اكرم جلالإنّ التدبّر المعمّق في الحقيقة الكونية للأديان السماوية وحتى الوضعية منها، باستخدام السياقات العلمية المعاصرة في البحث الموضوعي، يقتضي عدم التردد في تناول مسائل جوهرية من أجل بناء رؤية فلسفية تنويرية للقضايا الكبرى والمحطات المفصلية التي تندرج ضمن اطار الحداثة والتنوير في العقل الديني، وبلورة رؤية حضارية متقدمة للإصلاح الديني من جهة، وبناء حداثة دينية تتماشى مع متطلبات الفكر الراهن تقدم الإسلام كدين الله وفق مقوماته الفكرية والعقلانية كاشفة عن حقيقة عمقه الفلسفي والروحي من جهة أخرى.

إنّ المنطق الحر والعقل المتنور يقتضي البحث العقلاني، مع ضرورة التمسك بثوابت وروح الدين، وتقديم فَهم أدق ينطلق من تجديد في القراءة للعقل المفاهيمي من أجل وعي أعمق للحقائق التي يشتمل عليها الدين، مع ضرورة اخذ الحيطة والحذر من الوقوع في فخ القبول بتعالي الفكر الفلسفي على الحقائق الدينية، خصوصا المسلّم بها.

يقول أفلوطين (205-270 م) في كتابه التساعية الرابعة: (كثيراً ما أتيقظ لذاتي، تاركاً جسمي جانباً. وإذ أغيب عن كل ما عداي، أرى في أعماق ذاتي جمالاً بلغ أقصى حدود البهاء. وعندئذٍ أكون على يقين من أنني أنتمي إلى مجالٍ أرفع. فيكون فعلي هو أعلى درجات الحياة، وأتحد بالموجود الإلهي).

إن الوعي المعرفي عندما يصل بالأنسان لأعلى المراتب يبدأ باستنهاضه وترغيبة في السير نحو معرفة الإله ولو بأسماء وصفات مختلفة، فقال فيه الفلافسة القدماء أنّه الأله الواحد ذو القدرة الجامعة، الذي لا تدركه العقول ولا يُنال بوصف ولا تشبيه. وقد وصفوه بالمطلق اللانهائي، فقد جعل منه أرسطو العقل الكلي بينما اعتبره هيرقليطس القانون الكلي للكون وأسماه اللوغس (logos) حيث يقول فيه: ” كل القوانين الإنسانية تتغذى من قانون إلهي واحد لأن هذا يسود كل من يريد، ويكفي للكل ويسيطر على الكل ” .

والخلود .. تلك الكلمة ذات الألق والإثارة والمعنى الخلّاق لما تحويه من معاني التحرّر المطلق والخروج من كل محدود والتحليق خارج اللامحدودية وما يتطلّبه ذلك من استنهاض للنفس، والسّير بها نحو الوجود اللامتناهي (إذا قُدّر لنا أنْ نُسمّيه وجوداً)، من أجل سبر أغوار مجهولية الزمن والبدأ بفكّ طلاسمه لتبدأ مرحلة مواجهة الحقيقة واتخاذ القرار وتخيير النّفس بعد الأجابة عن السؤال الذي أثار الحيرة في العقول المترددة: من أين يبدأ طريق الخلود؟ وأين هو منتهاه؟

من أجل ذلك نجد أنّ أهتمام الفلاسفة والباحثين قد أنصبّ على مفهوم الخلود، حيث أخذ الحيّز الأوسع من أفكارهم وأحاسيسهم، ودعاهم الى الرجوع الى بواكير الفكر الأنساني من أجل استكشاف أسراره بشكل أعمق وأن يتتبّعوا أرهاصاته وهم على أعتاب الرقي الحضاري متسلّحين بالفكر والعقل والمنطق بغية بناء تصوّر واضح يصف العلاقة بين الخلود والوجود اللامتناهي.

 لقد كان الخلود دعامة الشرائع والأديان حيث سعى الكثير منها الإجابة عن ماهية الزمان والمكان باعتبارههما حجر الزاوية والقاعدة الفكريّة والمنطقية التي يؤسّس عليها العديد من الفلاسفة والعلماء نظرياتهم الفلسفية التي تتناول فهم المعادلة الأنسانية والمشاكل المرتبطة بمسألة الخلود.

وقبل البدأ لابد من التوقف عند المعنى اللغوي لكلمتي البحث وهما الخلود والزمان، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن معنى الخُلْد هو (دوام البقاء في دار لا يخرج منها خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً بقي وأَقام ودار الخُلْد الآخرة لبقاءِ أَهلها فيها وخَلَّده الله وأَخْلَده تخليداً وقد أَخْلَد الله أَهلَ دار الخُلْد فيها وخَلَّدهم وأَهل الجنة خالدون مُخَلَّدون آخر الأَبد) وأن الزَّمَنُ والزَّمانُ هو (أسم لقليل الوقت وكثيره، وفي المحكم:الزَّمَنُ والزَّمانُ العَصْرُ، والجمع أَزْمُن وأَزْمان وأَزْمِنة. وزَمَنٌ زامِنٌ: شديد. وأَزْمَنَ الشيءُ: طال عليه الزَّمان، والاسم من ذلك الزَّمَنُ والزُّمْنَة).

لقد أدرك الأنسان، جيلاً بعد جيل، وهو الكائن المحدود، عَظَمَة الكون اللامحدود من أرضٍ وسماءٍ وعلمٍ وأيقن بعجزه وعدم قدرته عن سبر أغوار حقائق الكون مما دعى الفلاسفة والعلماء لأطلاق العنان للعقل مرة وللأشراقات الروحية مرة أخرى من أجل إدراك بعضاً من الحقائق اللامتناهية في هذا الكون اللامتناهي.

ورغم إخفاق الفلاسفة في الأتفاق على رؤية فلسفية موحّدة وتفسير مشترك لمفهوم الخلود إلّا أنهم قد ساروا باتجاهين في تفسيرهم الزمن لما له من علاقة مع مفهوم الخلود؛ أمّا الاتجاه الأول فقد سار نحو رؤية أن الزمان حقيقته متواجدة خارج الذات الأنسانية (الزمان الموضوعي)، والأتجاه الأخر أيّد أن الزمان داخل الذات الأنسانية. أما أصحاب الأتجاه الأول فقد تفرّعوا كذلك الى عدة اتجاهات، فمنهم من رأى الزمان كحركة دائرية وذهب الى هذا الرأي أرسطو أرخوطاس وفيثاغورس، أما نيكلسون ونيوتن وانشتاين وغيرهم فقد رأوا أن الزمان يسير في خط واحد.

وضع أَرِسْطُوطَالِيس (384- 322 ق. م) وناقش ما أطلق عليه بالمقولات العشرة أو قاطيغورياس(Categories)، حيث درس المعارف وأهم مظاهرها فتوصل الى أنّها تنبني على أسس عشرة، يتربّع فوقها الفكر الواضح المستقيم. وقد وضع هذه الأسس في مقدمة كتابه العبارة، وهو الكتاب الذي يناقش البعد المنطقي لصفات الموجودات، وهذه المقولات العشرة هي: الجوهر، الكم، الكيف، المكان، الزمان، الإضافة، الوضع، المِلْك، الفعل، والانفعال، وقد أشير اليها في كتاب التعريفات للجرجانى أنّها قد جمعت فى بيت واحد هو: قمر غزير الحسن ألطف مصره لو قام يكشف غمتى لما انثنى.

والجوهر هو الأصل، وباقي المقولات التسع إنما هي أعراض للأصل. والوجود هو جوهر كلّي، أمّا التباينات فما هي إلّا صفات تشير الى الجوهر وتُحمَل عليه، وأنّ المنطق هو أداة ذلك الحَمل بشكل قياسيّ أو استنباطيّ.

والزمان، كما وصفه أَرِسْطُوطَالِيس في كتابه الطبيعة هو (عدد النقلة)، ويعني بذلك المقياس العددي في الحركة والتغير. وبعدد النقلة وبمراقبته لحركة الكواكب والأجرام توصل إلى ما يسمى بالميقات، فكانت الضروف الزمانية والمكانيّة.

وللبحث تتمة في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

مجدي ابراهيمالنفس المستقيمة هى النفس التي تعاني: وهى في معاناتها تتألم، غير أنها في كل حالاتها تعاني الألم، فالألمُ موجودُ في كل الحالات، لكن ألم الاستقامة غير ألم الانحلال! قد تعاني النفس في استقامتها أشد المعاناة، ولابد لها من المعاناة ترويضاً وتطبيقاً لفاعلية الجهاد إيثاراً لطاعة الله على طاعة هواها، وهى في ذلك تعاني ألم الاستقامة، أعني بقاء النفس دوماً على أمر الاستقامة. ولكن هذه النفس المستقيمة إذا فلت منها ميزان الاعتدال وانفرط عقد جهادها لشهواتها وأهوائها، ولم تعد تستطيع القدرة على المقاومة؛ كان عناؤها أكبر وأشدّ وأثقل عليها، وكان ألمُها ممّا لا تحتمل له أثراً، ذلك لأنه ألم الانحلال الذي لا يضبطها لتكون في معيّة الله. ففي كل الحالات الألم بالنسبة للنفس موجود، ومن استقامة النفس أنها تعاني على الدوام لا محالة.

والنفس المعوجة هى التي لا تعاني؛ لأنها تستروح إلى ما هى عليه ولا تشتاق مطلقاً إلى فضيلة التغيير، لكن النفس المستقيمة أو التي تطلب الاستقامة هى التي تعاني مزيداً من المعاناة حتى تجد بغيتها حاضرة معها محققة لها في مزيد من التطبيق والتحقيق. والقارئ مرجو أن يلحظ أنه قد تكرّرت معنا عمداً كلمة (المعاناة) في هذا السياق عدة مرات، ولتكرارها هنا عمداً دلالاته المقصودة؛ إذْ المعاناة تقابل "التجربة الصوفيّة" فيما تحمله من شدّ وجذب، ومن قبض وبسط، ومن قوة وضعف، ومن توتر وحيرة، ومن قلق واضطراب في بعض الأحايين بل وفي أكثرها، تلك هى المعاناة التي نقصدها حين تتكرر معنا عمداً يصحُبه سبق الإصرار. إننا نقصد التجربة الروحيّة التي يعيشها المتصوف، إذْ يلزمه الجهاد بغير انقطاع أو يلزم نفسه به في كل حال، والجهاد وحده دالُ على المعاناة، ومجرَّد كلمة الجهاد مجردة توحي بمفردها بالألم؛ فلا يوجد جهادُ مطلقاً بغير ألم وبغير عناء. وجهاد المتصوف في حياته الروحية تجربة من أعمق التجارب الحياتية، ومن أعمق آيات الجهاد بإطلاق؛ لأنه جهاد يحول النفس من حال إلى حال وينقلها نقلاً من مراد إلى مراد.

إنّما الألم بالنسبة للنفس القويّة يعني الجهاد لأدرانها وآفاتها فهو في جميع الحالات موجود، ولن يستطيع الفرد المستقيم أن يتخلص من عذاباته النفسية إلا بوجود "إرادة " مطواعة؛ فهناك ما يُشدُّه إلى أسفل، وهناك ما يجذبه إلى أعلى، وفي كلتا الحالتين هو بين الشدِّ إلى هنا والجذب إلى هناك في عذابات. لا شك كانت تلك العذابات تحتاج إلى جهاد، لأن النفس تعاني فيها أشدّ ألوان العناء؛ فالألم في جميع الأحوال موجود غير مفقود، لكنه ألم مقرون بالسعادة؛ لأن فيه مخالفة لهوى النفس على الدوام.

وجودُ الألم معناه أن الروح تطلب خلاصها، ولا يكون خلاصها إلا بضريبة مفروضة، ولا يحصل إلا بسلوب من النفس في أعز ما تهوى وتشتاق وتتمنى؛ فالذين يجاهدون نفوسهم يتألمون كثيراً، وبمقدار معاناتهم تجيء من فورها سعادتهم.

أي نعم ! بمقدار ما تعاني تسعد ..!

هذه حقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين. هنا؛ وهنا فقط، علينا قبل أن نستطرد في شرح هذه الحقيقة أن نفرِّق بين نوعين من الألم. الأول: ألم السعادة. والثاني: ألم الشقاء. ألمُ السعادة قبل التجربة. وألمُ الشقاء بعد التجربة. أنت سعيد قبل أن تجرِّب المعصية، لأن المعصية شقاء. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الرذيلة؛ لأن الرذيلة تعاسة محققة وخذلان بكل تأكيد. أنت سعيد قبل أن تجرب الخطيئة؛ لأن الخطيئة استعباد لا حرية بل هى موت ودمار. أنت سعيد قبل أن تجرِّب الغفلة؛ لأن الغفلة جناية كبيرة عند أولي العزم من أهل التحقيق. من أين يتأتى الألم؟ قطعاً يتأتى من ممارسة فعل ما نُهىَ عنه.

ولكننا مع ذلك نتساءل: هل كانت هذه السعادة تحملُ ألماً؟ والجواب يأتي بالطبع: نعم هنالك ألم ! إنه ذلك الألم النفسي، الباطني، الجُوَّانيّ: ألمُ الرفض والمقاومة، وهو ألمُ في البداية لكنه سعادة في النهاية، هو ألمُ يعتصر النفس عصراً قبل أن تجرِّب الرذائل والمحظورات، وقبل أن تقدِم على فعل الضرر الذي يلحقها، أفئن هى قاومت وانتصرت مع شدة الألم، نجحت. فينقلب ألمُها من فوره إلى سعادة مُحققة. فالألم الواقع عليها هنا هو ألم الرفض، أو نتيجة لفعل الرفض، هو ألم المقاومة، أو هو مصاحب لعملية المقاومة، هو ألم ناتج عن إرادة الامتناع؛ فأنت من هاهنا سعيد بألمك قبل التجربة، قبل ممارسة مثل هذا السلوك البغيض أو ذاك، حتى وإنْ كنت تتألم من أجله، بيد أنه ألم سعادة لا ألم شقاء. وعليه؛ فألم السعادة يكمن في تلك المجاهدة الدائمة والمقاومة المستمرة والمعاناة الرافضة لكل خنوع يمضي مع النفس في إتيان هواها. والرفض هنا شيء عظيم وجليل، هو الذي يُضفي على الشخصية الرافضة سحرها من جانب العظمة وإيهاب الجلال، هو أبدع إمكانيات النفس ضد طغيانها وضد هواها، وضد ما تسببه لصاحبها من عجز ومرض وبلادة وجهالة دائمة، حتى صنوف العجز والمرض والبلادة والجهالة يمكن رفضها من قبيل النفس المستقيمة، ويمكن التغلب عليها بفعل المجاهدة المنظمة الدائمة.

أمّا ألم الشقاء فهو بعد التجربة، أي الممارسة، بعد أن يخوض الفرد تجربة الشرور التي يقترفها. جرِّب إنْ شئت كل صنوف الضياع، وأترك لنفسك هواها كيفما شاءت، ودع عنك المجاهدة، ودع عنك المقاومة والامتناع، ودع عنك كل ما يقهر نزوع النفس لديك، جرِّب جميع الأفعال التي ترافق هوى النفس الطبيعي؛ فأنت إذْ ذَاَكَ في النهاية مع سعادة النفس بداية ستكون شقياً لا محالة، وفي الشقاء كل ألوان الألم بغير منازع.

ذلك هو ألم الشقاء الذي يأتي بعد التجربة؛ لأنه ألم يمضي بالنفس إلى اقتراف الضرر الذي يتحقق منه المرء من الوهلة الأولى، وهو مع هذا يجرِّبه؛ ليكون بتجربته سعيداً أو يتوهم ذلك! هذا الضرر لا يعود على أحد إلا على المُجرِّب نفسه، تماماً كما أن ألم السعاة لا يعود نفعه على أحد إلا على المُجَرِّب عينه، كذلك ألم الشقاء لا يعاني منه أحد إلا مُجَربه، وتلك جريرة النفس مع صاحبها: أن تودي به في طريق المهالك، وليس هذا بغريب:" فرُبَّ نفس عشقت مصرعها". إنها لحقيقة كبيرة من حقائق جهاد العارفين مع أنفسهم، يصورنها من خلال معاناتهم لتكون هذه العبارة البسيطة عندنا ذات دلالة حقاً:

" بمقدار ما تعاني تسعد ..!"

لكنها حقيقة أبعدُ ما تكون عن التطبيق الواقعي والتنفيذ الفعلي إذا كانت النفس ضعيفة والإرادة خربة والعزيمة بالية والمثابرة فاترة والهمة ساقطة، لا تنتظر إذا كانت أحوال النفس على تلك الأوصاف أن تكون هنالك حقيقة تحتمها قوة العرفان في المعدن العارف، ولا يتأتى لك أن ترجو سعادة من وراء تلك المجاهدات النفسية حين تكون النفس فقيرة السعي نحو الأهداف العظيمة تتلاقى معها على استعداد واكتمال.

النجاحُ الحقيقي للإنسان يتلخص في عبارة واحدة:" ترويض النفس وحملها على المكاره"، حملها على المكاره من طريق الصبر؛ وما الصبر سوى حَبْس النفس على المكاره. فالصبر كله فضيلة كبيرة هو "عزم الأمور". أتدري كم مرة وردت "عزم الأمور" في القرآن الكريم؟ في ثلاثة مرات فقط، هى نصف الدين حقيقة لا مجازاً.

الأولى: في آل عمران آية (186):" لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإنْ تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور".

والثانية: في لقمان آية (17):" يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك؛ إنّ ذلك من عزم الأمور".

والثالثة: في الشورى آية (43):" ولمن صبر وغفر؛ إنّ ذلك لمن عزم الأمور".

انظر إلي هذه الآيات الكريمة وتدبرها جيداً تجد أن مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سمَّاه القرآن، هو مصدر كل خلق جميل حثّ عليه القرآن. عزم الأمور نية في القلب خفية وقدرة في المنع قوية، ورد للنفس عن بعض ما تشاء، لكنما نفوسنا الضعيفة نفوس خربة تشاء الكسل وتأنف من بذل المجهود، تشاء المتعة وتمتنع عن الإقلاع، تشاء الأكل الكثير والراحة والنوم وتمتنع عن الجوع والمشقة والسّهر، تشاء إتباع الهوى والشهوة والشيطان وتمتنع عن حظيرة الله والاستقامة والإيمان، تشاء الرذيلة وتمتنع عن الفضيلة؛ فلن يكون خيراً لها، ولن يتم، ما لم يردها صاحبها بعزم الأمور عن بعض ما تشاء. والأصلُ في ذلك كله هو الصبر جهاداً والتحلي تصبُّراً بأطيب الفضائل وأكرم الأخلاق.

حقيقة مصدر الأخلاق الجميلة هو "عزم الأمور" كما سَمَّاه القرآن، مصدر الأخلاق الجميلة هو القدرة على الامتناع، ورد النفس عن بعض ما تشاء، وضبطها بهذا القانون الأعلى الذي يجري على صفته الشمولية، التامة، الكاملة، مصدر الأخلاق هو أن يشعر الإنسان بالتبعة المسئولة، وأن يدين نفسه بها، وأن يساءل ضميره فيها، مصدر الأخلاق أن يكون الإنسان سيد نفسه، وأن يملك زمام أمره، وأن يتحلى بفضائل الجهاد.

كان إبراهيم بن أدهم يقول:" لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات. الأولى: أن يغلق باب النعمة ويفتح باب الشدة. والثانية: أن يغلق باب العز ويفتح باب الذل. والثالثة: أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد. والرابعة: أن يغلق باب النوم ويفتح باب السّهر. والخامسة: أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر. والسادسة: أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت" (الرسالة القشيرية؛ ص 98-99).

تلك هى أهم الصفات الواجبة على الإنسان المُجاهد فيما لو عرف للجهاد معنى، وعرف له من ثم َّ قيمة نافعة في هذه الحياة .. فلم يبق إلا التطبيق.

أي نعم! الذين يجاهدون نفوسهم يتألمون؛ لأن الألم رفيق المعاناة إذا كانت ثمرة المجاهدة هو هذا العناء، ولأن المجاهدة تذكية، وفيها خلاصُ الأرواح من أدران الغفلات، وفيها كذلك ألمٌ وعناءٌ ومكابدة، هى الظواهر النفسية المُصاحبة لعملية الجهاد: أنْ تعرف كيف تعاني، أنْ تعرف كيف تتألم، أنْ تعرف كيف تكابد، حتى إذا ما عرفت كيف تعاني، وتذوَّقت هذه المعاناة كنت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تتألم، وتذوَّقت هذا الألم، صرت مجاهداً. وإذا عرفت كيف تكابد، وتذوَّقت هذه المكابدة، كنت من المجاهدين حقاً وصدقاً. وما أطيبُ وصف شاعرنا العربي حين قال:

لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا مَنْ يُكَابِدَهُ      وَلَا الصَّبَابةَ إلاَ مَنْ يُعَانِيَها

يصف القشيري طريق التصوف في أربع خلال للمجاهدين في سبيل الله؛ فهم يجاهدون في سبيل الله على أربع حالات: الحالة الأولى: يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعات. والحالة الثانية: يجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات. والحالة الثالثة: يجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات. والحالة الرابعة: يجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات).

فأنت ترى في نص القشيري أسس المجاهدة تتمثل في أربعة:

المجاهدةُ بالنفس، والمجاهدةُ بالقلب، والمجاهدةُ بالروح، والمجاهدةُ بالسِّر؛ فقوام الحياة الروحيّة كلها مجاهدة النفس أولاً موقوفة على دوام الطاعة، وهذه مجاهدة بدنية تتعلق بالظاهر، ثمّ يترقى العبدُ صعداً في طريق المجاهدة الباطنة ليجاهد ثانياً بقلبه فيقطع مناه من كل شيء سوى وجه الله فيما يُرضي الله؛ ليترقى ثالثاً فيجاهد بروحه بحذف أية علاقة عائقة؛ ليترقى رابعاً فيجاهد بسرِّه ليكون دائم الاستقامة في جميع الأوقات على منن الشهود. ويتبين من هذا كله؛ أن الجهاد هو أساس الحياة الروحية عند صوفية الإسلام لا يتخلف عنه متصوف حقيقي مطلقاً في جميع مقاماته وأحواله ووارداته ورقائقه.

ويفيدنا نص القشيري بمثل هذه الأسس مجتمعة في النفس، والقلب، والروح، والسر. وأساسها الأول هو مجاهدة النفس؛ لأنه بمثابة القاعدة ينبني عليها مجاهدات القلب والروح والسِّر؛ فإذا نحن عرفنا القاعدة الأساس عند المتصوفة عرفنا تباعاً مغزى قولهم بمجاهدة القلب، وما يتلوها من مجاهدة الروح، ثم مجاهدة السّر التي يعرفون فيها ما لم يعرفه سواهم من منن الكشف وعطايا الشهود.

ولمّا كانت المجاهدة مستندة على أساس شرعي عند الصوفية؛ فقد أسفرت عن اتصال بالله حقيقة ليس فيه مجاز؛ لأنهم يعتمدون كثيراً في مجاهداتهم على ما ورد في القرآن الكريم من آيات تحث على الجهاد سواء كان الجهادُ مُوجَّهاً ضد الأعداء أو كان منصرفاً للنفس لتكون على الدوام مملوكة لا مالكة، مركوبة لا راكبة، مغلوبة لا غالبة.

وبما أن قراءة الصوفية لتلك الآيات جاءت قراءة حضور ومعايشة، ثم عمل وتطبيق قبل كل شيء، ولم تكن في الوقت نفسه قراءة للعلم والمعرفة وكفى، ولكنها كانت للحياة كيما تُعَاش؛ فإن الجهاد لديهم يقوم على فقه الكتاب الكريم، وإذا هم يتخذون (تأسيساً) من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، القوليّة والفعلية، (لا من مصدر آخر سواه) سنداً لما هم فيه من ممارسة وتجربة وحياة؛ أعني ممارسة الشرع وتجريب الحياة الدينية. فالأساس الشرعي - من ثمَّ - ظاهر كل الظهور في مجاهدة النفس عندهم؛ إنْ من مورد الكتاب الكريم أو من مورد الحديث الشريف، وأية محاولة لتخريج التصوف الإسلامي خارج هذه الحدود، فهى محاول محكوم عليها بالعبط العلمي. ولم يكونوا يجاهدون نفوسهم لهزال كان في باطن النفس فيهم ولا لغرض زائل من أغراض هذه الدنيا، ولكن كانت مجاهداتهم تهدف إلى الاستقامة، أو على حد وصف ابن خلدون (ت 808هـ)، كانت مجاهدة مشروطة بالاستقامة؛ إذْ قد نجد كثيراً من المجاهدين لأنفسهم من يجاهد لا لأجل الاستقامة كالسحرة والمرتاضين، أي تجيء مجاهدتهم في تلك الحالة ليست قائمة على أساس شرعي، بل لأجل كشف حجاب الحسّ الذي يحصل لصاحب الجوع والخلوة، وليست الاستقامة مشروطة به. فرقٌ؛ وفرقٌ كبير، بين من يجاهد وهو مستند على مضمون يشكل مجاهدته ويقوِّم منطلقاته النظرية والعملية، وبين من يجاهد من أجل أغراض دنيوية كسباً للصحة البدنية أو نيلاً لمآرب ليست قائمة على بواعث شرعية من صحيح الدين وصحيح الاعتقاد. ومن هنا؛ فليس من المبالغة أن نقرأ في كتب الصوفية الأحاديث النبوية الصحيحة الشريفة (كأن نقرأ تلك الأحاديث النبوية في الإحياء، ويقوم بتخريجها الحافظ العراقي في كتابه "المُغني عن حمل الأسفار"، في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، درءاً لوصمة ضعف الحديث التي شاعت عن كتب الصوفية، وبخاصة الإحياء!) يروونها باتصال السّند عن فضيلة الجهاد لتكون معتمدهم ومتكئهم وأساسهم الشرعي؛ كقوله - صلوات ربي وسلامه عليه - لقوم قدموا من الجهاد:"مرحباً بكم قدمتهم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قيل: يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. وقوله صلى الله عليه وسلم:"المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل"؛ وقوله عليه السلام:"كف هواك عن نفسك؛ ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى" (الإحياء؛ جـ3- ص64). وفي الحديث الشريف أنه، صلوات ربي وسلامه عليه، كان يواصل الصوم فأراد أصحابه رضوان الله عليهم أن يواصلوا كما كان يواصل؛ فشق عليهم ذلك، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال عبارته الشريفة:" إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". وفي معناه أيضاً "إنّ لي هيئة ليست كهيئتكم".

ومن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة، هيئة علوية لا تنهي عن الصوم الدائم إلا من باب الرحمة والشفقة على الهيئات التي لا ترقي مطلقاً إلى هيئته هو؛ صلى الله عليه وسلم، وليس هناك ما يمنع من قهر النفس على المكاره والمشقات، مادام في النفس استعداد علوي لتلقي أطيب الفيوضات الإلهية. فالحديث مانع لمن لا يستطيع، مبيحُ للقادر، والأمر كله مرهون بالنية القلبية. والمفروض هو تلك "الإباحة" لا ذلك "المنع". ومن هنا؛ كان انطلاق الصوفية في مجاهداتهم: الأخذ بالأحوط في الدين والزيادة في فعل الجهاد، لماذا؟ لأن النفس لا تستجيب لك بسهولة ويسر؛ ولأنها أحياناً كثيرة تتصرف أو تجعلك تتصرف بطريقة آلية بغير تفكير ولا رويَّة، وذلك ملحوظ جداً في أداء العبادات كالصلاة والصيام وغيرهما، فحمْلَها - من ثمَّ - على المشاق والمكاره أكرم لها من التفريط في حقوقها وأهونها حق البقاء دوماً في معيّة الله (أعني النية الصادقة على ديدن الإخلاص): النيَّة الصادقة، ولكن ما هى النية أصلاً؟ وما هو عملها؟

كان الحارث المحاسبي عرَّف "النية" فقال في معناها هى:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى". وهو تعريف غزير الدلالة عميق المفهوم؛ فلا يمكن أن يكون للمرء قدرة بغير إدراك هذا المعنى ولو قلت قدرته الفكرية على استيعاب المعرفة واستخلاص مباحثها التي يعتمد فيها المرء على الفهم والإدراك والمعرفة؛ إذ شرط العمل أن تكون النية معروفة، وحاضرة، ولنقرأ عبارة المحاسبي مرة ثانية في هذا التعريف للنية:" إرادة العبد أن يعمل بمعنى من المعاني، إذا أراد أن يعمل ذلك العمل لذلك المعنى"؛ فهناك المعنى أولاً، وهناك العمل ثانياً، وقبلهما الإرادة العاملة؛ الإرادة التي لم تتحول بعد إلى عمل، هى نية قلبيّة ليس إلا. فمعرفتنا للنية معناه: قدرة الضمير على التوجه إلى ذلك العمل، أي معرفة الباعث الذي يتلازم فيه إدراك الإنسان لقواه العاملة مع قواه العالمة، فلو أنه أدرك قوته العاملة فقط؛ لأدرك السلوك قبل العلم، وعز عليه العلم الناهض للحركة الفعلية؛ أي العلم الذي يحفظ العمل من التحوير عن المقاصد العلية والتشويش عن المطالب النافعة.

والإرادة الإنسانية من بعدُ هى الضامنة للحركة الفعلية في الواقع العملي، بمعنى أنها هى التي تضمن قناتين: قناة العلم الحافظ للعمل، وقناة العمل المحفوظ بإحاطة العلم.

وأولُ ما تفرط فيه النفس هو حق الله كما ينبِّهنا إلى ذلك الحارث بن أسد المحاسبي في كتاباته النفسية التحليلية الرائعة، وأهمّها هنا كتابه "الرعاية لحقوق الله"؛ لا ترعى هذا الحق إلا بجهاد، ولربما أوهمتك أنها ترعاه، وأوهمتك أنها على العهد باقية، حتى إذا ما فتشت عنها وعن رعايتها لحقوق الله وبحثت مُخلصاً عن عهودها أدركت من فورك أنها في غِرَّة، وأنّ حظوظها أقوى الحظوظ، وأن أوهامها هى التي ترعي، وأن أهواءها هى التي تجيب وتسعى، ولا يكادُ أن يكون لحق الله ولا لعهده فيها نصيب غير نصيب القشرة الخارجية والسطح البَرَّاني: مصيبة كبيرة هى تلك الغفلة.

من أجل ذلك؛ صار لابد من قهر النفس على الاستجابة لأمر الله والانتهاء لنهيه، وأن أحسن الاستجابة تلك "القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء". والمفروض أن تجهد النفس في القيام بالحقوق بمقدار ما تجهدها في القيام بالتطوع والنوافل، ففي هذا القيام نفسه قهر للنفس وحملها على المكاره والمَشَاَق؛ لأن المفروض هنا أن ما تقوم به النفس غير مفروض عليها وبالتالي فهو أدعى لأن تبذل فيه أحسن المجهود؛ ولأن المفروض كما تقدَّم أن النفس لا تستجيب لك بسهولة، ولابد أن تقهرها على الاستجابة "تلك القدرة المانعة للنفس عن بعض ما تشاء": المفروض هو ذلك "المنع" لا تلك "الإباحة": أعني منع النفس عن أن يكون لها حظ واحد من الحظوظ التي تتولاها طاقاتها وترعاها أهواؤها، مع التنبه الدائم إلى أن القوة القادرة على المنع هى نفسها القوة التي تجعل النفس كارهة لكل فضيلة من الفضائل النافعة في كل حين، اللهم إلا إذا كانت الأحيان التي لا تستجيب فيها النفس لتلك المزالق والمداخل التي تسوّل لها شرَه الرزيلة.

سرُّ النور المشرق الوضاء في عقول الحكماء وقلوب العارفين يرتدُ إلى جهاد النفس بقوة التجرد والصفاء، وهى قوة مستقاة من "عين الحقيقة المحمدية"، من الأساس الشرعي الذي اعتمده الصوفية؛ وللفيلسوف الصوفي البارع شهاب الدين السَّهْرَوَرْدي المقتول (سنة 587هـ)، مقولة تتمثل هذا الأساس الشرعي كل التمثل، وتكشف عن طواياه الدفينة في أعماق الباطن الصوفي حيث يقول:" إذا ما تجرّدنا عن الملذات الجسمية تجلى لنا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا، وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا بمنزلة الأب، والسيد الأعظم للنوع الإنساني، وهو الواهب لجميع الصور، ومصدر النفوس على اختلافها ويسمى "الروح المقدسة"، أو بتعبير الفلاسفة "العقل الفعال".

هذا الكائن والسيد الأعظم هو محمد صلوات ربي وسلامه عليه، هو عين النور، هو نور الأنوار، وهو السّر الأكبر، والجوهر المصون. هو بشر .. نعم، لكنه لا كالبشر بل كالياقوتة بين الحجر. وأنت ترى في عبارة السَّهْرَوَرْدي أن شرط معرفة هذا السر الأكبر الذي يتجلى لنا خلال النور الإلهي فلا ينقطع مدده عنا، هو شيء واحد فقط: التجرد عن الملذات الجسمية، ولكن هذا التجرد لا يتأتى عبثاً فارغاً من دلالة، إذْ ليست مجاهدة النفس مجرد كلمة تقال، ولا هى باللفظة الفارغة من معناها؛ إنما المجاهدة حياة تقامُ على الإرادة. ليس ضعفاً أن يتعلق قلب الإنسان بخالقه، بل الضعف كله أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوقين، وليس ضعفاً أن يكون قلب العبد ذا سّر مع الله، هو بمثابة المؤشر الذي يحركه في كل اتجاه يرضى عنه الله تعالى، لكن رضى الله شيء، ورضى النفس شيء آخر. كلُ ما يرضى الله يسخط النفس، وكل ما يرضى النفس يسخط الله؛ والتوفيق بينهما من أمحل المحالات التي تقف عقبة أمام العقل البشري.

ولم يأتِ الشارع الحكيم بالحكمة السديدة إلا ليتمِّم محاولات العقول القاصرة، جاء ليكملها بعد نقص، ولو أن في فهم العقل البشري وحده قدرة لفهم مُرادات المشيئة الإلهية لاستغنى الناس عن رسالة الأنبياء، لا بل لو أن فيه قدرة لفهم العقل نفسه لنفسه، ولفهم ما أحاطت به علوم الدنيا لألتمس الناس في العقل وحده الهداية، وطلبوا المعونة منه دوناً عن سواه. وهذا ما لم يحدث قط في كل حقب التاريخ: أن يُعَوِّل الناس على العقل وحده دون وحي النبوة. ولو أن لعقول الناس إحاطة شاملة تامة لعرفوا الله تعالى بمقتضى عقولهم القاصرة؛ ولكانت حاجتهم إلى الرُسْل والأنبياء ليست بذي شأن.

إنّ الحكمة الإلهية لا تتمُّ بغير نور النبوة؛ أعني أن الحكمة الإلهية لا يمكن نقلها إلى الناس بغير معراج النبوة. ولم يكن مصادفة أن نقرأ في كتاب الله قوله تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". وقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؛ فاستجابتنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه هى الحياة، لكنها ليست أي حياة ولا كل حياة بل هى الحياة على شرعة التوفيق والموافقة؛ هى هنا "إرادة الحياة"؛ وإتباعنا له هو عين محبتنا لله تعالى. ففي معراج النبوة كفاية الهداية لبني الإنسان. أما دورُ العقل، فهو الدور الذي يفهم عن النبوة سرِّها في نقل الحكمة الإلهية إلى البشر ليعرفوا معناها ولا يعرفوها من تلقاء أنفسهم التي تلوثها المطامع والأهواء، لا تزال تخفي وراءها القدرة، وهى عاجزة مسلوبة القدرة أو تكاد، ولكن يعرفوها لو شاءت من تلقاء نور النبوة.

هنا، وهنا فقط، يكمن دور العقل البشري: أنْ يتلقى من "نور النبوة" ما في طاقته أن يتلقاه، وأن يُبدع في غير حدود، يُبدع في مثل هذا التلقي من الوسائل والطرق ما شاء له أن يبدع ما دام مجاله في هذه الإمكانية مقرراً لا شك فيه. ومن ثمَّ قامت "رسالة المتصوفة": التماس معرفة الحقيقة الإلهية من طريق غير طريق العقول المحدودة، من طريق الحرمان! أعني حرمان النفس الإرادي لما يُباح لغيرهم من طلاب الحقائق بطريق غير طريقهم. ومن هنا أيضاً؛ ندرك سرَّ تسمية القشيري كتابه في التصوف بـ "الرسالة"؛ لأن الرسالة الصوفية ليست كرسالة "العقل" لدى المتكلمين والنظار، إنها تشبه رسالة النبوة، أو لأنها تعبيرُ عن رسالة النبوة ومتضمنة لها، رسالة الصوفية خاصة بمنهج وبطريق.

أمَّا المنهج؛ فذوقيُّ تعمل فيه الإرادة البناءة عملها الفعَّال من حيث التطبيق والممارسة والمعايشة والحياة وتذوق الحياة الدينية والإحساس بها وتشرُّبها من الداخل. وأمَّا الطريق؛ فهو طريق المعاناة وركوب المتاعب والمقاومة العنيفة. هو كما قال الشيخ أحمد زَرُّوق في رسالته "الأصول" يتمثل في:" علو الهمة، وحفظ الحرمة، وحسن الخدمة، ونفوذ العَزْمة، وتعظيم النعمة. فمَنْ علت همته ارتفعت مرتبته، ومَنْ حفظ حُرْمة الله حفظ الله حرمته، ومَنْ حسنت خدمته وجبت كرامته؛ ومَنْ نفذت عزمته دامت هدايته، ومَنْ عظمت النعمة في عينه شكرها، ومَنْ شكرها أستوجب المزيد من النعم". ثم هو بعد ذلك "فقهُ اللحظة الحاضرة"؛ الوصف الذي أجمع عليه قدماء علماء الإسلام؛ كابن قيم الجوزيّة في كتابه "روضة المحبين" حين عبَّر عن ذلك واصفاً الشجاعة بأنها صبر ساعة، فالشجاعة صبر ساعة، وخير العيش ما يدركه المرء بصبره. أو أن الصبر كما عرفه الغزالي هو:" ثباتُ باعث الدين في مقابل باعث الهوى".

وخيرُ المرء كله في صبر تلك الساعة؛ لكأنما كان صبر هذه الساعة هو بالضبط "فقه اللحظة الحاضرة". ماذا عَسَاكَ فاعلُ فيها؟ هل تتبع نفسك أم تتبعك نفسك؟ وليس من شك؛ في أن العلماء والحكماء اتفقوا - فيما يقول الغزالي - على أنْ لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات؛ فالإيمان بهذا واجبُ، ونهي النفس لا يكون إلا بطريق الرياضة، وحاصلُ الرياضة وسرّها أن لا تتمتع النفس بشيء ممّا هو موجود إلا بقدر الضرورة؛ فالمرتاض لهذا الطريق يكون مقتصراً من الأكل والنكاح واللباس والمسكن، وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة، فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه، فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه، ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا مّنْ لا حظ له في الآخرة بحال، ولا خلاص منه إلا أن يكون القلبُ مشغولاً بمعرفة الله وحبه، والتفكر فيه، والانقطاع إليه، ولا قوة للمرء على ذلك إلا بالله (الإحياء؛ جـ 3، ص 67).

ولتلحظ قوله:" لا قوة للمرء على ذلك إلا بالله"؛ تجدنا نقرر مع الغزالي أن التجربة مع الله هى بالأساس توفيق. حين تقبل على الله بكامل الهمة فهو قبول توفيق، وحين يكون همك كله هو الله تعالى؛ فهذا في الأساس توفيق. لا تصدق أن الإنسان بمستطاعه أن يتصل بالله عن طريق إرادته هو، أو عزيمته هو، لا بل الله من وراء ذلك، الله هو الذي يوفقه إلى الله، إذْ لا قوة للمرء على معرفة الله وحبِّه إلا بالله، وصدق الغزالي، وصدقت تجارب المحبين معه في وصف الحالة وتشخيص النزوع.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عامر عبدزيد الوائليمقاربة في الهوية العراقية وتجليات داعش

"أنا انت، إن كنت أنا " بول سيلان Paul Celan

مقدمة

لا شك في ان للمفهوم ضرورة في تأكيد دقة الهدف المراد التطرق اليه فاللغة المفهومة لغة تتسم بالدقة فمفهوم الهوية مفهوم فلسفي بامتياز وقد ارتبط باشكالية الحداثة الغربية، التي بدورها ارتبطت بالسياق التاريخي لتطور مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا.

قد تنوعت البحوث في تبيان التلوينات التي اصابت هذا المفهوم، تباينه في المواقف: منها ربطه بالبعد الفردي، ومنها من ربطه بنظرية الاعراق، التي ارتبطت بالتمركز الغربي حول الذات مما جعل من مابعد الحداثة تنظر في سلبية هذا المفهوم وتكشف المغالطة التي يكتنفها، وأيضا تحولاته التي تمظهر في ازاحات الهوية التي صاحبت التحولات من هجرات وغزوات يصبح معها صفاء الهوية امراً مستحيلاً اذ ففي تكوينات الهوية العرقية تأتي الجغرافية واللغة بوصفهما علامتين حاسمتين في رسم سمات الهوية والعرق، " ولم يتح لنا مشاهدة ما حدث في التاريخ من عمليات تمازج بين الشعوب وأهم أسبابه الهجرات أولاً ثم عمليات السلب في الغزوات حيث يجري نهب النساء اللواتي لا يصبحن جواري فقط، ولكنهن سيصبحن أمهات لأبناء يأتون من أصلاب متمازجة وتدخل الدماء على الدماء حتى لا يعود للأصل الواحد من وجود". ([1])

والتحولات المعاصرة التي جسدت الصراع بين الهويات ولاسيما على الرأسمال الرمزي كما وصفه بروديو، اصبح اليوم مجالا فاعلا في عموم التوجهات المعاصرة في الخطابات الراديكالية او أو السياجات الدوغمائية المغلقة" والبروتستانتية كما يصفها محمد اركون او الاصولية المتطرفة، كما تجلت في الكثير من الدراسات المعاصرة ومن هنا جاء توصيف روجية غارودي (1913-2012)، لا شك في ان للمفهوم قدرة على تكثيف عرف بها المفكرون اصحاب القدرات العالية في التحليل والنقد فهم يحفرون المفاهيم التي توصل ما يريدون ايصاله من افكار وغايات بدقة ووضوح لهذا سرعان ما تشيع تلك المفاهيم وتشكل سلطة في التلقي والتأويل واعادة التوظيف، وفي سياق العنف نجد مفاهيم مثل اكباش المحرقة والعنف المقدس، لدى رينيه جيرار([2])، ومثل "الهويات القاتلة" لأمين معلوف. "الجهل المقدس" لأوليفييه روا، وايضا مفهوم الهوية غير المكتملة عند اودنيس ([3])، و"الذات تصف نفسها " جوديث بتلر .([4])

من هذه المفاهيم تاتي الهويات القاتلة لدى أمين معلوف عام 1998 كجواب على التفجيرات الارهابية والمجازر الوحشية التي ارتكبت ليس فقط في العالم الاسلامي وانما أيضا في كل المناطق التي انفجرت فيها العصبيات القديمة كقنابل موقوتة. وفي القراءات المتزمته التي تحولت رؤية تكون مصلحة الجماعة المسلحة الدينية مقياس الشرعية من عدمها في قتل الناس عبر الاحزمة الناسفة .([5]) لقد تم هدر الروح الانسانية وتحويل هؤلاء الى قتله باسم المقدس في حين هم يمارسون البشاعة بحق الانسانية وهي التجلي الحقيقي للمقدس عبر قيم الخير والتسامح والمحبة والعدالة، في وقت هذه القراءات المتشددة تدافع عن الاسماء بدل دفاعها عن القيم مما يؤدي الى انتهاكها للدين وخروجها على قيم السماء والوجود .الذي يعلمنا ان الهوية واحدة مؤلفة من عناصر بحسب تجربة كل فرد، مما يجعل الهوية خاصة لا تتطابق مع شخص اخر ابدا ؛لكن بالمقابل هناك من يقول بالهوية الجوهرانية / الماهوية الثابتة منذ لحظة الولادة ولا تتغير قط، وهي غالبا قومية او دينية او عرقية .([6]) فهذا التصور الاخير تصور مغلق تعارضه كل التصورات المعاصرة التي من بينها ما يشير اليه كلود دوبار: أن مصطلح "الهوية" أنموذج للكلمة المنحوتة التي يعكس عليها كل منا معتقداته ومزاجاته ومواقفه .([7]) لكن رغم هذا هناك من ينظر الى الهوية بوصفها قيمة في ذاتها أو فيما تخلقه من شعور بالخصوصية، وإنما تنبع قيمتها مما يقدمه الإطار الذي تخلقه من فرص حقيقية للتقدم و توسيع هامش المبادرة التاريخية للشعوب و الجماعات . ([8]) اذا كانت هذه الصفة دافعة الى توحد الجماعة حول رهان محدد يعلي من شانها لكن ثمة بعض الجماعات تشتق هويتها الخاصة بطريقة إيجابية من وعيها بما يميّزها وما يمثل الخصوصية لها، في حين أن جماعات أخرى تشتق الشعور بهويتها بطريقة سلبية أي من خلال وعيها بخصوصيتها التي تتمثل فيما لا ينتمي الى الآخرين . وهذا يستلزم القول بأن الهوية ليست حقيقة موضوعية واقعية وثابتة بل هي تمتلك واقعية متخيلة ([9])

لكن الذي نجده ان الهوية القاتله التي ظهرت لدى الاسلام السياسي تقوم على مفهوم سياسي وكأنها تقترب من الفهم الجوهراني الذي يدعي تمايز الذات سلبيا عن الاخر وتمارس بحقه العنف وجدنا هذا التصور الاصولي نبع من بدايات الحركات خصوصا حركة الاخوان المسلمين يوم اقامت نقدا الى كل ما ينتمي للاخر الغربي ومارست بحقه نفياً عبر قراءة هي بمثابة توظيف الفهم المعاصر للايدولوجيا في فهم الاسلام الا كما كان الاسلام في جهوده الاولى بل نجد ان حسن البنا كان تلميذ محمد رضا وجزءاً من قراءته الاصولية التي كانت قد بدأت مع حسن البنا متمثله بمقولة "تطبيق الشريعة " التي تحولت مع سيد قطب الى مقولة "الحاكمية لله "، فالخطاب الايديولوجي الذي صاغه البنا: ان الإمام أو "الخليفة "هو حاكم مدني وكيل عن الجماعة ويستمد سلطته من إقرارها به ممثلة في مؤسسة "أهل الحل والعقد "([10]) فهذه القراءة الجهادية تعمقت في الحركات الجهادية العنيفة، ولاسيما القاعدة وداعش و بوكو حرام والنصرة وحركات اخرى ظهرت في العالم الاسلامي . 

كيف تتحول الهوية الى اداة قتل؟

في محاولة البحث عن اجابة، لظهور الهويات القاتلة التي تنوعت في العراق قوميا واثنيا وطائفيا نجد توصيفا يقدمه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة لعلنا نجد جوابا يقارب الحالة العراقية مع داعش، إذ يقول: "أتحدث في بداية هذا الكتاب عن هويات قاتلة. ولا يبدو لي أن هذه التسمية مبالغ فيها، ذلك لأن المفهوم الذي أفضحه، والذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد، يضع الرجال في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحياناً انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة. إن رؤيتهم للعالم مواربة ومشوهة. فالذين ينتمون إلى جماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولكننا لا نسمح لأنفسنا في الوقت ذاته بأن نكون طغاة تجاههم، وإذا بدوا لنا فاترين نتنكر لهم ونرهبهم ونعاقبهم بوصفهم خونة ومارقين. أما بالنسبة للآخرين، الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبدا لأن نضع أنفسنا مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسنا أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها. ما يهم هو وجهة نظر جماعتنا فقط، التي غالبا ما تكون وجهة نظر أكثر الناس تشدداً في الجماعة وأكثرهم ديماغوجية وسخطاً.([11])، هذا التوصيف بالغ الدقة في نظرة الحركات الاصولية المتشددة بنظرتها الى:

داخل الطائفة: ذاتها بوصفها طائفة عامة و بوصفها مجموعة سياسية تمثل الاسلام السياسي مثل القاعدة او داعش ...اي هناك جماعة بشرية طائفية /اثنيا، وهناك حركة سياسية تنتمي الى الاسلام السياسي تقدم قراءة معينة للاسلام تحاول الزام الجماعة الكبيرة بها / الطائفة ؛ لانها تحتاجها على مستوى التمويل بالمال والرجال، لكن هناك جماعة صغيرة هي الحركة السياسية مثل داعش فهذه تشمل الافراد الذين حسموا امرهم بوصفها جماعة سياسية فهم القيادة وهم الجماعة الصالحة التي تحتكر القرار والنجاة فهم المتشددون من: القاعدة، او النصرة، او داعش .

ان العمل داخل الطائفة يعني احكام السيطرة عبر القوة والقناعة الايديولوجية احدهما يعزز الاخر فالقوة تكبت ارادة المختلف وتخضعه قسرا الى الاستماع الى التأويل الايديولوجي الذي تمنحه الجماعة من اجل خلق مبرر عقائدي، وقد اخذ العنف اشكالاً متنوعة من اجل ارعاب ابناء الهوية فأول امر قتل المرتبطين بالحكومة من منتسبي الشرطة والجيش وأجهزة الدولة ودفعهم اما الى الهرب او الاندماج بالجماعة عبر طلب التوبة، لهذا تجد اغب المهجرين من الطائفة هم من ابناء هذه الفئة، ممارسة العنف ضد كل من لا يناصر الجماعة ويبذل الجهد والمال في سبيل هذا مما يعني محاربة الفصائل الاخرى التي تعارض الجماعة وإخضاعهم للجماعة بالقوة المفرطة، وإجبار الاخرين على الانخراط في الجماعة وتأييد خطابها، الامر الاخر تطبيق الشريعة على الناس وهو جزء اساس من اهداف الحركات الدينية التي تتخذ منه ذريعة لتحقيق امرين:

الاول كسب الشرعية الدينية والثاني اظهار قوتها في اخضاع الجمهور الى ارادتها وإرهابه بالتنفيذ الذي لم يعتد عليه المواطن في حياته السابقة، وهذا يتحقق من خلال حلقات الفرجه الجماعية حيث تقام الحدود وهي وسيلة من اجل ارهاب الجمهور وإخضاعه الى ارادة الجماعة .

العمل على تطبيق افكار الجماعة اتجاه الاخر وهذا يتحقق من خلال الاول عبر اثارة الجماعة اتجاه الاخر السلطة او الصامت عليها حيث استغلت الجماعة الجو السياسي الذي صاحب التظاهرات التي كانت تقوم والجو الحماسي اتجاه الطائفة الاخرى وما تابعه من احتباس ومواجهات بالإضافة الى الاستقطاب الذي مهد الى الخروج على السلطة و تمثل بانسحاب الاجهزة الامنية من الميدان ومعها الحلفاء القريبون والذي مهد الطريق الى انفراط عقد الدولة وانهيار الامن والتصعيد الطائفي والعشائري الذي دفع بعض الفصائل الى استغلال اسم الجماعة قبل قدومها او مهد لها العبور كقوات محرره واستثارة الجماهير بحيث قامت برمي القوات الامنية بالحجارة من اجل اضعافها نفسيا وإظهارها كقوات خارج مناطقها مما اجبر هذه القوات التي بدت مغتربة في هيجان جماعي طائفي جعل الارض تبدو غريبة وشعب غريب يرفضها في ظل التصعيد الطائفي بحيث اجبر هذه القوات على الانسحاب السلبي وتحويلها الى اكباش فداء للقتل الجماعي اشترك بها الكثير من المتعاونين طائفيا مما ادى الى مجازر كبيرة تم قتل "الف وسبع مئة " جندي بدم بارد تحولت بها مدن الى ساحات اعدام جماعي يمارسه مدنيون يقودهم رجال دين متطرفون باسم التنظيمات الطائفية بعنف مفرط بحق جنود منسحبين عزل .

كل هذا مكن الجماعة ان توظف الرعب في تعميق سيطرتها وان تجبر الشركاء الاخرين - ممن قاموا بالتمهيد الى سلطتها ومارسوا العنف باسمها - الى الخضوع الى ارادتها والارتماء في احضانها او القتل .

اما (خارج الجماعة) فهو الاخر المطرود من تاريخ الخلاص والمحكوم عليه بالتكفير بمقياس الجماعة من المخالفين من اليهود والمسيح والرافضة من المسلمين فالجماعة التكفيرية تتعامل معهم بوصفها عدواً لابد من نفية او قتله وبالتالي فالجماعة لا تسعى أبدا لأن تضع أنفسها مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسها أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها.

وهذا ما حدث بحق الجيش والشرطة من خارج الجماعة، بالإضافة الى القتل بحق الاخرين من الاقليات من الشبك والتركمان الشيعة اذ (تشن عناصر داعش حرب إبادة وتهجير معلنة على التركمان والشبك الشيعة في منطقة نينوى وخاصة في الموصل وتلعفر، وقد نزح بسبب هذه الحملة عشرات الآلاف من الشبك والتركمان باتجاه مدن سهل نينوى ومدن جنوب العراق). ([12])حيث استبيحت دماؤهم وممتلكاتهم بشكل اجبر الجميع على ان المقاومة او الهروب حفاة خائفين مرعوبين بإعداد كبيرة الى المناطق الجنوبية في موجة ذعر كبيرة .ونفس الشيء حدث بحق العرب من الشيعة حيث حدثت لهم تصفيات وإجبارهم الى الرحيل او القتل خصوصا الاسر المختلطة طائفيا .

موجة رعب غريبة حدثت حيث تكدست الجثث من الفلاحين والموظفين من ابناء الدجيل العاملين في مركز المحافظة بفعل العنف الطائفي .

والأمر نفسه حدث للمسيحيين الذين خيروا بين البقاء بدفع الجزية او دخول الاسلام او الرحيل وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم وهم من ابناء البلد الاصليين من الكلدان والاثوريين حيث مئة وخمسون اسره مفقودة، " تناول التقرير بشكل مفصل انتهاكات حقوق المسيحيين، واشار فيه الى تهديد الوزن الديموغرافي للمسيحيين، فمن اصل مليون واربعمائة الف مسيحي قبل العام 2003 لم يتبق اليوم سوى 250-300 الف مسيحي، والرقم الاخير مهدد بالذوبان التدريجي بسبب الهجرة اليومية".([13])

وحدث اجتياح للايزيديين وتم التعامل معهم بوصفهم كفرة ليس امامهم الا دخول الاسلام او السبي والقتل حيث حدثت مجاز بحق الرجال واستبيحت الاعراض(ارتكاب (داعش) لواحدة من اكبر جرائم العصر بحق الانسانية عندما اختطفت وسبت وقتلت اكثر من سبعة الاف من الايزيدية في سنجار بعد احتلالها في 3 من شهر آب 2014 . داعش تستخدم الحرب على النساء سلاحا لسحق مكونات العراق الصغرى.)([14]) وكان هؤلاء القوم يدفعون ثمن تشبثهم بموصليتهم ورفضهم الانضمام الى الاقليم .

ان ماحدث يدخل فعلا ضمن حدود مفهوم الابادة الجماعية الجماعية genocide التي قامت بها داعش والمليشيات الداعمة لها والتي تمتلك ماضياً في ممارسة العنف ضد الابرياء من العراقيين .([15]) ان العنف الذي تقوم به الجماعه موجهٌ الى الجميع وجعل الذين دعموه من رجال القبائل والسياسيين يخسرون النفوذ والسلطة الى جانب المواطنين الذين هجروا في المناطق الاخرى .

في وقت مازالت هذه الجماعة تطبق سياسة معتمدة في القاعدة انها سياسة ادارة التوحش ([16])حيث تم وضع قواعد ورسم أهداف تقوم على اعتبار هذه المرحلة هي مرحلة شوكة والنكاية والإنهاك بوصفها تهدف الى إنهاك العدو ثم إدارة المناطق التي يترك فيها فراغ يتم تسميتها إدارة التوحش وفيها يتم إتقان فن الإدارة السياسية عبر تحديد من يقود ومن يدير من خلال استثمار القواعد العسكرية المجربة ممن كانوا لديهم خبرة عسكرية سابقة، وفي الوقت نفسه يوصي باعتماد الشدة مع المخالفين والمجاورين والتحرك في مواجهتها باعتماد السياسة الشرعية .

هذه القراءات المتشددة هي تجلي بارز الى حركات الاسلام السياسي المتشدد وهو مختلف مع الاسلام التجديدي الذي مثله محمد عبده وتلاميذه ومحمد اقبال في الهند حيث ادرك اقبال أن الاجتهاد هو مبدأ الحركة في الاسلام يقول: " وأرى ان القول بإعادة تفسير الأحكام الشرعية الأساسية في ضوء الشروط المختلفة للحياة الحديثة قول مسوغ تماماً فالقران الكريم يعلمنا ان الحياة خلق دائم وذلك يقضي بأن لكل جيل الحق في حل مشكلاته الخاصة مسترشداً بعمل السلف لا معوقاً بذلك العمل ." ويعلق غارودي على هذا القول:"أن الخطأ الأساسي والقاتل لمستقبل الإسلام هو بالضبط أن يرفض مبدأ الحركة هذا، وبذلك عينهِ يغدو عاجزاً عن إعداد مشروع مستقبلي لحل مشكلات زمنه . "([17])

الحلول الممكنة

ان البحث عن الحلول يكمن في ازالة استثارت الاخر او اشعاره بالإهانة ؛ لان منابع الاختلاف (وهي منابع عنف) تخترق كل هذه المستويات الثلاثة، اختلاف اللغة، أو الدين أو المذهب، أو الجنس، أو الثروة، أو نظام القيم، أو طراز العيش؛ أو اللون (العرق)، أو المهنة، أو الجنس. ([18]) فهذه اوجه الاختلاف يجب تحويلها من باب للعنف الى باب من ابواب التعايش من خلال الايمان بالتنوع والعمل على خلق التفاعل الحي الذي يزيل نقاط الحرب والعنف التي يتسرب من خلالها الارهاب وأفكاره المستحيلة، التي تحاول توظيف تأويلاتها الايديولوجية بكل توتالريتها على الدين واحتكار المعنى فيه وتوظيفه من اجل الهيمنة والعنف الرمزي .

اجد هنا من الضرورة العودة الى توصيف مميز يقدمه معلوف في ايجاد حل اسماه )ترويض الفهد( وقد قدم سؤال، لماذا الفهد؟ لأنه يقتل إذا طاردناه ويقتل إذا تركناه طليقاً، والأسوأ أن نتركه في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه. ولكنني اخترت الفهد لأننا نستطيع أن نروضه أيضاً". بهذا، يبرر لنا معلوف تسمية الباب الأخير من بحثه بـ "ترويض الفهد"، والذي يرى أن ترويض رغبة الهوية يجب أن لا يعالج بالاضطهاد والتواطؤ، والتعامل والممارسات التمييزية تُعَد خطيرة وإن كانت تمارس لمصلحة جماعة عانت من الاضطهاد بسبب هويتها، لما في ذلك من استبدال ظلم بظلم آخر، ولما للأمر من تأثيرات سلبية تحفيزية للكراهية والتطرف، ورى أن كل مواطن يجب أن يُعامل بوصفه مواطناً كامل الحقوق مهما كانت انتماءاته واختلفت.([19])في وقت بات الواقع الضاغط اليوم بعد كل هذا العنف المفرط بين المكونات والتي خلقت اصطفاف طائفي نجد من الضرورة تأكيد رهان التسامح في الواقع العراقي مرورا بالتعايش وهو الناتج بعد الصراع وصولا الى التسامح ثم الاعتراف بحقوق المختلف قانونيا واخلاقيا وعلى هذا الاساس فاننا هنا نحاول تأكيد اطروحتين:

الاولى - الاطروحة التي ننطلق منها: تقوم على مقولة التسامح في تحديد طبيعة العلاقة في التعاقد الاجتماعي العراقي اليوم في ظل خلفية صراعيه اثنية حتى وصلت الى هيمنة الارهاب الداعشي على مساحة كبيرة من الاراضي العراقية في ظل وجود ذهنية صراعية طائفية تقوم على رفض الحكم القائم ومحاولة اسقاطه من خلال سلسة من العمليات الارهابية ؛من هنا تأتي محاولة التوظيف لمفهوم التسامح في ظل تعاقد اجتماعي تعددي يقوم على اقرار التعددية الدينية والمذهبية والسياسية، لكن ليس على اساس التناسخ بل كما يقول " علي حرب " أن التجربة الفكرية الفذة لا يمكن تكرارها أو تعميمها وإنما الممكن استلهامها والتفاعل معها"[20].والتفاعل يجب ان يعي الاصول وتداخلاتها والواقع ورهاناته الثقافية والسياسية .

اجد ان مفهوم " الاستبدال " مفهوم حيوي قال به ليفيناس، وهو ارتهان هذه الذات نفسها للاخر، فهي تسعى إلى الوقوف في مكان الاخر كآرضية منها كل أفعال التضامن والإجماع، بهذا يكون الاستبدال وسيلة الذات لتحقيق ذأتيها عبر مسؤوليتها تجاه الآخر .([21]) هذه المسؤولية يجب ان نشعر بها ازاء كل ابناء وطننا ممن تعرضوا الى العنف والتنكيل طال البشر والحجر وخلف جروحاً عميقه لابد من معالجتها .

اما الاطروحة الثانية "المضادة ": فهي القائمة على اساس الهاجس اللاهوتي وهو القائم على العودة إلى الأصول لأحيائها والتماهي معها اذ تعامل الحقيقة بعقل غيبي ما ورائي بمنطق ثبوتي أحادي بالارتداد إلى الماضي كما تتجلى في القراءات الأصولية التي لا تعرف سوى مدح الذات وذم الأخر وإسقاط الصور النمطية عليه فهي ذهنية الإقصاء القائمة على الأحادية و الشمولية تمارس مهامها ضمن فعالية عصابية قائمة على ذلك وسيلة في تشكيل الهوية القائمة على ثنائية ألانا / ألأخر هذا يقتضي معالجات إستراتيجية وأخرى انية بفعل الحاجة الملحة الضاغطة، ما يحدث اليوم من افعال عنيفة تصدم الحس الانساني تكشف عن المسكوت عنه في هذه الحضارة ومايجب العمل على التفكير به نقديا .اي نحن امام تراث مسكوت عنه يجب ان نتوجه اليه بكل علمية من اجل النقد والتاويل عزل ماهو سياسة وتضليل عما هو عقيدة وعزل ماهو بشري عما هو متعال تشريعي رباني .

أذ لم يكن البعض يرد في خاطرهِ أن هذه الجماعات التي تدعي الدفاع عن طائفة معينة تضمر في نفسها حقائق مفزعة وسلوكيات وأفكاراً غريبة لا يعرفها معظم الناس سواء من داخل الطائفة او من الطوائف الاخرى المتعايشه معها، كما يقال فالإسرار محفوظة عند الكهنة الكبار، وفي صندوق خفي لا يستطيع احد أن يطلع عليه وقد تكون الطائفية هي العتمة التي يعيشها أفراد الجماعة تحجب عنهم نور الحقيقة .

على المستوى الاني:

وضع خطة لمعالجة كارثة النزوح في ألبلاد على اسس سياسية ودينية وعرقية، ([22]) وان تتحول الخطة الى سياسات قابلة للتنفيذ لمعالجة حالة الطوارئ الراهنة وتزويدها بأطر مؤسسية لمواجهة اية ازمة مستقبلية، والعمل على توفير الموارد التي تجعل من تلك المعالجات ناجحة مع مراعاة الشفافية القانونية في صرف الاموال بغطاء قانوني ومراقبة قانونية وإعلامية .

احتواء الصراعات على المناطق المتصارع عليها بين الاقليم والمركز - خصوصا بعد تصريحات مسعود البرزاني - ([23])، من ناحية وبين المكونات والإقليم خصوصا في كركوك بين الاكراد والتركمان والعرب، وابعاد كل الضغوط الامنية القائمة على ارهاب المكونات، كل هذا يقوم على ادخال الرقابة الدولية في التحقيقات في عمليات القتل التي تحصل بحق المكونات، مع اطلاق عملية تفاوض باشراف دولي حول الحدود الداخلية المتنازع عليها التي تشكل مناطق التنوع الغنية في البلاد .

العمل على خلق فضاء للتعايش يحمي الاقليات وثقافتها ويمنحها استقلالا في ادارة شؤونها الداخلية كما هو حاصل في اوربا في مايتعلق بالتعددية الثقافية . ([24])

إعادة النازحين الى مناطقهم التي يجري تحريرها وهذا بحاجة الى اعادة الثقة بالمكونات والمجتمعات المحلية التي تعرضت الى العنف الارهابي عبر خلق حل للمنازعة وإيجاد حلول قانونية وإعادة تأهيل المنطقة وتأهيل الناس بشكل يعمق التعايش ويزيل التطرف عبر ايجاد الحلول المناسبة، توفير موارد كافية لإصلاح البنية التحتية الاساسية واصلاح نظام الخدمات.

الاستجابة الى المطالب الجماهيرية اليوم والحيلولة دون اعادة الظروف التي سبقت الارهاب في المناطق الغربية وهذا يتطلب وضع معالجات وإصلاحات ([25]) عميقة وخصوصا في ظل الواقع الاقتصادي وما يعيشه العراق من ازمة اقتصادية تتطلب استيعاب مطالب الناس والمظاهرات في العراق ([26]) والحيلولة دون ظهور هويات قاتلة متزمتة من جديد وهذا يتطلب تشريعات تعالج الفساد وتزيل وتلغي اثار التشريعات التي تكرس التمييز .

على المستوى ألاستراتيجي:

كيف يتم ترويض العنف وجعل مسبباته تختفي؟ هذا عمل بحاجه الى تعاون جميع الفرقاء داخل العملية السياسية من جهة والفرقاء الاخرين من رجال دين ومؤسسات دينية واجتماعية ومؤسسات مجتمع مدني كلها بحاجه الى اعادة النظر بما يحدث فهناك حاجهة الى ازالة الاحتباس الديني وإزالة مسبباته السياسية التي تستثمر الدين من اجل تعميق الهوة وتشجيع الكراهية، وعليهم ان يطرحوا سؤالاً ماذا بعد داعش وما تكبده البلد بسبب الهويات القاتلة من اجل الاستعداد لمواجهة الدواعش في الداخل الذين يتوزعون ينتشرون بين الصفوف على المستويات السياسي والإعلامي والديني والاجتماعي .([27])

العمل على وضع الخطط والاستراتيجيات وتقديم وضع الدراسات من اجل خلق الحلول مواجهة خطابات الكراهية التي تعمق روح الفرقة وتحرض على القتل وهذا لا يحدث الا من خلال دعم جهود المصالحة الوطنية بين الشركاء السياسيين حتى يتوحدوا ازاء الارهاب والفتنة بكل اشكالها وهذه المصالحة يجب ترجمتها الى حوار عميق بين الشركاء يضعون اثناء التفاوض العدو المشترك لهم هو المشكلة ويعملون على ايجاد حلول ناجعة لها مما يحول دون عودة العنف .([28])

العمل على تطوير مناهج التربية والتعليم ([29]) من خلال جعلها تستجيب الى التطور المعاصر في مجال التعليم ومن ناحية ثانية تقديم فرص متساوية للتعليم والوظائف لكافة الجماعات وتعميق ذهنية التسامح والتعددية الثقافة على المستوى المؤسسة وعلى مستوى العائلة والعمل على جعل من التربية افق للانصهار الثقافي والتربوي بخلق الرموز المشتركة مع مراعاة الاقليات من حيث ثقافتها الدينية ولغاتها المحلية بوصفها جزءاً من التنوع الوطني وبالتالي العالمي الإقرار بالتنوع وتبني مبدأ الحوار الفكري المتواصل، وازالة كل ماله اثار غير محمودة على التعايش الوطني وبالتالي تغلق الطريق في وجه التحريض والكراهية.

العمل على استثمار الاطروحات المعاصرة على المستوى العالمي والتي من الممكن استثمارها في التأسيس الى نظرية تشريعية كل هذا يتحقق من خلال استثمار الطاقات العلمية ومن خلال تصدي رجال السياسة من خلال تشريع قانون للمساواة السياسية والاقتصادية والثقافية وعدم ألتمييز مما يزيل الشعور بالمظلومية والتهميش على اسس طائفية وقومية واثنيا .وهذا يتحقق من خلال ارساء نظام سياسي يحقق العدالة الاجتماعية والسياسية . فالعراقي" بحاجة الى تثقيف بالهوية الوطنية وفي الحقيقة إن العراقي بحاجة الى ثقافة وطنية يمكن أن تصل إليه بمختلف الوسائل منها الوسائل السمعية والبصرية كالمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والصحف والمجلات وأجهزة الحاسوب والتصفح في شبكات الانترنت وعن طريق الكتب والمنشورات، وعن طريق الثقافة الوطنية في المدارس ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني في المناطق السكنية.وللأسف الشديد إن مايجري على أرض الواقع هو تثقيف حزبي وقومي وطائفي يتجه بإتجاه تحقيق المصالح على أساس المحاصصة دون حساب لمخاطرها الجسيمة".([30])

ضرورة الاتجاه إلى الفيدرالية واللامركزية لما يمكن أن تعمل عليه من تدعيم للمشاركة والإسهام في عملية اتخاذ القرار، وتعدد مراكزه.

على المستوى الخارجي سياسيا على مستوى الاقليم او دوليا العراق يمثل مركزاً استراتيجياً مهما وجاذباً لهذا عليه ان ينتهج سياسة موحدة يشترك فبها كل الاطراف تكون بمثابة حصن يحمي العراق من الانخراط في الصراعات الاقليمية وما تتركه من اثار على الداخل من تمزق وتفتت لهذا هناك حاجة الى ارساء تشريعات قانونية منها قانون الأحزاب يمنع عليها الحصول على دعم مالي خارجي يجعل منها رهينة الدول الاقليمية وسياستها التي لا تتفق مع العراق ومصالحه، وفي نفس الوقت خلق قواسم مشتركة مع كل الاطراف التي تمكن العراق ان يحمي سيادته واستقلاله وان لا يكون مصدر القلق الاقليمي والدولي .

 

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

.......................

[1] عبد الله الغذامي، القبيلة أو القبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2009، ص110.

[2] رينيه جيرار، العنف والمقدس، ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي عباس، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 1992.

[3] أدونيس، الهوية غير المكتملة، تعريب حسن عودة، بدايات، ط1، دمشق، 2005.

4 جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، ترجم: فلاح رحيم دار التنوير، ط1، بيروت، 2014.

[5] هكذا اجاب الشيخ القرضاوي عن شرعية العمال الانتحارية اشترط بها ان تكون بموافقة وتوجيه الجماعة الدينية .

[6] امين معلوف، الهويات القاتلة، ترجمة: نهلة بيضون، دار الفارابي، بيروت .

[7] كلود دوبار، أزمة الهويات تفسير وتحول، المكتبة الشرقية، ط، بيروت 2009، المقدمة .

[8] برهان غليون, حوارات من عصر الحروب الأهلية: 312-313،

[9] ناحج المعموري، القرابات المتخيلة، دار تموز، ط1، دمشق، 2012، ص75.

[10] محمد جمال باروت، يثرب الجديدة، مصدر سابق، ص14-16.

[11] امين معلوف، الهويات القاتلة، ص31.

[12] داعش تبيد وتهجّر الشبك والتركمان في الموصل، http://www.dw.com/ar

[13] ويؤكد التقرير ان المسيحيين ما يزالون يعيشون في خوف في مناطق اخرى من العراق على الرغم من عدم تعرضها لهجمات تنظيم داعش، اذ يتعرضون لانتهاكات تطال سلامة الافراد، وعقاراتهم تتعرض للاستيلاء غير القانوني، كما تستمر مظاهر التمييز ضدهم وعلى نحو يهدد من تبقى منهم ويجبره على الهجرة. http://www.azzaman.com/?p=130625

[14] المرأة الايزيدية استراتيجية حرب داعشية نشرت فى 2014/11/16 http://www.wanaltaqy.com

[15] المصطلح عائد الى "رافائيل ليمكين" (1900-1959) استخدم مفهوم مصطلح "الإبادة الجماعية" genocide فهو في محاولة من في توصيف هذا الفعل الاجرامي اذ قام في عام 1944، إلى وضع وصف للسياسات النازية للقتل المنظم، بما في ذلك إبادة الشعب اليهودي الأوروبي.اذ عن طريق الجمع بين كلمة "جماعي" (-geno) اليونانية والتي تعني سلالة أو قبيلة، مع كلمة "الإبادة"(cide-) اللاتنية التي تعني القتل. وحينما كان يقوم بصياغة هذا المصطلح الجديد، كان ليمكين يضع في اعتباره مفهوم "وضع خطة منظمة تتألف من إجراءات مختلفة تهدف إلى تدمير الأساسيات الضرورية لحياة مجموعات قومية، بالإضافة إلى إبادة المجموعات نفسها." وفي العام التالي، وجهت المحكمة العسكرية الدولية في مدينة "نورمبرخ" بألمانيا الاتهامات إلى كبار القادة النازيين بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية." وقد اشتملت الاتهامات على كلمة "الإبادة الجماعية"، ولكن ككلمة وصفية، وليست باعتبارها مصطلحًا قانونيًا.الا ان الأمم المتحدة أقرت اتفاقية تقضي بمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948. واعتبرت هذه الاتفاقية "الإبادة الجماعية" بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها "بمنعها والمعاقبة عليها".

[16] ابي بكر ناجي، إدارة التوحش .كتاب على الانترنيت .

[17] روجيه غارودي، نحو حرب دينية جدل العصر، ترجمة: صباح الجهيم، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، بيروت، 1997، ص33-34.

[18] الح عبد الجبار، في الأحوال والأهوال، دار الفرات للنشر والتوزيع، ط 1، بيروت، 2008، ص15.

[19] امين معلوف، الهويات القاتلة .

[20] على حرب، الماهية العلاقة، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 1998، ص 81.

[21] جوديت بتلر، الذات تصف نفسها، ص24.

[22] اذ تشير الدراسات الى ان هناك هنالك مايقارب45, 1مليون شخص يقدر انهم نازحون في جميع انحاء البلاد ما يزال اعداد كبيرة من الناس عالقين بسبب الصراعات، بدون الوصول الى الخدمات الاساسية تقارير متزايدة حول الاتجار بتهريب البشر داخل وخارج البلاد حيث، يعد مصدرا مقلقا وبالغ تبرعت 6 دول بالمستلزمات الاغاثية عبرآلية الحماية المدنية في الاتحاد: الأوروبي

http://www.uniraq.org/index.php%3Foption%3Dcom

[23] بعد سقوط الموصل وانهيار الجيش العراقي شبه الكامل في المحافظات السنّية شمال العراق وغربه، أعلن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني أنّ واقعًا جديدًا على الأرض قد طرأ وفرض نفسه، وأنّ مسألة استقلال إقليم كردستان بـ "كامل حدوده التاريخية" متوقّفة على بعض الإجراءات الخاصة بالإعداد لإجراء استفتاء عامّ في الإقليم والمناطق المتنازع عليها، على أساس أنّ مفاعيل المادة 140 من الدستور العراقي الدائم قد انتهت بالنسبة إلى الأكراد، وأنّه لن يستأنفوا الحديث عنها في المستقبل. http://www.dohainstitute.org/release/374ff388-00f9-4db0-bb21-627c3513182a

[24] - بريان باري، الثقافة والمساواة نقد مساواتي للتعددية الثقافية، عالم المعرفو سلسة 382، الكويت، 2011، ص33

[25] ماتزال حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تواجه مجموعة مركبة من الأزمات التي تكاد تعصف بالدولة العراقية، يأتي على رأسها تعقد الوضع الداخلي وصعوبة إقرار العديد من القوانين الخاصة بإدارة الملفات الداخلية، خاصة ملف المصالحة الوطنية، وهو ما عبر عنه العبادي خلال حضوره اجتماع وزراء التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في 3 ديسمبر 2014 في بروكسل، حيث أكد في كلمته أن العمل العسكري وحده لن يهزم “داعش”، وأنه ينبغي اتخاذ خطوات إيجابية نحو الإصلاح الحكومي والمصالحة الوطنية وإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع:

http://rawabetcenter.com/archives/4372

[26] خرجت مظاهرات في بغداد ومدن عراقية أخرى للمطالبة بتنفيذ الإصلاحات والقضاء على

 الفساد::http://www.tvalsalam.tv/news/21540/.

[27] يطرح نجاح القوات العراقية في تحرير بعض المناطق التي سيطر عليها تنظيم “داعش”، على غرار مدينة تكريت، تساؤلات رئيسية عن مدى قدرة الحكومة العراقية على إعادة التعمير وتأهيل المدن المدمرة جراء العمليات العسكرية بين الطرفين. وكانت الموازنة العراقية لعام 2015 قد خصصت مبلغًا بنحو 429 مليون دولار لصندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة، لتمثل بذلك خطوة أولى ضمن خطة واسعة النطاق لإعادة بناء تلك المدن. ورغم ذلك، فإن تنفيذ خطة إعادة الإعمار لن يكون مهمة سهلة، على ما يبدو، لا سيما في ظل وجود عقبات تمويلية وسياسية وأمنية واجتماعية تواجهها الدولة العراقية في المرحلة الحالية. http://rawabetcenter.com/archives/6825

[28] وصل باحث مختص في مجال دراسات السلام وحل النزاعات الى أن الاختلافات الدينية قد تدفع للاعتقاد بأن الدين في حد ذاته سبب خطير للصراع، غير ان هذا الاعتقاد في غير محله. الرؤى الدينية التي حملها الكتاب والذي جاء طبعه ضمن مشروع عقد الندوة التي حملت شعار (لنتعلم من رجال الدين بناء السلام) اقامه مركز دراسات السلام في جامعة دهوك يقول د. جوتيار ان " ما من ديانة لاتدعو أحكامها للسلام والتسامح والمعاملة الحسنة للاخرين، وما من ديانة تفرض على أتباعها العيش بمعزل تام عن الاخرين". http://tfpb.org/old/?page=view&id=258

[29] جعل العراق التربية والتعليم على رأس قائمة التعاون مع اليونسكو بحيث تبذل جهود كبيرة، لدعم التعليم في مختلف أنحاء البلاد. والعراق واحد من 35 بلدا تشارك في مبادرة محو الأمية من أجل التمكين (لايف)، وهي مبادرة إستراتيجية دولية تمتد على 10 سنوات لتحقيق أهداف عقد الأمم المتحدة لمحو الأمية. فيما يتعلق بالاتصالات والإعلام، تدعم اليونسكو، بقوة، العراق من اجل بلورة سياسة وطنية حيال وسائل الإعلام والاتصال تقوم على تعزيز حرية التعبير بفضل سلسلة من البرامج لبناء القدرات في قطاع الإعلام.

http://www.iraqinatcom.org/index.php?name=Pages&op=page&pid=89

[30] - محمود الربيعي، الهوية العراقية وتنوع الانتماءات،

 

بدر الدين شيخ رشيدحول علاقة الأعمال بالإيمان عند الأشاعرة والإماميّة:

إن العمل فرع عن العقيدة، حيث إن العقيدة هى ألآساس للعمل.إذ لا يتصور عمل بدون عقيدة. وبناء على هذا فما هي علاقة الإيمان بالعمل عندالأشاعرة والإمامية؟ وما هو دور الإنسان بالعمل؟ وذلك هل هو الموجد به أم الله سبحانه وتعالى؟. وما مدى تأثير تلك العلاقة على الإمامة بين الأشاعرة والإمامية؟

إن بيان أصول الإعتقاد عند الأشاعرة يرجع إلى مؤسس المذهب الأشعريّ الشيخ أبي الحسن الأشعري [ت:324ھ/935م] ، ثم إلى كبار أئمة الأشاعرة الذين هذّبوا المذهب الأشعري، كالباقلاني، [ت:403ھ/1012م]، والبغدادي [ت429ھ/1037م]، والجويني [ت:478ھ/1085م]، والغزالي [ت:505ھ/1111م]،والشهرستاني [ت:548ھ/1153م] ، والرازي [ت:606ھ/1219م]، والأمدي [ت:631ھ/1233م]، والإيجي [ت:756ھ /1354م] ، والتفتازاني [ت:791-792ھ/1388م-1389 م]، والشريف الجرجاني [ت:816ھ/1413م]، والقوشجي  [ت:879ھ/ 1474م] ، وغيرهم من متكلمي الأشاعرة.

بينما يرجع بيان أصول الإعتقاد عند الإماميّة إلى الأئمة الإثنى عشرية. يقول الشيخ السبحانى في بيان المرجعية للعقائد الإمامية:« وأما عقائد الشيعة الإماميّة، فليست حصيلة الإحتكاك بالثقافات الأجنبية ولاما أنتجته البحوث الكلاميّة طوال القرون، وإنما هي عقائد مأخوذة من الذكر الحكيم أولا، والسنة ثانيا. وخطب الإمام علي بن أبي طالب، وكلمات العترة الطاهرة المأخوذة من النبي الأكرم ثالثا. فلأجل ذلك يحدد عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمتهم الطاهرة» [1].

تشير كتب الملل والنحل إلى أن الإمام الأشعري كان في بداية أمره معتزليّ الإعتقاد في مدة تقرب أربعين سنة، رغم ضعفها عند الشيخ السبحاني  [2]. ثم قرر ترك المذهب الإعتزالي وتأييد مذهب الفقهاء، وأهل الحديث مع إضافة التنزيه والتأويل، في بعض الصفات الأخبارية المتعلقة بصفات الله سبحانه وتعالى، والتي تدل في ظاهرها التشبيه [3].

ولمّا كان خلاف الأشاعرة والإماميّة من حيث الأصل، يرجع إلى ماهيّة الإختيار للإمام وذلك؛ هل الإختيار مختص لله؟ أم للإنسان دور فى الإختيار؟. ينبغي أن نشير إلى جانب من علاقة الإيمان بالأعمال، مقارنا بين رؤية الأشاعرة والإمامية، لندرك مدى تأثير جدليّة علاقة الإيمان بالعمل على مبدأ الإختيار والنص في إشكالية الإمامة؛ لأن البحث فيها سيدفعنا الوقوف على حقيقة علاقة الإيمان بالعمل، كما نشير أيضا إلى جدليّة علاقة الإنسان بالعمل المبنيّة هل الإنسان هو الموجد للعمل أم الله سبحانه وتعالى؟.

البحث في علاقة الإمان بالعمل، سنكتفي إيراد كلام الإمام ابن حزم الظاهري  [ت:456ھ/1063م] والإمام النسفي الأشعري [ت:508ھ/1114م]. ثم نقارن مضاعفات هذه العلاقة في جدليّة الإمامة هل هى من الإيمان؟ أم هي من الأعمال عند الأشاعرة والإماميّة؟.

يقول ابن حزم [456ھ/1063م]:«إختلف الناس في ماهية الإيمان: فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو: معرفة الله تعالى بالقلب فقط، وإن أظهر اليهوديّة، والنصرانيّة، وسائر أنواع الكفر بلسانه وعبادته. فإذا عرف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنة، وهذا قول أبى محرز الجهم بن صفوان وأبى الحسن الأشعري البصريّ وأصحابهما. وذهب قوم إلى أن الإيمان هو: إقرار بالله تعالى وإن إعتقد الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السحستاني وأصحابه.

«وذهب قوم إلى أن الإيمان هو: المعرفة بالقلب والإقرار باللسان معا، فإذا عرف المرء الدين بقلبه وأقر به بلسانه فهو مسلم كامل الإيمان والإسلام، وأن الأعمال لا تسمى إيمانا، ولكنها شرائع الإيمان. وهذه قول أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه، وجماعة من الفقهاء.

«وذهب سائر الفقهاء، وأصحاب الحديث، والمعتزلة، والشيعة، وجميع الخوارج، إلى أن الإيمان هو: المعرفة بالقلب بالدين، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وأن كل طاعة وعمل خير، فرضا كان أو نافلة فهى إيمان. وكلما إزداد الإنسان خيرا إزداد إيمانه. وكلما عصى نقص إيمانه. وقال محمد بن زياد الحريري الكوفي: من آمن بالله عز وجل، وكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس مؤمنا على الإطلاق، ولا كافرا على الإطلاق، ولكنه مؤمن كافر معا، لأنه آمن بالله تعالى فهو مؤمن، وكافر بالرسول فهو كافر» [4].

يقول الإمام النسفي [ت508ھ/1114م]، فى بيان حقيقة الإيمان:«الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب عند أكثر أهل السنة والجماعة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان. وقالت الكّرامية، وهم أصحاب أبي عبد الله محمد الكّرام: الإيمان مجرد الإقرا دون التصديق. وقال أبو منصور الماتريدي: الإيمان مجرد التصديق» [5].

دافع الإمام النسفي مذهب الأشعريّ في حقيقة الإيمان،حيث إعتبر أن العمل ليس من الإيمان. مستدلا في ذلك بقوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين أمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم:31]. حيث سماهم الله مؤمنين قبل إقامة الصلاة، وفصل بين الإيمان والصلاة، وكذلك، إستدل بقوله تعالى:﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة:6]، حيث سماهم مؤمنين قبل إقامة الصلاة. مؤكدا على:« أنه لو وجد منه الإيمان قبل الضحوة، ثم مات قبل الزوال، يكون من أهل الجنة، فلو كان العمل من الإيمان، لم يكن من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه العمل. وكذلك أصحاب الكهف وسحرة فرعون، أجمعنا على أنهم من أهل الجنة وإن لم يوجد منهم العمل فثبت أن العمل ليس من الإيمان» [6].

فإذا نظرنا إلى حقيقة العلاقة بين الإيمان والأعمال عند الأشاعرة، نفهم مدى تأثير تلك العلاقة على الإمامة، حيث إعتبرت الأشاعرة الإيمان مجرد المعرفة فى القلب، دون القول باللسان والعمل بالجوراح. وهذه بلا شك تولد الإنفصال الكليّ بين الإيمان والعمل. وقد تؤدي إلى كون الإيمان مجرد لاهوتى عقدي فراغ عن الواقع من حيث التأثير.

من جانب آخر، نجد أن الإمامية، وجمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والمعتزلة، والخوارج، كلهم إعتبروا علاقة الإيمان بالعمل جزء لا يتجزء، بحيث لم يكتفوا مجرد المعرفة بالقلب فقط، بل علاوة على ذلك إعتبروا أن عناصر الإيمان يشمل في معرفة الدين بالقلب، والإقرار باللسان والعمل بالجوارح.

وهنا إشكال يرد فى هذا الصدد، مفاده، كيف نحدد مفهوم علاقة الإيمان بالعمل عند الأشاعرة ؟ هل نحدد الأخذ بقول الإمام الأشعري؟ أم نحدد الأخذ بقول جمهورالفقهاء؟.لأن الوقوف على وجه هذا الإشكال يساعدنا الوقوف على معرفة حقيقة الإمامة عند الأشاعرة. لأننا وجدنا من الأشاعرة من يقول: الإمامة من الفروع، بينما نجد من يقول إنها من الأصول.

فإذا نظرنا إلى هذا الإشكال بدقة، نجد أن القائلين بأصوليّة الإمامة يغلب عليهم الطابع الفقهيّ الأصوليّ أكثر من الطابع الكلامى الفلسفيّ، عكس القائلين بفرعيّة الإمامة، حيث نجد أنهم متكلموا الفلاسفة. فعلى سبيل الميثال، نجد القائلين بأصولية الإماميّة من الأشاعرة مثل: القاضي الماوردي [ت:450ھ/1058م] ، والقاضي الفضل بن روزبهان الشيرازي [ت:927ھ/1520م] والعلامة علاء الدين على بن محمد القوشجي [ت:879ھ/1474م] والقاضي البيضاوي [ت:685ھ/1286م].

بينما نجد القائلين بفرعيّة الإمامة مثل: الجويني [ت:478ھ/1085م]، والغزالي [ت:505ھ /1111]، والإيجي [ت:756ھ/1355م] وغيرهم من كبار الأشاعرة.

ويظهر لي أن جدليّة الإمامة بين الأصول والفروع، عند الأشاعرة تتعاعس بين رؤية فلاسفة المتكلمين وبين رؤية فقهاء الأصوليين. وبذلك يمكن أن نقيّم نظرية الأشاعرة فى الإمامة من منظورين؛ منظور فرعيّ فقهيّ عند فلاسفة المتكلمين ومنظور أصوليّ عقديّ عند الأصوليين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

............................

 [1] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى قم، إيران ط3/1417ھ، ج،6 ص246.

 [2] - المصدرالسابق،ط7/1420ھ ج2/24-25.

 [3] - المصدر السابق، ج2/24-25.

 [4] - ابن حزم، الفصل فى الملل والأهواء والنحل ، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط2/1999م ج2/ص209.

 [5] - النسفي، ميمون بن محمد النسفي بحر الكلام، تحقيق، د/ ولي الدين محمد صالح الفرفور، مكتبة دارالفرفور،دمشق ،سوريا،ط2/1421ھ/ 2000م ص151.

 [6] - المصدر السابق،ص152-153.

 

بدر الدين شيخ رشيدالإمام الغزالي وابن رشد وابن تيمية نموذجا:

حاول بعض كبار فلاسفة متكلمي الأشاعرة وغيرهم، تحديد أُطُرِّ وقواعد أصول الدين من خلال دراستة الملل والنحل في علم العقائد، وذلك للوصول إلى قواعد مسلمة عند الكافة من المسلمين وغيرهم.

وجاءت أهمية وضع قواعد أصول الدين، بعد هيمنة المسلمين على العالم، وإتصال الحضارة الإسلامية، بحضارات الأمم السابقة كالفرس، والروم، والهند، وفي ظل تلك الإتصال الحضاري بين الأمم، ونشأة الفرق العقائد الإسلامية، أضطرَّ المتكلمون في تحديد أصول الدين

فإذا نظرنا إلى دراسة علماء الملل والنحل من خلال رؤية الفلاسفة والمتكلمين في تحديد قواعد أصول الدين، نجد أنهم حددوا بها على ثلاثة أصول ثابتة. ويقصد بها عند الفلاسفة والمتكلمين الإيمان بالله، واليوم الأخر، وبعثة الأنبياء عليهم السلام. وهي أصول إعتقادية مسلّمة عند كل من علماء المتكلمين والفلاسفة من أنها أصول تثبت بالعقل كما تثبت بالنقل.

يقول الآمدي الأشعري [ت:631ھ/1233م] في دور العقل وإدراكه إلى معرفة الله وجميع القضايا العقلية:«والعقل كاف فى معرفته (اى الله)، ومعرفة جميع القضايا العقلية، ولا حاجة إلى تعريف ذلك بالإمام» [1].

وجاء تقرير الآمدي، إثر ردّه على نظريّة الشّيعة الإسماعيليّة حول علة وجوب الإمام بأن الإمام معرِّف بالله.

وفى بيان طرق إثبات العقيدة من جهة العقل والشرع يقول الإمام الأكبر محمود شلتوت:«وقد إتفق العلماء على أن الدليل العقليّ الذى سلمت مقدماته، وانتهت فى أحكامها إلى الحس أو الضرورة، يفيد اليقين، ويحقق الإيمان المطلوب.

أما الأدلة النقلية فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنها لا تفيد اليقين، ولا تحصل المطلوب، ولا تثبت بها وحدها عقيدة... وذلك لأنها مجال واسع لاحتمالات كثيرة تحول دون هذا الإثبات. والذين ذهبوا إلى أن الدليل النقلى يفيد اليقين ويثبت العقيدة، شرطوا فيه أن يكون قطعيّا في وروده قطعيتا فى دلالته. ومعنى كونه قطعيّا في وروده ألا يكون هناك أيّ شبهة في ثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك إنما يكون في المتواتر فقط. ومعنى كونه قطعيّا في دلالته أن يكون محْكما في معناه، وذلك إنما يكون فيما لا يحتمل التأويل. فإذا كان الدليل النقلى بهذه المثابة أفاد اليقين وصلح أن تثبت به العقيدة» [2].

إن دراسة هذه الأصول- من خلال رؤية فلاسفة المتكلمين- سنختار رؤية ثلاثة من كبار فلاسفة المسلمين، ثم نكْمل منها بعض مقالات علماء المعاصرين. ومن هولاء المتكلمين: الإمام الغزالي [ت:505ھ/1111م]، والفقيه والفيلسوف الإسلامى ابن رشد [ت:595ھ/1198م] وشيخ الإسلام ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]، رحمهم الله على الجميع.

أصول الدين عند الغزالي: [ت:505ھ/1112م]:

الإمام الغزالى [ت:505ھ/1111م]، تولّى رئاسة الأشاعرة بعد وفاة شيخة إمام الحرمين الجويني [ت:478ھ/1085م]. فبعد ما توفي شيخه إمام الحرمين، وفد الغزالي إلى بغداد قاصدا للوزير النظام الملك« ثم ولاّه نظام الملك التدريس في مدرسة بغداد، وخرج له أصحاب وصنف التصانيف مع التصوف والذكاء المفرط وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخر بالطبران، قصبة بلاد طوس، وله خمس وخمسون سنة» [3].

قبل أن نبدأ رؤية الغزالي في تحديد أصول الدين، ينبغي أن نقف جانبا من مذهب الغزالى في الإعتقاد، وذلك هل هو أشعرى الإعتقاد؟ أم هو متحرر عنه؟

فالبحث في هذا المضمار سوف نشير إلى رؤية عالمين من علماء المعاصرين، تباينت وجهة نظرهما فيه.

أ - رؤية الشيخ أبي زهرة [ت:1396ھ/1976م]:

فإذا أخذنا من وجهة الشيخ أبي زهرة [ت:1396ھ/1976م] في إعتقاد الغزالي، نجد أنه يقرر من أن الغزالي لم يتقيد بمذهب الأشعري، بل كان متحررا عنه، بحيث «إن الإمام الغزالي إذا نظر فى كلام أبى منصور الماتريدي [ت:333ھ/944م] وأبي الحسن الأشعري [ت:324ھ/935م] كان ينظر، نظرة حرة بصيرة فاحصة، لا نظرة تابع مقلد، فوافقهما في أكثر ما وصل إليه. وخالفهما في بعض ما ارتآه دينا واجب الإتباع، ولذا، رماه كثير من أنصارهما بالكفر والزندقة» [4].

ب - رؤية الشيخ السبحاني:

خالف الشيخ جعفر السبحاني عن الفكرة المتقدمة، حيث يرى أن الإمام الغزالي هو أشعري المعتقد وأنه لم يخالف الإمام الأشعري في المسائل المختلفة بينه وبين الفرق الأخرى، كالمعتزلة والإمامية، كمسألة الحسن والقبح العقلين، ومعرفة الله هل تجب عقلا أم شرعا؟ وجواز التكليف بما لايطاق، وأفعال العباد هل يخلق بها العبد أم الله؟ وإستواء الله سبحانه وتعالى على العرش، ومسألة كلام الله، ورؤية الله في الأخرة، و رعاية الأصلح لعباده، والخلاف بين علي ومعاوية.

هذا وأكد الشيخ السبحاني أن الإمام الغزالي رجّح في جميع هذه المسائل الإعتقادية، موقف الأشعريّ بحيث لم يخالف عنه أهمّ المسائل المختلفة بينه وبين الفرق الإسلامية. يقول الشيخ السبحاني في هذا الصدد: « كيف! وقد أنكر الحسن والقبح العقليين، كما أثبت الرؤية في الآخرة، وقال بقدم كلامه، وبذلك ترك عارا على جبين أهل التوحيد، وإنما خالف الأشعريّ في الصفات الخبرية حيث ذهب فيها إلى التفويض دون الحمل على معانيها اللغوية، ونظرية التفويض وإن كانت أقل شناعة من الحمل على معانيها اللغوية، لكنها باطلة توجب أن يكون القرآن من المعميات غير نازل للفهم والتدبر» [5].

غير أن المتأمل إلى موقف الإمام الغزالي في مسائل الكلاميّة، يجزم بدون تردد، أن الغزالي كان أشعريّ الإعتقاد. وذلك لموافقته في الإمام الأشعري أهمّ المسائل الكلاميّة، مثل: أفعال العباد، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة اللطف، لأن هذه المسائل تعتبر من أهمّ المسائل الرئيسية بين الفرق الإسلامية وخاصة عند الكلام في مسألة الإمامة بين الشيعة الإماميّة القائلين بالنص، وبين الأشاعرة والمعتزلة القائلين بالإختيار، لأن جدليّة إشكال الإختيار والنص في الإمامة ترجع إلى إختلافهم حول مسألة «أفعال العباد».

هذا وقد ألّف الغزالي تصانيف مفيدة في علوم مختلفة. ومن بين تلك المصنفات كتابه: «المنقذ من الضلال»، ويعتبر هذا الكتاب من أواخر ما ألّفه رحمه الله تعالى. فهو يبين أن الإيمان اليقين بالأصول الثلاثة، أعنى الإيمان بالله، واليوم الأخر، وبالنبوة، والتي حصلها، إنما كانت نتيجة حصيلة تجارب وقرائن مارسها على فترة من الزمن. وأن الإدراك بها يمكن من جهة العلوم الشرعية، كما يمكن أيضا، إدراكها من خلال العلوم العقلية. فقال رحمه الله:«وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية والعقلية- إيمانُ يقيني بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيله» [6].

أصول الدين عند ابن رشد [ت:595ھ./1198م ]:

ابن رشد ولد في قرطبه [520ھ/1126م] وتوفي عام [595ھ/1198م] في عهدMarrakech, Almohad’s Empire)). واسمه الكامل،هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد. كان عالما فقيها فيلسوفا في عصره. لقد طلب الخليفة ابن الطفيل منه التلخيص والشرح بأعمال أرسطوس الفيلسوف (Aristotle’s works)، وكذلك أعمال جمهوية أفلاطون(Plato’s Republic) عام [/556/591ھ/1160/1194م]. حاول أن يوفق بين الفلسفة والدين أو الفلسفة والشريعة، فى كتابه: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الإتصال»، كما حاول التوفيق بينهما في كتابه«تهافت التهافت»عام [575/ 576ھ/1179 1180م/ م] [7]، ردا على كتاب« تهافت الفلاسفة» للإمام الغزالي.

أراد ابن رشد توفيق الفلسفة والشريعة فى كتابه «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الإتصال»، عن طريق توظيف الطرق للدلائل الثلاثة، أعنى طريقة البرهان، الجدل، الخطابية. وقد بحث أصول الإعتقاد الثلاثة، أعنى الإيمان بالله، والأنبياء، والميعاد، من خلال تلك الطرق المتقدمة، وذلك للوصول إلى إثبات تلك الأصول الثلاثة.

وهذه الطرق يمكن الإستفادة منها حسب درجات الناس في المفاهيم والإدراكات العقلية والحسية. فالناس عند ابن رشد من حيث الإدراك منقسمون إلى ثلاثة أصناف، أصحاب البرهان، والجدل، والخطابية. وكلهم يمكن أن يدركوا هذه الأصول الإعتقادية الثلاثة. هذا وقد إستدل ابن رشد فى تحقيق نظريته، بقوله تعالى:﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ [النحل:125]. فأهل البرهان هم الحكماء من الفلاسفة، حيث يدركون هذه الأصول عن طريق البرهان العقلى. وأهل الجدل يتوصلون بها عن طريق الجدل. والعامة- وهم أهل الخطابية- يدركون عن طريق الموعظة الحسنة. وبناء على ذلك، فهذه الأصول هي أصول الشريعة والإيمان.

يقول ابن رشد في تقرير هذه الأصول من خلال تلك الطرق:« وهذا هو مثل الاقرار بالله تبارك وتعالى، وبالنبوات، وبالسعادة، الأخروية، والشقاء الأخروي. وذلك أن هذه الأصول الثلاثة تؤدي اليها أصنافُ الدلائلُ الثلاثة، التي لا يعرى أحد من الناس عن وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته، أعني الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية. فالجاحد مثلا لهذه الأشياء إذا كانت أصلاً من أصول الشرع كافرٌ معاندٌ بلسانهِ دون قلبهِ أو بغفلته عن التعرض إلى معرفة دليلها. لأنه إن كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيلا إلى التصديق بها بالبرهان، وإن كان من أهل الجدل فبالجدل، وإن كان من أهل الموعظة فبالموعظة. ولذلك قال عليه السلام:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي، يريد بأي طريق أنفق لهم من طرق الإيمان الثلاث"» [8].

أصول الدين عند ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]:

أكدّ شيخ الإسلام ابن تيمية [ت:728ھ/1327م]، على أن هذه الأصول الثلاثة هى مدار فلك العقيدة، حيث قال:«إن هذه العقيدة إشتملت على الكلام في الإيمان بالله سبحانه، وبرسله، واليوم الآخر. ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي: أصول الإيمان الخبرية العلمية. وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول. فجميع الرسل إتفقت عليها كما إتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإيجاب الصدق، والعدل، وبر الوالدين، وتحريم الكذب، والظلم، والفواحش.

فإن هذه الأصول الكلية عِلْماً وعملاً هي: الأصول التي إتفقت عليها الرسل كلهم. والسور التي أنزلها الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة، والتي يقال لها: السور المكية، تضمنت تقرير هذه الأصول كسورة الأنعام، والأعراف، وذوات ألمر، وحم، وطمس، ونحو ذلك. والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بالمكتوب وبمن نزل بها من الملائكة. وهذه الخمسة هي أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [البقرة:177]، وفي قوله عز وجل:﴿ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا﴾ [النساء:136]. وهي التي أجاب عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاءه جبريل في صورة أعرابي وسأله عن الإيمان، فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره. والحديث قد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب وهو من أصح الأحاديث.

فتلك الأصول الثلاثة تتضمن هذه الخمسة، والله تعالى أنزل سورة البقرة، وهي سنام القرآن وجمع فيها معالم الدين، وأصوله، وفروعه إلى أمثال ذلك. فإن النظر فيها وجْهٌ من وجوه الإيجاب. ولما ذكر في أولها أصناف الخلق وهم ثلاثة مؤمن، وكافر، ومنافق، أخذ بعد ذلك يقرر أصول الدين. فقرر هذه الأصول الثلاثة: الإيمان بالله، ثم الرسالة، ثم اليوم الآخر. فإنه أنزل أربع آيات في المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضعة عشرة آية في صفة المنافقين ثم قال تعالى تقريرا للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾، [البقرة:21] إلى قوله تعالى:﴿بسورة من مثله﴾، [البقرة:23].فإنه ذكر التحدي هكذا في غير موضع من القرآن» [9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

..............................

 [1] - الآمدى، إبكار الأفكار فى أصول الدين‘ تحقيق، أحمد محمد المهدى، مؤسسة دار الكتب والوثائق القومية القاهرة، مصر،ط2002م، ج5/ص125.

 [2] - شلتوت، الشيخ محمود، الإسلام عقيدة وشريعة، دار الشروق،، بيروت، لبنان، ط8/1975م ص53.

 [3] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى قم، إيران، ط7/1420ھ،ج2/ص 325.

 [4] - أبو زهرة، ابن تيمية حياته وعصره وأراؤه وفقهه، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1420ھ/2000م، ص157.

 [5] - السبحانى، بحوث فى الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، إيران، ط7/1417ھ ج2/ص327-339.

 [6] - الغزالى، المنقذ من الضلال، ضمن مجموعة رسائل الغزالي إشراف، مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 1421ھ/2000م، ص552-553.

 [7] - Ibn Rushd biograpgy by Encyclopedia Britannica…( e-rext): http:// www. Muslim philosophy.com/ir/art/ ir-eb. htm

 [8] - ابن رشد، محمد بن أحمد، أبوا الوليد، فصل المقال فى تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال. انظر الموقع:

http://ar.wikisource.org/ wiki/%D9%81.

 [9] - ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، شرح العقيدة الأصفهانية، تحقيق إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد، الرياض ط1/1415ھ، ص211.

 

بدر الدين شيخ رشيديطلق لفظ المولى على المالك، والعبد، والمعْتِقُ، والمعْتَقُ، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والإبن، والعم، والنزيل والشريك، وابن الأخت، والولى، والرب، والناصر، والمنعم، والمنعم عليه والمحب، والتابع، والصهر[1].

بحث الشيخ السبحانى بحثا دقيقا، حول دلالة «المولى»، فأظهر فيه، أن لفظ المولى، لا يحتمل إلا معنى واحد وهو«الأولى». فأشار أن الباحث في كتب اللغة، يجد أنهم يذكرون فى تفسير«المولى» أمورا، يبدو أنها معان مختلفة، إلا أنها تؤدي معنى واحدا إذ«الحق أنه ليس للمولى إلا معنى واحدا وهو: الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولوية، بحسب الإستعمال في كل مورد من موارده، والإشتراك معنويٌّ، وهو الأولى من الإشتراك اللفظي المستدعي لألفاظ كثيرة غير معلومة بنص ثابت، والمنفية بالأصل المحكّم»[2].

وقد أبدع هذا التحقيق الذي أشار إليه الشيخ السبحاني، البطريق الحليّ[ت:600ھ/4/1203م]، حيث ذكرأن لفظ مولي يَصْدُقُ على معنى واحد فقط، وهو«الأولى» بالشيء لأنه يجمع جميع المعاني الأخرى، وأيضا مأخوذ في كل منها بنوع من العناية، بحيث لم يطلق لفظ المولى على شيء منها، إلا بمناسبة لهذا المعنى[3].

فمثلا: المالك أولى بكلاءة مماليكه، وأمرهم، والتصرف فيهم. والعبد أولى بالإنقياد لمولاه من غيره. والمعتِقَ(بالكسر) أولى بالتفضيل على من إعتقه من غيره. والمعتَقُ(بالفتح) أولى بأن يعْرِف جميل من إعتقه عليه، ويشكره. والصاحب أولى بأن يؤدى حقوق الصحبة من غيره.والقريب هو أولى بأمر القريبين منه، والدفاع عنهم، والسعى وراء صلاحهم. والجار أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلها من البُعَدَاْءِ.والحليف أولى بالنهوض بحفظ مَنْ حالفه، ودفع عادية الجور عنه. والإبن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له. والعم أولى بكلاءة ابن أخيه، والحنان عليه، وهو القائم مقام والده.والنزيل أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم، وأمِنَ من فى جوارهم. والشريك أولى برعاية حقوق الشركة، وحفظ صاحبه عن الإضرار.وابن الأخت أولى الناس بالخضوع لخاله الذى هو شقيق أُمه. والوَلِىُ أولى بأن يراعى مصالح الوَلّى عليه. والناصر أولى بالدفاع عمن إلتزم بنصرته. والرب أولى بخلقه، من أى قاهر عليهم. والمنعم،(بالكسر) أولى بالفضل على من أنعم عليه، وان يُتْبَعَ الحسنة بالحسنة. والمنعَمُ عليه أولى بشكر مُنْعِمِهِ من غيره. والمُحبُ أولى بالدفاع عمن أحبّه والتابع، أولى بمناصرة متبوعه، ممن لا يتبعه. والصهر أولى بأن يرعى حقوق من صاهره، فشدّ بهم أزره، وقوى أمره. [4]

هذا وأكدّ العلامة التفتازانى الأشعرى [ت:791ھ/792ھ/1388/1389 م] بأن دلالة لفظ المولى في الحديث هى: الأولى بالتصرف. فذكر أن لفظ «المولى» يطلق ويراد به المعتِق والمعتَق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والـولى بالتصرف.... لإن إستعمال المولى بمعنى: المتولى، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف، شائع فى كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنه إسم لهذا المعنى( المتولي، المالك للأمر، والأولى بالتصرف)، لا صفة بمنزلة الأولى، ليعترض بأنه ليس من صيغة إسم التفضيل، وأنه لا يستعمل إستعماله. ولهذا ينبغى أن يكون المراد به فى الحديث، هو هذا المعنى(الأولى بالتصرف)، ليطابق صدر الحديث؛ لأنه لاوجه للخمسة الأول(المعتِق، المعتقَ، الحليف، الجار، ابن العم،)، إذ هو ظاهر، ولا للسادس (أي الناصر) أيضا لظهوره وعدم إحتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله... إلى أن قال: ولا خفاء فى أن الولاية بالناس، والتولي، والمالكيّة لتدبير أمرهم، والتصرف فيهم، بمنزلة النبي، وهو بمعنى الإمامة[5]. إنتهى بتصرف.

إلا أن التفتازاني، لما وقف على الدلالة، دافع وجهة الأشاعرة بحجة أن الحديث لم ينقله المحققون من أهل الحديث«كالبخاري ومسلم والواقدي. وأكثر من رواه لم يرو المقدمة التي جعلت دليلا على أن المراد بالمولى الأولى. وبعد صحة الرواية فمؤخر الخبر، أعني قوله: "اللهم وال من والاه،" يشعر بأن المراد بالمولى هو الناصر والمحب، بل مجرد إحتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال. وما ذكروه(الإماميّة) من أن ذلك معلوم ظاهر من قوله تعالى:﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، لا يدفع الإحتمال لجواز أن يكون الغرض التنصيص على موالاته ونصرته ليكون أبعد عن التخصيص الذي تحتمله أكثر العمومات وليكون أقوى دلالة وأوفى بإفادة زيادة الشرف، حيث قرن بموالاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القدر من المحبة والنصرة لا يقتضي ثبوت الإمامة. وبعد تسليم الدلالة على الإمامة، فلا عبرة بخبر الواحد في مقابلة الإجماع، ولو سلم، فغايته الدلالة على إستحقاق الإمامة وثبوتها في المآل»[6].

هذا وقد أكد الشيخ سليم البشرى المالكيّ [ت1335 ھ/1916م]، في مناقشته مع العلامة عبد الحسين شرف الدين الموسوى [ت1377ھ/1957م]، في كتاب المراحعات دلالة لفظ المولي في الحديث بأنها دالة على الأولي حيث قال: «وقد حصحص الحق بما أشرت إليه من القرائن، فأنكشف قناع الشك عن محيا اليقين، ولم تبق لنا وقفة، في أن المراد من الولي والمولى في حديث الغدير، إنما هو الأولى، ولو كان المراد الناصر، أو نحو ذلك، ماسأل سائل بعذاب واقع، فرأيكم في المولى ثابت مسلم»[7].

ويظهر لي إن هذا التحقيق يكون حجة على الذين فسروا لفظ «المولى» في الحديث، بمعنى الناصر والمحبة، كالرازي وغيره من الأشاعرة، إذ لا يعقل أن يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة لمجرد إخبارهم بنصرة علي رضي الله عنه ومحبتة فقط، من غير أن يلتمس معنى آخر فيه.

وقد نقول: إن أقل ما نستفيد من هذا الحديث هو معنى العصمة، وذلك لتزكية النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر علي بن أبي طالب وباطنه بالطهارة.وهذا ما أشار إليه الباقلاني في تفسير الحديث، «من أن باطن علىّ وظاهره فى نصرة الدين والمؤمنين سواء، والقطع على سريرته وعلو رتبته. وليس يعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين بظاهره؛ لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طَلَبَ النفاقِ والسمعة وابتغاء الرّفدِ ومتاع الدنيا؛ فإذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن نصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو صلى الله، قطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة... ويحتمل أيصا، إن ولاءه ومجبته من ظاهره وباطنه واجب، كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب، فيكون قد أوجب موالاته على ظاهره وباطنه؛ ولسنا نوالي كل من ظهر منه الإيمان على هذا السبيل، بل إنما نوالي في الظاهر دون الباطن»[8].

وخلاصة القول، فإن تحقيق جدلية لفظ المولي فى الحديث بين الشيعة والأشاعرة، يظهر أنه من ألفاظ المجملة التى لا تظهر معناها إلا بِمُبَيِنْ، وهذا المبين هو لفظ «الأولى» المذكورة في صدر الحديث؛ لأنه إذا ذُكِر صدر الحديث لفظ أولى في حق النبي صلى لله عليه وسلم، وأستعْمِلَ في حق عليّ بلفظ مولى، فيُحْمَلُ به معني أولي، ليتطابق المعنيان. وأيضا، فأن حمله أولى، أليق في سياق مناسبة الحديث، وذلك لوروده في بيان منزلة علي بن أبي طالب في جمع حاشد غفير يربو على مأئة ألف صحابى، جمعه النبى صلى الله عليه في مكان[9].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................

[1]- الفيروزآبادي محمد بن يعقوب،القاموس المحيط، «الوَلْيُ»، دار إحياء التلااث العربي بيروت، لبنان، ط1/1412ھ/1991م، ج4/ص583.

[2] - السبحانى،الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، بقلم حسن محمد مكى العاملي، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، ط4/1417ھ، ج4/ص92-94.

[3]. المصدر السابق أنظر:السبحانى، ج4/ص92-94.

[4] - المصدر السابق،ج4/ص92-94.

[5] - التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام، دار المعارف النعمانية، باكستان،ط1/ 1401هـ / 1981م ج2/ص 290.

[6] - المصدر السابق، ج2/290.

[7] - الموسوى، عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، تحقيق، حسين الراضى، ط2/1982م ص280-281.

[8] - الباقلانى التمهيد، تحقيق، محمدو محمد الخضيرى، و محمد الهادى أبو ريده، دارالفكر العربى بيروت، لبنان،،ص 172-173.

[9] - الموسوي، عبد الحسين شرف الدين المراجعات، تحقيق، حسين الرضي الجمعية الإسلامية بيروت، لبنان،،ط2/1402ھ/1982م، ص267.

 

بدر الدين شيخ رشيدتعتبر ولاية العهد إحدى طرق إنعقاد الإمامة كما قرر بها الماوردى، حيث ذكر أن الإمامة تنعقد من وجهين، أحدهما: إختيار أهل الحل والعقد. والثانى: التعهد من الإمام السابق[1].

ولا خلاف بين العلماء على جواز ولاية العهد. بل نقل الماوردي الإجماع على ذلك، حيث أسند جوازها إلى أمرين:

(الأول): تعيين أبي بكر عمر بن الخطاب ليتولي العهد بعده، وأن المسلمين أثبتوا إمامته بعده.

(الثاني): تعيين عمر وعهده إلى أهل الشورى الستة، حيث قبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر إعتقادا لصحة العهد بها، وخرج باقى الصحابة منها، وقال عليّ للعباس رضوان الله عليهما، حين عاتبه على الدخول في الشورى، "كان أمرا عظيما من أمر الإسلام، لم أر لنفسي الخروج منه" فصار العهد بها إجماعا في إنعقاد الإمامة[2].

وأكد الجويني على جوازها فقال:« فأما أبوبكر رضي الله عنه فقد تواترت البيعة له يوم السقيفة، وكان عمر رضى الله عنه وليّ عهده [3].

إلا أن فكرة ولاية العهد تُضْعِفُ نظرية الأشاعرة المبنية بالإختيار، وتقوّي من جهة آخرى نظرية الإماميّة المبنيّة على النص. وذلك، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم، ترك الأمر للأمة ولم يوجد نص منه، فمن أين جاء الإستخلاف والتعهد من بعده!؟.

فإذا شَعُرَ أبو بكر أهمية الإستخلاف، ولم يتردد في ذلك كما تردد  فيها عمر فما مستند إستخلافه لعمر؟

وأيضا، إذا كانت عزيمة عمر عدم الإستخلاف، فمن أين جاءت النظرية القائلة: لا تترك أمر المسلمين بغير راع؟ حتى عيّن أخيرا ستة من  قربش يختار الإمام من بينهم

وإذا كان علي رضي الله عنه، ترك أمر الأمة  بدون تعيين، ثم إختار المسلمون الحسن، فمن أين جاء إستخلاف معاوية لابنه يزيد؟.

هذه الأسئلة، تشكل إشكاليّة كبيرة عند الأشاعرة القائلين بالإختيار وعدم النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أهملوا الشورى في الحكم، ثم حصروا إختيار الإمام في العصبية والشوكة والقوة.

إن مفهوم ولاية العهد- في مفهومه الصحيح- لا يغاير النص الذي تقول به الإمامية، ويقصد به التعيين، إما من الرسول أو من الإمام الذى قبله. ومن هنا نحد أن الأشاعرة وافقوا الإماميّة القول بالنص أى ولاية العهد أو الأستخلاف.

وذكر الإمام العضدي الإيجي الأشعري [ت:756ھ/1355م] أن الإمامة تثبت بالنص من الرسول، أو من  الإمام السابق بالإجماع، كما تثبت ببيعة أهل والعقد والحل خلافا للشيعة[4].

وقال الإمام الحلىّ الإماميّ: «تعقد الإمامة بالنص عندنا على ما سبق ولاتنعقد بالبيعة خلافا للعامة بأسرهم فإنهم أثبتوا إمامة أبي بكر بالبيعة ووافقوا على صحة الإنعقاد بالنص  لكنهم جوزوا إنعقادها بأمور: (أحدها): البيعة... (الثانى): إستخلاف الإمام الذى قبله وعهده إليه كما عهد أبو بكر إلى عمر.. الثالث القهر والغلبة والإستيلاء»[5].

إن ولاية العهد يقصد بها التعيين، وعلى هذا، يعتبر إستخلاف أبى بكر لعمر كان أوفق وأولى لاجتماع كلمة المسلمين من تعيين عمر في الشورى السداسيّ، حيث إنه لم يكن في الحقيقة ولاية عهد كما فعل أبوبكر، وأيضا لم يكن الشورى المطلق بين المسلمين[6].

ويؤيد ذلك، أن الإمام ابن حزم بعد ما ذكر طرق إثبات الإمامة، فضل ولاية العهد،  لكونها أضبط لأمر المسلمين من الفوضى والإضطراب، و تشتت الأراء، قائلا:« فوجدنا عقد الإمامة يصح من وجوه: أوّلها وأفضلها وأصحها، أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان، يختاره إماما بعد موته، وسواء فعل في ذلك في صحته، أو في مرضه أوعند موته، إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبوبكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز، وهذا هو الوجه الذى نختاره ونكرهه غيره، لما في هذا الوجه من إتصال الإمامة، وإنتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع مايتخوف من الإختلاف والشغب، مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن إنتثار الأمر وإرتفاع النفوس وحدوث الأطماع»[7].

إشكاليّة إنعقاد الإمامة بولاية العهد عند الأشاعرة:

الأشاعرة لم يتقيدوا بنظريّتهم المبنيّة على الإختيار، ولم يطوروا بها نظريا وتطبيقيا، كما طورت الإماميّة نظريّتهم المبنيّة على النّص والتعّهد من الرسول أو من الإمام . ولذا نجد أنّ نظرية الإختيار لم تجد أرضية مقبولة بعد السقيفة، حتى بادر أبوبكر رضي الله عنه تعيين عمر للإمامة بعده.

وعندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترك الأمر للأمة، واجه إلحاحا شديدا من قِبَلِ بعض الصحابة، بأن لا يترك أمر الأمة من دون تعيين. وفي مقدمتهم ابن عمر، وحفصة، وعائشة رضى الله عنهم. ففي صحيح مسلم: أن ابن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على حفصة فقالت: أعلمْتَ أن أباك غير مُسْتَخْلفٍ. قال: قلت ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه فى ذلك. فسكتُ حتى غدوت ولم أكلمه. قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك. زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع؟ فرعاية الناس أشد قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إليّ فقال: إن الله يحفظ دينه وإنى لا أستخلف؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد إستخلف، فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، وأنه غير مستخلف[8].

فالإشكالية تأتي هنا، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يستخلف كما صرح به عمر رضى الله  عنه نفسه، فلم ترك عمرُ فعلَ النبي صلى اله عليه وسلم، وتبع فعلَ أبى بكر رضى الله عنه؟.

لكن والذي  يظهر لي، أنّ الإستخلاف كان هو العزم الذي عزم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي فعله أبو بكر رضي الله عنه حينما عيّنه عمر.

ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن سعد من طريق عبد الله بن عبيد الله أنه قال: قال أناس لعمر: ألا تعهد؟ قال:أيّ ذلك آخذ أى الفعل والترك؟ قال: ابن منير: وهو مشكل، إلا أنه أجاب بأن دليل الترك يؤخذ من فعله صلى الله عليه وسلم واضح، ودليل الفعل يؤخذ من عزمه صلى الله عليه وسلم، والذي روته عائشة رضي الله عنها بلفظ« لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى  المتمنون ثم قلت، يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون»[9].

قال ابن منير: والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعزم إلا على جائز، ومن هنا يحمل إستخلاف عمر بناء على عزم النبي صلى الله الإستخلاف. وأيضا، فَهِمَ أبو بكر من عزمه صلى الله عليه وسلم  الجواز، فأستعمله واتفق الناس على قبوله.

قال ابن حجر: والذي يظهر أن عمر رجّح عنه الترك؛لأنه الذي وقع منه صلى الله عليه وسلم بخلاف العزم وهو يشبه عزمه صلى الله عليه وسلم على التمتع في الحج، وفعله الإفراد فرجح الإفراد[10].

قال ابن بطال:«إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكا متوسطا خشية الفتنة، فرأى الإستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فجعل الأمر معقودا على الستة لئلا يترك الإقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر،  فأخذ من فعل النبى صلى الله عليه وسلم طرفا، وهو ترك التعيين. ومن فعل أبى بكر طرفا، وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه»[11].

يلاحظ مما سبق تقريره أن عزيمة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت التعهد والإستخلاف. وهذه العزيمة هي التي جرى عليها رسم الحكم بعد أبي بكر، سواء قلنا: إن أصل تلك العزيمة دل عليه حديثُ عائشة الذي أشرنا إليه، أو إرادته صلى الله عليه وسلم  في كتابة الوصيّة التى أراد أن يكتب للصحابة عند وفاته صلى الله عليه وسلم حيث لم يتم بها.

وعلى أي حال، فالتعهد إلى شخص مستكملٍ للشروط هو الأوفق من القول بالإختيار وترك الأمر فوضى  بين المسلمين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] -، الماوردى، الأحكام السلطانية، تحقيق، خالد عبد اللطيف السّبع العلميّ ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط1/ 1410ھ/1990م، ص33.

[2] - المصدر السابق، ص 43.

[3] - الجوينى، الفياثى غياث الأمم فى التياث الظلم،  تحقيق، د/ عبد العظيم ديب، كلية الشريعة ، جامعة قطر، ط2/1401ھ/1981م ،ص 5 .

[4] -  الإيجي، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، لبنان،(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ص399.

[5] -  الحليّ ، تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر، مؤسسة آل البيت، لإحياء التراث، المطبعة ستارة،  قم، إيران، 1429ھ ج9/ص398-402.

[6] -  السبحاني، بحوث في الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامي، قم ، إيران، ط3/1417ھ، ج6/190-192.

[7] - ابن حزم، الملل الفصل فى الملل والأهواء والنحل، تحقيق، أحمد شمس الدين، دارالكتب العلمية، بيروت، لبنان،  ط2/1999م ج3/ص 97

[8] - النووى، شرح صحيح مسلم ، كتاب الإمارة   باب الإستخلاف وتركه، تحقيق، لجنة من العلماء بإشراف الناشر، وبمراجعة ، الشيخ خليل الميس،  دار القلم ، بيروت، لبنان، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ج11-12/ص447-448

[9] - ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، كتاب الأحكام، باب الإستخلاف،  دارإحياء التراث العربي، بيروت، لبنان ط4/1408ھ ، 1988م، ج13/175.

[10] - المصدر السابق،ج13/ص175.

[11] - المصدر السابق،ج13/176.

 

بليغ حمدي اسماعيلالتَّصَوُّفُ الإسْلامِيُّ فِي سُلْطَةِ مَجَازِهِ: يعد القرنان الرابع والخامس الهجريان عصر المصنفات الصوفية الكبرى والتي استطاعت أن ترسم طريق التصوف الإسلامي لعصور قادمة، وربما هذا العصر الذي يمكن توصيفه بالعصر الذهبي للتصوف في الإسلام قد واكب التفكك السياسي للدولة العباسية حتى أقر المؤرخون بأن سلطة الخليفة العباسي لم تتجاوز حكم وولاية بغداد، وهذا التفكك السياسي هو الذي أفقدها القدرة على السيطرة والتحكم في البلاد مما استحال الأمر عقب ذلك إلى تحول تلك البلدان إلى إمارات سياسية مستقلة عنها وبعيدة تمام البعد عن سيطرتها السياسية والعسكرية . ورغم هذا التفكك السلطوي للخلافة العباسية وانهيار الأنظمة السيادية آنذاك بفعل عوامل مختلفة منها ضعف الخلفاء العباسيين، وبزوغ الدولة الفاطمية، والهجمات الخارجية التي تعرضت لها الخلافة العباسية مثل الحملات الصليبية المتواترة، ومن بعدها الغارات المغولية لم تفقد الثقافة الإسلامية تماسكها المعرفي أو بريقها الاستثنائي، واستطاعت فتوحات الدولة العباسية رغم انهيارها بعد ذلك أن تفتح آفاقا جديدة للحراك الثقافي والشراك المعرفية مع ثقافات أخرى غير متماثلة، وفي ظل هذه الثورة الثقافية استطاع التصوف الإسلامي أن ينتقل من مرحلة الشيخ الصوفي الذي يهتم المريدون والمعارضون بأخباره وحكاياه وبعض قطوفه اللغوية القصيرة ومواقفه الشخصية مع العامة والأمراء على السواء، إلى مرحلة جديدة وفارقة في تاريخ التصوف وهي مرحلة تصنيف المؤلفات الكبيرة ذات التخصص، مما أمكن المتخصصون أن يطلقوا على هذين القرنين علم التصوف لكثرة التصنيفات والمؤلفات، ورأينا المصنفات الصوفية التي تجري في موضوع واحد وتقتصر على قضية واحدة بعينها بخلاف ما سبق من تصنيفات كانت تتناول موضوعات وقضايا شتى .

ويمكن توصيف هذه الحقبة الزمنية بأنها ثمة انتقال التصوف من مرحلة إبداع الكلمة والجملة والعبارة إلى مرحلة الخبرة الصوفية الواسعة والشاملة، وربما اتساع دائرة العلوم الإسلامية آنذاك وظهور عواصم عديدة للثقافة الإسلامية وانتشار العلوم الإسلامية وشيوع المدارس الدينية وفتح أبواب الاجتهاد الفقهي مع دعوات تجديد الفكر الديني هو الذي ساعد على ظهور علم التصوف في سلطة مجازه اللغوي . ومن أبرز هذه المصنفات التي راجت في عصر التصوف الذهبي معتمدة على سلطة المجاز كتاب (اللمع في التصوف) لأبي نصر السراج الطوسي، وكتاب (قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد) لأبي طالب المكي، وكتاب (الرسالة في علم التصوف) لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، وكتاب (ختم الأولياء) للحكيم الترمزي، وأخيرا كتاب (المواقف والمخاطبات) لعبد الجبار النفري . 

اِنْفِرَادُ المَشْهَدِ:

مِنْ جَمَالِيَّاتِ المواقف والمخاطبات لمحمد بن عبد الجبار النفري انتفاء سيرة ذاتية لشخصه وحياته وقلة الاهتمام التاريخي بتكوينه الصوفي وانعدام وجود ترجمة ذاتية تسطر حكايته وحكاياه، مما جعل كتابه المواقف والمخاطبات إرثا شرعيا لقارئه، ووطنا مشاعا للراغبين في النهل والاستئناس، وهذا ما جعل كتاب النفري سفرا استثنائيا مدهشا بخلاف كافة مصنفات المتصوفة، لأنه بلا سيرة ذاتية تقتنص فيمكن للقارئ والمريد والكاره أيضا أن يستقرئ المواقف والمخاطبات في ضوء هذه الإشارات المتضمنة بسيرته وحياته، وكم من مؤرخ وناقد ومتتبع لسير أقطاب التصوف في الإسلام استعان بسيرهم من أجل تفسير مضمون العاقبة لمصنفاتهم وسطورهم التي لا تزال خالدة الذكر والتداول .

ولحظات الاقتناص تلك تضطر القارئ دوما إلى التماس فرضيات القراءة، ومعالجة النص التراثي بآليات ومناهج نقدية معاصرة غير تاريخية، وعدم الاعتماد على أطر منهجية معتادة من أجل تحقيق الوصول إلى المنطق الداخلي الذي يحكم هذه النصوص الصوفية التي تكترث كثيرا بالترميز اللغوي والإشارات صعبة المراس والتأويل النقدي المباشر لها، وهذا يجعلنا نشير إلى السؤال المكرور حول النصوص التراثية الدينية وهو هل من منهج واحد لقراءة النص التراثي الديني ؟ الإجابة بالقطعية تفي وتشي بأن المنهج التاريخي النقدي هو الأقرب لتناول جملة كبيرة وعريضة من نصوص التراث، لكن في حالة المشهد الصوفي يبدو الأمر مغايرا، لجملة من الأسباب أيضا أبرزها طبيعة النص الصوفي الذي يتسم بالعمق الذي يبعده كثيرا عن التناول التاريخي القريب لشخصية الشيخ الصوفي وللعصر الذي يمثله أيضا، علاوة على أن النص الصوفي الواحد متعدد الشكل متنوع المضمون وهذا التنوع يجعله محصنا وبمنأى عن التناول النقدي المعتاد، بل يمكننا أن نرصد حالة نقدية صوب النصوص الصوفية، وهي أنه بقدر ما يحاول المؤرج أو الناقد لتحليل وتأويل النص الصوفي ساعيا في ذلك إلى خلق مساحات أوسع من الفهم والتلقي، بقدر ما يزيد هذا التناول غموضا عليه، فهو يضئ مساحات ويترك مساحات أخرى معتمة .

الملمح الآخر الذي يمكن رصده ونحن بصدد اقتناص المشهد الصوفي هو تحولات المعرفة داخل النص وتطورها، فبرغم أن النص الصوفي يبدو تراثيا بحكم موقعه الزمني، إلا أن المعاصرة والجدة والحداثة من أبرز سماته مما يجعل تداخلا بين موقفي الاتصال التراثي والمعاصر وهذا التداخل يشكل صعوبة لدى الناقد وهو يتناول نصا صوفيا بالغ الترميز . ولعل سمة التداخل هذه امتزجت فيها البلاغة التخييلية بالغاية التواصلية التداولية وهو الملمح الأكثر بروزا في المواقف والمخاطبات لاسيما المواقف التي تمثل مشهدا افتراضيا، يقول النفري: " يا عبد، اخرج من همك تخرج من حدك "، ويقول أيضا: " يا عبد، الوجد بما دوني سترة عن الوجد بي، وبحسب السترة عن الوجد عن الوجد بي تأخذ منك البدايات، كنت من أهلها أم لم تكن من أهلها " .

البَحْثُ عَنْ لَحْظَةِ اقْتِنَاصٍ:

أما إمامنا وشيخنا القطب عبد الجبار النفري يمثل صندوقا أسود لا يمكن العثور على حقيقة تاريخية بشأنه إنما بشأن سفره العظيم المواقف والمخاطبات، وكم من مستشرق أجنبي أرهق لهثا وبحثا وتنقيبا عن مَعْلَمٍ يمكن من خلاله العبور إلى وقفات النفري ومخاطباته، وجلَّ ما استطاعوا تسطيره عنه مثل ما أورده جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام)  أنه من مدينة (نَفَّر) وهي مدينة بابلية قديمة بالقرب من الكوفة، اسمها الأصلي (نيبور)، وكان فيها معبد (آكور)  الذي عُبِدَ به الرب إنليل المعروف  بسيد الهواء،  واستحالت المدينة بعد ذلك مركزاً للديانة المانوية، ثم المسيحية في القرن السابع الميلادي.  وكل ما وصل إلينا من حكايته شيئان فحسب، ما رواه الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني في شرحه للمواقف والمخطابات بأنه كان كثير السفر كثير الترحال في البراري، لا يسكن إلى إنسان، ولا يستوطن بمكان،مستوحشا المكان وربما الزمان أيضا، وهو شخصية تعتاد التخفي عن قصد، والابتعاد عن الأنظار متعمدا ذلك، ويروي عفيف الدين التلمساني أنه توفي بمصر المحروسة . أما الشئ الثاني الذي وصل إلينا واضحا جليا هو كتابه المواقف والمخطبات وهو رؤية للكون والأشياء من زوايا استثنائية تفوق كل المعارف الصوفية وكل البيان البلاغي البشري، والنفري هو صاحب المقولة الأشهر في تاريخ التصوف والتي رددها بعده مئات مئات المتصوفة وهي مقولة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

واجتهد المؤرخون العرب والمستشرقون على السواء في تحديد جملة من الأسباب التي أدت إلى غموض شخصية النفري، وغموض توقيت تصنيفه لكتاب المواقف والمخاطبات والذي اكتشفه المستشرق آرثر جون آربري في عام 1934 ميلادية، ومن هذه الأسباب أن عبد الجبار النفري عاصر محنة الحسين بن منصور الحلاج، تلك المحنة التي انتهت بقتله حتى صارت شخصيته بعد ذلك مصدرا أصيلا للإبداع الشعري والمسرحي واستحال هو نفسه أيقونة لحرية التعبير والإبداع، ويشير كثير من نقاد الأدب إلى أن نصوص الحلاج الصوفية هي المصدر الأصيل لما يعرف بقصيدة النثر المعاصرة، ولعل محنة الحلاج أجبرت كثيرين على الجنوح بعيدا عن المشهد الاجتماعي وحراكه خوفه من سوء الفهم وغضب الحكام ورجال الشريعة والخوف من تكفير الفقهاء  . لاسيما وأن بعضا من مواقف النفري تجعله ينال نفس مصير الحلاج إذ يقول في مواقفه: " وقال لي في خلافية التعرف، فوقفت فرأيته جهلا، ثم عرفت فرأيت الجهل في معرفته ولم أر المعرفة في الجهل به "، ويقول أيضا: " من علامات اليقين الثبات، ومن علامات الثبات الأمن في الروع " .

والسبب الثاني الذي دفع النفري إلى الاحتجاب وانعدام الظهور المجتمعي هو ما ذكره بعض المؤرخين عنه بأنه شيعي المذهب؛ وهو ما يبدو من خلال نصِّه الأخير في المواقف والمخاطبات الذي يشير فيه إلى الإمام المنتظر الذي يظهر وأصحابَه في آخر الزمان، بحسب الرواية الشيعية، والاعتقاد الشيعي بخصوص الإمام المنتظر متطابق مع مفردات النص النفَّري. لكنني حينما عدت إلى الموقف الأخير من مواقفه وجدته يتحدث عن (الكنف) وفيه تناول موضوعات سريعة كالقوة والوسائط، العلم والعمل، ولا توجد أية إشارة للتشيع حسبما وصف بذلك، أما في المخاطبة الأخيرة وهي بعنوان (مخاطبة وبشارة وإيذان الوقت)  وفيها يقول: " أوقفني وقال لي قل لليل ألا أصبح لن تعود من بعد لأنني أطلع الشمس من لدن غابت عن الأرض وأحبسها أن تسير وتحرق ماكان يستظل بك وينبت نباتا ماء فيه وأبدو من كل ناحية فأرعى البهائم نبتك ويطول نبتي ويحس وتتفتح عيونه ويروني واحتج فيكتبون حجتي بإيمانهم ويفرق الجبل الشاهق من قعره بعد أن كانت المياه في أعلاه وهو لايشرب وأخفض قعر الماء وامد الهاجرة ولا أعقبها بالزوال هنالك يجتمعون وأكفئ الأواني كلها وتري الطائر يسرح في وكره وترى المستريح يشتري السهر بالنوم ويفتدي الحرب بالدعة ". والحقيقة أن التشيع بغير ملمح واضح في كتاب المواقف والمخاطبات سوى أنها غارقة في العرفانية والذهنية المحضة .  

المَوَاقِفُ والمُخَاطَبَاتُ:

كما ذكرنا من قبل أن مصنف عبد الجبار النفري (المواقف والمخطابات) يستمد قوته ومكانته المعرفية والصوفية كون صاحبة بغير سيرة ذاتية كافية وشافية للمريد والمهموم بتاريخ التصوف في الإسلام، مما يجعل الكتاب نفسه هو الملمح الأهم والأبرز في حياة صاحبه، و هو ـ أي الكتاب ـ يعتبر بمثابة دليل ثقافي للتصوف ونموذج معرفي شديد الخصوصية الذهنية إذ يتطلب قدرا عاليا من التأويل ومن قبله رصد المشاهد المعرفية المتضمنة في المواقف، وربما أشار كثير من مؤرخي حركة التصوف إلى أن المواقف والمخاطبات مشروع جديد في التصوف الإسلامي قائم على المنحى الذهني المعرفي، وحاول كثيرون أن يربوا بين كتاب عبد الجبار النفري وبين كتاب الاعترافات لأوجستين واضع أول سيرة ذاتية في التاريخ .

وتبلغ ذروة بلاغة كتاب النفري في اختزال المشاهد والمواقف الإنسانية في أقوال وحكم، وهي بالقطعية تشاكل الضوء المضغوط المكثف الذي يستدعي نوعا خاصا من المراقبة دون غمض العين عنه . ومن أجمل التوصيف لمشاهدات النفري ومخاطباته الذهنية ما ذكره سكاتولين بأنه " كان صوفيا عميقا، بل عبقريا، مما يجعلنا نعتبره من أعمق المفكرين في الإسلام "، ولاشك أن القارئ للمواقف والمخاطبات يقف على ثمة حقائق بعينها يمكن رصدها الآن في ملامح، مثل المصالحة الرائعة مع ذاكرتي القلب والعقل معًا، ومحاولته البديعة في كسر الصمت الصوفي الطويل الذي لازم كثيرا من الصوفية، وربما استطاع النفري أن يرهقنا ذهنيا بمواقفه من خلال طرحنا نحن لأنفسنا عدة أمثلة لا تزال راهنة إلى يومنا الآني من مثل: هل امتلك النفري المعرفة وكنهها؟، وهل كتاب المواقف واقع يقر بألا نخاف من انفتاح القلب صوب العقل ؟، وهل ما طرحه النفري في كتابه مجرد تساؤلات استنفارية للعقل البشري أم هو تقرير لحالة البوح الصوفي؟ .

وفي كتاب المواقف والمخاطبات نجد النفري قسم مصنفه إلى موضوعات هي أشبه بالمحاورة وإن كانت أقرب إلى وضع تصور معرفي لبعض القضايا الإنسانية وقضايا أخرى تتعلق بغيب لا يقتنص، ومواضعات المواقف نفسها تشير بقوة إلى حضور الجانب المعرفي والمنحى العرفاني مثل مواقف " أنت معنى الكون "، " معرفة المعارف"، "الدلالة"، "البصيرة"، " وراء المواقف"، ونسرد موقف (أنت معنى الكون) الذي يقول فيه:

" أوقفني وقال لي أنت ثابت ومثبت فلا تنظر إلى ثبتك فمن نظرك إليك أتيت وقال لي أنظر إلى مثبتي ومثبتك تسلم لأنك تراني وتراك وإذا كنت في شيء غلبت.

وقال لي متى رأيت نفسك ثبتاً أو ثابتاً ولم ترني في الرؤية مثبتاً حجبت وجهي وأسفر لك وجهك فانظر إلى ماذا بدا لك وماذا توارى عنك.

وقال لي لا تنظر إلى الإبداء ولا إلى البادي فتضحك وتبكي وإذا ضحكت وبكيت فأنت منك لا مني.

وقال لي إن لم تجعل كل ما أبديت وأبديه وراء ظهرك لم تفلح فإن لم تفلح لم تجتمع علي.

وقال لي كن بيني وبين ما بدا ويبدو ولا تجعل بيني وبينك بدواً ولا إبداء.

وقال لي الأخبار التي أنت في عموم.

وقال لي أنت معنى الكون كله " .

إشْرَاقَاتُ النَّفَّرِيِّ:

إن اهتمام النفري في المواقف والمخاطبات بالماورائية تعد إراقات تمهيدية للمريد بحثا عن طبيعة التصوف الإسلامي وصولا إلى غايته، لذلك لم يلجأ النفري في كتابه إلى انزياحات معرفية سابقة أو مبررات لتعبيراته بخلاف ما قام به محي الدين بن عربي في بعض مصنفاته التي قام بعمل شروح قصيرة لها خوفا من قصر الفهم وسوئه . لكن الكتاب في مجمله والذي يمتاز بلغة رمزية شديدة الترميز والتلميح بغير تصريح أو استطراد في الشرح يحتاج إلى قارئ مثالي يجيد آليات التأويل ويعتبر نفسه أمام نص أجنبي وليس عربيا فيستحيل بذلك مترجما فنيا وليس حرفيا له، مع محاولة اجتيار اللغة النصية المباشرة اجتيازا إلى لغة أخرى غير بائنة بسبب ثراء اللغة الرمزية المتوافرة بكتاب المواقف للنفري .

ولم تكن الكتابة عند النفري مسألة اختيار، هذا ما يدفعنا إلى تبني حقيقة مفادها أن اعتماد عبد الجبار النفري على التكثيف اللغوي والرمزية الاستثنائية والتراكيب اللغوية البيانية الأقرب للومضات الكاشفة لأسرار النفس هو توجه عن غير قصد للكتابة تأكيدا لمقولته البارزة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

وتنتمي مواقف النفري إلى فكرة الحجاب الموجودة لدى الصوفيين وهي في اصطلاح الصوفية كما أشار الجرجاني في كتابه (التعريفات)  بأنها تعني كل ما يستر المطلوب، وهو عندهم انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق . أما الغزالي في كتابه (روضة الطالبين وعمدة السالكين)  فيرى أن كل ما سوى الحق تعالى إنما هو حجاب عنه، ويقول نصاً: " ولولا ظلمة الكون لظهر نور الغيب، ولولا فتنة النفس لارتفعت الحجب، ولولا العوائق لانكشفت الحقائق، ولولا العلل ابرزت القدرة، ولولا الطمع لرسخت المحبة، ولولا حظ باق لأحرق الأرواح الاشتياق " . ومن هذه الزاوية، زاوية الحجاب والاحتجاب يمكن فهم مواقف النفري ومخاطباته كلها، وهو في استخدامه لفكرة الحجاب لا يخرج عن مسالك محددة تشير إلى معانٍ متعددة للحجاب مثل الشيخ المريد، والسالك الصادق، وبمعنى الحجب، وبمعنى الستر، يقول النفري في مواقفه:

وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء .

وقال لي: نَمْ لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لتراك، فإنك لا تراني .

وقال لي: كل واقف عارف، وليس كل عارف واقف .

وقال لي: فإن العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها.

وقال لي: المعرفة نارٌ تأكل المحبة .

وقال لي: من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل .

أما ما يتعلق بمشاهد الغيب يقول النفري في مواقفه عن النعيم والجحيم:

" قال لي ما الجنة، قلت وصف من أوصاف التنعيم، قال ما التنعيم، قلت وصف من أوصاف اللطف، قال ما اللطف، قلت وصف من أوصاف الرحمة، قال ما الرحمة، قلت وصف من أوصاف الكرم.

 قال ما الكرم، قلت وصف من أوصاف العطف، قال ما العطف، قلت وصف من أوصاف الود، قال ما الود، قال وصف من أوصاف الحب، قال ما الحب، قلت وصف من أوصاف الرضا.

 قال ما الرضا، قلت وصف من أوصاف الاصطفاء، قال ما الاصطفاء، قلت وصف من أوصاف النظر، قال ما النظر، قلت وصف من أوصاف الذات، قال ما الذات، قلت أنت الله، قال قلت الحق، قلت أنت قولتني، قال لترى نعمتي.

مَشَاهِدٌ مِنْ مُخَاطَبَاتِ النَّفَّرِيِّ:

تمثل المخاطبات التي أوردها عبد الجبار النفري في كتابه ذروة بيانه الصوفي وإن تعمد الرمزية وترميز نصه بإشارات لا يمكن فهم كننها إلا بدراسة عميقة لواقع التداول اللغوي آنذاك، كذلك بدراسة المشهد الاجتماعي المشتمل على الفكر الديني والفقهي والملامح السياسية وحراك المجتمع الذي بالظنية قد يلقي بظلال على تلك الطروحات الصوفية التي سرها النفري في مخاطباته الروحية . ومن مخاطبات النفري:

" يا عبد اجعلنى صاحب سرك أكن صاحب علانيتك "

" ياعبد اجعلنى صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك "

" يا عبد اجعلنى صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك "

" يا عبد لا تيأس منى فتبرئ منك ذمتى"

" يا عبد كيف تيأس منى وفى قلبك متحدثى "

" يا عبد أنا كهف التائبين وإلى ملجأ الخاطئين "

" يا عبد أنا السند الذى لا يسلم و أنا السيد الذى لا يظلم "

" يا عبد اصبر لى يوما أكفك غلبة الأيام"

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

منى زيتونلم يعرف المسلمون المذاهب الفرعية في الفقه قبل القرن الثاني الهجري؛ حيث كان مسلمو القرن الأول يأتسون بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم، وقل ما يسألونه إن لم يتبين لهم الحكم، فلم يسألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، وكذا كانوا يسألون أمراءه على البلاد، ثم بعد وفاة النبي صاروا يسألون الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، ثم الصحابة عامة، ثم كبار التابعين ممن صحبوا الصحابة وتتلمذوا عليهم، وكان عامة الناس يسألون الأقرب إليهم مكانًا ومن يظهر لهم علمه دون التقيد بقول واحد.

ثم تكونت وتبلورت مذاهب فقهية كثيرة في القرون الهجرية الأولى. كان أشهر المذاهب المنسوبة لأئمة أهل السنة مذهبي الإمام أبي حنيفة والإمام سفيان الثوري بالكوفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس بالمدينة، ومذهبي الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد بمصر، ومذهبي الإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي ثور ببغداد، ومذهب الإمام الأوزاعي بالشام، ومذهب الإمام سفيان بن عيينة بمكة، ومذهب الإمام إسحاق بن راهويه بنيسابور، وغيرها، إلا أنه بعد قصر الظاهر بيبرس تعيين القضاة من المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، صارت هذه المذاهب هي المذاهب التي عليها أهل السُنة في كافة الأمصار منذ أن حُصر التقليد فيها وإلى عصرنا الحاضر. ولم يعد لباقي المذاهب أتباع بين الناس، واقتصرت المعرفة بفقه أصحابها على علماء أهل السُنة، كما تعددت مذاهب الشيعة وأشهرها الجعفرية والزيدية.

وكانت هناك ظروف أحاطت بكل إمام من أئمة المذاهب الأربعة ساعدت على نشر مذهبه حتى قبل قرار بيبرس، فأبو حنيفة استقطب تلاميذ كُثر أشهرهم القاضي أبو يوسف الذي تولى منصب القضاء للخلفاء المهدي والهادي والرشيد، وكان يختار القضاة من المذهب الحنفي، فسعى طلبة العلم في العراق وغيرها للانتساب للمذهب الحنفي طمعًا في ولاية القضاء وعلو الشأن. وكان للحظوة التي نالها الإمام مالك عند المنصور حتى نادى المنادي في الناس (لا يُفتينَّ أحد ومالك بالمدينة)، وعزمه على نسخ الموطأ وبعث نسخه للأمصار، ثم الحظوة للإمام لدى الخلفاء من بعده سببًا في انتشار مذهب الإمام مالك في المدينة، وكان الإمام الشافعي من تلاميذ الإمام مالك ولمّا كان بمصر كان يُكثر من الثناء عليه، كما نزل ضيفًا في مصر على عبد الله بن عبد الحكم وكانت له مكانة بين المالكية، لذا احتفى به المالكية هناك، ما ساعد على نشر مذهب الشافعي. أما الإمام أحمد بن حنبل فقد صبر وتجلد وضُرب في محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق ما أعلى مكانته بين الناس، ثم تحولت الخلافة إلى المتوكل الذي كان على عكس المأمون ضد كل أفكار المعتزلة، فأكرم الإمام أحمد ولم يعد يتخوف أحد من اتباع مذهبه. وإن كان مذهبه قد تكون بعد وفاته بعقود، وبه كثير مما لا تصح نسبته إليه.

ويمكن ملاحظة أن الانغلاق الفكري قد أصاب الأمة تدريجيًا، فأبو حنيفة هو أول ‏الأئمة الأربعة ونجده أكثرهم انفتاحًا من حيث الطريقة والمحتوى. يقول عنه الإمام أبو زُهرة في "تاريخ المذاهب الإسلامية" (ص337): "كانت طريقة أبي حنيفة في درسه تشبه طريقة سُقراط في محاوراته، فهو لا يُلقي الدرس إلقاء، ولكن يعرض المسألة من المسائل التي تعرض له على تلاميذه، ويُبين الأسس التي تُبنى عليها أحكامها، فيتجادلون معه، وكل يدلي برأيه، وقد ينتصفون منه ويعارضونه في اجتهاده، وقد يتصايحون عليه حتى يعلو ضجيجهم، وبعد أن يُقلب النظر من كل نواحيه يُدلي هو بالرأي الذي أنتجته المحاورات، ويكون ما انتهى إليه هو القول الفصل، فيُقرّه الجميع، ويرضونه"أهـ. كان الإمام أبو حنيفة منطقيًا في تشريعاته يدور مع مقاصد الشارع فإن انتفت الشبهة انتفت ‏التهمة، مثلًا في عقود الإشهار كالزواج أباح شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول بعكس ‏عموم القاعدة بعدم جواز ذلك، واستخدامه للمنطق ومراعاة المقصد في تقرير آرائه الفقهية دفع كثير من ‏الجهلاء لزندقته والافتئات عليه قديمًا وحديثًا بأنه يخالف الشرع وهم لا يسوون غرزة في نعله.‏

ويلي الإمام أبا حنيفة في الانفتاح والسماحة طريقةً ومحتوى، الإمام مالك ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد بن ‏حنبل. إنه ليس مجرد ترتيب زمني بل ترتيب يُعبر عن التطور السلبي الذي طرأ على طريقة ‏تفكير الأمة، ومع ذلك فهؤلاء الأئمة كلهم كان فيهم خير. يكفي أن أحدهم كان لا يخشى أن ‏يخالف من سبقه ويجرؤ على التفكير بشكل جديد فيما يعرض أمامه من مسائل. لذا كان لدينا ‏علم فقه رصين له قيمة لا زلنا نستفيد مما قرره فقهاؤه الأُول في معاملاتنا إلى يومنا هذا.‏

وكان آخر المذاهب ظهورًا هو المذهب الحنبلي، وهو أكثرها تشددًا، لكن أشد الانغلاق الذي حل هو غلق الآراء الفقهية على أصحاب المذاهب التي تكونت، وشيوع التقليد، بحيث يُلزَم كل شخص برأي الإمام الذي هو على مذهبه، ما أدى لإغلاق باب الاجتهاد المطلق في جميع مسائل العبادات والمعاملات، فلا قول يعلو على أقوال أصحاب المذاهب.

يحكي لنا الولي الدهلوي في "الإنصاف" (ص68-69) كيف تدرج الناس في الانتساب إلى المذاهب، فيقول: "اعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله، كما يظهر من التتبع، بل كان الناس على درجتين: العلماء والعامة، وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يُقلِّدون إلا صاحب الشرع. يقول الدهلوي: قال ابن الهمام في آخر التحرير: "كانوا يستفتون مرة واحدًا، ومرة غيره، غير ملتزمين مفتيًا واحدًا"أهـ. وأقول: يشذ عما حكاه الدهلوي، سُنة أهل بغداد في القرن الرابع، حيث أجمعوا على التقليد الخالص لما شاع عندهم أنه مذهب أحمد بن حنبل.

ومع تتابع القرون، وزيادة العلماء، تفاوتت طبقاتهم، والأشهر أن طبقات العلماء في الفقه تتفاوت، فهناك المجتهدون، وهناك المقلدون، وكل جماعة تتفاوت فيما بينهم، فأما المجتهدون؛ فهناك المجتهدون مطلقًا (المستقلون وهم الأئمة الكبار أصحاب المذاهب كأبي حنيفة ومالك والشافعي، والمنتسبون لهم غير المستقلين عن مذاهبهم)، كما أن هناك طبقة من المجتهدين في المسائل في المذهب الواحد. وأما المقلدون فتتفاوت طبقاتهم إلى (أصحاب التخريج- أصحاب الترجيح- القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف- من لا يُفرِّقون بين الغث والسمين).

ويوضح الدهلوي (ص74) أنه بناء على ما قرره العلماء، فالاجتهاد المُطلق نوعان:

- اجتهاد مطلق مستقل: وقد فُقِد من رأس الأربعمائة، فلم يمكن وجوده.

- اجتهاد مطلق منتسب غير مستقل: وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، ولا يجوز انقطاعه شرعًا لأنه فرض كفاية، ومتى قصّر أهل عصر حتى تركوه أثموا كلهم وعصوا بأسرهم.

ويُقسم الدهلوي الخاصة من العلماء إلى مجتهد مطلق (مستقل- غير مستقل)، ومجتهد في البعض. قال (ص70): "وبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم، وقلّ من كان لا يعتمد على مذهب مجتهد بعينه"أهـ. وقد قسمهم الدهلوي إلى:

- المجتهد المطلق المنتسب غير المستقل: أي المنتسب إلى صاحب مذهب في الجملة. من أهل التخريج والترجيح، فله اختيار وترجيح يُخالف الراجح في مذهب الإمام الذي ينتسب إليه.

- المجتهد في المذهب: لا يصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وقد يوجد له استدراكات على إمامه بالكتاب والسُنة وآثار السلف والقياس، لكنها قليلة بالنسبة إلى موافقاته.

ونخلص إلى أنه وحتى قرون متأخرة نوعًا لم يكن الاجتهاد قد أُغلِق بابه نهائيًا، ولكن كان الغالب التقليد، لكن أصبح يُحصر من وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق ضمن المذهب الفقهي الأقرب له الذي كان عليه قبل أن يجتهد، ويُنسب إليه. سواء حصره أصحاب المذهب أو حصر هو نفسه، رغم اعترافهم أنه أعلى من أن يكون مجتهدًا في المذهب. وللإمام السيوطي كتاب عن (نصرة المجتهدين).

ومن أشهر من حصروهم ونسبوهم إلى مذهب إمامهم رغم وصولهم رتبة الاجتهاد المطلق، من متقدميّ الحنفية أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة، وقد انقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد المائة الثالثة، ومن متقدميّ الشافعية ممن يُعدّون مجتهدين مطلقين منتسبين في مذهب الشافعي، الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري، وإمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة، وغيرهم ممن عدّوهم في أصحاب الشافعي. يقول التاج السبكي في "طبقات الشافعية" (ج3، ص102) "قلتُ: –أي السبكي-: المحمدون الأربعة محمد بن نصر ومحمد بن جرير –يعني الطبري- وابن خزيمة وابن المنذر من أصحابنا، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي، المخرِّجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه، لوفاق اجتهادهم اجتهاده، بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخلص كالشيخ أبي علي وغيره أنهم وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم فتبعوه ونسبوا إليه لا أنهم مقلدون، فما ظنك بهؤلاء الأربعة فإنهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم فى كثير من المسائل فلم يخرجوا فى الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنهم فى أحزاب الشافعية معدودون، وعلى أصوله فى الأغلب مخرجون، وبطريقه متهذبون، وبمذهبه متمذهبون"أهـ. مع ذلك ينفي السبكي (ص127) إدخال ما خالفوا فيه باجتهادهم في المذهب. يقول: "لأن المحمدين الأربعة ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر، وإن كانوا من أصحابنا، فربما ذهبوا باجتهادهم المطلق إلى مذاهب خارجة عن المذهب، فلا نعد تلك المذاهب من مذهبنا، بل سبيلها سبيل من خالف إمامه فى شيء من المتأخرين أو المتقدمين"أهـ. ويؤكد السبكي على ذلك مرات كثيرة في ترجمة الطبري، منها قوله: "إنه وإن كان مجتهدًا مطلقًا معدود من أصحابنا"أهـ.

ولكن الدهلوي في (الإنصاف) (ص75) يقول عن الطبري: "أما من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق المستقل، فإنه يخرج بذلك عن كونه شافعيًا، ولا تُنقل أقواله في كُتب المذهب، ولا أعلم أحدًا بلغ هذه الرتبة من الأصحاب إلا أبا جعفر بن جرير الطبري، فإنه كان شافعيًا ثم استقل بمذهب"أهـ. وأقول: قد كان المذهب الجريري مذهبًا فقهيًا متبِّعًا بالفعل في وقت من الأوقات، ولكنه درس بعد أن حُصرِت المذاهب الفقهية في الأربعة المتبوعة، وضم متأخرو الشافعية الطبري إليهم، واعتبروه من أصحابهم.

ومن الشافعية أيضًا ممن وصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق المنتسب، في طبقة تالية، إمام الحرمين الجويني والإمام الغزالي، أما من متأخري الشافعية، فأشهرهم: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام العز بن عبد السلام، والإمام تقي الدين السُبكي، والإمام البُلقيني. يقول التاج السبكي في ترجمة والده الفقيه المجتهد تقي الدين السبكي (ج10، ص153) "أحيا إمامة الشافعي، بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في علياء رتبه، وقام بالاحتجاج لإمام بني المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب وإقامة الحجة في سبب تقديمه"أهـ. ويصف الصفدي التقي السُبكي في (أعلام العصر) (ج3، ص418) بـ "أوحد المجتهدين"، حيث كانت تُكتب تلك الكلمة للسبكي على أحكامه القضائية –ليس هو من يكتبها-. ومع ذلك نرى الصفدي ينظم الشعر في سعد الإمام الشافعي أن يُعد التقي السُبكي من أصحابه.

وورد في (الإنصاف) للدهلوي (ص73) عن سبب عدم استقلال السُبكي بالاجتهاد المطلق بعيدًا عن نسبته إلى الشافعي "قال الولي أبو زرعة: قلت مرة لشيخنا الإمام البُلقيني: ما تقصير الشيخ تقي الدين السُبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّد؟ قال أبو زرعة: ولم أذكره هو –أي شيخه البلقيني- استحياء منه، لِما أردتُ أن أرتِّب على ذلك، فسكت البلقيني، فقلتُ -أي أبو زرعة-: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قُدِّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك لم ينله شيء من ذلك، وحُرِم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونُسب إليه البدعة، فتبسم –أي البلقيني- ووافقني على ذلك"أهـ. ويُعقب الدهلوي قائلًا: "أما أنا فلا أعتقد أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه، حاشا منصبهم العليّ على ذلك، وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب. هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم، وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك، كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك؟! ونسبة البُلقيني إلي موافقته على ذلك"أهـ.

وأقول إن ما دوّنه التاج السُبكي في ترجمة الإمام الطبري، يوضح أن سبب عدم إعلان أبيه التقي السُبكي الانفلات من المذهب ليس المناصب كما ظن أبو زُرعة والبُلقيني، بل ربما هو يرى أن التمذهب ديانة، وأن في هذا تضييق لهوة الخلافات بين المسلمين، خاصة بعد أن حُصِرت المذاهب السُنية في أربعة مذاهب منذ عهد الظاهر بيبرس، خاصة وأن تمذهبه لم يمنعه من الاجتهاد في مسائل. وقد تولى السُبكي قضاء الشافعية لأنه بالأساس شافعي مع مخالفته له في نحو مائة مسألة، وحتى من نازع في أن السُبكي إنما وصل لرتبة الاجتهاد في المذهب (الشافعي) وليس الاجتهاد المطلق، فإن هذا لا ينفي اجتهاده، وهو على كل حال رأي ضعيف لم يقل به إلا قلة.

ويشرح الدهلوي في (الإنصاف) (ص93-94) الأسباب التي أدت بعد ذلك إلى أن دبّ التقليد في صدور العلماء والعوام. يقول: كان سبب ذلك:

- تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فإنهم لمّا وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى، كان كل من أفتى بشيء نُوقض في فتواه، ورُدّ عليه، فلم ينقطع الكلام إلا بالمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة.

- جور القضاة، فإن القضاة لمّا جار أكثرهم ولم يكونوا أمناء، لم يُقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئًا قد قيل من قبل.

- جهل رءوس الناس، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ولا بطريق التخريج، وهذا ظاهر في أكثر المتأخرين، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا.

ويختم الدهلوي كلامه فيقول: "وفي ذلك الوقت ثبتوا على التعصب"أهـ.

وقد كان من أشد المتضايقين من هذا الوضع الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، المتوفي سنة 456هـ، فصنّف الباب السادس والثلاثين في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" تحت عنوان "في إبطال التقليد"، وناقش فيه دعاوى المقلدين وأورد الروايات الكثيرة للرد عليهم. والملاحظ أنه كان يتكلم تحديدًا عن تقليد الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي دون غيرهم، ولم يأت على سيرة باقي الأئمة أصحاب المذاهب كالإمام أحمد وأبي ثور وكبار أصحاب أبي حنيفة ومالك إلا مرات معدودة، ما يدل على أن تلك المذاهب الفقهية الثلاثة كانت الغالبة لدى الناس حتى قبل إصدار الظاهر بيبرس لقراره الشهير بتخصيصها –إضافة للمذهب الحنبلي- ليكون القضاة من بين علمائها.

وأورد هنا بعضًا مما أورده ابن حزم. يقول:

- وليعلم من قرأ كتابنا أن هذه البدعة العظيمة -نعني التقليد- إنما حدثت في الناس وابتديء بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة، وبعد أزيد من مائة عام وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن قط في الإسلام قبل الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدًا على هذه البدعة، ولا وجد فيهم رجل يقلد عالمًا بعينه فيتبع أقواله في الفُتيا فيأخذ بها ولا يُخالف شيئًا منها.

- قال أبو محمد: وهذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه، كالذي يفعل مقلدو مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ فإنهم إنما يأخذون من الحِجاج ما وافق مذهبهم وإن كان خبرًا موضوعًا أو شغبًا فاسدًا، ويتركون ما خالفه وإن كان نص قرآن أو خبرًا مسندًا من نقل الثقات.

- والعجب أنهم ينسون التقليد ويقولون إن المقلد عاص لله، ويقولون لا يجوز أن يؤخذ من أحد ما قامت عليه حجة، ويقولون ليس أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، ثم إنهم مع هذا لا يفارقون قول صاحبهم بوجه من الوجوه.

- ويكفي من هذا أن كل ما ذكرنا من الفقهاء الذين قُلدوا مبطلون التقليد، ناهون عنه، مانعون منه، مخبرون أن فاعله على باطل. وقد حدثنا حمام عن الباجي عن أسلم القاضي عن المازني عن الشافعي أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره.

- هذا وهم يقرون أن الفقهاء الذين قلدوا مبطلون للتقليد وأنهم قد نهوا أصحابهم عن تقليدهم، وكان أشدهم في ذلك الشافعي فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار والأخذ بما أوجبته الحجة حيث لم يبلغ غيره، وتبرأ من يقلد جملة، وأعلن بذلك نفعه الله به وأعظم أجره، فلقد كان سببًا إلى خير كثير. فمن أسوأ حالًا ممن يعتقد أن التقليد ضلال، وأن التقليد هو اعتقاد القول قبل اعتقاد دليله، ثم هم لا يفارقون في شيء من دينهم، وهذا مع ما فيه من المخالفة لله عز وجل، ففيه من نقص العقل والتمييز عظيم. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة، فكل شيء بيده لا إله إلا هو.

- وقد حدثنا أحمد بن عمر العذري...... حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ونأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: صح عندهم قول عمر، قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون.

- وقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي من أتانا بخير منه قبلناه منه".

- ثم إنا نقول إن العجب ليطول ممن اختار أخذ أقوال إنسان بعينه لم يصحبه من الله عز وجل معجزة، ولا ظهرت عليه آية، ولا شهد الله له بالعصمة عن الخطأ ولا بالولاية، وأعجب من ذلك إن كان من التابعين فمن دونهم.

- فليت شعري كيف قصرت عقولكم عن فهم ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به، واتسعت عقولكم للفهم عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وما أمركم الله تعالى قط بالسماع منهم خاصة دون سائر العلماء، ولا ضمن لكم ربكم تعالى قط العون على فهم كلامهم كما ضمن لكم في فهم كلامه إنه لا يكلفكم إلا وسعكم.

وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص469) ‏"وقد فرّق أحمد بين التقليد والاتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخيَّر. وقال أيضًا: لا تُقلدني ولا تُقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا"أهـ.

وقال السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص8): "بذل أئمة المذاهب الأربعة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم، ويقولون: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، وصرّحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح؛ لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يُقلَّدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله. إلا أن الناس بعدهم فترت هممهم، وضعفت عزائمهم، وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويُعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أُوتي من قوة في نُصرته، ويُنزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يُفتي في مسألة بما يُخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يُخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واُعتبر كل من يخرج، عن أقوال الفقهاء مبتدعًا لا يُوثق بأقواله، ولا يُعتد بفتاواه. وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب، والانصراف، عن الاجتهاد، محافظة على الأرزاق التي رُتّبت لهم!!"أهـ.

وأورد ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (‏1887) "قال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يُقلد". هذا، وقال ابن عبد البر: ولم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا".

وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (ج3، ص453): "والمصنفِّون في السُنة، جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبين زلة العالِم؛ ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالِم قد يزلّ ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمّه كل عالم على وجه الأرض، وحرّموه، وذمّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلّ فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، ويُشرّعون ما لم يشرّع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منفية عمن قلّدوه، فالخطأ واقع منهم ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "اتقوا زلّة العالم، وانتظروا فيئته". ومن المعلوم أنّ المخوفّ من زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخف من زلة العالم على غيره"أهـ.

وغير ذلك من الأقوال الكثير مما قاله أصحاب الأئمة عن أئمتهم، وما سرده العلماء من أدلة، كأمثال ما رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، وابن القيم في "إعلام الموقعين"، والتي تؤكد بطلان التقليد وعدم جواز التعبد بمذهب معين. أما اتِّباع رأي ثبت عليه حجة فمسوغ في الشرع، على ألا يكون الحامل على الأخذ به والتعصب له أنه قول فلان صاحب المذهب الذي أُقلده.

لكن للدهلوي حكم في (الإنصاف) عن تقليد العوام لإمام بعينه، فيرى أنه قد يكون واجبًا، وقد لا يكون واجبًا. يذكر (ص79) "إذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر، وليس هناك عالم شافعي، ولا مالكي، ولا حنبلي، ولا كتاب من كتب هذه المذاهب، وجب عليه أن يُقلِد لمذهب أبي حنيفة، ويحرم عليه أن يخرج من مذهبه، لأنه حينئذ يخلع ربقة الشريعة ويبقى سُدى مهملًا، بخلاف ما إذا كان في الحرمين، فإنه متيسر له هناك معرفة جميع المذاهب، ولا يكفيه أن يأخذ بالظن من غير ثقة، ولا أن يأخذ من ألسنة العوام، ولا أن يأخذ من كتاب غير مشهور"أهـ. ولا شك أنها حالة خاصة لا يصح تعميم حكمها.

وجاء في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص983) (‏1874) عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تغد إمعة فيما بين ذلك"، وعنه قال: "كنا نعد الإمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحْقِب دينه الرجال"أهـ. قال المحقق: قال ابن الأثير في "النهاية" (ج1، ص412): "الذي يُقلد دينه لكل أحد، أي يجعل دينه تابعًا لدين غيره بلا حجة ولا برهان ولا رويّة". وروى ابن عبد البرّ أيضًا في (جامع بيان العلم وفضله) (ج2، ص984) (1878) وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي: "الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق"أهـ. جعلني الله وإياكم من المتعلمين على سبيل النجاة، وأبعدنا عن أن نكون من جملة الهمج الرِعاع.

وأقول: فماذا لو رأى أئمتنا ما آل إليه الحال من انعدام الاجتهاد في عصرنا إلا فيما ندر، مع وجود مستحدثات كثيرة تستوجب من الفقهاء الإفتاء فيها، ولكن اقتصر اجتهادهم على البحث عما يشابهها في فتاوى أئمة المذاهب، وقصُرت رتبة معظمهم أن يجتهدوا فيها اجتهادًا يوفق بين نصوص الشريعة ومقاصدها وظروف العصر؟!

وأقول أيضًا: إن كتب التاريخ والتراجم قد حفظت لنا من الروايات الكثير التي تؤكد أن كبار أئمة المذاهب كانوا يأخذون في أحايين بآراء أئمة المذاهب الأخرى، ولا مجال هنا لسرد بعض تلك الروايات، ولكنّا انتقلنا إلى عصور صار العوام ممن لا يفهمون الأدلة التي بُنيت عليها الأحكام يتعصبون أكثر من الأئمة الذين قرروا الأحكام بأنفسهم!!؛ إذ أن الجانب الأهم للموضوع، هو تأثيرات ذلك التقليد والتعصب المذهبي على الأمة الإسلامية ككل؛ حيث أصبح رافدًا دائمًا للخلافات ومنبعًا للتطرف بين مذاهب أهل السنة، وبينهم وبين الشيعة. وصدق ربيعة بن أبي عبد الرحمن "ربيعة الرأي" الفقيه المشهور، فيما حكاه عنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج2، ص989) (1885) قال: "الناس عند علمائهم كالصِبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا"أهـ.‏

يقول السيد سابق في "فقه السُنة" (ج1، ص9): ‏"كان من آثار ذلك التقليد أن اختلفت الأمة شيعًا وأحزابًا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي –خطأ واضح، والصحيح الحنفي بالشافعية-، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأنها تشك في إيمانها –تقول: مؤمنة إن شاء الله، فاعتبره بعض المتهوكين شكًا-، وقال آخرون: يصح قياسًا على الذمية، كما كان من آثار ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السُنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري، وضياع الاستقلال العلمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الإسلام. مرت سُنون، وانقضت القرون، وفي كل حين يبعث الله لهذه الأمة من يُجدد لها دينها، ويوقظها من سُباتها، ويوجهها الوجهة الصالحة، إلا أنها لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه، أو أشد مما كانت"أهـ.

ودائمًا نجد ارتباطًا بين التطرف والتقليد، حتى أن المتطرفين يغيرون في المصطلح ليوافق رغباتهم في التقليد والالتزام بمذهبهم وإن خالف الجمهور. يقول عبد الله الجبرين في مقدمة تحقيقه لشرح الزركشي الحنبلي على مختصر الخرقي (ص40): "وبالجملة فنحن لا نُلزم بما في هذا الكتاب لكونه قول الإمام أحمد، كما لا نقول بالتقيد بما في كتب الحنابلة، كالمحرر والمقنع والعمدة والهداية ونحوها، لكن لمّا كان هذا الشرح الذي بين أيدينا يعتني بإيراد الأدلة الشرعية وذكر التوجيهات وما يرجح به كل قول وما له أو عليه، ويناقش ما يرد عليها من اعتراضات وأجوبة ضعيفة، أصبحت له هذه الميزة الشريفة، مما يكون مرجحًا له على الكثير من المؤلفات في هذا المذهب وغيره، فإن الواجب على المكلف إذا لم يكن معه أهلية وقدرة على معرفة كل قول بدليله من الكتاب والسنة أن يرجع إلى أهل العلم أو مؤلفاتهم التي تعتني بالأدلة والأصول الشرعية، وليس هذا تقليدًا، فإن التقليد المذموم هو التقيد بقول شخص بعينه، لا يخرج عنه في التحليل والتحريم بغير دليل، أما هذا فهو اقتداء بمن يحتج بالأدلة الشرعية"أهـ. فهل باقي الأئمة يحللون ويحرمون بغير دليل؟! وكما نرى فالخاتمة تناقض ما بدأ به، وليس هذا بغريب عليهم.

 

د. منى زيتون

 

بدر الدين شيخ رشيدبدأ سيد قطب حياته السياسية مع حزب الوفد، وهو حزب ذو أغلبية شعبية أسسه سعد زغلول وسمي بهذا الاسم أخذا من حادثة الوفد من الزعماء المصريين الذين اجتمعوا بزعماء الإنجليز وفاوضهم بشأن استقلال مصر وكان هذا بعد ثورة( 1919م).

وسبب انتمائه لحزب الوفد منذ مطلع شبابه هو إقامته عند خاله أحمد حسين عثمان الذي كان وفديّا ثم تعرّف سيد قطب العقاد، وأُعْجِبَ به وبمكتبته، وكان وفديّا، وكان انتماء سيد قطب لحزب الوفد  في مرحلة دراسته المتوسطة، واستمر بها أثناء  دراسته الجامعية في كلية دار العلوم، وبقي سيد قطب مع الوفد ما يزيد على سبعة عشر عاما، إلى أن وقع حادث فبراير( 1942 م)، حيث تقدم السفير البريطاني في القاهرة بإنذار شديد إلى الملك فاروق، وطلب منه بإقالة رئيس الوزراء، وبالتالي أمره أن يعهد إلى مصطفي النحاس بتشكيل وزارة جديدة .

وكان سيد قطب من أول الساخطين الناقمين على الحزب وعلى زعيمه النحاس فتخلى عن الحزب، فشكل بعض الزعماء المنشقين عن حزب الوفد حزب الطليعة الوفدية، أو حزب السعديين نسبة إلى سعد زغلول مؤسس حزب الوفد، فانضم سيد قطب إلى الحزب الجديد، وبقي سيد مع حزب السعديين حتى عام ( 1945م ) وبعدها تخلى عن الأحزاب كلها[1].

محطات سيد قطب مع رجال  الثورة:

الأول:  التخطيط الإخواني المسبّق:

تشير بعض الدراسات إلى أن الإخوان المسلمين هم الذين خططوا للثورة، يقول الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي: «أجمع المؤرخون من الإخوان المسلمين – ومعهم المنصفون من المؤرخين المحايدين- على التخطيط الإخواني المسبق للثورة المصرية وأن هذا التخطيط بدأ في الأربعينيات»[2].

كما تشير مذكرات عبد المنعم عبد الرؤوف من أن الأخ محمود لبيب، كان وكيل الإخوان للشؤون العسكرية وأنه تعرف عليه، والتقى به بعد تخرج عبد الرؤوف ضابطا من الكلية الحربية،  وقد كان عبد الرؤوف مواظبا على حضور حديث الثلاثاء الذي يلقيه الإمام الشهيد حسن البنا في المركز العام للإخوان المسلمين، ثم صار يدعو معه ضباطا آخرين لحضور الحديث،كان في مقدمته النقيب جمال عبد الناصر حسين، وكان هذا في شهر أكتوبر عام ( 1942م)،  وهكذا، تم تشكيل أول أسرة  إخوانية للضباط، مكونة من سبعة من ضباط الإخوان المسلمين عام ( 1944م)،  وكان نقيب الأسرة هو الصاغ محمود لبيب، والأعضاء هم: عبد المنعم عبد الرؤوف، جمال عبد الناصر، كمال الدين حسين، حسين أحمد حمودة، سعد توفيق، صلاح خليفة، وخالد محي الدين، ثم تبعتها الأسر  الإخوانية.[3].

وهناك أخبار مكثفة تشير إلى أن جمال عبد الناصر كان من الإخوان، وإذا ثبت هذا، فمعناه أن الثورة انبثقت من رحم فكرة الإخوان، تقول استشهاد ابنة حسن البنا:«إن جمال عبد الناصر كان من الإخوان.. وبايع الوالد.. والمكتب الذى شهد البيعة لا يزال موجودًا بمنزل عمى عبد الرحمن بالقاهرة، ولو كان ينطق لشهد بذلك.. وقد رثى والدى بعد استشهاده، وحضر على قبره هو والسادات وزكريا محي الدين، بعد ثورة يوليو 1952»[4].

الثاني: جهود سيد قطب في التمهيد للثورة:

مهّد سيد قطب للثورة من خلال مقالاته،حيث تفرغ بعد العودة من أمركيا بالتركيز على  الجانب الاصلاحي الاجتماعي، والسياسي الإسلامي، وانطلق من الإسلام في دعوته الإصلاحية ومحاربته المظاهر والأوضاع الشائعة في المجتمع، وقد حارب سيد قطب في مقالاته، قبيل الثورة مظاهر الفساد والانحراف في الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، كما هاجم المسؤولين عن الفساد، وبخاصة القصر الملكي، وحاشية الملك، ورجالات الأحزاب، وكبار الرأسماليين والإقطاعيين، ونجوم الانحلال من الفنانين والفنانات، ورجال الإنجليز وعملاء الفرنسيين والأمريكيين وغيرهم[5].

الثالث: تأثر ضباط الجيش بسيد قطب:

تأثر ضباط الجيش الوطنيون الراغبون في الإصلاح والتغيير بمقالات سيد الإصلاحية الثورية التغييرية، وكانوا يقرؤون ما يكتبه سيد قطب، من كتب ومقالات، وكان عشرات من الضباط الوطنيين  منضمين إلى تنظيم الضباط الأحرار، وطلبت قيادة التنظيم السرية بزعامة عبد الناصر من الضباط قراءة مقالات سيد والتثقف بكتبه الفكرية الإسلامية، وكان كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، من أوائل الكتب التي كان الضباط الأحرار يتدارسونها في لقاءاتهم السرية.[6]

الرابع: سيد قطب مع قيادة الثورة قبل قيامها:

كان ضباط الثورة لهم صلة وثيقة بسيد قطب حيث كانوا يجتمعون في منزله في حلوان للمشاورة به في الإعداد للثورة ويدرسون معه وسائل نجاحها، ويدل على ذلك رواية سليمان فياض في مقاله« سيد قطب بين النقد الأدبي وجاهلية القرن العشرين»، حيث زار سيدا في بيته في حلوان بعد قيام الثورة، وينقل الحوار بينه وبين سيد قطب في حديقة  المنزل فيقول:« سألته عن رأيه في هذه الثورة،  ابتسم وقال لي:«هنا تحت هذه الشجرة كان الضباط الأحرار يعقدون بعض إجتماعهم معي في فترة التمهيد للثورة»[7].

غير أنه افترق مع رجال الثورة في شأن هيئة التحرير حيث تباينت نظرتهم حول منهج تكوينها، فبعد ذلك توثقت صلته بجماعة الإخوان باعتبارها«حقلا صالحا للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلها بحركة احياء وبعث شامل، وهي الحركة التي ليس لها في نظري بدليل يكافئها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية الاستعمارية التي كنت قد عرفت عنها الكثير خاصة في فترة وجودي في أمريكيا»[8].

انضمام سيد قطب  إلى الإخوان:

بدأ سيد قطب، صراعه السياسي الإسلامي المرير بعد انضماه إلى الإخوان المسلمين، فسيد قطب، لم يجد ما يرنو إليه في الثورة، بل رآها أنها انحرفت عن نهجها الصحيح، فهو ذكر في كتابه« لما ذا أعدموني» تاريخ صراعه السياسي من تاريخ الانضمام(1953 -1962م)، فبين أنه لم يكن يعرف من الإخوان إلا القليل إلى أن سافر إلى أمركيا، عام (1948م)، في بعثة وزارة المعارف، وقد قتل أثناء إقامته في أمريكا الإمام حسن البنا(1949م(، وقد لفت نظره ما أبدته الصحف الأمريكية، والإنجليزية من اهتمام بالغ بالإخوان ومن شماتة وراحة واضحة في حل جماعتهم، وضربها، وقتل مرشدها[9].

ومن هنا عرف سيد قطب ضالته التي كان طالما بحث عنها، فعرف أن الإخوان المسلمين هم الإتجاه الصحيح الذي يمثل الدور الأصلح للمجتمع الإسلامي في العصرالحاضر، ولهذا، عزم الإنضمام إليهم، وبالتالي تحمل المتاعب التي  تواجهه  إزاء هذا العمل.

هذا، وقد انضم إلى الاخوان بالفعل عام (1953م)، ورحبوا بانضماه إليهم، ثم تولى القيام  بالأمور الثقافية لقسم نشر الدعوة ودرس الثلاثاء والجريدة التي عمل بها، كرئيس لتحريرها وكتابة بعض الرسائل الشهرية للثقافة الإسلامية، أما الأعمال الحركية كلها فقد ظل بعيدا  عنها[10].

ثم حدث بعد انضماه إلى الإخوان في عام (1954م)، ما يعرف بحادثة المنشية في مدينة  الإسكندرية بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر الفاشلة، فاتهم الرئيس الإخوان بتدبيرها، وهو ما ينفيه سيد قطب والإخوان، ويرى سيد قطب أنها مدبرة من الخارج وخاصة من أمريكيا، من خلال جمعية الفلاح التي كان يترأسها الدكتور أحمد حسين وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة الوفد، ويعتقد سيد قطب أن الجمعية أسست من قبل أمريكيا؛لأن الدكتور أحمد حسين سافر إلى أمريكا، عام (1951م)، وعاد منها مستقيلاً من الوزارة، ثم أسس «جمعية الفلاح »، وفي مقدمة أهدافها تحقيق العدالة الاجتماعية للفلاحين والعمال، وهللت الصحافة الأمريكية للجمعية بصورة كشفت عن طبيعة العلاقة بين الجمعية والسياسة الأمريكية في المنطقة، وانضم إلى هذه الجمعية رجال كُثُرْ، منهم: الدكتور محمد صلاح الدين وزير الخارجية في وزارة الوفد، والدكتور عبد الرزاق السنهوري وزير المعارف في وزارة السعديين ورئيس مجلس الدولة، والشيخ الباقوري[11].

ويعتقد سيد قطب أن الأستاذ فؤاد جلال- كان وزيراً في أول وزارة برئاسة الرئيس السابق محمد نجيب، كما كان عضوا في الجمعيّة- هو الذي غذّي الخلاف بين رجال الثورة والإخوان المسلمين، وضخّم المخاوف منهم، حيث كان يستغل ثقة الرئيس جمال عبد الناصر به، ويبث هذه الأفكار في مناسبات كثيرة ولم يكن يخفيها عن سيد قطب؛ لأنه كان يرى أنه مقرب من رجال الثورة وموضع ثقة بهم[12].

كان نشاط سيد قطب ضد الحكومة قويا منذ أن انضم إلى الإخوان المسلمين عام (1952م).  وقد لقي سيد قطب اعتقالات عديدة قبل أن يحكم بالإعدام، حيث كان أولها في مطلع عام( 1954م)، وقد شمل هذا الاعتقال آلاف الإخوان، من بينهم المرشد العام حسن الهضيميّ، وذلك بحجة ما نسب إلى الإخوان بأنهم قاموا بأعمال خطيرة تفرق الأمة وتهدد الأمن كما نسب لهم الاتصال بالإنجليز والتآمر ضد الوطن[13].

ونظم الإخوان مظاهرات ضخمة حاشدة تطلب من عبد الناصر الإفراج عن جميع الإخون  المعتقلين، ونفذ عبد الناصر مطالب الإخوان حيث أفرج عن جميع المعتقلين من الإخوان بما فيهم المرشد العام وسيد قطب[14].

أقبل الإخوان على دعوتهم وعملهم بعد الإفراج في شهر مارس، وزادت أعمال سيد قطب حيث أصدر في جريدة الإخوان التي كان يشرف عليها سيد قطب،«رسائل إسلامية».

و لما زادت شقة الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر صار الإخوان يصدرون نشرات سرية يوردون فيها الأخبار السرية لتلك الخلافات مع عبد الناصر ويسجلون فيها الكثير من التحليلات، وكان لسيد قطب دور كبير في كتابة تلك التحليلات.

وقد استمر سيد قطب في عمله هذا، حتى كانت حادثة المنشية في عام (26-10-1954م)،  حيث أذيع في الساعة الثامنة من مساء هذا اليوم أن عبد الناصر قد نجا من محاولة الاغتيال، حيث كان يخطب في دار هيئة التحرير في المنشية في الإسكندرية، ونسب المؤامرة إلى الإخوان المسلمين، وقامت الحكومة بحملة مسعورة ألقي فيها القبض على الآلاف من الإخوان المسلمين، وكان من بينهم سيد قطب، وبإدخاله في السجن تكون قد بدأت محنته الحقيقية التي صاحبته حتى استشهاده والتي أكمل باقي حياته فيها[15].

وقد حكمت محكمة الشعب من الثالث عشر من تموز سنة ( 1955م ) عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما مع الأعمال الشاقة، وكان الحكم غيابيا  لعدم استطاعته حضور الجلسة من جراء ما أصابته من إعياء ومرض وتعذيب، وقد قدر الله لسيد قطب أن يعيش في مستشفي السجن حوالى تسع سنوات[16].

وفي سنة ( 1964م)، تعرض سيد قطب لانهيار حاد جديد في صحته، استدعى نقله مرة ثالثة إلى مستشفى المنيل الجامعي، لكن هذه المرة لم ينقل إلى المستشفي، بل أخرج منه إفراجا صحيا، لهذا خرج سيد قطب من سجنه بعفو صحي بعد إصابته بالذبحة الصدرية مع قائمة من الأمراض الأخرى في الكلى والمعدة والأمعاء[17].

لقي سيد قطب الاعتقال الثالث وهو الذي قضى نحبه في سبيل الله، وعند ما قبض سيد قطب، وقع على الإخوان ما يعرف بمذبحة الإخوان عام ( 1965 م)،  وسبب اعتقال سيد في هذه المرة هو اعتقال أخيه محمد قطب في( 29، أو 30 يوليو 1965م)، فقدّم سيد قطب رسالة احتجاج  إلى المباحث العامة برئاسة الضابط أحمد راسخ، والتي حملها ابن أخته رفْعَتْ بَكْرِ، حيث احتج فيها سيد قطب على طريقة اعتقال محمد، وكون أهله لا يعرفون مكان اعتقاله، فقارن احتجاجه بين اعتقال الحكومة لمحمد قطب وبين اعتقال المحكمة البريطانية للفيلسوف الإنجليزي »برتراند رسل«، لَمّا عارض سياستها حيث كان أهله يعرفون مكانه[18].

وفي ليلة الإثنين(9-8-1965م)، داهمت المباحث منزل سيد قطب في رأس البر قبل الفجر وألقت القبض عليه، وساقته إلى السجن الحربي، حيث بقي فيه في التعذيب، والتحقيق، والمحاكمة إلى أن تم إعدامه بعد سنة من هذا الإعتقال[19].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

.................................

[1] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الإستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص177.

[2] - المصدر السابق،ص، 287.

[3] - المصدر السابق، ص،287-288.

[4] -  استشهاد حسن البنا، عبد الناصر بايع والدي، ومكتب عمي يشهد بذلك، (  تاريخ النشر،  15-7-2012م)، أنظر الرابط:

http://almesryoon.com/permalink/16803.html

[5] - صلاح عبد الفتاح الخالدي، سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا،  ط2/1994م، ص298.

[6] - المصدر السابق،ص298.

[7] - المصدر السابق،ص299.

[8] - سيد  قطب، لما ذا أعدومني، (PDF) تقديم، هشام محمد علي حافظ، (بدون تاريخ الطبع والناشر)،ص4.

[9] - المصدر السابق،ص5-6.

[10] - المصدر السابق،ص6.

[11] - المصدر السابق،ص7.

[12] - المصدر السابق،ص7.

[13] - صلاح عبد الفتاح الخالدي،  سيد قطب من القرية إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2/1994م، ص345.

[14] - المصدر السابق، ص346.

[15] - المصدر السابق، ص347.

[16] -المصدر السابق، ص361

[17] - المصدر السابق، ص363.

[18] - المصدر السابق، ص418.

[19] - المصدر السابق، ص419.

 

سامح عسكر حين قرأت في القرآن قوله تعالى.."وقالت اليهود عزير بن الله"..قلت أكيد سنجد هذا الكلام في التوراة، ولكن بعد تصفح وعرض وسؤال سنوات لم أجد هذا القول منهم في العهد القديم، وكان الرد مباشرة، ربما قيل ذلك في زمن النبي من مجموعة يهودية لم تكن بالقوة المناسبة لفرض عقائدها على اليهود وبالتالي تدوين آرائهم كرسائل وشفرات مقدسة، أو قالوها شفويا ولم تدون في الكتب ويدعم ذلك نص الآية.."ذلك قولهم بأفواههم"

وبالبحث عن الموقف المسيحي من هذا القول – عزير ابن الله- المنسوب لليهود لا نجد له أثر لا في الإنجيل ولا الرسائل أو أي كنيسة ، وهذه قرينة أن ذلك القول المنسوب إنما قيل شفهيا ومن طائفة/ جماعة محدودة على عهد النبي، حتى دعاوى قتل الأنبياء يقول اليهود أنه كان سلوك المرتدين منهم إلى عبادة الإله الشامي.."بعل"..وسُمّوا في العبرية بأبناء.."البعليم"..وأشهرهم الملك آخاب زوج إيزابيلا..وفي سفر الملوك الأول شهادة لذلك.." إذ قتلوا الكثير من أنبياء الرب إلى أن صدهم النبي العظيم إيليا (سفر الملوك الأول إصحاح 21) وأيضا.." كاد اليهود من أبناء البعليم أن يقتلوا أرميا النبي والقوه في جب الطين ليموت"..( ارميا 6:38)

أما لماذا ألصق القرآن بهم تهمة قتل الأنبياء فالتفسير الوحيد أنهم حتى لو كانوا مرتدين فهم من بني إسرائيل، والخطاب القرآني لم يُفصّل تلك الحوادث أو يحدد ماهية المسئولين عنها بوضوح.

لم يبق أمامي سوى دعاوى التحريف في حق أهل الكتاب فوجدت رأيين، الأول يقول أن كتب التوراة والإنجيل محرفة (لفظيا) الثاني يقول هي مُحرفة (معنويا) أي بالمعنى، بينما القول الأول يلزمه إثبات الأصل كشرط أساسي لثبوت التحريف بهذا الشكل، وأحسب أن هذا لم يحدث وفوق استطاعة بشر على الأقل حتى الآن، الثاني له وجاهته العلمية ..فقد طال ذلك حتى القرآن باستحداث علوم الناسخ والمنسوخ وفرض آراء وأحاديث الأئمة على الكتاب.

التوحيد في الأديان الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) هو عقيدة راسخة، لكن في رأيي أن ظهور فلسفات اللاهوت وعلم الكلام حرف هذا التوحيد عن مقصده ، فنجد مثلا في الإنجيل يقول يوحنا [ 17: 3 وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] وفي النص دليل قاطع على عبودية الجميع لله وأن المسيح مُرسل، لكن في اللاهوت لا نجد ذلك المعنى بل ظهرت أقانيم ثلاث وتعني ثلاثة حالات يتجلى بهم الرب الخالق (الأوحد) للبشر هم الآب والإبن والروح القدس، وفي ذلك خلاف عظيم بين المسيحيين أنفسهم ابتداء بالنساطرة والأريوسيين وصولا للنصارى وشهود يهوه.

 

ومنذ أسابيع طرحت الفارق بين النصارى والمسيحيين في مقالي.."أضواء على المسيحية"..أنقل فيه ركن النصارى بالحرف:

أما الأبيونية: فهي طائفة يهودية انشقت عن المسيحيين، وظلت تجمع بين اليهودية والمسيحية، يُطلق عليها أحيانا (النصرانية) ويسميها المسيحيون (بالناصرية) غير أن هناك خلاف حول إذا ما كانوا فرقة واحدة أم اثنين، لكن طبيعتهم واحدة وهي القول بأن المسيح بشر مرسل من عند الله وليس إلها، ولهذا الأصل ظهرت حركات استشراقية أوروبية تتهم الإسلام أنه حركة نصرانية بالأصل اتفقت تعاليمه مع كل تعاليم النصرانية القديمة، وأن القرآن نصراني بالأساس..من هؤلاء دان جيبسون وباتريشيا كرون ولوكسمبرح، فضلا عن طائفة كبيرة من مسيحيي فرنسا تجتهد الآن لإثبات نفس النتيجة.

أما مسيحيي اليوم واستنتاج الفرق بينهم وبين النصارى فبقراءة كتاب الكاهن المصري.."يسي منصور"..رسالة التثليث والتوحيد يظهر الفارق، أن المسيحي يقول بتوحيد حقيقي وعبادة إله واحد بجوهر واحد، لكن تجلى للناس في ثلاثة أقانيم أي حالات سبق ذكرها ويختصرها المسيحي في عقيدتي (الثالوث والتجسد) فبالثالوث جمع الله صفاته، وبالتجسد ضحى الرب بأغلى أبنائه لتكفير خطية آدم، والتضحية بالأغلى منطقيا تمثل أعلى درجات التضحية التي يُفهم منها حب الله الغير محدود للبشر.

أما المسيح كلمة الله فهو الأقنوم الثاني منبثق من الآب الأقنوم الأول ضمن الثالوث الأقدس، ولحل إشكال الصلب عقليا قالوا بالناسوت واللاهوت، أي بطبيعتين للمسيح إلهية وأخرى بشرية لا تظهر أعراض البشر فيه إلا وقالوا بغلبة الناسوت، ولو رأوا أعراض القدرة – كالمعجزات- قالوا بغلبة اللاهوت، وفي تقديري هذا لب الإشكال التوحيدي بين المسيحية وخصومها منشأه في مجامع نيقية وخلقدونية من القرنين الثالث إلى الخامس الميلادي، فمنذ هذا التاريخ تقررت عقائد المسيحيين وصارت إلى هذا الشكل الذي يفترق مع المسلمين بالذات في جوهر الدين التوحيدي.

لكن في المقابل ورغم ادعاء المسلمين توحيدهم الخالص النقي لكن شابت أعمالهم وفتاوى كهنتهم سلوكيات يُفهم منها عبودية لمحمد، وتناقضات منها قتل شاتم الرسول والإعراض عن شاتم الله، وتفسير كلمتي (الله ورسوله) الواردة في عشرات الآيات على أنها إقرار إلهي بقدسية الرسول ووجوب تشريعه الخاص فيما اشتق منه بعد ذلك مفهوم السنة والأحاديث، التي قيل فيها هي الأخرى مصدرا ثانيا للتشريع ووحيا ثانيا أنزله الله مكتوبا بأقلام الأئمة، وهذا هو معنى تحريف القرآن بنسخ آياته لصالح أقوال وأحاديث الأئمة.

ومن ذلك جعل المسلمون النبي محمد جالسا على العرش الإلهي، وبالاستقراء وجمع تقليدهم للنبي في حركاته وسكناته وألفاظه وشفراته يتضح أن النبي ليس مجرد رسول في الإسلام إنما هو إله، ومن ذلك اتهمت طائفة القرآنيين – منكرة الأحاديث- بقية الشيوخ بتأليه النبي وسموهم (بالمحمديين) ووجدوا تأويلا مناسبا لإلحاق الرسول بالله في عشرات الآيات أنه خطاب المنادي والأمر لمجاميع الصحابة، وليس خطابا أو أمرا لبقية البشر في كل زمان ومكان، فما الضامن أولا على صدق الخبر عنه وثانيا إثبات أن الرسول له وظيفة التبليغ فحسب مصداقا لقوله تعالى.." ما على الرسول إلا البلاغ "..[المائدة : 99]..ووظائف أخرى منها الشهادة والتحذير والتبشير.." يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا".. [الأحزاب : 45]..ووظيفة أخيرة هي البيان.." وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه"..[النحل : 64]

ومختصر ذلك أن النص الإسلامي قال بالتوحيد فعلا لكن فتاوى وأحاديث الأئمة قالت بالتعدد، وهي مشكلة طالت كتب السابقين..ربما الأمر له علاقة بالأنثربولوجي وكيفية تعاطي الإنسان مع المقدس، فالملاحظ أن كل الديانات تعرضت لنفس الأمر حتى الفراعنة والسومريين وحركات الإصلاح الدينية – أشهرهم إخناتون – بغض النظر عن الصراع بين التوحيد والتعدد وحكمة وفلسفة كل منهم ..هذا شأن آخر، وأحسب أن هناك مدافعين عن التعدد عقليا وأن تحكم إله واحد في الكون هو نوع من العنصرية والأحادية الفكرية..وأولئك لم أجهد نفسي بالرد عليهم أو فهم دوافعهم فالمشكلة التي يعاني منها العالم الآن ليست تعدد وتوحيد بل إرهاب ناتج عن قيم عدوانية لا إنسانية تشجع الكراهية والتطرف..وهذا المبحث للتقريب وتصور أفضل للأديان المنسوبة لإبراهيم.

أشير لجانب آخر في اليهودية أنها لاعتبارات تاريخية تتعلق بنسل إبراهيم تحولت إلى (سلالة) أكثر منها عقيدة، فالدخول في بني إسرائيل عمليا هو دخول في اليهودية، ومن هذا الجانب اختفى تقريبا السلوك التبشيري عند اليهود، فهم لا يجهدون أنفسهم كالمسيحيين والمسلمين في التبشير ونشر دينهم، وقد تسبب ذلك في انخفاض أعدادهم حتى صاروا أقل أديان العالم كثافة بشرية، ومن هنا تم تعريف اليهودي اجتماعيا أنه من يولد لأم يهودية حفظا للجينات الوراثية المتصلة بإسرائيل، حتى لو كان ملحدا فهو محسوب على اليهودية نسبا.

كذلك ففي اليهودية أصل اجتماعي وهو .."الختان"..كشرط لرضاء الرب يقطعوا جزء من الأعضاء التناسلية في الذكور والإناث، ربما انخفضت أعداد المختونين للإناث نتيجة للحملة العالمية ضده، لكن ختان الذكور شائع لديهم بالضبط كالمسلمين.

يمكن هذين الأصلين (النسب والختان) هو ما يحدد قيمة اليهودي اجتماعيا ودينيا، لذلك فمسائل التوحيد لديهم في تقديري لم تعد تشغل اهتماما عاليا لدى مثقفي اليهود، ولا يُشغلون أنفسهم بالرد على المسلمين كما فعل المسيحيين خصوصا مسيحيو الشرق، وفي علوم النفس أن السكوت عن دفع الاتهام يعززه، لذا ومن كثرة اتهام المسلمين لليهود بالشرك وعدم التوحيد ثم عكوف اليهود عن الرد ..نقله من مجرد اتهام إلى حقيقة مؤكدة لا تشوبها شائبة انتشرت في مجتمعات المسلمين كالهشيم، وحين يُعرض هذا القول على اليهودي يستغربه..فهو لا يؤمن بآلهة أخرى غير.."يهوه"..في التوراة، حتى أن ذكر يهوه في العهد القديم أكثر من 6 آلاف مرة كإله واحد لم يشفع لديهم لتبرئتهم.

قلنا أن خرق التوحيد في الأديان الثلاث جاء من طريق واحد هو.."تقديس الكهنة"..وطبيعي عندما حدث مع اليهود سجله القرآن كملمح اعتراض بقوله تعالى.." اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله "..[التوبة : 31]..وكأنها إشارة إلى أن دوام نزول الوحي إلى القرن الواحد والعشرين كان ينقل النص إلى.."اتخذوا شيوخهم أربابا من دون الله"..في اتهام للمسلمين واضح بارتكاب نفس الخطأ وتقليد كل آفات أهل الكتاب بالحرف.

كذلك فالصيرورة الاجتماعية تنقل الشعوب من حال إلى حال، فلا يصح تصوير العرب وبني إسرائيل الآن بصورتهم قبل 1000 عام، فالعرب الآن أغنياء ساعدهم النفط على ترك وسائل رزقهم القديمة كالرعي والإغارة والنهب..صحيح يوجد بعض منهم الآن ..حتى أن الوازع الأخلاقي القديم لم ينته بالكلية..لكن هم اختلفوا بشكل جذري حتى صاروا يتعلمون الفلسفة في السعودية، نفس الحال لبني إسرائيل وأحفادهم من اليهود والمسيحيين اختلفوا أيضا وصارت بعض آيات القرآن التي تتحدث عن نقض الإسرائيليين للعهود وخيانتهم أمر غير واقعي.

فإسرائيل الآن ملتزمة مع مصر باتفاقية سلام لم تخرقها منذ 40 عاما، واقتصادهم أصبح من أقوى اقتصاديات الشرق الأوسط..بعيدا عن قدرتهم ونظامهم التعليمي وتقدمهم..لا يمكن النظر لهذا الوضع خارج أخلاقيات الالتزام بالعهود..وهي صفة أصيلة في المجتمع المتمدن، لذلك فقوله تعالى.." أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم"..[البقرة : 100]..لا ينطبق على كل اليهود أو بالأحرى على السلالة، بل يُقصد به جماعة/ طائفة محدودة فعلت هذا الإثم في مجتمع المدينة.

يقول..جوزيف كاير"..في كتابة.."حكمة الأديان الحية"..أن الالتزام بالوصايا العشر للنبي موسى يعتبر ركنا (أخلاقيا) مهما لدى اليهود، حتى يمكن القول أن اليهودي لا يوصف بالأخلاق إلا بها، والكتاب من أكثر الكتب موضوعية ودقة في بحوث مقارنات الأديان، وفي رأيي أن الأمر ليس على إطلاقه فهم احتلوا أرض فلسطين وقتلوا شعبها باعتقاد ديني، وعصوا أمر النبي موسى بحرمة القتل ضمن الوصايا، وبالاستقراء رأينا أن كثيرا من اليهود يعارض ذلك القتل سواء من وجهات نظر أخلاقية كالحقوقيين لديهم أو عقدية كجماعة .."ناتولي كاردا"..لذا فالأخلاق عند اليهود ستظل معضلة وجانب تشويه للديانة ما داموا يحتلون فلسطين ويقتلون شعبها.

والعرض الأخلاقي لأصحاب الديانات مهم فهو يكشف تصورهم للتوحيد وحجم تسامحهم الديني وقدرتهم على الإيمان بالتعايش، فالتوحيد قد يمثل معضلة إذا رأى المتدين إلهه إقصائيا متوحشا كإله السلفية والإخوان..أما إذا رآه عدلا رحيما فسيراه كما رآه الصوفية، هنا ينقلب التوحيد من رؤية عقدية إلى برنامج سياسي، وبالتوحيد يجري (توحيد) كل البشر على ديانتهم، وفي تقديري أن متطرفي الموحدين في كل الأديان الإبراهيمية فعلوا ذلك، فمن أسس التوحيد لدى بعض اليهود أن لا تقوم دولة ولا تطبق شريعة إلا بعد نزول المسيح المخلص وبناء الهيكل، ومن أسس التوحيد عند أكثرية السنة أن تقوم الخلافة لحراسة دين الله حتى نزول المسيح وبعثة المهدي يوم القيامة، ومن أسس التوحيد عند أكثرية الشيعة أن لا تقوم سلطة دينية إلا ببعثة المهدي المنتظر.

هذا يعني أن التوحيد هو أمر نسبي بين البشر ويختلف حسب صورة الإله في الذهن وحجية تعاليمه ومقبوليتها أخلاقيا وعلميا، لكن يوجد دائما تصور مشترك يحكم كل أصحاب الديانات، وتتنوع العقائد بتنوع اللغة، وبجهل الإنسان بلغات الآخرين ربما يختلط عليه الأمر، فالإله يهوه اليهودي هو نفسه الله الإسلامي، والله في الإسلام هو الله في المسيحية أضافت له المسيحية بعدا آخر بتجلياته الثلاثة، نفس الشئ في الأديان التعددية، ففي الهندوسية يقوم كل إله مساعد للإله الأعظم.."برابراهما"..بنفس الدور التي تقوم به الملائكة في الإسلام، مع إضافة توجه هندي بتقديس هؤلاء الآلهة وعدم انفصالهم عن الرب فيما اصطلح عليه (بوحدة الوجود)

وفي حديث مع زميل مسيحي.."مستنير"..قال أن ما دفعه لنقد الكهنة والكنيسة أن صورة يسوع في الإنجيل مختلفة جذريا عن صورة يسوع المنشورة في الكنائس، ليست صورة شكلية إنما صورة .."عقائدية"..فهو يرى أن المسيح في الإنجيل شخص إسرائيلي عادي بعث بكرامات أيدها الله لوعظ البشر، وأن فكرة الثالوث لم تعد مقنعة لديه، لكن ما زال يؤمن بالتجسد والتضحية والفداء..فلربما هي معاني استخلصها من الإنجيل بحكم موقعه النقدي.

وفي الحقيقة أن التوحيد لو تناولناه من تلك الزاوية سنرى له شرطين، الأول: علو الخالق عن ما سواه، الثاني: افتراق الخالق عن المخلوق، والثاني أي لا صلة مادية ومعنوية بين العلة والمعلول إلا بجانب واحد هو (الأمر والطاعة) فالخالق منطقيا له أن يأمر وعلى المخلوق أن يطيع، أما الربط بينهم فهو الخارق للتوحيد كمن يجعل المسيح من جوهر الله، أو محمد مشرعا ومقدسا له نفس الرتبة الإلهية، أو أحبار اليهود لهم نفوذ رباني ومتحدثين عمليين باسم الرب يهوه وأمناء على الوصايا العشر والسلالة وأرض الميعاد.

في رأيي أن التحول الكبير الذي يطرأ على المتدين (الغير موحد) هو طريقته في التدين، فلو كان أقرب للتدين الشعبي كلما كان أقرب للتعددية الدينية عمليا، فالتدين الشعبي له صفات مختلفة عن الفردي، الأول يتأثر بحالات منها السُمعة والنفوذ والصراعات، هنا يتحول المتدين لمجرد آلة تعمل لصالح الغير، ويفقد استقلاليته مع الوقت حتى يصبح مجرد ترس في منظومة تعمل لصالح القوي، والإشكال الأكبر أن الأقوياء في غالب الحالات ضعفاء عقليا وعلميا فما دفعهم لتلك الصراعات إلا ضحالتهم وضعف مقدرتهم على التفكير والحلول المناسبة، بالتالي يتحول المتدين باتباع هذا الشخص إلى مشرك في الواقع حتى لو ادعى التوحيد.

كل الأديان تقريبا تعرضت لتلك الظاهرة، أنه وفور اندلاع أول صراع في الدين يفترق أتباعه وتتنوع نظرياتهم الدينية حسب رؤية القوي، حدث هذا في الإسلام مع الأمويين وبني العباس، وفي المسيحية مع قسطنطين ومع اليهود باختبارات طويلة منذ عصر الخروج الفرعوني إلى الأسر البابلي، كل هذا دفع المتدين لاعتقاد ثقافة شعبية تناولت الدين حسب منظور السلطة، بينما التناول الحقيقي للأديان يجب أن يكون .."بمنظور ثقافي نقدي"..بعيدا عن أهواء الكهنة والسياسيين معا، حيث يصبح نفوذ كل منهم مانعا قويا لأخلاقية الدين وتحويله منظومته الفكرية من الدعوة والرشد إلى الوصاية والقهر.

والعقل الثقافي حين يتناول مسألة دينية يجب أن يخضعها للتحليل الموضوعي المجرد من كل الزوايا المتاحة، كالمجتمع والسياسة والأخلاق والتاريخ والفلسفة ..وربما الاقتصاد، هذه مسائل فوق قدرة الجمهور العادي على تناولها، لذلك تظل حكرا على فئة بعينها أرادت البحث أو لها ملكة ومتعة الباحث، وميزة هذا التناول الديني من الثقافة أنه يضع الدين في صورته الحقيقية الأسمى دون تزييف، ويسأل أسئلة تجعل من رجال الدين مجرد بشر دعاة لهم وعليهم، وأن يضع الامتحان العقلي للسؤال عن الله في تجربة مثيرة تزيد النفس ثراء وتزخر ميراثها بالتسامح في النهاية.

فمنتهى عقل الباحث يرى أن الوصول لحقائق الأديان ليس بتلك البساطة التي تصورها الجمهور، وأن الآخر مهما رأيناه قبيحا أو غبيا فهو يملك مسحة من الذكاء والخير تجعله على الأقل يقتنع بنفسه، وفي رأيي أن التدين الشعبي تأثر بهوى المشايخ في تلك الجزئية، فقد صوروا لهم أن الكافر يعلم أنه كافر لكن يُعاند، ويعلم أنه سيدخل النار لكن يُكابر..وهذا غير صحيح، فكل متدين منسجم مع تدينه ويمارسه باتحاد تام مع النفس، ومثلما رأى الباحث أن الدين في الأخير حقيقة يرى المتدين العادي أن دينه حقيقة، لكن الفارق أن المثقف يحيل هذا المعتقد للشك والتحليل، أما المتدين العادي فلا.

كان هذا عرضا سريعا وموجزا لفلسفة التوحيد في الأديان الثلاث المسماة بالإبراهيمية، ابتعدت قدر المستطاع عن السرد والتفصيل الممارس في هذا الجانب، واختصرت المساحة قدر الإمكان بتناولها من جانبي الأخلاق والعقيدة فقط، فعندما أقرأ للمبشرين أو من يريد فرض رأيه الديني أصاب بالنفور من كثرة التطويل والتقعير الغير مهم والغير مفهوم، هنا أحسب أن اللغة كان بسيطة وسهلة ومباشرة دون مهادنة أو خوف، وأحسب أن هذا الأسلوب ربما ينتج خصوم فكريين أكثر من المتفقين، لكن على الأقل فقد أرضاني ومبادئي قبل كل شئ

 

للكاتب سامح عسكر

 

بدر الدين شيخ رشيدأسس الخميني نظام الحكومة الإسلامية على غرار نظرية الشيعة المبنية بالنص من النبي صلى الله عليه وسلم، على تعيين علي بن أبي طالب لقيادة الأمة بعده، وهذا التعيين إنما تمثل في اثنى عشر إماما كان آخرهم المهدي المنتظر، فالشيعة الاثنى عشرية يتفقون على أن الحكومة العادلة ستقوم بيد المهدي المنتظر وسيملء الأض عدلا وقسطا، بعد ما ملئت ظلما وجورا، وهذه الحكومة المتوقعة بيد المهدي هي حكومة إلهيّة، بما أن المهدي من الأئمة المعصومين عند الشيعة، غير أن الإشكال في المسألة يظهر كالتالي: هل على الشيعة أن ينتظروا الإمام المهدي، أم عليهم طلب الحكومة في عصر الغيبة الكبرى؟ وإذا قامت فعلى أيّ مبدأ تقوم؟

ولاية الفقيه أساس الحكومة عند الإمام الخميني:

بنى الإمام الخميني أساس الحكومة الإسلامية على ولاية الفقيه، فشرعية الحكومة مستمدة منها ؛ لأنها تستند إلى دعامة النصب الشرعي للفقيه العادل الكفء ولياً للأمة، بوصفه نائباً عاماً للإمام المهدي، وهو الأمر الذي يحصر الحق الشرعي في رئاسة الدولة الإسلامية به، من دون أن يكون للشورى مدخلية في منحه شرعية الحكم؛ لأنها شرعية مكتسبة من ولاية الإمام المعصوم، ولكن مبدأ الشورى يمكن أن يكون معياراً للتفاضل بين الفقهاء الجامعين لشروط القيادة، فيما لو تعددوا، أما البيعة فهي مظهر لإعلان الطاعة من جانب الأمة .

إذن، الحاكم في الحقيقة هو الله، والوالي منفذ لأحكامه، وقد يعبر عن هذه الحكومة بالحكومة الثيوقراطيّة، بمعنى حكومة القوانين الإلهيّة على المجتمع، وتتمثل هذه الحكومة في عصر الغيبة الفقيه العادل العالم بزمانه البصير بالأمور والحوادث الرؤوف الحافظ لحقوق الناس حتى الأقليات غير المسلمة .

وتنطلق رؤية الإمام الخميني من أنّ المعيار لشرعية العمل الإرادي والاختياري، هو إرادة الله تعالى؛ لأنّ العدالة أمر ذاتي له وتتقدم إرادته سبحانه وتعالى على باقي الأعمال الإرادية، والنتيجة أنّ الوضع في جميع أفعال الإنسان الإرادية، هو أنّ إرادة الإنسان مصدر وجود الفعل الإرادي؛ وأن إرادة الله تعالى مصدر لشرعيته، بناءً على هذا، فإن موضوع الحكومة التي هي من أفعال الإنسان الإرادية، تتحقق بإرادة الإنسان واختياره، كما أن معيار الشرعية يكون هو إرادة الله تعالى، وأيّ حكومة تنطبق على هذا المعيار فهي شرعية، بدليل انطباقها عليه، ولهذا، فمثلما تكون إرادة الشعب مصدراً لقدرة الحكومة، فانّ إرادة الله تكون مبدءا لشرعيتها وأحقيتها؛ وأيّ حكومة لا تنبعث من إرادة الله تعالى حتى لو تحققت بإرادة الشعب فانّها تكون غير شرعية وتفتقد الى الأحقية .

يلاحظ من رؤية الخميني في إشكالية مصدر السلطة بأنه تتعارض إرادتان: إرادة تمثل الشرعية، وأخرى تمثل القوة الفعليّة. فالأولى: هي إرادة الله، وتتجسد في الفقيه المجتهد، والثانية: هي القوة الفعلية وتتجسد بالشعب، والإشكال كيف تجمع تلك الإرادتين؟

فالإمام الخميني قدم الإرادة الشرعيّة على إرادة القوة العملية، لكن هذا التقديم ينقصه التصور العقليّ؛ لأن إرادة الله- خارج المعجزات- لا تتحقق إلا بإرادة القوة الإنسانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إرادة الله فيما يتعلق بحياة الإنسان في هذا الكون هي مبنيّة باجتهاد الأمة، والفقيه جزء من الأمة،كما أن اجتهاده يقتصر على المسائل الفرعية الفقهية، إذن، فالأمة بمجموعها هي التي تمثل إرادة الله وليس الفقيه المجتهد.

علاوة على ذلك، فإرادة الله الشرعيّة تقتصر على الجانب الشرعيّ الدينيّ، وهي من مهمات الفقهاء، بخلاف الأمور العامة أو السياسة العامة؛ إذ هي من حقوق الأمة، وليست من وظائف الفقهاء، وذلك لما أن دائرة الأمور العامة أوسع من دائرة الإرادة الشرعية الدينية التي هي من اختصاص الفقهاء.

دور الأمة في مصدر السلطة السياسية عند الخميني:

للأمة دور محدود في السلطة عند الخمينيّ، وهي تقتصر بانتخاب رئيس الجمهورية وليس لها أيّ تأثير على المرشد الأعلى للجمهورية الإسلاميّة، وهذا يدل على ضعف دورها في ممارسة السلطة السياسية، فالأمة لا تنتخب المرشد ولا تقيد في صلاحياته المطلقة، فهو صاحب السلطة العليا الذي لا تقيده سلطة أخرى، وهذا يدل على الغاء دور الأمة السياسي، فهي تتعامل مع فقيه منصوب من قبل الله، فلا يمكنها الاعتراض أو انتقاد سياسته، لذا، تأخذ تصرفاته صبغة مقدسة غير قابلة للمساس، بالإضافة إلى كون الولي الفقيه فوق الدستور والقانون باعتباره القانون الواقعي. وينتج عن ذلك أن دائرة الممنوع والمسموح على المستوى الدستوري والقانوني لن تخلو من بعض الإبهام، ولهذا، تجد الأحزاب والصحافة والإتجاهات السياسية والفكرية نفسها تعمل وفق دستور ملغوم، فإذا أخذته بالاعتبار ولم تخالفه فقد تخالف ما يراه الولي الفقيه محظوراً ولو في ظرف معين، فيجعلها مكبلة خائفة من الإبداع الفكري والسياسي والإداري أن يجر عليها محظوراً .

وتفيد رؤية الشيخ عبد المنعم المهنّا- وهو من القائلين بالولاية المطلقة- أن لا دور للأمة في تعيين الولاية للفقيه؛ لأنه مجعول من قبل الله تعالى، وليس الشعب مصدرا للسلطات في الإسلام، بل الله تعالى هو المصدر، وعلى هذا الأساس، فدور الأمة مقصور بإطاعته عند التعيين من قبل الخبراء .

كما يؤكد خطاب الخميني الموجه إلى علي الخامنئى، المتضمن بصلاحات ولاية الفقيه، كونه فوق الدستور، وأن من حقه أن يلغي من طرفه ما أبرم في الدستور، يقول الخميني:«كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة... أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، مقدمة على جميع الأحكام الفرعية، ولو كانت صلاحيات الحكومة (أي ولاية الفقيه) محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية، لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وأن تصبح بلا معنى، ولا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع الحكومة (ولاية الفقيه) أن تلغي من طرف واحد الإتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الشعب، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام... وأن الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتا في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك، كأن تمنع الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية» .

وهذا النص وإن لم يكن مكتوبا في الدستور، إلا أن الكلمة «المطلقة» والتي أضيف إليها في الدستور، بعد وفاة الإمام الخميني تحقيقا لرغبته، هي التي تؤكد كونه فوق الدستور. ورغم أن الدستور ينص على أن الفقيه أمام الدستور كفرد من الناس، إلا أن صلاحياته المطلقة، هي التي تنسف هذا الأمر؛ لأنه كيف يكون الفقيه كفرد من الناس أمام الدستور، والمادة السابعة والخمسون تنص على أن«السلطات الحاكمية في جمهورية إيران الإسلامية:السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، و السلطة القضائية، تمارس صلاحياتها تحت إشراف ولي الأمر وإمام الأمة» .

وهذه إشارة واضحة على أن جميع السلطات في قبضة المرشد الأعلى، وأن دور الأمة من حيث الممارسات في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هو دور صوريّ لاحقيقيّ، وذلك لوجود مفارقة كبيرة بين سلطة فوق السلطات، وسلطة منتخبة لا تملك إلا صلاحيات محدودة مثل سلطة رئيس الجمهورية، بدليل، كما يقول الكاتب فاخر السلطان: «أنه حينما أعطى 20 مليونا من الإيرانيين ثقتهم في الرئيس السابق محمد خاتمي، باتت المشكلة متمثلة في وجود رئيس يتمتع بثقة أكثرية ساحقة من شعبه، لكنه لا يتمتع بالصلاحيات الدستورية اللازمة لتنفيذ برنامجه الذي كان برنامجا صلاحيا تنمويا، وعلى هذا، فالمشكلة تكمن في التناقض بين سلطة منتخبة شعبيا ولا تملك ما يلزم من الصلاحيات، وسلطة فوق كل السلطات تملك كل الصلاحيات بما في ذلك منع تنفيذ برنامج الإصلاح والتنمية» .

وقد عرض الشيخ محسن كدوير في كتابه«نظريات الحكم في الفقه الشيعي» النقاط الأساسية الواردة في رسالة الإمام الخميني والتي سبق بيانها، على أن الولاية المطلقة تعطي: عدم الالتزام - أي من الولي الفقيه- بالأحكام الإلهية الفرعية الأولية والثانوية، كما تعطي أيضا عدم الالتزام بالقوانين البشرية ومن جملتها الدستور، بالإضافة إلى ذلك، ذكر أن الولاية القائمة على أساس الشرعية الإلهية المباشرة تستمد من الشارع المقدس، وليس من الناس .

ومن هنا طرح الشيخ محسن كدوير سؤالا: طالما أن الدستور يستمد شرعيته من إمضاء الولي الفقيه فكيف له أن يقيد ولاية الفقيه المطلقة؟

والجواب كما أفاد الشيخ شفيق شقير تشير، إلى أن الدستور لا يقيّد الولي الفقيه، بل، يستطيع أن يلغي القانون عندما يرى أن ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين، وذلك باعتبار أن القانون الواقعي هو قانون الإسلام الذي ينقضه الفقيه الولي، وبناء على ذلك، فأوامر الولي الفقيه تعتبر في حكم القانون ، وهي مقدمة عليه في حالات التعارض معه .

ومن المفارقات أن الدستور منح للأمة اختيار المرشد الأعلى، ومع ذلك يختار من مجلس الخبراء، فالدستور يقرّ على أن ولاية الأمر في زمن الغيبة بيد الفقيه العادل..... ممن أقرت له أكثرية الأمة وقبلته قائدا لها ، إلا أنه يلاحظ في حالة عدم إقرارها له، أن الدستور أحال الأمر إلى مجلس الخبراء. فهذا مما لاشك فيه أنه إلغاء لدور الأمة في اختيار المرشد؛لأنه من المفترض في حالة عدم إقرارها له أن يعاد الاختيار أو التصويت إلى نوبة ثانية وثالثة للأمة، إلى أن يتم الإقرار لواحد من الفقهاء الحائزين للشروط؛ لأن الإقرار من الأمة، وليس لمجلس الخبراء، فهي التي تختار فقيها آخر؛لأن الفقهاء المجتهدين متعددون، فمثلا: إذا ترشح للانتخاب عدة من الفقهاء فالأمة تختار واحدا منهم. ففي حالة تساويهم يتساقطون ثم يبدءون دورا آخر، كما تقرر عند الفقهاء في إشكالية التزاحم في اختيار الإمام .

بيد أن الطريقة التي عالجها الدستور يهمّش دور الأمة في السلطة، وبالتالي لم يحقق حلولا ناجعة في حالة ازدحام الفقهاء؛ لأن الدستور يطرح في حالة اخفاق اختيار المرشد الأعلى، في النوبة الأولى، على أن الخبراء المنتخبين من الأمة« يبحثون ويتشاورون حول كافة الأشخاص الذين لهم صلاحية المرجعية والقيادة فإذا وجدوا مرجعا واحدا يملك امتيازا خاصا للقيادة، فإنهم يعرفونه للشعب باعتباره قائدا، وإلا فإنهم يعينون ثلاثة أو خمسة مراجع من جامعي شرائط القيادة ويعرفونهم إلى الشعب باعتبارهم أعضاء لمجلس القيادة» .

فالأمر كما تلاحظ وصل إلى تعدد القيادة بحيث وصلت النوبة إلى ثلاثة أو خمسة من القادة، وهذا بلا شك، يفيد تعدد المراجع وأن الأمر فيما بينهم شورى، وبالتالي يختار القائد من الأمة بعد ترشيحه من مجلس الخبراء، فاختيار الأمة هو الذي يحسم القضية حتى لا يكون أمر الأمة استبداديا، ويدل كون الأمة لا دور لها في ممارسة السلطة أو في إنشائها، وظائفُ القائدِ وصلاحياتهِ في الدستور الإيراني، ففي المادة العاشرة بعد المئة تقول: وظائف وصلاحيات القيادة هي:

تعيين فقهاء مجلس المحافظة على الدستور.

نصب أعلى مسؤول قضائي في الدولة.

تولي القيادة العامة للقوات المسلحة بالطريقة التالية.

أ‌- نصب وعزل رئيس أركان الجيش.

ب‌- نصب وعزل القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.

ج. تشكيل مجلس الدفاع الوطني الأعلى مؤلفا من سبعة أعضاء من التالية أسماؤهم:

رئيس الجمهورية.

رئيس الوزراء.

وزير الدفاع.

رئيس أركان الجيش.

القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.

عضوين مستشارين يعينهما القائد.

د- تعيين قادة القوات الثلاث باقتراح مجلس الدفاع الوطني.

ﻫ- إعلان الحرب والسلم والتعبئة العامة، باقتراح مجلس الدفاع الوطني الأعلى.

التوقيع على نتيجة انتخابات رئاسة الجمهورية بعد انتخاب الشعب.

عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد، وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن الوظائف القانونية، أو بعد رأي مجلس الشورى الوطني بعدم كفاءته السياسية

العفو أو التخفيف من أحكام المحكومين في إطار الموازين الإسلامية بعد اقتراح المحكمة العليا .

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

بدر الدين شيخ رشيدطرح الشيخ محمد مهدي شمس الدين ولاية الأمة على نفسها في مقابل ولاية الفقيه التي أصبحت مرتكز فكرة الإمام الخميني، وولاية الأمة على نفسها فيها مقاربات بالنسبة إلى رؤية الشيخ محمد باقر الصدر والشيخ المنتظري حول ولاية الفقيه ومدي قربها إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة.

إن رؤية الشيخ محمد باقر الصدر هي الأقرب ملائمة بالنسبة إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، ثم تليها رؤية الشيخ حسين المنتظري، وتعتبر رؤية الشيخ محمد مهدي شمس الدين الأكثر انفتاحا بالمقارنة برؤية الخميني والصدر والمنتظري، بل يمكن لنا أن نقول إنها عين الديمقراطية، يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين«إنّ الدولة الإسلامية يجب أن تكون دولة ديموقراطية تقوم على المشاركة، التي قوامها الشورى، والتمثيل الشعبي، واللامركزية في الإدارة، ووجوب حفظ النظام، ومقدمة الواجب، والأمور الحسبية، وتخضع في الوقت عينه لمقتضيات الأصول الأولية، والأدلة المقيِّدة، منعاً لأي تجاوزات أو بروز نزعات تسلطية إطلاقية للحاكم؛ إذ كلما كانت السلطة الحكومية السياسية، والتنظيمية والإدارية وغيرها، أقرب إلى ممارسة الإنسان لسلطته الذاتية على نفسه، كانت أقرب إلى الأصل الأولي، وكانت متيقّنة المشروعية من حيث دخولها في دليل تقييد الأصل الأوّلي»[1]، وهي نتيجة لعقْدٍ تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة، فينتج عن إبرامه كيان الدولة[2].

أما الشيخ محمد باقر الصدر فيرى أن الديموقراطية تستفاد من النقاط الإيجابية فقط[3]، فرؤيته توافق رؤية كثير من مفكري أهل السنة كالشيخ محمد الغزالي والقرضاوي الذين قبلوا الديمقراطية كآلة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم[4]، بخلاف رؤية الشيخ المنتظري بالديموقراطية، فهي بعيدة عن مفهوم نظام الحكم في الإسلام، وذلك لكونها لا«تقيد للشعب، ولا للحاكم، لا بالنسبة إلى أيدلوجية خاصة ولا بالنسبة إلى المصالح النوعية والفضائل الأخلاقية»[5].

ومن جهة أخرى، يميز الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بين الأمة والدولة في حقل المعالجة الإسلامية، ويرى أنّه ليس في الفقه الإسلامي على الإطلاق خطابات شرعية موجّهة إلى الدولة، فهي كائن مخلوق للأمة، وهي ليست تعبيراً عن الأمة، في مقابل الفكرة الهيغيلية التي تعتبر الدولة تجريداً مقدّساً للأمة والمجتمع، بحيث أنها تعبِّر عن روح الأمة وعن روح المجتمع، فالدولة في الفكر والفقه الإسلاميين لا تتمتع بهذه المنزلة على الاطلاق، فلا يوجد فوق الأمة تجريد آخر، ولا يوجد تركيب أو تشكيل آخر، الحقيقة المجتمعيّة المطلقة، والحقيقة التنظيمية المطلقة في الإسلام هي حقيقة الأمة، وعلى هذا، فالحقيقة المقدّسة عند شمس الدين هي الأمّة، أما الدولة فلا مقدّس فيها، ويجري عليها حكم الوظائفية، فبمقدار اقترابها من الأمة ومصالحها ومقدّساتها يتم احترام الدولة[6].

فالشريعة أوكلت الأمة الولاية إلى نفسها في ظل الغيبة الكبرى ، وبالتالي أصبحت ولاية الأمة ليست ملكاً لأحد، لا لفقيه أو غير فقيه أو لمجموعة فقهاء، فالأمة «هي وليّة نفسها وهي في نطاق الكليات الشرعية في فقه المجتمع والدولة تتولى أمر نفسها وفقاً لمبدأ الشورى الذي يمكن برمجته في نظام ملائم بحسب ظروف كل مجتمع من المجتمعات»[7].

تشكل نظرية ولاية الأمة على نفسها للإمام شمس الدين امتداداً طبيعياً للخط الإصلاحي الشوروي الذي كرّسه آية الله الشيخ النائيني، منظر ثورة الدستور (المشروطة) في إيران في مطلع القرن العشرين، والذي انطلق في تنظيره وتأويله لمفهوم الدولة الإسلامية، لا من نظرية ولاية الفقيه بل انطلاقاً من نظرية ولاية الأمة على نفسها، التي ترى في الدولة مسألة انتخابية ودستورية بين المسلمين، أي مسألة فقهية من الفروع لا كلامية من الأصول[8].

وتتلخص نظرية ولاية الأمة على نفسها عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أن الأحكام الإسلامية قسمان:

الأول: أحكام إلهيّة ثابتة كأحكام نظام العبادات ونظام العائلة والمسائل الجنسية ومسائل الربا.

الثاني: أحكام متغيرة يخص النظام السياسي والحكومة.

فبيان الأحكام الثابتة الشرعية هي من مسؤولية الفقهاء، أما ما يخص النظام السياسي والحكومة، فليس للفقهاء دور ولا ولاية عامة لهم، فالأمة هي التي تملك الولاية على مقدراتها في إطار الشريعة الإسلامية المتغيرة، والإنسان مسؤول عن نفسه والمجتمع ولي نفسه، وتكون الأمة حاكمة على مصيرها ومقدراتها، ولا يعتبر الفقه شرطًا لرئيس الدولة الاسلامية المنتخب،كما أنه يجب أن تنسجم الدولة مع طبيعة المجتمع الذي تنطلق منه، وأن تمتزج في أعماق الأمة وعقول الناس، وأن تستفيد من التجربة الإنسانية[9].

والشيخ شمس الدين يفرق بين الانتماء للأمة أي الإسلام، والانتماء للدولة حيث يدخل في تكوين الثاني عنصر الأرض، ويرى أن كل واحد من الانتمائين حقوق ومسئوليات للمسلم وعليه، فالإنتماءان - أي الدّين والوطن- إما أن يتطابقا، بأن يكون المجتمع مثلا كله مسلم، أو لم يتطابقا بأن يكون بعضه مسلم وآخر غير مسلم، ففي حالة التطابق تنظر الدولة الاسلامية إلى جميع الأمة الاسلامية في أرض دار الإسلام، كما تتكامل مسؤوليات وحقوق الانتمائين، وأما في حالة عدم التطابق، بحيث أن حقوق ومسئووليات الانتماء الى الأمة محددة في الشريعة والفقه، دون حقوق ومسئووليات الانتماء إلى الدولة ، فإن الضرورة التنظيمية في هذه الحالة تقتضي إلى تدبير يحدد جهة الانتماء للمكلف، ليتمكن من القيام بمسئوولياته إتجاه الدولة والمجتمع، وليأخذ حقوقه وهذا التدبير هو الجنسية[10].

هذا، وتقتصر وظيفة الفقهاء عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في الفتيا والقضاء وتبليغ الرسالة، وهم لا يمتلكون أي تميز بحكم كونهم فقهاء ولا يوجد لهم أي امتياز سياسي، أما شكل الدولة عنده، في ظل هذه النظرية فهو قائم على الشورى والانتخاب[11].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - هيثم مزاحم، الإمام محمد مهدي شمس الدين ولاية الفقيه على نفسها، ( تاريخ النشر، 30-3-2012م)، أنظر الرابط:

http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[2]- عبد المنعم شفيق، حزب الله رؤية مغايرة أصول وجذور(تـاريخ 11-3-2011)، الرابط:

http://www.dawatalhak.com/newsdetails.asp?id=1379

[3] - محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، إيران، ط2/1404ھ، ص17.

[4] - محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية ين المسلمين، دار القلم دمشق، سوربا، ط2/1996م،ص200.

[5] - المنتظري، نظام الحكم في الإسلام، تحقيق، لجنة الأبحاث الإسلامية، قم، إيران، ط1/1380ش، ص179.

[6] - شفيق جرداي،الدولة المدنية والدولة العلمانية.. دراسة في المفاهيم، (تاريخ النشر،11- 4- 2011م)، أنظر الرابط:                       akhbar.com/node/11812  http://al->

[7] - هيثم مزاحم، الإمام محمد مهدي شمس الدين، ولاية الفقيه على نفسها،( تاريخ النشر، 30-3-2012م)، أنظر الرابط:        http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[8] - المصدر السابق، أنظر الرابط: http://www.shafaqna.com/arabic/marjeiats/item/5599

[9] - ليلى نقولا الرحباني، العالم العربي والديمقراطية إشكالية الإسلام والديمقراطية،( تاريخ النشر، 26-4- 2012)، أنظر الرابط:  http://www.leilanicolas.com/2012/04/blog-post_6981.html

[10] - محمد مهدي شمس الدين، في الإجتماع السياسي الإسلامي، دار الثقافة للنشر، طهران، إيران، ط1994م، ص139.

[11] - محسن كديفر، تسع نظريات لولاية الفقيه ترصد مسيرة الفكر السياسي الشيعي، عرض، ميرزا الخويلدي،(تاريخ النشر، 21-9-2013م)، أنظر الرابط:

http://www.rasid.com/?act=artc&id=20851

 

بدر الدين شيخ رشيدإن إشكالية ولاية الفقيه المطلقة من الجهة النظرية ظهرت في عصر الشيخ النراقي(ت::1245 ﮪ)، عندما طرح ولاية الفقيه المطلقة، وأنها بمنزلة ولاية الرسول والأئمة، إلا ما استثناه الدليل، لكن عندما طرحها الشيخ النراقي، ظهرت ردود حول الأدلة من جهة الاستدلال،ومدى إفادتها بالإطلاق الذي تبناه الشيخ النراقي، فالشيخ الأنصاري(ت: 1281ﮪ)، وهو من معاصريه، لم يسلم تلك الاستدلالات ومدى إفادته بالإطلاق[1]، وقد استفحل هذا الجدل، بعد ما طبق الإمام الخميني  ولاية الفقيه المطلقة في أرض الواقع، هذا، وتعتمد ولاية الفقيه المطلقة على مباني عقلية ونقلية، وسنناقش من خلال تلك المباني رؤية الإمام الخمينيّ.

الأدلة العقلية في أثبات ولاية الفقيه عند الخميني:

استدل الإمام الخميني لثبوت ولاية الفقيه على أدلة عقلية مفادها ضرورة الحكومة في عصر الغيبة، وضرورة وجود الحكومة في عصر الغيبة، وهو أمر منطقيّ يقتضيه العقل، ويفنّد نظرية التقية والانتظار التي تربط الحكومة بظهور إمام الزمان، بناء على هذا، فإن اثبات ولاية الفقيه من حيث الأصل هو العنصر الأول في بحث إشكالية ولاية الفقيه المطلقة، فاثباتها يتركز حسب رؤية آية الله كاظم  الحائري على طريقين:

الطريق الأول: الأخذ بالقدر المتيقن من الخلاف، وهو كون الولاية العامة مترددة بين الفقيه وبين المتخصصين من الأمة في مجالات الدولة، فعند الشك في تحديد من له الولاية، يجب الاقتصار على القدر المتيقن في الخلاف، وهو كون الولاية العامة للفقيه، وذلك  لما يتصف بصفات المعرفة؛ كأحكام الإسلام والعدالة والكفاءة.

الطريق الثاني: التمسك بالروايات الواردة في هذا المجال، وسنعرض هذا الجانب عند مناقشتنا  للأدلة  النقلية في اثبات ولاية الفقيه، من خلال الروايات[2].

فالشيخ كاظم الحائرى ضعّف الاستدلال الأول؛ لأن قاعدة الأخذ بالقدر المتيقن إنما تتصور عندما يتردد الأمر بين دائرتين إحدهما ضيقة  تقع ضمن دائرة  أوسع منها، فموردنا في هذا الأمر لا ينطبق على هذه القاعدة؛ لأن دائرة المتخصصين في هذا الأمر لا تدخل ضمن دائرة الفقيه، بل الأمر في هذه المسألة يتردد بين فروض متباينة مختلفة، فكما يمكن أن  تكون الولاية العامة بيد الفقيه في كثير من المجالات كذلك، يمكن أن تكون الولاية العامة بيد الأكثرية مع اشتراط إشراف الفقيه على الجوانب الفقهية للقوانين لضمان انسجامها مع الشريعة الإسلامية.

كذلك، يلاحظ وجود مجالات عديدة لها خبراؤها المتخصصون، فكما يمكن أن تكون الولاية العامة للفقهاء مع اعتمادهم على أهل الخبرة في ملء فراغ هذه المجالات، أيضا يمكن أن تكون الولاية بيد الخبراء، على أن يرجعوا إلى الفقهاء بقدر ما يتصل بالفقيه من المسائل الشرعية[3].

وقد ردّ الشيخ عبد المنعم المهنا استدلال الشخ كاظم الحائري المتقدم من خمسة أوجه، وهي:

الأول: أنها مبنية على الاعتقاد بأن الفقيه مجرد مبدئ لرأي الفقه الإسلامي، ولكن هذه الفكرة خاطئة، لما أن الفقيه له مشاركة في تشخيص مصلحة الأمة.

الثاني: أن الأكثرية مدانة عقلا في كثير من الحالات، فما أكثر إتفاقها على باطل، كما أنها مدانة دينا في كثير من آيات القرآن والأحاديث الشريفة؛ إذن فلا ربط بين الأكثرية وبين إصابة الواقع، ليكون مجالا لاعتبار قولها دون قول الفقيه الخبير.

الثالث: أن اللجوء إلى الأكثرية يشل الحياة عن الحركة، فكيف يستقيم الحال إذا أُخِذَ رأي الأكثرية في كل  أمور الأمة.

الرابع: أن تشكيل مجلس يمثل الأكثرية يفقد الدليل الديني والعقلي على مشروعيته، ما دام الهدف منه الوقوف في وجه الفقيه، أو يكون بديلا عنها، فالعقل يرفض مجلسا كهذا، بحيث يكون عبثا بتكاليفه الباهضة وبأشخاصه المتفاوتين في الادراك والميول، والذين قد يضيّعون الكثير من مصالح الأمة نتيجة مناقشاتهم التي لا تنهي، بينما الفقيه المتدين الخبير بشؤون الحياة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يكون كالبلسم الشافي في شؤون الأمة، وعلى هذا الأساس، فالفرد في نظر العقل أرجح من مجلس الشورى وأكثريته.

الخامس: أن الأكثرية برجوعها إلى الفقيه كما هو المفروض، تقر بولاية الفقيه من دون أن تشعر؛ لأن عليها تنفيذ رأيه بعد أن أعطى الحكم الشرعي على موضوعه الذي عاشه الفقيه بعمق[4].

إلا أنه يظهر ضعف ردّ الشيخ عبد المنعم مهنّا على استدلال العقليّ المتقدم للشيح كاظم الحائري، فصحيح كما قال الشيخ عبد المنعم المهنّا أن الفقيه ليس مجرد مبدئ لرأي الفقه الإسلامي، بل يشارك في تشخيص فعاليات المجتمع، إلا أنه ليس بمسلّم أن الأكثرية مدانة عقلا ونقلا في كثير من الحالات،كما أن اللجوء إلى الأكثرية لا تشلّ حركة الحياة، بل هي عمدة النهضة، علاوة على ذلك، ليس هدف تشكيل مجلس يمثل الأكثرية الوقوف في وجه ولاية الفقيه، كما أن الأكثرية لا ترجع إلى الفقيه في جميع شؤون الأمة، بل ترجع إليه فقط، فيما يتصل بالمسائل الشرعيّة في شؤونها.

وعلى هذا الأساس، فرؤية الإمام الخميني على ضرورة الحكومة من حيث المبدأ أمر مسلم، إلا أنها لا تتوقف على الفقيه وحده؛ إذ الإنسان مدني الطبع  مفطور بالاجتماع والتعاون، وهي أمور عقلية بديهية؛ إذ«لم تخل حياة الإنسان في جميع مراحلها وأدوارها حتى في العصور الحجري وفي الغابات من حكومة ودُوَيْلةٌ....»[5]

ولهذا، أكد الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن الحكومة ضرورة عقلانية، تشترك فيها الرؤية السياسية الإسلامية مع أكثر الرؤى الإنسانية في مجال بحث فلسفة الحكم وضرورة وجود الحكومة لحفظ النظام، فهي افراز طبيعي ضروري للبشر، ويظهر ذلك جلياً في الجدل الذي شهده الفكر السياسي الحديث مع الفلاسفة الغربيين ومنظري الفلسفة السياسية الأوروبية، أمثال جون لوك، وتوماس هوبز، وجان جاك روس، ومونتيسكيو وكانط وهيغل. فإننا نلاحظ افتراقاً من حيث تعليل منشأ هذه الضرورة، فيما لو كانت ناتجة عن الطبيعة التوترية التي تفرضها علاقات الاجتماع كما نحا جان جاك روسو، أو ناتجة عن الطبيعة العدوانية الفطرية في الإنسان كشخص عدواني بالطبع، كما ينحو هوبز، أو أنها ضرورة للارتقاء بالشخص إلى أعلى مرتبة تربوية كما ينزع هيغل، وبناء على هذا، فعناية الإسلام بمسألة الحكم ليست بدعاً من الأمر، وإنما هي استجابة للضرورة التي يقتضيها الاجتماع البشري بحد ذاته، وبقطع النظر عن وجود شريعة ونظام للحياة ينتظم حياة الإنسان من جميع وجوهها ومجالاتها كما هو الشأن في الإسلام[6].

وقد تكون نظرية الخميني منطقيّة، فيما إذا كان بحْثُ ضرورة الحكومة نتيجة لرد نظرية التقية والانتظار التي يؤمن بها الاخباريون الذين لا يرون بحث الحكومة في عصر الغيبة، بل يقولون:بوجوب  التقية والانتظار في عصر الغيبة إلى ظهور المهدي، وهذه النظرية، أي نظرية التقية والانتظار ساقطة الاعتبار؛ لأنها تشجع الاستبداد والتخلف والرجعية؛ إذن، فضرورة بحث الحكومة مطلب إنسانيّ، إلا أنها لا تتوقف كما قلنا بالفقيه بل هي مسؤولية تقع على عاتق الأمة كلها.

الأدلة النقلية في إثبات ولاية الفقيه عند الخميني:

استدل الإمام الخميني بعموميات روايات كثيرة وردت في شأن الفقهاء ومكانتهم في الإسلام على ولاية الفقيه المطلقة، إلا أن دلالتها محتملة، فيبطل الاستدلال بها، بناء على القاعدة المقررة لدي علماء الأصول:الدليل إذا تطرق  إليه بالاحتمال بطل استدلاله[7]، ولهذا، فالأدلة التي استدل بها الخميني غير تامة في الدلالة على المعنى الذي توخى إليه، وإليك عرض تلك الروايات التي استدل بها الخميني لولاية الفقيه، ومناقشتها:

أولا: الروايات التي استدل بها الخميني لولاية الفقيه:

استدل الخميني مثلا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:( اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات)، قيل: يارسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: ( الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي فيعلمونها الناس بعدي)[8].

ويتوقف استدلال الخميني بها على جهتين: الأولى: المراد بالخلفاء، والثانية: دلالتها بولاية الفقيه، فالأولي، يرى الخميني أن المراد بالخلفاء هم الفقهاء  العدول لا رواة الحديث، أما الثانية، وهي دلالتها بولاية الفقيه، فيرى أن المراد بالخلافة هي الخلافة في جميع شؤون النبوة، وهي بمثابة جملة (علي خليفتي)[9].

غير أن دلالتها على الإطلاق غير تامة، كما حقق الشيخ كاظم الحائري؛ لأن الإطلاق الموجب للسريان والشمول لا يجري في المحمول، فمثلا، لو قيل: زيد عالم،لم يدل ذلك بالإطلاق علي كونه عالما بكل ما يحتمل به، ولو قيل: إن الطعام الفلاني نافع، لم يدل على كل المنافع المحتملة فيه، فليس حال المحمول حال الموضوع الذي يجرى فيه الإطلاق الموجب للسريان؛ فحينما يقال: النار حارة يكون مقتضى الإطلاق ثبوت الحرارة لكل أقسام النيران[10]، وعلى هذا الأساس، فالخلافة في الرواية تدخل في دائرة المحمول، فلا تثبت إلا الخلافة اجمالا، والقدر المتيقن منها هو الخلافة في التعليم والإرشاد[11].

وهناك عدد من مراجع علماء الشيعة الكبار ردّوا دلالتها على الإطلاق، كالشيخ الجواهري،  والسيد محسن حكيم، والسيد الخوئي، وغيرهم، فالشيخ الجواهري من علماء الشيعة المتأخرين، قال بعد إيراد هذا الحديث:«لادلالة فيه على النصب كما هو واضح»[12]، وقال السيد محسن حكيم: الظاهر في الاستخلاف هي رواية الحديث والسنة[13]، وقال السيد الخوئي في دلالته: الظاهر من ذلك خليفتهم في نقل الرواية والحديث، كما وردت في رواية أخرى بلفظ: ويروون حديثي وسنتي، لا أن المراد من الخلافة  التصرف في أموال الناس وأنفسهم، فهي خارجة عن الاستدلال في المقام[14].

وقد استدل الإمام الخميني أيضا على ولاية الفقيه بحديث:(الفقهاء حصون الإسلام كحصن المدينة)[15]، فالحديث من حيث السند، فيه علي بن أبي حمزة البطائني، وهو ضعيف كما نقله الخميني نفسه، بل أشار إلى أنه لم تثبت وثاقته مع تضعيف علماء الرجال وغيرهم إياه، إلا أنه  عمل بروايته اعتمادا على قول شيخ الطائفة الطوسي، وشهادته على عمل الشيعة بروايته، ولهذا، قال الخميني:لامنافاة بين ضعفه والعمل برواياته[16]، لكن يستشكل مع ضعف علي بن ابي حمزة البطائني، دلالة الرواية بولاية الفقيه؛ إذ لا تتم دلالتها بسبب نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول[17].

(العلماء ورثة الأنياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)[18]، فهذه الرواية لا تتم دلالتها على الإطلاق، بسبب  نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول [19].

(الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا)، قيل يارسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فاحذروهم على دينكم)[20]، فهذه الرواية أيضا لا تتم دلالتها على الإطلاق، بسبب  نكتة عدم جريان الإطلاق  بالمحمول[21].

(مجارى الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه)[22].

فسياق الرواية دال، كما ذكر الشيخ الأصفهاني على أنها في خصوص الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام[23]، بالإضافة إلى ضعف سندها، كما حقق الشيخ كاظم لحائري[24].

(العلماء حكام على الناس)[25].

فالرواية غير تامة من ناحية الدلالة، فضلا عن ضعف سندها،كما صرح بذلك الشيخ كاظم الحائري[26].

قوله عليه السلام في مقبوله ابن حنظلة (فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما)[27]، إلا أنه يستشكل بالدلالة على الإطلاق بما مضى من عدم جريان الإطلاق في المحمول، والقدر المتيقن في مورد الحديث في الدلالة هو فصل الخصومة والقضاء[28].

كما يخدش أيضا استدلال الخميني في الراوية بما ورد في صدرها بقوله: (ينظران إلى من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما)، فالرواية تفيد كما قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين:أن هذا الجعل يختص بمن نظر واختار ورضي بالفقيه، دون من لم ينظر ولم يختر ولم يرض[29].

وكذلك استدل الخميني برواية: (وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتى عليكم وأنا حجة الله عليهم)[30]،حيث فسّرها بالحوادث الاجتماعية المستجدة والمشاكل التي تواجه المسلمين[31]، ويتوقف استدلاله بالرواية على أنها تفيد بالرجوع إلى رواة أهل الحديث في كل مجال يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام للاسترشاد أو تحديد الموقف العلمي؛ لأنهم حجة الإمام على الناس، وهل هذا، إلا ولاية الفقيه[32].

لكن، هذا الاستدلال من جهة ثبوت الولاية الفعلية للفقيه غير مسلم، كما سبق بيانها في الروايات السابقة .

ثانيا: رد المنتظري لتلك الروايات:

هذا، وقد ردّ الأستاذ المنتظري دلالة الروايات على الولاية الفعليّة من خمسة أوجه:

الأول: ظاهر الرواية تفيد جعل الولاية الفعلية لجميع الفقهاء في عصر واحد وهو قابل للخدش من حيث الاستدلال[33]، إلا أن هذا الوجه ضعيف؛ لأن من يرى نصب ولاية الفقيه من خلال تلك الروايات لا يقول بالولاية الفعليه، بل غاية ما تفيد الروايات التنصيب الوصفي، وهي  تفيد معنى الترشيح للرئاسة في اصطلاح العصر.

الثاني:لعل المراد بالرجوع إلى التوقيع إشارة إلى حوادث خاصة وقعت في السؤال ولا يعلم ماهي، فيُشْكِلُ حملها  على الاستغراق.

الثالث: القدر المتيقن من الجواب هو الأحكام الشرعية للحوادث، فالأخذ بالإطلاق مع وجود القدر المتيقن وما يصلح للقرينة مشكل[34].

الرابع: الظاهر من الحجية هو المأمور ببيان أحكام الله والفقهاء نواب عنه في ذلك.

الخامس: يحتمل المراد بالحوادث على ثلاثة أشياء: الأحكام الكلية للحوادث الواقعة، أو فصل الخصومات والأمور الحسبية، أو الحوادث الأساسية المرتبطة بالدول كالجهاد وعلاقات الأمم وتدبير أمور البلاد، فعلى الأولين لا يرتبط الحديث بأمر الولاية الكبرى، وعلى الثالث يحتاج في حل الحوادث إلى إقامة دولة، فيصير مفاد الحديث وجوب الرجوع إلى الفقهاء وتقويتهم حتى يتمكوا من حل الحوادث، وإلا كان الرجوع إليهم لغوا، وتحصل لهم الولاية بالانتخاب لا بالنصب[35].

ثالثا: رد الخوانساري على روايات الخميني:

وهناك احتمالات أخرى ذكر الخوانساري، تُصْرِف دلالة هذه الروايات عن الأمور العامة وتقصر في المسائل الشرعية وأمور الحسبة.

الأول: أن السؤال غير معلوم، فلعل المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام والسائل، وعلى فرض عموميتها، فالمتيقن منها هي الفروع المتجددة، والأمر الراجع إلى الافتاء لا الأعم.

الثاني: أن أدنى المناسبة بين نفس الحوادث وحكمها كاف، للسؤال عن حكمها، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام لا في نفس الحوادث.

الثالث:  أن الحجة تناسب الإبلاغ في الأحكام والرسالة على الأنام، كما في قوله تعالى:﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[36]، وقوله تعالى:﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[37]، وما ورد في بعض الروايات: (إن الأرض لا تخلو من حجة)[38]؛لأن به يتم الحجة ويهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولذا وصفهم: برواة الأحاديث الذين شأنهم التبليغ.

الرابع: أن راوي التوقيع هو محمد بن إسحاق، وهو ممن يروي عن الإمام المهدي المنتظر بواسطة محمد بن عثمان العمري أحد النواب الأربعة الخاصة في عصر الغيبة الصغرى، فسؤاله لا يكون ظاهرا في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى، حتى يكون الجواب ظاهرا في عموم الوقائع، بل يسأل عن المرجع في الفروع المتجددة في عصر الغيبة[39].

علاوة على ذلك، فإن اختصاص روايتى أبي خديجة بالقضاء واضح، ويضاف إلى ذلك ضعفهما أى الروايتين؛ لأن أبي خديجة له حالة اعوجاج عن طريق الحق، وهي زمن متابعة  الخطابية، وحالتا الاستقامة، وهما قبل الاعوجاج وبعده، ولم يعلم أنه رواهما في أي الحالات، وكيف كان الأمر، فالروايتان لا تدلان إلا على نفوذ قضاء المجتهد المطلق أو المتجزئ دون مطلق الأمور[40].

رابعا: استدلالات أخرى للخميني وما رد منها:

الأول: كذلك استدل الخميني بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:(اتقوا الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي)[41]، إلا أن دلالتها غير تامة كما حقق بذلك الشيخ المنتظري، وذلك أن لفظ الحكومة يتردد بين معنى القضاء وبين مطلق الولاية التي من شؤون القضاء،  وبالتالي، رجح الشيخ المتنظري دلالتها بالقضاء[42].

الثاني: كذلك، استدل الخمينيّ بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:لشريح:( ياشريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي)[43]، ووجه الدلالة إلى أن دائرة مفهوم وصي النبي فيها توسعة وتشمل الفقهاء[44]، لكن فيه نظر؛ لأن الفقيه لا يدخل في دائرة الوصيّ إلا من باب الأحكام الشرعية وإبلاغ الدعوة.

الثالث: كما استدل الخميني بهذه الروايات:(هم حجتى عليكم وأنا حجة الله)[45]، و(منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل)[46]، و(العلماء حكام على  الناس)[47].

بيد أن الشيخ كاظم الحائري، بيّن أن تلك الروايات من حيث السند والدلالة غير كافية في اثبات ولاية الفقيه[48].

كذلك، قال الشخ الخوئي بعد مناقشة الروايات: إن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة، ومورد ولاية الفقيه  في تلك الروايات مختصر بالفتوى والقضاء[49].

كما قال الشيخ الأنصاري بعد عرض الروايات:«لكن الانصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة... فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام عليه السلام- إلا ما أخرجه الدليل - دونه خرط القتاد»[50].

وبنفس هذا المنحى مال إليه آية الله الشيخ محمد جواد مغنية، حيث بيّن أن ولاية الفقهاء العدول تحصر بالفتوى والقضاء والأمور الحسبية، معللا ذلك«أن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة، ومن هنا، كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذلك، إلا؛ لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماماً، كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل، ولهذا، اعتبر الشيخ محمد جواد مغنية أن مقياس إسلامية أي دولة هو إسلامية القوانين والنظام وليس هيمنة الفقهاء«[51].

عموما، الذي يلاحظ من كلمات المراجع الدينية للشيعة، إتتفاقها على أن الروايات التي استدل بها الخميني، لا تفيد بالمعنى الذي توخي إليه الخميني، وهي دلالتها بالولاية المطلقة، بل  غاية ما تقتصر دلالتها هي ولاية القضاء والافتاء.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد ابراهيم

.............................

[1] -  الأنصاري، كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم،  الناشر،  المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران، ط2/1420ھ، ج3/ص552.

[2] -  كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص50-51.

[3] - المصدر السابق،ص51.

[4] - الشيخ عبد المنعم المهنا، الدولة الإسلامية بحث في ولاية الفقيه، (PDF)، (بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص9-10.

[5] - حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية، قم، إيران،  ط1/1408ھ، ج1/ص3.

[6] - هاني إدريس، الأمة والدولة في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين،( العدد 30، السنة الثامنة، تاريخ النشر، 21-6-  2001م)، أنظر الرابط:

http://www.kalema.net/v1/?rpt=266&art

[7] - القاضي عبد الرب النبي  نكرى،  دستور العلماء .. جامع العلوم في إصطلاحات الفنون، دار الكتب العلمية،

بيروت ، لبنان، ط1/2000م،ص178.

[8] -  محمد باقر  المجلسي، بحار الأنوار،  تحقيق، محمد مهدي الموسوي،[ وآخرون]، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط2/1983م، ج2/ص144.

[9] - آية الله  الخميني، الحكومة الإسلامية، ص48.

[10] - كاظم الحائري،  أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية،  قم، إيران، ط1/ 1979م، ص51.

[11] - المصدر السابق، ص50-51.

[12] - محمد حسن  النجفي،  جواهر الكلام، تحقيق، الشيخ عباس القوجاني، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران،  ط3/1362ش، ج11/ص190.

[13] - السيد محسن الحكيم، نهج الفقاهة انتشارات 22 بهمن، قم، إيران،(بدون تاريخ الطبع)، ص299.

[14] - ابن علي أكبر بن هاشم  الخوئي،  مصباح الفقاهة، تحقيق، جواد القيومي الأصفهاني، مكتبة الداوري، قم، إيران،(بدون تاريخ الطبع)، ط1/ص291.

[15] - محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية طهران، إيران،  ط5/1363ش،(الشمسية)، ج1/ص38.

[16] - الخميني، كتاب البيع تحقيق، ونشر، مؤسسة تنظيم ونشر أثار الإمام الخميني، طهران، إيران، ط1/1421ھ، ج2/ص361.

[17] -  كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص52

[18] - أبو داود  سليمان بن الأشعث السجستاني،  سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ الطبع)،  ج3/ص354.

[19] -  كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[20] - علاء الدين علي بن حسام فوري،  كنز العمال تحقيق، بكري حياني، [وآخرون]، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط5/1981، ج10/ص187.

[21] -  كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[22] - محمد باقر  المجلسي، بحار الأنوار،  تحقيق، محمد مهدي الموسوي،[ وآخرون]، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، ط2/1983م، ج2/ص80.

[23] - الشيخ محمد حسين  الأصفهاني، حاشية المكاسب، تحقيق،الشيخ عباس محمد آل سباع القطيفي، الناشر، أنوار الهدي، ط1/ 1418ھ، ص388.

[24] - كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية قم، إيران، ط1/ 1979م، ص52.

[25] - السيد حسين البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،  المهر، قم، إيران، 1415ھ، ج25/ص18.

[26] - كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص52.

[27] - محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط5/1363ش، ج1/ص412.

[28] - كاظم  الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية، قم، إيران،  ط1/ 1979م، ص53.

[29] - محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، لبنان، ط2/1991م، ص132.

[30] - علي بن الحسين  الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة،  تحقيق، علي أكبر الففاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران، 1405ھ، ص484.

[31] - الخميني، الحكومة الأسلامية،ص63.

[32] - كاظم الحائري، أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية،  قم، إيران، ط1/1979م،ص53.

[33] -- المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية ، قم، إيران،  ط1/1408ھ، ج1/ص480.

[34] - المصدر السابق، ج1/ص481.

[35] - المصدر السابق، ج1/ص481.

[36] - سورة الأنعام، آية:149.

[37] - سورة الأنعام، آية: 83.

[38] -  محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح علي أكبر الففاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط5/1363ش، ج1/ص178.

[39] - موسى بن محمد الخوانساري، منبة الطالب: تقرير بحث النائيني، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلاميّ، قم، إيران، ط1/1418 ھ، ج2/ ص334 .

[40] - المصدر السابق، ج2/ص335.

[41] - محمد بن الحسن  الطوسي،  تهذيب الأحكام، تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان،  دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط4/1365، ج6/ص217.

[42] -  المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة، المركز العالمي، للدراسات الإسلامية، قم، إيران، ط1/1408ھ ، ج1/ص138.

[43] - محمد بن أحمد بن إدريس الحلي، السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران، ط3/1410ھ، ج3/ص540.

[44] - الخميني،  الحكومة الإسلامية،ص60.

[45] -  الأنصاري، كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ،الناشر، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران،  ط2/1420ھ، ج3/ص553.

[46] -  علي بن بابويه القمي، فقه الرضا، تحقيق، مؤسسة آل البيت  لإحياء التراث، قم، الناشر، المؤتمر العالمي للإمام  الرضا، مشهد، إيران، ط1/1406ھ، 338.

[47] - المصدر السابق، ص338.

[48] - كاظم الحائري،  أساس الحكومة الإسلامية، دار الولاية ، قم، إيران، ط1/1979م، ص54.-

[49] -  ابن علي أكبر بن هاشم الخوئي، كتاب الاجتهاد والتقليد، دار الأنصار للطباعة والنشر، قم، إيران، ط3/ 1410ھ، ص419.

[50] -  الأنصاري،  كتاب المكاسب، تحقيق، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ،الناشر، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى بالمؤية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم، إيران، ط2/1420ھ، ج3/ص553.

[51] - الشيخ شفيق شقير،  نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر،(تاريخ النشر،3-10-2004م)،  أنظر الرابط:

http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/b89d2831-2b46-462f-9b5c-776d1b0edd80

 

بدر الدين شيخ رشيداعتبار السلطة السياسية من أصول الدين:

ربط سيد قطب السلطة السياسية بمبدأ ألوهية الله في العالم، فالسلطة والتوحيد كلاهما توأمان متلاحمان لا ينفصل أحدها عن الآخر، فبعثة الأنبياء من منظور سيد قطب كانت تنطلق من مبدأ «نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلي الله»، إلا أن علاقة السلطة السياسية، بمبدأ الألوهية عند سيد قطب لا تعدو أن تكون في معنى التحرر الإنسانيّ من جميع أنواع القيود البشرية؛ لأن التوحيد معناه الحقيقيّ هو التحرر المطلق من كل عبودية الأوهام، والنظم والأوضاع، فهو إعلان لميلاد التحرر البشري الكامل الشامل .

ويؤكد سيد قطب أن أهم مبادئ الحاكميّة هي تحرير الإنسان من ربقة عبودية غيره من جنس البشر، وهذا يفيد بأن الحاكميّة ليست معناها إلغاء دور الإنسان في ممارسة السلطة بل هو تمهيد لإصلاح الأرضية التي تمكّن للإنسان أن يمارس فيها السلطة السياسية، وهذا التحرر عند سيد قطب يبدأ من تحرير الضمير البشري من عناء التخبط في شتى الأوهام والأساطير إلى جمال العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة حقيقتها الكبيرة التي تمثلها العقيدة الإسلامية .

كما يؤكد سيد قطب أن تحرير الإنسان يتم عند ما يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وحينئذ يتم ميلاده  الحقيقي؛ لأن الناس يتساوون جميعاً أمام رب الناس .

وفي هذا المبدأ -أي تحرر الإنسان- يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره؛ وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحمّله تبعة عمله وحساب نفسه، وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني، التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله، أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها، غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها، فإما أن يعتنق مذهب الدولة، وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب؛ لأن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان، فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء، ومع حرية الاعتقاد يأتي حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة، وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة، والإسلام هو الذي ينادي بأن لا اكراه في الدين، وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين .

ومن هنا، يقرر سيد قطب أن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان، تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله، تحريره من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر ؛ لأن الإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان، بل يعلن  ميلاد الإنسان، فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله، وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعاً أمام رب الناس .

إشكالية  التشريع  بين السلطة و الأمة:

إن التشريع للأمة في كل ما يتصل بحياة الإنسان من الأمور السياسة والاجتماعية والاقتصادية، فالسلطة السياسة فرع عن الأمة في تنفيد، أو في مماسة السلطة السياسية، حسب الصلاحيات المخولة من الدستور الذي تم تقريره أو استفتاؤه من الأمة، وبهذا، تكون الأمة المصدر الأساسي للتشريع في كل ما يتصل بشؤون حياة الأمة.

الفرق بين الشريعة والتشريع:

كثير من الباحثين يخلطون بين الشريعة والتشريع بحيث يحصرون كليهما في ذات الله، وبالتالي يحكمون من يتناول التشريع في القضايا المستجدة، بأنه تدخّل في حق الله، ومن ثم  يسمون عليه بالكفر أو بالفسق، وهؤلاء لم يفرقوا بين الشريعة والتشريع، فالشريعة كما يقول سيد قطب هي من صنع الله ومصدرها القرآن والسنة ، أما التشريع، فهو تفعيل بمعنى التقنين، وهو يأخذ مفهوم الاجتهاد في المسائل المستجدة، يقول سيد قطب:«إن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية، ويسيرها، ويطهرها ويطلقها تنمو وترتفع معاً».

ولهذا، فالشريعة هي الأصول المستمدة من القانون، أما التشريع  فهو الفروع المتعلقة باجتهاد الأمة لتعالج قضاياها، وعلى هذا الأساس،  فالشريعة من وحي إلهي، أما التشريع فهو اجتهاد بشري.

فالتشريع في الغالب يطلق على ما يتصل باجتهاد الحاكم أو السلطة التشريعية، أو ما يتصل باجتهاد الفقهاء في الفقه الإسلاميّ، ولا فرق بينهما، إلا من حيث تعلقهما، فالفقه هو مجرد استنباط، أما التشريع فهو اجتهاد مع التطبيق، كما في عصر الخلفاء الراشدين، فاجتهاداتهم لم تكن مجرد فقه، بل إضافة إلى ذلك كانت تشريعا ملزما في زمنه، بخلاف ما بعد الخلفاء  الراشدين، بينما الفقه قد اقتصر على الاجتهاد النظري من غير تطبيق وذلك، للفصل  بين السلطة والفقه، ولذا، أصبح الفقه الإسلامي مجرد نظرية  مدونة في بطون الكتب.

إذن، فالتشريع الإسلامي هو من وظائف الأمة من خلال استقاء مصادره الأصليّة من كتاب وسنة، وباليالي فهو حركة ممتدة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا الأساس، فجعل سيد قطب التشريع من خصائص الألوهية لا دليل فيه، بل التشريع أيضا من حق الأمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك للأمة الكتاب والسنة، وفتح لهم باب الاجتهاد، ففي حديث  معاذ بن جبل  رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بم تقضي) ؟ قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد في كتاب الله )؟ قال: (بسنة رسول الله) .قال:( فإن لم تجد في سنة رسول الله) ؟ قال: أجتهد رأيي، فقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله) .

وربما نحمل التشريع الذي جعل سيد قطب من خصائص الألوهية التشريع الابتدائي، فهو الذي لا يشاركه أحد من الخلق، وهو يأخذ معنى الشريعة بمفهومها الوحيّ؛ لأنها  نزلت منه سبحانه وتعالى، أما التشريع الذي بمعنى التقنين، فهو من حق الأمة عن طريق الاجتهاد والاستنباط من الشريعة من خلال القواعد المقررة في الأصول.

ويدل ما قررنا  على أن عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يقال  له عصر الرسالة، كما يطلق عليه أيضا عصر التشريع، لكن الأخير لم ينقطع بخلاف الأول؛ لأنه متعلق بالوحي وبالتالي انقطع، أما التشريع فهو لم ينقطع، وذلك لتعلقه بالحوادث، وهو موكول إلى الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقول بالأمة بدل المجتهدين من علماء الدين؛ لأن الأمة تشمل بالمجتهدين من جهة، ومن جهة أخرى، فالتشريع لا يقتصر على الأحكام الشرعية المتعلقة المجتهد، بل يَعٌمُّ على جميع ما يتعلق بالحياة، والانسان، والكون، إذن، فالتشريع هو شىء يتعلق بالتطور فلا ينقطع إلى أبد الدهرر.

ومن هنا، يقرر الشيخ رشيد رضا تشريع الأمة من خلال الاستنباط والاجتهاد، وهذا التشريع يختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس الدينية والمدنية، حيث يرى أنه لا يقوم أمر حكومة مدنية بدون تشريع، ولا ترتقي أمة في معارج العمران بدون حكومة يكفل نظامها تشريع عادل، يناسب حالتها التي وضعها فيها تاريخها الماضي، كما لايصلح لأمة من الأمم شرع أمة أخرى مخالفة لها في مقوماتها ومشخصاتها وتاريخها.

كما يرد الشيخ رشيد رضا على من يرى أن التشريع من أبجديات الإفرنج، وأن الإسلام لا تشريع فيه للبشر؛ معلّلين في ذلك؛ بأن شريعته مستمدة من القرآن والسنة، وأن الأحكام المدنية والسياسية فيه قليلة محدودة، والزيادة فيها على ما في القرآن قليلة، ومناسبة لحال المسلمين في أول الإسلام دون سائر الأزمنة ولا سيما زماننا هذا، وأن الاجماع والاجتهاد على استنادهما إلى الكتاب والسنة، قد انقطعا وأقفلت أبوابهما باعتراف جماهير علماء السنة في جميع الأقطار الإسلامية،  وأن هذا هو السبب في تقهقر الحكومات الإسلامية المتمسكة بالشريعة الدينية ، واضطرار الحكومتين المدنيتين الوحيدتين التركية والمصرية إلى استبدال بعض القوانين الإفرنجية بالشريعة الإسلامية تقليدا ثم تشريعا.

علاوة على ذلك، يرى الشيخ رشيد رضا، أن ذلك جهل عن أصول الشريعة الإسلامية وأساس التشريع فيها، بحيث أن التشريع يتعلق بنظام الإدارة، والقضاء، والسياسة، والجباية، وتدبير الحرب مما لا دخل للتعبد والزلفى إلى الله ، ولهذا، ثبت أن «للإسلام تشريعا مأذونا به من الله تعالى، وأنه مفوض إلى الأمة يقره أهل العلم، والرأي، والزعامة فيها بالشورى بينهم« . ، ويعلل الشيخ محمد الغزالي بذلك أنّ«دائرة النص محدودة الأبعاد، ومن ثم قام القياس والاستنباط والاستحسان، وقام النظر الحر فى شئوون الدنيا، واستطاع المسلمون بالارشاد الإلهى أن يشرعوا لأنفسهم على امتداد الزمان والمكان» .

نماذج من التشريع في عهد الخلفاء الراشدين:

الأول: في عهد أبي بكر رضي الله عنه:

قد  حدث نماذج من التشريع في عهد  أبي بكر الصديق رضي الله عنه أهمها: قضية  اسقاط سهم مؤلفة القلوب، فعمر هو الذي اجتهد في إيقافها في عهد أبي بكر رضي الله عنه، و ذلك، لما رأى أن علة  تشريعها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  قد انتهت، وهي تقوية ضعف المؤمنين،  والجبر عليهم، فلما تقوت شوكة المسلمين رأى أنه لا حاجة إذن، في إعطاء سهم مؤلفة القلوب لرؤساء العشائر .

والمستفاد من فعل عمر هو التشريع فيما تقتضيه المصلحة مع وجود النص، وهذا التشريع ليس له عصمة بل يمكن أن ينقض باجتهاد آخر يأتي بعده؛ «لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله ليس جزءا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله» ، وعلى هذا الأساس، ذهب جماعة من العلماء  إلى أن سهمهم باق، وعللوا ذلك بأن الإمام ربما احتاج  إلى أن يتألف  قلوب الناس  في الإسلام، وإنما قطعهم عمر بن الخطاب لما رأى من اعزاز الدين، قال يونس بن يزيد:سألت  محمد بن مسلم الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك ، كذلك، يقول الإمام الرازي: والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قوماً على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة؛ لأنه لا دليل على نسخه البتة .

الثاني: في عهد عمر رضي الله عنه:

ومن  أهم ما وقع في عهد عمر بن الخطاب من التشريع هو إيقاع الطلاق الثلاث، وهو بخلاف ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه ، كما أنه أوقف تقسيم الأراضي المفتوحة، بل تركها لأصحابها لئلا يتحول الفاتحون إلى إقطاعيين، وبالتالي، ضرب على أصحابها الخراج لكى تكون مادة للمسلمين .

الثالث: في عهد عثمان رضي الله عنه:

وهناك نماذج كثيرة من التشريع اجتهد فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه منها: زيادة الآذان الأول من يوم الجمعة، وذلك لما توسعت المدينة وكثر الناس زاد عثمان الآذان الأول، كما أنه أكمل الصلوات الرباعية للحجاج في منى، ولما سأله عبد الرحمن بن عوف: ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر ركعتين وصليتها أنت ركعتين؟.. قال عثمان: هذا رأي رأيته .

الرابع: في عهد علي رضي الله عنه:

ومن أهم ما اجتهد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهده، هو التسوية في العطاء بين الناس السابقين واللاحقين، الغني والفقير، العبد والشريف، نقضا على اجتهاد عمر بن  الخطاب، القائم على المفاضلة في العطاء بين الناس، واحياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في العطاء ، وقد طبقها أيضا أبو بكر رضي الله عنه في عهد خلافته التسوية في العطاء بين الصحاية وغيرهم من المسلمين.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

 

سامح عسكر بالنسبة لما يسمى (علم تفسير القرآن) هذا محكوم برؤية المفسر نفسه.أي وجهة نظره المحدودة بحواجز الجغرافيا واللغة والزمن والمصالح والخطأ والهوى.. إلخ.. بالتالي لا يصح القول أن أي كتاب تفسير هو حجة على الدين لسبب واحد هو أن المُفسّر تحكمه مصالح مادية واجتماعية ونفسية تؤثر على رؤيته للقرآن غالبا، كمن يسقط آيات الجهاد من السلفيين على خصومه الشيعة والمسيحيين والصوفية وأحيانا سلفيين مثله لكن مخالفين لوجهة نظره..

باختصار: تفسير الشعراوي.. هذا رأي الشعراوي ، تفسير السيوطي.. هذا رأي السيوطي، والقول أن هذه التفاسير من ثوابت الدين شئ بشع جدا يرقى لتأليه الناس ورفعهم لمقام الأنبياء والآلهة، وقدسية الشعراوي خرجت من قدسية تلك التفاسير بالأساس، أي لو وصل الشعب والعامة لفكرة أن تلك التفاسير مجرد وجهات نظر عُرضة للخطأ فلن يُقدَّس شيخا سيُقدّس وبالخصوص مفسري القرآن.

لقد جعلوا تلك التفاسير من ثوابت الدين بناء على أصول فقه اخترعوها كأصل فقهي يسموه (دليل الأصول) ويعني ما يمكن إثباته بمطلوب خبري والمعني به الأخبار فقط كي تكون حاكمة ومهيمنة على الفقه، وبالتالي لا مكان للعقل في التفسير مما جعل نصوص القرآن - التي فسروها -غير منطقية ومتعارضة مع العلم وكل شئ ألفه الناس في عصر التكنولوجيا، ويمكن ملاحظة ذلك في انتفاضة الشيوخ عند نقد أي حديث في البخاري والكتب الستة، هذا ليس دفاعا عن مجرد كتاب وشيخ.. بل دفاعا عن مطلوب خبري تحول لدين موروث بالنقل عن أجدادهم منذ مئات السنين.

كذلك فاللتفسير مذاهب، منها (حديثية وعقلية ولغوية وروحية وعلمية) وهي الاتجاهات الخمسة التي صاغت نفوس البشر في رؤية النصوص ومنها خرجت بعض الفلسفات المعاصرة لإعادة قراءة تلك النصوص بمناهج مختلفة كالبنيوية والتفكيكية، أما السائد في تلك التفاسير القرآنية بنسبة 90% فهي محكومة بتفسير الحديث ، وبالتالي فسائر أنواع التفاسير الأخرى هي منبوذة في الأزهر والمملكة باعتبارها (طُرق ضالة) ، فعندما تسمع إذن شيخا يتهم آخر بقوله "انت بتعارض كلام ربنا" على الفور تعلم فورا أنه يقصد تفسير شيوخه هو بالروايات لا القرآن نفسه كون الإتنين لديه واحد..

أما الشائع بين المسلمين هي .. "تفاسير المحدثين".. فقط كالطبري وابن كثير والسيوطي والبغوي والشعراوي بسبب إنفاق السعودية والأزهر على طبعهم ونشرهم، وهذا مبعث اتهام البعض لهؤلاء بالتربح في الدين خصوصا ورثة الشعراوي لأنهم حتى الآن يستفيدون ماليا من أعماله التي قد تصل للملايين.. وبالتالي نحن نتكلم عن ظاهرة ليست فقط دينية بل رأسمالية دفعت ورثة الشيخ لاتهام ناقديه بالحرب على الإسلام كونهم متضررين من انهيار سمعة الشيخ ماديا واجتماعيا، ناهيك عن ربح الأزهر نفسه من بيع تلك الأعمال كمؤسسة وكباحثين قدموا أنفسهم للجمهور بصورة الشارحين والمُقرّظين للشيخ علما بأن الشعراوي لم يكن متفرغا للكتابة بل للتفسير فقام محققين كثر بجمع علومه في مصنفات..

وأما بقية شيوخ الأزهر بالذات فهم منتفضين لكون الشعراوي ممثل واضح لمذهب الأزاهرة منذ قرون تحديدا منذ أول شيخ للأزهر"محمد الخرشي" في العصر العثماني، وانهيار سمعة الشيخ عند العوام يهدم تلقائيا نفوذهم الديني والسياسي عند الجمهور، لقد وصفوه (بإمام الدعاة) أي لا إمام بعده أفضل لهم كسُمعة وصورة يقدموها للناس، وبالتالي الشعراوي تحول من مجرد إمام مفسر لأب روحي لكل شيوخ الأزهر تقريبا، مما يشرح كيف أن الشيوخ تعمدوا وضع الشعراوي في تلك القدسية رغم علمهم بمخالفتها لأصول وثوابت الإسلام، إنهم إذا حدثتهم بأن الشعراوي يخطئ ويصيب سيقولون نعم، لكن عندما تنتقد الشيخ وتتهم فتاويه بالتطرف يتهموك بالحرب على الإسلام.. شيزوفرينيا وانفصام تام بين القول والعمل يعاني منه الشيخ وطبيعي أن ينتقل للعوام من أثر تلك المعضلة..

أما التفاسير الأخرى فهي قد تكون أفضل من ناحية التوثيق العلمي والاستدلال المنطقي، لذلك ترى أكثر أعمال المفسرين طائشة وخرافية جدا بسبب اعتمادهم فقط على الحديث، وهذا سر استغراب الناس من بعض فتاوى الشعراوي الشاذة والصادمة كفتواه بتحريم نقل الأعضاء بقوله (سيبوه يموت) وقوله بضرورة قتل تارك الصلاه وأخرى كثيرة تقول بالتحرش وضرب الزوجات وكراهية غير المسلم.. .وغيرها، فالرجل باختصار شديد (مقلد) لمن سبقه وعمل على إحياء ثقافتهم الرجعية منذ العصرين المملوكي والعثماني.

أما موقف المفسرين من العلم والعقل سيظل هو المشكلة لديهم كونهم حتى الآن غير قادرين على الاعتماد على طريقة تفسير أخرى (غير روائية) بمعنى أنه لا توجد ثقة لديهم في أي منهج مختلف.. وبالتالي لا أمل منهم مطلقا في تجديد الدين المكلفين به من الدولة وأذكر جيدا كيف كانت تلك الجزئية أحد اعتراضاتي الكبرى على الرئيس السيسي في دعوته للأزهر بالتجديد، كونه يدعو ميتا لإبصار الخطر من بعيد فلم نصل بعد لنتيجة حاسمة تقول أن الأزهر ميت ولا ييقوم بأي جهد لكي يحيى مرة ثانية.. سيظلوا يبحثون عن تأويلات وتبريرات هربا من تكليفهم بالتجديد والثورة على موروثهم الروائي.. لكن في النهاية لن يستطيعوا موافقة العصر ، بينما يراهم المثقفين مجموعات من الجهلة والمتخلفين ما لم يدركوا أنهم يعيشون عصر العلم والإنترنت وما كان يليق في زمن المماليك لم يعد مقبولا الآن..

في السابق أتذكر جيدا كيف أن أحد القراء اختلف معي على الشيخ الشعراوي بقوله : أنت لا تفهم (فلسفة) الشيخ أصلا كي تختلف معه، هذا أفحم العقلانيين ورد على الإرهابيين في التسعينات..

قلت: الاختلاف مع الشعراوي ليس جريمة.. فهو بشر ليس إلها.. وللإنصاف أذكر له فعلا أنه رد على بعض الأفكار الإرهابية في التسعينات وهذا شئ جيد، لكن في المحصلة لم يُلزِم نفسه بما قاله، كان يُنكر على الإرهابي (انتقائيته) وإيمانه بنصوص دون أخرى سواء في القرآن أو في السنة، وهذا صحيح.. فالإرهابي انتقائي، لكن ما أعيبه على الشعراوي أنه كان انتقائيا أيضا، فهو يقر حرية الدين من ناحية ثم يقول (بقتل تارك الصلاة) من ناحية أخرى، يقول نحتاج لشيخ يفهم في الاقتصاد ثم يدعو للريان والسعد في شركات توظيف الأموال وهو لا يفهم في المال، إذا كنت تؤمن بجهلك الاقتصادي فكيف تدعم على قاعدة تجهلها؟

لكي تفهم عقلية الشعراوي فهي (عقلية سمع وطاعة) استمدها من طريقته في التصوف، يقولون في الصوفية ما دمت قد آمنت بشيخ الطريقة يجب عليك الالتزام بكل تعاليمه حتى لو كانت خطأ.. .وهو كذلك في الإسلام، يقول ما دمت أصبحت مسلما يجب أن تلتزم بكل تعاليمه ونصوصه دون تفكير، وقالها لفظيا (الإيمان بالآمر هو وجوب الإيمان بالأمر) أي ما دمت آمنت أن محمدا رسول فكل أوامره في السنة لك فريضة، وهذا المنهج (سلفي بحت) لكونه يرى ويسمع أحاديث البخاري التي تأمره بالقتل والاغتيال صحيحة تعبر أمر نبوي له صفة إلهية ، هكذا بدون بحث في سند الحديث أو متنه أو عقلنته أو اتفاقه مع روح الشريعة والإنسانية.

المشكلة أن ما قاله الشعراوي هنا ينفذه الإرهابي بالحرف فالإرهابي آمن أن الله هو (الآمر) وبالتالي الإيمان بالنص الظاهري يوجب عليه الإيمان (بالأمر) وتطبيقه فورا دون (تفكير) أو لحظة مراجعة للنفس، وهذا الأسلوب تمت صياغته في قاعدة سلفية شهيرة في التراث (من شك في كفره فهو كافر) فعندما يقول النبي في الحديث .. "لقد جئتكم يامعشر قريش بالذبح".. فهو أمر نبوي إلهي بذبح المشركين، ومن شك في ذلك فهو كافر..

هنا تفسير الشعراوي للعقل وكيف يشرحه على طريقته الصوفية ..

http://bit.ly/2xJZ0pf

http://bit.ly/2huVhG1

ومشكلة هذا التفسير في أن الإيمان بالأصل لا يلزم الإيمان بالتفاصيل، هو يقول (مُلزِم) وهذا غير صحيح.. فالموظف لو قبل تعيينه في شركة ثم تبين له أنها لا تعامله على الوجه الصحيح أو تبخس حقه أو أنها تصنع منتج غير قانوني أو نظامها غير أخلاقي.. من حقه أن يستقيل.. وهذا يعني أن الشعراوي بتقريره هذا المبدأ يمنع الاستقالة وتظل مظلوم مضطهد طوال عمرك، وبالقياس يمنع الخروج من الدين أيضا ويجعل له عقوبة.. فكلامه إذن عن حرية الدين ليس له معنى.. فهو يقر حد الردة وقتل الناس على الرأي قولا واحدا، ومن تلك المرجعية أفتى الشيخ بقتل تارك الصلاه باعتبار أن المسلم مأمور بالصلاه ومخالفة الآمر هنا ستكون خروجا ليس فقط عن الأمر بل عن الرسالة كلها.. وهذا تطرف واضح يكتشفه ذوي البصائر وغفل عنه ضعاف العقل والنظر..

طريقة الشعراوي هذه فسرها الشيخ حسين يعقوب بمثل مضحك وهو (الحمار والعمدة) ملخصه أن عقلك هو حمارك الذي سيوصلك إلى الله، لكن بعد وصولك لا تستعمل عقلك أبدا، وعليك بربط الحمار/ العقل بعيدا عن العمدة/ الدين ، وهذا منهج جماعة أهل الحديث عموما تقديم النقل على العقل، والسمع والطاعة للشيوخ وللحكام، وهذا قول غير صحيح بالمُجمَل، العقل هو الأداة والحجة التي تستدل بها على الأشياء، فإذا انعدم الدليل فلا حجة لك ، العقل هو وسيلة التواصل السلمية الوحيدة بين البشر فإذا انعدم العقل حضر الذل والاضطهاد بمختلف أشكاله، والشعراوي ويعقوب هنا يقران أن استخدام العقل بعد الإيمان جريمة تستوجب العقوبة.. وهذه ضريبة فورية يدفعها المسلمون الآن بفتن طائفية واستبداد وتخلف حضاري شامل أًصبحنا بسببه مسخرة الأمم..

هذا يعني أن الشعراوي يخطئ عادي فعلى ما قداسته؟

هو شيخ مثل كل الشيوخ..  له وعليه، يتصف بكل ما يوصف به رجال الدين من قلة المعرفة وضيق الصدر والإطلاع، فالمعرفة لا تعني العلم بالقصص أو باللغة العربية فقط، ولا حتى تعني تفسير القرآن بوجهة نظر معينة، يوجد مئات التفاسير وبعشرات الطرق والمناهج كما قلنا، الشعراوي التزم طريقة واحدة وتفسير واحد من هؤلاء ، لكن ما جعل له القبول هو تفسيره باللغة المصرية، وأمثلة أخطاء الشعراوي كثيرة في التفسير منها قوله أن يوم السبت هو من .. "السبات".. أي القعود والاستكانة، وهذا غير صحيح، هذا تفسير لغوي عربي يتجاهل نشأة اللفظ وتاريخه ومدلوله بين الأمم ..  كذلك الخطأ في ذلك المعنى كونه يصحح عقائد اليهود أن السبت فعلا كان لراحة الإله بعد الخلق من التعب.

يعني الرجل بتفسيره للسبت صحح عقائد مخالفيه من اليهود.

هناك وجهتي نظر على أصل يوم السبت:

أولا: أصل الكلمة (يوناني) وتعني.. "يوم العبادة".. وتنطق .. "سافوتو".. كان اليونان يعبدون الإله زحل ابن الإله زيوس، وكانوا يخصصون يوم السبت لعبادته، فانتقل هذا الطقس للرومان ومنه إلى اليهود والعهد القديم، وقد انتقلت الكلمة للغة الإنجليزية فتم تسمية يوم السبت .. "بيوم زحل".. لاحظ زحل بالإنجليزية.. "Saturn".. ويوم السبت بالإنجليزية.. "Saturday".. أما اليوم فيحتفل الأٌقباط بسبت النور وهو سابع يوم في أسبوع الآلام الذي ينتهي بأحد الشعانين والاحتفال بعيد قيامة السيد المسيح، وإلى وقت قريب كان المصريون يحتفلون بسبت النور هذا بمن فيهم المسلمين، كدليل على أن الطقوس المصرية القديمة موجودة، وقد شهدت بنفسي الاحتفال بسبت النور هذا، كنا نشعل نار ونحن صغار ثم نقفز من عليها.

ثانيا: أصل الكلمة (بابلي) وتعني.. "الحرام".. وتنطق.. "شيفتو".. وهذا الرأي نقله وول ديورانت في قصة الحضارة، وأيا كان أصل الكلمة يوناني أو بابلي فمعناها مقدس، وهذا منشأ تقديس هذا اليوم إلى الآن، ليس بمعنى الاستكانة أو القعود، بل العبادة والحرام .. بمعنى أن أي عمل سوى العبادة هو حرام، والخطأ في تفسير الشعراوي أن القعود والاستكانة قد تكون للعبادة أيضا.. يعني ممكن تنام طول اليوم لا تمارس أي نشاط.

معلومة: تكاد تتفق معظم المصادر التاريخية أن أيام الأسبوع على الأرجح سميت على أسماء الكواكب والأبراج والأجرام السماوية ، الأحد للشمس.. "sun".. والإثنين للقمر.. "mon".. وهكذا، حتى لو اختلفت في الإنجليزية ستجد لها أصل يوناني أو بابلي قديم، ومشهور أن اللاتينية-أم الإنجليزية- تأثرت باللغات القديمة السائدة في حضارتي اليونان وبلاد الرافدين.

باختصار: لو كان الشعراوي مهتم لمعرفة تلك المعلومات ما أفتى بأن معنى السبت من السبات، والدارس في التاريخ ومقارنة الأديان سهل جدا يمسك خطأ على الشيخ من استسهاله الفتوى والتجرأ عليها دون علم، ربما يوافق تفسيره ذلك هوى العامة فهو يتحدث منهم وإليهم، لكن ليس بالضرورة أن يتفق مع العلم.

خطأ آخر له في التفسير ناقشته قبل ذلك في أبحاثي عن رخصة الفدية وكشفت تلاعبهم اللغوي في عدة مقالات منها "رخصة الفدية في أحكام الصيام" " وعلى الذين يطيقونه فدية.. هل حدث تلاعب؟"، هنا الشعراوي أخطأ بنفي تلك الرخصة

في هذا الفيديو..  https://bit.ly/2oPfIoe

 

نزولا لمذهب الأشاعرة في تقليد السلف دون إعمال العقل في النصوص والشافعية بالعموم بتقليد المذهب الذي يقدم الحديث الصحيح كمصدر تشريع غالبا فوق القرآن باعتباره ينسخه رغم فتوى الشافعي المشهورة خلاف ذلك، ومن تلك الأخطاء التي وقع فيها الشيخ..

أولا: تفسيره أياما معدودات على أنها في غير رمضان.. بينما القرآن أثبت أن هذه اﻷيام شهر رمضان من وجهين:

1- قوله تعالى.. "فعدة من أيام أخر".. يعني استعمال لفظ العد في الصيام المكتوب دون مغايرة.. فلو كان رمضان غير اﻷيام المعدودة لقال.. "عدة شهر رمصان".. وعدم ذكرها يعني أن قوله شهر رمضان مكمل أو توضيح للأيام المعدودة.

2- قوله تعالى.. "لتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم".. إثبات للوجه اﻷول أن العد جاء من أول رمضان.. ثم جاء القضاء ضمن سياق العد ثم اﻹكمال .. .يعني أن الصيام المفروض كان واحد وليس اثنين..

ثانيا: أن تفسيره ذلك يقول بصومين اثنين.. بينما القرآن تكلم عن الصيام في عشرات اﻵيات على أنه صوم واحد ولا أعلم من أين أتى الشعراوي بالصيام في غير رمضان القرآن، فلو قال بأنها من السنة لعلمنا أن هذا تشريعا يوافق قولهم صيام الستة البيض وعاشوراء وغيرها من الأمور المستحبة عند السنة.. ..

ثالثا: قوله بالناسخ والمنسوخ وهي مصيبة في حق القرآن ابتلي بها المشايخ وتعني تبديل وتغيير آيات الله وفق هوى المفسرين والكلام فيها يطول، وأحيل القارئ لكتاب "لانسخ في القرآن" للمفسر والكاتب "أحمد حجازي السقا" وكتاب آخر للباحث "إيهاب عبده" بعنوان "استحالة وجود النسخ بالقرآن"

رابعا: سورة البقرة مدنية واﻷيتان محل اﻹشكال نزلا في محل واحد وفي زمن واحد وفي ظرف واحد.. وهما اﻷيتان (184و185) والنسخ-على حد قوله- يتطلب فارقا زمنيا بين اﻵيات أو على اﻷقل السور، مما يعني أن الشعراوي يتهم الرب بتشريع رخصة الفدية ثم تنازله عنها بعدها في خمس دقائق وهو قول بالبداء يتهمون به الطائفة الشيعية..

الحسنة الوحيدة لتفسير الشعراوي أنه أثبت ظاهر اﻵية وأنها بالفعل تخير بين الصيام والفدية.. وأن معنى اﻹطاقة هو القدرة.. وبالتالي أبطل ثلاثة أرباع تفسير من سبقوه الذين أضافوا حرف النفي (لا) لمعنى اﻷية وهو ما ناشقت تلاعبهم اللغوي ذلك في مقالي الثاني أعلاه.. ..

جانب آخر وهي معلومات يجب توفرها عن الشيخ كي نستطيع بناء موقف علمي وموضوعي مما يطرحه، خصوصا وأن هذه المعلومات هي موثقة بالصوت والصورة على موقع يوتيوب..

أولا: الشعراوي يُكفّر تارك الصلاة ويعطيه مهلة للتوبة إن لم يصلي يُقتل فورا، وهذا إن تم سيقتل كل الشعوب المسلمة تقريبا دون رحمة، وتعميم الشيخ في الفيديو المشهور لا ينبئ عن بصيرة وحكمة.. فحتى شيوخ السلفية لم يتجرأوا على الإفتاء بهذا العموم ومنهم من خلق أعذارا وتأويلا لكي يفلت من القتل، وعمومية الشيخ هنا وعدم استدراكه للخطأ يمثل لغزا

ثانيا: يدعو للخلافة الإسلامية كأي فقيه للجماعات، ويعتبر تلك الخلافة سنة إلهية لتحقيق العدل والسيادة للإسلام حسب رأيه، ولست بصدد عرض ذلك الفيديو الذي يدعو فيه لذلك.. فهو متوفر على يوتيوب بعنوان تفسير الآيات 133 سورة البقرة وما بعدها، وكثيرا من آرائه في تفسير آيات سورة التوبة تنحو به نحو الفقه الجهادي بالحرف، لكن نظرا لسمعته ووظيفته السابقة "وزير أوقاف" كثيرا ما كان يتحرى ذلك الموقف الجهادي بتأويلات شائعة له في لقاءات تلفزيونة غير مخصصة للتفسير، وهو ما أوجد لبسا في تصور مذهب الشيخ على حقيقته ووقع أنصاره وخصومه في بحر غموض الرجل الذي يزداد كلما تصدى لقضية مهمة وخطيرة..

ثالثا: كان من أنصار طاعة الحاكم وإن ضرب ظهرك، يعني سلفي، وتفسيره للقضاء والقدر كان لخدمة حسني مبارك حين وضع سلطانه قضاءا وقدرا، وبالتالي من يعارض مبارك هو يعارض قدر الله، والفيديو الشهير له عندما عاد مبارك من رحلة أثيوبيا في التسعينات وفشل محاولة اغتياله قال كلاما بلا معنى ظاهري ولا يُفهم منه سوى دعاءً للرئيس بقوله "إذا كنت قدرنا فالله معنا وإذا كنا قدرك فليعينك الله على أن تتحمل" هنا لم يحرر جواب الشرط وتركه عرضة لتفسيرات نالت من سمعة الشيخ ووصمته بالنفاق البائن، فمعنى أن يكون الشعب قدر مبارك أن الشعب هو الذي فُرِضَ على الرئيس وليس العكس، جملة لا محل لها من الإعراب ولا يمكن أن يُخرج منها بنتيجة..

تفسير الشعراوي للقدر كان مصيبة أحيا به الاستبداد الأموي وساهم في ترسيخ الظلم في المجتمع، وتفاسيره المشهورة على يوتيوب في تعريف الفقر والفقراء وأنصبة الزكاه المعلومة وسلطة ولي الأمر تقول بوضوح أن الرجل كان (دجّالا) أوهم العوام أنهم مسئولين عن فقرهم، والمظلومين عن ظُلمهم.. ربما يلتمس البعض للرجل عذرا لكونه مسئولا سابقا وشيخا شهيرا ممثلا للأزهر والدولة فلا يمكنه الإفتاء ضد الحكام.. وهنا المعضلة، أنه ما دمت قبلت على نفسك الإفتاء فلتفتي بالحق وإلا ترفض وتجلس في بيتك أكرم

رابعا: كان الشعراوي يوظف القرآن لخدمة الحاكم،معروف أن مشاركة مصر في حرب الكويت كانت لتسديد ديون مصر، لكن الشعراوي جعلها (جهادا مقدسا) فشارك في مؤتمر الجهاد في السعودية وقت الحرب وأفتى بجواز الاستعانة بالكافر ضد المسلم، وعام 1977 حدثت ثورة الخبز للمصريين ضد نظام السادات، أو ما عرفت بثورة الجياع ، كان وقتها الشيخ الشعراوي وزيرا للأوقاف، فأفتى الشعراوي ضد المتظاهرين أنهم (صناع فتنة) وشيوعيين ملاحدة، ويجب تطبيق حد الحرابة والقتل عليهم لخروجهم عن ولي الأمر.. المصدر: كتاب "حكايات من زمن فات" لكمال خليل.

خامسا: ساهم في إعداد مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية في السبعينات وقتل المرتدين.. الذي بسببه اعتكف البابا شنودة في وادي النطرون وهدد بصوم جماعي للأقباط، ففي عام 1978 تقدم الأزهر بمشروع تطبيق الشريعة الإسلامية، والدافع أن رؤية الأزهر وقتها كانت موافقة لرغبة الجماعات الدينية، بل تحالفت معاها ضد المسيحيين، وقد كان المشروع نتاجا لهذا التحالف الآثم الذي رأيناه بعد ثورة يناير واستقبال أحمد الطيب لقيادات الإخوان المسلمين..

هذه مسودة المشروع الإسلامي للأزهر..

  http://bit.ly/2qSpFg1

لاحظ مصطلحاتهم وقتها (اقتصاد إسلامي-مجتمع إسلامي-أمة إسلامية) وهي نفسها كانت مصطلحات الجماعات التي أسست بعد ذلك لشركات توظيف الأموال ومطالبة المسيحيين بدفع الجزية، وقد كان الشعراوي مشاركا في وضع ذلك المشروع هو وكبار شيوخ الأزهر، لاحظ أيضا المادة 14 التي تقول بمنع التبرج، كانت نسخة من الثورة الإيرانية بفرض الحجاب في مصر يقوم عليها الشيخ وأعوانه في مقدمتهم شيخ الأزهر وقتها عبدالحليم محمود، ولاحظ أيضا المادة 6 الخاصة بالمحتسب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يعني فرض نفس الوضع في السعودية ونقله إلى مصر بحذافيره، كذلك المادة 44 الخاصة بالإمام ووجوب طاعته والمادة 47 بمنع ترشح غير المسلمين لرئاسة الجمهورية..

سادسا: كان الشعراوي منتمي (فكريا) للإخوان المسلمين، وعارضهم فقط متأخرا عام 1987 بدعوى وحيدة هي (أن الإخوان بدأوا العنف قبل استيلائهم على السلطة) أي لو نجح الإخوان في حكم مصر كان الشعراوي سيصبح من أئمتهم.. والفيديو الشهير له بمدح الجماعة على يوتيوب موجود وخصوصا وصفه لحسن البنا بقوله "رضي الله عن شهيد استنبتها وغفر الله لمن تعجل ثمرتها" فالإخوان لديه شجرة "ما أروع ظلالها" وحسن البنا شهيد غرسها، أما الذين تعجلوا السلطة بقطف ثمارها قبل أوانها فهم الذين خالفهم الشيخ، مما يدل أن خلاف الشعراوي كان مع التنظيم ومنهجيته في السعي للسلطة لا في الأفكار والمذهب بشكل عام وهي دائرة أوسع من السياسة.

سابعا: الشيخ لم يقرأ كتاب واحد في حياته غير القرآن باعترافه هو، أي كان جاهلا بأبجديات كل العلوم الأخرى التي أفتى فيها دون علم كالاقتصاد والطب والسياسة، لذلك تورط فيها كلها، بل توجد اتهامات له بأن تفسيره مسروق من الفخر الرازي إمام مفسري الأشاعرة في القرن السادس الهجري دون إحالة للمصدر، واتهام آخر بنقل فتاويه من كتاب "العبودية" لابن تيمية، وقد وقفت على تشابه كبير بين تفسيره للعبادة وبين تفسير ابن تيميه لها بدءا من الصفحة رقم 20 وتعريف الشهادة من صـ 137 أما كتاب العبودية لابن تيمية فهو رسالة عقائدية للرجل تناول فيها موقفه من بعض المصطلحات القرآنية ومنها فصله للتوحيد إلى "توحيد ألوهية وربوبية"

وقد نقل الشعراوي كلام ابن تيمية بالحرف هنا..

  https://bit.ly/32fIewE

وفي كلامه تطابق مع نظرية سيد قطب في تكفير المجتمع القائمة في أساسها على فصل التوحيد لشطرين، وهو منهج مخالف لعموم الصوفية بالمناسبة، وربما هذا الرأي من أثر السلفية الوهابية على الشيخ إبان مكوثه في السعودية والجزائر، وقضية فصل التوحيد لشطرين "ألوهية وربوبية" هي مفصيلة عند الجماعات في تبرير تكفيرهم للمجتمع مما يعني أن كلام الشعراوي هنا أساس عند التكفيريين تبرأ من تبعاته بعد ذلك مثلما تبرأ الشيخ عبدالعزيز بن باز من جيهمات العتيبي في هجومه على الحرم المكي برغم أن جهيمان كان تلميذا لابن باز واستقى أفكاره الجهادية والمهدوية منه.

ثامنا: أفتى الرجل بحرمة أموال البنوك - أثناء ما كان وزيرا للأوقاف- وسنّ قانونا لإنشاء بنك فيصل الإسلامي ساعدت بعد ذلك في دعايته لشركات توظيف الأموال ومشاركته في تأسيس بنك الهدى الإسلامي في لندن، هذا كان له أثر سئ على الاقتصاد المصري وقتها القائم على بنوك القطاع العام..  ولا زلنا نعاني من تلك الآثار السيئة حتى الآن بهروب رأس المال إما للغسيل أو للحُرمة الشرعية، وقد فصّلت في محاضرتي على يوتيوب عن الاقتصاد الإسلامي كيف أن فكرة الشيوخ عن البنوك عامة (بلهاء) وغير علمية ملتزمة فقط بتصور القدماء عن سياسات المال، عِوضا عن قفز الشعراوي على موقف الأحناف الأوائل من زيادات المال وتعريفهم للربا بأنه ربا الفضل والنسيئة لا غير..

تاسعا : أفتى الشعراوي بجواز ضرب الزوجات وذلك بحجة سخيفة جدا هي: أنه لا يحق للزوجة الاعتراض على ضربها من زوجها طالما (كشفت عورتها) له، والرد على ذلك أن جسد المرأة ملكها وكرامتها ملكها، لا يحق انتزاعهم منها إلا بإذن، فإذا رضيت بكشف عورتها لزوجها فهذا عن عقد نكاح أما ضربها فلا عقد يوجب ذلك، وما قاله الشيخ (خلط وتدليس) لتبرير ضرب الزوجات الشائع عند فلاحين وفقراء مصر بالخصوص، ولو ما قاله صحيحيا فمن حقها أيضا ضربه أو صفعه طالما كشف الزوج عورته لها، ثم منذ متى كان كشف العورات موجِبا للضرب؟!!.. أما تشريع الضرب نفسه فقد رددت عليه في مقال "حكم ضرب الزوجة في الإسلام" خلصنا فيه بأن الأمر "اضربوهن" ليس على الوجوب أو الندب أو الجواز لكنه منع ضمني تدريجي لفعل الضرب الشائع وقتها في قريش بتقديم العظة والهُجران كوسيلة إصلاحية لفعل الضرب مما يدل على كراهيته.

عاشرا: كان الشعراوي ماهرا جدا بلغة جسده وتقريب ما يقوله بأساليب لغوية شعبية وخطابية أقرب لرجل الشارع، وقد سبق تعرضي لمطالب "أحمد لطفي السيد" بتمصير لغة القرآن على النموذج الأوروبي الذي تفككت به اللاتينية لعشرات اللغات المحلية مما خلق فرصا أكبر لفهم الكتاب المقدس ونقده بعيدا عن سلطة القساوسة، التي يبدو أن جزء كبير من احتكار رجل الدين للحقيقة الدينية يعود فيها للجانب اللغوي، أما الشعراوي فأسلوبه قرّب كثيرا من معاني القرآن للعامة وهذه حسنة تُحسب له، لكن خطابته ولغة جسده وأسلوبه التفاعلي أوجد قداسة عند أتباعه فور مماته الذين يتذكرون الشعراوي ليس فقط كفقيه، ولكن كونستالجيا يعودون فيها للزمن الجميل، مما يدل أن أسباب تعلق جماهير مصر بالشعراوي جزء منها نفسي بالحنين إلى الماضي وطقوس يوم الجمعة ولمّة الأقارب وخلافه، أما العلم فلا أحد يهتم كثيرا لفراغ الساحة تقريبا من المثقفين القادرين على ملء الفراغ.

ومثلما كان صعود الشعراوي سياسيا فالفراغ الذي أحدثه وتسبب في تقديسه لن يمتلئ إلا بقرار سياسي مماثل أعتقده إما بتصعيد وتلميع شخصية ما أو فتح باب الحريات لصعود عشرات البدائل، وفي ظني أن ذلك بعيدا جدا الآن لأسباب سقتها كثيرا بتكاسل مصر عن الإصلاح الديني ورفضها لاحتواء الرأي الآخر في مؤسسات الدولة بالمجمل ليس فقط الرأي التنويري المطلوب للنقد.

أما من يقدسون الرجل الآن لم يقرأوا –أو يسمعوا- له فتاوى وأحكام.. بل تفسير وقصص فلم يتعرفوا على مذهبه الحقيقي بعد، وأجزم أن لو ظهر الشعراوي بفتاواه وأحكامه وقتها لتغيرت النظرة ، صحيح الرجل له شعبية في مصر لكن هذا من فرط الجهل.. وتذكروا أن شعبية .. "محمد حسان".. كانت تفوقه منذ 10 سنوات، الآن أنظروا لشعبية حسان لقد هبطت بفعل الزمن والأحداث وتبدل الأحوال، وما تلك الحملات دفاعا وهجوما على الشيخ إلا خلخلة وهزّا لأعمدة القداسة التي غرستها السلطة المصرية للرجل منذ السادات حتى وفاته، وشيئا فشيئا ومع توالي السنوات سيكتب التاريخ أمرا مختلفا عن الشعراوي لن يخرج عن صورة الكاهن المتطرف والدجال المنافق الذي خدم الأغنياء والحكومة أكثر من الفقراء والكادحين، والجاهل الذي عادى العلم والعلماء ونشر الغباء والتشدد بين فلاحين مصر وفقرائها..

هذه ليست شيطنة ، الشعراوي فيه خير كثير يكفي أنه كان وطنيا داعيا للتقريب بين المسلمين خصوصا السنة والشيعة، وتفسيره للقرآن به أشياء جيدة، وأعماله التنموية نفعت بعض الفقراء، لكن بالنظر للنصف الآخر من الكوب نرى أنه تسبب في خسارة المصريين لأموالهم في شركات توظيف الأموال مثلا، كان وقتها أحد الدعاة لهؤلاء النصابين في التلفزيون، كذلك كان من دعاة الكراهية الطائفية وتفسيره (المؤدلج) للقرآن وضع المسيحيين في خانة العدو للمسلمين، ورفض وقتها مقولة .. "الدين لله والوطن للجميع".. في الفيديو الشهير له مع البابا شنودة، برغم أنها كلمة صحيحة ضمنيا وتتفق مع مبادئ الإسلام العليا في إقرار الحريات الدينية ، لكن الشعراوي حرّفها إلى.. "الدين لله والوطن لله".. يقصد أن يكون المسيحيين أذلاء وخاضعين لحكم المسلمين تبعا لتفسير معنى الله عنده هو كمسلم..

ويبقى نموذج الشعراوي أزمة لرجال الدين المصريين عامة، فلطالما وُصِف بإمام الدعاة وقُدّس في الإعلام لهذا الحد الذي تضطر فيه إحدى المذيعات التي وصفته بالتطرف للاعتذار.. سيظل دائما وأبدا هو ورقة التوت التي تستر عورات المشايخ أمام الجهلة، فمع وقوف العامة على أخطائه أحيانا وإقرار بعضهم بالمخالفة – ولو نفسيا – إلا أن حبهم لهذا الشيخ يمنعهم من التجرؤ على الاعتراض، وهو تفسير سقته كثيرا بأن خلافات الناس في معظمها نفسية تستوجب خلافا لاحقا في العقل والمصالح

الشعراوي الذي يفتي بالمذهب الجبري وتبرير أفعال الحكام ومقولته الشهيرة "لا تسأل عما تفعل" يقف ضد مصالح الفقراء ويعمل لصالح الأغنياء، مع ذلك فالفقراء هم أكثر من يدافعون عنه دون البحث في أصول وأسباب سطوة ذلك الشيخ على عقولهم.. قد تكون الأسباب ما بين الجهل والفراغ وعقدة استكهولم، لكنها في تقديري مجرد تعبير عن علاقة الشعراوي بالسلطة فقط لا غير، الرجل يختلف فقط مع الإخوان أنهم سعوا للسلطة وله مقولة جبرية شهيرة "لن يحكم أحد إلا بمشيئة الله فيجب ألا يسعى أحد إلى السلطة " وقالها بلفظ آخر "لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله" و" لا تقلق من تدابير البشر فأقصى ما يستطيعون هو تنفيذ إرادة الله"..  وهذا عين المذهب الجبري الذي سفك به الحجاج والأمويين دماء الأبرياء .

وله رأي شائع أيضا في نفي وتحقير الأسباب يطول ذكره وكثيرا ما كان يردده على المنبر ك "حين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب" و"الذين يغترون بوجود الأسباب نقول لهم اعبدوا واخشعوا لواهب الأسباب" و "الإنسان الذي يستعلي بالأسباب سيأتي وقت لا تعطيه الأسباب".. هنا مذهب صوفي واضح كان يؤمن به الشيخ أبو حامد الغزالي اشتهر بعد ذلك ب (نفي السببية) وما نتج عنه من نشر الخرافات والتواكل وتحقير قيمة العمل والعلم، مما أدى بالتبعية لانحطاط المسلمين وتعلقهم بالأوهام وعزلتهم عن قوانين الكون التي اكتشفوا حقيقتها مع بدء غزوات الاستعمار في بداية القرن 19

أما ملخص رأي الشعراي في الجبر أنه ما دام قد سبقت مشيئة الله في الحكم فالاعتراض على تلك المشيئة سيكون كُفرا، هنا أصبح الاعتراض على الحاكم كفر في حد ذاته لأنه سيكون معارضة آلية للدين والرب، توظيفا مغرضا للدين وتفسيرا مضللا سبقه آلاف الشيوخ به، لكن أن يفتي به شيخا أزهريا ووزيرا للأوقاف في عصر الذرة والصورة والعلم لسرعان ما ينكشف خداعه بسرعة، لذا قلت أن المستقبل لن يكون لصالح رجال الدين عامة والشعراوي بالذات سينال سخطا بوصفه المعبود الأول لشيوخ مصر والصنم الواجب تعزيزه لمصالح نافذين معروفين استفادوا منه في حياته.. ويستفيدون الآن بعد مماته ب 21 عام..  

 

 للكاتب سامح عسكر

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (4)

مفهوم ولاية الفقيه عند الخميني: ناقش الإمام الخميني مسألة ولاية الفقيه في عدة كتب من مؤلفاته مثل:« كشف الأسرار» الذي ألفه عام( 1941م)، وكتاب: « البيع»، و«ثلاث رسائل» تكلم فيها ولاية الفقيه، وكتاب: «الحكومة الإسلامية» الذي ألفه عام( 1970م)، في النجف أثناء منفاه في العراق، فذكر أن حكومة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، هي حكومة إلهية، يتولى تشكيلها الله سبحانه وتعالى ولا يَكِلُها إلى أحد،«بل بحكم العقل، الله هو الذي يشكل الحكومة للناس ويشرع الأحكام»[1]، أما في زمن الغيبة، فذكر الإمام الخميني أنها حكومة المجتهد، وهي تندرج تحت المسائل الفرعية الفقهية، حيث كان البحث فيها يدور بين المجتهدين على  نقطتين: في ثبوتها، وفي حدودها سعة وضيقا[2].

هذا، وقسّم الإمام الخميني الولاية إلى قسمين: ولاية تكوينية وولاية اعتبارية، فذكر أن ولاية الفقيه هي من ضمن الولاية الاعتبارية، لا التكوينية، والفرق بينهما أن الولاية التكونية تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، أما الولاية الاعتبارية، فليس لها واقع سوى جعل القيّم على الصغار، وعلى هذا الأساس، فالقيّم على الأمة لا يختلف عن القيّم على الصغار من ناحية الوظيفة والدور[3].

إذن، فولاية الفقيه بالمفهوم الاعتباري عند الخميني تعنى بها الحكومة وإدارة البلاد وتنفيذ أحكام الشرع، وهي ليست إلا وظيفة الحكومة حيث يقوم بها الفقيه لإجراء أحكام الإسلام[4].

يلاحظ من كلام الخميني أن حكومة ولاية الفقيه حكومة بشرية مبنية على الاجتهاد، وليست حكومة إلهية، ويستفاد من كونها حكومة بشرية من خلال كلامه حول الحكومة من ثلاث نواحي:

الأول: كون الإمام الخميني قصر الحكومة الإلهية بحكومة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة، وذلك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تشكيل الحكومة بنفسه لا غيره، ومفهومه أن ما بعد حكومة الأئمة، فالأمة هي صاحبة الولاية بنفسها في تشكيل الحكومة، والفقهاء ليس لهم اختصاص خاص بشأن الحكومة في زمن الغيبة، بل هم من جملة الأمة،  وذلك لفقدان العصمة في حقهم، بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة، وعلى هذا الأساس، فحكومة الفقهاء في عصر الغيبة هي حكومة بشرية تخضع لإرادة الأمة.

الثاني: اعتبار الإمام الخميني حكومة ولاية الفقيه في زمن الغيبة حكومة المجتهد، كما اعتبر أدلة ولاية الفقيه من ضمن المسائل الفرعية الفقهية، فالقيد الأول: يفيد بأن الحكومة عند الخميني في عصر الغيبة هى حكومة بشرية لا تتسم بأي صفة دينية، وذلك؛ لأن المجتهد  يصيب ويخطئ، ولما كان اجتهاده معرضا للخطأ والصواب استلزم  تقييد سلطته بسلطة الأمة؛ لأنها معصومة عن الخطأ بجملتها من جهة، ومن جهة أخرى هي صاحبة السلطة في عصر الغيبة، وهو أمر يتفق عليه أهل السنة، والشيعة القائلون بولاية الأمة في عصر الغيبة، أما القيد الثاني: فيفيد أن أدلة ولاية الفقيه هي أدلة ظنية وليست قطعية، فهي كالمسائل الاجتهادية الفرعية، وهي تختلف حسب وجهات النظر بين الفقهاء، ولذا، رأى بعضهم من خلال النصوص الواردة في حق ولاية الفقيه، أنها تنهض  إلى نصب الفقيه للولاية، بينما نفى آخرون ذلك وقيدوا سلطته بالأمة[5].

الثالث: جَعَلَ الإمام الخميني ولاية الفقيه من الأمور الاعتبارية العقلية، وهي أمور ذهنية  نسبية لا وجود لها في الخارج، فهي تختلف حسب تعلقها بالخارج من اجتهادات الفقهاء، وهذا بالتأكيد يفيد أن حكومة الفقيه هي حكومة بشرية فرعية قابلة للأخذ والرد، تتغير من شكل إلى شكل بحسب الزمان والمكان والاجتهاد، ويدل على ذلك، تعدد وجهات النظر حول نظرية ولاية الفقيه حتى وصلت إلى تسع نظريات،كما ذكرها محسن كديفر، وهي: نظرية الفقهاء التعيينية الخاصة، وولاية الفقهاء التعينيية العامة، وشورى المراجع، قال بها  السيد محمد الشيرازي، ونظرية ولاية الفقيه التعيينية المطلقة، ذهب بها الخميني، والحكومة المشروطة، قال بها محمد حسين النائيني، وخلافة الأمة وإشراف المرجعية، ذهب بها محمد باقر الصدر، وولاية الفقيه الإنتخابية المقيدة، ذهب بها الشيخ حسين علي المنتظري، وولاية الأمة على نفسها، ذهب بها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ونظرية العقد والوكالة، قالها الشيخ مهدي الحائري[6].

مفهوم الحاكميّة عند سيد قطب:

إن مفهوم الحاكميّة عند قطب هو سيادة الشريعة، ويفيد معنى تحرر الإنسان من قيود الاستبداد البشريّ يقول سيد قطب: «إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع - متمثلة في سيادة شريعته الربانية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد، وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام، أو للحضارة ،كما هي في ميزان الله»[7].

وعلى هذا الأساس، فمفهوم الحاكمية عند سيد قطب يفيد معنى الحرية الناتجة عن توحيد الله؛ إذ جعل الإسلام الحرية مبدأ أصيلا يضرب بجذوره في أصل العقيدة، وذلك عبر التوحيد وهي الفكرة المركزية العميقة التي تتمحور حولها جميع  المبادئ والقيم والتصورات الإسلامية؛ فالتوحيد في جوهره هو عمق التحرر من كل سلطان في هذا الوجود، سواء أكان سلطانا خارجيا، كسطوة الحكام ورجال الدين والعادات والتقاليد، أو سلطانا داخليا، كالأهواء والشهوات والأوهام والخرافات، لقد اكتسبت الحرية في التصور الإسلامي قوة المبدئية مالم تكتسبه في التصورات والفلسفات البشرية الأخرى؛ لأنها تنطلق من صميم الاعتقاد المسلم، فشهادة التوحيد التي بها ينعقد الإسلام تقوم على ركنين أساسيين: النفي لا إله، والإثبات إلا الله، فالنفي هو حقيقة التحرر، والإثبات هو حقيقة التوحيد والنفي قبل الإثبات، ومن ثم، فلا يمكن أن يحقق كمال التوحيد مالم يتحرر الإنسان من كل طاغوت في هذا الوجود[8].

أما الحاكميّة السياسية، فالأمة هي صاحبة السيادة، وقد أقر سيد قطب بها للأمة،حيث بيّن أن الشرع خول مزاولة السلطة والحكم إليهم، فهي التي تختار في النظام الإسلامي الحاكم،  فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله[9].

والخلاصة: أن الحاكمية لها  دلالتان:دلالة بمعنى التحرر العقدي، وهو مفهوم عام يستفاد من  كلمة التوحيد، ولاعلاقة له بالسلطة السياسية، ودلالة سلطوية سياسية تمارس بها الأمة،بحكم كونها المستخلفة في الأرض.

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

......................

[1]- آية الله الخميني، كشف الأسرار، ( PDF)، الترجمة الصحيحة  غير المحرفة) بدون تاريخ الطبع  والناشر). ص179.

[2] - المصدر السابق،ص179.

[3] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)، بدون تاريخ  الطبع والناشر) ، ص38.

[4] - المصدر السابق، ص38.

[5] - المصدر السابق،ص 59-60.

[6] - محسن كديفر، تسع نظريات لولاية الفقيه ترصد مسيرة الفكر السياسي الشيعي، عرض، ميرزا الخويلدي،(تاريخ النشر 21-9-2013م)، أنظر الرابط:

http://www.rasid.com/?act=artc&id=20851

[7] - سيد  قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة،  مصر، ط2/1997م، ج2/ ص178.

[8] - عبد الله المالكي، سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط1/2012م، ص122-123.

[9] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص1990.

 

بدر الدين شيخ رشيد

مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (2)

وظّف كل من الخميني وسيد قطب مفهوم الإمامة كوسيلة لتغيير المجتمع، وذلك باعتبارها النموذج الأمثل الذي تحقق من ناحية السياسة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فالخميني اعتبر الإيمان بالولاية، جزءا من مشروع اصلاح الأمة من خلال وجود حكومة إسلامية تنفذ الأحكام، هذا، كما يرى أن قيام الحكومة لا يمكن إلا الاعتقاد بولاية عليّ أى تعيين النبي صلى الله عليه وسلم عليا لأجل الحكومة[1]، بينما سيد قطب- انطلاقا من رؤية أهل السنة في الخلافة- نفى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد عيّن أحدا بعده، ومفاده نفي الدولة الدينية، غير أنه تبنى مفهوم الحاكمية، الذي هو من مصاديق الخلافة من حيث السلطة، باعتبارها النموذج الأمثل الذي تحقق في الأرض على مر التاريخ الإسلامي.

فالولاية عند الخميني هي وحدة متماسكة، تنطلق من مبدأ ولاية الله، وتأخذ ثلاثة مستويات:ولاية الرسول صلى اله عليه سلم، وولاية الائمة المعصومين عند الشيعة، وولاية الفقهاء. فولاية الأئمة عنده، فرع عن ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما ولاية الفقهاء فرع عن ولاية الائمة، وعلى هذا، فالولاية لها مقامان: مقام تكويني معنوي، ومقام اعتباري حكومي، والجانب الأخير يتعلق بوظيفة الحكومة؛ لأنه لولا الحكومة لتعطلت الأحكام، وعلى هذا، فمن الضروري الاعتقاد بولاية عليّ لأجل إقامة الحكومة الإسلامية، وذلك لاستلزام تنفيذ الأحكام على تأسيس الحكومة، كما تتطلب تبيان حقيقة الأحكام الإسلامية[2].

استلزام تنفيذ الأحكام بتأسيس الحكومة عند الخميني:

الإمام الخميني يرى أن وجود القوانين المدونة وحدها لا تكفي لإصلاح المجتمع، فلابد من سلطة تنفذ الأحكام[3]، بينما سيد قطب يرى أن المجتمع الإسلامي، يعيش في جاهلية مثل الجاهلية الأولى في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو أشد، ولهذا، لا ينبغي الاشتغال بالتشريع قبل إيجاد مجتمع «مسلم ناشئ من الدينونة لله وحده ، مصمم على تنفيذ شريعته وحدها، ثم بعد ذلك-لا قبله- ينشأ فقه إسلامي مفصل»[4]، ذلك؛ لأن الفقه الإسلامي، حسب رؤية سيد قطب هو وليد الحركة الإسلامية، فهي التي تنشىء المجتمع الذي يقرر أن تكون الدينونة فيه لله وحده، ومن ثم ينشئ الفقه الإسلامي ويتحقق نموه من خلال حركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية[5]، ولهذا، يرى سيد قطب أنه«لم يكن قط فقه مستنبط من الأوراق الباردة ، بعيداً عن حرارة الحياة الواقعة»[6].

لكن، قد يخضع الاختلاف بينهما، كما سبق أن أشرنا، بسبب اختلاف تركيب المجتمع السني والشيعي من حيث الفكر السياسيّ؛ لأن رؤية الخميني في السلطة التي تنفذ الأحكام واضحة عنده، وهي سلطة الفقيه، بخلاف رؤية سيد قطب، فالسلطة التي تنفذ الأحكام تنبثق من الأمة، إلا أنها غرقى في الجاهليّة[7]، ومن ثم، تحتاج إلى جهود مضنية في بناء الأمة الإسلامية، مرة أخرى بعد ما خرب الاستعمار عامرها وجفف غامرها[8].

هذا، ويستدل الإمام الخميني بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته على لزوم تشكيل الحكومة، من جانبين:

الأول: أنه صلى الله عليه وسلم قام بتشكيل حكومة، وقام بتطبيق القوانين وتثبيت أنظمة الإسلام، وإدارة المجتمع فأرسل الولاة إلى رؤساء القبائل، والملوك، وعقد المعاهدات والاتفاقات، وقاد الحروب، والتاريخ يشهد على ذلك.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم عيّن حاكما بعده، فهذا يعنى لزوم استمرار الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وسلم[9].

حقيقة الأحكام الإسلامية:

قلنا في الفقرة السابقة، أن سيد قطب، لم ير ضرورة طلب الحكومة،  ولا تقنين القوانين قبل قيام المجتمع المسلم، وهو ينطلق من أن المجتمع الإسلامي اليوم يعيش في جاهلية، وعلى هذا، فتطبيق الأحكام قبل بناء المجتمع، توقع في فراغ؛لأن«الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية...فقد وجد الدين أولاً، ثم وجد الفقه،  وليس العكس هو الصحيح»[10]، بينما تجد فكرة الخميني على العكس من ذلك، حيث يرى أن تنفيد الأحكام من خلال الحكومة «يبني نظاما اجتماعيا شاملا، ويوفر هذا النظام الحقوق لكل ما يحتاجه البشر» [11].

وأهم تلك الأحكام التي هي ركائز قوام المجتمع الإسلامي عند الإمام الخميني ثلاثة، وهي: الأحكام المالية، أحكام الدفاع الوطني، أحكام الحقوق الجزائية.

أولا: الأحكام المالية:

استدل الإمام الخميني على قيام الحكومة على أحكام المال في الإسلام، وذلك؛ لأن الضرائب الخمس التي فرضها الإسلام تدل على لزوم تشكيل الحكومة، وتأمين المصارف الضرورية لدولة كبيرة، وليس لمجرد سد رمق الفقراء من السادة الهاشميين، وغيرهم، والخمس معمول به في الفقه الإمامي الشيعي، ويتناول الزراعة والتجارة والمصادر المخزونة في جوف الأرض أو الموجودة فوقها[12]، إضافة إلى ذلك، ذكر الإمام الخميني مواردا أخرى مثل: الجزية والخراج،  وهكذا، يتكون رصيد ضخم مالي، يمثل الزكاة، والصدقات، والتبرعات، والخمس، والجزية، والخراج[13].

أما سيد قطب، فتناول سياسة المال في الإسلام في كتابه:«العدالة الإجتماعية»، وأطال النفس فيها من جانب الملكية الفردية، وما يتعلق بالمجتمع، كالزكاة، والحقوق المتعلقة بالمال غير الزكاة المفروضة، فهو شرح الزكاة كقاعدة للتكافل الاجتماعي، الذي لا يحتاج إلى ضمانات النظام الربوي في أي جانب من جوانب الحياة، فذكر أن الزكاة حق مفروض تحصله الدولة المسلمة لتكفل كل من تقصر به وسائله الخاصة من الجماعة المسلمة[14].

وهناك مصادر أخرى غير الزكاة عند سيد قطب تخضع لمبدأ: المصالح المرسلة، ومبدأ سد الذرائع« عند تطبيقها في محيط أو سع يمنحان للإمام الذي ينفذ شريعة الله سلطة واسعة لتدارك كل المضار الاجتماعية بما في ذلك التوظيف في الأموال، رعاية للمصالح العام للأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية»[15].

وليس الإشكال عند الخميني وسيد قطب في المال العام من جهة المصدر والمصرف، فهذا، من وظيفة الفقه، لكن الإشكال، كيفية توظيف المال العام الذي هو حق للمجتمع في الوقت الراهن، وفعلا، كلاهما قرّر أن المال العام هو من وظيفة الدولة، لكن الدولة غير موجودة حاليا، وهذا قدر يتفقّ عليه كلاهما فيه، إلا أن الإشكال من جهة الإمام الخميني يرتبط بين المال والحكومة «فإن الأحكام المالية للإسلام تدل على لزوم تشكيل الحكومة، ولايمكن تطبيقها إلا عن طريق إقامة النظام الإسلامي»[16].

لكن سيد قطب من جانبه، رسم سياسة المال من جهة التشريع والتوجيه، كمفهوم نظريّ فقط، فأشار إلى أن التشريع هدفه تكوين مجتمع صالح للرقي والنماء، حيث جعل الإسلام حق المال الزكاة، وهو قدر معلوم، كما جعل للإمام الحق في أن يأخذ بعد الزكاة ما يمنع به الضرر، وهو حق كحق الزكاة عند الحاجة إليه، موكول إلى مصلحة الأمة وعدالة الإمام، وقواعد النظام الإسلامي، أما من جهة التوجيه، فقد حبب إلى الناس أن ينسلخوا من كل مالهم وينفقوه كله في سبيل الله[17].

ثانيا: أحكام الدفاع الوطني:

الدفاع عن أراضي المسلمين هو مطلب إسلامي واجب، وله أحكام مقررة في في الفقه، فالإمام الخميني يرى أن الأحكام التي تتعلق بحفظ نظام الإسلام والدفاع عن جميع أراضي الأمة الإسلامية واستقلالها تدل على لزوم تشكيل الحكومة[18]، فالخميني وسيد قطب كلاهما يشتركان من حيث الرؤية على أن ما قام في العالم الإسلامي من أنظمة لا تمثل وجه الحقيقة للإسلام، فالخميني يلقي القصور على حكام المسلمين من حيث الإهمال وعدم الاستعداد وحشد ما أمكن من القوى المسلحة بشكل عام [19]،  وبالتالي عدم الاستفادة من نداء الله سبحانه وتعالى في قوله:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾[20].

كذلك، شيّد سيد قطب أحكام الدفاع، لكن بصورة أوسع من رؤية الخميني، حيث تتجاوز حدود الدفاع عن الوطن، بل هي دفاع عن حرية الدعوة وإبلاغها لكل زاوية في الأرض بلا عقبة، وتأمين الفرد في كل زاوية من زوايا الأرض الذي يريد أن يختار الإسلام عقيدة، وسيادة لنظام فاضل وقانون فاضل، يأمن الناس كلهم في ظله، وبالتالي، فمن اختار عقيدته ومن لم يخترها سواء[21].

ثالثا: أحكام الحقوق الجنائية:

الأحكام الجنائية أحكام تتعلق بالدولة، وهي قدر متفق عليه بين الخميني وسيد قطب، غير أن الفرق بينهما هو تقييم حالة المجتمع الراهن وإجراء الحقوق الجنائية، فالخميني يرى ضرورة وجود سلطة الحكومة لاجراء أحكام الجنايات[22]، أما سيد قطب فالمسألة تختلف عن منظور الخميني، فهو يركز على اعداد المجتمع قبل كل شىء يقول: «إن الجهد الأصيل، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولاً إلى إقامة المجتمع الخير، وهو الذي يقوم على منهج الله قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية، شخصية وفردية، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[23].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد - الصومال

.........................

[1] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص13.

[2] - المصدر السابق، ص13.

[3] - المصدر السابق، ص17.

[4] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص110.

[5] - المصدر السابق، ج4/ص318.

[6] - المصدر السابق، ج4/ص109.

[7] - المصدر السابق، ج3/ص189.

[8] - محمد الغزالي، كفاح دين ، دار النهضة،  القاهرة،  مصر، ط1/(بدون تاريخ الطبع)، ص119.

[9] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص16-17.

[10] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج4/ص109.

[11] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ،  )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص20.

[12] - المصدر السابق، ص21.

[13] - المصدر السابق، ص22.

[14] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق ، القاهرة ، مصر، ط13/1993م، ص117-118.

[15] - المصدر السابق، 123.

[16] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية(PDF)) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص23

[17] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط13/1993م، ص87.

[18] - آية الله الخميني الحكومة الإسلامية، (PDF)) بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص23

[19] - المصدر السابق، ص23.

[20] - سورة الأنفال، آية:60.

[21] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق القاهرة، مصر، ط2/1997م،  ج2/ص734.

[22] - آية الله الخميني ، الحكومة الإسلامية، (PDF) ، )بدون تاريخ الطبع والناشر)، ص24.

[23] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط2/1997م، ج2/ص949

 

محمود محمد عليذكر ابن طملوس الأندلسي في كتابه "المدخل لصناعة المنطق" بأن كتب أبو حامد الغزالي وجدت قبولا عظيما لدي أهل الأندلس بسبب تبني أبو بكر بن العربي (صاحب العواصم القواصم) وتبني محمد بن تومرت لفكره أثناء تواجدهما خلال رحلة العلم إلي المشرق، فنقلو كتب الغزالي كما يذكر ابن طملوس " واختفي ما كان عساه أن يشكل شقاً لمعارضته بشدة، كما حدث بالمشرق؛ بل قد راجت كتبه، وأخذ الناس في قراءتها وأعجبوا بها وبما رأوا فيها من جودة النظام والترتيب الذي لم يروا مثله قط في تأليف، ولم يبق في هذه الجهات من لم يغلب عليه حب كتب أبي حامد الغزالي ".

ومن بين تلك الكتب كتبه في المنطق، ويظهر أن كتب المنطق قبلها لم تصل بلاد المغرب إلا نادراً، كما يفهم من كلام ابن طملوس؛ حيث يقول:" فلما أردت مطالعتها (أي كتب المنطق) لم يكن يبدي قبلها كتاب أنظر فيه، غير أني عندما تصفحت كتب أبي حامد رأيت من تلويحاته وإشاراته، التي تكاد أن تكون تصريحاً أن له فيها تأليف، فأطلعت علي هذه الكتب المذكورة من كتب أبي حامد

بعد هذه التهيئة النفسية والذهنية لتقبل المنطق وإدخاله في الدراسات الفقهية والنحوية التي استغرقت ما يقارب القرن، أصبح المنطق أحد العلوم التي تؤخذ من المشرق، حينما يرتحل أهل المغرب إليه لأجل الدراسة، وأصبح النحاة يدرسونه كسائر العلوم التي يدرسونها، وربما تكون البادرة الأولي البارزة في ذلك ما تمثل لابن السيد البطليوسي الذي تميز بثقافة فلسفية إلي جانب ثقافته اللغوية النحوية، وقد ألف في هذا الباب كتابه " الحدائق في المطالب العالية الفلسفية " وذكرت له المصادر أيضاً كتاب " شرح الخمسة المقالات الفلسفية "، وكذلك " إصلاح الخلل الواقع في الجمل" وفي هذا الكتاب الأخير تناول ابن السيد مسائل نحوية كثيرة واستخدم فيها معرفته المنطقية وتصدي بهذا النهج لكثير من علماء النحو والمنطق؛ حيث أورد تعريفات أبي القاسم الزجاجي وغيره إضافة إلي تعريفات بعض المناطقة للاسم والفعل والحرف وغيرها، واعتبر كثيراً من التعريفات قاصرة عن تحقيق الغاية لأنها لا ترقي إلي درجة التعريف بالحد وعدها من ثم تعريفات بالرسم "، ومثال هذا أن الزجاجي قد عرف الاسم بأنه ما جاز أن يكون فاعلاً أو مفعولاً أو دخل عليه حرف من حروف الجر، ويعلق ابن السيد علي هذا التعريف وغيره بأن القوم قد: "حدوا الاسم بحدود لا تستغرق أقسامه " .

كذلك تناول ابن السيد تعريفات المناطقة الاسم، فاستعرضها ورأي أنها قاصرة أيضاً عن الإحاطة بأقسام الاسم، ومثل ذلك تعريف " أبي يعقوب الكندي (185هـ-256هـ)" وجماعة من المنطقيين الذين ذهبوا إلي أن الاسم:" صوت موضوع بإتقان لا يدل علي زمان معين، وإن فرقت أجزاؤه لم تدل علي شئ من معناه ". ويقول ابن السيد:" إن هذا التعريف غير صحيح لأنه ينطبق أيضاً علي الحرف .

أما ابن المقفع فقد حد الاسم في كتابه الموضوع في المنطق بأنه " الصوت المخبر الموضوع غير المؤقت الذي لا يبين الجزء منه عن شئ من المسمي "، ويري ابن السيد أن هذا غير واضح . فإذا ما وصلنا إلي الفارابي وجدنا ابن السيد يوافق علي التعريف ويقول:" لم نر فيه لأحد من المنطقيين حداً أحسن ولا أثقف من تحديد أبي نصر الفارابي فإنه قال: الاسم لفظ دال علي معني يمكن أن يفهم بنفسه وحده من غير أن يدل ببنيته لا بالعرض علي الزمان المحصل الذي فيه ذلك المعني " . ومن هنا يقدم ابن السيد تعريفه الخاص للاسم فيقول:" الاسم كلمة تدل علي معني في نفسها غير مقترن بزمان محصل يمكن أن يفهم بنفسه ".

وننتقل إلي الفعل حيث يعترض ابن السيد علي تفسير الزجاجي للفعل، وذلك حين قسم الأفعال إلي قسمين: ماضي ومستقبل، ورأي ابن السيد في هذا مغالطة وإنكار للفعل الحاضر وتشبهاً بدعوي السوفسطائية الذين شككوا في الحقائق، ومن جملة ما شككوا فيه " الزمن " حين رفضوا وجود الحاضر، ويقول ابن السيد:" أن يقال لقائل هذا: هل أنت موجود الآن أو غير موجود فإن قال إنه موجود ولا يمكنه أن يقول غير ذلك. قيل له: أفي زمان ماضي أنت الآن، أم في زمان مستقبل ؟ فإن قال إنه في احدهما قيل له: فأنت إذن معدوم موجود في حال واحدة . ويجب أن يقال له إذا كنت موجوداً كلمناك في هذه المسألة لأنك الآن معدوم، وإن قال: ليت في ماض، ولا مستقبل أثبت واسطة بينهما، وناقض .

ويري ابن السيد أن الفرق بين الماضي والمستقبل دقيق للغابة، فالفعل الحاضر يتمتع بالديمومة، ومن ثم لا يلبث أن ينقلب إلي المستقبل ليصبح جزءاً منه ماضياً . فالزمن عنصر سيال لا يثبت علي حال ولا يجمد عند طرف .

ويقسم ابن السيد الزمان إلي قسمين: (أ) زمان نحوي: وهو القسمة المعروفة: ماضي وحاضر، ومستقبل . (ب) زمان فلسفي تكون فيه الحدود غير دقيقة إذ يتمتع بالديمومة وعدم الثبات بحيث يصير الزمان بعناصره الثلاث كانه كتلة واحدة متلاحمة الأجزاء، يصعب الفصل بينهما فيلتبس علينا وجود الحاضر، إذ يصعب استخراجه من تيار الزمن العام .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن ابن السيد يري أن المنطق وثيق الصلة بالنحو، ذلك أن "بين الصناعتين مناسبة من بعض الجهات "، ولا ينبغي أن تقودنا هذه الصلة إلي اعتبارهما متماثلين، فلكل صناعة قوانينها الخاصة، ويقص علينا ابن السيد في هذا الصدد حادثتين، الأولي: عن مسألة تنازع فيها مع الفيلسوف " ابن باجة " (المتوفي سنة 522هـ أو 523هـ ) الذي كان معاصراً حيث أخبره ابن باجة بأن قوماً من نحويي سرقسطة اختلفوا في قول "كثير":

وأنت الذي حببت كل قصير          إلي وما تدري بذلك القصائر

عنيت قصيرات الحجال ولم أرد       فصار الخطأ شر النساء البحاتر

فقال بعضهم " البحاتر" مبتدأ و" شر " خبره، وقال بعضهم يجوز أن يكون " شر النساء" هو المبتدأ و" البحاتر " خبره. وأنكرت هذا القول وقلت لا يجوز إلا أن يكون " البحاتر" هو المبتدأ و" شر النساء" هو الخبر (ضمير القول عائد لابن باجة)، فقلت له الذي قلت هو الوجه المختار، وما قاله النحوي الذي حكيت عنه جائز غير ممتنع فقال: وكيف يصح ما قال وهل غرض الشاعر إلا أن يخبر أن " البحاتر شرالنساء" وجعل يُكثر من ذكر الموضوع والمحمول ويورد الألفاظ المنطقية التي يستعملها أصحاب أهل البرهان، وكان رد ابن السيد عليه أنه لا يجوز إدخال صناعة في صناعة أخري، وفي صناعة النحو " مجازات ومسامحات لا يستعملها أهل المنطق، وهناك خصوصيات نحوية لا مكان لها في المنطق .

وصناعة النحو قد تكون فيها الألفاظ مطابقة للمعاني وقد تكون مخالفة لها إذ ا فهم السامع المراد فيقع الإسناد في اللفظ إلي شئ وهو في المعني مسند إلي شئ آخر " فجيز النحويون في صناعتهم " أعطي درهم زيداً، ويرون أن فائدته كفائدة قولهم: أعطي زيداً درهماً " فيسندون الإعطاء إلي الدرهم في اللفظ وهو مسند في المعني إلي " زيد" فهذه الألفاظ غير مطابقة للمعاني، لأن الإسناد فيها إلي شئ، وهو في المعني إلي شئ آخر . أما في القضايا المنطقية فالأمر مختلف عن هذا، فهناك قضايا تنعكس فيصير موضوعها محمولاً ومحمولها موضوعاً، والفائدة في الحالين واحدة، وصدقها وكيفها محفوظان عليها فإذا انعكست القضية ولم يحفظ الصدق والكيفية سمي ذلك انقلاب القضية لا انعكاسها مثال المنعكس من القضايا قولنا:" لا إنسان واحد بحجر "، وعكسها " لا حجر واحد إنسان" . وهذه القضية قد انعكست موضوعها محمولاً، ومحمولها موضوعاً والفائدة في الأمرين واحدة . ومن القضايا التي لا تنعكس قولنا:" كل إنسان حيوان "، فهذه القضية صادقة إذا صيرنا المحمول موضوعاً أصبحت: "كل حيوان إنسان" فعادت قضية كاذبة .

وهنا يري ابن السيد أن علم النحو تظهر فيه اختلافات ومسامحات واجتهادات ليست موجودة في علم المنطق الذي ينبني علي قواعد ثابتة مؤتلفة لا مجال لتجاوزها، وهي المشكلة التي أثارها مع ابن باجة، فبينما يريد ابن باجة أن يوحد بين قواعد النحو والمنطق، دلل ابن السيد علي أنه لا يمكن الأخذ بذلك لأنه لا يجوز إدخال قوانين صناعة في صناعة أخري، ولأن لعلم النحو خصوصية وتميز ليست لعلم المنطق، فقواعد النحو خاصة مرنة، بينما قواعد المنطق ثابتة عامة، وهذا هو نفس ما أكد عليه من قبل "أبو سليمان السجستاني (ت:380هـ) ".

وهذه الثقافة المنطقية الواسعة التي تميز بها ابن السيد قد ألقت بظلالها علي الكثير من نحاة الأندلس، ومن هؤلاء "ابن سيده"، وهو يعد أكبر عقلية أندلسية عملا في فن المعاجم، كان ممن عني بعلوم المنطق عناية طويلة؛ حيث أثرت الفلسفة والمنطق في نشاطهم العلمي.قال القاضي صاعد:"وألف فيها تأليفاً كبيراً مبسوطاً ذهب فيه إلي مذهب متي بن يونس، وهو بعد هذا أعلم أهل الأندلس قاطبة بالنحو واللغة والأشعار وأحفظهم لذلك حتي إنه يستظهر كثيراً من المصنفات فيها، كغريب المصنف، وإصلاح المنطق " .

ويتحدث ابن سيدة في معرض الفخر بما يحسنه من العلوم فيقول:" وذلك إني أجد علم اللغة أقل بضائعي وأيسر صنائعي إذا أضفته ما أنا به من علم حقيق النحو وحواشي العروض وخفي القافية وتصوير الأشكال المنطقية والنظر في سائر العلوم الجدلية التي يمنعني من الأخبار بها نبو طباع أهل الوقت، وما هم عليه من رداءة الأوضاع والمقت .

وكان أبو الوليد الوقشي الطليطلي " من المقننين في العلوم المتوسعين في ضروب المعارف من أهل الفكر الصحيح والنظر الناقد والتحقق بصناعة الهندسة والمنطق  وكانت لسعيد بن الأصفر أحد علماء اللغة مشاركة في المنطق . ولا ننسي أبا الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني فإنه كان عالماً في اللغة مشتغلاً بعلوم الأوائل وبخاصة المنطق، وكانت تجري بينه وبين ابن حزم مناظرات في بعض الموضوعات الفلسفية وعليه أطلق ابن حزم صفة الملحد.

ولا تحدثنا المصادر بشئ عن ثقافة ابن الأفليلي المنطقية الفلسفية، ولكنها تقول أن ابن الأفليلي لحقته تهمة في دينه مع آخرين من الأطباء فأخذ وسجن . ويدل نص ابن بسام حين يقول:" ولحقته تهمة في دينه "، علي أن الأمر كان متصلاً بشئ من دراسة الفلسفة والمنطق . وهؤلاء الذين يسميهم ابن بسام الأطباء لا يمكن أن نفهم سبب تتبعهم إلا أن فهمنا أن اللفظة تعني الفلاسفة أو المشتغلين بعلوم الأوائل، إذ لم يحدث أبداً أم كان الأطباء محط تهمة أو هدفاً لاضطهاد الحكام . ولا بد أن تكون هذه التهمة كذلك، أعني ذات صلة بالدراسات الفلسفية، وإلا لما استطعنا أن نوفق بين معني التهمة في الدين وبين قول فقيه محدث مثل ابن بشكوال في الثناء علي ابن بشكوال في الثناء علي ابن الافليلي:" وكان صادق اللهجة حسن الغيب صافي الضمير حسن المحاضرة مكرماً لجليسه".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

بدر الدين شيخ رشيد

مقاربات بين رؤيتي الخميني وسيد قطب (1)

جدليّة الأولويّة بالبدء في اصلاح الأمة: يتقاطع منهج اصلاح الأمة عند كل من الإمام الخميني وسيد قطب من نقطة البدء، ويلاحظ هذا التقاطع من خلال أدبيات كل منهما، حيث أن الخميني ركّز على وجود الحكومة رغم أنه لم  يهمل دور التربية وبناء العقيدة في المجتمع، فيما نلاحظ من سيد قطب أنه فضّل التربية وبناء العقيدة عن الحكومة، ولعل الفرق بينهما من حيث الأولوية في البدء، لا التغاضي عن أهمية الجانب الآخر للتكامل بينهما، فوجود الحكومة لايستغني عن التربية، كما أن إيجاد التربية لا يستغي عن الحكومة.

ورؤية سيد قطب في منهج اصلاح المجتمع مرّت باجتهادات مختلفة، فالرأي المتقدم، يعتبر اجتهادا جديدا، حرره في  كتاباته الأخيرة، مثل: «الظلال»، و«معالم في الطريق»، وهناك رأي آخر يبدو أنه كتبه في أوائل فكره قبل أن يتبنى الأيدلوجية الأصوليّة، يوافق فيه رأي الإمام الخميني في أهمية الحكومة في إصلاح المجتمع، فقد نقل عنه الإمام الخامئنى مرشد الثورة الإسلامية حاليا. يقول سيد قطب:« كان من الأفضل والأجدر للمسلمين، بدلاً من أن يكتبوا كل هذه الكتب، وبدلاً من أن يبثوا كل هذه الخطابات الإعلامية، وبدلاً من أن يعملوا على إدارة كل هذه المساجد، كان من الأفضل لهم بدلاً من ذلك كله، لو أنهم كانوا قد فعلوا ما من شأنه أن يساهم في نشر الإسلام وفي تعميم الثقافة الإسلامية، فلو أنهم كانوا قد عملوا في هذا الإتجاه لكان هذا خيراً لهم من كل ما يفعلونه»[1].

ويعلق الإمام علي الخامنئي على كلام سيد قطب، فيقول:«لقد اختبرنا نحن هذه الحقيقة وجربناها وعاينا آثارها عن كَثَبَ، فإنه حينما تأسس النظام الإسلامي، وحينما سمعنا هتافات الإسلام تصدر من حنجرة ذلك الرجل العظيم، أعني به: إمامنا الجليل روح الله الموسوي الخميني، شاهدنا إقبالاً عجيباً وتوجهاً باهراً لقلوب كل المسلمين في هذا العالم نحو الإسلام»[2].

ولعل الاختلاف في بنية المجتمع الشيعي عن السني من جهة التكوين السياسي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه، هو الذي أدى إلى اختلاف نقطة البدء في تغيير المجتمع عند كل من  الخميني وسيد قطب، فمنهج الشيعة متأصّل على ضرورة وجود الحكومة، وهذه الضرورة تستلزم تشكيل الحكومة بيد الرسول صلى الله عليه وسلم، عكس رؤية أهل السنة القائمة على وجود الحكومة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بيد الأمة.

إن تركيز سيد قطب على الأمة ناتج عن الفصام المبكر بين العلم والسياسة في صدر الإسلام، إضافة إلى ضباب دور علماء السنة في السياسة، عكس علماء الشيعة الذين كانوا دائما في معترك الحراك السياسي مع الحكام الجائرين تأسّيا بثورة الإمام الحسين ضد حكم يزيد بن معاوية.

كما ينبغي أن نشير إلى أن الأولوية بين الأمة والحكومة عند كل من الخميني وسيد قطب، هي أولويّة مكانة، كما أنها أولويّة زمان ومراحل، فمكانة الأمة مقدمة عن مكانة الحكومة؛ لأن الأخيرة ما هي إلا إفراز طبيعي من الأمة، وبالتالي فمنظومة الشيعة بدأت أهمية الأمة ودورها منذ أن تغير الحكم إلى حكم وراثي استبدادي، ولهذا تجد أن أئمة الشيعة ركزوا جهودهم على تفعيل التربية وبناء العقيدة في المجتمع  الشيعي، وذلك بعد فشل ثورة الحسين بن علي رضي الله عنه، فيما نجد  من جهة علماء السنة  أن بعضهم اقتصر جهده ودوره على نصيحة الحاكم الجائر، ومنهم من ابتعد عنهم حفاظا على دينه وعقيدته.

ولعل هذا ما نلاحظه  عند الشيعة بدءا من الإمام الرابع علي بن الحسين( زين العابدين)، إلى آخرهم المهدي، إذا استثنينا الإمام الثامن الذي رُشِّحَ إلى وليّ العهد لخليفة المأمون، إلا أنه  توفي في أثناء حياة المأمون.

وعلى هذا الأساس، فكل أئمة الشيعة بعد ثورة الحسين بن علي بذلوا الجهد لإصلاح الأمة وتربيتها وبناء العقيدة، ويتجلى هذا الأمر جليّا في عهد الإمام السادس جعفر الصادق، عند ما عرض أبو مسلم الخراساني  عليه الدولة ، وذلك بعد سقوط الدولة الأموية إلا أنه رفض وقال: ليس الزمان زماني ولا أنت من رجالي[3]،  وهذه تدل على تفضيل أئمة الشيعة بناء الأمة عن الحكومة؛ لأنه لو كانت الحكومة المحور الأساسي لتغيير المجتمع، لقبل الإمام جعفر الصادق هذا العرض من مسلم الخراساني.

إن رؤية سيد قطب الأنظمة التي كانت في عصره انعكاس بموقف الإمام جعفر الصادق في عصره، حيث اعتبر الحكم الأمويّ حكما طاغوتا، وأفتى للشيعة عدم التحاكم إليهم، وهذا ما نجده  فعلا، يتجسد في أفكار سيد قطب نحو الأنظمة السياسية في عصره وخاصة في ثورة 23 يوليو، حيث اعتبرها حكما طاغوتا مثل موقف جعفر الصادق من الحكم الأموي[4].

وهكذا، ركّز سيد قطب على إعداد الطليعة المؤمنة، أعني، جيلا قرآنيا يستقي تربيته من القرآن الكريم، فهذه الطليعة تدعو إلى جيل  قرآني فريد يمارس القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهديه العملي وسيرته الكريمة كمنهج وطريق إلى دعوة الله؛ لأن القرآن هو الأصل الذي تربى عليه جيل محمد صلى لله عليه وسلم، وهو الذي سيكفل استمرار الدعوة في الأجيال اللاحقة بعده إلى يوم الدين بغض النظر عن وجود شخصيته صلى الله عليه وسلم؛لأنه« لوكان وجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حتميّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمارها ما جعلها الله دعوته للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان»[5].

هذا، وأشار سيد قطب إلى أهمية القرآن لكونه المنبع الصافي الذي استقى منه الرعيل الأول الذي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث فسّر أن سر ظاهرة استمرارية هذا الدين وهذه الدعوة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو استقاء هذا الجيل من هذا المنبع الصافي، حيث لم يكن مربوطا بوجود شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهناك عنصران مهمّان لنشأة الجيل القرآني الفريد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، عند سيد قطب:

الأول: اكتفاء الجيل الأول بهدي القرآن وحده حيث اعتبروه منهجا وسلوكا.

الثاني: كون الرسول صلى الله عليه وسلم، مصدر التلقي في بيان هدي القرآن.

فسيد قطب ذكر أنه لم يعد يخرج مثل طراز جيل النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، يرى أنه وُجِدَ أفراد من ذلك الطراز في التاريخ الإسلامي لكنه لم يحدث أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة[6]،  فهو يرجع إلى  عدم تكرار مثل الرعيل الأول إلى ثلاثة عوامل:

الأول- اختلاط النبع الذي استقت منه الأجيال التالية بفلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، حيث اختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام،كما اختلط بالفقه والأصول وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل.

الثاني: تغير منهج التلقي الذي كان عليه في ذلك الجيل الفريد، فهم لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ولا بقصد التذوق والمتعة، بل كان قصدهم العمل فيما تلقوا فيه من أوامر.

الثالث: الجيل الأول كان الرجل منهم عند ما يدخل في الإسلام يخلع جميع الرواسب الجاهلية وكان يبدأ عهدا جديدا منفصلا عن حياته التي عاشها في الجاهلية[7].

فالظاهر أن العامل الرئيسي هو عدم وجود مرجعية دينية تقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وهذه العوامل التي ذكرها سيد قطب كلها منبثقة من هذا العامل الرئيسي، فمثلا، اختلاط المنبع الصافي بفلسفات الأمم الأخرى كان سببا لغياب تلك المرجعية، والتي لها المقدرة على الفهم والاستنباط من القرآن، وتمييز غيرها من المذاهب المنحرفة، فبعد اتساع رقعة الإسلام ودخول الأمم الأخرى كالروم، والفرس، واليهود، في الإسلام، بدأ هذا الاختلاط، وخاصة في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما، فهناك ستة عوامل رئيسية أدت إلى ظهور الفرق بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم.

غير أننا نكتفي بإيراد العامل الرابع لما له من علاقة  تخص بحثنا هذا من حيث اختلاط النبع الصافي بفلسفات الأمم الأخرى، وهذا العامل هو إفساح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما.

وكان هذا التحدث من الأحبار والرهبان نتيجة لمنْعِ تدوين السنة في عهد مبكر، وقد فسح هذا التحدث عن التوراة والإنجيل انتشار الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين ، ولباب الأُصول؛ لأنّ الفراغ الذي خلفه منْعُ تدوين الحديث أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما افتعلوا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم الأساطير[8].

ومن هنا أشار ابن خلدون إلى سبب هذا الاختلاط، وهو أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك[9].

نقد الذات وكشف مكر الأعداء:

انتقد كل من الإمام الخميني وسيد قطب  أوضاع العالم الإسلامي، ويتركز نقد الخميني على رجال الدين أو ما يعرف برجال الحوزة، كما انتقد أيضا دور الاستعمار، بينما تركّز نقد سيد قطب على المجتمع ككل، فيما يطلق عليه بالجاهليّة، بالإضافة إلى نقده لدور الاستعمار في تخلف العالم الإسلاميّ.

فالخميني اعتبر رجال الدين في الحوزات العلميّة عاملا أساسيا ساهم في تخلف العالم الإسلامي، وذلك يتنافى  مع ما عرف من الإسلام أنه«دين المجاهدين الساعين للحق والعدالة، دين أولئك الذين ينشدون الحرية والاستقلال، إنه عقيدة المناضلين والمعادين للاستعمار»[10].

كما أن عملاء الأجانب، أخذوا يبثون أن الإسلام ليس فيه شيء، وأنه مجموعة من أحكام الحيض والنفاس وأن على رجال الدين الاقتصار على تدريس الحيض والنفاس، فأثرت تلك الدعاية  على الطبقة المثقفة، سواء من الجامعيين أو الكثير من رجال الدين الذين لم يفهموا الإسلام جيدا، فأصبح الإسلام يعيش بين شعوب الدنيا بغربة، حتى وصل الأمر إلى أنه «لو أراد الإنسان أن يعرض الإسلام كما هو، فلن يصدقه الناس بسرعة، بل تواجهه أصوات الاستعمار في الحوزات بالضجيج والغوغاء»[11].

فالإمام الخميني يشرح الأسباب التاريخية التي ساعدت على تدهور العالم الإسلامي عموما، والحوزات العلمية خصوصا، حتى وصل الأمر إلى ما هي عليه من الأوضاع الراهنة، ومن أهم تلك الأسباب دسائس اليهود التي مارسوها ضد النهضة الإسلامية منذ بدايتها، ثم ما تلى ذلك من طوائف أخرى أخذت باسم الحروب الصليبية منذ ثلاثة قرون، ولم يكن هدفهم أساسا، إبعاد الناس عن الإسلام لتقوية النصرانية، بل كان تمهيدا لمطامعهم الاستعمارية، وعلى هذا الأساس، فعند ما شعروا طوال فترة الحروب الصليبية أن الذي يقف أمام مصالهم المادية، هو الإسلام وأحكامه وإيمان الناس به، قاموا بالدعاية ضد الإسلام بمختلف الوسائل، وقد تعاونوا في ذلك مع رجال الدين الذين أوجدوهم في الحوزات العلمية، بالإضافة إلى العملاء الذين يعملون في الجامعات والمؤسسات الإعلامية الحكومية، والمستشرقين[12].

بالإضافة إلى ذلك، يشيد الخميني بمقاومة الاستعمار والأنظمة الفاسدة المتعاونة معهم من خلال فضح خططهم ومؤآمراتهم ومقاطعتهم الاقتصادية، وبالتالي القيام بالثورة ضد حكّام  الجور[13].

أما نقد سيد قطب، فيتركز على الجاهلية، وهي حاكمية البشر للبشر وهي شذوذ عن الوجود الكوني وتتصادم مع الجانب الفطري، وهي ليست نظرية مجردة، بل إنما تتمثل دائما في تجمع حركي، متمثلة في مجتمع خاضع لقيادة هذا المجتمع [14].

فالمجتمعات عند سيد قطب هي: إما مجتمعات إسلامية أو جاهلية. فالمجتمعات الإسلامية  هي التي يطبق فيها الإسلام: عقيدة، وعبادة، وشريعة ونظاما وخلقا وسلوكا، أما المجتمعات الجاهلية فهي التي لا يطبق فيها الإسلام ولا تحكم عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه[15].

وتدخل المجتمعات الجاهلية عند سيد قطب في كل من المجتمعات الشيوعية، واليهودية والنصرانية، والمجتمعات المسلمة، ويعلل سيد قطب كون المجتمعات المسلمة تدخل ضمن إطار المجتمعات الجاهلية؛ لكونها لا تدين  بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله، لكنها تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله فتدين بحاكمية غير الله، وبناء على هذا، فهي تتلقى من هذه الحاكميّة نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها وعاداتها وتقاليدها وكل مقومات حياتها[16].

هذا، وأكد  سيد قطب- كالخميني- أن أعداء هذا الدين وأعداء الجماعة المسلمة من اليهود والنصارى والوثنيين على مدار التاريخ،  قد ناصبوا الإسلام العداء وحاربوه حربا لا هوادة فيها، منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى كانت الحروب الصليبية، ثم كانت المسألة الشرقية التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض للإجهاز على الخلافة،  وبالتالي كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه،  قد بدت في فلتات لسانه، إلى أن أصبح التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده، ولاتزال حملاته المشبوهة، والتي يشترك فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون، على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض، [17].

من جهة أخرى، انتقد الخميني وسيد قطب الحكم الوراثي الذي ابتدعه معاوية بن أبي سفيان في الإسلام، حيث اعتبر الخميني أنه ليس من نمط الحكم في الإسلام؛ لأنه أبطل في صدر الإسلام، وذلك ضمن الرسائل التي بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى كل من إيران، وبلاد الروم الشرقية، ومصر، واليمن، والتي دعا إليها كلا:من إمبراطور الروم الشرقية هراكليوس، وملك إيران خسرو الثاني، التخلي عن نمط الحكومة الملكية، كما استشهده أيضا بثورة سيد الشهداء الحسين بن علي ضد يزيد بن معاوية  على نفي الحكم الوراثي  وأنه ليس من الإسلام[18].

وهكذا، اعتبر سيد قطب أن الحكم الوراثي ليس من النظام الإسلاميّ، بل هو من وحي الجاهلية الذي أطفأ إشراقه الروح الإسلامية، فهو من النظام الوراثي الذي ابتدع في الإسلام[19].

ومن هنا، أكد سيد قطب مبدأ الاختيار، حتى وإن أختير المفضول، فهو يقرر انطلاقا من مبدأ الاختيار، تقديم عثمان بن عفان، على علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، رغم أنه يرى أن عليا قد غُبِنَ في تقديم عثمان عليه، يقول سيد قطب:«وقد يكون علي قد غبن في تأخيره وخاصة بعد عمر، ولكن هذا التأخير كان له فضله في التقرير العملي لنظرية الإسلام في الحكم، حتى لا تقوم عليها شبهة من حق الوراثة، الذي هو أبعد شيء عن روح الإسلام ومبائه»[20].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد  إبراهيم

........................

[1] - علي محسن، مفهوم الحكومة الدينية في رأي الإمام الخميني، ( تاريخ النشر، 15-2-2001م)، أنظر الرابط:

http://www.islamtimes.org/vdcawonm.49ny61kzk4.txt

[2] - المصدر السابق، أنظر الرابط:

http://www.islamtimes.org/vdcawonm.49ny61kzk4.txt

[3] - محمد بن عبد الكريم الشهرستاني،  الملل  والنحل، تحقيق، محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط1404، ج1/ص149.

[4] - أبو الصلاح الحلبي، الكافي للحلبي، تحقيق، رضا أستادي، مكتبة الإمام أمير المؤمين علي بن أبي طالب، أصفهان، إيران،(بدون تاريخ النشر)، ص424.

[5] - سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة ، مصر، ط1/1981م، ص15.

[6] - المصدر السابق،ص14.

[7] - المصدر السابق، ص17-20.

[8] - جعفر  السبحاني،  بحوث في الملل والنحل، مؤسسة النشر الإسلامي، قم،  إيران، ، ط4/1417ھ، ج1/ص78.

[9] - عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون،  المقدمة، دار احياء التراث العربي بيروت، لبنان،  ط3/1993م، ص252

[10] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية، (PDF)،  )بدون تاريخ  الطبع والناشر)،ص2.

[11] - المصدر السابق، ص3-4.

[12] - المصدر السابق،ص1-2.

[13] - توفيق محمد الشاوي،  فقه الحكومة بين السنة والشيعة،  بمراجعة أ. محمود نفسي حمدي، منشورات العصر الحديث، كوبون هيك، ديناميك، ط1/ 1995م، ص137-143.

[14] - سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط1/1881م،ص54.

[15] - المصدر السابق،ص116.

[16] - المصدر السابق،ص98-101.

[17] - سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، مصر،  ط2/1997م،  ج2/ص292.

[18] - آية الله الخميني، الحكومة الإسلامية،(PDF) ) بدون تاريخ  الطبع والناشر)، ص5-6.

[19] - سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط13/1993م، ص154-155.

[20] - المصدر السابق،ص154.