احمد بلحاج اية وارهام* النقطة في المفهوم الصوفي: النقطة لدى الصوفية هي محلُّ سكون مدِّ الوجود المتقلب، بعد ظهوره في أصلاب الحدود والقيود والعدد والمعدود، وهي مركز الاستواء الذي فيه حجابية الحروف بتنوع تعريجاتها، وهي كذلك الإنسان باعتباره مركز الكون، فهي هو وهو هي، فسائر النقط في سائر البدايات والأوساط والغازات تنتهي من نقطة الأحدية إلى نقطة السويداء المحمدية، إذ منتهى كل شيء في الأحدية ما هو إلا نقطة خفية معنويةتشمل الحقائق كلها.وبما أن الإنسان حرف وجودي، فإن حروف الهجاء الدالة على مراتب الوجود قد جاءت النقطة لتكون سرها، وسبب ما يخطر في الوجود ظاهرا وباطنا.فوجودها وجود مفردٌ دالٌّ على آنية أنا، وآنية أنت، وهوية هو، مشيرٌ إلى وحدة المحقق عند سلب الإرادة ونيل المراد، وحذف مسافة المواجد، وإلى الفيض الأول المسمى بالعقل الفعال.

إنها مدار جميع دوائر الكون كله، منها تنشأ كل الدائر لكونها نونَ الإحاطة الإلهية عينها، وما ثم غيرها، معناها لا تحويه الألفاظ، إذا ذُكرت عني بها غيب الذات المسماة بوحدة الشهود. أصل كل الحروف منها، وإنما جاء الكثرة من انبساطها.فهي أصل كل خط، وما الخط إلا نقط مجتمعة، ومن ثم لا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط، وكل ما يقع البصر عليه فهو نقطة بين نقطتين - حسب الحلاج -

وأول ما تجلت به النقطة وظهرت به ظهوراً يقتضي التعريف: هو وجود الألف . فجاء على صورة التنزيه أقرب منه للتشبيه، ليكون موجوداً في كل الحروف بصفته مبايناً لها بحقيقته .ولهذا لا يقع عليها حد التعريف كما يقع على غيرها من الحروف. فهي منزهة عن كل ما يوجد في الحرف من طول وقصر واحديداب . فلا تعقل بما يعقل به الحرف رسماً ولفظاً . فبينونتها من الحرف معقولة وكينونتها فيه مجهولة . فهي عند ابن ع بي تعتبر الحجاب على النور الذي رشه الخالق على الخلق، ولا تبدأ حياة ولا فعل إلا بها، ولذا كانت في باء البدء التي هي باء البسملة، بوصفها النقطة الوجودية التي بتعينهاتعينت الحروف الإلهية والكونية، وتعيَّن الظل الذي مده الله تعالى حين انبسطت.لا تةجد الأسماء إلا بعد وجودها، بالتصريف تخفيها، وبالتشريف تجليها.

فهي الفيض الأول المسمى بالعقل الفعال، هي الحضرة المحمدية، ونور الأنوار، وسر الأسرار.عليها مدار الدوائر، ومنها يتكون كل دائر، تعد عين الإحاطة الإلهية، وعين الجميع، إذ ما ثم غيرها، معناها لا تحيط به الألفاظ، لا يقصد بها إذا ذكرت إلا غيب الذات المقدسة المسماة بوحدة الشهود.وكما من نفس هذه الذات انبثق الكون وما فيه من مكونات، فكذلك الحروف فإنها انبثقت من نقطة واحدة، إذ من انبساطها جاءت الكثرةفمن رآها أو رأى شيئا تجلت فيه رأى الله تعالى في صنعه صغيرا كان أو كبيرا.

إنها على خلاف كل الحروف المتولدة عنها ليس كمثلها حرف ما، ولهذا لا يقع عليها التعريف كما يقع على الحروف، ولا يعرض لها ما يعرض للحرف من طول وقصر واحديداب، ولا تعقل بما يعقل به رسما ولفظا، ولذا كانت منزهة، يستند عليها الإنسان في عمله، وتستمد منها روحه ووجدانه، بوصفها النقطة الأولى من نقاط الدائرة الوجودية الجامعة للحقائق التي أودعها الخالق في كل شيء، جعل فيه ميلا إليها، كأنه أمر معنوي، يتحرك به إليها.يعود منتهى كل شيء إليها.فمنتهى الكلام يعود إلى الحروف، ومنتهى الحروف يعود إلى الألف، ومنتهى الألف إلى النقطة.والنقطة في المنظور الصوفي هي الوجود المطلق الظاهر بالباطن، بها ظهرت الهوية التي هي مبدأ الوجود، والتي ليست لها إشارة ولا عبارة، فدلت بوجودها ذاك على مقام الأحدية.

* النقطة في الفكر والخط العربيين

النقطة هي التي ينتهي الخط بها، و هي التي لا يوجد أي شيء أصغر منها. إنها الركيزة التي تنطلق منها رؤية نظام التناسب الجمالي، والتحليل الماهَوي لفعل الخط، فهي عند الخطاطين الصوفية وغيرهم أشبه بالإرادة المطلقة التي تُوجِدُ، لأنها الفاصلة الوجود والعدم، وبين الغموض والوضوح، وبين الحق والباطل، لا تتضح ما هية الحروف إلا بها، لكونها مصدر وجودها، فهي صغيرة في أثرها، كبيرة في دلالاتها، عظيمة في مجال الفن والجمال، حيث تؤكد كينونتها الفنية بقوة، وتبسطها في مفاهيم متعددة على مختلف المستويات. فالخط العربي على اختلاف أطواره التاريخية هي التي جعلت منه أفقاً معرفياً وجمالياً يثير الكثير من الإشكالات الفلسفية والفنية، والكثير من القضايا المتصلة بإلإدراك البصري للخط العربي، أو بالمنحى الذي يدرس العملية الإبداعية فيه.حيث تتجاوز عناصر التشكيل المتعارف عليها فيه من خط ولون وملمس، إلى عناصر تتصل بجوانب عدة، تحتاج إلى مزيد من التمحيص و الدراسة.

فالتصوف وفن الخط يعدان من مفردات عالم الوجدان الفني بشكل أساسي، كما يعد البحث في العلاقة بينهما من المباحث المتشابكة، يحمل بين طياته الكثير من الأطياف الوجدانية والاجتماعية. فجمالية النقطة بوصفها بعداً فنياً وفكرياً له دلالاته في الحرف العربي، وله قيمته التشكيلية والتعبيرية، وعناصر التكوين فيه، وكيف تدخل النقطة كشكل ودلالة في اللوحة الخطية الصوفية عموماً ولوحة الخط العربي خصوصاً، وكيف تشتغل بأسس فنية وجمالية فريدة، مرتبطة باللغة والزخرفة العربية.

فالنقطة في الخط ذات، وباب معرفة متأبية على الظهور..ذات تعبر عن الكينونةالتي جعل التجريد نموذجا، وتقدمه كشكل صافٍ، مبتعدٍ عن الدنيوي، مقتربٍ من الصفاء والاختصار الهندسيين.فالخطاطون يعتبرونها وحدة قياس، والفلاسفة جسدا بصرية مكَوِّنا للخطوط والسطوح، وباعتبارها هذا كانت وحدة تقاس بها تناسبات الجمالي الذي كان الحرف يدل عليه.

ولكن ما هو شكل النقطة بالتحديد؟

يقول المسعودي عنها في مروج ذهبه:<هي سطح مربع، يتكون نتيجة جرةقصيررة للقصبة(=القلم)على الورقة، طوله مساو لعرض منقار القصبة>.وهذا الشكل المربع يأتي نتيجة استخدام القصبة فقط.وما يعتبر نقطة في الخط وعلم الحساب لا يتقيد مطلقا بهذا الشكل المربع، بل قد يتخذ أشكالا أخرى في فضاء الورقة كنقاط استدلال، أو كعنصر تزييني من أجلإعطاء قيمة للفراغ.فالتجريد في الخط العربي يهيمن بشكل شبه مطلق، وحتى (الفراغ) نفسه كان يتغيى الامتلاء بحضور المقدس، إن لم يكن هو نفسه تعبيرا عن المقدس، يعبر عنه، تجريديا، بتكرارات شكلية لا نهائية تريد التشبه بلانهائية المقدس الحاضر في كل مكان.

و لإخوان الصفا حديث عن النسبة الفضلى، في الفن البصري، وفي الفن الموسيقي، يبين أن هذه النسبة مستنبطة من تأمل طويل في الطبيعة والكون وليست مجرد تخمين مجاني.فالخط فن تولد من النقطة، غايته تشبيه فعل الطبيعة، كل كلمة فيه صورة متناسبة الأعضاء.وهنا نكون أمام نظرية المحاكاة الأرسطية محوَّوةً لصالح التجريد، غير أن المقياس في الخط العربي ينطلق من رؤية تعطي الاعتبار لما هو جواني وللمتطابق مع هاجس المقدس، والروحاني، لأن الخط ما هو إلا فكرةٌ روحانية، ونقطةُ عالمٍ طفيف، يمكن تكبيرها وتصغيرهاحسب الحدوس التي تمور في وجدان الخطاط. بينما في غيره ينطلق المقياس من رؤية تعطي الاعتبار لما هو براني، و لما هو مرئي، حيث يتم الاشتغال على الدنيوي، وعلى ما مآله الزوال.

فعبر فن الخط العربي ظهرت نظرية النقطة بوصفها بابا لمعارف الوجود والحياة، وطريقا سالكا لا ستكناه الجمالي في دوائر الكون الكبرى، وحافزا على إبداع تأملات جمالية تعين على التمتع بالحياة.فمن فكرة التناسبفي الكون اهتدى إخوان الصفا ؛انطلاقا من النقطة والتناسب؛ إلى تكوين نظرية في علم الجمال، هي في غاية الأهمية والقوة.بينوا فيها النسبة الفضلى القائمة على الهارمونية في كل خط ورسم، كما هي لدى الأغارقة منذ فيثاغورس.فبنظرية إخوان الصفا نستطيع أن نكتشف المجهول المنسي، لكونهم يضعون مسافة بينة بين التناسبات البصرية الموضوعية، وطريقة ادراكها، فهم يلقون بنظرية بصرية تصلح لأن تكون دليلا للرسامين، ويقدمون فكرة عن إستحالة عمل بصري موضوعي الى درجة التشديد، فكلما كثرت الوسائط بين الشيء المنظور وبين النظر كان الخطأ فيه أكثر، واحتاجت الحاسة فيه الى دليل آخر يحقق نظرها ويصدق خبرها . من ذلك السراب فانه أخص من الماء، فحار فيه النظر وحال البعد فيما بين النظر وبينه عن الحكم عليه بما هو به، فظنه ماءً، فلما جاءه لم يجده شيئاً، وكذلك حال الشيء البعيد فإن الوسائط بينه وبين البصر كثيرة وهي الضياء والهواء، وكلما بعد ازداد في الصغر والتلاشي في البصر الى أن يغيب.

فنظريتهم تعد مساهمة عميقة في تحليل وفحص فن الخط العربي عبر فكرة النقطة بشكل خاص، مستندين على معارف الهندسة الاقليدية، التي تطابق هوىً جذرياً في التجريد الهندسي الاسلامي القائم على النقطة والخط والسطح ا لمستوي، فجميع تأويلاتهم المتعلقة بالنقطة لا تجد لها نظائر لدى اقليدس.، وإنما تعريفهم من طبيعة تأويلية، لأنهم يمنحون التعريفات السابقة بعداً جديداً ويتجاوزونها. فالنقطة عندهم تمثل بعداً اساسياً من أبعاد الفن الإسلامي عامة، وفي فن الخط العربي خاصة، وتُستخدم بمثابة مقياس لدقة كتابة الحروف، وتشكل من جهة أخرى مقياساً للخطوط في علم الهندسة المحض. فهي بداية ونهاية الخط المستقيم، وهي بالنسبة لإخوان الصفا الشكل الذي "لا جزء له" - وهو تعريف إقليدي - إذا ما قورنت بالأشكال الأخرى.

فالمقاربة العربية الصوفية وغير الصوفية للنقطة هي مقاربة لها كطبيعة لامرئيةمتوهَّمة ومتخيَّلة.أما مقاربة الأغارقة لها فهي مقاربة لشكل غير قادر على التجزؤ، ولأثرٍ يدمغ.وإذن فالنقطة كائن غير مادي، أصلي وهمي، خفي لا يتحقق إلا بالبرهان، ويقاربها الفنان الروسي كاندينسكي في كتابه(النقطة، الخط، السطح)من وجهة نظر مادية، حيث يقول عنها:(إنها تماثل الصفر).

فأية علاقة توجد بين النقطة (.) وبين الصفر(0)؟

لا شك أن هناك علاقة تشابه بينها وبين الصفر في الرياضيات الهنديةدفهو يكتب هكذا:(.)، ويمثل في الكتابة الشرقية الصفر والنقطة في آن واحدٍ، أما في الأرقام المغربية فالصفرهو:(0)، والنقطة في الكتابة هي:(.).فهذه (.)الهندية/ العربية هي التي تماثل الصفر عند كاندينسكي، وهي التي بنى عليها استنتاجاته، ومن بينها دلالة النقطة على الصمت الذي هو وقوف على حافة اللاوجود، و يوضح ذلك بالمعادلة التالية: الصمت=(.)=(0)، وعلى العلاقة بين الجواني والبراني، وكأنه بهذا يشير إلى علم جمال جديد قائم على أساس النقطة باعتبارها إشارة ورمزا، تفتح العين والأذن بها طريق الصمت نحو الكلام.للخروج من الفقر الروحاني، والدخول ف الفكر الصوفي الغزير الذي يستجلب هذا المعنى عينه للنقطة.

ستظل النقطة حجر الأساس في التصوف والفلسفة والفكر والفن؛ منها تبزغ شمس الإنسان في الأرض، ورغم كونها كائنا صغيرا متاهي الصغر فإنها مندمجة في الفاعلية الكونية الشاملة، وفي كل كائن كوني.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (14)

اللغة العربية وكينونتها الثقافية

لقد سعى جرجي زيدان إلى تأسيس ما يمكن دعوته بفكرة الانتقال من تاريخ الأمة والدولة إلى تاريخ إبداعها الروحي (الثقافي)، أي أمام انتقال حي وفعال من التاريخ الظاهر إلى التاريخ الباطن، ومن الجسد إلى الروح، ومن الإحساس إلى العقل عبر توحيدهما جميعا. بمعنى دفع مسار تحصين الأركان وانعتاق الوجدان صوب الرؤية القومية الثقافية.

ونعثر على ذلك فيما يمكن دعوته بموازاة انتقال فكره وتفكيره وهمومه من التاريخ إلى التاريخ العربي الانتقال بالموقف من اللغة إلى اللغة العربية. وليس هذا بدوره سوى الارتقاء بالفكرة والتفكير من المجرد إلى الملموس، ومن التاريخي إلى الثقافي. إذ لا يعني الانتقال من دراسة اللغة إلى اللغة العربية سوى الوجه الآخر أو المكمل للانتقال من دراسة وتأمل التاريخ إلى التاريخ القومي. فقد كتب جرجي زيدان كتاب (الفلسفة اللغوية) للمرة الأولى عام 1886. ثم طوره لاحقا في كتاب (اللغة العربية كائن حي). واكتشف في مجرى تأملاته الأولى عن إدراك القيمة العلمية والأدبية لهذا الصنف من التأليف. وكتب بهذا الصدد يقول بأنه يرفع هذه الدراسة إلى أهل النظر والتحقيق لينظروا فيها. والهدف من وراء ذلك هو "فائدة أدبية لعموم أفراد الهيئة التي هم بينها"[1]. لكننا نراه يستغرب بسرعة متوازية مع سرعة نفاذ الطبعة الأولى. فقد كان يعتقد في البدء، بأن هذا الموضوع من البحث الفلسفي الجديد "لا يرتاح إليه إلا فئة قليلة من خاصة الأدباء، وذوي الإطلاع ممن يلتذون بالأبحاث العقلية الفلسفية". لكن تخوفه السابق يضمحل ويتلاشى مقابل رؤيته "تكاثر أهل الخاصة"، أي المثقفين، بأثر نفاذ الطبعة الأولى[2]. أما في الواقع، فإننا نقف هنا أمام ظاهرة تقول، بأن الوعي الاجتماعي والنظري كان مستعدا أو متلهفا لهذا الموضوع، بوصفه موضوعا تاريخيا قوميا ثقافيا. وليست تأملات وأفكار وتفكير واستنتاجات جرجي زيدان بهذا الصدد سوى التعبير العلمي عن هذه الاستعداد.

انطلق جرجي زيدان من تصوره عن اللغة بوصفها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. وقد تعددت أنواع الأصوات وطرق التعبير بتعدد الأمم واختلاف أصواتها"[3]. وضع هذا المقدمة في فكرته القائلة، بأن اللغة مكتسبة واصطلاحية. وبالتالي، فأنها ليست ضرورية وليست توفيقية، وذلك لأنها تحصل بالاكتساب وأنها ليست ثابتة. فاللغة تتبدل وتتطور[4]. وارجع هذا التبدل والتطور على أساس تأمله لتاريخ اللغات، أو ما اسماه بمبدأ نشوئها وارتقائها إلى ما في الإنسان من موهبة التقليد. إذ اعتبر "التقليد أساس اللغة وأصل نشأتها ومدار ارتقائها"[5]. فإذا كان "ناموس الارتقاء هو من صفات الأجسام الحية" كما يقول جرجي زيدان، فإن اللغة العربية تعرضت هي الأخرى لتطور خاص بها. حيث مرّت حسب تصور زيدان بثلاث مراحل كبرى وهي العصر الجاهلي، وعصر الإسلام، وعصر النهضة الحديثة. كما أنها في بداية الأمر ونهاية المطاف جزء من تقاليد اللغات السامية. لاسيما وأن اللغة (اللغات) السامية هي لغة التمدن الأول. فقد نشأ التمدن بين المتكلمين بالسامية كالبابليين والآشوريين والفينيقيين. فللغة العربية يرجع الفضل في ارتقاء شأن اللغات السامية عموما. وذلك لأن "اللغة العربية تعد من أرقى اللغات بيانا، وأوسعها نطاقا، وأغناها ألفاظا، وأدقها تعبيرا". ووضع استنتاجه هذا على أساس رؤيته لأقسام اللغات السامية وتطورها وأثرها. فالقسم الأول يحتوي على الآرامية التي تنقسم بدورها إلى السريانية والكلدانية. أما البابلية فقد دعيت أول الأمر أرامية (سفر دانيال) ثم اعتبرت كلدانية ثم سريانية (الكتاب المقدس)، بينما هي في الواقع لغة واحدة. أما القسم الثاني (العبرانية)، فقد حفظت التاريخ القديم (الأسطوري). غير أن ما يتكلم به بني إسرائيل اليوم هو ليس العبرانية صرفا.

أما القسم الثالث (العربية)، فإن منشأها مرتبط بتاريخ وتقاليد الساميين الذين كانوا "يقطنون في البداية ما بين النهرين. ثم هاجر بعضهم والقسم الآخر هاجر للجزيرة"(!). ومع توالي الأزمان تنوعت لغتهم الأصلية "تبعا لناموس الارتقاء فتولدت اللغة العربية والأمة العربية"[6]، بوصفها لغة جامعة لتاريخ الساميين الثقافي. فاللغة العربية، كما يقول جرجي زيدان، هي إحدى اللغات السامية وأرقاها مبنى ومعنى واشتقاقا وتركيبا، وأرقى لغات العالم[7]. وكتب بهذا الصدد أيضا يقول، بأن "العربية من أغنى لغات الأرض بالألفاظ العمرانية والسياسية... أنها مليئة بالمترادفات وكثرة الأوصاف والأسماء. كما تمتاز بدقة التعبير. إذ فيها لكل معنى لفظ خاص"[8]. كما وجد فيها "أغنى اللغات في الألفاظ المعبرة عن المعاني المجردة وانفعالات العواطف. ففيها لأنواع الحب نحو عشرة ألفاظ، ومثلها للبغض والحسد والطمع، أي لمختلف مظاهر النفس البشرية"، وفيها أيضا "مزيدات الأفعال" مثل قولنا تقاتلوا وتقاضوا وما شابه ذلك، وكذلك تميزها بالإعجاز والإيجاز وذلك لأنها لغة شعرية كثيرة الكنايات والإشارات يسهل فيها التعمية والألغاز[9]. وإذا كانت في بداية أمرها محصورة في جزيرة العرب، فإنها بفضل الإسلام تحولت إلى لغة موحدة وعالمية. إذ "لولا القرآن لتعددت فروعها قياسا على سواها" كما يقول جرجي زيدان[10].

إننا نعثر في هذه الرؤية على نمو الفكرة صوب الرؤية القومية ثم الثقافية. وهو تدرج أو ارتقاء يعكس مسار الرؤية التاريخية والعلمية بقدر واحد. من هنا توسع جرجي زيدان في الكشف عن اثر الإسلام (كدين ورؤية وفلسفة وثقافة وتاريخ) في بلورة معالم اللغة العربية والفكرة القومية بحد ذاتها كما نجدها في تأريخه لآداب اللغة العربية، أي لحصيلة إبداعهم النظري والمعرفي والثقافي والروحي. من هنا فكرنه عن كون الإسلام جمع العرب على مبادئ جديدة. وذلل نزعات التجزئة والاحتراب الداخلي والعصبية. وإذا كان ذلك قد أدى إلى إضعاف الشعر في البداية لما فيه من تقاليد القبلية، فانه بالمقابل انشأ وطوّر تقاليد النثر بمختلف أصنافه والخطابة بشكل خاص[11]. لقد وجد جرجي زيدان في "ظهور الإسلام انقلابا دينيا سياسيا اجتماعيا". وشأن كل انقلاب من هذا القبيل، كان لابد له من أن يخلف آثارا في نفوس أصحابه وعقولهم. والتغير الذي أحدثه الإسلام يرجع إلى ثلاثة أوجه وهي انه أبطل بعض تلك الآداب، وغيّر أنواع أخرى، وأحدث آدابا جديدة[12].

إن الارتقاء بالموقف من اللغة العربية (القومية) كان يحمل في أعماقه ارتقاء بالرؤية العلمية، مع ما يلازمه بالضرورة من توفيق بينهما يجعل من الفكرة الثقافية القومية اشد تجانسا من حيث مقدماتها وأساليبها وغايتها. بمعنى أخرجها من تقاليد الانغلاق العقائدي والديني والأيديولوجي. ومن ثم تحريرها من إسار اللاهوت صوب فضاء الحرية الحقيقية بوصفها ارتقاء بالنفس والعقل والروح. من هنا فاعلية واستجابة نظرية النشوء والارتقاء الطبيعي في موقف زيدان من اللغة بشكل عام والعربية بشكل خاص. فنراه يؤكد على أن موضوع البحث الذي يقدمه بصدد كيفية نشوء اللغة وتطورها، يخضع "لناموس الارتقاء العام"[13]. ومن ثم فأن "الكلام في ذلك كله مؤيد بالنواميس الطبيعية ومسند إلى عوامل لا تزال عاملة في لغتنا إلى هذا اليوم"[14]. وليس مصادفة أن تظهر في كتابه الأول (الفلسفة اللغوية) عبارة "اللغة بوصفها كائنا حيا". وكلما توسع فيها كلما اقتربت من أسسها الخاصة. لهذا نراه لاحقا يضعها في عنوان كتابه الموسع بهذا الصدد (اللغة كائن حي). ففي (الفلسفة اللغوية) نراه يكتب عن "تاريخ اللغة العربية باعتبار أنها كائن حي نام خاضع لقانون الارتقاء العام"[15]. بينما في كتاب (اللغة كائن حي) نراه يطبقها على العربية، وعبرها على تاريخ الأمة الثقافي. ولا يعني ذلك سوى تحول الموقف العلمي إلى فكرة فلسفية ثقافية سياسية. لهذا نراه يكتب في كتاب (اللغة كائن حي) قائلا، بأن "حياة الأمة مثل حياة الفرد، بل هي ظاهرة فيها أكثر من ظهورها فيه. لأن الأمة إنما تحيا بدثور القديم وتولد الجديد. فكأن أفراد الأمة خلايا يتألف منها بدن الأمة، وهو يتجدد في قرن كما يتجدد جسم الإنسان في عقد من عقود تلك القرون"[16]. واستتبع ذلك باستنتاج أوسع وأدق يقول، بأن "اللغة تعد من ظواهر حياة الأمة. وهي خاضعة لناموس النمو والتجدد، ولناموس الارتقاء العام". ولكل من هذه الظواهر تاريخ فلسفي طويل[17].

بعبارة أخرى، لقد أراد زيدان القول، بأن النشوء الطبيعي والارتقاء الطبيعي يحتوي أيضا على معالم الموت. ويحدث ذلك حالما تنقطع اللغة عن جذور الحياة النابضة. من هنا موقفه النقدي تجاه تخلف اللغة وجمودها. وليس مصادفة أن يجد في السجع احد اشد ملامح الانحطاط بسبب هيمنته التامة على الحفظ واللفظ بحيث يجعل منهما مصدر العبارة والفكرة. لهذا نراه يعتبر الإفراط في السجع مظهرا فاقعا من مظاهر تخلف اللغة وصدرا من مصادر استمرار انحطاطها. وذلك لأنه يؤدي إلى أن يبحث المرء عما يلي من كلمة أو عبارة تؤدي أو تستجيب لمتطلبات السمع وليس الفكرة. مع انه اعتبر السجع جميل أن كان بدون تكلف. لكنه حالما نظر إلى القضية ضمن سياقها التاريخي وفكرته التاريخية، فانه ربط ذروة تخلف اللغة العربية بفقدان التاريخ السياسي والقومي المستقل. لهذا نراه يربط هذه الحالة بمرحلة سيطرة المماليك. فالألفاظ التي دخلت على العربية هي ألفاظ إدارية متعلقة بالحكومة. واغلبها فارسية أو تركية مثل الاستادار وتعني من له صلة بمال السلطان، والجوكاندار وتعني من يحمل الجوكان مع السلطان في لعب الكرة، والطيردار وتعني من يحمل الطير وما شابه ذلك. وجميع هذه الكلمات اضمحلت وتلاشت واندثرت. ذلك يعني أن الركاكة بلغت منتهاها في أول القرن الثامن عشر. أما النموذج الأكثر جلاء لبيان انعدام البيان وتفشي الركاكة فقد وجده في كتابات الجبرتي.

إن دراسة اللغة بمعايير فكرة الارتقاء والتطور ووضعها في أساس الموقف النقدي من حالة الانحطاط ليست إلا المقدمة النظرية التي كانت تهدف، كما كان الحال بالنسبة لانتقاله من دراسة التاريخ إلى التاريخ القومي، إلى كشف نموذجها الثقافي العام. وهذا بدوره لم يكن غير آداب اللغة العربية. ذلك يعني أن الاهتمام بآداب اللغة العربية هي الوجه الآخر للتاريخ العربي القومي ولكن بمعايير الرؤية الثقافية. وقد تضمن ذلك بدوره على إدراك متخصص للمهمة والغاية والأسلوب. ونعثر على ذلك في نحته للعنوان، الذي جعله يقول، بأنه أول من وضع هذا العنوان[18]. كما انه يسعى من حيث غايته إلى الحصول على "فائدة نظرية وعملية". أما من حيث أسلوبه فهو "أشبه بدائرة معارف تشتمل تاريخ قرائح الأمة العربية وعقولها وتراجم علمائها وأدبائها وشعرائها ومن عاصرهم من أكابر الرجال"[19]. وبالتالي ليس تاريخ آداب اللغة العربية سوى "تاريخ ما تحويه من العلوم والآداب، وما تقلبت عليه في العصور المختلفة، أو هو تاريخ ثمار عقول أبنائها ونتائج قرائحهم"[20]. من هنا تقسيمه إياه "إلى تاريخ آداب اللغة العربية قبل الإسلام وبعده وحسب الانقلابات السياسية"[21].

ويعكس هذا التقسيم بقدر واحد منهجية الرؤية والموقف. بمعنى أنه يربط في كل واحد التاريخ العام والخاص للعرب ولكن في ميدان الإبداع الفكري والروحي. مع ما يترتب عليه من ترميم للرؤية الثقافية القومية ووعيها الذاتي. واعتبر ذلك جزء من مهمة كبرى هي مهمة النهوض والنهضة من عالم النسيان والتخلف والانحطاط المعنوي. لاسيما وأنه تاريخ له أصوله وأسسه الخاصة. ومن ثم فهو على خلاف التقاليد الأوربية يتمتع بحس وعقل وبيان هو الوجه الآخر للتاريخ العربي المعقول. فإذا كانت الأمم الأوربية، كما يقول جرجي زيدان، لم تؤلف في هذا الميدان قبل نهضتها الأخيرة، فإن العرب على خلاف المشهور، كانوا أول أو أسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع[22]. وأشار إلى نماذج كبرى مثل كتاب (الفهرست) لابن النديم وكتاب (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) لطاش كبرى زاده، و(كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) وغيرها من الكتب المهمة بهذا الصدد. رغم أنها لا ترتقي إلى مصاف المؤلفات التاريخية بالمعنى الحديث للكلمة[23].  إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئا. لهذا نراه ينطلق من هذه المقدمة نحو الأفق المرئي لوعي الذات الثقافي، وصوب المجهول الملازم لمغامرات النهضة الحديثة.

لقد احتوت هذه الرؤية على ما يمكن دعوته بتوحيد هموم الرؤية التاريخية وتحصين أركانها الثقافية ولكن من خلال البقاء ضمن حيز الرؤية العلمية. ومن ثم التخلص من أوهام المقارنة التأويلية والمفتعلة. من هنا رؤية زيدان المنهجية تجاه أغراض كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية)، إذ حصرها أساسا في "بيان منزلة العرب بين سائر الأمم الراقية من حيث الرقي الاجتماعي والعقلي". وذلك من خلال تتبع تاريخ ما "تقلبت عليه عقولهم وقرائحهم، وما كان من تأثير الانقلابات السياسية عل آدابهم"، و"تاريخ كل علم من علومهم على اختلاف أدواره"، و"تراجم رجال العلم والأدب، و"وصف الكتب التي ظهرت في العربية باعتبار موضوعاتها"، و"الاهتمام بما هو باق ويمكن الحصول عليه"[24]. ليس ذلك فحسب، بل وتأمل كل هذا الإبداع التاريخي المتميز عل خلفية التمدن الإنساني ككل. وليس مصادفة أن يشدد جرجي زيدان على دور الشرق وأثره في التاريخ الثقافي. وإذا كان هذا الموقف يحتوي في أعمق أعماقه على صدى الثقل الهائل للعالم الأوربي آنذاك ومركزية آرائه ومواقفه من الحاضر والمستقبل، فإن الماضي يبقى من حيز الإبداع الشرقي. من هنا قوله "لا خلاف في أن الشرق اسبق إلى تدوين العلم من الغرب. فقد نظم المشارقة الشعر، وعالجوا الأمراض، ووضعوا الشرائع، ورصدوا الكواكب وبينوا أماكنها وسموها بأسمائها والغرب في غفلة وظلام دامس"[25]. وركز في موقفه من أثر الشرق على مصر ووادي الرافدين. إذ احتوى هذا الموقف على محاولة لدعم أركان الأنا الثقافية واستثارتها في الوقت نفسه من خلال نفي الاستلاب الروحي والدونية المحتملة في المواقف. إلا أنه وضع ذلك ضمن سياق الفكرة التاريخية الثقافية الإنسانية العامة القائلة، بأن "التمدن الإنساني هو حلقات مترابطة ويؤثر احدها بالآخر"[26].

ومن ثم فإن لكلّ أمة تاريخها الثقافي الخاص رغم تشابه الأمم من حيث طبائعها ومداركها من أكثر الوجوه واختلافها في مواطنها. وجعل من هذه المقدمة منطلقا لفهم الوحدة والتمايز في تاريخ الأمم بشكل عام والأدبي بشكل خاص. وهو السبب الذي يجعل، كما يقول جرجي زيدان "آدابها متشابهة في موضوعاتها ومصادرها ومناحيها وتأثيرها، مع تباين في كل امة تمتاز به عن سواها... فآداب اللغة عند كل الأمم قديمها وحديثها مؤلفة من الشعر والنثر. والشعر يقسم إلى موضوعات كثيرة من الحماسة والغزل والفخر والرثاء والمديح، والنثر يقسم إلى التاريخ والأدب والفقه والفلسفة والعلم على أنواعه"[27]. وبالتالي فإن لكل أمة تاريخها الأدبي. والمقصود به هو الاختصاص الذي "يبحث في تاريخ الأمة من حيث الأدب والعلم، فيدخل فيه النظر فيما ظهر فيها من الشعراء والأدباء والعلماء والحكماء... وكيف نشأ كل علم وارتقى وتفرع عملا بسّنة النشوء والارتقاء"[28]. ذلك يعني، أن تاريخ آداب اللغة يعكس أولا وقبل كل شيء "تاريخ الأمة من الوجهة الأدبية والعلمية". وذلك لأن لكل أمة تاريخ عام وآخر خاص مثل التاريخ الاقتصادي والسياسي والأدبي والعلمي..."[29]. وبالتالي، فإن تاريخ آداب اللغة العربية هو تاريخ تميزها الأدبي والعملي، بوصفه احد النماذج والمستويات الكبرى والحلقات الجوهرية في تاريخ التمدن الإنساني. وبغض النظر عن أن جرجي قد بقي أسير الرؤية التقليدية التي تبلورت في الثقافة العربية الإسلامية عن تمايز الأمم الكبرى آنذاك، والعربية من بينها، إلا أن استعادتها آنذاك في فكره وتأسيسه الجديد لها كانت ترمي إلى غاية جديدة، بسبب ارتباطها بفكرة النهضة الأدبية، أي الفكرة القومية الثقافية والسياسية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، بيروت، دار الجيل، ط2، 1987، ص5.

[2] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص8.

[3] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص11.

[4] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص101.

[5] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص103.

[6] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، بيروت، دار الجيل، ط2، 1987،ص 19. ليس هذا فحسب، بل اعتقد جرجي زيدان، إن منطقة حوض الرافدين هي منشأ اللغات جميعا وأصلها الأول. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه كلما يبتعد المرء عن منطقة ما بين النهرين كلما تكون اللغات أكثر اختلافا. وسبب ذلك يكمن بالنسبة لزيدان في أن "الإنسان أول ما نشأ على ضفاف دجلة والفرات. ومن نسله تفرقت الأمم. والتوراة ذكرت اكبر مهاجرة نشأ عنها تعدد اللغات سمتها حكاية تبلبل الألسن(!!). وأول من نزح المنطقة (أي في بداية تطور اللغة) وابتعد عنها أدى إلى أن تكون لغتهم متميزة (الصين ومصر القديمة). وحاول تقديم البراهين اللغوية من خلال تحليل ومقارنة أصول الكلمات الأولية. وبغض النظر عما في هذه الفكرة من نزعة تأويلية جلية، إلا أنها تشير بالقدر نفسه إلى تغلغل الفكرة التاريخية وجوهريتها في رؤية جرجي زيدان، إضافة إلى احتوائها بصورة غير مباشرة على اثر النزعة الإنسانية ووحدة النوع الإنساني. وبالقدر ذاته اثر النزوع القومي الثقافي الكامن في أعمق أعماق تأملاته الشخصية وبحوثه النظرية والتاريخية.

[7] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية،،ص27.

[8] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص29-31.

[9] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص44-45.

[10] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص16.

[11] لم تكن هذه الرؤية معزولة عن إبراز خصوصيات الأدب الأوربي بشكل عام وتقاليده اليونانية والرومانية التي كانت تمثل آنذاك نموذجا "كلاسيكيا" لأوربا الحديثة. من هنا مجاراتها في الإبداع العربي الحديث كما هو جلي في مواقف زيدان المشار إليها أعلاه.

[12] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص190-191.

[13] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص9.

[14] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ،ص9.

[15] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص10.

[16] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، بيروت، دار الجيل، ط2، 1988، ص8.

[17] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص9.

[18] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[19] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص9.

[20] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8

[21] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص9.

[22] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص7.

[23] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[24] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[25] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص15.

[26] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص16-18.

[27] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية،ج1، ص18.

[28] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[29] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

 

ميثم الجنابي

العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (12)

للحياة مفارقاتها في المصير الشخصي. فقد بدأ جرجي زيدان (1861-1914) حياته الفكرية الحرة بامتحان أخلاقي سياسي، واستمرت لاحقا في اختبار علمي دائم، وانتهت بتحقيق معرفي تجاه التاريخ العربي وثقافته القومية. ومن الممكن العثور على صدى هذه الدراما الحياتية المفعمة في عباراته الوجيزة التي عمم فيها مهمة ووظيفة وغاية البحث العلمي في تقديمه لكتاب (تاريخ آداب اللغة العربية). ففيه يكتب قائلا، بأن "من يتصدى للكتاب يجعل نفسه خادما للمصلحة العامة"1 . ولم يكن ذلك في عرف التجربة الشخصية والتاريخية لجرجي زيدان سوى الوجه المعرفي لمسار التجربة الفردية التي أرتقت من حيث مضمونها الفعلي إلى مصاف الاستظهار الجديد للفكرة العربية القديمة القائلة، بأن سيد القوم خادمهم. لكنه رفع هذه الفكرة الحكيمة إلى مصاف الحرية الفعلية من خلال ربطها بفكرة المصلحة العامة للأمة والذائبة في أساس إرشادها العلمي. من هنا قوله، بأن "الكاتب العام خادم الأمة وولي إرشادها. وعليه أن يبذل الجهد في سبيل مصلحتها"2 . ووجد هذا السبيل في ما اسماه بجمع الحقائق والمحافظة على سلامة المعنى. وانطلق في موقفه هذا من توحيد خفي لفكرة الالتزام الكامنة في صلب المؤرخ ورجل العمل وجوهرية الحقيقة كما هي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأمة في حاجة إلى الحقائق أكثر من حاجتها إلى الألفاظ"3 .

ولم تكن هذه الفكرة المنهجية والعملية العميقة معزولة عن تجربته في ميدان التاريخ واللغة. بل يمكننا القول، بأن مسار التجربة الشخصية والمعرفية لجرجي زيدان هما وجهان للتاريخ واللغة. وكلاهما يشكلان الروافد التي بلورت شخصيته وأثرها أيضا في إرساء أسس الحصانة الثقافية لوعي الذات العربي الحديث. إذ لا يعني احتياج الأمة إلى الحقيقة أكثر من الألفاظ سوى الإدراك الجديد لأوليات الرؤية المنهجية التي استحكمت في إنتاجه العلمي ومواقفه النظرية والعملية. بمعنى إدراك أولوية الحقيقة والباطن والمعنى بوصفها أرصدة المستقبل. لاسيما وأن جرجي زيدان كان يشدد وبالأخص في أواخر أعماله الناضجة على أن ما يكتبه موجها بالأساس للناشئة، أي لأجيال المستقبل4 . ليس ذلك فحسب، بل وأن ما كان يخطط له وينفذه من كتابات بهذا الصدد أقرب ما يكون إلى موسوعة وعي الذات الثقافي القومي. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الجديدة والتوليف الواعي لما في التيارات الفكرية السابقة له والتي اطلقت عليها عناوين "طلاقة اللسان" و"تحصين الأركان" من تراكم قومي وثقافي.

فقد أدى تعمق وعي الذات العربي الذي جرى بأثر توازى المسار الذي قطعه كل من تيار "طلاقة اللسان" وتيار "تحصين الأركان" إلى تفعيل هواجس الضمير الملتهب وإدراك قيمة الهموم الكبرى والصغرى بالنسبة للتعامل مع كل ما له علاقة بالحاضر والمستقبل. فقد شارك كلاهما بالغوص في بحار اللغة والتاريخ، بمعنى ولعمهما بقضايا المجرد والملموس في التاريخ القومي والثقافي. وإذا كان لهذا الاختلاف فضيلة نظرية كبرى ورذيلة عملية بمستواها في حالة عدم تداخلهما في تأمل الحاضر واستشراف المستقبل، فانه شأن كل تواز في الحياة لابد له من أن يتقاطع في محطات العبور أو الوصول. مما يولد بالضرورة شرارة الهياج العارم حينا، وطغيان الفرح والابتهاج حينا آخر. وليس مصادفة أن يتسلل هذا التقاطع بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة إلى أذهان وأعيان النخبة الفكرية الجديدة الناشئة آنذاك. إذ يمكننا العثور على صدى هذه الحالة في إبداع مختلف شخصيات المرحلة، لكن ذروتها الأولية تجسدت في شخصية وإبداع جرجي زيدان.

 حقق جرجي زيدان في حياته وفكره ومصيره تذبذب الحالة الحرجة لتوليف اللغة والتاريخ المتراكم في وعي النهضة العلمية والأدبية العربية الحديثة، بوصفها وحدة ضرورية لوعي الذات القومي والثقافي. وفي هذا تكمن مأثرته الكبرى بالنسبة للعقل والضمير العربي الجديدين. وذلك لأنه استطاع بقدر واحد السير إلى الأمام خطوات كبرى بتقاليد الرؤية الجديدة عن قيمة التاريخ واللغة، وتوحيدهما بمعايير الرؤية النقدية ووعي الذات التاريخي.

كانت بدايته في مجال البحث التاريخي بحد ذاتها مؤشرا خفيا يحتوي على كمون الرؤية القومية والثقافية. وذلك لأن البحث التاريخي الكبير وهمومه الوجدانية والواقعية المتنوعة عادة ما يضع الباحث أمام إشكاليات المعاصرة ومقارنات المنهج العقلي. مع ما يترتب عليه من تراكم علني ومستتر لعناصر العقل الثقافي النقدي، أي ذاك الذي يخرج على حدوده المرحلية ولكن من خلال الرجوع إلى مرجعياته الذاتية الكبرى. ومن الممكن رؤية كل هذا التراكم العقلي النقدي الثقافي الكبير في شخصية وإبداع جرجي زيدان من خلال النظر إلى تطور اهتمامه وأفكاره بمختلف قضايا التاريخ. إذ نقف أمام حلقات متراكمة في سلسلة وعيه التاريخي، بدأت بدراسة تاريخ العرب ما قبل الإسلام، ثم تاريخ الإسلام، ثم تاريخ التمدن الإسلامي، ثم تاريخ اللغة (العربية) وتاريخ آدابها. لكنها حلقات لم تكن منذ البدء محكومة بوعي مستقبلي واضح أو بفلسفة لها مبادئها وقواعدها وقيمها، بقدر ما أنها ترابطت في مجرى التجريب العقلي النقدي الباحث عن مبررات وأهمية النهضة الحديثة.

فقد كان هاجس النهضة القوة الكبرى في تراكم الرؤية النقدية التاريخية لجرجي زيدان. الأمر الذي جعل من طابعها المجزئ في بدايته، والتجريبي لاحقا، يتسم بقدر من العقلانية النقدية. وذلك لخلو هذه الرؤية من أثر التقاليد اللاهوتية وأثقالها الجاثمة على العقل والضمير. كما أن ضعف التأهيل الفلسفي الأول لجرجي زيدان قد أبقى على اهتمامه محصورا بالتاريخ كما هو. إضافة إلى التأثير الكبير للفكر الأوربي الاستشراقي بهذا الصدد. ومن هذه الحصيلة التي يمكن رؤيتها في كتبه التاريخية الأولية تبلورت النزعة التجريبية بوصفها تجربة نقدية عقلانية. إذ نراه يشير، على سبيل المثال، إلى أن ما يكتبه في ميدان البحوث التاريخية، بما في ذلك في (تاريخ التمدن الإسلامي) لا يخلو من مقارنة بالتاريخ الإفرنجي (الأوربي)، لكن المقصود الفعلي منه كان يقوم في إبراز هوية التمدن العربي الإسلامي. غير أن الجوهري في كل هذه العملية الطبيعة آنذاك هو الانتقال المتراكم في رؤيته التاريخية وتوسع وتعمق محتواها القومي والثقافي. أما البداية الكبرى لها أو أساسها المنهجي والنظري فيقوم في تبلور فكرة جوهرية التاريخ وأهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة.

كان الاهتمام الأولي بالتاريخ العربي الوجه الآخر للاهتمام بفكرة التاريخ كما هي. لكن تلازمها الطبيعي عند زيدان يقوم في فكرة النهضة التي كانت تتحكم في عقول وأفئدة النخبة المثقفة آنذاك ونزوعها صوب التحرر. مما أعطى للاهتمام بالتاريخ بشكل عام والتاريخ العربي بشكل خاص بعدا منهجيا بحد ذاته جعل من فكرة التاريخ مرجعية عقلية، تماما بالقدر الذي جعل من التاريخ القومي مرجعية وجودية. ومن الممكن العثور على هذا الترابط الخفي في كمية ونوعي الاهتمام الذي بذله جرجي زيدان تجاه الاهتمام بالفكرة من جهة، وبالتاريخ من جهة أخرى. من هنا كلامه عن أن اغلب ما كتب عن تاريخ العرب قبل الإسلام عادة ما يخالف المنقول والمعقول5 . إذ لم يجر إفراد كتاب خاص بتاريخ العرب قبل الإسلام ممن اهتموا بتاريخ التمدن6 .

إننا نعثر هنا على ربط أولي بين التاريخ والتمدن، أي بين الفكرة وتاريخها الفعلي الشامل. لهذا نراه يؤكد على أن معرفة تاريخ العرب قبل الإسلام له أهمية من اجل معرفة سرّ الصعود الإسلامي والحضارة التي جرى صنعها بهذه السرعة. ومن ثم تبديد الأوهام والتصورات المسطحة والزائفة عما يسمى بعصر البداوة العربية وما شابه ذلك. انه أراد القول، بأن الصعود الحضاري الإسلامي الهائل له مقوماته المادية والروحية في التاريخ العربي ما قبل الإسلام. وهو تاريخ شامل له جذوره وامتداده في الجزيرة ووادي الرافدين. من هنا رؤيته المنهجية عن التاريخ العربي الموحد للمنطقة. فهو من بين الأوائل الذين تكلموا عن تاريخ عربي موحد قديم له جذوره العريقة. وما يسمى العرب البائدة هي مجرد صيغة أدبية لتاريخ عريق منحل وساري فيما يليه. فالعرب البائدة هم عرب العمالقة، ومنهم عمالقة العراق وهي دولة حمورابي (القرن 25 قبل الميلاد) وعمالقة مصر (الهكسوس) (الشاسو) وبقايا العمالقة (عاد وثمود وطسم وجديس وغيرهم) ثم دولة الأنباط وتدمر، ثم عرب الجنوب: حمير والتبابعة. ولم يكن الهدف من هذه الرؤية صنع عقيدة سياسية قادرة على استقطاب كل ما ترميه بقايا الذاكرة العتيقة على ساحة الوجود المعاصر للعرب، بقدر ما كان يهدف إلى تأسيس الرؤية المنطقية عن الوحدة الفعلية للتراث الثقافي للمنطقة بوصفه تاريخا موحدا ارتقى إلى مصاف التاريخ الكلي والعام بفضل العرب.

لقد كانت مهمة جرجي زيدان هنا تقوم في تصوير التاريخ كما هو من اجل صنع مرآة صافية لرؤية النفس وتعميق فكرة الانتماء الذاتي، بعد تخليها من الأساطير والرؤية المفرطة في نفيها لتاريخ الجاهلية أو المنمقة بغبار مرحلة الانحطاط التي تعرض لها العرب بعد زوال دولتهم7 . لهذا كانت منهجيته هنا تتسق مع فكرته العامة عن "نشر التاريخ وفلسفته وآدابه ودرس تاريخ الشرق وبالأخص تاريخ العرب والإسلام وآداب اللغة العربية"8 . انه أراد أن يجعل من التاريخ الواقعي تاريخا فعليا من خلال تمرير أحداثه وشخصياته ومكوناته وعناصره وكل ما جرى فيه عبر موشور الرؤية العقلية الناقدة والفاحصة. من هنا توكيده على أهمية الخروج من تقاليد سرد الأحداث دون تفسيرها العقلي. ووجد في هذا التفسير أحد الأسباب الضرورية لترسيخ حقيقة هذا التاريخ في عقل الأمة وذاكرتها، أي كل ما سيحصل لاحقا على تدقيق في العبارة والفكرة عندما اعتبر هذا الأسلوب ضرورة من اجل "أن ترسخ في الذهن حقيقة تلك الأمة"9 . وليست حقيقة الأمة سوى تاريخها بشكل عام وتاريخ تمدنها بشكل خاص. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

1-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، مصر، دار الهلال، (ب.ت)، ج2، ص5.

2-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص5.

3-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص6.

4-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص7.

5-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، مطبعة الهلال، 1922، مصر، ج1، ص3.

6-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص3.

7-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 4.

8-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 4.

9-  جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، دار مكتبة الحياة، بيروت، (ب.ت) ج1، ص8.

 

 

عبد الجبار العبيديعندما جاء ألاسلام، جاء حراً بنظريتين: الأولى تقديم عقيدة جديدة للناس تضعهم في طريق العدالة والاستقامة دون جبر أو اكراه.. "وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.. "والثانية تطبيق مبادىء العقيدة والخروج بها الى عالم الحضارة والتقدم.. "كل نفسٍ بما كسبت رهينة" فطريق العدل والمبادىء هو وحده يضمن للمجتمع أستعادة التوازن والثقة . وفي كلتا الحالتين لم يفرض على الناس قوة الألزام.. بل العقيدة والتطبيق ولا غير.

جاء حراً بلا مذاهب، ولا فِرق دينية، ولاعصبية قبلية، ولا قومية عنصرية، بل مصحوباً بنظرة فلسفية جديدة تحمل مفهوم فلسفة المعرفة والعلم والعدل والعمل والحرية شعاراً له "ذلك بان الله هو الحق، الحج62"، لوضع منهج جديد في أصول التشريع القانوني للأمة خلافا لتقسيمات مجلس الملأ القبلي القديم ولتحرير الأنسان من مجتمع العبودية المفروض عليه قبل الأسلام.. قائم على البينات المادية واجماع الأكثرية في حكم الأمة، وعلى حرية التعبير وحرية الاختيارتطبيقاً لشعاره المرفوع "لكم دينكم ولي دين".

وليس السيف والنطع كما فهمه المتطرفون من فقهاء الفشل وقادة الدعوة فيما بعد فلا يصح ان ينسب الفعل الى فاعل غير مختار، نظرية لم يعيها مجتمع القبيلة بعد.. بديلا لمعاناة صاحب الدعوة في مكة.. بل عرضا مسالما بمودة ورحمة لمن يقبل الدعوة او يرفضها وليس كما أدعتها أحزاب الاسلام السياسي البارحة واليوم.. ورغم المعارضة الشديدة لم يكن لدى صاحب الدعوة فتيان قتال لمحاربة المتنازعين بل العرض والقبول بالرضا او الرفض دون عنف المتخاصمين.. وحين لم يستطع اتجه للمدينة (يثرب) طلبا الحماية من أيذاء المعارضين الأقوياء ملتجئاً الى أخواله وبعض من آمن بدعوته هناك.. من هنا بدأت الدعوة الجديدة .

حدث هذا تحديدا لمنهج الفكر الاسلامي الجديد وترجمة عصرية لنظرية علمية غير محددة بالعرب لأنهاء التمييز العنصري بين آمن بدعوته والمعارضين.. للوصول الى عالم معاصرجديد، وهي ابرز الانجازات الحضارية للدعوة لو تحققت والتي جاء من اجلها ليبني لهم دولة العدل والقانون.. فهي دعوة الآيديولوجيا وليست دعوة الدين البحت.. كما فهمها فقهاء النص الثابت دون جدلية العلم الحديث .

لكن هذا لم يتحقق الا بعد جهدٍ جهيد استغرق أكثر من 23 عاما في مكة والمدينة.. والاهم حين تحقق وكتب الوثيقة الدستورية معززة بالقرآن الكريم بين " 2-9 للهجرة".. لم تنجح الدعوة كما أرادها هو بنظرياته التي طرحها للعالمين.. فبعد وفاته (ص) تغيرت الظروف حين لم ترتبط التوجهات النبوية بالمنطلقات الفكرية فلم يتحدد المسار بوضوح، فالظاهرة الجديدة كانت مرتبطة بظروفها دون اهمال لمستوى الرؤية التاريخية المحيطة بهذا التغير الكلي الجديد

ورغم قوة المسيرة الجديدة فقد أنتابها نقص بالمقارنة الى قمة الكمال التي كان التطبيق الرسولي قد بلغها.. لكن النقص في وقته ما كان يعني التدهور منذ البداية وان غُلف فيه . وأول ظهور لهذه المفارقات كان في مجال أداة الحكم، وهي المشكلة الرئيسية التي تواجه الجماعات البشرية والى اليوم، حتى اصبح التطبيق لم يكن مستجيباً لواقع التغيير التاريخي لظهور الدعوة في مجتمع الانغلاقية القبلية من جهة، ولوفاته الكريمة المبكرة من جهة ثانية.. لذا فان منهج الفكر لم يتمكن من تطبيق الواقع الموضوعي وقوانينه وتثبيت الوعي التام له.. ولم يتحدد الاسلوب وشكل العمل في التطبيق.. مما أربك الدعوة وهي لا زالت وليدة فحلت النكبة بالعرب والمسلمين بعد ان استغلت من قبل الفقهاء ومحبي السلطة لها حين حولت الى غير مقاصدها.. فكان الفشل.. التدريجي نتيجة المنازعات القبلية والعائلية بين العلويين والأمويين والعباسيين فحل.. الضعف والانهيار ولو بعد زمن طويل؟.

لم تكتفِ الدعوة بطرح هذه المبادىء الصرفة فحسب بل.. أستبعدت الفكرٍ التجريدي الذي لا يمثل الواقع الجديد.. حين قامت على آيات حدية الالتزام لا تقبل الخَرق.. مصحوبة بعرضٍ لتجارب أديان سماوية وأرضية سبقتها أوردها القرآن في قصص قرآنية حصلت فعلاً "نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".. وخاصة في قصص الانبياء نوح وهود واهل الكهف الذين جاؤا في عهد الامبراطور دقليانوس الروماني الظالم" هؤلاء الذين حاولوا اصلاح مجتمعاتهم التي لم تفِ وفاءً كاملاً بحقوق الانسان وخاصة مفهوم الحقوق والعدالة فلم يفلحوا.. فذكَرَ الله شعوبها بألنذرحين قال: " اذكر أخا عاد اذ انذر قومه بألأحقاف، الأحقاف21".. وحين لم يستجيبوا أمر بأنزال العقاب فيهم "عادٍ وثمود فما أبقى، واغرق قوم نوح بالفيضان مثالاً".. فما أشبه اليوم بالبارحة حين اصبحت مؤسسة فقهاء الدين تؤمن بسلطة سياسة رجل الدين على الناس وليس بمبادىء الدين، فتحمل الدين كل هذا الوزر والتقصير.. ولم تعير لصيرورة الزمن أهمية حتى اختفى مفهوم الدولة عندهم.. وحل محله مفهوم الأرض والسلطة كل الأرض لعجزهم عن تكوين ثقافة بناء الأمة والدولة معاً.. لدرجة أنهم نادوا بنظريات الوهم والأفضلية لأستغفال أمة الجماهير..

ان مرحلة التأسيس القرآني للمجتمع جاءت مبنية على نظرية قانون العدل المطلق في أمةٍ مدنية وليست دينية مقدسة كما روج لها الفقيه الفاشل خطئًا، بل كما جاء في قول الحق:"هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون، الأنبياء 92 "فمعنى ذلك ان الأمة ينبغي ان تكون واحدة، ولا يجوز لأية جماعة ان تتصرف بها على هواها ولأي سبب من الأسباب.. حتى أُراد الاسلام المحمدي ان يكون مكملاً لنواقص ما طرحته الاديان السابقة من عدل وحقوق، وعلوم ومعارف، وأخلاق وتشريع، وعبادات وأعراف، وألتزام التقوى عند الناس، لدرجة ان القرآن رفض انقاذ ابن نوح من الغرق تحقيقا لمبدأ العدل المطلق.. كما في قوله:"قال يا نوح أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح، هود46.. لذا من خان الأمانة والعمل الصالح في مجتمعه ووطنه عليه ان يتذكر حكم الله في الناكرين.. وهو من المُدانين.. لقول الحق:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا المائدة 3" فهل وعت مؤسسة قيادة الدولة والدين وفقهاء المذاهب المُنتحلة اليوم هذا الطرح الآلهي العظيم.. لتقف حائلاً ضد مخترقيه.. ؟ورغم النذر والوعد والوعيد بعقاب من يُخل بموازين السماء.. وتقديم الرُسل(ع) للشواهد والبراهين على تحقيق عدالة القانون، لا زال التحدي ضد القانون موجودا عند من يحكمون الأوطان الأسلامية البارحة واليوم .

.. ان البعض اخذ يتسائل اليوم: لماذا هذا الصمت الآلهي عليهم.. مادامت البشرية تخضع لقانون واحد هو المساواة في الحقوق.. وان الله سيطالبهم غداً بها ؟ اذن كيف يَسمح لهم الفقهاء نكران الحقوق ان كانوا هم الأمناء على الدين والامة تستباح ويقتل شبابها المطالب بالأصلاح وعلمائها ومفكريها علنا دون تحقيق .؟.. ولماذا هذا التغاضي عن القوم الخائنين ؟ فهل هؤلاء حقاً مؤتمنون؟.. أملنا برسالات السماء كبير.. لكننا نريد ونطالب ان تُنفذ الحقوق لتُري الخونة والمجرمين من الحكام واعوانهم من فقهاء الفشل الذين أسسوا لنظرية خيانة وسرقة الأوطان.. ان ما جاء به القرآن ما زال نافذا شرعا وقانونا ومطبقاً على العالمين.. والا ما فائدة دين تلهوا به الحكام ومؤسسات فقهاء الدين والشعوب محرومة من الحقوق.. اليوم.

ونعود لنقول:

ان في الوصايا العشر تأكيدات لتنفيذ امر الله دون أعتراض.. فهي تُلزم المسلمين بالتوحيد دون الشرك.. وأحترام النفس الأنسانية دون الأعتداء عليها الا بالحق.. "ولو قلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى" لتحقيق نظرية العدل المطلق.. والمساواة بين الرجل والمرأة متمثلة بكلمة النفس"انا خلقناكم من نفسٍ واحدة".. وألتزام نظرية الاستقامة متمثلة في الصراط المستقيم.. هذه الوصايا قانون ملزم التنفيذ.. لكن أين المسلمين منه.. ؟.

وفي وثيقة المدينة تأكيد الرسول "ص"ان للمسلمين الحق بتنفيذ هذه الوصايا، حين أكدت الوثيقة على مبادىء وحدة العقيدة والتكافل الاجتماعي العام ومسئولية الامن الداخلي والخارجي ولاعتمادها القانون فقد اعتبرت اول وثيقة دستورية تتضمن المبادىء الرئيسية في حكم الناس، ونادت بضبط سلوك الحاكم خارج القانون تأكيدا لمدنية الدولة.. هذا التوجه جاء لتطبيق العدالة بين الناس بغض النظر عن القبيلة او العشيرة او ذوي القربى الذي يتمسك به من كانوا يحكمون بالأمس واليوم بأسم الدين ويقول الحق:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى، المائدة 8".. والا هل سنبقى نعتمد على الناكرين.. حين قال الحق: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الآعلون ان كنتم مؤمنين، آل عمران 139".

 لكن حين تقرأ كتب فقهاء الحدس والتخمين من المخترعين لفقههم الفاشل وبمذاهبهم الوهمية المخترعة منهم والمختلفة والمتعارضة مع النص المقدس الذي أماتوا فيها كلما طالب به القرآن والرسول لضمان سلطة الدولة ووحدة المجتمع وحقوق المواطنين.. نراهم عن الحق صادين لتربعهم على عرش السلطان الذي به فتتوا مبادىء الاسلام الموحدة وحولوها الى فِرقٍ واحزاب خلافاً لأرادة الحق فهل هؤلاء يستحقون الولاء لهم.. وهم يقتلون الفكر والعلم وخزين الشباب لدولة المظلومين ؟؟ هذا ليس معقولا ان نبقى نلهث من ورائهم وهم عن الحق والعدل مُعرضون، بعد ان قسَموا حتى اسماء الله الى أنصاف وارباع وأخماس.. ولاندري الجايات.. وبأسمه يقتلون العلماء والمفكرين ويخربون.. ؟.

.... كفوا ايها الاخوة الكتاب عن نقاش خطب النبي والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وأصل الكاهنة وخزعبلات الفقهاء الفاشلين وما صاحبت ايامهم من احداث الماضي السحيق دعوها تذهب لعبرةالتاريخ.اما اليوم فنحن نُهزم ونُسحق من اعداء الله الجدد المجرمين.. الذين ورثوا دين البويهيين والسلجوقيين من فقهائهم المتعارضين في الرأي وعقيدة الدين من امثال الشيخ المفيد وابن تيميه وغيرهم كثير.. ليزيدوا الفُرقة بين المسلمين ولا ينفع معهم اصلاح ذات البين بعد ان تركز الخطأ في أفكارالمؤيدين وتحول عندهم الى وجود.. والأفكار لا احد يستطيع نزعها من معتنقيها الا بمرور الزمن الطويل وبالمنهج الدراسي الأصيل وبالحجة والبرهان الأكيد.. فكل القادة سقطوا بمعية من يتبعهم من الخائنين، لكن المبادىء الحقة والشعوب المؤمنة بها لا تُهزم.. وان هُزمت اليوم فلأجل .

.. نحن بحاجة اليوم الى دراسات جديدة لمعرفة حقيقة تكوين الامة وحقوقها الدينية والمدنية.. وانتخاب قيادةً مؤتمنة لها تستطيع ان تلبي ما جاءت به رسالات السماء والقوانين الوضعية لدولتنا المنهارة اليوم امام العالمين . .بعد ان خسرنا الدستور.. والقانون.. والأنسان.. وشريعة القرآن الكريم.. وأصبحنا في ذيل أمم العالمين.. فنحن لسنا اليوم بحاجة لمرجعيات ومراكز دينية لا تولد لنا سوى آوهام فقهاء الدين.. ؟أنظر مناهج التدريس في مؤسسات الأزهر والزيتونة والنجف وما فيها من مناهج يشيب لها رأس الطفل الرضيع..

نعم.. ان الدين الأسلامي جاء من آله مقتدر.. لكن طاعتة لم تكن بمعنى العبودية والتسلط كما فهمته مؤسسة الدين الفاشلة عبر الزمن والتي لم تصل الى مرحلة التفكير القائم على أدراك المشخص القرآني، ولا الى التسميات الفردية قد وضحت عندهم في القرون الهجرية الاولى وبعد ان ركزها القرآن في تجريدات لغوية متغيرة.. كون معاني لغة القرآن قابلة للتطور والتغيير، لذا فأن الرسول (ص) لم يؤول القرآن وابقاه مفتوحا لعلمه بتطوراللغة وصيرورة الزمن الطويل.. من هنا جاء فقه الفقهاء ناقصاً في المعنى والتشريع.. حتى أسيء الى فهم النص أكثر مما أساء اليه أعداءهُ المكيين "أنظر المقارنة في السيرة النبوية بين ابن أسحاق وابن هشام.. سيعتريك العجب من التناقضات ".. بعد ان جاءت للناس كقانون سرمدي لا يتغير.. باعتباران الله هو الحق، الحج62" تتقدمه كلمة الطاعة الأختيارية "لكم دينكم ولي دين، الكافرون 6".. ولكن هل هذا يكفي لنبقى ننتظر ولاية الفقيه والمهدي المنتظر المخترعة منهم.. والصور قدر لا يأتي الا بأمر رب العالمين.. بعد ان اصبح العلماء والمفكرين يقتلون علنا ولا من نصير.. ؟.

.هذا المفهوم الرباني ظل رمادياً في تفكير الفقهاء ونقلة الحديث من امثال مسلم والبخاري والمجلسي ومؤسسة الدين التي تحولت اليوم الى بازار كما في مسؤلي بازار العتبات المقدسة العراقية الظالمة لأهلها.. واصبحت المؤسسة العائق الأول في كل تقدم وتطورلكونهم لم يصلوا الى نظرية افكار الدين ولأصرارهم علىى تحقيق المصالح الخاصة وتطبيق نظريات التجهيل كما في لطميان باسم كربلائي وغيره من المتخلفين دون حقوق الشعب والدين.. هذا هو اسلامهم الذي به يهددون.. ؟.

.فهل فهم الفقهاء والحكام نص الآية 35 من سورة الاحزاب بهذا التوجه الفلسفي العميق.. حين أعتبروا ان كل الأخرين من غير المسلمين كافرين فظلموهم.. تصور وفهم خاطىء عند فقهاء العقيدة المحمدية حينما لم يستطيعوا ان يميزوا بين المسلمين والمؤمنين وهم كلهم من المسلمين.. أمر بحاجة الى تصحيح.. وحين لم يوفوا بعقيدتهم.. للدين والمسلمين معاً. .فمن ينفذ الوصايا والوثيقة بعد ان اصبحت الوصايا والنذر موضوعة في رجم الغيب البعيد.. ومستبعدة حتى من مناهج الدراسة.. ومؤسسات الفكر الحديث.

استند القرآن في نظريته الجديدة التي اعتبرت خلاصة التجارب لأديان وحضارات سبقته معتبراً ان جدلية التاريخ وصيرورة الزمن هي التي تحكم عقيدة التوحيد.. أي نظرية التطور هي التي تحكم في التطبيق.. منذ ان كانت السماوات والأرض رتقاً "يقول الحق أو لم يرَ الذين كفروا ان السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، الأنبياء 30 "أي فصلناهما الى أراضٍ وسماوات متعددة.. من يومها دخلت الأرض في صيرورة الزمن التطورية وبقيت السماوات ثابتة، يقول الحق:" قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق، العنكبوت 20" من هذا التصور الجديد في عالم المعرفة الأنسانية وضع القرآن تصورا رائعا في الوصايا العشر حين اختصر الحقوق والواجبات للناس بها ولكن اين التطبيق.. من حكام ظالمين؟ وبان الاسلام هو دين البشرية كلها.. لا يفرق بين هذا وذاك وانما جاء بمنهج ٍجديد في أصول التشريع والقانون.. فهل يستطيع الرسول ان يفضل أهل بيته على الأخرين.. لا أبدً.. أما آية التفضيل التي يدعون بها بعض الفقهاء تجاوزاً على النص فهي خاصة بنساء النبي ولاغير كما جاء في سورة الأحزاب آية 31-33 " يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء.. قرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى.. انما يريد الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.. لذا فالقراءة المقطوعة للآية من البعض يعتبر تجاوزا على النص المقدس..

.قانون قائم على البينات المادية ورأي الأكثرية.. حين طرح حرية التعبيرعن الرأي، وحرية الأختيار لحكم الناس بأنهما أساس الحياة الأنسانية في الوجود.. مصحوبا بنظرية التطور.. هذا شيء جديد في وقت كان الناس يعبدون الحجر والبشر ولا قانون.. اليه يحتكمون.. فكيف يدرك الفقهاء هذا التأويل الرباني الجديد.. وهم لازالوا بُناة فكر قديم.؟.اذن كل ما جاؤا به بحاجة الى أعادة نظر من وجهة نظر القرآن والدين.. وهل يبقى الدستور الرباني معطلاً ينتظر التطبيق.. ومن.. مَن ؟بعد ان لم يبقَ من الاسلام الا أسمهُ ومن القرآن الا رسمهُ.

من هنا ندق ناقوس التنبيه في عالم شغل عن كل شيء الا عما يربطه بالخلافات في المذاهب المخترعة والتي لا اصل لها في الدين والسلطة الباطلة.. ونحن لا نفقد الأمل في وجود من يستطيع القيام بقراءة التاريخ بالبحث والتدقيق في الأصول ليصحح ما يحتاج الى تصحيح، وما يحتاج الى تصفية مما شاب التاريخ الاسلامي وكتبته والفقهاء وما نقلوه للناس من عدم الدقة، ومن سوق الاخبار والأراء والنصوص على عواهنها مما أساء الى امة الاسلام والدين.. فلنكن منصفين ومبتعدين عن العاطفة في التقييم.. وهكذا بحسن نية أساء الينا القدماء في التفكير.فمن يرد اساءتهم غير الحاكمين العدول.. ؟

فأين نجدهم اليوم في بغداد أم في القاهرة أم عند ولي الفقيه.. ؟.

فهل فَهِمَ المسلمون هذه القواعد.. ليبنوا على اساسها قواعد التشريع.. ؟ قواعد تتضمن معالم مشروع سياسي اقتصادي أمني قابل للفعل في ظروف العصرالحديث، والامر لا يعتبر مسألة في النظر او العمل فحسب.. بل فيهما معاً.. اي بالصدق والاخلاص والعدل والتعاون والشعور بالمسئولية تجاه الوطن والمواطن ومنها تتكون المفاهيم واخلاقية الناس في التطبيق.. فلا يمكن لدولة ان تتقدم وفكرها محجوز.. مالم تطبق نظرية التنامي والتزكي مع العمل التي طالبت بها الوصايا والوثيقة النبوية المغيبة اليوم.. بينما اسلوب ومنهجية الفُرقة والمذاهب المختلفة والمختلقة من الفقهاء والتي لا اصل لها في النص أدت بنا وبه الى الدس والكبت والظلم فكان وما زال مألها الى الخيبة والسقوط والحق يقول:"وقد خاب من دساها، - الشمس آية10.

.هنا اراد الدين الحقيقي ضمان حرية المرأة وحقوقها التي لا تقهر، وضمان حرية الاطفال واليتامى كي لا يُسيبون في الشوارع كما تراهم مؤسسة الدين بأعينها وتغض النظر عنهم اليوم لكن أولادهم في أموال الفقراء راتعون.. والفقراء هم شركاء في اموال الدولة المستباحة من الحاكم والحاشية حتى اصبح لهم كل الحقوق بلا واجبات والناس منها محرمون.. هذا هو اسلامهم وأئمتهم وصحابتهم الذين بهم ينادون.. فأين مؤسسة الدين التي تفتي بما تريد - وهي جالسة على الحصيرة - وليس بما يريد منها القرآن والدين.. فكيف نعترف بما هم فيه يؤمنون.. ؟ مرجعيات دينية ليست لديها الا الافتاء لمصالح المسئولين..

ان ما تدعي به مؤسسة الدين من فِرقة المذاهب المخترعة لا وجود له في القرآن الكريم.. حتى اصبح الاسلام ديانات لادين واحد.. وهم لا زالوا ينادون بعدالة ما قاله العلماء و السلف الصالح ولا ندري من هم ؟.. ألم يكونوا مغالين.. ؟ فتشتت الأمة الى أمم والقرآن يقول:"هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الانبياء 92".. فمعنى ذلك ان الأمة ينبغي ان تكون واحدة.. فاين نحن اليوم من توجهات القرآن الكريم.. وما دروا ان الوصايا قانون ملزم التنفيذ على المسلمين.. فالقرآن ليس صنماً ليعبد وانما دستور لينفذ.. فهل يعلمون ؟

هذه هي الوصايا الربانية السرمدية التي جاء بها القرآن وبلغتها الرسل والأنبياء للناس.. لابل هذا هو اسلام محمد الصحيح.. لكنهم نسوها وأعرضوا عنها بفقه الفقهاء الميت والمشتت بينهم.. وبأراء مرجعيات الدين الوهمية.. التي لا يعترف بها القرآن، ولا يمنحها حق الفتوى عن الناس، ولا يميزها بلباس معين، ولا يمنحها حق أحتكار المعرفة وأحتكار السلاح وتصفية الخصوم بدون وجه حق.. يقول الحق:"من قتل نفساً بغير نفسٍ او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، المائدة 32". فكيف تصرفت القيادات الاسلامية بهذا التصرف عبر العصور.. .حتى ضاع الاسلام والدين والانسان معاً.. وحتى اصبحنا اليوم نعيش المهزلة أمام الشعوب.

كل هذه الوصايا قامت على التقوى الفردية، والاجتماعية، والتشريعية بألزامية التنفيذ بالاخلاق والقانون على الناس.. كل الناس دون تمييز ودون تفريق .هذه الوصايا السرمدية جاءت بصيغة أمر مباشر وعطفت بعضها على بعض للألتزام لا للتمايز والتغاير.. اي الالتزام بها مجتمعة لا متفرقة.. .وطالبت الانسان – كل انسان- بالتذكر بهذه الوصايا وحفضها كي لا تعكس النسيان عنده.. لتصبح دليلا لحياته دون نقص وخاصة الحاكم المسئول.. لانها حملت صفة الموضوعية في الفكر الانساني.. وبينت الوصايا الفرق الجوهري بين " الاخلاق والاعراف" ففصلت بينهما بالتطبيق.. لأن العرف عادة والاخلاق قانون.. فالاعراف لا تطبق الا بالوصايا.. فهل تعلمون.. ؟ وتتغير بصيرورة الزمن.. بينما الأخلاق ثابتة على مر الزمن لا تتغير.. ايها الناكرون لأستقامة القرآن.. كيف تعاملت الوصايا مع الانسان الكل.. ؟ نحن بحاجة لمنهج دراسي جديد ليُدخل فكر الوصايا بقناعة المنطق الصحيح.. في أفكار النشىءالجديد؟ ولننسى الاحقية في السلطة والوصايا الشفهية فقد فات علينا الزمن البعيد..

ان المذهبين الجعفري والحنفي هما ليسوا بمذاهب وانما آيديولوجيات فكرية – مثل الآيديولوجيات العالمية- كانت افكارهما تعقد للمحاورة كما في نظرية القياس المختلف عليها في الآية " 4" من سورة النوربخصوص الزنا بين الامامين الصادق وابي حنيفة النعمان.. والأختلاف مقبول من وجهة نظر العلم والفكروالدين.. بدليل ان الامام الصادق يقول في فقهه المكرم:"ان ابا حنيفة النعمان منا ونحن نتشرف ان يكون واحداً منا."- أني اتحدى من يأتينا بكلمة مذهب قد وردت في فقههما - حاول فقهاء القرنين الرابع والخامس الهجريين من أمثال الكليني"ت329 للهجرة"، في كتابه الكافي، والشيخ المفيد:ت431 للهجرة"في كتابه الأرشاد، وابن بابويه "ت381 للهجرة"في كتابه من لا يحضره الفقيه.. محاولة منهم للصقهما بهم من اجل السيادة والتفريق بين المسلمين.. ومن اجل سيطرة فقهاء القرنين الثالث والرابع على التوجهات الدينية وعلى العرب بالذات.. فنجحوا في ذلك في وقت كان فقهاء العهد السلجوقي في القرن الخامس الهجري ضعفاء في التخريج الفكري المقاوم لهم من امثال الماوردي "ت364 للهجرة" والغزالي "ت505 للهجرة "وغيرهم كثير..

وبمرور الزمن تحولت الطروحات الوهمية الى حقائق ادخلت المناهج الدراسية فاصبحت عقيدة بديلة لعقيد الاسلام الصحيح.. الموضوع بحاجة ماسة الى دراسات معمقة لتوضيح حقائق الأمور.. فأسلامنا اليوم هو غير اسلام محمد (ص) ولا نلام ان لم نعتقد به والذي لا ينتمي اليه فقيه الا من اعترف بحقيقة النص.. موضوع في غاية الاهمية لفتح الحوار فيه ونحن لهم مستعدون.. ؟.

والخارجي للأمة.. وحرمت الوثيقة الاقتتال بينهم لأي سبب كان.. والقانون هو الذي يفصل بينهم بالعدل.. فكيف أجازوا القتال اليوم بين المسلمين .

وقد اثبت التاريخ.. ان كل فكرة نقلها فقهاء الدين دون ثبت كانت فكرة مميتة - لكنهم جميعا من دون شرع الجماعة والوصايا والوثيقة - لم يكونوا سوى فقهاء تقليديين.. لم يحسنوا قراءة النص والتاريخ.. وكان عليهم شرعا وقانونا ان يتعلموا ويقرأوا ويطبقوا الصحيح.. فهل سنتعلم نحن المسلمون ماهو الاسلام.. والا لماذا فشل الاسلام خلال مدة اكثر من 1400سنة من تحقيق اهدافه ولا زال يتراجع كل يوم.. ؟؟ فاسلامنا اليوم وعند كل المسلمين هو غير اسلام القرآن وأسلام محمد (ص) في التطبيق.. فهل من حق احد ان يتهمنا بأننا من غير المسلمين.. الملتزمين؟نعم انا لا أؤمن باسلامهم ولا بعقيدتهم ولا بمرجعياتهم وفقهائهم ولا حتى بدينهم قيد أمين.. بل أؤمن باسلام محمد الصحيح.. الذي فقدناه من زمن بعيد.. اسلام الحق والعدل والمساواة في الحقوق بغض النظر عن الجنس واللون والمعتقد والذي توقف بموت محمد (ص).. لذا أطالب برفع كلمة دين من الهوية واستبدالها بكلمة مواطن "عراقي أو عربي" ورفع مصطلح اللقب القبلي الذي يفرق بين المواطنين في المعاملة والتقييم .

علينا وعلى الحاكمين ان نولد ولادة حضارية لوجود العلاقة التبادلية والجدلية بين الانسان والبناء الحضاري المتين الذي تدعو اليها الرسل والقرآن الكريم.. فكلاهما يولد من جديد في الأخر.. وكلاهما يتطور ضمن كلية تفاعلية واحدة.. يتكامل مع نهج الكمال وقمته الذي لا يأتي بعده الا النقص الذي به اليوم يعمهون.

نعم نحن بحاجة الى التعايش مع النص المنفتح المتغير مع صيرورة الزمن لننتج القانون المتطور الصحيح.. وحين تخلينا عنها اصبحنا نعيش في المحنة الثقافية والاخلاقية القاسية التي ما زلنا نعيشها اليوم.. يتحكم بنا النرجسيون والطائفيون والسارقون واللا أخلاقيون والقتلة المرتبطون بالمتخلفين.. بعد ان سخروا وسائل اعلامهم لتضليل الناس في مجتمعات اصبح الحاكم فيها يلجأ لكل الطرق لأخضاع المحكوم لباطلة واجرامه الذي لا يرد.. واصبحنا متورطون في لغة بعيدة عن الواقع.. واصبحنا نعيش في لغة اسلامهم، لا في لغة اسلام المحمديين الصحيح.. ويالها من محنة نعيشها منذعصرما بعد الرسول وحتى رُسخت فينا منذ عصر المتوكل العباسي "ت232 للهجرة" وفقهاء المذاهب المختلفة في الراي في القرن الثالث الهجري والى اليوم.. والتي لا اصل لها في الاسلام والدين.

فالدولة يجب ان تكون تحت سلطة القانون.. والوصايا العشر ووثيقة المدينة.. وما الفقيه والمرجع الا لاستشارة شرعية الدين.. وسوف لن نصل الى مانريد الا بفصل سلطات الدولة عن مؤسسة الدين لخضوع التقدم لصيرورة الزمن وجدلية التاريخ .

.. فنحن نطلب الحق.. وان قل.. ؟.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (10)

عندما يتحول الأدب والإبداع الأدبي إلى شيء أوسع من البلاغة والاهتمام المفرط بالكلمة والعبارة حينذاك يأخذ البيان بالتحرر من البيان. فهي المقدمة الضرورية الملازمة لبداية امتلاك الأدب لسانه الذاتي. ولا يعني ذلك سوى تحول البيان البلاغي إلى بيان اجتماعي سياسي.

ويعكس هذا التحول صيرورة الكلام لغة تدرك قيمة المعنى بالنسبة للفعل الاجتماعي. وذلك لأنها صيرورة تحول اللغة من وعاء للمفردات والعبارات إلى أسلوب للفكر والتفكير. مما يجعل منها كينونة متراكمة لوعي الذات الثقافي بأشكاله ومستوياته المتنوعة. والمسالة هنا ليست فقط في أن تحول الكلام إلى لغة، والبيان البلاغي إلى بيان فكري يؤدي بالضرورة إلى تحرير العبارة من قيودها الشكلية ويدمجها في كلية الفكرة فحسب، بل وإلى جعلها الفكرة محور وأسلوب الفعل الاجتماعي الهادف.

اتخذت هذه الصيرورة في مرحلة التحول العاصف للعالم العربي على مشارف خروجه من دهليز العثمانية، صيغا ومستويات عديدة بالارتباط مع كيفية انكسار تقاليد المدارس الفكرية والسياسية والأدبية السابقة في ممارسات المدارس الجديدة وانهماكها الفعال في تحرير النفس والتفكير.  فبغض النظر عن اختلافاتها العديدة ساهمت هذه المدارس في رسم معالم الحرية وتحويلها إلى مرجعية في العلم والعمل. من هنا يمكن ملاحظة توافق المجرى العام لاستمرار التقاليد الإصلاحية الإسلامية للأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، وتحولها "الليبرالي" (الحر) عند علي عبد الرازق. وكذلك استمرار تقاليد "انعتاق الوجدان" و"تحصين الأركان" السابقة وتحولها "الليبرالي" (الحر) عند الريحاني وغيره لاحقا. وفيما بينهما تراوحت تقاليد المدرستين واستمرارها فيما أسميته بصيرورة لسان الأدب الذاتي، التي مثلها بصورة نموذجية محمد إبراهيم المويلحي(1858-1930). فهو التيار الذي تمثل بصورة واعية تقاليد الإصلاحية الإسلامية وتراث المدرسة اللغوية والأدبية بالشكل الذي جعل منها أسلوبا لتعميق النقد الذاتي وإرساء تقاليد الرؤية الأدبية التاريخية. وهي تقاليد ساهمت بصورة غير مباشرة في إرساء العناصر الأولية لوعي الذات التاريخي العربي المعاصر.

ففي (حديث عيسى بن هشام) نعثر على هذا الجديد (الحديث) في الصورة والمعنى. إذ يمثل بيانه الفكري الجديد نفيا لبيان اللغة التقليدية، مع أن السجع المليء في رواية المويلحي هو أقرب إلى سجع الروح الاجتماعي الجديد في تعامله مع الإشكاليات الاجتماعية الكبرى لعصره. إننا نعثر فيه على أصوات اليقظة الاجتماعية في هجائها للواقع، بغض النظر عن محاصرة السجع للفكرة. بمعنى انه لم يعرقل نطقها الوجداني. وهي الفكرة التي دفعها المويلحي نفسه إلى الأمام عندما أكد على انه "ليس من كتّاب الحساب والديوان بل من كتّاب الإنشاء والبيان". وليست هذه المعارضة المعتزّة بتحزبها الصريح إلى جانب معسكر الإنشاء والبيان بالضد من معسكر الحساب والديوان، سوى النتاج الملازم لإدراك أهمية وقيمة الرؤية النقدية تجاه الواقع، باعتبارها تجليا أدبيا لليقظة الاجتماعية العامة. وتمثلت هذه اليقظة حقائق الإنجازات الفكرية والروحية التي بلورها الفكر العربي في مدارسه السابقة وميادينه على امتداد أكثر من قرن من الزمن. لهذا نرى المويلحي يشير في مقدمة كتابه إلى انه يهديه إلى "أديب يجد فيه طرفا من الأدب، وحكيم يرى فيه لمحة من الحكمة، وعالم يبصر فيه شذرة من العلم، ولغوي يصادف فيه أثرا من الفصاحة، وشاعر يشعر فيه بمثل طيف الخيال من لطف الخيال".

لقد أراد المويلحي أن يجمع في "حديثه" خليطا من الأدب والحكمة والعلم والفصاحة والخيال يقدمه للأدباء والحكماء والعلماء واللغويين والشعراء، أي لكل الطيف الإبداعي الذي اخذ يستعيد مقومات وجوده الثقافي بعد غياب تاريخي طويل تحت غبار العثمانية. لقد أراد المويلحي أن يجدوا ويروا ويبصروا ويصادفوا ويشعروا ما يريد قوله طرفة ولمحة وشذرة وأثر وطيف من الأدب والحكمة والعلم والفصاحة والخيال، باعتبارها المكونات الضرورية لليقظة الاجتماعية. وهي مكونات شكلت في الواقع حافز إبداعه الفكري والأدبي بوصفه لسانا أدبيا ذاتيا للرؤية العربية المتراكمة في نقد الواقع التاريخي وإشكالاته الاجتماعية الكبرى.

ووضع هذه الرؤية النقدية في منهجه الجديد، الذي زاوج بين الخيال والواقع باعتباره السبيكة العقلية  الوجدانية أو الأدبية السياسية في نقد الواقع. حيث أكد على أن "حديث هشام بن عيسى" وإن كان في نفسه موضوعا على نسق التخيل والتصوير فهو حقيقة في ثوب خيال لا انه خيال مسبوك في قالب حقيقة. وحاول أن يشرح فيه ما اسماه بأخلاق أهل العصر في مختلف طبقاتهم من النواقص، أي أن الواقع هو مثار اهتمامه وليس الأحكام عنه، وانه يسعى لإظهار الحقيقة عبر الخيال لا بالعكس. لأن ما يقوله هو حقيقة متبرجة في ثوب خيال لا خيال مسبوك في قالب حقيقة. وليس مصادفة أن يتخذ المويلحي من أبي العلاء المعري نموذجا لمحاكاته الروحية.

فمن المعلوم أن المعري هو النموذج الخالد للروح العربي النقدي والنموذج المتسامي للروح النقدي الإنساني. وكما سبح المعري في خياله ليظهر الحقيقة كما هي، فإن المويلحي سعى أيضا لمحاكاته التاريخية من خلال إبداع وجدان نقدي مواز لما أبدعه المعري قبل قرون. لكن إذا كان نقد المعري يجري ويسري في شرايين الخلافة الثقافية، فإن نقد المويلحي يسير في اتجاه "تنقية" الدماء الملوثة للنهضة العربية الجديدة وتوجيهها صوب ضبط نبضات قلبها الآخذ في الحركة. وجعل من نقد التقليد الأجوف للغرب مقدمة نقده للواقع المصري (والعربي). وتتبع هذا التقليد في مختلف أشكاله بما في ذلك في اللغة. فإذا كان معنى كلمة "السوابق" الجياد، فإنها تعني الآن "ديوان تقييد أوصاف المتهمين". وإذا كان معنى كلمة "الشهادة" هو شهادة الجهاد، فإنها تعني الآن "ورقة يأخذها التلميذ". إضافة إلى هذا التغير يجري استعمال كومة من الكلمات والتطفل بها مثل الاوتيل واللوكانده والبوضة والكلوب والاكسبريس والمانيفيستو وغيرها. ولم يقف التقليد عند هذا الحد، بل تعداه إلى الملبس والمأكل والسلوك والتفكير أيضا. بحيث أدى ذلك إلى صنع سبائك من الشخصيات الاجتماعية العائمة بحد ذاتها وراء فضاء الغرب والشرق. لهذا نرى المويلحي يتكلم عما اسماه بحركة الناس التي لا هي شرقية ولا هي غربية. بمعنى دوران الجميع في حلقة مفرغة. وذلك لدوران الناس في تقليد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تجميع الرذيلة وقولبتها في نمط وسلوك الدولة والمجتمع والأفراد. من هنا استنتاجه القائل، بأن المصري في أخذه بالمدنية الغربية مثله مثل المنخل يحفظ الغث التافه ويفرط  بالثمين النافع. مما أدى إلى فساد وتحلل البنية الاجتماعية والسلوك الاجتماعي عند مختلف الفئات. ولم يكن ذلك نتاج أسباب خاصة بالثقافة الغربية كما هي، بل لأسباب مرتبطة بكيفية دخولها إلى الشرق. وعلى ذلك بنى استنتاجه القائل بأن سبب فساد الأحوال في الأمم الشرقية يعود إلى أن دخول المدنية الغربية إليها كان بغتة، كما أن تقليد الشرقيين للغربيين في جميع أحوال معاشهم كالعميان لا يستنيرون ببحث ولا يأخذون بقياس ولا يتبصرون بحسن نظر ولا يلتفتون إلى ما هنالك من تنافر الطباع وتباين الأذواق واختلاف الأقاليم والعادات. وأدى ذلك بهم إلى أن يتركوا جميع ما كان لديهم من الأصول القويمة والعادات السليمة والآداب الظاهرة ونبذوا ما كان عليه أسلافهم من الحق، فانهدم الأساس.

إن انهدام الأسس المبنية على "أصول الحق" المتراكمة في الثقافة العربية والإسلامية هو الذي استثار الرؤية النقدية السافرة والشديدة في مواقف المويلحي من الحياة الاجتماعية في مصر وتركيز حزمة الضوء النقدية على كوامن الخمول الاجتماعي واستثارة اليقظة الاجتماعية عبر امتلاك لسان أدبها الذاتي. لهذا وجد المويلحي أسباب الاندفاع الأعمى وراء تقليد الغرب نتاج البطر والغفلة عن الماضي وضعف الهّمة وانعدام المعاناة والجهد وكراهة المشقة والتعب. إذ أصبح الرياء في الحياة الاجتماعية سلوكا عاديا وذلك بسبب انسلاخ الفئات الاجتماعية الجديدة عن تقاليدها القومية. فقد أدى تقليدها للغرب الأوربي إلى أن تتزي بزّيه وتسلك سلوكا لا معنى له في مصر. وأصبح الأخذ بالمظاهر الشغل الشاغل لهم. فحتى أفراحهم مجرد ديكور للأبهة الفارغة بسب خضوعها لتقاليد زائفة لا فرح حقيقي فيها.

وأصبح الفن مجرد أداة للابتزاز واللهو. فالغناء هو مجرد تفاهة وأداة للكسب وخال من الجمال والجلال. وتحول الجمهور إلى كتلة متخلفة وبليدة في أحاسيسها وأذواقها. وكل منهم مهتم بنفسه لا بالفن ما هو. كما تحولت الجرائد إلى المصدر الأول والأخير لهؤلاء المتعلمين الجدد. وتحولت عندهم مطالعة الأخبار فيها إلى الشغل الشاغل، كما أصبحت الجرائد مصدر المعرفة والعلم. وتحول "علم" هؤلاء إلى وسيلة للحصول على وظيفة في الدولة. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في تلك النكتة الواقعية التي سجلها المويلحي على لسان أحد أبطاله، الذين سمع بائعا أجش الصوت أنكر من صوت الحمير يصيح في شوارع القاهرة: "المؤيد! والمقطّم! والأهرام! ومصر! الأربعة بقرش!! أي إذا كانت جرائد مصر الكبرى حينذاك كلها بقرش واحد، فان ثمن مصر وأهراماتها وإبداعها الفكري الحديث لا يعادل من حيث نتيجته قرشا في "اكتساب" الحداثة المصرية. وهو حكم قاس إلا أن له ما يبرره من حيث دقته الثقافية وحدسه لرؤية الآفاق الفعلية للاغتراب والاستلاب الثقافي في مصر. وهو حكم يمكن تحسس وتلمس أبعاده في المفارقة غير المباشرة التي يقدمها المويلحي على رسم شخصية محمد علي باشا وواقع مصر في بداية القرن العشرين. فقد كان محمد علي باشا "معجزة دهره وآية عصره في الدهاء وعلوّ الهمّة". حيث كان دقيقا في سياسة تربية الرجال في الإخلاص للوطن مع لطف في السياسة وعطف على الأهالي. وأخيرا كان محمد علي محبا للعلم والعلماء وتعظيمهم وإكرامهم. بينما أصبحت السلطة الحالية مرتعا للفئات "الجديدة" الخالية من علو الهمّة والإخلاص للوطن والعطف على الأهالي وحب العلم والعلماء.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (9)

لقد كان المسار الفكري لتيار التحصين الثقافي يهدف إلى بناء سلسلة المبادئ الكبرى في نظام سياسي امثل جامع للدين والدنيا، والعدل والقانون. غير أن مثاليته لم تحلّق في سماء التصورات المجردة، بل تعايشت مع الرؤية العقلانية والواقعية للتراث الإسلامي وإمكانية تجسيده في ظل التمثل النقدي لإنجازات المدنية الأوربية. لهذا اعتبر الطهطاوي نظام العمران الأمثل هو نظام العدل والقانون، الذي يستلزم بدوره وجود "قوة حاكمة جالبة للمصالح العامة" و"قوة محكومة آهلة له". وأعتبر القوة الحاكمة (السلطة) مصدر وجود "قوة تقنين القوانين" (السلطة التشريعية) قوة القضاء وفصل الحكم (السلطة القضائية)، وقوة "تنفيذ الأحكام (السلطة التنفيذية). واعتبر هذه السلطة وسيلة بناء المجتمع والدولة على أسس سليمة. في حين اعتبر التونسي نظام الشورى الديمقراطي) المقيد بالعدل والمساواة النظام الأمثل، وذلك بفعل تقيد السلطة فيه بالقانون (الشرعي والوضعي) ومشاركة أهل العقد والحل للسلطة (الملك) في "كليات السياسة" (إستراتيجية الدولة). أما المسئولية المباشرة فيه فتقع على الوزراء (النظام الوزاري) المقيدين بقوانين المصلحة العامة. ويستلزم هذا النظام (الأمثل) تقييده بقانون ثابت (دستور) يحدد صلاحيات السلطات فيه، باعتباره ضمانة الاستقرار والتقدم. ذلك يعني أن النظام الأمثل هو النظام الملكي الدستوري الوزاري، الذي سبق وأن أبدعت الثقافية الإسلامية السياسية نموذجه في نظام الإمام ووزارة التفويض وأهل الحل والعقد. ولم يجد في هذا النوع أمرا يتنافى مع وحدة السلطة. على العكس! لقد وجد فيه تقوية للإمامة (السلطة) عبر إشراك الجميع في إدارة شئون الدولة. لهذا اعتبر الاستبداد في السياسة والرأي الواحد رذيلة بغض النظر عن حامله وفاعله حتى لو كان أنبل الناس وأفضلهم وأكثرهم كمالا. لأن الأولوية في الدولة، حسب نظر التونسي، هي في التمسك بشريعة ملزمة للجميع مبنية على أساس احترام أصول العدل.

ترتب على هذه الرؤية السياسية للنظام الأمثل تصورات وأحكام اجتماعية وأدبية جديدة. إذ نعثر للمرة الأولى في تيار تحصين الأركان على اهتمامات جديدة تجاه حوافزها الكامنة في إدراك ضرورة الإصلاح والتمدن الجديدين. فعندما تناول الطهطاوي، على سبيل المثال، مبادئ الحرية والمساواة، فإننا نراه يربط حقوق الدول المتمدنة بالحرية، مؤكدا في نفس الوقت على أن الهيئة الاجتماعية للأمم مفصلة على قدر الحرية. مما دعاه إلى مطالبة تحديد سلوك المرء بالقانون والشرع. وجعل من هذه الآراء مقدمة للمطالبة بضمان حقوق المرء في الوجود (العيش) وداخل الوطن (الحرية السياسة ومعارضة الهجرة السياسية والنفي). وحصر هذه الحقوق فيما اسماه بالحقوق الطبيعية (كالأكل والشرب) والسلوكية (حسن السلوك ومكارم الأخلاق) والدينية (حرية العقيدة والرأي والمذهب) والمدنية (الحياة العادية) والسياسية (تأمين الدولة لمواطنيها جميعا أملاكهم الشرعية المرعية). واستنتج من هذه الآراء فكرته عن أن الحرية هي "الوسيلة العظمى لسعادة الناس في الدولة"، ومصدر الفعل الاجتماعي المبدع، لان الإنسان الحر يشعر بمسئوليته تجاه الكيان الجامع للحقوق والواجبات. ومن ثم فأنها ذات صلة بكل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسة والاقتصادية والحقوقية والأخلاقية. ذلك يعني أن المبادئ الكبرى لم تعد شعارات مجردة، بل جزءا من رؤية مضمونية تخدم مهمة تمدين المجتمع والدولة. وكتب الطهطاوي بهذا الصدد قائلا، بأن الفضائل هي ليست عدما للرذيلة، بل "أفعالا وأعمالا تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم في المعاملات". بل نراه ينظر إلى المروءة نظرته إلى مقولة اقتصادية، انطلاقا من أن الفضائل الأخلاقية تصب جميعا في النشاط الاجتماعي العملي للإنسان بما يخدم حرية وقوة بلده. من هنا تفسيره لكلمة الخير في القرآن باعتبارها مالا، استنادا إلى تفسير مجاهد. إذ بالمال يصان الدين والعرض، كما يقول الطهطاوي.

كانت هذه الأفكار والأحكام والتأويلات نتاجا للهواجس العميقة في تيار التحصين الثقافي عن قيمة وأثر "المنفعة العامة" بالنسبة للإصلاح والتمدن. لذا نرى الطهطاوي يركز في اغلب كتاباته الكبرى مثل (مناهج الألباب) و(تلخيص الإبريز) و(المرشد الأمين) على ما اسماه بالنظر إلى الأمور "بعين الجمعية" و"المنافع العمومية". وجعل منها وسيلة "زيادة الثروة والغنى". لقد ربط فكرة المنفعة العمومية بالتمدن والعمران. وأكد على انه لا تعارض بين المنفعة والسياسة الشرعية، لان حقيقة السياسة الشرعية هو "كسب الثروة بلا تعسف ولا مهانة"، انطلاقا من أن مبنى المنفعة هو "صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس". وأعطى للمنافع العمومية دورها الاجتماعي والسياسي الهائل بالنسبة لتقدم الدولة والمجتمع وتحررهما. واستند بذلك إلى ملاحظته الواقعية عن انه كلما "تقدمت براعة المنافع العمومية تقدمت الجمعية"، أي كلما ازدادت مرافق الحياة الاجتماعية وتخصصاتها في العمل كما ونوعا، كلما أدى ذلك إلى تطور المجتمع وتقدمه. لهذا نراه يدافع عن مرافق الترفيه والتزين والتجميل وما شابه ذلك، باعتبارها مرافقا "لتوسيع الأشغال". بحيث جعله ذلك يجد فيها "كمالا للحرية". لأن توسع الأعمال وتنوعها وتعددها وتخصصها يعكس مستوى تطور أخلاق الناس.

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن المبدأ الجوهري، الذي بلورته الثقافة الإسلامية نفسها عن وحدة العلم والعمل، الذي أعطى له الطهطاوي أبعادا اجتماعية وسياسية ودولتية معاصرة. فهو ينطلق من أن العمل منتج الثروة. وطالب بإسعاد العمال والفلاحين، باعتبارها غاية العدل. فعندما يقسم الأعمال إلى منتجة وغير منتجة، فانه يركز على أهمية العمل المنتج، رغم اهتمامه بالنوع الثاني وضرورته للإنتاج نفسه (مثل عمل الإدارة والجيش وما شابه ذلك). وعارض لهذا السبب ما اسماه "بالتصوف الكسول" والكسل الاجتماعي بشكل عام، كما دعا للعمل المنتج الدائم المزّيد للثروة والغنى، واعتبره فرضا دينيا شخصيا ووطنيا. وليس مصادفة أن يجعل الطهطاوي حب الوطن من الإيمان، وأن يضع حب الوطن في أساس النهضة والتمدن. وجعل من حب مصر "فريضة" لها تاريخا العريق ومآثرها الكبرى. وجعل كذلك من الاعتزاز والمحبة لنهضة ممصر الجديدة أساسا لتقدمها. وبنى ضرورة هذا الشعور على أساس "تعزيز الوطن بالعلوم والمعارف واللطائف جملة وتفصيلا وتأسيسا وتأصيلا". لاسيما وأن مصر هي بلد العلوم والمدنية. إذ يكشف تراثها عن علوم هائلة أثرت في تاريخ الإنسانية (الإلوهية والعلوم الطبيعية والأخلاق). بل نراه يؤول كلمة مصر إلى مصير، لأن الناس يصيرون إليها. فمصر هي الوطن الشريف وكل ما فيها جميل، ماؤها وهواءها وترابها وأكلها، وفيها جميع محاسن الدنيا موصوفة بالشجاعة والحماسة والكياسة، وعلّمت الأمم جميعا، هي معدن العلوم والمعارف والفضيلة. بحيث جعله ذلك يعتبر الوطني الحقيقي من يخلص في حبه للوطن ويبذل جهوده من اجله والفداء له بكل عزيز ويسعى لخدمته من خلال الإرتقاء في العوم الفضائل. فالتعلق بالوطن وخدمته دليل على حرية المرء وكرم غريزته، كما يقول الطهطاوي.

لم تكن فروض المحبة للوطن والتعلق به والإخلاص له أحكاما مجردة أو أخلاق تأملية مشابهة لتجريدات الحكم والأمثال والآداب، بقدر ما كانت أسلوبا لتربية الروح الاجتماعي الفعال عند الأفراد والجماعات، الصغار والكبار والنساء والرجال. وليس مصادفة أن تحتل التربية موقعا رئيسيا في آرائه ومواقفه وتوجهاته النظرية والعملية، وأن يخصص لها أحد أهم أعماله الفكرية (المرشد الأمين للبنات والبنين). فالتربية بالنسبة له هي "فن تنمية الأعضاء الحسية والعقلية، وطريقة تهذيب النوع البشري ذكرا كان أو أنثى"، أي أن مهمتها تقوم في صنع تكامل الفرد والجماعة والأمة جسديا وروحيا. وعليها يتوقف مستوى تطور الأفراد والأمم. فهي ليست فقط أداة صنع الناس المتكاملين جسدا وعقلا، بل و"أساس الانتفاع بأبناء الوطن"، لأن "الأمة التي تتقدم فيها التربية بحسب مقتضيات أحوالها يتقدم فيها التمدن على وجه تكون به أهلا للحصول على حريتها". ذلك يعني انه ربط التمدن والحرية بالتربية والتعليم، باعتبارهما أساس التقدم الحقيقي، وجعل من الحرية غاية التربية والتعليم والتمدن. وهي فكرة استمدها مما يمكن دعوته بالتهذيب النقدي للذات الثقافية. من هنا آراؤه عن ضرورة إرساء أسس القيود الذاتية الأخلاقية في تربية من اسماهم "بأبناء الأكابر" وإزالة "حب النفس" الضيقة ونفيها بالروح الاجتماعي حسب نموذج "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وتطوير حب النفس الجالب للمنفعة العامة والإحسان والخير والعدل. وأخيرا رفع هذه المحبة إلى مستوى حب الوطن، باعتباره جزءا أساسيا من الإيمان. وتوصل في مجرى تعميمه للتجارب التربوية إلى ثلاثة استنتاجات كبرى، الأول هو أن التربية من أوجب الواجبات، وثانيا أنها عامة للجميع، وأخيرا ضرورة تربية العمل والجهاد. ووضع هذه الاستنتاجات الثلاثة في موقفه مما اسماه بتربية النوع البشري وتربية الفرد والتربية العمومية. وكان يقصد بذلك تربية الإنسان كإنسان ثم تربية الجماعات والأمم، وأخيرا التربية الفردية للإنسان حسب مواصفاته ومؤهلاته واستعداده الفطري. وأعطى لتربية البنات والنساء حيزا مهما وكبيرا بالنسبة لبعث الروح الاجتماعي للأمة وتحررها الذاتي. إذ توصل في مجرى استخلاصه لتجارب الأمم الأوربية إلى أن قوتها المعاصرة وثيقة الارتباط بتربية بناتهم مثلما يربون رجالهم. كما أن تجارب القدماء كاليونانيين والعرب دليلا على ذلك. فقد كانت تجارب اليونان في تربية النساء مفخرة للبشرية، كما أن تجارب العرب في صدر الإسلام هي "أقوى وأكثر مفخرة في دور النساء بالنسبة للرجال".

من هذه المقدمة العامة طالب بمساواة المرأة بالرجل، وجعل منها شرطا لتقدم المجتمع، لما في تربية المرأة من أثر في قوتها واحترامها بالنسبة لصنع الرجال أنفسهم. إذ لا فرق بين الرجال والنساء إلا في الذكورة والأنوثة، وإلا فأنهما يشتركان بالمظهر والحواس الظاهرة والباطنة والعقل والفضائل. وتتميز المرأة مع ذلك بخصال ذاتية مثل جمالها وأنوثتها وتنزهها عن الأخلاق الغليظة والصفات المذمومة بسبب ركيزة الشفقة والرحمة والحنان والرفق واللين فيها. وتتميز أيضا بقوة الصفات العقلية وحدّة الإحساس والإدراك. فهي تفهم بأدنى إشارة وأقصر عبارة ما لا يكاد يدركه الرجال إلا بصريح العبارة. وهو سبب يفسر ظهور العظام والمفكرين بين أحضانهن وورائهن. ذلك يعني أن المرأة بطبيعتها قادرة على اجتراح أعظم المآثر، وأن ذكاؤها ليس مقصورا على المحبة والوداد، بل وقادر على الوصول إلى أقصى مراده، إضافة إلى ما لها من سلطان على القلوب بسمائها وآدابها. ومن ثم فأن استعبادها هو استعباد للرجل والمجتمع. أما تربيتها وتحريرها فهو ضمانة تمدن المجتمع وتحرره. من هنا دعوته إلى المدارس المختلطة والى مشاركة النساء الفعالة في البناء باعتبارها أيضا ضمانة صيانتها من الرذيلة، لأن البطالة في حق النساء مذلة عظيمة، كما يقول الطهطاوي.

إن نزول" رجال "تحصين الأركان" في تأملاتهم وتصوراتهم وأحكامهم ومشاريعهم النظرية والعملية الكبرى إلى "حضيض النسوان" يعكس مسار الإدراك المتعمق والمتسامي في نفس الوقت عن ضرورة تأسيس المناعة الثقافية لوعي الذات العربي. فقد كان النظام السياسي والحالة الاجتماعية للمرأة حينذاك التجسيد الصارخ للاستبداد المادي والمعنوي الجاثم على روح الكيان العربي وجسده. فكما أن الهرم السياسي هو "الظل الإلهي" في الأرض، فإن النساء هن "قوارير" الوجود الحي، الذي يعكس هشاشته أمام الحركة المفاجئة. وهي صفة رمزية نعثر فيها على إدراك خاص لهدوء ورزانة الانفعال العميق لرجال تحصين الأركان من مهمة بناء أسس الأركان الثقافية لوعي الذات العربي. إذ ليس التحصين الثقافي الظاهري سوى الضمير الحقيقي للباطن. وشأن كل عمران حقيقي يفترض بناءه على أعمدة العقل والقوة والجمال، باعتباره الثالوث الضروري لانعتاق الوجدان واستثارة طاقاته المبدعة في تناول الهموم الكبرى والصغرى للوجود.

أدى تعمق وعي الذات العربي الذي جرى بأثر توازى المسار الذي قطعه كل من تيار "طلاقة اللسان" وتيار "تحصين الأركان" إلى تفعيل هواجس الضمير الملتهب وإدراك قيمة الهموم الكبرى والصغرى بالنسبة للتعامل مع كل ما له علاقة بالحاضر والمستقبل. فقد شارك كلاهما بالغوص في بحار اللغة والتاريخ، بمعنى ولعمهما بقضايا المجرد والملموس في التاريخ القومي والثقافي. وإذا كان لهذا الاختلاف فضيلة نظرية كبرى ورذيلة عملية بمستواها في حالة عدم تداخلهما في تأمل الحاضر واستشراف المستقبل، فأنه شأن كل تواز في الحياة لابد له من أن يتقاطع في محطات العبور أو الوصول. مما يولد بالضرورة شرارة الهياج العارم حينا، وطغيان الفرح والابتهاج حينا آخر. وليس مصادفة أن يتسلل هذا التقاطع بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة إلى أذهان وأعيان النخبة الفكرية الجديدة الناشئة آنذاك. إذ يمكننا العثور على صدى هذه الحالة في إبداع مختلف شخصيات المرحلة، لكن ذروتها الأولية تجسدت لاحقا في شخصية وإبداع جرجي زيدان (1861-1914).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (7)

حالما يتعلم اللسان الثقافي نطق حروف الماضي وإشكالاته المثيرة للعقل والوجدان، فانه سوف يقف بالضرورة أمام مهمة نطق كلمات معاناته الظاهرية والباطنية. حينذاك تتبلور العناصر الأولية لإدراك الذات، الذي عادة ما يؤدي إلى تأمل الحاضر وقياسه بمعايير وقيم الأسلاف أو إلى تأمله بمعايير المستقبل. وعادة ما تؤدي هذه العملية إلى ظهور تيار التحصين الثقافي وتيار الانعتاق الوجداني. ومن الناحية "الطبيعية" كان ينبغي لهذين التيارين أن يتداخلا في كل واحد، أما من الناحية التاريخية فقد كان ينبغي لهما أن يتوازيا في مسار شاق من الاستقامة والالتفاف الدائم لئلا يفترقا في غياهب المجهول.

فقد كان العالم العربي عند بداية القرن التاسع عشر يجهل نفسه والعالم. بينما يفترض النظر إلى المستقبل رؤية نقطة الانطلاق. بينما لم توجد "معاصرة" آنذاك في الوعي العربي، لان المعاصرة تفترض رؤية الماضي والمستقبل. في حين لم يمتلك العالم العربي حينذاك تاريخه المستقل. بينما يوّلد فقدان التاريخ السياسي الجهل واللامبالاة تجاه الماضي والمستقبل، باعتبارهما كفتي ميزان الحاضر. من هنا عكست الموازاة القائمة والفعالة في نفس الوقت بين "طلاقة اللسان" و"تحصين الأركان" الملامح الأولية في تجاوز الهوة السحيقة لغياب التاريخ السياسي العربي المستقل.

إن "تحصين الأركان" كظاهرة هو نتاج للتحلل البنيوي الذي قطع استمرار التقاليد وتجديدها المبدع. إذ لا حصانة في التاريخ المبدع، لأنه هو نفسه تجل رفيع لها. وهو حال يجعل من مرجعيات الماضي الملجأ الأخير للاحتماء بها من ضغط "الآخرين"، والعروة الوثقى للتمسك بها في مواجهة النفس وتحدي ضعفها.

فقد ظهرت الحاجة لتحصين الأركان العربية تحت ضغط العامل الأوربي (الغربي) وضغط الانحطاط الذاتي الذي دعاه رجال النهضة العرب بضعف الروح الأدبي. وليس مصادفة أن يركز الطهطاوي (1801-1873) وخير الدين التونسي (1819-1889) على أولوية العمران. فهي المقولة التي استعادت في الظاهر الفكرة الخلدونية، وفي الباطن مهمة تعمير النفس. فقد تمثل كل منهما في آرائه ومواقفه البعد التاريخي للحقيقة القائلة بأن تعمير النفس هي المقدمة الضرورية للفناء اللاحق في إشكالاتها، أي أنهما حاولا من خلال تحصين الأركان الثقافية للنفس بناء عمرانها الجديد. لهذا لم ينهمكا بالنقد المباشر للنفس، بقدر ما انهمكا في نقد الغرب الأوربي، الذي شكلت تجاربه مصدر الإثارة الرئيسي لآرائهما ومواقفهما. فعندما يتناول الطهطاوي كيان مصر آنذاك، نراه يشدد على أن الوطن كالجسد يصلحه إزالة العضو غير النافع كالشجرة تنمو بقطع الغصن اليابس منها. وشحن كتبه بالتواريخ الصحيحة والمشهورة والمزيفة دون تمحيص، لأنها كانت تمثل بالنسبة له دلائل محكية لما ينوي قوله. انه لم يوجه اهتمامه صوب نقد الواقع، بل لتحصين ما فيه من عناصر شكلت في وعيه التاريخي والثقافي مصادر التجديد الدائم. من هنا أولوية نقد التجارب الأوربية، باعتبارها ميدان الإثارة والاقتباس والتعامل من جهة، ومرآة رؤية النفس وتمايزها عن الآخرين من جهة أخرى.

تأمل الطهطاوي مختلف جوانب الحياة الفرنسية من عمران وصناعة وزراعة وأدب وفنون وصفات الناس العقلية والأدبية والأخلاقية ونمط حياتهم. ووجد في عمرانهم وعلومهم وفنونهم وآدابهم ما يستحق التقدير والاحترام، وفي ذكاء الباريسيين ورفضهم للتقليد وحبهم للحرية في العلم والعمل والدين، وسعيهم للتجديد بما في ذلك في المظاهر، والوفاء بالوعد وعدم الغدر والمروءة، وصرفهم الأموال في حظوظ النفس والشهوات، وعدم ظنهم السوء ببناتهم رغم تبرجهن. وجميعها فضائل يحق أن تكون "من باب الحال في ديار الإسلام" كما يقول الطهطاوي. وجعله ذلك يتوصل في النهاية إلى أن الفرنسيين اقرب "شبها بالعرب منهم للترك ولغيرهم من الأجناس. وأقوى مظنة العرب بأمور كالعرض والحرية والافتخار". فالفرنسيون يحلفون أيضا بالعرض كما هو الحال عند العرب. ولا يغير من ذلك شيئا موقفهم من النساء، لأن العرض عندهم أوسع من الغيرة. إذ يقابل العرض عندهم المروءة عندنا، ومتعلقه بالنساء لا يقّيم بالسفور والحجاب، بل بالتربية، كما يقول الطهطاوي.

وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة كما وضعها في فكرته القائلة، بأن المهمة الأساسية المطروحة أمام الفكر الإصلاحي تقوم في "اقتناء جواهر العلوم مجردة عن أعراضها". وهي نظرة نقدية لها أبعادا منظومية في التعامل مع تجارب أوربا الحضارية. لهذا وقف بالضد من الاستغلال الضيق للتجربة الأوربية، وبالأخص ضد محاولات تطويها السياسي المباشر. إذ لا يعني "اقتناء جواهر العلوم مجردة عن أعراضها" سوى ضرورة تمثل التجربة الحضارية الأوربية بكاملها واستخلاص دروسها العامة بما يكفل للعالم العربي إمكانية استنهاضه وانبعاثه الجديد. من هنا مطالبته أن "يجري تخير ما يكون بحالنا لائقا، ولنصوص شريعتنا مساعدا وموافقا"، أي ليست التجربة الأوربية سوى أحد المصادر الإضافية التي يمكنها مساعدة العالم العربي في نهضته الجديدة، ولكن بشرط استجابته لمبادئ وقيم الثقافة الإسلامية.

وليس مصادفة أن يشترك الطهطاوي والتونسي في تركيزهما على مبدأي النظام والحرية في التجربة الأوربية، حيث وجدا فيهما مبادئ جوهرية مميزة للعقيدة الإسلامية. وهو أمر يفسر سبب ترجمة الطهطاوي للمواد الأربعة والسبعين لإعلان الثورة الفرنسية، إضافة إلى استعراضه لبعض مواده، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا المساواة والعدل والحرية. فقد وجد فيها معادلا لفكرتي العدل والإنصاف الإسلاميتين. ونفس الشيء يمكن قوله عن استعراضه المكثف للائحة حقوق الإنسان الفرنسية بعد عام 1831. حيث أبرز فيها مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة، عندما أكد على أن الإبداع الكبير لأوربا يقوم في استخدامها سياسة الاقتصاد والتنظيم، وأن تطورها مرتبط بتطور العلوم والمعارف والاكتشافات. وهذه بدورها مرتبطة بالحرية (السياسية) والنظام (الإصلاح). ومن ثم فإن القيمة العظمى لتجارب أوربا تقوم في نظامها الاجتماعي السياسي القائم على مبادئ الحرية والنظام (العدل). من هنا قوتها القاهرة وقدرتها في حفظ حقوق الإنسان.

جعل الطهطاوي والتونسي من تجارب العمران الأوربية مرآة لرؤية النفس. فقد انطلق التونسي في رؤيته لضرورة الإصلاح مما اسماه بتأمله الطويل للأسباب القائمة وراء تقدم الأمم وتأخرها. واعتبر تأمل تجارب الغير، وبالأخص من "ليس حزبنا"، القاعدة الأولية لتفحص التجارب العلمية (العقلية) والعملية. واسند هذا التفحص إلى واقع "العولمة" الجديد، وموضوعية القيمة الإيجابية والمجردة فيها. وكتب بهذا الصدد قائلا بأن "العالم سائر صوب توحده. وأن كل أمة تسعى لمصالحها الخاصة". إلا أن في مساعيها الخاصة "فوائد عمومية" . وليست هذه الفوائد العمومية سوى القيم الإيجابية المتراكمة في تجارب الأمم، التي طابقها الطهطاوي والتونسي مع ما أسموه بأسباب التمدن والتقدم. لهذا اعتبروا إدراك أسباب التقدم المهمة الضرورية الأولى للفكر النظري. فقد أشار التونسي في مقدمة كتابه (أقوم المسالك) إلى أن قصده من تأليف الكتاب هو "تذكير العلماء الأعلام بالاعتبار من تجارب الماضي وأيقاظ الغافلين من رجال السياسة". واعتقد أن من الممكن تجسيدها من خلال إجراءين الأول هو إغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم لكي يسهموا في "تنمية أسباب التمدن"، وذلك عبر تهيئة أسباب التمدن من خلال "توسيع دوائر العلوم والعرفان" و"تمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة" و"ترويج سائر الصناعات" و"نفي أسباب البطالة" عبر تطوير التربية والتعليم والزراعة والتجارة والصناعة وإشراك المجتمع في العمل الاجتماعي الإنتاجي. ووجد في هذه الأسباب إمكانية صنع سلسلة الأمن – الأمل - إتقان العمل. أي الاستقرار الاجتماعي السياسي وإشاعة التفاؤل الفعال وترسيخ تقاليد العمل المنتج. أما الإجراء الثاني فهو الانفتاح الحضاري على تجارب الآخرين. ذلك يعني أن الغاية النهائية للفكر تقوم في إشراك القوى الأكثر تأثيرا وفاعلية لإنجاز مهمة إنهاض الأمة من سباتها الطويل لكي تشارك الأمم في إبداع "الفوائد العمومية". وهي مهمة لا يمكن إنجازها بدون رؤية عقلانية محصنة ثقافيا تدرك أسباب التخلف وتؤسس للتقدم (التمدن) بمعايير تجاربها الخاصة. وليس مصادفة أن تتحول فكرة العدل والقانون (الشرع) عنده إلى عناصر جوهرية في إدراك وتأسيس قيمة الانتماء الثقافي في تناول القضايا السياسية والاجتماعية والأخلاقية. لذا نرى الطهطاوي يربط "المنفعة العمومية" بضرورة التمدن، ويربط التمدن بالعدل. وكتب بهذا الصدد يقول "بدون العدل (لا إفراط ولا تفريط) يصعب بناء نظام اجتماعي". وانطلق في ربطه المدنية (الحقيقية) بالعدل من أن العدل هو الفضيلة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية. وأرجع حقيقة الفضائل إلى قدرتها على إعلاء شأن ما اسماه بالجمعية التأنسية (الاجتماعية). ذلك يعني انه ربط ضرورتها بقرتها على إنهاض المجتمع والدولة. وطالب إلى جانب ثبات الفضائل مراعاة الأحوال والأوقات في تطبيقها، باعتباره إدراكا واقعيا لحقيقة العدل.

وحقق التونسي هذه الفكرة وعمقها من خلال تطبيقه إياها على النظام السياسي، باعتباره محل العدل الواقعي. لقد حاول ربط تطور الأمم وانحطاطها، تمدنها وخرابها، وتأخرها وهلاكها بمستوى وكيفية تمسكها أو عدم تمسكها بالعدل والمساواة. واعتبر وجود النظام السياسي محك وميدان تجلي العدل والمساواة. وأكد بهذا الصدد على أن التقدم والانحطاط مرتبط بالنظام السياسي وليس بالجغرافيا والمناخ والدين. واستنتج من تحليله لتجارب التاريخ الأوربي الفكرة القائلة بأن تطور أوربا المعاصر في مختلف الميادين هو بسبب "التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثروة واستخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة والتجارة".

ووضع التونسي نظام العدل السياسي في أولوية العمران والتمدن. وجعل منه المقدمة الفعلية الضرورية الأولى للإصلاح اعتقادا منه بان نظام العدل السياسي هو نظام العدل الدنيوي. والعدل الدنيوي، بنظر التونسي، هو ليس العدل الأخلاقي المجرد، بل عدل القانون السياسي والحقوقي. لهذا اعتبر سيادة القانون واحترامه من جانب المجتمع أمرا جوهريا بالنسبة للعمران والتمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن سبب انهيار الأمم والعمران يقوم في عدم "تقيد الحكم بقانون عقلي". والتقييد بالنسبة للتونسي هو ربط فعال لما اسماه بالوازع والوازع المضاد، لأن كل ما يترك لحاله يؤدي إلى الإهمال والتسيب. والوازع المضاد أما شرع سماوي أو سياسة معقولة. وكلاهما يرميان إلى العدل. فالشرع السماوي يهدف للعدل فهو إذن سياسة معقولة، والسياسة المعقولة تهدف للعدل في إذن تستجيب للشرع السماوي. ووضع التونسي هذه الرؤية العقلانية في نقده لماضي وحاضر الإصلاح في الدولة العثمانية يشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. وربط سبب تخلف الدولة العثمانية واستبدادها بعدم تمسكها بالقانون والعدل. وقيّم حركة التنظيمات (الإصلاحات العثمانية)، باعتبارها خطوة هائلة في ميدان الإصلاح قياسا إلى ما قبلها، وربط إمكانية نجاحها بوجود "مجلس مركب منتخب من الشعب"، باعتباره "من أعظم الوسائل في حفظ نظام الدول وقوتها ونمو عمرانها ورفاهية شعبها". وهو استنتاج يحقق الفكرة الجوهرية عند الطهطاوي عن ضرورة ربط العدل بالقانون باعتباره شرط تقدم الأمم ورسوخ تمدنها وعمرانها.

لم يكن موقف العقلانية النقدية من الواقع ومحاولة تذليله سوى المقدمة الضرورية لتأسيس البديل الإصلاحي، والذي اشترك فيه الطهطاوي والتونسي وكثير غيرهم1 . فقد ارتكز البديل عندهما على سلسلة تتكون حلقاتها من التربية والتعليم (عند الطهطاوي) والمعرفة (عند التونسي) ومن أسباب العمران (تطوير الزراعة والتجارة والصناعة) ومن التنظيم السياسي. وهي سلسلة استمدها الطهطاوي والتونسي من تأمل تجارب التاريخ. وكلاهما اشار إلى أن النظر إلى تاريخ "الإفرنج" يوصلنا إلى أن سر تقدمهم يقوم في بناء هذه السلسلة (أو النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) على أساس العدل والحرية. وتوصل كلاهما أيضا إلى أن تجارب أوربا تبرهن على أن ارتقاؤهم العلمي والعملي في مختلف ميادين المعرفة مرتبط ليس ببركة شرائعهم، بل بمراعاتهم للقوانين. فقد وجدها الطهطاوي في "مراعاة الأوربيين للحقوق الطبيعية والأحكام المدنية". في حين وجدها التونسي في "مراعاة قوانينهم العقلية للوازع الدنيوي". وتوصل كلاهما إلى ضرورة الإصلاح لئلا يخضع العالم الإسلامي ماديا ومعنويا للسيطرة الأوربية، انطلاقا من أن عدم مجاراة أوربا في الإصلاح يؤدي إلى الضعف السياسي أولا من ثم للخضوع لها ثانيا. فقد أدى استعمال إنتاجهم وتشغيل ناسهم على حساب البطالة عندنا وتدمير اقتصادنا. إضافة إلى أن تقليدهم الثقافي في كل شيء، والذي يؤدي بالضرورة إلى اضمحلال هويتنا السياسية والثقافية. وهي نتيجة تعادل الموت والعدم. في حين أن حقيقة التراث العربي والإسلامي و"قانون الوجود" يفترض المنافسة والمساهمة في بقاء الخير العام. وهو واجب من وجهة نظر الإسلام وحقيقته. لهذا اعتبرا التمسك بالدين الإسلامي) لا يمنع من الاقتداء فيما يستحسن في نفسه من الأعمال المتعلقة بالمصالح الدنيوية في تجارب الأوربيين. وذلك لأن حقيقة الإسلام تفترض سبق الآخرين في العمران، كما أن حقيقته هي العدل والسمو الارتقاء.

حددت هذه الفكرة مقومات ما يمكن دعوته بالتحصين الثقافي للإصلاح المفترض. بحيث يصبح الإصلاح طريقا للتمدن. ويصبح الإصلاح تمدنا وموضوعا للتأسيس الفكري. ففي (مناهج الألباب) يقول الطهطاوي، بأنه يسعى أساسا للمنفعة العمومية لأجل توسيع دائرة التمدن. وشأن كل فكرة كبرى تحتاج لتجسيدها إلى أصول مناسبة تستند إليها. لاسيما وأن للتأصيل الفكري تاريخ عريق في الوعي الثقافي الإسلامي لا يعقل خارج فكرة الأصول في الدين والدنيا والعقائد (الكلامية والفقهية والفلسفية والسياسية والأخلاقية). فالطهطاوي ينطلق من أن للتمدن أصول معنوية ومادية. ويضع الأصول المعنوية التي يقرنها بالدين والشريعة في أساس التمدن، حيث وجد فيها "قوام الملة التي تسمى باسم دينها". وكتب بهذا الصدد يقول بأن من أراد أن يقطع عن ملة تدينها بدينا أو يعارضها في حفظ ملتها، فهو في الحقيقة معترض عل مولاه. ذلك يعني أن الدين والشريعة بالنسبة للطهطاوي هما مجموع التقاليد الثقافية الإسلامية. فهو يدرج الدين والجنسية (القومية) في الملة. وليست الملة سوى القومية الثقافية الإسلامية التي تندرج فيها الأمة الإسلامية (الدينية) والأمة المصرية وتقاليدها الإسلامية. لهذا اعتبر محاربة تمسكها بدينها وتقاليدها ومعارضة حفظ ملتها قوميتها وجمعيتها، اعتراضا على النفس ومرجعياتها الحقيقية. وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة بعد تحليله للتجارب السياسية والفكرية والروحية لأوربا. فقد توصل إلى أن التقدم يرتبط بقيم معينة. وأن هذه القيم بالنسبة للعالم العربي هي تقاليده الحضارية الخاصة.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

مثل احمد بن أبي الضياف (1802-1874) معاصر التونسي. إذ نعثر في كتبه (إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان) على جملة من الأفكار الأساسية المشابهة لما عند الطهطاوي والتونسي، مثل ضرورة الإصلاح وجوهرية العدالة والقانون فيه، وكذلك ربط العدالة بقيم الحرية والدنيوية ومساواة الجميع أمام القانون بغض النظر عن الدين واللغة، والعودة لإمكانية تعايش القانون الشرعي والعقلي.

 

 

محمد بنيعيشأولا: المواطن والأمن والدولة، هل من تكامل؟

لكل كائن حرمته وحريته وحصانته و"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا "هذا هو حكم الإسلام، وهذا هو مبدأ المواثيق العامة، وهذا هو أساس العقد الاجتماعي ومبنى الحريات والحقوق في العالم.

فالفرد من المجتمع، والمجتمع مجموعة أفراد، والدولة من كليهما مؤسسة، وعليهما معتمدة وبهما قائمة ! .

وحينما نتناول موضوع الحقوق والحريات فينبغي مراعاة هذه الدورية في الأدوار، وهذا التأسيس مع الأطوار، ومن ثم فقد يمكن لنا إصدار الأحكام على هذا التصرف الصادر من الفرد أو المجتمع والدولة: هل هو حق وشرعي قانوني أم هو ظلم وشطط واعتداء على الحرمات والحريات؟

فلكل بلد رؤيته ولكل مجتمع قانونه وأعرافه وعاداته.ومن المستهجن أن ترتكب أخطاء واختراق لحرمات في بلد ما مع مزاعم أن هذا الأمر جائز في بلد آخر غير الذي هو موطنه الأصلي. ومن المستثقل والمرفوض أن تعمم القوانين الخارجية على مجتمع داخلي له عقده الاجتماعي الخاص به وعاداته وتقاليده وعقائده وتدينه ! .

فما قد يعتبر استجماما في بلد ما قد يكون جريمة في بلد آخر، وما قد يكون جريمة في السر قد لا يعتبر كذلك في الجهر .وما يحتاج فيه إلى بينة في بعض الدعاوى قد لا يعتبر ولا يمكن في دعاوى أخرى، وهكذا دواليك.

وما بين الدولة والمواطن حكايات وتقاطعات وحسابات، قد تكون فيها الغلبة والقرار المعتبر غالبا للعنصر القوي في المعادلة وهو الدولة، لأنها بالمواطن قامت وعلى أمنه سهرت وبورقته توازنت.

فالأمن والقضاء هما القوة القاهرة في كل مجتمع متمدن وحضاري وذي كيان سياسي.وللأمن دوره وللقضاء حكمه، والعدل أساس الملك كما عليه الشرائع والحكمة وفلسفة السياسة.

ولكي نركز الحديث ونختصره فسأطرح في هذه العجالة مسألتين مهمتين وخطيرتين ومثيرتين وهما: حق أمن الدولة في مراقبة المواطن وحق القضاء في إصدار الحكم من غير تبين.

ثانيا: المراقبة والمخابرة بين خصوصية الفرد ومقتضيات المجتمع

فالأول قد يمتزج فيه السياسي بالأمني والمدني بالجنائي.وهذا يتطلب حنكة وضوابط وفلسفة أمنية راقية، يمكن من خلالها حماية الدولة وأمنها مع حماية المواطن واستقراره في نفس الوقت.

إذن فنحن هنا أمام مطلبين متشابكين، بينهما برزخ لا يبغيان:مطلب الدولة للحفاظ على كيانها ونظامها، وهذا حق مشروع ومنطق سياسي اجتماعي محض .ومطلب المواطن في صيانة حقوقه مع تحقيق احتياجاته وضمان حرياته.

لكن حينما يكون هذا المواطن غير عادي، ومنصبه يجمع بين مقتضات القمة والقاعدة، فعندئذ يترتب عليه حكم آخر، ألا وهو تشديد الرقابة عليه أكثر من غيره وتتبع خطواته وتلمس عوراته وسقطاته.لأن الأمر هنا إما أن يحاصَر أو يحاصِر، يبادر أو يبادر به، ومن لم يستسغ هذا المنطق فليقرأ "مقدمة" ابن خلدون وكتاب" الأمير" لمكيافيللي وغيرهما، حيث أحكام السياسة قد تختلف عن أحكام العلم وأحكام الشريعة من باب التطبيق.

فأي خطأ بسيط، من هذا الإطار المسؤول أو ذاك، قد يسجل عليه ويحسب ضده حينما يريد تجاوز قدره ويتطاول على مقام غيره بشكل ما.وهذا الإجراء قد تستعمله أكابر الدول المعاصرة التي تسمى بالديمقراطية، وتوظفه خصوصا عند الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها كورقة ضغط وسلاح فتاك إذا اقتضى الأمر ذلك، ولا يحق للآخر أن يشتكي ويزعم أنه ظلم، إذ هذه هي قواعد اللعبة وشروطها !!!.

وهذا حق الدولة وحق الأحزاب والمنظمات في باب التدافع، وهو يدخل في باب التجسس السياسي المشروع على حسب مذاهب السياسة .إذ، هيهات هيهات أن يقاس الملائكة بالحدادين !!! كما يعبر أبو حامد الغزالي كثيرا في باب الأخلاقيات والسلوكيات.فليس هناك نحْل بالمطلق وليس هناك دبابير سليمو التدبير !!!.

فعيون الدولة ينبغي أن تبقى مفتوحة أكبر من عيون البومة، المتهمة ظلما بالشؤم، والتي ترى في الليل أكثر من النهار، لأن الظلام هو الذي قد تحاك فيه الدسائس وعنده ترسم المخططات وتدبر المؤامرات.

ولهذا فلا تبقى حرمة تراعى بمفهومها البسيط والعادي، أو يغض الطرف عن هنات وهفوات المسؤول ومن في حكمه، كما رأينا في الحديث أعلاه.إذ هناك حرمة عليا مهددة ألا وهي حرمة الدولة والمجتمع عموما، فيكون من اللازم وغير المحذور والممنوع أن يرصد هذا أو ذاك في جميع تحركاته وخاصة خارج بيته الأصلي . بل إذا اقتضى الأمر وحامت الشكوك حول فلان وعلاّن فلتكن البيوت مخترقة في حدود، سدا للذريعة، كما يقول علماء الأصول !.

أرى، والله أعلم، أن هذا هو الإجراء السليم لحماية الوطن والمواطن معا، ولكن من غير شطط وترك الحبل على الغارب في هذا الأمر، إذ ينبغي تحديد الهدف وحصره في مهمة خاصة لا تتجاوز .يقول الله تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ""وَلَوْلَا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ".

وحينما نطالع التاريخ وإجراءات أهل العدل ورواده على هذه الأرض نجد أن مبدأ المراقبة الخاصة قد كان العمل به جاري من غير اعتراض، اللهم إلا إذا كان بغير مبرر شرعي وقانوني.

ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبرز من طبق هذه المسطرة لحماية أمن الدولة والمجتمع، حتى إنه كما يقال كان لا يثق بالولاة ولا يترك لهما الاستفراد بالسلطة أو استحلاء كراسيها لمدة طويلة .فقد كان يغير الولاة بعد فترة وجيزة أقصاها أربعة سنوات، كما كان يرصد أحوال القادة في الجبهة ويتابع أخبارهم بعيون متخصصة واستخباراتية بامتياز. فإذا وصل إليه نوع تذمر أو تلكؤ من قائد عزله وعين بداله شخصا آخر .

هذا من جهة الولاة أما من جهة المواطنين العاديين فقد كان يرصد السلوك العام بالعمل على حفظ طهارة المجتمع واستقرار الأخلاق العامة فيه، لغاية أن تسور بيتا سمع فيه مجونا وغناء وإيحاءات مشبوهة كما وقع له مع أبي محجن الثقفي لما وصله أنه يشرب الخمر ويجمع حوله الندماء في داره قد يقلق به راحة الجيران ويهدد سلامة المجتمع.وقصة نصر بن حجاج الجميل الوجه وسماع عمر في ليلة تفقّد لتلك لمرأة التي كانت تتغنى بنصر داخل بيتها، هي مشهورة ومهمة جدا، حيث اتخذ ما اتخذ من إجراء لحماية طهارة النساء والرجال معا كما هو معلوم.

وفي هذا الإجراء قال الغزالي كإفتاء : إلا أن يظهر –المنكر- ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة.

(21) وقال ابن الجوزي: من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، وإن فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار.

ثانيا: دور الأمن والقضاء في حماية المتضرر بغير بينة

أما المسألة الثانية التي أشرت إليها آنفا فهي تبع لهذا الحكم العام، ولكنها ذات صفة قضائية وأمنية في نفس الوقت، وهذه لا تتعلق بالحريات الفردية والخصوصيات الشخصية وإنما هي ذات صفة تعدّي واعتداء على الآخر.وقد تنطبق على جرائم يمكن أن تقع في الخفاء وتؤذي الناس في الظلام ولا بينة عليها .فقد يشتكي المدعي ويتألم ويتضرر ماديا ونفسيا ومعنويا ولكن لا يجد ما يبرر به قانونيا دعواه ضد شخص أو جماعة متواطئة ضده بشكل ما.و هذا الاعتداء قد يكون إما بالكلام والوقيعة والابتزاز والاستفزاز والإرهاب النفسي وما إلى ذلك، وهذا من أقبح الجرائم التي قد تسبب أمراضا ونكسات صحية وعواقب اجتماعية وخيمة !.

ومن أقبح وأقذر هذه الإذايات يتصدرها موضوع السحر والسحرة، وما قد يوظف فيه من شعبذات وتضليل واستدراج وابتزازا وتخويف ...وهذا قد أصبح مما تعم به البلوى ويوظف حتى في المجالات السياسية والعمل على إحداث تأثير في وعي وقرار هذا المسؤول أو ذاك، إما بواسطة التوظيف الروحاني وتسليط الشياطين والجان ضدا على الآخر، أو بفعل التسميم واستعمال الوصفات الكميائية القذرة عن طريق الدس في الأكل والشرب وما إلى ذلك.

وسواء سلم البعض بالجانب الروحاني أم لم يسلم به حسب معتقده فإنه بمجرد اللجوء إلى هذه الوسائل بنية إذاية الآخر قد يعتبر جريمة في حد ذاتها.وهنا يطرح موضوع المراقبة الأمنية وتتبع النازلة بالموازاة مع قرار القضاء حينما تصله شكوى من هذا النوع.فهل يطلب الدليل، وهذا مستحيل، أم ينتقل إلى التجسس والتحري وتعقب المتهم؟.

في رأينا المتواضع أن الحل لهذه المعضلة الأخلاقية والقانونية والأمنية معا هو العمل على تعقب الظنين بالوسائل المعهودة في التجسس والاستخبار العام.إما بالمباشر أو المتحايل أو الاستدراج أو تسجيل المكالمات والمراسلات حتى يقع المجرم في الفخ ويقدم للعدالة.فيحاكم الساحر والمستسحر معا !!!.ولا ينبغي إهمال شكوى المدعي جملة وبزعم عدم استيفاء البينة.وهذه قيمة مضافة قد توشح بها صدور رجال الأمن إن هم التزموا بها وأخذوها في الاعتبار حماية للمواطن والوطن والفرد والمجتمع.كما بإمكان المخبر أن يتقمص دور المستسحر أو الساحر حتى يوقع بمثل هذه الجراثيم الاجتماعية ويطهر البلد من رجسهم.وبهذه العملية سيكون المجتمع قد ضرب عصفورين بحجر واحد وهما:الأول ضبط الساحر المؤذي وذي النوايا الخبيثة، الثاني :استبعاد والحد من انتشار ما يزعم بالرقاة الشرعيين، الذين بدورهم قد يتحولون إلى سحرة ولكن بقناع ومزاعم العمل الشرعي وما إلى ذلك مما قد يصطلحون عليه.

وهذا الإجراء قد سبق ووظف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يتعقب السحرة بالمدينة، إذ يروى أنه قد أقام حد الساحر على ثلاثة منهم، فكانت هيبته خير مطهر للمجتمع وصائن لحرماته وأمنه واستقراره.

تلكم هي وقفة سريعة مع موضوع شائك ودقيق قد تنخرط في همومه جل الشرائح والمؤسسات السياسية والاجتماعية والفكرية والقانونية نتمنى لو وجدت آذانا صاغية.والله من وراء القصد.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية  الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

محمد بنيعيشمبدئيا نقول: إن المعرفة عند الصوفية لها حدودها وضوابطها ،وليس كما يتخيله البعض من أنهم قد يقصدون منها الإطلاق ومعرفة كل ما كان أو هو كائن ويكون،أو أنها عرفان إشراقي كما يسقطه البعض عليها غلطا أو تغليطا !!!.

فهذه مجرد أوهام قد يقع فيها بعض القاصرين فكريا أو بعض المغرضين ممن يموهون على الجماهير لتبرير بعض أعمالهم التي قد تكون ذات خلفيات دنيوية محضة أو سياسوية ديماغوجية يريدون تحقيقها والوصول إليها بواسطة هذا التنويم الروحي والتقليل من شأن الآخر وشأن الواقع.أو قد تكون بباعث ذاتي مضاد لمقتضياته من أجل تغييره بتصور متوهم ومتخيل لا يمكن الدلالة على صدقه أو كذبه جزما،لأنه مرتبط بالباطن وضمير الأشخاص لا غير!.

أولا: المعرفة الصوفية واختبار سقف الهمم

يقول الشيخ محيي الدين بن عربي في كتاب "العبادلة"محددا المدى الذي يمكن أن تصل إليه المعرفة الصوفية،وأنها على سعتها ورحب فضائها تبقى محددة بحسب همة العارف ومدى تطلعه إليها واستغراق عمره في السلوك نحوها،والتي هي ابتداء وانتهاء فضل من الله تعالى واختصاص وتكرم منه:

"تنتهي همم العارفين بالله تعالى وهم معه على أول قدم في المعرفة،فلم تف لهم أعمارهم بما تعلقت به هممهم من واجب معرفة الله كما يليق بجلاله"[1].

من هنا فالهمة عند الصوفي أو مجرد الإرادة وتعلقها بموضوع ما قد لا تعتبر هي الفاعل الأساسي أو الموصل إلى المطلوب،سواء أكان معرفيا محضا أم تصرفا في قضايا المحسوسات والعالم الأرضي،إذ كما يقول ابن عطاء الله السكندري:

"سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار"ويفسر هذه الحكمة ابن عباد النفزي بأن:الهمم السوابق هي قوى النفس التي تنفعل عنها بعض الموجودات بإذن الله تعالى،وتسميها الصوفية همة فيقولون أحال فلان همته على أمر ما فانفعل له ذلك،وهذه الهمم السابقة لا تنفعل الأشياء عنها إلا بالقضاء والقدر وهو معنى قولنا بإذن الله تعالى فهي على حال سبقيتها ونفوذها لا تخرق أسوار الأقدار ولا تنفذها،وهذه الهمم قد تكون للأولياء كرامات وقد تكون لغيرهم استدراجا ومكرا كما تكون للعائن والساحر ،وقد ثبت أن العين حق والسحر حق ومعناه ما ذكرناه.

وحاصل ذلك أنه يجب أن يعتقد أنها أسباب لا تأثير لها ولا فاعلية وأن الفاعل هو الله تعالى وحده عندها لا بها"[2].

وهذا التوقف مع مسألة الهمة له ارتباط بموضوع التطرف الذي قد يمس منذ البداية دعوى المعرفة وما يتبعها من تصرفات وإجراءات ربما قد يتوهم صاحبها أنه قد امتلك ناصية اللانهاية المعرفية،وبالتالي سيقع في الزهو النفسي وتوهم القدرة على تغيير الواقع والأشياء والسنن الكونية حوله بمجرد همته أو ادعائها،وخاصة حينما يستغل بعض الدجالين والمشعوذين،وكثير من الشيعة الغلاة في تصورهم نحو أئمتهم وتوهمهم المعرفي المتطرف، صورا من التناسب بين مزاعمهم ودعاواهم وبين ما قد يقع في الكون من تغيرات بيئية أو اضطرابات اجتماعية وسياسية،موهمين بذلك الأغبياء من الجماهير بأنهم ربما قد كانوا الفاعلين المباشرين في تلك التحولات أو الأحداث،بينما الأمر في حقيقته ليس سوى قضاء الله تعالى وقدره الذي يجريه بشكل عادي وبحسب سننه التي سطرها في كونه وأجراها على مخلوقاته...

ففي الحقيقة،وهذا هو مذهب الصوفية السنيين وضدا على زعماء التطرف من الباطنية والغلاة وغيرهم من الطوائف،لا يعرف الله حق معرفته إلا هو ولا يحيط بحقيقة ذاته وكنهه إلا هو،وذلك معقول ومنقول شرعا وحكما بعدم إحاطة المخلوقات بمعرفة ذات الله .

فمن جهة العقل فالاختلاف في مستوى حقيقة الوجود والذات هو الذي يحول دون ذلك، فإذا كان التلميذ قد لا يعرف المحتوى الشامل لعلم أستاذه حق المعرفة وإن حصل على شهادة تماثل شهادته، فإنه بفعل المطالعة وسبق الزمن سوف لن يلحق به أبدا،وكذلك فإن من علم شيئا غابت عنه أشياء.

ثانيا: المعرفة بين الإيجاب والسلب أو مقام القبض والبسط

وإذا كان التقارب في الجنس والمستويات وبفارق ضئيل من الظروف المحددة قد يحول بين المرء ومعرفة غيره من جنسه، فكيف يسمح لأحد أن يدعي معرفة الله الذي هو قديم الوجود وأبديه ولا نهاية لذاته ولا تحده الظنون ولا تحيط بحقيقته الفهوم والعقول ولا تدركه الأبصار "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" .

بينما العبد محدود وجوده،وذاته محدثة من العدم وآيلة إلى الفناء ومركبة من أجزاء معدودة وجواهر متحيزة ومتناهية مرصودة...

لهذا فالمراد بالعلم بالله أو معرفة الله عند الصوفي هو العلم بوجوده وما هو عليه من صفات الكمال،وليس مرادهم العلم بذاته لأن ذلك عندهم ممنوع ومستحيل ولا يعلم إمكانية تحصيله بدليل حسي و لا برهان عقلي أو نص شرعي قطعي الدلالة.

فالعلم بالله هو العلم بأنه ليس كمثله شيء وأما الماهية وحقيقة الذات فلا يمكن علمها قطعا،وبهذا فقد عَدّ شيوخ الصوفية من طلب أن يعلم الله كما يعلم الله نفسه من أجهل الطوائف[3]،وإذا كان الإنسان لا يعرف نفسه حق معرفتها فكيف يطمع في معرفة الله سبحانه وتعالى حق معرفته[4]؟.لكن للعارف حالتان يقول في أحدهما:لا أعرف إلا الله تعالى وذلك بخصوص الذات وعطوف قلبه نحوها،فحينما تتجلى له عظمة الله في الكون ويشعر بعجزه عن إدراك ذاته تعالى لا تعتريه إلا الدهشة والحيرة فيعترف بأنه لا منفذ له إلى معرفة الله.وتلك الحالة هي في حقيقتها معرفة بالله تعالى، "لأن العجز عن درك الإدراك إدراك".

أما الحالة الثانية فللعارف أن يقول فيها:لا أعرف إلا الله،وهو حينما ينظر إلى أفعاله فلا يرى عند ذلك في الوجود إلا الله عز وجل وأفعاله. بحيث لا فعل لأي مخلوق في هذا الكون وإنما الكل يسير بأمره وتصرفه وتقديره. فحينئذ يقول العارف لست أعرف شيئا غير الله تعالى وما في الأرض غيره، فهو الكل على التحقيق.

ولقد مثل الغزالي لهذه الحالة بمن لم ينظر إلا إلى الشمس و أنوارها المنبسطة في العالم،ولم يلاحظ قلبه الأشياء المستنيرة من حيث أنها جماد أو بهائم فكأنه لم ير إلا الشمس.

وهكذا فإنه قد لا يكون تناقض بين قول العارف أولا:لا أعرف الله ، وقوله ثانيا : لا أعرف إلا الله.

ومن هنا فقد كان الصوفي أبعد الناس عن الإدعاء وتوهم امتلاك الحقيقة أو التصرف المطلق وما إلى ذلك ،سواء فيما يتعلق بمجال الخلق أو ميدان الحق ،مما قد ينزلق فيه كثير من متزعمي الطوائف والسالكين ظاهرا لباب المعرفة القدسية من غير علم أو إرشاد سليم .

كما قد نجد هذا التحذير والقياس الشرعي والعقلي السليم عند ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكمة الرائعة حيث يقول:"منعك أن تدعي ما ليس لك من المخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين".ويشرح الحكمة ابن عباد النفزي بأنه:لاحظ للعبد من صفات مولاه إلا التعلق بها فقط، وأن ادعاء شيء منها من كبائر معاصي القلب ومن مشاركة المربوب للرب ومن مقتضى الغيرة التي اتصف بها وأعلمنا بشأنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :"لا أحد أغير من الله تعالى ومن غيرته أنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"تحريم ذلك على العبد والتسجيل عليه باستحقاق الطرد والبعد. ومن أفحش الفواحش عند العارفين وجود شيء من الشركة في قلب العبد بادعاء شيء من أوصاف الربوبية لنفسه عقدا أو قولا لأن ذلك منازعة له وتكبر عليه،وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :قال الله عز وجل:الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحدة منهما ألقيته في النار".

ومعنى المنازعة: الدعوى قولا وعبارة والإضمار فعلا وإشارة . ومعنى الغيرة في حقه تعالى أن لا يرضى بمشاركة غيره له فيما اختص به من صفات الربوبية وفيما هو حق له من الأعمال الدينية.وإذا كان الحق تعالى مانعا لك ومحرما عليك أن تدعي ما ليس لك مما أعطى المخلوقين من الأموال ومسميا ذلك ظلما وعدوانا فكيف يبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين لا شريك له في ذلك لا أنت ولا غيرك،فهو إذن من أعظم الظلم وأشد العدوان".

يضيف النفزي في الشرح ملخصا مذهب الصوفية في المعرفة والإدعاء:"وهذا المعنى الذي ضمنه المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة هو الغرض الأقصى الذي هو مرمى نظر الصوفية ،وكل ما صنفوه ودونوه وأمروا به ونهوا عنه من أفعال وأقوال وأحوال إنما هي وسائل إلى هذا المقصد الشريف والمقام المنيف،فشأنهم أبدا إنما هو العمل على موت نفوسهم وإسقاط حظوظها بالكلية كما قيل:الصوفي دمه هدر وملكه مباح !وليس هو المقصود لهم بالذات وإنما غرضهم من ذلك ما يلزم عنه من انفراد الله تعالى عندهم بالوجود ولوازم الوجود انفرادا لا يشاركونه في شيء منها ألبتة - كما ذكرناه- وهذا هو كيمياء السعادة الذي أعوز أكثر الناس ولم يحظوا منه إلا بالإفلاس،إذ بذلك يستحق المرء عبودية الله عز وجل الذي لا مقام للعبد أشرف منه"[5]. والله ولي العارفين .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

[1] نفس ج1ص44

[2] ابن عباد النفزي :شرح الحكم ج1ص6

[3] الشعراني: اليواقيت والجواهر  ج1ص45

[4] الغزالي:رسالة المعرفة ،ذيل كتاب الاقتصاد في الاعتقاد مكتبة الجندي ص222

[5] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص94

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث(1)

لقد طوت الوهابية في رمالها بقايا الأطلال المندرسة لعوالم تبجحت في غضون قرون من الانحطاط الثقافي بقدسية أحجارها المتناثرة وعظام أوليائها التالفة. واستطاعت أن تكشف في زوبعة عواصفها العملية عن القيمة الإيمانية والعقلية للجهاد. وان تبرهن أيضا على أن التوحيد هو الكلمة الوحيدة الحقة في الوجود. وأفلحت من خلال الكلمة جعل القرآن والسنّة إماما للموحدين. وأدى ذلك موضوعيا إلى تلازم قيمة الكلمة (القرآنية) وتطبيقها العملي (السّنة) في كل ما أرادت الوهابية قوله وفعله.

ووجد ذلك انعكاسه المباشر وغير المباشر في تحريك ذاكرة التصوف وتنشيطها "الحر" في استدراك قيمة ومعنى التأويل الصوفي للآية القرآنية القائلة "نسوا الله فأنساهم أنفسهم". غير انه لم يكن بإمكان أتباعه المقلدون منهم والجدد آنذاك بلوغ مستوى تحدي حقيقة الذات على مثال البسطامي، ولا حقيقة الحق على مثال الحلاج، ولا حقيقة البدائل المنظومية على مثال الغزالي وابن عربي. إلا أنهم اضطروا تحت ضغط الهياج العارم للوهابية إلى نفض غبار النسيان المتراكم على ذاكرة العقائد العملية.

والزم ذلك الجميع على شحذ الذهن والعاطفة في تأمل الكلمات ومعانيها. ومن ثم تتبع خطاها في العبارة. كما لو أنهم اخذوا يتذكرون المعنى الخفي في سحرية الكلمة القرآنية باعتبارها آية، و"المعجزة" التي صنعت على مثالها نموذج الحضارة الإسلامية.

فقد لضمت الحضارة الإسلامية كلماتها من حروف معاناتها المرهقة في صيحات المعارك وصمت الزاهدين، ومن سفاهات الماجنين وورع المتقين، وشطح العارفين وهمس العاشقين، ومديح الشعراء وهجائهم، وخلافات الفقه وتفريعاته، وتمنطق الكلام وتشقيقاته، وأزهقت في معاناتها حياة الأبرار والأنذال، وزكّت أرواح أبطالها في "أعلى عليين" وأنزلت أراذلها إلى "أسفل سافلين"، واستثارت في ظاهرها وباطنها لعاب الرجال والنساء، وحنين الشيوخ والصبايا، وعقل العقلاء وبلادة البلداء، وألزمت الجميع مع ذلك بالاحتكام إلى ما في منطقها التوحيدي من قدرة على ترسيخ القناعة والاقتناع بكل المتضادات الممكنة في الوجود والفكر.

ووضع ذلك القوى "المتهورة" و"الثائرة" أمام مهمة تأمل النصوص الخالدة. وبالتالي تحريك الوجدان العقائدي واللاهوتي بالشكل الذي اخذ يتحسس الحركة غير المتناهية للحروف. غير أن تهشم الكيان الثقافي العربي وانحلال تاريخه السياسي جعل من الصعب عليها إيجاد الصلة المعقولة بالعوالم الثقافية المتراكمة للخلافة فيما وراء القرآن والحديث، أي انه لم يكن بإمكانها التعامل المباشر مع الكم الهائل من حروف المعاناة المتراكمة في ووعي الثقافة الإسلامية. إلا أن مجرد إنزال "النصوص المقدسة" إلى معترك الحياة الواقعية، والاقتناع الحر والقناعة الجازمة بما في هذه النصوص من أثر قاهر ومرجعية دائمة للصلاح والإصلاح، أدى بالضرورة إلى تعميق رمزية الكلمة. وإذا كانت هذه الكلمة قد تمركزت وتركزت في "التوحيد" وعباراته القليلة، فان ذلك يكشف عن أنها الصيغة المناسبة لاستدرار معاني "الفعل الحق".

إن استدرار معاني الفعل الحق يعني تحويلها إلى نماذج مثلى لتجلي رموز التوحيد. مما يفترض بحد ذاته تعميق الوجدان الفاعل في تأمل النص ومفرداته. ووجدت هذه النتيجة تجسيدها الأرقى حينذاك في "التصوف الفاعل". ولم يكن ذلك بسبب تحويله لغة الضمير القرآني إلى ضمير المخاطبة الروحية للذات السائرة في "طريق الحق" فحسب، بل وبسبب تأسيسه المبدئي لاستظهار هذا الضمير في الفعل السياسي. وهو اثر سيتجلى بصورة متزايدة في إبداع أدباء وعلماء النهضة العروبية والإسلامية. حيث اتخذ  عند الأدباء صيغة الاستلهام البياني والوجداني، وعند العلماء صيغة الاستلهام الوجداني والعملي.

فقد كان التصوف الحلقة الأخيرة التي لم تفقد بريقها في سلسلة الوجود التاريخي للعرب، وذلك لفنائه الوجداني في حقائق الإسلام المتجرد عن واقع الانحطاط العثماني وضمور العربية الثقافية والسياسية. إذ بقت كلماته وعباراته واصطلاحاته متغلغلة في مسامات اشد الفئات تخلفا وأكثرها رفعة، كما لو انه الصدى المجهول لعالم مجهول. وهو واقع يمكن فهمه في حال النظر إلى ما في إبداع التصوف من خيال ذوّب في عباراته حقائق اللسان والوجدان والعرفان المتراكمة في مجرى قرون الازدهار الإسلامي. لهذا كان بإمكانه الاختباء في قاع الزوايا، وفي خلجات الضمير، وعقل العقلاء، وحنق الفقهاء، وجهل العامة، وحثالة الفقراء وزهو الأغنياء. ولم تخل كتابات الأدباء والشعراء والمفكرين والساسة الكبار للنصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى عشرينيات القرن العشرين من اثر مباشر وغير مباشر للتصوف فيها. إذ نعثر عليه في كتابات الطهطاوي وخير الدين التونسي، والأفغاني ومحمد عبده، والكواكبي وأمين الريحاني، والشدياق والمويلحي. ويعكس هذا الاشتراك في ميدان اللغة رد الفعل التلقائي على ما في تحّجر الوهابية وصلفها العملي من تضييق للوجدان الآخذ في الانعتاق من أسر الحياة الرخوة في ضواحي العثمانية المتهرئة. فإذا كانت الوهابية قد استثارت الضمير العربي وإسلاميته المتحزبة، فإنها لم تستطع أن تؤسس لإشكالية الانتماء العربي بمعايير الفكرة الثقافية. أما "التصوف الفاعل" فانه استثار الضمير العربي في وجدانيته الإسلامية، ولكنه لم يستطع أن يؤسس لإشكالية الانتماء العربي بمعايير الرؤية السياسية العملية. ومع ذلك ساهم كلاهما من الناحية الموضوعية على استثارة قضية الانتماء، كما استثارا في ظهورهم وصراعهم وأفكارهم حوافز الإحساس والإدراك الثقافي والسياسي الكامن في فعل التحدي السافر للوثنية" و"الإفرنجية".

لقد رجمت الوهابية القبور والقصور دون الالتفات إلى من فيها أولياء كانوا أم أنبياء. وملئت بأحجارها وحصاها زوايا التصوف المظلمة، مما اجبر شيوخها ومريديها على الاستفاقة من غيبوبتهم وسكرهم، والخروج من عزلتهم واختبائهم وراء "حجاب الحق" إلى عوالم الحضور والصحو والأنس "المتدرع بالخلق". وإذا كان لهذه المعادلة معناها العميق في سلوك الأولياء والشيوخ العظام القدامى، فإنها لم تعد عند نهاية القرن التاسع عشر أكثر من "محاكاة" فجة لنماذجها الروحية الكبرى. وذلك لان خروج الصوفية في مرقعات دراويشهم الرثة جعلهم غرباء لا بالمعنى الصوفي، بل بالمعنى التاريخي. فقد كان من الصعب إدراك "غلبتهم" الجديدة بالوجد الإصلاحي، الذي صوره الحديث الممجد للإصلاح في كلمات "طوبى للغرباء" باعتبارهم "ورثة الأنبياء". لقد واجهوا للمرة الأولى "غربتهم" كاغتراب عن الواقع. وحالما حاولوا النظر إلى أنفسهم بمرآة الوجود، فإنهم لم يروا سوى عزلة أحوالهم وضآلة وجدهم، لأن مرآة "الوجود الحق" هي مرآة الوجود الثقافي للأمم. ولا أمة عربية آنذاك! مما حدد بدوره جوهرية الكينونة الإسلامية في "التصوف الفاعل"، مثلما حدد قبل ذاك في الوهابية. وأدى ذلك في مجرى الرجوع إلى أصول الإسلام الأولى إلى مواجهة واقع الإسلام السائد، باعتباره إسلاما بلا أصول ولا جذور. فالإسلام الجذري والأصولي هو الإسلام العربي المتراكم في تجارب العربية الثقافية.

كان إسلام الوهابية و"التصوف الفاعل" إسلاما مجردا، بلا ضمير ملموس. لان ضميره الغائب هو العربية الثقافية، والذي كان يصعب إعرابه بمعايير "الأصول" الوهابية و"الكلمة المحمدية" "للتصوف الفاعل". ولم يكن ذلك بسبب ضعف "الأصول" و"الكلمة المحمدية" بحد ذاتهما، بقدر ما أن كل منهما كان يفتقد لتاريخه الخاص. فالأصول الوهابية هي ليست أصول الثقافة الإسلامية، كما أن الكلمة المحمدية في "التصوف الفاعل" ليست الكلمة المحمدية للتصوف القديم. فالهوّة المتعمقة بأثر غياب التاريخ السياسي المستقل للعالم العربي ومركزيته الثقافة ابتلعت في جوفها كامل تاريخ العربية الثقافية.

فإذا كانت الأصول في الثقافة الإسلامية تستند إلى تاريخ عريق في صراع المدارس والعقائد سواء من حيث مواجهاتها الاجتماعية والسياسية وتأسيسها النظري، فان أصول الوهابية "واحدية" لا خلاف فيها ولا حولها، أي أنها تفتقد إلى روح الصراع الفاعل فيها. كما أنها منقطعة عن تاريخ المواجهات العنيفة والسلمية، والغلوّ والاعتدال باعتبارهم الممر الضروري لصيرورة الروح الثقافي وأثره في الوجود التاريخي للدولة والأمة. وينطبق هذا أيضا على "الكلمة المحمدية"، التي لم تكن في منظومات التصوف الكبرى نصا قرآنيا ولا حديثا نبويا بل حقيقة متسامية في ظاهر وباطن المرجعيات الإنسانية (المشخصنة) والروحية للأمة. إذ ليست "الكلمة المحمدية" سوى الصيغة المجردة للمرجعيات المتجددة وإبداعها الدائم عند الأئمة والأمة على السواء. أما في "التصوف الفاعل"، فإنها لم تتعد في أفضل الأحوال عن كونها مطالعة فردية ومعاناة جزئية لاستنزال قيمتها المجردة إلى واقع عاجز عن تمثلها وتمثيلها. من هنا استعاضة "التصوف الفاعل" عنها "بأصول الوهابية"، أي مسايرة الوهابية في أصولها عبر استدرك هذه الأصول في تاريخ التصوف نفسه. مما جعلهما يشتركان في رفضهما للمذاهب والتاريخ. فقد كان الرفض فضيلة وخطوة إلى الأمام، لأنه حدث في تاريخ بلا تاريخ للمذاهب فيه. لذا كان النظر في "بداية" التاريخ الإسلامي، باعتباره بدايتهما ومنطلقهما يحوي على محاولة استعادة الصلة الفعلية المفقودة بالماضي لا الرجوع إليه كليا. وتقوم مأثرتهما هنا في أنهما كلاهما الزما الجميع بتأمل الشعلة الأولى لا تلمّس رمادها المتراكم في مراحل الانحطاط وتهشم الكيان السياسي العربي وتلاشي مركزيته الثقافية. فقد تحولت المذاهب والمدارس والتاريخ إلى صندوق مغلق وتجارب ميتة. فالتجارب العظيمة للتاريخ تصبح ثقلا خانقا وكابوسا كثيفا حالما تتحجر في نصوص ملزمة تحتوي على كامل "علوم الأواخر والأوائل".

أما الحصيلة النهائية لتداخل الوهابية و"التصوف الفاعل"، فإنها تقوم في توليدهما شرارة البحث في النص والكلمة عن معنى وجداني عملي. فالكلمة والنص هما ضمير الثقافة. وشأن كل ضمير قابل للحضور والغياب. ومأثرة الوهابية و"التصوف الفاعل" بهذا الصدد تقوم في استثارتهما الضمير الإسلامي في الثقافة. وهو السبب الذي يفسر سرّ بقائهما معلقين في فضاء الثقافة المجردة، أي أننا لا نعثر فيهما على تاريخ في تأسيس الفكرة، ولا تاريخ في الوجدان. وسبب ذلك يقوم أولا وقبل كل شيء في افتقاد العالم العربي آنذاك لتاريخه السياسي المستقل، مما حدد بدوره غياب الأفكار الاجتماعية السياسية المستقلة، والرؤية التاريخية المستقلة، والرؤية الإشكالية "للآفاق والأنفس"، أو المعاصرة والمستقبل.

وأدى كل من الطابع العملي المباشر للوهابية، وصيغته الوجدانية في "التصوف الفاعل" إلى ظهور إشكالية الأصل والعقل والحق والدولة، بوصفها إشكاليات المبادئ المجردة لا إشكاليات الوجود التاريخي العربي المعاصر. لهذا اندرجت عندهما مفاهيم وقضايا المعاصرة والمستقبل في استعادة "البداية الحقة" للماضي، ولعبت دور القوة المنحلّة في التاريخ والمخيلة. بمعنى سيادة التقليد والخيال في العلم والعمل، والرؤية والفعل. وهو تناقض يحتوي في أعماقه على احتمالات متعددة للتطور. إذ لا زيف في هذا التقليد والتخيل، وذلك لأنهما كانا عناصر "الرجوع إلى الماضي الحق"، والصيغة الوحيدة القادرة على ملئ الفراغ التاريخي بين بداية الماضي والحاضر، أي توهم واعتقاد انه لا ماض ولا فراغ، بل يوم جديد دائم، كما هو الحال عندا النائم حالما يستفيق. غير أن الصحوة تلزمه بالنظر إلى يومه الجديد على انه جزء من حياة لها ماضيها. وتعمّق هذا الإدراك في مجرى صيرورة الكيان العربي المعاصر وتنامي وعيه الذاتي، الذي شكلت تجربة الإصلاح المصري زمن محمد على باشا، نموذجها الأول والأكبر. حقيقة أن كل منهما لم يدرك معالم وجوهرية العربية الثقافية بالنسبة للحاضر والمستقبل. من هنا صدامهما الحاد واندثارهما اللاحق بفعل تنافر أولوياتهما. وليس مصادفة أن تتحول العربية (اللغة) إلى الدولة الوحيدة المستقلة بعد انحسار العربية في الجزيرة وانحسار تجربة محمد علي باشا النهضوية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد الجبار العبيديمن يتابع اصل كلمة أمرأة في المعاجم العربية، يجد ان كلمة مرأة خففت على اللفظ، فألحقوا ألف الاصل في المؤنث فقالوا أمرأة. واذا عرفوها قالوا المرأة وهي تأنيث لكلمة المرأ.. فالمرأة والمرأ واحد لا فرق بينهما لغوياً.، وقيل ان الأمرأة صدق الرجل . واذا تتبعنا الكلمة في المعاجم العربية نجد في نهاية الامر ان المرأة صنو الرجل، اي انسانة مساوية له في الخَلق والخِلقة، ولا فرق بينهما ابداً في الحقوق وكل الأحاديث النبوية التي وردت في تحجيم حقوق المرأة من الفقهاء والمحدثين مُنتحلة وليس لها من أصل... تحددها الآية 180 من سورة البقرة التي أعطت للرجل حق الوصية بحق المرأة اعترافا بحقوقها المتكاملة مع الرجل دون تفريق.يقول الحق: "كُتبَ عليكم اذا حضرَ احدُكم الموتُ ان تركَ خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين". هذا القانون هو المطبق في العالم المتحضر اليوم.. وليس في عالم الاسلام الذي يدعي الدين ..

كلمة المرأة وردت في القرآن في 24 موضعاً ومثلها الرجل، وذكرت مريم في القرآن 33 مرة صاحبها الاحترام والتبجيل في ولادة النبي عيسى بن مريم(ع). ولم يبجل الرجل مثلها .. وكانت العرب قبل الأسلام تخير المرأة في تسمية مولودها باسمها ام باسم ابيه ليس لان والده غير معروف كما يشاع خطئاً في المصادر الاسلامية التي سمت عصر قبل الاسلام بالعصر الجاهلي تجاوزا على الحقيقة وجعل كل ما جاء في الاسلام افضل مما سبقه وهنا نحتاج الى تحقيق.. وان المرأة كانت تتزوج أكثر من رجل .. ولها أحقيقة تبني المولود.. بل اعطى لها الحق في اختيار زوجها دون اكراه من احدٍ (جواد علي، المفصل). ومن يتابع تأويل الايات القرآنية التي جاءت بخصوص المرأة يلحظ ان القرآن الكريم اراد لها مكانة التكريم والتبجيل اكثر من الرجل، وخاصة في الزواج والطلاق والحقوق الوراثية وفي الكلالة والميثاق والقوامة والمهر واللباس والحقوق الاخرى، بدليل الاكثار في التأكيد على حقوقها قي القرآن الكريم دون الرجل، لمعرفة الخالق عزوجل بأنانية الرجل تجاه المرأة، لأرث عربي قديم.. وخاصة ً في المناطق الموغلة في البداوة .

ان المشكلة الاساسية في حقوق المرأة وقوانين الاحوال الشخصية في الاسلام هو تعدد أراء الفرق الاسلامية المختلفة في تفسير النص القرآني تفسيراً فقهياً لا يتفق وحاجة التطور الاجتماعي في المجتمعات الحضارية الاخرى.لذا فأن النص الديني بحاجة ماسة الى مراجعه وقراءة من جديد وفق القاعدة العلمية لـتآويل النص علمياً لا لتفسيره فقهياً، لأن الفقيه يختلف عن العالم.لا سيما وان الكثير من النصوص فسرت تفسيرأ أحادياً، كان جوهرها الاقصاء لكل جديد.

سنحاول ان نعرج على تلك الحقوق لنتبين ان ما ألصق بالمرأة من اتهامات واقوال غير صحيحة، وان ما اعطيت من مكانة ناقصة عن مكانة الرجل كانت أنانية ذكورية مؤيدة من الفقهاء الذين خدموا السلطة وأوغلوا في الجنس .. وليس كما قال فيها القرآن الكريم: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداءفأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ًوأولئك هم الفاسقون، النور4). وهي الآية التي جرى النقاش حولها في نظرية القياس بين الأمامين جعفر الصادق"ع" الذي يرفض القياس وأبي حنيفة النعمان "رض" المؤيد له.. وهذه الآية الكريمة خاصة بالتلبس في الزنا، ويكاد القرآن الكريم يعطي المستحيل في أثبات هذه الواقعة المخالفة للقيم، لأن ممارسة الجنس لا يمكن ان تكون في العلن، بينما نلاحظ ان المرأة تهان او تجبرعلى الزواج دون رغبتها وهي قاصرة أو الأعتداء عليها كما في داعش الأجرام الذي يرفع شعار لا اله الا الله محمد رسول الله.. وحركة الفتوحات الاسلامية اللامبررة شرعا وقانوناً والتي استغلت الأية الكريمة "وما ملكت ايمانهم"فجعلوها سلعة جنسٍ لهم والعادات العربية والاسلامية المتخلفة اليوم.، وحتى قتلها احيانا كثيرة على التهمة دون تحقيق تطبيقا للعادات المورثة البالية بحجة الزنا، ناهيك عن الزواج المكره "كصة بكصة"وهذا ما نراه اليوم من مآسٍ اجتماعية كثيرة يصعب على الدولة حلها الا بتطبيق القانون دون تفريق ..ولكن اين نجد تطبيق القانون ودولة الاسلام منذ ان نشأت ابتعدت عن دولة القانون الا بالنص دون تطبيق .. ولا زالت الى اليوم..

خذ تعدد الزوجات في النص القرآني:

ولنبدأ بالمرأة وحقوقها الانسانية في تعدد الزوجات التي زيفها الرجل لصالحه وثبتت في قوانين الاحوال الشخصية الاسلامية تجاوزا على النص الديني .

يقول الحق: (وان خفتم ان لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فأن خفتم ان لا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى ان لا تعولوا، النساء 3).هذه الاية الكريمة جاءت آية حدودية اي تطبيقها ظرفي.. وليس واجباً ألزامياً.. لتغطي الحد الاعلى والادنى قي الكم والكيف، فالادنى الزوجة الواحدة والاعلى هو الاربعة في الكم.اما في الكيف فقد اشترطت الاية الزواج من امهات اليتامى والاطفال الذين لامعيل لهم في زمن اللا قانون، وليس الكيف من الأبكار للاستمتاع والرغبة الجنسية كما يعتقد البعض، وهم عن انسانية المرأة بعيدين.

وهو آمر آلهي ملزم لا يجوز اختراقة تحت اية ذريعة.وحددت الاية الكريمة ان الزواج لا يتم الا على القدر والاستطاعة، قاعدة قانونية في غالبية النظم الحضارية اليوم.. الا عند المسلمين الذين لا يراعون تطبيق النص. فان لم يتمكن الرجل من الاعالة كما في النص القرآني( ان لا تعولوا) أي اذا لم تستطيعوا أعالتهم فواحدة، وهي اقصى الحالات الانسانية في احترام المرأة من العوز والحاجة في وقت كانت المرأة لا تعمل.. اما اليوم فالحالة الظرفية قد أختفت او تكاد في مجتمع اصبح للمرأة مثل الرجل في حق العمل والحياة.. اما التعدد فيحصل في حالة المرض وعدم الانجاب، وهذا مجاز في غالبية الديانات السماوية والوضعية قانونا. "اما وما ملكت ايمانكم بدون عقد احصان فهو زنا معترف به خطئاً.. بحاجة الى تحقيق.. ".وهذا خطأ قانوني وأخلاقي أرتكب في الفتوحات الاسلامية اللامبررة تجاه الشعوب الاخرى.. فالاسلام لا ينص في اعتقاده على الجبرية.. "لكم دينكم ولي دين" مصطلح بحاجة الى تحقيق شامل وعام للخروج من النصية الضيقة..

الاسلام كالديانات الأخرى لم يمنع من التعددية الزوجية في حالات الضرورة، كالمرض او العجز او عدم الانجاب بعد التأكد من الحالة المرضية. لأن الزواج المتعدد في الاصل من اجل الايتام ورعايتهم خوفا عليهم من التسيب والضياع كما في قوله تعالى: (وان يتفرقا يُغنِ اللهُ كُلاً من سعتهِ، النساء، 130) .هنا يضع القرآن الكريم حالة الاحترام والتقدير للمرأة، لا كما يدعي اصحاب نظرية ذكورية الرجل المتفوقة اليوم خارج النص الديني.انها اوهام ألصقها فقهاء السلطة بعقولنا بحاجة الى تعديل قانوني كما في الدول المتحضرة التي تحترم انسانية الانسان دون تفريق.. أما وما ملكت ايمانكم فذاك نص ورد دون "عقد احصان.. " وانا اعتقد انه ليس نصا قرآنياً بل مدسوسا عند التدوين وحصل عند الحروب نتيجة لفوضى الاسر من النساء دون ضوابط .. من المدونيين الذين غلبت عليهم ذكورية الرجل ضد المرأة.. حين حرقوا حتى الاصول بعد التدوين.

ان الامور المختلف عليها بين الرجل والمرأة وضرورة تطبيق القانون.. هذه الامور لا يمكن اصلاحها الا بأخراج حقوق المرأة من المحاكم الشرعية وتحويلها للقانون المدني الصرف.

الصداق(المهر): مثلا..؟

فهو الاخر ابتدعوا له ما لم يأتِ به النص القرآني، معتمدين على أراء الفقهاء الاجتهادية القديمة الميتة دون تدقيق او مراجعة.

لقد جاء في الاية الكريمة في قوله تعالى(وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً فأن طبن لكم عن شيء منه نفسا ًفكلوه هنيئاً مريئاً-النساء 4).هنا يحدد القرآن الكريم بأن المهر نحلة اي هدية يقدمها الزوج للزوجة دون التزام من المرأة تجاه الرجل بها، والهدية عرفاً وقانونا لا تُرجَع، لذا فهو ليس بيع وشراء كما يفهمه البعض وفق العادات والتقاليد البالية التي وضعها بعض الفقهاء المنتفعين منها، ولانهم، يهملون الكلمة واصلها وتصريفها في المعاجم اللغوية، يلجأون الى العادة والتقليد وهذا مخالف للشرع الاسلامي والقانون الانساني .

ان حدود الله في الزواج تتركز في الايجاب والقبول وعدم فرض الرأي الواحد على الاخر، والاشهار مكتوب بشاهدين والهدية بدون مقابل.اي دَين يعطي للمرأة ما اعطاها الدين، لكن الفقهاء قد اهملوا هذا الحق بوجود تخريجات المهر الغائب والحاضر وليس لهما في النص الديني من أصل.، ومن يعترض فليأتينا بنص شرعي ثبت.

وبما ان الاية الكريمة حدية "غير الزامية" وليست حدودية فهي المفضلة على ايات الارث (وللذكر مثل حق الانثيين.) اما ما اصرَ عليه الفقهاء بحديث مقطوع أملته بعض الظروف التاريخية لاهل المغازي ان(لا وصية لوارث)، والذين لا زالوا يلزمون النساء به حسب ادعائهم وادخل كقانون في حقوق المرأة هذا غير جائز لعدم ورد النص فيه.- والمرأة كما نعلم هي الام والزوجة والاخت - كل منهن لها تفصيل في الحقوق لايجوز اختراقه ابدا، ولكن بعد الوصية المقررة اجباريا في الارث، فهو حديث يتناقض مع الاية الكريمة تماما. والقرآن يعلو على الحديث الثبت، ولا يمكن للرسول الكريم (ص) ان يخترق الاية القرآنية ابداَ، وبالتالي فالاثنان متساويان في الحقوق الارثية حسب نص آية الوصية ورأ ي المورث، يقول الحق: يا أيها الذين أمنوا لا يحلُ لكم ان ترثوا النساءَ كرهاً ولا تعضُلُوهُنَ لتذهبوا ببعض ما اتيتموهن الا ان يأتينَ بفاحشةٍ مبينةٍ (اي ثبت) وعاشروهن بالمعروف فأن كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله ُفيه خيراً كثيرا.. الاية 19سورة النساء) ليتبين لكم الحق او قل ذلك مرهون بوصية المتوفى.

الايات القرأنية واضحة وصريحة لا لبس فيها بخصوص المرأة وحقوقها الشرعية والانسانية مع الرجل في الارث، وهذه كلها احكام عُتمَ عليها من اجل تقديم مصلحة الرجُل على المرأة استجابة للتقاليد البالية المتعارف عليها في المجتمعات العربية والاسلامية.والتي ظلت متوارثة تتناقلها الاجيال من جيل الى جيل خطئاً، متناسين أنها ما هي الا قواعد وقوانين ربانية لا يراد لها ان تُخرق.. من هنا كان توقف التغيير في أمة الاسلام.. لصالح الأفضل.. ؟

الميثاق والقوامة:

والمقصود بالميثاق هو العهد الذي يكتب بين الزوجين لتنظيم عملية تكوين الاسرة الواحدة من الرجل والمرأة، ثم الاولاد بعد ذلك، بدلالة الاية الكريمة لقوله تعالى: (وان أردتم أستبدال زوجٍ مكان زوج وأتيتم أحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وأثما مبينا، ألنساء 20).. وأية اخرى تقول: وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم الى بعضٍ واخذن منكم ميثاقا غليظا، النساء 21).هنا يطبق الميثاق في حالة الاستبدال بشروط اخرى ليست هي الكيف وانما الضرورة القانونية والشرعية، كما جاء في اية (3) من سورة النساء، فنقض الميثاق بين الزوجين امر في غاية الخطورة وعلى الاثنين الايفاء به شرعاً وقانوناً، (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق.. ويخافون سوء الحساب، الرعد 20، 21). فالميثاق عهد مشترك بين الرجل والمرأة، شرعي ملزم، فلا طلاق بغضب، ولا طلاق بالثلاث، فلا اصل لهما في النص القرآني، وهي مستحدثات فقهية طارئه على النص الديني، وهذا مرفوض في النص حين وضع للطلاق شروطا قاسية رافقتها فترة زمنية واسعة غير محددة، لعل كل من الزوج والزوجة يعودا الى رشدهما ويتصالحا، أضافة الى ماورد في ضرورة وجود الحكَمَ العائلي من الزوج والزوجة لعلهم يقومون بمهمة الاصلاح وعدم التفريق بينهما، كما في قوله تعالى: (وان خفتم شقاقَ بينهما فأبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها يُريدا أصلاحاً يوفق الله بينهما ان الله كان عليماً خبيرا، النساء 35). فأين الفقه الشرعي من حكم الله .. ؟

في القوامة:

فقد جاءت بموجب الاية الكريمة (الرجال قوامون على النساءبما فضل الله بعضهم على بعض، النساء 34).القوامة في الاية لا يقصد فيها جنس الرجال على النساء وانما يقصد بها القوامة بالقدرات المختلفة بين الاثنين عدلاً وقانونأ، انظر كلمة (قوامة) في لسان العرب، حين تعني العدل، وكلمة بعضهم تعني الجزء وليس الكل، ففي قول الحق: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا، الاسراء 21). هنا الاية تنفي التفضيل بالخلق وتبقي الافضلية بحسن الادارة والحكمة والثقافة والوعي، فالقوامة لا تنحصر بالزوج والزوجة بل بالاسرة كلها التي تقوم على التعاون والمحبة والرحمة والمودة، ولا علاقة لها بالتمييز الانساني بين الرجل والمرأة كما يدعي المفسرون مطلقاً.والتي جعلوا منها قانونا ظالما لحقوق المرأة في الاسلام.واليوم وقد سادت الثقافة بين الاثنين فلا بد من معالجة الامر بروح العصر الحديث ضمانا لحقوقهما معاً.. والقضاء مسئولا امام الله في التنفيذ.ولكن اي قضاء نملك اليوم في عالم الاسلام والرجل له سلطة التنفيذ..

في النشوز:

فكلمة النشوز تعني الكراهية بين الزوجين، قال تعالى: (واللاتِ تخافون نشوزهن) والنشوز هنا يعني استعصاؤها على زوجها لسبب من الاسباب، او نشز هوعليها نشوزا ًكذلك، لذا قال الحق: (وان أمرأة خافت من بعلها نشوزاً أو أعراضاً).وقيل في الحديث النشوز هو الكراهية بين الزوجين لاسباب معينة.

هنا يأتي دور الوعظ اي النصيحة والمصالحة لذات البين(فعظوهن) واذا لم يتعضن فاضربوهن على ايديهن اي اسحبوا منهن القوامة، لا تطليقهن على الفاضي والمليان أو اضربوهن بالعصا كما يحلو للرجل المتغطرس ان يتصور، لان العصمة بيدة، وكما نرى ان المرأة بمجرد الخلاف مع زوجها تفاجأ بورقة الطلاق من الباب يحملها مراسل المحكمة، وكأن الرجل لم يطلق زوجته وأنما يطلق نعجة في بيته بلا حقوق.هنا يجب ان تستبدل نظرية العصمة بنظرية الاستقامة كما جاء في آية التطهير)الاحزاب 33)، ولان اليد هي وسيلة السحب لا الضرب، لانها مشتركة بين الاثنين، والضرب في الآية الكريمة لا يعني العنف ابدا، بل يعني سحب القوامة من أيديهن (أنظر لسان العرب، كلمة ضربَ التي تعني السحب)، ويجب علينا وعلى المشرعين نزع فكرة الضرب بالعنف لاحلال التفاهم والمجادلة للوصول الى افضل الحلول .

ان سيادة نظرية الضرب بالعنف معناه سيادة نظرية التخلف عند المسلمين، وهذا ما يُعاب علينا به عند المتحضرين من الشعوب الاخرى اليوم، يقول الحق (... واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع وأضربوهن، فأن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ان الله كان علياً كبيرا، النساء 34).والاية الكريمة واضحة تماما حين تقول(فلا تبغوا عليهن سبيلا)، اي لا تدعوا فرصة ايجابية الا وأغتنمتموها من اجل الوفاق والعيش الكريم، والاية الكريمة لاتفسر الا لصالح الانسان الذي اعزه الله وجعله في موقع التكريم(وكرمنا بني آدم) فهل اجازه على النساء الاخريات من الحرائر، تقييم فقهي ميت بحاجة الى مراجعة، وحديث الرسول حديث ثبت قابل لقناعة المنطق.

في الحجاب واللباس

كلمتان مترادفتان في العِرف الفقهي، والقرآن الكريم خالٍ من الترادف، وقد وردت كلمة الحجاب سبع مرات في القرآن الكريم، وكلها تشير الى معنى الستر، اما اللباس فقد وردت هي الاخرى سبع مرات في القرآن، لكن اللباس غير الحجاب .الحجاب هو الستر او الحاجز كما في قوله تعالى (ومن بيننا وبينك حجاب، فصلت 5) .هنا يتبين لنا ان الحجاب غير اللباس لقوله تعالى (يا بني آدم قد نزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ولباس التقوى، الاعراف 26) ولم تنزل كلمة اللباس الا في الصالحين ابتداءً بآدم ابي الانسنة.لذا فالحجاب ليس هو المقصود به اليوم والذي فرض على المرأة فرضا بلا قناعة شرعية، بعد ان ألتبس الامر على الفقهاء المشرعين بين كلمتي الحجاب واللباس، فراحوا يخلطون بين الاثنين دون تمييز. لكن هذا لا يعني ان للمرأة حق الخلاعة والتعري بل لبسُ مقبول ومعقول حسب قناعة وشخصية المرأة وظروف العمل والموقع الاجتماعي وأعراف المجتمع دون تزمت.اما القناع فلا ذكر شرعي له، لا في القرآن ولا في كتب الحديث، أنه أبتكار رجعي متخلف من فقهاء التزمت والتشدد وأصحاب ذكورية الرجل.

علينا ان نعرف ان اللباس غير الثوب، والسوءة غير العورة، والبعل غير الزوج، والخلود غير الدوام.كلها فسرت خطئاً وفق نظرية الترادف في اللغة التي حشرها الفقهاء حشراً في القرآن لعدم مقدرتهم من تأويلها علمياً، فلم يعد بامكانهم التراجع عن الخطأ، لاسباب نفسية وشخصية عديدة، وهاهي امامنا نظريات العلامة ابي علي الفارسي اللغوية وابن جني في الخصائص والجرجاني في دلائل الاعجازوكلها نظريات ترفض الترادف اللغوي في القرآن الكريم.فهل يحق لنا أتباع ما جاؤا به من أخطاء لنعتبره قوانين ألزامية .. وهناك امورا اخرى كثيرة بحاجة للمراجعة من قبل علماء النفس والاجتماع والتاريخ واللغة لاعادة الامور الى نصابها بعد ان عُتم على حق المرأة في المساواة بينها وبين الرجل. فاختلقوا لها الاحاديث والاقوال المدسوسة كما قالوا في المرأة(لايقطع الصلاة الا المرأة والحمار والكلب، مسلم والبخاري) وقالوا: (مااجتمع رجل وأمرأة الا وكان الشيطان بينهما) وهي كلها احاديث منقطعة لا صلة لها بالرسول الكريم (ص) الذي أعز الانسان كل الانسان دون تفريق.. وهو الذي كان يجتمع بالنساء في توجيه الدعوة في أيامها الاولى.. وسمية هي اول شهيدة الدعوة.

واليوم على علماء الاجتماع والشريعة ان يتجهوا لوضع قانون جديد للاحوال الشخصية يتناغم وحقوق المرأة الانسانية التي حصلت عليها في الدول المتقدمة، لا ان تُحجم المرأة ويُفرض عليها قانون الغاب من قبلَ الاخرين، وخاصة في المناطق البعيدة عن اشراف سلطة الدولة المركزية في الوطن العربي والاسلامي، بدون وجه حق شرعي.

ورغم البحوث العديدة والمتعددة التي كتبت في المرأة لكننا الى الان لم نقرأ بحثا جريئا علمياً حياديا منصفاً للمرأة منطلقاً من الفلسفة الجدلية بين الاستقامة والحنيفية والفطرة الانسانية، وحدود الله هي العمود الفقري لهذا المنطلق. وذلك لعدم وجود نظرية اسلامية مصاغة صياغة حديثة معاصرة ومستنبطة حصرا من القرأن الكريم، سوى ما افرزه الفقه من أراء المذاهب المختلفة وما هي الا اجتهادات شخصية بحاجة الى مراجعة عصرية محايدة بعد ان مضى عليها اكثر من الف سنة دون تغيير، مما ادى الى التفكك الفكري والتعصب المذهبي واللجوء الى مواقف فكرية تراثية عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة اليوم تماشيا مع التطور الفكري والحضاري للشعوب ولم يكن لها في ديننا القويم من أصل.

انا واثق كل الثقة لو ان التفاصيل الدينية للاسلام طبقت بحسب ما جاءت في القرآن وعلى عهد الرسول(ص) ودستور المدينة لامة الاسلام، لاصبح اليوم حتى الظالم مسلما، ولهرول الناس خلف الاسلام بلا حدود، لما يعانون هم من عاداتهم ودياناتهم من ضياع لا تعرف له من حدود، لما في الدين الاسلامي من تسامح ومثل وقيم خلت عنها المبادىء الدينية والتشريعية الاخرى الي دمرها التفسير الفقهي دون سند.. فأصبحنا في أخر الشعوب.

صحيح ان بداية ظهور الدعوة لم يتح للمراة الاختلاط مع الرجل والعمل في المؤسسات السياسية والاجتماعية لضيق الافق في تلك المؤسسات في ذلك الوقت، لكن الرسول(ص) منحها هذا الحق باشراكها في بيعة العقبة الاولى والثانية ودخلت مناقشة فيها ونافحت بعد ذلك عن الاسلام، فكانت سمية اول شهيدة في الاسلام بعد الدعوة. لا كما ارادوها للمتعة والخدمة، حين قالوا( انها فتنة الرجل) وعليها ان تتحجب وتختفي في البيوت وكأنها قطعة اثاث قديمة لا ينظر اليها الا عند الحاجة، فاذا كانت كذلك فما تفسيرهم لحور العين يوم لا يحتاج الرجل لخدمتها في الجنة حين تكون (قطوفها دانية).

لقد اكد القرآن الكريم ان المرأة والرجل صنوان لا يختلفان ففي المستوى الاول بشري فيزيولوجي والثاني انساني عاقل .ففي الاول الخلق المادي الفيزيولوجي كما في الاية(، انه خلق الزوجين الذكر والانثى النجم 45)حين دمج الرجل بالمرأة مع كل المخلوقات العاقلة وغير العاقلة لان الكل تشترك في هذا التركيب، الجنس والولادة والارضاع وتربية النشأ كما في البهائم ايضا، ويقول الحق: (من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون، الذاريات 49).والثاني هو الانساني ضمن العقلانية المتميزة فيما بين المخلوقات، (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم.، الحجرات 13). اي اقربكم للتقوى. ومن قال ان الرجل هو اقرب للتقوى من المرأة؟ سؤال مهم بحاجة الى جواب من فقهاء الدين ؟

كل خطابات القرآن تدعوا للمساواة بين الرجل والمرأة ولا تفريق بينهما، لان اسس الحياة في القرآن قائمة على أساس الكرامة الانسانية التي ضربت عند بعض الفقهاء حتى اصبحنا ندرك من جراء ارائهم، ان للمرأة وضعان في الاسلام، الاول ايجابي في القرآن الكريم والثاني سلبي عند الفقهاء.فيا ليت شعري لاادري من اين جاء هؤلاء بأفضلية الرجل على المرأة.هل لدينا قرآنيين كما يتهم البعض ممن ينتمون لأهل البيت (ع) اليوم ظلماً وعدواناً بوجود قرآنيين لهم، وهو قرآن الله وقرآن فاطمة الزهراء(ع) وهو أفتراء عليهم من القرضاوي وغيره من شيوخ تجارة الدين تجاوز كل الحدود المسموحة عرفا وقانوناً.

ونحن في العراق انتبه الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الى هذه الناحية في التفريق بين حقوق الرجل والمرأة، فألغى قانون الاحوال الشخصية القديم واستبدله بقانون اخر جديد بعد ان ركن الى اراء الفقهاء المتنورين المُحدثين في التفسير والشريعة، فانصف به المرأة وساواها بالحقوق الشخصية مع الرجل وحسناً فعل دون ان يلتفت الى اقاويل الفقهاء السابقين في تفسير النص الديني، لا حبا فيها ولكن حبا بالعدالة والانصاف الشرعي وما كانت تعانيه المرأة من ظلم اجتماعي في عهده، والقانون العراقي انصفها وساواها بالرجل منذ عهد البابليين، أنظر قانون حمورابي في باب المرأة).

نحن ندعوا الحكومة العراقية الحالية الى اعادة القانون القاسمي المنصف وان لا يسيروا وراء الذين لاهم لهم الا اضعاف حق المرأة بأرائهم التي لا تستند الى رأي قانوني شرعي يتفق وحقوق المرأة والتي جعلوها سلعة في باب المتعة والمسيار وتجاوزوا على الميتة منها بمفهوم "الوداع الأخير"، لذا نطالب بأعادة حق المرأة العراقية الى ما كان عليه في عهد الزعيم الراحل في الميراث والقوامة واللباس والعمل السياسي والاداري والقضائي، لنرضي الله والضمير والانسان، وننصف كل امراة اعتدي عليها اليوم ونعاقب كل المعتدين من التراثيين المتخلفين .. ولكن مع الاسف ان الظروف الصعبة التي نعاني منها اليوم تحول دون الحقوق .. لقد ضيع البعض حقوق المرأة العراقية واجبروها على الحجاب، فالزموها الحجاب المتزمت، ان لم نقل النقاب المتكامل، وهو لباس غريب عليها، لم تعهده من قبل ابدا، ولم يترك لها حرية الاختيارفي الجامعة والكلية والمؤسسة، حتى وصل بالبعض تجاوزا الى قتلها ان لم تنصاع لما هم فيه يعتقدون، حتى جعلوها سجينة دارها بعد ان نفذوا جرائمهم المخزية فيها في الشارع وصالونات التجميل وحتى معاهد العلم الاكاديمية، مستغلين الظروف الامنية القاهرة في الوطن العزيز وتراخي الامن العام تجاهها، مما اضطرها لهجرةٍ لا تعرف لها من سبيل .

أننا نلمس اليوم حركة فقهية وشعبية متقدمة وجادة لتصحيح المسار الخاطىءبحق المرأة، بعد ان ادرك الجميع خطأ ما كانوا به يعملون،، فلا بقاء لنسائنا في بلاد الغربة، تلك البلدان التي كانت تتحسر علينا نعمة ورفاهاً، وهي الان ترتع بأموالنا بدون مسوغ بعد ان باعوا الوطن للمتحزبين وسرقوا امواله، وقتلوا المخلصين وغيرهم من قبل الظالمين الذي لا يؤمنون بانسانية الانسان .والذي نرجوه ان يُقطع دابر المعتدين.

ان الدولة مسئولة مسئولية قانونية عن هذا الخرق المتعمد وقتل المرأة بالباطل، والقرآن الكريم يقول"من قتل نفساً بغير نفسٍ او فسادٍ في الارض كأنما قتل الناس جميعاً"، وان لا يهمل المعتدون .فانتبهوا يا عراقيون أنكم أخوة قبل أن تكون خصماء بعضكم لبعض كما يريدكم العدو الكبير، شعباً ومسئولين، فالكل متشمت بكم اليوم، فوالله لا شيعي ولا سني ولاكردي ولا عربي ولا تركماني ولامسيحي بل الكل أخوة من عراق العراقيين وكلكم مسلمون (الآية 35 من سورة الاحزاب )، انها كلها من مخترعات المعادين والطامعين بالمال والوطن والكرسي اللعين، دون وجه حق من اجل استنزافكم وتحطيم بلدكم الذي انتم به تسعدون.والدليل، ما كنا عليه سابقا من اخوة لا تفصلنا فجوة ولا تباعدنا فرقة، وتاريخنا العراقي يشهد على ذلك.. منذ عهد السومريين والبابليين.

نحن الان بحاجة للتكاتف والتعاضد، لا للتباعد والتفرق، وعلى الدولة مساعدة المهاجرين والمهجرين وتنظيم دوائر الهجرة والمهجرين واعدة المغيبين للعود لنسائهم المحرومات بدون وجهحق من الظالمين .. التي لازالت دون الطموح ويشكوا منها الكثير، ولو ذهبت بنفسك الى الوزارة لأعتراك العجب من الفوضى والمحسوبية والمنسوبية هناك، وكأنك ليس في وزارة وأنما في ساحة الفوضى الخلاقة، أهذا هو التغيير؟أذن لا بد من التغيير الحقيقي القانوني المنصف، علنا ان نحظى بما حظي به الاخرون. ولا نبقيها في فوضى الراغبين، لتكون عونا للعائدين، فعراقنا حر ووطنا حر وهو ملك الجميع مواطنين وحاكمين.

ويجب ان نكون جميعا وبلا تمييز سعداء امناً ورفاهية، لا احد يخترق حقوقنا الا القانون على من اساء وأظلم، لذا نطالب بتطبيق القانون، وأحترام الشخصية العراقية للمرأة خوفا من الانكسار، والوطن العراقي خوفاً من التشتت والتبعثركما نحن اليوم، هذه الفوضى التي اضرت بنا اجتماعياً وسياسياً ولا زالت تخطط لقادم الايام، وأنظروا ما فعلت الدول المتقدمة العظمى، والتي أصبحت المرأة مصانة من العوز بالمطلق.. والا سنخسر كل شيء. للمرأة حقها وحقوقها كانسان مشارك وتطبيق حد العقوبة على كل من يخترق القانون بحقها.. بعد ان تقدمت كل الشعوب الا امة العرب.. ؟

نرجومن منظمات المجتمع المدني ان تحيا من جديد لتكون جادة بعملها تؤدي واجبها الذي من أجله جاءت، وان تمنع اصدار القانون الجديد الظالم للأحوال الشخصية من قبل رجال الدين اعداء المرأة، وان نُحقق مانُريد من مساواة بينها وبين الرجل، ونرجو ان تتحول خطب كل المسئولين الى واقع قانوني ملزم التنفيذ عن طريق لجان للمتابعة من المتخصصين المحاييدين، وغداً ستفرح المرأة من كل من لايغفل حقها ولم يتهاون فيه، وحتى نقول جميعاً وبقناعة دوماً (المرأة هي الانسان).فهل ستتحق حرية المرأة وحقوقها الشرعية وضمانتها في الحياة مع أطفالها أو بدونهم مثلما تحققت الآن في آوربا وأمريكا، وهل سيعي الرجل المسئولية امام القانون ان هو أعتدى على حرية المرأة وحقها، أم ستبقى حقوقها مدفونة في المحاكم الشرعية يطاردها المحامون لاستغلال المرأة اكثر من التحايل على القانون؟ أم تبقى ضمن نظرية أحلام العصافير التي ينادي بها اللامنصفون؟ فهل من مجيب؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

ميثم الجنابيلقد كانت الأبعاد الجديدة التي ادخلها سلمان الفارسي في فلك الثقافة الإسلامية الناشئة وشخصية المثقف، على قدر ما فيه من اندفاعه نموذجية في تجسيد "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة في الأقوال والأفعال والمواقف ومن ثم في الآثار والمآثر.

فقد تبلورت شخصيته في مجرى معاناة البحث عن الحقيقة1. بل يمكننا القول، بأن سلمان الفارسي كان اقرب إلى الشهاب الضائع قبل أن يرتطم بصخور الجزيرة العربية. وهو ارتطام صقل موقفه النهائي بوصفه اختبارا لما بعد الموت. وعادة ما يميز هذا الاختبار أولئك الذين تصبح مهمة البحث عن الأنا غاية الوجود الكبرى. فهو الشرط الضروري والفردي للمثقف الحقيقي، لأنه أسلوب البحث عن الحقيقة. وحالما يصبح البحث عن الحقيقة مصدر البحث عن الأنا، ويصبح البحث عن الأنا أسلوب البحث عن الحقيقة، حينذاك تتكامل الشخصية بوصفها تراكما طبيعيا ومتجانسا. عندها يجري بلوغ الذروة التي تصنع وهج الإبداع وإغراء التأويل اللاحق في مخيلة الأجيال وعقولها. غير أن بلوغ الذروة، الذي يجعل المرء محط الرحال وميدان الجدال ولغز الوجود وبيان العقل والضمير، ليس إلا الوجه الآخر لما فيه من محطات وميادين وألغاز وبيان.

وقد جسّد سلمان الفارسي هذه الحالة في محاولاته المضنية قبل اعتناق الإسلام. فقد كان إسلامه من حيث الجوهر إسلاما لفكرة الحق والحقيقة بوصفها تعطشا ذاتيا. من هنا قوله عن تاريخه الشخصي قبل اعتناقه الإسلام:"قد تداولني بضعة عشر من رب إلى رب". بعبارة أخرى، لقد مر سلمان الفارسي بأرباب وآلهة كثيرة ومتنوعة قبل أن يصل إلى يقينه الذاتي الخاص. وقدم بذلك إحدى الصور الجليلة عن أن معاناة المثقف الأصيل تقوم في البحث عن يقين من خلال الشك الدائم. فقد جرّب سلمان الفارسي مختلف الأديان والأشخاص. وتروي كتب التاريخ والسير عن سلوكه هذا صور متنوعة الإسناد لكنها تصب جميعا في البرهنة على أن الإسلام هو غايته النهائية. وقد تبدو هذه النتيجة سهلة بعبارة اللغة الهادئة في تعبيرها عن تاريخ منصرم، لكنه هدوء اقرب إلى ذاكرة دامية في الصور والمعاني. بمعنى تحرّقها بذاتها. وليس لها من صدى غير الندى المتراكم في دفئ التيار العارم على صفائح القلب الهائج، أو البرد القارص على واجهة الذاكرة وتأملها المثير في قضم الروح وتلوع الجسد. وهي الحالة التي جسّدها سلمان الفارسي في صيرورته وكينونته.

فقد كانت صيرورته مثالا لتكامل الروح المتسامي والحكمة العملية، وجد صورته ومعناه في سبيكة الوحدة الكونية للمثقف الإسلامي الجديد. فقد كانت أصوله الفارسية وتناسخها العربي بمعايير الرؤية الكونية للإسلام، السرّ القابع وراء جوهرية الظاهر والباطن في سلوكه الشخصي ومواقفه العملية وتحقيقه للقيم. وهو تناسخ فردي وروحي بقدر واحد، يتطابق من حيث الجوهر مع مضمون الفكرة الإسلامية الفعالة بمعايير الجماعة والأمة المتسامية. كما أنه السبب الذي جعله يصبح من "آل البيت". فعندما ظهرت مشكلة أصول الأفراد وبقي سلمان الفارسي بلا "أصل وفصل"، فإنه تحول بلحظة خاطفة إلى كيان فوق الجميع عندما قال محمد:"سلمان منا آل البيت". ويستمد هذا الكيان الجديد أصوله من شخصيته المتراكمة بمعاير الرؤية الكونية والبحث الشكاك من أجل بلوغ اليقين الروحي. كما انه كينونة جديدة لأنها تطابقت مع مضمون الفكرة الإسلامية الأولى عن التوحيد المجرد، أي الوحدة الجامعة للبشر بغض النظر عن الأصل والفصل وما شابه ذلك من مفاهيم وقيم جزئية وضيقة. ووجد ذلك تعبيره الخالص في الفكرة الإسلامية القائلة، بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، بوصفها الفكرة الجوهرية في معنى الجماعة والأمة التي مّثل سلمان الفارسي صورتها.

جّسد سلمان الفارسي في صيرورته الفردية نموذج الوحدة الحية للقومي والعالمي، للتاريخي والمطلق كما نراه في بحثه الدءوب عن "رب" يعبده ويربيه. وقد جرى تتويج هذا البحث برؤية مثاله الواقعي في شخصية محمد. إذ وصل في نهاية المطاف إلى أن من يبحث عنه هو الشخص الذي يدعوه قومه بالساحر والمجنون! ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإنها تشير في رمزيتها إلى الأبعاد الفعلية في شخصيته بوصفها صيرورة الخروج على المألوف ولكن بمعايير القيم الأخلاقية الرفيعة. فالمجدد الكبير هو على الدوام "مجنون" بنظر قومه. ومن ثم لم تكن رحلة البحث عن المجنون سوى رحلة البحث عن النفس لكي تصبح ذاتا. وتفترض هذه العملية على الدوما المرور بدهاليز الجنون الفعلي للأقوام والأمم المتبلدة بالتقليد والخنوع لأصنامها. وحالما أصبح سلمان الفارسي "من آل البيت"، فإنه يكون قد ارتقى بمعايير التاريخ الواقعي والروحي إلى مصاف الأنا المتكاملة بشروط إرادتها الذاتية. من هنا إجابة الإمام علي بن أبي طالب مرة عندما سألوه رأيه بسلمان الفارسي بعبارة:"من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت. أدرك العلم الأول والعلم الآخر. وقرأ الكتاب الأول والآخر. بحر لا ينزف!". ولا تعني رمزية منّا وإلينا، وإدراك العلم الأزلي، والقراءة الأبدية، سوى الروافد المتكاملة في ذاته التي جعلت منه بحر لا ينفد، أي عالم هائل يحتوي على مكونات الوجود الحية. وعندما ننقل هذه الصورة البلاغية إلى عالم التاريخ الواقعي، فإن مضمونها الفعلي يقوم في أن تكامله الفردي بوصفه صيرورة الإرادة الخاصة في طلب الحق يساوي بحر الرغبة الأبدية في توحيد الظاهر والباطن. وهو توحيد يوّحد كل شيء بدأ من "رب الأرباب" وانتهاء بالمواقف من صغائر الأمور، لأنه لا صغيرة في الكون وكبيرة إلا ولها صورة ومعنى في العقل، وصدى وندى في الضمير. ووجدت هذه الفكرة صورتها وصداها في عبارته القائلة:"لكل امرئ جواني وبراني. فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه. ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه".

إن هذا التماسك الضروري بين الجواني والبراني، أو الباطن والظاهر ليس إلا الوحدة التي حكمت إحساسه وعقله في مواجهة الحياة وإشكالاتها. تماما بالقدر الذي شكلت معيار الحكم على النفس وسلوكها ومواقفها تجاه قضايا الروح والجسد. وليس مصادفة ألا يختلف سلوكه الجواني (الباطني) باختلاف موقعه الاجتماعي والسياسي. وذلك لما فيه من اعتدل ظاهري وباطني، بوصفه الأكثر استقرار في الدفاع عن فكرة الحق والعدالة والعيش بمعاييرها. فعندما شاهد "غلو" أبي الدرداء في الزهد والتقشف على نفسه نراه يقول له:"إن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا! أعط كل ذي حق حقه، صم، وافطر، وقم، ونم، وائت أهلك". وضمن هذا السياق ينبغي فهم فكرته التي قالها مرة لحذيفة بن اليمان:"إن العلم كثير والعمر قصير. فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه". ولا يعني ذلك الوقوف عند شيء، لأن كل تاريخه وكينونته حركة لا تتوقف ولا تتناهى عند حد باستثناء ما يمكن دعوته بحدود الحقيقة، أي العيش والعمل والتفكر بمعاييرها ومقاييسها. وهو عين الاعتدال المتسامي الذي ميز سلوكه الفردي والاجتماعي. فعندما صلى أمامه احد الأشخاص أربع ركعات وهم في سفر، قال له:"ما لنا وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج". وهي "رخصة" مبنية على فكرة الاعتدال بوصفها الصيغة الأكثر تجريدا وسموا لصيرورته الروحية والعقلية. لهذا نراه على سبيل المثال يحدد ماهية الإسلام بمقاييس الروح الأخلاقي وليس بعبارات العقائد الجاهزة. فعندما سألوه مرة عن معنى الإسلام أجاب:"إن الله إذا أراد بإنسان شرا أو هلكة نزع منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا. فإذا كان مقيتا ممقتا نزعت منه الرحمة فلم تلقه إلا فظا غليظا. فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا. فإذا كان كذلك، نزعت ربقة الإسلام من عنقه فكان لعينا ملعونا". بعبارة أخرى، إن حقيقة الإسلام بالنسبة له هي سلسلة الأمانة والرحمة والحياء. أنها ثالوث كينونته التي جسدها في كل عمل ووظيفة أداها. فمن المعلوم عنه كونه كان يعمل بيديه. فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما أو سمكا ثم يدعو المجذومين فيأكلون معه. وكان يقول دوما:"إني لأحب أن آكل من كدّ يدي". ووضع هذا السلوك في فكرة تقول، بأن"النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت". وهو اطمئنان كان يعني بالنسبة له العيش بمعايير الروح والسكون إلى ما فيه من نغمات هي عين الغناء الجميل للحياة والأبد. فقد شعر بالاستياء عندما قال له حذيفة: يا أبا عبد الله! ألا ابني لك بيتا؟ لكن حذيفة تدارك الأمر وقال بسرعة:

- رويدك! حتى أخبرك! إني ابني لك بيتا إذا اضطجعت فيه، رأسك من هذا الجانب ورجلاك من الجانب الآخر. وإذا قمت أصاب راسك!

- كأنك في نفسي!!

إن هذه الرغبة الصادقة في أن يكون بيته "قبرا" ليس إلا الوجه الآخر لسماء الروح غير المتناهية. فمن الناحية الواقعية تشير إلى أنه بلا بيت، ومن الناحية الرمزية تشير إلى أنه يمتلك العالم وما فيه دون رغبة بالملكية وشروطها المبتذلة. وليس مصادفة أن يتحول إلى "مرجعية المظلومين". فقد كان معروفا عنه مرجعيته بالنسبة لشكوى المظلومين. لهذا أجاب مرة عن سؤال:

- ما الظلمات يوم القيامة؟

- ظلم الناس بينهم في الدنيا!

تكشف هذه الإجابة عن مضمون الأبعاد الاجتماعية والسياسية في سلوكه الفردي عندما كان فردا عاديا أو أميرا (في المدائن). فقد كان معروفا عنه أن الهدية الوحيدة التي كان يقبلها ويطالب بها هي تحية السلام. كما كان معروفا عنه حلقه لرأسه. وعندما سألوه عن سبب ذلك أجاب:"إنما العيش عيش الآخرة"، بمعنى العيش بمعايير الروح المتسامي. فهي المعايير التي تصنع الاعتدال الفردي والاجتماعي. وهذه بدورها ليست إلا مظهر الاعتدال الباطني، باعتباره اعتدالا من طراز خاص على قدر ما في تجارب الروح الفرداني من معاناة شخصية، وهموم باطنية، ورؤية للكون والوجود والمعنى. وقد جّسد هذه المكونات بصورة مثالية عندما كان أميرا للمسلمين في المدائن. فقد زهد في إمارته أكثر مما في حياته العادية. إذ كان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. وتروى عنه بهذا الصدد روايات عديدة وأحداث ووقائع كثيرة يمكن الاكتفاء بالقليل منها للدلالة والتدليل. منها على سبيل المثال خروج البعض لرؤيته عندما كان بالمدائن، وهو يومئذ على رأس عشرين ألفا من المقاتلين. فوجدوه على سرير يسفّ خوصا. فسلموا عليه وقال احدهم له: هذا ابن أخت لي جاء من البادية ويود السلام عليك. فأجاب وعليه السلام. وعندما قال له الزائر:"يزعم انه يحبك"! فأجابه سلمان:"أحبه الله"! وقال آخر يصفه -"رأيت سلمان في سرية هو أميرها على حمار وعليه سراويل والجند يقولون "جاء الأمير"! كما دخل احدهم عليه فرآه يعجن. فاستغرب متسائلا: ما هذا؟ فأجابه سلمان:"بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين!". في حين كان عطاؤه (راتبه) خمسة آلاف درهم فإذا خرج صرفه للآخرين، ويأكل من عمل يده. وكان شعاره العملي اليومي هو:"إني بكل مؤمن رفيق"!

لقد تمثل سلمان الفارسي "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة. وحققها في سلوكه الفردي بطريقة جعلت منه مثالا لتجسيد المقدّس في الأعمال والمواقف. بمعنى إنزال القيم المتسامية إلى مصاف التراب والمشي عليها لا سحقها. حينذاك يمكن التجرد عن كل شيء والتحرر من عبودية كل ما هو عرضة للزوال. ومن ثم الهدوء التام في عواصف الزمن، والمشي مع متطلبات الروح بلا ضجة ولا ضجيج. لهذا نراه يقول لزوجته قبيل وفاته:"افتحي هذه الأبواب يا بقيرة، فإن لي اليوم زوارا لا ادري من أي هذه الأبواب يدخلون عليّ". وهو على علية لها أربعة أبواب. ثم دعا بمسك وقال لها "انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي". وعندما عملت ما أراد ورجعت إليه، رأته نائما نومته الأبدية على فراشه! وعندما نظروا إلى ما في بيته فلم يروا إلا غطاء ومتاعا لا يساوي أكثر من عشرين درهما، بل قيل أربعة عشر درهما!

وهي صورة تعني بأنه فارق ضجيج الحياة ليبقى في هدوءها الخالد بوصفه تجانس الحق والحقيقة. ولا يعني ذلك بمعايير الثقافة الكبرى سوى إبداع أنموذج فردي لجعل المقدّس بطانة زهده المتسامي. ولا يمكن للمثقف الكبير بلوغ هذه الصورة ما لم يتصف بشكل من أشكالها. وليس مصادفة أن يرد على أبي الدرداء الذي كتب إليه يدعوه للقدوم إلى مدينة القدس من أجل العيش فيها بوصفها أرضا مقدسة، بعبارته الشهيرة:"أن الأرض لا تقدس أحدا! وإنما يقدس الإنسان عمله!".

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- يمكن الرجوع إلى بعض جوانب حياته عن لأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص185-208.

 

ميثم الجنابيمّثل أبو ذر الغفاري صورة رفيعة وأولية للمثقف الإسلامي المتنور بمعايير "حقائق المرجعية الأبدية للروح". إذ جّسد في أقواله وأفعاله، وحياته ومماته، أنموذجا فريدا وفذا في المواجهة العملية للسلطة الغاشمة. وبهذا يكون قد جّسد الصيغة التاريخية الأولى لمواجهة السلطة الخارجة على الحق. فقد كان هو إلى جانب ابن مسعود وجهان لموقف واحد، أو جسدان لروح واحدة هي روح الفعل بمعايير الحق والعدالة بوصفها الأوزان الداخلية التي تصنع توازن الشخصية المثقفة وأنغامها. ومن ثم تحدد مساره وسيرته وتنوع مواقفه المتوحدة في غاياتها. وليس مصادفة أن يحيا ويموتا في زمن متقارب، حيث توفي أبو ذر في عام ثلاثين للهجرة. كما نعثر في موقفه من نفسه شيئا شبيها بما قاله ابن مسعود عن نفسه بأنه "ودّ لو لم يبعث"، بمعنى أن يبقى رمادا في لهيب الوجود الدائم. فقد قال مرة "وددت أن الله خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها!". وقد يكون أبو ذر أكثر من مثل هذه الصيغة الرمزية على حلبة الصيرورة الأولية للخلافة ودراما صراعها الروحي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي. وتحول بأثر مواقفه المتماسكة إلى شجرة تعضد ويؤكل ثمرها بالنسبة للثقافة الروحية والمثقفين الأحرار.

لقد كانت شجرة أبي ذر في فردانيته وتوحيده للعلم والعمل. إذ كان أنموذجا لتكامل المثقف بمعايير الحق والحقيقة، بحيث جرى تجريد شخصيته من حيث سموها الروحي للدرجة التي نسبت للنبي محمد كلمة بحقه تقول "‏أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم". ولم يكن بإمكان هذا الارتقاء أن يحدث دون التنقية الدائمة للإرادة الفردية الحرة، بوصفها إرادة أولها أنين الشوق‏ للمجاهرة بما يمليه العقل والضمير، وآخرها تحمل تبعاتها مهما كلف الثمن. وقد صور أبو نعيم الأصفهاني شخصيته بصورة دقيقة وأخاذة عندما وصفه بعبارة "رافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام. وأول من حيا الرسول بتحية الإسلام. لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تفزعه سطوة الحكام والولاة"[1].

تكاملت شخصية أبي ذر بذاتها. إذ كان منذ البدء شخصية فردانية. وقد يكون كونه أول من ادخل في الإسلام تحية الإسلام إشارة إلى ذلك. إذ تكشف هذه التحية عن نزوعه العميق صوب السلام والهدوء والطمأنينة، باعتباره نزوعا مميزا للمسكونين بهموم الكفاح من اجل الحق. فقد كان إبداعه لهذه التحية نتاج صراع مرير وتضحيات في المواجهة والتحدي لقريش التي أشبعته ضربا بعد أن كان يبحث عن "الصابئ" (أي محمد). ولم يفق إلا بعد أن غابت الشمس ومسه برد الليل. عندها حمل جسده المرهق إلى زمزم. فاغتسل من مائها. وهكذا بقى متناثرا ما بين الكعبة وأستارها ثلاثين يوما، كما قال عن نفسه، ليس لديه غير شرب الماء وتنفس الهواء إلى أن جاء محمد ذات ليلة إلى البيت وطاف فيه ثم صلى خلف المقام. عندها اقترب منه أبو ذر وحياه بكلمات:"السلام عليك"، فجاءه الجواب "وعليك ورحمة الله". وعندما سألوه لاحقا عن عبادته قبل إسلامه، أجاب، بأنه كان يعبد الله. وعندما سألوه عن قبلته، أجاب: "حيث وجهني الله". وتصور هذه العبارة باطن وظاهر أبي ذر الغفاري وشخصيته المتراكمة في البحث عن الحق والعمل بموجبه. إذ لم تعن "حيث وجهني الله" سوى مرجعية الإخلاص المتراكمة في أعماقه بوصفها جوهر معاناته في الصراع من اجل ما يعتبره حقا. وهو جوهر فرداني ميز شخصيته في كل مراحل ارتقائها الذاتي. بل يمكننا القول، بأن جوهر شخصيته يقوم في الاستمتاع بالمواجهة مازالت محكومة بمعايير الحق والبحث عن الحقيقة. وقد برزت معالم هذه المواجهة قبل الإسلام في البحث عن إسلام للنفس يرتقى إلى مصاف السلام الأخلاقي الدائم. بينما جعل من إسلامه أمام محمد فعلا اقرب إلى التحدي الاجتماعي. وذلك لأن إسلامه الذاتي قد حدث قبل ذلك بسنوات طويلة، بوصفه حركة الروح التلقائية. وليس مصادفة أن يقول لمحمد في أول إسلامه أمامه:

يا رسول الله! أريد أن اظهر إسلامي!

إني أخاف عليك أن تقتل!

لابد منه!

ووجد هذا التحدي العنيد تعبيره في سكوت محمد عن البت في الرأي وترك الحكم النهائي لأبي ذر لكي يسلك ما يراه أمرا لابد منه. بعبارة أخرى، إن تحول القرار إلى حتمية هو التعبير العميق عن شخصيته التي تجعل من المواجهة صورة عادية وطبيعية للروح وليس الجسد، بوصفها الصفة المميزة لحقيقة الروح والأرواح الإنسانية الكبيرة. وقد صورها أبو ذر نفسه قائلا:"جئت وقريش حلقا يتحدثون في المسجد. فقلت: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله!". فانتفضت الخلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب احمر. وكانوا يرون أنهم قد قتلوني. فأفقت فجئت إلى الرسول. فرأى ما بي من الحال. فقال لي: ألم أنهك؟ فقلت له: يا رسول الله! كانت حاجة في نفسي فقضيتها"!!

إننا نعثر في هذا السلوك والتحدي العنيد على حقيقة الأبعاد الدفينة والعميقة لشخصية أبي ذر الغفاري، أي حقيقة التحدي والمواجهة العلنية لما تختزنه النفس والروح والعقل. ومن ثم دفع هذا التحدي إلى نهايته من خلال مواجهة الواقع وقواه أيا كان شكلهما وحجمهما، باعتبارها حاجة طبيعية للوجود والحياة شأن الشهيق والزفير. لقد أجاب أبو ذر بكلمة قد تكون الأدق والأصدق والأعظم في شخصية المثقف حالما يعي ما يقول، ويفعل ما يعقل بمعايير الفردية، ويتحمل النتائج المترتبة على ما يقول ويعمل. فالمثقف الحقيقي لا يقول "نحن"، لأنها فكرة الأحزاب والسلطات، بل يقول "أنا"، لأنها مسئولية وحياة والتزام. ولازمته هذه الصفة حتى النهاية، بمعنى الإعلان والجهر في المواقف بصفة الأنا المباشرة، كما نراها على سبيل المثال في وقوفه بباب مسجد الرسول في المدينة زمن عثمان‏ وهو يقول: ‏أيها الناس من عرفني فقد عرفني! ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري!". ويأخذ بعدها في انتقاد سياسة عثمان.

بعبارة أخرى لقد نفّذ أبو ذر الغفاري "الحاجة"‏ الفاعلة في أعماقه بطريقة شخصية وخاصة. غير أن تنفيذع إياها لا يعني من حيث مضمونه الروحي سوى التمثل الفردي للمسئولية والالتزام في الدفاع عن الحق. بحيث جعل من حياته تحقيقا فعليا لها. وتجلت على حقيقتها في زمن عثمان بن عفان، بحيث أصبح هو شجرة التحدي الكبرى، التي أكل من ثمراتها في وقت لاحق جمهور المسلمين المنتفضين ضد ما اعتبروه خروجا على الحق والعدالة. بحيث تحول أبو ذر إلى الصوت الناطق بفكرة الاحتجاج والمواجهة. ولعل في الحادثة المروية أدناه مثالا ملموسا عن إدراك ماهية المسئولية الفردية وروح التحدي. فعندما أتاه رجل وقال له:

إن الذين يأخذون الصدقات من أتباع عثمان قد زيدوا طلباتهم فكيف نعمل؟

قل لهم "ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلا فذروه". فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة.

وعندما قال فتى من قريش بعد أن سمع هذا الحوار:

أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟

أرقيب أنت عليّ؟ فوالذي نفسي بيده، لو وضعتم الصمصامة ههنا (وأشار على حنجرته) ثم ظننت إني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله قبل أن تحتزوا لانفذتها!

وتكشف هذه الحادثة عن شخصيته وطبيعة التحدي العنيد فيها. بحيث دفعت الإمام علي بن أبي طالب إلى مخاطبته مرة بعد إخراجه ونفيه إلى الربذة قائلا:"يا أبا ذر! انك غضبت لله فأرج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك. فأترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم وأغناك عما منعوك! وستعلم من الرابح غدا والأكثر حسدا... لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك". ويتضمن هذا الموقف بقدر واحد تقييم دقيق ورفيع لشخصية أبي ذر الفردية ومواقفه الشخصية باعتباره "الطرف الآخر" في معادلة الوجود والأخلاق. ومن الممكن رؤية هذه الحقيقة في العبارة القصيرة التي رد بها أبو ذر على محاولة عثمان بن عفان الأخيرة لشراء ذمته عبر رشوته بالمال قبيل نفيه من المدينة إلى الربذة، عندما قال:"تكفي أبا ذر صرمته!". وتمثل هذا الرد تاريخ موقفه من المال العام والخاص على السواء. ولعل النادرة المروية عنه بصدد موقفه من كعب الأحبار[2] حالما تجمع قوم حول عثمان لاقتسام مال عبد الرحمن بن عوف[3]، مثال حي على ذلك. فعندما قال عثمان بن عفان لكعب:

ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

إني لأرجو له خيرا.

عندها غضب أبو ذر ورفع العصا على كعب وقال:

وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!

كما نعثر على صورة متكررة من مواقفه بهذا الصدد مثل الحكاية المروية عنه عندما دخل مرة على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان:‏

اترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات‏.‏

من أدى الفريضة فقد قضى‏.‏ (أجابه كعب).

عندها رفع أبو ذر محجنه فضربه فشجَّ رأسه. آنذاك قال‏ له عثمان:

- يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك‏.‏

وعندما أرسل له أمير الشام (حبيب بن مسلمة) ثلاثمائة دينار ليستعين بها، ردها إليه وقال: أما وجد أحدا أغر بالله منا؟ مالنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل". وعندما قيل له مرة:

ألا تتخذ ضيعة كما اتخذ فلان وفلان؟

وما اصنع بأن أكون أميرا؟ وإنما يكفيني كل يوم شربة ماء وفي الجمعة قفيز من قمح.

ووجدت مواقفه هذه تعبيرها السياسي الأكبر في موقفه من مختلف أساليب وطرق نهب الثروة العامة زمن عثمان بن عفان. فعندما كان معاوية بن أبي سفيان عاملا على الشام في خلافة عثمان، فإنه كان يتصرف بالمال العام تحت شعار ‏(‏المال مال الله ألا إن كل شيء لله‏)‏. وجعل من هذا الشعار غطاءا للنهب والسرقة والاستحواذ. مما دفع أبو ذر لمواجهة معاوية بسؤال:‏

ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ ‏

يرحمك الله يا أبا ذر! ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره‏؟‏

فلا تقله‏! ‏

فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين‏.‏

‏وقد شكلت هذه المجادلة باعث الهجوم السياسي الفكري العلني لأبي ذر على السلطة والفئات الاجتماعية المرتشية والمشاركة للسلطة في إثمها التاريخي. ومنذ ذلك الحين تحول شعار محاربة الغنى الفاحش إلى شعاره الشخصي. إذ اخذ يردده في كل مكان ومناسبة قائلا:"‏يا معشر الأغنياء والفقراء‏.‏ بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم‏"‏. وكان يستشهد بالآية (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)[4].

وحصلت مواقفه هذه على تأييد شعبي، بحيث ولع بها الفقراء وتأفف منها الأغنياء. مما دفع بمعاوية إلى أن يشكوه عند عثمان قائلا، بأن أبا ذر قد أعضل به‏[5]. فكتب إليه عثمان:‏"‏إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح، وجهّز أبا ذر إليّ، وابعث معه دليلا وزوده، أرفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت‏"‏[6]. في حين رد عليه معاوية قائلا:"إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر". عندها رد عليه عثمان بضرورة طرده من الشام وتسفيره منها إلى المدينة. وهي المحطة النهائية لنفيه السياسي وبداية اندماجه الفعلي بتاريخ الثقافة الروحية والوجدان الصادق.

وبغض النظر عن اختلاف الروايات المتعلقة بكيفية تسفيره إلى المدينة ومعاقبته اللاحقة، إلا أنها تصب في اتجاه واحد ألا وهو تحول الخلاف مع السلطة الغاشمة إلى منظومة مواقف متكاملة. فاليعقوبي يقول بصريح العبارة، بأن عثمان طلب من معاوية تسفيره على "قتب بعير بغير وطاء‏"‏، بحيث وصل إلى المدينة وقد تهرأ لحم فخذيه‏. وإن طرده اللاحق إلى الربذة كان يحمل سمة المنفى. بينما يقول الطبري وابن الأثير وابن خلدون، بأن عثمان أذن لأبي ذر بالخروج إلى الربذة، بناء على طلبه، لأنه لم يطق الإقامة بالمدينة! وهي عبارة فضفاضة ولا معنى لها، باستثناء كونها المنطقة التي أصبحت بالنسبة له سجن الروح والعقل والضمير بسبب سياسة عثمان بوصفها "سياسة بني أمية". وليس مصادفة أن تنقل لنا كتب التاريخ المتعلقة بهذه القضية كيف أن أبا ذر كان يتحدث بحديث نبوي يقول:"إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا". وهو "حديث" أثار غضب عثمان الأموي بحيث أخذ يستفسر بجنون السلطة إن كانوا قد سمعوا "رسول الله يقول ذلك؟". فنراه يبعث إلي علي بن أبي طالب ويسأله:

يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر‏؟‏

نعم!

وكيف تشهد‏؟‏

يقول رسول الله "‏ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر"!

لقد جعل الإمام علي بن أبي طالب من صدق أبي ذر دليلا على صدق "الحديث". ومهما يكن من أمر الحديث إلا انه معقول بتاريخ المواجهة الفعلية الأولى بين النبي محمد وبني أمية. وقد لا يكون للحديث علاقة بمرحلة عثمان، لكنه يحتوي من حيث إمكانيته التأويلية على الأبعاد التي وجد أبو ذر في الحكم الأموي الأول (خلافة عثمان) دليلا عليه. ولا معجزة في هذه الحجة غير قوة الإدانة التي وجهها أبو ذر للسلطة التي تجعل من البلاد والعباد والدين دولا وخولا ودغلا. وسوف يضع أبو ذر هذا الموقف في حكم وموقف سياسي واضح لا لبس فيه عندما قال:"إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل. ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها! والفقر أحب إلي من الغنى!". ونعثر على نفس الموقف عند الإمام علي بن أبي طالب بعدما تحول الصراع مع القوى الساعية لتحويل البلاد والعباد والدين إلى أداة طيعة لخدمة مصالحهم الضيقة. وليس مصادفة أن يجعل عثمان منه الضحية السياسية الكبرى الأولى في تاريخ الإسلام، ومن منفاه دليلا على ما في النزعة الأموية من خروج على منطق الحق الإسلامي. لهذا لم يدعه طويلا في المدينة وطالبه في آخر مرة قائلا:

والله لتخرجن عنها!

أتخرجني من حرم رسول الله‏؟

نعم وأنفك راغم!

فإلى مكة‏؟

لا‏!

فإلى البصرة‏؟

لا‏!

فإلى الكوفة‏؟

لا!‏‏ ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها! يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج‏!

فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته. فخرج وعلي والحسن والحسين‏ وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون‏.‏ فلما رأى أبو ذر عليا، قام إليه فقبّل يده ثم بكي وقال‏:‏ إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم أصبر حتى أبكي! فذهب علي بن أبي طالب يكلمه‏.‏ فقال له مروان‏:‏

إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد‏!

فرفع عليّ السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال‏:‏

تنحّ! نحاك الله إلى النار‏![7]‏‏.‏

ثم شيّعه. بحيث وجدت الأموية في موقف هذا تحديا لها، مما أثار "الوحشة" بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب. بينما كانت حقيقة الوحشة تقوم في نفى أبو ذر إلى الربذة حتى موته فيها. فقد وجدت السلطة فيه مصدرا للفتنة! وهو أمر طبيعي بالنسبة لسلطة ترى في الخضوع والاستبداد أسلوبا للأمان والسلام والإسلام! بينما اعتبر أبو ذر حقيقة الأمان والسلام والإسلام في الدفاع عن حقوق الأمة. انطلاقا من فكرته عن أن العبادات إضافات إلى حقيقة الإيمان، وإن الإيمان حق وعدالة. من هنا إجابته على سؤال وجه إليه عن الدعاء قائلا:"يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الملح من الطعام".

كانت هموم أبي ذر الكبرى هموم الأرواح الكبيرة، ومن ثم هموم الكلّ الإسلامي للدولة الناشئة في ملكها وملكوتها وجبروتها، أي في كلّ عوالمها. مما جعله مهموما بالتفكر، بوصفها الحالة الطبيعية للمثقف الحقيقي. فعندما أراد رجل معرفة حقيقة أبي ذر من زوجته، أجابته:"كان النهار اجمع خاليا يتفكر". وأبرزت هذه العبارة ببساطتها الأعماق غير المتناهية في هموم أبي ذر الكبرى ومعاناته تجاه إشكاليات الفرد والجماعة والدولة والمبادئ. وهي هموم عبّر عنها بكلمات وجيزة عندما قال مرة، بأن النبي محمد أوصاه بوصايا بلورها بصيغة المخاطبة الذاتية قائلا:"أن أحب المساكين، وانظر إلى من هو تحتي، وألا انظر إلى من هو فوقي، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن لا تأخذني في الله لومة لائم". وينبغي فهم هذه الوصايا على أنها وصايا المعرفة العملية التي تراكمت في مجرى معاناة إدراكه لحقيقة الإسلام بوصفه إسلاما لفكرة الحق والنضال من اجلها. إذ يتحمل المثقف مسؤوليتها المباشرة. من هنا عبارة الأنا الحية في التعبير عنها والالتزام بها، باعتبارها مسؤولية شكلت مضمون وباعث فلسفته الحياتية، التي عّبر عنها بصورة بليغة عندما خطب مرة في الكعبة قائلا:"يا أيها الناس! أنا جندب الغفاري! هلمّوا إلى الأخ الناصح الشفيق!". وبعد أن قدم نصائحه الأخلاقية والعملية صرخ بهم:"يا أيها الناس! قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدا!". وكوّن هذا موقف صلب فلسفته الحياتية. فنسمعه مرة يقول عن الناس:"يولدون للموت، ويعمرون للخراب، ويحرصون على ما يفنى، ويتركون ما يبقى. ألا حبذا المكروهان الموت والفقر!". بل نراه يقول لأبي الدرداء عندما مر عليه وشاهده يعمل في بناء بيت لأهله:"لو مررت بك وأنت في عذرة اهلك كان أحب إليّ مما رأيتك فيه!". كما ينتقد المال قائلا:"في المال ثلاثة شركاء – القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت. والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها، وأنت ذميم". وعندما شوهد وهو بالربذة في ظلة له سوداء وتحته امرأة له سحماء وهو جالس فقيل له:

انك امرؤ ما يبقى لك ولد.

الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء ويدخرهم في دار البقاء.

وفي إحدى المرات قالوا له:

يا أبا ذر لو اتخذت امرأة غير هذه؟

أتزوج امرأة تضعني أحب إلي من امرأة ترفعني!

ولم تكن هذه الفلسفة هينة الوقع على الجميع. ففي مراحل التحولات العاصفة عادة ما يتحول المثقف الكبير إلى قوة طاردة للجميع، لأنه يسعى من اجل جمع لا يجمعه شيء غير الخلل والعيش فيه. لهذا أجاب مرة على قول رجل له:

يا أبا ذر ما لك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك؟

أني أنهاهم عن الكنوز!

لقد كانت شخصية أبي ذر الغفاري متماسكة ومتكاملة بمعايير الإخلاص للحق والعدالة والنزعة الإنسانية. الأمر الذي جعل منه شخصية فريدة آنذاك في تجسيد حقائق المرجعية الأبدية للروح، بما في ذلك في موقفه من الموت. فقد كان موته دراما تعكس حجم الرذيلة السياسية للأموية وتحديا معنويا هائلا للروح الأخلاقي الذي يعي ما يقول، ويدرك ما يفعل، ويسعد بنهايته بوصفها بداية الأمل الدائم. ومن الممكن العثور على صورة هذه الخاتمة في الحادثة المروية عن زوجته. فقد بكت المرأة حالما رأت نهايته القريبة. وعندما سألها لماذا تبكي، أجابت:

ابكي انه لا يد لي بتكفينك! وليس لي ثوب من ثيابي يسعك كفنا، وليس لك ثوب يسعك كفنا!

لا تبكي! فإني سمعت رسول الله يقول لنفر أنا منهم "ليموتن منك رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين". وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد مات في قرية أو جماعة من المسلمين. وأنا الذي أموت بفلاة. والله ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق!

أنى وقد انقطع الحجاج؟!

وكانت تشتد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه وهكذا إلى أن ظهر من وراء الأفق نفر تخب بهم رواحلهم، فلوحت بثوبها فاقبلوا حتى وقفوا عليها مستفسرين:

ما لك؟

امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت!

من هو؟

أبو ذر!

وهو طلب كان محكوما بطلب أبي ذر نفسه عن ألا يكون الكفن من "أمير أو عريف أو نقيب أو بريد"، لأنه "ليس احد من القوم إلا قارف بعض الرذيلة". ووافق على من تقدم بردائه الذي غزلته وحاكته أمه. ومهما يكن من شأن هذه القصة المثيرة، فإنها تقص علينا حقيقة واحدة، وهي أن إخلاص المثقف في التحدي هو الأسلوب الوحيد لصنع وهج الروح الباحث عن سلام فردي واجتماعي وروحي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، 156.

[2] كعب الأحبار - هو كعب بن ماتع الحميري. توفي عام 34 للهجرة. أصوله من يهود حمير اليمنيين. اعتنق الإسلام زمن عمر بن الخطاب وتحول بفعل قربه من السلطة وثقافته النسبية (التوراتية) إلى شخصية مؤثرة آنذاك. وهي "ثقافة" بسيطة وشفوية. من هنا غلوها في إدخال هذا الكم الهائل من الأساطير التوراتية في الموقف من الأحداث السياسية والدرامية التي مر بها تاريخ الإسلام بعد موت النبي محمد. وقد لقط الذهبي هذه الظاهرة عندما أشار إلى حالته الغريبة التي جعلت منه وهو "التابعي" أو الذين اسلموا في خلافة عمر بن الخطاب، مصدرا لرواية الصحابة مثل أبو هريرة وغيره. (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج3، ص489-494). أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر. وذلك لأنهما يشتركان ويتكاملان. فقد اسلما في أوقات متقاربة نسبيا. أبو هريرة عام 7 للهجرة، وكعب زمن عمر (ويقال زمن خلافة أبي بكر). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية، و"ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود، وغباء أو سذاجة أبو هريرة بوصفه ناقلا مباشرا لما يسمعه، فإن من السهل معرفة سرّ ونوعية التأثير المحتمل لكعب الأحبار على أبي هريرة. وليس مصادفة أن يكون اغلب الحديث النبوي الزائف الذي نقله أبو هريرة مشبعا بالفكرة الأسطورية. فقد كان أبو هريرة ضمن هذا السياق أشبه ما يكون بحمار النقل. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل. لأن ملكته الوحيدة "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء، والإسرائيليات بشكل خاص. وقد لقط ابن كثير الدس التوراتي من جانب كعب الأحبار، عندما كتب يقول، بأن القصص المروية عن ملكة سبأ وسليمان هي من وضع أهل التوراة مثل كعب ووهب بن منبه، أي أولئك الذين نقلوا ما اسماه ابن كثير بأخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرّف وبدّل ونسخ.(ابن كثير: تفسير القرآن، ج3، ص339.). وليس مصادفة أن يكذبه ابن عباس مرات عديدة في تفسيره للقرآن. بمعنى معارضته لفهم القرآن بمعايير ومفاهيم وصور التوراة. لكنها عملية طبيعية بالنسبة لكعب الأحبار، تماما بالقدر الذي لم تكن مثار حساسية دينية. لاسيما وان القرآن يحتوي على "إسرائيليات" عديدة، بوصفها جزء من تراث المنطقة وتقاليدها الدينية والأسطورية. فالأساطير الإسرائيلية جميعا من وحي تراث المنطقة وتاريخها، بمعنى أنها لا تخرج من وادي الرافدين ومصر وفلسطين وفارس. من هنا لم يكن "حشر الإسرائيليات" في الإسلام آنذاك من جانب عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فعلا متعمدا بقدر ما كان يسري بفعل ثقافتهم الأولية الخاصة. وفيما يخص كعب الأحبار فقد كان تفسيره للقرآن والأحداث بمعايير الرؤية اليهودية يهدف إلى جعل الإسلام نهاية الفكرة الوحدانية والحق. وبالتالي فإن "الدس التوراتي" كان بهذا المعنى يهدف إلى البرهنة على أفضلية الإسلام. ويمكن رؤية هذه الفكرة في كل الخطاب الديني والأخلاقي لكعب الأحبار. ومن الصعب توقع مواقف أخرى لكعب الأحبار بهذا الصدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إسلامه المتأخر وهو في عمر تجاوز الثلاثين من العمر، إضافة إلى احترافه الديانة اليهودية بوصفها احد أعلامها و"أحبارها" في اليمن. لهذا لا نعثر في آرائه مواقفه على استشهاد بالقرآن والحديث مقارنة بما تمتلئ به مواقفه وآراءه من التراث الشفوي لليهودية التوراتية.

الأمر الذي حدد رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل بوحي خزين تجاربه الدينية والمعرفية. وهو خزين يهودي. لكن مشاعره كانت تميل كليا للإسلام والدفاع عنه. (انظر أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء ج5، ص346-391، ج6، ص3-48.). وإذا كان اغلب تصوراته تسير صوب التجسيم وإمكانية رؤية الله، فلأنها الرؤية المميزة لليهودية. وهي مكونات تخدم على الدوام جمود الرؤية والمواقف وطابعها الأسطوري، التي عادة ما تكون أداة بيد السلطة بسبب ما في هذه الرؤية من بساطة وتسطيح للوعي. وليس مصادفة أن يصبح كعب الأحبار قريبا ومقربا من السلطة زمن عمر بن الخطاب وعثمان، رغم تباينهما الكبير. وان يحاول معاوية بن أبي سفيان تقريبه منه. وبهذا الصدد تنسب إلى كعب الأحبار فكرة يقول فيها بان مولد النبي بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام! وقد تكون تلك عبارة أطلقها معاوية ونسبها إلى كعب الأحبار. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كعبا لم يتقرب من معاوية رغم إغواء الأخير إياه. وفّضل أن يعيش في حمص ويموت فيها، قبل مقتل عثمان بسنة واحدة (عام 34 للهجرة).

لقد حبذ كعب الأحبار العيش بالقرب من السلطة والابتعاد عن مهمة "الجهاد" الكبرى آنذاك. لهذا لم نسمع عنه اشتراكه في حروب الفتح الإسلامي. لكننا نراه ينهمك في وضع الأفكار السياسية المتلفعة بالخطاب الديني الأسطوري. مما جعله قريبا من السلطة في غضون فترة سريعة جدا. فقد اسلم زمن خلافة عمر بن الخطاب وتحول إلى احد المقربين منه. كما احتل هذا الموقع زمن خلافة عثمان بن عفان. ولم يخلو هذا التقرب أحيانا من التملق. وقد يكون هو السبب الذي جعل بعض كتب التاريخ تنسب إليه إمكانية المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب. لكنه تأويل مفتعل. وذلك لأن العبارة المنسوبة إليه بهذا الصدد التي كان يقولها لعمر قبل مقتله بأيام بأنه شهيد، لا تعني فيما لو جرى وضعها ضمن تقاليد الرؤية الدينية سوى الصيغة المقدسة لنهاية المرء. كما انها كانت تداعب قلوب المسلمين الأوائل! وإذا كان كعب الأحبار يضع هذه الرؤية والمواقف حسب صور التوراة أو أنها "موجودة في التوراة"، فلأنها الصيغة التي تداعب الخيال الإسلامي آنذاك عما دعاه القرآن بعبارة "مطابق لما عندهم" أو "موجود في الكتاب" و"مصدق لما بين يديه" وما شابه ذلك. من هنا استغراب عمر أن يكون شهيدا، بينما كان الجواب، إن صفاتك موجودة في التوراة. ونفس الشيء كرره عندما تعرض عثمان لإمكانية القتل. وإذا كان عمر بن الخطاب قد رفض هذا التأويل انطلاقا من انه لا شهادة في ارض العرب، فإن عثمان رفضه حبا بالحياة! بينما نرى عمر يعارض فكرة بناء المسجد شمال الصخرة بحيث تصبح قبل القبلة في التوجه للصلاة كما دعاه إلى ذلك كعب الأحبار. من هنا بناء عمر للمسجد في مقدمة ما يسم بجبل الهيكل. وحتى في هذا الموقف لا ينبغي فهم رؤية كعب الأحبار إلا ضمن سياق محاولة إدخال التوراة في كل موقف، بوصفها الجزء الجوهري من ذخيرته المعرفية والدينية.

لقد جعل هذا التناقض الجلي في شخصية كعب الأحبار منه اشد عسرا بالنسبة لتاريخ الأفراد والأفكار. كما أن الأساطير والحكايات التي حيكت حوله جعلته اشد تعقيدا بالنسبة لتحديد موقعه الفعلي في الثقافة الإسلامية الأولى وموقع المثقفين من السلطة. أما في الواقع، فقد تمثل كعب الأحبار هذا التناقض وعاش معه حتى النهاية. بمعنى دخوله الإسلام بتراثه اليهودي. وعيشه وفعله بمقاييس اليهودية من اجل الإسلام. وكذلك محاولة الجمع بين واقعية الرؤية العربية المتربية بتقاليد الجاهلية وحبكة الرؤية الأسطورية لليهودية. وجعله هذا التناقض فريسة السلطة واستحالة الانفكاك عن تأييدها. الأمر الذي أثار حفيظة الوعي الإسلامي الأخلاقي النقدي، بحيث وجد في مواقفه شخصية غريبة عن الإسلام، ومن ثم رده دوما وتذكيره إياه بأصوله اليهودية. فعندما أراد عثمان اقتسام أموال عبد الرحمن بن عوف بعد موته، نراه يخاطب كعبا:

ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه، ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

إني لأرجو له خيرا!

عندها غضب أبو ذر الغفاري ورفع العصا في وجه كعب قائلا:"وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!". وعندما كان عثمان يأخذ من مال المسلمين (يستقرضه بلا عودة!) نراه يسأل كعبا بهذا الصدد عما إذا كان مسموحا للخليفة أن يأخذ من بيت مال المسلمين عند الحاجة على أن يردها فيما يعد. فلم يعترض كعب. على العكس! بينما نرى أبو ذر يعارضه بشدة مخاطبا كعب الأحبار:"أتعلمنا يا ابن اليهودية؟!

وهو نفس الرد السريع الذي قال به المسلمون الذين حاصروا عثمان قبيل مقتله، عندما سمعوا قول كعب بان مقتل عثمان سوف يؤدي إلى حروب دامية. وهو "تنبؤ" سليم، يحمل من حيث أصوله ووسيلته معنى "الإخلاص" للسلطة. بمعنى إنها فكرة ليست محكومة بالرؤية التاريخية السياسية، بقدر ما كانت تعمل من اجل الإبقاء على عثمان حيا يرزق في سرقته وإفساده للدولة والأمة والفكر. وقد لقف معاوية وكل أولئك الذين كونوا عصابته الظاهرة والمستترة وراء عباءة الإسلام المزيف هذه الحالة. كما نراه على سبيل المثال في شخصية عمرو بن العاص. فقد كان، حسب كلماته يؤلب حتى الرعاة على أغنامهم على قتل عثمان! بينما نراه يتحول إلى مقدمة الرافعين لشعار الثأر لمقتل عثمان عندما جرى اختيار الإمام علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين للمرة الأولى بصورة حرة ومن جانب المجتمع وقواه الحية!

[3] عبد الرحمن بن عوف - توفي عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك. كان اسمه الأول عبد عمرو فغيره النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق. إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي". وفي النفس كان سلوكه الحياتي متواضعا، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وهي صفات متضادة ومتعارضة أثارت في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في مواقفه الحياتية والسياسية والعقائدية. فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فإنه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي اعتنق الإسلام وكان غنيا، فإنه كان سخيا كريما. وجعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، شخصية مرشحة لدخول مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى. لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها إلى عثمان. وهو موقف سياسي لم يخلو من الرياء الأخلاقي واثر الثروة! كما انه الفعل الذي أسهم بوعي أو دون وعي في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق واندثار معالم الإسلام الأول وعبث التضحيات الكبرى من اجل تحقيق مبادئه الاجتماعية والأخلاقية الكبرى.

[4] القرآن: سورة التوبة، الآية 34.

[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص11.

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 615‏‏‏.‏

[7] اليعقوبي: التاريخ ‏ص 89-90.

 

 

محمد بنيعيشأولا: تحديد الغاية الصوفية أساس تقييم المنهجية

قد يرى بعض الباحثين المحدثين أن الغاية من التصوف ليست محددة وموحدة الهدف، وأن النظرة إليها تختلف من صوفي لآخر[1]، فيدعي البعض أن من الصوفية من تكون غايته منه هي التحلي بالأخلاق الحسنة والتحلل من الصفات الرديئة، كما هناك من يهدف في تصوفه إلى تفسير موقفه من الكون وتحديد صلة الإنسان بالخالق، سيرا وتمشيا مع تصورات الفلاسفة العقلانيين، مما قد يجعل تصوفهم غايته فلسفية محضة، وهنا أيضا من تكون غايته أبعد من هذا وذاك ألا وهي: معرفة الله سبحانه وتعالى[2]، وهذه هي أعلى المطالب وأسماها:"وأن إلى ربك المنتهى".

إن نسبة تعدد الغايات واختلافها عند من يتسمى بالصوفي أو يدعي نسبته إلى التصوف ليست ناتجة إلا من الجهل بحقيقة التصوف والتعريفات التي حيكت وصيغت حوله وعرفه بها الأقطاب الصوفية السالفين الذكر .

فالغاية الأخلاقية عند الصوفية الحقيقيين ليست إلا وسيلة والغاية الفلسفية ما هي إلا دخيلة، لكنهم على التحقيق نراهم قد يهدفون من البداية الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتوحيده بالعقد والقول والحال، والانتقال بالفناء، كما يصطلحون عليه، عبر المراتب الرئيسية ألا وهي:توحيد الذات والصفات والأفعال.

هذا، مع العلم بأنه لن تتيسر لهم هذه المعرفة إلا بعد الأخذ بالعلم الأولي الضروري الذي تقتنع بع العقول والتحلي بالأخلاق التي تهذب الطباع وتكسبها القبول، فهناك حينئذ سيتبين للمريد الصوفي كيفية السلوك ثم كيفية الوصول إلى الله تعالى وصول عرفان ومعنى وقرب، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا حيز ولا مكان ولا زمان، والوقوف [3]بين يديه تعالى يعبده كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتلك هي درجة الإحسان التي جعلت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها في الصلاة.

إذن فإن غاية الصوفي الحقيقي هي الوصول إلى الله تعالى وصولا يجعل الإنسان يرى الله بقلبه، بعد أن يرى آثاره وشواهده وآياته بعينه وفكره في كل ما خلق[4].

يقول ابن عطاء الله السكندري في الحث على طلب الغاية الحقيقية من التصوف:"ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك ولا تبرجت ظواهر المكونات إلا ونادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر".

والمعني المستخلص من هذا النص هو أن السالك طريق الله تعالى قد تتجلى له فضائل وأسرار وكرامات ونعم، ويشعر بمقامات وأحوال، فإذا أراد أن يقف عندها تناديه الحقيقة التي شرع طريقه من أجل الوصول إليها ألا وهي معرفة الله سبحانه وتعالى .

ولا تلتفت في السير غيرا فكل ما  سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا

وكل مقام لا تقم فيه إنه     حجاب فجد السير واستنجد العونا

ومهما ترى كل المراتب تجتلي  عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا

وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب   فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى[5].

إن مصطلح المعرفة قد يوجد فيه اختلاف بسيط ودقيق بين العلماء عموما وبين رجال التصوف، فالمعرفة على لسان العلماء معناها و مرادفها العلم، فكل علم معرفة وكل معرفة علم، وكل عالم بالله تعالى يسمى عارفا، كما أن كل عارف يسمى ويكنى عالما.

لكنها عند الصوفية قد تطلق على من عرف الله سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه، وقام بالأعمال على وجهها الأكمل، وسعى إلى الإخلاص والتحلي بالأخلاق الحسنة وأصر على الدعاء والتضرع والتهجد حتى صار لا يرقب إلا الله تعالى ولا يرجو إلا إياه ولا يخشى إلا هو، و أصبح حينئذ محلا للإلهام و الهداية وكان من بين المحدَّثين[6]، أي الملهمين كما ورد به الحديث النبوي.

فالمعرفة عند الصوفية عملية باطنية ومدد روحي يرد من الله تعالى على قلب العبد الصالح وليست من كسبه أو ثمرة جهده الذي قام به أثناء سلوكه وتخطيه للعقبات[7] وقطعه المراحل والترقي في المقامات.

يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه:"إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك!ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟!"[8].

وقد يعبر عن المعرفة بالله عند الصوفية بالوصول إلى الله تعالى، والمقصود بهذه الكلمة عندهم هو الوصول إلى العلم التحقيقي بالله تعالى، سبق وقد قسمنا إليه مستويات الإيمان وخصوصيته في هذا الباب، وهذا هو غاية ما يطلبه الصوفية السالكون ومنتهى سيرهم، وليس يقصد به الوصول المعروف بين الذوات مما يوهم بالحيز والمكان. فالله سبحانه وتعالى يتنزه عن كل هذا وذاك، ويؤكد هذا المعنى أبو القاسم الجنيد رحمه الله فيقول:"متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير هيهات! هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان"[9].

ثانيا: المكتسبات المعرفية وخصوصية الأداة عند الصوفية

كما أن معرفة الصوفي قد تكون عن طريق القلب لا عن طريق الفكر والحواس، ولقد شبه الغزالي المعرفة عن طريق الحواس بماء متسرب إلى حوض وهو الإنسان، وهذا الماء يحمل في جوانبه ومن خلاله جريانه رواسب وسموما ومنافع في نفس الوقت.

أما المعرفة عن طريق القلب فهي كالنبع من قعر ذلك الحوض، يبقى ماؤه صافيا ثجاجا[10]، فقوى الحواس وقوى الفكر غير كافية للمعرفة الكاملة والثابتة، لهذا يلزم السلوك من أجل المعرفة باتباع ما هو محل لوجوده بالقلب وهو الاعتقاد، وبذلك الاعتقاد مع العمل بما يأمر به هذا المعتقد فقد تتسنى المعرفة لطالبها بفضل الله ومنته على عباده.

كما سيعطي لنا مثالا جميلا وملموسا وفيزيائيا حول خصوصية المعرفة الصوفية التي تنبعث من القلب وإليه كنتيجة للمنهج المعتمد لديهم وأصوله التي ذكرنا.

يقول في هذا المعنى:"إن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم واجتلابها إلى القلب، وأولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب وتطهيرها وتصفيتها وصقلها فقط، فقد حكي أن أهل الصين وأهل الروم تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة لينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا ويرخى بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ودخل أهل الصين من غير صبغ وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم قد فرغوا أيضا!فعجب الملك من قولهم وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ!فقيل:وكيف فرغتم من غير صبغ؟ فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب !فرفعوا وإذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية مع زيادة إشراق وبريق، إذ كان قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التصقيل".

ثم يعلق قياسا على هذا:" فكذلك عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين، وعناية الحكماء والعلماء الاكتساب ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم، فكيفما كان الأمر فقلب المؤمن لا يموت وعلمه عند الموت لا يمحى وصفاؤه لا يتكدر، وإليه أشار الحسن رحمة الله عليه بقوله:التراب لا يأكل محل الإيمان بل يكون وسيلة وقربة إلى الله تعالى"[11].

ويقول الشيخ محيي الدين بن عربي أيضا في مجال خصوصية المعرفة والعارف الصوفي :"أعلم أنه لا يصح وصف أحد بالعلم والمعرفة إلا إن كان يعرف الأشياء بذاته من غير أمر آخر زائد على ذاته، وليس ذلك إلا الله وحده، وكل ما سواه فعلمه بالأشياء إنما هو تقليد لأمر زائد على ذاته.

وإذا ثبت ذلك فليقلد العبد ربه سبحانه وتعالى في العلم به، وإيضاح ما قلناه من أن العبد لا يعلم شيئا إلا بأمر زائد على ذاته: أن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بقوة من قواه التي أعطاها الله تعالى له وهي الحواس والعقل. فالإنسان لابد أن يقلد حسه فيما يعطيه، وقد يغلط وقد يوافق الأمر على ما هو عليه في نفسه أو يقلد عقله فيما يعطيه من ضرورة أو نظر، والعقل يقلد الفكر ومنه صحيح وفاسد، فيكون علمه بالأمور بالاتفاق؛فما ثم إلا تقليد!.وإذا كان الأمر على ما قلناه فيجب على العاقل إذا طلب معرفة الله تعالى أن يقلده فيما أخبر به من نفسه على ألسنة رسله ولا يقلد ما تعطيه قواه، وليسع بكثرة الطاعات حتى يكون الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه كما ورد(كإشارة إلى حديث الولي كما سنرى).وهناك يعرف الأمور كلها بالله، ويعرف الله بالله، فلا يدخل عليه بعد ذلك جهل ولا شبهة ولاشك ولا ريب"[12].

فالملاحظ على هذا النص هو التقارب التام بينه وبين التعريفات السابقة ووحدة الاتجاه والأداة، مع تحديد نفس المنهاج للوصول إلى الغاية القصوى ألا وهي معرفة الله.

ومما يثير الانتباه أيضا هو وحدة آلة المعرفة التي يشير إليها ابن عربي والتي قد تكلم عنها الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال، حيث كان قد سحب ثقته بالمحسوسات والمعقولات وجعل فوقها شيئا ووسيلة أسمى ألا وهي: القلب الذي يعتبر كنز المعارف وخزانتها وعن طريقه عادت الثقة لديه بأحكام العقل والحواس[13].

بقي لي بعد الإشارة إلى اتحاد قول الصوفية حول المعرفة والعارف، أن أستشهد بقول عالم مشهور من علماء الشريعة ويعد من أهم الفقهاء في العالم الإسلامي وسلفييهم على الخصوص وهو تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى واصفا لنا حالة العارف بقوله:"العبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله، بحيث لا يريد إلا ما يريده الله أمرا به ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يلتفت إلى عذل العاذلين ولوم اللائمين[14]، كما قال سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم من دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم "[15].

فتعريف ابن تيمية هنا هو عين تعريف الصوفية السالفين الذكر، بحيث لو لم نكن قد علمنا مصدر النص ولم نعرف اسم صاحبه لقلنا أنه قد كتبه شيخ من شيوخ الصوفية العارفين وأصحاب الأذواق.وهذا مما يبين لنا تطابق وجهة النظر بين كثير من الفقهاء العاملين الأتقياء والموضوعيين مع الصوفية العارفين الأصفياء.

فلقد كانت ميزة الفقهاء، حينما كان الفقه يحمله الأتقياء أنهم يسلمون لأهل التصوف السنيين والمعتدلين أمرهم، بحيث قد يحكى أن أحدهم واسمه أبي سعيد بن أبي سريج كان متبحرا في العلم والفهم وقد تنكر مرة لما يصدر عن الصوفية من أقوال وأحوال، ثم حضر مجلس أبي القاسم الجنيد ليسمع منه شيئا مما يشاع عن الصوفية، فلما انصرف قالوا له: ما وجدت؟قال: لم أفهم من كلامهم شيئا إلا أن صولة الكلام ليست بصولة مبطل "[16].

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة

.............................

[1] محمد جواد مغنية:معالم الفلسفة الإسلامية ط2ص183

[2] أبو الوفا الغنيمي التفتازاني:مدخل إلى التصوف الإسلامي ط2ص10

[3] محمد حقي النازلي:خزينة الأسرار الكبرى  ص223

[4] عبد الرزاق نوفل:التصوف والطريق إليه  ص27

[5] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص22

[6] القشيري :الرسالة  ص141

[7] الغزالي:منهاج العابدين...ص20

[8] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص9

[9] نفس ج2ص39

[10] عمر فروخ :تاريخ الفكر العربي  ط1ص382

[11] الغزالي:إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية  ج3ص21

[12] عبدد الوهاب الشعراني:اليواقيت والجواهر  ج1ص39

[13] الغزالي:المنقذ من الضلال  ص11

[14] ابن تيمية:مجموع فتاوى، كتاب التصوف  ص77

[15] سورة المائدة  آية 54

[16] الشعراني:اليواقيت والجواهر  ج1ص11

 

 

"كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولوا الالباب"..ص 29

 والتدبر لغةهو تامل بنظر الاستنباط، و اصطلاحا هو تصرف القلب بالنظر بالدليل ..

والتامل هوتركيز الحواس والطاقات الكامنة فيها نحو شئ ما، وهو تمرين روحي يعتمد على الايمان الراسخ بهدف ما عن طريق تفعيل العقل الباطن الذي ينعكس على سلوكيات الانسان بطريقة ايجابية تتحدد من خلالها طريقة حياته ونهجه السليم لتحقيق غاياته.

ان البحث عن الايات التي تدعونا الى تاملها فيه الكثير من التفكر والتدبروالتامل بهذا الخلق العظيم ومافيه من دلائل وعلامات وهي براهين دامغة على ان الله جل وعلا هو الخالق لكل شئ، فتتجلى قدرة الخالق ومعاني التوحيد في نفس المتفكر المتدبر لكُنه الاية التي تعكس معنى الوجود والغاية التي خلقت لاجلها من خلال الايمان المطلق بوحدانية الله.

ولعل المتامل في هذا الكون العظيم والمتعمق والدارس لكل فرع من العلوم كعلوم الفضاء مثلا بما يحوي هذا العلم من ايات اعجازية تختص بدراسة الاجرام السماوية، الشمس، القمر، النجوم والكواكب تتجسد امامه الكثيرالكثير من الدلائل التي ترسخ فيه الايمان المطلق بوحدانية الله وقدرته الاعجازية، كما ان دراسة علوم الطب والتشريح تفتح الباب على مصراعيه اما الانسان ليتامل بديع خلق الله المتجسد بجسم الانسان ومايحوي من ملايين الخلايا وتلك الاجهزة المعقدة الدقيقة التي تقوم بواجبها على اتم وجه..

ان الكون بما رحب هو عبارة عن كتاب مفتوح يدعونا لتامله بعين مبصرة وبقلب مؤمن بالحقيقة، لاستنباط العظة والحكمة من الخلق التي دعانا اليها الله لنتدبرها وقد خاطب العقل فينا لان العاقل من ادرك تلك الحقيقة فتعلم منها وعلم غيره"ان في ذلك لايات لقوم يعقلون" ..النحل 12 اي يدركون كنه الوجود وقضية الخلق وحقيقة الكون ومافيه من ايات انما خلقت لتدل على عظمة الخالق والاقرار بوحدانيته"انما يتذكر اولو الالباب" الرعد 19، والانسان اللبيب هو الانسان المدرك لعقله المبصر لحقيقة خلقه الشاكر لنعم الله وفضله "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض" ال عمران 191، فمحور الموضوع هو قضية النظر الى الكون بعين البصيرة تلك النافذة التي فتحها الله امامنا ودعانا فيها الى تامل بديع خلقه للوصول الى الحق، فخلق السموات بكل ماتحوي من اجرام بتلك المجرات العظيمة الخلق بحساباتها الدقيقة، بابعادها، بسحابها التي تمطر خيرا ورحمة "والسماء ومابناها" الشمس5

والارض بما رحبت، كيف مهدها وذللها للعباد وجعل فيها ارزاقهم واقواتهم، برواسيها وماحوت من كنوز"والارض بعد ذلك دحاها" النازعات30، وانهارها، ببحارها التي جعل فيها ماشاء من الخيرات والكنوزليغترف منها الانسان رزقه وليركب امواجها مسافرا من مكان لاخر"وهو الذي سخر لكم البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه"..النحل 14، بكمية املاحها التي تؤثر بشكل مباشر على كثافة المياه لما لها من دور في حدوث التيارات البحرية بين المناطق الاستوائية والقطبين والتنوع الحيوي للكائنات البحرية

-سبحان الله-"هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل تاكلون لحما طريا" ..فاطر12، وهذا التنوع العظيم بانعامها، باشجارها المتنوعة ونباتاتها" وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه.."الانعام99

واذا مانظر الانسان لابسط مخلوقات الله وهي النحلة نظرة تاملية لادرك الاعجاز بنفسه لتلك المخلوقة الصغيرة التي تعيش بمملكة هندسية سداسية منتظمة متشابهة ومرصوصة، والشكل الهندسي يمنح الخلية تكاملا في البناء بدون ترك فراغات-سبحان الله- تتبع اسلوبا حياتيا منظما، تتجسد فيه كل انواع الانظمة الاقتصادية والعسكرية ولاجتماعية عن طريق توزيع الادوار بمنتهى الدقة تقوم على تقسيم الادوار على ثلاث فئات وهي العاملات والذكور والملكة، وتعتبر الملكة المسؤولة عن انتاج البيض الذي يخرج منه نحل الخلية فهي ام جميع النحل! ويختصر دور الذكور للتلقيح، وبما ان العمل والعبئ الاكبر يقع على عاتق العاملات فقد خاطب الله تعالى في كتابه العزيز العاملات تحديدا بقوله"ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون" النحل68 ثم قال..

"ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس" النحل69، فسبحان احسن الخالقين.

ومذ خلق الله الانسان على الارض وهو يدعوه الى التامل والتفكيروالتدبر بهذا الكون العظيم، فموضوع التامل خلق مع خلق الانسان على هذه البسيطة ليكون العين المبصرة والصوت الحق، وبما ان الله قد وهبنا الحواس والعقل لندرك اهميتهما من خلال الادراك الحسي الملموس لكل تفصيلة من تفاصيل الحياة، سواء اكان ذلك بالعين المجردة وهو كل ماتقع عليه اعيننا من جمال وابداع يتجسد با لطبيعة بما رحبت وحوت من فصول وتغيرها، بالاشجار والازهار، بالشلالت الدافئة والباردة، بالامطار، بحركة الرياح، بالخسوف والكسوف، بالمد والجزر ومايتبع ذلك من تغييرات، بمواسم الحصاد، بالوان السماء ابتداءا من بزوغ الشمس حتى مغيبها، باسراب الطيور وطريقة تكاثرها، بماشاء الله من النباتات وطرق انباتها وثمارها المتنوعة، بكل روعة الطبيعة الساحرة التي تقر ببصمة الله.

فمنمذ تامل نبي الله ابراهيم الكون العظيم بما اتاه الله من نور في قلبه وهدى في بصيرته، ورشاد في تفكيره في ملكوت السموات والارض، توصل الى الايمان، بعفوية الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بان لهذه الارض ومن عليها، والسماء التي تزينها الكواكب والنجوم، ربا خالقا، وحكيما مدبرا، والها صانعا اتقن كل شئ واحكم انشاءه..فقدره تقديرا!..

ولطالما كان يتامل في الليل نجوم السماء وكواكبها، فبعضها دائم المسيرلايستقر في مكان في هذه السماء اللامتناهية الاتساع وبعضها كالثابت في مكانه، لايتحرك اوهو يظهر كذلك، وماهو غير ذلك..

وكان يلاحق القمر بنظراته متاملا اياه، فكان بين هذه النجوم، وقد احاطته هاله من نورشفاف، كالملك تحف به حاشيته، والرعية..

وعندما يتقدم الليل ينحدر هذا القمر الى الافق الاخر، وكانه في ارتحال دائم، لايتوقف !..

وفي الصباح، يتامل ابراهيم الشمس، تغزوبنورها الارض من الافق الشرقي، فتملاها ضياء، تغمرها نورا، وتبعث فيها دفئا وحياة..

وتتهادى في قبة الفلك متحدرة اليه بمهابة وجلال ثم يهبط الظلام وتبدا النجوم تتلالا في كبد السماء كانهن لؤلؤ مكنون ويطلع القمر من جديد، متناقصا ليلة بعد ليلة، حينا متزايدا وحينا متناقصا، وهكذا تستمر الحياة بين ليل ونهار وتعاقب فصول في انتظام رتيب، واتساق عجيب، تبارك الله احسن الخالقين..

قال تعالى (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين *فلما جن عليه الليل راى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لااحب الافلين * فلما راى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ياقوم اني برئ مما تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وماانا من المشركين (79، 78، 77، 76).. ) وهذا سبب اختيار الله لانبياءه ورسله الذين يتاملون ويفكرون ويبحثون سبل خلق هذا الكون العظيم، ولكل نبي جعل الله معجزة يحاجج بها الناس ليؤمنوا بالله وهذه المعجزة التي ايد الله بها رسله وانبيائه خارقة للعادة تحدى الله بها البشر ان ياتوا بمثلها فكانت برهانا ساطعا على صدق انبياء الله في تبليغهم عن رب العالمين، فالبشر لايمكن ان ياتواباية او معجزة من عند انفسهم وبالتالي يكون دليل على ان تلك المعجزة والاية اتية من رب قادر لايعجزه شئ في الارض ولا في السموات، واذا امعنا النظر لوجدنا ان الانبياء والعلماء والراسخين بالعلم وعلماء الصوفية يتخذون من التامل طريقة لنهجهم ومنهاجهم الذي يعتمد على الاختلاء والتفكر والتدبروصولا الى الصفاء الذهني الذي يحقق الغاية ويفتح البصيرة وقد وجه الله رسله وانبياءه ليتدبروا ويتاملوا خلق الكون العظيم وكان خاتم الانبياء رسولنا الكريم محمد (ص) يقضي اوقاته في "غار حراء"بعيدا عن الناس ليختلي ويتامل ويتدبر بديع خلق الله وقد ارسى علومه التاملية بدعوة الحق التي نشرها ليملا العالم قسطا وعدلا ذلك النهج الذي سار عليه ال بيته وصحابته وعلماء المسلمين الذين كانت لهم بصمة واضحة في الحياة من خلال التامل لبديع ايات الله وجميل خلقه، بل ان الديانات الوجودية التي تعتمد الطبيعة اساسا لوجودها انما تقر بطريقة غير مباشرة بوحدانية الله لكنهم-الوجوديون- لايقرون بذلك مباشرة انما يسندون ذلك الى القوى الخارقة في الطبيعة وهم بذلك يقرون بانفسهم بان هناك قوىً خارقة مسؤولة عن ادارة الكون وهو اعتراف ضمني بوجود الخالق المدبر، وهو ما تضمنته عروس القران سورة الرحمن الرائعة وهي تشرح قضية الخلق بمنتهى الروعة وهي موجهة بصورة مباشرة الى الملحدين الذين يشككون بقدرات الله جهرا ويعترفون بذلك ضمنا باعتبار ان الطبيعة من ابداع الخالق"فباي الاء ربكما تكذبان"..

 

مريم لطفي

 

في هذا البحث يلزم التفريق بين الموت وبين فلسفة الموت، وذلك التفريق هو إجرائي وإحترازي من جهة الموضوع، ولما لذلك من أهمية للتعريف والتعرف على ماهو طبيعي وماهو فلسفي، ولأنه كذلك فالموضوع يحتاج للمزيد من الحرص والكياسة والحيطة والحذر، ذلك إن كثيراً من هذه الموضوعات والبحوث إفتراضية ويغلب عليها الجانب الظني الإحتمالي، ولهذا قد ترجح هذا الطرف على ذاك معتمدة على ما هو غالب لديها، ومن جهتنا نحن: سنعمل وفق آلية نرجوا أن نجد فيها الموازنة ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا، وهدفنا من هذا كله تلمس الحقيقة ونشدانها والإحاطة بهذا الموضوع الشائك الجدلي

 ونقول: يندرج هذا الموضوع من الناحية الفعلية ضمن قوانين الوجود والعدم، وأما من الناحية الفلسفية فيخضع لمبادئ العلة والمعلول وقوانينهما، وقد أورد الكتاب المجيد ذلك في هذا الإطار العام، حين جعل من الموت مادة مخلوقة خاضعة لقوانين العلة والمعلول كما هي الحياة، وهذا يكون بإعتبارهما من الوجودات الموضوعية التي خلقت لسبب ما ودلت على معنى ما .

 قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) - الملك 2، يبادرنا هذا النص في الجواب عن علة الخلق وسببه، طارحاً الموضوع ضمن جدلية البلاء وحسن العمل، وهذا الطرح الميكانيكي هو إدخال في التجربة من غير إرادة، فالإستدراك بالتعليل في صيغة الإستفهام - أيكم أحسن عملا -، قيل في شأنه جملة أقوال منها:

أولاً: أن يكون معنى الإبتلاء هو في إختيار (أحسن العمل) مع وجود ما يناقضه .

وثانياً: أن يكون معنى الإبتلاء متعلق في أصل التجربة وفي طبيعتها وفي كيفيتها وفي - تحديد نوع العمل - .

يؤكد هذا: إنه قدم الموت على الحياة في الخلق، ليكون ذلك التقديم بمثابة الضاغط النفسي ليدفع بإتجاه أحسن العمل، بدلالة أنه قد جعل من الموت هو الدليل الدال على صحة التجربة، وخالف في ذلك أخرين بقولهم: إنما المُراد من ذلك التقديم للأهميته ولتوجيه الأنظار للعناية بما يكون عليه الحال في - عالم الغيب والشهادة -، بإعتباره المحطة التي ينتهي إليها المرء وعمله .

 قال تعالى: (إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ...) - الجمعة 8، ينقسم الفعل في هذا النص إلى قسمين:

الأول: هو الفرار من الموت، والفرار من فعل - فر يفر فراراً -، وقد جاء وصفاً للحال على نحو الإستعارة من شدة الخوف من المجهول (أي إنكم تفرون من الموت بإعتباره مجهولاً أو غيباً)، والفرار صفة موصولة تدل على الهروب على نحو دائريا وليس مستقيماً، أي الهروب مع المراوغة وذلك يكون مع الخوف والقلق وعدم الإستقرار والإطمئنان، والنص أعترف بان الهروب وعلى أي نحو كان لا ينجي من الموت .

والثاني: مفهوم ومعنى الموت الذي تفرون منه، على نحو الحقيقة المطلقة إمضاءاً وتقريراً قال - فإنه ملاقيكم -، والأصل فيه من الفعل الرباعي - لقاء -، والذي يكون بمعنى الجمع أو الإجتماع ومنه المُلاقاة، وجملة - فإنه ملاقيكم - وردت في مقام البيان لتأكيد اللقاء، وذلك يكون بضميمة وجود الشرط المقرون مع الفاء، ويكون معناه: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم - حتماً وطبيعةً، وبأنه حاصل على كل حال، قيل: والجملة وردت على نحو المبالغة في تأكيد الفعل .

 قال تعالى: (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) - النساء 78 -، فعل - يدرككم - هو من الإدراك - ومعناه اللحوق أو البلوغ أو النيل، وهو في الجملة ورد في سياق التمكن على كل نحو، وضمير الجمع فيه يعود على الموت، أي إن الموت يلحق بكم ولو تحصنتم ببروج محكمة البناء، وهذه إشارة على أن التحصن من الموت لا يمنعه ومهما كانت الحصون والموانع، لأن الموت واقع بهم على كل حال، ولا يصح التخفي خشية الموت أو الفرار منه والهروب، فالتخفي على هذا النحو مظنة باطلة

قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) - آل عمران 185، هذا النص وبهذه الصيغة هو تقرير وإمضاء بأن كل نفس حية ستموت أو تذوق الموت، والموت في لسان العرب هو نقيض للحياة، وهو في الإصطلاح: مفارقة الروح للبدن -، ولكن هذا المعنى الإصطلاحي لم يُشر إليه الكتاب المجيد بل ذكر شيئاً أخر، بقوله: إنما الموت ما يقع على النفس -، وليس ما يقع على الروح !!، والموت هو صفة للشيء أي ما يقع على ذلك الشيء، أي إنه صفة للفعل الذي يقع على البدن، والصفة والفعل إنما تعبران هنا عن الموت بإعتباره حتمية طبيعية ملازمة لكل نفس حية .

 ولكن ماذا يعني قوله - كل نفس ذائقة الموت - ؟، والجواب: إن حرف الجمع - كل - ليس فيه دلالة على الإستثناء بل هي شاملة للجمع والجميع، فيقع في دائرة ذلك الحرف كل فرد حي وكل جماعة حية، وإضافة - نفس - المُنكرة لهذا دليل على ما نحن بصدده .

 فالنفس: بحسب التعريف العلمي لها تعني (الدم أو دم القلب)، والنص حين يقول - كل نفس ذائقة الموت - فهو يعني: إن الموت يقع على هذا الدم الذي هو النفس، أي إن الموت يقع على البدن والجسد وليس على الروح -، والذي يتذوق الموت إنما هو البدن، وقد أستخدم لفظ النفس مجازاً أو وصفاً وكناية عن البدن .

 وعلى هذا الإعتبار: فالموت إنما يقع على كل حي مادي ذي نفس -، والنفس بحسب التعريف العلمي لها عبارة عن مادة، إذن فالموت إنما يقع على هذه المادة أو (هي من تتذوقه)، لذلك أخبرنا النص بان النفس أو كل نفس - ذائقة الموت - أخبار عن طبيعة الموت وماهيته، وذائقة من فعل - ذاق يذوق ذوقاً فهي ذائقة -، مما يوحي لنا بأن طبيعة المذاق يتعلق بطبيعة حال المتذوق، فتذوق الطعام مثلاً يبين ماهيته وصلاحيته !!، كذلك يكون طعم الموت بالنسبة للنفس الميتة دالُ على طبيعة الميت وما كان عليه في الحياة الدنيا، ثم ما يؤول إليه وينتهي من سعادة أو شقاء وجنة أو نار، وقيل في الفلسفة: إن ماهية كل شيء تكون من جنسه ومن طبيعته، إن كان حسناً فحسنا وإن كان سيئاً فسيئا .

ونعود لبيان التعريف المتقدم والقائل بأن الموت: هو مفارقة الروح للبدن -، قد يُفهم منه لأول وهلة إنه على النقيض لما ورد في النص المتقدم، وبان الموت إنما يقع على النفس، وبما إن الكتاب لم يأت على ذكر الروح ولم يقل إنها هي من يقع عليها الموت !!، وإذا لم يكن من تناقض في البين:

فهل الروح هي النفس؟، أم إنهما طبيعتان وماهيتان مختلفتان؟، فالروح بحسب الوصف القرآني جاءت على هذا النحو، قال: (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) - الإسراء 85، ولم يبين لنا جدل (مقول القول والقول) وهل إنهما من جهة المفهوم واحد أو واحدة ؟، فالنص في سورة الإسراء لم ينف العلم بالروح، ولم يقل إنها غير معلومة أو إنها من الغيب، بل قال هي: من أمر ربي -، وإذا أستدرجنا مفهوم ومعنى - أمر ربي -، فإن ذلك الإستدراج يحيلنا إلى موضوعة العوالم والتي منها (عالم الأمر)، وعالم الأمر في الكتاب المجيد هو عالم مادي، وهذا يعني إن (الروح) وبإعتبارها من هذا العالم فيجب ان تكون مادة كذلك، وقد عبر الكتاب المجيد في مواضع كثيرة عن الروح بإعتبارها (نفخة) أو هي كذلك، والتي بها ومن خلالها تتحرك المادة وتدور، [ فتكون النفخة المُشار إليها بمثابة الطاقة التي بها تتحرك النفس ]، وحين نصف الروح بالطاقة التي تتحرك بها النفس، فهذا يلزمنا للقول بكونها مادة أو هكذا يقول علماء الفيزياء: (إن كل طاقة هي مادة) - .

فيكون قوله تعالى: (فنفخنا فيه من روحنا) - التحريم 12 .

وكذلك قوله تعالى: (فنفخنا فيها من روحنا) – الأنبياء 91 .

 إنما يعبر عن ذلك الذي أشرنا إليه، وبسبب هذا الإيضاح لا يصح جعل النفس منفصلة من جهة الحيوية عن الروح، بل العلاقة بينهما علاقة تبادلية، فالروح لا تكون فاعلة إلاَّ في النفس، والنفس لا تكون منفعلة إلاَّ بالروح .

 ولكن ما معنى ذلك التعريف الذي مر بنا للنفس والقائل إنها: الدم أو دم القلب - ؟، والجواب يكون: إن النفس بصيغتها العامة إنما تمثل كل هذا البدن بأجهزته وأعضاءه، والدم هو هذا الشيء المادي الذي يحمل جميع المورثات والجينات التي تكون في البدن، والذي يُحرك هذا الدم في البدن أو له القدرة على ذلك هي الروح بإعتبارها الطاقة أو النفخة التي يتحرك بها البدن .

 وذهب نفر من أهل الظاهر للقول: بان المراد من النفس ليس ماهيتها بل نوعيتها، وهم يعنون بذلك (النوع) من الكائن الحي والذي يقع عليه الموت، وفي ذلك هم يشيرون إلى أن النفس بهذا السياق تعني النوع العددي والكمي في مقابل النوع الفلسفي المتقدم، ويفهم هذا عندهم في صيغة المُشار والمُشار إليه، بحيث تعني عبارة (كل نفس) كل كائن حي مفرد، وهذا النوع من الوصف هو الذي يقع عليه الموت، وبذلك هم لا يميزون بين ماهية الروح وطبيعتها وبين ماهية النفس وطبيعتها بإعتبارهما جنس لنوع واحد، فالموت الذي يقع على النفس يقع كذلك على الروح من هذه الوجهة .

 وأستخدم بعض العلماء: كلمة (نفس) في مواضع معينة قالوا إنها تصح معها ولا تصح مع غيرها -، كذلك فعل أهل الظاهر حين عرفوا النفس والروح من غير تمييز، وعدم التمييز بين الروح والنفس لا يصح أطلاقاً وليس مطلقاً، بمعنى: إن ما يقع عليه الموت يصبح عدماً ولا تصح في شأنه القيامة والحياة مجدداً -، وهذا ما لا يصح على الروح إطلاقاً، لأن الموت لا يقع عليها أبداً .

قال نفرمن أهل الباطن: ان الروح تولد من (عالم الغيب) وإليه تعود بعد الموت -، وقد أستدلوا على ذلك من قوله تعالى - ثم تردون إلى عالم الغيب - الجمعة 8، وصحح هذا الإستدلال أهل الكشف على أساس ماورد عندهم في بعض المأثور من القول: كنا أنواراً قبل ان تخلق السماوات والأرض - .

 وفي الجملة يكون معنى - مفارقة الروح للبدن - فيه نفي وإثبات من وجه، أي نفي حياة النفس بعد الموت وإثبات الحياة للروح على نحو الشعور والتخيل كالذي كان في الحياة الدنيا مع البدن بعد الموت من غير مادة، وهذا هو الإمكان الحقيقي عند الشيخ الرئيس، من جهة ما يرآه المرء في أحلامه عند النوم، فالرؤية هذه هو شعور وإحساس بالأشياء مجرد، وتكون على هيئة تخيل وتصور ليس إلاَّ، هو أحساس إيحائي يتصوره المرء حقيقة كما لو كان في عالم الوجود والحياة المادية، قال: وما يرآه الرائي في منامه هو عينه مايرآه الميت بعد موته، على نحو يكون معه - كما لو كان موجودا بالفعل في عالم الدنيا - .

ويؤكد لنا علماء الأحياء الطبيعية: بان البدن في الغالب يتحول إلى تراب بعد الموت -، وإلى ذلك يُنسب هذا إلى كلام قديم للإمام علي بن أبي طالب، وهو ما يعيدنا للإستدراك التالي: وبإن السعادة والشقاء مفاهيم نسبية تصورية، ترمزان لمعنى الجنة والنار وعلى نحو ما، وكما أشار إلى ذلك الكتاب المجيد -، وإذا كان ذلك كذلك فلا يصح أبداً إعتبارهما وجودان موضوعيان ماديان، وهذا ما يفسر لنا رؤية الشيخ الرئيس وما ذهب إليه: فالذي يشعر به المرء بعد الموت هو شعور روحي لا جسدي، أي إن عالم ما بعد الموت هو عالم روحي بأمتياز، ولذلك جاءت التسمية منه تعالى منسجمة مع هذا المعنى وليست ببعيدة عنه، وإلى هذا المعنى أشار بعض أهل الكلام بقولهم: وإنما البعث للأرواح لا للاجساد يوم القيامة -، وإلى ذلك ذهب بعض المفسرين للقول بان - البعث يكون على الشيء الموجود بالفعل وليس للشيء الذي سيوجد لاحقاً - ..

قال شيخنا الأستاذ أعلى الله مقامه: إنما الموت هو النوم العميق المفارق، وعبارته مشعرة بان ما يحصل للنائم في حال النوم، من الهم والحزن والفرح والسعادة، يماثله الموت من جهة المقاربة الذهنية، ولهذا قيل: وإنما قيامة المرء فعند موته تكون، فالمشاعر والأحاسيس تحصل للروح لا للبدن، وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) - النساء 56، أي إن المتعلق بالعذاب هو الأداة المؤدية إلى ذلك، وبما إن الجلد هو مركز الأحاسيس والشعور، لذلك قال: إن الشعور بالألم سيستمر بدليل تبديل أداة الشعور، وليس المُراد هو الجلد بما هو هو، وإنما ذكره النص من باب تقريب المعنى إلى الذهن لا غير، ووجاهة هذا الأستدلال تؤكد لنا ما نحن بصدده من القول ببقاء الروح وإندثار البدن وفنائه .

 قال تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة، أرجعي إلى ربك راضية مرضية) - الفجر 27، حرف النداء مع الوصف مشعر بأهمية الموصوف به، وقد مر بنا تعريف النفس على نحو عام فلا نعيد، وإضافة الإطمئنان إليها هو من باب التحقق من المعرفة واليقين، ولا يكون ذلك متوفراً للجميع، بل هو للصفوة من الذين يتصفون بذلك، وقيل: إنها الكيان العام الذي شمله الخطاب النبوي والرسولي، وهو من تلقى ذلك فوعاه كتعاليم ودروس ومعرفة من قبل الرب المعلم، فوثق بها وعرفها وأطمئن لها، والظن الغالب عندي إن تلك العلوم والمفاهيم صعبة المنال من جهة، ومصاديقها نادرة من بني البشر هذا إن أستثنينا الأنبياء والرسل والصديقين، ومثالنا يكون دائماً الإمام علي الذي قال: والله لوكُشف ليَّ الغطاء ما أزددت يقينا -، والقسم على المقسوم دليل المعرفة والإيمان واليقين، وهذا ما لا يتطلب معه رؤية الحقايق الغيبية لكي يؤمن بها أو يثق بصحتها، وهذه الفئة من الناس نادرة الوجود، وهي عندها يكون كل شيء بالنسبة واضحا معلوما، وهذه المعرفة عينها وجدناها ولكن بصيغة مختلفة لدى الإمام الحسين في إني: لا أرى الموت إلاَّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاَّ برما -، هذه هي الشخصية الواثقة المطمئنة العارفة معنى الحياة ومعنى الموت وما يصير إليه الواثقين بربهم، وهذا النص يجعلنا نتوقف ولا نستعجل في إدراك معناه ومادته التي عبر عنها .

 ونقول: هل يجوز وصف كل مسلم أو مؤمن بهذا الوصف عند الموت ؟.

والجواب: لا يجوز مطلقاً لجهة كون النص قد ورد في مقام بيان الحقيقة المطلقة، والتي لا يصح معها المجاز أو الإستعارة، والذي نرجحه في هذا المقام الأستئناس باقوال أخر من قبيل، قوله تعالى: كل من عليها فان - أو - كل نفس ذائقة الموت - وأمثالهما تلافياً للحرج في دقة الوصف والتعريف، وحسبنا في هذا الشأن قوله تعالى - إنا لله وإنا إليه راجعون - المجزيء إنشاء الله في كل حال، والدال على معناه مع الضرورة، ولا يقع جوابنا هذا دفعا للحرج كما قد يتوهم البعض من أهل العلم .

وخلاصة الكلام:

 قوله تعالى: (ونفس وما سوآها . فألهمها فجورها وتقوآها) - الشمس 7 و8، ظاهر النص يوحي ويكأنه جاء إلحاقاً للنص المتقدم، في وصف النفس وهنا جاء الكلام عن التسوية لا عن الخلق، والتسوية فعل لا حق جاء في سياق موضوعة التربية والتعليم، أي إن في مدرج التربية والتعليم هناك ضبط وهناك فوضى، فالضبط يؤدي إلى التقوى والحصانة والفوضى تؤدي إلى الفساد والفجور، ولا يتعلق الفعل بالتكوين إنما هو في بيان منصات التشريع ولوازمه، أي إن الإنسان وبعد أن يتعلم أو يهتدي لمعنى الصواب ومعنى الخطأ، يتُرك ليتخذ القرار بمفرده، ليكون بذلك مسؤولاً عما أتخذه من موقف أو حكم، ولا يصح إدخال موضوعة النص في باب ماهو كلامي من البحوث .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (10)

أما الوجه الآخر، أو المستوى الآخر لصيرورة العقل الإسلامي وفكرته التوحيدية فقد توسعت وجرى تأصيلها في مجرى الصراع ضد اليهودية والنصرانية. وتميز موقف النبي محمد من الأديان وأتباعها بثلاثة مواقف تعكس ممرات الفكرة التوحيدية الإسلامية وكفاحها من اجل التمام في شرعة تهتدي بالقيم المتسامية. من هنا إدراجه الدائم في فكرة الدين الحق أولئك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا، أي أولئك الذين يجسّدون في العلم والعمل وحدة الإيمان الصادق والعمل بما يتوافق معه من فضائل. بحيث يمكننا القول، بأن العنصر الجوهري في الفكرة التوحيدية الإسلامية وعقلها الإيماني يقوم في إعلاء مرجعية الخير المطلق وتحقيقه في مختلف الشرائع. وأفضل الآيات وأدقها التي صورت هذا الموقف، هي الآية القائلة: "لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلونكم فيما أتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا". وجرى استكمال مضمون هذه الآية بأخرى تجعل من العمل الصالح معيار النجاة للجميع بغض النظر عن تباين أديانهم، كما في الآية القائلة:"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ". ووسع هذه الأفكار والمواقف ودققها في الآية القائلة:"ليْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ".

لقد شدد النبي محمد ودقق الموقف من اليهود والنصارى على أساس الموقف من الله، أي الإيمان به والعمل الصالح. من هنا تقييمه وتفريقه بين أولئك الصالحين وهم القلة القليلة والفاسقين وهم الأغلبية، كما في قوله:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ". بينما اختلف موقفه نسبيا من النصارى كما في الآية:"وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً... فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ". لكن القاسم المشترك في موقف النبي محمد هو التميز بين الحق في الأديان والخروج عليه بأثر الغلو. لهذا نراه يقف بالضد من الغلو في الدين والمواقف، كما في الآية:"يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ".  

لقد كان الصراع مع اليهودية والنصرانية محكوما من حيث بواعثه الداخلية بحالات الصراع المحتملة المميزة للمنافسة الندية، أي منافسة الفكرة التوحيدية. وانطلق النبي محمد في موقفه من هذه القضية إلى ما اسماه القرآن بالدعوة "إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ"، و"وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ". أما "الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ".

كان الجدل مع اليهودية والنصرانية أمرا لا بد منه. لكن الحصة الأكبر منه كانت مع اليهود، كما أن النقد الأكبر في القرآن كان ضدهم. غير أن النبي محمد كان يفرّق بين اليهودية السليمة وتصورات اليهود. والشيء نفسه ينطبق على النصرانية. وعندما يقف الجدل عند حدود الإيمان العقائدي، فإنه يطالبهم بالعمل لا بالجدل، كما في الآية:" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ "، ولم يقل من الله. انه طالبهم بالعمل بما عندهم باعتباره حد الكفاية الضرورية.

أما من الناحية الفعلية (التاريخية والسياسية) فقد كان الخلاف مع اليهودية والنصرانية يتزامن مع صعود وانتشار الإسلام وتأمين أسسه العقائدية والإيمانية في الوسط العربي. وإذا كان الجدل المضاد يجري في الأساس ضد ما في القرآن، فإن الأخير اكتفى بما فيه، لأنه جزء من مرجعياته العقائدية والإيمانية الآخذة في التنظيم والعمل، كما اكتفى بالرد العام القائل، بأن ما في القرآن أدق وأصدق وأمتن من أن يتحداه أيا كان. ووضع ذلك في آيات محدودة ودقيقة عندما قال اليهود، بأن ما في القرآن ليس متسقا كما في التوراة، ومن ثم مطالبته بعبارة تقول:" أَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ". عندها رد عليهم قائلا:"قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً".

ووجد النبي محمد في الشخصية اليهودية المتميزة بالغلو والتطرف سرّ الخلاف والعداء للفكرة الإسلامية. ووضع هذا التقييم في اساس نقده لليهود واليهودية، بوصفهما خروجا عن الحق وعليه. من هنا إطلاق صفات متنوعة عليهم مثل صفة الغلو في الحياة، وأنهم قردة خاسئين، وسوء العاقبة، وعدم تمسكهم بالعهد، مع وجود من هو صالح بينهم، إلا ان أغلبهم دون ذلك. وإنهم يحرفون الكلام عن موضعه، ويكتمون الحقيقة، ويحاولون إضلال المسلمين، والكفر بالآيات، ومحاولات التخريب من الداخل، ولا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار، بأسهم بينهم شديد، وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، إنهم قوم لا يعقلون، قلوبهم قاسية بل أقسى من الحجر، وإنهم الأشد عداوة للمسلمين، يلبسون الحق بالباطل، ويكذبون ويقتلون من يختلف عنهم، ويحرصون على الحياة أكثر من المشركين، ويود أحدهم العيش أكثر من ألف سنة. وإنهم يعتقدون بأن أساطيرهم هي "كتاب مقدس"، ويقولون إن لهم الجنة على خلاف غيرهم. عندها كان الرد:"إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ". وإن أحدهم يتمنى لو ان من أسلم عاد للجاهلية الوثنية. الأمر الذي دفعه في نهاية المطاف إلى وضع مهمة إجلاءهم من المدينة، بوصفهم قوما مغضوبا عليهم. ومن ثم ضرورة الحذر منهم، كما وضعها في الآية القائلة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم". بعبارة أخرى، لقد تمثل الإسلام أيضا فكرة الهداية والحق التي أخذ بها أنبياء اليهود وعيسى المسيح. لكن الخلاف مع اليهود أدى إلى خلاف جوهري مع اليهودية من خلال التفريق بين اليهود واليهودية، بحيث توصل النبي محمد في مجرى صراعه معهم إلى اعتبارهم "شر البرية". أما فيما يخص النصرانية فقد كانت الثمانين آية من سورة (عمران) ردا على النصرانية وفكرة إن المسيح ابن الله.

لقد قدم الإسلام رؤية وحدانية جديدة تلتقي في بعض جوانبها بوحدانية اليهودية والنصرانية، لكنها تختلف عنهما اختلافا كبيرا، وبالأخص ما يتعلق منه بنوعية وكيفية العلم والعمل من اجل تحقيقها. فالوحدانية الإسلامية هي نظام من النسب المثلى له "آليته" الخاصة، التي ربطت في كل واحد عوالم الملك والملكوت والجبروت، أي الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان من خلال الجماعة، وبالتالي بناء الأمة باعتبارها كيانا وسطا بين الأديان والشعوب والأمم. وانطلقت بالأساس من فكرة بسيطة تقول بأن الله هو الواحد الحق! الأمر الذي حدد مرجعيته الجوهرية فيما يتعلق بالانتماء الخالص للوحدانية الإسلامية، التي حقق النبي محمد مبادئها وقواعدها في مواقفه الداعية إلى العمل والاستقامة فيه كما في الآية:"ادع واستقم كما أمرت"، وعدم إتباع أهواء الآخرين، وإتباع ذات الإسلام والله الإسلامي، وإن اليهود والنصارى يعبدون ما هو غير الله شأن الذين كفروا، وأنهم اتخذوا من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، بينما أمروا أن يعبدوا إلها واحدا لا اله غيره. وبهذا يكون النبي محمد قد حدد حدود القطيعة بالشكل الذي جعل من الوحدانية الإسلامية مبدأ وغاية الوجود الإسلامي، ومن نفسه رسول الهدى ودين الحق.

إن حقيقة الوحدانية بالنسبة للنبي محمد تعني الانتماء للحق وليس للأديان والمذاهب والمشارب. ففي معرض رده على أولئك الذين عارضوه معارضة لا هوادة فيها مخلوطة بالاتهام والانتقاص والتشويش قائلا، بأنه مستعد لإتباعهم في حال أتيناهم بكتاب أكثر قدرة على الهداية مما يقول به. وفي جميع مواقفه الفردية نرى تجانس وتدقيق هذه الفكرة وتحقيقها في المواقف. فقد دعا الجميع دوما إلى أن "إلههم واحد"، وانه " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ"، و" إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا " و" إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ"، و"وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا"، و"وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا "، و  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ".

إن الله الإسلامي بالنسبة للنبي محمد هم أحكم الحاكمين، العزيز الحميد، له ملك السموات والأرض، رب المشرق والمغرب، لا اله إلا هو، رب الناس، ملك الناس، اله الناس، الحق، له الاسماء الحسنى، كل شيء عنده بمقدار، يعلم غيب السموات والأرض، وما يكتم الإنسان وما يعلن، عالم الغيب والشهادة، الحي الْقَيُّوم، كل يوم هو في شأن، وهو نور السموات والأرض.

وتتصف علاقته بالعالم بالرحمة، فهو الرحمن الرحيم، خلق الإنسان، كما انه خلق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، وإن كل شيء منه وإليه، وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجعون، إذ يسجد له ما في السموات والأرض، وإن كل شيء يأتيه طوعا أو كرها. وبالتالي، فإن كل ما في الوجود محتاج إليه. وهو في الوقت نفسه قريب من الإنسان، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه، كما انه مع نجوى كل إنسان، وهو معه ومعهم مهما كان عددهم أينما كانوا، وانه ليس بِظَلاَّم للعبيد، بل انه علّم البيان والقرآن. ووجد كل ذلك صيغته المكثفة في عبارة "إن الله هو الحق"، وإن كل ما في الوجود فانِ ويبقى وجه الله ذو الجلالة والإكرام.

حددت هذه الرؤية الإسلامية عن الله وطابعه الوحداني، نوعية العلاقة بين الله والحق. فهو مصدر الحق، ومن ثم مرجعية العدل الشامل. إذ لا يظلم الله أحدا، وإن الناس سيرون آيَاتِه في الآفاق وفِي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق. إذ ما كان الله ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، فهو الحق، وما يدعون من دونه هو الباطل، وبالتالي فالحكم له يقضي بالحق.

ومن هذه الفكرة برزت الأبعاد الماوراطبيعية في الوحدانية الإسلامية، التي شددت على أن كل ما يدعوه الإنسان من غير الله هي مجرد أسماء لا تضر ولا تنفع. ففي الواقع لا شيء غير الله. فهو الزارع والممطر وصانع النار وليس الإنسان. وتوقف على هذه الحصيلة الموقف العملي من جوهرية الله في توحيد الإنسان والجماعة والأمة والبشر عموما من خلال إشعاع نوره فيهم. ونعثر على هذه الفكرة في الآية التي تخاطبه بعبارة:"لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "، و"مَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".

أما حصيلة كل ذلك فتقوم في أن الوحدانية الإسلامية هي منظومة النسب المثلى، من هنا نقده لظاهرة الغلو بشكل عام واليهودية والنصرانية بشكل خاص. اذ لا يهودية ولا نصرانية بل إسلام لله، ولا أحزاب بل حزب الله، ولا مذاهب ولا مشارب، بل صراط مستقيم. وهذه بدورها جميعا ليست إلا التجسيد العملي لمرجعية الواحد، التي تتمثل التجانس الفعّال في كل شيء. ووجدت فكرة التجانس طريقها إلى الموقف المحمدي من ضرورة التوحيد الاجتماعي، الذي يعكس نوعية العقل الجديد في تعامله مع إشكاليات الوجود السياسي للأمة. من هنا موقفه المعارض للتفرقة والفتنة. ووضع ذلك في آيات عديدة لعل أكثرها نموذجية تلك التي تنتقد ظاهرة "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"، ومن ثم موقفه من "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ "، وإن العداوة نقمة، وألفة القلوب نعمة. من هنا مطالبته بما اسماه بالاعتصام بحبل الله وأن لا يتفرقوا. وذلك لأن تعدد الآلهة يؤدي إلى فساد الوجود والكون. وبالتالي، فإن وحدانية الحق مبنية على تقوى من الله ورضوان منه، بوصفها البديل عمن يضع أسس بنيانه "على شفا جرف هاو".

لقد شكل التوحيد هنا مرجعية الوحدة الاجتماعية، التي وضعها النبي محمد في آيات تقول، بأن الله مع المؤمنين، وانه يجعل منهم كلا واحدا، وإن الإله الواحد معبود الجميع، وإن الأمة معبودها واحد، وأخيرا ينبغي للأمة أن تعبد ربا واحدا.

ذلك يعني، إن الوحدانية الإسلامية هي التجلي الأمثل للوحدة والاعتدال، مع ما فيها من أهمية قصوى بالنسبة للحرية والإرادة المتحررة من رق الأغيار. فالإله الواحد نعمة لأنه ينفي الاستكبار لأي كان، كما في الآيات القائلة "لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، و"فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". بينما يشكل رفع الله إلى مصاف المطلق ورفض الندية عنه ضمانة تخليص الفرد والجماعة والأمة من الخضوع لغيره. بمعنى نفي الوسائط. الأمر الذي يؤدي إلى معارضة التقليد ورفع شأن الفرد بمعايير ومقاييس المطلق الأخلاقي. اذ ليس الله سوى المطلق الأخلاقي. وبلغت هذه الفكرة ذروتها العملية في علاقة التوحيد بالجماعة والأمة، بوصفها مضمون العقل النظري والعملي، ومن ثم العقل الثقافي الإسلامي اللاحق.

فقد كانت علاقة الجماعة بالأمة البديل التوحيدي الجديد لنماذج العلاقات الاجتماعية وبنيتها الراسخة في القبيلة وقيمها. أنها تنفي الحدود الوثنية والجاهلية في المفاهيم والمواقف والقيم. وتكاملت الفكرة الإسلامية عن المسلم والجماعة والأمة ضمن سياق التوحيد الطبيعي والماوراطبيعي، أي كل ما وجد تعبيره وتدقيقه وتحقيقه فيما يمكن أن نطلق عليه مفهوم الوحدة الحية للنسب المثلى. فالوجود نسب، والله الإسلامي هو التجلي الأمثل لها. فالله، على سبيل المثال، جميل ويحب الجمال، حسب الحديث النبوي المشهور، أي الصيغة المثلى لوحدة النسب المثلى فيه. إذ كل ما في الوجود منه وإليه، ومن ثم، فإن الوجود نسب تصبح مثلى حالما تحاكي وتحقق الجمال الإلهي في الوجود. وينطبق هذا على جميع صفاته.

وقد مرت علاقة الجماعة بالأمة ووحدتهم بأربع مراحل لكل منها مرجعياته الخاصة والعامة، أو بأربع تجليات. والعامة هو التوحيد الاسلامي، والخاصة هو استجابتها العملية للتحديات، وبالتالي تأسيسها للمرجعيات العملية، أي النسبية والعابرة أو المنفية لاحقا في نماذج أوسع وأدق للعلاقة بينهما.

التجلي الأول: وهو وحدة الجماعة والأمة وحدودها، كما نراه في وحدة النسب التالية: الله والنبي، والنبي والجماعة، والجماعة والأمة.

التجلي الثاني: فكرة الأمة الوسط وتوحيد النسب الحية للوجود الطبيعي والماوراطبيعي، أو التاريخي والما فوق تاريخي، كما نراه في  إعلاء وإرساء مرجعية العدل والاعتدال.

التجلي الثالث: الوسطية والعدل بوصفهما الأساس العقائدي والروحي للعقل النظري والعملي.

التجلي الرابع: إرساء فكرة الأصول ومرجعيتها الجوهرية اللاحقة في الوعي الثقافي الإسلامي، أي كل ما سيحدد حدود الإشكاليات المتعلقة بالوجود الطبيعي والماوراطبيعي للجماعة والأمة، بفعل التأثير الحاسم والمتفاعل لمرجعيات التوحيد والوحدانية، والجماعة والأمة، والعدل والاعتدال.

وشكلت هذه المرجعيات في وحدتها المتحركة والمبدعة مضمون العقل الإسلامي الثقافي اللاحق، والذي يمكن رؤية ملامحه الظاهرية والباطنية في مبدأ الاعتدال بوصفه المبدأ الجوهري في الإسلام. إذ يستمد الاعتدال الإسلامي مقوماته من الوحدانية المتجانسة ويجسّدها ويحققها في الموقف من إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للأمة. فقد طبع هذا المبدأ كينونة الإسلام الحقيقية (الأولى).

وأدى كل ذلك إلى بلورة أساليب متداخلة في مجرى المسار التاريخي المعقد للصيرورة العربية الإسلامية أولا والإسلامية ثانيا، ومن ثم بلورة خصوصية العقل الإسلامي بوصفه عقلا إيمانيا، وتوحيديا، وثقافيا. ومن ثم حددت طابعه الوحداني والديناميكي بقدر واحد. مع ما ترتب عليه لاحقا من إنتاج الواحدية الثقافية التي عملت على توحيد الاختلاف والإجماع ضمن المنظومات الفكرية النظرية الكبرى في الفقه والكلام والتصوف والفلسفة، وأنتجت أمة ثقافية سياسية، وأبدعت اعتدال ثقافي مبني على وحدة منهجية للثنائيات الجوهرية في الإبداع الثقافي العقلي الإسلامي كما هو جلي في وحدة الأصول والفروع، والرواية والدراية، والعقل والشرع، ووحدة الدين والدنيا، والدنيا والآخرة، والعادات والعبادات، والمعقول والمنقول، والظاهر والباطن، والعقل والإيمان، والإجماع والاجتهاد، والشريعة والطريقة وكثير غيرها. (انتهى).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (9)

لكل مرحلة تاريخية ثقافية عقلها الثقافي الخاص، ومن ثم عقلانيتها النظرية والعملية. فالإبداع العقلي والعقلاني الذي يلازم بالضرورة الانتقال من مرحلة تاريخية ثقافية إلى أخرى يحتوي على تأسيس الرؤية النظرية والعملية لإنجاز مهمات التحدي التاريخي، ومساعي الإرادة التاريخية لحل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي عبر إرساء أسس المرجعيات الثقافية المتسامية أو المافوق تاريخية. ففي المرحلة الثقافية الدينية، على سبيل المثال، يتباين العقل (الذهنية والنفسية العامة) ومساره الخاص عبر نوعية العناصر الجوهرية في رؤيته النظرية والعملية العاملة على إرساء منظومة المرجعيات المتسامية. ففي وادي الرافدين جرت عبر فكرة مركزية الدولة وقوانينها "الإلهية"، وفكرة الحق والحقوق، وفكرة المدينة والمدنية، بينما جرت في مصر القديمة عبر فكرة مركزية الدولة، وفكرة الأخلاق العملية والإدارية، وإلوهية الفرعون، والقانون الأخلاقي والديني. في حين اتخذت في الصين القديمة فكرة أولوية وجوهرية الدولة المركزية، ومركزية الدولة وحدودها، وفكرة الأخلاق العملية السياسية والإدارية، والأهمية التأسيسية للأسلوب الفلسفي في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي كما نرى نماذجه الكبرى في فلسفة لاوتسه وكونفوتسه (كونفوشيوس) وتيار القانون والشرعية. أما في اليونان فقد جرت عبر فكرة الدولة -المدينة، وجوهرية الرؤية الفلسفية في التعامل مع إشكاليات الوجود التاريخي وقضايا ما وراء الطبيعة، والإقرار بإمكانية وأحقية التنوع في اختيار النظام السياسي، كما نرى نموذجه الأعلى في الفلسفة السقراطية والأفلاطونية والأرسطية والرواقية والفيثاغورية وغيرها.

كل ذلك يكشف ويبرهن على الطابع التاريخي والثقافي للعقل، بوصفه معاناة وتجربة تاريخية متميزة وأصيلة، لكنها تعمل وتفعل ضمن حدود مرحلتها التاريخية الثقافية، وفِي الحالة المعنية ضمن حدود المرحلة الثقافية الدينية. ذلك يعني، إن العقل النظري والعملي هو عقل ثقافي، لأنه يحل إشكاليات الوجود بذهنيته الخاصة ومعاناته العملية، الأمر الذي يجعل من "العقل الجديد" عقلا تاريخيا وثقافيا وليس منطقيا. فالأخير هو احد أساليب المعرفة المجردة، بينما الانتقال من مرحلة إلى أخرى هو انتقال تاريخي وثقافي. ومع كل مسار تاريخي نوعي، أي تحول وانتقال من مرحلة إلى أخرى أكثر رقيا، تتضح معالم العقل الثقافي.

وبالنسبة للإسلام يعادل العقل الثقافي العقل التوحيدي أو العقل الاسلامي، بينما تعادل العقلانية النظرية والعملية فكرة الأصول، مع ما ترتب عليه من خصوصيته المتحققة في فكرة ومنهج الاعتدال والوسطية (تجاه كافة القضايا السياسية والأخلاقية والمعرفية والحقوقية وغيرها). وذلك لأن الاعتدال هو أسلوب وجود الأشياء ونموذج النظام الأفضل للبشر. فهناك على سبيل المثال، ترابط عضوي بين العدل والاعتدال. فكلاهما من جذر واحد، ويرميان إلى غاية واحدة، ويعبران عن نفس المساعي العامة النظرية منها والعملية، انطلاقا من أن العدل هو القيمة الكبرى في الأخلاق، والاعتدال أسلوبها الضروري.

اذ ليس العدل في نهاية المطاف سوى الصيغة الحقوقية والأخلاقية للحرية. وبالتالي، فإنه الرصيد غير المرئي للبحث عن الحقيقة وتأسيسها العملي في ميدان الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي للأفراد والمجتمعات. وليس مصادفة ألا تخلو أية فكرة متسامية من العدل والدعوة إليه. بل يمكننا القول، بأن تاريخ الرقي الإنساني الروحي هو تاريخ ارتقاء فكرة العدل. وقد كانت الإرادة المحمدية تحتوي في أعماقها منذ البدء على هاجس العدل العميق والاعتدال العقلاني، الذي يرفض ويناهض نفسية وذهنية الغلو والتطرف بمعايير ومقاييس المرحلة الدينية السياسية. وليس مصادفة أن تسعى اغلب الفرق الإسلامية المناهضة لسلطان الخلافة والإمامة الجائرة إلى تأسيس حقيقة العدل باعتباره اعتدالا، أي أن اغلب الاتجاهات الفكرية الكبرى في الحضارة الإسلامية كانت تسعى لتأسيس رؤيتها الخاصة عن العدل المجرد بالشكل الذي يتناسب مع الأصول الكبرى العامة للإسلام، وبكيفية انكسار هذه الأصول في مبادئها الملموسة وعقائدها العملية. وضمن هذا السياق تعادل أصول القرآن والسّنة المحمدية الصيغة الدينية للعقل النظري والعقل العملي، بينما تعادل أصول القياس والإجماع اللاحقة الصيغة السياسية أو الدنيوية للعقل الثقافي.

فإذا كان القياس بالمعنى المنطقي المجرد والثقافي الملموس يعني البحث عن تنوع الأدلة العقلية، فإن الإجماع هو توحيدها المنطقي المجرد. وليس مصادفة أن يقف النبي محمد موقف سلبيا من الشعر، وهو ابن وسليل التقاليد التي جعلت من الشعر ديوان العرب ومنطق لسانها العقلي والوجداني. وذلك لأنه وجد فيه وجدانا فرديا أو قبليا متحزبا. إضافة إلى الخلاف الجوهري بين كون الشعر مصدره الشيطان، والوحي مصدره الرحمن. والشعر تقرير وأحكام بينما القرآن جدل وبيان. الأمر الذي جعل من هيمنة العقل الجدلي والبياني فيه أمرا محتوما. فالبيان حالة ملازمة للوحي الديني، كما انه يستجيب لقيمة وأهمية البيان أو البلاغة في الوعي العربي وتقاليده. فهو يحتوي على مختلف أساليب وأنماط المعرفة العقلية مثل الشك واليقين والبحث والجدل والتدليل التاريخي والمنطقي والتجريبي وغيرها.

غير أن ما يميز العقل الإسلامي كونه عقلا إيماني، أي أن العقل جزء من الإيمان أو الإيمان نفسه، وأن الإيمان هو جزء من العقل أو العقل نفسه. وفي هذه العلاقة الجديدة لوحدة الطبيعي والماوراطبيعي تبلورت ماهية العقل الإسلامي، ومن ثم أثره بالنسبة لنقل العرب إلى المرحلة الدينية السياسية. وترتب على ذلك تلاقي وتناغم العقل الديني والعقل السياسي بالشكل الذي يستجيب لمرجعيات المرحلة الدينية السياسية كما بلورها الاسلام المحمدي في مرجعيات الوحي، والسنّة، والعقل، والمعرفة، واليقين، والاعتدال ورفض الغلو.

إن العقل الإيماني الإسلامي هو عقل توحيدي، يتداخل فيه العقل الثقافي والإسلامي وتوليفهما بهيئة عقل إسلامي ثقافي فسح المجال أمام قبول القياس أو العقل المنطقي المقارن والإجماع أو العقل المنطقي الجامع. ولكليهما أصول في الفكرة المحمدية عن التعقل والتأمل والإدراك والمعرفة، وفكرة التوحيد الاجتماعي (الأمة) انطلاقا من فضيلة الاختلاف، بوصفه أسلوبا لبلوغ اليقين الجامع، ودرء اختلاف الفتنة والصراع. فقد كان مضمون العقل الإسلامي كما تبلور بصورة تدريجية وخرج من رحم الفكرة التوحيدية المحمدية بوصفه عقلا ثقافيا أيضا، يرمي إلى تأسيس قيمته المجردة لتذليل الاختلاف القاتل، وتشجيع الاختلاف الخلاق، وأولوية المصالح العامة باستناده إلى العلم والمعرفة المنطقية وآثار السلف المجتهد.

 لقد تبلورت معالم ومفاهيم ومرجعيات العقل الإسلامي الأول (المحمدي) في مجرى الصراع التاريخي الهائل من اجل إرساء أسس التوحيد والعدل. ومنهما تحددت ملامح الوسطية الإسلامية بوصفها المرجعية النظرية والعملية للعقل الإسلامي المحمدي.

ذلك يعني، إن العقل الإسلامي المحمدي مبني على ثالوث التوحيد والعدل والاعتدال. فالتوحيد هو العقيدة العامة التي تعادل معنى الوحدة والواحدية، والعدل هو أسلوب تحقيق الفكرة التوحيدية وقيمها الأخلاقية والقانونية، والاعتدال يعادل رفض الغلو في الأقوال والأعمال والسريرة والعلن.

ومن هذا الثالوث تبلورت مرجعية العقل، بوصفه أصلا من أصول الإسلام ومظاهره المتنوعة في وحدة العقل والشرع، والعقل والنقل، أي كل ما سيشكل مضمون العقل الثقافي الإسلامي. وما قبل بلوغ العقل الإسلامي الأول مرتبة العقل الثقافي الاسلامي، كان ينبغي لهذا العقل أن يرسي أسسه الضرورية.

فكما لا ينجح التحدي الفردي إلا بوجود إرادة فردية متسامية، كذلك لا ينجح التحدي التاريخي بدون إرادة تاريخية كبرى. فالأول وثيق الارتباط باليقين الفردي المتفائل، والثاني وثيق الارتباط بالعقل الثقافي الجديد. وهذا بدوره ليس إلا العقل المؤسس لمنظومة المرجعيات المتسامية، أي منظومة البديل التاريخي الذي يعي الخلل البنيوي أو المأزق التاريخي للعنصر الجوهري في صيرورة وكينونة المرحلة التاريخية الثقافية السابقة.

فقد كان القرآن والوحي أساس الصيرورة التاريخية للعقل الإسلامي المحمدي، الذي جرى وضعه في أساس قراءة الواقع وتوسيع وتدقيق الفكرة الوحدانية. ومن خلالهما جرى تحديد السلوك العملي لاستكمال مهمات الإرادة التاريخية المتسامية وتنفيذ متطلباتها. ومن الممكن رؤية ذلك في تناثر الآيات القرآنية التي كانت تعاتبه وتنتقده وتوبخه وتحذره، أي كل تلك الصيغ المعبرة عن مراقبة النفس ونقدها ووعي سلوكها الدقيق. ففي هذه الآيات تنعكس أولا وقبل كل شيء ملامح ونماذج نقد الذات والمحاسبة، أي التأمل الذاتي للأفعال والأقوال، لكي لا تكون سنّة بعده. فهناك فرق جوهري بين النظرة المتسامية للأفعال وبين التقليد المباشر أو الفج. فعندما شاهد، على سيل المثال، جثة حمزة والتمثيل به بعد مقتله، قال:" لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بُطُون السباع وحواصل الطير". وقال أيضا "لأن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم". عندها قال المسلمون بأثر ذلك: "سوف نمّثل في قريش مثلة لم تمثل بها العرب". وبأثر ذلك ظهرت الآية: "وإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ". بينما نراه يغير موقفه من الصلاة على قبور الفاسقين أو المنافقين كما هو الحال بالنسبة لنموذج ابن سلول. فقد صلى النبي على قبره، بينما وقف عمر بن الخطاب بالضد منها. لكن النبي محمد رفض موقفه، ولاحقا عدّله بالآية: "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ". بينما أثارت حادثة الإسراء والمعراج جدلا وشكوكا كبيرة. وبغض النظر عن تغير وتطور وتباين واختلاف المواقف من هذه القضية، إلا أن الإجماع الأولي كان يدور حول إبراز المعنى الروحي في الإسراء والمعراج، كما نرى صداه اللاحق في آراء وتفسير ابن مسعود وقتادة والحسن البصري، الذين ركزوا في شرحهم إياها على فكرة الهداية الإسلامية. وقبلهم كما ينقل عن عائشة قولها بأن النبي محمد اسري بروحه وليس بجسده. غير أن مأثرة الإسراء والمعراج الكبرى فيما يتعلق ببلورة العقل الإسلامي تقوم في كشفها عن تجانس الفكرة الإسلامية وشحذ قوتها من خلال إثارتها للفتنة العقلية والجدلية. وقد وضعها محمد في آية تقول "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ". ومن خلالها وعبرها جرى توحيد المعنى.

كان "نزول الوحي" مرتبطا دوما بأحداث محددة ومعينة وثيقة الارتباط أو العلاقة بالنبي محمد. مما أدى إلى تحويل أحداث الزمن العابر إلى تاريخ "إلهي" (أبدي). بينما ترتفع العبارة بأثر ذلك إلى مصاف الآية القرآنية، التي تقرأ الاحداث والوجود عبر تحويلها الى آية إلهية أو خطاب إلهي. فقد ابتدأ الوحي على سبيل المثال في رمضان كما في الآية "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، أو أن يصور معركة بدر بعبارة "يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَا". بينما انقطع عنه الوحي لمدة خمس عشرة ليلة عندما قال لليهود الذين حاولوا إحراجه بأسئلتهم، بأنه سيرد عليهم غدا دون ان يتبعها بعبارة "إن شاء الله"، بينما انقشع هذا الانقطاع بالآية "والضحى والليل إذا سجى". وشأن كل قراءة جديدة للوجود فإنها أثارت مختلف أنواع الجدل، التي تراوحت بين الصد والرد بمختلف أشكالها. ومن بين أكثرها أهمية بهذا الصدد هو ظهور حالة صعوبة فهم بعض ما في القرآن. اذ تشير بعض الروايات إلى قول أبي سفيان للأخنس بن شريق: "لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها". بينما وجد البعض الآخر فيه شكلا من أشكال الشعر، مثل اعتباره هجوا. فقد كانت العرب تفهم الواقف النقدية لمحمد تجاه أفكارهم الوثنية وجاهليتهم الأخلاقية  على انه هجاء لهم كما في موقف أم جميل زوجة أبي لهب، التي التقت بابي بكر في الكعبة وقالت له: "يا أبا بكر! أين صاحبك؟ فقد بلغني انه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه"، أي لضربت فمه بالحجر. والشيء نفسه يمكن قوله عن التصورات والأحكام العربية الوثنية التي واجهها في مجرى ظهور وبلورة الآيات القرآنية. فقد كان اغلب هذه التصورات والأحكام في البداية تتصف بالاستغراب، ثم السخرية والاستهزاء، ثم الرد والجدل، وبعدها التأمل الخفي والعلني لما فيها من معاني. ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب. فقد كانت اغلب آيات القرآن تعبيرا عن وقائع الحياة اليومية. ومن الممكن أن نتخذ مما سمي بحديث الأفك نموذجا لهذه الظاهرة. فعندما طلب النبي محمد من عائشة التوبة، إجابته: "وأيم الله، لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شئنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يقرأ في المساجد".

إن تحول الوحي الذاتي إلى قرآن شامل مرتبط بوحدته الداخلية، بوصفها معاناة صادقة ومحكومة بفكرة التوحيد الصادق، والإخلاص الصادق مع النفس. من هنا غياب التبرير، لأنه معاناة مزيفة، ومن ثم لا يكشف الحقيقة كما هي. ومن الممكن العثور على ذلك في نموذج ما يسمى بعمرة القصاص عندما أفسدت عليه قريش العمرة عام ستة للهجرة. بعدها خاض معركة دخول مكة عنوة. ولم تكن ذريعة، بل استمرار فكرة الشهر الحرام والمحرمات قصاص. أنها تحتوي في ذاتها على إعادة تأسيس لتقاليد الأشهر الحرام العربية القديمة، أي تجربة الروح المسالم مع النفس. وعموما يمكننا القول، بأن القرآن هو مدونة الأحداث والصراع كما نراه في نموذج " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ"، لأن الأخير كان يقول "محمد يعدنا بأشياء بعد الموت لا نراها"، ثم ينفخ في يديه ويقول "تبا لكما!"، كما كان نبتل بن الحارث يقول أن محمدا "أذن"، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ...". بينما قال معتب بن قشير يوم أحد:"لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا". وكان الرد بالشكل التالي، و"طائفة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا"

 وهو نفسه من قال يوم الأحزاب:"محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن الذهاب إلى الغائظ". وكان الرد:"وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرور". في حين كان وديعة بن ثابت عادة ما يقول إنما كنّا نخوض ونلعب. وكان الرد:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟". أما سورة (المنافقين) فقد كانت متعلقة بالرد على عبد الله بن سلول الذي قال في غزوة بني المصطلح: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". بل إن جميع الآيات القرآنية ذات صلة بالحوادث والمواجهات والاختلافات التي واجهها محمد. فهي أما اختزال للموقف والتقييم والبدائل، أو إعادة صياغة لغوية ضمن مسار الفكرة الإسلامية أو ضمن سياق الرؤية المحمدية. ونعثر على ذلك في التكثيف الدقيق والجمالي لعبارات وكلام العرب الوثنية بعد صهرها في بوتقة القراءة الجديدة للقرآن. حينذاك يجري دمجها بوصفها وحيا. فقد كان ابن الزبعري على سبيل المثال يدعو لجدل محمد وفكرته عن أن جميع الآلهة التي تعبد ستكون حصب في جهنم، بالشكل التالي: سلوا محمد، أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود يعبدون عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم؟ وكان رد النبي محمد بالشكل التالي:"وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.". كما نعثر على مختلف أشكال المحاسبة الذاتية كما هو الحال بالنسبة لحالة ابن مكتوم الأعمى، التي وجدت انعكاسها في سورة (عبس). بل أن المائة الاولى من آيات (سورة البقرة) ذات صلة بالرد على اليهود ومنافقيهم. وهناك ستون آية من (آل عمران) حول معركة أُحد. أما سورة (الحشر) أو الجلاء، فقد كانت تتعلق بالجدل حول الحرب مع بني النضير وإجلاؤهم إلى خَيْبَر. كما أن سورة (براءة) كانت تسمى في زمن النبي محمد وبعده بسورة (الحشر) لما كشفت من أسرار الناس. وضمن هذا السياق يمكن فهم التمايز الذي اخذ بالوضوح والبروز على مثال الشخصية المحمدية وليس على مثال الأسلوب والصيغة والعبارة. فقد صحح أبو بكر في إحدى المرات بيت من الشعر قاله النبي محمد بصورة خاطئة أو ليست دقيقة، عندما استبدل الكلمات بما لا يتوافق مع القافية، بعدها قال أبو بكر:"اشهد أنك كما قال الله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي)". غير أن هذا لا يعني انه لم يعرف الشعر، على العكس. فهو لم يقف ضد الشعر كما هو، بل أراد تطهيره من حمية الجاهلية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (8)

كانت مهمة تأسيس القيم الجديدة من بين أهم إشكاليات العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الرؤية الإسلامية الجديدة. إذ جرى تأسيسها، بوصفها تحديا وبديلا للقيم الجاهلية والوثنية وليس العربية ككل. ومن ثم فإنها تحتوي على تمثل عميق لتجارب الأسلاف، أو التجارب التاريخية الذاتية ولكن من خلال صهرها في بوتقة المرجعيات الجديدة للمرحلة الدينية السياسية. ومن الممكن العثور على ذلك في مواقفه تجاه عشرات بل مئات المفاهيم والقضايا.

فقد كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى الموت على انه جزء من فعل الدهر، ومن ثم فإن كل حياة فانية بحد ذاتها، إلا أن قيمتها الكبرى ترتبط بقيم الوجود والذكرى المتسامية كما هو الحال في ارتباط ذكرى الإنسان بقيم الشجاعة والمروءة والكرم والجود والدفاع عن الأهل والقبيلة وغيرها من الفضائل. فالموت يختطف الإنسان، ومن ثم فكل وجود هو زمن عابر، لأن الإنسان موجود في الوجود، وأن وجوده ينتهي بمغادرته، كما في قول ضرار بن الخطاب بن مرداس:

فإن تك قتلى غودرت من رجالنا     فإنا رجال بعدهم سنغادر

وسوف يتغنى بهذا البيت الشعري محمد بن الحنفية في دراما مواجهته الموت. بينما أنشد شداد بن الأسود الليثي:

يخبرنا محمد لسوف نحيا     وكيف لقاء أصداء وهام؟

والصدى هو ما تبقى من الميت. أما الهام فمن جمع هامة. وهي طائر تزعم العرب انه يخرج من رأس القتيل يصيح ارقوني حتى يؤخذ بثأره فيسكت. وقد نفى الإسلام هذه الرؤية الطبيعية بفكرة ماوراطبيعية تقول بأن الموت هو مجرد طور في أطوار الوجود، يولد ويموت ويحيا، وأن لكل حالة معنى. فالإنسان كالوجود بمعايير الطبيعة عرضة للفناء والزوال، ولا يبقى غير وجه الله ذو العزة والجلال. لكنه بقاء يعطي لانقطاع الزمن العابر ولادته الجديدة.

وإذا كان الفوز في التقليد العربية القديمة هو فوز القوة الجسدية، فإنه ارتبط في الفكرة الإسلامية بتفاؤل الروح وليس بقوة الجسد. فعندما قتل احد الوثنيين مسلما بعد أن طعنه بالرمح، قال المسلم: "فزت والله!". فاستغرب الأول قائلا:"بأي شيء فاز وأنا قتلته؟". ذلك يعني أن الفوز ارتبط في الوعي الإسلامي الصاعد بالشهادة، بحيث سعى الفكر الإسلامي التاريخي والفقهي لاحقا بتصوير موت كبار المسلمين على أنهم شهداء بما في ذلك النبي محمد نفسه، انطلاقا من أن اليهود هم من دّس له السم.

كما عارض الإسلام وسعى لنفي قيمة القبيلة الجاهلية باستبدالها بفكرة الجماعة والأمة، وبفكرة المسلم المؤمن. بعبارة أخرى، إن الفكرة القائلة، بأن من غّير وبّدل البنية القبلية في الإسلام هو المدينة وليس الفكرة الإسلامية نفسها يتجاهل حقيقة أن الإسلام هو مصدر الفكرة المناهضة للقبلية وانه وضع أسس الدولة والفكرة المدنية والحقوق، أي كل ما كان يساهم، على خلفية المراكز الحضارية القديمة في العراق والشام ومصر، من تخفيف وتذليل القبلية. إن تذليل النزعة القبلية ينبع من فكرة التوحيد الإسلامية التي تربط وتؤسس للمفاهيم والقيم بمعاييرها وليس ببقايا أو تقاليد ما قبلها وغيرها. وليس مصادفة أن يؤدي الانحراف الأول عن هذا الموقف الإسلامي زمن عثمان بن عفان وتحوله إلى فكرة سياسية زمن الأموية، إلى ظاهرة التمرد الدائم عليه بوصفه خروجا على مبادئ الإسلام عن الأمة.

وفِي علاقته بالزمن والتاريخ جرى تحويل زمن الهجرة النبوية إلى تاريخ إسلامي، بدأ في ربيع أول السنة الثانية عشر بعد بداية الدعوة، التي تقابل الرابع والعشرين من أيلول عام 622 الميلادية. وبهذا يكون التقويم الإسلامي بداية وعي الذات التأسيسي بالنسبة للزمن والتاريخ، أي انه وضع مقدمة وأسس الانتقال إلى حالة أخرى في الوعي الديني السياسي. فقد رافق الهجرة النبوية مشروع التوحيد الاجتماعي والأخلاقي والقانوني والعقائدي الإسلامي. ففي الوثيقة التاريخية التي وضعها النبي محمد في يثرِب نعثر على جملة مبادئ عامة مثل التعليم، والموآخاة ( الأخوة )، والعدالة، والمساواة، وإدخال النساء والعبيد في حكم الشورى، والاستشارة، وتوحيد العبادات وإرساء أسسها وقواعدها. وفِي جميعها كانت نتاج تجربة ذاتية وتلقائية، ومن ثم كانت تحتوي وتعبر بقدر واحد عن نوعية التحول الإصلاحي الثوري في إرساء أسس الجماعة والأمة والفكرة السياسية. وليس اعتباطا أن تتحول لاحقا إلى بداية التقويم الاسلامي مع أن الأولى هو أن تكون بداية الدعوة المحمدية منطلق التقويم الإسلامي. الأمر الذي يعكس جوهريتها بالنسبة لوعي الذات الديني الثقافي والتاريخي والسياسي.

إن حصيلة كل هذه الأمثلة ومئات غيرها تكشف عن أن النفي الإسلامي لتقاليد الإثنية والجاهلية العربية كان نفيا توحيديا بالمعنى الاجتماعي والعقائدي. وكشفت حصيلة النفي التاريخي للوثنية والجاهلية عن أن مساعي التوحيد قد أسست لمنظومة مرجعياته النظرية والعملية. ومن الممكن اختصارها بما يلي: إن  العبادات فكرة دينية غاياتها سياسية وهي توحيد المسلمين على مستوى الروح والجسد؛ وأن الجماعة فكرة دينية بينما الأمة فكرة سياسية، وأن طاعة النبي دينية وطاعة أولياء الأمر سياسية. وينطبق هذا على اغلب المفاهيم المفصلية المتعلقة بالتوحيد الاجتماعي والعقائدي مثل الشورى والجهاد. وعموما يمكننا العثور في جميع الثنائيات الكبرى والعديدة على نفس النمط الذي يشير إلى النفي النموذجي والفعلي للمرحلة الثقافية الدينية بالمرحلة الدينية السياسية. ولعل فكرة السلطة والدولة من بين أكثرها وضوحا وأهمية.

أدت هذه العملية التاريخية ومّهدت لظهور فكرة السلطة من خلال فكرة المركز والقرار النبوي، وفكرة التوحيد الاجتماعي عبر الانتقال من فكرة الجماعة إلى فكرة الأمة. ومن تلاحمها تراكمت وتكونت فكرة الدولة الإسلامية. وخصوصيتها التاريخية والثقافية، تقوم في تشكلها عبر بناء مرجعياتها الروحية والعقائدية والاجتماعية بوصفها الأساس الضروري للنظام السياسي اللاحق والدولة. بمعنى أنها تراكمت وتكونت في القاعدة وبلغت ذروتها في النظام السياسي. الأمر الذي يفسر ثباتها وقوتها الروحية التي أبقت على مرجعية التوحيد ومبادئ العدل والاعتدال كامنة في الوعي السياسي والأخلاقي لمختلف الفرق والاتجاهات، رغم تباين أولوية القيم العملية في عقائدها.

وفيما يخص فكرة السلطة السياسية، فإنها لم تتبلور بصورة واضحة وجلية إلا بعد موت النبي محمد. وما قبل ذلك كانت تعتمل في الأنفس، بوصفها قوة معنوية لكنها لم تتغلغل وتثبت في الوعي والرغبات والمساعي بأثر العقيدة أولا، وبأثر الثروة والجاه لاحقا. وقد برزت الصيغة الأولية الواضحة والجلية بعد موت النبي محمد، في الخطوة التي قام بها أبو بكر عما اصطلح عليه بحادثة السقيفة. حيث تبلورت هنا للمرة الأولى بداية مرحلة جديدة تستكمل بدورها التجربة المحمدية ولكن بمعايير الاستخلاف. ووجد ذلك تعبيره النموذجي في الخطبة الشهيرة لأبي بكر الصديق كما هو جلي في قوله:"إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الضعيف قوي حتى ارجع الحق إليه، والقوي ضعيف حتى اخذ الحق منه. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم".

إننا نقف هنا أمام نموذج كلاسيكي للسلطة الرشيدة والمحكومة والفاعلة بقوة الشريعة والمصالح الاجتماعية وفكرة الحق والاحتكام للأمة، بما في ذلك حق الأمة أو واجبها بالانتفاض والتمرد وإجبار من خرج على القانون والشرع والمصالح العامة. وتعكس هذه الخطبة في فكرتها العامة ومبادئها العملية صدى الرؤية المحمدية للسلطة ومهامها وعلاقتها بالأمة، اذ أنها لم تظهر عفويا على لسان أبي بكر، أي أنها لم تكن ارتجالا، بل كانت النتاج الجلي لخطاب تاريخي مديد بلوره النبي محمد في مجرى نفيه لتقاليد التسلط والسيادة السائدة في مكة والجزيرة قبل سيطرة وانتصار الإسلام فيهما.

فقد رفض النبي محمد وأدان سلوك خالد بن الوليد الذي قتل جماعة من بني جذيمة بعد أن ألقوا السلاح وأعلنوا إسلامهم، حينذاك قال النبي محمد:"اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد". مع دفع دية القتلى. لقد كان سلوك خالد بن الوليد نتاجا لبقايا القبلية (الثأر لعمه)، وكذلك قوة السلطة. ونعثر على أثرها أيضا في بيعة ثقيف لمحمد، والتي لم تكن مبنية على أساس الإيمان الحق، بل خوفا من السلطة. إنهم طالبوه مقابل الدخول في الإسلام، إبقاء اللات لثلاث سنين وهدمهم إياها بأياديهم وإعفاءهم من الصلاة. ورفض محمد الشرط الأول والثالث وقبل بالثاني. وفي أواخر حياته أخذ يزداد استعمال كلمات الملوك والأمراء والوزراء في الخطابة والأحاديث. ولعل القصة المروية عن عدي بن حاتم الطائي وتذبذب مواقفه من محمد احد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد، لأنه لم يحسم لنفسه إن كان محمد نبيا أم ملكا. وبعد رؤيته لتواضع محمد وسماع كلماته توصل الى أن محمدا نبي وليس ملكا.

لقد كان مفهوم الملك والملوكية معروفا للعرب بوصفه نظاما للحكم، أي بوصفه فكرة سياسية. وقد خاطب النبي محمد في رسائله الملوك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الإمارة، التي كانت تتطابق في الوعي السياسي مع نموذج الإمارة التقليدية المبنية على القوة والسطوة والأبهة والثروة. فقد رفض بعض العرب مبايعة أبي بكر وقالوا: "نحن نبايع ذا العباءة"؟ وذلك لأن أبو بكر كان يرتدي العباءة ويسير مع الجميع ويفترشها ويجلس عليها. وعندما سأله رافع الطائي النصراني، الذي اسلم عما ينبغي القيام به أجابه:"أن توّحد الله ولا تشرك به أحدا ولا تتآمر على رجل من المسلمين". وعندما بويع بالخلافة سأله رافع بن رافع: ما حملك على أن تلي أمر  الناس؟ فأجابه: "لا أجد في ذلك بدا، خشيت على أمة محمد الفِرقة".

بعبارة أخرى، لقد كان النبي محمد والعرب عموما يعرفون أنظمة الملك والملوكية من قياصرة وأباطرة وكسروية وغيرها، لكنه كان يستعيض عنها  بفكرة العبودية لله. فقد كانت السلطة بالنسبة لمحمد هي سلطان الحق والعدل والاعتدال. وبالتالي، كانت السلطة بالنسبة له هي سلطان الأمة على نفسها. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المتعالية لفكرة السلطة الكامنة في الهيبة النبوية والأحكام "الإلهية" والقدرة على تنفيذها. فقد كان النبي محمد مركز القرار. ومع كل توسع وتعمق للهيبة المحمدية يصبح كل فعل وإشارة مظهرا من مظاهر السلطة. فقد تأثر، على سبيل المثال، عمر بن الخطاب تأثرا كبيرا بطلب النبي محمد من أبي عبيدة الجراح أن يكون حكما بين النصارى العرب بطلب منهم. وكان عمر بن الخطاب موجودا بحيث جعلته، كما ينقل عنه قوله:"ما حببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ".

لم يفكر النبي محمد بالدولة في بدية الأمر، كما أنها لم تشغل باله حتى موته. إذ كانت همومه أوسع من فكرة الدولة. وذلك لأن الهموم السياسية كانت في البدء جزء من الهموم الدينية العقائدية الكبرى. وهي الحالة التي كانت تعكس أيضا أهمية وجوهرية الدولة كما تصورها النبي محمد، بوصفها خلافة الإنسان لله في الأرض. لقد وضع أسلوبا جديدا لبناء الدولة وصيرورتها من خلال الجماعة والأمة وتنظيمها ثم وحدتها السياسية. وهو أمر جلي في توحيد العرب بمعايير الفكرة الدينية السياسية والغزو الخارجي زمن أبي بكر. بمعنى أن  النبي محمد قد أرسى الأسس الفكرية للدولة اللاحقة. ومن ثم، فإن فكرة الخلافة تستمد مقوماتها من فكرة الأصول النظرية والعملية الكامنة في القرآن والسلوك النبوي. وقد تكون الفكرة التي بلورتها الآية القائلة، بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، الصيغة العامة على رفض النماذج المتنوعة للملوكية والاستعاضة عنها بفكرة البديل الإسلامي، الذي تراكم في مجرى التجربة النبوية والسياسية لمحمد، أي كل ما وجد تعبيره في فكرة الله، ثم النبي، ثم أولياء الأمر. والمقصود بأولياء الأمر هنا هم من يتمثل حقيقة القرآن والسلوك النبوي من خلال الوحدة الحية لفكرة الجماعة والأمة. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام الاجتهاد اللاحق عن الولاء والإتباع ولكن بمعايير الفكرة القرآنية. ففي زمن النبوة تبعثرت هذه المفاهيم لكنها توحّدت في شخصه كما هو الحال بالنسبة لفكرة الرضا، والشورى، وأولياء الأمر، والجماعة، والأمة.

احتل النبي محمد في مجرى تحدي الجاهلية الوثنية وصنع الإرادة الإسلامية الجديدة موقعا متزايدا ارتقى تدريجيا إلى مصاف المركز الحاسم لكل شيء. وقد كانت تلك عملية معقدة نسبيا لكنها انسيابية تراكمت في مجرى تغلغل الفكرة الوحدانية في كل مسام الوجود العربي الإسلامي الجديد. ونعثر على انعكاسها في الفكرة التي ظهرت في مجرى الصراع وارتكز عليها، ألا وهي إن النزاع المحتمل مع أي طرف ينبغي حسمه بالصبر والحق. وفيها يمكن العثور على الصيغة العملية للفكرة المتسامية القائمة في مبدأ "الإيمان بالله والرسول". ونعثر على صداها الجلي في الآية القائلة "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ". ومن ثم، فإن مهمة الرسول تقوم في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، مع ما ترتب عليها لاحقا من مبدأ اخذ بالتغلغل في الوعي الفردي والجمعي الاسلامي، بحيث تحول إلى جزء من العقيدة، والقائل، بأن من يطع الرسول فقد أطاع الله. إذ نعثر فيه على الصيغة المتسامية للعلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي. بعبارة أخرى، إن العلاقة الجديدة التي جرى بلورتها في مجرى تدقيق وتحقيق الفكرة الوحدانية الإسلامية تعكس ما يمكن دعوته بتهذيب الوحدة الحية بين الطبيعي والماوراطبيعي في الفكرة الإسلامية، التي وجدت انعكاسها في عدد كبير من الآيات، مثل "وما أتاكم الرسول فَخُذُوه، وما نَهَاكُم عنه فَانتَهُوا واتقوا الله"، وأن "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ"، وأن النبي ليس فقط مبشرا ونذيرا ورسولا، بل و"سراج منير"، وبالتالي، فإن المسلمين ينبغوا أن "يقولوا في ما يفصل فيه: سمعنا وأطعنا". ذلك يعني، ضرورة أخذ الإذن منه للعمل، وألا "يدعوه مما يدعوا بعضهم بعضا". وبلغت كل هذه المظاهرة المتنوعة للموقع المتسامي للنبي محمد في الأمة والجماعة والفرد في الآية القائلة "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ".

لم يكن بإمكان هذا الموقع أن يكون أثرة لفرد أو جماعة أيا كانت. الأمر الذي يفسر أيضا سبب ترك النبي محمد الأمر المتعلق بالسلطة لمن بعده، اذ انه لم يستخلف. وبهذا المعنى يكون قد ترك إدارة شئون الأمة للأمة نفسها. وظلت هذه القضية جزء من تجارب الأمة، بوصفها تاريخا سياسيا. وذلك لأن الفكرة الجوهرية للنبي محمد بهذا الصدد تقوم في نفي تقاليد الوثنية والجاهلية بشكل عام والعربية آنذاك بشكل خاص، ومن ثم وضع أسس العقيدة التوحيدية التي حددت بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة حدود الاجتهاد العملي في الموقف من مفهوم الشورى والاستخلاف وأولياء الأمر.

فقد قال عمر بن الخطاب، على سبيل المثال: "إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وإن تركتهم فقد تركهم من هو  خير مني". وعموما يمكن القول، بأن فكرة أو أجنة التوريث وضعها أبو بكر باستخلافه عمر بن الخطاب، بوصفه قرارا فرديا بحت، كما لو انه رد الجميل على اختيار عمر إياه في حادثة السقيفة، أو لاعتبارات أخرى. كما أن أبو بكر لم يستشر أحدا ولم يحصل على موافقة الأمة وبيعتها. والشيء نفسه ينطبق على ما يسمى بمبدأ القرشية في الخلافة. فقد كان هو الآخر اجتهادا سياسيا متسرعا يتعارض من حيث الجوهر مع الفكرة المحمدية عن حقيقة المسلم، والمؤمن، والجماعة، والأمة، وأولياء الأمر.

إذ لا سند لفكرة قرشية الخلافة في القرآن والسنّة العملية للنبي محمد و سلوكه الشخصي. بل على العكس. إن كل ما فيه ينفي ويذلل هذه الفكرة وحدودها الضيقة. ومع ذلك، فإن أول من قال بها هو أبو بكر الصديق. ففي معرض رده على الأنصار وقت السقيفة قال لهم:"لن تعرف هذا الأمر (الخلافة) إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا". وبهذا يكون قد أسس لاسترجاع الفكرة الجاهلية والوثنية في الموقف من الخلافة. والشيء الوحيد الذي يبررها هو الاجتهاد السريع الذي اخمد إمكانية الفتنة السياسية في وقت لم يتصلب عود الإسلام بوصفه عقيدة الجميع المرسخة في مرجعيات معقولة ومقبولة للأغلبية. ولعل حركة الردة وإخمادها ومن ثم تجميع القوى وزجها في مجرى الفتوحات الإسلامية تكشف عن هذه العملية.

لقد تحول الغزو الخارجي، بوصفه امتدادا لتاريخ الغزوات المحمدية داخل الجزيرة إلى فتوحات إسلامية. وهو مصطلح يحتوي بقدر واحد على أبعاد طبيعية وماوراطبيعية. فالأبعاد الطبيعية فيه كونه حربا من اجل نشر الإسلام، وبالتالي فهو رديف لفكرة الدولة العربية الإسلامية الناشئة، ومن ثم فهو فتح إسلامي، أي محدد "بالإرادة الإلهية" التي جسّدها الإسلام.

إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير معطيات بهذا الصدد تقول بحدوث سبع وعشرين غزوة زمن النبي محمد قاتل في تسع منها، وثمان وثلاثين سرية. والغزوة في تقاليد ومفاهيم الإسلام الأول هو ما اشترك بها محمد على خلاف السرية. وأهم هذه الغزوات ودان، والعسيرة، وسفوان، وبدر الأولى، وبدر الكبرى، وبني سليم، والسويق، وذي أمر، وبني قنيقاع، وذات الرقاع، وَدُومَة الجندل والخندق، وغيرها. أما السرايا فهي سرية عبيدة بن الحرث، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جحش، وزيد بن حارثة وغيرها.

لقد وضع النبي محمد في غزوة مؤتة أساس الرؤية المستقبلية لانتشار الإسلام والدولة. فبعد رجوع الجيش مهزوما بقيادة خالد بن الوليد اخذ أهل المدينة يحثون في وجوه الجيش بالتراب. وكان عدد الجيش آنذاك حوالي ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت الناس تدعوهم بالفرارين، بينما قال محمد "ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله". وجعل من غزوة تبوك الشوط الثاني لاختبار وتدريب القوى العربية الإسلامية الناشئة في مواجهة الإمبراطوريات الكبرى القائمة آنذاك. ففي غزوة تبوك أراد أن يقود الجيش بنفسه، إضافة إلى انه أعلن المقصد والغاية مما لم يسبق له وإن أعلنه، إضافة إلى إرساله القوات في جو حار جداً.

وقد ردّ النبي محمد على أولئك الذين وصفوا زيدا بالغلام في قيادة حملة عسكرية كبرى في ظل وجود قادة وأبطال وصناديد، بأنهم يشككون بإمارته إياه. انه أراد أن تكون لفكرة القائد الأكبر هيبة لا تخضع للجدل زمن الحرب والسلم والمعارك والخطوب. وفيها أيضا تنعكس بعض جوانب الفكرة السياسية في إدارة شئون الدولة التي تضمحل فيها علاقات القرابة والقبيلة والعائلة وغيرها مما هو متعارف عليه وسائد آنذاك.

فقد كانت منطقة الهلال الخصيب ومصر والنوبة والشمال الأفريقي على قرب من العرب من حيث المكان والأصل والأنساب. إنها لم تكن عوالم مجهولة سواء جرى النظر إلى ذلك بمعايير العلاقة المباشرة من خلال التجارة كما هو معروف فيما يسمى برحلة الشتاء، أو بصورة غير مباشرة من خلال الهجرات القديمة من شبه جزيرة العرب إلى العراق والشام، أو من خلال أسلاف العرب القدماء من مختلف الأقوام "السامية" ودويلاتهم مثل إمارات الغساسنة والمناذرة.

ذلك يعني وجود علاقة تاريخية إثنية وثقافية قديمة وعريقة، الأمر الذي يفسر سهولة تعريب المنطقة وشعوبها القديمة ومن ثم استقرارها بوصفها عالما عربيا وإسلاميا. وذلك لأن هذه المهمة التاريخية كما حدثت واستتبت ارتبطت ارتباطا جوهريا بالإسلام.

لقد كانت رحلة الشتاء والصيف الوحدة الحية للزمان والمكان في الوعي العربي آنذاك، اذ لا فصول أخرى بالنسبة لعرب الجزيرة آنذاك، وبالتالي، فإن غزو العرب المسلمين لهذه المناطق كان بمعنى ما الإمكانية المفترضة لتاريخهم الزماني المكاني. وليس مصادفة أن تحصل كل هذه العملية اللاحقة في ضم هذه المناطق في جسد الكيان العربي الصاعد على تسمية الفتوحات الإسلامية، التي احتوت في ذاتها على تعميق وتوسيع العناصر المتبلورة في الوعي العربي الإسلامي ومساهماته في بناء الأمة الجديدة.

فقد فرّق المسلمون الأوائل بين الغزوات والحروب والفتح. ولم تطلق تسمية الفتح في المصطلحات الإسلامية إلا تجاه مكة بظهور عبارة "فتح مكة"، بوصفها البداية التأسيسية للطاقة التاريخية الثقافية العربية الإسلامية. فهي الطاقة التي أدرك قيمتها المطلقة الشيخ الأكبر (ابن عربي)، شانه في كل كشوفاته الفكرية، عندما وضع لمؤلفه التأسيسي عنوان (الفتوحات المكية).

الأمر الذي أعطى للغزو الخارجي بعدا له تقاليده الخاصة بوصفه جهادا متحررا من ضيق المصالح ومنفتحا على كل ما له علاقة بالمقدس والمتسامي. وقبل أن تبلغ هذه الرؤية صيغة الجهاد المقدس، كان ينبغي لها الاختمار في الذات الإسلامية الجديدة. حيث جرى اختمارها الأول عبر التوسع الكمي والنوعي كما نعثر عليه في القوة الفاعلة للفكرة الإسلامية الأولية عن وحدة الإسلام والإيمان، وفكرة الجماعة والأمة. وحالما تطابقت هذه الثنائيات في مستواها العربي "الخالص"، فإن اندفاعها صوب الخارج أصبح نتاجا طبيعيا لفتح مكة.

لم يختلف الغزو العربي الخارجي من الناحية الشكلية والمظهر عمن سبقه من غزوات وحروب، لكن ارتباطه بالإسلام أعطى له طابعا آخر جمع بين المصالح المادية والدعوة الروحية. فالمظاهر المادية جلية في بيت المال والعطاءات والإقطاع والهدايا، الأمر الذي دفع بالبعض على القول، بأن كل ذلك قد جرى بأثر روح الغنيمة (الخمس والجزية والفيء). أما في الواقع فإن الفتح الإسلامي كان يحتوي على صيغة نوعية جديدة استعاضت عن النهب والسرقة والأخذ بالقوة وما شابه ذلك بقواعد القانون: الجزية لغير المسلمين والزكاة على المسلمين. وليس مصادفة ان يرفض أبو بكر فكرة "المرتدين" بتحريرهم من الزكاة، اذ وجد فيها أمرا بمستوى الصلاة والصوم والحج، بمعنى أنها ليست قضية مادية أو اقتصادية صرف، أنها ضرورية للتوحيد الاجتماعي الجديد.

لقد توجت مساعي النبي محمد في النفي الشامل للوثنية والجاهلية. وقد كانت تلك بوابة الفتح الإسلامي العالمي صوب المشرق والمغرب، التي يبدأ معها العقل الإسلامي مرحلته الجديدة في إرساء أسس الثقافة الإسلامية وحضارتها اللاحقة. وهو العقل الذي أرسى النبي محمد مرجعياته الجوهرية ومبادئه الكبرى.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

محمد بنيعيشيعرف "التكيف النفسي Psychological adaptation" بأنه" عملية دينامية مستمرة، يهدف بها الفرد إلى أن يغير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقاً وتوازناً مع البيئة، كما تدل على مفهوم بيولوجي استخدم في نظرية التطور والبقاء، فالكائن الحي القادر على التكيف مع البيئة، ومفاجآتها يستطيع الاستمرار في البقاء، أما الذي يخفق في التكيف فمصيره إلى الزوال، وتشمل البيئة كل المؤثرات والإمكانات والقوى المحيطة بالإنسان التي يمكن أن تؤثر في جهوده للحصول على التوازن النفسي والبدني في معيشته".

كما يوصف بأنه"سمة وظيفية أو معرفية أو سلوكية تساعد الكائن الحي في بيئته. ويندرج التكيف النفسي ضمن نطاق الآليات النفسية المتطورة (ومع ذلك، تشير تلك الآليات إلى مجموعة أقل تقييدًا. إذ تشمل التكيفات النفسية فقط السمات الوظيفية التي تزيد من تأقلم الكائن الحي... ".

أولا: الذكر والاندماج الوجودي عند الصوفية

ولتقريب هذا الموضوع بمجال الذكر في الإسلام على الطريقة الصوفية نقول: " إن الصوفي قد سمع قول الله سبحانه وتعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"[1]و" سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز "[2]و "يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"[3]وكثيرا من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير إلى أن حقيقة الوحدة الكونية تكمن في العبادة لله تعالى والخضوع له وتسبيحه بصورة شاملة وبشعور وغير شعور ومن حياة ومن جماد كما في قوله تعالى: "والنجم والشجر يسجدان " [4]و"يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته"[5].

إنه لما سمع كل هذا قد تساءل مع نفسه بمقاله وحاله كضرورة علمية وحكم مستنبط من الوجود كما يعبر فقهاؤنا بقولهم: الحكم للوجود، أي أن الواقع قد يعتبر قاعدة رئيسية لاستنباط الأحكام وتقرير ما يجب فعله أو اجتنابه، فقال:

إذا كان الوجود بحيه وميته، بلسانه وحاله، يسبح لله فهل يجوز أن يصدر من الإنسان الذي هو خليفة الله في أرضه شذوذ عن الوحدة الكونية و انفصال عنها في أهم شيء وجد من أجله و استثني بسببه من ضمن سائر الغايات والتطلعات والأهداف حيث يقول الله سبحانه وتعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[6]؟.

كلا وألف كلا: فلم يترك الإنسان سدى، بل هناك من كان التكيف مع الوجود هو طبعه وعادته، وخير ممثل لهذا التكيف هو سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه حيث تقول عنه سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "كان رسول الله يذكر الله في كل أحايينه"[7]، وهو الذي حن الجذع لفراقه وسلمت عليه الأحجار وخاطبته البهائم واشتكت إليه ومالت معه الظلال والسحب وأحبته الجبال وانجذبت نحوه القلوب وهامت بحبه وطاعته... صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: التكيف والتناغم الوجودي بين الصوفي ومختلف العوالم

إن التكيف والانسجام والتجاوب قد يحدث بين الذاكر وعالم الغيب، وكذلك بينه وعالم الشهادة، أو بعبارة أخرى بين أهل السماء وأهل الأرض .

فأما عن الجانب الأول فأذكر مثالا من بين كثير من الأمثلة كالتالي:

عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده "[8].

وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا على حاجتكم !قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك.

قال: فيقول: هل رأوني؟قال: فيقولون: لا والله ما رأوك قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا.قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: كيف لو أنهم رأوها؟قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة.قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار.

قال: يقول: وهل رأوها؟قال: يقولون: لا والله ماروها؟ قال يقول: كيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. قال: يقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم.قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم! "[9].

فهذا الحديث قد يمثل محور أصول التصوف وقواعده سواء تعلق الأمر بالجانب العلمي أو العملي وكذلك في تحديد الغاية الأساسية من طريقته التي هي معرفة الله تعالى وإرادة وجهه سبحانه، وهو يحتاج إلى دراسة واسعة لاستخراج الأحكام الواردة فيه، غير أننا سنقتصر هنا على بعض الإشارات -حسب مقتضيات موضوعنا- المحددة في تبيين أوجه التواصل بين عالم الغيب والشهادة الذي يحققه الذكر، والذي كان أعظمه هو القرب إلى حضرة الله تعالى وطلب رضاه واستدرار مدده وفضله وطلبه لوجهه الكريم"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا"[10].

بحيث قد توجد في الآية والحديث إشارة واضحة إلى أن الذاكرين على وجه التخصص والالتزام ستتحقق لهم رؤية الله تعالى بميزة اختصوا بها وبشوق ومعرفة اكتسبوها في باب الذكر حتى طويت لهم المسافات واختصرت لهم المقامات، فأصبحوا في مقام الرضا والأنس والشوق... "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"[11].

كما توجد أمثلة كثيرة تبين لنا مدى التآلف والتكيف الذي قد يحصل بين الذاكر وعالم السماء حيث لا يعلم أمره إلا الله سبحانه وتعالى.

أما التجاوب في عالم الأرض والشهادة فكثير وكثير جدا يثبت بالشرع وقد يرى بالمشاهدة ككرامة ونتيجة حتمية لقانون التكرار والعادة والتكيف كما سبق وبينا، من أهم الأمثلة على ذلك قوله تعالى في حق النبي الرسول سيدنا يونس عليه السلام حينما ابتلعه الحوت: "فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون"[12].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال: "دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له"[13].

وعالم الأرض في عرف الصوفي قد يتضمن الأرض الحية والأرض المعنوية وهي قلبه وباطنه.ومن هنا فقد يكون تعاونه مع قلبه أكثر أهمية من حيث إدراكه لمستوى قربه من الله سبحانه وتعالى وشعوره برضاه ومحبته.وذلك ما يمكن فهمه من خلال الآية الكريمة: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

فيكون هذا التجاوب بمثابة طريقة أقرب للاستدلال على الله، و يكون الذكر ممثلا لوظيفة عملية ذات بعد وجداني ذوقي ونظري في آن واحد .

فلقد وردت عن الصوفية عدة آثار تبين التآلف بينهم وبين شر المخلوقات في الكون ، وكذلك بينهم وبين وحشيها ، سواء أكانت مضرة أم نافعة ، كعنوان على التكيف من غير إخلال بقوانين الوجود حسب الناموس العام الذي يؤسسه عنصر ذكر الله تعالى.

يقول الصوفي حامد الأسود: "كنت مع إبراهيم الخواص في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان برد الليل وبرد الهواء، خرجت الحيات فصحت بالشيخ، فقال: اذكر الله تعالى فذكرت فرجعت ثم عادت فصحت به فقال: مثل ذلك، فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقطت من وطائه حية عظيمة، قد تطوقت به، فقلت ما أحس بها، فقال: لا، منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة !!"[14].

في حين أن التكيف قد ينعدم أو قد يتم بصورة مضادة لانعدام عنصر الذكر عند الطرف الآخر الذي يحارب الإنسان عن إرادة وقصد كمثل الشيطان الذي هو عدو الذاكرين ومجال الذكر على كل حال كما وصفه الله تعالى بقوله: "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".

ولهذا فقد يرى الصوفية أن الذكر إذا تمكن من القلب و دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فتجتمع إليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنس!"، وفي هذا السياق نفسه يحكي ابن عطاء الله السكندري عن حاله مع شيخه عباس المرسي: "قال: وكنت كثيرا ما يطرأ علي الوسواس في الطهارة، فبلغ ذلك الشيخ، فقال: بلغني أن بك وسواس في الوضوء، قلت نعم!فقال رضي الله عنه: هذه الطائفة تلعب بالشيطان لا الشيطان يلعب بهم!. ثم مكثت أياما ودخلت عليه فقال: ما حال ذلك الوسواس؟قلت: على حاله، فقال: إن كنت لا تترك الوسوسة لا تعد تأتينا!فشق ذلك علي وقطع الله ذلك الوسواس عني، وكان رضي الله عنه يلقن للوسواس: سبحان الله الملك القدوس الخلاق الفعال، "إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز"..."[15].

فهذه أمثلة مختصرة تثبت شرعا وعقلا رقي منهج الصوفية في اتخاذهم باب الذكر أعظم الطرق إلى الله تعالى.وكذلك تبين سبقهم للنظريات الحديثة في علم النفس حول وظيفة التكرار، وكيف أنهم سموا بهذه الوظيفة على كل اعتبار حتى نالوا صفة المتكيفين مع الوجود كله، لا مع البيئة الاجتماعية فقط.

ومن هنا فقد كان الذكر لديهم منتجا حالا خاصا ووجدا فياضا يطرأ عليهم بحسب شحنتهم الروحية وبقدر استعدادهم ومستويات أشواقهم التي يعبرون عنها بلغة راقية في سماعهم الذي يصوغونه على شكل أشعار وأسجاع كلها تحمل معاني التوحيد والمحبة لله ولكتابه ولرسوله وسنته ولأوليائه وطريقتهم في الوصول إليه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] سورة الإسراء  آية 44

[2] سورة الصف  آية 1

[3] سورة التغابن  آية1

[4] سورة الرحمن  آية6

[5] سورة الرعد  آية13

[6] سورة الذاريات آية56

[7] رواه مسلم

[8] رواه مسلم

[9] رواه البخاري في كتاب الدعوات باب فضل الذكر

[10] سورة الكهف آية 28

[11] سورة القيامة آية 12-22

[12] سورة الصافات آية143- 144

[13] أخرجه الترمذي والحاكم

[14] القشيري: الرسالة ص102- 103

[15] ابن عباد النفزي: شرح الحكم ، مكتبة أحمد بن نبهان، ج2ص17