محمد كرياني بنى دعاة التطور في الدين مذهبهم على مذهب أو نظرية التطور في الكائنات، تلك النظرية التي دعا إليها ديدرو [1] ولامارك ([2]) وأخذت شهرتها على يد شارلز داروين[3] ومفاد هذه النظرية أن الكائنات تطور بعضها عن بعض([4])، وأن الحياة والموجودات تطورت على مر الدهور والأجيال فكانت الحياة في بدايتها بسيطة ثم أخذت تتطور بتأثير البيئة وبعامل الاصطفاء فتدرجت من حالة أدنى إلى حالة أعلى حتى بلغت مستواها الحاضر .فالحيوان كان في مبدأ نشأته ذا خلية واحدة، ثم أصبح ذا خلايا متعددة، بدأت باللافقريات فالزواحف أولا ونشأت بعدها الأسماك ثانيا فالطيور فاللبونات ...الخ هكذا قامت فلسفة النشوء والارتقاء وفلسفة بقاء الأصلح .([5])

وتقوم هذه النظرية على ثلاث قواعد رئيسة هي:

1- أن الكائنات الحية تتبدل أشكالها جيلا بعد جيل تبدلا بطيئا، وتنتج في النهاية أنسالا تتمتع بصفات غير صفات أسلافها .

2- أن هذا التطور قديم وجد يوم وجدت الكائنات وهو السبب في وجود كل أنواع الكائنات الحية في هذا الكون وتلك التي انقرضت وهذا هو التناسخ الذي تقول به بعض الديانات .

3- أن جميع الكائنات الحية من حيوان ونبات مرتبط بالبعض الآخر ارتباط صلة وقرابة وكلها تجتمع عند الجد الأعلى للكائنات كلها([6]).

لهذا لا غرابة إذا رأينا علماء الأديان ومؤرخيها يسلكون في بحوثهم مسلك التطور، ويرون أن الدين أيضا ينبغي أن يجاري التطور، فيبدأ بحالة بسيطة ترى أثارها لدى الأقوام البدائية، ثم يأخذ بالتطور نحو التكامل، حتى يبلغ مرتبة الأديان السماوية الموحدة([7]).

لكن هذه النظرية أعني نظرية التطور في الكائنات غير مسلم بها من الناحية العلمية، وقد استنكرها علماء الأديان وفندوها، واستنكرها أيضا فريق من علماء الطبيعة وعلم الأحياء، وسنعرض جملة من الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية .

أولا: نقد نظرية التطور في الكائنات

إنه ما من أساس من الأسس التي قامت عليها نظرية التطور في الكائنات إلا وأبطلها الباحثون سواء من ناحية الحفريات([8]) أو من ناحية الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، أو من ناحية علم الأجنة أو علم التشريح .هذه الأسس التي أضحت الآن حديث المؤتمرات العلمية التي انتهت إلى أن هناك عمليات تزوير واسعة تمت لصالح نظرية التطور على الرغم من عدم صحتها أصلا([9]).

ويمكن إجمال أهم الانتقادات التي وجهت لنظرية التطور في الكائنات فيما يلي:

- لو كانت نظرية النشوء والارتقاء صحيحة، لكان معناها رفض قصة الخلق التي وردت في الكتاب المقدس، ولذا اعتبرت الكنيسة في الحال النظرية الداروينية خطرا يهدد الدين وأثارت زوبعة من المعارضة ضدها([10] ).

إن نظرية النشوء والارتقاء تخالف ما جاءت به الكتب السماوية ولذلك ناهضها علماء الأديان إذ رأوا فيها ما يخالف كتبهم السماوية التي تلزم المؤمنين الاعتقاد بكل ما جاء فيها وهي تنكر هذا القول بصراحة ([11]).

فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى" وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصل من حمإ مسنون "([12])

وقوله تعالى "و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيئ قدير"([13]). وقوله تعالى "الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" ([14]) .

من هذه الآيات الكريمات يظهر بجلاء أن الله خلق الإنسان مباشرة إنسانا، ولم يخلقه بالواسطة أو بالتطور، وخلقه حين خلقه في أكمل صورة وأحسنها ([15]).

ومما يدل أيضا على عدم صحة نظرية التطور ما جاء في التوراة (العهد القديم)، ولذلك نقرأ في سفر التكوين "وقال الله لتخرج الأرض ذرات أنفس حية من جنسها:بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وكان كذلك فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها، وجميع دابات الأرض كأجناسها .وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا ...فخلق الله الإنسان على صورته.على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم"([16]).

- إن علم الحفريات لا يزال ناقصا، فلا يدعي أحد أنه كمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار، وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فان وجود الكائنات الأولى البدائية أولا، ثم الأرقى ليس دليلا على تطور الكائنات الراقية من الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن (داروين ) تقول: إن أقدم عمر الإنسان هو ستمائة ألف سنة، فان الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين([17]).

- وقد أجمل الدكتور يحيى هاشم في كتابه- الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة- أهم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية في خمس نقاط:

أولا: وقوعها في جملة من الأخطاء والتجاوزات العلمية شاع أمرها في الأوساط العلمية التجربية المعاصرة .

ثانيا: قيامها على عدد من الافتراضات غير الملزمة .

ثالثا: قيامها على القول بالصدفة في أهم مراحل التطور، وهو قول لا يستسيغه العلم أو الدين على السواء .

رابعا: استناد أدلتها إلى فكرتي التشابه والترتيب بن الأطوار، وهو لا يصلح أساسا للقول بضرورة وجود علاقة ذاتية بين هذه الأطوار .

خامسا: أنه مع التسليم بصحة الافتراضات التي قامت عليها النظرية فهي لا تقتضي إلغاء الإرادة الإلهية، ومن ثم ينبغي أن يبقى فيها مكان خاص لنظرية الخلق الخاص بالنسبة لبعض الأنواع (الإنسان)([18]).

وفي النهاية ننقل عبارة "آرثركيث"Sir Arthur Keith (1866 – 1955م ) وهو أحد أرباب الداروينية والمنادين بها يقول:"إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك: الإيمان بالخلق الخاص المباشر،  وهذا مالا يمكن حتى التفكير فيه"([19] ).

أولا: نقد نظرية تطور الدين

إن دراسة علماء الأديان الغربيين للإنسان البدائي إنما هي دراسة نسبية تقوم على الظن لا على اليقين، ولذلك نستطيع القول ببعض الثقة أن ما توصلوا إليه من نتائج إنما هي نتائج لا تنبني على أسس علمية .

وهذه الدراسة تقوم على خطأ مزدوج من ناحية الغاية والوسيلة، لأن هذه المنطقة البدائية المحضة قد اعتبرها العلم شقة حراما حظرها على نفسه، وأعلن في صراحة كاملة خروجها عن حدود عمله .فاقتحامها الآن باسم العلم تعامل بصك مزيف، وتستر بثوب مستعار... ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون بأن الآثار الخاصة بديانة العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلا تاما، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب([20] ).

إن ما نعرفه عن التاريخ الإنساني قبل خمسة آلاف سنة قليل أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف سنة فيعد أقل من القليل([21])، وما قبل ذلك يعتبر مجاهيل لا يدري التاريخ عنها شيئا فما هي معرفة العلماء بمليونين ونصف مليون عام ؟لقد اكتشف في جبل حجري بصحراء تقع شرق بحيرة "رودلف" في كينيا بقايا جمجمة وساق يرجع تاريخها إلى مليونين ونصف مليون عام ولذلك تعتبر هذه البقايا أقدم أثر للإنسان الأول([22])، إن المعلومات التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الدجل والتحريف والزيف، إن كتابة تاريخ شخص فضلا عن جماعة في العصر الحديث أمر في غاية الصعوبة فكيف بتاريخ يمتد إلى فجر البشرية([23] )؟.

ونستطيع أن نجمل أهم الانتقادات التي وجهت إلى القائلين بالتطور في الدين فيما يلي:

أولا: إن الاستدلال على ديانة الأمم المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية خطأ في الاستدلال ، لأنه مبني على إن تلك الأمم تمر بأدوار متقلبة ، وهو افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ واتفق عليه المنقبون عن آثار القرون الماضية، هو أن فترات الركوض و التقهقر التي سبقت مدنيتها الحاضرة كانت مسبوقة بمدنية مزدهرة، وبالتالي فلا تصلح الأنماط الدينية المنحطة أو الهمجية للاستدلال على نقطة البدء في التدين لأنها تمثل انتكاسات في تاريخ البشرية([24] ).

ثانيا:إن القائلين بالتطور في الديانات لو قصروها على الديانات الوضعية لكان لهم وجه إما أن يعمموا أحكامهم على الديانات الوضعية وغيرها فهذا لا يجوز ولا يتأتى . على أن نزعة التوحيد في الديانات الوضعية ليس مردها إلى الإنسان وتفكيره ولكن مردها إلى الوحي الذي أنزله الله مع الرسل إلى الأمم.([25] ) .

ثالثا: إن قياس تطور الدين على تطور الفنون والصناعات حجة تحتاج إلى الدليل لأن معنى التطور في الفنون –كما في كل كائن حي – هو أنها تبدأ في صورة ساذجة، متحدة، متجانسة، ثم تنتقل تدريجيا إلى نوع من التكثر والتركيب، تزداد به تعقيدا كلما بعدت عن أصلها .وواضح أن تطبيق هذا القانون التطوري بمعناه العلمي الحيوي على العقيدة الإلهية يستوجب أنها سارت أيضا من الوحدة إلى الكثرة، ومن النقاوة والسهولة واليسر، إلى التعقد بالإضافة إلى الأسطورية، والنزوات الخيالية، التي لا ضابط لها من العقل السليم([26]) .

ثم لو كان قياس تطور الدين على التطور في العلوم والصناعات لوجدنا أن إنسان القرن العشرين قد وصل إلى درجة عالية من الاعتقاد والتطور الصحيح للألوهية ولكن هل حدث ذلك؟ الواقع يشهد بعكس بذلك، لقد اتخذ إنسان القرن العشرين أصناما عبدها من دون الله مثل التقدم، و الفردية، وتمجيد الأمة، وغير من طوطم ورموز مقدسة، وطقوس واحتفالات ([27]).

رابعا:إن الدين لم يتطور كما يزعم التفسير المادي للتاريخ أو غيره من الدراسات الاجتماعية التي ظهرت في القرنين الأخيرين، إن عبادة الأب وعبادة الطوطم وعبادة الوثن لم تكن لم تكن هي تطور العقيدة الذي وصل في النهاية إلى التوحيد، إنما كان هذا تطور الانحراف البشري عن العقيدة الصحيحة في عصوره المختلفة، وليس صحيحا–- من التاريخ –أنه مرت على البشرية سلسة منتظمة من العقائد الضالة أدت في النهاية إلى التوحيد. إنما الثابت –من التاريخ –أن البشرية مرت في دورات متعاقبة من الهدى الضلال من التوحيد والتعدد من التجريد والتجسيم([28]) .

خامسا: إن تطبيق فكرة التطور على الدين تؤدي حتما إلى ما ذهب إليه فيورباخ (1804-1872) Feurbach، Ludwig من الاعتراف بالدين على أنه من صنع الإنسان ... والقول بان فكرة الله نفسها ليست سوى مثل أعلى متغير وضعه الناس لأنفسهم سدا لحاجة ما يسميه الناس من التجربة الدينية ([29])، وهي تؤدي بالضرورة إلى تكذيب النصوص الدينية التي تقرر سمو التصور الديني عند سيدنا آدم عليه السلام، وتقرر استحالة قبول تعدد الآلهة في أي عصر من عصور النبوة كما تقرر وحدة الدين عند الله: إن الدين عند الله الإسلام . وقد تنطبق هذه النظرية- أو لا تنطبق –على الأديان الوضعية، أما الدين الذي هدى الله إليه الإنسانية منذ آدم، فلا يقبل هذه النظرية على أي حال من الأحوال ([30] ).

سادسا: إن ما زعمه القائلون بتطور الدين وترقيه من أن الإنسان استطاع أن يصل إلى التوحيد، فليس المقصود بالتوحيد الذي زعموه هو التوحيد الذي دعت إليه الأديان التوحيدية، وإنما التوحيد الذي يدعونه لا يعدو أن يكون طورا من أطوار الوثنية ينبذ الآلهة الصغيرة ويتجه الى الوثن الأكبر ويحيطه وحده بكل مظاهر التعظيم والتقديس ولم يخطر ببالهم ولم يرد في بحوثهم التوحيد الحق لأنهم يرون أن الدين صناعة بشرية من بدايته حتى منتهاه، أوجده الإنسان واخترع له الآلهة بفكره أو بغريزته أو تحت ضغط حاجته الاجتماعية ([31]).

وبناء على ما سلف نقول إذا كانت نظرية تطور الكائنات التي بنيت عليها نظرية التطور في الدين قد أبطلها العلم وعارضها ثلة من العلماء فبالأحرى بطلان نظرية التطور في الدين.

 

 

 

محمد كرياني

طالب باحث بجامعة محمد الأول، كلية الآداب وجدة (المغرب)

........................

المصادر والمراجع:

أصل الأنواع، تشارلز داروين، ترجمة مجدي محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة 1، ص199.

تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي، ص 139.

خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء، عربه بتصرف الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، دط، دت، ص9:.

تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي ص:139

ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:107 /108 كما ينظر أيضا الإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان، ص: 39

العقيدة الدينية نشأتها وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص 85

مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص7 مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944:

سورة الحجر الآية 28-29.

سورة النور آية 45 .

سورة غافر الآية 64.

خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:7

سفر التكوين 1/22-27 .

العقيدة في الله، د عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس للنشر والتوزيع –الأردن ب، ط. س ص 95.

- الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة دط، دت، ص:40-41.

الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان، ص:36

الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108

العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص245:

مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث العدد الرابع، مقال الدكتور بركات دويدر ص:972

الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108-109

العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص:91 .

الدين د محمد عبد الله دراز ص:111

العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص: 90، وينظر أيضا ما يعد به الإسلام، لروجيه جارودي ص:267 .

معركة التقاليد، محمد قطب، دار الشروق – القاهرة، الطبعة السادسة عشر، سنة 1422ه-1992م ص:78 .

تكوين العقل الحديث، جون هرمان راندال، ترجمة د جورج طعمة، مراجعة برهان دجاني، دار الثقافة- بيروت،  ط الثانية، د، ت الجزء الثاني، ص:117

الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم حسن، ص: 73-72 .

- التدين في الشرق الأدنى القديم –دراسة في الملال والنحل، د عبد الستار مختار نصار، مؤسسة الشيماء للنسخ والطبع، دط، دتـ ص:42-43

الهوامش

[1] ديدرو دنيس 1784-1713)م) كان ابنا لإحدى صناع الأدوات القاطعة، ولد في لانجرز بفرنسا، وتلقى تعليمه النهائي بكلية لوي لجران التابعة لليسوعيين بباريس من مؤلفاته |: أفكار فلسفية سنة 1846، خطاب عن العميان سنة 1849 ؛أفكار في تفسير الطبيعة سن 1854 )الموسوعة الفلسفية المختصرة ؛ نقلها عن الانجليزية فؤاد كامل ؛ د زكي نجيب محمود وآخرون، دارالقلم بيروت- لبنان د ط، دت ص 184. وينظر أيضا تاريخ الفلسفة الحديثة يوسف كرم ص(190:.

[2] جان لامارك Jean Baptiste de Lamarck (م1829-1744م)، أودع لامارك خلاصة بحثه عن أصل الأنواع الحيوانية في كتابه الشهير فلسفة علم الحيوانات سنة 1809م La philosophie zoologique وحاول فيه ليس فقط بيان أصل أنواع الحيوان، بل وأيضا حاول تفسير تحول هذه الأنواع بعضها إلى بعض، وهو طبعا من أوائل القائلين بنظرية التطور والبقاء للأصلح، ينظر موسوعة الفلسفة، عبد الرحمان بدوي ج 2 ص 348.

[3] شارلز داروين Charles Robert Darwin (1882-1809)عالم حيوان انجليزي، اشتهر خصوصا بمذهب التطور، ولد في Shrews Bury(انجلترا) من مؤلفاته "أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي " On the origin of Species by means of Natural Seliction ، تغيير الحيوان والنبات تحت تأثير الاستئناس The variation of animals and plants under domestica-tion، ينظر موسوعة الفلسفة، عبد الرحمان بدوي ج1، ص437 .

[4] أصل الأنواع، تشارلز داروين، ترجمة مجدي محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة 1، ص199.

[5] تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي، ص 139.

[6] -خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء، عربه بتصرف الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، دط، دت، ص9:.

[7] -تاريخ الأديان وفلسفتها، العميد الركن طه الهاشمي ص:139

[8] -ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:107 /108 كما ينظر أيضا الإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان، ص: 39

[9] - العقيدة الدينية نشأتها وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص 85:.

[10] - مجلة عالم الفكر، تطور الكائنات الحية، مقال الدكتور علم الدين كمال، المجلد الثالث العدد الرابع سنة 1973م، الكويت ص 944: .

[11] - ينظر خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص7: .

[12] - سورة الحجر الآية 28-29.

[13] - سورة النور آية 45 .

[14] -سورة غافر الآية 64.

[15] -خلق لا تطور، تأليف فريق من العلماء ص:7 .

[16] -سفر التكوين 1/22-27 .

[17] -العقيدة في الله، د عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس للنشر والتوزيع –الأردن ب، ط. س ص 95.

[18] - الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة دط، دت، ص40-41.

[19] - الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان، ص:36. -1426ه

[20]- الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108

[21] - العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص245:.

[22] - مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث العدد الرابع، مقال الدكتور بركات دويدر ص:972 .

[23] - العقيدة في الله، دعمر سليمان عبد الله الأشقر ص:245.

[24] - الدين، د محمد عبد الله دراز، ص:108-109.

[25] - العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص:91 .

[26] - الدين د محمد عبد الله دراز ص:111.

[27] - العقيدة الدينية، نشأتها، وتطورها، د فرج الله عبد الباري ص: 90، وينظر أيضا ما يعد به الإسلام، لروجيه جارودي ص:267 .

[28] - معركة التقاليد، محمد قطب، دار الشروق – القاهرة، الطبعة السادسة عشر، سنة 1422ه-1992م ص:78 .

[29] - تكوين العقل الحديث، جون هرمان راندال، ترجمة د جورج طعمة، مراجعة برهان دجاني، دار الثقافة- بيروت،  ط الثانية، د، ت الجزء الثاني، ص:117.

[30] - الإسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة، د يحيى هاشم حسن، ص: 73-72 .

[31] - التدين في الشرق الأدنى القديم –دراسة في الملال والنحل ، د عبد الستار مختار نصار، مؤسسة الشيماء للنسخ والطبع، دط، دتـ ص 42-43.

 

 

مهدي الصافيالامراض الاجتماعية في العالم الاسلامي هي نتاج الفشل السياسي والديني، التي تتفاقم وتزداد حدة مع الازمات الاقتصادية او الحروب والنزاعات الطائفية، هذه الامة التي تتعايش وتتوارث التاريخ كهوية مقدسة متواصلة، تنتعش بالعقائد والاجتهادات والافكار والاراء الاسلامية المستجدة، بينما هي تحارب بقوة فكرة التجديد، انما تعتبر ان التطور الحضاري بحاجة الى فقه وفتاوى اكثر تشددا، حتى لاتنفك او تنفصل سلسلة الترابط الزمني بين الماضي والحاضر، على اعتبار انه وحدة واحدة...

الحضارة العلمانية الغربية لاتؤمن بهذا الترابط، بل هي تحمل الماضي اسباب التأخر العلمي او المعرفي، مع انها لاترفض العودة من اجل الاقتباس او المراجعة والتحليل او الحاجة المعنوية لرفع ثقافة وشخصية المجتمع، لكنها بالطبع لاترجع للدين  (عدا بعض جماعة اليمين المتطرف من اجل الاستغلال السياسي وهؤلاء خارج الحضارة الانسانية) لانه سيعيدها الى مربع الانقسامات والصراعات الكنسية السابقة...

الامة العربية والاسلامية عليها مواكبة عصر الحضارة التكنولوجية والفضائية، والابتعاد كليا عن قيود التراث الديني المذهبي، بطرح مفهوج نقدي وفلسفي حديث للدين والمذاهب، اذ يعد من المستحيل ان تنتج هذه الامة حضارة اسلامية حديثة دون انهاء مسألة المذاهب والطوائف، وقد بدأت بالفعل منذ مدة محاولات مايسمى التقريب بين المذاهب، الا انها ولدت ميتة، فالمشكلة تكمن اصلا في المذاهب او الفرق الاسلامية نفسها، وقد انتهت كمحاولة جادة لاحتواء الاختلافات، بعد2003 وانقسام الامة الى عدة محاور وجبهات، بعد تصاعد ثقافة العنف والكراهية والاحقاد المذهبية في المنطقة، وكما هو معلوم علميا او طبيا ان الاساس الخاطئ او الامراض المتعفنة لايمكن معالجتها الا بالهدم اوالاستئصال الكامل، من هنا نعتقد ان لاخيار امام الامة غير مغادرة نظرية المذاهب والعودة الى الجذور والاصل الاسلامي الواحد (القران والسنة النبوية)، تحت قاعدة لا عقائد ولا مذاهب ولافرق او تفرقة بعد وفاة الرسول محمد ص....

المذاهب السنية اعتبرت ان الشيعة روافض ومخالفين للسياق الاسلامي الرسمي العام المتوارث، الذي تشكل بعد الخلافة الراشدة، والشيعة لايعترفون ببقية المذاهب، ولا بكل الموروث الاسلامي البعيد عن ال بيت الرسول محمد ص (او عقيدة الامامة)، وللحقيقة المجردة نذكر من ان الوهابية والشيعة هم الطرفان الاكثر تزمتا وتشددا في مسألة التقييم التاريخي للاسلام، فالشيعة مثلا هم لايرفضون الخلافة الراشدة فقط، انما كل تراث الدولة الاموية والعباسية، ويجعلون من اجتهاداتهم وافكارهم مسار احادي لايشاركهم فيه احد، مع ان الكثير من رجال الفقه والدين والفكر الاسلامي (من ابناء السنة والجماعة)

 ينتقدون ايضا عهد الخلافة الراشدة، وبعض الانحرافات الكارثية لخلفاء بني امية وبنو العباس، لكنها ليست رؤية من منظار او اطار مذهبي، انما جاءت في سياق مراجعات بحثية نقدية تاريخية او معرفية منفصلة عن بقية الاعتبارات،

علما ان التشيع كما يصفه الدكتور علي شريعتي (رحمه الله)تشيع علوي، واخر صفوي (نسبة للدولة الصفوية الشيعية)، حدد مسارات الاختلاف بين المدرستين، الاولى يبدوا انها مدرسة علوية غير مذهبية، تعود الى خلافة الامام علي ع، ومدرسة اصولية اجتهادية اضافت الكثير من العقائد السياسية للمذهب...

المذاهب السنية متصالحة مع التراث الاسلامي بالكامل"تحت نظرية كل الصحابة عدول"، الا انها ايضا فتحت ابواب التطرف والتشدد المذهبي للحركات التيمية والسلفية الوهابية، التي صارت اقرب لصناعة مذهب خاص بها بدلا من اعتباره مجرد اجتهادات شخصية داخل منظومة المذاهب الاربعة، مما جعلها مدرسة قائمة بحد ذاتها ترفض جميع المذاهب والمدارس الاخرى...

التشيع غير متصالح تماما مع التراث الاسلامي العام، ويرفض (ويلعن احيانا) كل الانجازات والابداعات الموروثة البعيدة عن مدرستهم، بفعل ايمانهم العميق بعقيدة الامامة المقدسة، وبالتالي بعض فرقهم المغالية تتشارك مع الخوارج والوهابية الداعشية بعقيدة التكفير (من لايعتقد بالخلافة الراشدة من وجهة نظر الوهابية، ومن لايؤمن بعقيدة الامامة وجهة نظر بعض فرق الشيعة (المغالية) كافر، او هو اقرب للكفر منه للاسلام، من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية)،

ولكن هناك محاولات حثيثة نقدية حديثة للعديد من المفكرين ورجال الدين المتنورين العرب، حول تفكيك الترابط والتداخل التاريخي بين السياسة والمذاهب الاسلامية، بغية ايصال الفكرة من ان نشأة المذاهب والخلافات الطائفية هي بالاساس سياسية، وليست دينية عقائدية،

فعندما تأتي الى شرح الاختلافات المذهبية بين المذاهب السنية نفسها، وبينها وبين التشيع او الاباضية وبقية الفرق، لاتجد جوهر او اساس ديني لهذا الاختلاف، انما بالضبط هي اجتهادات واراء فقهية شخصية (عدا ظهورالاجتهادات والعقائد مابعد الخلافة الراشدة)، لايوجد اي مبرر ان تبقى ابدية مغلقة غير قابلة للتجديد، او التغيير او حتى الانهاء، تجد ان المذاهب هي فقه التأويلات والاستنباطات والاجتهادات الدينية المعتمدة غالبا على القران والسنة،

ومايشذ عنها مثلا مايدخل بينهما من ثقافة لعن الصحابة او السيدة عائشة عند المغالين الشيعة، وهي ثقافة دخيلة وتراث مكتسب، وكذلك من الجهة الاخرى هناك اسلوب التكفير الهمجي السني لعموم الشيعة دون وجود اية ادلة قرانية او فقهية عقلانية مقبولة، مع ماتعاني منه الامة من وحشية التطرف الوهابي تجاه كل من يثبت وفقا لفتاواهم بأنه مرتد او كافر او مشرك، كل هذه السلبيات والانحرافات هي بالدرجة الاساس اجتماعية وسياسية شخصية او عامة، غايتها الكسب المادي والمعنوي الاجتماعي..

الاخطاء المتوارثة عند الشيعة انهم ينظرون الى الخلافة الراشدة مثلا وفق رؤيتهم الخاصة، ولايكترثون للكيفية والالية التي تعامل بها امام المذهب كما يدعون الامام علي ع مع بقية الخلفاء والمجتمع حينها، وكذلك ينظرون ايضا الى هارون الرشيد ليس كخليفة شرعي ورث الحكم تحت تأييد العامة في ذلك الزمان، انما الى مغتصب للخلافة، وحاكم مستبد اعتقل الامام موسى الكاظم ع سنوات، واضطهد العلويين كما فعل اجداده، ولكن هل مخاوف الرشيد كانت عقائدية ام سياسية، وهل لديه معرفة بنظرية الامامة كعقيدة ام لا، التي ظهرت وتطورت بعده عبر مراحل عند الشيعة، بالطبع كلا اذا لايجوز مزج العقائد بالسياسة، وتجريد الوقائع التاريخية من البيئات والمتغيرات والاحداث المصاحبة لها، لان التاريخ اثبت ان الحكام المسلمين منشغلين بالسياسة والحكم  (والجاه والسلطة والمصالح الشخصية) اكثر من انشغالهم بالدين والمذاهب،

وان كانوا يدعون ويظهرون عكس ذلك، من جهة اخرى لايجوز اسلاميا تكفير هؤلاء الخلفاء لانهم مسلمين في نهاية المطاف، الا ان المعضلة في تبعات عقيدة الامامة، التي حولت ارث ال بيت الرسول محمد الى سنة، لابد تحيط بها الاسباب والاعتبارات المقدسة وغير المقدسة، اي انها اصبحت بالتدريج محور وحلقة الايمان التي يلتف حولها الشيعة، وهذه كارثة لم يلتفت لها الشيعة انفسهم في الماضي، فاليوم هناك فرق مغالية تعتبر الائمة معصومين (ولكنهم لايذكرون ادلة حجة العصمة والروايات المتواترة عليها)، مما يعني ان كل رواية ضعيفة كانت او معتبرة يمكن البناء عليها، واعتمادها كأساس للافتاء والتشريع (ولعل اجتهاد بعض المغفلين واشتغالهم بفكرة ضرورة تشريع اللعن واستحسانه)، ففي تلك الروايات مصائب وماورائيات وتقولات وحسابات دنيوية واخروية، فيها ظاهر وباطن، اعتمدت عند البعض على انها حجة ودليل، وانقلبت الى شعائر وطقوس ومقدسات، وفتحت لها ابواب اجتهادية كثيرة،

هذه الشطحات تكثر ايضا عند المذاهب السنية في كتب الصحاح المعتمدة كمراجع فقهية لهم، مما جعل من مسألة الاعتماد في الاجتهادات الفقهية على السنة النبوية مجازفة، لانها تتعارض في كثير من الاحيان مع القران الكريم، الذي يحمل ايضا ابواب مختلفة في الفهم والتأويل كلا حسب مذهبه او مدرسته الفقهية..

هذا البحث المختصر لايتحدث عن التفصيلات او السرديات التاريخية للمذاهب، انما يطرح كما نعتقد رؤية فلسفية خاصة حول الاخطاء الاسلامية المتوارثة، لسد منافذ التشرذم بين المسلمين، وابعادهم عن حالة الصدام الدائم مع الحضارة الانسانية العلمية الحديثة، بطرح فكرة ان السياسة والدين لايلتقيان في العقائد، واعتبار ان كل الخلافات والاجتهادات والافكار والاطروحات السياسية بعد وفاة النبي محمد ص ليس لها علاقة بالدين الاسلامي والمذاهب، تماما كما يحصل من الجدل المعرفي الدائر منذ مدة ولازال مستمرا، حول فكرة هل كان النبي محمد ص رجل دولة اي نبي ورسول وحاكم، ام نبي ورسول فقط..

لايجوز رفض او لعن الخلافة الراشدة والدولتين الاموية والعباسية بالكامل، لانهما يمثلان اساس الحضارة العربية الاسلامية الاولى، ولايمكن اعتبارها نموذج مثالي نافع، انما لكل عصر ومرحلة ايجابيات وسلبيات، اهم تلك السلبيات الظاهرة السياسية الطاغوتية لاغلب الخلفاء البعيدة عن الاسلام، واسلوب التوريث المبتدع في الحكم او الخلافة، وهذا يفتح للمسلمين نافذة النقد والمراجعة والتصحيح، الا ان الايجابيات تعد هي الكفة الارجح في مجال العلوم والمعارف والفنون والاداب، بل حتى الاجتهادات المذهبية في حينها تعد من الانجازات الكبيرة (المعتزلة، اخوان الصفا، الاجتهاد المذهبي السني والشيعي)، الخ.....

الوحدة الاسلامية تبدأ عندما يعود رجال الفكر الاسلامي الى بيئاتهم وحواضنهم المذهبية ومرجعياتهم الفكرية، لغرض فتح فضاءات النقد الذاتي للعقائد والاصوال والاجتهادات المذهبية المتوارثة، عندها يمكن ان ترى طلائع الحضارة الاسلامية الحديثة، تخرج نور المعرفة الى العلن، وهي تمسك بجوهر الاسلام، لا بقشوره وتفرعاته المذهبية، بفهم ووعي وفكر جديد، لايحمل بين طياته اية مشاعرمتوترة مليئة بالاحقاد والكراهية الدينية، يرفض ان ترفع الواح طويلة عريضة محشوة بتراث اللعن والعنف والتكفير والارهاب .....

هذه المحاولات الخاصة بنقد التراث المذهبي في الاسلام، بحاجة الى بحوث ودراسات ومؤتمرات ونقاشات كثيرة بغية انضاج الفكرة، وجعلها امرا مستساغا عند العامة من الناس، لايراد منها ان تقول للشيعي ان ال البيت ع ليس ائمة، ولكن تقول لهم لاسنة ولاعقائد بعد وفاة الرسول محمد ص،

وهذا ماتجده بالفعل في الفقه عند التشيع  (وهو الاساس في الاسلام والايمان) اي الاجتهادات المستندة للقران والسنة، يؤخذ منها مايتوافق مع العقل والمنطق والقران (الرسائل العملية للمراجع).....

وتقول للوهابية والمذاهب السنية لاتكفير ولاردة، ولا رجم ولاحدود، ولا اكراه في الدين والعقائد والثقافة والعبادة والاسلام، انما الدين في كتب الفقه ودور العبادة ومراكز التربية والتعليم الديني،

ولايسمح له ان يخرج عن مجاله الواسع المحدد بالضوابط والشروط العامة، ولكنه قطعا لايملك الحق  (الدين الممثل برجال الفقه) بأن يأخذ هذه الشمولية الهائلة المطروحة منذ قرون في الدولة والمجتمع،

فالدين بعد النبي محمد ص اصبح عمليا بين يد رجال الدين والحكام والمجتمع احيانا، وقد تحول في بعض مراحله الى مايشبه الاديان الشعبية، التي تدخل فيها العادات والتصورات الاسطورية والقصص والاحداث الغيبية المتوارثة في المجتمع، من هنا لايمكن اعتبار ان مايراه الناس من الاسلام اليوم، هو ذلك الدين المقدس الخال من الدس والتحريف والتضخيم كما كان في عهد النبي ص، يصدق عليه فكرة التحصين الالهي المقدس على يد رجال المذاهب، وكأنما حملته جيلا بعد جيل الايادي الفاضلة، والعقول السليمة، والنيات الامينة دائما، والحقيقة انه حتى في عهد ائمة المذهب الشيعي (الذين يعتبرهم ابناء الطائفة معصومين)،  كان المذهب الذي اشتهر بالتقية ممنوعا ومخفيا، ولاتوجد له مراجع رسمية متواترة ومتوارثة، وصولا الى العهد البويهي (956-1055م) والصفوي (1623-1639م)في بغداد، وهنا ايضا امتزج المذهب بالسياسة وضرورات الحكم،

وخير دليل على ذلك كما ذكرنا سابقا الكتب والمرويات الشيعية الكثيرة الموضوعة بعناية، التي يرفضها العقل والمنطق فضلا عن عقلاء فقهاء المذهب وبعض عامة الناس، لانها تتحدث عن الغيبيات والمعجزات والموارائيات العجيبة الغريبة المضحكة احيانا، وتنسب الى ال بيت النبي محمد ص احداث وقصص ووقائع غير موثقة في كتب معتبرة، مع ان هناك في اصول المذهب والفقه الشيعي مايتفوق به غالبا على بقية المذاهب الاسلامية (بالقضاء والقدر، وحكم الخروج على الحاكم الظالم، والخمس، رفض التكفير الوهابي، عدم اعتبار الصحابة كلهم عدول، الخ.)...

نقد المذاهب لايهز اركان الاسلام، انما يثبت اسس الحضارة الاسلامية الحديثة، بتعريف العقائد والعبادات والمحرومات القرانية، واعتماد مبدأ الاجتهاد في الحدود والتأويلات القرانية تبعا للبيئة والظروف والمتغيرات الحضارية الانسانية العالمية، واعتبار ان الاديان ثابتة في امور معينة، ومتغيرة في اخرى، تتطور وتتغير مع التطور الانساني العلمي والكوني، ليس انحرافا عن المبادئ الاسلامية العامة، والانزلاق نحو الانحلال الاخلاقي والانفتاح الاجتماعي المشوه، او بالاتجاه الى تحليل المحرمات ونشر الموبقات، ولكن بغية تخفيف القيود الدينية الشخصية التي يضعها رجال الدين امام الناس، مع التأكيد على ان من اسهل الثقافات او الايديولوجيات او العقائد البشرية هي الاديان السماوية، شرط ان لايدس المنافقين والانتهازيين والمتطفلين وقليلي المعرفة عقولهم في مسألة العبادات والعقائد والفطرة الانسانية السليمة، بوضع انفسهم الهة في الارض للتحكم بالناس، او حاجز مقدس يملك مفتاح العبور نحو التوبة والمغفرة والجنة...

المسلم عليه ان يفكر قليلا ولو من باب الدعوة للمراجعة للتزود بالغذاء الروحي، والمران الفكري لنيل الاطمئنان النفسي امام مايراه متناقضا بين الحضارة الانسانية والتراجع الاسلامي، هل بالامكان ان اكون مسلما مؤمنا دون مذاهب، ودون الخضوع والمرور الشبه يومي بما يقوله رجال الدين والمذاهب، هؤلاء الذين يروجون دائما بأن وظيفتهم في الحياة هي كعلماء الطبيعة والمفكرين والفلاسفة والاطباء والمهندسين  (الخ.)،

بينما هي وظيفة روحية ونفسية وشرعية محدودة لها مجالاتها الخاصة والعامة، الا انها يجب ان تكون في ضفة المجالات والجوانب الايجابية دائما، لايراد لها ان تكون او تدخل طرفا في الازمات والنزاعات وحتى الحروب بين الامم والشعوب، كي لايصبح الدين والطائفة هي المحرك في هذه القضايا، فتزيد من نيران التوترات والصراعات الدموية وحشية، وتجعلها نقمة متوارثة، وهذا ما بات واضحا في اعادة نقد الفتوحات الاسلامية من قبل عقلاء الاسلام، واعتباره احتلالا وغزوا مرفوض دينيا، حتى لاتبقى في تراث الاسلام وتاريخ الامم والشعوب على انها تعد جزءا اساس من اسس الحضارة الاسلامية الاولى انما هي مرحلة تاريخية عابرة...

لايوجد مذهب او فرقة في الاسلام افضل من الاخرى، يوجد في التأريخ ان ايمان  (وشجاعة وزهد وعدل) الامام علي ع لعظمته لايقارن بأيمان والاسلام بقية الصحابة، وايمان ال البيت ع المعروفين بين المسلمين (بالائمة)لايقارن بأيمان الخلفاء الامويين والعباسيين او بأيمان بقية ائمة المذاهب، وان الوهابية زندقة وفهم بدوي متوحش للاسلام، هذه لاتخرج عن اطار انها وجهات النظر النابعة من القناعات الشخصية، وهي ليست اساس لبناء عقيدة اسلامية جديدة، ولايمكنها ان تكون احد اصول الاسلام، لانها تمثل كما اوضحنا اعتبارات تأريخية معنوية خاصة، لابد ان يبتعد الناس عن اقحامها في الدين او جعلها محور الصراعات المذهبية...

وظيفة رجال الفقه والدين حماية الانسان والمجتمع من التراجع والانحطاط الاخلاقي والحضاري، بالكلمة والعبارة الهادفة، دون تعصب او تشدد او صراخ، اذ لابد ان يكونوا هم اكثر الناس حكمة وعقلانية وهدوءا وتسامحا، كما اراده الله عزوجل من انبياءه ورسله ع...

قال تعالى في سورة النحل

 (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (12)

المسلم كبقية البشر، عليه ان يفكر، لايجوز عليه اغلاق العقل، الحياة في الارض مرة واحدة، والندم بعد فوات الاوان موت بطيئ، النيات الصادقة المخلصة في البحث عن الحقيقة لاتبعد الناس عن طريق الهداية، اسلام بلا مذهب ترفع الحواجز بين المسلم وربه، وكلما تقرب العبد من ربه كلما زاد ايمانه وصلح حاله.

 

مهدي الصافي

 

 

بليغ حمدي اسماعيللم يكن الإسلام الحنيف يوماً ضد حرية الاعتقاد، بل كان داعياً إلى حرية المرء في اختيار عقيدته، ومن هنا تبرز سماحة الإسلام وعبقريته في آن واحد، وجاء ذلك بوضوح شديد في النص القرآني، حيث يقول الله تعالى (لا إكراه في الدين)، والإسلام بذلك يقر حقيقة عظيمة للإنسانية وهي عدم إرغام المرء على ترك دينه ودخول دين جديد. ويؤكد النص القرآني ذلك مثل قوله تبارك وتعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

والدين الإسلامي كان الدين السماوي الحنيف الذي أقر بمبدأ التعددية الدينية، بل واعترف بها أيضاً. ومن منطلق هذا اعترف الرسول (ص)  باليهود ككيان واقعي بالمدينة المنورة، وإعطاء الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الأمان والحرية الدينية للمسيحيين من سكان مدينة القدس العربية، وما فعله عمرو بن العاص بالأقباط حينما فتح مصر . بخلاف ما فعله الأسبان بأهل الأندلس المسلمين من قتل وصلب وحرق وتدمير.

وتؤكد كافة الكتابات التاريخية الإسلامية أن الإسلام كفل حرية النقاش الديني معتمداً في ذلك على مبادئ أصيلة مثل الحوار الجيد الخصب، واحترام الآخر، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). وكم من مرة أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الجادة  للحوار بين أهل الأديان مثل قوله تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).

وبالرغم من هذه السماحة والدعة التي منحها الإسلام للمختلفين معه عقدياً، تجرأ البعض من أهل الكتاب وغيرهم ممن تجردوا من نعمة العبودية لله بالهجوم على الإسلام والمسلمين، والطعن في العقيدة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام السمحة.

الحقد المتنامي ضد الإسلام:

يبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية .

وتمثلت هذه التيارات في حركات منحرفة ضالة مثلت الوجه القبيح للإلحاد والغلو الفكري والعقائدي، ومن المؤسف انتشار بعضها بالبلدان العربية والإسلامية انتشار النار بالهشيم وسط حيرة مستدامة من الشباب العربي المسلم الذي ترك نفسه صيداً سهلاً لمفاسد الإنترنت والفيس بوك المتغيرات الوافدة من الغرب والشرق والشمال والجنوب . وأعني بتلك الحركات والتيارات المنحرفة البابية والبهائية والقاديانية.

أولاً ـ الحركة البابية:

ظهرت البابية أول ما ظهرت في إيران، تحديداً في القرن التاسع عشر، وهي حركة إلحادية مبغضة للإسلام . وأخذ أصحاب هذه الحركة المشبوهة يبثون الفتنة ويشيعون الإلحاد والفتنة في صفوف الناس هناك من أجل تحقيق أهدافهم الخبيثة للنيل من الإسلام.

وعمل أولئك الموتورين في النيل والكيد للإسلام على وسائل متعددة منها الدعوة إلى الإباحة في النساء والأعراض والأموال، تشبيهاً بالشيوعية الممقوتة، وبالدعوة إلى الحلول والاتحاد وهي أفكار تغلغلت في الفكر الإسلامي الصوفي عن طريق المسيحية، انتهاء بالقول بالتناسخ.

ويشير الدكتور محمد الجيوشي (1998) أن هذه الأفكار انتقلت من فرق وتيارات مثل السبئية والكسانية والراوندية والباطنية مروراً بالإسماعيلية والقرمطية والحزمية انتهاء بالحريدينية حتى أصبحت على مسماها الحالي بالبابية.

البابية وعوامل ظهورها:

تشير كلمة باب إلى الدلالة على الشيخ الذي يعلم الناس، وتشير أيضاً إلى المدخل الذي يدخل منه المرء. وقد ظهرت البابية في إيران نتيجة عدة عوامل أججت في ظهورها من أهمها تأهب الغالبية العظمى من السكان في انتظار الإمام الغائب الذي نادت به الشيعة، بالإضافة إلى الدروس الدينية المستمرة على يد (أحمد الإحسائي) الذي تشير الدلائل التاريخية إلى أنه قس غربي جاء من إندونيسيا حسب خطة استعمارية منظمة لإفساد عقيدة المسلمين،  و (كاظم الرشتي) من ظهور إمام يرشد الرعية ويخلصهم من فسادهم وانحرافاتهم الدنيوية. وأخذا يدعوان إلى الحلول والاتحاد والخرافات الوثنية وتقديس الأئمة.

ولاشك أن الاستعمار السوفيتي وجد في ذلك فرصة سانحة لتسهيل مهمته التدميرية بتدعيم هذه الحركة، فعمل الاستعمار الروسي على إفساد العقيدة الإسلامية بنشره للخرافات والحيل والأكاذيب كالصنيع الذي فعله اليهود بتراثنا الإسلامي كما أشرنا سابقاً.

الدور اليهودي في مساندة البابية:

من الطبيعي أن تظهر لفظة اليهود في كل مساحة يحاول الملاحدة فيها التشكيك في الإسلام والنيل والكيد له، واليهودية العالمية عملت ولا تزال تعمل في تدمير العقيدة الإسلامية منذ بدايتها، وهذا ظهر جلياً في إعلان التأييد والتعاون للباب، وليس من الدهشة والغرابة أن تجد أعداداً كبيرة من اليهود انضموا إلى الحركة البابية .

وإذا أردنا أن نفسر هذه الهرولة من العناصر اليهودية نحو الحركة البابية فإننا سندرك أن هدفهم هو توجيه هذه الحركة والقدرة على التحكم في مبادئها وآرائها، وهذا يؤكده أن الباب ومن بعده البهاء استندا على ما جاء في التوراة، وأن الميرزا على الشيرازي كانت التوراة أنيسه في محبسه وسجنه.

العقائد البابية:

عبرت العقائد والأفكار البابية عن حالة الهوس والانحراف العقلي لدى أنصارها، وهذا ما نجده واضحاً وجلياً في اعتبارهم بأن الله يعلو علواً كبيراً يحل في البشر، وأن هذا الحلول يعتبر مظهراً إلهياً في هيكل بشري. وجاوزوا هذا العبث بإعلانهم بأن ظهور الله الواحد الأحد الفرد الصمد في هيكل تعدد بتعدد ظهور الأنبياء والرسل.

أما بالنسبة لأفكارهم ومعتقداتهم حول الآخرة فهي مختلفة تماماً مع ما جاء في القرآن الكريم، وهم في ذلك يفسرونها تفسيراً باطنياً. والباطنية باختصار شديد هم أهل دعوا إلى الحلول وأفرطوا في التأويل وحولوا كل عمل ظاهر إلى سر باطن، وكما أشار الإمام محمد عبده في كتابه رسالة التوحيد أنهم فسروا الكتاب بما يبعد عن تناول الخطاب، وعرفوا بالباطنية أو الإسماعيلية ولهم أسماء تعرف في التاريخ فكانت مذاهبهم غائلة الدين، وزلزال اليقين، وكانت لهم فتن معروفة وحوادث مشهورة.

والبابية من منطلق ما سبق لا يؤمنون بشئ مما ورد بشأن الآخرة في القرآن الكريم، ولقد أشار إليهم القرآن وأمثالهم حين قال (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر). والقيامة عندهم قيام الروح الإلهي في مظهر بشري جديد، ولقاء الله يوم القيامة هو لقاء الباب لأنه هو الله، والجنة في اعتقادهم هي الفرح الروحي الذي يشعر به المؤمن، أما النار فهي الحرمان من معرفة الله في تجلياته في مظاهره البشرية.

العبادات عند البابية:

أ ـ الصلاة:

ألغى الباب الصلوات الخمس المفروضة بالإضافة إلى صلاة الجمعة، وأبقاها فقط في صلاة الجنازة، وهذا من غريب وفحش قولهم، ويقول الباب في كتاب البيان الواحد السابع ـ كما أشار الدكتور محمد الجيوشي ـ مخاطباً أتباعه: " رفع عنكم الصلاة كلهن إلا من زوال إلى زوال تسع عشرة ركعة واحداً واحداً بقيام وقنوت وقعود، لعلكم يوم القيامة بين يدي تقومون ثم تسجدون ثم تقنتون وتقعدون" .

وفي موضع آخر في كتاب نقطة الكاف للكاشاني وهو أحد رجال البابية الموتورين نجده يقول عن الصلاة ما يلي: " إن المقصود من الصلاة التكبير والتحميد والتعظيم قولاً وفعلاً لحضرة النقطة الشيرازي وهذا هو المفهوم لقول الأمير عليه السلام: "نحن الصلاة، وإلى جانب ذلك تحدث الباب عن السجود فقال في البيان: فلا تسجدن إلا على البللور، فيها من ذرات طين الأول والآخر من ذكر الله في الكتاب لعلكم شئ غير محبوب لا تشهدون البيان الثامن من الواحد العاشر".

وإذا أعملنا العقل الذي منحنا الله إياه وهو نعمة لا تعد ولا تحصى، لتعجبنا أولاً من هذا الكلام الذي لا دلالة له، والمعاني الرخيصة التي تحملها النصوص السابقة، فكما أكدنا في تصديرنا للدراسة الحالية بأن التيارات والفلسفات الإلحادية المعاصرة قامت بتلفيق النصوص الوثنية القديمة وحشوها بعبارات دينية بقصد إيهام العامة، نجد النصين السابقين يكودان هذا، فمثلاً يشير الكاشاني إلى ضرورة السجود على البللور عند الصلاة التي هي في الأصل مغلوطة ومشوهة لديهم، وهم في شرك وضلال حينما ينادون بالحلول والاتحاد في الباب .

علاوة على الألفاظ التي نجدها مرصوصة رصاً دون معنى أو قيمة، بالإضافة إلى ابتكارهم غير المرغوب فيه في قواعد النحو كالإضافة مثلاً حينما يقولون البيان الواحد العاشر، والبيان الواحد السابع، ورحم الله علماءنا النحويين الذين يسروا لنا قواعد اللغة فرقت ولانت طبائعنا بها.

ومن عجائب بدعهم في الصلاة والطهارة أيضاً ما رخصوه لنسائهم، فلقد أعفا الباب النساء من الصلاة والصوم عند حيضهن، ثم دعاهن إلى الوضوء ثم التسبيح خمساً وتسعين مرة من زوال إلى زوال، ويقلن عند ذلك: " سبحانك الله ذي الطلعة والجمال" .

ب ـ القبلة:

وكل المسلمين يعلمون أن قبلتهم هي المسجد الحرام لقول الله تعالى (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره)، أما عند تلك الفرقة ـ أي البابيين ـ فقد جعل الباب الشيرازي قبلة الصلاة البيت الذي ولد فيه، أو مكان سجنه ومحبسه بعد ذلك، ثم تطرف أتباعه فجعلوا القبلة الأماكن والبيوت التي عاش فيها.

ونحمد الله تعالى على اجتماعنا واتحادنا في الصلاة والآذان والقبلة، فلقد تشتت أمرهم بتشتت قبلتهم وشرود صلاتهم، ونجد الباب الشيرازي يشير إلى القبلة بقوله: " قل إنما القبلة من تظهره متى ينقلب تنقلب إلى أن يستقر ثم من قبل مثل من بعد تعلمون، قل إنما تولوا فثم فوجه الله أنتم إلى الله تنظرون" .

ج ـ الصوم:

أما الصوم فعند البابية تسعة عشر يوماً فقط، وهو ما أسموه بشهر العلاء، ويأتي عندهم في الربيع، ويكلف الباب بالصوم من سن الحادية عشرة إلى سن الثانية والأربعين. ويقول الباب الشيرازي في ذلك: " أنتم في كل حول شهر العلاء لتصومون وقبل أن يكمل المرء والمرأة إحدى عشرة سنة من حين ما ينعقد نطفته أن يريدون، أن حين الزوال يصومون وبعدما يبلغ إلى اثنتي وأربعين سنة يعفى عنه، وما بينهما من الطلوع إلى الغروب لتصومون".

غرائب وعجائب البابية:

أورد فضيلة الدكتور محمد الجيوشي  في كتابه عن البابية بعض الغرائب عن أتباعها، وأبرز ما أورده فضيلته سر العد 19 عندهم، فلهذا العد مكانة خاصة لديهم، ومن أجل ذلك اتخذ تقديس العدد 19 مظاهر متعددة منها تقسيم السنة إلى 19 شهراً، وجعل الشهر 19 يوماً .وتخصيص أيام الاحتفال  بالعيد 19 يوماً وهو عيد النيروز. واعتبار الصوم الصوم 19 يوماً وهو شهر العلاء. جعل عدد الطلقات 19 طلقة ونفس العدد لعدة المطلقة، وجعل التسبيح في السجود 19 مرة.

وكما تفردوا في اختيارهم العجيب للعدد 19، امتازوا وتباينوا أيضاً في اختيارهم لأسماء أيام الأسبوع، لذا نجدهم يطلون الأسماء الآتية على أيام الأسبوع السبعة وهي: الجلال، والجمال،والكمال، والفضال، والعدال، والاستجلال، والاستقلال.

البهائية:

من أدق التعبيرات التي وصفت بها البهائية ما جاء على لسان الإمام الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) بأنه دين استعماري، أسهمت السياسة البريطانية والصهيونية في ترسيخها وتدعيم أركانها وسط غفلة المسلمين التي تحدثنا عنها من قبل،  ومن خلال خططتهم الموجهة المتحفزة للقضاء على معالم الدين الإسلامي.

وما ذكرناه من قبل عن عقائد البابية المنحرفة ينطبق على مثيلتها البهائية، التي أسقط زعيمها البهاء فريضة الحج العظيمة قدراً ومكانة بنفوسنا أجمعين، بل تجاوز في غلوه عندما أوصى بهدم البيت الحرام. وتمادى رؤساؤهم بعده في إسقاط فرائض الصلاة والصيام والجهاد والقصاص.

ومنذ اللحظة الأولى لميلاد البهائية وهم يلحون في صناعة دين جديد يحارب الإسلام ويخاصمه، فالبداية إعلان البهاء مبشرا بالمهدي، ثم أعلن بعد قليل بأنه المهدي المنتظر نفسه، ثم انتقل بعد ذلك إلى ادعاء النبوة، حتى وصف لأتباعه الموتورين بأن الله تجلى به وحل فيه والعياذ بالله.

وليس من العجيب أن كل كتب البهاء تنشر في الغرب، لأننا أشرنا أن الاستعمار البغيض وجد في موتوري العصر الحديث فرصة سائغة للنيل من الإسلام والمسلمين، بل وجدنا الغرب المستعمر يصف البهاء بأنه داعية محبة وسلام وإخاء. ويؤكد ذلك أن بريطانيا دعت البهاء لزيارة سريعة إلى سويسرا سنة 1911م، وعقدت له مؤتمراً صحافياً ليعرض أفكاره الفريدة. ومنها أنه أعلن بالمؤتمر أن الناس قد نسوا تعاليم بني إسرائيل وتعاليم المسيح وغيره من معلمي الأديان فجددها البهاء.

ونظراً لما لاقاه البهاء من حفاوة من قبل البريطانيين وجدناه يؤكد علانية دون خجل أو خشية أو حياء بأن المدنية الشرقية لم تكن في يوم من الأيام أرقى من المدنية الغربية إلا في عهد (بوذا) وعهد (زرادشت) ثم بدأت بعدهما في الأوهام والخرافات تفسدان على الشرقيين معتقداتهم، على حين كان الغربيون يجتهدون في الترقي نحو النور. وتعددت أسفار البهاء بعد ذلك إلى باريس وأمريكا التي قال فيها: " إن أمريكا أمة مجيدة وهي حاملة للواء السلام في العالم، وتستنير منها جميع الآفاق" .

ينتشر البهائيون اليوم في أكثر من مائتين وخمسة وثلاثين بلداً، وهم يمثّـلون أصولاً دينية مختلفة وينتمون إلى أجناس وأعراق وشعوب وقبائل وجنسيات متعددة. أما الدين البهائي فمعترف به رسمياً في العديد من الدول، ومُمثّـل تمثيلاً غير حكومي في هيئة الأمم المتحدة والأوساط الدولية العلمية والاقتصادية.

والبهائيون على اختلاف أصولهم يُصدِّقونَ بما بين أيديهم من الكتب السماوية، يؤمنون بالرسالات السابقة دونما تفريق، ويعتقدون بأن رسالة حضرة بهاء الله من الرسالات السماوية  لا تمثّـل سوى مرحلة من المراحل المتعاقبة للتطور الروحي الذي يخضع له المجتمع الإنساني.

ويؤمن البهائيون بوحدة المنبع الإلهي لأغلب الديانات الكبرى الموجودة في العالم، ويعترفون بمقامات مؤسسيها وبأنهم رسل من الله، ومنها الزرادشتية والهندوسية واليهودية والبوذية والمسيحية والإسلام. ويعتقدون بأن جميع هذه الديانات جاءت لتهذيب البشر أينما كانوا عبر العصور، وبأنها نشأت في مجتمعات كانت تدين بديانات سابقة وبنت الواحدة على الأساس الذي وضعته الأخرى. وهذا أحد أهم المعتقدات البهائية التي تقوم على أساسها علاقتها بالأديان الأخرى واتباع هذه الأديان.

ويعتقد البهائيون أن كما نجد أن للمسيحية على سبيل المثال جذورا في الديانة اليهودية، فإن للبهائية جذورا في الديانة الإسلامية. غير ان هذا لا يعني بأن الدين البهائي فرقة من الإسلام أو فرع من الديانات السابقة، بل يؤمن أتباعه بأن دينهم هو دين مستقل منذ بداياته وله كتبه وشرائعه المستقلة.

رأي علماء المسلمين في البهائية:

يتفق أغلب علماء المسلمين على أن البهائية ليست فرقة أو مذهبا من الإسلام. وقررت المحكمة الشرعية العليا في مصر سنة 1925م أن الدين البهائي دين مستقل عن الدين الإسلامي. وينظر كثير من المسلمين لمتبعيه على أنهم كفار خارجون عن الملة والاعتقاد، وذلك لأن البهائيين يعتقدون بأن مؤسس البهائية هو رسول موحى له جاء بعد رسالة الإسلام. فالمسلمون يؤمنون بأن رسالتهم هي آخر الرسالات السماوية.

وتستند العديد من الآراء الحالية ضد البهائيين على البيان الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامّية بالأزهر ضد البهائية والبهائيين ونُشِرَ في عددٍ من الصّحف المصرية والعربية بتاريخ 21/1/1986م. ولقد قام البهائيون بالرد على هذا البيان في مقالة صدرت في مجلة أخبار العالم البهائي. وكان هذا المقال مختصرا نسبيا ليتناسب مع بيان الأزهر من حيث الحجم والمضمون. ولقد قامت المؤسسات البهائية بالرد على الاتهامات المشابهة التي كان قد أصدرها الأزهر في بيان صدر عام 1947م، وردت عليه لجنة النشر المركزية بالقطر المصري والسودان بإجازة المحفل الروحاني المركزي للبهائيين ونشر هذا الرد في مصر في نفس العام. كما يدرج موقع حقائق عن الدين البهائي ردا مفصلا على التهم غير الموثّقة والتي تدرجها بعض المواقع والمنشورات معتمدة في معلوماتها على مصادر معادية للتيار  البهائي وأتباعه.

ولقد قرر مجمع البحوث الإسلامّية بالأزهر البحث في المسألة البهائية من جديد نتيجة لما أثارته قضية البهائيين المصريين ووضعهم القانوني في الصحف المصرية، والعربية، والعالمية. ولقد عرضت الجالية البهائية العالمية في رسالة موجهة للأزهر التعاون والمساهمة في هذه الدراسة وذلك تعبيرا عن أملها بأن يسود هذا البحث "روح الاحترام المتبادل والتجاوب الودي التي حثت عليه والمتوقع أن تسود العلاقة بين الهيئات الدينية في العالم". وتستمر العديد من الجهات الإسلامية خاصة في إيران ومصر بمحاربة البهائية علنا والدعوة للقضاء عليها وعلى أتباعها.

العقائد البهائية:

يمكننا عرض بعض العقائد والأحكام البهائية بشكل بسيط وكما هو معروض في دائرة المعارف ويكيبيديا على النحو التالي:

ـ الصلاة: هناك ثلاثة أنواع من الصلاة البهائية اليومية وعلى الفرد اختيار أحدها.

ـ الصوم: الامتناع عن الأكل والشرب من الشروق إلى الغروب خلال الشهر الأخير في السنة البهائية.

ـ موافقة الطرفين ورضاء الوالدين عند الزواج وقراءة آية معينة وقت عقد القران بحضور شهود العيان (الآية: يقول الزوج "إنا لله راضون" والزوجة "إنا لله راضيات").

ـ تحريم المشروبات الكحولية والمخدرات وكل ما يذهب به العقل.

ـ تحريم النشاط الجنسي إلا بين الزوج وزوجته.

ـ تحريم تعدد الزوجات.

افتراءات البهائية:

نعرض في هذا الجزء بعضاً لافتراءات البهائية وزعيمها، ونترك القارئ المسلم ليدرك حجم الجهل والكذب والزيف لدى هؤلاء:

ـ يقولون إن الوحي لا يزال مستمرا وبأن المقصود بكون محمد خاتم النبيين (ص) هو أنه زينتهم كالخاتم يزين الإصبع.

ـ يعترف البهائيون أنهم يؤمنون بأن الوحي الإلهي سيبقى مستمرا لأن هذا من وعد الله لعباده.

ـ يحرمون ذكر الله في الأماكن العامة ولو بصوت خافت، كما جاء في كتاب "الأقدس": "ليس لأحد أن يحرك لسانه ويلهج بذكر الله أمام الناس، حين يمشي في الطرقات والشوارع".

ـ يقول البهائيون أن مقولتهم السابقة حول ذكر الله هي للتأكيد على حرمة وأهمية الصلاة وذكر الله. وأن ذكر الله يجب أن يحاط بالتقديس والاحترام من قبل المتكلم والسامع على حد السواء. ويضيفون ان أحكام البهائية لا تمنع، وإنما تؤكد على أهمية ذكر الله في كل الأوقات كضرورة لسعادة الفرد ورقيّه الروحي. ولكن يجب أن يتم ذلك بكل احترام وتقديس.

ـ لا يؤمن البهائيون بالعقاب والثواب الجسدي وتشير الكتب البهائية إلى أنهم يؤمنون بالعذاب والثواب وأنه يقع على الروح لا على الجسد.

ـ تشير الكتب البهائية أنهم يؤمنون بوجود الملائكة والحياة الآخرة ولكنهم يفسرونها تفسيرا قد يختلف عن التفسيرات والمعتقدات الشائعة المتعلقة بهذه الظواهر. وتؤكد المراجع البهائية على إيمانهم بالحياة بعد الموت كمرحلة أساسية لاستمرار حياتهم الروحية ولكنهم لا يؤمنون باستمرار الحياة الجسدية أو المادية للفرد بعد الموت .

 

د. بليغ حمدي اسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

ميثم الجنابيتقديم: إن أغلب العقول العربية الحديث والمعاصرة هي عقول مستلبة، بما في ذلك ما يسمى بالمفكرين منهم. إذ لا علاقة في الأغلب لاهتمامهم وهمومهم وما يتناولوه من قضايا وإشكالات بتحليل ونقد التجارب المتنوعة إن مهمة هذا المقال تقوم بالكشف عما ادعوه بالعقل الثقافي. وهو العقل الذي تتراكم صيرورته وكينونته في مجرى التجارب الذاتية للأمة. وما عداه يمكن أن يكون كل شيء باستثناء أن يكون عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة. وهي قضية منهجية وثقافية ومستقبلية بقدر واحد.

فعندما نتناول إنتاج اغلب تيارات وشخصيات الفكر العربي العقلاني الحديث والمعاصر، فإننا نتوصل في نهاية المطاف الى انه لا عقلانية فيها ولا عقل. والسبب يكمن في أن أغلب عقول المثقفين العرب المعاصرين في مختلف الميادين، تتسم بقدر هائل من الاستلاب الثقافي. من هنا انهماكها في تحليل ودراسة شخصيات وفلسفات أوربية لا علاقة لها بإشكالات العالم العربي الواقعية الحالية منها والمستقبلية. وحتى حالما يجري التطرق إلى بعض المدارس والشخصيات الفكرية والثقافية منها، وهو عمل مهم أيضا، فإنه يجري تجاهل تطويعها تجاه إشكالات العالم العربي. الأمر الذي حدد معنى وطبيعة هذه الاستلاب. فالعقل الثقافي هو الوحيد الحق، حتى حالما يخطأ في تحليله وتأسيسه للأحكام والمواقف، وذلك لأنه يساهم في تعميق الوعي النقدي وتأسيس الحقيقة وغرسها في الوعي النظري والعملي. وهي مهمة العقل الأولية والنهائية أيضا.

فكل ما بلورته الثقافة العربية الإسلامية في ميدان الوعي والنظري كان نتاجا لعقلها الثقافي. من هنا بقاؤه في العقل والضمير والذاكرة التاريخية للعرب، بينما تضمحل وتتلاشى النظريات والفلسفات الأوربية مع كل ظهور جديد فيها سواء من جانب من ينفيها أو يكملها، كما لو أنها لا شيء. فالانهماك والإفراط المثير للغثيان بعقلانية ديكارت، على سبيل المثال، بينما هي صغيره وزهيدة مقارنة بعقلانيات الثقافة العربية الإسلامية، أو أن تتحول موضة "نقد العقل العربي" إلى مفخرة فلسفية وإبداع كبير بينما هي مجرد نقد لا يخلو من الحذلقة الفكرية ولا علاقة له "بالعقل العربي"، وخصوصا حالما يجري وضعه ضمن قوالب وقواعد لا علاقة لها بالواقع التاريخي والثقافي العربي القديم والمعاصر. غير أن الاعجاب بها يكمن أولا وقبل كل شيء في الاستلاب الثقافي أمام "العقل الغربي" أو "الأوربي". وفي كلتا الحالتين لا قيمة علمية فيهما ولهما بالنسبة لتأسيس العقل وغرسه في مسام الوعي الفردي والاجتماعي والقومي. وذلك لأن العقل الثقافي هو الوحيد الذي يمكنه أن يكون مصدرا لوعي الذات القومي والثقافي. وما عداه يمكن أن يكون مصدرا من مصادر الوعي المعرفي. من هنا قيمة ما ادعوه بالعقل الثقافي، الذي نعثر على نماذج واعية ومتنوعة له في الثقافة الإسلامية.

***

لقد كتب الجاحظ عدد من الرسائل لمختلف شخصيات الدولة (العباسية)، حيث وضع فيها وجهة نظره حول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والفكرية والدينية. وفيها نعثر على نموذج خاص لعلاقة المثقف بالسلطة هي علاقة المثقف الحر والعامل من اجل إضفاء العقل والعقلانية على السلوك والمعنى السياسي للدولة. فقد كانت علاقة الجاحظ بالسلطة (العباسية) في الأغلب ايجابية الطابع. وهو موقف شاطره المعتزلة بسبب تلاقي الرؤية والمواقف والغاية. وقد بنى هذه الفكرة والموقف على أساس الحديث القائل:"من لم يشكر للناس لم يشكر لله". غير أنه وجد لهذه الفكرة اساسها في الفطرة والعقل. من هنا استنتاجه:"فمن كفر بنعم الخلَق كان لنعم الله أكفر"[1].

إننا نعثر في هذه المقدمة على إدراك يقترب من الحدس عن قيمة ما أدعوه بالعقل الثقافي بالنسبة لتأسيس الرؤية والمواقف. بل إنهما ينبعان من تراكم التجربة التاريخية الإسلامية في مختلف الميادين وتهذّبهما بمعايير تجاربها الخاصة. فكل ما كتبه بهذا الصدد يبدأ بالرؤية العقلية وينتهي بأحكامها. لكنها في الوقت نفسه هي رؤية عقلية من طراز خاص تكمن في جوهرها الثقافي. بمعنى إنتاج وتأسيس المواقف بمعايير ما أدعوه بالعقل الثقافي. وقد كانت تلك السمة التي ميزت شخصية وتاريخ المعتزلة وفرادتها في الثقافة الإسلامية ككل. وضمن هذا المفهوم فقط يمكن إدراك وفهم خصوصية مواقفهم من السلطة.

إن المقصود بالعقل الثقافي هنا هو العقل العامل بمرجعيات الثقافة الخاصة واستشراف آفاقها المستقبلية بوحي تجاربه الذاتية، أي العقل المتراكم في مجرى تجارب الأمة وهمومها. وما عداه هو "عقل مستلب" أي ليس عقلا بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد أبدع الجاحظ وأسس مواقفه من الدولة ورجالها بمعايير هذه المرجعية الكبرى، كما لو أنه أراد البرهنة على أن علاقة المثقف الكبير أو أهل العلم والمعرفة بالسلطة إشكالية كبرى، لا يحلها إلا العقل الثقافي وقدرته على تأديب الروح النظري والعملي لرجال الدولة. لهذا نراه يضع في رسالته عن (الحجاب)، أي احتجاب السلطة عن المجتمع، أولية الآداب (الأدب) وإشكالية الدين والدنيا. وذلك لأن واقع وحالة الحجاب بحد ذاتها هي خروج على آداب الثقافة العربية الاسلامية من جهة، ومنافاة للآداب العقلية من جهة أخرى. وليس مصادفة أن يربط الجاحظ هذه الظاهرة السياسية بصعود وسيطرة الأموية. ففيها بدأت تقاليد احتجاب الولاة. وفي منطلق نقده لهذه الظاهرة، استعمل الحديث النبوي الموضوع، وغير المتعارض في الوقت نفسه مع مضمون الفكرة المحمدية في الموقف من الإنسان والمجتمع، اضافة إلى التقاليد العربية آنذاك. فالاحتجاب معيب، لأن القوة الحاسمة في دفع حقيقة الشخصية تقوم في الإقدام والعزة والفروسية والسؤدد. وهذه كلها تتعارض تماما مع الحجاب والاحتجاب. ومضمون هذا الحديث يقول:"ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره. إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد". وقد طوّع الجاحظ بأثر عقله الثقافي أغلب ما وصل إليه من أقاويل وأحكام ومواقف مختلف الشخصيات بما في ذلك تلك التي يعارضها. من هنا استعماله لكلمات معاوية والحجاج. غير أنه يضعها ضمن سياقها الفعلي. وأورد بهذا الصدد موقف هانئ بن قبيصة في معاتبته ليزيد بن معاوية في قول يشدد على أن احتجاب الخليفة يجعل من الضروري خلعه ومبايعة من لا يحتجب عن المسلمين. حينذاك أجابه يزيد:"والله لولا أن أسُنَّ بالشام سُنَّة العراق، لأقمت أوَدَك"[2]، أي لرميتك في الدواهي! وهذا تبرير أرذل من غايته. لكننا نعثر فيه على حقيقة الأموية واحتجابها السياسي، بوصفه خوفا وهلعا من المعارضة. ففي عبارة يزيد بن معاوية نعثر على تفرقة في المواقف تجاه أهل الشام والعراق. فأهل العراق هم أعداء بني أمية "بالفطرة والسليقة". وفيهم التحدي والجرأة. كما أن لهم "سنّة" خاصة في السياسة الأموية مستقلة بحد ذاتها لا علاقة لها بالمناطق الأخرى للخلافة تقوم على القمع والإكراه والسجن والتعذيب والتشريد والقتل.

وقد جمع واستعرض الجاحظ في رسالته عن (الحجاب) الكثير من المواقف التي تكشف عن تزايد النقد الشعبي لظاهرة احتجاب الحكام والخلفاء. بمعنى إننا نعثر فيها على الصيغة المبطنة لمواقف الجاحظ تجاه نقد ظاهرة اغتراب السلطة عن المجتمع. من هنا تأسيسه لقيمة الآداب في السياسة، أي القواعد الضرورية التي تجمع في ذاتها بين وجدان الأمة وثقافتها الأخلاقية ومتطلبات المنافع العامة، أو السياسة الوضعية العقلية.

فالآداب بالنسبة له هي آلات تصلح للاستعمال في الدين والدنيا. كما أنها توضع على أصول الطبائع، كما يقول الجاحظ. بمعنى إن الآداب واحدة من حيث أصولها بالنسبة لكافة نواحي الحياة ذات الصلة بشئون الدين والدنيا، أو المادي والروحي، أو السياسي والأخلاقي وغيرها من الجوانب. لقد سعى الجاحظ في تقديم وتأسيس موقفه من الحجاب على مثال ربط إشكاليات الوجود الكبرى آنذاك (الدين والدينا). انه سعى لربط مهمات الدين والدنيا من حيث صلاحيتهما للإنسان والمجتمع. فالأصول بالنسبة له واحدة. بمعنى أن "امور التدبير في الدين والدنيا واحدة. فما فسدت فيه المعاملة في الدين فسدت فيه المعاملة في الدنيا. وكل أمر لم يصحّ في معاملات الدنيا لم يصحّ في الدين"، كما يقول الجاحظ. .

ولم تعن الوحدة المترابطة بين الدين الدنيا هنا سوى الربط بين قضايا الروح والجسد بمعايير الرؤية العقلية وأحكامها. من هنا قوله، بأن "من كان ليس له من العقل ما يعرف كيف دبرت أمور الدنيا، فكذلك هو إذا انتقل إلى الدين"[3]. والعكس هو الصحيح. بمعنى أولوية الرؤية الحياتية وجوهريتها أيضا بالنسبة للدين. والدين بالنسبة للجاحظ هو منظومة القيم المتوحدة بمعايير العقل ومتطلباته. فهو الحاكم الفيصل والنهائي في كل ما له علاقة بحاضر الإنسان ومستقبله. وضمن هذا السياق يمكن فهم استشهاده بالآية القرآنية (من كان في هذه (الدنيا) أعمى فهو في الآخرة أعمى وأظلَّ سبيلا). ومن ثم يمكننا القول، بأن هذه الفكرة كانت تحتوي على نقد وجود رجال الدين والفقهاء وضرورة الاستعاضة عنها برجال الدولة العاملين بالروح العقلي وآدابه. من هنا ضرورة التقوى. فمن لا يتمسك بها سيكون مصيره مصير من مضى وعبرة للآخرين.

وليس اعتباطا أن يكتب الجاحظ رسالة في (الفتيا)، والتي ينطلق فيها من الفكرة الكامنة في الحديث المنسوب للنبي محمد "لَمَا يَزَعُ الله بالسلطان أكثر مما يَزَعُ بالقرآن".  بمعنى أولوية السلطة والسياسة والدولة بالنسبة لتنظيم الوجود الإنساني. وقد اعتبر الجاحظ هذه الفكرة (الحديث) هو موقف اهل العلم والتجربة. ففيهما يمكننا العثور على مختلف أساليب وأدوات ونماذج الحصيلة القائلة، بأن القوة هي التي تكف المرء عن اقتراف الكبائر أكثر مما يمنعه القرآن (أو النصائح). بمعنى إنها هي التي تجعله يقف ويتمسك بحدود القانون والأخلاق. من هنا فكرته عن أنه بغض النظر عن كون السلطان والرعية أشياء متباينة، لكنه لا يمكن توقع إصلاح أحدهما دون الآخر. وهو موقف حددته المبادئ المعتزلية العامة وبالأخص مبدأ العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من هنا توكيد الجاحظ على أن ما يهم المعتزلة أمثاله هو تحقيق "العمل الصالح" و"التعاون على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد"[4]. من هنا قيمة المعرفة العلمية والعقلية الدقيقة، انطلاقا من أن "العلم هو على الدوام أشرف الأشياء"، حسب عبارة الجاحظ. [5]. ومن هنا أيضا عودته إلى من حيث بدأ عن أهمية العبرة أو التجربة التاريخية المختزلة في المفاهيم والرؤية النظرية. وهذا كله مرتبط بالنسبة له بواقع التطور الدائم في المعرفة ومن ثم تغيرها بأثر الممارسة. من هنا استنتاجه القائل:"ينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على إنا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا. كما أنَّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا"[6]. ووضع هذه الحصيلة العقلية والعقلانية الدقيقة في موقفه من المبدأ الجوهري للإفتاء. بمعنى، إن العبرة المتراكمة في مجرى السياق الفعلي والتطور التاريخي، ينبغي أن تكون محكومة بالعقل والمعرفة، والمؤيدة بدورها للدولة العامة بمعايير العدل والحق، والمستندة الى تأمل تجارب الاسلاف والماضي.

وليس هذه النتيجة بدورها سوى التعبير الدقيق عن الحقيقة القائلة، بأنه كلما يتوسع ويتعمق العقل النقدي في تناول إشكاليات الوجود التاريخي كلما يرتقي أكثر فأكثر صوب الرؤية الثقافية. ووضع لهذه الحقيقة منطلق يقوم في ما اطلق عليه الجاحظ نفسه عبارة "العقل هو وكيل الله في الأرض". وتعادل هذه الصيغة بمعايير الثقافة الإسلامية الفكرة التي قال بها انكساغورس عن أن العقل هو الذي يحكم العالم. ولا معنى هنا لعبارة انه "وكيل الله" سوى كونه يتصرف بالوكالة. فالله هو عقل. والعقل هو القوة التي تنظم شئون الوجود وتتحكم به. وعلى المستوى الإنساني المباشر يعني أن يكون العقل الحاكم الأول والأخير في المواقف والأحكام والرؤية. من هنا قوله:"وكيل الله عندك هو عقلك"[7].

فمهمة العقل بالنسبة للجاحظ تقوم، كما هو الحال بالنسبة للمعتزلة ككل، في الكشف عن علل الأشياء. وفي مجال القضية المتعلقة باحتجاب السلطة عن المجتمع، يضيف لمهمة العقل المشار إليها مهمة إدراك أسباب "ما اتفقت عليه محاسن الأمم"[8].  وضمنها يعيد تأسيس وتوسيع مدى الرؤية العقلية لإشكالية الدين والدنيا بمعايير العقل العملي والمنفعة. فالأدباء السابقون، كما يقول الجاحظ، "لم يكشفوا عن العلل والأسباب، رغم اقترابهم من الحق"[9]. وذلك لأنهم لم يفعلوا سوى أن "قاموا بأداء الأمانة ولم يبلغوا فضيلة من استنبط". بينما مباشرة اليقين ممكنة فقط عن طريق كشف علل الأشياء وأسبابها. وذلك لأن المعرفة السابقة في أغلبها ظنون. بينما في كثير من الحق مشتبهات لا تتضح وتنجلي إلا ببعد النظر. ولا يمكن بلوغ اليقين فيها إلا بعد معرفة الأصول والفروع. فقد كانت الغاية من وراء كل هذا التقديم النظري بالنسبة للجاحظ تقوم في ما اسماه برؤية ومعرفة "المعقول في كل طبيعة"، أو كل وجود[10].

إن معرفة طبيعة الأشياء هي المقدمة الضرورية لمعرفة العمل والسلوك الضروري بالنسبة لرجل الدولة. وقد وضع الجاحظ هنا وحل قضية غاية في الأهمية من الناحية النظرية والعملية، ألا وهي قضية تحديد ماهية وحقيقة المفاهيم. وبالتالي التعامل معها بما فيها وبما تتطلبه من مواقف. من هنا دعوته الى ضرورة النظر إلى المفاهيم بصورة ملموسة كالشجاعة والجود وغيرها[11]. وفي مجرى تحقيقها العملي نراه يقدم رؤية تتعلق بما يدعوه بتحصين الأسرار والإكثار من الوعيد للأعداء، والتعامل المتمايز تجاه الفئات الاجتماعية، واستدعاء محبة العامة بالتواضع[12]. وكذلك معرفة ما جرى في حال استحالة الاطلاع عليه مباشرة، عبر تواتر الأخبار والمقارنة ومن أية جهة قدمت هذه المعلومات. فالعلم الذي لا يدركه احد بعيان (مثل سرائر القلوب)، فإنما تدرك بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، كما يقول الجاحظ.

إن مهمة التفكر والتفكير والتمسك بمنطق الرؤية السببية والوصول إلى العلم اليقيني في ما يخص طبيعة الأشياء والظواهر من اجل تحديد المواقف المناسبة، قد ادى بالجاحظ الى بلورة فكرة عميقة للغاية وضعها في عبارة تقول:"الهزيمة مع التفكير لأفضل من التفريط مع الفوز". "فالمقادير ربما جرت بخلاف ما تقِّدر الحكماء، فنال بها الجاهل في نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذِر. رغم ندرة ما يحدث مثلها"[13]. ولا يعني ذلك سوى اهمية وجوهرية التراكم المعرفي في التجارب الذاتية والعمل بموجبها. فالأخطاء في الأعمال والأفعال المبنية على تقدير العقل ليست خطيئة. على العكس. إنها تعمل باتجاه تراكم الحكمة العقلية والعملية. والخطيئة هو ما يعاكسها، رغم نجاحها المؤقت. وذلك لأنه فوز عابر ومخرب بقدر واحد.

وضع الجاحظ هذه الرؤية النظرية العميقة في صلب ما يمكن دعوته بالقواعد العملية للسلطة في التعامل مع النفس والمجتمع. من هنا طالبته لرجل الدولة بما اسماه بضرورة المؤانسة، انطلاقا من إن المرء لا ينتفع "بعيش مع الوحدة"، ثم النظر في تاريخ الرجال، ومحاربة الكذب وعدم القول به، وذلك لأنه دليل على صغر قدر النفس. وتجنب الغضب، لأنه لؤم وسوء مقدرة. إضافة إلى ما فيه من ثمرة هي خلاف ما تهوى النفس. وتجنب الجزع والحسد. فالأول هو انعكاس لضعف الشخصية، والثاني يلتهم بما فيه من دناءة، الأقرب فالأقرب.

وبالمقابل وضع ضرورة تربية النفس بصفات الصبر والحلم والصدق والوفاء. فالصبر هو مفتاح الانتصار في العاقبة. والحلم يفترض حسن المعاملة مع الجميع والضعفاء منهم بشكل خاص. والاكتفاء بالصدق أيا كان شكله ومضمونه. أما الوفاء فهو الوفاء لمن لا حاجة في رجائه ومخافته. ووضع حصيلة كل هذه الرؤية العملية والعقلية تجاه السلوك السياسي لرجل الدولة في موقف عام مهمته خدمة ما ندعوه الأن بالجماهير، أو المجتمع ككل. وكتب بهذا الصد ما يلي: "فأجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفاعيلك كل ما تحمده العوام". وهذا بدوره ليس إلا العمل على تذليل النفس من أجل الأمور المحمودة[14].

إننا نقف هنا أمام نموذج لتراكم الرؤية العقلية الثقافية، أي المحكومة بتجارب وقيم النفس الثقافية. من هنا تغلغل الرؤية العربية الإسلامية، بوصفها رؤية ثقافية، كما في قوله، إن حياة الإنسان هي ابتلاء في العسر واليسر، غير أن الابتلاء هو اختبار. وأن الله غفور، غير أن حكم الآخرة هو حكم الدنيا. وهذه جميعها "بدون مقارنة (موازنة) العمل لا يصبح للميزان معنى يعقل"، حسب عبارة الجاحظ.

إن هذه الوحدة الحية بين مرجعيات الرؤية الثقافية (الإسلامية) وتجارب الخلافة السياسية والثقافية العامة كما نراها في ربط وتلازم الابتلاء بالإرادة، وحكم الآخرة بوصفه حكم الدنيا تعادل معنى ضرورة العمل بها بما يتطابق مع متطلبات العقل. وبدون ذلك لا يصبح للميزان معنى. فالميزان معادلة محكومة بالعمل أولا وقبل كل شيء. ومن ثم تحتوي على تحرير النفس والعقل من ابتزاز النفس والآخرين بعفونة الاخطبوط اللاهوتي. وبالتالي جعل الإرادة والعقل، والإرادة العقلية مقياس ومعيار العمل الضروري في كل شيء وتجاه كل شيء. فالإرادة، كما يقول الجاحظ تقتضي على كل امرئ بما يتوافق مع عمله. فالطبيعة (الفطرة) المميزة للإنسان لا تجعله يعمل بصورة مطلقة. فكل ما تأخذه النفس تصرفه آجلا أم عاجلا[15]. من هنا ضرورة التأديب. فهو الأسلوب الضروري الذي ينبغي أن يلازم كل عمل. وبالنسبة لرجل الدولة يفترض الجمع المعقول بين الترغيب والترهيب، على أن يكون ميزانهما العدل بما يتطابق مع العمل. فالسياسة مبنية على اساس الترغيب الترهيب. لاسيما وأنهما أصل كل تدبير[16]. وهي حصيلة مبنية على اساس تأمل التجربة السياسية التاريخية للخلافة واستحضار ما هو حي فيها بمعايير الرؤية العقلية الصرف. وليس مصادفة أن نعثر في مفاهيم ومواقف وأحكام الجاحظ على شبه كبير، بل شبه متطابقة مع الآراء التي وضعها الإمام علي بن ابي طالب في رسالته أو وصيته السياسية لمالك الأشتر (النخعي)[17]، وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة جعل العدل والإنصاف واحدا تجاه الجميع في الثواب والعقاب، وأن يعرف للجميع منازلهم وأقدارهم، وكذلك مشاورة الخواص[18]. من هنا تحذيره من ظاهرة وسلوك الإفراط بوصفه منافاة للعقل. وكذلك أن يجري فهم المنفعة على أنها محبة، والصدق على انه ثقة، والعدل على انه اجتماع القلوب. وهذه كلها ليست إلا الصيغة العملية السياسية لتحرير النفس العادية ورفع شأنها إلى مستوى النفس الثقافية، أي العاملة بميزان العدل العقلي. مما حدد بدوره المبادئ الكبرى الأساسية لهذه السياسة العملية، حيث حصرها في كل من "تربية النفس على كل أمر محمود العاقبة"، و"تثمير المال آلة للمكارم وعون على الدين"، و"تقدير الأمور على قدر الزمان". بمعنى الربط الدقيق والعملي والعقلاني لتربية الإرادة (النفس)، واستثمار الثروة المادية بالشكل الذي يخدم الكينونة المعنوية للإنسان والمجتمع، وتطبيق ذلك بما يتوافق ويستجيب لمتطلبات الواقع الحي والمباشر. وهذا في كله ليس إلا الحصيلة النظرية المجردة لتأمل التجربة الذاتية للأمة وتهذيب رؤيتها العملية بما يتوافق مع ما ادعوه بعقلها الثقافي التاريخي. وبالتالي، فإن حقيقة الفكرة السياسية الضرورية هي المتنورة بالعقل وآداب الثقافة الذاتية، أي حصيلة التجارب التاريخية الذاتية وتحقيقها في الأقوال والأعمال بالشكل الذي يخدم إصلاح ومصالح الأمة والجماعة والأفراد والدولة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج1، ص95.

[2]  الجاحظ: الحجاب، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص41-42.

[3]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص99.

[4]  الجاحظ: الفتيا، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964، ج1، ص314.

[5]  الجاحظ: الفتيا، ج1، ص316.

[6]  الجاحظ: الفتيا، ج1، ص316.

[7]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص92.

[8]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص95.

[9]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص96.

[10]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص98.

[11]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص114.

[12]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص115-118.

[13]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص121.

[14]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص123-127.

[15]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص103.

[16]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص105.

[17]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص106-107.

[18]  الجاحظ: المعاش والمعاد، ج1، ص108.

 

ميثم الجنابيإن إحدى الأفكار النظرية والعملية الكبرى التي بلورها الجاحظ في موقفه من أهل العلم والمعرفة تقوم في ضرورة مواجهتها للواقع كما هو والعمل على نقده وتغييره بما يتوافق مع مبادئ الفكرة العقلية والالتزام الفردي المحكوم بقيم الحق والحقيقة. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المتسامية لفكرة الاعتدال. إذ لا حق ولا حقيقة خارج الاعتدال. والاعتدال لا متناه في الأشكال. من هنا موقفه المعارض للتقية السياسية والفكرية على السواء. وذلك لأن إخراج الحقيقة في الرؤية والمواقف إلى العلن هو جزء من الحقيقة بل الحقيقة بعينها عندما تكون مهمة المواجهة تجاه الخطأ والخطيئة القضية الكبرى والجوهرية. ونعثر في هذه الفكرة على موقف فكري وسياسي يلازم معنى وحقيقة أهل العلم، أو المثقف الكبير. والمقصود من فكرة الجاحظ هذه وموقفه هو أن رجل العلم والفكر ينبغي أن يبوح بحقيقة أفكاره كما هي. من هنا استفساره النقدي بهذا الصدد عندما قال:"فمتى إذن تزول التقية ويجب إظهار الحق والنصرة للدين والمباينة للمخالفبن؟ أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقلّ ناصره، ويزول جميع الخوف، ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحق مطيعا ولله مخلصا؟"[1].

إن أولوية الطاعة للحق، هو الموقف الذي استحكم في ذهنية ونفسية الجاحظ وحكمها على الدوام، بوصفها الصيغة الملازمة لمنطق البحث العقلي عن الحقيقة. وضمن هذا السياق يمكن فهم دفاعه عن علم الكلام، عندما كان البحث عن الحقيقة وتأسيسها في المواقف والعقائد، باعث الإبداع الجوهري فيه. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن أن مهمة الدفاع عن علم الكلام عند الجاحظ مرتبطة بتقاليد مضمون الكلام المعتزلي من جهة، وكونه العلم الذي كان يحمل آنذاك وهج الرؤية العقلية والنقدية، على الأقل ضمن تقاليد المعتزلة بشكل عام والجاحظ بشكل خاص.

وخصوصية الجاحظ بهذا الصدد تقوم، في انه حالما يتناول هذه القضية أو تلك في جميع رسائله وكتبه، فإنه يسعى لإبراز قيمتها الكبرى، كما لو أنها الأهم بين غيرها من القضايا. ذلك يعني، إن كل شيء مهم. ولكل شيء فضيلته. ومهمة أهل العلم تقوم في إبراز ذلك لكي لا تجري الاستهانة بأي مظهر من مظاهر الوجود الإنساني بشكل عام والإبداع الحر بشكل خاص. من هنا قوله "لصناعة الكلام فضيلة على كل صناعة، ومزية على كل أدب"[2].

وقد كانت قضية نقد الغلو والخروج على الاعتدال إحدى القضايا التي نعثر على تناولها المباشر أو تناولها الجزئي وصداها المبطّن في كل ما كتبه. الأمر الذي يشير إلى أولية وجوهرية فكرة الاعتدال في منظومته الفكرية ككل. ونعثر على أهم أفكاره بهذا الصدد في نقد "النابتة" ومظاهرها المختلفة. فقد كانت رسالة (النابتة)، من حيث مضمونها الفكري والتاريخي والسياسي، موجهة أساسا ضد بني أمية. لكنه يجد أصولها ومظاهرها الأولية في صدر الإسلام الأول. وكتب بهذا الصدد يقول عن أن النابتة هم الذين ظهروا بعد الصدر الأول من الإسلام، بالأخص زمن عثمان بن عفان. ولها طبقات، الأولى من عصر محمد حتى نهاية خلافة عثمان. ومن أهم صفاتها آنذاك التوحيد الصحيح، والإخلاص، واجتماع الكلمة[3]. من هنا يمكن فهم موقفه المعارض والتقدي تجاه قتل عثمان، ليس محبة به أو احتراما له، بقدر ما كان موقفه ينبع مما اسماه بأن القتل بهذه الطريقة هو أحد آثار الهمجية[4]. لقد أراد الجاحظ القول، بأن الانتفاض والتمرد هو ليس الحل الأمثل لإحقاق الحق. وبالتالي، فإن الطريق الأمثل للتغيير يقوم عبر الإصلاح وتنوير العقول والقلوب. وهو استنتاج بناه فيما يبدو على تأمل التجربة التاريخية وما أدت إليه من صعود الأموية وظهور مختلف أشكال وأنواع الغلو السياسي والعقائدي والفكري. وليس مصادفة أن يتناول بعد موقفه النظري هذا إلى تاريخ الدولة بعد مقتل عثمان حتى صعود معاوية للسلطة، أو ما يسمى بعام الجماعة. بينما يعتبره هو عام الفُرقة. وكتب بهذا الصد يقول، بأن "العام الذي سموه عام جماعة، ما كان بعام جماعة، بل كان عام فُرقة وقهر وجَبَرية وغَلبة. والعام الذي تحولت فيه الإمامة مُلكا كسرويا، والخلافة غَصْبا قيصريا"[5]. إننا نعثر في هذا التقييم على موقف سياسي عقلاني دقيق وتقييم فكري نظري لظهور وتوسع وتعمق ظاهرة الغلو كما وجدها في سلوك القهر السياسي وتجبّر السلطة واستبدادها، والجبرية السياسية، أي كل ما رافق زمن الهيمنة الأموية. من هنا تقييمه الحاد للأموية كما في حكمه القائل، بأن صعود معاوية للحكم هو "أول كفرة كانت في الأمة".

غير أن نقده للأموية لم يكن مجرد ولع فكري أو استظهار للماضي أو تجيير لمصالح سياسية عابرة، بقدر ما كان يحتوي في أعماقه وتأسيسه وغايته على نقد ظاهرة الغلو الجديدة التي تسحق معالم الفكر العقلي والعقلاني وتدفع الجميع صوب هاوية الانحطاط الذهني والأخلاقي، كما وجدها في ما اسماه بظهور المستوى الجديدة للنابتة. فقد لاحظ الجاحظ  ظاهرة ازدياد تأثير النابتة التي تدافع عن بني أمية. كما نراه يشير إلى أن العوام تتبعها. وربط ذلك بسببين أساسيين وهما كل من انتشار فكرة التشبيه والجبر، وصعود الشعوبية والصراع القومي[6]. بمعنى انه وجد في كل هذا الانحطاط الذي تجّسد في ظهور النابتة الجديدة هو النتاج الملازم للخروج عن الاعتدال الفكري والسياسي. فالتشبيه والجبر يعكسان الصيغة الكبرى للخلاف الفكري والعقائدي في تاريخ الثقافة الإسلامية بين خطين وتيارين في مجال الفكر النظري والعملي، ألا وهما تاريخ الصراع بين التيار الحشوي (المشّبة) والتيار العقلي للمعتزلة الداعي الى التنزيه التام. وترتبط بتيار الحشوية كل مظاهر التشبيه والجبرية وتأييد السلطان وتحويل كل "اجتهادها" إلى احاديث نبوية مزيفة ووضعها ضمن مخزون "أهل السنّة والجماعة" بينما لا سنّة نبوية فيها ولا جماعة. وكلاهما من صنع الأموية القاهرة بعقيدة الجبر الدينية والسياسية. فقد كان سلوك وشخصية أهل التشبيه (التيار السنّي الحشوي). يقوم في عبادته وعبوديته للسلطان والقوة. كما أنه التيار الذي لا يستند إلى العقل والجدل والنقاش، كما يقول الجاحظ. وهذه ملاحظة فكرية مهمة لأنها تحولت إلى جزء من شخصية وتراث التقاليد السنيّة الحشوية. بما في ذلك في العالم المعاصر. انها جزء من هراوة السلطات والاستبداد وقمع الفكر ومحاربة حرية التعبير وازدراء الروح الإنساني. وقد شدد الجاحظ في اشارته على هذه الظاهرة. فعندما كان السلطان إلى جانبهم زمن الأموية، فإنهم كانوا أبواقه وخدمه في الترويج للتشبيه والاستبداد والمجاهرة العنيفة، لكنه حالما تغير مزاج وتوجه السلطة، انقلبوا أو اضطروا للنزال إلى المنازلة الفكرية. من هنا تأكيد الجاحظ على أن ما كتبه بهذا الصدد هو بسبب مهاجمتهم للمعتزلة[7]. من هنا اشارته إلى انه سبق وأن وضع كتابا بهذا الصدد بالرد على آراء الحشوية وتزييف آيات القرآن بسبب عدم تأويلها العقلي. وبالتالي، فإن الغاية من رسالته هذه  تقوم في "المنفعة وإصلاح قلوب العامة"[8]. بمعنى أن غايته الأساسية هي المنفعة وإصلاح القلوب على الأقل. بينما يختلف الأمر بالنسبة لإصلاح العقول، وذلك لأن هذه المهمة تحتاج إلى جهود ومستويات أخرى. من هنا يمكن فهم مقصوده من الفكرة التي وضعها في عبارة وجيزة تقول، بأن ظنّ العاقل كصواب غيره.

وبالمقابل يمكن فهم موقفه المؤيد (شأن المعتزلة ككل) لمن يدعوهم بالحكام المتنورين على خلاف وتناقض مع الحشوية[9]. وبأثر ذلك بلور حكمه القائل، بأن النابتة التي لا تسمح بمهاجمة ولاة السوء. وذلك لأن فعل كهذا يؤدي إلى الفتنة. واعتبره كفر أكبر من كفر يزيد بن معاوية وأبيه[10]. من هنا مهاجمته الشديدة لنابتة عصره المدافعين عن الأموية من جهة، ووقوفه إلى جانب البيت العلوي، من جهة أخرى[11]. وبأثر كل ذلك يمكن فهم الأسباب الكامنة وراء تقيمه العالي لشخصية عبد الله بن عباس[12]. وذلك لأنه وجد مأثرته هنا في أسلوبه للتأويل العقلي الذي أدخله إلى علم التفسير والموقف من القرآن. فالجاحظ يعتبر علوم القرآن والسنّة النبوية من أرفع العلم وأشرف الفكر[13]. وهذا بدوره ليس تفضيلا مطلقا، بقدر ما يعكس موقفه الذي أشرت إليه في البداية من أن كل العلوم والفنون والإبداع الإنساني لها قيمتها الكبرى بالنسبة له حالما يجري تناولها بانفراد.

أما لماذا جعلت الحشوية من التشبيه عقيدة، مع أنها مخالفة لأبسط مقومات العقل وقواعد المنطق العقلي، فلأنها بلا عقل. ومن هنا أيضا كرهها للمنطق والفلسفة. إنها تعكس نمط من الذهنية البدائية المبنية على أساس التمسك بأقوال السلف والنصوص "المقدسة" بعد أن تكون قد رفعتها في تصوراتها إلى مصاف "المصدر الوحيد للحقيقة". مع إن كل ما فيها أشياء تقترب من حيث الجذر والأصل والأسلوب إلى مستويات البلادة والغباء والجهل. والشيء الوحيد "الحي والفعال" فيها هو الاستعداد لنقل النصوص. وهذه مهمة يمكن أن يؤديها الأطفال والمجانين إيضا!

أما السبب الثاني المتعلق بصعود الشعوبية، فإنه استفز مشاعر العرب، الذي وجدوا في الأموية "أكثر عروبة" من العباسية. وقد اعتبر الجاحظ هذه الرؤية شيئا لا علاقة له بالعرب والعروبة والعزة القومية. وليس مصادفة أن تنتشر بين العوام. كما إنها الوجه الآخر للشعوبية التي تمثلت أرذل ما في الفكرة القومية من خلال جعلها أسلوبا للاستفزاز والانتقام والتشفي. ومن ثم تحتوي في ذاتها وتختزن كل قبح الآثام المترتبة على انعدام الرؤية العقلية والعقلانية والإنسانية. وبالتالي، ليست هي سوى الصيغة المعبرة عن الغلوّ ومن ثم انعدام الاعتدال فيها.

وبالمقابل دعا إلى أن يكون الرد القومي ثقافيا. ليس ذلك فحسب، وسعى إلى أن يكون الرد الثقافي عقلانيا أيضا. وإن الرد العقلاني ينبغي أن ينفي إمكانية ظهور وترسخ مختلف مظاهر ومستويات السخافة العقلية في مواجهة سخافة العقول والعقول الموتورة بالفكرة القومية ونفسية التشفي والانتقام التي وجدت تعبيرها آنذاك في الشعوبية.

كل ذلك يكشف عما في فكر ومنهج الجاحظ من تأسيس شامل لفكرة الاعتدال، بوصفه الصيغة النظرية لكل ما بإمكانه أن يؤدي إلى تكامل النفس الفردية والاجتماعية والأمة والدولة بمعايير العقل بشكل عام والعقل الثقافي بشكل خاص، أي ذاك الذي تتراكم قيمه ومفاهيمه وأحكامه ومواقفه بمعايير التجربة الذاتية.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1]  الجاحظ: نفي التشبيه، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964ج1، ص287. وقد كتب الجاحظ رسالته (في التشبيه) إلى محمد بن احمد(ت-239) قاضي بغداد زمن المتوكل. كما كتب له رسالة (النابتة). وكانت الكثير من رسائله مكتوبة لرجال الدولة من أمراء وقضاة ووزراء وغيرهم. بينما كانت كتبه الأخرى ورسائله موجهة للجميع. انه أراد إيصال الفكرة للنخبة السياسية والحكومية وللجمهور. وتعكس هذه الظاهرة بدورها طبيعة العلاقة بين أهل العلم أو المثقف الكبير مع السلطة والمجتمع. كما تعكس واقع استفهام واستفسار رجال الدولة ومؤسساتها عن الكثير من القضايا الفكرية. ومن ثم تكشف عن إنهم يقرءون ما يكتب رجال العلم والمعرفة، على عكس ما هو مميز لأزلام السلطة، الذين لا تتعدى مصادر معارفهم الكتابات الصحفية المسطحة والسخيفة والمرتزقة، كما هو سائد في العالم العربي المعاصر. لقد كانت هموم رجال المعرفة والعلم تتركز حول قضايا الحق والحقيقة وتأسيسهما النظري والعملي، بينما مهمة أهل الصحافة المأجورة هو مسح أحذية السلطة وأزلامها، ولحس ما تحتها والتلذذ بهذه المهمة!

[2]  الجاحظ: في نفي التشبيه، ج1، ص285.

[3]  الجاحظ: في النابتة، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج2، ص7-8.

[4]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص9.

[5]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص11.

[6]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص20-21.

[7]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص288.

[8]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص291.

[9]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص292.

[10]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص14.

[11]  الجاحظ: في النابتة، ج2، ص12-13.

[12]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص300.

[13]  الجاحظ: في نفي التشبيه،ج1، ص300.

 

 

محمد بنيعيشأولا: الأسس المنطقية للحضارة وحصر الأقيسة

إن الأسباب وراء تقدم حضارة أو تخلفها، في شكلها الإنساني وليس المادي أو العمراني المحض، لا تعدو أن تحصر طبيعتها في شكلين:يعرفان عند المنطقيين بالقياس الشرطي المتصل والقياس الشرطي المنفصل.

إذ الأول لا يقبل وجود وسائط للوصول إلى النتيجة، لأنه عبارة عن امتناع شيء لوجود شيء حال دونه وتحقيق غايته أو حضوره، أما القياس الشرطي المنفصل فإنه يحتاج إلى سبر وتقسيم وهو بدوره يحتاج إلى استقراء كلي يصعب نيله أو تحقيقه، اللهم إلا في بعض القضايا النظرية التي تعتبر من أوائل العقل وبديهياته!

إن موضوع الدراسات النفسية والأخلاقية عند المسلمين وعلاقتها بالمسار العام والسليم للحضارة الإسلامية، بل الإنسانية عموما، ليأخذ صورة القياس الأول، أي الشرطي المتصل بالدرجة الأولى.

إذ أن معرفة النفس يضادها مباشرة الجهل بها، فلولا معرفة الإنسان لنفسه لما حدد دوافع نشاطه وسلوكه ولما أنجز مجتمعا راقيا وواعيا بذاته وبغيره، ولهذا فإن علم النفس عند المسلمين كان ملازما ذاتيا وشرطيا متصلا بحضارتهم .

هذه المعرفة النفسية أيضا لها ملازم شرطي آخر يتفاعل معها جوهريا ويمثل عنصرها الأساسي وجانبها العملي الذي هو الحضارة بعينها، هذا الملازم يتحدد في الأخلاق وحسنها، وعندها يبدو القياس الشرطي المتصل مستقيما وواضحا من ناحية تطبيقاته العملية، يمكن أن نصوغه كالتالي:

أ) لولا علم الأخلاق لما كانت للمعرفة النفسية قيمة...

ب) لكن الأخلاق موجودة

ج) إذن فعلم النفس له قيمة

هذه الأخلاق لها ملازم شرطي في داخلها، لأنها تنقسم إلى الشيء وضده وهو: الفضيلة والرذيلة، والملازم هنا في امتناع وجود شيء بسبب وجود شيء آخر معترض مسألة بديهية، ولا يوجد مشترك أو حد وسط بين القسمين، لأنه إذا وجدت فضيلة امتنع وجود رذيلة وإذا وجدت رذيلة امتنع وجود فضيلة، ولا مكان لشيء اسمه فضيلة رذيلة، أو لا رذيلة ولا فضيلة...

هكذا إذن، حينما نتعقب التسلسل المنطقي والعلمي فإن القياس سيفضي بنا إلى القول بأنه: لولا وجود العامل الخلقي عند المسلمين لما كانت هناك حضارة إسلامية، لكن الأخلاق وجدت فالنتيجة هي أن الحضارة موجودة!

إن هذه النتيجة كانت الحافز وراء اختياري المتواضع لهذا الموضوع الهام جدا، والمطلب العام لكل البشر ذوي الضمائر الحية والناشدة لكمالها الخاص ومهد سعادتها.

فمن العادة النفسية أن الشيء كلما قرب من الشخص ولامسه إلا وقل اهتمامه به والبحث فيه، لكنه بقدر ما ابتعد عنه واختفى عن حواسه، ولو لم يكن ذا مطلب ملح وضروري في حياته العامة، فقد يسعى إلى تفقده والإلحاح بالسؤال عنه وإعطاء تصورات حول طبيعته وقيمته ...إلخ

ففترة ما قبل القرن الخامس الهجري كان الجانب النفسي والأخلاقي فيها لا يشكل مدعاة للبحث والتنقيب بصورة مكثفة، ولئن كانت بوادرها قد أخذت تطفو على المجال العلمي بعد القرون الأولى من الهجرة إلا أن اهتمام الباحثين حينذاك كان في أغلبه نظريا وذا غاية معرفية فكرية أو فلسفية محضة، أو حتى ذات أبعاد فقهية تتعلق بأحكام الأخلاق قبل حكمتها.

لكننا ونحن نطل على القرن الخامس الهجري إذا بنا نجد تحركات غير عادية، وبحوثا مكثفة، واتجاهات مختلفة المشارب ومتحدة الغايات من تناول الجانب الأخلاقي والنفسي على نطاقه الواسع وبعمق، عز نظيره في تاريخ التنظير سواء من قبل أو من بعد.

كما أن الدراسة لم تعد تقتصر على اعتبارها مجرد ثقافة تكميلية أو ترفيهية لهذا العالم أو المفكر أو ذاك، ولكنها ستأخذ أبعادا تجريبية وعملية واستكشافية لغايات تصحيحية ووقائية وبالتالي ذات مناحي علاجية وإصلاحية...

في هذا القرن بالذات سيبرز على الساحة بصورة مثيرة ومؤثرة شخصية علمية تحمل هم الأمة بشكل جدي ما بعده من جدية، وبعنف إصلاحي ما بعده من عنف ؛عنف الحقيقة والمصلحة العامة وعنف الرحمة والمعرفة، عنف يختلف كليا عن المظاهر المألوفة له ويحوله إلى رفق ولين وترويض للذات لكي تنال سعادتها وتسعد غيرها، من غير شوائب ذاتية أو نزعات سلطوية واستقطابية، وإنما هي كيمياء رفيعة المستوى وثمينة المحتوى وخالية من خواطر النفس والهوى...

هذه الشخصية لقبت في زمانها بحجة الإسلام وكتب عنها أصحاب الأقلام وتناولتها بالتحليل وأفانين الكلام ...إنه أبو حامد الغزالي الطوسي الخراساني، مجدد القرن الخامس الهجري كما يعرفه المؤرخون ويقيمون أعماله وما قدمه للعالم الإسلامي من دراسات وعلوم، كان على رأسها: علم النفس والأخلاق؛ بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى وما يتضمنه من تخصص وعمق وسبر لأغوار السلوك الإنساني وخلفياته.

ثانيا: الغزالي بين النشأة والثورة النفسية على زيف المظاهر

قبل الشروع في كشف اللثام عن بعض الجوانب من شخصية الغزالي النفسية سيكون من اللازم كتقليد علمي التعرض ولو بإيجاز شديد وعلى شكل ديباجة إلى نشأة هذا المفكر أو العالم مع تحديد فترة ولادته وظروفه الخاصة.

فالغزالي كما يؤرخ له إسما ونسبا هو:محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي أبو حامد الغزالي ...

ولد في الطابران من جهة طوس سنة 450هـ، و كان أبوه رجلا فقيرا من الذين يغلب على حالهم الصلاح والعفاف، كما أنه كان يعمل في غزل الصوف، حيث قد غلب عليه لقبه من خلال مهنته، في حين كان يحب أهل العلم ومجالسة أهل الفقه والاجتهاد ويسعى في خدمتهم، حبا وتمنيا للحاق بهم بشكل أو آخر، حتى إنه كان يتضرع إلى الله تعالى من أجل أن يرزقه ولدا يكون من العلماء في مثل الذين يجالسهم.

فلقد حقق الله له دعوته ورزقه ولدا لم يستطع رؤية ثمرة دعوته فيه، بحيث سيتوفى عنه وهو مازال صغيرا، ولكنه لم تفته الفرصة لأن يوصي به ومعه أخاه أحمد إلى رجل صالح وصوفي ليتولى رعايتهما والسهر على تربيتهما.

فكان من حسن طالعهما أن التركة التي تركها لهما والدهما نفذت قبل كمال نضجهما، فنصحهما باللجوء إلى مدرسة توقف عليها الأرزاق ويتعيش منها طلبة العلم1 .

هناك سيتابع الغزالي مسيرته نحو التألق والتطلع للتحصيل؛ومن بعده للبروز كطالب متميز ونجيب حتى وصل إلى مستوى التتلمذ على يد إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، الذي سيكون عاملا رئيسيا أو ممهدا قويا لربط علاقته برجال السياسة وبالتالي وصول صداه إلى الوزير نظام الملك في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله، بحيث سيفوض له التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد من سنة 484هـإلى 488هـ.

بهذا سيرتقي الغزالي سلم التواصل الاجتماعي إلى أن يصير ذا ثقة كبيرة لدى لخليفة نفسه، كما ستصبح له اليد الطولى في اتخاذ القرار وفرض رأيه وإسماع علمه وآرائه من عدة تخصصات وفنون، بل سيصير فكره خطابا رسميا للدولة والمعتمد في الرد على رؤوس الفتن ومحاربتهم بالقلم واللسان، كان من أبرز ما ألفه في هذا المجال كتابه المشهور والمسمى على إسم الخليفة نفسه:المستظهري أو فضائح الباطنية...

لكن سرعان ما سيتغير حاله بعد هذا التألق وسيسعى إلى التخلص من هذه الرسميات التي تكبل فكره وسلوكه معا، وذلك بهجرانه العملي للأجواء التي كان ينعم بها ظاهريا بينما تشقيه في نفسه باطنيا!

هكذا إذن وباختصار سيلجأ الغزالي إلى التصوف كمدرسة نفسية وأخلاقية ذات أبعاد علاجية من الأمراض المزمنة والدفينة، والتي قد لا يشعر بخطورتها أكابر العلماء بله الأغمار والعامة من الناس، كما يعبر عنهم في شتى كتاباته.

في حين كان الكل يظن أن أعلى المناصب الدينية هي ما وصل إليه من شهرة وبروز على المنابر والمجالس الرسمية، وإلقاء للدروس وغيرها من المظاهر التي يظن أنها هي عين الحظوة الدينية، حتى إنه قد دون الجدل الذي دار حول هجرته لدار الخلافة بهذا الإصرار والعنف الذي لا يرتجى معه مراجعة فيقول:

"...وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام، حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي المقام بالشام، فتلطفت بطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألا أعاودها أبد، واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم، ثم ارتبك لناس في الاستنباطات وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان من استشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة وكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم، ففارقت بغداد..."2 .

فلقد كانت تلك المفاوز الشكلية التي يتهافت عليها الناس من عامة وعلماء في نظر الغزالي تمثل مسلكا إلى الهلاك والتغرير والعجب والكبر، وما إلى ذلك من المهلكات النفسية والمدمرة للعمل الديني وصرفه عن صورته المخلصة، وهو ما سيسطره كسيرة ذاتية وتعبير صادق وصريح يمثل مادة معرفية ودراسة نفسية إنسانية تقول وتعمل بما تقول بل تعيش وجدانيا ما تقوله وما تعمله! .ومن هنا فقد كان الغزالي يؤسس لثورة عالمية عملية في مجال السلوك والأخلاق ولم يكن مراوغا أو مغررا أو عقلا مستقيلا كما يزعم البعض، وإنما هو ملتزم بالموضوعية الشرعية والعلمية التي تقول كما في الحديث النبوي الشريف:"ابدأ بنفسك ثم...".سنرى لاحقا ما سينتجه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

......................

1- ابن تقي الدين السبكي :طبقات الشافعية، المطبعة الحسينية الكبرى بمصر ط1ج4ص103

2- ابو حامد الغزالي:المنقذ من الضلال مكتبة الجندي مصر ص48

 

ميثم الجنابيلكل ثقافة كبرى حدودها ومرجعياتها، تماما كما أن لكل ثقافة من هذا القبيل شخصياتها المتميزة ومدارسها، التي تطبع بطابعها إما إحدى سماتها الكبرى أو حقيقتها الجوهرية. وقد كان الاعتزال الإسلامي من بين مدارس الثقافة العربية الإسلامية التي عبّرت عن حقيقتها الجوهرية. بمعنى انه تمّثل ومثّل بقدر واحد نزوعها العقلي النقدي وتوجهها الإنساني. وقد احتل الجاحظ موقعه في سلسلة الشخصيات الكبرى للاعتزال ومدارسه بتمثّله المبدع لهذا النزوع والتوجه. بمعنى انه الشخصية الكبرى ليس ضمن تقاليد الاعتزال فقط، بل وضمن تقاليد الثقافة الإسلامية ككل ممن كان صوته العقلي النقدي ممزوجا بنزوع إنساني رفيع المستوى وعميق المحتوى. بل يمكننا القول، بأن آراء ومواقف الجاحظ هي ليس فقط تجسيدا حيا للروح النقدي تجاه كل شيء، بل وتأسيسا منطقيا ووجدانيا للفكرة الإنسانية. الأمر الذي جعل من العقل النقدي عنده أداة لتوسيع وتعميق الروح الإنساني. ومن الممكن العثور على هذه الحالة الفريدة والراقية أيضا في كمية ونوعية الرسائل التي وضعها بهذا الصدد مثل رسالة (مناقب الترك وعامة جند الخلافة)[1]، وكتاب (فخر السودان على البيضان) وغيرها.

وليس مصادفة أن يحتل نقد الفكرة الشعوبية موقعه الخاص هنا أيضا. وذلك لأنه وجد فيها أحد المظاهر المخربة لفكرة الوحدة، وأولوية الدولة، ووحدة النوع الإنساني وطابعه الملزم في الأمة الإسلامية. ولا يغير من ذلك شيئا، حتى فكرة أولوية ورفع شأن الحق والحقيقة في حالة تجييرها لمصالح جزئية أو رؤية عقائدية ضيقة. فقد كان الفرس يتحدثون عن أنفسهم، بأثر انتصار العباسية وزوال الأموية بالشكل التالي:"نحن النقباء أبناء النقباء، ونحن النجباء أبناء النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، وقبل المغالبة والمباراة، وقبل كشف القناع وزوال التقية، وزوال ملك اعدائنا عن مستقره وثبات ملك أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشرُدّنا ونهكنا ضربا وعذبنها بألوان العذاب"[2]. وأضافوا لهذا الانتصار أبعاده العقائدية التي لا تخلو من سلامة العقل والوجدان، لكنه يخلو من فكرة التوحيد الضرورية بالنسبة للدولة والأمة. فقد قالوا بهذا الصدد ما يلي:"وبنا شفى الله الصدور واُدرك الثأر. ونحن أهل هذه الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة، ومن عندنا هبت هذه الريح"[3]. و" نحن على وتيرة واحدة تعرف بالشيعة، وتدين بالطاعة ونقتل فيها ونموت عليها. ونحن أصحاب الرايات السوداء والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، الذين يهدمون مدن الجبابرة وينزعون الملك من أيدي الظلمة"[4].

إننا نعثر في هذه النصوص على تداخل أفكار متعارضة ومتضادة، رغم وحدتها الداخلية بمعايير الانتماء السياسي والعقائدي. ولعل نقصها الجوهري هنا يقوم في تشبعها الباطني ببقايا الشعوبية وفكرة "الانتقام". ومن ثم رفع شأن تقييم النفس بالشكل الذي يتعارض مع فكرة الاعتزال ومجرى المسار التاريخي الفعلي لما ادعوه بصيرورة وتكامل النفس الإنسانية في الثقافة العربية الإسلامية. وضمن هذا السياق يمكن فهم ايراد الجاحظ للفكرة القائلة، بأن السبب الأساسي القائم وراء توجه الحركة العباسية صوب إيران في مجرى الصراع ضد الأموية، هو كونها المكان الذي خلى آنذاك من تأثير مختلف التيارات المتنازعة والمعارضة للتيار الشيعي العلوي. فقد كانت البصرة لعثمان، والشام لبني مروان، والجزيرة حرورية شارية (خوارج)[5]. لهذا ينسب إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس (مؤسس الدعوة العباسية) قوله:"أمرنا هذا لا شرقي ولا غربي.... يطلع كطلوع الشمس ويمتد على الآفاق امتداد النهار"[6]. بمعنى انه إسلامي خالص ولا ينتمي لجهة أو فئة أو قوم معين لحاله فقط. بل هو محكوم بما فيه من مبدأ إعادة الحق إلى نصابه عبر إزالة الأموية بوصفها القوة التاريخية التي حرفت مسار الإسلام الحق. لكن هذه بدورها مجرد صيغة أيديولوجية ودعائية صرف. غير أنها تحتوي على بُعدٍ جديد سوف تظهر معالمه وآثاره ونتائجه الكبرى لاحقا عندما تحولت مرجعيات الثقافة العربية الإسلامية زمن الخلافة العباسية إلى ميدان تفتح وتوسع المرجعيات الثقافية الإسلامية بشكل هائل، مع ما ترتب عليه من تحولها إلى ثقافة كونية وإمبراطورية ثقافة.

وقد تمثل الجاحظ المسار الجديدة للثقافة العربية الإسلامية من خلال توليف الأبعاد العقلية النقدية والروح الإنساني، بوصفه النفي الأدبي لمختلف مظاهر الضيق القومي والفئوي والفِرقي والمذهبي. من هنا دفاعه عن الجميع، كل بقدر ما فيه من طاقة وتميز خاص لرفد فكرة الوحدة والوئام. لهذا ركز على القيمة المتميزة للأتراك بوصفهم القوة المقاتلة والتربية والمتدبرة لفنون القتال. ومن ثم إمكانية استعمالها لما يخدم مصالح الدولة والوحدة والإسلام. ووضع هذه الحصيلة في صلب نقده ونفيه لكل ما يتعارض معها بالانتقاص من الأتراك كقوم. لقد أراد القول، بأن للأتراك فضيلة كبرى، هي جزء من صيرورتهم التاريخية وكينونتهم الثقافية. بمعنى انها خصلة جوهرية من خصالهم الكبرى مقارنة بالأمم الاخرى. ومن ثم ينبغي فهم محدداتها وقيمتها ومآثرها ضمن هذا السياق. وفي الوقت نفسه لم يجعلها قيمة مطلقة. من هنا مقارنته إياهم، في ميدان القتال، مع الخوارج. واستشهد هنا بكلمات حميد بن عبد الحميد الطوسي القائل[7]، بأنه يفّضل في حال الحرب أن يلاقي مائة تركيا من أن يلاقي مائة من الخوارج، على عكس القواد الآخرين[8]. لكنه كان يقرّ بقوة الأتراك وشجاعتهم في القتال. وقد حدد الجاحظ الصفات الأساسية للخوارج في كل من صدق الشدة من اول وهلة من اجل بلوغ الهدف؛ والصبر على القتال؛ وقدرتهم على بلوغ ما يسعون إليه بالتخلص من مكائد العدو؛ وخفة الأزواد وقلة الأمتعة، فهم "كالطير لا تدخر ولا تهتم لغد. ولها في كل أرض من المياه والأقوات ما تبتلغ منه. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرّب منها البعيد"؛ ولا يمكن بالتالي إرسال جيشا خفيفا لمقاتلتهم. فمائة جندي لا يمكنهم مقابلة مائة خارجي، وأخيرا، إن الخارجي يقاتل لاعتقاده بأن "القتال دين، على عكس التركي الذي يقاتل من أجل السلب"[9]. والفكرة الأخيرة لا تنتقص من بطولة وبسالة وجرأة الجند الأتراك في القتال. فلكل منهم تقاليده الثقافية والروحية والأخلاقية بهذا الصدد.

وطبق هذه الفكرة تجاه موقفه المدافع عن السودان (بمن فيهم الزنج والعبيد آنذاك)[10]. فقد أورد الجاحظ الكثير من الشخصيات الكبرى والمهمة في تاريخ الإسلام من ذوي الأصول السوداء، مثل سعيد بن جبير، الذي قتله الحجاج الثقفي سنة 95، وبلال الحبشي، والمقداد، ووحشي بن حرب الحبشي (قاتل مسيلمة) وكثير غيرهم. بل نراه يشدد عل ما يدعوه بصفاتهم المتميزة مثل الشجاعة، والقوة، وحسن الخلق، وطيبة النفس، وحسن الظن[11]. كما انتقد الانطباع والحكم المسطح والقائل، بأن تميز الزنوج بالسخاء هو بسبب قلة العقل. لهذا نراه يؤكد العكس تماما. حيث شدد على انه لو كان الأمر كذلك، لكان الصبي أكرم خصالا. بينما نحن نعرف بأن الأمر ليس كذلك، بل وعلى العكس. واستند الجاحظ في موقفه واستنتاجه هذا على "القياس الصحيح". بمعنى إن "قلة العقل لا يمكنها أن تكون سببا للسخاء"[12]. ثم استطرد وأسهب بهذا الصدد من خلال الكشف عن قيمة السودان وفضائلهم على مثال الطبيعة والحيوان والنبات. لقد أراد القول، بأن الحكم على الإنسان استنادا إلى بشرته هو عين الجهل والسخف. وأن لون السواد في الطبيعة والحيوان والنبات تبرهن على جماله وقيمته.

إن الحصيلة الأساسية والتأسيسية في فكر الجاحظ النقدي تجاه مختلف أشكال الانغلاق والتفاخر المفتعل وذم الأقوام والإنسان لاعتبارات لا علاقة لها بحقيقتهما هو دليل على سخافة العقل وانعدام الرؤية الإنسانية، أي افتقادها إلى كل ما يشكل مضمون وحقيقة الإنسان نفسه. لقد كانت مساعي الجاحظ بهذا الصدد تقوم في البحث عن الوحدة والوئام، كما نراه في مضمون رسائله عن الترك والسودان وغيرهم. من هنا توكيده على انه لا يسعى لتفضيل أحد على آخر، بل لجمع قلوب الجميع[13]. من هنا وقوفه بالضد من كل ما يرمي إلى "الجدال والهراء واستعمال الهوى"[14]. من هنا اعتباره مهمة "زيادة الألفة إن كانت مؤتلفة" المهمة الأساسية. ومن ثم استكمالها بالسعي "لاتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم ولتسلم صدورهم". وبالتالي محاربة مختلف الأباطيل والأوهام والشبهات المزورة. وذلك لأن "المنافق العليم، والعدو ذو الكبد العظيم، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحق، ويلبس الاضاعة لباس الحزم"[15].

ووضع كل ذلك في ما يمكن دعوته بتأسيس مهمة البحث عن الجمعية الإنسانية وفضائل الأمم في خصائصها الجوهرية. وقدم بهذا الصدد تصنيفه الخاص للأمم وتميزها بالفضائل. وأشار أساسا إلى خمس أمم كبرى وهي كل من أهل الصين واليونان والفرس والعرب والأتراك. واعتبر من ميزات أهل الصين وخصائصهم الصناعة. بينما اليونانيون للحكمة، والفرس للسياسة، والأتراك للقتال، والعرب للغة والشعر[16]. ولم يقصد هو بذلك الطابع المطلق لهذه الصفات في هذه الأمم، بل إشارة إلى ما هو أكثر جوهرية فيها آنذاك. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "ليس انه ليس في الأرض تركي وهو كما وصفنا، كما انه ليس كل يوناني حكيما، ولا كل صيني غاية في الحذق، ولا كل اعرابي شاعرا فائقا. ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعمّ وأتّم، وهي فيهم أظهر وأكثر"[17].

ذلك يعني انه يجد في العرب قوة وفضائل ثقافية محض شأن اهل اليونان. وذلك لأنه طابق فضائلهم الجوهرية مع ابداع العقل والوجدان. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل والهمة، وفي الأنفة والحمية، وفي الأخلاق والسجية. فسبكوا سبكا واحدا، وأفرغوا إفراغا واحدا. وكان القالب واحدا فتشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، وحين صار ذلك اشد تشابها في باب الأمم، والأخص في باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب. وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها وتصاهروا من اجلها"[18].

ودفع هذه الفكرة صوب غايتها النهائية، ألا وهي الكشف عن أن الصيرورة التاريخية الخاصة للعرب جعلتهم أمة ثقافية، أي ليست عرقية. وهذا جزء من صيرورتها التاريخية الطبيعية. فإذا كان الماء والطين يختلف في أشكاله ومحتواه، مثل أن يكون طمى الأرض، والحجر، والياقوت، والذهب[19]، فإن أصولهم في نهاية المطاف واحدة. لاسيما وأن الله خلق آدم وحواء من الطين[20]. ونفس الشيء يمكن قوله عن حقيقة العرب والعربي. وقدم الجاحظ هنا إحدى الأفكار الثقافية العميقة في تناوله لشخصية الموالي. فالمولى عربي من جهة العائلة، كما يقول الجاحظ. [21]. وبالتالي، فإن الجميع، من وجهة نظر الجاحظ، في نهاية المطاف عرب. فإذا "كان الخراساني مولى، والمولى عربي، صار الخراساني والمولى والعربي واحدا"[22]. وهذه بدورها ليست إلا حصيلة التأمل والتأسيس العقلي والإنساني في موقفها من كينونة العرب الذاتية، أي كل ما أدى إلى أن تصبح فكرة الأمة الثقافية (للعرب) هي فكرة الروح الأدبي العربي والنفس الثقافية.

***

ا. د. ميثم الجبابي

........................

[1] كتبها إلى ابي الفتح بن خاقان وزير المتوكل العباسي، الذي قتل لاحقا مع المتوكل. وكان أديبا وشاعرا. أما العبارات التي يتقدم بها الجاحظ في رسالته المثمنة لشخصية بن خاقان في دفاعه وخدمته للخليفة والسلطة، فإنها لم تكن جزءا من تقاليد الخضوع والخنوع المميزة للكثير من كتّاب المرحلة، بقدر ما كانت تحتوي في أعماقها على إدراكه الخاص لقيمة وأهمية الدولة المركزية القوية، التي كانت تتآكل آنذاك. من هنا حديثه عن قيمة وأهمية الجيش من جهة، والدفاع عن مناقب الترك بوصفهم قوة عسكرية، من جهة أخرى. ليس ذلك فحسب، بل ووضع مناقب الترك ضمن الرؤية العامة لما اسماه "بكافة جند الخلافة" (الدولة).

[2]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص14.

[3]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص14-15.

[4]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص15.

[5]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص16.

[6]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص17.

[7]  أحد كبار قادة جيوش الحسن بن سهل في خلافة المأمون. وكان ذا قوة وبطش وشجاعة في الحرب. لهذا كان المأمون ينتدبه للمهمّات الصعبة.

[8]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص41-43.

[9]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص51-52,

[10]  تستمد أفكار الجاحظ هذه، مقوماتها من جوهر الفكرة الإسلامية لكنه يؤسسها ضمن سياق التطور التاريخي الثقافي للخلافة. كما انه يبلوها بمعايير الرؤية العقلانية للمعتزلة ومنظومته الفكرية المبنية على اساس الرؤية العقلية النقدية ونزوعها الإنساني. من هنا تحررها من جميع أشكال الأحكام النمطية الساذجة والسيئة. ووضع بالضد منها منهج إدراك حقائق الأشياء بعيون العقل النقدي والنزعة الإنسانية. من هنا الطابع الرفيع المتسامي لموقفه من الشعوب والأمم والأقوام والبحث فيها عن فضائلها الخاصة التي تشكل بمجموعها وحدة الفضائل الإنسانية. وبهذا المعنى يكون الجاحظ قد ارتقي حتى على الكثير من الأفكار التقدمية والثورية الحديثة والمعاصرة. كما نعثر فيها على نفي لكل تلك "الاجتهادات" الغبية التي لازمت مسار وتطور الثقافة الأوربية في مجرى وضعها للكثير من العقائد والأيديولوجيات غير الإنسانية والوحشية "المتمدنة".

[11]  الجاحظ: فخر السودان على البيضان، ، ضمن مجموعة (رسائل الجاحظ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، 1964،ج1، ص177-185.

[12]  الجاحظ: فخر السودان على البيضان، ج1، ص196-197.

[13]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص36-37.

[14]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص30.

[15]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص29.

[16]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص 67

[17]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص73,

[18]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص11.

[19]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص33.

[20]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص32.

[21]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص31.

[22]  الجاحظ: مناقب الترك، ج1، ص34.

 

 

ميثم الجنابيعادة ما ترتبط ذكرى الشخصيات العلمية والفكرية الكبرى بكتاب ما معين. ومن ثم ترابط شهرتها به. وهو ترابط أقرب ما يكون إلى العقدة الخفية أو السر المجهول أو المصير الجميل لكليهما. وبغض النظر عن اختلاف تفسير هذه العلاقة أو تنوع تأويلها، فإن تلازمهما ليس صدفة طارئة أو حالة مفتعلة. ففي هذه العلاقة يكمن أولا وقبل كل شيء الحدس المختفي وراء وحدتهما الداخلية، باعتبارها تاريخ العلاقة الذاتية للفيلسوف وفلسفته، والأديب وأدبه.

وقد جمع الجاحظ في اغلب مؤلفاته بين هذين الجانبين، غير أن كتاب (البيان التبيين) يبقى النموذج الذي حقق فيه أحد النماذج الرفيعة لوحدة الرؤية الفلسفية والأدبية وغايتها العملية. ومع انه يحتوي على مختلف صنوف الأدب والتفلسف والجدل والرواية الشعرية والأدبية والخطابية والنوادر والنكت وكثير غيرها، إلا أن ما يجمع كل هذه الفنون وغيرها هو تأسيس وعي الذات العربي الأدبي[1]. بمعنى الكشف عما يمكن تسميته ببلاغة الروح الأدبي. وهذه بدورها حلقة ومستوى وجزء من صيرورة الروح الثقافي للخلافة، أو ما يمكن دعوته بإمبراطوريتها الثقافية. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيه ليس نظرية الأدب والشعر والخطابة، رغم إننا نعثر فيه على الكثير من أجنتها الأولية، بل تأسيس مرجعية النفس الثقافية.

إن تأسيس مرجعية النفس الثقافية، أي مرجعية رفع العقل والوجدان الفردي والاجتماعي إلى مصاف الرؤية الثقافية الخالصة والبقاء في الوقت نفسه ضمن حدود الانتماء الذاتي، هي الغاية الفعلية التي وضعها ودققها وحققها في (البيان والتبيين). لقد كشف فيه عن بلاغة الثقافة العقلية والوجدانية والقومية وتبيان أصولها وجذورها وحقيقتها في مواجهة النفس أولا وقبل شيء. ومن خلالها مواجهة كل تلك الحالة التاريخية الشاذة التي ميزت ظاهرة الشعوبية آنذاك.

وقد بنى هذه الرؤية والمواقف العقلية والأدبية الرفيعة على أسس العقلانية الثقافية، التي ميزت تاريخ المعتزلة وتقاليدها. ومن ثم سعى لأن تكون بلاغة الروح القومي الثقافي بيانا للنفس وتبيانا للحقيقة. من هنا إعارته الاهتمام الأكبر لقضية البلاغة، في مجرى الجدل والصراع ضد الشعوبية، من اجل الكشف عن جدواها وقيمتها وأهميتها بالنسبة للروح القومي. ومن ثم واجه من خلالها وفي مجراها قضية الإبداع الحر والبقاء ضمن حيز الكينونة الثقافية للأمة. وبالقدر نفسه كان المظهر الأدبي والبلاغي والبياني المعّبر عن تقاليد وتوسع الأبعاد الثقافية في الحضارة العربية الإسلامية. ومن ثم تعزيز مرجعياتها الذاتية الخاصة في النفس الفردية والاجتماعية والأمة ككل، بوصفها فلسفة النفس الثقافية (العربية الإسلامية). وليس اعتباطا أن يبدأ الجاحظ تقديمه (للبيان والتبيين) بالحديث عما اسماه بفتنة الكلام والعمل. فهي المعايير التي تكشف عن حقيقة الأقوال والأفعال أو العلم والعمل[2]. كما انه ليس مصادفة أن يبدأ بإظهار أهمية "البيان والتبيين" انطلاقا من أقوال الشعر العربي أولا والقرآن ثانيا.

إننا نقف هنا أمام رؤية تنطلق من الشعر بوصفه الصيغة الأدبية الراقية و"ديوان العرب" وخزين حكمتهم ورؤيتهم ومواقفهم، ومن ثم تعبيره عن ماهية وحقيقة الروح العربي. وهي الفكرة التي سيضعها لاحقا في اساس الخصوصية الثقافية للعرب، بحيث جعل من الشعر والبلاغة ذروة إبداعهم الأعظم مقارنة بغيرهم، أي مطابقة خصوصيتهم الثقافية بإبداعهم الأدبي والبلاغي.

لقد كانت قيمة البيان بالنسبة للجاحظ تطابق مع قيم الإدراك الدقيق لحقيقة الروح العربي الثقافي. بل إن القرآن نفسه يشدد على هذه القيمة كما في عدد من آياته مثل "الرحمن. علمّه القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان) و(هذا بيان للناس) و(نزلنا عليك القرآن تبيانا لكل شيء). إننا نعثر في هذه الصيغة وكذلك في هذا الاستنطاق للقرآن عن تلازم البيان والتبيان، كما لو انه يريد القول، بأن (البيان والتبيين) هو الصيغة الأدبية لفلسفة الروح الثقافي العربي كما أسس لها القرآن. لكنه وضعها ضمن سياق الرؤية التاريخية للماضي والحاضر والمستقبل. فإذا كانت في الماضي (الجاهلي) هي لغة وجودهم التاريخي، فإنها اتخذت زمن الإسلام الأول لغة الآيات القرآنية وبيانها الجديد، القادر على مواجهة التعنت "الجاهل" لقريش. بحيث جرى رفع بيان آياته وتبيانها للحق "معجزة" الإسلام الوحيدة.

من هنا اهتمامه العميق والدقيق بكل ما له علاقة باللغة. فاللغة العربية هي جوهر الوجود العربي. وكما كان الحال بالنسبة لمرحلة ما قبل الإسلام، كذلك الحال بالنسبة للإسلام. بل إن الإسلام نفسه هو الذي جعل من اللغة قوة الوحدة والانتماء الثقافي. والقرآن نفسه هو قراءة للوجود بآيات الحق، أي بآيات الرؤية المحكومة بفكرة الحق والحقيقة. وذلك لأنها إلهام صادق. وسوف يشدد الجاحظ لاحقا على هذه الصفة العميقة للكينونة العربية وصيرورتها التاريخية، عندما اعتبر خاصية العرب في الخطابة تقوم في ابتداعهم إياها بالبداهة والإخلاص للمعنى، بحيث كانت عندهم تصدح من الأعماق المتوقدة كما لو إنها إلهام. وهي ظاهرة وخاصية لها تقاليدها العميقة والعريقة عند العرب. فما وراء الشعر كانت تتراكم أيضا تقاليد السجع، التي جمّعت في ذاتها الحدود الدقيقة للكلمة والمعنى، وأعطت للعبارة أبعادها المترامية، التي نعثر على نموذجها اللاحق في آيات القرآن. فقد كان السجع العربي الأول الصيغة الأدبية الراقية للأحكام. بمعنى انه كان يجمع بين قوة الكلمة والتكهن بالحوادث، والحكم بما ينبغي التمسك به. من هنا يمكن فهم السبب القائم وراء تركيز الجاحظ على ظاهرة الكهانة. فقد كن كهان العرب الذين كانت العرب الوثنية يتحاكمون إليهم، يحكمون بالاسجاع[3]. وإذا كان الموقف السلبي الأول في الإسلام الأول من السجع بسبب ارتباطه بالكهانة، فإنه بعد انتصار الاسلام والتطور التاريخي "زالت العلة إلى التحريم" كما يقول الجاحظ[4]. بمعنى جرى قبوله ولكن ليس بمعايير الوثنية، بل بمعايير المحاكاة الأدبية للآية القرآنية ونغمها البلاغي والروحي والمعنوي.

إن ارتقاء الكلمة والعبارة العربية من السجع حتى الآية القرآنية يعكس من وجهة نظر الجاحظ ومنهجه في البيان، عما للكلمة من "قدسية" في الوعي العربي التاريخي. بحيث تحولت العبارة بصيغتها القرآنية (الآية) إلى معجزة الإسلام الكبرى الوحيدة. وهذا بدوره يكشف عما للكلمة والعبارة واللغة من قيمة لا يضاهيها شيء في الحس والعقل والحدس العربي. من هنا اهتمام الجاحظ بكل ما له علاقة باللغة العربية بدأ من تخريج الحروف والنطق وانتهاء بإدراك المعنى الحقيقي للكلمة، أي من الحس بالكلمة وإدراك المعنى حتى تذوقها بالحدس. ففي أحد نماذجها الراقية يورد الجاحظ مثال واصل بن عطاء (80-181) في نطق الكلمة وكيفية تأثيرها في التحكم بها عبر بلاغة المعاناة العقلية وحكمة البلاغة. فقد كان واصل بن عطاء الثغاً. من هنا عمله على تلافي هذه العلة الصغيرة من خلال التحكم برصف الكلمات واختيارها بالشكل الذي يزيل منها حرف الراء. وقد اشتهر بذلك، وبالأخص في احدى خطبه التي تجنّب فيها حرف الراء. لهذا قيل عنه:"رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله حتى انتظم له ما حاول"[5]. وقد مدحه عليها بشار بن برد[6]. بينما نراه في موقع آخر يهجوه، ويفضل النار على غيرها، كما لو انه يؤجج نار الزرادشتية تحت غطاء الشعوبية آنذاك. الأمر الذي دفع صفوان الانصاري بالرد عليه وهجوه في قصيدة منها[7]

زعمت بأن النار اكرم عنصرا     وفي الأرض تحيا بالحجارة والزَّند

وتُخْلقَ في أرحامها وأرومها       أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد

وفي القعر من لجِّ البحار منافع    مـــن اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد

كذلك سرُّ الارض في البحر كله   وفـي الغيضة الغنّاء والجبل الصلد

ثم يعدد كل ما في الطبيعة من معادن وعجائب[8].

وتتبع الجاحظ معالم الخروج على النطق في ظاهرة اللحن التي استفحلت وانتشرت في العصر الأموي. بمعنى أخطاء النطق في تخريج الحروف وتشويهها[9]. واستشهد الجاحظ بأقوال عديدة بهذا الصدد مثل قول عبد الملك بن مروان:"اللحن هجنة على الشريف". وينسب له أيضا قول "اللحن في النطق أقبح من آثار الجدري في الوجه"[10]. بينما رد زياد بن ابيه على رجل اشتكى عنده ضد اخيه الذي سلبه ماله قائلا:

إن اخينا وثب على مال أبينا فأكله

إن الذي أضعت من لسانك أضرّ عليك مما أضعت من مالك[11].

كما اورد الكثير من النكت والنوادر بهذا الصدد مثل قول احد الأعاجم "هذا الذّمل يذكرنا بالسرّ" ويقصد بذلك "هذا الجمل يذكرنا بالشر". أو الحادثة الطريفة التي تروي كيف جاء أحدهم يطلب من جاره بإمرة سيده قائلا:

اهدوا لنا همار وهشي. (ويقصد بذلك أن يعطيه حمارا وحشيا، أي حيوانا بريا أو ما يشابهه مما يحل أكله)، فأجابه:

ما تقول ويلك!؟

اهدوا لنا أير وهشي!

الأول أهون![12]

لقد أراد الجاحظ هنا تأسيس المواقف المتشدد من اللغة، بوصفها وعاء وأداة التعبير عن المشاعر والحكمة العقلية وما ورائهما. ومن ثم الكشف عن قيمتها الجوهرية بالنسبة للشعر والبلاغة. ولم تكن هذه القضية بالنسبة للجاحظ مجرد تمرينا لغويا، وإلا كانت مجرد لغو لا طائل تحته أو  في أفضل الأحوال مجرد فقاعات في أزيز الريح. بينما كانت بالنسبة له تعادل وتتمثل وعي الذات العقلي والجمالي والثقافي. بمعنى ربطها في كل واحد الشعر والبلاغة، بوصفها الصفة الجوهرية للكينونة العربية وحكمتها التاريخية الخاصة. وأورد الجاحظ عبارة سعيد بن المسيب عندما قالوا له "إن ها هنا قوم نساك يعيبون إنشاء الشعر"، فأجابهم "نسكوا نسكا أعجميا"[13]. بمعنى إن الشعر بالنسبة للعربي يتطابق مع معنى هويته وكينونته التاريخية الثقافية، التي جعلت من اللغة إحدى أهم مرجعياته في كافة الميادين. مما اضفى عليها طابع ومضمون الهوية الثقافية. فحتى الأذان يبدأ وينتهي بالكلمة والعبارة وليس بالناقوس والطبول والأحجار والأخشاب، أي بجميع ما لا علاقة له باللغة بوصفها حياة الروح الناطق. لهذا نراه يقف موقف المعارض والداحض للآراء التي حاولت سلب الشعر قيمته، بما في ذلك من خلال وضع الاحاديث النبوية الكاذبة لدعم مواقفهم. لقد كان رد الجاحظ واضحا ودقيقا بهذا الصدد عندما شدد على أن القرآن هو من رفع قيمة البيان. كما أن أغلب، إن لم يكن جميع هذه الأحاديث التي تحارب الشعر وتنتقص منه ومن البيان، هي موضوعة، أي كاذبة. (يتبع.....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] كتاب (البيان التبيين) هو الكتاب الذي اهداء الجاحظ إلى القاضي احمد بن ابي داوود (160-240) من كبار القضاة، معتزلي المذهب. شخصية كبيرة في البلاط العباسي زمن ازدهار الخلافة و"عصرها الذهبي".

[2]  الجاحظ: البيان والتبيين. القاهرة، 1975، ط 4، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ج1، ص3.

[3] الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص290.

[4]  الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص290.

[5]  الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص15.

[6]  الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص24.

[7]   صفوان بن صفوان الانصاري هو أحد أبرز شعراء المعتزلة. توفي في البصرة بحدود عام 180 للهجرة. وقد عاصر واصل بن عطاء ومدحه مراراً في شعره وأشاد به كثيراً. ومن أشهر ما قال فيه:

فما مسّ دينارا ولا صرّ درهما  ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه

وهي اشارة إلى زهده. وقد كانت مهنة واصل غزل الملابس، ولذلك لقب بالغزّال. وفي مجرى دفاعه عن واصل بن عطاء ضد هجوم بشار بن برد عليه، قال في بشار (الأعمى) وأخَويه بشر وبشير (أحدهما أعرج والآخر ناقص اليد)، مخاطبا أمهم

ولدتِ خلدا وذبخا في تشتُّمهِ     وبـــــعده خزَراً يشتدّ في الصّعُدِ

ثلاثةٌ من ثلاثٍ فُرِّقوا فِرِقاً      فاعرف بذلك عِرقَ الخالِ في الولدِ

والخلد هو الجرذ الأعمى، ويقصد به بشار، والذبخ هو ذكر الضباع، وهو أعرج، ويقصد به أخو بشار الأول، والخزر هو ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين، ويقصد به أخو بشار الآخر.

[8] الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص27-29.

[9] ارتبطت هذه الظاهرة بالتوسع العربي الذي ادخل الكثير من الشعوب والأقوام في فلك الدولة العربية (الخلافة) ومن ثم هيمنة اللغة العربية وانتشارها، مع ما رافقه من تعقيدات وصعوبة في فهم اللغة ومعانيها ونطق حروفها بالنسبة للأغلبية من غير العرب. والسبب هو صعوبتها بالنسبة لعوام الأقوام الأخرى. وبأثر ذلك تباينت أيضا ولحد الآن لهجات العرب (مع إن للظاهرة تقاليدها العربية الخاصة). لكنها بالارتباط مع تعريب الأقوام الأخرى جرى صنع لهجات جديدة، إضافة إلى انحدار العربية من الفصحى إلى العامية (من العوام).

[10] الجاحظ: البيان والتبيين، ج2، ص216.

[11] الجاحظ: البيان والتبيين، ج2، ص222.

[12] الجاحظ: البيان والتبيين. ج1، ص73-74.

[13] الجاحظ: البيان والتبيين، ج1، ص 202.

 

 

نستهل الكلام بقوله تعالى: [.. إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة يُغنيكم الله من فضله ..] - التوبة 28، ونقول: أن ما يقوله فقهاء المسلمين حول - نجاسة الكفار والمشركين - لا معنى له ولا دليل عليه، بل هو قول واهن ضعيف وغير صحيح، وهذا ما يدل عليه الكتاب المجيد وصريح العقل وصحيح النقل .

 والفرق كبير بين لفظ - نجس - الوارد في الكتاب المجيد ومعنى - نجس - عند الفقهاء، ويعتمد الفقهاء في أقوالهم وفتاويهم في هذا الشأن على مجموعة أخبار وروايات مبتورة السند ساقطة الدلالة، ولا تصمد أمام النقد والبرهان والتحليل، ولتداخل اللفظ بالمعنى الدارج كان لا بد لنا من وقفة تحليلية موضوعية من أجل البيان والتوضيح، وذلك لأهمية الأمر وحساسيته، ونقول:

أولاً: يجب رد دعوا الإجماع والاتفاق في ذلك، والتي يقول بها بعض الفقهاء، وكذا رد دعوا أهل التقليد من الفقهاء والمتكلمين .

وثانياً: التأكيد على ان (الأصل في الأشياء الطهارة)، ومن ذلك طهارة بني آدم القطعية .

وثالثاً: التأكيد على أن (النجاسة هي عرض زائل) .

 وهذا القول يسري حكما على جميع الناس مؤمنين كانوا أم كفاراً ومشركين وغيرهم، ذلك: [ان دعوى الإجماع في هذا الشأن ليست دليلاً مستقلاً بحد ذاته، حتى يمكننا الاعتماد عليها في تقرير هذا الأمر وغيره]، والتقليد في هذا الأمر من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، غير جائز قطعاً، والأحوط تركه مطلقاً، (لأن التقليد من حيث هو تحجير للعقل وإلغاء للاجتهاد ومعناه)، ودائماً يكون على نحو المطلقة السالبة التي نبذها الله في قوله: (هذا ما وجدنا عليه أباءنا ..) – لقمان 21، وكذلك قوله تعالى: (.. بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا ..) - البقرة 17، والقول الصحيح: (إن فساد التقليد على نحو عام)، يكون باعتبار: (التقليد قائم في الأصل قائما على خبر ساقط سنداً ودلالة)، قال العلامة الحلي وكذا السيد الخوئي (والخبر جاءنا برواية سهل الديباجي عن أبيه بأحاديث من هذه المناكير) - التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري ..

والصحيح - ان الأصل في الأشياء الطهارة - حكماً ومنه (طهارة الآدمين جميعاً) ولا استثناء في ذلك ولا تخصيص ولا تقييد، والشيء نفسه يُقال عن النجاسة بعنوانها العام: (وفي كونها عرض زائل، تزول بزوال سببها)، وهذا ما عليه عامة الفقهاء والأصوليين، وأما: [ما ذهب إليه بعض الإمامية في هذا الشأن فليس عندنا بشيء]، وعدم صحة دعوى الإجماع في ذلك فلأنها

أولاً: مخالفتها لظاهر الكتاب وعمومه، كما في قوله تعالى - (ولقد كرمنا بني آدم) - الإسراء 70، والتكريم صفة إطلاق وعموم، ومنها رفعة المقام والقدر، ولا يصح التكريم مع النجاسة، وكقوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) - البقرة 30، ولا تصح الخلافة مع نجاسة المستخلف مطلقاً .

وثانياً: معارضتها للأخبار الصحيحة المروية عن النبي الأكرم، ومنها قوله: (.. كلكم لأدم وأدم من تراب ...) .

وثالثاً: ضعف ما يستند عليه الإجماع في الأصل .

 وأما حكم المسألة لدى - أئمة المذاهب الأربعة - وفقهائهم فالمشهور عندهم القول: بطهارة أبدان الكفار والمشركين مطلقاً -، وأما نجاستهم فهي عرض زائل، أي إن النجاسة لا تسري للذوات من الأبدان .

وإن قلتم: وإنما المُراد من - نجاسة الكفار والمشركين - فلاعتقاداتهم الباطلة وأفعالهم المحرمة .

قلنا: إن هذا القول في أصله باطل، لأنه يفتقد للدليل المحكم الذي يعضده، والقول المظنون ليس حكما وهو لا يغني من الحق شيئا، والاعتقاد من حيث هو (عمل فكري مباح)، ولا ضير في مخالفته للمشهور في ذلك، قال تعالى: (لا إكراه في الدين) – البقرة 256، وقال كذلك: (أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) - يونس 99، وأما نسبة النجاسة فلما يقومون به من فعل محرم، وهذه كذلك نسبة باطلة: لأن طبيعة النجاسة وماهيتها كما قلنا (هي عرض زائل مفارق)، وزوالها مرتبط بزوال سببها -،: وليس من خواص النجاسة الالتصاق وعدم المفارقة بالأبدان أو الذوات، قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات ..) - هود 114، وعلى ذلك إتفاق العقلاء وسيرتهم .

 طبيعة الفقه الإسلامي:

يُناكف البعض فيدَعي: (ان الفقه الإسلامي - جامع مانع وغني بأحكامه وموضوعاته -) !!!!!!، وهذه الدعوى ليست صحيحة من وجوه، بل ولا تصح في المطلق على الفقه القديم والفقه الجديد والمعاصر كذلك، لأن الفقه المتداول في حقيقته ليس سوى إجترارا وتكرارا لمن سبق، وما يُقال عن الإجتهادات الفقهية والتفريعات فهي ليست سوى إعادة إنتاج لما هو قائما بالفعل في كتب التاريخ والتراث .

وأما طريقة الإستنباط فلم تتحرر منذ عهد الشافعي وإلى يومنا هذا، لا في طريقيتها ولا في كيفيتها ولا فيما تقوم عليه أو تؤسس، وأصول الإستنباط كذلك هي ذاتها التي قررها الشافعي في رسالته المشهورة من غير تغيير أو تبديل، ولم نسمع أو نقرأ عن محاولات جادة في تطوير طرق الإستنباط أو إعادة النظر في اصولها ومتبنياتها، ونصطدم دائماً في هذا المقام بذلك التطرف البشع من البعض، وبتلك المزاعم من البعض الأخر .

فيما يخص مفهوم الأخبار المنسوبة إلى الرسول محمد - ص - وطبيعتها وحجيتها ودلالتها، والتي غالا البعض فيها فنزلها منزلة نصوص الكتاب أو أعلى رتبة منها، بل وجاوز البعض الحد منهم فقال:- هي ناسخة لكتاب الله واحكامه -، مع إن هذه الأخبار في أحسن الأحوال لا تفيد سوى الظن في اغلبها، والمعلوم إنها قد كُتبت بظروف غامضة ونوايا نجهلها .

ولذلك فلا يعتد بها ولا يجوز إعتبارها صنو الكتاب، ومن هنا فنحن ندعوا لإعادة النظر في أصول الإجتهاد والإستنباط وطرقهما وموضوعاتهما وقواعدهما، والذي نفهمه عن الإجتهاد السائد إنه إجتهاد تنقصه الكفاءة والقدرة على تلبية حاجات الناس المعاصرين، ونعلم كذلك أنه لا يستطيع الإجابة عن الكثير من المسائل ذات الصلة، وهذا المعنى بالذات دفع الإمام الخميني للقول: بإن عامة علماء الدين والروحانيين منهم لا يدركون معنى الإجتهاد، ولذلك جعلوه مقتصراً على شؤونات الحيض والنفاس، مع إنه في حقيقته أعمق وأهم من هذا بكثير، إنه ذلك الفكر أو التفكير العلمي الذي يستجيب لتطلعات المجتمع في الحاضر والمستقبل، ولأهمية ذلك يتطلب تنبيه العلماء لبذل الجهد ومضاعفته، وأعمال النظر في المسائل الحيوية التي تهم إدارة المجتمع والمشاركة الجادة في تقديم الحلول لذلك .. - صحيفة النور ج21 ص 100 .

 ولكن هل الفقه الإسلامي غني بالفعل ؟ كما تقول المقدمة !!، أم إن غناه في اصوله وقواعده الموجودة في الكتاب المجيد ؟، وهذا الإستدراك في السؤال يقودنا للقول التالي أن: الغنى المقصود إنما هو ذلك الموجود في نصوص الكتاب المجيد، والنصوص هي التي تؤسس لتلك القواعد والأصول، واما الفروع والتفريعات من الفقهاء فقد غاب عنها المنهج الصحيح، وغابت عنها الأداة الواقعية أعني (العقل المؤمن بالتطور السنني الطبيعي الغالب في الحياة والكون)، وتغييب العقل إخراج متعمد للقدرة الذاتية في الكشف الدقيق عن الأحكام ومناسبتها للموضوعات بحسب الزمان والمكان، وكذلك في قدرته على المشاركة في التخطئة والتصويب لكثير من المسائل والموضوعات والأحكام العامة - .

 يقودنا هذا للتعرف على السبب الحقيقي في تخلف الفقه الإسلامي عن مجاراة الحياة وتطورها !!، وقد قيل: إن السر يكمن في عدم إهتمام الفقهاء بكتاب الله واحكامه في الإستنباط أو في الإجتهاد، وبدلاً عنه يتمسكون في تحليل الأخبار والروايات وتحليل وعرض أقوال من سبقهم من الفقهاء، وفي تلك الدورة يفتون ويحكمون ومن هنا تبدو المخاطرة التي نوهنا إليها في أكثر من مناسبة .

 ولا يخفى أن عجز الفقه عن التطور في الحياة واضح بيَّن، وشاهدنا على ذلك ما نحن فيه أعني قولهم القديم الجديد - [نجاسة الكفار والمشركين] -، تلك المقولة التي أثرت على الضمير والوجدان الإنساني وحالت دون التعامل احسن بين الناس، ومعلوم أن تلك المقولة إنما قامت وتأسست على أخبار وظنون ونوايا غير صالحة، ومع ذلك أدعَّوا عليها الإتفاق والإجماع !! مع إن إجماعهم على ذلك في أصله باطل، وسبب بطلانه ضعف مستنده الذي يتكئون عليه هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجود المانع له من الكتاب والعقل .

 وأما ما يُحكى عن تواتر الأخبار في هذا الشأن فهو ليس صحيحاً سنداً ودلالة، وقد مر بنا تكريم الكتاب المجيد لبني آدم على نحو مطلق ومن غير تمييز، حين قال: (ولقد كرمنا بني آدم) - الإسراء 70، وفي قوله كذلك: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات 13، وظاهر الكلام في الحجرات عن مطلق خلق الناس (الذكر والأنثى)، وما يعزز ذلك الظاهر هو القيمة المضافة التي تكون في اللقاء والتعارف والتجاوب وعدم الخلاف فيما لا ينفع الناس ..

ولكن ما معنى الكفار ؟

الكفار جمع كافر، وأصل اللفظ من - كفر - بمعنى رفض، والكافر هو الرافض وجمعها الرافضين أو الرافضون، وقد أخطأت المعاجم حينما اعتبرت معنى الكفر هو الستر أو الإخفاء والتغطية، وقد أخطأ أهل الإصطلاح في معنى الكفر بقولهم إنه الإنكار أو الجحود، والصحيح ما ذهبنا إليه إذ الأصل في اللفظ يكون من اللفظ الثلاثي الصحيح - كفر - والذي هو بمعنى رفض -، وليس بمعنى أخفى أو أنكر أو جحد، إذ الرفض في لغة العرب أكمل وأعم دلالة من مقولات أهل المعاجم، والكفر مصدرا مادة تدل على - الرفض - كذلك، أي الرفض الفكري والعقلي، ذلك بإعتبار كونها مادة نظرية بحتة، ولهذا جاءت في سياق الكلام، قل: (لا أعبد ما تعبدون)، ويكون التذييل اللاحق بصيغة تأكيد الأمر، في قوله: (لكم دينكم ولي دين)، والخطاب في مجمله يتحدث عن الكفار لا عن المشركين، ومعلوم ذلك الفرق بين الكفر والشرك والذي لا يخفى على أهله .

أقول: ولما كانت مادة الكفر تعني الرفض، إذن فيصح القول: إني أكفر بدين بوذا -، وأنا أعني به: (إني أرفض دين بوذا) على نحو ما تكون عليه طريقته بالتفكير وبطريقة الإيمان التي يتبعها، إذن فقيد الرفض هو للطريقية والكيفية وليس لطبيعة الوجود والعدم، ونفس الشيء يُقال: إني أكفر بمذهب إبي حنيفة - مثلاً، ولا يريد القائل معنى الرفض الوجودي على نحو (الإنكار)، بل يُريد القول من ذلك: (رفض طريقة ابي حنيفة في الإجتهاد وتحرير المسائل)، والكلام في مجمله هنا فكري ونظري محض ولا دخل له بالجانب العملي، ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن – الرافضة -: وهو الصفة المشبهة المرافقة للجماعة التي: (رفضت الطريقة والبيعة التي تولى بها أبي بكر وعمر الخلافة)، وليس هي بمعنى إنكار خلافة أبي بكر بالفعل (فلإنكار شيء والرفض شيئا أخر)، ولا دخل لجدلية (الوجود والعدم) في هذا المقام، وسواء قلنا إن - الرافضة - هي أسم صفة أو صفة مشبهة فالمتبادر للذهن من اللفظ يعني: تلك الجماعة التي كفرت بخلافة ابي بكر -، أي رفضتها ولم تنكروها كواقع موضوعي وتاريخي، وهذه غير هذه كما هو واضح، والأمر كله يتعلق بمعنى الرفض، والفرق بينه وبين الإنكار والجحود .

 وأما ما ذهب إليه أهل اللغة وما تعارف عليه أهل الشرع في ذلك فليس صحيحاً، بدلالة معنى الكفر الوارد في لسان نصوص الكتاب والتي حصرته بالرفض دون سواه .

قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ) – البقرة 89 .

وقال تعالى: (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً) - الإسراء:99

هذه النصوص وغيرها كثير تدفعنا:

أولاً: لطرد الفكرة المتداولة والسيئة في أدب المسلمين وفقههم، والتي تمزج بين المعاني والألفاظ تبعاً لمقولة الترادف .

 وثانياً: تدفعنا للتمييز بين لفظ - نجس - ولفظ - كافر -، فلكل منهما معناً مغايرا للآخر، وقد بينا معنى - كفر – في اللغة والإصطلاح .

 .. .

ولكن ما معنى كلمة – نجس - ؟:

حان الآن للتعرف على معنى كلمة - نجس - في اللغة والإصطلاح، ونقول: هي لفظ متشابه، فإذا جاء في صيغته المُنكرة دل على مطلق عنوان النجاسة، والتي هي ضد الطهارة، وجمعها أنجاس، وقد خالف في ذلك الفراء فقال: (والنجس لا يجمع ولا يؤنث)، وقد أختُلف في معناه الإصطلاحي بين الفقهاء إلى أقوال منها:

أولاً: إنه لفظ دال على معنى العين النجسة أو الذات النجسة، ومثلوا على ذلك بالمشرك، فقالوا: هو عين نجسة أو ذات نجسة .

وثانياً: انه لفظ دال على ما يتعلق به أو بسببه فيكون نجساً لذلك، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير .

وثالثاً: انه لفظ دال على لزوم ومداومة الفعل النجس وعدم التطهير منه .

ورابعاً: انه لفظ دال على ما يعتقد به المرء، فيكون نجسا بسببه، وهذا من قبيل النجاسة المعنوية !! .

و قيل: انه لفظ دال على الفعل النجس وعدم التحرز منه .

واما بالنسبة للقول الأول:

فجهة الإستدلال به تقوم عندهم على أساس النص الذي بدأنا به الكلام أول مرة، قوله تعالى: (إنما المشركون نجس)، وفي توضيح ذلك قالوا: [إن عامة المشركين هم أعيان نجسة أو ذوات نجسة] !، وهذا التوضيح تنقصه الدقة الوثائقية والدليل وشاهد الإثبات، وبحدود علمنا لم نجد ما يوثق هذا القول أو يؤكد عليه ويدل .

وإذا كان ذلك كذلك: إذن فما هو الدليل عليه أو ماهي العلة التي أستند عليها الفقهاء في قولهم بالنجاسة الذاتية ؟ .

 فإن قلتم: إن الدليل عندهم هو النص المتقدم نفسه: (إنما المشركون نجس) .

قلنا: إن النص المتقدم لا يبين ذلك المعنى ولا يدل عليه إنما هو إشارة أو نعت لما فعله المشركين، وليس في ذلك دلالة تفيدنا بالقول: أن نجاستهم ذاتية أو عينية -، وقولهم على نحو مطلق لا يُفهم منه المتعين في هذا الشأن،: (لأنهم أعتمدوا في ذلك على التعريف الإصطلاحي)، وليس على النص الذي جاء قبل ذلك بكثير، وتحميل النص المعنى الإصطلاحي اللاحق مثلبة، وتحميل للنص ما لا يحتمل من المعاني .

والعين النجسة بتعريف الفقهاء: هي تلك التي يستحيل طهارتها ولو بمياه الأرض جميعاً -، ومعلوم أن اللسان العربي قد وسع دائرة (معنى النجاسة) وجعلها شيئا مطلقا، أي إنها عنده أعم وأشمل من الجانب المادي، بل جعلها - صفة متعدية - تشمل حتى القيم والأخلاق، وفي هذا السياق نفهم مقولة الحسن البصري عن ذلك الرجل الذي زنى بإمرأة، فقال عنه: (هو أنجسها – إذن - فهو أحق بها) – أساس البلاغة للزمخشري ص 447 .

ويدخل في هذا الباب كذلك - نجاسة الشيطان - والتي هي مفهوما ذهنياً تسالمياً، ويطلق على كل فعل يفعله الناس فيه مكر وخداع وتضليل ويريدونه يسمونه - عمل شيطاني نجس -، وعليه فلا يصح تخصيص وحصر معنى النجاسة بالذاتية كما هو مُراد المعنى الإصطلاحي .

 كما ولا يصح الربط بين معنى النجاسة هذا ومفهوم منع المشركين من زيارة البيت الحرام، لا بسبب ذلك أو لمجرد توارد سياق اللفظ مع قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام)، فالذي نفهمه من سياق النص: إن المنع من دخول المسجد الحرام كان بسبب علة خاصة، وليس بسبب نجاستهم الذاتية، أي إن المنع كان بسبب ما فعلوه من نقض للعهود والمواثيق مع رسول الله (وهذه علة طارئة)، كذلك ولا يصح الربط بين مفهوم نجاسة المشركين ومفهوم الخوف من النقص المادي (العيّلة)، على إعتبار ان مبنى القول اللاحق وأداة الشرط الواردة في النص: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) وردا في سياق إتمام الحجة على المعترضين، بدليل أن النص إنما يتحدث بلسان حال ما يمكن قوله من قبل الأخرين، وليس في صحة قولهم .

والملفت أن كثيراً من المفسرين لا يفرقون ويخلطون بين (من كفروا من أهل الكتاب وبين المشركين)، مع ان الله قد ميز وفرق في كتابه ذلك، وبنصوص متعددة ومنها قوله تعالى: (ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم) - البينة 6، ومنها قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين) - البينة 1، والواو هنا للمغايرة قال الكسائي وللتمييز بين مختلفين، سواء في الطبيعة أو في الماهية أو في الإيمان والتفكير، وليس بين اللفظين وحدة معنى ومفهوم .

وأما بالنسبة للقول الثاني:

فجهة إستدلال القائلين به على نحو: (إنما المشركون نجس)، أي بسبب نجاسة ما يأكلون، وهذا الإستدلال ركيك جداً ولا يصمد أمام النقد والتمحيص، إذ لا علاقة بين نجاسة المأكول والآكل، فالنجاسة بهذه الحالة لا تنتقل بالتبعية من المأكول إلى الآكل، وفي وصفنا للنجاسة قلنا: ان من صفاتها عدم الملاصقة للمتنجس بها -، لأن النجاسة في أصلها عرض زائل تزول بزوال سببه، والامتناع عن الأكل النجس سبب كاف في زوال النجاسة .

 وإذا كان ذلك كذلك: فيصح إذن القول: (ان المشركين اذا تطهروا من النجاسة فلا مانع من حجهم وزيارتهم إلى البيت الحرام)، وهذا القول أو التقرير يكون بمثابة نفي المنع على نحو مطلق .

وأما بالنسبة للقول الثالث:

 فالاستدلال بالمنع من الحج بسبب الجنابة أو غيرها من النجاسات، إستدلال ركيك بل متهالك إذ الجنابة هي عرض زائل، والأعراض الزائلة لا يكون المرء بسببها نجساً، وكل العوارض من هذا القبيل تزول بالتطهير بالماء وغيره من المطهرات، ولهذا لا يكون وجود الجنابة سبباً كافياً في المنع من الحج والزيارة وعلى نحو مطلق .

واما بالنسبة للقول الرابع:

 فجهة الإستدلال بالنص لما يعتقد به الناس لذلك هم محكومون بقوله: (إنما المشركون نجس)، وهذا الإستدلال باطل كذلك، لأن الله أباح حرية الإعتقاد وجعل الإيمان مسألة شخصية تخضع لضوابط المعرفة والتدبر والعلم، ونفى المولى الإكراه والعنف والإبتزاز في ذلك وكما قلنا: إن مفهوم الإعتقاد أو الإيمان يرتبطان بالفكر وبالحرية، لأنهما من المسائل التي تخضع للإختيار عبر الدليل والبرهان، ولذلك ترك المولى شأنها للناس فقال: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) – الكهف 29 .

 والنص مورد البحث لم يربط مفهوم النجاسة بالإعتقاد مطلقاً، بل إعتبر من يكره الناس على الإيمان ليس مؤمناً قال تعالى: (أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) - يونس 99، معتبراً الإكراه هذا بمثابة - المطلقة السالبة الملازمة - .

إذن فالإستدلال بالنص من جهة الإعتقاد وإعتبار النجاسة من هذا الباب مانعة لهم من دخول المسجد الحرام، إستدلال باطل كما قلنا لا يمنع من دخول المسجد الحرام وزيارته .

وخلاصة الكلام:

في معنى قوله تعالى:: (إنما المشركون نجس)، ظهر لنا إن هذا القول لا يحمل معنا عاما، أي لا يجوز تعميمه على كل أفراد لفظ المشركين وعامتهم، كما ولا يجوز حصر معنى المشركين بالمعنى الإصطلاحي الفقهي، كما ولا يصح إعتبار النجاسة شيئا ذاتيا أو عينيا، ذلك لأن النجاسة في طبيعتها عرض زائل ولا تكون ذاتية مطلقاً .

 وأما المنع من دخول المشركين البيت الحرام فلم يكن منعاً مطلقاً، كذلك ولم يكن بسبب ما يعبدون من أصنام، ولهذا لا يجوز إعتبار المشركين نوعا واحدا أو فئة واحدة، إذ المشركين بلسان النص فئات متنوعة، وما عناهم النص المتقدم إنما هم، [فئة معينة خاصة من المشركين لا جميعهم]، وهذه الفئة: (هي تلك الجماعة التي نقضت عهدها مع رسول الله)، والتي وصفها الكتاب المجيد بقوله: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة) - التوبة 8 .

أقول: هذه الفئة من المشركين هي التي لا يصح دخولهم المسجد الحرام على نحو معين وبزمن معين، وصيغة الخطاب هذا تدل على ذلك، بدليل البيان التالي: (إلاَّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) - التوبة 4، ففي هذا البيان نجد أن نفي (تعميم المنع) واضح بيَّن، هذا بدليل التقابل الذي يؤكد على أن الفئة التي حفظت عهدها مع رسول الله غير مشمولة بالحكم، الذي صدر بحق تلك الفئة التي قال عنها الله - (إنما المشركون نجس)، ويؤكد هذا دعوته تعالى للإستقامة مع تلك الفئة التي حافظت على عهدها ولم تنقظه، قال: (فما أستقاموا لكم فاستقيموا لهم) - التوبة 7، وفعل أستقام يدل على الثبات في الموقف، ولهذا أمتدحه الله بصيغتي الفعل والصفة:

 قال تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) – هود 112 .

وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا ..) - فصلت 30 .

 وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..) - الأحقاف 13 .

إن تصحيح الفكر والإعتقاد عملية مهمة وشاقة، ولكي تكون مؤدية للغرض يجب ان تتكأ في ذلك على كتاب الله، وليس على ذائقة الفقهاء وتقليدهم لمن سبقهم، ولأن هذه المهمة كذلك تطلب الأمر رفضا لترجيح مقالات الفقهاء على نصوص الكتاب المجيد، لأن في ذلك مخالفة ومغامرة غير محمودة، والمشركون وفقا لمنطق الكتاب المجيد ليسوا واحدا، وكذلك هم في لسان العرب ليسوا سواء لا في المعنى ولا في الموقف، بل هم فئات متنوعة والحكم الصادر بحق البعض منهم لا يشمل البعض الأخر، ونسبة النجاسة للبعض منهم لا تصح على البعض الأخر طالما أرتبطت النجاسة بالسبب، والذي هو دائماً سببا مفارقا بكل تأكيد، لأنه سبب جدلي يصدق على كل ما يمكنه ان يكون كذلك .

تنبيه 1:

فإن قلتم: ماذا لو كان المُراد من نجاسة المشركين جميعهم ؟ .

قلنا: لو كان ذلك كذلك، لتطلب الأمر بطلان القول بحليَّة طعامهم مطلقاً !، في حين ان الله أباح لنا طعامهم جميعاً، حيث قال تعالى: (. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ ..) - لمائدة 5، والحليَّة بصيغتها المتقدمة وردت على نحو مطلق، والقيد الوحيد الذي ورد فيه التذكير، هو بالتذكية أي ذكر أسم الله عليه، وهذا الشيء يصدق كذلك على ما علمتم من الجوارح مكلبين، وبهذا يرتفع الحرج من النجاسة الظنية التي يذهب إليها البعض من غير حاجة شرعية، سوى التكلف والإحتياط الزائد المبالغ فيه .

تنبيه 2:

فإن قلتم: وكيف يمكن تبرير قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح أبن الله ..) – التوبة 30 .

قلنا: إن هذه الجدلية المثيرة يتبادر منها إلى الذهن، صفة الشرك التي هي ضد التوحيد، والحق إن النص لا يعني هذا إنما يُركز على مفهوم أخر، ليس له علاقة بالعبادة والتوحيد، ونفي القول من جهة الله إنما يتناول مفهوم الخصوصية من جهة الرعاية والتعليم والتربية، مع أهمية عزير النبي وعيسى النبي، والكتاب المجيد لم يقل إن (عزيرا ولد الله أو المسيح ولد الله)، لأن مفهوم الولد ممتنع على الله بحسب المنطق التالي (لم يلد ولم يولد)، والذي ورد على نحو المطلقة السالبة، وبالمقابل رفض الكتاب فكرة بنوة الله لأحد من البشر على نحو خاص، وكذلك رفضها بإعتبارها دعوة ترسخ المفهوم السلبي لله في ذهن العامة، فيظنون ويكأن العزير أو المسيح هم أولاد الله، من هنا أنطلق الرفض لذلك قال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ..) - المائدة 73، ولم يقل (لقد أشرك الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة !!) فتدبر ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

ميثم الجنابي"لا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرأي،

نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق"

(الجاحظ)

للقيم الإنسانية تاريخها الثقافي الخاص. ولكل مرحلة تاريخية ثقافية قيمها الخاصة، بوصفها النتاج الضروري الملازم لتجاربها الذاتية. الأمر الذي كان وما يزال وسوف يبقى لفترة طويلة قبل أن يرتقي الوجود الإنساني من حالة وجوده الطبيعي الى مقام وجوده الماوراطبيعي. بمعنى الانتقال من التجارب الجزئية إلى مستوى الرؤية الإنسانية الشاملة. وهذه فكرة مستقبلية وبالقدر نفسه تمثل وتتمثل الآفاق الضرورية لاحتمالات المستقبل العقلانية.

غير أن المستقبل يتراكم في مسار التجارب التاريخية، التي يتوقف على تأسيسها النقدي الدائم إمكانية إرساء أسس المرجعيات الضرورية لوعي الذات التاريخي الثقافي على مستوى الفرد والجماعة والأمة. وقد ساهم الجاحظ في رفد الثقافة العربية الإسلامية بمنظومة من القيم المحكومة بمعايير العقل النقدي. الأمر الذي اعط لها وهج الاستنارة الحية، ورونق البلاغة المعنوية. وكلاهما يمثلان حقيقة الجاحظ بوصفه أحد أهم ممثلي منظومة المعتزلة الفكرية. من هنا توحيده الدائم للفكرة المنطقية والبلاغة الأدبية بمعناها العربي الإسلامي الكلاسيكي. ومن هنا ربط أيضا في مجرى تناوله لإشكاليات النبل والتنّبل والنبيل وما يعارضها، بمعايير التنوير والتأسيس. فالأول هو التعبير الضروري عن مضمون المبدأ العقلي للاعتزال، بينما الثاني هو تمثله بمعايير الروح المعنوي، الذي كان الأدب ميدانه وأسلوبه في الوقت نفسه.

إننا نعثر عنده في ما يخص الفكرة المنهجية لفهم حقيقة النبل والتنّبل والنبيل، بوصفها إحدى القيم الرفيعة، عن ابرازه وتأسيسه لعلاقة المعرفة بالتنوير العقلي. بحيث نعثر عليها حتى في معرض اجابته على من كتب إليه عن هذه القضية. فهو ينتقد من كتب إليه يشتكي ويتشاكى من تنّبل الآخرين عليه رغم أنه "أكثر فهم في المحصول وفي حقائق المعقول. معتبرا ذلك سوء في الاختيار وفي طول مقامه على العار"[1]. وبالمقابل اعتبر الجاحظ الحكم العلمي والدقيق عن حقيقة الشخصية يجري بما يتوافق مع حقيقة النبل وليس حسب ما يتصوره المرء عن نفسه، أو حسب تصورات وأحكام الآخرين. وكتب بهذا الصدد يقول:"وليس الذي يوجب لك الرفعة أن تكون عند نفسك رفيعا دون أن يراك الناس رفيعا، وتكون في الحقيقة وضيعا. ومتى كنت من أهل النبل لم يضّرك التبذّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبّل"[2]. بمعنى إن للقيم قيمتها الذاتية التي تتوافق مع ما فيها. وهو استنتاج يحتوي على أبعاد عميقة ومتنوعة، لعل أكثرها جوهرية هو إن النبل عقل ووجدان ومواقف وشخصية وليس إرثا ووراثة. من هنا توكيده وسعيه لتأسيس قيمة النبل وشخصية النبيل بوصفها معاناة دائمة في تنقية الإرادة وشحذها على مسّن الحياة ومصاعبها ومصائبها. وكشف عن حقيقة هذا المعنى على مثال فكرة السيادة الشخصية. بحيث ربطها أساسا بخصلتين وهما كل من الحلم والصبر. وكتب بهذا الصدد يقول، "السيد المطاع لم يسهل عليه الكظم ولم يكن له كنف الحلم إلا بعد طول تجرع للغيظ ومقاساة الصبر. والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. وحالما انقادت له العشيرة سمحت له بالطاعة، ووفّق بظهور القدرة خلاف المعجزة"[3].

إن القدرة الإنسانية في صنع ذاتها وسؤددها، بالنسبة للجاحظ، هي الوجه الآخر للمعجزة. لكنها أكثر أصالة وإنسانية لأنها أصيلة وإنسانية، بمعنى خالية من ثقل الأوهام والخرافة. وهكذا هو الحال بالنسبة لكل قيمة جوهرية في الوجود الإنساني. فالمساعي الفردية والشخصية لبلوغ ما يدعوه الجاحظ "بالأمل في الرياسة والطمع في السيادة" يفترض تكلّف الحلم والصبر في البدء. وبالتالي، لا يتم هذا الفعل في بلوغ غايته بالنسبة للإنسان إلا بعد ثلاثة أشياء وهي كل من الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور الطاعة[4]. وهذه بدورها ليست إلا فكرة الإرادة وصيرورتها الذاتية.

لقد وضع الجاحظ قيم النبل والتنّبل والنبيل في منظومة القيم العامة، وبالشكل الذي نعثر فيها على رؤية عقلية وإنسانية واجتماعية وسياسية وفلسفية. إذ نراه يبرّز قيم النبل ويضعها في أعماق منظومة القيم كما لو أنها بؤرة القيم المتسامية. وذلك لأن النبل يحتوي على ما يمكن دعوته برحيق القيم. فكل ما هو عظيم نبيل. كما انه بداية الجمال والجلال الإنساني. وبهذا تصبح قيم النبل جزءا من تاريخ السمو الأخلاقي والمعرفي. فالنبيل كائن وكينونة متوحدة. ومن ثم غير قابلة للتجزئة على خلاف ما هو غيره. وقد وضع هذه الحصيلة في فكرته القائلة، بأن الانسان "لا يكون نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق، نبيل النظر بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش"[5].  بعبارة أخرى، إن النبيل هو نبيل في ظاهره وباطنه ومواقفه وأحكامه. وفي ذاته يحقق الكمال الإنساني في جميع مساعيه من حيث الحافز والوسيلة والغاية. لقد أراد الجاحظ القول، بأن النبل هو عقل وإرادة وموقف.

إن هذه الحصيلة التي توصل إليها الجاحظ، كانت مبنية على فلسفة النبل ومنهجها في رؤية المقدمات والغايات الفعلية لهذه القيم. وفي كلهّا هي نقيض عقلي وأدبي للتكّبر والتجّبر ومختلف أصناف الرذيلة التي تفرّغ الإنسان من النبل. ذلك يعني انه سعى لتأسيس الفكرة المنهجية في نفي التجّبر والتكّبر أو الاستبداد من خلال إبراز خللها الذاتي. ومن ثم التأسيس لإرساء أسس ما ادعوه بفلسفة النفس الثقافية. بمعنى دفع مختلف القيم صوب التراكم في منظومة متوحدة وفاعلة بمعايير المنهج العقلي والنقدي والتأسيسي.

وقد يكون هو من بين اوائل المتكلمين وأدباء الإسلام الكبار، الذين ربطوا ظهور القيم بتطور الحضارة. ومن ثم يكون سبّاقا بهذا الصدد حتى على ابن خلدون. ففي مجرى تناوله لظاهرة التكّبر، والتي تفقد الإنسان والمجتمع معنى وقيم النبل، نراه يشير إلى تنوع الترابط بين القيم ومستوى التطور الحضاري. بمعنى استمرار وجود القيم وفاعليتها الاجتماعية والأخلاقية من جهة، وإمكانية استعمالها للمصالح والمآرب السياسية والأيديولوجية، من جهة أخرى. وأن الحضارة في مجرى تطورها تهذّب وتشذّب العقل والوجدان والقيم. وبالتالي، فإن مختلف مظاهر الرذيلة عادة ما تعكس بقايا ما قبل الحضارة. وفي رؤيته النموذجية هذه يختلف اختلافا جذريا عن ابن خلدون ومختلف النظريات الفلسفية التي تؤكد على أن الحضارة هي الحالة التي يلازمها تفسخ وتحلل القيم. من هنا قوله، على انه لو كان في التكبر خيرا لما كان هو في دهر الجاهلية أظهر منه في دهر الإسلام، أي كان "في أهل البدو أكثر منه في أهل الحضر". وينطبق هذا على الحضارات الأخرى من الروم والفرس. فوجود ظاهرة التكبر في الدولة الفارسية القديمة (آل ساسان وانو شروان وجميع ولد اردشير بن بابك) هو ليس تكبرا بالمعنى الدقيق، بقدر ما هو "سياسة للعوام وتفخيم لأمر السلطان والملك"[6]. وعندما تناول هذه الظاهرة على مثال دولة الخلافة، نراه يشير إلى انه "لم يكن من الخلفاء أشد نخوة من الوليد بن عبد الملك وكان اجهلهم وألحنهم". كما لم يكن "في ولاة العراق أعظم كِبرا من يوسف بن عمر وما كان اشجعهم ولا ابصرهم ولا اتمهم قواما ولا أحسنهم كلاما"[7]. لقد أراد الجاحظ القول، بأن الكِبر والتجّبر والاستبداد هو من بقايا ما قبل الحضارة من جهة، وتعبير عن ضعف الشخصية وخللها الداخلي وعقدها النفسية، من جهة أخرى[8].

لقد بحث الجاحظ عما يمكن دعوته بمقدمات التكّبر والتنّبل. ومع ذلك لم يربطها بطريقة محددة دون أخرى. انه في الأغلب يتكلم عن الجانب السياسي العام على مستوى القيادة. لكنه لا يهمل مصدرها الاجتماعي. ففي واقع الأمر من أين للرؤساء والسلاطين والأمراء اكتساب هذه الصفات إن لم تكن هي نتاج التربية ووجود الظاهرة نفسها؟ فالكِبر لو اعترى الشريف والجميل أو الجواد لكان ذلك أفضل رغم سوءته، كما يقول الجاحظ. غير أنه يمكن العثور عليه أيضا عند الدميم والناقص، والجبان والكذوب، تماما مثلما عند من هو بالضد منهم[9]. ووضع هذه الرؤية العامة في أساس نقده لظاهرة التجّبر والتنّبل المزيف.

لقد وجد الجاحظ في شخصية المتكبر والمتجبر ظاهرة تستمد قوتها وأصلها من الاستبداد. فالاستبداد هو القوة التي تشوه الواقع والمفاهيم والقيم. ومن ثم فإن التكّبر والتجّبر والتنّبل المزيف هو من يضع نفسه وسلوكه العلني والمستتر بالضد من حقيقة المعنى المتسامي الذي بلورته الثقافة الإسلامية في فكرة "اسماء الله الحسنى" التي تحتوي على الجبار والمتكبر، ولكن بوصفها مؤشرا وهاديا لنفي وتذليل ظاهرة التزييف في التكّبر والتجّبر البشري. أي على عكس ما في فكرة أسماء الله الحسنى التي جرى لاحقا رفعا إلى مصاف المنظومة النظرية للسلوك العملي والمعرفي، كما هو الحال في التصوف. وقد حلت الثقافة الإسلامية هذه المعضلة الشكلية من خلال جعل الله جبارا والإنسان عبده (عبد الجبار)، أي المتخلق بمعانى الجبروت الآلهي. وينطبق هذا على بقية الاسماء. أما بالنسبة للجاحظ فقد انطلق من تحليل شخصية الإنسان الفردية، باعتباره كيانا ضعيفا. لذلك من اللائق التذلل والتواضع فهو "أذا جاع صرع، وإذا شبع طغى". وأستند هنا أيضا إلى حديث (موضوع) رغم انه يستمد مقوماته من القرآن يقول "العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه"[10].

ولم يسع الجاحظ في مواقفه هذه سوى للتأكيد على أن الإنسان لا يكون نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخُلق. وبهذا يكون قد أرسى أسس الموقف الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعارض للتكّبر والتنّبل المزيف. ووضع حصيلة تصوراته وأحكامه بهذه الصيغة في عبارة مكثفة تقول، بأنه "لم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول، عملا احتباه ذو عقل أو اختاره ذو علم بأوبأ مغبة، ولا انكد عافية، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد مهوى، ولا أضّر على دين، ولا افسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن التوبة، ولا أقلَّ دركا عند الحقيقة، ولا انتقض للطبيعة، ولا أمنعَ من العلم، ولا أشد خلافا للحلم، من التكّبر في غير موضعه، والتنبّل في غير كنهه"[11].

لقد استجمع الجاحظ في تقييمه المذكور أعلاه كافة الأبعاد الأساسية في نقد ظاهرة التكّبر والتنّبل المزيف، بعد إخراجها من معنى الوجود الإنساني الحق. وليس مصادفة أن يسعى الجاحظ أيضا إلى رفع هذه القضية إلى مستوى الرؤية الميتافيزيقية، بحيث نراه يجعل من التكّبر "أول ذنب في السموات والأرض". وبغض النظر عن الموقف الأخلاقي والصورة الدينية الميتافيزيقية في هذه العبارة، فإن مضمونها الاجتماعي غاية في الوضوح، ألا وهو معارضة الظلم والاستبداد. فعندما يقول الجاحظ، بأن "الكِبر هو أول ذنب كان في السمو ات والأرض، وأعظم جرم كان من الجن والأنس"[12]، فإن مضمونه الفعلي، حالما يجري تجريده من صور الدين ولاهوتية الرؤية، يعني أن الكِبر والاستكبار والتجّبر وما يلازمه بالضرورة من التنّبل المزيف ما هو في نهاية المطاف سوى الصيغة الفجة لفاعلية الرذيلة بمختلف أشكالها وأصنافها ومستوياتها. إذ لا يعني أن ابليس هو أول من استكبر سوى الصيغة المقبولة لذهنية العوام عما يمكن دعوته بالنموذج "المتكامل" لظاهرة التكّبر. وبالتالي، فإن كل مظاهره الواقعية ليست إلا أشكالا جزئية لهذه النزعة الإبليسية. ومن ثم ادانتها بالضرورة وإدانة الواقع. إذ ليس إبليس سوى الصورة النموذجية التي تجمع في ذاتها نفس الصفات التي نعثر عليها عند البشر مثل الكِبر، والاحتجاج بالباطل، والزور، والحسد، والظلم، والخديعة والذم.[13]. بل نراه يطير في سماوات التفلسف اللاهوتي بهذا الصدد ولكن دون الوقوع في فخاخه المغرية. فهو يدرج ويحاصر الصورة الدينية اللاهوتية عن نموذج التكّبر في شخصية ابليس ضمن عالم الاسطقسات الإغريقي أو عالم المكونات الكبرى للطبيعة أي الفكرة الفلسفية عن العناصر الأربعة أو الأركان الأربعة. فاحتجاج ابليس بأنه نار، ومن ثم الأفضل غير صحيح، انطلاقا من أن منافع العالم نتاج أربعة أركان وهي نار يابسة حارة، وماء بارد سيال، وأرض باردة يابسة، وهواء حار رطب. ومنها استناج الجاحظ موقفه عن انه "ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلا وهو مبق على أن النار نقمة الله من بين جميع الصفات: اسرعهن اتلافا. وهذا كله ثمرة الكِبر"[14]. ووجدت هذه الفكرة تحقيقها في الموقف النقدي المباشر وغير المباشر لظاهرة التكّبر والتجّبر وما يرافقها من تنبّل مزيف. فعلاقة السلطان بالجمهور، ضمن مفهوم وسلوك الطاعة، هي سلطة شكلية ظاهرية، كما يقول الجاحظ. الأمر الذي يجعلها قاسية بالضرورة. ووضع هذه الفكرة النقدية في عبارته القائلة، بأن "السلطان يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم". وهي الفكرة التي سيقول بها الغزالي لاحقا، في مجرى نقده للفقه والفقهاء، عن انه لا ولاية للفقيه على القلب. بمعنى إن الأعماق السحيقة للإنسان ينبغي أن تبقى خارج سلطة الفقهاء. بينما قرر الجاحظ قبله بقرون من أن العالم الباطني للإنسان في عقله ووجدانه يبقى حرا رغما كل السلطة المتجبرة على الأبدان. الأمر الذي يجعل منها بالضرورة زائفة وقاسية بقدر واحد. ومن ثم عرضة للتحلل.

وبالمقابل كان نقد الجاحظ لرذيلة التكّبر والتجّبر والتنّبل المزيف مبنيا على اساس الاعتراف بقيم وفضيلة العقل والإرادة الإنسانية الحرة، التي ترفع شعار "احتمال الفقر اهون من احتمال الذل". وذلك لأن "الرضا بالفقر قناعة وعز، واحتمال الذل نذالة وسخف"[15]. وعموما إن كل الصفات الرذيلة هي وحدة واحدة من حيث قوتها على التخريب والتدمير الأحمق للعقل والضمير والإرادة. وليس اعتباطا أن يضع الجاحظ كل من اللئيم والحاسد والخائن في سلة واحدة. بل ونراه يجعل من بين أهم معاييرها ومحكها الموقف من الأديب. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "ليس يأمن اللئيم على إثبات جميع ما اشتمل عليه أسم اللؤم إلا حاسد. فإذا رأيته يعّق أباه ويحسد أخاه ويظلم الضعيف ويستخف بالأديب، فلا تبعده عن الخيانة"[16]. وهنا نقف أمام معايير يكون فيها الأديب مرجعية وفيصلا لحقيقة المواقف وليس الله والأنبياء وما شابه ذلك. لقد أراد إرجاع الفضيلة والرذيلة وقيمها إلى عالم الإنسان الواقعي والفعلي. والحكم بها وعليها بما يتوافق مع مساعي الروح العقلي الإنساني صوب الكمال أو السؤدد الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن أن نفهم لماذا يفرّق الجاحظ بين عيوب أخلاقية قابلة للعلاج وأخرى غير قابلة. فالظلم والحمق والبخل عيوب يمكن معها السؤدد، إلا أن الكِبر والكذب والسخف والجهل بالسياسة لا يمكن معها السؤدد[17]. واستشهد الجاحظ هنا بموقف وكلمات قتيبة بن مسلم الباهلي (القائد العسكري العربي الفذ) عندما رفض توجيه قوة عسكرية بقيادة وكيع بن ابي سود، لأنه بنظره رجل عظيم الكبر. إذ لأن "من عظم كبره اشتد عجبه، ومن اعجب برأيه لم يشاور كفيا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجح بالانفراد وفخر باستبداد كان في الظفر بعيدا والخذلان قريبا، والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة، وإن كانت الجماعة لا تخطأ والفرقة لا تصيب"[18].

لقد كانت هذه النتيجة الوصية العملية التي تكشف عن أن للكِبر والتجّبر والتنّبل المزيف نواقص ورذائل لا تغتفر، وذلك لأن نهايتها استبداد وخذلان وخيانة. وتاريخ الأفراد والدولة والسلطات يبرهن على صحة هذه الفكرة التي ترتقي إلى مصاف البديهة النظرية والعملية، لكنها الأكثر رسوخا في ظاهر البشر وبواطنهم بسبب بقائهم ما دون العقل وحقيقة الأدب.

 

ا. د. ميثم الجنابي

***

[1]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، منشورة في مجلة Arabica/ Vol. XIV, October, 1967  تحقيق ونشر ج. بيلات،ص283.

[2]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص282

[3]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص281.

[4]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص281.

[5]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص280.

[6]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص274.

[7]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص247.

[8]    الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص270.

[9]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص274-275.

[10]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص279.

[11]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[12]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[13]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص276.

[14]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص275.

[15] الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر. ص282.

[16]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص278.

[17]  الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص272-273.

[18]   الجاحظ. رسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ص270.

 

مجدي ابراهيمفي مقال سابق عن تربية الشعور الديني ذكرت شيئاً عن الخواطر كونها معتمد العمل في الأساس، وذكرت شواهد منصوصاً عليها في إطار تزكية الشعورُ الديني كونه مورداً من موارد العاطفة، بل وربما يكون أساساً لها وأصلاً. ولا معنى للدين بغير العاطفة، وتساءلت حينها: كيف يتّصل العبد بخالقه وهو مُجَرَّد عن العواطف النبيلة الدافعة إلى الاتصال بالله؟

تأكيداً لعاطفة الشعور الديني، تبرز أمامنا ملامح توجهات السّرائر لدى أهل البصائر؛ لتتخذ من العاطفة النبيلة مناط حركة وعمل وتوجّه، ودوافع غائرة في وجدان أصيل، وبواعث وعي وعقل وتفكير.

فإذا كانت العاطفة خاصَّة قلبية لطيفة هى مستودع الأسرار الإلهية، فللقلب طاقة نورانية نافذة إلى ملكوت السّموات لا تتغذى إلا بهذا الرافد الشعوري الذي يتصل بالعاطفة فتتصل العاطفة بالقلب، فيتصل القلب بالنور السّاري في أجزاء الكون كله: تفاصيله وذراته وممكناته.. ولله في خلقه شئون!

وللدين في قلوب المؤمنين سلطاتُ عجيب يتنامى في شعور الشاعرين بوجود الله ويزداد ليرتفع إلى أسمى آيات الإيمان: هو سلطان الإيمان يقوى في الضمائر ويعلو ويشتد كلما قوت روحه وعلت واشتدت إلى حيث الاتصال بالله من طريق الحب لا من طريق المعرفة النظرية.

والطريقان قد يجتمعان ولكنهما لا يستويان لا في الدرجة ولا في النوع ولا في طريق الوصول، لأن طريق المعرفة النظرية برهان عقلي وكفى؛ هو إلى الجفاف والصلابة أقرب منه إلى شاعرية الوجدان الديني ومعاناة التجربة الشعورية الفياضة بمعايشة الإيمان؛ فمثل هذا "الإيمان" الدافق الفعال في قلوب المؤمنين لا يسعه البرهان العقلي ولا تحتويه مساحة الأدلة النظرية؛ ولكن مساحته التي تسعه هى "قلب المؤمن" الذي يرى الأشياء بنور الله ويشعر شعوراً قوياً أن الله معه في كل حال، وأن الحب أسمى وأقوى وأشد فاعلية من جميع البراهين النظرية.

وأغلب الظن أن الله تعالى عرف بالحب لا بالعقل ! لأن العقل في الغالب معزول عن المعرفة الإلهية: أنت تبحث بالعقل المشكلات اليومية والمبادئ المفروضة، وبالعقل تستن الحجج المنطقية لتجادل بها من تود مجادلته لتقنعه بشيء ما يفرضه هواك، ثم تتلذذ بانتصارك عليه وإفحامك له وتنتشي فرحاً كلما فزت بالعقل على خصمك فتثني على العقل لا لأنه عقلك عن صفات مرذولة كنت ستقع فيها وأنت تدري أو لا تدري، ولكن لأنه أعانك على نصرة هواك؛ فما دخل معرفة الله ها هنا بالعقل؟

وأي عقل تلك أوصافه له تحصيلٌ بمعرفة الله؟ يٌعرَفُ الله - تعالى الله عن المعرفة - بالله لا بالعقل. أما العقل فهو من العجز بحيث لا يَدل إلا على عاجز مثله. العقل عاجز عن أن يعرف نفسه، وإلا فما وقع الخلاف البادي بين المتحاورين والمتجادلين من أجل نصرة هواهم على سواهم، بل لو كانت هناك معرفة يتوصّل إليها العقل في ذاته ما صحّ أن يكون ها هنا خلاف ولا نزاع ولا شقاق يؤدي بالضرورة إلى ذهاب الريح!

أفئن دلَّ ذلك على شيء؛ فمدلوله الأقوى أن"الوحدة العقلية" مفقودة أو تكاد بين الناس؛ فكيف يتأتَّى لي الزعم بعد ذلك أن تكون هى هى المقياس الصالح لمعرفة الله؟

إنما المقياس الصالح لمعرفة الله هو "الحب"؛ فالله بالحب لا بالعقل عرفوه! ولو لم تكن هناك موهبة إلهية تمكن الموهوبين بقدرة المعرفة بالله عن طريق المحبة ما جاز أن يكون الله معروفاً بغير هذه الوصلة الروحيّة والصلة الكمالية في عباده المقربين. وليس من شك في أن هذا الطريق الأخير "طريق الحب" لهو نفسه الطريق الذي يعمق من سلطان الدين في القلوب ويُعلي من شأنها - بتفعيل الدين وتثويره - ليهبها مثل هذه الدرجة الواعية: أعني تلك الوصلة الروحية التي تكشف، على الحقيقة، قوة الدين وأغواره الدفينة في نفوس المؤمنين. ولننظر إلى قول من قال: أحبابنا شتان: واف وناقضُ.. لا يستوي قط محبُ وباغضُ.." وما يستوي الأعمى ولا البصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور.. وما يستوي الأحياء ولا الأموات. إنّ الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور".. "والمرءُ مع من أحبَّ".

ليس هناك شعوراً قط أقوى وأنبل من ذلك الشعور الذي تكشف التجربة الروحية عنه الغطاء؛ ففي تلك التجربة نفسها تشعر الروح بوعيها المتسامي وذاتيتها المتعالية وحيويتها الباطنة والحاضرة دوماً في رحاب الله؛ تماماً كما تشعر بتحررها عن العلائق والأوهام والشواغل ومعاقرة الآفات.

ومن هاهنا تكون "تربية الشعور الديني" كامنة في هذا التحرر: تحرر الروح من سطوات الأغيار. لكن هذه ليست كلمات تُقال بل طريق شاق طويل كله مكابدة وعناء في نهايته يجيء مثل هذا التحرر، لكنما البداية إنما هى فضائل كريمة تُزكي النفس وتترقى بها عروجاً في طريق الكمال: البدايةُ جهاد.. والنهاية اتصال.

أولى هذه الفضائل وأوْلاها فضيلة "الجهاد" الذي تتحقق فيه هداية السبيل. والجهاد عمل دائب وعبادة وتكليف ورباط. الجهادُ هو الذي يخلق للإنسان قوة تمهد لسلطان الإيمان أن يستقر في قلب المجاهد، فتمنع عنه خواطر التعطيل والانحراف؛ ليتفجر من المجاهدة نور يهدي به الله إلى سبيله. لاحظ قوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبُلنا" (العنكبوت: آية 69)، أي الذين يعملون (والعمل جهاد) بما يعلمون؛ يوفقهم الله ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حُلماء.

وتلك هى ولا شك "علوم المعارف" التي هى مواريث أعمال القلوب، تتأتى بالمجاهدة والكدح قاصدة توفيق الله. قال بعض السلف نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى، المستوحشين من الناس، فيسوق الله تعالى إليهم من ذوات نفوسهم مَنْ يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:"ومن يتق الله يجعل له مخرجاً"؛ قيل مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي؛ يعلمه علماً بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح والحق الصريح.

وكلما تَقدَّم الجهادُ  مثل هذا الحبّ العلوي الذي يستشعره قلب العبد المؤمن مأخوذاً من عين الإتباع لسيد الخلق -  صلوات ربي وسلامه عليه - في قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله"، صار بالتحقيق فضيلة ماضية لا صعوبة فيها ولا مشقة؛ وصارت التربية الروحيّة على هذا النهج النبويّ الكريم هى النموذج الذي ينتهجه الصالحون العابدون العارفون لله من طريق المحبة.

وأول درجات التربية للشعور الديني تكمن في سدّ ذريعة عناء الخواطر: بحذف الخواطر الرديئة والنهوض بالجملة للتحقق من خواطر اليقين الإيماني مع العصمة الدائمة بالرقابة الإلهية على العمل، وعلى الفعل وعلى التصريف؛ فيما يفعل العبد وفيما يقول. وهذا لا يتمّ بغير جهاد ومكابدة. وفي الأثر أن كل قلب أجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن يضعف الخاطر ويخفى لضعف المعاني ودقتها، ويقوى اليقين ويظهر؛ لأن هذه الثلاثة مكان اليقين في القلب، بها جميعاً يقوم فيه سلطان الإيمان ناهضاً غير خذلان.

تتمثل تلك المعاني الثلاثة في "الإيمان"، "والعلم"، "والعقل". ولنا أن نلاحظ أن العقل المذكور هنا ليس هو العقل النظري المنطقي الاستدلالي المجرّد عن الفاعلية العملية.. كلا بل هو العقل عن الله، هو الخاصة الإنسانية التي تعقل أوامر الله وتنتهي عند نهيه، ولا يخلو هذا العقل العملي من استدلال يقوم على شرطه ويجرد النظر العقلي وفق خاصته، لكنه لا ينفصل مطلقاً من فاعلية التحقق بالتجربة مع الله.

وعليه؛ فإذا لم يكن القلب يخلو من هذه الثلاثة صار مخصوصاً بصفة أهل الإيقان أولئك:" الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب"؛ هؤلاء هم المخصوصون بتجليات السكينة القلبية التي أنزلها الله تباركت عطاياه في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.

وبما أن القلب موطن الإيمان لا ريب فهو خزانة من خزائن الملكوت؛ فقد وجب أن يكون محفوظاً على الدوام بنور الإيمان إذا كان الدين الواصب شرعته ومنهاجه وفيض أسراره ومنازل أنواره.

كتب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إلى أمراء الأجناد:"أحفظوا ما تسمعون من المتعظين، فإنهم ينجلي لهم أمورٌ صادقة". وكان أبو الدرداء يقول:" المؤمن ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، والله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم". وقال بعض العلماء:"ظنُ المؤمن كهانة"؛ أي كأنه سحر من نفاذه وصحة وقوعه، وقال أحدهم:"يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله عزّ وجل لهم من الحق". وأثر عن بعضهم أنه قال:"لو شئت لقلت إنّ الله يطلع الخاشعين على بعض سره"؛ فمن حق مَنْ شاء أن يستغرب مثل هذه الأقوال، وأن يستهجن قائليها؛ ولكنه لن يكون قد تربّى سلفاً على فقه الشعور الديني العميق، فما هو في الأصل إلا نور الحكمة يترائى لهم بمقدار ما ينكشف الحق لمثل هذه القلوب المؤمنة العاقلة عن الله حكمته، كما جاء في تفسير قوله تعالى:"يؤتي الحكمة  من يشاء"، قيل: الفهم في كتاب الله. وقد قيل في قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا إنّ تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً"؛ إنه "النور تفرقون به بين الشبهات؛ و"اليقين" تفرقون به المشكلات. ومن أصدق من الله قيلاً:"واتقوا الله ويعلمكم الله".

وفي ملكوت القرآن ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد، ومن أجل تربية وجدانية نابضة بالحياة الروحيّة قال أهل البصائر الذين حفظوا قلوبهم بنور الإيمان الثابت الدائم الواصب؛ المترقي بالزيادة إلى عين اليقين، قالوا: إنّ أول ما يَرد على القلب الخواطر، وهو حديث النفس ثم الميل، وهو ميل الطبع إلى العمل. ثم الاعتقاد ؛ ثم حكم القلب بأن ينبغي على الفعل أن يفعل، ثم العزم، وهو عزم الإنسان أخيراً على الفعل في تصميم.

فهذه - كما ترى - سلسلة أخلاقية تربوية، من مراقبة الإدراك: تبدأ بالخاطر الوارد على القلب، وتنتهي بالفعل (أي العمل) وترتد في البداية والنهاية إلى فضيلة الجهاد وإلى شرف المجاهدة. وبما أن الخواطر هى المحركات للإرادات؛ فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنويِّ بالبال لا محالة؛ فبداية الأفعال الإنسانية تكون في الخواطر؛ فأنت لا تفعل الفعل بحركة آلية تلقائية كما لو كنت آلة، ولا تفعله بحكم الغريزة كما لو كنت حيواناً، ولكن تفعله بخاطر يَرد على القلب يحرك البواعث. والبواعث تحرك الرغبة. والرغبة تحرك العزم. والنية تحرك الأعضاء. وهكذا دواليك حركة من خطرة، فالخواطر تحرك الرغبة ضرورة وتدفعها إلى الفعل، إنْ كانت تدعو إلى الخير وهو مما ينفع في الآخرة؛ فإنها تسمى "إلهاماً"، وإنْ كانت تدعو إلى الشر، وهو ما يضرُّ في الآخرة فإنها تسمى  وسواساً". وإنما تأتي التربية للشعور الديني دُرْبة على معروف الخواطر والتفرقة بينها فيما إذا كانت خيراً أو شراً ثم استعداد المرء على أن يعمل بمقتضى الصحيح الخيِّر منها ويترك وراءه ما عداه. فكأنما هذا كله يطلعنا على أهمية تلك الخواطر في أعمال الإنسان: أعرف خواطرك تعرف عملك.

وخاطر الخير سببه الملك.. وخاطر الشّر سببه الشيطان؛ كما قال أبو مسعود رضى الله عنه:" وقد روينا من طريق مسند في القلب لمَّتان: لمَّة من الملك إيعادُ بالخير وتصديقُ بالحق. ولمَّة الشيطان إيعادُ بالشر وتكذيبُ بالحق". ومن صدق العزائم في توجُّهات القلوب المستنيرة بنور الإيمان أن يُرَبِّي العبد كل ما يرد عليه من خير الخواطر؛ يزكيها لتكون "فعلاً" يجزي عليه ويثاب أحسن المثوبة وأفضل الجزاء، ويحفظ قلبه بسياج التقوى إذا ما ورد عليه خاطر الشر: يقلعه ويقمعه قبل أن يصير إرادة تنهض بالفعل على التحقيق.

وبماذا يتم حذف الخواطر الشريرة ؟ والجواب: بالاستعاذة بالله تعالى من نزغات الشيطان كما في قوله جل ذكره:"وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنّه هو السميع العليم".

وإذا تقوى في القلب نور الإيمان، قوت تباعاً نافذة البصيرة المانعة عن النزغ والتلبيس. تأمل قوله تعالى:"إنَّ الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفُ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون". هذه البصيرة خطفة من عبقرية مُبصرة ناتجة عن التذكرة، هى لمحة فريدة من الإدراك العلوي. والتذكرة حركة قلبية تتولد عن فعل التقوى: أعني النور الإيماني الصادق في الترقية اليقينية المحفوظة داخل تلك اللطيفة المشار إليها بالقلب.

وأنت ترى في كل هذا فعالية الجهاد حركة معمولاً بها كل العمل؛ لا تعطل لحظة واحدة من لحظاتها الشريفة؛ إنْ في الشعور وإنْ في العمل. إنها لتمْضِي عملها وتحقق طريقها في اللحظة الخاطفة والخاطر اللمَّاح؛ وذلك لأنها فعالية ( المجاهدة) تتحكم في أدق الدقائق لعمل النفس الباطني؛ وإنها لقدرة لا تتهيأ لأحد إلا لأولئك الذين اكتسبوها بالنظام المقرَّر في طريقهم وبالأركان التي وضعوها قوائم لهذا الطريق؛ فعالية للجهاد وتمرين للعبد وتدريب لنفسه وتهيئة له للاتصال بالحقيقة الإلهية، فضلاً عن كون هذا النظام التربوي يحقق أكبر طاقات الطمأنينة القلبية والسلام النفسي ويجلب السعادة الداخلية التي يعز وجودها ويندر فيمن أرادوا أن يعطلوا في نفوسهم وقواهم مثل هذه الفعالية الجهادية من طريق الإيمان. ثم إنه ليكشف عن اتصال الدين بالعاطفة الوجدانية، وتنمية هذه العاطفة وفق مقررات المنهج المشروط فيها. وأن الشعور الديني في ذاته قائمٌ على تضحيات بالمطالب العاجلة في سبيل تحقيق القدر الكبير من المطالب الآجلة، مع أن هذه الآجلة مكشوفة مرئية مع الفاعلية رؤية العين؛ هى نفسها اليقين الذي أشارت إليه أدبيات أذواق المجتهدين.

ولك من بعدُ - إنْ شئت- أن تتصوَّر أنه كلما مرَّت "اللحظة" خاطراً ولم تتدارك ولم تضمحل صارت شهوة. وإذا لم تتدارك الشهوة صارت طلباً. وإذا لم يتدارك الطلب صار عملاً فعلياً مُحققاً في الواقع الفعلي.

وسلطان الإيمان زاجرُ لكل هذا، وفوق هذا، إذا ما كان علو كل قلب على قدر إيمانه؛ لأن الإيمان في هذه الحالة هو هو "البصيرة القلبية" ذات القوة المانعة عن شرور الخواطر من جهة، ثم هو هو القوة الدافعة من جهة أخرى إلى خير الخواطر وتزكيتها بفضل الله.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: التنزيل الأخلاقي للأحكام الفقهية وقياس الأولى

الأخلاق ليست غباء ولاهي مركبة ومطية، ولا هي عائق وحائل بين مقتضيات السياسة والمجتمع ومطالب التقدم والازدهار وتحقيق الاستقرار.وإنما هي بناء وغذاء ودواء وشفاء، وفي غيابها لا يوجد سوى الداء، الداء الوبيل من جنس الطير الأبابيل. حيث التفتت والتشتت، والتنافر والتناقر، والجار والمجرور، والماكر والمغرور.

وتظهر قيمة الأخلاق أكثر عند وجود حدث عام ذي بال أو زلزال اقتصادي وأمني وسياسي، بل فكري أيضا، قد ينال من المجتمع ككل ويهز استقراره ويقظ مضجعه، فتتضارب حينذاك المصالح وتتناقص المنافع ويضيق الحال، ثم تبدأ النفوس بنفث ما بداخلها من دفائن وذخائر وستائر ونوايا، كل له مقام وما يحتويه من سقام...

ومن هنا فأخطر ميدان يمكن له أن يكون إما عاملا لترسيخ المبادئ، وعلى رأسها العدالة والصدق في التخطيط والتدبير، وإما مكرسا للاستغلال والأكل على جثث الأموات والمعطوبين والمصابين، هو ميدان التشريع، أو الفقه والقانون، أو الفلسفة السياسية والإدارية .فلنسم الأمر بما شئنا مادام هناك مبدأ لا مشاحة في الاصطلاح إذا عرف المعنى.

والفقه السليم هو العين الراصدة والرائدة والآخذة بناصية المجتمع ووجهته شرقا أو غربا، ولكن كماله يكمن في :" فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا".وقبلة المجتمعات والشعوب في باب العدالة والحكم هي تحقيق الاستقرار ودفع المشاق ورفع الحرج، والضرر يزال.. وهذه كلها قواعد فقهية متلازمة وذات أسس أخلاقية من النوع الرفيع.

إن هذا الربط بين الأخلاقيات والاجتماعيات مع القواعد الفقهية سنجده عند كثير من الفقهاء المسلمين الثائرين على الأرعنين من المستغلين والمميعين لمفهوم الدين ومقاصده السامية العالية. ومن بين هؤلاء كنموذج نجد أبا محمد علي بن حزم الأندلسي، الذي سيكرس هذا المعنى في دراساته الفقهية، وسينحو باجتهاداته إلى مسالك أخلاقية دقيقة، مستشهدا في ذلك، ابتداء وانتهاء، بالنصوص القرآنية والحديثية.

فإذا كان أصحاب الصناعات الخسيسة، في نظره، كأهل التعيش بالزمر وكنس الحشوش ..تتأثر نفوسهم بهذه المهن وتظهر عليهم أعراض الرذيلة بسببها فإنه سيأخذ هذا المبدأ ليبني عليه حكما فقهيا معطرا بأخلاقيات لائقة به، فيقول في موضوع النفقة على الأقارب:

"وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم:عقوق الوالدين من الكبائر، وليس في العقوق أكثر من أن يكون الابن غنيا ذا حال ويترك أباه أو جده يكنس الكنف و يسوس الدواب ويكنس الزبل أو يحجم أو يغسل الثياب للناس أو يوقد في الحمام ويدع أمه أو جدته تخدم الناس وتسقي الماء في الطرق!فما خفض لهما جناح الذل من الرحمة من فعل ذلك بلا شك، وقال تعالى:"وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم"...."[1].

وحينما يتحدث عن المهن، فليس معناه انتقاص لقيمتها، ولكنه تعبير عن حقيقة نفسية لا يمكن نكرانها، وهو ذلك الانعكاس الذي يقع على النفوس بسببها، والذي هو في حد ذاته من مولدات الرؤية الاجتماعية التي تعمل على تكريس الطبقية بحسب المهن في حد ذاتها لا بمجهود الممتهن ووظيفته ومردوديته...

هكذا إذن سيحاول ابن حزم الربط بين المبادئ الملتزمة ونتائج الملاحظات المباشرة، ساعيا في آن واحد إلى الإصلاح الاجتماعي، عن طريق إبراز تلك المبادئ على المستوى الفقهي والقضائي لتحقيق الفضيلة، كنتيجة تربوية وإلزام قضائي، إذا اقتضى الحال فقد تتدخل السلطة لتحقيق هذه المبادئ الخلقية، والتي صيغت عن طريق وضع اللمسات على مكامن الأدواء والأمراض التي توجد في تجاعيد المجتمع وحناياه ومداخله الأسرية الدقيقة.

ثانيا: التوافق الشرعي والفلسفي حول الخلق الاجتماعي

إن هذا الاتجاه المنهجي في دراسته الأخلاقية ذات المعتمد الاجتماعي لا يمكن أن يفهم بما دأبت عليه المدارس الاجتماعية الحديثة التي تريد أن تجعل من المبادئ الأخلاقية انعكاسا لما درجت عليه المجتمعات.

لأن هذا قد يعني أن علم الأخلاق مجرد مواضعة وعرف اجتماعي، وبالتالي حصر مبادئه في وقائع آلية صدرت من مجتمعات معينة على مر الزمان حتى أمكن جمع هذه المبادئ الخلقية التي يكاد يجمع عليها أغلب العقلاء من الناس.

فقد كان من أهم من تزعم هذا الاتجاه في تفسير أصل الأخلاق بهذا المفهوم أصحاب المدارس الاجتماعية على رأسهم دوركهايم وتلميذه ليفي بروهل[2] .

فالأخلاق عند هؤلاء تعتبر تتويجا لعلم الاجتماع، وهذا يستند إلى مفهوم مفاده أن"ما هو أخلاقي معطى أوليا سبق وجوده كل مناقشة نظرية ...ويكتمل هذا المفهوم بالفكرة النسبية القائلة بأن هذا المعطى يتفق مع عصر ومجتمع معينين[3].

إن هذه الاتجاهات الحديثة التي تبني أخلاقها على معطيات اجتماعية لا تقدم لنا حلا واضحا للمشكلة الخلقية، إذ اعتبار الشيء فضيلة أو رذيلة ليس رهينا بالوقائع والأحداث، وإنما هو تصور أولي قد يكون حدسيا ودون وسائط ومقدمات منطقية أو تجارب عملية على مستوى اجتماعي.

فلولا استشعار الإنسان ابتداء للقوانين الأخلاقية لما تم له الاتصال بأخيه ومعاشرته والتودد إليه وبناء هذا المجتمع، الذي أصبح حقلا تجريبيا لتلك المبادئ الأخلاقية الدقيقة في أعماقه النفسية.

فالأخلاق أصلها عطاء من الله تعالى، وهي شيء ضروري لاستمرار الحياة الاجتماعية، وليس أن هذه الأخيرة مصدر الأخلاق من حيث الابتداء، وإن كانت تساهم في تطويرها شكلا وعادات وتقاليد.

إذ لولا وجود خلق معين عند الإنسان الأول يربطه بأخيه ويصله به لما تم له تعاون معه أبدا، وإن أردنا القول فالأخلاق فرع من اللغة الإنسانية العامة التي يتم بواسطتها التعايش والتعامل الإنساني البناء وهو ما يراه ابن حزم مبدئيا كما سنراه بالتفصيل[4].

ثم؛إذا كان للفلسفة من هدف في دراستها فليس ذلك إلا محاولة موافقة الشرائع التي أرسل الله بها الأنبياء ولتعليم الناس الفضائل وتحذيرهم من الرذائل.

فالفلسفة تبع للشريعة "والغرض المقصود نحوه بعلمها ليس هو شيء غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن السياسة للمنزل والرعية وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة..."[5].

من هذه المفاهيم يتضح أن المرمى الذي يقصده في قياسه للأخلاق بالأوضاع الاجتماعية يختلف جوهريا عن المفاهيم الحديثة، التي تريد أن تبني الأخلاق على علم الاجتماع .

إذ أنه يرى أن الأخلاق موجودة قبل وجود الأنماط الاجتماعية المختلفة الاتجاهات، فهي تعليم من الله سبحانه وتعالى منذ الابتداء كجنس واستعداد كلي، وهي مواهب وليست مكاسب ذاتية حينما تكتمل في شخص ما.

إذ ليس كل من يلاحظ مسارا اجتماعيا معينا يتولد لديه شعور أخلاقي ونمط سلوكي معين كما يقول:

"وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه لكنه قليل جدا، ورأيت من طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السريرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، فعلمت أنها مواهب وحرمان من الله تعالى"[6] .

باختصار؛ فإن نظرته الأخلاقية وعلاقتها بالاجتماع البشري هي من باب التفاعل الحاصل بين الوازع الداخلي والمجابهة الخارجية وحدوث انعكاسات هذه الأخيرة على المسار السليم للأولى.

من هنا فسينتقل الإنسان من ميدان الفضيلة إلى مستنقع الرذيلة، وليس أن أصل الأخلاق هو المظاهر الخارجية للمجتمعات التي تشكلها حسب اتجاهاتها ونشاطاتها العملية على غرار ما ذهب إليه علماء الاجتماع المحدثين -كما رأينا-لأن الأخلاق عند ابن حزم وعند المسلمين شيء ثابت قد يمكن البرهنة عليه من عدة وجوه.

بهذا فإن كتاب "الأخلاق والسير" يكون قد ضم ملخص اتجاهاته الاجتماعية وارتبط عضويا بسائر مؤلفاته الأخرى، سواء النفسية أو التاريخية الاجتماعية وأيضا ما يتعلق بالفقه والسيرة النبوية بالدرجة الأولى، فجاءت دراسته في صورة أخلاقية متميزة ومتخصصة وهادفة كما رأينا بعض جوانبها.فهل لنا من وقفة عامة لمراجعة القوانين والفتاوى والقرارات الإدارية على أسس أخلاقية عادلة ومطالب اجتماعية ضرورية وموضوعية حتى نفتخر بما حققناه وما قد نحققه؟...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1]ابن حزم: المحلى، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ج10ص1008

[2] عبد الرحمن بدوي: الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات، الكويت ط1ص39

[3]فرانسوا غريغورا: المذاهب الأخلاقية الكبرى ص109

[4] ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام، مطبعة السعادة مصر ط1-1345ص31

[5]ا بن حزم: الفصل...ج1ص94

[6] ابن حزم: الأخلاق والسير ص 25

 

ميثم الجنابي"ليس يحسن عصى موسى وسحرة فرعون إلا دون ما تحسنه القيان" (الجاحظ)

توطئة: يعادل معنى القيان والغواني معنى الممثلة والراقصة والمغنية في ظروفنا وحياتنا المعاصرة. وقد كانت هذه الشخصية الثقافية وإبداعها الفني الطريق الذي دخلت فيه المرأة آنذاك في منافسة الرجل والتفوق عليه أحيانا. ففي مجرى تطور الثقافة عادة ما تضعف قيم الماضي للبطولة والخطابة والمواقف العملية، لكنها تستعيد ذلك من خلال الفن بمختلف أصنافه. كما نعثر في هذه الظاهرة أيضا، من الناحية الثقافية، على احد أنماط الفن والإبداع الفني. فكلما يتوسع مدى الثقافة في الآفاق والأنفس، كلما تلاقى وتتمازج متطلبات الروح والجسد، وتجعله أكثر تناسقا وجمالا أحيانا، وأشد قبحا ورذيلة أحيانا أخرى. فالفن كالحياة. من ثم يحتوي على كافة المتناقضات، بوصفه طريق وأسلوب الإبداع وتصنيع الجمال. وكلما تنحط الثقافة وتعود إلى قاع الحس البدائي، فإنها تترسب بهيئة قوالب أفضلها أرذلها! ومن الممكن الاتيان هنا بإحدى النكت الواقعية، عندما جاءت جوقة فنية من المغنيين والراقصين (غواني وقيان الماضي) إلى العراق. وحالما جرى تسجيل معلومات الدخول، أجابت احدى المشاركات على السؤال المتعلق بالمهنة بكلمة "راقصة". فاستغرب الرجل هذه المهنة ولم يعرف كيف يضعها ضمن سياق الاستمارات الشكلية. عندها استفسر من الضابط عن معناها وكيفية كتابتها، فأجابه الضابط: اكتب قحبة! أي عاهرة. مع إن كلمة القحبة (أو بصورة أدق القحباء) بالعربية لا تحتوي على هذه المعاني، بل تشير إلى نوع من النساء المتميزات بالعراك والمشاجرة والأصوات العالية، التي يطلق عليها بالعراقية الدارجة كلمة "امرأة بعارية". وهي حالة ثقافية مازال لها قوتها، رغم صعود نجومهن، ولكن في الأساس ضمن عالم القيان والغواني أيضا. بينما ما زالت المهن العلمية بعيدة المنال نسبيا. لكنها ظاهرة تاريخية يتوقف اضمحلالها أو توسعها على مدى ونوعية التطور الاجتماعي والثقافي بشكل عام والحرية الفردية والاجتماعية بشكل خاص.

وقد كان من الأولى أن اضع لهذا المقال عنوان (الجاحظ وعوالم النسوان والوجدان). لكن بما انني بدأت قبل سنوات بكتابة كتاب تحت نفس هذا العنوان (نسوان ووجدان)، ثم توقفت عنه، وبقي مجرد فصول لم تكتمل. وقد لا تكتمل بسبب الذوق العربي المعاصر الذي لا يتقبل ما فيه، لأنه يضع كل ما فيه على مبضع المواجهة الحقيقة مع النفس. ومن ثم تحرجه بأقسى أنواع التعرية الذاتية وتضعه أمام أدق وأحرج معايير الإخلاص والبوح بالنفس وما فيها بوصفها تجارب حية، مهمتها توسيع وترسيخ الحرية، باعتبارها القيمة العليا وجوهر الوجود الإنساني. فالحرية السائدة في الوعي العربي الحديث والمعاصر تبقى مجرد غلاف وألفاظ، بينما الحرية الحقيقة تفترض إلقاء كل ما في الإنسان وعليه والوقوف أمام المطلق وهوته غير المتناهية في النفس. فالبصيص الوحيد للحرية في الكينونة العربية المعاصرة وأفرادها عادة ما يبرز بخجل ووجل من وراء خبايا الجسد. في حين أن الحرية تفترض "تعرية" كل ما في الوجود ووضعه على لهيب الابتلاء الفردي والاجتماعي والقومي، فبدونه لا حرية متكاملة بمعايير تجاربها الذاتية. لأن الحرية هي بلاء وابتلاء، اي الصيغة الأجمل والأعمق للإبداع الإنساني. وحالما يجري تذوقها بمعاييرها عندها تتساقط حراشف الوجود الخشنة وقيمه الغبية أمام نار المصير بوصفه نورا متوهجة، وشعلة خفية تكمن وراء كل إبداع أصيل.

***

وقد كانت هذه الحرية العميقة للجاحظ، التي أرست المعتزلة أسسها العقلية، منذ أن رفعت مبدأ حرية الإرادة إلى مصاف المبدأ الجوهري في منظومتها الفكرية والعملية. فإبداع الجاحظ، شأن عيونه، ناتئة في ملامح إبداعه. وليس مصادفة أن تتخذ الفكرة عنده هيئة الوحدة الجذابة للبيان والوجدان والعقل الثقافي. فبيان الجاحظ هو على الدوام بلاغة الحرية وروحها الثقافي.

وأسس الجاحظ ودعم فكرة الحرية الفعلية للمرأة من خلال ربطها بفكرة الجميل والجمال. فهي القوة التي تضفى على كل ما في الوجود رونقه الخاص. ومن ثم يكون قد اسس لفكرة النافية عن المرأة بوصفها مادة للهو واللذة والبيع والشراء تحت اي مسمى كان. ووضع لهذه الفكرة اسسها المنهجية العقلية. بمعنى انه لم يتنظر اليبها بمعايير الخطابة والبيان، بل بمعايير العقل الثقافي. ومن ثم اسس للعلاقة العضوية بين الطبيعة والثقافة في كينونة المرأة التاريخية وقيمتها الروحية والجسدية والجمالية. وانطلق في منهجه هذا بالتوكيد على انه "ليس كل صامت عن حجته مبطلا في اعتقاده، ولا كل ناطق بها لا برهان له، محقا في انتحاله. والحاكم العدل من لم يعجل بفصل القضاء دون استقصاء حجج جميع الخصماء. ودون أن يجول القول فيمن حضر من الخصماء والاستماع منه، وأن تبلغ الحجة مداها في البيان. ويشرك القاضي الخصمين في فهم ما اختصما به"[1]. بمعنى، إن الحكم الجازم الصارم بصدد إشكالية المرأة الثقافية (الدينية والدنيوية، الأخلاقية والجسدية وغيرها) أيا كان صداه ومداه لا يعني شيئا بالنسبة للحقيقة، لكنه يعني الكثير بالنسبة لتربية الفهم الخاطئ والإفهام الخربة والمفاهيم المشوهة. مع ما يترتب عليها من أحكام اقل ما يقال فيها أنها مجافية للحقيقة ومعارضة للحق. من هنا أهمية البحث في المتضادات عن الوحدة الدفينة الكامنة التي تقف ما وراء أصوات الرجال الخشنة وولعهم بإتقان العبارة الرنانة عن الخشية والورع والحياء، بينما أعماقهم هي مزبلة الرذيلة. إذ لا حق هنا يتعدى أو يمكنه أن يكون فيصلا ما لم "تبلغ الحجة مداها في البيان"، أي أن تكون جلية للروح والعقل والجسد. فالحق مكين بظهوره، كما يقول الجاحظ. ومن ثم فهو "مبين عن نفسه، مستغن عن أن يستدل عليه بغيره". فالحق الجلي بمعايير الحقيقة كاف بذاته. ولا يحتاج إلى غيره. وهي فكرة كانت تحتوي في أعماقها على ضرورة الرجوع، كما هو شأنه في كل المواقف والأحكام، إلى العقل ووضع نتائجه على محك التاريخ الواقعي. ومن ثم عرض كل ذلك بمعايير البيان والبلاغة والجمال. من هنا استنتاجه القائل، بأنه يمكن الاستدلال بالظاهر على الباطن والجوهر بالعرض، غير انه لا معنى للاستدلال بباطن على ظاهر[2].

لقد أراد الجاحظ القول، بأنه لا معنى بالاستدلال بما هو ثانوي وجزئي على ما هو جوهري وكلي. والقضية هنا ليست في أن هذا النوع من الاستدلال يتعارض مع ابسط قواعد المنطق، بل ويتعارض مع طبيعة الأشياء نفسها. وهي الحصيلة التي وضعها في قاعدة منهجية عميقة تقول، بأن، "الفروع لا محالة راجعة إلى أصولها. وأمور العالم ممزوجة بالمشاكلة، ومتفرّدة بالمضادة، وبعضها علة لبعض... وكل ما في الوجود خول ومتاع إلى حين. إلا أن أقرب ما سّخر له من روحه وألطفه عند نفسه الأنثى[3]". بعبارة اخرى، إن الوحدة القائمة في وجود الأشياء كلها، هي الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه بغض النظر عما يعترضها وفيها من مشاكلة وتفرّد. وذلك لأنها كلها علة لغيرها. إذ كل ما في الوجود هو خول، أي تخويل للإنسان ومتاع، أي غذاء وجوده المادي ومتعته الروحية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة العامة والمجردة لوحدة المادي والروحي فيه. وبالنسبة للرجل ليس هذا الأصل والمتاع والمتعة سوى المرأة. فهي الكيان الذي يحتوي على متضادات الوجود كالحياة نفسها.

وقد كانت هذه الفكرة في رؤية الجاحظ تمثل ما يمكن دعوته بمحاولته الكشف عن وحدة الطبيعة والثقافة في المرأة وصيرورتها التاريخية. ومن ثم إخراجها عن اطار وقيود العادات والتقاليد "المقدسة". من هنا قوله، على سبيل المثال، بأنه لولا المحنة والبلوى في تحريم ما حرّم وتحليل ما احّل، لم يكن أحد أحق بواحدة منهن من الآخر....كما ليس بعض السوام (الماشية والإبل الراعية) احق برعي مواقع السحاب من بعض، ولكان الأمر كما قالت المجوس إن للرجل الأقرب فالأقرب إليه رحما وسببا منهن"[4]. لكن الجاحظ لم يسع من وراء ذلك إلى إرجاع العلاقة بالمرأة إلى مستوى الطبيعة البدائية أو الغريزية البحت، بل سعى لوضعها ضمن سياق الرؤية العقلانية العاملة بمعايير القواعد والقيم المتسامية، أي ما اطلقت عليه عبارة البحث عن تناسق الطبيعة والثقافة في الرؤية والمواقف من المرأة. من هنا فكرته عن أن الحلال هو كل ما لم يحرّمه القرآن و"ليس عل استقباح الناس واستحسانهم"[5]. ولم يسع الجاحظ من وراء ذلك إلى الاباحية والعدمية والتسيب والفوضى، بقدر ما أراد إنقاذ الفكرة الجوهرية من العوارض المختلفة والعندية في الأحكام عبر إرجاعها إلى صيغة أوسع وأعمق وأكثر رحابة للحرية. ومن ثم الوقوف ضد كل ما تراكم من أحكام وتصورات لا علاقة لها بما لم يجر تحريمه. والتحريم بالنسبة له الصيغة المتسامية لتوليف الرؤية الأخلاقية والحقوقية. من هنا قوله "لولا وقوع التحريم لزالت الغيرة"[6]. وبالتالي، فإن الغيرة بالنسبة له هي ليست ردود فعل الغريزة والجسد المنهك بالقيم الميتة والأعراف القاتلة، بل هي القوة المنّسقة لمتطلبات الروح والجسد. من هنا وضعه احدى الأفكار الإنسانية العميقة القائلة بوجوب إرساء أسس العلاقة بالنساء على وحدة المودة والرحمة والاحترام فيها.

وقد توصل الجاحظ إلى هذه الفكرة المتسامية بمعايير الروح الإنساني وفكرة الحرية من خلال تحليل وربط مكونات الطبيعة والتاريخ والإبداع الثقافي في كل واحد. فعندما تناول، على سبيل المثال، قضية الحجاب، فإنه بدأ من تاريخ العرب قبل الإسلام، حيث لم يكن بين الرجال والنساء حجاب. بل إن العرب كانت تحب المحاورة والغزل. لهذا قالوا عن الرجل انه زير نساء وذلك لكثرة الزيارة مع الأهل. كما نعثر على احد ونماذج هذه العلاقة المتسامية والجميلة على مثال جميل بثينة. فعلى الرغم من أنها زوجة رجل آخر، لكنه كان يعشقها، دون أن يرغب بالنوم معها، وهي كذلك مع علم زوجها. بينما لم تظهر فكرة الحجاب إلا زمن الإسلام. لكنها علاقة مخصوصة وليست عامة. فقد ضرب الحجاب على نساء النبي. بينما كانت الشرائف من النساء يقعدن للرجال للحديث. ولم يكن نظر بعضهم إلى بعض عارا في الجاهلية ولا حراما في الإسلام، كما يقول الجاحظ[7].

بل إن حرية العلاقة بين الرجال والنساء قبل الإسلام كانت تسم بقدر كبير من التوسع المبني على أساس تقييم المرأة ومحبتها. وقد اورد الجاحظ القصة المتعلقة بضباعة زوجة عبد الله بن جدعان. فقد كان زوجها كبير السن. وعندما طلب منها هشام بن المغيرة أن تطلّقه ليتزوجها، اشترط عليه زوجها نحر مائة من الإبل وأن تطوف في الكعبة عريانة. ووافق هشام على شروطه. فنحر الإبل وسمح لها بالطواف عارية. وكانت من جميلات العرب. كما ينقل لنا الجاحظ صورا عن حياة الخلفاء الأوائل أمثال عمر بن الخطاب وكذلك شخصيات أسلامية كبرى ومشهورة للبرهنة على صحة فكرته المتعلقة بالدفاع عن المرأة وحريتها. انه حاول البرهنة على بطلان "ما روت الحشوية من أن النظر الأول حلال والثاني حرام"، انطلاقا من أنه لا يكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر.[8]. أما معاوية بن ابي سفيان فقد كان يتعامل مع احدى الجواري بالطريقة التالية: يعريها في المجلس بحضرة جلسائه، ويضع القضيب على ركبتها ثم يقول انه متاع لو وجد متاعا. ثم يقول لأحدهم "خذها لبعض ولدك، فإنها لا تحلّ ليزيد، بعد أن فعلت بها ما فعلت"[9]. بل أن تقاليد العرب المسلمين كانت إلى جانب تنّقل المرأة بين الرجال في حال رغبة الرجال بها ويريدونها. ولا يمنعها من ذلك سوى موتها[10]. بمعنى، إن للمرأة حرية الزواج والطلاق والعيش مع مختلف الرجال كيف وكم تريد. ولا يقطعها عن ذلك سوى الموت. وما عدا ذلك من مواقف تجاهها فهي نتاج غيرة مفرطة. من هنا حكمه القائل، بأنه "إذا جاوزت الغيرة ما حرّم الله فهو باطل". وانه لا حرمة في بروز المرأة للرجال. وذلك لأن فكرة الحرام هي "امر افرط فيه المتعدون حد الغيرة إلى سوء الخلق وضيق الطعن، فصار عندهم كالحق الواجب"[11].

وقد كانت هذه الحصيلة المقدمة النظرية لإبراز قيمة وأهمية الغواني والقيان، بوصفهن نساء الروح الجميل. فقد اعتبر الجاحظ الجميل كل ما هو تام ومعتدل. بمعنى انه جعل من التمام والاعتدال معيار الجميل الجمال. ومن ثم اعتبر "كل ما خرج عن الحد في خَلْقٍ او خُلْقٍ حتى في الدين والحكمة فهو قبيح مذموم"[12]. والسماع والاستماع والتلذذ بالجميل والجمال امر لا غبار عليه. بل على العكس. انه ضرورة للروح والجسد والتناسق والعقل والوجدان. من هنا تأييده للفكرة القائلة بضرورة وحلاوة سماع القيان ولمسهن. بينما اعتبر ما هو شائع من الأحاديث "النبوية" مثل "فرقوا بين أنفاس الرجال والنساء" والدعوة "لعدم الخلو فيما بينهما"، مجرد أحكام مبنية على ظاهر الأمور. فالله، كما يقول الجاحظ، لم يكلف الإنسان الحكم على الباطن والعمل على النيات، بل اكتفى بالظاهر. لهذا يقضى للرجل بالإسلام بما يظهر منه ولعله ملحد فيه. بل انه دفع هذه الفكرة صوب مداها الأقصى، عندما اعتبر شراء القيان ودفع اثمانهن هو شكل من أشكال التعويض المادي عن الحب والعشق (المفقود). الأمر الذي يعطي للقيان بعدا روحيا جماليا بما في ذلك حال سقوطه في أوحال البيع الشراء، تماما كما تنقذ الأزهار الطافحة على سطوح المستنقعات روائحه الكريهة بسبب اثارتها اهتمام النظر بألوانها ورونقها. فالقيان تنقذ عفونة الرجال ومستنقعات الجهل والغيرة البدائية عبر تصويب ما فيهما صوب ألوان وأنغام العشق والغرام. وهو الشيء الذي يثير الفرح ويجعله طاغيا بالشكل الذي يؤدي، كما يقول الجاحظ، إلى اندحار الشيطان[13]. وهو استنتاج يرتقي إلى مصاف الفكرة الدقيقة والعميقة. والقضية هنا ليست فقط في وقوفها ضد ما هو راكد في قاع الوعي التقليدي وقيمه ومعاييره وأذواقه، بل وفي نفي الرذيلة المغلّفة بغباء المواقف وحشو الرؤية العقائدية. فالشيطان هنا هو ليس فقط وسواس بل وسلوك الرذيلة. وكل ما هو علني وبالضد منه فهو تذليل لماهية الشيطان.

إن نقل عوالم الحس والذوق الباطنية صوب الظاهر والمظاهر هو الأسلوب الذي يطهرهما من رجس الشيطان! فهو الانتقال الذي يجعل من العشق والحب والغرام أسلوب الوصول إلى تذوق الجمال الحقيقي. فالعشق، حسب تحديد الجاحظ هو داء يصيب الروح. وانه يتركب من الحب والهوى والمشاكلة والألفة. له ابتداء ووقوف على غاية وهبوط. بمعنى انه متحول متغير. بينما الحب هو ابتداء العشق ثم يتبعه الهوى. وقد يلتقيا أو يفترقا. و"هذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور"، كما يقول الجاحظ[14]. وبالتالي، فإن العشق أعلى من الحب. ولا يحدث إلا بمناسبة بينهما (بالطبيعة والمشاكلة) كالمتثائب مع المتثائب والنائم مع المنعسات.

وضع الجاحظ هذه المقدمة في اساس موقفه من القيان والدفاع عنهن بمعايير العقل والروح والجسد والثقافة والفكرة الجمالية. إذ وقف من حيث الجوهر بالضد من الفكرة القائلة، بأن "من الآفة عشق القيان". كما وقف بالضد من الأحكام النمطية عما يسمى بنصبها الشراك للمؤمنين وأمور أُخرى وأَخرى، مثل الفكرة القائلة، بأن القيان تلهي عن ذكر الله. بينما اعتبر الجاحظ، انه يمكن أن يكون كل ما في الوجود مله كالأكل والشرب والجماع[15]. ذلك يعني، أن مساعي الجاحظ في تتبع مظاهر وباطن القيان هو الأسلوب الذي يمكن من خلال رؤية ما بين سطور كتابه وغايته عما يمكن دعوته بقوة القيان الروحية[16].  واستمد هذه الحصيلة من تحليل حقيقة القيان نفسها. وتوصل إلى أنهن "يتصفن بكثرة الفضائل وسكون النفوس اليهن، لأنهن يجمعن كل ملذات الوجود"[17]. والسبب يقوم في أن القيان تؤدي في وحدتها كل ما في الحواس، بحيث يتسابق السمع والبصر واللمس في نقل مواردهم للقلب. بل نرى الجاحظ يرفع هذه القضية إلى مصاف القضايا الفكرية الفلسفية عندما شدد على أن ما يبدو في مظاهر القيان من أمور فاحشة، هي في الواقع على خلاف ذلك. والسبب يكمن في وحدة كيانها الذاتي وكينونتها في العلم والعمل. فهي في عملها لا تستطيع الغفلة حتى في حال رغبتها بذلك، شأن كل مبدع كبير. وذلك لأنها "مضطرة إلى ذلك في صناعتها"، كما يقول الجاحظ. فحتى لو أرادت الهوى، فإنها لا تستطيع اليه. بل لو رغبت بالغفلة لم تقدر عليها، وذلك لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها مشغول بما هي فيه وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها[18].

من هنا مفارقة الفكرة التي يبلورها الجاحظ بهذا الصدد والقائلة، بأنه "لو لم يكن لإبليس شرك يقتل به، ولا علم يدعو إليه، ولا فتنة يستهوي بها إلا القيان لكفاه. وليس هذا بذم لهن، ولكن من فرط المدح". إذ جاء في الأثر "خير نسائكم السواحر الخلابات". واختتمها بفكرة تجمع في ذاتها كل ما أراد قوله بهذا الصدد، والقائلة، بأن كل ما بلورته الأديان عن نماذج تثير القلق والولع والإعجاب والانبهار في ازدهار الرؤية والخيال تبدو قليلة مقارنة بما عند القيان. فقد نظر الجاحظ إلى عصى موسى وسحرة فرعون، أي نماذج السحر الباهر على أنها أشياء زهيدة بما عند القيان، أو حسب عبارته، إن كل هذه الأشياء "دون ما تحسنه القيان"[19]. وبالتالي، فإن ما يسمى اغرائها عن الدين فهو بفعل المنشأ والعمل والوظيفة. وفي الحصيلة نستطيع استشفاف الفكرة والمواقف الكامنة في فلسفة الجاحظ بصدد حرية المرأة وأثرها ودورها في ابداع الجميل، والتي تعلو على كل ما في الأساطير والحكايات المقدسة والمدنسة، تماما كما يتلاشى غبار الهذيان الديني والدنيوي تحت أقدام القيان!

***

ميثم الجنابي

..................................

[1]  الجاحظ: رسالة القيان، ضمن كتاب (ثلاث رسائل للجاحظ،، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344 للهجرة، تحقيق ونشر يوشع فنكل)، ص53-54.

[2]  الجاحظ: رسالة القيان، ص54.

[3]  الجاحظ: رسالة القيان، ص55.

[4]  الجاحظ: رسالة القيان، ص55.

[5]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56.

[6]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56.

[7]  الجاحظ: رسالة القيان، ص56-57.

[8]  الجاحظ: رسالة القيان، ص59.

[9]  الجاحظ: رسالة القيان، ص60.

[10]  الجاحظ: رسالة القيان، ص61.

[11]  الجاحظ: رسالة القيان، ص61.

[12]  الجاحظ: رسالة القيان، ص64.

[13]  الجاحظ: رسالة القيان، ص66.

[14] الجاحظ: رسالة القيان،ص67.

[15]  الجاحظ: رسالة القيان، ص63.

[16]  الجاحظ: رسالة القيان، ص69-70.

[17]  الجاحظ: رسالة القيان، ص69.

[18]  الجاحظ: رسالة القيان، ص73.

[19]  الجاحظ: رسالة القيان، ص72.

 

ميثم الجنابيإن نقد الدين والأديان في الاطار العام، وعلى امتداد التاريخ الثقافي للأمم، هو جزء من صيرورة الروح العقلي والنزعة الإنسانية ووهج الحرية الفعلية. فنقد الدين يبحث في الأغلب عن صيغة عقلية لفهم النفس والواقع، بينما نقد الأديان هو الصيغة التاريخية الثقافية لنزوع الفكر الحر في تأمل إشكاليات الوجود كما هي، إضافة إلى خوض المعارك الفكرية في مواجهة الخلل الواقعي أو المحتمل أو المختلق، بوصفها أجزاء من تاريخ الثقافة.

فارتقاء الدين إلى مصاف المقدس هو النتاج الذي يلازم انتصاره وتحوله إلى عقيدة شاملة للروح والجسد، وأيديولوجية "متسامية" للدولة. وما عدا ذلك أو قبله هو مجرد أساطير وحكايات وخرافات وأحكام واقعية وقيم أخلاقية تناسب تاريخها الذاتي. وبالتالي، فإن لنقد الدين منطقه الذاتي في الفكرة المنطقية العلمية نفسها، بينما يتمثل نقد الأديان الحالة التاريخية الثقافية. بمعنى، إن لكل مرحلة تاريخية ثقافية خصوصيتها في نقد الدين والأديان. لكنها بمجموعها تمثل وتتمثل مسار العقل النقدي بشكل عام والنظري منه بشكل خاص. وهو امر جلي حالما نتأمل هذه الظاهرة على مثال تاريخ الثقافات والإمبراطوريات والحضارات الكبرى، سواء ما يتعلق منها بالمرحلة الثقافية – الدينية أو المرحلة الدينية - السياسية في المسار التاريخي للأمم.

واكتفي هنا بتناول هذه الظاهرة ضمن مسار المرحلة الدينية - السياسية، أي تلك التي تتبلور فيها العقائد الدينية بهيئة مرجعيات ثقافية كبرى وفعالة في كل مسام الوجود الفردي والاجتماعي، وكذلك في تراكم التجارب الثقافية للأمة والدولة. الأمر الذي حدد بالضرورة طبيعة وأبعاد وأساليب وأدوات وصيغ النقد الفكري للدين والأديان. إذ عادة ما يتحول نقد الدين في هذه المرحلة (التي عاش فيها الجاحظ وأبدع نتاجه الفكري) إلى جزء من المعترك الأيديولوجي والعقائدي للفِرَق. بمعنى انه يتخذ في الأغلب صيغة الاتهام العقائدي والسياسي. من هنا هيمنة مفاهيم الكافر والملحد والمشرك والمعطل والمنافق والفاسق وكثير غيرها.

لهذا اتخذ نقد الدين بالمعنى الدقيق للكلمة منظوماته وأساليبه ومفاهيمه وقيمه ومواقفه الخاصة في عالم الإسلام[1]. بمعنى إن له تقاليده الخاصة. لقد سار ضمن سياق نقد الدين المزيف بمختلف أشكاله ومستوياته، بما في ذلك في تلك الحالات التي يجري اتهام الخصوم بالإلحاد وما شابه ذلك. فهي اتهامات عقائدية أكثر مما هي نقد لنقد الدين الواقعي. وهي الصفة التي ميزت في عالم الإسلام ثقافة وعقائد ومواقف ما يسمى بتيار "اهل السنّة الجماعة"، أي ذلك التيار الذي تشبع منذ البداية بتأييد الخروج الفعلي على الإسلام المحمدي كما وجد تعبير الأولي شبه التام في التيار الأموي (القرشي- المرواني). فهو صاحب ومنتج الفكرة الجبرية والحشوية بمعناهما العقائدي الديني والسياسي. بل ووجد ذلك تعبيره حتى في مناهج الموسوعات الدينية والفلسفية (علم المِلَل والنِّحل)[2]. فإذا كانت مهمة هذا الفن العلمي تقوم في استعراض وتحليل وتنظيم الأفكار والمبادئ الكبرى العامة والخاصة للفِرق الدينية والمدارس الفلسفية، فإن التيار "السنّي" ظل "أمينا" للتحجر الفكري والعقائدي ضمن تقاليد الاتهام والتجريم والتحريم، كما نراها على سبيل المثال عند عبد القاهر البغدادي بشكل تام وجزئيا عند ابن حزم الأندلسي. مع إن الخلاف بينهما يبقى كبيرا. بفعل عقائدية الأول وفلسفية الثاني.

وعموما يمكننا الحديث في الاطار العام عن ثلاثة مواقف من الدين والنقد الديني، كما تبلورت في الثقافة الإسلامية. الأول وهو المبني على أساس التقييم الديني واللاهوتي العقائدي، والثاني المبني على أساس الفكر الحر، والثالث هو ذاك الذي بنى مواقفه وتقييمه على اساس التجارب الروحية المتسامية (التصوف). وكانت التيارات السلفية والعقائدية الجازمة هي من يمثل النمط الاول. بينما كان المعتزلة الممثل الأكبر والأعمق والأكثر تجانسا للموقف الثاني. وليس مصادفة أن يتعرضوا على امتداد التاريخ الإسلامي، باستثناء مرحلة الازدهار الأكبر للحضارة الإسلامية بتأييد السلطة واحتضانهما المتبادل زمن المأمون وخلفاءه القلة. الأمر الذي يفسر أسباب تعرضهم الدائم لاتهامات السلفيات المتنوعة ووضعهم ضمن قائمة الكفر!

بينما كان جوهر هذه القضية في الواقع، ومن حيث مقدماتها ونتائجها وسريانها في الثقافة الإسلامية نتاج الموقف من إشكالية العقل والإيمان، أو العقل والنقل، أو الفلسفة والدين (الشريعة). وإذا كان نمط العلاقة بين الفلسفة والشريعة أو الفلسفة والدين أكثر تلازما مع الفكر الفلسفي الإسلامي الكلاسيكي، فإن جميع مظاهر هذه الإشكالية كانت تلازم أيضا الفكرة المعتزلية. وهو امر لم يكن معزولا عن دورهم الأولي والتاريخي السبّاق لمن غيرهم في دمج الفكر الفلسفي وتقاليده المنطقية والعلمية في مبدأ العقل وأهميته الكبرى بالنسبة لإدراك الوجود والعمل ضمن سياقه. والسبب يقوم في أن كل ذلك كان جزءا من تقاليد علم الكلام والعلوم الإسلامية ككل. من هنا الدور التاريخي الفعال للمعتزلة في بلورة المعنى العقلي والنزوع العقلاني للثقافة الإسلامية. ومن ثم تحولها إلى ممثلة الفكر الحر وحاملة الفكرة العقلية الحرة.

أما الاتهام العام من جانب التيارات غير العقلانية والسلفية المتحجرة والمختبئة في قاع التقليد، فإنها عادة ما تنظر إلى اغلب ما كتبه الجاحظ على انه "خروجا" على الإسلام وانتهاكا لحرمته ونفيا لما فيه. وهو كلام سليم حالما يجرى وضعه ضمن سياقه السليم. بمعنى انه يخرج على ما هو مألوف من محرمات الرؤية المتحجرة بقواعد العقائد السلفية. لكننا حالما ننظر إلى ما في مؤلفاته من مفاهيم وقيم بمعايير الرؤية الثقافية وتطورها الدرامي أيضا، فإنها تتجلى بوصفها شكلا من أشكال حرية الفكر والفكر الحر والعقلانية الباحثة عن يقين ما وراء ومن خلال الشكوك والنقد المتفحص لكل ما هو مزيف. من هنا يمكن فهم مضمون الانتقاد والهجوم العلني والمستتر الذي اشار إليه ابن قتيبة في (مختلف الحديث) عن أن الجاحظ عادة ما يقصد بكتبه "للمضاحيك والعبث". وهي الصيغة التي تكشف عن انه لا يفهم ولا يتذوق معنى النقد الساخر.

فالجاحظ هو الشخصية الأدبية الأولى الكبرى في تاريخ الثقافة الإسلامية التي أرست أسس النقد العلني والمستتر والساخر تجاه كل معالم العيب العقلي والجهل المعرفي وخزعبلات التدين المزيف والتقليد والحشوية. وينطبق هذا على ما يسمى باستهزائه بالأحاديث النبوية ما "لا تخفي على اهل العلم" مثل تفسيره سبب كون حجر الكعبة أسودا، انطلاقا من انه كان في بادئ الأمر أبيضا فسوّده المشركون، وكان يجب أن يبيّضه المسلمون حين أسلموا. بل واعتبروه "من أكذب الأمة" و"أوضعهم للحديث" و"أنصرهم للباطل". بينما في حقيقته هو من اكثر الشخصيات الفكرية الإسلامية الكبرى ائتمانا وصدقا للحق والحقيقة، وأكثرهم اهتماما بإشكاليات العقل وليس كل ما كان يحيط بالحديث من سفاهة وخرافة. وغير معروف عن أي باطل يجري الحديث؟ وعموما إن كل هذه الانتقادات ليست إلا اتهامات لأنها ليست مبنية على وقائع لا تقبل الشك، ولا على حقائق مبرهن عليها.

ومع ذلك فإن للجاحظ موقعه ورؤيته الخاصة في نقد الدين والأديان. وقد حقق في مواقفه بهذا الصدد مضمون الفكرة المعتزلية وجوهرية العقل في التعامل مع كل إشكاليات الفكر والوجود. وفقد كان مضمون وأسلوب فكرته بهذا الصدد يقوم في توليفه الأدبي للرؤية والمواقف المنطقية والنقدية واستكماله بتحقيق مهمات التنوير العقلي للفرد والجماعة والأمة. من هنا حصره لنقد الدين والاديان ضمن قضايا نقد مظاهر وأشكال الغلو الديني، والانغلاق العقائدي، والتحجر المعرفي، والارتزاق السياسي. بمعنى انه لم يواجه بالنقد مضمون الدين كما هو او كما فهمه هو، بل وجّه نقد صوب الاديان ومظاهرها الواقعية في العقائد والمعارف والسلوك والقيم.

فقد وضع موقفه النقدي من النصارى والنصرانية، واليهود واليهودية ضمن سياق الموقف الأيديولوجي والوجداني والأخلاقي والمعرفي. ومن ثم حرره من قيود وترهات المواقف الدينية الصرف واللاهوتية. لهذا نراه يستهلّ موقفه في الرد على آراء وأحكام النصارى من الإسلام والمسلمين من تحليل مقدمات، ومن ثم خصوصية العلاقة بين النصارى والمسلمين. انه يبدأ بتحليل العلاقة بينهما. ويعتبرها علاقة حميمة، اضافة الى ما فيها من حب المسلمين للنصارى على خلاف موقفهم من اليهود. وأن لهذا الحب مقدماته التاريخية والاجتماعية. ومن شأن الناس حب من اصطنع لها خيرا، كما يقول الجاحظ. ويقصد هو بذلك العلاقة التاريخية للعرب المسلمين الأوائل (المهاجرين) بنصارى الحبشة[3]. اضافة لذلك، جاء الإسلام وملوك العرب نصارى من غساسنة ومناذرة وكذلك في نجران. كما كان العرب قبل الإسلام يتعاملون في تجارتهم مع الشام والجنوب، وكلاهما نصارى وليس مع كسرى، كما يقول الجاحظ. كما أن النصرانية كانت منتشرة بين العرب وعليها غالبة، باستثناء مضر. فلم تغلب عليها لا اليهودية ولا المجوسية ولا النصرانية، باستثناء من كان يقال لهم العبّاد، أي أولئك الذين نزلوا الحيرة، كما يقول الجاحظ. الأمر الذي حدد طبيعة العلاقة الطيبة بالنصارى. وهذه بدورها نتاج وأثر القرابة أيضا. وأخير، انه كان بين النصارى العرب الكثير من المتكلمين والأطباء والحكماء والعقلاء، أو كما يقول الجاحظ. وبغض النظر عن انكماش النصارى إلا أن التزاوج مع المسلمين كان كبيرا، على عكس اليهود"، الذي أدى بهم الانغلاق على النفس، إلى ضعف عقولهم وأرواحهم. وهي "حالة نلاحظها في الخيل والإبل والحيوان ككل"، كما يقول الجاحظ[4]. إضافة لذلك، إن النصارى مع مرور الزمن اصبحوا كالمسلمين من حيث الملبس ونمط الحياة بل والأسماء والألقاب. إذ اخذت تنتشر بينهم اسماء الحسن والحسين والعباس، باستثناء محمد.

وطبق الموقف نفسه تجاه اليهود واليهودية. إذ لم تستطع اليهودية، على عكس او خلاف النصرانية، من الانتشار إلا في اليمن بين حمير ويثرب. إضافة لذلك انطلق الجاحظ هنا من الفكرة العامة بأن اليهود كانت تعيش مع العرب في الجزيرة. وعداوة الجيران اشبه بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد. وإنما يعادي الانسان من يعرف... وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد. من هنا بغض اليهود للعرب بعد ملاحظة قوتهم الجديدة بفضل الإسلام، كما يستنج الجاحظ.، على خلاف ما كان عليه الحال بالنسبة للنصارى.

لقد شكلت هذه الرؤية الاجتماعية التاريخية الثقافية عن الدين (النصرانية واليهودية) والأديان (النصارى واليهود) المقدمة النظرية لموقف من القضايا الفكرية والإيمانية الدينية التي شغلت حيزا من الجدل الفكري العارم آنذاك في مختلف ميادين الثقافة الإسلامية.

وقد انصب نقد الجاحظ للنصارى حول ما اسماه عدم فهمهم لمضمون الآيات القرآنية بمعايير الرؤية الاسلامية، وليس بمعايير ما هو متفق عليه أو سائد في الاعتقادات الدينية للنصارى. من هنا موقفه مما اسماه بالرؤية الوحيدة الجانب للنصارى في فهم مضمون الآيات القرآنية (المتعلقة بالنصارى والنصرانية، ولاحقا باليهود واليهودية)، وكيف "انهم بتبعون التناقض في احاديثنا، والضعيف بالإسناد من رواياتنا، ثم يخلون بالضعفاء"[5]. فالآية القرآنية القائلة:"لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا، ولتجد أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى". لا تقد ما يفهم النصارى اليوم. إذ لم يقصد القرآن،كما يقول الجاحظ، بذلك هؤلاء النصارى ولا اشباههم من الملكانية واليعقوبية، وإنما كان يعني بهم نماذج الرهبان الخلص[6]. والشيئ نفسه ينطبق على موقفهم من الآية القائلة "قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟". بينما النصارى تقول، بأنهم لم يدينوا قط بأن مريم إله في سرّهم، ولا ادعوا ذلك قط في علانيتهم. والقرآن يتحدث عن تكلم عيسى بالمهد. بينما تقول النصارى، بأنهم جميعا ومختلف فرقهم لم يقل احد بذلك وينطبق هذا على ما ورد في القرآن من قوله بقول اليهود، بأن عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، والله فقير وهم الاغنياء.

لقد وجد في اعتراضات النصارى اليهود على الآيات المتعلقة ببعض جوانب العقائد والمفاهيم اشياء لا علاقة صميمية لها بمضمون الآيات القرآنية. انطلاقا من أن القرآن يتناول هذه القضايا ضمن وحيه الذاتي وليس ضمن ما استتب في عرف الأديان الأخرى، بما في ذلك عن نفسها. وذلك لاختلاف النصارى واليهود إلى فِرق وشيع عديدة لكل منها "كتابها المقدس" وامتلاءها بالاختلافات الجلية والمستترة.

كل ذلك يوصلنا الى استنتاج يقوم في مساعي الجاحظ  للخروح من "مأزق" الصراع الفكري الديني استنادا إلى فكرة تأويل اللغة العربية. انه وضع القضية بالشكل التالي: انكم تسألوننا عن ديننا ونحن نجيب بما نحن أولى وأعرف به منكم. فالمقصود، على سبيل المثال، بالنفخ والروح هو ليس ما يقصده النصارى. فالروح والقدس يقصد فيه ايضا جبريل. الى جانب عيسى وآدم. كما سمي القرآن روحا (كذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا) و(نزل الملائكة والروح فيها). فالنفخ من وجوه والروح من وجوه. منها ما اضافه إلى نفسه ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. إنما يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور"[7].

وبالمقابل واجه الجاحظ بعض المفاهيم بالاستفسار والاستهجان، انطلاقا من مخالفتها للعقل والطبيعة والفطرة. بمعنى انه يضع اسئلته ويبلورها ضمن سياق الفكرة النقدية العقلية وليس الدينية. ومن بين الاسئلة التي وجها بهذا الصدد هو هل إن المسيح انسان بلا الوهية فيه؟ او انه إلها بلا انسان؟ او أن يكون إلها وإنسانا؟ فإن قالوا كان إلها بلا انسان قلنا لهم، ولكن اليس هو من كان صغيرا فشّب والتحى واخذ يأكل ويشرب وينجو ويبول وقتل بزعمكم؟ وإلا فما هو الانسان يا ترى غير مما جرت الاشارة اليه؟ ثم كيف يمكن أن يكون إلها بلا انسان وهو الموصوف بجميع صفات الإنسان؟ واستكمل ذلك بسؤال منطقي يقول، بأنه في حال زعم النصارى، بأنه لم ينقلب عن الإنسانية ولم يتحول عن جوهر البشرية، ولكن لمّا كان اللاهوت فيه لهذا صار قوة خالقة. من هنا اطلاق لفظة الإله عليه. عندها يظهر السؤال التالي المتعلق بماهية هذا اللاهوت. أكان فيه وفي غيره أم كان فيه دون غيره؟ فإن كان فيه وفي غيره فليس هو أولى بأن يكون خالقا ويسمى إلها من غيره. وإن كان فيه دون غيره فقد صار اللاهوت جسما. كل ذلك يشير إلى إننا نقف أمام استفسارات منطقية وعقلية خالصة لا علاقة بالرؤية العقائدية. بمعنى انه يبعدها عن أن تكون موضوعا للتأمل العقلي. اضافة لذلك، إن المعتقدات النصرانية عن المسيح هي ذاتها محل الخلاف بينهم من جهة، وعدم الاقرار بها من جانب الآخرين جميعا، من جهة أخرى. بمعنى انها لا تحتوي على ابسط مقادير المعقول في الموقف منها. فاليهود لا تعترف بمعجزات المسيح وتعتبرها غشا وخداعا. والمجوس لا تقر لعيسى بشيئ. والزرادشتيين أيضا، والهنود لا تقر لأي نبي بالعجزة. وفي الأناجيل اربعة تتعارض بينها وتختلف. واليهود المتنصرين هم القادة الروحيين للنصارى. وبالتالي فما هي الغرابة الممكنة لوضع كل ما يمكن وضعه وتحريفه[8]. والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة أو عقيدة الأب والابن. وقد أسس هنا الجاحظ موقفه الذي سيكرره لاحقا الفكر الإسلامي النقدي، أو على الأقل انه تغلغل في نسيج وعيه النقدي. وكتب الجاحظ بهذا الصدد يقول، بأنه لو صار عيسى ابنا لله لأنه خلقه من غير ذكر، فآدم وحواء أولى. وإذا كان المقصود رباه، فمن رباه هو حماد ابن موسى وداوود. ورباه بمعنى غذاه ورزقه واطعمه. وهو الشيئ الذي نلحظه عند جميع الناس[9].

غير أن الجاحظ يشير أيضا إلى أن بعض المتكلمين فسح المجال امام قبول هذه الصيغة المعنوية، انطلاقا من أن "ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية، أي لا على جهة الولادة واتخاذ المصاحبة. من هنا تجويز قول إن الله يقول "اسرائيل بكري"، و"اسرائيل بكري وبنوه أولادي". وإن الله قال لداوود سيولد لك غلام يسمى لي ابنا وأسمى له أبا. وفي الإنجيل نعثر على صيغة مماثلة: "أني أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم"[10]. وهو تخريج لا يعارض الجاحظ بمعايير اللغة والتأويل الغوي. من هنا فسحه المجال النسبي لهذا التفسير والتأويل اللغوي، رغم اشارته إلى ما اسماه "بسوء العبارة"، اضافة إلى سوء تأويل اصحاب الكتب وجهلهم مجازات الكلام. لكن هذا التجويز والتخريج يبقى في نهاية المطاف نتاجا للتقليد الأعمى[11]. كما لا يمكن تفسير ذلك على اساس المصلحة و"طبائع الأمم". لقد وجد الجاحظ في هذا التجويز و"الاجتهاد" اللغوي الفارغ مجرد جهل عظيم. لأنه لو جاز أن يكون ابا ليعقوب لجاز أن يكون جدا ليوسف. رغم إن ذلك لا يحطّ من قدر الإنسان وارتباطه النسبي بالله. إلا انه يؤدي في حق الله إلى فضائع وحماقات لا تحصى، كما يقول الجاحظ[12]. إن هذه الأشياء ممكنة بحق من لا يعرف قدر الله وقدر الإنسان. إذ ليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسئ إلى نفسك. ولا يعرف حقيقة الله وهيبته من يجوّز عليه صفات البشر[13].

تكشف هذه الحصيلة عن أن الجاحظ يتناول نقد الدين هنا ضمن سياق تحقيق الفكرة المعتزلية النافية للتشبيه، والحشو، والفهم الحرفي للنصوص، وغياب العقل، وهيمنة التقليد. وهذه جميعا مرتبطة بالعقيدة المعتزلية عن الذات والصفات، وفكرة التنزيه وضرورة التأويل بما يتوافق مع المنطق العقلي. بل وتوسع الجاحظ في رؤيته النقدية بالشكل الذي دفعها صوب تأسيس النقد المبني على اسس اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وحياتية عادية، أي ليست عقائدية إيمانية. من هنا ادراجه حتى الملاحظات الحياتية العادية مثل الموقف من الخصا. وبالأخص بين الروم وأهل الحبشة. إذ يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم. ولو طبقت ممارستهم هذه على الجميع لأنقطع النسل وذهب الدين وفني الناس، كما يقول الجاحظ. كما أن النصراني وإن كان انظف ثوبا وأحسن صناعة، فإن باطنه اقذر، لأنه اغلف ولا يغتسل من الجنابة[14].

لكن المضمون الأعمق للفكرة النقدية تجاه الدين والأديان (النصرانية واليهودية) يقوم في ابراز الطابع غير العقلي ومنهج التقليد الأعمى المميز لكليهما. ففيما يخص النصرانية، فإن آرائهم متضاربة في المسيح. وأفضع ما فيها قولهم في الوهية المسيح. لهذا اعتبر من الصعب عقل حقيقة النصرانية، بمعنى قبولها بمعايير العقل والمنطق. كما أن اتباعهم يتميزون بالتقليد والتبعية للأسلاف بصورة حرفية. وأخيرا، إنهم يقولون بالتشبيه والتجسيم كاليهود والرافضة من المشبهة والحشوية النابتة. والاستثناء النسبي هنا هو لبعض من ينتمي للمعارضة من بين علماء الدين واللاهوت والفلسفة.

ووسع هذه الفكرة النقدية عندما شدد على أن العوام منهم فيما لو علموا حقيقتهم لأدركوا بأنه ليس عندهم حكمة ولا بيان ولا بعد روية غير حكمة الكف والنجم والتصوير وحياكة اليزبون (السندس). بمعنى خلوهم الفعلي من حدود الأدباء وديوان الفلاسفة والحكماء، كما يقول الجاحظ. وكل ما عندهم من كتب المنطق والكون والفساد وغيرها فهي لارسطو، وهو غير رومي ولا نصراني. وكذلك الحال بالنسبة لكتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب الطب لجالينوس، وكتب ديمقراط وبقراط وافلاطون. فجميع هؤلاء يونانيون وليس على دين النصارى. وأدبهم غير أدبهم، اليونان علماء والرومان صناع. اما قول النصارى آنذاك، بأن فلاسفة الإسلام هم اتباع في الفلسفة للروم، وأنهم احتذوا على مثالهم، فهو حكم لا نصيب له من الصحة. فقد اخذ الروم بفعل القرب والجوار انجازات الفكر اليوناني، مع تشويهه. وينطبق هذا على زعمهم ، بأن اليونان قبيلة من الروم. ليس ذلك فحسب، بل واعتبر نصارى زمنه ضعيفي العقول، من هنا وقوع الكثير منهم في الزنذقة. وهذا شأن كل من "نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة"[15]. وهو حكم نقدي اجتماعي ثقافي تاريخي خاص. وبالأخص حالما نراه يشدد على أن اكثر من قتل بسبب اتهامه بالزندقة في الإسلام هم "مسلمون من أمهات أو آباء نصارى". وهذه ملاحظة دقيقة للغاية وضعها الجاحظ بهذا الصدد. بمعنى، إن صفة الخروج على منطق الاعتدال هو نتاج "العقول الضعيفة" وبقاء نفسية وذهنية الأقلية. وقد لاحظ الجاحظ هذه الظاهرة على مثال تحول اليهود إلى نصارى، الأمر الذي اشبعها بالإسرائيليات والغلو. تمام كما أن الثقافة الإسلامية قد عانت جزئيا من ثقل الإسرائيليات بسبب اعتناق بعض اليهود الأوائل للإسلام وتحولهم إلى صحابة وتابعين. لكن هذه الظاهرة لم يكن بإمكانها أن تعلب دورا مهما بالنسبة للرؤية الإسلامية ومعتقداتها ومبادئها.

أما موقفه النقدي تجاه اليهود واليهودية فقد حصره بإشكالية العقل والمعرفة. بمعنى، أن موقفه النقدي من اليهود واليهودية كان مبنيا على أسس معرفية، حصرها في ما اسماه بشدة التقليد وضيق الأفق المميز للرؤية اليهودية. فقد اعتبر معارضة العلم والمعرفة من خاصية اليهود والديانة اليهودية.  وذلك لأنهم، كما يقول الجاحظ، يرون النظر في الفلسفة كفرا، والكلام في الدين بدعة. وانه لا علم إلا ما كان موجودا في التوراة وكتب النبياء. من هنا نقده المبطن أو غير المباشر لما هو منتشر وسائد بين العوام عن اليهود واليهودية. فإذا كان الكثير من النصارى كتابا للسلاطين، والملوك، وأطباء اشراف وعطارين، فإنك لا تجد اليهودي إلا صباغا أو دباغا أو حجاما أو قصابا. فلما رأت العوام اليهود كذلك "توهمت إن دين اليهود في الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم اقذر الكفر إذ كانوا هم اقذر الأمم". بعبارة اخرى، لقد اخرج الجاحظ الفكرة النقدية تجاه الاديان من الانطباعات الساذجة، ايا كان مصدرها وشكلها ومستواها، عبر ارجاعها إلى ما هو حقيقي وفعلي. ووجد ذلك فيم اسماه بضيق الأفق المعرفي الثقافي لليهود واليهودية.

وابتدأ، شان موقفه من النصرانية، بتحليل ونقد تصوراتهم عن القرآن وآياته المتعلقة باليهود واليهودية. وتوصل في نهاية المطاف الى استنتاج مفاده، أن اليهود أوتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام ومن سوء الترجمة، مع الحكم بما سبق الى القلوب، بحيث ادى بهم اما الى تشويه الفكرة او عدم فهم مقصودها. فقد ترجموا بعض آيات القرآن مثل (على العرش استوى) و(ناضرة الى ربها ناظرة) بالشكل الذي اخرجها من معانيهما الحقيقية. ولا يعتد بقول وآراء بعض المتكلمين المسلمين من المشبهة والحشوية، التي كانت تسند المواقف اليهودية بهذا الصدد. وهنا يجد الجاحظ فرصة لمهاجمة المشبهة والدفاع عن التأويل العقلاني المعتزلي[16]. بل نراه ينتقد آراء ابراهيم النظّام رغم إقرار الكثير من المعتزلة بتأويله، وبالأخص ما له علاقة بفكرة الخلّة والخليل، التي شهدت قبل ذلك معارك فكرية وجسدية هائلة اهدرت فيها دماء كبيرة زمن الاموية من اجل كبح الرؤية الداعية لتفسيرها بما يتوافق مع العقل والمنطق. فقد نظر إبراهيم النظّام إلى الخليل بمعنى الحبيب (خليل الرحمن مثل حبيبه). لهذا اجاز أن يسمى عبدا له وولدا. فالانسان، كما كان يقول النظّام، لو ربى جروا لا يقال له ولدا. ولكن يسمي نفسه أبا لو ربى ولدا. فإذا كانت نسبة الإنسان أبعد من الله من شبه الجرو بالإنسان، كان الله احق بأن يجعله ولده وينسبه إلى نفسه. بينما رد الجاحظ على ذلك قائلا، بأن الكلب يمكنه أن يكون إلى كلابه خليلا ويدافع عنه. والعبد الصالح أبعد شبها من الله بذلك الكلب الوفي. فالعبد الصالح لا يشبه الله في أي وجه من الوجوه، والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة[17].  ووضع هذه الفكرة في اساس موقفه من مفهوم الخلة. وبالتالي، فإن إبراهيم (النبي) لم يكن خليلا بخلة كانت بينه وبين الله. فكل هذه الأوصاف منفية عن الله. لكنه يجوز أن يكون ابراهيم خليلا بالخلة التي ادخلها الله عليه على نفسه وماله. وذلك لأن إبراهيم اختل في الله اختلالا لم يختله احد قبله، بقذفهم إياه في النار وذبحه ابنه. فالخلة والاختلال بالعربية من جذر واحد.

فقد قال زهير بن ابي سلمى

وأن اتاه خليل يوم مسألة  يقول لا عاجز مالي ولا حرم

لقد كانت هذه المقدمة ضرورية بالنسبة للجاحظ من اجل تذليل تقاليد التقديس العادية. وذلك لأنها مجرد صيغ للتعظيم لا غير مثل قولنا عن الكعبة "بيت الله"، و"أهل الله" والقرآن "كتاب الله" وكذلك قولنا عن البعض "اسد الله" و"سيف الله". وبالتالي، فكليم الله لصفة خاصة (موسى) و(روح الله) لعيسى لصفة خاصة أيضا، أي أن الله خَلق في مريم روح وجسد على غير مجرى العادة. بمعنى إمكانية وجود خصلة أرفع لكل نبي عن آخر. وكذلك جميع الناس. فهناك من يحسن لأمه وأبيه بالبر والإحسان رغم انه احوج وفقير. وهناك من يحسن لأمه وأبيه بالمال والخُلق ولكن بالجهاد[18].

لقد أسس الجاحظ لنمط خاص في نقد الدين والأديان، بناه على قواعد عقلية ومعرفية وثقافية. بمعنى انه خرج من اطار التدليل والبرهنة على أفضلية دين على آخر، والانهماك في جدل البراهين اللاهوتية. فهي بالنسبة له مجرد تقليد أعمى للنصوص وهيبة الأسلاف. بينما يفترض العقل، بوصفه خاصة الانسان الجوهرية، أن يكون بداية ونهاية المواقف النظرية والعملية تجاه كل شيء، بما في ذلك الدين والأديان.

***

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1]  لقد تناولت هذه الجوانب في كتابي (الحضارة الإسلامية: روح الاعتدال اليقين).

[2]  لقد تناولت هذه الجوانب في كتابي (علم المِلَل والنِّحَل. فلسفة المقالات والأحكام في الثقافة الإسلامية)، المركز الأكاديمي للأبحاث (العراق-كندا)، بيروت، 2019.

[3] الجاحظ: الرد على النصارى، ضمن مجموعة ثلاث رسائل للجاحظ،، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344 للهجرة، تحقيق ونشر يوشع فنكل، ص13-14.

[4]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص18.

[5]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص19.

[6]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص14.

[7]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص37.

[8]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[9]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص33.

[10]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[11]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص25.

[12]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص26.

[13]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص26.

[14]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص20.

[15]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص17.

[16]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص29.

[17]  الجاحظ: الرد على النصارى،ص29.

[18] الجاحظ: الرد على النصارى،ص32.

 

 

عامر عبدزيد الوائليالديانة اليهودية تنسب إلى اليهود، ولابد من تحديد دلالة الاسم الذي اختلفت فيه الآراء فهي تبدأ من مكان محدد برأي "احمد سوسه" اذ يرتبط الاسم بمملكة يهوذا المنقرضة، اذ كان اليهود هم سكانها (الذين سباهم نبو خذ نصر إلى بابل في القرن السادس ق.م)(1) أي هم سكان يهوذا يوم كان اليهود عبارة عن دولتين هما: يهوذا وإسرائيل وهذا ما ذهب إليه (قاموس الكتاب المقدس) حول تسمية اليهود أطلقت أولا على سبط او مملكة يهوذا، تمييزا لهم عن الأسباط العشرة، الذين سموا بني إسرائيل، إلى أن تشتت الأسباط، واخذ يهودا إلى السبي، ثم توسع معناها، فصارت تشمل جميع من رجعوا من الأسر من الجنس العبراني، ثم صارت تطلق على جميع اليهود المشتتين في العالم، ولفظة يهودي اعم من عبرانيين ؛ لأنها تشمل العبرانيين والدخلاء)(2)

إن هذا الاسم يحيلنا إلى تاريخ محدد هو السبي البابلي الذي ظهر به الاسم ليعبر عن هذه المجموعة من البشر حيث إن احمد سوسه يعتبر هذا الواقع التاريخي (ففي بابل مارس اليهود شعائرهم الدينية، وواصل كهنتهم إعمالهم الدينية بتحرير فصول التوراة والتمهيد لتدوين التعاليم اليهودية المعروفة باسم التلمود البابلي، حتى ليقال:أن السبي البابلي كان عامل مهم في تطور الديانة اليهودية)(3) وهذا النص يشكل أهمية كبيرة في تطور الهوية اليهودية بوصفها هوية دينية وقومية عرقية معا، وانه يشير إلى ولادة المؤسسة الدينية التي شكلت البديل عن السلطة السياسية فهذه السلطة ارتبطت بالواقع البابلي وما أنتجه من تحدي جودي وديني لليهود ومن ثم سياسي. إن هذه المؤسسة هي التي أعادت إنتاج الرأسمال الرمزي من خلال إعادة قراءة التراث اليهودي والعراقي والكنعاني والمصري ...الخ

 ومن ناحية ثانية العمل على إحياء الطابع الاقتصادي والمعنوي الذي كان سائد ًا في مرحلة الأجداد فتلك الأزمنة المستعادة في السرد التوراتي تكشف عن أمرين:

1- أن تعرض الكتاب المقدس اليهودي هو كنز الهيكل الحقيقي الذي لم يحترق ولم يتلف أثناء الهجمات التي تعرض لها "الهيكل" في القدس، ومن انه يجسد الها محمولا في كل مكان يجد فيه العزاء من فقده ومن فقد "الهيكل"، ويمثل بالتالي، هيكلا (وطنيا) يحمله "المختارون" المطاردون إلى حيث يستقر بهم المقام)(4)

2- نلاحظ أن اليهود العبرانيين بسبب الفاعلية الكبرى للتجارة الداخلية والتجارة الخارجية أولا ووجود احتمالات مفتوحة في معظم الأحيان لاندلاع حروب طاحنة مدمرة ثانيا، ونشوء توقعات كبيرة لتغير البنية السكانية تطيح بالاستقرار لفترة مديدة على الأرض المستهدفة .

3- وجودوا أنفسهم أمام ضرورة توسيع الاقتصاد النقدي الربوي القابل للحمل والنقل، والذي يجعلهم قادرين على أن يكونوا في أي مكان، دون أن يترتب على ذلك فقدانه او فقدان الكثير منه)(5) وهذا جعل اليهود قادرين على مواجهة الأخطار فاستطاعوا التنقل من مكان إلى آخر حيث يكونوا يكون دينهم ومالهم معا وهذا ما حدث بعد السبي البابلي حيث تحقق لليهود ما كانوا يوعدون به من ارض وحضارة متقدمة أتاحت لهم العمل والإبداع فاندمجوا في هذه الحياة .وهذا ما يمكن رصده في النقاط الاتية:

3-1- التزاوج المختلط الذي انتشر على نطاق واسع من قبل الطرفين وتحت حماية السلطة البابلية بين اليهود والبابليين .

3-2- الحركة التجارية المنتظمة فتحت لليهود أبوابا جديدة على عوالم الاخرين، وان لم تكن هذه الحركة واسعة .

3-3- كانت اللغة اليهودية العبرية القديمة تجد نفسها شيا فشيا مضطرة للانحسار أو للتقوقع أمام اللغة الآرامية، حيث أسهم ذلك في مزيد من تعميق الاندماج والانصهار، ومن الخروج عن دائرة الكهنوت اليهودي وعليها (6)

والأمر نفسه حدث مع الأجداد في زمن موسى او بعده كما يشير لهذا "جان بوتيرو"بقوله عندما استقر بنوا إسرائيل بين الكنعانيين، يتعلمون منهم أسباب أسلوب حياتهم، يقلدونهم ويحاولون الحلول محلهم، يشاهدون على الدوام الإلهة أخرى معبودة في مختلف إرجاء البلاد ذلك أن المؤمنين بهذه الآلهة، ممتنين منها، على مر العصور كما يبدو، ويعترفون لها بالسيادة على الأرض التي كانوا يعيشون عليها وأيضا بالإسرار الفعالة التي تسمح باستثمار هذه الأرض.

كيف يمكن تجاهل الفرصة والتعرض لخسارة الموسم جراء عدم القيام بواجب التكريم والإجلال كما يفعل الكنعانيون لإلهتهم منذ القدم –آلهتهم:

داغون، سيد الحبوب والحرث، خالق القمح والمحراث .

هدد، موزع الإمطار النافعة .

عشتار، سيدة الحب، وبالتالي سيدة الخصب والرخاء ؟ في الحقيقة، كان الإغراء قويا .(7)

 ويبدو أن الإغراء كان يقوم على كسب البعد البراغماتي الذي جاء حين خرج الشعب من حياة البداوة والترحل ودخل إلى الحياة الزراعية؛ الا انه يحاول الاندماج والخروج على المخيال العقائدي القائم على:العلاقات التجارية الربوية والروح الحربية والمال والشعور بالتميّز والاصطفاء هي العناصر الثابتة التي صاغها الكهنة المصطفين بين المصطفين فبهذا الفعل الاندماجي يكون ارتكب خروجًا على السلطة الدينية و على الإرادة الإلهية التي تحتم العقاب عليه بالموت بارتداده عن دين التوحيد إلى الوثنية والخروج على إرادة المعبد"الهيكل" قديما وفي السبي على إرادة الكنيس .التي اسماه "أرنولد توينبي"(مؤسسة فريدة) والذي استنبطه زعماء اليهود في بابل .لقد تمثلت هذه المؤسسة ب"الكنيس" واذا ما صدق جيمس باركس، فان الكنيس البابلي كان الأول من نوعه في التاريخ اليهودي العبري، إن استحداث الكنيس جسّد رد الفعل الواعي والقلق والمخطط، الذي انطلق من أوساط أولئك الزعماء تجاه عملية الاندماج اليهودي العبري في المجتمع البابلي .وهذا من شأنه أن يكون قد عنى أن إنشاء المؤسسة الدينية المذكورة اريد له أن يكون رأبًا للصدع الكبير الذي عصف بالبنية عمقا وسطحا، تلك البنية التي تمحور حولها النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والديني للكهنوت، والتي استمد منها هذا الأخير شخصيته الشرعية المهيمنة على هذه الأصعدة (8)

 ومن هنا نلمس أهم مقومات ذلك المخيال العقائدي لليهود الذي أصبح الناطق باسم المؤسسة الصانعة له والتي تقوم بترميمه عبر التفسير او التأويل الرمزي لتحوله إلى رابط لا يمكن الخروج عليه بل تحوله إلى رابط بين الله والشعب يتغلغل في اللا شعور الجمعي المبني على جملة عامة من المقولات القابلة للاستهلاك والقابلة للفهم من العوام والخاضعة بشكل دائم للتأويل او التحايل الفقهي بيما يتفق مع مستجدات الزمان وحاجات النخب المهيمنة التي تمثل السلطة المؤسسية الدينية، واهم مقولات هذه الدوغمائية التي تغدو في أحيان كثيرة يوتوبيا تقوم على نصوص فلكلورية حسب توصيف "جان بوتيرو" وهذه المقولات قائمة على مركزية نص مؤسس يتناول قضايا ذات طابعا كونيا من خلال السرد المقدس الذي يتمركز على تاريخ ناس معينين ينسج حولهم محور السرد من خلال قصص الخلق والطوفان او غيرها من قصص التوراة بحسبانها مفردات صادقة مسلم بها وطلب من المؤمنين الرجوع إليها في التوراة وهي قائمة على وفق النقاط الآتية:

4-1- تاريخ مقدس يبدأ (بالخلق) وينتهي الى مرحلة الكمال في المستقبل ويبين موقف الله من الإنسان.

4-2- وجود طائفة صغيرة من الجنس البشري حباه الله، بحبه دون سواها وهذه الطائفة عند اليهود هي (الشعب المختار). (9)

 إن هذه الديانة ومدونتها التوراتية تبدأ رسميا بوصفها مدونةَ وحي الهي تلقاه النبي موسى على الجبل بوصفه الزعيم الذي يمارس الرعاية والاهتمام بالرعية وبوصفه الراعي الذي يسهر على استقامتها ومن ثم حمايتها والسهر عليها فهو المنتخب للرعاية والهداية فقد(تكلم الرب فقال , أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية , لا يكون لك الهه سواي , لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً و لا صورة شيء مما في السماء من فوق , و لا مما في الأرض من تحت ,ولا مما في المياه من تحت الأرض,لا تجسدها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك) (10)

 فهذا النص يبين منذ البداية الانفصال التام عن الخطاب الثقافي الديني والسياسي المصري والانفصال التام داخل مجتمع يرعاه الإله والنبي الساهر على الجماعة وإليه تنسب الخمسة التي تتناول الأزمنة البدئية للجماعة الجديدة الموسوية التي تمتد إلى تراث قديم من الزعماء والآباء؛ لهذا تجذر الجماعة إلى نفسها (وحسب التوراة وأسفار العهد القديم، تعود إلى إبراهيم الذي ورد ذكره في الخمسة الأولى) (11) أي إن الديانة بحسب المدونة التوراتية تبدأ مع الموسويين حيث بداية النبوة إلا انها تعود إلى الأسلاف حيث بداية العهد عبر الختام مع إبراهيم (العبريين) وما جاء بعد الوعد بالأرض ثم انتقال الوعد الى الحفيد يعقوب (الإسرائيليين) ليكون مع ابنائة، ومن هنا جاءت دلالات تاريخية لتلك الأسماء وثمة أسماء تذكرها المدونة التوراتية حول الأصل المفترض لليهود ان المدونة التي تنسب الى موسى هي ذاتها تتناول سرد أحداث البدايات الكونية وهي بهذا تكون قد تكونت من نصَّين الأول المرويات الشفهية الطويلة التي بعضها ينتمي إلى الأسلاف او مستعار من الثقافات التي مر بها هؤلاء الأسلاف ثم تحولت إلى نصوص مكتوية وهي الأخرى متنوعة بحسب الأزمنة الثقافية التي مرت بها في رحلتها من الراوي الأصل الذي عاش ودوَّن المروي الشفهي للجماعة بوصفها وحيا وبين الراوي النظري الذي يسميه "هيجل" بالتاريخ العملي أو البرجماتي الذي يهتم أساسا باستخلاص العبر والموعظة، والمبادئ والقيم والدروس الأخلاقية من أحداث الماضي (12) فهذا المروي التاريخيّ يقوم على الجمع والترميم بين النصوص من خلال جعلها تنتمي الى نص واحد وهذا ما حدث مع التوراة التي تنتمي الى نصوص متفرقة في الأسلوب والأسماء والأماكن؛ إلا أن الكاتب أو المؤرخ التوراتي عمل على دمجها من أجل هدف عملي ديني وهذا ما أشار إليه "جان بوتيرو" وهو يمارس دور المؤرخ النظري لكن النقدي بعرف "هيجل "الذي من صفاته (هو التاريخ الذي لا يعرض وقائع التاريخ نفسه وإنما يعرض الروايات التاريخية المختلفة لكي يقوم بفحصها ودراستها ونقدها، وبيان مدى حقيقتها، ومعقوليتها، كما هي الحال حين يقوم مفكر معاصر بنقد روايات تاريخية مختلفة، والمقارنة بين المؤرخين كتبوا خلال فترة واحدة فيكشف عن مدى المبالغات في روايات فلان، وعدم الدقة ؛ او الخلو من المعقولية في رواية مؤرخ آخر ...)(13) وهذا ما فعله "جان بوتيرو" عندما يقول: إن أسفار التوراة تحمل جميعا، بنسب مختلفة، عند سرد الأحداث، الطابع النفعي لمؤلفيها او جامعيها، والاكتشاف التمهيدي الأكثر تخريبا، بالنسبة لمؤرخي التوراة كان تقصي هذه المدخلات التي هي عبارة عن حشو يؤذي بصر ذلك الذي يبحث عن حقيقة الماضي، وتقليص هذا الركام الكثيف إلى عناصره الوثائقية الأولى، بغية استعمالها مباشرة لرواية التاريخ بشكل سليم) (14) لهذا عندما يمارس دور المؤرخ الناقد للإسفار المنسوبة إلى موسى والمسماة "الهكزاتيك: الست الأولى من التكوين وحتى يشيع (مؤلفو الهكزاتيك، قاموا بتقطيع الاحداث والعمل على تشابكها تماما مثل ضفائر الحبال، بغية سرد رواية تبدو لاول وهلة منسجمة ومتجانسة، محاولين على الرغم من ذلك الحفاظ على كل ما جاءت به هذه الروايات المستقلة من تفاصيل تماما وهذه الروايات هي: "اليهودي" تبدا مع الخلق و تعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد ويفترض انها كتبت في اورشليم القدس او حولها، والرواية الثانية هي باسم "ايلوهيم" تبدا مع ابراهيم .اما الرواية الثالثة هي اكثر ارتباطا بالتشريع الديني منها بالتاريخ فنجدها في تثنية الاشتراع (تعاليم موسى الاخيرة ووفاته قبل الغزو) التي كتبت هي الاخرى ايضا في اورشليم القدس في القرن السابع قبل الميلاد تقريبا .اما الرواية الرابعة فهي في القانون الكهنوتي وسميت كذلك نظرا للطابع الكهنوتي الذي يميزها فهي دقيقة، جافة تعير اهتماما كبيرا للأرقام والخطوط الكبرى تبدأ مع التكوين ويبدو أنها كتبت في المنفى، بعد تثنية الاشتراع بقرنين تقريبا .(15) ومن هذا يظهر أن النص الذي ينسب إلى موسى دوِّنه كتاب او جامعون مختلفون وتعرض إلى إعادة التدوين ليغدو نصًا موحدًا يستجيب للحاجات الدينية .

5-1- التراث المقدس الكتابي ينقسم المدون وشفاهي:

 ولعل الرواية تدور في الأساس حول شخصية محورية هي موسى فهي تشكل المدوَّنه المقدسة، وتنسب الى موسى - قد جمعت اثناء فترة السبي وما بعدها - التي تنقسم الى تراث مدون هي التوراة وتراث شفهي ينسب هو الآخر الى موسى وهو التلمود، أما التوراة بوصفها نصًا ينقسم الى روايات متنوعة النص العبري والنص السامري والنص المعروف بالتوراة ومرد هذا التاثير الذي اثمر نص التوراة مع التجربة الوجودية لليهود التي تركت ظلها عبر تلك الصياغة التي صيغت فيها التوراة فهذه الخمس كتبت بعد السبى البابلى فى القرن السادس (ق .م) فى أثناء حديث شاحاك عن مراحل تاريخ اليهودية ويعترف كأمر بديهى ان معظم كتبت فى القرن السادس قبل الميلاد بعد السبى البابلى " مرحلة مملكتى اسرائيل و يهوذا القديمتين حتى دمار الهيكل الاول (587 ق م) والمنفى البابلى (يعنى معظم العهد القديم في هذه االمدة , على الرغم من ان معظم الرئيسة , بما فيها الخمس, كما نعرفها , جرى تدوينها فعليا بعد ذلك التاريخ (16)، ويتفق جميع الباحثين ودارسي التوراة، تاريخاً وكتابة وترجمة، على أن النسخة الأصيلة للتوراة قد ضاعت من أيدي عسكر نبوخذ نصّر.. فقام رهط من أحبار اليهود بنقلها وجمعها.. وحين ظهرت هذه النقول المجموعة على يد "عزرا" ضاعت مرة أخرى في حادث حرق أورشليم، التي قام بها الملك "أنتيوكس" بعد احتلاله القدس، فحرق جميع نسخات العهد القديم وأمر بقتل كل من يوجد عنده نسخة من هذه الكتب.. وليست هذه الحادثة هي آخر ما وقع لهذا الكتاب من أحداث وواقعات كانت قبل مئة عام من ميلاد السيد المسيح، فقد تكررت هذه الوقائع بعد الميلاد..

ومن نافلة القول أن كل منقول مشكوك بصحته وهذا ما يمكن استبيانه من المدونات التاريخية والكشوف الأثرية التي أماطت اللثام عن التوراة ومغالطاتها سواء من حيث التسلسل الزمني للتواريخ والوقائع المثبتة تاريخياً أم من حيث الأسماء والأماكن والسلالات والهجرات.. ناهيك عن الحذف والزيادة التي حصلت بما يتفق ومزاج أو أهداف كتبة التوراة.. إذ إنهم دوَّنوا كل ما ارتأوه جديراً بأن يحتويه تاريخ، اما من ناحية التصنيف فيمكن تصنيف التوراة على وفق الآتي:

5-1-1- التوراة التي أطلق عليها في بعض المراحل "كتب موسى ":

كما جاءت في بعض الكتابات اليونانية تحت اسم pentatichus او (بنتاتيك) التي تعني الكتاب ذا الخمسة (17) الا ان هذا النص تعرض الى الكثير من التطورات فقد تبدل وجرت عليه تغييرات بما يتطابق وعصر الأحبار أنفسهم. ولذا فهو أنواع هي:

5-2-1-1- التوراة اليونانية (أو السبعينية) وقد كتبها سبعون كاهناً يهودياً، جمعوها باليونانية في جزيرة (فاروس) عند مدخل الإسكندرية سنة (285)قبل ميلاد. وقد جمعت تلبية لرغبة بطليموس فيلادلفوس (280-247ق.م) ثم ترجمت إلى اللاتينية بعد 100م؛(18) وأخذ ديمتريوس هؤلاء الإثنين والسبعين حبراً إلى جزيرة فرعون ووضعهم في بناء في شمال الجزيرة قُبالة البحر وأنهوا الترجمة في اثنين وسبعين يوماً . وتم إرسال جميع اليهود إلى الجزيرة لتُقرأ عليهم الترجمة ثم أقيمت الصلوات وخُتِمت باللعنة على من يُضيف او يحذف شيئاً من هذه الترجمة . تم أخذها وقُرئت على الملك. ولكنَّ هذا الكلام يعاني من غياب الموضوعية بفعل انحياز الديني الى معتقد ما يؤدي الى التعامل معه خارج ما تعرف به الموضوعية التاريخية فهناك جملة من الملاحظات تؤخذ عليه منها: أنَّ الطابع الاسطوري يظهر واضحا في السرد بعيد عن التوثيق القائم على النقد الموضوعي، ومنها فقدان عشرة من الاسباط الذين ضاعوا ولم يبقَ الا اثنان اذ كيف تحقق لهم الحضور هنا ؟ وهذا دليل على ان الموضوعية غائبة .ثم إنَّ هذا الترادف بين عدد الذين قاموا بالكتابة وبين الزمن الذي تمت فيه الكتابة فعددهم اثنان وسبعون والوقت الذي شغلوه كان اثنان وسبعون ترابط يسقط الاسطورية على الاحداث ويجعلها غيبية خارج الحدود الموضوعية .وقد احيط النص المنتج بهالةٍ من القداسة حتى يتم اسباغ الشرعية عليه وقد تفرد فيلو اليهودي اليوناني الاسكندري بخلق إلهامية مُصطنعة ليهود الإسكندرية لما بين أيديهم من كتابات في مجابهة يهود العبرانية. ثم قام الآباء بتصديق قصة إلهاميتها والإيمان بقدسيتها بل يزيدون من خرافات القصة , وكأنهم صمّموا على جعلها ميثولوجيا صِرْفة .. فأغدقوا عليها بالخيالات المُبتذلة من دون أي مصدر أو سند لما يقولون .... ولا يقِف الأمر عند هذا الحد ... بل إنهم يُناقضون بعضهم البعض حين التحدث عن خرافات إلهاميتها ..كما سنرى بعد قليل.

5-1-1-2-: التوراة السامريَّة (نسبة إلى السامرة):

 التي جمعت بعد انقسام دولة الغزو بعد سليمان وعرفت بالآرامية بسبب كتابتها أثناء السبي البابلي. وهي تختلف في مضمونها عن التوراة المنسوبة إلى موسى، كما سميت (بالتوراة الكهنية) أيضاً. والتوراة السامرية مصطلح يطلق على النص التوراتي الذي يؤمن به السامريون، وهو النص المعتمد لديهم. وهذا المصطلح يقابل مصطلح التوراة العبرانية أو العبرية التي يؤمن بها ويعتمدها اليهود.و الخمس المنسوبة لموسى لها ثلاث نسخ: عبرية وسامرية وسبعينية (مع ترجمات أخرى.وفي التوراة السامرية تكرير للبشارة الموجودة في التثنية 18 بعد الوصايا العشر، وتضيف أمرا إلى الوصايا العشر باتخاذ معبد في جبل جزريم قرب نابلس.وقدجهل الغرب خلال العصور الوسطى عن هذه التوراة حتى عام 1645 عندما اشترى أحد المسافرين مخطوطة من سامريي دمشق. وعند السامريين (كتعريب لكلمة شومريم) فالكتاب المقدس هو الخمس الأولى فقط، أما مالم ينسب لموسى فلا يؤمنون به. وتختلف التوراة السامرية عن اليهودية في آلاف المواضع، وفي بعض تلك المواضع تتفق مع النسخة اليونانية سبعينية ضد النسخة اليهودية ماسورتية التي أخذت شكلها النهائي في القرن العاشر للميلاد.وقد ترجمها أحد علمائهم إلى اللغة العربية، ويلاحظ تجنبها لعبارات غير لائقة عبر إضافة كلمة (ملاك) أمام كلمة (الله) أحياناً.والتوراة مكتوبة بأحرف أقدم من تلك الموجودة في النسخة اليهودية..(20)

5-1-2- الخفية:

وهي محظورة التداول لدى اليهود في الكيان الصهيوني وخارجه نظراً لما تتضمن من بدع وخرافات، ويسمونها (كتوبيم أخرونيم) أو الكتابات المتأخرة أو الأخيرة. أو (الأبوكريفا) والخفية، وهي جملة تلفيقات تختلف عما سبقها من كتب.

5-2- النص الشفاهي (التلمود المقدس) او(أو التلمود الحجازي): وهو التراث الشفاهي الذي تم تدوينة من الأحبار في بابل اثناء السبي . ويقسم إلى قسمين: مشنا وجمارا ـ المشنا تعني المتن وجمارا وتعني الشرح أو التفسير. وهو كسابقيه يختلف في الأحداث والأزمان، وكتب بما يتفق وعصر تدوينه ومؤلفيه أيضاً (من كهنة وإيلوهي) وفيها أساطير تم اقتباسها الكاتب اليهودي ـ الكهني.. حيث وجد فقهاء اليهود أيام السبي البابلي أن للبابليين والكنعانيين ثقافة وأساطير أرادوا أن يجاروها، فقاموا بتبيئتها بما يجعلها متفقة والتراث اليهودي التوحيدي، لأنهم كانوا على تماس مع تلك الشعوب المجاورة الي كانت بينهم تاثيرات متبادلة كثيرة فقد كانت هناك الكثير من التناصات مع الموروثات الروحية لدى البابليين والكنعانيين.مما يعني ان الخطاب التوحيدي كان متاثر بالفكر السابق او معايش لهم ولعل أشهر المدارس البحثية في التوراة، وهي مدرسة "فلهاوزن WILLHAWSEN"، التي أكدت أن تصانيف التوراة قد بدأ جمعها بعد عهد موسى بقرون، وأن الجُّماع والمصنفين كانوا مختلفين مزاجاً ومَشْرباً، ودلّلت على ذلك بأدلة هامة، لعل أخطرها ولا يقبل جدلاً، أن اسم الإله وطبيعته وعلاقته باليهود، يختلف ما بين سفر وآخر، إضافة إلى تكرار القصص في، مما يشير إلى أن المصنفين لم يلتقوا معاً، ليصفوا ما بينهم من خلافات حادة في التفاصيل، هذا مع فروق واضحة وعميقة إلى حد التنافر التام في اللغة والأسلوب بين هذه (21).

أما النسخة العربية، فتؤكد على غلافها أنه "قد ترجم عن اللغات الأصيلة، وهي العبرانية (أصلا الكنعانية)، واللغة الكلدانية (وما تحمله من تراث رافدي طويل)، واللغة اليونانية (وما حملته من علوم جامعة الإسكندرية وتراثها المصري العريق)". (22).

ولكنَّنا نلمس أن النص يتمركز حول زعيم ومن هنا تظهر امامنا ثلاث زعامات تكونه منها المروية التوراتية هي الطبقات التي ترويها انطلاقا من موسى بوصفها وحيا الذي يعتمد (العبرانيين) و(الاسرائيليين) و(الموسويين) و(الساميين) هنا نحاول البحث الجينالوجي في الدلالة لتلك الأسماء .

6- تكوين الاسلاف من اليهود: حيث ان المدونة التوراتية تتحدث عن ثلاثة اسلاف المكون الاول جاء مع ابراهيم (العبرانيين) ثم مع الحفيد (الاسرائليين) ثم جاء الخروج مع موسى (الموسويين) .

 6-1- مدّة الإسلاف (العبريون):

 الاسم الأول الذي يشير إلى فترة الإسلاف(23) إبراهيم والولادة هو(العبريون):"ابراهيم " الجد الأعلى الذي حاز الميثاق وهو نقطة الالتقاء في الاديان الثلاثة ومنه يتفرع سرديتان هما: الاسرائليون والاسماعيليون، وهذا ما يشير له " رينهارد لاوت":فيما يخص قصة ابراهيم، والذي يلفت فيها النظر أنها أول سيرة ذاتية نجدها في الكتاب المقدس، وهي بهذه الصفة حياة مشكلة عضويا بشكل كامل ونضيف إلى ذلك أنها كتبت بيد كاتب مدفوع دينيا إلى فعل ذلك (24)

وقد بدت تلك المرويات الدينية لدى جمهرة من الباحثين مجرد روايات شفاهية غير محددة وغير دقيقة ولعل هذا ما يخبرنا به غارودي بقوله (يعرض لنا رواة التوراة تاريخ إسرائل بوصفه سلسلة من العصور المحددة تحديدا دقيقا .فهم يدرجون كل الذكريات والقصص والخرافات والحكايات والأشعار التي انتقلت إليهم عبر التراث الشفهي، ضمن إطار المحدثين على أن هذه الصورة التاريخية لا تعدو ان تكون صورة وهمية إلى حد كبير)(25) وهذه المرويات التي مرت بالجمع من عهد سليمان النبي الى السبي البابلي وما جاء بعد ذلك هي مرويات لاتخلو من الاساطير والتناصات مع التراثات المحلية الى جانب التوظيف السياسي .مماجعل بعض المؤرخين من بينهم اليهودامثال "البيرت آلت و"مارتن نوت " يعتبرون تقسيم التاريخ إلى عصور متعاقبة "الاباء – السحرة في مصر – غزو كنعان"هو تقسيم مصطنع . بل هي في نظر فرانسواز سميث مجرد قصصا خيالية فالروايات التاريخية التوراتية لا تعرض لنا معلومات عما تقصه بل عمن يروونها .بل ان " البيرت بودي " يكشف المسكوت عنه في تلك الروايات انه التوظيف السياسي بقوله:(لقد تناول السواد الأعظم من المفسرين هذا الوعد الأبوي بمعناه التقليدي، لاضفاء الشرعية في فترة لاحقة على الغزو الاسرائلي عما كانت عليه في عهد الملك داود، بعبارة اخرى، فإن هذا الوعد قد أدرج في نصوص الأباء، بغرض جعل هذه "الملجمة السلفية" بمثابة مقدمة وإعلان لمقدمة العصر الذهبي لداود وسليمان)(26) ونحن نجد ان تلك النقود موضوعية في تحليل تلك النصوص الشفاهية التي تعرضه الى الكثير من الحذف والتوظيف السياسي، ومن اجل تحليل تلك النصوص التي تحدث عن ثلاث مرويات تم جمعها في الخمس وهي كما ياتي:

هنا كان العهد الأول مع إبراهيم (العبري) فن الحفر عن الاسم يبدو أن المدونات الرسمية التي كانت قائمه في تواريخ الدول المهيمنة في مسرح الإحداث لم تظهر اثر بين لمدون الدرامية للتوراة المتأخرة اذ كانت هناك تحركات طبيعية هي حركة البدو حول الحواضر، ويمكن قبول الادرامه التوراتية ضمن تحركات البدو الدائمة، وربما كانت نهاية المطاف والاستقرار بالنسبة لهذه المجموعة في فلسطين التي كانت تشهد حقبة انتعاش على يد الكنعانيين؛ إلا أنها لم تعطِ مكانًا مبرزًا في سردها مثلما أعطته التوراة إلى إبراهيم وعائلته في رحلة وصولهم إلى فلسطين قادمين من حران ولكنَّ الترحل الإبراهيمي المذكور في العهد القديم وضمن تلك الفرضية القائمة على حركة البدو غازية او باحثة عن الخصب في الحواضر وهي مفردات طاردة يشكل خطر الذي يسببه هؤلاء لحواضرها . ونستطيع الحفر في دلالة الاسم في لغات الحواضر القديمة عن المعنى ودلالته اذ وجد في الاكدية صيغة ibbiar ابيار، وتعني الهارب أو الذي هرب، وهي تقابل المعنى السومري SA.GAS والاكدي habiru خبرو وتعني غزاة، رجال غزو ويستعمل تعبير "سا – غز" للدلالة على رجال من هذا النوع ويقابله بالاكدي habbatu أي القتلة (27)

فهذا الحفر لا يشخص بقدر ما يعمم لغة الصراع بين المدن والصحراء ؛ إلا أن القراءات القصدية سواء كانت دينية قديما او سياسة معاصرة تحاول التأويل والبحث عن معنى يضفي على مخيالها السياسي الشرعية في استمرار الغزو والاستيطان من هنا تسعى هذه القراءات الى البحث عن الشواهد التاريخية والاثارية، فقد حاول بعض المختصين بالدراسات المسمارية من اليهود وبعضهم يدرس في جامعات الكيان الصهيوني أن يربط بين كلمة خابيرو أو عابيرو وكلمة (عبريم) التوراتية التي تعني عبراني، بالجذر (ع ب ر) أو بالمصدر المشترك والذي يعني مر وعبر وكان الهدف من ذلك كما هو واضح محاولة لاختراع اصول في فلسطين لجماعات العبرانيين الذين استولوا على ارض كنعان حسب رواية سفر يشوع(28). والواضح أن التعليل ليس علميًا لأنه ينطلق من محاولة إثبات ما هو قائم في المخيلة الدينية وإعادة استثمارها في الهيمنة على الأرض وهذا الأمر كان له ما يعارضه من حيث التأصيل المكاني، إلا انه أيضا يعتمد ذات الأسلوب القائم على الحفر اللغوي كما فعل كمال الصليبي، الذي اختلف في تحديد مكان للسرد المتخيل للتوراة فقط ولكنَّه يؤكد ارتباط الاسم السرد التوراتية التي تتخذ من إبراهيم مركزًا لمحور الرغبة في سردها اذ يرى (ان تسمية العبريين هي نسبة إلى إبراهيم نفسه، حيث وصف إبراهيم بـ (العبري)(29)، وهي دلاله أيضا أشار لها الكثير من الباحثين عبر حفرهم في دلاله اللغة من خلال الفعل الثلاثي "عبر" بمعنى عبر النهر في إشارة إلى عبور إبراهيم ومن معه لنهر الفرات بعد أن هاجر كما تروي إسفار العهد القديم، من مدينة اور. أو إلى عبورهم لنهر الأردن إلى الضفة الشرقية، ثم أنهم أضافوا ياء النسبة على (عبر) فأصبح "عبريا" وهذا الرأي هو الأرجح لدى جمهرة الباحثين ويقولون إن الكنعانيين هم الذين اطلقوا عليهم هذا الاسم(30) .

ولكنَّنا نستطيع القول انطلاقا مما انطلقنا منه حول علاقة الحواضر بالبداوة كان (الكنعانيون والفلسطينيون يسمون بني اسرائيل بالعبريين لعلاقتهم بالصحراء وليميزوهم عن أهل العمران، ولما استوطنوا ارض كنعان وعرفوا المدينة والاستقرار صاروا ينفرون من كلمة عبري التي كانت تذكرهم بحياتهم الاولى حياة البداوة والخشونة(31).وعن حياة البدو قال جان بوتيرو (هؤلاء البدو في الشمال، الذين يعيشون في السهوب لا يعرفون الحبوب والمساكن والمدن، يأكلون اللحوم بدون طهي، ولا يمكن تثقيفهم أو تنظيمهم . واذا ماتوا فانهم لا يدفنون وفق الطقوس)(32)

 ولعلَّ هذه الثنائية بين الراعي "البدوي" والمزارع ثنائية لها وجود عميق في البنية الذهنية الشرقية القديمة كما جاء في النصوص السومرية والبابلية، وكما عكستها التوراة في ثنائية الراعي والمزارع هابيل وقابيل بشكل يعبر عن الخطاب الرعوي لليهود؟

 إننا نلمس مرةً أخرى أن النص التوراتي يعيد بناء ذاكرة الجماعة و بناء هوية تخيلية افتراضية تعيد تأميم الرأسمال الرمزي للمنطقة وجعله رأسمال خاص بالجماعة اليهودية فهذه دلالة الجد الأعلى لليهود الذي يمثل العهد الأول مع الرب نستطيع ان نلمسه في جذور مشتركة تنتمي للمنطقة أي رأسمال جمعي قبل ان يتم تأميمه من السارد التوراتي وبتحري المكتشفات التاريخية نجد: أن إله إبراهيم هو "إيل" خالق السموات والأرض وهو مشتق من الخل وإيل أي صديق الله أو حبيب الله(33). وهذه عادة عربية قديمة موروثة في التسمية، وهنا يظهر بوضوح ما هو سائد في أغلب النصوص الأسطورية وهي تعتمد التناصات مع غيرها بشكل مقصود او غير مقصود ؛ ونجد أن النص التوراتي يمارس قراءة النصوص السابقة او المعايشة لها ؛لهذا نراها قد ربطت سلالات اليهود سواء كانوا موسويين او غيرهم بإبراهيم النبي الكلداني ليكون لليهود الحق بامتلاك أرض فلسطين، الذين مارسوا التأويل والتفسير والتدخل النحوي في تغيير المعنى حتى يتناسب مع حاجاتهم لهذا اختاروا "إبراهيم" لكونه أول أنبياء المنطقة العظماء وقد ذكر احمد سوسة (ان أهم ما كان يهدف كتبة هذه الديانة هو إرجاع نسبهم المجهول إلى إبراهيم الخليل الذي يمثل أقدس وأقدم شخصيات العصر القديم، ثم تثبيت عقيدة الأرض الموعودة وعزوها إلى إبراهيم وموسى وهؤلاء بريؤون منها)(34)

ويقول غارودي عن الوعد هذا:" من الملاحظ ان الوعد الابوي، الذي يحدثنا عنه سفر التكوين، لم يقطعه يهوه وهو الاله الذي دخل فلسطين مع جماعة الخروج، بل قطعه الاله الكنعاني إيل في إحدى تجليات المحلية، لان الاله المحلي الذي يملكك الارض هو وحدة الذي يملك ان يسمح للبدو الرحل بالاستقرار في ارضه" .(35) بالإضافة الى ارتباط الامر بطقس تضحوي كان موجود في كنعان في ذلك الزمن إلا ان التوراة جعلت منه وكأنه فداء وطاعة يقابله الوعد بالأرض، وهنا التركيز الأساسي لدى التوراة على العهد والفداء الاختيار والعهد تذكرة التوراة بالقول:

(وقال الرب لابرام انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت

أبيك الى الأرض التي اريك .وانأ أجعلك امة كبيرة

وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة .

وأبارك مباركيك

وشاتمك ألعنه

وتتبارك بك جميع عشائر الأرض

فانطلق أبرام كما قال له الرب ومضى معه لوط .وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة حين خرج من حاران فأخذ أبرام ساراي امراته ولوطا ابن أخيه وجمع أموالهما التي اقتنياها والنفوس التي امتلكاها في حران وخرجوا ليمضوا الى أرض كنعان وأتوا أرض كنعان)(36)

الطاعة الفداء تذكرة التوراة بالقول: ("يا إبراهيم" أجاب "لبيك "فقال له: "خذ ابنك وحيدك، إسحاق الذي تحبه، واذهب الى منطقة المرايا، وقدمه ضحية على أحدى الجبال الذي أقول لك عنه "فقام إبراهيم في الصباح الباكر وأسرج حماره، وأخذا ثنين من خدامه وابنه إسحاق .وبعد ما قطع حطبا لإحراق الضحية، ذهب الى المكان الذي قاله له الله عنه. 4وفي اليوم الثالث، تطلع ابراهيم فراى المكان من بعيد.5 فقال لخادميه:"انتظرا هنا مع الحمار، بينما اذهب إنا والولد إلى هناك لنعبد الله ثم ترجع إليكما ."6وأخذ إبراهيم الحطب للضحية ووضعه على كتف ابنه إسحاق، أما هو فحل النار والسكين.وبينما هما ذاهبان معا، 7 تكلم إسحاق وقال لأبيه إبراهيم يا أبي فأجابه إبراهيم:"نعم يأبني " قال إسحاق:"معنا النار والحطب، ولكن أين الحمل للضحية؟"8 أجابه إبراهيم:"الله يدبر لنفسه الحمل للتضحية يا ابني ."وتابع ....ومد ابراهيم يده واخذ السكين ليذبح ابنه .فناداه ملاك من السماء وقال:"إبراهيم إبراهيم " فأجاب:"لبيك "12 فقال:"لا تمد يدك الى الولد، ولا تفعل به شيئا ألان علمت انك تتقي الله، فلم تمنع ابنك وحيدك عني "13 وانظر إبراهيم فرأى كبشا اشتبك بقرنيه في شجرة الغابة . (37)

 فهذا النص المركزي الذي يمارس من خلاله تأويل العهد ونقله من إبراهيم إلى إسحاق دون إسماعيل على الرغم من ان القربان يذكرنا بفعل طقسي كنعاني (38) يقوم على التضحية الحيوانية او البشرية، ولكنَّ النص هنا يشكل محاولة تطويب العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم وتجلى من خلال الختم الذي يميز أهل العهد عن غيرهم من الغلف (يشير الله في ظهوره لابراهيم الذي كلمه فيه بهذه الكلام، أولا الى العهد الذي أبرمه معه، ثم يكرره وعده .لكنه يحول بعد ذلك علاقة الوجود أمامه الى واقع مرئي دائم: انه يامره بالختان "فيكون علامة عهد بيني وبينكم")(39).

 وهنا يتشكل أول ملامح الراعي الذي سوف يشكل الأخيار او الأصل الذي يعبر عن الانتماء الأصلي للديانة التوحيدية سواء كانت إسماعيلية اواسحاقية ثم ابنه اسرائيل وهنا يتشكل المخيال الجماعي المشترك الذي تحول الى مكتوب مع التوراة الإسرائيلية؛ الا انه بقى شفاهيًا عند التيار الإسماعيلي(40) والمكتوب هنا (يشكل الوسيط الرمزي الذي يربطنا بالمخيال التاريخي . ولا غرو أن يأتينا كما هو في بداهته وتلقائيته، مادمنا لا نتقبله مباشرة بل بالواسطة ولكن هذه المرة وسيلتنا الوحيدة التي لا نملك غيرها ...فالسطح هنا هو المكتوب الموثق، والحفر فيه ممكن، وقد يوصلنا الى المخيال الاجتماعي، ولكننا لا نستبصره محسوسا ماديا، بل من جنس المجردات)(41) فالفرد ذاته وهو ينقل الخبر ذاته في سياقين مختلفين من شأنه أن يؤثر في الخبر على طبيعة الخبر في بثه وتقبله الا الرواية والتقبل هما الان يصنعا الخبر وهذا ما حصل في الحديث عن شخصية يعقوب، وبهذا تصدق المقولة التي اتخذناها عتبة والتي مفادها "أن الربانيين والحاخاميين فسروا التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يلبي غرائزهم ونزوعهم للتفوق على بقية أجناس البشر"..(42)

 إنّ التحيّز الى شعب معين يبدأ من العهود التي تؤكد عليها التوراة بين الانبياء والرب والوعد بالأرض ومن اجل الوصول الى هذا تعتمد التوراة تناصات اسطورية مستعارة من الشرق وهذا ما يرصد في التوراة خصوصا في الكتاب الخامس (الذي يستخدم الاسطورة القديمة لتصور اللاهوت المرعب في الاختيار الالهي الذي لعب دوراً حاسما في تاريخ المعتقدات الثلاثة) (43)ولعل هذا ما يمارسه بعضهم أثناء الحروب الأخيرة فهذا احدهم اثناء تواجده في العراق المعاصر محتلا وهو يزور آثار عراقية ويرصد فيها معابدها القديمة وآثارها يطرح سؤ الًا عن حياة ابراهيم هنا (هذا المعبد أثار انتباهه بحجمه الهائل وموقعه المشرف على ما يصفه بأنه "قرية أور ببيوتها ألمنخفضة التي لا يتعدى ارتفاعها طابقاً واحداً وطابقين في أفضل الحالات". هذه "القرية" هي أحد أكبر مواقع المدن الأثرية في العالم وأهمها، ولكن أكرسون يتساءل "مندهشاً" كيف خرج إبراهيم من هذا المكان الذي يطل عليه "المعبد الوثني" المهيب؟ وفجأة يجد الجواب، وهو أن إبراهيم استطاع أن يشق طريقه عبر هذا الظلام الوثني مهتدياً بنور التوحيد، ليصل إلى حران، ثم إلى ما يسميه بـ "أرض إسرائيل"، وهو الاسم الذي أعيد إحياؤه بعد أربعة آلاف سنة من الفترة التي يفترض أن إبراهيم عاش فيها..) (44)

 وعلى الرغم مما اصاب هذه الرحلة وتلك الشخصية من قراءات متنوعة بين النفي (45)والاثبات الا انها تبدو رحلة ابراهيم الفار بدينة من العنف الذي تفرضه السلطات الشمولية نحو وطن اخر تستثمره التوراة من اجل بناء وطن بديل .

 6-2- من يعقوب الذي "أصبح إسرائيل"

 (الإسرائيليون أو بنو إسرائيل)

  وهم جزء من الإسلاف لليهود أيضا إلا أنهم مهمين هنا إذ كان العهد الثاني () اعتقد ان هذا العهد هو الأساس في انتقال الرأسمال الرمزي والاقتصادي القائم على الاستيلاء على الأرض لهذا تحاول التوراة ان تقدم توظيفًا أسطوريًّا في خلق علاقة بين الجد والإله من اجل الحصول على البركة وان كانت تتعارض مع ابسط القواعد الأخلاقية واللاهوتية من خلال تشخيصها الرب ودخوله في صراع مع إسرائيل فهي لا تعامل الأسلاف بذات السمات التي تعامل بها الأنبياء بعد موسى وكأننا هنا أمام زمن الإبطال المؤسسين كما هو الحال في الأدب العراقي القديم مثل: اوتونابشتم وجلجامش وآدابا والأدب اليوناني كما هو أحوال أبطال هوميروس ....الخ

 ولكنَّ النصوص الدينية هنا تعامل مع الوقائع على أنها تاريخ قدسي وتعمل على تقبل كونه تاريخ متعالي إذ يظهر يعقوب حسب السرد التوراتي يمثل محور الرغبة اليهودية ألقائمة على الفوز بالعهد الإلهي من دون أبناء إبراهيم الآخرين مثل إسماعيل فهو الأكبر وأول من تم تقديمهم بوصفهم قربانًا للرب على الطريقة الكنعانية .

فمحور الرغبة يظهر البطل يعقوب يدخل في صراع او محاولة إقناع الرب وخلف يعقوب كل اليهود وارثوا العهد وبالمقابل الخصوم هم: أخوه إسماعيل وأبناؤه .......اذ تروي التوراة لنا نصّين:

النص الأول:إسرائيل هو لقب للنبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وقد اختلفت الروايات في أصله، فهناك من يرى انه مؤلف من كلمتين قديمتين هما (إسرا) بمعنى غلب أو عبد أو صفوة و(إيل) وهو الله فيكون معنى الكلمة غلب الله أو عبد الله أو صفوة الله(46). وهناك من يرى انها كلمة كنعانية الاصل تعني (ليؤا – زر – أيل) وأيل اسم اله(47)

 ويبدو ان هناك حادثة ترويها التوراة؛ لأنّ الامر يأخذ بعدا اسطوريا عندما يتجسد الاله هنا شبيهًا تجسده في العبادات الوثنية اليونانية خصوصا في الالياذة وهذا يبدو حيث كان المقدس لم يكن متمايزا جوهريا من الطبيعة أو الصفات الإنسانية بحسب ما صورته التوراة (عاد يعقوب بعد سنوات من "حران" مع زوجاته وعائلته داخلين مرة أخرى إلى أرض كنعان، فتلاقوا في "عيد الظهور " في معبر "جابوك" في الضفة الغربية، بينما كان هناك كائنا غريبا يبدو –روحيا- يصارعه طول الليل للفوز عليه . وعند الشروق مثل أكثر الكائنات الروحية كان لابد ان يغادر الارض، لكن يعقوب تمسك به فلم يتركه يذهب الا إذا كشف له عن اسمه في العالم القديم الذي يعرف كشخص يمثل قوة عليا .لكن القوة الروحية العليا امتنعت فلم تبح ليعقوب بذلك كي لا يبوح له بتلك المعلومة)(48)

 فالامر هنا يتعلق باسم الاله السري كما يعرف بعلم السيمياء البابلية والقبالة اليهودية، وهناك جزء اخر يتعلق بالبركة والعهد بالأرض فيعقوب بعد ان عاد من مصر اراد ان يقابل اخا له فجلس (يعقوب) في خيمة وبينما هو كذلك دخل عليه رجل:"فبقى يعقوب وحده وصارعه انسان حتى طلع الفجر، ولما رأى انه لا يقدر عليه حق فخده فانخلع حق فخد يعقوب في مصارعته معه . وقال اطلقني لانه قد طلع الفجر . فقال له لا اطلقت ان لم تباركني . فقال له ما اسمك فقال يعقوب . فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل اسرائيل لانك جاهدت مع الله والناس وقدرت . وسأل يعقوب وقال اخبرني باسمك فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك . فدعا يعقوب اسم المكان فنوئيل قائلا لاني نظرت إلى الله وجهاً لوجه وبخيت نفسي . واشرقت له الشمس اذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخده(49)، وكأننا هنا أمام الصراع بين جلجامش وعشتار وكيف تمكن جلجامش وانكيدو من التغلب على الثور السماوي .

النص الثاني: يضع هذه الحادثة بعد إقامة يعقوب لمذبح الرب في بيت إيل، وذلك بعد الصراع في يبوق بزمن لا بأس به: "فأتى يعقوب إلى لوز التي في ارض كنعان هو وجميع القوم، الذين معه وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان ايل بيت ايل .. وظهر الله ليعقوب ايضا حين جاء من فدان ارام وباركه، وقال له الله: اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك يعقوب فيما بعد بل يكون اسمك اسرائيل(50).

يمكن ان نورد نقدًا للعهد الذي منح الى اليهود بأرض كنعان بوصفه تطويبًا للأرض، فقد قدم غارودي مجموعة من النقود لهذا العهد وهي:

1- وعد بالأرض، بمعنى الوعد بالاستقرار، وقد وجه في بادئ الامر إلى جماعات من البدو الرحل الذين يتطلعون الى الاستقرار في أي من المناطق الاهلة الصالحة للسكن ثم اصبح هذا الوعد جزءا من التراث الديني والقصصي لدى قبائل شتى متباينة .

2- لم يكن هذا الوعد الموجه إلى البدو هو غزو منطقة ما سياسيا او عسكريا بقدر ما كان يهدف الى استقرارهم بالسكن في منطقة محدودة.

3- في حقبة لاحقة اكتسبت الوعود القديمة بعدا جديدا وذلك عندما تجمعت عدة قبائل من البدو الذين توطنوا لتشكيل معا " شعب إسرائيل " إذ كان الاستقرار قد تحقق ومن ثم بدا الوعد يكتسب طابعا سياسيا وعسكريا وقوميا، وبإعادة تفسير الوعد على هذا النحو أصبح ينظر اليه بوصفه انموذجا للغزو النهائي لفلسطين وإعلان قيام مملكة داود ولإضفاء الشرعية عليها .(51)

6-3- موسى (الموسويون)

اولا - قصة الولادة والنبوة:

 إنَّ الزعيم الذي كان له اثر كبير هو "موسى: ومنه جاءت التسمية الثالثة لليهود هي (الموسويون) وقد تم تداول هذه التسمية بعد مرور الدور الذي تم فيه تداول تسمية اسرائيل بزهاء ستمائة عام .عاش بنو إسرائيل في مصر في بحبوحة من العيش تحت رعاية أخيهم يوسف فقد أقطع لهم أراض زراعية خصبة، وتكاثروا وكان سكنهم في أرض جاسان شرقي الدلتا، لكن جاء ملك في مصر إلى الحكم فمارس معهم اعمال السخرة من اجل تشييد المباني .

 وفي هذا الواقع ولد موسى إشارة الى الجماعة التي خرجت من مصر بقيادة نبي الله موسى (52)، لقد أثارت شخصية النبي موسى وأسمه كثير من الجدل بين علماء التاريخ والدين، وهذه المشكلة دفعت الباحث اليهودي والطبيب النفسيّ سيجموند فرويد(53) إلى القول إن موسى كان مصرياً ويستند في ترجيح هذا الافتراض على ما يأتي:

1- لم يرد في أسماء العرب القدماء اسم نطقه كأسم موسى فهو أول شخص يحمل هذا الاسم.

2- أن كلمة موسى بأشتقاقها الذي ذكر في العهد القديم (خروج 8: 10) قد أعتبره اسما يهوديا وأنه سمي بهذا الاسم لأنه أنتشل من الماء، حيث جاء العهد القديم:" ودعت أسمه موسى وقالت لأني أنتشلته من الماء " والكلام هنا على لسان أبنة فرعون(54) والفعل أنتشل في النص اليهودي فعل نادر الأستعمال جدا بهذا المعنى هو الفعل (مشى) الذي أشتق منه أسم موسى (موشى) .

3- نجد في اللغة المصرية كلمة قربية جدا من نطق موسى هي لفظة (موسى) التي تعني مو = ماء، سا = ابن فيكون معنى الاسم ابن الماء(55) ويكتبونها احيانا بالعربية (مُس) بدون واو، وهي التي توجد في أسماء الفراعنة نحو تمس (أي أبن الآله نحوت)، ورعمسيس (أي أبن الآله رع) (56). 

 ويبدو ان هناك ذهنية قديمة باضفاء هالة من الاعجاز على ولادة الشخصيات المحورية في تاريخ الشعوب هكذا عامل الاكديون الامبراطور المؤسس في وسط العراق اذ هنا نص أسطوري قصة ميلاد سرجون الاكدي (2340 – 2284 ق.م) والنص الروماني أسطورة أولاد الذئبة(57) . ويبدو انها طريقة قديمة تعكس مكانة القائد واثره في تلك الحضارة ومن هنا كانت هناك تناصات اذ أشار عدد من الباحثين الى الشبه الكبير بين ما ورد في قصة سرجون الأكدي وبين ما ورد في قصة موسى (58) .

 وتبدأ بعد ذلك هذه القصة المؤسسة في حياة الجماعة الموسوية مع اكتمل عقل موسى وعلمه وبلغ الاربعين شاهد مصريا يتقاتل مع عبرانيا فانتصر موسى للعبراني فقتل المصري وهرب إلى أرض مديان، وهناك التقى موسى بيثرون (شعيب)كاهن مديان وتزوج ابنته ورعى غنمه، ثم ظهر الله لموسى في عليقة في حوريب، أخبره الرب أنه سمع صراخ بني إسرائيل وانه سيرسله ليخلصهم من الظلم.

ذهب موسى - بحسب الرواية التوراتية للتاريخ – الى فرعون وطلب منه تحرير بني اسرائيل، لكن فرعون رفض فصنع الرب عشر آيات ومعجزات لضرب مصر وإحراج فرعونها:

1- تحويل النيل إلى دم .

2- ضربة الضفادع.

3- ضربة البعوض والذباب .

4- ضربة المواشي بالوباء .

5- ضربة البرد (الحالوب) والجراد والظلام .

6- الضربة التي تم على اثرها الطرد وهي موت الباكرات من النساء .(59)

ثانيا - قصة الخروج:

على أية حال كانت غالبية الذين خرجوا مع موسى من الهكسوس والمصريين وقلة من بقايا بني اسرائيل أولئك الذين بقوا في مصر من نسل يعقوب، حين قدم يعقوب وزوجاته وأسباطه عند يوسف في أعوام القحط(60) . والملاحظة الجديرة بالانتباه أن سفر الخروج يصمت صمتا تاما عن الفترة التي قضاها بنو اسرائيل في مصر بين وفاة يوسف وولادة موسى، ولا نعلم سوى أن هؤلاء قد وقعوا تحت نير العبودية . فاقامة بني اسرائيل في مصر وفق سفر الخروج (12: 40) هي أربع مئة وثلاثين سنة أما سفر التكوين (15: 13و16) فهي أربعمئة سنة فقط وفي نهاية قصة يوسف، لدينا إشارة واضحة الآن إلى أن فترة الإقامة في مصر لم تتجاوز حياة جيل واحد فقط من أحفاد يوسف (تكوين 50: 23) والمدة الفاصلة بين موت يوسف ودخول كنعان بما فيها فترة الإقامة في مصر وفترة الخروج لم تتجاوزمئة سنة على أبعد تقدير، وأن الذين ولدوا في حياة يوسف هم الذين أستعبدوا من المصريين وهم الذين خرجوا أيضا مع موسى ودخلوا مع يشوع(61) .

عند "سفر التكوين"، هو "سفر الخروج"، ذلك هو اسم موسى، كيف كتب بالخط العبري؟: كتب (م ش ه) وفسر على لسان بنت فرعون التي زعم هناك أنها مسميته كما يلي "كي من هميم مشيتهو" ومعناها "لأنني من الماء مشيته" والمقصود أنها أخرجته من الماء.

أولا: نلاحظ أن الاسم "م ش ه" من لغة بنت فرعون لا من لغة العبرانيين. وأن "مشيتهو" من لغتها.

ثانيا: نلاحظ أن "م ش ه" من صيغة المبني للمجهول القربية، وأن الهاء هناك للسكت، والمقصود ان بنت فرعون سمته "مشي" أي أخرج.

ثالثا: يلاحظ أن "مشى" في لغة بنت فرعون تعني "مشى" في عربيتنا، وأنها استخرجت من ذلك فعلا مبنيا للمجهول على الطريقة العربية هو (م ش) وأضيفت الهاء للسكت.رابعا: يلاحظ أن هذه المعاني لا تستقيم إلا بالعربية، أعني أن كاتب النص كان يتحدث عن ناطقة بالعربية، وكان يكتب لقارئين بالعربية، فلذلك فسر الاسم بمقتضى العربية كما فهم.هذا كله ليس إلا اجتهادا في تفسير العلاقة بين (م ش ه|) والفعل المذكور في عبارة بنت فرعون، لكنه ليس موافقة على تلك العلاقة التي ليست إلا تفسيرا للاسم يأتي به كاتب النص المدعو "سفر الخروج". إن اسم (م ش ه) ليس كما ذكر كاتب سفر الخروج اشتقاقا من المشي على لهجته العربية التي كتب بها في الأصل "سفر الخروج"، إن هو إلا تحريف لكلمة "موسى" التي تعني السكين. كل ما كان من ناقل النص إلى العبرانية أنه نقل هناك نصا عربيا يفسر الأصل الاشتقاقي لاسم (م ش ه). وعلى ذلك يكون كاتب النص العربي الأصلي قد قرأ في خط لا يثبت الحركات والنقط وحروف اللين، ويكون قرأ (م ش ه) في نص فيه (م. س)، وأضاف هاء السكت كما أضاف الحركات من بعد وحروف اللين.ومعنى ذلك، أن كاتب النص العربي الأول الذي ترجم عنه النص العبراني أخطأ في القراءة. لماذا؟ لأن القراءة الصحيحة (م. س) هي "موسى" وتعني السكين، بل إننا نضيف إلى ذلك أن المترجم إلى العبرانية اضطر إلى إدخال فعل "مشى" محرفا إلى العبرانية، وذلك ليفسر اسم (م ش ه) به، وكأن الأصل الذي نقل عنه كان كما يلي: "لأنني من الماء مشيته"، وكأن القراءة التي جعلت للاسم في الأصل العربي هي "مشي" بصيغة البناء للمجهول العربية، فاضطر المترجم العبراني إلى الحفاظ على الأصول العربية مع تحريفها لتناسب النطق العبراني، وذلك ليتم له في النص العبراني بيان العلاقة بين الاسم وسبب التسمية. (62)

 7- بنية المجتمع اليهودي وطبقاته الاجتماعية

  القارىء الفقيه للمجتمع اليهودي يجد الطبقات الآتية في الشعب اليهودي:

 7-1- الصدقيـــــون:

7-1-1- انتمائهم:وهم طائفة كهنوتية ارستقراطية، وقد اشتق اسمهم من اسم صادوق سليل فنحاس الذي مارس الكهنوت حين انتهى نسل أولاد هارون .

7-1-2- موقفهم السياسي:كانت متحالفة دائما مع السلطة السياسية الحاكمة حتى حين كانت هذه كانت السلطة معادية لليهود، كان هدفهم أن تظل الاوضاع مستقرة ليحتفظوا بسلطانهم وثروتهم . ومن ثم كانوا يتغاضون عن وجود المستعمر بل كانوا يشجعون ذلك ويسعون الى بقائه، لهذا لم يكن يحبهم الشعب .

7-1-3- فهمهم للشريعة:وقد اكتفى الصدوقيون بالطاعة الاعتيادية للشريعة المكتوبة فقط، و رفضوا الأحاديث الشفوية التي يقول بها الفريسيون، الذين كانوا يعتقدون ان تقاليد الاباء وتعليقاتهم على الشريعة هي فوق الشريعة، ومن هنا فقد

7-1-4- على مستوى المنهج: في فهم الشريعة فقد أخذ الصدوقيون بالاتجاه الحرفي المحافظ في تعاملهم مع النص المقدس اليهودي، وعلى هذا فقد فهموا الامر القائل:"العين بالعين والسن بالسن " بمعناه الحرفي الدقيق، بينما فسره غالب "الفريسيين " بما يفيد دفع التعويض المالي .لقد أدت هذه الحرفية غير المرنة، بالإضافة لأهمية الهيكل بوصفه المكان لتقديم الاضاحيات، الى ضعف موقف الصدوقيين الذي كانوا –في الأساس –كهنة – ولم يستعيدوا مكانهم بعد نكسة سنة 70 (للميلاد)

7-1-5- عاشت ولم يكونوا يهتمون بالدين بل كما يصفهم مؤرخو الأفكار على أنهم كانوا ماديين دنيويين لا يؤمنون بالبعث، ولا بالدار الآخرة ولا بالملائكة ويعيشون في الدنيا عيش التنعم والرفاهية من خلال ما تقدم من الضحايا والهبات التي كانوا يمنعون حرقها ويأخذوها لهم .

 ويبدو ان هذه الطبقة من رجال الكهنوت بوصفهم المشرفين على المعبد يجعلون من المعبد مصدر للمال نظير ما يقدمونه من خدمات للمعبد . وهم بهذا كانوا حريصين على النصوص المدونة يأخذوها كما هي بظاهر النص دون تأويله تأويل باطني ودون معاني شفهية تسقط على النص وهم بما يتعلق بالعالم الأخر كانوا يعكسون المعارف التوراتية التي كانت اقرب ما تكون إلى الفكر العراقي القديم حيث لم تتشكل بعد تصورات عن العالم الاخر . (63)

7-2- الفريسيون:

7-2-1- التسمية:كانوا من اكبر الفرق اليهودية في القرن الأول (للميلاد) كانت هذه الجماعة تلزم اتباعها بقواعد صارمة للطهارة فيما يتعلق بإجراءات العشر Tithing procedures .كانت هذه المجموعة تسمى بيروشم Perushim بالعبرية بوصفها حركة محددة مميزة –أحيانا – في بداية الحقبة "المكابية" بعد حوالي سنة 160 قبل الحقبة المسيحية قبل الميلاد .

7-2-2- وقد كان يطلق على الفريسين "الفاصلين Seperators او الانفصاليون ـ كما نعتهم (الصدوقيون) ـ أي انهم فصلوا انفسهم وقد تدنسوا بإهمال ما تفرضه عليهم طقوس التطهر.من خلال انشقاقهم على المجلس الديني السنهدرينSanhedrin الذي يسيطر عليه الصدوقيون، ورفضوا المشاركة في مشارواته.

7-2-3- كان الفريسيون يعتبرون انفسهم الورثة الحقيقيين لليهودية كما تجلت في الكتاب المقدس اليهودي .............

7-2-4- فقد الكهنة نفوذهم بعد تحطيم الهيكل (70م) واصبح الفرسيون عن طريق احبارهم المعلمين والرعاة لذلك الشعب، ومن ابرزهم (هلل) ولد في بابل (75 ق . م) وضع ثلاث قواعد ليهتدي بها الناس في حياتهم ؛ حب الناس وحب السلم، وحب الشريعة ومعرفتها.

7-3- والاسينية:

 وهم الفرقة الثالثة ويعني اسمهم ـ المستحم وان اعضاءها اخذوا عقائدهم وعباداتهم من نظريات الزهاد ونظمهم التي كانت منتشرة في العالم في القرن الاول قبل الميلاد وكانوا متمسكين اشد التمسك بالشريعة المكتوبة وغير المكتوبة، ويعيشون عزاباً زهاداً في واحة (انجارس ـ Engads) وسط الصحراء الواقعة غربي البحر الميت يعيشون على شكل جماعة واليها ينتسبون وينتخبون زعماءهم بالاقتراع العام .. وكانوا ينتظرون خروج المسيح ليبنى على الارض مملكة شيوعية سماوية وقد عذبوا ولم يتراجعوا عن معتقدهم(65).اذ كانوا جميعاً متفقين على ان المسيح سيخضع الكفار اخر الامر.

 وهنا نلاحظ التداخل الذي حصل بين المذاهب الأسطورية وكيف تداخلت في التوراة والفلسفة في أحداث لها اثر عميق في ظهور المسيحية فيما بعد.

 

د.عامر عبدزيد الوائلي

جامعة الكوفة - فلسفة

............................

(1) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ دار الحرية الطباعة، بغداد، 1972، المقدمة، ص"ن"

(2) قاموس الكتاب المقدس، ص1084.بواسطة رشيد الخيون، الاديان والمذاهب بالعراق ص115.

(3) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، صص158.

(4)طيب تيزيني، من يهوى إلى الله، القسم الأول، ج3، دار دمشق، ط1، دمشق 1985، ص121.

(5) المصدر نفسه، ص121.

(6) نفس المصدر، ص130.

(7) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ت: جهاد الهواش و عبد الهادي عباس، دار الحص اد، ط1، دمشق، 1999، ص59.

(8)طيب تيزيني، من يهوى إلى الله، ص134.

(9) انظر رسل حكمة الغرب ج1 ص وانظر محمود القمي الاسطورة والتراث ص179 وانظر على شوك، الاساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة، دار اللام لندن، 1987، ص78ـ86. وانظر فراس السواح مغامرة العقل الاول. دار الكلمة بيروت، ص211 وروجيه غارودي، الاساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ت محمد هاشم دار الشرق ج2، 1998، ص54.

((10))- سفر الخروج: 20 (1 - 5) .

(11) نزار يوسف، الحكمة بين الاله والسلطان، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، دمشق، د-ت، ص241.

(12) هيجل العقل في التاريخ، ت: وتقديم وتعليق د.امام عبد الفتاح امام، المجلد الاول من محاضرات في فلسفة التاريخ، دار تنوير، ط3، بيروت، 2007، من المقدمة المترجم، ص38.

(13) المصدر نفسه، ص39.

(14) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ص27.

(15) المصدر نفسه، ص29.

(16) -

(17) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، دار العربي للنشر والطباعة، ، ط4 دمشق د.ت، ص

(18) - هناك نص هو عبارة عن رسالة مخطوطة مُكتشفة لرجل يُسمى أريستياس كتبها لأخيه فيلوقراط نستطيع أن نعلم أن سبب ظهور هذه الترجمة للوجود هي أن بطليموس الثاني (بطليموس فيلادلفيوس) أراد أن يُكمل مكتبته ويُوفر فيها ما أراده ويزيد من عدد كتبه من 250 ألف إلى 500 ألف كتاب , فسأل عامل مكتبته الفيلسوف الاثيني ديمتريوس عن ما تحتاجه المكتبة من كتب فأشار عليه بترجمة الكتب المقدسة التي بأيدي يهود الإسكندرية ووضعها بالمكتبة. فأمر الملك بترجمتها إلى اليونانية .وكتب الملك رسالة إلى الحبر الاعظم في أورشاليم أن يُرسل له 6 أحبار من كل قبيلة من قبائل اليهود الإثنى عشر ومقابل ذلك أن يُحرر الملك أكثر من مئة الف عبد يهودي بمصر . وأرسل طاولة توضع في قدس الأقداس من الذهب الخالص ومرصعة بالفضة والأحجار الكريمة. فأرسل الحبر الأعظم أليعازر 72 حبراً إلى الإسكندرية ومعهم مدارج كُتب فيها الكتاب بأحرف من ذهب ,ستة من كل قبيلة.مهرة في الكتاب وعلماء باللغة اليونانية.

(20) - كتاب التوراة السامرية: ترجمة إسحاق الصوري وتحقيق أحمد حجازي السقا.

(21) سبينو موسكاني: من عرض لااراء فلهاوزن بكتابة: الحضارات السامية القديمة، ت: يعقوب بكري، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1957، ص157.

(22) ايفار لسنر، الماضي الحي، مصدر سابق، ص142.

(23) الاسلاف كما يشير إلى هذا سيد محمود القمي ...

(24) رينهارد لاوت، ابراهيم وابناء عهده مع الله، ت: غانم هنا، خطوات للنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 2006، ص12.

(25) - غارودي، اساطير المؤسسة، ص43.

(26) - المرجع السابق، ص44.

(27) CAD: H, Vol. 6, p. 84; Bottero, J., Real Lexicon d’ Assyriology, Paris – 1972- 75, Vol .4, p.22; Na’aman, N., “Habiru and Hebrews: The Transfer of Social Term to the Literacy Sphere”, JNES, Vol. 45, No. 4, 1986, p. 275-278; Johnson: opcit, p. 37-38.

(28) السواح، فراس: ارام، دمشق، اسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي، ط5، دمشق - 1999، ص83 .

(29) كمال الصليبي، خفايا التوراة واسرار الشعب إسرائيل، ط4، بيروت – 1998، ص 96-97 .

(30) رشاد عبد الله الشامي، اشكالية الهوية في اسرائيل، الكويت - 1997، ص 57 ؛ ظاظا، حسن: الساميون ولغتهم، دمشق– 1971، ص 72 .

(31) محمد سيد الطنطاوي، بني اسرائيل في القرآن والسنة، ط2، ليبيا - 1973، 1/3-6 ؛ ولفنسون، أ.: تاريخ اللغات السامية، القاهرة – 1929، ص77-78 .

(32) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ، ص32.

(33) وجاء في القرآن الكريم:) واتخذ الله إبراهيم خليلاً (خل ـ إيل ـ خليل الله الرحمن).

(34) احمد سوسه، العرب واليهود في التاريخ، ص"ن"

(35) - غارودي المرجع السابق، ص46.يبدو ان الحادثة لها حضورها في الميراث الديني للمنطقة سواء في كنعان او بلاد الرافدين حيث يروي سهيل قاشا:(في التوراة بعض عادات تظهر لنا نابية شاذة، ولكن في مخلفات التاريخ والآثار ما يثبت وجودها عند الأقدمين ويلقي عليها بعض نور . من ذلك ذبيحة اسحق التي تدل على تقريب ضحايا بشرية .فإنها تبدو أقل غرابة إذا ما علمنا ان في قبور الكلدانيين وفي متفعات فلسطين بقايا أجساد أطفال وعبيد تبدو فيها آثار الذبيحة) انظر سهيل قاشا، التوراة البابلية، دار الفرات، ط1، بيروت، 2003، ص16.وانظر: دانيال روبس، ماهو الكتاب المقدس، تعريب ميخائيل الرجي، دار المكشوف، ط1، بيروت، 1959.

(36) جان بوتيرو، ولادة اله التوراة والمؤرخ ص34. ونظر بواسطته التكوين ف 12:1-5

(37) التكوين:22:1، 2-13.

(38) نفس هذا الطقس عند الكنعانين عده "رينهارد لاوت " دليل على كون الكنعانيين شعب شرير بقوله:كانت الأرض الكنعانيين، وكان هؤلاء شعبا شريرا وفاسدا بشكل خاص .انتهى به فساده الى عادة، أن يقدم الابن البكر ذبيحة للأصنام التي يعبدها .ونتيجة لذلك لم يكن باستطاعة ابراهيم ان يشتري ارضا او ان يستولي عليها .انظر: رينهارد لاوت، إبراهيم وأبناء عهده مع الله ص152.

(39) المصدر نفسه، ص116.وانظر التكوين 17/11. رغم أن هذه العادة كانت سائدة في مصر القديمة ...الخ ؟

(40) يقد تاويل غريب "رينهارد لاوت " لا ادري من أين جاء به؛ الا انه يقول:(تلمح الرواية أحيانا كثيرة إلى أن إبراهيم كان يحب اسماعيل بشكل خاص، ألم يكن بالنسبة اليه الابن الذي طال انتظاره ؟ كان إبراهيم يتقدم أكثر فأكثر في السن ولم يكن يستطيع –من منظور طبيعي-أن يتوقع غيره) انظر: نفس المصدر السابق، ص113.وقد اشار الباحث ايضا الى اعتبار (اسماعيل هو ابن ابراهيم ابنه البكر، عبري حقيقي . هو اول من ختن، وبهذا لايمكن ازالة انتمائه الى العهد الابراهيمي مع الله، لان العلاقة الله بمن يدعوه تبقى بالدعوة غير قابلة للإلغاء، نفس المصدر ص163. وهي إشارة إلى شرعية أبناء إسماعيل ومنهم نبي الإسلام محمد (ص) بالانتماء إلى العهد الإبراهيمي مع الله

(41) - محمد الجويلي، الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي بين المقدس والمدنس، دار سراس للنشر، ط1، تونس، 2002، ص31.

(42) - وول ديورانت ـ قصة الحضارة..

(43) - إدوارد لين، فلسفة الرب، ترجمة، مارلين فارس، هفن للترجمة والنشر و البرمجيات، ط1، القاهرة، 2008، ص42.

(44) رسالة أكرسون الثانية من الكويت، أنظر (Frum.org).بواسطة: خالد الناشف، الاختراق الصهيوني للعراق.ص23.وانظر ايضا الى: إدوارد لين، فلسفة الرب، ص 41-43.

(45) - لقد كانت هذه الشخصية قد جذبه اهتمام المؤرخين فهناك من اثبتها واكد على وجود قرائن على حدوثها مثلورود الفلسطينين وهم قوم اريون من الغزاة الذين جاءوا الى فلسطين وقد ورد ذكرهم مثلما ورد ذكر الشعب الحيثي من خلال اسم "ملك حثي" كما يذكر دانيال روبس في، ماهو الكتاب المقدس، بالمقابل هناك من ينكر وجود هذه الشخصية ويعتبره اسطورية كما يرى سيد القمني، النبي ابراهيم والتاريخ المجهول .

(46) طنطاوي، محمد سيد: بني اسرائيل في القرآن والسنة، المصدر السابق، ج1، ص6،

 Odijk, p., the Israelites, New Jersey, 1990, p.9; Albright: opcit, p.14 .

(47) ابراهيم، جابر خليل:"الاخطار الخارجية: اليهود والفرس" في كتاب العراق قديمه وحديثه-1998، ص158 .

(48) - إدوارد لين، فلسفة الرب، ص39.

(49) تكوين 32: 24-32 ؛ السواح: ارام، دمشق، اسرائيل، المصدر السابق، ص40 .س

(50) تكوين 345: 6-10، وينظر ايضا، السواح، : ارام، دمشق، اسرائيل، ص40 ؛ طعيمة، صابر عبد الرحمن: تاريخ اليهود العام، ط1، بيروت – 1975، ج1، ص439-445 ؛ العقاد، عباس محمود: ابراهيم أبو الأنبياء، بيروت – 1967، ص49 محمد، قاسم محمد: التناقض في تواريخ واحداث التوراة من آدم حتى سبيء بابل، قطر - 1992، ص78.

(51) - غارودي المرجع السابق، ص46-48.

(52) تاكسيل، ليو: التوراة كتاب مقدس ام جمع من الاساطير، ترجمة حسان ميخائيل اسحاق، ط1، بيروت - 1994، ص 164 .

(53) جدير بالذكر أن الطبيب الفرنسي موريس بوكاي نشر مؤخرا كتابا يحمل عنوان " العبريون في مصر" The Hebrew In Egypt,1994.، من قبل NTT Mediascope Inc بطوكيو كثمرة مشروع مشترك مع مؤسسة اسلامية باليابان حيث قارن بين تعاليم العهد القديم وأحداث التاريخ السياسي لمصر القديمة ثم رجع بعد ذلك إلى آيات القرآن الكريم لأستنتاج الحقائق الأكيدة ينظر: منظمة المؤتمر الأسلامي مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الأسلامية، أستنبول، ع36، 1995، ص27.

(54) - السواح: الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم، ط4، دمشق – 1999، ص57-58 ؛ مني: جغرافية التوراة المصدر السابق، ص36-37 ؛ تاكسيل: المصدر السابق، ص167-168 ؛

Albright, W.F., “From Patriarchs to Moses: Moses out of Egypt”, B.A, Vol. 36, No. 2, 1973, p. 55-56.

(55)- قبيسي، محمد بهجت: ملامح في فقه اللهجات العربيات من الاكادية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية، دمشق – 1999، ص 336 .

(56)- فرويد: سيجموند، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، ط2، بيروت-1977، ص 59 ؛ ابراهيم، جابر خليل: المصدر السابق، ص155 ؛ ظاظا: الفكر الديني الاسرائيلي، المصدر السابق، ص17-18 ؛ موسى، محمد العزب: المصدر السابق، ص17-20 ؛ جودي، فاروق محمد: الصهيونية واللغة، القاهرة – 1977، ص 69 -70 .

(57)- الشويلي، داود سلمان: "رسالة الولادة المرفوضة دراسة تناصية بين ميلاد موسى ... وسرجون الأكدي"، الموقف الثقافي، ع 19، بغداد - 1999، ص86-87، وعن النص الأسطوري لميلاد سرجون ينظر مني: جغرافية التوراة المصدر السابق، ص37 ..

(58)- باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ط3، بغداد - 1973، ج1، ص36 ؛

Biema: opcit, p. 42; Hollo, W., “Compare and Contrast: The Contextual Approach to Biblical Literature”, In: The Bible in the Light of Cuneiform Literature, ed. Hollo, W., Jones, B.W., Mattingly, G.L., U.S.A – 1990, Vol. 8, p. 6-7.

(59) - رشيد باني الضالمي، الميثولوجيا، المصدر السابق، ص104-106.

(60) باقر، طه: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ط1، بغداد – 1955، ج2، ص 284 ؛ الصليبي: خفايا التوراة المصدر السابق، ص 153 – وما بعدها.

(61) السواح: آرام، دمشق، اسرائيل المصدر السابق، ص65-66 .

 (62) نايف الزهراني، الأصول العربية للتوراة العبرية

03/05/1430 - 27/04/2009,_ http://vb.tafsir.net/tafsir15838/#.VYMRTfmqqko

(63) الان انترمان، اليهود عقائدهم الدينية وعباداتهم، ت: عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط، القاهرة، 2004، ص116.64)

(65) ديورانت قصة الحجضارة، ص174، وانظر طيب تيزيني من يهوه الى الله ج3، المجلد1، دمشق، 1980، ص87، وانظر زياد منى، بنو اسرائل جغرافية الجذور، دار ا؟لأهالي، ط1، دمشق، 1995، ص212ـ ص213ـ ص215. وانظر محمود الشريف، الاديان في القرآن، دار المعارف بمصر، 1970، ص107ـص127.

 

 

الأحداث الكبيرة التي تقع في العالم وتتوحد آثارها على البشرية جمعاء عادة ما تثير تساؤلات جدلية فكرية ومعرفية، خاصة مع رصد ردود الأفعال المختلفة من قبل الشعوب، ومقارنة ردود الأفعال مع حضارة كل أمة ومنظومتها القيمية ومرجعيتها المعيارية التي تحقق لها الضبط الاجتماعي والاستقرار الأمني والاقتصادي، وبالتالي تحقق لها الرفاه.

وفي حدث كحدث فيروس كورونا بشكل خاص والأوبئة بشكل عام، ظهرت عدة تساؤلات معرفية حفزتها سلوكيات مهمة للأنظمة الغربية وشعوبها، جاءت كمواقف وردود فعل على هذه الجائحة التي كشفت جوائحهم العديدة.

وقد عبر كثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين عن آرائهم فيما وقع من ردود فعل لمواجهة جائحة كورونا. نستعرض هنا بعضها كمدخل لموضوع الورقة.

ففي مقابلة مع أسبوعية "لوبوان" الفرنسية، ندد الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراى "بانعدام كفاءة القادة الأوروبيين واستهتارهم في مواجهة التفشي الخطير لوباء كورونا؛ معتبرا أن أوروبا أضحت "العالم الثالث الجديد"، في توصيف عنصري إقصائي منه لبقعة جغرافية كبيرة، اتسمت بعض دولها بدرجة عالية من المسؤولية في إدارتها المبكرة لأزمة كورونا، كما في الكويت مثلا، بل تداعت أحزاب بطريقة حضارية وإنسانية عالية الحس في مواجهة هذه الجائحة، ولم تدر هذه الدول ظهرها لكبار السن والضعفاء ليواجهوا الموت، بل قدمت لهم العلاج دون تمييز على أساس الفئات العمرية أو الطبقات الاجتماعية.  وقد وصف ميشال أونفراي بنفسه آثار السياسة الليبرالية الأوروبية ونتيجتها التي تمثلت بترك كبار السن المصابين بفيروس كورونا عند مدخل المستشفى ليموتوا في ركنهم، بزعم أن فرص نجاتهم كانت ضعيفة مقارنة بأولئك الأصغر سنا! وهو ما لم يحدث أبدا في العالم الثالث كما وصفه أونفراى.

ويقول في اللقاء: أن أوروبا المسترخية التي تم تقديمها على مدار ربع قرن على أنها وحش اقتصادي من المحتمل أن يتصدى للإمبراطوريات الكبرى في العالم، ها هي اليوم تسقط في هذا الأمر: عاجزة عن صنع وتوفير الكمامات للأطباء والممرضين.. مبينا أن الفيروس غير موجود بشكل مستقل عن الاقتصاد، ففي اقتصاد العولمة، جعلت الطريقة الليبرالية المستريخية (نسبة إلي اتفاقية ماستريخت[1] الأوروبية) من الربح الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في جميع السياسات؛ فمثلا:

كمامات وتخزينها؟ أمر غير مربح.. والاستثمار في البحث؟ ليس بالأمر المربح على الفور. التوفر على خدمة طبية فعالة للجميع؟ ليس أيضا بالأمر المربح، بل يجب ترك الخدمة الطبية الجيدة للأغنياء الذين يستطيعون تحمل مصاريفها. حسب قوله[2].

أما الفيلسوف وعالم الاجتماع المعاصر إدغار موران فقال: تبين لنا هذه الأزمة (ويقصد فيروس كورونا) أن العولمة هي الاعتماد المتبادل دون تضامن. لقد أنتجت حركة العولمة بالتأكيد التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب، لكنها لم تعزز التفاهم بين الشعوب، ويضيف قائلا: يخبرنا الفيروس بقوة أن البشرية كلها يجب أن تبحث عن مسار جديد يتخلى عن العقيدة النيوليبرالية من أجل سياسة مضادة للأزمة (NEW DEAL) اجتماعية وبيئية. إن المسار الجديد سيحمي ويعزز الخدمات العامة مثل المستشفيات التي عانت من تخفيضات مجنونة في أوروبا لسنوات. سوف يصحح المسار الجديد آثار العولمة من خلال إنشاء مناطق متحررة من العولمة، من شأنها حماية استقلالات ذاتية أساسية كالاكتفاء الذاتي من الغذاء، الاستقلالية الصحية... وقال نحن في مجتمع حيث تدهورت هياكل التضامن التقليدية. إحدى المشاكل الكبيرة هي استعادة التضامن، بين الجيران، وبين العمال، وبين المواطنين. مع القيود التي نمر بها، سيتم تعزيز التضامن بين الآباء والأطفال الذين لم يعودوا في المدرسة، وبين الجيران.. إمكانياتنا الاستهلاكية سوف يتم ضربها، ويجب علينا الاستفادة من هذا الوضع لإعادة التكفير في النزعة الاستهلاكية، وبعبارة أخرى الإدمان، و" الاستهلاك المخدِّر، وفي تسممنا بالمنتجات دون فائدة حقيقية، ومن تخلصنا من الكم لصالح الكيف... يمكننا أن نستعيد ذواتنا، ونرى احتياجاتنا الأساسية، أي الحب والصداقة والحنان والتضامن وشعرية الحياة.. الحجز يساعدنا على البدء في تطهير طريقة حياتنا، وفهم أن العيش بشكل جيد هو تحقيق إمكانات "الأنا"، ولكن دائما داخل مختلف " النحن"... علينا أن نستعيد التضامن الوطني، غير المنغلق والأناني، بل المنفتح على المصير المشترك "الأرضي".. فالتضامن الوطني ضروري، ولكن إذا لم نفهم أننا بحاجة إلى وعي مشترك بمصير الإنسان، إذا لم نتقدم في التضامن، وإذا لم نغير التفكير السياسي، فإن أزمة الإنسانية ستسوء أكثر.[3]

أما الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه فيعتبر أن أزمة فيروس كورونا جعلتنا في سيرورة يقظة، وقال سنرى في الأسابيع المقبلة إلى أي مدى ستتقلص الفجوة بين الفرد والجماعة أو تصبح أكثر اتساعا. نحن نعيش اختبارا سياسيا حقيقيا واسع النطاق. هل تمكن البعد الفرداني الليبرالي والخاص من السيطرة بشكل كامل في مجتمعاتنا أم لا؟.. في المملكة المتحدة، تبنى بوريس جونسون بشكل علني استراتيجية "الحصانة الجماعية" أو مناعة القطيع "Herd Immunity" من خلال عدم حجز السكان وإعلان أن عددا كبيرا من الأشخاص الضعفاء أو المسنين سيموتون. يتوافق هذا الموقف القائم علي الاستهتار البراغماتي " Cynism pragmatique" مع نوع من التقاليد الإنجليزية. فهو ينطلق من افتراض أن الثمن الذي يجب دفعه، اقتصاديا واجتماعيا، للاحتجاز باهظ للغاية وأن المرض ليس في حد ذاته خطيرا للغاية بالنسبة للعدد الأكبر من السكان، وبالتالي فمن الضروري تحمل "الضرر الجانبي". فأمام التوصيات التي قدمتها الحكومة البريطانية نجد أنفسنا أمام خيار ليبرالي للغاية: بشكل فردي، أنت تفعل ما تريد، حتى إذا تم نصحك بالبقاء في المنزل، لكن بشكل جماعي، لا نأخذ تدابير سلطوية قاهرة. إن الحرية والمسؤولية الفردية هي التي لها الغلبة[4]. وقد تراجع جونسون رئيس الوزراء البريطاني عن هذه السياسة الصحية في مواجهة فيروس كورونا تحت ضغط الرأي العام الناقد، وبعد أن قامت جامعات عريقة في بريطانيا بتقديم دراسات علمية معمقة تنقض مبدأ "مناعة القطيع".

أما جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون، وصاحب نظرية القوة الناعمة فصرح في مقال له قائلا: أن ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب حول الاستراتيجية الأمنية الوطنية والتي تركز على التنافس مع روسيا والصين على القوة الأعظم، على مستوى التطبيق اليوم لم يعد ملائما. ف Covid-19 وهو الاسم العلمي لفيروس كورونا، أظهر أن هذه الاستراتيجية غير ملائمة اليوم. فمبدأ التنافس وأمريكا أولا لم يعد اليوم كافيا كاستراتيجية لحماية الولايات المتحدة الأمريكية. بل التعاون القريب مع كل من الحلفاء والخصماء أيضا يعد أساسي في أمن أمريكا.... وأضاف حتى لو كانت الولايات المتحدة هي من تتسيد صراع القوى التقليدي اليوم، إلا أنها غير قادرة على حماية أمنها بمفردها. واعتبر أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم قوتها الناعمة الجاذبة لتطوير شبكة مؤسسات تأخذ في حسبانها التهديدات الجديدة الرئيسية، التي تبدأ من الأدوية إلى الأمراض المعدية، إلى الإرهاب السيبيري. واعتبر أن الاستراتيجية الأمنية الوطنية يجب أن تبدأ من حقيقة أن أمريكا أولا تعني أن عليها قيادة الجهود الرامية إلى مزيد من التعاون، خاصة في المشاكل التقليدية مع الحاجات والقضايا العامة، مثل الهواء النظيف، حيث يتشارك فيه الجميع ولا يمكن إقصاء أحد من تلك المشاركة. فلا الرسوم الجمركية ولا الحدود المغلقة يمكنها حل هذه المشاكل، فقيادة أمريكا مهمة لأن نجاح تأثيرها العالمي يتطلب التعاون مع الآخرين وليس التنافس والتنازع.

وفي التحولات المتمثلة بفيروس كورونا والتغيرات الجوية والبيئية، لا يكفي التفكير في قوة أمريكا هنا على حساب القوى الأخرى، بل يجب علينا التفكير بتجميع الطاقات وتكاملها لتترابط الأهداف، والتي تجمع قوتنا مع الآخرين، في أي قضايا عابرة للوطن، فإن تمكين الآخرين من مساعدتنا، لأجل أن تتكامل هذه القوى مع أهدافنا. فتستفيد الولايات المتحدة في حال زادت الصين من كفاءة طاقتها بتقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون، أو بتطوير نظام الرعاية الصحية العامة. في هذا العالم الشبكات المؤسسية والتواصل بينها هو مصدر مهم للمعلومات وللقوة الوطنية، والدول الأكثر تواصلا هي الدول الأكثر قوة[5].

وهنا يؤسس مجددا جوزيف ناي بل يوظف نظريته في القوة الناعمة على المنفعة المتبادلة التي تصب في صالح قوة الولايات المتحدة وقيادتها للعالم، فتعاونها ليس لأجل منفعة الآخرين، بل لأجل أمنها، وتدعيم قيادتها للعالم بما يعود عليها في المصلحة المعلوماتية، وكلامه كان بناء على تداعيات الانتشار الكبير لفيروس كورونا في أمريكا، والذي نتج عن إخفاء الصين في بداية تفشي المرض لمعلومات هامة عن المرض، والتي تأتي في سياق الصراع بين الصين وأمريكا، وهو ما كانت نتيجته تهديد الأمن القومي الأمريكي، فتبين له أن فيروس كورونا كشف هذه الثغرة في استراتيجية أمريكا الأمنية القومية، وأن البديل هو أن تتكامل القوى العظمى في قيادة العالم، وتتوافق أهدافها لتكون المنفعة متبادلة.

ومما سبق يتضح السؤال الهام حول الهوية الأخلاقية التي تقود العالم، والتي كشفها انتشار فيروس كورونا Covid-19، وأهمية تسليط الضوء على تساؤلات مهمة ومنها:

ماهي المرجعية المعيارية في تحديد منظومة القيم والأخلاق التي يجب أن تقود العالم والدول والمجتمعات، والتي تتجلى تداعياتها في الأزمات؟ وهل القانون وحده أثبت ناجعيته في الضبط الأخلاقي للفرد والمجتمعات والدول؟ وحينما تتزاحم المصلحة العامة مع المصلحة الذاتية أيهما يقدم وما هي المعايير في تشخيص ذلك؟ وأسئلة أخرى تتعلق بمنظومة القيم والمعايير التي تشكل الهوية الأخلاقية نحاول فيما يلي في هذه الورقة المفتاحية عمل إطلالة عليها.

يتشكل الدافع وفقا لبنية الإنسان الفكرية والمعرفية، لذلك تتفاوت دوافع البشر في شدتها وضعفها وقوتها وعمقها وفاعليتها، بناء على الاختلاف الكبير في البنية الفكرية والمعرفية. ولكن ما هي محفزات الدافعية لدى الإنسان ونشوء الإرادة والدافعية نحو الهدف؟

فالإنسان بذاته يشترك مع الآخرين بوجود الدوافع التي تحرك إرادته نحو الفعل أو الهدف الذي أثار عنده دافع الحركة لتحقيقه، والهدف عادة مرتبط بمصلحة الإنسان، أي أن الإنسان عادة ما يرتبط بأهداف تحقق له مصالحه الذاتية، والتي تكون سببا في تحريك إرادته نحو العمل لتحقيق هذه الأهداف وبالتالي تحقيق المنفعة والمصلحة. ولكن هناك فرق كبير بين المنفعة والمصلحة، فالأولى ترعي الربح الشخصي، وهنا قد تتعارض الضوابط والقوانين مع هذا الربح الشخصي، فتتقاطع المنفعة مع القانون مثلا، ومع الضوابط الأخلاقية والقيمية، ويعتمد هنا التزام الشخص بالقانون والضوابط، على مرجعيته المعرفية وقاعدته الفلسفية ورؤيته الكونية، فإن كان لا يرى وجود قدرة غيبية تحكم الكون "الله"، وامتلك قوة وسلطة ونفوذ، فهنا يحقق منفعته حتى لو تقاطعت مع القواعد الأخلاقية والقيمية، أما لو كان يخضع في رؤيته لوجود قدرة غيبية قاهرة فإنه سيتجاوز عن منفعته ويتنازل عنها حتى لو امتلك القوة والسلطة في تجاوز الضوابط والقوانين.

أما المصلحة فهي تدور مدار الحقيقة، فالمصلحة والحقيقة توأمان لا ينفصلان، فالمصلحة تعني مراعاة الحقيقة وليس مراعاة الربح الشخصي[6]. فالشخص الذي يمتلك القوة والقدرة في مخالفة القانون، وفي مخالفة القواعد الأخلاقية ومعاييرها والمنظومة القيمية، ويستطيع تحقيق منفعته الخاصة، إلا أنه يدرك أن المصلحة العامة سواء كانت مرتبطة بخوفه من الله تعالى، وهنا تكون مصلحته الشخصية دون النظر لأي أمر آخر، فهو فقط يخشى عقاب الله فهنا دائرة المصلحة متعلقة بدائرة ضيقة من الحقيقة وهي دائرة النفس وعلاقتها مع الله، أو مرتبطة بخوفه من الله من جهة، وحرصه على حفظ النظام العام وحفظ الخيرية وعدم نقدها بتجاوز القانون والقيم والقواعد الأخلاقية لتشيع الفاحشة من جهة أخرى، وهنا المصلحة تتجاوز شخصه لتصبح متطلعة لمصلحة أكبر وأعم وتصبح المصلحة هنا مرتبطة بدائرة حقيقة أكبر وأوسع. فارتباط المصلحة بالحقيقة ارتباط رتبي تشكيكي (ذو مراتب متعددة ومتفاوتة). هذا الارتباط الرتبي يعتمد على دائرة وعي وإدراك الإنسان لله والكون والوجود والوظيفة. لذلك ارتباط المصلحة بالحقيقة يختلف من شخص إلى شخص، بينما المنفعة والتي تتعلق بالربح الذاتي قاعدة انطلاقها الأنا منفصلة غالبا عن الله، وغالبا تتقاطع مع المنظومة المعيارية القيمية والأخلاقية.

ولكن قد لا يؤمن الإنسان بوجود قدرة غيبية إلا أنه لا يتحدى أو يتقاطع في حركته مع المنظومة الأخلاقية والمعايير القيمية الناظمة، بل لا يتجاوز القانون رغم امتلاكه للقدرة والنفوذ والسلطة، فهو ناظر إلى المصلحة العامة في تحقيق النظم وعدم شياع الظلم والفوضى، وهو أيضا هنا ناظر لتحقيق راحة الضمير والوجدان الذي يمتلكه والقادر على فهم الواقع الأخلاق وتجلياته. وهو ما سنتطرق له في العناوين التالية.

حب الذات: اللذة، السعادة، الألم:

حب الذات، وأهمية هذا التأسيس الذي يكمن في سمة عامة عند كل البشر وفي فطرتهم وهي " حب الذات "، والذي يعتبر المحرك الرئيس والباعث الأساسي للدافع والإرادة، بل المؤثر الأول في السلوك الإنساني. فالإنسان كنوع يختص بميزات عن باقي المخلوقات، حيث يعيش جدلا داخليا وصراعا داخل ذاته نفسها، أي هو صراع داخلي يصفه بعض الباحثين بالجدال بين النفس والعقل أو بين الإرادة الأخلاقية وأهواء النفس أي ميولها الغرائزية غالبا.

وهذا الصراع موجود في الإنسان وليس في الحيوان، كون الحيوان يسير وفقا لغرائزه وممتثلا لها دون أدني إرادة، فالرغبة والغريزة تحكمه وهو ينفذ، بينما الإنسان يختلف بوجود قوى الإدراك والعقل والتي تحرك إرادته وحرية اختياره بين خيارات متعددة يميز بينها بإدراكه العقلي ثم يختار، وأحيانا تغلب رغباته وميوله الغرائزية إدراكه العقلي فيميل لما تمليه عليه غريزته.

وقد يكون مثال علاقة الطبيب مع المريض مثالا يوضح المعني المراد من هذا الكلام، فحينما يشخص الطبيب حالة المريض ويصف له دواء ومن ضمن ما يصفه هو حمايته من بعض الأطعمة التي تضر صحته، كنوع من العلاج مضموما لعلاجات الأدوية، يعيش المريض هنا صراعا داخليا، بين رغبته في هذه الأطعمة التي يحبها، وعدم حبه للدواء، وبين التزامه بتوصيات الطبيب التي تحسن من صحته العامة، فهو أمام خيارين يتصارع حولهما، خيار عدم الالتزام بكلام الطبيب وتحقيق رغبته في الطعام، بالتالي تدهور صحته، وتضرره ذاتيا من هذا القرار، وبين التزامه بكلام وتوصيات الطبيب، ومن ثم تحسن صحته وانتفاعه من هذا الالتزام. هذا النوع من الصراعات الإدراكية لا يعيشها الحيوان، وهي خاصة بالإنسان الذي يتميز بقواه العقلية والإدراكية، بالتالي يملك القدرة على الاختيار بين عدة خيارات.

فالإنسان له أبعاد غرائزية حيوانية، لكنه يتميز بامتلاك العقل والإدراك، الذي يمكنه من غلبة الغرائز وتوجيها وترشيدها بما يعود بالنفع المادي والمعنوي عليه، خاصة عندما يخوض صراعات بين هذه الغرائز وإرادته الأخلاقية.

إلا أن هناك رأيا آخرا يرى "أن الإنسان ليس كائن معرفة بقدر ما هو كائن رغبة"، وأن "ماهية الإنسان هي الرغبة"، وهذه الرغبة ليست منحصرة في مجال الحس الذي درجت عليه العادة اعتباره مصدرا للشر والعبودية، بحيث يتوجب قمعه بواسطة العقل والأخلاق، بل إن العقل نفسه ونظام الأفكار فيه ليس في آخر الأمر سوى نوازع جسدية. وبذلك يلغي هذا الرأي جوهرية النفس (النفس ليست جوهرا مستقلا ومتميزا إنما هي صوت الجسد وتعبيراته.. وفي هذا الرأي يقوم اسبينوزا بمماهاة خطرة بين الجسد والنفس وبين الرغبة والفكرة.

وهذا الجمع بين سجلين لا يمكن أن يجتمعا أبدا إلا إذا تخلينا في الوقت نفسه عن مبدأ المعقولية ومطلب الحرية. على اعتبار أن التصور الشائع للحرية يعني غياب الموانع والضرورات، وأن الأفعال الإنسانية تتأسس على إرادة إنسانية حرة في أن تفعل ما تشاء، ويتأسس هذا التصور كله على فكرة الثنائية للنفس والجسد، والقول بالثنائية يؤدي إلي علو النفس، وحرية الإرادة الإنسانية، إذ أن استقلالية النفس عن عالم المادية والضرورة يمكن من اعتبار الإرادة الإنسانية حرة.

وعلى ذلك أدى التجاوز السبينوزي لتلك الثنائية إلى نفي الحرية في معناها الشائع، من حيث أن الفعل الإنساني ليس ناتجا عن إرادة بقدر ما هو استتباع لهوى وميل جسدي. ويترتب على ذلك أن الحرية بالنسبة لسبينوزا لا تتمثل في كبح جماح الرغبات والميول الجسدية ).[7] فإخضاع الوجود الإنساني للسير الإجباري باتجاه رغباته دون أدنى إرادة ومقاومة، يغيب منه بعده الإنساني ويجعله أشبه ما يكون بالحيوان الخاضع لغرائزه.

لأن سبينوزا كان يعتبر فكرة أن للإنسان حرية إرادة فكرة باطلة ووهم، فالإنسان في نظر اسبينوزا آلة مفكرة تخضع تصرفاتها لنظام الكون الشامل، ولا يتمتع بإرادة حرة. وبالتالي هو يتكلم عن فكرة الجبر التي كانت تبرر الآثام والانحرافات في السلوك الإنساني، وتعتبرها خاضعة لنظام الكون. "وبذلك وفق اسبينوزا لا يمكن أن نفصل في إطار الوجود بين طبيعة الإنسان المادية التي يكون بمقتضاها خاضعا لضرورة الطبيعة وقوانينها الحتمية، وبين طبيعته الفكرية والروحية التي تعبر عن تعالي الإنسان عن كل ما يتعلق بالمادة، فتجد حريته وإرادته"[8].

تعريف الذات:

هو تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفا نفسيا لذاته، ويتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المنسقة المحددة الأبعاد عن العناصر المختلفة لكينونته الداخلية والخارجية. وتشمل هذه العناصر المدركات والتصورات التي تحدد خصائص الذات، كما تنعكس إجرائيا في وصف الفرد لذاته كما يتصورها هو " مفهوم الذات المدرك"، والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد إن الآخرين في المجتمع يتصورها، والتي يتمثلها الفرد من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، " مفهوم الذات الاجتماعي"، والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة المثالية للشخص الذي يود أن يكون. "مفهوم الذات المثالي"[9].

وتعريف آخر يقول: الصورة التي يعرف الإنسان نفسه بها. هي الإطار الذي يستطيع الإنسان أن يطبع نفسه بها، بحيث يكون ملما بما في نفسه، وهذه المعلومات التي يتوصل إليها الإنسان عن نفسه، تعتبر أشياء تعلمها عن نفسه، لهذا السبب استطاع أن يصور نفسه بأسلوب يستطيع من خلاله معرفة الكثير عن حقيقته [10].

وظيفة الذات:

وظيفة مفهوم الذات وظيفة دافعية، وكذلك وظيفة تكامل وتنظيم وبلورة عالم الخبرة المتغير، الذي يوجد الفرد في وسطه. ولذا فإنه ينظم ويحدد السلوك، وينمو تكوينيا كنتاج للتفاعل الاجتماعي جنبا إلى جنب مع الدافع الداخلي لتأكيد الذات، وبالرغم من أنه ثابت تقريبا، إلا أنه يمكن تعديله تحت ظروف معينة[11]. فمفهوم الذات أهم من الذات الحقيقية في تقرير الذات، وكل فرد يتأثر بالوراثة والبيئة الجغرافية والمادية والاجتماعية والسلوكية، ويتأثر بالآخرين المهمين في حياة الفرد، ويتأثر بالنضج والتعلم، ويتأثر بالحاجات وبالموجهات[12].

السلوك:

هو نشاط موجه نحو هدف من جانب الفرد لتحقيق وإشباع حاجاته كما يخبرها في المجال الظاهري كما يدركه[13].

فحب الإنسان لذاته، أي حبه للذة والسعادة، ونفوره من الألم والشقاء، غريزة عامة وقديمة في كل البشر، " فالواقع الحقيقي الطبيعي الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلها ويوجهها بأصابعه هو حب الذات، الذي نعبر عنه بحب اللذة وبغض الألم. ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمل مختارا مرارة الألم دون شيء من اللذة، في سبيل أن يلتذ الآخرون وينعموا، إلا إذا سلبت منه إنسانيته، وأعطي طبيعة جديدة لا تتعشق اللذة ولا تكره الألم..." [14]

وأي محاولة لتغيير سلوك الإنسان تكمن في تغيير فهمه للذة والألم، ونعني بفهمه أي إدراكه، وما تشكل من أفكار حول اللذة والألم، سواء نتيجة خبراته الحياتية أو نتيجة ما تلقاه من تعليم وتربية أسرية ومدرسية، وفهمه لحب الذات، وحدود تحقيق هذا الحب ومقوماته، لأن تغيير هذا الفهم سيؤثر على سلوكه العام في الحياة على مستواه كفرد، وعلى مستوى المجتمع كذلك، فميدان الفرد في تحقيق حبه لذاته، هو نفسه وأسرته، والميدان الأكبر هو مجتمعه.

فالفيلسوف الألماني إيمانويل كانت يعتبر أن لا علاقة للألم بالسعادة، وأن السعادة هي اللذة في خاتمة المطاف، فكل لذة سعادة، ولكن اللذة التي يعقبها الألم ليست سعادة، فالسعادة مبنية على الالتذاذ دون أي ألم، ولا علاقة للوجدان بالسعادة أي باللذة وإنما علاقته مرتبطة بالكمال. إلا أن الفلاسفة المسلمون كابن سينا في الإشارات وغيره يعتقدون أن لا فصل للسعادة عن الكمال ولا فصل للكمال عن السعادة. ويعتبر فلاسفة الإسلام أن اللذة ترتبط بالسعادة والسعادة ترتبط بالكمال وأن مفهوم السعادة ركنا للأخلاق، ويؤكدون على التلازم بين الأخلاق والسعادة، بينما "كانت" يعتبر أن الأخلاق مرتبطة بالكمال.

فحينما يقوم الإنسان بعمل خير فهو حتما يشعر بالسعادة ويلتذ بهذا الشعور، وهذا العمل سواء ارتبط عند الإنسان بالبعد الرباني فهو كمال له في الدنيا والآخرة، أو لم يرتبط بالعبد الرباني فهو سعادة ولذة دنيوية تشعره بالكمال المادي وحتى المعنوي في لا وعيه. والكمال المادي هنا قد يرتبط بسعة هذا العمل الخيري وجهته، فكلما اتسع مجاله وكانت وجهته أوسع كلما تحقق له الكمال المادي الفردي والاجتماعي.

فكانت حينما يتحدث عن أن السعادة هي الالتذاذ المادي الدنيوي، فالسعادة عند كانت هي سعادة حسية، بينما عند الفلاسفة المسلمون هي سعادة حسية وغير حسية.

أثر حب الذات على الكيان الداخلي للإنسان:

لغريزة حب الذات آثارا هامة جدا في تشكيل الكيان الداخلي للإنسان، خاصة في مجاله الإدراكي الذهني، وما يتشكل من تصورات وتصديقات، تنتظم منها مجموعة أحكام تنعكس بعد ذلك على مجموعة الاعتقادات التي يعتقدها، وعلى تشكيل عواطفه وعلى ماهية سلوكه الفردي والاجتماعي. "فالقانون الذاتي لحب الذات هو أنه مقتضى أو علة تامة لجلب الخير إلى النفس ودفع الشر عنها والاعتقاد بكل ما هو محبوب لديها، والتفكير بكل ما هو راجح في نظرها، وإبعاد كل ما هو مكروه عنها إبعادا لا شعوريا تلقائيا...من آثار حب الذات على الشخصية الإنسانية وعلى التفكير الإنساني بالخصوص، هو أنه يسلخ موضوعيته في النظر بمقدار ما، وهذا المقدار في بعض حدوده ضروري، لا يمكن للإنسان ويستحيل أن ينفك عنه.

فهو دائما يعيش في إطار ذاته، ويعيش في حلقة مفرغة من تفكيراته الذاتية وتأملاته الباطنية، بما يوحيه إليه سائر إحساساته التي على رأسها حب الذات، ويتدخل كل ذلك في تفكيراته العلمية وتأملاته النظرية، مما يؤثر قطعا فيها، ولا يمكن أن يتخلى عنها".[15]

فمحتويات ذهن الإنسان تتشكل من بدهيات أولية ومن ثم تتشكل وفق التجارب والمعارف، و"كانت" على سبيل المثال من الفلاسفة المؤمنين أن محتويات ذهن الإنسان تتشكل بوجود حقائق تسبق التجربة. وهناك مجموعة من الفلاسفة يعتبرون أن ذهن الإنسان في بداية ولادته يكون فارغا من أي محتويات، ثم تأتي الحواس لتكون نافذته على المعرفة، لتشكل التجربة معارفه وبنيته الذهنية، بينما هناك من يرى أن ما هو مخزون في ذهن الإنسان ينقسم إلى قسمين:

يضم ما جاء عن طريق الحواس الظاهرية فقط.

يشمل الذهن على بدهيات وحقائق أولية موجودة في الذهن قبل الإحساس. أي حقائق سابقة للتجربة.

فما يكون له مدخليه معرفية عن طريق الحواس الظاهرة قد تتقاطع مع الحقائق السابقة للتجربة في تشكيل أفكاره وعواطفه وكثير من الأمور، كتدخل العصبيات الانتمائية، وقصور التفكير، وضيق الأفق والعادات والتقاليد والتنميط الاجتماعي، وغيرها من الأمور، وقد تتدخل أمور عكس ما ذكرناه تماما. وهو ما يؤثر تباعا في تشكيل رؤاه ووجهة نظره، ويبعده قليلا أو كثيرا عن الموضوعية وتشكيل رؤية أقرب للواقع منها للوهم.

أثر حب الذات في المجتمع:

حب الإنسان لذاته يخلق لديه الدافع للتفاعل الاجتماعي والتأثير في محيطه، إلا أنه يتفاعل على قاعدة التماثل يفيد الانضمام، أي ينجذب نتيجة حبه لذاته مع كل من يتوافق معه في الميول والرغبات والأهداف والأفكار، ويتنافر مع كل من يخالفه، لأن حب الذات تختلف ترجمتها بين الناس، وتختلف رؤاه كفرد وتفسيراته ومحيطه وساحات تطبيقاته، بل تختلف أيضا دوافعه ومسارات الكمال فيه، وهذا الاختلاف سبب لتشكل الجماعات أو ما يسميه علم الاجتماع بالشعور ب"نحن".

" ويتخذ ال"نحن" كيانا مستقلا عن كيانات أفراده، وتتلبسه صفات وخصائص لا يتصف بها آحاد أفراده، ولأهمية هذه الخصائص نشأ علم نفس الجماعة، أو الجمهور أو القطيع. ومن أبرز من كتب في هذا المجال غوستاف لوبون في كتابه ( روح الجماعات ) أو ( سيكلوجية الجماهير )، وسيجموند فرويد في (علم نفس الجماهير)."[16]

فتشكل الجماعة أو ال "نحن" يأتي انعكاسا لحب الذات على الجماعة، التي تتشكل من أفراد تشابهت أهدافهم وميولهم وأفهامهم ورغباتهم حول "حب الذات"، وقد تمثل ال " نحن " تعصبا للجماعة وتحزبا لأفكارها وأهدافها.

فنتيجة هذا الاختلاف في إدراك غريزة حب الذات وفهمها، والتي يؤثر فيها أيضا وفي تشكيلات مجال إدراك الفرد حولها هو الأسرة والمجتمع، فإن هذا الاختلاف يؤدي تلقائيا إلى اختلاف الأهداف والغايات والآليات، بل والمرجعيات المعرفية المعيارية، ومنظومة القيم والمبادئ، لأنها كلها تأتي تحت عنوان اللذة والسعادة والألم، وتشكيل الأفكار حول هذه المفاهيم.

اختلاف المرجعيات المعيارية يؤدي إلى اختلاف القوانين الناظمة في المجتمعات، بل يؤدي إلى اختلاف المثل الأعلى وآليات التغيير الاجتماعي والأفكار المؤسسة لنظريات التغيير، وهذا الاختلاف ناتج من الأساس من غريزة حب الذات، ومجالات تطبيقها وتجليها، وامتدادات مفاهيم اللذة والسعادة والألم. بل إن منشأ أي تغيير اجتماعي هو حب الذات، الذي من مقوماته السعي إلى الكمال والسعادة والشعور باللذة، والابتعاد عن كل المنغصات، فما أن يتولد شعور جمعي بالألم، وتتراكم تلك المشاعر الاجتماعية، حتى يؤدي حب الذات إلى خلق الدافع نحو التغيير للحصول على السعادة، ونتيجة تشكل الجماعات على أساس المشتركات المنطلقة من حب الذات، ومجالات تحقيقه وأهدافه وآلياته، تختلف نتيجة ذلك آليات التفاعل والسلوك ومقوماته، إلا أنها تتفق في الشكل العام، وهو السعي نحو الكمال والتخلص من مشاعر الألم ومن كل المنغصات التي تعيق تحقيق السعادة، وتغيير الواقع إلى واقع أكمل وأرقى.

بينما الإدراك الأوسع لهذه المفاهيم الغير إقصائي لاحتمالية وجود عالم آخر مرتبط بعالمنا، وهو عالم الآخرة ويشكل الضابطة السلوكية في الدنيا، هذا الإدراك سيربط السعادة باللذة بالكمال بالألم، والذي يجعل الإنسان يلتذ حتى بالألم حينما يضحي ويقدم ويتنازل، بل حتى حينما يضحي بحياته لأجل الآخرين، فهو يدرك أن هذه التضحيات سعادة وكمال ولذة لا ترتبط فقط بالدنيا وإنما ترتبط بعالم أكثر حقيقة وديمومة وهو عالم الآخرة.

لكن هذه الدافعية والإرادة الناشئة من حب الذات في السعي نحو التغيير الاجتماعي أو التضحية بل حتى حينما يقع تحت ضرر شامل كالوباء مثلا، هذه الدافعية ليست خارجة عن قوانين التاريخ وسننه، بل كما أن للطبيعة قوانينها، وللكون كذلك قوانين يفهمها الإنسان، ثم يستطيع التحكم بها إلى درجه معينة.

لذلك حينما تكون الذات في الفلسفة الغربية هي مجموعة الميول والرغبات المتمثلة فقط في البعد المادي للإنسان، فإن حب الذات هنا يخضع للرغبات والميول والغرائز في تشخيص سعادة هذه الذات أو ألمها، وهو ما يجعل المعيار أيضا خاضعا للفهم المادي، وهو ما تجلى بشكل كبير في الوباء الأخير "كورونا"، حيث تماهى الغرب مع قاعدته الأخلاقية التي يؤمن بها، وتعامل مع الإنسان الموبوء على أساس نسبي يتم تحديد المصلحة والمنفعة وفق رؤيته المادية الحسية، التي يتحقق من خلالها فهمه للذات وزاوية نظرته لقيمة الإنسان وأبعاده، ولأن الإنسان في الرؤية الغربية هو جسد مادي تحركه الغرائز والميول التي تتفاعل مع الطبيعة والظروف المحيطة، بالتالي تصبح قيمته صفرية عندما يتعرض جسده للوباء، بل يصبح وجودا خطرا، يتم تحديد قيمته من خلال قيمة السوق، أي إلى أي مدى يستطيع هذا الجسد المادي الصمود في وجه الوباء، ومدى نفع السوق من هذا الجسد بعد شفائه، أي مدى إنتاجيته السوقية التي تصب في الرأسمال العام للدولة، فإن كان جسدا هرما نفذت فيه الرغبة والميول ومرضت أعضاءه وقلت إنتاجيته، وزادت نفقة الدولة عليه، فإن ذلك يعني في مرتكز رؤية الغرب للإنسان كجسد مادي، انتهاء صلاحيته، وعدم تحقق المنفعة منه، فيكون علاجه لا يحقق مكسبا بل خسارة، بالتالي إذا تزاحم علاجه في هذا الوضع، مع علاج جسد آخر أكثر حيوية منه وأكثر إنتاجية وأقل تكلفة على الدولة، فإن الأولوية تكون للجسد الثاني على حساب حياة الجسد الأول. وبهكذا نمط من التفكير تمت المفاضلة بين الأجساد في وباء كورونا، ولن أقول بين إنسان وإنسان، لأن الإنسان له بعد روحي ومادي، بينما في فهم الغرب غالبا هو بعد مادي أي الجسد.

ولكن ما هو دور حب الذات حينما تتزاحم المصالح والأصلح في المجتمعات، ويتطلب هذا التزاحم ترجيحا للأصلح، فكيف يلعب حب الذات الذي يختلف باختلاف بيئات الأفراد وبنيتها الفكرية، دورا في ترجيح الأصلح؟

حب الذات والتزاحم:

"والمقتضى المثير لحب الذات على إصدار الأمر للذات بفعل شيء معين، قد يكون تكوينيا، كما في الخوف والمرض والجوع، وقد يكون تشريعيا كما في القوانين الوضعية والشرائع السماوية.. إن التزاحم كما يقع بين المقتضيين التكوينيين كما في حالة شرب الدواء للمريض، قد يقع أيضا بين مقتضى تكويني ومقتضى تشريعي، وذلك موجود دائما، فإن أي قيد ديني أو اجتماعي أو قانوني يكون ضد المقتضي الطبيعي التكويني للحرية، والذي يميل إليه الفرد بطبعه. كما قد يقع التزاحم بين مقتضيين تشريعيين، وهذا الغالب إذا كان التشريعان من سنخين مختلفين، كما لو وقع التزاحم في حياة الإنسان بين مادة قانونية تقتضي إطاعتها عملا من الأعمال وبين تعليم ديني يخالفه، أو بين قانون وتقليد اجتماعي، أو تقليد اجتماعي وتعليم ديني، وحينئذ ينظر الفرد إلى مصلحته في ذلك، فيرجح المتدين دينه على كل الاعتبارات، ويرى أن إرغامه على غير ذلك مخالف لمقتضيات حب ذاته، فينفر منه ويثور عليه.

ويتبع الرجل القانوني مقتضيات القانون، والاجتماعي مقتضيات التقاليد السائدة، وإن كان اتباعهما لذلك مخالفا لتعاليم وقوانين أخرى.

أما التزاحم بين تعليمين من قانون واحد، فهو يقع نادرا، إلا أنه حينئذ يجب اتباع المتأخر منهما، باعتبار نسخه للأول، أو الأهم منهما في نظر المشرع... وهذا التزاحم الموجود بين مقتضيات القوانين وبين المقتضيات الطبيعية، ملحوظ لكل قانون يوضع، سواء من قبل البشر أو من قبل خالقهم.

وذلك لأن الطبيعة الأولية العميقة للإنسان بمقتضى حبه لذاته تقتضي الحرية وحب الانطلاق ولا تقتضي التقيد بالقانون، بل تقتضي أن يسعى الإنسان لكماله بالنحو الذي يشاء غير مقيد بنظام ولا قانون ولا تقليد ولا أخلاق.

إلا أنه بعد أن تقيد، وبعد أن تنظم في المجتمع، حبا لذاته وتوخيا لمصلحته، ولأنه يرى أن هذا التقيد يوصل إلى الكمال أسرع من تلك الحرية السائبة ـ لأنه يرى أن القوانين والنظم بصرف وجودها شيء ضروري للوصول إلى الكمال، وأن وجودها على كل حال، موافق لحب ذاته ـ إذن فهو عندما يرى قانونا من القوانين، موافقا لمصلحته وماشيا بالطريق الذي نحو الكمال، فهو حينئذ يندفع معه اندفاعا تلقائيا ويطيعه إطاعة عمياء، ويتكيف لمقتضيات أوامره ونواهيه، غير متوقع ثوابا أو خائفا عقابا، وإنما هو يطيعه لأجل الوصول إلى نتيجة التي يحسبها أو يراها موافقة لكماله ولمصلحة نفسه وحب ذاته.

أما إذا لم يتعقل الفرد ـ والناس في الغالب لا يتعقلون ذلك ـ أن النظام المعين الفلاني في مصلحتهم وأن اتباعه موافق للوصول إلى كمالهم، وأنه أهل لتقييد الحرية الطبيعية المحبوبة لهم، فإنهم يحتاجون بذلك إلى وضع العقاب والثواب على اتباع هذه القوانين وعلى عصيانها، لكي تكون لهم مثيرا تكوينيا، وحافزا قويا إلى إطاعتها وعدم عصيانها.

وذلك أن كل فرد يواجه التزاحم الموجود بين الشر الذي سوف يصيبه من اتباع القانون ـ أو خسارة المصلحة التي سوف يقع فيها ـ والذي سوف يصيبه من عدم إطاعته وهو العقاب، فيوازن بينهما في ذهنه، فيرى حتما أن الشر الذي يصيبه من عدم إطاعة القانون من الشر، والعقاب الذي يصيبه عند عصيانه، فعند ذلك يرى أن من حب ذاته أن يمتثل القانون.

من هنا نرى أن الشخص الذي يستطيع إخفاء فعله على القانون والهرب من العقاب ومن يد القضاء، يقدم نحو الجريمة إقداما، وذلك لأنه يرى أن عصيان القانون لن يلحق به شرا، وأن القيام بالجريمة في مصلحته وموافق لحب ذاته حسب قصر نظره.

وكذلك بالنسبة إلى وضع الثواب على القوانين، فإنها أيضا مثيرات ومقتضيات ثانوية  لطاعتها، فإن الفرد أيضا يوازن بذهنه بين المصلحة التي سوف تناله عند طاعة القانون ـ وهو الثواب ـ وبين المصالح التي سوف تناله عند عدم طاعته ـ وهي الحرية الطبيعية ـ وعند المشي  على هداه واختياره، فهو يرى حتما أن المصلحة التي ضمنها له القانون أكبر وأكثر، وأن ثوابه أجزل وأعظم، فهو إذن يتوجه إلى هذا الثواب فيطيع القانون على هذا الأساس..."[17] لذلك نجد في الأديان بشكل عام وفي الدين الإسلامي بشكل خاص، حضور مبدأ الثواب والعقاب كمحور أساسي في الترغيب والترهيب، لخلق الحافز أو الرادع عند الإنسان ليتبع ويطبق القانون من حوافز الشهوات والغرائز، وأيضا توضح لماذا تضع كل دولة قوانين للجزاء تطبق على من يخالفها، لخلق حافز أو رادع قوي في نفس الفرد على اتباع القوانين.

المرجعية المعيارية [18] في تحديد الأصلح في المنظومة [19] الاجتماعية:

إن أهم خطوة في بناء أي رؤية أو نظرية أو منظومة، هي المرجعية المعيارية التي ينطلق منها صاحب المشروع، وهي مجموعة المعايير والضوابط التي تشكل مرجعية معرفية له على ضوء منظومته الفكرية، ويؤسس لرؤيته ومشروعه، لتشكل البنى الأساسية التحتية التي سينطلق منها للبناء الفوقي.

وهنا يعنيني تماما مدرستان تعيشان اليوم صراعا على الهوية، خاصة بعد العولمة وتداعياتها الثقافية والاجتماعية، والكوننة التي أذابت الخصوصيات الاجتماعية، وأدخلتنا في صراع مفاهيمي واصطلاحي، لعب دورا كبيرا في تغيير معالم هويتنا بل مرجعيتنا المعيارية.

المدرستان هما: المدرسة الغربية والمدرسة الإسلامية، بما تشكلاه من رؤى فكرية وثقافية لها الدور الأصيل في صراع الهوية وفرض القيم والمعايير، وهي تلعب دورا كبيرا في الاستعمار الثقافي والحروب العقلية الناعمة.

طبعا هناك اختلافا كبيرا جدا بين الحضارتين أو المدرستين، وهذه الفروق تكمن في القاعدة والبنية الفكرية والفلسفية لكليهما، والتي على أساسها يتم البناء والانطلاق نحو كل العلوم والمعارف الفوقية.

وقد تناول كثير من المفكرين والمختصين هذا الموضوع من جوانب عدة، إلا أنني سأسلط الضوء على كيفية قراءة الشهيد المفكر والمرجع الديني السيد محمد باقر الصدر[20] لهذا الموضوع من عدة جوانب:

١- القاعدة الفكرية:

"إن للحضارة الغربية بأفكارها ومفاهيمها وكيانها الثقافي عامة قاعدة فكرية تستند إليها .. وهي الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية. فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي، هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب، والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع، وحتى أنه لعب دورا رئيسيا في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الانسانية والاجتماعية. فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكرين أن تتجرد عن تأثير الرساله التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة ".[21]

في مورد أخر يقول: " الأفكار التي تتكون منها كل حضارة ذات رسالة تخضع لمقاييس تلك الرسالة، وتتجنب مناقضتها سواء أكانت مستنبطة منها أم لا ." [22]

وهو ما يوضح مسألة مهمة، أن منشأ المعرفة الغربية هو منشأ حسي تجريبي أي مادي، بالتالي كل ما يترشح عنه يكون مبنيا على هذا الأساس، فالغرب يعتبر أن مصادر المعرفة البشرية هي الحس والتجربة فقط، وبذلك يكون افترق عن مصادر المعرفة الإسلامية، التي تشكل الفكر الإسلامي بمصدرين مهمين، هما العقل والنص. وهذا ما يتم تقريره على المستوى النظري في المدرسة الإسلامية، والتي توجه لها سهام النقد اليوم عند بعض فرقها بتعطيل العقل وتغييبه. إضافة لعدم إنكار وجود مدارس تعتمد على العقل كمصدر معرفة في المدرسة الغربية، رلا أن السمة العامة كما أسلفنا سابقا، تعتمد الحس والتجربة.

فوضع الرسالة الموضع الرئيسي من التفكير الحضاري، إنما يعني محاولة التوفيق بين جوهر الرسالة وروحها وبين الأفكار الحضارية المتبناه[23].

٢- مكونات المجتمع وعناصره:

ويذكر أيضا الشهيد الصدر تصنيفا رائعا لعناصر المجتمع بين الغرب والاسلام، في كتابه المدرسة القرآنية[24] ويستخلص من القرآن ثلاث عناصر:

الأول: الإنسان.

الثاني: الأرض أو الطبيعة على وجه عام.

الثالث: العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالأرض والطبيعة، ومن ناحية أخرى تربط الإنسان بأخيه الإنسان.

ويعتبر العنصر الثالث، هو العنصر المرن المتحرك في تركيب المجتمع ولها صيغتان:

الأولى: صيغة رباعية.

والثانية: صيغة ثلاثية.

ـ الصيغة الرباعية:

هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والإنسان مع الإنسان، هذه ثلاث أطراف فإذا اتخذت صيغة تربط بموجبها هذه الأطراف الثلاثة مع افتراض طرف رابع، وهو بعد رابع للعلاقة الاجتماعية، وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في إطار المجتمع، وإنما خارج عن إطار المجتمع، وتعتبر هذا الطرف ـ  أي الصيغة الرباعية ـ  مقوما من المقومات الأساسية للعلاقة الاجتماعية ، وهذه الصيغة الرباعية طرحها القرآن تحت اسم الاستخلاف، والطرف الرابع هنا هو المُسْتَخْلِفْ أي الله جل شأنه.

ـ الصيغة الثلاثية

صيغة تربط بين الإنسان والإنسان وهو والطبيعة ، ولكنها تقطع صلة هذه الأطراف مع الطرف الرابع،

فتجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع أي الله.

هذا التغييب بطبيعة الحال يغير من المثل الأعلى لكل جهة ، فالمجتمع ذو التركيبة الرباعية يكون الله مثله الأعلى  وهو مثل أعلى مرتفع، وعلى هذا يرتبط بكله معرفيا ومنهجيا بالله وصفاته ومنهجه، فيكون الله هو الأصيل والإنسان هو الوكيل، أي خليفة يترشح عنه الأصول، ومستخلَف يتلقى الأصول ويستخدم عقله وتجربته في قراءة تلك الأصول، ليطور هذه القراءة في بعدها المتحرك بعقله وتجربته وفق سؤال الراهن وحاجياته وتساؤلاته وإشكالياته، أما المجتمع صاحب التركيبة الثلاثية التي غيبت الله، فالانسان هو محورها، ومصادر معرفته محصورة وفق هذه الرؤية بالحس والتجربة، وهو مثل أعلى منخفض. وبالتأكيد نحن هنا نعمل على توصيف الحالة وليس تقييمها، لأن هناك نتاجات بشرية مهمة على هذا الصعيد.

وهذه النتاجات البشرية سواءً من الغرب أو غيرها، هي مصدر معرفي ثري قد يندرج تحت عنوان التجربة البشرية، التي تعتبر أحد روافد المعرفة البشرية في المدرستين الغربية والإسلامية، بالتالي لا يمكن التعاطي مع هذه المعارف تعاطيا أصما وكأنها لم تكن. وأيضا لا يمكن التعاطي معها بطريقة تسليمية لكل ثمراتها مع وجود فارق بنيوي مهم .ولا نستطيع أيضا أن نمارس الإنتقاء منها بشكل عشوائي، ولا الترقيع بينها وبين رصيدنا المعرفي في الإسلام.

٣- المثل الأعلى:

إن التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية وأهمها الحداثة يكون من خلال الدراسة المنهجية المتأنية، فالأفكار القادمة إلينا نستطع أولا أن نعيدها إلى جذرها المعرفي، ومن ثم مقارنتها مع ما لدينا، فإن لم تتعارض مع أصولنا، ورفدت فهمنا، وفتحت لنا آفاقا لإعادة قراءة النص والتراث والإجابة على تساؤلات الراهن، فهنا نتعامل معها على أساس التلاقح والتبادل الحضاري والثقافي. وإلا تعاطينا معها على ضوء أنها رأي آخر، لا يتطابق مع مكوناتنا الحضارية والثقافية، وبالتالي لنا ديننا ولهم دينهم، ليكون المبدأ هنا احترام الذات من جهة واحترام الآخر من جهة أخرى، وتكون الندية الفكرية التعددية حاكمة كمعيار، وليس المعيار الإقصائي الإلغائي، فالاختلاف في المثل الأعلى، هو اختلاف منهجي بنيوي في المرجعية المعيارية التي تنطلق منها عملية التأسيس للرؤى والنظريات، فبين المدرستين قاعدتا اشتراك: هما الإنسان والطبيعة،  و دور الحس والتجربة في المعرفة ومصدريتها، إلا أن الاختلاف الجوهري هو في المثل الأعلى، الذي يشكل محور التشريعات المعيارية كمرجعية كلية ضابطة وناظمة لعمل العقل، وحافظة له من الانحراف والوقوع في وهم الحقيقة، وعدم القدرة على كشف الواقع، حيث المثل الأعلى المرتفع (الله) هو المشرع الأساس، ومن تشريعاته يمكن للعقل أن يستمد المنهج والمعايير والمقاصد، لينظم رؤية ويؤسس لمشروع اجتماعي واقتصادي وسياسي بدرجة عالية من كشف الواقع، ودقة أكبر في الابتعاد عن الوهم. بينما حينما يكون (الإنسان) هو المثل الأعلى المنخفض، وهو من يشرع لنفسه، "حيث يستمد تصوره من الواقع نفسه ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظرف وملابسات.. فلم يرتفع الوجود الذهني على هذا الواقع، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وقيوده، وشؤونه"[25].  وهو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا هنا أن نثق بموضوعيته وتجرده وصراعاته الداخلية، وتغليبه لمصالحه ومنافعه وتفاعلاته مع المحيط وانفعالاته، وعدم شمول رؤيته، وهو ما اتضح منذ عصر التنوير إلى اليوم، لأن كثيرا من النظريات والآراء يمكن تصنيفها على أنها ردود أفعال على العهد الكنسي و تداعياته الفكرية والسياسية، وتفاعل المفكرون الغربيون مع التطورات المحيطة بهم وانفعالهم بها، تفاعلا أعطى للعقل مساحات هامة جدا في التفكير وتثوير الواقع والانقلاب علي كثير من المسلمات التي فرضتها الكنيسة، إلا أننا لا ننكر أن هذا التفاعل كان جزء منه رد فعل، أدى مع التقادم إلى إبعاد الدين بشكل كبير عن تفسير الكون، والطبيعة والإنسان. " ومن نافل القول إن تيار الأحداث في التاريخ الغربي اندفع بشكل أدى إلى هيمنة الفلسفة الإنسانية (Humanism)[26] وسيطرتها على جميع أركان المجتمع. فبعدما غابت شمس آخر يوم من أيام القرون الوسطى، انصب اهتمام كل الحركات الاجتماعية الكبرى والمصيرية منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، ومنها حركة الاصلاح الديني وحركة التنوير والحركة العلمية والثورة الصناعية والثورات السياسية وغيرها، انصب اهتمامها على إحياء دور الإنسان الذي تم تجاهله طيلة العصور الماضية، ليستعيد دوره المنسيّ، وليتربع على الكرسيّ الذي طالما نحي عنه من دون وجه حق. وكان الشعار الوحيد و المشترك "استقلال الإنسان" يمثل القاعدة الصلبة التي بني عليها أساس نبذ الاستبداد السياسي، ورفض التقاليد الدينية وإنكار الحدود التي تقيد العقل، والتأكيد على الإرادة واختبار الأساليب الحديثة والسبل الجديدة، والخوض في المجالات المجهولة.. وغير ذلك. ومن بين الانجازات التي قدمتها تلك الحركات الاجتماعية، تحرير السلطة من احتكار وهيمنة الأمراء، وتحرير المعرفة من غياهب الحصار الكنسي الذي كان مفروضا عليه، وفك الأموال من قيد الأثرياء والإقطاعيين، فكانت تلك الحركات كلها تؤكد على أهمية الإنسان ودوره الفعال"[27].

ومن هنا يتضح الفرق الجوهري والاختلاف البنيوي بين المدرستين، إلا أننا لا ندعي أبدا حصول ذلك تماما على مستوى التطبيق، فواقع المسلمين غالبا لا يعكس محورية الله ومرجعيته المعيارية، بينما واقع الغرب يعكس عمليا نظريته التي آمن بها وطبقها، فالإنسان هو محور ومركز التفكير والتنظير، وأدواته المعرفية هما الحس والتجربة غالبا، ليصبح واقعا عمليا متجسدا في كل مجالات الغرب الحياتية والاجتماعية. بينما وقع العالم الإسلامي غالبا تحت نير الاستبداد والجهل والتآمر. فالإنسان في المدرسة الغربية هو المشرع وهو المعيار، وفي المدرسة الإسلامية المشرع هو الله . وهنا لا نعني أبدا تصنيفا وتقسيما وتمييزا بين الله أو الإنسان، فالله أعطى ضوابط ومعايير وحدود عامة، وترك للإنسان مساحة عظيمة لتشريع التفاصيل، والتفنن والإبداع في تطبيق تلك الضوابط والمعايير العامة على الأمثلة والمصاديق. وهذا ما عنيته تماما من التمييز بين محورية الله ومحورية الإنسان، فالمحورية الإلهية لا تعني إلغاء عقل الإنسان، بل تعني أن الله هو الأصيل في تشريع الضوابط العامة التي تصب في مصلحة نظم حياة الإنسان بما يحقق العدالة، ويحقق قبلها التوحيد، وأن الإنسان وكيلا في تشخيص المنهج السليم لتحقيق العدالة والتوحيد، فلكل زمن أدواته وطرقه يكتشفها عقل الإنسان من خلال الخطوط والضوابط العامة التي وضعها الله. بينما في محورية الإنسان، فالإنسان هو الذي يشرع الضوابط العامة وقوانينها، وطرق الوصول إليها.

ومن هنا كيف ستتشكل البنى التحتية وفق هذه المدارس للهوية الأخلاقية وقيمها؟

 

ايمان شمس الدين

 

 

بليغ حمدي اسماعيلصَوْبَ الإمَامَيْن .. الخَرَّازِ والجُنَيْدِ:

احتار كثير من الفقهاء في الأزمنة المتقدمة في تعرضهم لبعض أقطاب التصوف الإسلامي وأئمته لاسيما الخراز شيخ الصوفية وفقيهها والإمام الجنيد خصوصا وأنهما الصوفيان اللذان لم ينلا هجوما منهم سوى كل احترام وتقدير، بل وصفوهما علانية بأن منهجهما الصوفي كان يمثل المنهج الإسلامي المتوازن والمتكامل والمعتدل بغير إفراط أو تفريط، ولعل أحد أسرار انبهار أهل السنة والجماعة وفقهاء العصر الذهبي للفقه الإسلامي بالإمام الجنيد طاووس الفقراء وحلية أهل التصوف على وجه التحديد والاختصاص أنه كشخص استطاع أن يجمع بين العلم والعمل، وبين الدين والدنيا، وأنه امتاز عن كثير من أهل عصره من المتصوفه بأن منهجه اقتصر على الالتزام بالقرآن الكريم والسنة النبوية العطرة فاستحق الإعجاب والإنصاف .

العَصْرُ الذَّهَبِيُّ لِلتَّصَوُّفِ الإسْلامِيِّ:

وما يجمع بين أبي سعيد الخراز والإمام الجنيد أن كليهما ولد ببغداد حاضرة الثقافة العربية الأصيلة، بجانب معاصرة كل منهما للآخر، بل هناك نقطة اتفاق واضحة بينهما وهي أنهما تتلمذا على يد نفس الشيوخ مثل الصوفي الاستثنائي بشر بن الحارث الحافي صاحب أجمع تعريف للتصوف بقوله "صفاء القلب معناه عدم تكديره بالشهوات والرغبات وكل ما يشغل عن الله"، ومعروف الكرخي الذي قال " التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق "، وسرى السقطي الذي أجمل تعريفاً مانعاً للتصوف بقوله " التصوف اسم لثلاثة معانٍ وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة، ولا تحمله الكرامات على هتك أسرار محارم الله"، وذي النون المصري الذي أوجز محبته لله بإجابته عن سؤال كيف أنت مع الله؟ فأجاب: " ما جفوته مذ عرفته، فقيل له: ومتى عرفته؟، قال: لما جعل اسمي مع عباده المتحابين "، وهذه التربة العلمية والدينية التي احتضنت كليهما يمكن توصيفها بأنها تربة ارتقاء التصوف الإسلامي وازدهاره، ويكاد يجمع مؤرخو حركة التصوف بأن الفترة التي عاصرها الخراز والجنيد هي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ؛ حيث انفتحت الثقافة الإسلامية على أبعاد وروافد ليست بمألوفة من العلوم والفكر والفنون وامتزجت الثقافتين العربية والأجنبية آنذاك لينتهي العصر بإكسير ثقافي متمايز ومتفرد أثرى الحياة العربية من ناحية وأتاح قدرا كبيرا من اتساع الرؤية لهؤلاء الأقطاب من أهل التصوف الإسلامي .

ولا يمكن عزل التصوف الإسلامي في هذه الفترة الخصبة ثقافيا عن تأثيرات الفلسفة التي بالتأكيد زادت من التجربة الروحية عمقا ذهنيا استثنائيا، وأفردت مساحات للعرفانية ودلالات ما وراء المعرفة إلى مقامات الصوفية، ومع ظهور أسماء لامعة لفلاسفة رواد كالكندي والفارابي وابن سينا،  علاوة على الشهود الحضاري لكثير من العلوم آنذاك كعلم الكلام والظهور المتفرد لفرقة المعتزلة الكلامية التي ملأت الدنيا في وقتها ضجيجا وجدلاً ودخلت معارك فكرية طويلة،  وعلوم القرآن والحديث الشريف والفقه الذي أخذ بحق في التوسع والميل إلى الإطناب في السرد والتجريد وأحيانا التخييل أو ما عرف بفقه الحالات،والنبوغ الشعري الذي لم يقبل بعرف التكرار أو التقليد على أيدي شعراء فحول كالبحتري وأبي تمام وأبي نواس، كل ذلك ألقى بقليل من الظلل على الطروحات الصوفية التي تزامنت مع هذا المد الثقافي .

لكن التصوف في هذه المرحلة الفارقة من عمر الحضارة الإسلامية والعربية اختلف بالضرورة عن المرة التي تسبقه والتي تليه أيضاً لأسباب وعوامل متباينة حينا ومتصلة ومتحدة حينا آخر . هذا الاختلاف كان محصلته الحقيقية عمقاً في العرض والتحليل والرؤى، وأضاف كثيرون بغير شك في عمق صوفية هذا العصر وروحانيته، لكن امتاز التصوف في القرن الثالث الهجري بالنظرة الشاملة، وبالفعل فإن خير شاهد على عمق الرؤية الصوفية مقامات الإمام أبي سعيد الخراز والإمام الجنيد لاسيما مقام الواصلين وعلاماتهم ومشاهداتهم ومواهبهم والتي اعتاد العامة أن يطلقوا عليها لفظة الكرامات، لكن كلمة المواهبة تتعدي تخوم اللفظة وحدودها لأنها تكشف عن حجم المكابدات النفسية والرياضات الروحية والطاعات التعبدية التي قام بها هؤلاء الأقطاب.وإن كان سلطان العارفين محي الدين بن عربي له في الكرامة رأيًا إذ يرى أن الكرامة الحقيقية هي  الاستقامة على الجادة، والمضي قدما إلى الأمام دون الالتفات إلى أي عارض يعترض الطريق . ويشير إلى ذلك بقوله: " لا تطلب من الله في خلوتك سواه، ولا تعلق الهمة بغيره، ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ولا تقف عنده، وصمم على طلبك فإنه يبتليك، ومهما وقفت مع شئ فاتك، وإذا حصلته لم يفتك بشئ " .

مَقَامُ الوَصْلِ:

الوصل تجرد وتعفف، وزيادة مطلقة في الاستئناس بالله تبارك وتعالى،وهو هجرة مستدامة إلى الله سبلها العلم والعمل حتى يرتقي المتصوف من حال إلى حال عن طريق اعماله ومعارفه، وهذا الوصل من عجبه لا يكون طمعاً في جنة أو خوفاً من نار ملتهبة وسعير وجحيم، بل طوعاً في القرب ومعرفة لله في كماله فحسب، لذا فحال الوصل دوماً لدى الخراز وغيرهما من أعلام التصوف يأتي مقروناً بالتأدب مع الله البارئ المصور المتعال . ويشير مؤرخو مراحل التصوف الإسلامي إلى أن المرحلة الثالثة من التصوف الإسلامي والتي يمثلها الخراز والجنيد استجاب فيها أتقياء الله من الصوفية لثورة الحب الإلهي وحل في قلوبهم حب الله عز وجل محل الخوف منه، وأصبح الحب والوصل الباعث الأول في كل ما أتوا به من أعمال الطاعة والعبادة .والمحبة كما يقول الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي زهرة أهل التصوف وشيخ علوم الظاهر والمعاملات والإشارات: " ميلك إلى الشئ بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافتك له سرا وجهراً ثم علمك بتقصيرك في محبته " .أما حاتم الأصم وهو من الطبقة الأولى من الصوفية فيقول إن أصل الطاعة المحبة والمحب لا يستريح من ذكر المحبوب.

والوصل هو غاية قصوى تصل بالمتصوف إلى ذروة المقامات وهي المحبة، فكما يقول الشيخ الذهبي أبو حامد الغزالي في كتابه الماتع (إحياء علوم الدين): " المحبة هي الغاية القصوى من المقامات فما بعد المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها كالشوق والأنس والرضا وأخواتها، ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد" . والحقيقة الصوفية تشير إلى أن من أحب الله، وأحبه الله، فقد تمت ولايته بالحب، والمحب على الحقيقة، من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، على خلاف منطق الفقهاء، حيث يرون أن حب الله لابد وأن يتمثل في الطاعة والاقتداء بالنبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عملاً بقوله تبارك وتعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، كما أنهم يقرون أنه لا يجوز وقوع الحب إلا بين متماثلين، وطبقاً لهذا فلا مماثلة بين العبد وربه . أما الحارث المحاسبي فانفرد وحده بتمزيق مقام المحبة إلى أبواب وصنوف مثل العشق، والشوق، واللطف، واستنارة القلب، والأنس، ولذة الخلوة،  ومشكلة المعاصرين التي ستظل أبدية هي فقر المصطلح ودلالته عندهم، وهوس التصنيف الذي لا يصح في البدء ولا يليق في الختام بهم، ليس لأنهم خارج حدود التصنيف، لكن لأن التجربة نفسها تعد استثنائية غير متكررة .

واعتُبِرَ الذكر قرينا للوصل وهو ما يجري على اللسان ويشتمل المناجاة والدعاء والصلاة زإن كان المتصوف أكثر أدبا فحينما يمرض فلا يسأل الله الشفاء حياء وأدبا فيقول كيف أجعل لنفسي إرادة إلى جانب إرادة الله فأسأله ما لم يفعل وأنا الذي لا أعلم ما ينفعني مما يضرني .ويقول أبو علي الروذباري في الأدب مع الله: " يصل العبد إلى ربه بأدبه وبطاعته إلى الجنة "، وسرى السقطي يقول في شأن المعنى: " صليت ليلة من الليالي فمددت رجلي في المحراب فنوديت في سرِّي: أهكذا تجالس الملوك؟، فقلت: وعزتك وجلالك لا مددت رجلي أبدا " . أما إبراهيم بن الأعزب فله قدر بليغ في التأدب مع الله فيقول: " من تأدب بأدب الصالحين صلح لبساط القربة، ومن تأدب بآداب الأولياء صلح لبساط المحبة، ومن تأدب بآداب الصديقين صلح لبساط المشاهدة " .  والذكر كأحد أدوات الوصل اعتبر في القرآن الكريم نوعاً عظيما من العبادة، قال تعالى (واذكروا الله كثيراً)، كما ورد طلب جريان اسم الله العظيم على اللسان في قوله تعالى (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً) وقوله (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً) . ومن أبرز أنواع الذكر في حال الوصل عند أقطاب الصوفية الحمد والثناء والتسبيح والتفكر والتدبر في قدرته وعظمته وآلائه، ويستند كثير من الصوفية إلى قول الله تعالى في سورة العنكبوت (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) فيعتبرون أن الذكر أعلى منزلة من الصلاة المفروضة وهذا ما ذهب إليه سلطان العارفين محي الدين بن عربي ويزيد بقوله في حال الوصل بأن الذكر الحقيقي هو مجالسة بين العبد والحق وذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر الله الذكر المطلوب منه، فإنه تعالى جليس من ذكره، والجليس مشهود للذاكر، ومن لم يشاهد الذاكر الحق الذي هو جليسه فليس بذاكر، فإن ذكر الله سار في جميع العبد لا من ذكره بلسانه خاصة .

والذين هاجموا التصوف وأهله ومريديه لم يروا في الذكر كما ارتأى هؤلاء الأقطاب من حيث كونه مشكاة للوصل والقرب، فالذكر بحال الوصل أداة إيجابية لغاية كبيرة وهي المحبة والقربى، حيث يتجه انتباه ووعي الذاكر صوب الاتصال بالمذكور وتجتمع همته لتلازم عملية الذكر، والذكر مقترن بالوصل هو الحضور التام مع الله تبارك وتعالى وهو ليس بترديد لساني آلي بغير انتباه أو إدراك شديد، بل هو ذكر باللسان في معية حضور القلب وشهوده عليه، والشبلي كان يروي في مجلسه أبياتا في حال الوصل يقول:

(ذكرتك لا أني نسيتك لمحة              وأيسر ما في الذكر ذكر لساني

وكدت بلا وجد أموت من الهوى      وهام عليَّ القلب بالخفقان

قلما أراني الوجد أنك حاضري         شهدتك موجوداً بكل مكان) .

وكان الصوفي علي بن الموفق وهو أحد المشهورين بالنسك والتعبد وأحد السالكين مسلك أوليائهم من المتعبدين الذين تخرجوا على المتحققين وراضوا أنفسهم رياض العلماء المتقين مثل أيوب الجمال وأبي عبد الله الجلاء يقول في مناجاته ووصله: " سيدي .. وعزتك لا أبرح عن بابك ولو ضرتني ولا أزول عن جنابك ولو أبعدتني ولا أسلو عن محبتك ولو عذبتني، سيدي وإن كنت محجوبا عن ناظري فحبك في قلبي وخاطري " .أما ابن عطاء الله السكندري بحر الحكم فيرى أن المحبة غاية الوصل هي أغصان تغرس في القلب فتثمر على قدر العقول وينظم في ذلك شعرا يقول:

(غرست لأهل الحب غصنا من الهوى      ولم يك يدري ما الهوى أحد قبلي

فأورق أغصانا وأتبع صبوة                   وأعقب لي مرَّا من الثمر المحلي

وكل جميع العاشقين هواهم                   إذا نسبوه كان من ذلك الأصل)

عَلامَاتُ الوَاصِلِيْن:

لقب أبو سعيد الخراز بقمر الصوفية كونه في نظر كثير من أتباعه ومريديه وتلاميذه أنه أنار لهم طرائق الوصل وسبله، وأبو سعيد الخراز كان مذكورا في كتب المتأخرين دومًا بالورع والمراقبة وحسن الرعاية والمجاهدة، ويقول السلمي عنه بإنه إمام القوم في كل فن من علومهم، له في مبادئ أمره عجائب وكرامات، وهو أحسن القوم كلاما، خلا الجنيد، فإنه الإمام. والخراز في كتابه (كتاب الصدق) حاول أن يشرح مفهوم الصدق والإخلاص، والتوفيق بين الخبرة الصوفية والشريعة، ويرى أبو سعيد الخراز أن آخر مرحلة للممارسة الصوفية ما أسماه بعين الجمع ؛ حين يسقط من الشهود كل ما سوى الله الرحمن الرحيم، وفي كتابه الموسوم بكتاب الصدق يشير إلى علامات الواصلين كإيثار الله على نفس العبد، والورع والزهد والصبر والتوكل والخوف والرجاء والمراقبة والحياء والمحبة والشوق والأنس والصدق في المواطن والإخلاص فيها، ويقول: "إنما هي منازل نزلها العمال لله، ثم ارتحلوا منها إلى غيرها، حتى وصلوا إلى المنى من قرب سيدهم" .

ويزيد أبو سعيد الخراز في وصله ووجده عن علامات المحبين والواصلين في كتابه كصفاء القلب مع الله الخبير العليم البصير، والتفرد بالله أي الانقطاع من كل شئ سوى الله وهو قول ذي النون المصري الذي رأى في الوحدة طلبا للإخلاص، وأقر بأن علامة الحب لله هي أن تنزل نفسك منزلة السقيم وأن درجة المحبين رفيعة، فقال: " إن المحبين لله تعالى نظروا إلى نور جلال الله، فصارت أبدانهم روحانية، وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان وتشاهد تلك الأمور  باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره " .

وهو نفس المعنى الذي أراده أبو سعيد الخراز في حديثه عن علامات الواصلين وحقيقة الوصل، إذ يقول إن الواصلين إلى الله عز وجل وأهل القرب منه، هم الذين قد ذاقوا طعم محبة الله تعالى بالحقيقة وظفروا بحظهم من مليكهم، ويحدد صفاتهم المتمثلة في الشوق والأنس والأخلاق الحميدة والصدق والتوكل والثقة والمحبة وما استوطنوه من البر والكرم. ويحدد الخراز أوائل الطريق إلى الله بقوله: " إن أوائل الطريق إلى الله تعالى التوبة، ثم ينتقل العبد من مقام التوبة إلى مقام الخوف، ومن مقام الخوف إلى مقام الرجاء، ومن مقام الرجاء إلى مقام الصالحين، ومن مقام الصالحين إلى مقام المريدين، ومن مقام المريدين إلى مقام المطيعين، ومن مقام المطيعين إلى مقام المحبين، ومن مقام المحبين إلى مقام المشتاقين، ومن مقام المشتاقين إلى مقام الأولياء، ومن مقام الأولياء إلى مقام المقربين " .

وجاء في نور المحبة  أن أحد المحبين سئل كيف وصلوا فاتصلوا؟ فقال: طهَّروا الأخلاق، ورضوا بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، جعلوا التقوى مهرا للوصول، وقرعوا الباب في كل الفصول، وأسرعوا في السباق، حتى اتصلوا بالواحد الرزاق" .

فِي قَصْدِ الوَاصِلِيْن:

لم يكن بغريب حديث الإمام أبي القاسم الجنيد النهاوندي عن الوصل وهو الفقيه الذي أسس مذهبه على مراقبة الباطن وتصفية القلب وتزكية النفس، والتخلق بالأخلاق الحميدة، وفي ترجمته نرى أن ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثين ألف تسبيحة ففتح الله عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه. ولقد لقب الإمام الجنيد بألقاب متعددة منها سيد الطائفة، وطاووس الفقراء، وشيخ المشايخ، وتاج العارفين، ويقول عنه المستشرق جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إن الجنيد تميز بأفكاره النافذة وأسلوبه الغامض وعباراته التي يصعب فهمها ومنها ما أورده بعبارته في مجمل الحديث عن الوصل، يقول: " اعلم أنك محجوب عنك بك، وأنك لا تصل إليه بك، ولكنك تصل إليه به، لأنه لما أبدى إليك رؤية الاتصال به دعاك إلى طلب له فطلبته، فكنت في رؤية الطلب برؤية الطلب والاجتهاد لاستدراك ما تريده بطلبك، كنت محجوبًا، حتى يرجع الافتقار إليه في الطلب، فيكون ركنك وعمادك في الطلب بشدة الطلب وأداء حقوق ما انتخب لك من علم الطلب " .

وأوسع شيخ الشيوخ العارف بالله أبو القاسم الجنيد حديثه في نعت القاصدين إلى الله وهو ما نختتم به حديثنا عن الوصل فيقول الإمام: "اعلموا معاشر القاصدين إلى الله تعالى أن العبد كلما قصد إلى الله تعالى ومواصلته وقربه فأول ما يجب عليه أن ينطلق بالسير على مركب المنطلقين إليه، ويبرز إلى محبوبه ويرتحل عن الكلية إليه بترك إرادة حظه من الدارين " وختاماً لحديث الواصلين حكي أن ذا النون رأى رجلا يبكي في سجوده وهو يقول: اللهم ارزقني رزقا حلالا واسعا وزوجني من حور العين في الجنة، فقال له ذو النون: يا مسكين في الدارين تبكي، تبكي في الدنيا للخبز وفي الآخرة تبكي على الحور العين، فمتى تتفرغ لمولاك .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

 

ميثم الجنابيإن الأفكار الأولية الكبرى مثلها مثل الحياة، صراخ وعويل، واستصغار وتهويل، وآمال وأعمال، ومجافاة ومعاناة، ودموع تترقرق في مآقي الأفراح والأحزان، ونشيج يصدح في سرّ المسّرات والأشجان، أي في كل نظراتها الشاخصة والفاحصة لما يجري فيها وحولها. وهو الحال الذي جسدته حركات الخوارج في كافة مواقفها، بحيث جعل منها "خروجا" يصعب تحديده بمعايير المصلحة العملية للعقل الأموي الماكر، كما يصعب قبوله بمعايير القدر المأساوي للأخلاق العلوية. وفيما بينهما تطايرت شظايا الفكرة الخارجية بوصفها لهيب الضمير المتآكل من خروجه على الجميع باسم الجميع. وهي المفارقة التي صنعت في آن واحد مأساة الخوارج ورونقهم الأبدي.

وشأن كل مفارقة روحية وفكرية كبرى هي الخميرة الضرورية لوجدان الثقافة وعقلها التاريخي. فالانتقال من وجدان الأحداث إلى عقل المواقف بمعايير الالتزام الفردي هي المكونات الضرورية لصيرورة الفردانية المتسامية. وذلك لأنها تجعل من كل ما يمس روحها وجسدها همّا من همومها الكبرى والصغرى. من هنا بروز الملامح الناتئة في المواقف والمآثر الكبرى والصغرى للخوارج. فالحركات التأسيسية الكبرى لا صغيرة فيها، بسبب قوة الرمزية الكامنة في جوارح الجسد وجروح الروح النازفة في مجرى مواجهة ما يبدو لها خروجا على حقيقة الإنسانية والحق. وفي هذا يكمن السبب الذي جعل من فكرة "مرتكب الكبيرة" العلامة الفارقة للخوارج.

فمن حيث المظهر الأولي أو رمزيته التاريخية لم تكن فكرة الخروج حكرا على الخوارج. غير أن ارتباطهما في الوعي التاريخي والسياسي واللاهوتي والأخلاقي الإسلامي يعكس طبيعة التحول الجوهري في فكرة الخروج على السلطة بوصفها الصفة الملازمة للخوارج. وإذا كان الوعي اللاهوتي السياسي بمختلف أصنافه، وبالأخص ذاك الذي استجاب في اغلب حوافزه الأولى لإغراء السلطة وترهيبها، قد طابق بين الخروج على السلطة وبين الخروج على الدين، من خلال ابتداع مصطلح المارقة وإلصاقه بالخوارج، فانه يكون بذلك قد حدس عظمة الفكرة الخارجية الملطخة بدماء أتباعها وأعدائها دون أن يدرك قيمتها! وهو أمر عادي بالنسبة للوعي المتملق والخاضع لرغبات السلطة والسلاطين. بينما كانت شعلة الخوارج الأولى هي لهيب الاحتراق الذاتي في مرحلة الانتقال من الوجدان الأخلاقي إلى العقل الثقافي ومنهما إلى معرفة النفس الفعلية. وجرى التعبير عن هذه العملية بمعايير الخوارج في مصطلح الشراة.

فقد كان الخروج فعلا عاما يمكن إطلاقه على أي خروج مهما اختلف شكله ولونه ونوعه. من هنا إمكانية تهمة "المروق" بوصفها الصيغة الدينية اللاهوتية المعارضة للخروج على السلطة والدين، بينما كانت تسمية الشراة هي التعبير الذاتي الأصيل عن معرفة النفس الفعلية. وتتماهى هذه التسمية مع رغبة الخوارج الذاتية وعقائدهم العملية. بمعنى تأسيسهم فيها ومن خلالها للفكرة المتسامية عن ضرورة شراء النفس، أي عدم بيعها في أسواق النخاسة والساسة. فقد كانت تلك التسمية الأولى في التاريخ الإسلامي التي جسدت نمطا من الرؤية النظرية التي تتوحد فيها القيمة والمعنى، وأسست نمطا من الرؤية العملية التي تتحقق فيها المبادئ والشخصية.

فقد كانت فكرة الخوارج الأولى عن شراء النفس مرهونة بالرغبة الصادقة بمرضاة الله. وليس مصادفة أن يصرخ حرقوص بن زهير، بوجه الخليفة علي قائلا: "يا ابن أبي طالب! لا نريد بقتالك إلا وجه الله والدار الآخرة"1. كما نراها أيضا في الصورة النموذجية التي تنقلها كتب التاريخ عن هيئة وحالة المواجهة الحربية التي حصلت بينهم وبين معسكر الإمام علي، عندما شدوا رغم أعدادهم القليلة "شدة رجل واحد، والخيل أمام الرجال، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، فخمدوا". ووصف احدهم ما كان يراه قائلا "لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح والنبل، كأنهم معز اتقت المطر بقرونها"2. وهو وصف لا استهجان فيه، بقدر ما انه يبرز عمق الاستعداد غير المتناهي للروح الخوارجي القادر على مواجهة مصيره دون تردد. بل أن المصير نفسه يصبح جزء من غبار المعركة التي تلف الجسد لكي ترميه بحمية بالغة أمام مهمة التضحية العابرة بوصفها تحقيقا لفكرة الأبد. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن عنفوان الفروسية التي لا يعقل وجودها دون تحسس الجسد وهو يمرح في صحراء الصبر وبيداء التحدي وسواد البصرة والكوفة. إذ لا يعقل الأبد دون الأزل. فهما شأن الوحدة المرعبة والجميلة للحياة والموت. لكل منهما قيمته ومعناه ومداه. وفيما بينهما تتلألأ حمية الروح وصدق العزيمة، بوصفه الأسلوب الوحيد القابل للإدراك بمعايير الحدس المتسامي. وقد تمثل الخوارج هذا الحدس. من هنا "خروجهم" على الجميع! لكنه حدس لم يكن معزولا عن القدر الملازم للدولة الإمبراطورية وثقافة المواجهة العنيفة في مجرى إرساء أسسها الأولى.

فقد تمثل الخوارج إرهاصات الضمير الملازمة لانكسار الوحدة وتجزئتها، التي عادة ما ترافق الانعطافات الحادة في تاريخ الإمبراطوريات والأديان العالمية والفلسفات الكبرى وصعود الأمم. فهي تساهم في تعميق التجربة السياسية وإدخال ما يمكن إدخاله من عناصر الراديكالية المعنوية، كما تفعل في الوقت نفسه على ربط المكونات المتصارعة في رؤيتها الخاصة. الأمر الذي يجعلها شديدة الحساسية تجاه كل ما يعارضها. مما يؤدي بها في حالات عديدة إلى الغلو السياسي، والتزمت الأخلاقي، والفوضوية المتسامية، وهوس الشك الوجداني (التوبة) مع ما يترتب عليه من انعدام الثبات والاستقرار في المواقف الظاهرية بوصفه الصيغة المثلى للثبات الباطني. فعندما استكتب عبد الملك بن مروان، على سبيل المثال، نجدة بن عامر الحنفي (رئيس النجدات) وأعطاه الرضا، خالفه بذلك أتباعه وطالبوه بالتوبة. فتاب. ثم ندموا على ذلك وتابوا وطالبوه بالتوبة من توبته فتاب! مما اضطر ذلك بعضهم (أبو فديك) لقتله! وتكشف هذه الحالة النموذجية عن أن مظاهر الجسد الخشنة للخوارج لم تكن سوى الصيغة التاريخية لتهذب الروح في مجرى التدليل والبرهنة الذاتية على ما أسميته بالاستعداد على مواجهة المصير أيا كان مظهره بوصفه التزام الروح الفردي تجاه النفس والفكرة. وهي نتيجة تبعثر مكونات وتراكم وحدة التاريخ السياسي، لكنها تصنع على الدوام ما يمكن دعوته بالارتهان الكامل للفرد أمام التاريخ المعنوي (الأخلاقي) والسيرة الشخصية. ولا يمكن حل هذا الخلاف والخروج من مأزقه المتعرج في الحياة والضمير إلا عبر الإخلاص الدائم في الأقوال والأفعال. وقد صنع هذا التناقض خميرة الفكرة الراديكالية في الشخصية، بحيث يجعلها سماد الروح الأخلاقي في حياة الأمم والثقافة، ورماد الاحتراق الذاتي من اجل ذره في عيون السلطة الجائرة.

فقد كانت الهموم الكبرى للخوارج مقيدة بإجبار الأمة على العمل بما يمليه الضمير الحي والعقل الوقاد والإخلاص للعدالة، وليس بنفسية أو ذهنية الغزو والسلب والسلطة والجاه. وهو السر القائم وراء تحولهم إلى خميرة الصيرورة الثقافية الإسلامية الأولى التي أنقذتها في ميدان الفكر والإبداع من الفساد الأموي. بحيث جعلت منهم منذ البدء احد النماذج الرفيعة للإخلاص المادي والمعنوي لمتطلبات الإرادة المتسامية. الأمر الذي صنع ما يمكن دعوته بمثقف الإخلاص للفكرة والمبدأ. فقد استنسخ هذا الأنموذج الجديد روح الشخصية المحمدية التي بدت في أول أمرها خروجا على المعتاد والمألوف و"مروقا" على الوثنية، لكنها كانت في أعماقها وآفاقها شراء للنفس من أسواق الجاهلية بمختلف أصنافها وأشكالها ومستوياتها. بمعنى أنها قدمت النموذج لما ينبغي القيام به، وربط كل ذاك بفكرة الإرادة المتحررة من عبودية الرذيلة والاحتكام إلى صوت الضمير الخالص والصدق بمعاييره فقط. فإذا كان محور الإرادة المتسامية للشخصية المحمدية الأولى يدور حول فكرة الوحدانية بوصفها أسلوب توحيد الأنا والجماعة والحق، فان محور الفكرة الخوارجية كان يدور حول توحيد الأنا والجماعة والأمة تجاه إشكالية السلطة والحق. وليس مصادفة ألا تجتمع كل فرق الخوارج على شيء مثل اجتماعهم على محاربة الإمامة الجائرة، أي السلطة الغاشمة. ومن الممكن فهم بواعث هذا الإجماع في طبيعة معارك "القرن التأسيسي" للإمبراطورية، بوصفه زمن التحول العنيف من الخلافة إلى الملوكية الذي اجترح في مجرى انكساره الأخلاقي والسياسي الأول بعد معركة صفين وقضية التحكيم، ظهور الخوارج.

فقد كان ظهور الخوارج بحد ذاته تمثلا لقيم الحق بمشاعر الفروسية العربية والإخلاص الإسلامي الأول، وتصلب في مجرى المعارك القاسية وتألم من قسوة الخديعة، وعاني من تحسس الخروج على القيم الإسلامية الطرية ومحاولة تجفيفها السريع من جانب الأموية. فقد كانت كل هذه المكونات المرة هي حنظل الفطام الذي دهنته الملوكية الأموية على حلمة السلطة المغرية. من هنا اشمئزاز الخوارج، أي ممثلي البراءة وذوق الطفولة المرهف من الاقتراب منها. وهو الشيء الذي كانت تريده وتحلم به الأموية. وذلك لأنها وجدت في فطام الأمة الناشئة عن ألبانها أسلوب التحكم وليس الحكم. الأمر الذي جعلها تسمع في صراخ الخوارج عويلا وليس مناجاة وغناء. فالسلطة الجائرة لا ترغب بشيء غير سماع المديح أو الصمت. من هنا ذم الخوارج للسلطة الجائرة والجهر بذلك أمام الملأ بالأقوال والأفعال. فقد جعل منهم هذا الخروج ممثلي الحق وصوت الحقيقة. ووجد هذا التمثيل انعكاسه العميق في منظومة الافكار الكبرى التي أسسها الخوارج في الموقف من السلطة.

فقد أسس الخوارج جملة من المبادئ الجوهرية بصدد السلطة هي الأرقى والأنقى والأصدق لحقيقة الإسلام الأولى والفكرة الإنسانية والنزوع الاجتماعي والإنساني. فهم أول من أسس لفكرة الاختيار الحر للإمام من جانب الأمة. وجعلوا منه عاملا بعقد اجتماعي سياسي أخلاقي هو مصدر الشرعية الوحيد له وللإمامة (السلطان والسلطة). من هنا اشتراطهم فيه صفات العدل والحق والمساواة، بمعنى أن يعامل الناس على مبادئ وقيم العدل والمساواة المحكومة بفكرة الشرع. وهو مبدأ محكوم بطرفي المعادلة: الأمة والإمامة (المجتمع والسلطة). فالأمة تختار واختيارها محكوم بقيم ومبادئ محددة، كما أن الإمام محكوم بها أيضا. من هنا لا قيمة ولا أساس لفكرة القرشية في الخلافة. لأنها تتعارض مع حقيقة الإسلام والإنسانية. وهو السبب القائم وراء دعوتهم الرفيعة بإجازة أن تكون الإمامة في غير قريش. بحيث نراهم يقولون، انه إذا احتاجت الأمة إلى إمام فيجوز أن يكون عبدا أو حرا، نبطيا أو قرشيا3. بمعنى أولوية وجوهرية الفكرة الرفيعة والمبدأ المتسامي. من هنا ضرورة محاربة كل من يخرج على الإمام المنتخب، تماما بالقدر الذي ينبغي عزل أو قتل الإمام إذا "بدّل السيرة وخذل الحق". بمعنى يعزل إذا رضا ويقتل إذا رفض. ودفع بعض الخوارج هذه الفكرة إلى نتيجتها المنطقية والأخلاقية عندما قالوا بإمكانية أن لا يكون في العالم إمام أصلا. بمعنى التحرر من فكرة الراعي والرعية، والسيد والتابع، والقائد والجمهور. وهي فوضوية متسامية لكنها كانت تتمثل وتؤسس لفكرة الحرية التي لم يرتق إليها في عالم الإسلام آنذاك غير الخوارج. وفيها كان يكمن أيضا سر محاصرتهم الرهيبة. وذلك لأن فكرة الخوارج عن السلطة وموقف مثقفهم منها كانا يتعارضان آنذاك تعارضا تاما مع كمية العناصر المتراكمة في صيرورة الدولة الإمبراطورية. ووضعهم هذا التعارض في صلب المعركة التاريخية التي قدموا أنفسهم شهداء لها وعليها. بحيث تحول وجدهم ووجودهم وغايتهم إلى كينونة واحدة جعلت من الغلو السياسي، والتزمت الأخلاقي، والفوضوية المتسامية، وهوس الشك الوجداني مصدر القول والفعل الذاتي في مواجهة النفس والسلطة على السواء. أما النتيجة فهي صنع بهاء وصفاء المثقف الخوارجي ومصيره المأساوي

فالوساوس والشكوك هي آخر ما يساور الشخصية الكبيرة حالما تجد نفسها في لجة المعارك الحامية والدامية. لكن ذلك لا يعني انعدامهما في الأعماق. فاليقين الدقيق هو الوجه الآخر للشك العميق. وكلاهما يلطفان شغف القلب ووحي الضمير بوضعهما أولا وقبل كل شيء أمام مهمة تحدي النفس. فعندما تواجه الشخصية الكبيرة مآسي الحياة وعذاباتها بتحد قادر على انتزاع الغريزة من الجسد، والإبقاء على معالم الروح كما لو انه جسد الوجود الفردي، فإنها لا تفعل في الواقع إلا على تذليل أشباح الزمن. ومن ثم البرهنة على إن حقيقة الأنا هي أبد الوجود الحق. وهي مفارقة ترتدي مسوح المغالطة حالما تصبح جزء من الأهواء، ولباس الحقيقة حالما تصبح جزء من منطق الإخلاص. وهو المنطق الذي يصنع مثقف الإخلاص المعنوي. وذلك لما فيه من قدرة على تذليل وساوس الأحلام والدعوى الفارغة.

وهي حالة متناقضة، بل وتتسم بقدر كبير من المفارقة بسبب صعوبة التناغم الفعلي بين المنطق والوجدان الفائر. ولعل مفارقتها المذهلة تقوم في أنها عادة ما تبدع مثقفا لا يحلم! رغم كونه التجسيد الخلاب لحقيقة الأحلام الكبرى. وذلك لان فوران الوجدان العنيف عادة ما يلغي إمكانية التأمل ورؤية النفس ويجعلها تدور في رحى الحركة الهائجة لقيم الروح والجسد. حينذاك يصبح الحلم الوحيد هو الارتماء في أحظان المطلق الأخلاقي، بوصفها الحالة التي تجعل من المثقف أشبه ما يكون بنيزك الوجدان في بداية الليل الدامس! يتساقط ويعطي للآخرين إمكانية التأمل والحلم!

وقد كان أوائل الخوارج نيازك الثقافة الإسلامية في تساقطها المشع عند بداية الظلام الدامس للأموية. فقد كانت طبيعة ونوعية الانتقال من الخلافة إلى الملوكية فعلا مناقضا لمقدمات الفكرة الإسلامية عن الدولة والأمة والشرعية. بحيث جعل من كل خطوة تخطوها الأموية بهذا الصدد خروجا على الروح والجسد الفردي والاجتماعي والحكومي. وهو السبب القائم وراء تشنج الثقافة والرؤية الكونية للقوى المعارضة. فالإمبراطورية الثقافية الكامنة في الرؤية التوحيدية للإسلام الأول سرعان ما جرى كسرها بطريقة راديكالية تتسم بقدر هائل من العنف والإكراه والغدر والخيانة. وقد كانت تلك اشد العناصر مرارة في دهان الأموية لفطم الأمة والنخب عن مصادر رضاعتها الطبيعية. إذ لم يبق من إمبراطورية الخلافة الأولية شيئا غير قوة الإكراه الخالية من شرعية الروح والتاريخ المعنوي ونخب التأسيس الروحي والعملي ومعاناتها الفعلية في إرساء أسسها المادية والمعنوية.

فقد كان البديل الأموي للخلافة هو إمبراطورية الإكراه والغنيمة. ومن ثم لم يبق من معاناة تأمل الملك والملكوت والجبروت الإسلامي الأول سوى ملك الأموية وجبروتها السلطوي المتحرر من كل قيود أخلاقية وقانونية. وبالتالي رمي ملكوت السماء الإسلامي تحت حوافر العطايا ومرتزقتها. من هنا حدة النفور والمواجهة والتحدي في نحو القلوب الورعة والرغبة في إعرابه حسب قواعد الهموم الإنسانية الكبرى. فقد وضع الخوارج قواعد هذا النحو، وقاموا بإعرابه على قدر ما فيهم من فروسية العرب القديمة وعقائدية الرؤية الإسلامية الأولى. ومنهما جرى بناء صرح المعاناة الفردية العميقة لما يمكن دعوته بهموم الحق المهان. وهي هموم فردية الروح عامة الجسد. بمعنى أنها تنبع من القلب والوجدان في رؤيتها للكل الإسلامي على مستوى الأمة والدولة، والحياة وما بعدها.

وليس مصادفة أن نرى قلوب الخوارج تبكي وعيونها فرحة. فهي الحالة المثلى لتناغم الروح والجسد أو تكاملهما المخلص بمعايير الحق والحقيقة. مما جعل من الممكن تعالي الروح في سماء التضحية والشهادة، واقتراب الجسد من بيداء المعارك. أما المعنى الحقيقي لهذا التناقض فيقوم في تحول الإبادة إلى ابد، بمعنى تحول التضحية والاضمحلال في سديم المعارك إلى تخليد فكرة الحق والحقوق الأبدية. من هنا ظهور فكرة "حكم الأزل" وليس الأفراد. إن لم تعن فكرة الخوارج الأوائل عن انه "لا حكم إلا لله" سوى الحكم البشري الرفيع لأنه مرهون برؤية محددة هي عين "الوحي الإلهي". وليس "حكم الله" في رؤية الخوارج سوى رؤيتهم الذاتية. وتقترب هذه المعادلة من حدود المعضلة العصية على الحل، لكنها معقولة بمعايير ما أسميته بمنطق الإخلاص المعنوي. بحيث جعل هذا المنطق منهم نيازك الوجدان الإسلامي الفائر أمام فتور النخبة المترهلة بالثروة المسروقة، أي أمام نخبة لا تسمع بسبب انسداد سمعها الباطن، ولا ترى بسبب عميان بصيرتها، ولا تتحسس حقائق الأشياء بسبب يبوس أعصاب وجدانها الفردي، ولا تتذوق طعم الأبد لأنها محكومة بأوهام الأزل. وليس مصادفة أن يخرج مثقفو الخوارج الأوائل من بين جموع القوى العربية الإسلامية كما لو أنهم قوى غريبة، سرعان ما جرى تساقطها في حروب شرسة. أما البقية الباقية فقد جرى تجاهلها كما لو أنها قوى مجهولة. أما في الواقع، فان خروج مثقف الإخلاص المعنوي لا يتحمل الانتظار الطويل، لأنه من طبيعة النيازك الخارقة والشهب اللامعة. مهمتها العدم في كون الوجود. وأكثر من حقق الصيغة الأولية لهذه الظاهرة عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي وعروة بن جدير وأبو بلال مرداس بن جدير، بوصفهم معالم الروح العملي والهجوم السياسي المحكوم بوجدان هائج وأخلاق صارمة وفكرة سياسية متزمتة. وهو الوجه المكمل والمتمم لرعيل المثقف النظري للخوارج في شخصيات جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعبد الله بن أباض.

***

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- البغدادي: الفرق بين الفرق، ص54.

2- ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص220.

3- مما جعل الشهرستاني يقول "إنهم أشد الناس قولا بالقياس". إضافة لذلك ينبغي تحليل مضمون "العبد" هنا على أنها فكرة مناهضة للعبودية، إذ لا يمكن للعبد أن يكون سيدا!

 

رياضـالسنديتمهيد: في ظهيرة يوم الخميس 14 نيسان من عام 30-33م [1]، قبل 2020 سنة، وفي السنة السابعة من حكم الوالي الروماني على اليهودية بيلاطس البنطي (26-36م) وفي السنة العشرين من حكم القيصر الروماني طيباريوس (13-36م) [2]، الموافق 13 أبيب لسنة 3760 يهودية (حالياً سنة 5780 عبرية) وبعد نشاط تبشيري إستغرق بحدود سنة إلى ثلاث سنوات، إشتهى يسوع الناصري الذي كان يتجول ويتنقل بين مدن وقرى مقاطعة اليهودية، أن يتناول الفصح أو الفطير في عيد الفصح اليهودي الذي يقام سنوياً في بَيْتِ عَنْيَا بقرب المدينة المقدسة أورشليم، قائلاً لِرُسُلِهِ:‏ «اِشْتَهَيْتُ شَهْوَةً أَنْ آكُلَ هٰذَا ٱلْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ».‏‏ (لوقا 22-15)‏.

كانت أورشليم مزدحمة جداً بالحجّاج أثناء موسم الفصح. كان عدد سكان أورشليم 25-30 ألف نسمة تقريباً. بينما يُقدَّر عدد الحجاج أثناء الفصح 85-135 ألف نسمة. لهذا قُدِّر عدد الناس الكلي أثناء موسم الفصح أكثر من 100,000 نسمة. [3]

تقاليد الفصح اليهودي

كما هي العادة في المجتمعات الزراعية، فإن إحتفالاتها تكون في موسم الربيع. ويستغرق الفصح اليهودي سبعة أيام من الإحتفالات تبدأ من يوم 15 نيسان. [4]

الامتناع عن الخمير حيث إن معظم تقاليد العيد مأخوذة من وصفة في التوراة مع التفاسير التي أضيفت إليها عبر العقود. ومن أبرز مميزات العيد هو الامتناع عن أكل الخبز أو أي طعام مصنوع من العجين المختمر، وبدلاً من الخبز يؤكل الفطير غير المختمر المختبز للعيد بشكل خاص، ويسمى هذا الفطير بـ"ماتْساه" (מַצָּה). ويشرح سفر الخروج هذا التقليد كرمز لاستعجال بني إسرائيل عند خروجهم من مصر حيث لم يتمكنوا من الانتظار لانتفاخ العجين عندما أعدوا مؤونتهم.

حسب الشريعة اليهودية المعاصرة على كل يهودي التخلص من كل المأكولات المصنوعة من عجين مختمر قبل حلول العيد وأن يقوم بحرق ما يبقى من هذه المأكولات في طقس يقوم به عشية العيد عبارة عن استعداده لأداء وصايا العيد.

والتقليد الأهم فيه هو عشاء العيد تعرف عشية العيد باسم "ليل هسيدر" (לֵיל הַסֵּדֶר "ليلة المنهاج") وفيه يجتمع أبناء العائلة والأقرباء للعشاء الاحتفالي المرافقة بصلوات وسلسلة من الطقوس الدينية، وتعرض تفاصيل منهاج الصلوات والطقوس في كتاب خاص يسمى ب"هچداه" (הַגָּדָה "سرد"). "كتاب الهجداه" هو من أكثر الكتب التقليدية انتشاراً لدى اليهود، وهو يحتوي على نصوص ذات علاقة بالعيد من التوراة، الميشناه والتلمود كما يحتوي على صلوات العيد والمزامير مع تعليمات عن الوقت الملائم لقراءة كل منها وطريقة أداء الطقوس المرافقة بالقراءة. ويتكون العشاء من: بقدونس – الأعشاب المرة – خليط المكسرات المطحون مع تفاح – بيض مشوي مكسور – ماء بملح – برتقال -مع إضافة عظمة مشوية لخروف في الطبق. وبالطبع مع هذا أربع كؤوس من النبيذ (عصير عنب).

من أهم الطقوس هو شرب أربع كؤوس من خمر العنب خلال قراءة نصوص ال"هجاداه"، كذلك يغني أصغر أبناء العائلة ترنيمة بعنوان "ما نشتانا" (מָה נִשְתָּנָה "كيف تختلف"، أي كيف تختلف هذه الليلة عن باقي الليالي). وتطرح في هذه الليلة أسئلة عن العيد وأجوبة يغنيها جميع أفراد العائلة وهي عبارة عن واجبهم لسرد قصة الخروج لأبناء الأجيال القادمة. في نهاية العشاء يفتح أحد الشيوخ مع أحد الأولاد باب البيت ويدعوان إيليا لينضم إلى العائلة عند شرب الخمر ويبارك أبناء العائلة. وعادة يستحم أفراد العائلة أستعداداً وطهارة للعيد، وعند وجود ضيوف لديهم، يقوم ربُّ العائلة بغسل أقدامهم كنوع من التكريم.

ويقوم صاحب الدار بتكليف أحدهم بتوزيع بعض الأموال على الغرباء -كما هي العادة في الأعياد عند كل الشعوب- ولهذا فقد أرسل يسوع تلميذه يهوذا خازن المال أو أمين الصندوق -والذي غالباً ما أتهم باختلاسه من تلك الأموال- إلى أورشليم لهذا الغرض، وهناك تمكّن الكهنة اليهود من رشوته بمبلغ ثلاثين قطعة من الفضة مقابل أن يدلّهم على معلمه يسوع، في قُبلة هي الإشارة إليه، لكيلا يتم الخلط بينه وبين تلاميذه في ظلام المساء، ولتلافي هروبه منهم.

العشاء الأخير ليسوع

تعني كلمة فصح في العبرية "العبور"، وهي بحسب سفر الخروج الليلة التي تحرر بها بنو إسرائيل من فرعون، بعد أن "عبر" ملاك الله عن البيوت التي عليها دم الحمل بينما قتل الأبكار في البيوت التي لم تكن عليها تلك العلامة. ويدعى اليوم الثاني من تذكار الحدث "يوم الفطير" حيث تجتمع عائلات بنو إسرائيل استذكارًا لخروج أسلافهم من مصر، ويتناولون فطيرًا أي خبزًا غير مخمر، إذ إن أسلافهم عند خروجهم من مصر لم يتسع لهم الوقت ليختمر العجين فخبزوه دون خمير، وفق سفر الخروج أيضًا، كما يتناول حمل الفصح وبعض الأعشاب المرّة في ذلك العشاء. وبهذه المناسبة أمر يسوع بطرس ويوحنا بن زبدي حسب إنجيل لوقا أن يذهبا إلى القدس ويطلبا من أحد الرجال إعداد المكان الذي سيتناول به الفصح مع التلاميذ، وهو مكان قريب من بستان الزيتون حيث يسوع قد انتقل بعد العشاء.

وعَمَلًا بِإِرْشَادَاتِ يَسُوعَ،‏ يَصِلُ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَبْدَآنِ بِإِعْدَادِ تَّرْتِيبَاتِ الْفِصْحِ.‏ وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلًا: «اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ» فَقَالاَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ؟». فَقَالَ لَهُمَا: «إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ، وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا». فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولًا مَعَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ». ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ». وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ.

وَسُرْعَانَ مَا يَصِلُ هُوَ وَتَلَامِيذُهُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ.‏ فَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى ٱلْبَيْتِ حَيْثُ سَيَأْكُلُونَ ٱلْفِصْحَ،‏ وَيَصْعَدُونَ إِلَى ٱلْعُلِّيَّةِ ٱلْكَبِيرَةِ.‏ فَيَجِدُونَ كُلَّ شَيْءٍ مُعَدًّا لِيَتَنَاوَلُوا هٰذِهِ ٱلْوَجْبَةَ عَلَى ٱنْفِرَادٍ.‏ لَقَدْ كَانَ يَنْتَظِرُ بِشَوْقٍ هٰذِهِ ٱلْمُنَاسَبَةَ.‏ لِذَا يَقُولُ لِرُسُلِهِ:‏ «اِشْتَهَيْتُ شَهْوَةً أَنْ آكُلَ هٰذَا ٱلْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ».‏ ‏[لوقا 15:22‏].‏

وقد دَرَجَتِ ٱلْعَادَةُ أَنْ تُمَرَّرَ عِدَّةُ كُؤُوسٍ مِنَ ٱلْخَمْرِ إِلَى ٱلْمُحْتَفِلِينَ.‏ وَيَأْخُذُ يَسُوعُ وَاحِدَةً مِنْهَا،‏ ثُمَّ يَشْكُرُ وَيَقُولُ:‏ «ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ». وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». َكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ.».‏ [لوقا18:22]

ويعتبر هذا الحدث شديد الأهمية في المسيحية إذ به أسس يسوع، وفق الإيمان المسيحي، القداس الإلهي والقربان الأقدس ويدعى يوم استذكار ذلك سنويًا «خميس الأسرار»، لكونه قد شهد تأسيس سري الكهنوت والأفخارستيا. ويؤمن الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيون والمشرقيون وكذلك أتباع كنيسة المشرق الآشورية وأغلب البروتستانت بأن الخبز والخمر يتحولان فعلاً في جوهرهما إلى جسد يسوع ودمه بينما اكتفت بعض الطوائف البروتستانتية بالمعنى الرمزي للحدث. [5] وهنا ظهر فصح مسيحي إل جانب الفصح اليهودي.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَحْتَفِلُونَ،‏ فَإِذَا بِيَسُوعَ يَقُومُ عَنِ ٱلْعَشَاءِ،‏ يَضَعُ رِدَاءَهُ جَانِبًا،‏ وَيَأْخُذُ مِنْشَفَةً.‏ ثُمَّ يَصُبُّ مَاءً فِي طَسْتٍ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ.‏ فِي ٱلْعَادَةِ،‏ يَحْرِصُ صَاحِبُ ٱلْبَيْتِ أَنْ تُغْسَلَ أَقْدَامُ ضُيُوفِهِ.‏ وَغَالِبًا مَا يَقُومُ بِذٰلِكَ أَحَدُ ٱلْخَدَمِ.‏ (‏لوقا 44:7‏)‏ لٰكِنَّ صَاحِبَ ٱلْبَيْتِ لَيْسَ مَوْجُودًا.‏ لِذَا يَأْخُذُ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلْمُهِمَّةَ عَلَى عَاتِقِهِ.‏ طَبْعًا،‏ كَانَ بِٱسْتِطَاعَةِ أَيٍّ مِنَ ٱلرُّسُلِ أَنْ يَغْسِلَ أَقْدَامَ ٱلْبَاقِينَ.‏ لٰكِنَّ هٰذَا لَمْ يَحْصُلْ.‏ فقد أعطاهم يسوع درساً في التواضع وخدمة الناس.‏

وَعِنْدَمَا يَحِينُ دَوْرُ بُطْرُسَ،‏ يَعْتَرِضُ قَائِلًا:‏ «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»‏.‏ يَغْسِلُ يَسُوعُ أَقْدَامَ رُسُلِهِ ٱلِـ‍ 12 جَمِيعًا،‏ حَتَّى قَدَمَيْ يَهُوذَا ٱلْإِسْخَرْيُوطِيِّ.‏ وَبَعْدَمَا يَنْتَهِي وَيَلْبَسُ رِدَاءَهُ،‏ يَتَّكِئُ ثَانِيَةً إِلَى ٱلْمَائِدَةِ." [يوحنا4:13]

إن مشاركة يسوع الناصري وتلاميذه في الفصح اليهودي تدل دلالة قاطعة إن يسوع كان يهودياً وظلّ كذلك، حتى صلبه. ولم يدّع إنه رومانياً، ولو تم ذلك لتعذر صلبه، فالمواطن الروماني لا يعاقب كالمجرمين والخارجين على القانون.

إلقاء القبض على يسوع

يبدو إن يسوع كان يخشى من إلقاء القبض عليه ليلاً، حيث يتعذر على اليهود ذلك نهاراً، لكي لا يسبب ذلك القلاقل لدى الشعب وخاصة من تلاميذه ومحبيه، وقول لوقا يفسر ذلك: وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ. [لوقا2:21] لذا فقد إعتاد على أن يقضي النهار في الهيكل، ويختلي ليلاً في جبل الزيتون. "وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ." [لوقا37:21]

وبعد العشاء، وكما تتفق الأناجيل الإزائية تقدم يهوذا الإسخريوطي يرافقه فرقة من الجند الرومان بقيادة كورنليوس، وهم في الغالب يقيمون منفصلين عن اليهود في محميات خاصة خارج المدن، فلم يكونوا على اختلاط بيسوع وربما استقدموا في إطار حفظ الأمن خلال عيد الفصح لا غير، وقد اتفق مسلموه مع الجند ويهوذا، أن الذي يقبله هو يسوع، فبعد أن قبله قال له يسوع: "يا يهوذا أبقبلة تسلّم ابن الإنسان."[لوقا 48/22]

لا يذكر إنجيل يوحنا شيئاً عن قبلة يهوذا، لكنه يضع التسليم في إطار لاهوتي، فعندما سأل يسوع الجند من تريدون وأجابوه أنهم يريدون يسوع الناصري، قال لهم "أنا هو" [6]، وهو العبارة التقليدية في الديانة اليهودية للإشارة إلى الله فتراجع الجنود بقوة خارجية وسقطوا على الأرض، لكنهم قبضوا عليه بعد ذلك، وبحسب العقائد المسيحية واتفاق الأناجيل الأربعة، فهو من سمح لهم بالقبض عليه. حاول التلاميذ إبداء المقاومة، وقام بطرس بضرب عبد رئيس الكهنة المدعو ملخس فقطع أذنه، لكن يسوع رفض استخدام القوّة وقال: "ردّ سيفك إلى غمده!، فإن الذين يلجأون إلى السيف بالسيف يهلكون. أم تظنّ أني لا أقدر أن أطلب من أبي فيرسل لي اثني عشر جيشًا من الملائكة؟ ولكن كيف يتم الكتاب حيث يقول إن ما يحدث الآن لا بدّ أن يحدث".[متى 52/26-54] وقام بإعادة أذن ملخس إلى مكانها، ثم وجه كلامه للجند ومرافقيهم: "أكما على لص خرجتم بالسيوف والعصي لتقبضوا عليّ؟ كنت كل يوم بينكم أعلم في الهيكل، ولم تقبضوا علي ولكن قد حدث هذا كله لتتم كلمات الأنبياء".[متى 55/26] أما التلاميذ فقد هربوا بعد ذلك جميعًا،[متى 56/26] وتركوه وحيدًا وينقل إنجيل مرقس أن الجند حاولوا اعتقال بعض التلاميذ لكنهم فشلوا.[مرقس 51/14]

التهم الموجهة ليسوع

ويمكن تلخيص التهم الموجهة ليسوع، والتي تقسم إلى ثلاث أنواع مختلفة إلى تهمة دينية، وتهم جنائية وسياسية، وتهمة إقتصادية واحدة، وهي: -

1- التجديف (المساس بالذات الإلهية)، أو إزدراء الدين، أو إهانة الله، أو الادعاء بالألوهية، وإنتحال صفة الله.

2- إفساد الشعب.

3- التحريض على الشغب والثورة.

4- الإمتناع عن دفع الجزية (الضريبة) للحاكم.

5- الإدعاء بالسلطة (المَلَكية).

وقد تغيرت التهم الموجهة ليسوع الناصري من تهم دينية تتمثل في الإدعاء بالألوهية، أو الادعاء بأنه المسيح، والتي لا يعاقب عليها القانون الروماني بإعتبارهم إمبراطورية تتعدد فيها الآلهة، على الرغم من أن الشريعة اليهودية تعاقب عليها بالعقوبة الأشد وهي الرجم، إلى تهم سياسية وهي الإدعاء بالسلطة على مقاطعة اليهودية بإعتباره ملك اليهود وإثارة الشغب والقلاقل بين الشعب والتحريض على الثورة، وهي تهم سياسية مناهضة لسلطة قيصر روما، ويعاقب عليها بالعقوبة الرومانية الأشد وهي الصلب. ولما كانت اليهودية تحت سلطة الاحتلال الروماني قبل 63 سنة من ذلك التاريخ، فإن سلطة إنزال العقوبة القصوى بالموت قد أصبحت محصورة بيد الوالي الروماني وهو بيلاطس آنذاك، وإذا ما إرتكبها رؤساء الكهنة اليهود فإنهم يعاقبون بجريمة القتل العمد.

أما التهمة الاقتصادية والمتمثلة بتخريب إقتصاد الإمبراطورية الرومانية من خلال دعوة يسوع الناصري للشعب إلى عدم دفع الجزية للقيصر، فَلم تثبت، لأن موقف يسوع العلني منها كان واضحاً، وهو ضرورة دفع الجزية للقيصر، بقوله: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ».

" وينقل لنا لوقا في إنجيله ثلاث تهم هي: يفسد الشعب، يمنع دفع الجزية للقيصر، يدعي إنه ملك، فكتب يقول: وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ». [لوقا 2:23] ويبدو أن بيلاطس لم يهتم لها، لعدم إيمانه بها أو قناعته بصحتها، وربما تذكّر الجميع قول يسوع: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ». [مرقس 12:12-17].[7]

ويذكر إنجيل يوحنا إن تهمة يسوع كانت وفقاً للناموس لإدعائه بأنه إبن الله. أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ». [يوحنا 7:4019]

وخشية من إفلات يسوع من العقوبة، فقد إرتأى اليهود تحويل التهمة من تهمة دينية إلى تهمة سياسية، لا بل والأكثر من ذلك، فقد هدوا بيلاطس بتهمة عدم محبته لقيصر روما، "مِنْ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ وَلَكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هَذَا فَلَسْتَ مُحِبّاً لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكاً يُقَاوِمُ قَيْصَرَ». [يوحنا 12:19] وقد نجحوا في ذلك.

وقفة عند فكرة المسيح

فكرة المسيح (المسيّا) هي بدعة يهودية خالصة، تشير إلى مجيء شخص من نسل الملك داود يتمتع بالقوة لإنقاذ اليهود وجمع شتاتهم وردت على لسان إشعيا النبي ووضع له شروط معينة، وهي أن يولد من عذراء بقوله: اسمعوا يا بيت داود هل هو قليل عليكم أن تضجروا الناس حتى تضجروا إلهي أيضا، ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو إسمه عمانوئيل. [إشعيا 13:7 -14] وكان يسميه زكريا (ربُ الجُنود) أو مرسل من قبله، وهو تعبير يشير إلى القوة العسكرية. ويقول إشعيا "هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبّ ُبِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ. هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ. [إشعيا 10:40] [8] ويذكر إشعياء 53، والمعروف بأنه نبوة "الخادم المتألم"، تفاصيل موت المسيا من أجل خطايا شعبه. ويقدم إشعياء تفاصيل حياة وموت المسيح قبل ميلاده بحوالي 700 عام. سوف يكون المسيا مرفوضاً (إشعياء 53: 3؛ لوقا 13: 34). سوف يقتل المسيا كذبيحة كفارية عن خطايا شعبه (إشعياء 53: 5-9؛ كورنثوس الثانية 5: 21). سوف يكون المسيا صامتاً أمام المشتكين عليه (إشعياء 53: 9؛ متى 27: 57-60). سوف يكون المسيا بين مجرمين عند موته (إشعياء 53: 12؛ مرقس 15: 27).

وقد تكررت هذه الفكرة وتطورت لدى الكثير من أنبياء إسرائيل مثل إرميا ودانيال وملاخي وزكريا وغيرهم، حتى أصبحت فكرة مجيء المسيح المخلص والمنقذ لشعب إسرائيل اليائس والمشتت والضعيف ويعيد بناء الهيكل وإحقاق الحق وبداية العصر المسيّاني فكرة متسلطة على اليهود حتى يومنا هذا، علماً يمكن أن يكون المسيح غريباً مثل الملك الفارسي كورش الثاني الذي أطلق عليه النبي أشعياء لقب المسيح (سفر أشعياء 45:1). كما رأى العديد من يهود العصر الحديث إن "بن غوريون" أول رئيس لدولة إسرائيل قد حقق كل ما أرادت نبوءات العهد القديم من المسيح تحقيقه في جمع شتاتهم وغير ذلك.

"ومع ذلك، تتفق جميع الروايات التوراتية الأربعة على أن قيافا والسنهدرين أدانا يسوع في نهاية المطاف بتهمة التجديف. وتُسجل الأناجيل أنه عندما سأل قيافا يسوع عما إذا كان يدعي أنه المسيح، أجاب: "أنا هو" (مرقس 14: 62) (أو «أَنْتَ قُلْتَ!». (متى 26: 64) أو «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ». أو فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ». (لوقا 22: 67-8) أو "أنتَ تقول إنني" (يوحنا 19: 7). على الرغم من أن كتاب المِشنا، وهو رمز القانون اليهودي والذي تم تجميعه حوالي 200م، في القسم هاء، يُعرف التجديف بشكل أضيق على أنه المساس بأسم الله المقدس (يهوه)." [9]

جلسات الإستماع ومحاكمة يسوع

عُقِدت ست جلسات للأستماع إلى التهم الموجهة ليسوع الناصري وشهود القضية، ثلاث منها دينية وثلاث الأخرى مدنية، وأمام كل مِنْ:

رئيس المجلس اليهودي الأعلى (السنهدريم) حنانيا.

- كبير الكهنة اليهود قيافا (المُعيّن من قبل الرومان) وهو نسيب حنانيا.

- الوالي الروماني لمقاطعة اليهودية بيلاطس البنطي.

- الحاكم الروماني لمدينة الجليل هيرودس.

أما شهود الإدعاء ضد يسوع فكانوا:

من قبيلة إسرائيل: روان، دانيئيل، رامبينيل، يوناكين، روتيم، يوتافيل وبيريكولان.

من المملكة والولاية الرومانية: لوكيوس، ستيتيليوس وماكسيميليوس.

من الفريسيين: باربوس، سيميون وبونيلي.

من القضاة الأعليين الرومانيين: رابان، ماندانيس وباكارولاس.

مراقب الجرائم اليهودية: بوتان." [10]

وقد وصفهم الإنجيل على أنهم شهود زور. فيقول متى في إنجيله: " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالاَ: «هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» [متى 59:26]

إهانة المتهم وإحتقاره

ويثور التساؤل الآتي: هل إحتقر بيلاطس يسوع وأهانه هو أو جنوده الرومان؟ في الواقع، بخلاف ما يشاع وما توحي به بعض الأناجيل، فإن بيلاطس لم يحتقره أو يهينه، بل إن الذي قام بذلك هو هيرودس أنتيباس حاكم الجليل وشرق الأردن [11] الذي ورث الحكم عن والده هيرودس الكبير في سنة 4 ق.م. وقد تم تقسيم مملكته بين أولاده الأربعة، فكانت الجليل من حصة هيرودس أنتيباس ولهذا كان يسمى برئيس الربع. وكان من المفترض أن يحاكم يسوع أمامه لكونه جليلياً، ولكنه بدهائه تخلص من هذه الورطة، وألقى الكرة في ملعب بيلاطس، ولكنه لم يَدَع الفرصة تَمُر دون أن ينتقم معنوياً من يسوع، وكان يومها قد جاء من الجليل إلى أورشليم ليحضر إحتفالات الفصح، وعندما أحيل يسوع إليه، إستمع إلى التهمة الدينية التي يتهمه به اليهود، وهي الادعاء بأنه المسيح ملك اليهود، ويذكر إنجيل لوقا دور هيرودس بوضوح قائلا: " فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ ذِكْرَ الْجَلِيلِ، سَأَلَ: «هَلِ الرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ؟» وَحِينَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَلْطَنَةِ هِيرُودُسَ، أَرْسَلَهُ إِلَى هِيرُودُسَ، إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْكَ الأَيَّامَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَي آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ، فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا، وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. فَصَارَ بِيلاَطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ فِي عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا. [لوقا 11:23] بينما الأناجيل الثلاثة الأخرى لا تتهم هيرودس بالإسم بإحتقار يسوع. فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. ويضيف يوحنا جزئية صغيرة أخرى في ذات السياق وهي إجلاس يسوع على كرسي الولاية بإعتباره ملك إستهزاءً به: فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْبَلاَطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا». وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «هُوَذَا مَلِكُكُمْ!». [يوحنا 13:19]

ويبقى السؤال: لماذا فعل بيلاطس أنتيباس كل ذلك، وكان فرحاً بمصير يسوع، وما هو الدافع لذلك؟

الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى الوراء أكثر من 30 سنة من ذلك التاريخ، وتحديداً في عام 6 ق.م. وعند ولادة يسوع، حيث تنبأ المجوس الذي زاروا هيرودس الأول [12] أو هيرودس الكبير بولادة طفل سيكون ملكاً لليهود وفقاً لنبوءة ميخا (2:5). وخشية على زوال ملكه، فقد أمَر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم بعمر يوم واحد وحتى السنتين. وقد صادفت ولادة يسوع أثناء الإحصائية الأولى عندما كان كيرينيوس والياً على سوريا (لوقا 2: 2)، وينقل لنا إنجيل متى القصة ببعض التفصيل، بقوله: "وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: «فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ». حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ. وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ." [متى 1:2-15]

وهكذا، فما فشل فيه أبوه هيرودس الأول قبل أكثر من 30 سنة، حققه هو هيرودس انتيباس. وإذا كان يسوع قد إستطاع أن يفلت في المرة الأولى وهو طفلاً، فإنه لم يفلت في المرة الثانية وهو رجلا بعمر الثلاثين. كما تجدر الإشارة إلى إن يسوع كان قد نَعت هيرودس بالثعلب. [لوقا 32:13]

وقد ذهب العديد من المؤرخين القدماء مثل تاسيت إلى إن هيرودس هو الذي أمر بصلب يسوع.[13] إقترحه هيرودس بالذات، حيث يذكر إنجيل بطرس المنحول، وهو أقدم نص منحول بين أيدينا حول آلام المسيح لذا يسمى بإنجيل الآلام، بقوله: إذاك أمر الملك هيرودس بأقتياد الرّب، قائلا: "نفذوا الأوامر كلها التي أعطيتكم إياها في شأنه." [14] أو إقترح هيرودس الصلب، وهو ما نفذه بيلاطس بلا مبالاة.

دفاع يسوع عن نفسه

تكاد كل الأناجيل تعطينا صورة واضحة تبين فيها إن يسوع لم يدافع عن نفسه بل كان دفاعه ضعيفاً، وكانت إجاباته غير منطقية، وبعيدة عن الأسئلة الموجهة إليه، كما إنها كانت فلسفية يصعب على أي حاكم أن يفهمها في سياق محاكمة قضائية. يضاف إلىذلك، إن يسوع لم يُفند شهود الوزر ضدّه. وينقل لنا إنجيل متى ذلك، قائلا: وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُور وَقَالاَ: «هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا: «إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ». [متى 60:26] وحتى أمام الوالي بيلاطس لم يُجِبْ بكلمة واحدة على الشهود العديدين ضدّه، مما دفع الوالي إلى التعجب من ذلك جداً. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا. [متى 13:27]

وأضعف نقطة في دفاع يسوع هي عندما "وَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلًا: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ»." [متى11:27] وكان على بيلاطس أن يقول له: إن هذا هو سؤال موجّه لك كمتهم وليس رأيي الشخصي فيك. ولكن بيلاطس لم يشأ أن يزيد في معاناة يسوع، وإكتفى بذلك. ويبدو إن يسوع كانت قد تملكته حالة من الذهول المفاجئ والوقتي -وخاصة في حالات تخطيط المشتكي مسبقاً ومفاجأة المتهم بها فيؤخذ على حين غرّة- والتي تجعل منه يبدو كما لو كان أخرساً، وهي حالة تزول بعد فترة قليلة، وهكذا نجد أن يسوع بعد ذلك وهو في طريقه للصلب يعزي بنات ونساء أورشليم ويتحدث مع اللصين الذين صلبا معه على يمينه ويساره، ويوعد أحدهم بالجنة. ومن المستغرب ألا نجد في كل مراحل محاكمة يسوع إدعاءه صراحة بأنه هو (المسيح المنتظر)، رغم تكرار السؤال عليه أكثر من مرة مِنْ قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، كما أسلفنا.

ومن المؤكد إن نفي يسوع للتهمة كانت ستنقذه من الصلب، وكان عليه مناقشه الشهود والإدعاء بإن ما قصده كان أمراً مغايراً، ولكن يبدو إن ذلك كان سيُسقطه في نظر تلاميذه وأتباعه كمعلم ومخلص ولن يعودوا يصدقوا بإدعاءاته لاحقاً، ولما قامت الديانة المسيحية فيما بعد، ولكنه كان سينقذ حياته. وما جرى هو خلاف ذلك كما في السياق. والواقع، إن قضية صلب يسوع إنما تشير بوضوح إلى الفجوة الكبيرة بين مجتمعين هما: المجتمع الروماني المتحرر، والمجتمع اليهودي المنغلق، أو شرخاً كبيراً حضارتين، بين الشرق والغرب. فحكام روما الأشرار والفاسدون والذين لم يتورعوا عن القتل بوحشية وممارسة الزنا حتى بالأقارب، ويعبدون آلهة متعددة، بالتأكيد كانوا يسخرون في سرّهم ويستهزئون من تعقيدات المجتمع اليهودي الشرقي الذي يحاسب على الزنا بالرجم حتى الموت، أو السرقة، أو القتل، أو حتى التجديف "الإستخاف المتعمد بالمقدسات"، ونكران الله أو الشرك به. فهيرودس الذي أصدر حكم صلب يسوع لإنه قال أنا المسيح الموعود، كان قد تزوج أخته هيرودية، وهكذا، يمكن تصور هذا الفرق بينهما. وهذه الفجوة موجودة حتى يومنا هذا.

الباعث الخفي لمحاكمة يسوع

على الرغم من أن يسوع ظَلّ ينتقد رؤساء الكهنة اليهود والفريسيين طيلة نشاطه التبشيري الذي إستمر لسنة أو ثلاث في أكثر تقدير، ويصفهم بأقذع الألفاظ، مثل: أولاد الأفاعي (متى 34:12)، أو (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ)، (متى 14:23) ومع ذلك لم يلتفت اليهود إلى ذلك كثيراً، إلا إن دخول يسوع الهيكل يوم السبت قبل أسبوع عيد الفصح اليهودي، وهو أقدس الأماكن اليهودية، ومجادلته أحد الكهنة حول الطهارة. وقد إستغربوا من محاسبة يسوع لهم، وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ، وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ الشُّيُوخِ، وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟» [لوقا 1:19]

يقول متى الرسول: "وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ داخل الهيكل، مشيراً إلى قول إشعيا النبي: «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»" (متى 21: 13). كان هذا الإقتحام بمثابة القشّة التي قصَمت ظهر البعير، فقد مسّ بتصرفه هذا الجانب الاقتصادي الهام للمجتمع اليهودي، وهذا الجانب لا يقل أهمية عن الجانب الروحي لكل دين، فالثراء والتجارة في المعابد الدينية أمر جَليّ وواضح في كل الديانات بحيث جرى الإهتمام بتذهيب تلك المعابد مقابل إهمال الاهتمام بحياة الناس ومستوى معيشتهم. وقد كانت عملية إقتحام الهيكل والطعن بتصرفاتهم التجارية-الدينية، واحدة من التهم التي وجِهَت ليسوع أثناء المحاكمة، كما سنرى لاحقاً.

ويقول ليندر: " تصف روايات الإنجيل مشاركة يسوع في احتجاج موجه إلى بعض الممارسات التجارية المرتبطة بالهيكل. وقد أساءت هذه الممارسات إلى العديد من اليهود. وفقاً لمتى، اشتكى يسوع: " بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (متى 21: 13). ووفقاً لمرقس ويوحنا فإن يسوع قد قَلِب طاولات الصيارفة، وهؤلاء الأشخاص هم الذين يقومون بتحويل القطع النقدية التي تحمل صورا للإمبراطور إلى القطع النقدية الفضية التايريان (شيكل)، وهو الشكل الوحيد للعملة المقبولة للتبرع. كما تصف الأناجيل يسوع وهو يخرج بائعي الحمام (استخدمت الطيور كذبائح من قبل المصلين) من المعبد. إن من الصعب أن نتصور أن مثل هذا العمل الدرامي لم يكن ليجلب ردًا فوريًا من حراس الهيكل المسلحين، لذلك من المرجح أن الأناجيل بالغت في أفعال يسوع. ومهما كانت الطبيعة الدقيقة لأفعاله، فقد كان من شبه المؤكد أنها كانت مصحوبة بأقوال - بما في ذلك التنبؤ بأن المعبد سيسقط ما لم يتم إجراء إصلاحات لإعادة المعبد إلى مهمته الدينية المركزية. في وقت من التوتر الشديد مثل عيد الفصح، فمن المرجح أن أي عمل تخريبي في المعبد - حتى العمل ذو طبيعة رمزية - من شأنه أن يثير ردّة فعل قوية من كبار الكهنة والمسؤولين الرومان. وهذا ما حدث. ولِفهم الجريمة التي أدت على الأرجح إلى اعتقال يسوع، فإن من الضروري أولاً فهم دور الهيكل في الحياة اليهودية في القرن الأول. لقد خدم الهيكل في القدس أغراضا مزدوجة. كان المركز المبجّل للحياة الدينية - مكان للصلاة والتضحيات - وبنك مركزي، ومكان للضرائب والعُشور." [15]

إصدار حكم الصلب

وأخيراً، رضح الوالي الروماني لرغبة اليهود ورؤساء الكهنة وأصدر قراراً بالصلب في الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة، وسيق يسوع للصلب في الساعة العاشرة صباحاً، فوصلوا جميعاً إلى مكان الصلب وهي قمة تلة تدعى «جُلْجُثَةَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ». [مرقس 22:15] حيث كان هناك خشبة عمودية طويلة مغروسة في الأرض، فيما كان المجرم يكلف بحمل خشبة قصيرة تمتد على طول الذراعين والتي كانت تُلف بالحبال ومثقوبة في الوسط لتنزل أفقياً داخل الخشبة العمودية، فيما كانت المسامير الطويلة تُدق على الأرجل فقط خشية عدم السقوط.

أما اللافتة الصغيرة التي وضعت أعلى الخشبة العمودية والتي كتب عليها عبارة [يسوع الناصري ملك اليهود] فلم يكن القصد منها السخرية كما صورتها الأناجيل، ولكنها كانت صورة مصغرة جداً لتهمة المصلوب، لكي يطّلع الجمهور ويعرف الشعب سبب عقوبة هذا الشخص، حيث إن القاعدة تقضي بعدم قتل إنسان دون سبب أو جرم. وهذا ما قصده مرقس في إنجيله بقوله: “وكان عنوان علته مكتوبا: ملك اليهود.“ [مرقس 15:36] ويقصد بالعِلّة التهمة الموجهة له. وهي الإدعاء بالملوكية على اليهود خلافاً لإرادة القيصر.

وقد إعترض اليهود على ذلك لعدم إعترافهم بيسوع ملكاً عليهم، ولكن بيلاطس لم يلتفت لهم ورفض تغيير اللافتة، وردّهم بالقول لقد كتبت وانتهى الأمر، في إشارة ضمنية إلى إن هذه هي التهمة السياسية التي إدعيتم بها وحكم عليه بموجبها، ولا يمكن تغييرها. "فَقَرَأَ هَذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوباً بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ. فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: «لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ». أَجَابَ بِيلاَطُسُ: «مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ». [يوحنا 20:19].

وترى الكنيسة إنها إعتراف بملوكية يسوع، "فالعبريّة هي الآراميّة لغة الكتاب المقدّس؛ واللاتينيّة [16] هي لغة السلطة الرومانيّة المحتلّة، أما اليونانيّة، فهي لغة المخاطبات الثقافيّة والتجارية... ويرى يوحنا، في العنوان الممنوح ليسوع، كلامًا نبويّا حقيقيّا، وإعلانا ملوكيّا. ونقول، مع الكاردينال كارلو مارتينيّ: إنّ الحقيقة العميقة التي تنطوي على هذا المشهد هي بالضبط ”الملوكيّة المشيحانيّة للكلمة المتجسّد”. فيسوع هو المسيح الذي كان إسرائيل ينتظره؛ وعلى الصليب، أظهر سيادته، حسب تفسير القديس يوستينس، وقد تبنّته الليترجيّا: ألربّ يملك بالصليب، اعترفت السلطة العليا المعاصرة بهذه السيادة."[17]

وكانت الإجراءات تقضي بإسقاء المصلوب عصارة من الخل ممزوجا بمرارة لتخديره قليلاً وعدم شعوره بالألم، كما يُطعن المصلوب بعد عدة ساعات في قلبه بالرمح للتأكد من موته، وفي حالة يسوع قام جندي روماني إسمه لُوْنْجان بطعنه في جنبه، متناولاً حربة، فخرج دم وماء. وأخيراً تكسر ساقي المصلوب كعقوبة أخيرة، ولكن يبدو إن الرومان قد إستغنوا عن ذلك فيما يخص يسوع فإستثنوه من ذلك الإجراء إعتقاداً منهم إنه قد مات، كما جاء في الإنجيل، وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. (يوحنا 33:19)

وقبل وضع المجرم على الصليب يتم تعرية المصلوب كنوع من الإهانة له أمام الشعب. ويشرح يوحنا في إنجيله ذلك، بقوله: ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هَذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. (يوحنا 23:19) وبهذا الصدد يقول ليندر: "ويبدو إن تجريد السجناء من ملابسهم ومقتنياتهم كانت أيضاً ممارسة رومانية عادية، حيث يتم تقسيم الملابس وغيرها من الممتلكات الصغيرة لضحايا الإعدام بين الجلادين. فالإذلال في الصلب عارياً في مكان بارز يشكل إضافة إلى قيمة الردع المقصود من العقاب." [18] وذهب إنجيل نيقوديموس المنحول غير المعترف به كنسياً، والذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي، إستثناءً إلى القول: عرّاه الجنود من ثيابه وزنّروه بقطعة قماش." [19] أي أن الجنود وضعوا في حقويه قطعة قماش.

وجرى الصلب بحضور والدة يسوع مريم وأحد تلاميذه يوحنا، وهو الوحيد من بين تلاميذ يسوع الإثني عشر، فقد هرب الجميع خشية القبض عليهم ومعاقبتهم. وكان من بين الحضور عدد من النسوة اللواتي عَرفن يسوع في حياته ومن بينهم مريم أخت أمه زوجة كلوبا أو مَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ، بالإضافة إلى مريم المجدلية.

وبعد 3 ساعات، وفي تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، أسلم يسوع الروح، وكانت إجراءات الصلب تقضي بقاء المصلوب على الصليب لعدة أيام، وهي في الغالب ثلاثة أيام لتنهشه طيور السماء، ولكن يسوع أستثني من ذلك بناءً على طلب أحد أعضاء المجلس اليهودي المكون من 70 عضواً والذي كان بمثابة تلميذ ليسوع خفية كما يذكر يوحنا في إنجيله، وهو يوسف الرامي (من مدينة الرامّة) الذي يصفه مرقس في إنجيله بأنه شخص مشير شريف بقوله: جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوتَ اللهِ، فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. (مرقس 43:15) بينما يذهب يوحنا مجازاً إلى إنه تلميذ يسوع بقوله: "ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ". (يوحنا 38:19). وقد طلب يوسف من بيلاطس بحكم معرفته به، أن يأمر الجنود الرومان بأن يسلِّموه جسد يسوع ليقوم هو ونيقوديموس، وهو عضو أخر في مجلس السنهدريم إعترض هو الأخر على محاكمة يسوع، بتحنيطه وتعطيره ودفنه في قبر في بستان قريب كان يوسف الرامي قد إشتراه سابقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى إن القبر هو أشبه بكهف أو غرفة صغيرة يوضع فيها الميت ملفوفاً بكف من القماش أبيض والقطن، ويمكن دخول شخص أو شخصين إلى الداخل والجلوس إلى جانب الميت. وتغلق هذه الغرفة بلوح خشبي أو بحجر، وفي حادثة يسوع، تم غلق القبر بحجر دحرج أمام الباب. ومن هنا يجب التفريق بين القبر والدفن، فالقبر في تلك الأيام كانت أكثر فسحةً، بينما الدفن هو طمر الإنسان تحت التراب في مساحة ضيقة جداً لا يدخلها أحد، كما يتعذر على المدفون الجلوس لو عادت له الحياة.

وينقل لنا إنجيل يوحنا ذلك بقوله: وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي أَتَى أَوَّلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيباً. وقد وافق بيلاطس على إنزاله بعد موته كما هي العادة، وقد إستغرب كثيراً عندما علم إنه مات بعد الصلب بثلاث ساعات، فسأل قائد المئة المكلف بالصلب، فيما إذا كان قد مات فعلاً. فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟» وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ، وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ. (مرقس 44:15). فيما طارد اليهود يوسف هذا، وسجنوه لاحقاً.

وقد أنزل جسد يسوع في الساعة السادسة مساءً لتلافي حلول الظلام ودخول عشية يوم السبت الذي يُحرّم فيه على أي يهودي القيام بعمل ما.

والأناجيل الأربعة متفقة في تحديد موعد العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الأحد.

إن هذه الحقائق لا تنتقص من يسوع الناصري ورسالته الإنسانية، بل هي عرض لبعض الحقائق والوقائع التاريخي بشكل موضوعي ودقيق، والتي غالباً ما يتم تجاهلها تحت التأثير العاطفي أو التعلق الشخصي، أو عدم معرفتها.

هذه هي خلاصة محاكمة يسوع الناصري وصلبه، والتي كانت لها تداعيات كثيرة، سنوردها بالتفصيل في كتابنا القادم حول محاكمة يسوع.

 

د. رياض السندي

خميس الفصح 2020

.........................

[1] تذهب الكنائس الشرقية في معظمها إلى إن سنة الصلب هي 33 ميلادية، في حين تُصِّر الكنائس الغربية على إن سنة الصلب هي 30 ميلادية.

[2] هو ثاني أباطرة روما، واسمه الكامل هو "طيبيريوس كلوديوس نيرون Tiberius Claudius Nero واسمه الرسمي كإمبراطور هو "طيباريوس قيصر أوغسطس" Tiberius Caesar Divi Augusti filius Augustus. ولد في نوفمبر 42 ق. م. وكان أبوه -بنفس الاسم- قائدًا من قواد يوليوس قيصر، ثم إلى جانب أنطونيوس ضد أوكتافيوس (أوغسطس قيصر فيما بعد)، ثم صارت زوجته "ليفيا" زوجة ثالثة لأوغسطس قيصر، وهكذا أصبح طيباريوس -الابن- ابنًا لزوجة أوغسطس قيصر. حكم طيباريوس قيصراً في 13 م. (أو 11 م. في رأي آخر) أصبح طيباريوس بمرسوم إمبراطوري خاص وصيًا على العرش. وعندما مات أوغسطس قيصر في 19 أغسطس 14م، خلفه طيباريوس. وقضي جرمانيكوس (ابن أخته، وابنه بالتبني) على تمرد قوات الراين. وقد سار طيباريوس على هدي وصية أوغسطس، بالحفاظ على الإمبراطورية بحدودها كما هي، فتخلى طيباريوس عن خطة دفع الحدود إلى نهر الألب، ووجه جهوده لتقوية الإمبراطورية والحفاظ على تماسكها. ولكن هذه السياسة الحريصة الجامدة، وجدت لها أعداء، وبخاصة أنه كانت لا تزال هناك قوي داخل مجلس الشيوخ لم تقبل استمرار هذه الأوتوقراطية المستترة. وفي 26 م. اعتكف طيباريوس في كابري حيث لاحقته الشائعات بالإسراف في الفجور. وفي 16 مارس عام 37 مات طيباريوس في مسينا، وخلفه كايوس كاليجولا، الابن الثالث لسيجانوس. ومنالمستبعد أن يكون طييباريوس قد سمع شيئًا عن المسيحية، فقد مات طيباريوس في عام 37 م، ولم تكن المسيحية قد انتشرت في نواحي الإمبراطورية. ويذكر يوستينوس الشهيد ويوسابيوس أن بيلاطس أرسل تقريرًا إلى طيباريوس عن محاكمة يسوع وصلبه، وهو أمر غير مستبعد. ويذكر تقليد أبو كريفي أن طيباريوس استدعى بيلاطس إلى روما لاستجوابه عن صلبه يسوع. ولكن ما حدث في الواقع هو أن حاكم سوريا عزل بيلاطس من ولاية اليهودية وأرسله إلى روما لمحاكمته أمام القيصر على الفظائع التي ارتكبها (انظر مثلا لو 13: 1)، ولكن طيباريوس مات قبل وصول بيلاطس إلى روما. أنظر، طِيباريوس قيصر | تيبيريوس قيصر، موقع الأنبا تكلا هيمانوت. الرابط:

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/16_TAH/TAH_39.html

[3] عدنان طرابلسي، تاريخ الصلب - اليوم والشهر والسنة، موقع شبكة أرثوذكس أونلاين، الرابط: https://www.orthodoxonline.org/theology/biblical-studies/biblical-general-studies/1632-the-date-of-crucifixion-day-month-and-year#gsc.tab=0

[4] في التقويم اليهودي يعتبر شهر نيسان أول أشهر الربيع وعيد الفصح نفسه يسمى أحيانا بـ"عيد الربيع"، ولكن لكون الأشهر اليهودية قمرية، يجب في بعض السنوات مضاعفة الشهر الذي يسبق نيسان، أي شهر آذار، كي لا يتراجع شهر نيسان إلى موسم الشتاء.

[5] العشاء الأخير، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[6] هذه العبارة ترد في مطلع الوصية الأولى من وصايا الله العشر لموسى على لسان الله (إيلوهيم) بقوله: أنا هو الرب إلهك، لا يكون لك إله غيري. والمفترض أن يجيب يسوع على سؤال الحرس بكلمة نعم، ولكنه إستخدم عبارة (أنا هو) التي جاءت على لسان الله في الوصايا، مما عزز الشكوك بادعائه الألوهية.

[7] كانت الحيلة أن الهيرودسيين يتظاهرون بالتديُّن لكي يصطادوا المسيح ويمسكوه بكلمة، فيسلِّموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فتقدموا إليه وتملَّقوه واستشاروه إن كانوا يدفعون الجزية للحكومة الرومانية أو لا يدفعونها، أملًا أن يمسكوه في شبكتهم مهما كانت إجابته، فإن قال بدفع الجزية ينفر الشعب منه، لأنهم ضجروا من هذه الضريبة التي هي علامة استعبادهم للرومان، ولأنهم ينتظرون مجيء المسيح ليحررهم منها. وكانوا يسألون: “كيف يمكن أن يكون المسيح ملك إسرائيل – كما هتف له الشعب بالأمس في الهيكل، ويحكم أن ندفع الجزية لقيصر”؟. وإن أجاب بعدم دفعها كما يرغب الهيرودسيون (وهو ما كانوا يرجّحونه) يحصلون على حجة كافية ليسلموه للحكومة، كمثير للفتنة ضد القيصر الذي وضع هذه الضريبة. أنظر، ما معنى الآية: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؟ موقع أليتيا في سبتمبر 29, 2017.

[8] المسيح الماشيح أو المسيا (بالعبرية: המשיח) (ومعناها المسيح) [1][2][3][4][5]، في الإيمان اليهودي هو إنسان مثالي من نسل الملك داود (النبي داود في الإسلام)، يبشر بنهاية العالم ويخلص الشعب اليهودي من ويلاته. وفي اللغة العبرية تعني "ماشيح - מָשִׁיחַ" من الفعل "مشح" أي "مسح" ومعناها في العهد القديم "الممسوح بالدهن المقدس"، ونقلت كلمة "ماشيح" إلى اللغة اليونانية كما هي ولكن بحروف يونانية " ميسياس -Мεσσίας" ومن ثم ترجمت ترجمة فعلية " خريستوس -Хριστός" من الفعل اليوناني " خريو -chriw" أي يمسح؛ وجاءت في اللاتينية "كريستوس ـ Christos" ومنها في اللغات الأوربية " Christ"؛ كانت عملية المسح تتم في العهد القديم بواسطة الدهن المقدس الذي كان يصنع من زيت الزيتون مضافًا إليه عددًا من الطيوب (سفر الخروج 22:30-31)، وقد ظل هذا التقليد حتى أيامنا هذه في المسيحية في سر الميرون؛ وكان الشخص أو الشيء الذي مسح يصبح مقدساً ومكرساً للرب؛ وحصر استخدامه للكهنة، الملوك والأنبياء (خروج 30:30)؛ ولهذا دعوا بمسحاء الرب (المزامير 15:105)، ومفردها "مسيح الرب" (صموئيل الثاني 1:23)، ويصفهم الله بمسحائي (أخبار الأيام الأول 22:16)؛ لكن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم يؤكد أن هؤلاء "المسحاء" جميعاً؛ كانوا ظلاً ورمزاً للآتي والذي دعي منذ داود فصاعداً بـ "المسيح"، وكانوا جميعاً متعلقين بمسيح المستقبل الذي سيأتي في ملء الزمان ودعاه دانيال النبي المسيح الرئيس (دانيال 24:9)، و"المسيح" و"قدوس القدوسين" (دانيال 25:9)، لأنه سيجمع في شخصه الصفات الثلاث: الكاهن والنبي والملك؛ وهذا الشخص وفق العقيدة المسيحية هو يسوع، بينما لا تزال الديانة اليهودية تنتظر قدومه. أنظر، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[9] Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007.  https://ssrn.com/abstract=1021250

[10] جورج حداد، تقرير بيلاطس البنطي عن قضية صلب السيد المسيح، موقع الحوار المتمدن-العدد: 3583 - 2011 / 12 / 21.

[11] هيردوس أنتيباس ثاني ملوك عائلة هيرودس، تقاسم مع أخويه مملكة أبيه، وكانت حصته حسب القسمة الجليل وشرق الأردن، وهو إحدى الشخصيات الواردة في العهد الجديد وقد دعي في الأناجيل بأمير الربع، أي ملك ربع بلاد فلسطين، وقد ساكن زوجة أخيه فيليبس فكان ذلك سبب كره له في الشارع اليهودي، كذلك فقد تسبب له بتوبيخ يوحنا المعمدان (يحيى)، وكان هو من أصدر الأمر بقتله. نعته يسوع بالثعلب، وخلال محاكمة يسوع مثل أمام أنطيباس إذ كان متواجدًا في أورشليم أيضًا لمناسبة عيد الفصح، وقد ذكر لوقا بأن أنطيباس ازدرى يسوع وألبسه ثوبًا براقًا للهزء والسخرية. أنظر، هيرودس أنتيباس، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة. اسم “هيرودس” معناه بطل، ولكنه كان هشـًّا ضعيفـًا أمام شهواته ونزواته، فانتهى للضياع. ولُـقـِّب بأنتيباس لتمييزه عن الكثيرين في عائلته بذات اسم هيرودس.. وهو ابن هيرودس الكبير الذي قتل كل أطفال بيت لحم ليقضي على الطفل يسوع. أما هيرودس أنتيباس فكان حاكمًا على الجليل وبيريه أيام المسيح، ولُـقـِّب برئيس الرُبع، أي رُبع مملكة اليهود، من عام 4ق.م - 39م. تزوج من ابنه الحارث ملك العربية ثم طلـّقها ليتزوج هيروديا زوجة أخيه. وكانت نهايته أليمه، حيث علم كاليجولا، قيصر روما، بتأمر هيرودس ضده مع ضابط روماني اسمه سيجانوس؛ فاستدعاه كاليجولا للمحاكمة، ونفاه إلى فرنسا، ثم أسبانيا؛ حيث مات هناك. أنظر، هيرودس أنتيباس، الرابط: http://www.nahwalhadaf.com/makala.aspx?mid=255

[12] هوردس أو هِيرُودِسُ (العبرية: הוֹרְדוֹס؛ 73 قبل الميلاد - 4 قبل الميلاد) هو ابن الدبلوماسي انتيباتر الأدومي من زوجته النبطية، عين حاكماً على الجليل ثم أصبح ملك اليهودية. وهو الابن الثاني لأنتيباتر، الأدومي الأصل. وكانت أمه أدومية أيضًا لذلك لم يكن يهوديًا من ناحية الجنس مع أن الأدوميين كانوا قد رضخوا للمذهب اليهودي بالقوة منذ سنة 125 ق.م. وكان قيصر قد عين انتيباتر Antipater the Idumaean حاكمًا على اليهودية سنة 47 ق.م. وقسَّم انتيباتر فلسطين بين أبنائه الخمسة وكان نصيب هيرودس في الجليل. وبعد أربع سنوات قُتِلَ انتيبار. فجاء ماركوس انطونيوس إلى فلسطين وعيَّن الابنين الأكبرين للعاهل المقتول على فلسطين. ثم قَتَلَ أكبرهما نفسه بعد ما أسره الفوتيون الذين هاجموا فلسطين. وهكذا خلا العرش لهيرودس. وفي سنة 37 ق. م. دخل القدس فاتحًا بمعونة الرومان. وقد تزوَّج هيرودس عشر نساء وكان له أبناء كثيرون. ولد يسوع في أواخر أيامه، بعد أن كانت نقمة الشعب عليه، وخوفه من منافسة أعدائه، قد بلغت أشدها. ولذلك أسرع الأمر بقتل جميع الأطفال في بيت لحم، حتى لا ينجو ابن داود، ولا يملك على اليهود ويتربع على عرشه (متى 2). ولكن الوقت لم يمهله كثيرًا. إذ مرض مرضًا خطيرًا، وسافر إلى شرقي الأردن للاستشفاء بحمامتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلًا. وهناك مات، وهو في السبعين من عمره، بعد ملك أربعًا وثلاثين سنة، وكأنه لم يشأ أن يودع الحياة على عكس ما كان في حياته. فأمر بقتل وجهاء القدس ساعة موته، حتى يعم الحزن المدينة ولا يجد أحد السكان فراغًا ليبتهج بموت ملكه المكروه. ومن بعده جاء ابنه هيرودوس انتيباس فأعدم الرسول يوحنا المعمدان، لأنه عارض الملك معارضة شديدة لعلمه انه تزوج من أخته هيرودية بعد تطليقها من زوجها فعارضه يحيى المغتسل يوحنا المعمدان بقوة وأمره بتطليقها وفي احدى الحفلات التي كان ينظمها هيرودس في قصره طرب لنغمات الموسيقى التي كانت تتراقص عليها بنت أخته هيرودية سلامة أو سالومي كما تذكر في المصادر العبرية فطلبت منه راس يوحنا المعمدان والحت في الطلب حتى قام بتلبية طلبها وهو كره لخشيته من رد فعل الكهان والكتبة اليهود إلا انه نجا بفعلته لكون النبي يوحنا المعمدان يحيى المغتسل يعارض الهيكل كثيرا فلم يعقب أحدا من الكهان أو الكتبة اليهود على ما حدث وقدم لها راس النبي على طبق وذهب. توفي هيرودس عام 4 ق.م. فقسَّم الإمبراطور أغسطس مملكته بين أبنائه الثلاثة حسب وصيته الأخيرة، فعين أرخلاوس Archelaos حاكماً على يهوذا التي تحولت بعد إقصائه عن الحكم عام 6م إلى مقاطعة رومانية، أما فيليب Philippos فحكم المنطقة الشمالية الشرقية (توفي عام 34م)، في حين حصل هيروديس أنتيباس على منطقة الجليل التي حكمها حتى عام 39م، وكان مثل بقية أسرته يهودي في الداخل وهلنستي في الخارج. أنظر، هيرود الكبير، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[13] إ. س. سفينسيسكايا، المسيحيون الأوائل والإمبراطورية الرومانية، خفايا القرون، ترجمه عن الروسية د. حسان مخائيل إسحق، ط 2، دمشق 2007، ص 85.

[14] الأناجيل المنحولة، ترجمة اسكندر شديد، تقديم ومراجعة أ. جوزيف قزي - أ. إلياس خليفة، بيروت 2004، ص 130.

[15]  Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007.  https://ssrn.com/abstract=1021250

[16] العنوان اللاتيني INRI وهو اختصار لاتيني لـ Iesus Nazarenus Rex Iudaeorum ، والذي يترجم إلى " يسوع الناصري ملك اليهود .

[17] الكتابة فوق الصليب” يسوع الناصريّ ملكُ اليهود “. هل هي كتابة نصر أم إخفاق؟! موقع زينيت في مارس 27, 2016.

[18] Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007. https://ssrn.com/abstract=1021250

[19] الأناجيل المنحولة، ترجمة اسكندر شديد، وصدر سابق، ص 146.

 

يُنقل عن الغرب حيث معقل المسيحية تتوالى القراءات التي تحط من شأن عيسى المسيح ع وتتبعه تاريخياً عبر مصادر تاريخية مشكوك في مصداقيتها وصحتها.

يمكننا ان نفهم ذلك في خضم الايديولوجيا المعادية للدين التي تتحكم في ذلك المجتمع و ربما يكون نيتشه في كتابه (نقيض المسيح) افضل حالاً من اولئك اذ انه يصب غضبه على بولس ويعتبره محرفاً ولكنه لا يتعرض الى شخصية المسيح الا في القليل كما انه ينقد الاخلاق والقيم المسيحية ويعتبرها تناقض غرائز الانسان .

 ويبدو من العهد الجديد (الانجيل) ان المسيح لم يكن نبياً ومبشراً فقط بل انه كان مصلحاً وقف بوجه الاكليروس الاسرائيلي اليهودي المتزعم للهيكل حيث يقبع علماء بني اسرائيل وقلب منظومتها الدينية.

يقع الهيكل في اورشليم (القدس) و كان الرومان متسلطين على اليهود في ذلك الوقت ومحتلين للمدينة ولكنهم سمحوا لليهود بممارسة عبادتهم ولهم عندهم حضوة كونهم كانوا يمثلون عنصر قلق لحكومة روما بسبب ثوراتهم ومواجهتهم للسلطة الرومانية وكان المجتمع اليهودي منقسماً الى الفريسيين والصدوقيين وهم فئتان تختلفان في فهم الشريعة الموسوية حيث يسيطر الصدوقيين على الهيكل وعلى مجلس العلماء في حين يسيطر الفريسيين على المجامع في المدن .

عاد المسيح من ارض مصر الى الناصرة مدينته الام وتعمد في نهر الاردن على يد يوحنا المعمدان وهو النبي يحيى (ع) وبدأ مشواره الاصلاحي حيث بدأ يحقق المعجزات ويدعو لاتبّاعه فتبعه البعض ومنذ ذلك الحين اخذ المسيح يطوف المدن مع طلبته وحوارييه الاثنا عشر وتابعيه وكان يستغل تطوافه في بث كلماته ومواعظه و يتهجم على عقائد اليهودية و عاداتهم ويزيح الانظار باتجاه ضرورة مراجعتها وبث الحياة فيها.

فيدخل المدينة او القرية ويدعو الناس يكلمهم ويظهر معجزاته لهم حتى بدأ ذكره يسبقه ويطير امامه في المدن التي يُقبل عليها وكان الفريسيون والصديقيون يحاجونه في تلك المدن ويبدو من ردوده انه كان يوجه لهم التهم باستغلال الدين وتفسيره خطئاً ويوبخهم ويوجه انظار الناس الى ضرورة الانقلاب عليهم .

بدأت حركة المسيح تتنامى وحين يقبل على مدينة ما يخرج اليه اهلها ويستقبلونه استقبالا مهيباً في كثير من الاحيان ويرافقونه ففي احد المرات خرج معه خمسة الاف (راجع معجزة اطعامهم في البرية) ومرة اخرى يخرج ومعه حوالي اربعة الاف يبقون معه لمدة ثلاثة ايام وهكذا تبدأ مسيرة أهلية قوامها فقراء المدن التي يمر عليها المسيح تسلمه الجموع من مدينة الى اخرى وكان الفريسيون والصديقيون لا ينون يضعون امامه الاشكالات والاسئلة وهو لا يني عن دحضهم و اجابة اسئلتهم برد فعل اكثر اشكالية .

وهنا يصل المسيح وطلبته وبعض تابعيه (يبدو من بعض الدراسات ان فيهم نساءاً ومنهن مريم المجدلية التي يرد ذكرها في مواضع متعددة من الانجيل) يصلون الى اورشليم حيث قلب اليهودية ومجمع علمائها ويبدو انه ارسل بعض طلبته امامه يبشرون بمجيئه او ان عدد لا بأس به كان مرافقاً له حيث يدخل فيقوم الناس بفرش طريقه بثيابهم وباغصان الاشجار وهو امر له رمزيته الكبيرة وكانت الجموع التي تتقدمه تهتف (المجد لابن داود تبارك الآتي باسم الرب المجد في العلى) فضجت المدينة وبدأت تتزلزل حيث يتساءل ابناء اورشليم من هذا فترد الجموع هذا هو النبي يسوع من ناصرة الجليل .

يدخل الهيكل بجموعه فيطرد الباعة في الهيكل ويقلب مناضدهم ومبائعهم ويطرد باعة الحمام ويقول لهم (جاء في الكتاب بيتي بيت الصلاة وانتم جعلتموه مغارة لصوص) ويبدو انه قلب نظام اورشليم وهيكلها وحطم اسطورتها واثار اليهود الذين لم يستطيعوا مواجهته ذلك اليوم ثم خرج الى بيت عنيا وبات فيها حيث يبدو انها لا تبعد كثيراً عن اورشليم بحسب الخارطة المرفقة ببعض الاناجيل ثم عاد ودخل الهيكل وبدأ يعلم فيها فجاءه شيوخ وعلماء اليهود وقالوا له بأي سلطة تعمل هذه الاعمال فاجابهم جواب مطول افحمهم وحذرهم من اعمالهم ويبدو ان الجموع كانت تحيطه وتحميه ما جعل هؤلاء يتهيبون الاعتداء عليه .

ان هذه الاعمال تكشف عن حركة اصلاحية قادها المسيح خلال حركته المتدرجة من الجليل حتى اورشليم الامر الذي اثار اليهود و لعل ما يثير الانتباه هو ان تعاليم المسيح فيما بعد حادثة الهيكل لم تكن معادية للرومان حكام المدينة بل كانت تتوخى مهادنتهم وتحييدهم ويظهر ذلك في أمرين:

١- وصيته واجابته بضرورة دفع الجزية الى قيصر الروم وعدم الامتناع عنها حيث ترد في الانجيل تلك العبارة المشهورة (ادفعوا اذن الى القيصر ما للقيصر  والى الله ما لله) انجيل متى

٢- غض النظر من بيلاطس الحاكم الروماني عن حركة المسيح حيث كان يتبعه الالاف وهو ما يبدو أنهم كانوا يدركون ان حركته لم تكن سياسية كما انها فيما يبدو ستُضعف الاعداء التقليديين للسلطة الرومانية في اورشليم وباقي المدن.

ويظهر الحاكم الروماني بيلاطس الذي حدث في عهده اعتقال يسوع المسيح وصلبه انه لم يكن يريد قتله فحاول ثني الاكليروس اليهودي عن ذلك وقدم لهم خياراً باطلاق سراحه ويبدو ان ذلك كان تقليداً ان يخير اليهود بين اثنين محكومين بالاعدام فأصروا على اعدامه و ما يثير الانتباه ان المسيح كان صامتاً طيلة فترة استجوابه من قبل بيلاطس و زبانيته فلم يرد على اسئلتهم ويخيل الي انه كان يريد القول ان مشكلته مع الاكليروس اليهودي وليس مع السلطة القائمة انذاك .

ان محاولة بيلاطس يمكن ان يُفهم منها ان حركة المسيح كانت متنامية وقوية وبنفس الوقت لا تمثل تهديداً للسلطة لا في فعالياتها و لا في افكارها وقيمها لذا فمن غير المناسب الاصطدام معها ولذلك حاول ان يتجنب قتل المسيح وصلبه .

ينبغي الاشارة الى دور مهم لعبه النبي يوحنا المعمدان (ع) الذي مارس دوراً تبشيرياً مهماً بمهمة المسيح حتى لحظة اعدامه على يد الحاكم الروماني هيرودس الذي لم يرد اعدامه ايضاً لكونه نال شعبية كبيرة وحباً من جانب الشعب وهذا يؤشر ايضاً قدرته في التأثير والتبشير لحركة المسيح كما ان اليهود لم يرحبوا بالمعمدان و طووا عنه كشحاً و لم يعيروه اهمية.

من كل ذلك يتضح غياب هذه الحركة واهدافها عن مجمل الدين المسيحي اذ يبدو ان اهداف هذه الحركة تمثل خلاصة الدين المسيحي وهي اصلاح رسالة الدين واعادتها الى طريقها القويم وتحرير الانسان من عبادة الطقوس الى عبادة الله وتخليصه من القيود التي اثقله بها الاكليروس الديني و وضع الاثقال التي ارهقوه بها وجعلوا حياته تابوهات ومحرمات وكبتوا رغبته في العيش الكريم واعتبروا الحياة كلها خطيئة و سوءة

تلك هي حركة المسيح التي جرى التركيز فيها على معاجز الشفاء وغيرها من المعاجز و اهمال هذا الدور التاريخي الذي طاف لأجله المسيح مدن فلسطين مبشراً وداعياً للاصلاح وجمع الاتباع حوله حتى ارتقى خشبة خلاصه و أسلم كل ما لديه لبارئه.

 

اياد نجم الجيزاني