. كما لا تستند هذه الفكرة على أساس علمي صحيح. ووجد الحصري فيها مجرد ترديد غير نقدي لما سبق وأن كان يدعو إليها ويروج عدد غير قليل من كتاب فرنسا وساستها بغية إدامة حكمهم على المغرب العربي وبسط سيطرتهم على بلاد الشام. بل نرى الحصري يشدد على أنه إذا كان من الضروري الحديث عن أهمية البحر، فمن الأجدر الحديث عن البحر الأحمر، لأنه "أكثر أهمية لمصر من البحر المتوسط"[25].(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص9.

[2] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص9.

[3] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص.16

[4] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص10.

[5] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص11-12.

[6] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص74-75.

[7] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص83.

[8] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص87.

[9] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص89.

[10] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص90.

[11] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص91-92.

[12] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص93.

[13] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص94.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص95.

[15] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص185.

[16] ساطع الحصري: العروبة أولا!،  ص186.

[17] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص122.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص126.

[19] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص143-146.

[20] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص142-143.

[21] لقد كتب الحصري آراءه هذه وتنبؤاته قبل صعود الناصرية، التي جسدت الصيغة الدقيقة والعميقة لفكرة الحصري بهذا الصدد، بمعنى أنها الأيديولوجية والمرحلة التي تكاملت فيها مصر بوصفه قوة عربية خالصة. وفي هذا كان يكمن سر قوتها الكامنة.

[22] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص113-114.

[23] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص64.

[24] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص67.

[25] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص98. وهنا كان الحصري أكثر دقة من حيث تنبؤه بهذا الصدد، كما نراه جليا بالنسبة لقناة السويس ومشاريع السياحة الحالية في مصر، على الأقل بالنسبة للاقتصاد المصري.

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" (الحصري)


تقديم عام

ولد ساطع الحصري (من أصول سورية حلبية) في صنعاء اليمن عام 1879 وتوفي في بغداد عام 1968، وما بينهما عاش وعمل في تركيا والبلقان ومصر وسوريا والعراق، في مجال التربية والتعليم. ومن خلالها كان يحقق فكرته القومية. إذ كان على يقين من نجاح الفكرة القومية العربية في نهاية المطاف رغم مسارها المعقد. فقد كانت الفكرة القومية بالنسبة له جزء عضوي من صيرورته الشخصية وكينونته الروحية والفكرية. من هنا كانت شخصيته من حيث حقيقتها وغايتها عربية أولا وقبل كل شيء رغم انتماءه لسوريا ومصر واليمن وغيرها من المناطق. غير أن شخصيته الفكرية القومية قد تكاملت في العراق. وفيه دفن بعد أن اعيدت له الجنسية العراقية قبل وفاته بقليل. إذ جرى سحبها بأثر تأييده للحركة القومية المناهضة للسيطرة البريطانية على العراق. وبهذا المعنى كان الحصري شخصية وطنية عراقية من طراز خاص وعميق أيضا. من هنا الطابع المبتذل للأوصاف التي تطلق عليه من جانب الشيوعيين فيما مضى وبقاياهم الآن، وكذلك من جانب بعض الحوزات الدينية الشيعية والأحزاب الشيعية السياسية الرخوية. فالأوائل يطلقون عليه عبارة "يميني متطرف" و"قومي شوفيني" والثواني يعتبرونه "طائفيا" و"سنّيا متعصبا". وكلاهما يكمّل الآخر بالجهالة والجاهلية! إذ من غير المعروف مضمون "اليميني" و"الشوفيني". فهي اوصاف تتلذذ لها أسماع "اليسار" و"الأممية". وكلاهما زيف سواء بمعايير المنطق والعلم أو بمعايير التاريخ الفعلي والحياة السياسية، وذلك لأنها مجرد أحكام أيديولوجية صرف، شأنها شأن شتائم نسوان المحلة! وفي الوقت نفسه هي نتاج التربية السيئة للشيوعية في العراق، التي ناصبت الفكرة القومية العداء الاعمى. انها تحب الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية السابقة، وتدافع بحمية مبالغ فيها عن تشيلي والأرجنتين وبوركينو فاسو والأقليات الدينية والعرقية الجبلية والمغلقة، وبالمقابل تكره بإفراط لا مثيل له كل ما هو عربي وعروبي وقومي! الأمر الذي يشير إلى خلل عضوي وبنيوي في الذهنية والعقل والنفس والأخلاق. والشيئ نفسه يمكن قوله عن اتهام بعض التيارات الشيعية القديمة والمعاصرة إياه بالطائفية.

لقد كان الحصري وطنيا عراقيا وقوميا عربيا بالمعنى الثقافي العميق، وعقليا وعقلانيا، وعلميا ودنيويا (علمانيا) صرف. وغرابة الأمر هنا تقوم في انه أول وأعمق وأوسع من أرسى أسس التربية العلمية والدنيوية (العلمانية) والوطنية في تاريخ العراق الحديث. وكل أولئك الذين يتبنون الفكرة الدنيوية مما يسمى بأهل اليسار في تاريخ العراق الحديث هم نتاج خططه التربوية ومناهجه الدراسية. إذ لولاه لبقوا في غياهب الرؤية الأسطورية والدينية البدائية والطائفية الجلفة وبقايا العثمانية المتهرئة.

إن كل هذه الأحكام المسطحة وأمثالها التي مازالت واسعة الانتشار في العراق عن ساطع الحصري هي نتاج الجهل بما كتبه وسعى لتأسيسه. بمعنى إنها مبنية على السماع (قيل وقال وسمعت!). إذ كل ما قرأ ولا اقول يدرس بعمق ورؤية نقدية عقلية ما كتبه الحصري، سوف يدرك خطأ وسطحية هذه الأحكام البليدة عنه. فالسماع والنقل هو من صفات الحنبليات القديمة والمعاصرة. كما أنها ملازمة لذهنية الأطفال والجهلة والأميين وأنصاف المتعلمين وأشباه "المثقفين". وهي أمور معيبة وتكشف بقدر واحد عن جهل مريع بحقيقة الإبداع النظري والعملي للحصري من جهة، وتشويه وتخريب دوره التاريخي العظيم في بناء الدولة العراقية الحديثة وأسسها الوطنية المتينة وتربيتها العلمية والدنيوية، من جهة أخرى.

إن افضل وأعظم ما في ذهنية العراق العلمية والأدبية الحديثة وأجياله التي ساهمت في بناء ثقافته الإنسانية والعقلية والعقلانية الحديثة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، هي ثمرة من ثمار ما وضعه الحصري. لهذا ينبغي لاسم ساطع الحصري أن يسطع في سماء العراق على الأقل بإطلاق اسمه ولقبه على افضل جامعة عراقية حديثة. وهو أدنى وأقلّ ما يمكن أن يقدمه العراق لذكراه وفضله.

***

الفلسفة العملية للفكرة القومية الثقافية

للتاريخ مساره ومذاقه فيما يتعلق بوعي الذات القومي. فإذا كانت المرحلة الأولى لوعي الذات العربي قد جرت من الناحية الشكلية والرمزية من الكلمة إلى العبارة، ومن الشعر إلى الرواية، ومن التاريخ إلى المنطق، ومن الروح إلى الجسد، فإن ساطع الحصري (1879-1968) هو الأول من بين مفكري الفكرة القومية الذين حاولوا ربط كل هذا الإبداع المتنوع في منظومة تعي حدودها السياسية بوصفها فكرة قومية نظرية وعملية. ومن ثم التوليف النظري والعملي الدقيق بين الأبعاد العلمية والأيديولوجية للفكرة القومية. وقد تكون مساعيه لتحقيق "الفكرة القومية" عبر التربية والتعليم الأسلوب الأكثر تعبيرا بهذا الصدد. الأمر الذي أعطى لفكرته القومية طابعا ثقافيا وسياسيا بقدر واحد.

إننا نعثر في تأسيسه النظري للفكرة القومية على توليف خاص للفكرة السياسية والفكرة التربوية في الفكرة القومية. واستمد هذا التوليف من خلال دراسة نقدية للتاريخ العربي والتاريخ العالمي وخصوصية الفكرة القومية الحديثة، وتاريخ الدولة العثمانية وأثرها بهذا الصدد. إذ لا نعثر في كل كتابات الحصري على تأثير مباشر بالفلسفات الأوربية المؤسسة للفكرة القومية. بل على العكس من ذلك نراه يقف في حالات عديدة موقفا نقديا تجاه توظيفها المباشر بالنسبة لتأسيس وتطبيق الفكرة القومية العربية. والحالة الوحيدة، أو الاستثناء الوحيد هو ما قام به من استعمال ايجابي لبعض آراء شوبنهاور ومقارناته في بعض مواقفه[1]. وليست لهذه الأفكار علاقة بتأسيس الفكرة القومية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأن الحصيلة النظرية للفكرة القومية التي سعى الحصري لتأسيسها مبنية من حيث الجوهر على رؤية نقدية علمية تاريخية تتسم بقدر كبير من الواقعية. وليس مصادفة أن يكتب الحصري أحد مؤلفاته التاريخية الهامة عن تاريخ السيطرة العثمانية في العالم العربي.

الدولة العثمانية والعالم العربي

ففي كتابه (البلاد العربية والدولة العثمانية) نعثر على محاولة فهم مقدمات السيطرة التركية العثمانية على العالم العربي ونتائجها الخاصة بالنسبة للفكرة القومية. وانطلق في مجرى تحليله لهذا التاريخ الطويل والكئيب أيضا من أن العالم العربي قد وقع آنذاك بين مطرقتي الأتراك والمماليك. فقد كانت العلاقة بين البلاد العربية والدولة العثمانية حتى نهاية القرن الخامس عشر علاقة مجاملة ومؤازرة. لكن الحالة تغيرت بعد توسع الدولة العثمانية إلى الجنوب حتى البحر المتوسط وجبال طوروس. وفي نفس الوقت استولت دولة المماليك في مصر على كيليكيا. وهنا بدأ الاحتكاك بينهما والنزاع، الذي انتهى بحروب دامية كانت نتيجتها استمرار السيطرة الأجنبية على العالم العربي[2]. وذلك لأنها سيطرة لم تكن محكومة بفكرة الخلافة الثقافية، بقدر ما كانت الصيغة المقلوبة أو المشوهة أو المبطنة للسيطرة القومية (العرقية). مما أدى في نهاية المطاف إلى أن يدفع العالم العربي ثمنها الباهظ على امتداد قرون عديدة[3]. وأشار الحصري هنا إلى أن احتلال العالم العربي من جانب الدولة العثمانية جرى في مرحلة الصراع بينها وبين الدولة الصفوية. وكلاهما كان يتمتع بالصعود والقوة والفتوة آنذاك مع المماليك الذين كانوا في طور الخمول، بأثر تضحياتهم الكبيرة في مجرى الصراع البطولي مع الصليبيين الغزاة.

ذلك يعني، أن الدولة العثمانية استولت على العالم العربي وهو في حضيض انحطاطه. والعالم العثماني في بداية انحطاطه. فقد كانت الدولة العثمانية حسب تحديد الحصري "دولة عسكرية دينية إقطاعية من نوع خاص"[4]. وليس مصادفة أن تستعمل الدين لأغراض سياسية بحت. وضمن هذا السياق يمكن فهم توسيعها وإثارتها للنعرة الدينية المتشددة ولاحقا المذهبية الضيقة، كما هو جلي في ما يسمى بالصراع العثماني – الصفوي (السني - الشيعي). وكتب الحصري هنا يقول، بان "السلطان سليم الأول(1512-1520) عندما قرر محاربة الشاه إسماعيل الصفوي وأمر بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، استند إلى فتوى صادرة من رجال الدين تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام"[5]. وقد كانت تلك فكرة سياسية مطلية بكساء الدين المتشدد والمفتعل. وبالقدر ذاته استعمل إسماعيل شاه الصفوي المذهب الشيعي في مواجهة العثمانيين. غير أن هذا الاستعمال السياسي للدين قد أدى إلى نتائج مختلفة. فقد أنقذ المذهب الشيعي إيران من تدخل وسيطرة التركية العثمانية، كما يقول الحصري[6]. بينما ساعد "التسنن" الملفق بأسطورة الخلافة العثمانية إلى توسيع مدى وعمق الاحتلال التركي للعالم العربي وإنهاك مقاومته الخاصة المتعلقة بإعادة بناء كينونته الذاتية.

وأشار الحصري هنا إلى أن العثمانيين في بداية الأمر لم يعيروا أية أهمية لقيمة الخلافة. ثم اخذوا لاحقا يدركون قيمتها. حيث جرى اصطناع أسطورة تنازل العباسيون لهم. واستعملوها من اجل تقوية نفوذهم وتسهيل حكمهم[7]. والمقصود بذلك تصنيع أسطورة تنازل العباسيين في القاهرة عن الخلافة زمن سليم الأول. وكونها أسطورة مفتعلة هو أنها غير مؤيدة بأي أثر تاريخي مقيد وموثق. و(تاريخ بن إياس) المعاصر لتلك المرحلة الذي أورد كل دقائقها الكبيرة والصغيرة لا يحتوي على أية إشارة لذلك الحدث الذي يرتقي بمعايير المرحلة إلى مصاف الحدث الجلل. كما أنه لا يوجد تاريخ تركي كتب في عهد سليم الأول[8]. ومن هذا المنطلق استنتج الحصري، بأن فكرة الخلافة العثمانية ساعدت كثيرا على استسلام العرب للحكم العثماني، وأخرت كثيرا نشوء فكرة القومية العربية[9].

مما سبق يتضح، بأن تحليل تاريخ السيطرة العثمانية يرمي عند الحصري إلى الكشف عما يمكن دعوته بالمقدمات الروحية (الدينية) للسيطرة التركية على العالم العربي وديمومتها من خلال إبراز تراث وتقاليد التدين المتشدد في خطاب السلطة التركية على امتداد قرون عديدة، وتوظيف الرموز الدينية الكبرى (الخلافة). من هنا يمكن فهم موقف الحصري من الرابطة الدينية، واعتبارها مضرة بالنسبة للفكرة القومية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الرابطة الدينية ومكانتها المعنوية الرفيعة في البلاد العربية، قد "ساعدت مساعدة كبيرة أولا على استيلاء العثمانيين على البلاد العربية، وثانيا دوام حكمهم لهذه البلاد مدة طويلة دون تعب كبير"[10]. ولم يغير من ذلك شيئا بما في ذلك المحاولات اللاحقة للإصلاح مثل التنظيمات وأمثالها. بل نجد الحصري يجد فيها الصيغة الأكثر ضررا بالنسبة للفكرة القومية العربية. وذلك لأنها كانت محكومة أولا بنزعة السيطرة والاستيلاء واستمرارها، وكذلك بسبب النزعة العسكرية الذائبة في صلب التقاليد العثمانية.

فقد كانت النزعة العسكرية العثمانية وتقاليدها الخاصة احد أخطر المصادر سوءا في مضمار الخراب العميق للعالم العربي، وبالأخص ما يتعلق منه بالتاريخ السياسي وبناء الدولة العربية الحديثة[11]. أما "التنظيمات" فقد حصلت بعد انفصال مصر. لهذا لم يجر تطبيقها في العالم العربي بصورة متساوية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها اقتبست النظم الفرنسية وغالت في المركزية، فإن ذلك يعني انتقالها من الإفراط إلى التفريط. أما الإفراط بالمركزية فقد اضر ضررا بالغا أولا وقبل كل شيء البلاد العربية. إضافة لذلك أن هذه التنظيمات قد أضرت بالوحدة العربية من خلال إثارة الصراع الديني أيضا. فقد اعتقد الحصري بأن "التنظيمات زادت من ترابط الجماعات المسيحية على عكس المسلمين"[12]. من هنا رؤيته النظرية والعملية القومية الأولى التي وجدت تعبيرها الدقيق في عبارة "فكرة القومية العربية". وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "كان على فكرة القومية العربية أن تتغلب على هذين الاتجاهين في وقت واحد. كان عليها أن تحوّل أنظار المسلمين عن الدولة العثمانية، وأنظار المسيحيين عن الدول الأوربية لكي تجتمع كلمتهم حول العروبة التي تستمد قوتها من اللغة والتاريخ"[13].

الكينونة العربية

انطلق الحصري من أن القومية أصبحت من أهم العوامل التي تؤثر في تطور الدول وتكوّن الأوطان منذ أوائل القرن التاسع عشر[14]. ذلك يعني أنها ظاهرة تاريخية واجتماعية وسياسية جديدة. وإذا كان الحصري يجمع ما يدعوه بالعوامل الجامعة للقومية في كل من الاعتقاد بوحدة الأصل والمنشأ (سواء كان حقيقة أو وهما)، والتشابه في العواطف والعوائد، والتماثل في ذكريات الماضي ونزعات الحال وآمال المستقبل، فإنه رفع عامل الاشتراك في اللغة والتاريخ  إلى مصاف الأصل فيها[15]. لهذا نراه يتكلم عما اسماه بعناصر اللغة الواحدة والثقافة الواحدة، بوصفها الأكثر جوهرية في القومية. بل ونراه لاحقا يضع اللغة في أساس ما اسماه بالحقائق الكبرى للفكرة القومية العربية التي ينبغي الإيمان بها. ووضعها في عبارة تقول، بأن "جميع البلدان التي يتكلم سكانها باللغة العربية هي عربية"[16].

تنبع أهمية اللغة بالنسبة للقومية عند الحصري من كونها أهم الروابط المعنوية. وذلك لأن حياة الأمم تقوم على اللغة، كما يقول الحصري. وبالتالي، فهي روح الأمة وحياتها. أنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري. وهي من أهم مقومات شخصيتها[17]. وإذا كانت اللغة من أهم عناصر الثقافة، فإن ذلك يعني أنها الأعمق جذورا من جميع العناصر الأخرى[18]. كما أن وجوب الاستمساك بالأصول التاريخية للثقافة ينطلق من الاعتقاد القائل، بأن اللغة "هي أهم وأعمق الأصول التاريخية للثقافة" كما يقول الحصري[19]. وبهذا يكون الحصري قد سار هنا بأثر زكي الارسوزي ولكن من خلال توحيد فكرة اللغة والتاريخ بصورة عضوية. من هنا قوله، بأن حياة الأمم بلغتها وشعورها بتاريخها. بعبارة أخرى، إن اللغة والتاريخ هما بمثابة الحياة والشعور، أي الوحدة الحية الفاعلة للوجود. وبالتالي، فإن الأمة هي التي تتمتع بوحدة اللغة والتاريخ بوصفها كيانا حيا.

وليس مصادفة أن يشدد الحصري بهذا الصدد على أن المقصود بالتاريخ هنا هو التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد[20]، أي التاريخ الذي يوّحد في ذاته الهموم والآمال والمعايير بوصفها كلا واحدا. من هنا جوهرية التاريخ بالنسبة للفكرة القومية العربية. ذلك لأنه يشكل الأساس لصنع ما اسماه الحصري بأهم عوامل "القرابة المعنوية" عوضا عن "وحدة الأصل والدم"[21]. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى نقده للتسطيح النظري في فكرة السامية والآرية عن القومية. ومن ثم عدم صلاحيتها بما في ذلك من خلال استعمالها منطق اللغة في الموقف من الأقوام والأمم. وذلك لما فيها من انعزال تام عن فكرة التاريخ. من هنا قوله، بأن الانتشار السريع لفكرة السامية والآرية هو بسبب بساطتها وسطحيتها وكذلك لأسباب سياسية وأهواء تلائمها. واستشهد بعبارة ماكس ميولر الشهير بتدقيقاته اللغوية حين قال في معرض رده على هذه الفكرة والتصنيف: "القول بعرق سامي وآخر آري وما شابه ذلك يشبه بقاموس مستطيل الرأس أو نحو قصير الرأس"[22]. ولا يعني ذلك في آراء ومواقف الحصري سوى أن وحدة اللغة والتاريخ هي وحدة حية ذاتية. ومن ثم لها أثرها الخاص في مصير الأمم. لهذا نراه يرد على أولئك الذين حاولوا التقليل من الدور التاريخي الهائل للعرب بالنسبة للحضارة الكونية والثقافة الإنسانية، استنادا إلى فكرة انحطاط السامية وسمو الآرية. كما نراه يرد على من قال بأنه لم يكن دور العرب سوى دور الناقل لا المبدع، قائلا، بأنه "حتى فكرة مجرد نقل العرب للمعارف (رغم سطحيتها) فإنها كافية لأن تجعل منهم أمة من أكبر الأمم التي قدمت للحضارة العالمية اجلّ الخدمات"[23].

إن إدراك القيمة التاريخية للتاريخ الذاتي (القومي) بالنسبة للحصري هو الوجه الآخر للرؤية المستقبلية. من هنا رده النظري على فكرة انعدام "وحدة التاريخ" العربي. ولا يعني ذلك سوى انقطاعه المتكرر. وبالتالي لا يمكن الحديث عن تاريخ عربي موحد. وتوصل إلى أن "وحدة التاريخ" لا تتحقق في تاريخ أمة أو دولة من الدول. وعندما نقول "وحدة التاريخ" فالمقصود بها "الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات التاريخ، والتي أوجدت ثقافة الأمة الأساسية، وأعطتها لغتها الحالية وطبعتها بطابعها الخاص"[24]. ويحتوي التاريخ العربي على هذه الوحدة الحية التي يمكن رؤيتها على وحدة لغته وثقافته الذاتية، أي كل ما طبعها بطابعها الخاص. لكن التاريخ العربي، شأن كل التواريخ الكبرى يحتوي، بفعل امتداده وعراقته وتنوعه الهائل وصراعاته وصعوده وهبوطه، على جوانب تجعل من الضروري مهمة إعادة كتابته بالشكل الذي يبرّز وحدته الداخلية، بمعنى إعادة كتابته بطريقة تحتوي بقدر معقول ومتناسب على وحدة القومي والعلمي.

إن البحث عن نسبة معقولة ومقبولة بين القومي والعلمي في كتابة التاريخ عند الحصري ليست إلا الصيغة التي تتوحد فيها الرؤية العلمية الدقيقة ووحدة التاريخ من أجل صنع الأنا المشتركة بمعايير الرؤية الدقيقة والعملية للماضي والحاضر والمستقبل. وضمن هذا السياق يمكن فهم مطالبته بما اسماه بكتابة التاريخ العربي"بعقلية غربية ونزعة قومية"[25]. فهو يشير إلى أن اغلب الكتب التاريخية العربية الحديثة والقديمة أيضا تهتم بخصوصيات حياة الشخصيات (من علماء وأدباء ورجال دولة وغيرهم) أكثر مما تدرس مآثرهم الحقيقية وخدماتهم الفعلية. وبالمقابل نراه يشدد على أهمية فكرة نسيان جزء من التاريخ القومي، التي قال بها البعض في موقفهم من التاريخ القومي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "على كل أمة أن تنسى قسما من تاريخها"، بوصفه الأسلوب الضروري لبلوغ "وحدة التاريخ"، أي الوجه النظري الموِّحد للهموم والآمال. وللتدليل على ذلك نراه يقول، بأن "الوحدة الحقيقية في أمة من الأمم لا يمكن أن تضمن إلا بنسيان قسم من الوقائع التي حدثت لها خلال تاريخها الطويل... وليس المقصود بذلك حذف أخبار تلك الوقائع من الكتب، بل إهمالها وإبعادها من منطقة "الفكر الفعالة"، وإخراجها من عداد "الفكر...." وتغلب التاريخ المشترك عليها"[26]. وهذا بدوره يعني، بأن فكرة "النسيان" هذه هي فكرة منهجية وظيفية جزئية وليست مبدأ شاملا.

مما سبق يتضح، بأن مساعي الحصري لتوحيد التاريخ القومي هو الاستكمال الضروري لوحدة اللغة والتاريخ الجوهرية في تأسيسه للقومية. لهذا نراه يشدد في معرض رده على الاتهامات والنقد الفكري من جانب أولئك الذين وجدوا في أرائه إبعادا للدين من الفكرة القومية، قائلا، بأن نفي تهمة الدينية واللادينية عن القومية يستلزم استكمالها بفكرة أخرى وهي "أن القوميين يعتقدون بوجوب الاستمساك بالأصول التاريخية للثقافة. لكنهم يعتقدون بأن أهم وأعمق الأصول التاريخية للثقافة هي اللغة"[27]. ولا يعني ذلك من الناحية النظرية سوى محاولة تنقية الفكرة القومية من كل العوارض المحتملة عبر إرجاعها إلى أصولها المجردة. كما سعى الارسوزي إلى ذلك أيضا. من هنا مطالبة الحصري بتدريس التاريخ العربي بحيث لا يخضع لاعتبارات الدين والدعاية وما شابه ذلك، بل من اجل "المصلحة القومية"[28]، لما في ذلك من خفي وعلني، مباشر وغير مباشر على المستقبل.

فالتاريخ بالنسبة للحصري ليس ماض ومستقبل بل وكينونة كامنة في فكرة الأثر الفاعل للتاريخ في المستقبل. من هنا نراه يتحدث عما يمكن دعوته بالرؤية المستقبلية المتفائلة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن المتشاءم يمكنه الرجوع إلى التاريخ بشكل عام ودراسة تواريخ النهضات القومية الحديثة. واستكمل ذلك بفكرة تقول، بأن الأمة العربية وصلت إلى أرقى درجات الحضارة (سابقا) وكانت أقوى منار للعلم في العالم خلال عهد طويل. ولعبت دورا هاما في تاريخ تقدم البشر لم يتيسر مثله إلا لبضعة أمم. ولا يعقل ولا يمكن أن تصبح غير قادرة على النهوض[29].

إن توصل الحصري إلى وحدة التاريخ واللغة الجوهرية بالنسبة للقومية، لم يعن إهمال غيرها من العناصر الضرورية. لكنه حاول أن يجعل منها أصولا في الفكرة القومية أيضا. وقد أكد الحصري على أن القول بأهمية وجوهرية اللغة والتاريخ بالنسبة للقومية لا يعني أنها العناصر الوحيدة[30]. لهذا نراه يضيف إليهما خمسة عناصر أخرى وهي كل من الدين والدولة والاقتصاد والتراب والدم. لكنها تبقى عناصر إضافية، أي ليست جوهرية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

...................

[1] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص22.

[2] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، بيروت، دار العلم للملايين، 1965، ص37.

[3] إن الحالة التي يشير إليها الحصري تشبه ما يعاني منه العالم العربي المعاصر. بمعنى تقديمه تضحيات كبرى وهائلة عادة ما يستفاد منها الآخرين. فالحصري يشير إلى أن احتلال العالم العربي من جانب الدولة العثمانية جرى في مرحلة الصراع بينها وبين الدولة الصفوية. وكلاهما كان يتمتع بالصعود والقوة والفتوة، بينما كان المماليك في طور الخمول بأثر حروبهم الهائلة والعظيمة مع الصليبيين، أي الحروب التي كان العرب مادتها ووقودها.

[4] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص34.

[5] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص33.

[6] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص41.

[7]ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص45.

[8] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص43.

[9] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص46.

[10] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص28.

[11] اتخذ الحصري من العراق مثلا نموذجيا بهذا الصدد. حيث لم يبق منه حتى نهاية السيطرة العثمانية غير أطلال خربة في كل شيء. ففيه تنعدم معالم المدنية والحضارة. ويغيب التاريخ. بل حتى المدارس القليلة التي تعد على أصابع اليد (الواحدة) لم تخرّج غير حفنة من العسكريين فقط. والسبب هو أنهم لم يجدوا مخرجا "لتعلمهم" غير الانخراط في سلك العسكرية. وليس مصادفة ألا تجد الحكومة العراقية بين أبناءها في بداية تكوينها غير عدد قليل من خريجي المدارس العالية من غير العسكرية. ومن يستعرض أسماء رؤساء الوزارات الذين تولوا الحكم (1923-1941) يجد أن معظمهم كانوا ممن درسوا في المدارس العسكرية (البلاد العربية والدولة العثمانية، ص86.). وفيما لو استكملنا فكرة الحصري، فإن من الممكن رؤية آثار هذه الحالة على تاريخ كل البلاد العربية التي استحكمت فيها تقاليد العثمانية، بمعنى استعادة دور العسكر في بنية الدولة والسلطة والنظام السياسي، كما هو جلي في تاريخ ما بعد الاستقلال السياسي في كل من العراق وسوريا واليمن الشمالي ومصر وليبيا. بينما تخف هذه الحالة في البلدان التي لم تخضع للسيطرة التركية، مثل الجزائر وتونس والمغرب وشبه الجزيرة العربية والسودان. بل أن تركيا. نفسها لم تتحرر بعد من ثقل هذه التقاليد التي جرى إعادة بنائها بفعل الأتاتوركية وتحويلها إلى "صنم" الدولة القومية والنزعة الدنيوية والغربنة المفتعلة.

[12] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص94.

[13] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص95.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص14.

[15] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص19.

[16] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص11.

[17] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص32.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص182.

[19] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص183.

[20] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص32.

[21] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص76. وقد خصص لذلك كتاب (ما هي القومية) وكتاب (الوطنية والقومية).

[22] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص67.

[23] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص62.

[24] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص47-48.

[25] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص61.

[26] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص48.

[27] ساطع الحصري: العروبة أولا!، بيروت، دار العلم للملايين، ط5، 1965، ص183.

[28] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص88.( طبع للمرة الأولى عام 1961).

[29] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص70.

[30] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص111.

 

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (17)

ماهية وخصوصية النهضة العربية

يمتلك العالم العربي، كما يقول جرجي زيدان، تراثه التاريخي الهائل بما في ذلك في مجال النهضة. لهذا نراه يتكلم عن "نهضة عربية" أولى، وجد نموذجها في القرن الأول قبل الإسلام. حيث ظهرت في الشعر والأدب والدين. وبالتالي، فلا معنى للقول بأنها كانت موجود قبل ذلك بسبب انقطاع أخبارهم. وذلك لأن العرب أنفسهم نقلوا لنا أخبار "العرب البائدة"[1]. ولعل في ظهور الحضارة العربية الإسلامية ونموها السريع وتحولها إلى حضارة كونية احد الأدلة على ما اسماه جرجي زيدان، بالاستعداد الذاتي للنهضة والتمدن[2]. والشيء نفسه ينطبق على محاولات محمد علي باشا إنشاء دولة إسلامية كبرى. من هنا مسعاه للاستناد إلى عصبية إسلامية. وبما أن ميول الأتراك آنذاك كانت للدولة العثمانية، لهذا نراه مضطرا للاعتماد على العرب. مما أدى إلى إحياء "العنصر العربي وتنشيط العصبية العربية بما أنشأه من المدارس والمطابع أو نشره للكتب". وإذا كانت هذه النهضة لم تفده كثيرا في مجرى صراعه مع الغرب الأوربي، إلا أنها "أفادت أهل الشرق من العرب فائدة أدبية علمية بتمهيد السبيل للنهضة التي نحن فيها"[3]. من هنا نراه يفرد كتابا خاصا عن "مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر"، ويخصص الجزء الأول لرجال السياسة، أما الثاني فيفرده لأركان النهضة العملية والأدبية والفكرية والشعراء. وإذا كانت القيمة الفكرية لهذا الكتاب تقوم في محاولته جميع أثر ومآثر الشخصيات التي لعبت دورا في إرساء أسس النهضة في العالم العربي والإسلامي (والشرقي كما يدعوه زيدان)، فإن مطالبته القارئ بإيفاده بمعلومات عمن لم يشملهم هذا الكتاب، تعني محاولته إشراك الجميع في توسيع مدى القوة الفاعلة في النهضة، بوصفها عملا تاريخيا ثقافيا جامعا[4]. لهذا نراه يدرج ليس فقط العرب، بل والأوربيين والأتراك والفرس وغيرهم ممن ساهم بقدر ما من الأقدار في دعم وإرساء فكرة النهضة وأساليبها. لهذا نراه يدرج شخصيات مثل الفرنسي انطون كلوت، صاحب الأثر في نشر علم الطب في مصر، و"ممن يخلد ذكرهم في التاريخ المصري مدى الدهور"[5]. إضافة إلى عشرات من الشخصيات الكبرى مثل الشيخ ناصيف اليازجي، الذي يصفه بعبارة "ركن من أركان النهضة اللغوية في بلاد الشام"[6]. ويعتبر رفاعة الطهطاوي أول من خدم خدمة كبرى في نشر العلوم الحديثة[7]. والشيء نفسه يقال عن بطرس البستاني، وعلي مبارك صاحب "الخطط التوفيقية" الذي قام ببناء وتنظيم المدن والري. بينما نراه يفرد لجمال الدين الأفغاني تقديم خاص بحيث يرفعه إلى مصاف الذروة الكبرى في تنشيط هواجس وأفكار النهضة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "قد تمر القرون وتتوالى الأجيال والناس على ما ساقتهم إليه الحاجة من شئون معائشهم لا يفقهون غثها من سمينها ولا يدركون مبدأها ولا مصيرها حتى تتمخض الطبيعة فتلد من أبنائها أفرادا يميطون عن أسرارها اللثام". وأن هؤلاء النوع من البشر هم "أقطاب العلم وأوار العالم ومنهم الفلاسفة الطبيعيون (يكشفون غوامض الطبيعة)، والعقليون (يستطلعون أسرار الحكمة)". وأن الطبيعة لا تجود بأمثالهم إلا كل بضعة قرون. وهذا هو شأن الطبيعة. وليس معزولا عما "لله في خلقه حكمة لا تدركها العقول. فقد ينبغ في بعض الأجيال أفراد توفرت فيهم قوى الفلاسفة ومواهب رجال الأعمال فتحيط بهم بيئات لا تصلح إنماء ما يغرسون فيذهب سعيهم هباء منثورا". وأن الأفغاني من بين أولئك العظماء الذين جهل الناس حق قدرهم واغفل التاريخ ذكرهم(!). إلا أن الأفغاني يبقى قطبا من أقطاب الفلسفة، وركنا من أركان السياسة، رغم كونه لم يؤلف كتبا (شأن سقراط)[8].

كما لا يبخل جرجي زيدان حق كل تلك الكوكبة الكبيرة من الأدباء مثل أديب اسحق والشدياق وسليم تقلا وبشارة تقلا (مؤسسا الأهرام) وعبد الله نديم (صاحب رواية الوطن والعرب) وإبراهيم المويلحي وإبراهيم اليازجي. والحال نفسه ينطبق على الشعراء مثل أمين الحمصي ويوسف الدبس وسليم شحادة وفرنسيس مراش وعبد الغفار الأخرس وعمر الأنسي والشيخ نجيب الحداد ومحمود سامي البارودي وغيرهم[9]. وفي الوقت نفسه نراه يتكلم عن مآثر الجميع وأعمالهم وصفاتهم الشخصية من اجل إبراز الوحدة الخفية لأثرهم في النهضة الروحية والعقلية والأخلاقية.

ووضع هذه المقدمة النظرية والتطبيقية في أساس رؤيته لبعض المهمات الكبرى المتعلقة بتجسيد مستلزمات النهضة في العالم العربي بشكل عام ومصر على الأخص. ومن بين أهم تلك المهمات بنظر جرجي زيدان هي مهمة التربية. لهذا نراه ينطلق مما اسماه باختلاف الآراء حول أهميتها ومهمتها ووظيفتها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الناس من حيث تأثير التربية في الإنسان فريقان. فريق لا يرون للتربية فائدة على الإطلاق، وعندهم إن الإنسان إنما يشبّ على ما فطر عليه أن خيرا أو شرا... فعندهم أن التربية عبارة عن مصقلة تصقل بها المواهب كما يصقل النحاس والفضة".  و"فريق يزعم أن الإنسان صنيعة التربية يكون كما يشاء مربيه، فيشب على ما يتعوده من خير أو شر. فهو كالعجينة أو الطينة"[10]. أما وجهة نظره الخاصة فقد بلورها بالشكل التالي: "إن التربية ليست من قبيل صقل النحاس أو الفضة.... ولا هي من قبيل العجين أو الطين". كلاهما لا حياة مستقلة لهما[11]. من هنا وضعه شعار وفكرة التعليم العام والمجاني والإلزامي[12]. لهذا نراه ينتقد سلوك الحكومة المجافي لإدراك هذه المهمة. بل اعتبر إهمال الحكومة لفكرة مجانية التعليم هي إساءة إلى الأمة لأنها حالت بين الفقراء وأسباب الارتقاء... و"لو تدبرت تاريخ هذه النهضة لرأيت أكثر الذين ظهروا في أولها وأيدوها بمؤلفاتهم أو إدارتهم أو حكمتهم إنما نبغوا من أبناء الفقراء"[13]. لهذا نراه يرفع شعار إلزامية التعليم بوصفها الحلقة المكملة والضرورية للرقي العام. من هنا قوله: "الأمة تحتاج إلى التحريض على التعليم. ولا يكفيها المجانية وإنما هي في حاجة إلى التعليم الإلزامي"[14].

وليس مصادفة أن يربط الإصلاح والنهضة في كل واحد من خلال التعويل على الرقي المادي والمعنوي عبر التعليم والاهتمام به. واعتبر ذلك في الوقت نفسه مهمة المجتمع وليس الدولة فقط. من هنا انتقاده سلوك أولئك الذين "بدلا من أن يصرفوا ذكاءهم ويتفقوا قواهم في كتابة ما يثير خواطر الأمة على حكومتها أو يئول إلى سوء الظن بمشيريها، أن يحرضوها على التعليم والتهذيب ويستدروا أموال الأغنياء لإنشاء المدارس العالية"[15]. واعتبر ذلك المقدمة الضرورية للاستقلال الناجز. فالاستقلال الفعلي هو استقلال شامل كامل تام. ويستحيل بلوغ ذلك دون التربية والتعليم المبني على أساس العلم الحديث والحرية. وكتب بهذا الصدد يقول: "إننا في حاجة إلى التدرب على الاستقلال في الفكر والاستقلال في العمل حتى لا نبقى عالة على الحكومة"[16]. بل واعتبر "الاستقلال الحقيقي الأساسي هو استقلال الأمة بمصالحها وطرق معاشها في التجارة والزراعة والصناعة. فتجتمع الثروة في أيديها. والثروة دم المجتمع الإنساني. فبدلا من أن تتعلق معائش الأمة على أهواء الحكومة تصبح الحكومة في حاجة إلى ثروة الأمة وإلى رأيها"[17]. وهذا بدوره ليس إلا الأساس غير المرئي لفكرة الديمقراطية الاجتماعية والنظام الرشيد، أي فكرة الإدارة الذاتية والمجتمع المدني. ففي مجرى تناوله تجربة مصر نراه يشير إلى أن الاستنجاد بالآخرين يضعها في نهاية المطاف، مهما كانت الأسباب والغايات، تحت سيطرة الحكم الجديد. أما الاستنتاج النهائي فوضعه بعبارة تقول، بأن "الالتجاء إلى دولة أجنبية التماسا للاستقلال ضرب من العبث"[18]. ومن هنا استنتاجه الأخير، الذي يعيد بطريقة أخرى أو يتمثل مقدمات تأسيسه الأولية، كما هو جلي في عباراته القائلة:"إننا في حاجة إلى استقلال أدبي أكثر مما إلى استقلال سياسي. ومعنى ذلك إننا نحتاج إلى التدرب على الاستقلال في الفكر والعمل لكي لا نكون عالة على الحكومة"[19].

لقد جسّد جرجي زيدان رحيق العملية المعقدة لبروز ونمو وتكامل الرؤية العلمية والواقعية عن التاريخ الفعلي للعالم العربي، ومن ثم إرساء أسس الرؤية الأولية لوعي الذات الثقافي. فقد كانت بدايته في مجال البحث التاريخي بحد ذاتها مؤشرا خفيا يحتوي على كمون الرؤية القومية والثقافية. ومع أن بدايتها كانت تتسم بقدر كبير من البحث والتجريب في تاريخ العرب وتاريخ الإسلام، إلا أنها استطاعت في الوقت نفسه أن تبلور فكرة جوهرية التاريخ وأثرها أو أهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة. ووجد ذلك انعكاسه في حلقات الاهتمام بفكرة التاريخ العربي (القومي) ثم الثقافي (الإسلامي) ثم القومي الثقافي (التمدن العربي وآداب اللغة) وأثرها أو أهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة. فقد ارتقت هذه الفكرة إلى مصاف الرؤية الثقافية في مجرى دراسة التمدن، ثم ارتقت إلى مستوى التوليف بينهما، أي التوليف بين القومي والثقافي. وفي بدايتها كانت جزئية عبر دراسة اللغة (الصيغة المجردة) ولاحقا عبر دراسة تاريخ آداب اللغة العربية، أي كل ما أدى إلى بلورة المرجعية الخفية القائلة، بأن وعي الذات التاريخي الثقافي وخصوصية الأدب الذاتي يفترضان ضرورة النهضة الحديثة.

إننا نقف هنا أمام عقلانية فطام تاريخي عن تاريخ الإسلام السلفي العقائدي والمذهبي. ومن ثم مهّدت أيضا للعناصر الأكثر فاعلية في مختلف نماذج عقلانيات الفطام واليقين (التي سأتناولها بالدراسة والتحليل لاحقا). وذلك لأنها كانت تحتوي على فطام ونقد واغتراب (جزئي). وليس مصادفة أن تصبح لاحقا نموذجا للمحاكاة. وذلك لأن الفطام كان يحتوي على تجميع وتثقيف وترتيب وتقويم، أما النقد فقد كان يحتوي على تجريح وتوضيح وجدل، بينما كان الاغتراب يحتوي على ابتعاد وانفصال وهروب.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

.......................

[1] جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ج1، ص32.

[2] جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ج1، ص32.

[3] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص104.

[4] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، مصر، مطبعة الهلال، 1922، ج2، ص4.

[5] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص11.

[6] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص13.

[7] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص26.

[8] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص53.

[9] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص225-312.

[10] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص7.

[11] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص7.

[12] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص11.

[13] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص16.

[14] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص16.

[15] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[16] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[17] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[18] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص23.

[19] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص.24

 

 

منى زيتونمن أسماء الله تعالى الرازق والرزّاق، والخالق والخلّاق. فهل هناك فرق؟

هناك اتفاق بين أصحاب العقائد الإسلامية المختلفة على أن الخلق والرزق من صفات الأفعال التي يحدثها الله تعالى في مخلوقاته، ‏فليسا من صفات الذات.

وعندما نقرأ للمفسرين نجد أنهم ميّزوا اسميّ الرزّاق والخلّاق عن الاسمين الآخرين فقط بأنهما صيغتا مبالغة، للدلالة على كثرة رزق وخلق الله تبارك وتعالى، ولم يرضني هذا التمييز الضحل يومًا.

ما أفهمه أن الرازق هو القادر على الرزق، وقد خلق الله تعالى الأرض ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]. ولكن الرزّاق اسم يحمل معنى الاستمرارية وليس فقط المبالغة في الكثرة العددية، بمعنى أنه يرزق خلقه باستمرار ودون انقطاع، ويقسم بينهم الأرزاق. وكذا -فيما أرى- الخالق والخلّاق؛ فالخالق هو القادر على الخلق، القائم به، فأوجد جميع الأنواع والأجرام بعد أن لم تكن موجودة، وأبدعها على غير مثال، ولكن الخلّاق تعني استمرارية وديمومة خلقه.

ورد اسم الخلّاق في القرآن الكريم مرتين

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ «85» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ «86»﴾ [الحجر: 85-86].

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ «81» إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ «82» فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «83»﴾ [يس: 81-83].

وفي كلا الآيتين نجد اقترانًا لطيفًا بين اسميّ الخلّاق والعليم، وأنهما وردا معًا في معرض ذكر الأمر الأول بخلق الكون، والتذكير في اللحظة نفسها بختامه، وكأنه مشهد واحد مجمل.

في البداية، كان الله ولا شيء معه، وفي البدء كانت الكلمة (كُن)، فكان الخلق الأول بالكلمة القديمة، ‏ولكن ذلك الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته، ظهر بالتتابع وليس فجأة. والتتابع ليس فقط هو الستة أيام، بل حتى نهاية العالم؛ ذلك العالم ‏الذي يذكرنا الله تعالى باسميه الخلّاق العليم عند ذكر خلقه إجمالًا من بدئه إلى ختامه، فكل ما سيظهر فيه هو من خلقه، وغير غائب عن علمه.‏

وهذا التصور الديني للخلق والإيجاد الكلي يتفق مع مفهوم نسبية الزمن لأينشتاين. وفقًا للنظرية النسبية، فإن الزمن لا يتدفق كما كنا نتوهم؛ فالماضي والحاضر والمستقبل كله موجود، فلا الماضي ذهب، ولا حوادث المستقبل تنتظر أن تُوجد، بل هي خيارات أمامنا سنختار أحدها، ونمضي، وما نختاره لا سبيل للرجوع لاختيار بديل له، وإدراكنا هو ما يحدد لنا ما نسميه الزمن.

لكن، ما هو التوصيف الصحيح لاسم الخلّاق؟

هل هو إيجاد خلق (مُحدَث) في لحظات متتابعة من زمننا المادي، أم إظهار ما قضى الله تعالى ‏خلقه أزلًا بالكلمة الأولى في النطاق الميتافيزيقي، قبل أن يوجد العالم المادي بمكوناته ومنها مفهوم الزمن ذاته؟

إن الآيتين اللتين ورد فيهما اسم الخلّاق تعيدانا إلى لحظة الخلق الأولى في النطاق الميتافيزيقي، ولكنها أيضًا تلفتنا خفية إلى الخلق المفصّل في كوننا المادي؛ ذلك الخلق الذي سيتدفق ويسري في كل لحظة من لحظات عمر الكون وحتى ختامه.

لكن، هل هذا الخلق المفصّل المادي هو مُحدَث في لحظة اختيارنا لبدائله ثم إدراكنا له، أم هو مُحدَث من لحظة الخلق الأول للكون؟ إنها أسئلة تصعب الإجابة عليها.

استمرارية الخلق

في كل لحظة من عمر الكون يولد أفراد جُدد، طفل إنساني، شبل أسد، جنين حبة قمح ينبت، نجم يولد، كما أنه في كل لحظة تموت أفراد من كل الأنواع والأجرام.

لكن استمرارية الخلق أوسع من ذلك؛ إذ كما تسري على الأفراد فإنها تسري على الأنواع.

يتفق العلم والدين على أن الكون قد خُلِق تباعًا، وأن الأنواع الحية التي تعمر الأرض لم توجد كلها في لحظة واحدة من عمر الكون، ويكاد يكون من المجزوم به أن الإنسان هو أحدث الأنواع ظهورًا على كوكبنا، ولا يعنينا هنا مناقشة طريقة الخلق ذاتها، وهل كانت خلقًا مباشرًا من الله كما يقتنع الدينيون، أم تطورت الأنواع من بعضها كما يدّعي التطوريون.

وتخبرنا ملاحظة الطبيعة من حولنا أن آلاف الأنواع يتم تسجيلها سنويًا كأنواع جديدة لم تُكتشف وتُصنف من قبل، فلا زال ‏العلماء يكتشفون أنواعًا جديدة من الفونا الحيوانية والفلورا النباتية، لا ‏يوجد دليل على أنها تطورت من أنواع ‏أخرى.‏ كما أن هناك أنواعًا أخرى تقل معدلات تكاثرها حتى تفنى أفرادها عن آخرها، وينتهي دورها على مسرح الحياة.

هل تنقرض أنواع الحيوانات والنباتات بسبب الكوارث الطبيعية أو الإخلال بالتوازن البيئي؟!

فيما يخص الأنواع المكتشفة، فلا أسهل من ادعاء أن العلماء قد غفلوا عنها سابقًا، لكن فيما يخص تفسير حدوث انقراض لأنواع أخرى، فقد وضع العلماء احتمالات مختلفة أهمها أن تلك الأنواع تنقرض لتغير الظروف البيئية وعدم قدرتها على التكيف، أو بسبب تدخل الإنسان في الطبيعة، أو لتنافس الكائنات على البيئة، أو لحدوث ‏كوارث بيئية.

ولكن ما لم يضعه العلماء في الحسبان هو احتمالية أن النوع ينقرض لأنه ببساطة قد كتب الله فناء النوع، مثلما كتب من قبل خلقه، ‏وأن للأنواع أعمارًا مثلما للأفراد، وأن احتمالًا من الاحتمالات التي وضعها الإنسان قد يصلح نظريًا أحيانًا لتفسير انقراض بعض الأنواع، ولكنه لن يصلح لتفسير انقراض أنواع أخرى، فكل الفرضيات التي وُضعت من قِبل العلماء لتفسير الانقراض لا تكفي لتفسير انقراض كل تلك الأنواع التي انقرضت قديمًا وحديثًا، سواء كان التفسير مدعمًا بالأدلة أم مجرد فرضية، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، كما أن كل تلك الاحتمالات لا تستطيع تفسير ضعف معدلات تكاثر الأنواع التي تدخل في لائحة الانقراض، ثم تنقرض.

وهذا الاحتمال الأخير مُستبعد رغم أن المشاهدات تدعمه، فما سُجل من مشاهدات عن أنواع انقرضت خلال المئات الأخيرة من عمر الزمن تنفي ماعداه. والمسألة ببساطة أن أعداد النوع تقل تدريجيًا بإضعاف معدلات تكاثره، حتى يحين أجله مثلما تحين آجال الأفراد، وأحيانًا تتدخل بعض العوامل الأخرى للإسهام في تسريع معدل تقليل الأعداد. ومن لم يمت بالسيف، مات بغيره.

ولعل أكبر دليل على أن الانقراض يتعلق بالأساس بوصول الحقيبة الوراثية للنوع إلى درجة الشيخوخة، وانتفاء قدرتها على التكاثر لإنتاج مزيد من الأفراد القادرين على الحياة، هو الفشل الذي مُنيت به كل محاولات استنساخ الحيوانات المنقرضة وإعادتها إلى الحياة، رغم الآمال العريضة التي وضعها علماء الأحياء الملاحدة حولها، لتدعيم منظورهم المادي للخلق، وتصورهم القدرة على التحكم فيه. في عام 2009 تم استنساخ أول نوع منقرض وهو وعل البرانس الذي كان قد أُعلِن عن انقراضه رسميًا عام 2000، لكن الحيوان المستنسخ مات بعد سبع دقائق فقط، وذلك بسبب العيوب الجسدية بالرئتين، وفشل الرئة في التنفس. ومنذ سنوات يتحدثون عن محاولات تُجرى لإعادة الماموث إلى الحياة أو تهجين بعض جيناته بجينات الفيل الآسيوي، ولم تُفلِح أي من تلك المحاولات.

فشل نظرية الكوارث ونظرية الإخلال بالتوازن البيئي

لعل المثال الأشهر الذي يضربه منظرو الكوارث هو النيزك الذي ضرب المكسيك في الأزمان السحيقة، ويفترضه بعض العلماء سببًا لانقراض الديناصورات، ووفقًا للسيناريو الذي تخيلوه، فإن النيزك خلّف سحابة ترابية حجبت ضوء الشمس لشهور، فماتت النباتات لعجزها عن القيام بعملية البناء الضوئي، وماتت الحيوانات العاشبة ثم اللواحم، ومن بينها جميع أنواع الديناصورات، وهو سيناريو يصعب تصديقه، فهو يفترض أن الديناصورات لم تقطن سوى تلك البقعة من الأرض، ثم أي سحابة تلك التي حجبت ضوء الشمس لشهور؟! وأين ذهبت الرياح؟! كما أن المفترض أن تتساقط جزيئات الأتربة تباعًا بفعل الجاذبية!

كما أن فحص الطبقات الرسوبية في مناطق أخرى بأمريكا الشمالية ينفي تلك الفرضية الخيالية تمامًا؛ فقد وُجدت فيها عظام ديناصورات في فترات زمنية أقرب بكثير من زمن ارتطام ذلك النيزك بالأرض، بل وجدت في إحداها آثار إنسان وديناصور معًا! أي أن الديناصورات عاشت لفترات زمنية طويلة بعد زمن ارتطام ذلك النيزك، والأهم أن فحص الرواسب قد أكد أن انقراض الديناصورات كان تدريجيًا، بالطريقة نفسها التي ما زلنا نشهدها إلى يومنا هذا في انقراض سائر الأنواع.

وطائر الدودو انقرض تدريجيًا منذ قرون، دون حدوث كارثة أو تغير مناخي، وما يُدّعى من صيد جائر حدث له من قِبل البحارة كان السبب في انقراضه، يبدو غير منطقي، وربما لو افتُرض أن الصيد الجائر كان من قِبل البشر المقيمين لا البحارة المرتحلين ذوي الأعداد البسيطة، لكان افتراضًا أكثر تعقلًا، ولكنه في النهاية سيبقى مجرد افتراض لا دليل عليه، لأن الحقيقة أنه كانت تتناقص أعداده تدريجيًا مثل سائر المنقرضات.

وتوجد دلائل على أنه عندما وصل الناس إلى الطرف الجنوبي الأقصى من أمريكا كانت ‏حيوانات الميجاثريوم (الكسلان الجبار) وحيوان الجليبتودون (الأرماديللو الجبار) ما تزال بين ‏الأحياء، ثم انقرضت مع الزمن.‏

وفي رحلة البيجل الشهيرة، في القرن التاسع عشر، وتحديدًا في باتاجونيا، حقّق داروين اكتشافًا لعظم أحفوري لثدييات ضخمة منقرضة في المنحدرات بجانب ‏أصداف بحرية حديثة؛ حيث كان هذا دليلًا على انقراض حديث بدون وجود إشارات لتغير في ‏المناخ أو حصول كارثة.‏

ومن أمثلة الأنواع الحيوانية التي انقرضت في العقود الأخيرة دون كوارث بيئية: دب كاليفورنيا الذهبي، والنمر التيسماني، والحمام الزاجل، وسلحفاة جزيرة بنتا، والضفدع العلجوم الذهبي، ووحيد القرن الأفريقي، وغيرها الكثير.

ودب الباندا وفهد الشيتا والغزال العربي وغيرها من أنواع الحيوانات في طريقها إلى الانقراض، فقد تناقصت أعدادها تدريجيًا، ولم تفلح المحميات الطبيعية ومنع الصيد ومحاولات التلقيح الصناعي في رفع معدلات التزاوج.

بل يذكر علماء البيئة أن معدلات الانقراض بين الأنواع الحيوانية ترتفع، ولكنهم مصرون –دون دليل يفسر انتقائية الانقراض- على أن التغيرات البيئية هي السبب، ويدّعون أننا مشرفون على ما يُسمونه بالانقراض الجماعي السادس!

فنظرًا لفشل نظرية الكوارث في تفسير حالات الانقراض الحديثة المتزايدة، فقد أصبح الاحتباس الحراري هو السبب المحتمل الذي يُحاول العلماء عزو الانقراض إليه، دون أن يخبرونا عن الآلية التي أثّر بها على بعض الأنواع تحديدًا دون غيرها، وهل أثّر على دب الباندا على سبيل المثال وجعله مهددًا بخطر الانقراض؟ ودون أن يفسروا لنا انقراض أنواع كالميجاثريم وغيره من الأنواع التي سكنت الأرض قبل القرن العشرين قبل أن يظهر هذا العامل، بل وقبل أن يردّوا على العلماء الطاعنين في نظرية الاحتباس الحراري ذاتها. ومن أشهر من اتُهِم الاحتباس الحراري بأنه السبب وراء انقراضه: ضفدع العلجوم الذهبي.

إن أغلب ما تم تسجيله من تأثيرات الإنسان على الطبيعة هو الإخلال بالتوازن البيئي، خاصة عند إدخال نوع حيواني جديد إلى فُونا حيوانية متزنة، وادعاء أن انقراض بعض الأنواع بعد فترة من فونا البيئة التي فقدت اتزانها هو بسبب الأنواع الجديدة الدخيلة لا يوجد تبرير كافٍ لافتراضه في أغلب الأحيان، لأنه افتراض انتقائي؛ حيث لا تنقرض أنواع كثيرة رغم دخولها في السلاسل الغذائية المتأثرة.

وحتى تأثيرات الإنسان على البيئة، بما فيها الصيد الجائر، كما حدث في حالة الحمام الزاجل، أو التلوث البيئي والتعدين، لا تصلح لتفسير انقراض أنواع كثيرة من الحيوانات أو وضعها على لائحة الخطر.

وحتى لو سلمنا بأن تلك الأسباب تلعب دورًا في تقليل أعداد الأنواع المنقرضة، فقد تعددت الأسباب، والموت واحد، فالمُقدّر أن يختفي ذلك النوع أو ذاك.

أما التنافس بين الأنواع على البيئة، فيعتبر من أسخف الفرضيات المطروحة؛ كون الاستقراء مما نشاهده بأعيننا يقودنا إلى استنتاج العكس تمامًا؛ فالأنواع الحية إذا ما تُرِكت وحدها دون تدخل من الإنسان تتوازن أعدادها، بل إن بعض أنواع الحيوانات عندما تتزايد أعدادها في البيئة تمتنع عن التزاوج لإعادة التوازن.

ولكن هذه الفرضية الأخيرة هي وليدة نظرية دارون، والتي صورت العلاقات البيئية على هيئة صراع، ولكنها فشلت في إثبات أن الأنواع التي تختفي تتطور عنها أنواع أرقى، فكل ما نراه هو أنواع تختفي، وأنواع أخرى تظهر –يكتشف العلماء وجودها في الطبيعة فجأة- لا علاقة لها بتلك التي انقرضت، ولم يستطع حتى دوكنز، زعيم التطوريين المعاصرين، أن يشير إلى أي نوع مما تم تسجيله حديثًا ليدعي أنه تطور من ذلك النوع الذي انقرض أو على وشك الانقراض.

لم أقتنع يومًا أن آلاف الأنواع التي تُسجل سنويًا كأنواع جديدة مكتشفة كانت موجودة من قبل ولكن عمينا عنها، والحقيقة الماثلة أمام أعيننا أن الأنواع يسري عليها قانون الحياة والموت الذي يسري على الأفراد؛ بمعنى أن كل نوع يظهر على مسرح الحياة في وقت ويختفي في وقت، وكلاهما يحدده الله، وقد تظهر أسباب تسهم في ذلك الانقراض، ولكن يبقى السبب الأهم والأوضح هو نقص معدل التكاثر لشيخوخة الحقيبة الوراثية للنوع. وكما أنه لا يمكن لأي عاقل أن يدعي أن سببًا واحدًا أو حزمة من عدة أسباب هي سبب موت الأفراد ولا عداها، فإن القول نفسه ينطبق على الأنواع الحية.

إن قانون الحياة والموت بالفعل أكبر من محدودية عقولنا. وسواء شئنا أم أبينا، فهمنا أو لم نفهم، فكل الكون سيندثر بما فيه، ولكل أجل محتوم. وهذا ليس نفورًا من العلم، بل معرفة لحدوده.

وهذا من تجليات اسم الخلّاق.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث(15)

فلسفة آداب التاريخ العربي: انطلق جرجي زيدان من فكرة عامة تقول، بأن تشابه الأمم من حيث طبائعها ومداركها لا ينفي خصوصياتها. مما ترتب على هذا تفاوتها في المواهب وامتياز كل أمة بآداب أجادت فيها وتناقلتها سائر الأمم عنها مثل اليونان بالفلسفة والأدب التمثيلي، والرومان بالشرائع، والهنود بالقصص الخرافية، أما العرب فقد ملئوا الدنيا شعرا وأدبا وفقها وتاريخا وهم قدوة الناس في المعاجم العلمية والتاريخية وفلسفة التاريخ[1]. فالعرب يمتازون بدقة الإحساس في نفوسهم وسرعة الخاطر وسعة الخيال. مما جعل من آدابها أغنى آداب لغات العالم[2]. ولم يكن ذلك بدوره معزولا عن "أن الذين وضعوا آدابها في أثناء التمدن الإسلامي أخلاط من أمم شتى جمعهم الإسلام"[3]. بمعنى تنوع تجاربهم وتوسع مداها في ظل الوحدة الثقافية الكبرى التي أبدعها عالم الإسلام. وبالتالي، فإن ارتقاء أدب العرب يعكس ارتقاء عقولهم. فقد كان العرب كبار العقول أهل ذكاء ونباهة واختبار وحنكة. ويمكن رؤية ذلك في لغتهم[4].

وطبّق جرجي زيدان مواقفه المنهجية العامة في الأجزاء الأربعة لكتاب (آداب اللغة العربية) بوصفها التاريخ الأدبي والعلمي (الروحي) لتاريخ (التمدن الإسلامي). إذ نراه في الجزء الأول يصب اهتمامه على تأسيس المقدمة النظرية والتاريخية للشعر والشعراء. وهي الصفة التي ميزت كتبه الباقية باستثناء الجزء الرابع. إذ نراه يصور ما يدعوه بنهضة الشعر في الجاهلية، أي ارتقاءه الكمي والنوعي. ثم يتناول خصائص الشعر وأشهر شعراء الجاهلية إضافة إلى تناول مختلف جوانب حياتهم وعلاقتهم بالأمراء. مع تخصيص لما اسماه بالشعراء الفرسان والصعاليك والحكماء والعشاق وأهل الهجاء والوصافين للخيل وكثير غيرهم.

إننا نعثر هنا على محاولة رؤية التنوع الهائل في الإبداع ووحدته الداخلية. إضافة إلى تتبعه نشوء وتطور العلوم الطبيعية والرياضية وما وراء الطبيعة بوصفها تقاليد عربية دخلت الثقافة الإسلامية اللاحقة وكوّنت المقدمة غير المرئية والمرئية لآداب اللغة العربية في طورها الإسلامي. بينما دار محور الجزء الثاني حول آداب اللغة وإبداعها النظري والعملي في مختلف الميادين كالشعر والعلوم الدينية والعلوم اللسانية، والنحو والفقه والإنشاء ومدارسه والعلوم الشرعية والتاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية. والشيء نفسه ينطبق على الجزء الثالث. لكن خصوصيته وقيمته تكمن في تكثيف حصيلة الدراسة التاريخية لآداب اللغة العربية، أي الإبداع العقلي والروحي صوب إبراز قيمة الوعي التاريخي. من هنا اهتمامه بفكرة التاريخ، وجعله منها الموضوع الأكبر للجزء الثالث. وتتبع تاريخ نشوئها وارتقائها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العرب في البداية كانوا أبعد الناس عن نقد التاريخ. وذلك لأن همهم الأساسي كان الإسناد والرواية[5].

إلا أن الارتقاء الذاتي للحضارة العربية الإسلامية وتذبذب مسارها السياسي المعقد قد أدى في نهاية المطاف إلى بروز العلم التاريخي والفكرة التاريخية وأخيرا فلسفة التاريخ. وإذا كان هذه التطور الداخلي العميق والمنظومي مرافق من الناحية الزمنية أيضا لحالة الانحطاط، فأن جرجي زيدان استطاع ضبط احد أسباب هذه المفارقة الغريبة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ظهور أساطين المؤرخين هو الوجه الآخر لسقوط الدولة. فالتاريخ "من أدل آداب اللغة على حالة الأمة، لأنه يدوّن أعمالها ويتكيف على ما تقتضيه أحوالها. فإذا كان تشتت المملكة الإسلامية وكثرة أصحاب السيادة فيها من الملوك والأمراء بعث على الإكثار من تدوين السير الفردية لأولئك العظماء. فاكتساح المغول للدول الإسلامية، التي كانت تناصر العلم والعلماء، أدى إلى جمع تلك السير وأمثالها في كتب عامة هي التراجم والطبقات[6]. وبهذا يكون الوعي التاريخ العربي قد قطع الشوط الضروري من اجل إرساء الرؤية النقدية والعلمية للتاريخ. وإذا كان احد أسباب ضعف الكتابة التاريخية هو الخضوع للسلطان مع ما أدى إليه بالضرورة من تشويه نسبي للكتابة التاريخية، إضافة إلى انتشار نفسية "تقديس" الخلفاء وتجريدهم من الخطأ مما يزيد التاريخ تشويشا[7]. إلا أن ذلك لم يعق تطور النظر إلى التاريخ بعين النقد وبيان الأغلاط والأوهام فيه. وهو آخر مراحل تطور الرؤية النقدية عند العرب[8]. أما ذروتها الكبرى فقد وصلت إلى حد إرساء أسس فلسفة التاريخ. ويدخل فيها تدّبر الحوادث التاريخية واستخراج الأحكام العامة. ويمكن العثور على نتف منها في بعض كتب السياسة والحكمة. لكن أول من تطرق إليها هو أبو بكر الطرطوشي(ت-520 هجرية) في كتابه (سراج الملوك)، إذ وضع فيه للسياسة قواعد، وللحكومة شروطا، مبنية علة تدبير الحوادث التاريخية[9]. أما الفضل التام في استنباط هذا العلم فيرجع إلى ابن خلدون، كما يقول جرجي زيدان، لأنه هو الذي وضع في فلسفة التاريخ علما سماه "طبيعة العمران في الخليقة". فّصله في مقدمة تاريخه تفصيلا لم يسبقه احد إلى مثله[10].

مما سبق، يتضح، بأن القضايا التي تناولها زيدان تتنوع وتتكامل سواء بمعايير الرؤية التاريخية أو الأدبية. فهو يتناول تاريخ اللغة العربية وآدابها في مختلف الميادين والدرجات والمستويات والشخصيات والمراحل. بمعنى أنه يصور لنا تاريخ الذهنية العربية بوصفها كلا واحدا متنوع الأشكال والمستويات لكنه مترابط بوصفه تاريخا واحدا. ففيه نعثر على دراسة لتاريخ آداب اللغة قبل الإسلام. إضافة إلى تاريخ اللغة العربية ومميزاتها. مع إبراز لما اسماه جرجي زيدان بالتاريخ المعنوي للأمم بوصفه التاريخ الأهم والأكثر جوهرية في حياة الأمم. ووضع ذلك في فكرة نظرية تقول، بأنه "لا يستطاع الوصول إلى فهم حقيقة الأمة أو كنه تمدنها أو سياستها إلا بالإطلاع على تاريخ العلم والأدب فيها. فهو شارح للتاريخ يعلل الأسباب والحوادث بعللها الحقيقية"[11].  ووضع هذه الفكرة المنهجية في استنتاجه النظري والعملي القائل بضرورة ربط التاريخ الأدبي بالتاريخ السياسي، أي تاريخ الثقافة بفكرة الدولة والتاريخ القومي السياسي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأسباب لا تزال غامضة حتى نعلم تاريخ علوم الأمة وهو تاريخ عقولها وقرائحها، فتنجلي لنا العوامل الأصلية في أسباب رقيها أو سقوطها.... وإنما الأمم أخلاق ما بقيت. على أن تاريخ آداب اللغة لا يكون وافيا إن لم يوّضح بالتاريخ السياسي"[12]. واستكمل حكمه هذا بفكرة تقول، بأن "أهل التمدن الحديث يجعلون البحث في آداب اللغة من أهم الوسائل لتفهم تاريخها السياسي... وبالقياس على الماضي، يقولون إن هذه الأمة هي الآن في دور الحماسة الشعرية مثلا، ولا تلبث أن تنتقل إلى العصر الأدبي، ثم العلمي فالفلسفي"[13]. وهي الخاتمة التي انتقل عبرها جرجي زيدان إلى تمثل الإدراك الجديد للتاريخ القومي. بمعنى وضع كل هذه الحصيلة النظرية للماضي في صلب الرؤية النقدية للحاضر من اجل تأسيس فكرة الإصلاح والنهضة.

ولا يعني ذلك في الواقع سوى التوصل إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأن المسار الفعلي لوعي الذات التاريخي الثقافي يؤدي بالضرورة إلى استثارة باعث النهضة. وقد سار جرجي زيدان ضمن سياق المرحلة ومتطلباتها ومرجعياتها الكبرى التي فهمت النهضة على أنها رجوعا للأصل ولكن بمعايير الحداثة (الأوربية). من هنا جوهرية اللغة والأدب والتاريخ، بوصفه الثالوث الضروري لانعتاق الوجدان وتحصين الأركان. وليس مصادفة أيضا أن ينطلق جرجي زيدان مما اسماه بذروة انحطاط اللغة العربية في نهاية القرن الثامن عشر. وفي الوقت نفسه يجد فيها مرحلة انهيال المعرفة الجديدة والعلوم الجديدة انهيال السيل[14]. بحيث لم تترك هذه الحالة أمام الناس فرصة البحث عما تحتاج إليه تلك العلوم من الألفاظ الاصطلاحية مما وضعه العرب سابقا. بينما من اشتغل في هذا الميدان لم يكن على إطلاع أو دراية واسعة باللغة. إلا أن استعمالها المتكرر وبالأخص بتأثير الجرائد والمجلات جعل ويجعل من الصعب تغييرها. فقد كان اغلب التولد في الكلمات عفويا. كما أن اغلبه ليس دقيقا. إضافة لذلك أن هناك جملة من الأسباب التاريخية والسياسية التي أدت إلى ركاكة العربية لعل سطوة المماليك هي من بين أكبرها[15]. وضمن هذا السياق كتب يقول، من "الطبيعي أن اللغة تحيى بحياة أهلها وتموت بموتهم، وتزهو بزهوهم وتنحط بانحطاطهم. ففي عصر أولئك المماليك بلغت مصر من التدهور في السياسة والإدارة والأدب والعلوم ما لم يبق بعده غاية"[16]. بينما الحكومة كانت تهتم بشئونها الخاصة فقط ولم تعر أدنى اهتمام بتعليم الناس وتهذيبهم وترقية أفكارهم وإصلاح شأنهم"[17]. وفي هذا كانت تكمن بواعث وجذور رؤيته الفكرية عن اللغة بوصفها كائنا حيا، أي كل ما أدى في نهاية المطاف إلى بلورة خلاصة نظرية وعملية عنها مهمتها إشراك اللغة بالنهضة عبر النهوض بها. وخلاصة آراءه بهذا الصدد كانت تدور حول أن اللغة كائن حي خاضع لناموس الارتقاء، وانه آن الأوان للتخلص من قيود الجاهلية وإخراجها من سجن البداوة، وأن لغة البدو والخيام والبراري لا تصلح للمدن والقصور، وأنه لا بأس من اقتباس الكلمات والمصطلحات الأجنبية إذا كان ذلك ضروريا، وأن من الضروري اتخاذ أسلوب الوسط لكي تكون اللغة العربية شبيهة بالتركية العثمانية التي لا تحتوي على أكثر من عشرة بالمائة من أصولها التركية. من هنا استنتاجه الحاسم صوب ما اسماه بضرورة المحافظة على سلامة اللغة العربية والاهتمام باستيفائها على فصاحتها وبلاغتها[18].

ووضع هذه المقدمة في أساس نقده للتقليد الأجوف للغرب الأوربي وفكرة الدفاع عن العامية في مواجهة الفصحى. ففي معرض انتقاده لهذا النوع من التقليد الأجوف نراه يستشهد بمثال خطبة عربية بليغة (بوصفها وثيقة تاريخية) بعد ترجمتها عن الفرنسية(!) "فجاءت أعجمية اللهجة عارية من البلاغة العربية، مع إمكان نقلها بعبارتها الأصلية لفظا ومعنى"[19]. وعندما طبق ذلك على حالة العربية في مصر آنذاك، فإننا نراه يجد احد أسباب الخلاف والتشويش في التفكير والكتابة المعاصرة له كونها تتجاذبها قوة الانعطاف صوب التقليد للانجليز أو الفرنسيين. مما أثر بدوره على اختلاف وتباين الآراء والأذواق والمبادئ والأخلاق[20]. لكنه في الوقت نفسه لم ينس تعقيد اللغة القديمة، أو بصورة أدق انغلاقها النسبي بسبب الانقطاع التاريخي. من هنا ربطه بين ما اسماه بتعقيد اللغة القديمة وصعوبتها بالنسبة للمعاصرين وتقليد المعاصرين لها دون تطويرها، بوصفه احد الأسباب الإضافية في هذا الخلل[21].

وبالمقابل نراه في مجرى الدفاع عن العربية الفصحى يرد على أولئك (الغربيين) الذين قالوا بأن سبب تخلف الإبداع العلمي بين العرب (والمصريين في الحالة المعنية) كونهم لا يكتبون بلغتهم الدارجة بل بالعربية الفصحى. وللتدليل على ذلك استشهدوا بحالة الانجليز فيما مضى عندما كانوا يكتبون باللاتينية، وبعد تركهم لها وكتابتهم بالانجليزية. في حين وجد جرجي زيدان في هذه الرؤية جهلا بواقع العلاقة بين العامية والفصحى من جهة وعدم تشابه ذلك مع الانجليزية واللاتينية من جهة أخرى. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه إذا كان بإمكان العامية إنقاذنا من شر فإنها توقعنا في اشد منه. وذلك لما في العامية واستعمالها من زيادة للاختلاف والفرقة بين العرب (لهجات أهل مصر والشام وغيرها)[22]. الأمر الذي يجعل من اللغة الفصحى وتوسيع مداها وتهذيبها وتطويرها بما يتناسب مع حاجات المرحلة الحالية مهمة ضرورية. بل وجد فيها مقدمة النهضة الأدبية. وأشار هنا إلى ما اسماه بالنهضة الجلية بهذا الصدد، رغم حجمها الصغير، الذي يبدو اقرب إلى لعبة أطفال مقارنة بالغرب الأوربي، إلا أنها ذات آفاق كبرى. ووضع هذه الفكرة في أساس الاعتدال في المواقف من هذه القضية، أي في أساس ما يمكن دعوته بالموقف الواقعي والعقلاني منها. لهذا نراه يقف بالضد من أولئك الذين يتعاملون مع آداب الأسلاف (العرب) باحتقار، معتبرا ذلك موقف ينم عن جهل وكسل معرفي[23]. ومن هنا أيضا مطالبته بالحثّ "على تأييد اللغة العربية لأنها قوام الأمة العربية أو العنصر العربي. ولا بقاء للأمة إلا بلغتها. ولا حياة للسان العربي إلا بمصر لأنها محور العالم العربي. وإذا قدّر لهذه اللغة أن تنهض فعلى مصر الواجب الأول في إنهاضها"[24]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص19.

[2] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص22.

[3] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص22.

[4] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص29.

[5] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160-161. لا يخلو هذا الحكم من تعسف وعدم دقة. فالإسناد والرواية كانا يحتويان على تلازم داخلي اقرب ما يكون إلى منطق الرؤية التاريخية ومنهج تمحيصها. وبالتالي، فأنهما في وحدتهما كانا يتمثلان الصيغة الأولية للرؤية النقدية. إضافة لذلك إن مبدأ الرواية الأولي هو الصيغة الضرورية والمثلى لكل نظرة نقدية لاحقا. مع أن كتابات وروايات الطبري والبلاذري والأصفهاني وأمثالهم كانت تتسم بقدر كبير من الرؤية النقدية.

[6] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160.

[7] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص163.

[8] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160-162.

[9] هذا الحكم ليس دقيقا. إذ أن أول من تناول هذه القضايا بمعايير الرؤية العقلية العقلانية والواقعية التاريخية هو الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المتوفي عام 450 للهجرة.، أي قبل الطرطوشي بقرن من الزمن.

[10] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص166.

[11] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[12] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[13] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص14.

[14] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، بيروت، دار الجيل، ط2، 1988،ص73.

[15] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص88.

[16] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص90.

[17] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، 1988، ص90.

[18] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص94.

[19] جرجي زيدان: المختارات، مصر، مطبعة الهلال، 1921 ج3، ص130.

[20] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص130.

[21] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص 138.

[22] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص 13.

[23] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص130.

[24] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص138.