مجدي ابراهيملأهل الله من العارفين شذرات علويّة مباركة، فاضت عن قلوبهم لما اتصلت فرقَّتْ، فسبحت في آفاق الوصال تناجي الملأ الأعلى وكأنه واقع أمامهم مشهود. لهم تخريجات لسرّ العلم على اختلاف منازعهم ومذاهبهم وتوجهاتهم الروحية؛ من ذلك ما أشار إليه أبو المعالي صدر الدين القونوي حيث قال:" سر العلم هو معرفة وحدته في مرتبة الغيب، فيطلع المشاهد الموصوف بالعلم بعد المشاهدة بنور ربه على العلم، ومرتبة وحدته؛ فيدرك بهذا التجلي النوري العلمي من الحقائق المجرَّدة ما شاء الحق سبحانه أن يريه منها، ممّا هى في مرتبته أو تحت حيطته، ومنه البوارق التي تُدْرَك بها بعض مقاصد القرآن الكريم ووحدة هذه المقاصد في أم القرآن. وتوسَّعوا في العلم توسعاً شديداً وحثوا على طلبه ومذاكرته وبذل كل نفيس في سبيله، وقارنوا بينه وبين المعرفة : أيهما أخفى وأدق: العلم أو المعرفة؟

واختلفوا في مسألة العلم بالله : هل هى الأحق بالشرف أم المعرفة به؟ ففي حين يفضل بعضهم المعرفة على العلم، يفضل البعض الآخر وخاصّة ابن عربي وتلاميذه العلم على المعرفة. ومن هنا كان أصل العلم في الاصطلاح الفني لدى الصوفية هو: " ميراث العمل الشرعي بالتصفية والتزكية في السير بالظاهر"؛ ولهذا العلم صورة ودرجة. أمّا الصورة ففي البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق والأصول. وأما الدرجة؛ ففي الأحوال والولايات والحقائق والنهايات.

وعليه؛ فصورة العلم في البدايات هى : العلم الشرعي الحاصل بالاستفاضة والتواتر. وفي الأبواب: العلم العقلي الحاصل بالاستدلال. وفي المعاملات: علم الطريقة الحاصل بالرعاية والمراقبة من علوم التوكل والتفويض والتسليم ونظائرها. وفي الأخلاق: علم آفات النفس ورذائلها، وكمالاتها وفضائلها، يُضاف إلى ذلك علم التخلية والتحلية. وفي الأصول علم اليقين ومعرفة آداب الحضرة والسلوك.

أما درجته في الأحوال : علمٌ لدُنّي وهبي، يبصّر بدقائق الأحوال، وذنوب مفاسدها، وتصحيحها بتعريفه أحكامها وخواصها. وفي الولايات : الفناء عن علمه والاتصاف بعلم الحق. وفي الحقائق : دوام المعاينة وهو المسمى "عين اليقين"؛ على ما هى عليه. وفي النهايات:  شهود الحق ذاته بذاته وهو المسمى "حق اليقين"؛ فيكون كمال مقام الإحسان. وباجتماع هذه المفاهيم لأصل العلم في الاصطلاح الفني لدى المتصوفة يمكن أن يكون علم التصوف -  وهو هنا المقصود بكل هذه التوضيحات السابقة - من الأهمية بمكان بحيث يجيء ضرورة لطلابه الحريصين عليه والقادرين على تلقيه والذود عنه ضد سواه. ليس هذا فقط ولكن أيضاً في ضرورة تعلمه والصعود إلى مراقيه وبلوغ درجته في الأحوال والولايات والحقائق والنهايات ما من شأنه أن يعطي القارئ لأول وهلة أهمية اعتبار العلم أشرف في هذه الحالة من المعرفة. غير أن أوائل الصوفية المحققين جعلوا العلم الحقيقي بالإضافة إلى الله تعالى وحده؛ لأنه هو وحده الموجود وما سواه عَدَم؛ فالله موصوف بالعلم، أما الإنسان فإذا اتصف بالعلم فبالمجاز. ولن يكون الإنسان عارفاً على الحقيقة ما لم يقوده علمه إلى الإقرار بالعجز عن معرفة الله؛ والعجز يشير ضمناً إلى حالة موجودة ليست معدومة؛ فبالإمكان معرفة الله فيما لو تمَّ تأهيل المرء وتهيئته لها عن طريق العلم. ومن أجل ذلك قال الجنيد لما أن سئل عن المعرفة :" المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه"؛ فلما قيل له : زدنا، قال هو العارف وهو المعروف، والإشارة في "هو" إلى الله الذي هو العارف وهو المعروف، والمعنى الذي يحتمله تأويلها هو أن وجود الجهل بالله في الإنسان صفة ذاتية موجودة على الأصالة؛ فما عرفه من هذه الحيثية ولكن عَرَفه، فكيف عَرَفه؟

عَرَفَه بالله ومن طريق الله، فإذا قال إنك جاهل به من حيث ذاتك؛ أي من حيث أنت فمعناه إنك عرفته من حيث هو، ولذلك قالت الملائكة :" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"؛ العلم أن تدرك قَدْرَك بذاته، وهو أن تعلم ألا قدر لك بغيره، وأن علمك من ذاتك إنْ هو إلا جهل ليس فيه حقيقة؛ فكل معرفة في سبيل الله تُرد إلى فضل الله ليس للإنسان فيها مدخل.

وفي إطار تفضيل المعرفة على العلم قال سهل بن عبد الله:" المعرفة هى المعرفة بالجهل"؛ أي إقرار الجهل كصفة ذاتية للإنسان، وإضافة المعرفة له من الله لا من حيث ذاتيته الخاصة، وقال أيضاً :" العلم يثبت بالمعرفة، والعقل يثبت بالعلم، وأما المعرفة فإنها تثبت بذاتها". وإنما ثبتت المعرفة بذاتها؛ لأنها من إفاضة الله على ذات العارف، بمعنى أن الله تعالى إذا عرَّف عبداً نفسه فعرف الله بتعرُّفه إليه؛ أحدث له بعد ذلك علماً، فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي أحدثه فيه. فالمعرفة أشرف على هذا من العلم وسابقة عليه وأدق منه وأخفي، والعلم تابع لها ومنقاد. ولذلك قيل: " تبيُّنُ الأشياء على الظاهر علم وتبيُّنها على استكشاف بواطنها معرفة". وقال أحد الصوفية :" أباح العلم للعامة وخصَّ أولياءه بالمعرفة".

وفي المقابل لا نعْدَم من الصوفية الأوُّل من يفضل العلم على المعرفة ويعكس نظرة سهل بن عبد الله؛ لينضم إلى وجهة نظر الصوفية الفلاسفة؛ فها هو أبو سعيد الخراز يقول: "المعرفة بالله هى علم الطلب لله من قبل الوجود له، والعلم بالله هو بعد الوجود، فالعلم بالله أخفى وأدق من المعرفة بالله.

ومثله أبو بكر الوراق يقول:" المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم علم الأشياء بحقائقها"؛ فالعلم هنا سابق على المعرفة، والمعرفة تأكيد له لاحقة عليه. والله موصوف بالعلم غير موصوف بالعرفان. ومن هنا يكون تفضيل العلم لدى فريق منهم على المعرفة. مع أن العلم في نظام الوعي الصوفي يعد هو الدرجة الأولى التي تلحقها درجات أعلى منها، فهو أول خطوة في الحياة من حيث لا قيمة لها من غيره، ولا بقاء فيها بدونه، ثم تصعد الدرجة الثانية في مراقي التطور الروحي؛ لتصل إلى المعرفة ولا تتوقف عند هذه الدرجة وكفى؛ بل تزال تصعد وتتصعد إلى حيث مراقي الشهود، وهكذا فالشهود يستند على العرفان، والعرفان يستند على العلم، ولا قيمة للحياة الروحية ولا اعتبار بغير العلم. الناس صنفان : عالم ومتعلم ولا ثالث بينهما لمن أراد التحقيق.

لكن العلم قد يتداخل مع المعرفة وتتداخل المعرفة مع العلم تذكيه وتنميه وتُقدره على التفوق والامتياز؛ ليصبح هو لب لباب الحياة ولا حياة بدونه. وهذا التداخل يشي بإمكان قيام المعرفة العلمية في سياقها الإلهي لا في سياقها الطبيعي؛ لأنه تداخل يبرز تفضيل العلم على المعرفة كما هو الحال لدى ابن عربي؛ لتكون المعرفة معرفة بالعلم الإلهي إذا أمكن قيامها بالتحقيق على مقام الشهود. وما دامت الحياة الروحية تعتمد المفردات الثلاث (العلم والمعرفة والشهود) فهذه المفردة الأخيرة تعطي "التجربة" التي يتداخل فيها العلم مع المعرفة في وعي العارف؛ فما سمى العارف عارفاً إلا لامتزاج العلم في تجربته مع المعرفة، وهذا الامتزاج يتحقق بالشهود، هنالك تصبح معرفة علمية بمجرى الشأن الإلهي، ولا تصبح معزولة الخبرة عن هذا الشأن؛ فهى معرفة بالعلم الإلهي، وإمكان تحقق هذه المعرفة مرهون بهذا الشهود. وكما تكون المعرفة العلمية في العلوم الطبيعة والرياضية فوق العلم وفوق النظرية لأنها تتخطى حدود التجربة وتتعامل مع التاريخ والقانون، فتنقد النظرية وفق تطورات هذه العلوم؛ كذلك تكون مكانة المعرفة في السياق الإلهي رمانة الميزان بين الشهود والعلم، قادرة بحكم توسطها على النقد غير أنه ليس نقداً عقلياً من أول وهلة، بل نقد ذوقي يسدد الخطى القاصرة، ويقوم المعوج فيها، ويرشد إلى الدلالة الغائبة، ويستخلص الحقائق البعيدة فيقربها إلى التصور المحدود.  

 

  بقلم : د. مجدي إبراهيم                             

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةبدايةُ كتابٍ مع ابنتي

لقد كبُرت نرجس. لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي ترفض النوم، وترفض صباحًا الذهاب إلى الكُتّاب، فأجرّها إلى بيت الحمّام لأغسل لها وجهها، ثمّ أجرّها إلى المطبخ لألْقِمها فطورها، ثمّ ألبسها لباس التلاميذ. وكل ذلك وهي مُغمضة العينين.

لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي أضعها على ظهري، حتى باب الكتّاب حيث يعترضنا كل يوم كَلبٌ من نوع «الكلب الذئب» يحرس مستودًعا لبيع الغنم مجاورا للكتّاب، ينبح نَبْحةً واحدةً، تنتبه على إثرها لتستوي على ساقيها وتدخل الكُتّاب.

لم تعد تلك الطفلة الصغيرة، التي أعجبتها قصة عبد المطلب وأبرهة وفيله، فرسَمَت مشهدًا لها، تقدمه للمعلمة من الغد، ولكنها تُواجَه بتنبيه المعلمة أن ما قامت به من رَسْم إنما هو «حرام» عليها تجنبه.

أصبحت ابنتي في السنة الثامنة من التعليم الأساسي.

جاءتني اليوم، وأنا على مكتبي فقمت لها كعادتي. قالت لي: «أبتي... كان أستاذ التربية الإسلامية يدرّسنا أن الدين الإسلامي هو آخر الأديان. ولكنني لم أقتنع بما ساق من براهين على أنه الدين الأكثر معقولية والأنظف من شوائب الأوهام. فتوتر وحذرني من إمكانية أنني في وضع أسيء فيه الأدب مع ديننا ومع إلاهنا ومعه ... فهل أنا كذلك؟! والله لم أقصد هذا!».

قلت لها: «إساءة الأدب – حاشاك- أن تسبي وتشتمي. والكُفْر هو الجحود، أي عدم الإقرار بما تيّقنت منه النفس والعقل. وإنما سؤالك عن البرهان، وهو عَيْن ما يَطْلبه الله والدين وآخر النبيّين مِنْك: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾»...

قالت لي: «في هذه الحالة، أتسمح لي بأن أوجّه لك السؤال نفسه الذي سألتُ الأستاذ: ما بُرْهانكَ على أن الإسلام هو أفضل الأديان وأكثرها مطابقة للعقل؟»...

- دَعينا نبدأ بمدلول «الدين». الدين لغة: هو القانون، والسُّنَّة والنظام، والدولة. ولذلك نجد يوسف ﴿في دينِ المَلِكِ﴾، أي في نظامه السياسي. وكانت أنطاكية في سورة ياسين «قرية» في أوّل المقطع ثم أصبحت «مدينة» في آخره، أي دولة : ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾، أي مِنْ أقصى السلطة وليس من أدناها أو أقربها للمَرْكز السلطوي. فالدين - إن شئنا- هو قانون للتفكير أو الأخلاق يؤكد للإنسان الألوهية والمقدَّس.

***

الدين ظاهرة إنسانية عامّة

- ألا تَريْن أن كل شعب له دين، وأنّ كل ثقافة لا تخلو من دين؟

- نعَم... «الهنود الحُمْر» لهم أديانهم؛ وآسيا الشرقية معروفة بالبوذية والكُنْفشيوسية والشّانتُوية، وغيرها؛ والهند معروفة بالبَرْهمية والإسلام؛ والإسلام يضمّ شعوبًا كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية، وله أكثرية نسبية في دولتين بأمريكا الجنوبية: سورينام وربما غويّانَا؛ ويعتنق المسيحية عددٌ هام من العرب (الشعب الأصلي للمسيح) ومن شعوب القارّة الأوروبية والقارّة الأمريكية والإفريقية والآسيوية...

- ألا يُمكن أن نستنتج من ذلك أن الدين فِطري، أي ضِمْن مكوّنات الإنسان، ومن ضروريات وعيه؟

- نَعَم... ولكنها مختلفة... فهناك من يؤمن بإلاه واحد، وهناك من يؤمن بإثنين، وهناك من يؤمن بما أكثر... وهناك من له «نبي»، وهناك من ليس نبي.

- صحيح.. ولكنْ كلها تشترك في مَطلب الألوهية بماهي قوة خالقة للكون والإنسان...كلها تشترك في أن هذه الألوهية تُوجد مقدّسًا ينظم حياة الإنسان فارضا أخلاقيةً ما... وتقريبا كلها تشترك في الحضّ على حُسْن الخُلق... وكلها تشترك في وجود آباء للدين، لنُسَمِّهِمْ: «أولياء»، أو «أنبياءًا»، أو غير ذلك، ولكننا سنتفق على أنهم «سُفراء» بين الألوهية والنّاس... فالإنسان كائن ديني أوْ لا يكون.. هذا ما أكَّده عِلْم الإناسة وعلم النفس وعلم الاجتماع....

-  لكنْ، يا أبتي..هناك مَنْ يُعْلِن عدم إيمانه بالألوهية، أي، إنّ سَمَحْت، يُعلن إلحاده؟

- لا تستعملي في هذا المَوضع: «إن سَمَحْتَ». فالملحد، إن كان صادقا، إنسان قد استعمل عقله، ولكن بحثه البُرْهاني لم يُوصْلْه إلى معرفة الألوهية.. وهاهو الفيلسوف المسلم، والمناضل الاجتماعي، رُوجِه غارودي يعلن أن الإلحاد يمكن أن يكون أحد الطرق المؤدية إلى الإيمان، ضِمْن كتابه: هل نحن بحاجة إلى الله؟..

ومِن ناحية أخرى، لا وُجود لشعب مُلحد، فالظاهرة تبقى فردية، وربما هي متعلقة بعوامل تهمّ التاريخ الفردي. وأستطيع أن أؤكد لكِ أنه لا وجود لملحد حقيقي في العالَم...

- كيف؟

- كل الملحدين لهم مقدَّس ما. لا يمكن العيش دون مقدَّس. هذا المقدّس إسمه «وطن»، «دستور» (في مقام الكتاب المقدّس)، «عَلَم»، «مبادئ»، «عَقْل»، «عقلانية»، «الأم»، «الأب»، «الذات»... والمقدّس يُحيلنا إلى الألوهيّ، لأن الإله هو مقدّس أيضا، بل هو المقدّس المجرّد، أي «المقدّس» دون إضافات..

- طيّب... وكيف نفسّر هذه الاختلافات بين الأديان؟

- لو تقومين برسم جَدْول، سوف تجدين أن هذه الاختلافات يُمكن أن نضعها في أودية، وستجدين أن تلك الأودية متوازية، أيْ أن أصْلها الموضوعي واحد... سأقدم لك هذا الجدول الناقص لتفهميني:

11

- هذا ما يؤكد أن الأصل واحد، وأن التأويلات كثيرة، لملء الفراغات، وللإجابة عن الأسئلة التفصيلية..

- هل يُمكن القول إنّ البداية، كانت بالألوهية المتعددة لنصل إلى الألوهية الوحدانية؟ أم إن البداية كانت بالألوهية الوحدانية لنصل إلى الألوهية المتعدّدة؟..

وهل يمكن أن نقول إن أديان الألوهية المتعدّدة أقل ذكاءًا من أديان الألوهية الوحدانية؟

- إذا كنت تقصدين أن هذا الدين «س» ذا الألوهية المتعددة قد تحول إلى هذا الدين «ش» ذا الألوهية الوحدانية، فهذا تسرع؛ لأن «س» يمكن أن يُصبح «ش»، والعكس أيضا صحيح...هذا الطلوع وهذا الهبوط حدثا عديد المرات لنفس الشعب. ودرجة الذكاء «واحدة» بين الوعْيَيْن الألوهَّيْين لأنهما يتناوَلان شيئا واحدا بلغات مختلفة...هذا ما أكده الحكيم ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة  فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ

والقرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا. فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ﴾.

- وفي أوّل التاريخ، كيف كانت البداية؟

- الأرجح عقلا أن البداية كانت وعيًا ألوهيّا وحدانيا، لأنه الأكثر بَسَاطةً والأقل تعقيدًا، والأقل قابلية للإحراجات البَرْهنية والنقدية – العقلية. فمن الأكيد أن الإنسان الأول ظَهَر كاملاً عقليّا، وإلاّ فمن المستحيل أن تَظْهر مِنه لاحقا أجيال كاملة عقليّا، بل يجب أن يكون هو الأكمل منها، وربما ضَعُفَ التفكيرُ البشري مِن حين لآخر بَعْدَه.

-  كيف يمكن أن نصنّف الأديان الحيوية، أي الأديان التي ترى في كل شيء روحًا؟

- الدين الحيوي، كالذي ساد في القارّة الإفريقية وما زال في بعضها، وكالذي سَاد لدى الهنود الحُمْر، دين يؤمن بكائن مجرّد من المادّة، لا يُرَى، موجود بيننا وخارجنا، هو الذي خَلق وما زال يخلق هذا العالَم... وهذه الخاصيّة هي التي جعلت الإفريقي يقبل الديانة الوحدانية الإبراهيميّة ولا يرتدّ عنها: فكانت الحبشة أول الدّول إيمانًا بالدين المسيحي، ولما أسلمت إفريقيا الغربية بقيتْ كذلك ولم ترتدّ كما حَصَل في بداية التاريخ الإسلامي لإفريقيا الشمالية...

- أحيانا نجد اختلاطا بين الألوهيّ- الوحْداني والألوهي- التعدّدي في الدين الواحد... أليس كذلك؟

- مثلا؟

- ...في الدين المسيحي، هناك «إله» وهناك «ابنُهُ»، أي إلَهٌ أعظم وإلَهٌ صغير.. وهناك «Marie» التي قد توحي بأنها زوجة الإله... وفي الدين البَرْهمي، قرأتُ أنّ فيه تناقضا بين إلَه واحد، مع وجود آلهة أخرى...

- مثالان دقيقان. أحسنت! لكن أوّلاً، كان عليك أن لا تقولي: «الدين المسيحي» في المطلَق، بل كان يجب أن تقولي «الدين المسيحي في صيغته الرومانية- الكاثوليكية»- التي أنْتِ تتناولينها مقابل «الدين المسيحي في صيغته السُّورية- الآرامية». الأوّل تجسيديّ للإله، والثاني تجريدي له ولا يمنحه جنسًا (مذكّرًا أو مونثا)...

فإذا أردنا البحث في الألوهية المسيحية في صيغتها الأولى، السورية – الآرامية، ليس لنا من وسيلة إلى حد اليوم سوى الرجوع إلى السِّيَر المتوفرة عن حياة المسيح: لوقا، يوحنَّا، برنابا... سَوْف نجد بها تأكيدًا لإله واحد: ﴿للرب إلاهك تسجد، وإياه وحده تعبد﴾ (مَتّى، الإصحاح: 4-10)، ﴿الرب إلاهنا رب واحد﴾ (مرقس، الإصحاح: 12-29).

رفَضَتْ سلطةُ رومة، طيلة أكثر من قرنين، الدينَ المسيحيَّ واضطهدت مؤسِّسَهُ وأتباعه، ولما قَبلتْهُ أدمَجت فيه تقديس رومة العريق لعدد «3» (بينما التقليد الإبراهيمي- السوري يُقدّس العدد «1» والعدد «7»)؛ وأدمَجت فيه إيمانها بألوهية القيصر وانحداره من الآلهة، وذلك ما يقتضي أن يصبح المسيحُ قيصرًا ملكًا وأن يُصبح هو أيضا ابنا لله، حتى يكون ادعاء القيصر مقبولاً، وتكون سلطته شرعية...

أما في الحالة البَرْهميّة، فيجب أن نميّز نَصَّيْن، أي زمنيْن، في تاريخ الديانة البرهمية. فالنص المؤسّس هو «الفيدَا»، وقد ظهر في القرن الـ15 قبل الميلاد، يتناول إلهًا واحدًا، أما النصُوص اللاحقة، (950ق.م، القرن 6م..) فتُلْحِق بالإله «الواحد/الأحد» (كما جاء في النص الأول)، آلهة أخرى مطابقة لتكوين الجسم، ولتكوين المجتمع الهندي آنئذ: الطبقة العليا، والطبقة العسكرية و«المنبوذون»...

فالنص التأسيسي («الفيدَا») يؤكد: ﴿لا يوجد سوى إلاه واحد﴾ (الفيدَا، الكتاب 10- الترنيمة 14)، و﴿الإلاه لا صورة له﴾... أما «الآلهة» فقد دُوّنت منذ سنة 950 ق.م. فمِن الواضح أن الطبقتيْن القويّتين، وهما أقليّة في الشعب الهندي، كانتا تحتاجان إلى وجود «آلهة» لكي يصبح وجودهما شرعي، غير قابل للثورة عليه...

- إذن... فالأصل هو التوحيد...

- نعم .. وهذا ما ذهب إليه القرآن الكريم، إذ أكد أنّ الإنسان الأوّل كان موحِّدًا...

الإسلام بين الأديان

- كيف يمكن التعرف على الإسلام بين هذه الأديان الكثيرة؟

- يمكن أن نتعرف على الإسلام (وعلى أي دين في الحقيقة) بأنْ:

*  نتعرّف على تاريخ ظهوره، لأننا سنفهم مدى أصالته ونوعية علاقته «بالأديان» السابقة عليه.

* نتعرّف على مؤسِّسه (النبي محمد في حالتنا الإسلامية) لأنه هو المسؤول عن تحديد ماهيّة هذا «الدين».

* نتعرّف على نصّه التأسيسي (القرآن الكريم في حالتنا).

- لو بدأنا بتاريخ ظهوره...

- من الظاهر، والمتفق عليه، أن «الدين الإسلامي» أعْلَن عنه «عارفٌ» (أي رمزٌ أخلاقي ذو نزوع باطني وإصلاحي- اجتماعي) إسمه «محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي» في 10/8/610م. كان هذا الدين «امتدادًا» مجدَّدًا للديانة الإبراهيمية، نِسْبةً إلى نبي عراقي- سوري إسمه: إبْ-رَاهيم، (=الأب الرحيم)، ابن تَارِح الأُورِيّ، كانت له ذرية بمكة، انحدر منها هذا الرجل الهاشمي.

- ما ضرورة ظهوره ؟

-  أتعلمين؟ هذا سؤال فلسفي...لم يسبقك إليه إلا العالِم الطبيب ابن النفيس في كتابه «الرسالة الكامِليّة في السِيرة النبوية»!!

- إذن... فأنا فيلسوفة، أو ابنة نَفيس!

- أنتِ أنفَسُ، لأنك روحي التي بين جنبيَّ..

ولكنّكِ- على ما أظن- سوف لن تَفهمي كتاب ابن النَفيس اليوم، أي في سنتكِ هذه...

- ...على كل حال...سأحاول قراءة نصه، إذا كان موجودًا بمكتبتك...

- نَعَم..هو موجود، ضِمن جناح «سِيَر نبوية».. لكنْ لنعد إلى مَطلبنا...

كانت التآويل حول الدين الإبْ-رَاهيميّ قد تكاثرت بصفة غير عقلانية...فهناك تآوِيل «يهودية» (أي  تَدَّعي «الهَوْد» أي العَوْد إلى الإبراهيمية الأصلية) بين حاخاميات شامية وأخرى يمانية وغيرها، أقحمتْ مَرْكزية عرق وهميّ هو «بنو إبراهيم»، ليصبح كل أبناء «الأقوام» (=«القُوِيم» في اللغة العربية_الآرامية، اللغة الأولى للإبراهيمية) أقل شأنًا (مما يذكّرنا بالتفاوت الطبقي في الكتاب البرهمي الثاني)، وليصبح «الله» نفسه بين التجريدية وبعض المادّية.

وهناك تآويل تدَّعي الانتماء إلى عيسى بن مريم الناصري (نسبه إلى «الناصرة» الفلسطينية)، تكاثرت أكثر من المعقول، وجلّها متأثر بالثقافة الرومانية ما قَبْل تنصر قسطنطين الأكبر... ليصبح المسيح «ابنًا لله»، بينما هما ليسا مِن جنس واحد ( بَشر← بشر)، في تناقض مطلق مع الآيات الكثيرة من السِّيَر الإنجيليّة التي تجعل عيسى الناصري «ابن الإنسان». وتحول المسيح من مُناضل ضدّ المركزية العرقية والإمبريالية الرومانية باعتباره ثوريّا ضمن حركة التحرير الزِّيلُوتية في سوريا ليطوّر انتماءه الثوري في أطروحته العرفانية بالإبراهيمية، إلى مشرّع لدكتاتورية القيصر وكل طاغية، حتى حَكَم بالإعدام أوغسطينُ العنّابِيُّ على دُونات الراهب الثوري الذي نادى بتحرّر الشعب الأمازيغي من الاستعمار الروماني، كما فعل عيسى الناصري- الزّيلوتي...

إذن، كانت «الأديان» الكبرى: البرهمية، المسيحية، الموسوية في حالة تناقض وخدمة للطغيان واللاعقل.

وكان لابدّ من مجدّد مُعقلن للدين الإبْ-رَاهيمي، أي «إبْ-راهيم» (=«أب رحيم» في اللغة العربية_الآرامية) عالَمي جديد...

- كيف تسنّى لـ«محمد بن عبد الله الهاشمي» ذلك؟ هل تلقى تكوينًا مدرسيًّا؟ فهذه المهمة العظمى تتطلب إنسانا أعظم قدرات عقلية وجسدية وأخلاقية مِن كل بَشر؟!!

- هنا وَصَلْنَا إلى المطلب الثاني: سيرة المؤسِّس!!

ربُّ العالَمين، يُريد وحدة العالَمين. يُريد دون شك إيقاف حرب الكلّ ضدّ الكلّ، وتمزق البشرية، وتشوّشِ دينه الفِطريّ... وإلاّ لن يَكون إلاهًا... فالإلاه فعلا يجب أن يكون مهتمًا بمصير أعظم مخلوق لديه (الإنسان)، وبأن يكون ذا عقل، وله علاقة واضحة وغير مشوّشة بخالقه، وبأن يكون مسالِمًا لا ذا نزعة قَتْلية أو اضطهادية أو سَرقِيّه تجاه أخيه الإنسان... ولن يجد من أجل ذلك أفضل من «سَفِير بارّ، كريم» (حسب سورة عبس)، يكون الأكثر إنسانية ليفهم الجميع قَصْدَه مِنْ خَلْق العنصر البشري، فيقتدون به...

- ... إذنْ، فهو الذي يجب أن يربّيهُ تحت رعايته المباشرة؟

- نعم... وِفق السُنن الطبيعية والسُنن الاجتماعية التي خلقها... كان سَلِيل عائلة رَاكَمتْ أطروحة «التَقريش» (= تجميع الناس لا تفرقتهم) فقصيّ/ قريش، جَمَّع بنو إسماعيل الذي أقصتهم كِنانة عن الكعبة، كما فعلت الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني، وقادَ مقاومة مظفرة لاسترجاع الوطن... وهاشم وعبد المطلب، قاما بكثير من الإصلاحات الاجتماعية والاعتقادية والطَّقْسية... وعبد الله كان سَفير أبيه لتركيز دولة الإيلاف القرشية في العالَم (الحبشة، مصر، سوريا، إيران، اليمن) بواسطة المَصارف التجارية، وللتبشير بميلاد مخلّص العالَم الأعظم، الذي بَشّر به موسى وعيسى، حتى استشهد بيثرب على يد الحاخامية اليمانية... وكانت أمّه آمنة أفضل النساء في العالَم آنئذ... فـ«حليمة السعدية» خرافة لا أساس لها... وهل الموحّدة أفضل أم إبنة البداوة المشركة؟!

علاوة على هذا الميرات الروحي، والسياسي، كان الشاب محمّد يعيش الصوم والصلاة ليتصفّى أكثر، وليصل أكثر إلى الله

فكان اجتماعيّا، ليس هناك مَنْ هو أكثر اجتماعية منه؛ وكان مختليّا بالله في بيته، وخاصة بغار حراء، وليس هناك من هو أكثر اعتزالية منه... هذا هو التوازن المطلوب: العيش في الخارج وخِدمته، والعيش في باطن الباطن حتى نَعرف نفْسَنا فنَعْرف ربّنا فيُرَبّينا مباشرةً..

كما أن تجربة حبّه لأعظم امرأة كان ممهدًا لتصفية روحه أيضا... ففي كل واحد منا- كما يقول عالم النفس المتدين العظيم يونغ- مُكوِّنَانِ: واحد ذكوري وآخر أنثويّ مع غلبة واحد منهما، ولإحداث التوازن ولتكميل الذات، لابد أن يحبّ الواحد منا ذاتًا أخرى مقابلة له في الجنسية. وقد كتب العارف العظيم رُورْبِهَان: «نحن نتعلم الحبّ الإلهي في كتاب الحبّ البشري» في كتابه: ياسمين العشاق. وقد كان الرسول يذكر خديجة دائما، إذْ منحته طاقة عطف عظيمة، وصدَّقَتْه حين كَذَبهُ النّاس، ودَثَّرَتهُ حين الوحي، ومنحّتْه كل مالها ليكون أكرم النّاس، وبعد كان كل يوم معيّن في الأسبوع يُضيِّف صديقاتها إكرامًا لذكراها...

كل هذا هو الذي أهَّل الشاب محمّد ليصبح نبيًّا، بل تاج الأنبياء، لأن مهمته التاريخية هي الأكثر «وِزْرًا» (حسب سورة الشرح) من المهمّات التاريخية للأنبياء الآخرين... وعليه، فيجب أن نجد في تاريخه الصحيح، وغير المبالغ فيه في الآن نفسه، ما يُثبت ذلك. هنا يقودنا المنطق الفلسفي إلى تلمُّس السيرة المحمّدية الصحيحة، كما فعل ابن النفيس...

محمّد كان رحمة للعالَمين... كان منذ البداية «الصادق الأمين»... وبقي حتى ليلة هجرته هو بنك أموال أعدائه وأشيائهم أنفسهم، مضطرًّا لإرجاعها لهم آنئذ (وربما تفطن بعضهم لعزمه على الخروج من مكة بذلك التصرف)... هل يمكن لمن كان «صادقا أمينا» طيلة 40 سنة أن يكذب في قولِهِ إنَّ له مهمَّة من الله؟!

هنا يجب أن نذهب إلى رسالته (القرآن الكريم) لكي نجد فيها (إن كانت فعلا من أحكم الحُكماء، وخالق العقلِ والعَرْشِ الذي يقوم عليه الكون) انسجامًا وعدم تناقض، وحلاَّ منطقيّا لكل مشاكل البشرية العظمى.

كان في «معركة الفِجار» مهندس المقاومة المكيّة ضدّ المعتدين، وكان في فكرته «حلف الفضول» معيدًا لتأسيس الإيلاف السياسي القرشي وفق الشروط الأخلاقية – الإنسانية... كان من الواضح أنه الأفضل في العالَم آنئذ...

- وكيف نثبت أنه أفضل إنسان في العالَم إلى اليوم؟

- لقد افترض ذلك الإسكتلندي توماس كارْليل (1795- 1881)، ضِمْن كتابه الأبطال. ولَمْ يُعْط هذه المرتبة، لا لعيسى ولا لموسى، ولا لبوذا، وغيرهم...

وأنا أنصحك بقراءة كتاب المفكرة أنَّا- ماري شِيمَّل: وأن محمّدًا رسول الله، لِتَقِفي على خصائص هذا الرسول. ويمكنك أيضا الاطلاع على سِيَره الأخلاقية (أبو عيسى الترمذي، البيهقي، أبو نعيم، القاضي عياض..). وهو الذي عرّف الإسلام تعريفًا أخلاقيا: «إنما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق»، وجعل تحية المسلم: «السَّلام عليكم!». وبَعْد دراسة مطوّلة تقول شِيمَّل أنّ محمدًا أُيِّدَ «بجاذبية غير عادية لشخصيته».

إذا قارنَّا سيرته بسِيَر عيسى وموسى وإبراهيم وبوذَا، سوف نكتشف –بموضوعية- أنه نجح أكثر منهم، مِنْ حيثُ تأثيره في زمنه المعاصر له، ومِنْ حيثُ بقاء تأثيره واتّساع حِمَويّتِه بعد وفاته دون قوى إكراه... صحيح أنه استثمر نجاحات هؤلاء العظماء قَبْلَهُ، ولكنَّ ذلك غير كافٍ... فَلَنْ نجد نصوص هؤلاء اليوم بوضوح، وبقين، بينما الجميع في كل أنحاء الأرض مقرّون أن نصّه التأسيسي (القرآن الكريم) هو نفسه، لم يَزدْ ولم ينقُص... وما دام نصه التأسيسي هو الكامل، والأكثر يقينية؛ وما دام الدين ضرورةً إنسانية، أليسَ مِن العَقْل أن نجعله هو دليلنا؛ نحن البشرية؟!!

- نَعم .. هذا عَين العقل... فكيف نُثبِتُ أنّ مضمون القرآن الكريم هو عين العقل أيضا؟!

- بماذا تُريدين أن نبدأ؟

- ... مثلاً.. بموقفه من الجُنُوسة الإنسانية؟

- ... هذا يُحيلنا إلى هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ * وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا* وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾. فالأصل نَفْسٌ واحدة، انقسمتْ إلى زَوْج، أي إلى ثنائي؛ ومِن ذلك الزَّوْج كانت البشرية. وقد بقيتْ في نفس كل واحد منَّا ازدواجية النفس الواحدة الأولى (الذكورة والأنوثة) لتغْلُبَ نِسبيّا واحدة منهما، فيُشخَّص الكائن بأنه مِن الرجال أو من النساء... وهذا ما جعل كل الواجبات والحقوق في الإسلام هي نفسها بين الرجل والمرأة...

- ... حتى في السياسة والاكتساب؟

- نَعْم...في السياسة: ﴿وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ﴾. فالولاية السياسية لا تستثني أحدًا... وهذا ما نفّذه النبيّ في دولته إذ كان يُشاركه الولاية السياسية «نقباء» و«نقيبات»... أما في الاكتساب: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا * وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾...

- ... لكنْ أَليس هناك إشكال في توزيع الميراث؟

- ... في الرياضيات، هل إن المعادَلة: 5 = 5، يمكن أن تُنَوِّعِي أشكالها؟

- نَعم... 5 = 3+ 2؛ 5 = 1+ 2+ 2؛ 5 = 7-2......

- ليس في كل الحالات هناك تفاوت ظاهر بين الذكور والإناث في الميراث... ولكنْ لننظر في هذه المعادَلة:

مَصادر الثروة الإناثية: المراكمة الدائمة (عدم الانقطاع عن المراكمة بالتجنيد الإجباري...) + عدم إجبارية الإنفاق + عدم الدّيّة الجماعية + نصف الميراث.

[مَصادر الثروة الإناثية: المراكمة الدائمة (عدم الانقطاع عن المراكمة بالتجنيد الإجباري...) + عدم إجبارية الإنفاق + عدم الدّيّة الجماعية + نصف الميراث].

إذا قلبنا هذه المعادلة ألاّ نجد شِبْه تَساوِ مع ميراث مصادر الثروة الذكورية؟

- ألَيس من العقل عدم تعدّد الزوجات؟

- نَعَمْ... ولذلك لم يتزوّج النبيّ مع خديجة أي امرأة أخرى...

- إذن... فلماذا عدّد زواجاته بعد وفاتها؟

-... بالأدق: لماذا عدَّد زواجاته في دولته بيثرب؟

... مع إحداهن، كان يجب أن يَمْنع زواجها برجل غير مسلم أصرّت عليه بتِعلّة العنوسة، حتى لا يكون أوّل انشقاق إناثي عليه في الإسلام.. مع أخرى، كان يجب أن يتزوج امرأة الثمانين التي هاجرت ولم يكن معها أحدٌ، وكانت تعاني من الشيخوخة وأعراضها.. ومع أخرى كان يجب أن يتزوجها لأنها هاجرت من مكة إلى الحبشة مع زوجها وأسرتها، فلما رجعوا إلى يثرب، كان الزوج منذ الشهر الأول يُلبّي الزوج نداء الدفاع عن المدينة فاستشهد في أُحُد... ومع أخرى، كان يجب أن يَجْبُرَ خاطِرَ ابنةَ عدوّه الذي ألَّبَ عليه العَرب حتى كادت دولته تنهار في معركة الأحزاب، فكان إعدامه وإعدام شريكه: زوجها لخيانتهما العظمى دستوريّا، فكان من الإنسانية أن يقترح عليها الزواج بها... ومع أخرى كان يجب أن يَجْبُر وضع قريبته التي أكرَهَتْ نفسها للزواج بمن لا تحبّ انصياعًا لطلب الرسول (رغم أن الخطأ الأصلي منها وليس منه)...

ولكنْ أتعلمين أن تعدّد الزوجات في الإسلام، لا يمكن أن يكون بعد الزوجة الأولى إلاّ مِن أمهات اليتامى فحسب؟؟!

- ... لا .. كيف ذلك؟؟ هذه مفاجَأة!!

-  كانت سورة النساء في الآية الثانية تريدُ معالجة الكارثة الديمغرافية بمعركة أُحُد، بمعالجة نتيجتها: اليُتْم، من الناحية المَعاشية- المالية. وحتى لا يَختلط مال الكافِل بمال اليتيم، اقترحتْ زواجَ صاحب الزوجة مِنْ قبْلُ – بأم يتيم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم [ ما كان طيبا من حيث الحساب الديمغرافي والقدرة المعاشية للزوج الواحد]: مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  [فأضيفوا واحدة فحسب]..﴾ [فأضيفوا واحدة فحسب] (النساء، الآية 3).

فهذا الحصر القرآني، يجعل كل تعدّد زوجات خارج سياق اليُتْم والكارثة الديمغرافية الذكورية حرامٌ قرآنيا، ومجرد أهواء مُتْرفية وسلطوية وجدتْ تبريرات فُقَهائية شيطانية، أو سامِريّة – إن شئت-، أي كما فعل السّامري أخذ ﴿قَبضَةً مِن أَثَرِ الرَّسولِ﴾ وخلطها بخبثه وأهوائه...

- وكيف كانت دولة يثرب؟

- كانت دولة قائمة على دُستور إسمه «الصحيفة» دوّنها الرسول مع النقباء والنقيبات من سكان يثرب والوافدين عليها، مِنْ 3 ديانات بدايةً: الإسلام والشرك واليهودية، وقد نصَّتْ الصحيفة على «رِبْعتهم»، أي بلُغَتِها: «على حريّاتهم» و«استقلالهم الذاتي».. قَبْل أن تضمّ كل الجزيرة العربية قبل وفاة الرسول ببضعة سنوات...

وقد أعلنَتْ الصحيفة في بُنْدِها الثاني عشر أنها لن تَتْرُك فقيرًا واحدًا بدولتها: «وأن المؤمنين لا يتركون مُفرحا»...

ولقد أقرّت سورة التوبة أنّ هذه الدولة قد نفّذت ما وعدتْ به، ولم تَتْرُكْ مُتْرَفًا واحدًا، لأنّ الترف يوجب «تأمير» المُتْرف، وعليه يوجب إفقار جزء من السكان. ولذلك نَقم المترفون – سابقا- على الأكثرية: ﴿أَن أَغناهُمُ [جميعا]  اللَّـهُ وَرَسولُهُ مِن فَضلِهِ ﴾ (التوبة، 74). وقد عوّضت هذه الدولة للمترفين الذين كانوا يكنزون الثروة الباطنية ويحتكرونها بالرِّبَا بسَهْم «المُؤلفة قلوبهم».

- ... وهل بقيت هذه الصحيفة بعد وفاة الرسول؟

- ليس المطلوب أن يبقى نصَّ هذه الصحيفة، بل المطلوب أن تبقى روحها: «الرِّبْعة» و«العدالة المَعاشية» و«الولاية السياسية المشتركة». مِنْ سوء الحظ أن هذه الصحيفة ألغيَتْ دون مبرّر ولم تُعوَّضْ بأخرى مِنْ رُوحها، ودخلنا شيئا فشيئا عهود التفاوت المَعاشي والقهر الجُنوسي والجبَّارية  السياسية (= ﴿وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ (مريم، 32)، ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ (الغاشية، 22).

- ... لكنْ من الأكيد هناك استثناء، بعد انهيار الخلافة الراشدة...

- ... نعم... يمكننا التأمّل في دَولة المَلِك أكْبَر بالهند، ودولة القرامطة ذات العدالة الاجتماعية والعدالة الجُنُوسية، والدولة الرستمية... فهي قريبة من روح دولة الرسول، على عكس «المُلْك العَضوض» الأمويّ والعبّاسي، على حدّ وصف النبي..

- اللهم صلّ على سيدنا محمد!! أصبحتُ اليوم أكثر قربًا منه، بهذا الحِوار الرائع معك يا أبتي..

- أتدرين ما معنى «اللهم صلّ على محمّد...!»؟

- هاتِ رؤيتك!

- معناها: « يا الله اجعلني أتّصل به! اجعلني أقارب الإنسانَ الكاملَ، الإنسانَ الأعقلَ، الإنسان الأعْدل... الإنسانَ الذي لم يَغْزُ قط، بل بقي دائما يُدافِع ضد المعتدين، فالغَزْو هو الدخول في دِيار الغير واستباحتها». على العكس، كانت حربه دفاعا: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ (البقرة، 243)... أقارب الإنسانَ الذي قَبِل الاختلاف، ولم يقتل منافقا واحدًا: «أتُريدُ أن يُقال إن محمّدا يقتل أصحابه؟!»، «هلاَّ شققت على قلبه!»... الإنسان الذي أرسله الله ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾... وإلا فنحن لسنا «مسلمين» حقيقيين... «اللّهم صلّ على محمّد» معناها: اللهم اجعلنا كلَّنَا، جميعا ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، حَصْرًا: ﴿إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾.. هناك تفيض البشرية عقلاً وعَدالة وسعادةً إيمانية..

- نعم... أنا متفائلة بذلك...

- نعم ... ﴿إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ﴾...

*-*-*

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل إلاّ الربع، فقلت لنرجس:

- هل أرْضَيتُكِ قليلاً؟

- ... بل كثيرًا... رغم أنه من المستحيل أن نُكْمل تناول عقلانية الإسلام وجماليته..

- صحيح... وفي هذه الحالة، ألا يستحق أستاذ التربية الإسلامية أن نشكره، لأنه تسبب- دون قَصْد في هذه المُحاورة التي أرضتكِ؟!..

ضحكتْ وقالت: «نعم... بِوجْهٍ ما!».

- إذَنْ... تُصبحين على خير!

- تُصبح على خير!

رجعتُ  إلى عملي، على المكتب، وكان يتناول: الدولة الناجحة في العالَم المضادّ للإمبريالية... ولكنّ نَرجس عادتْ من جديد. فقُلت لها: «هل عُدْتِ إلى أيام الطفولة...عندما كنتِ ترفضين النوم... وإلاّ فلماذا عُدْتِ؟!».

قالتْ: «أردتُ أن أقول لك...  أتدري؟ إننا كتبنا كتابًا، دون أن نشعر!... سأعيدُ تذكّره منذ البداية، لتراجعة كما شئتَ... وقد اخترتُ له عنوانًا: «الدينُ مفسّرًا لابنتي»... أنسيت أنك أهديْتني يومًا كتابًا بهذا العنوان؟! ولكنّ مضمونا الكتابين ومَنْهَجَاهما متخالفة...

قمتُ لها، لأقبّلها قائلا: «ليكُنْ ذلك... يا روحي التي بينَ جنبيّ!». 

 

عادل بن خليفة بِالكَحْلة

 

 

اياد الزهيريعندما نقول التاريخ المصري القديم، فنقصد به التاريخ الذي سبق قليلاً عصر السلالات الذي بدأ من 3100 ق.م، وهو التاريخ الذي بدأت به تأسيس أول دولة مركزية يرأسها فرعون أمتداداً الى نهاية تاريخ الفراعنة على يد الأسكندر الأكبر عندما غزى مصر وطرد الفرس منها 332 ق.م . فقبل 3100 ق.م كان هناك شعب يعيش في قرى متناثرة، ولكل قرية أو تجمع زراعي رئيس قبيلة واله خاص بهم ، ولكن بالأضافة لهذه الآلهة المتعدده هناك اله رئيسي هو الاله سيت. يذكر التاريخ أن هناك هجرات حدثت ماقبل 3100ق.م وبالتحديد في الألف الرابع قبل الميلاد لأقوام جاءت من الشرق، وبالتحديد من منطقة سوريا القديمة، والتي هي منطقة الدول التي تشكل الآن (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن). هذه الأقوام جاءت وهي تحمل موروثها الثقافي والديني، وسكنت في منطقة الدلتا، وهي منطقة زراعية خصبة تكثر فيها المياه، حيث النيل له فروع عديدة، هذه الأقوام تحمل معتقدات دينيه، ولكن لها أله رئيسي يدعى (حوروس)، كما توسعت هذه الأقوام بأتجاه الجنوب المصري بمحاذات نهر النيل . هؤلاء الأقوام أسسوا لمملكتين، واحدة في الجنوب وأخرى بالشمال، ولكن أنتهى أمر هذين المملكتين الى أن تتوحد في مملكة واحدة مركزية في مطلع الآلف الثالث ق.م، ولكن يبدو أن هذه الأقوام تمتعت بعقلية توافقية ساهمت في بناء دولة موحدة قوية، فخلقت حالة من الأنسجام بين رعاياها، عن طريق توحيد هذين الالهين (حورس-سيت) كالهين رسمين لكلا المجموعتين من الأقوام الأصلية والمهاجرة، وهي خطوة جنبت الصدام بين المجموعتين، وساهمت ببناء نسيج أجتماعي موحد، عجل ببناء الدولة المصرية القديمة الموحدة . طبعاً هذه الثنائية لعبت دور أساسي في خلق ظاهرة دينية جديده لم تعرفها الديانة العراقية القديمة ولا الديانة السورية القديمة، هذه الظاهرة الالهية الثنائية القطبية، ساهمت ببروز فكرة الخير والشر في اللاهوت المصري القديم، تمثلت بتقسيم الظواهر الكونية الى أيجابية وأخرى سلبية . الأيجابية يمثلها الاله حورس، والجانب الذي يمثل الطبيعة السلبية والشريرة، يمثلها الاله سيت، كما يجب التنوية الى أن البعض ممن يكتب عن التاريخ القديم ومعتقدات أنسانه يكتب بلسان الجزم والأطلاق، وهذا خطأ وقع فيه الكثير والسبب أن النصوص الأسطورية لم تكن كاملة في معظم الأحيان،لأن مصادرها شفهية بالأصل، وخاصة ممن يكون تاريخها ما قبل الكتابة، وأما التي اُنشأت ما بعد الكتابة، فقد فُقد منها الكثير والبعض مهشم، وناقصة الأجزاء، وقسم كُتبت بأقلام أناس من أقوام أخرى، كما حصل لأسطورة أوزوريس التي كتبها المؤرخ اليوناني (بلوتارخ) بعد مرور 25 قرن من وجودها، ولا يمكننا التأكد من صدق وحرفية نقلها بشكل أمين وبدون أضافة أو طرح .

نرجع الى الآلهة التي أصبحت تمثل الديانة الرئيسية للمجتمع المصري القديم أبتداءاً من تاريخ الدولة المصرية القديمة والتي بدأت من مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، عندما توحدت المملكتين الشمالية والجنوبية في دولة مركزية واحدة والتي وحدت حتى العبادة في الثنائي (حوروس-سيت). هذه الثنائية التي جاءت نتيجة لملاحظة المصريون القدامى للثنائية الكونية، والظواهر المتعاكسة فيه، ومن أمثلة ذلك النور والظلام، الخير والشر، الصحة والمرض، الموت والحياة وهكذا، فتفتق ذهنهم أن هناك قوتين، واحدة تمثل النور والطبيعة الأيجابية والمطر والخصوبة والولادة وهو الاله حوروس، وقوة أخرى تمثل الظلام والسلبية والعواصف والبراكين والرعد وأسمها الاله سيت، كما أنهم أعتقدوا أن هذا التناقض ضروري ويكامل بعضه بعضاً، أي أنه أمر حتمي، ولا غنى عنه، ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونهما، وكأن المصرين القدامى تناغموا مع مفهوم الديالكتيك الهيغلي والماركسي بأن صراع الأضداد يؤدي الى صيرورة تنتهي بنشوء حالة جديدة، وهكذا دواليك . فعندما يدخل هذين الالهين في حالة صراع، يتدخل اله ثالث أسمه ثوث يحيل دون أنتصار أحدهما على الآخر، لكي يحافظ الكون على توازنه، وأن لا تترجح كفة أحدهما على الآخر، وترجع حالة الأستقرار والتوازن الى العالم، في حين نرى في الأديان السماوية التوحيدية الأمر مختلف، فهناك اله واحد هو الله، وهي الحالة التي تضمن أنسجام وأستقرار العالم، وهذا ما أشار الية منطوق الآية القرآنية (لو كان فيهما آلهه الا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، فالمصريون صحيح أقتربوا من التوحيد لكن لم يحققوه بشكله التام، فهم وحدوا هذين الألهين في جسد واحد ولكن كان برأسين منفصلين، فكان يُرمز لحوروس برأس صقر، ولسيت يُرمز برأس حمار. وهنا نرى المصريون لم يغادروا صيغة تعدد الآلهه كسابقيهم من البابليين والكنعانين والفينيقين في الحضارتين الرافدينية والسورية. وأن كان أحياناً هذين الألهين يقومان بعمل مشترك كما حصل في وضع التاج على رأس الفرعون عند تنصيبه كملك، ولكن يبقوا بصيغة ألهين وليس اله واحد، ومن هناك  تأسست في الحضارة المصرية بأن هذا المنصب الملكي هو منصب تقرره السماء وأن الملك هو أمتداد طبيعي للآله، حتى أن الفرعون يُنسب كأبن للاله حوروس وأحياناً أبن للاله رع .

يوصف الاله الذي يعبده المصريون بالقوة القاهرة، لذلك يُرمز له بالحيوانات الشرسة من مثل القطط البريه والنمور وغيرها، وهو عين ما نظر له الآشوريون عندما رمزوا لالههم أشور برمز الثور المجنح، كرمز للقوة، وكذلك حصل ذلك بالديانة السومرية والبابلية والسورية القديمة، كما أن المصريين بالرغم من وجود الهه أخرى كغيرهم كميزه للتعدد، الا أنهم كذلك عندهم الهه تمثل الآلهه الرئيسية، من مثل الاله حورس، والذي حل محله في وقت آخر كرئيس للبانثيون المصري الاله رع،والذي يُسمى بالاله العظيم، وسيد السماء، وأب للآلهه جميعاً، كما أنهم يعتقدون أن حورس وسيت يمثلان قوة ماورائية، وفاعلة وراء هذا الكون .

فلو رجعنا الى اسطورة الخلق المصرية لرأينا أن الاله رع وقد ظهر من لجة المياه الأزلية بقواه الذاتية، خالقاً نفسه بنفسه، وبعد ذلك بدأ بأنجاب الآله (شو) اله الهواء، و(تفنوت) اله الرطوبة، ومن هذين الألهين ولد اله السماء (نوت) واله الأرض جيب، ومنهم ولدت الالهه أوزوريس وأيزيس ونفتيس. والمصريون لا يبتعدون عمن سبقهم أو من عاش في نفس الحقبة الزمنية التي عاشوا فيها، فهم لا زالوا ملتصقين في عالم المحسوسات، ولم يتمكنوا للوصول الى حالة التجريد الصافية بالرغم مما تحلوا به من علم وتكنلوجيا تمثلت بعلم الكيمياء والبناء المعماري للأهرامات، لذلك فقد جسدوا آلههم رع على هيئة قرص الشمس، وأعتقدوا بأن اله الشمس يكون في قبة السماء نهاراً، ويذهب الى العالم السفلي ليلاً.

أن الاله المصري القديم الذي يُدعى أوزوريس يُوصف أنه اله الفضائل، وأنه يجازي على فاعلها ويعاقب لمن خالفها وأتبع الرذائل، حيث أشار الباحثون الى أن أول محاولة لربط الدين بالأخلاق بدأت من خلال هذا الاله ومن ذلك الزمن، وأنا بالحقيقة أخالف هذا الرأي لسبب بسيط، هو أن هناك أنبياء ورُسل يتبعون أديان توحيدية سماوية من أمثال النبي أبراهيم والذي سبق ظهور هذه الالهه، والأديان التوحيديه دعت الى مكارم الأخلاق والفضائل والأعمال الصالحة، وأن الأخلاق الحلقة الرئيسيه التي ترتبط بالدين التوحيدي، وهو العمل الأساس للأنبياء وقد قال محمد (ص) (أنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذا ما أرجحه من خلال ما جاءت به الأقوام التي أستوطنت منطقة الدلتا من سوريا، وسوريا كما تعلمون هي من المناطق التي أستوطن بها فترة من الزمن النبي أبراهيم (ع)، مع العلم أن هناك من يؤرخ لفترة النبي أبراهيم تقع بين (2324-1850) ق.م، وأن هذه الأقوام وأن كانت وثنية ولكن لا بد أن تسرب اليها شيء من الدعوة الأبراهيمية، خاصة وهناك من يؤرخ بأستكمال أسطورة أوزوريس هو في زمن الدولة المصرية القديمة الوسطى، في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد . وهذه الفترة قد عاش بها النبي أبراهيم ‘، كما كان هناك أنبياء قبله عاشوا في هذه المنطقة، فهؤلاء الأقوام التي جاءت من الشرق الى مصر يُحتمل أنها نقلت معها شيء من تراث البيئة الأصلية، ومنها لاشك تسربات من تعليمات، الأنبياء الذين كانوا بين ظهرانيهم وهكذا حدث ذلك في كثير من الحضارات التي حدثت فيها هجرة سكانية، وقد لمسنا تشابه في الوهية الحضارة الرافدينية والسورية والأغريقيه، حيث كلهم يعبدون آلهه لها نفس الوظائف وأن أختلفوا بالأسماء، فكلهم عندهم الهه للشمس وللسماء وللقمر وللخصوبه والجنس فمثلاً عشتار في سومر وبابل، نرى عند الكنعانيين عشتارت وتسمى أيضاً عناة وعند الأغريق تسمى أفروديت، فكلها تمثل الهة للحب والخصوبة وأن كانت تنتمي الى حضارات وأديان مختلفة، ولكن التلاقح الثقافي عن طريق التنقل والهجرات، حصل هذا التماثل بينهم في الأعتقاد، كما أن هناك تشابه بين ميثلوجيا هذه الأديان في الحضارات الرافدينيه والسورية والأغريقية كما في ميثلوجيا بدأ الخلق . أن أكثر هذه الأديان والحضارات يرتكزون في تصوراتهم في بدء الكون على نقطة المياه البدئيه، كبداية لخلق الالهه والعالم، بنفس الطريقة يمكن أن تكون الأخلاق وعلاقتها بالدين لم تكن وليدة الميثلوجيا المصريه (أوزوريس) فقط وأنما أعتقد لها أمتداد من دين سماوي سبقها زمانيا، كما أن هناك ملك سومري قد أقام قواعد العدل وأنتصر للخير وأسمه أوركاجينا، حيث سعى الى التخلص من المفاسد، وضبط الموازين وحماية الأرملة واليتيم والمسكين من سوء المعاملة، وأقامة العدل، وهم يزعمون أن الآلهة هي من خططت على هذا النحو، وأقامة هذه الضوابط والتعليمات الأخلاقية، ولم يكن الأنسان الا متبعاً للأوامر الألهية (فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان)ص269 .

يبدو أن هناك نقلة نوعية في عقلية الأنسان المصري، وأعزو ذلك الى التلاقح الثقافي مع الأقوام المهاجرة من الشرق الى مصر، هذه العقلية تكون عندها تصور أن النظام الكوني لم يصدر الا من اله، وبما أن هذا الاله قادر على الخلق، ومَشَغله، فهو الأولى بتنظيم المجتمع وحكمه لتكون هناك حالة أنتظام واحدة . هنا برزت عندهم أسطورة الأوزورية، التي تصور الاله أوزوريس كأله عادل وناشر للأمن والأمان، وهو من قاد البشرية من حالة الفوضى الى عصر الحضارة والنظام. هذه الميثلوجيا هي تعبير عن أماني ورغبة تخالج الأنسان المصري القديم أو كردة فعل لحالة الأستبداد والظلم الذي لمسه من قبل رؤساءه المتعاقبين على حكمه، أو هو أيمان بالوهية الفرعون كنقطة لقاء البشري مع الالهي، وأنه أبن الاله أوزوريس في الأرض، كما لم تقف أسطورة أوزوريس كحاكم فعلي للمصرين في الحياة، بل سيكون هو حاكم أيضاً في الحياة الآخرة، وهذا الأمر ليس الأول من نوعه في الديانه المصرية القديمة، فمسألة العالم الأسفل موجود في ميثلوجيا الحضارات الأخرى التي سبقت الديانة المصرية القديمة، فالسومريون قد أقتنعوا أن الأنسان قد خلقه الأرباب وأن الأنسان لم يكن الا متبعاً لأوامرهم،، وأن الأرباب السومريون يفضلون الأخلاقي على غير الأخلاقي، وأنهم عشاق للخير والعدل وأن الأشراف على النظام الأخلاقي من أهم وظائفهم، ومثال ذلك الاله أتو اله الشمس، ومن المعروف هناك لائحة يدعو السومريون أنها من أختراع الأرباب، مهمتها توضيح القواعد والنظم الأخلاقية التي تجعل الكون يسير بسلاسة وفعالية كما في قائمة عملوها تبين هذه القواعد وتسمى قائمة (مي)، وقد نقلت ذلك بتصرف من مقالة (الديانة السومرية، اللاهوت والطقس والأسطورة) تأليف س.ن.كرامر، ترجمة محمود منقذ الهاشمي. لكن المصريون القدامى قد فَصَلوا في ذلك كثيراً وأهتموا في طريقة بناء المقابر بطريقة فيها الكثير من الأهتمام بأعتبارها تمثل مكان أو التمهيد للحياة الثانية . كما أن هناك أشارة ألفت نظر القاريء الى أن ما أُعطيت من صفات للاله أوزورس في أسطورته الى درجة أشبه بالتطابق مع صفات الاله في الأديان السماوية التوحيدية، فمثلاً توصف الأسطورة الأوزوريه الاله أوزوريس بأنه المحاسب يوم الحساب، وهو العادل بين الناس، وهو من يُثيب ويعاقب، وهو من بيده الأقدار، وهو رب القضاء والقدر، وبيده مصائر البشر، والمطلع على السرائر، وهناك الهين أثنين يعاونانه على أحصاء الأعمال الصالحه والطالحة للبشر، وهذا عين ما يذكره القرآن في الآية (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد)، وبما أن هذا المبدأ موجود بالأسلام فمعنى ذلك هو موجود بالأديان السماويه السابقه بأعتبار أن الأديان التوحيديه أمتداد لبعضها . هذه المقاربات هي من ترجح أن هناك تلاقح وتسرب للأفكار والمعتقدات بين شعوب هذه المنطقة، ولابد أن مجمع كهان الدين المصري القديم، وحتى الأديان الرافدينية القديمة قد عمل كهانها على أعداد لواح وتصورات قد أستمدوا بعضها من الأديان السماوية ممزوجه بأفكار ميثلوجية من بنات أفكارهم وتصوراتهم الخاصة . هناك ملاحظه مهمة قد أستوقفتني بالحقيقة فيما يخص بعض المفسرين من المسلمين الذين أسردوا في مسألة الجنة والنار وفصلوا فيها كثيراً بما لم يأتي به الله من سلطان، وقد نسجوا على نفس المنوال الذي نسج علية المصريون القدامى وما نسج عليه رجال الدين والكتاب المسيحيون في القرون الوسطى،حيث شرحوا كيفية العذاب وما موجود في النار من الكائنات المخيفة ، وما يحدث من عذاب في القبر، وكيف يكون عذاب القبر، وهو كلام لم يأتي به القرآن ولم يصرح به الرسول (ص) وأنما هناك أشارات من القرآن والرسول الى الجنه والنار، وأشارات الى العذاب للمسيء وتلميحات للمؤمنين لا غير، لأنها أمور جعلها الله في صفحات الغيب، ولكن هؤلاء المفسرون أجتهدوا من عندياتهم وأطلقوا العنان لمخيلاتهم في وصف مشاهد الجحيم والنعيم، وهو عمل مشابه لما قام به كهان الأديان القديمة من ميثلوجيا تفسر به ما يجري في العالم السفلي، عندما يغادر الأنسان الحياة الدنيا، وهو عين ما فعله الكاتب الأيطالي دانتي في روايته ( الكوميديا الألهيه)، حيث وصف جهنم وطبقاتها وطرق التعذيب بها، وهي توصيفات من نتاج خياله لأن السيد المسيح لم يتطرق أطلاقاً بوصف الجنه والنار ولكن دانتي لعله أستمد ذلك من رهبان الكنائس الذين كتبوا ما شاء لهم الكتابة في اللاهوت المسيحي، وهنا كان عمل بعض الكتاب المسلمين ودانتي يشبه عمل أصحاب ميثلوجيا الأديان السومريه والبابليه والأغريقية والمصرية القديمه،كما ينطبق على الكثير من ميثولوجيات أخرى لشعوب كثيرة بالعالم .

من الغريب هناك من يدعي بأن الديانه المصريه هي الأصل في ظهور الدين الأخلاقي، وكذلك الأدعاء بأسبقيته بالدعوة بوجود حياة أخرى بعد الموت، في حين يقول الباحث ج. فياؤد في كتابة (الآلهه والأساطير) ترجمة فراس السواح ما يلي (فعلى الرغم من معرفتنا بكل أسماء الهة مصر والهاتها وبالمعابد المكرسة لها، الا أننا لا نعرف سوى القليل عن طبيعتها، ونادراً ما نعرف الأساطير المتصلة بها) .

أن الديانه المصرية القديمه مثلها مثل غيرها من سومريه وبابليه وآشورية وكنعانييه وفينيقية قد صوروا الاله يتجلى بحيوان، وأحياناً بنصف حيوان وأنسان وأحياناً بأنسان، وكغيرهم تصوروا أن مجتمع الالهه كمجتمع الأنسان الا أن لهم قدرات فائقة وقوى عظيمة، ولكن هم يتزوجون ولهم أولاد وعوائل ويأكلون ويشربون، وهذا يبرهن على أن الأنسان المصري لا زال ملتصق بالمحسوس ولا يقوى على مغادرته الى المجرد بشكله التام، وأنهم عددوا الآلهه كغيرهم، فعندهم اله للقمر وآخر للشمس وثالث للنيل وهكذا، وأن هناك رئيس أكبر لهذه الالهه فقد سموه حورس وأنتقل بعد فترة الى رع، وهكذا رئيس المجمع الالهي يتغير عندهم عبر الزمن. نلتمس من كل ذلك أن الأنسان المصري القديم يعزوا الخلق للآلهه وكذلك النظام الكوني والأخلاقي، بأعتبار أن الأخلاق مصدرها الاله أزوروس، ولا تتم وتتحقق العدالة في الأرض الا بتطبيق اللوائح الأخلاقية التي نادى بها الاله أوزوروس، وهذا الأمر يسري أيضاً على الحاكمية، فالألهه أو أبن الاله فرعون هو من له فقط حق الحاكمية على الناس بأعتباره أمتداد للآلهه، وهناك من الفراعنة من أدعى الألوهية، لتكون له الشرعية والقدسية التامه كمبرر للحكم والبقاء فيها، وقد وضحت ذلك الآية القرآنيه على لسان فرعون قائلاً (فقال أنا ربكم الأعلى)، أيضاً الآية ( ما علمتلكم من اله غيري).

الخلاصة:

1- أن الديانة المصرية القديمة، هي ديانة متعددة الالهه.

2- الديانات الرافدينيه والسورية القديمة كسابقتها،لها مجمع الهه، يترأسه الاله الأكبر، وقد شغل هذا الموقع أكثر من اله بالتعاقب، في البدء كان الثنائي القطبي (حوروس-سيت) وبعدهم الاله رع، وبعده أوزوريس.

3- برز النسق الأخلاقي في الديانة المصرية القديمة بشكل قوي، وقد أرتبط هذا البعد في الاله أوزوريس، وهو من جذر البعد الأخلاقي في الفرد والمجتمع وربطة بالحساب الأخروي، فهناك ثواب وعقاب، ولكن لم تكن هي المحاولة الأولى فقد سبقه الملك أوركاجينا في الحضارة الرفدينيه، حيث كان ملك يعتني بالقيم الأخلاقية ( عدل، حرية، رحمة بالضعفاء، كافح الفساد).

4- تميزت الديانة المصرية بالأهتمام بحياة ما بعد الموت، وهذا أحد أسباب بناء الأهرامات.

5- الأيمان بالحساب الأخروي، وأن هناك ثواب وعقاب.

6- أن الديانة المصرية القديمة هي حصيلة تلاقح ديانة وثقافة من حضارة جاءت من الشرق (رافدينية، سورية قديمة) مع ديانة وثقافة مصرية أصيلة.

7- خطت الديانة المصرية القديمة خطوة للتوحيد وأن كانت ناقصة، حيث وحدوا الآلهين (حوروس-سيت) في جسد واحد، ولكن في رأسين منفصلين، زاعمين على أيمانهم بأن للخير اله وللشر اله.

 

أياد الزهيري.

 

 

مجدي ابراهيمأبو يزيد بن طيفور بن عيسى سُروشان البسطامي: كان جده سروشان مجوسياً فأسلم, وهو من أهل بسطام توفى سنة 261هـ، وقيل سنة 264هـ . وكان لأبي يزيد ثلاثة أخوة : آدم، وطيفور، وعلي. وكلهم كانوا زهاداً وعباداً. إنما كان أبو يزيد أجلهم حالاً. وكانت له في طريق القوم نكت وإشارات عجيبة حتى قال ابن عربي عنه:" أنه القطب الغوث في زمانه". ومن حكمه التي جرت مجرى الأمثال في العقائد الصوفية؛ وهى دليل على تفردهم وامتيازهم بخصوصية الإبداع تفرداً وامتيازاً قد ينقطع معه النظير قوله : ليس العالم من يحفظ من كتاب الله فإذا نسى ما حفظ صار جاهلاً؛ بل العالم من يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا تحفظ ودرس. وهذا هو العلم الرباني".

وليس من شك أن هذا العلم الرباني لهو هو الذي يعول عليه شيوخ الصوفية في تعزيز مقامات اليقين، فلا يزال اعتمادهم عليه من أول خطوات الطريق إلى أن يتم لهم الوصول بفضل الله، وهو هو العلم اللَّدُني الكشفي؛ علم الفتوح يتأتى من طريق الأذكار والأوراد لا من طريق النظر العقلي أو الدرس النظري؛ فهو وهب على وهب لا كسب فيه ولا حيلة. ولقد قال أبو يزيد مشيراً إليه، بل وعليه يحمل قوله المشهور: "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"؛ ولما أن سئل : بأي شيء وجدتَ هذه المعرفة؟ قال: ببطن جائع، وبدن عار". البطن الجائع كناية عن دوام الصيام، والبدن العاري كناية عن الزهد في المباحات؛ فالزهد في رغائب الدنيا أساس هذا العلم الرباني، وطلب الدنيا بوجه من الوجوه منافٍ لوجوده لدى من يطلبه خالصاً؛ وكاشف للعورات الباطنة لمن يدعيه؛ فكل رغبة في الدنيا هى في الحقيقة ضد هذا القصد وقد تتعارض معه من الوهلة الأولى. ومن أجل ذلك؛ أكد الصوفية صادقين على العزوف عن الدنيا وشهواتها ورغباتها من أجل الفوز بما ينالونه قصداً في الآخرة؛ فجاهدوا نفوسهم وأهواءها حتى استقامت على الطريقة فتحقق لهم العلم الرباني من طريق الوَهْب والفتح والتحقيق.

وأقوال أبو يزيد منشورة في كتب الطبقات ومتفرقة في جميع مصنفات التصوف قديماً وحديثاً، ولا يخلو كتاب كتب في هذا الفن العالي منها، وقد كتب عنه "بارتلد" مادة "بايزيد البسطامي" بدائرة المعارف الإسلامية : الترجمة العربية، المجلد الثالث، العدد الخامس؛ ص 331). وجمع قاسم محمد عباس أعماله الكاملة تحت عنوان : أبو يزيد البسطامي؛ المجموعة الصوفية الكاملة، دار المدى، سورية، الطبعة الأولى سنة 2004م؛ هذا فضلاً عما كتبه قديماً ونشر المخطوطات الخاصة بالسَّهْلَجيِّ وسبط ابن الجوزي وغيرهما، وقام بتحقيقها؛ الدكتور عبد الرحمن بدوي في شطحات الصوفية.

أما فيما يتصل بمسألة الرؤية فقد سُئل أبو يزيد (البسطامي) :" هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟!

فقال :" لَو حُجِبْتُ عَنْهُ لَحْظَةً لَمُتُّ ".

ممّا يُروى عن أبي يزيد : أن حاله كانت عظيم الخطر؛ سواء كانت في مسألة الرؤية أو في غيرها من مسائل المتصوفة. كانت هذه الحال هى التي تقوده وليس هو الذي يقودها، وعرف عنه أنه كان في حالة فناء دائم لا يستيقظ منه ولا يفيق، أو إنْ شئت قلت: حالة سكر دائمة. وكان في غيبة مستمرة لا يصحو منها إلا في أوقات الصلاة، ويُروى في صدد مسألة الرؤية مما ذكره ابن خميس في "المناقب" أنه قال:" كان عندي شاب صغير ملازم للخلوة؛ فقلت له: هل رأيت أبا يزيد؟ قال: لا. فتركته أياماً وأعدتٌ عليه القول: هل رأيت أبا يزيد؟ قال: لا. فلما أكثرت عليه قال: رأيتٌ الله فأغناني عن رؤية أبي يزيد !!

قال: فكرَّرت عليه القول وهو على هذا لا يزيد (رأيتٌ الله فأغناني عن رؤية أبي يزيد!)؛ فغَاظني فقلت : أوَ رأيتَ أبا يزيد مرة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة؛ فقال: قُمْ بنا إليه، فخرجنا نطلب أبا يزيد. وإذا به قد خرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه، فلمَّا رآه الشاب صَاحَ ومات، فقلت لأبي يزيد : ما هذا؟!

فإنه ذكر أنه يرى الله وما مات؛ يراك فيموت؟! فقال: نعم! كان يرى الله على قدر حاله، فلما نظر إليَّ رأى الله على قدر حالي؛ فلم يُثبت فمات. قال الراوي: ثم داريناه فغسلناه وكفناه، وصلى عليه ودفنه وبكى" (سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان, نشرة عبد الرحمن بدوي, ضمن شطحات الصوفية؛ ص 213).

وأبو يزيد نفسه هو القائل: "للخلق أحوالٌ ولا حَالَ للعارف؛ لأنه حُجبَتْ رسومه فلا يشاهد في يقظته ونومه غير الله تعالى".

لكن نيكولسون يورد نفس المقولة باختلاف الألفاظ لتدليل على حال الفناء الصوفي عند أبي يزيد: "للخلق أحوالٌ ولا حَالَ للعارف؛ لأنه مُحِيَتْ رسومه وفنيت هُويَّتَه بهوية غيره, وغُيِّبت آثاره بآثار غيره".

وأقوال البسطامي في الشطح والفناء والرؤية والكشف والمشاهدة عديدة، فضلاً عن كونها عميقة الشعور غزيرة العاطفة والوجدان قد أحصاها (السَّهْلَجيِّ في كتاب:" النور من كلمات أبي طيفور"؛ منشور ضمن شطحات الصوفية, ص 149 وما بعدها)؛ وإنما ذكرنا مثل هذه الروايات عن أبي يزيد؛ ليتبَّين لنا مدى اختلاف الصوفية فيما بينهم في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

فأقوالُ البسطامي تؤكد رؤية الله في الدنيا قبل الآخرة؛ فلئن كان الصوفية فيما بينهم مختلفون في مسألة الرؤية منهم من يجوِّزها في الدنيا ومنهم من ينفيها؛ فلأنها كانت من الموضوعات المهمة التي أثارها متصوفة بغداد على وجه الخصوص كالحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) وأبي القاسم الجنيد (ت297هـ) وأبي حمزة الصوفي (ت 289هـ) وأبي يكر بن إسحاق السراج (ت 286هـ) وأبي الحسن سري السقطي (ت 253هـ) : هل من الجائز رؤية الله في الآخرة؟ في مقابل عدم رؤيته مطلقاً في اليوم الآخر كما تَقَرَّر ذلك في علم الكلام وبخاصة المعتزلة الذين نفوا رؤية الله يوم القيامة، وأوَّلوا الآية القرآنية :" وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة"، قالوا بمعنى أنها منتظرة جزاء الله وثوابه للمحسنين لا بالمعنى الشائع للرؤية واعتبارها نظراً حسياً بالجارحة إلى الله تعالى؛ فكما لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يدرك الأبصار جميعاً؛ فكذلك الشأن في الآخرة لا تدركه الأبصار، الأمر الذي جعل المعتزلة يقيمون منهجهم العقلي على التأويل، ومن ثمَّ كان ممَّا يناقض العقل عندهم أن يتصورا رؤية الله في الآخرة, أو يجوِّزوها (ويحسن للتوسع مراجعة مسألة الرؤية؛ الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام: الفصل الخاص بجواز رؤية الباري عقلاً ووجوبها سمعاً؛ ص 356 وما بعدها, وأيضاً الفخر الرازي: الأربعون في أصول الدين, جـ1 ص 277).

أمّا الصوفية؛ فشأن الرؤية لديهم مختلف عنه في علم الكلام؛ بسبب اختلاف الذائقة الروحية عن النظر العقلي الاستدلالي منهجاً في البحث، وخصوصية للطريق، ودلالة في الاستدلال. واختلاف المنهج عند كل من علماء الكلام والمتصوفة يعني اختلاف المفهوم من ورائه, ومن ثم فالرؤية عند الصوفية يعنون بها رؤية القلب والشهود المباشر لله تعالى في الدنيا، وبالأبصار في الآخرة، وربما أمتد التصور الصوفي لمسألة الرؤية ذوقاً على منهجهم فعدوها علامة كشف ومشاهدة لأفضال الإلوهية في الدنيا للبقاء في حضرة القرب : يسمع الصوفي صوت الحق يناجيه من أعمق أعماق قلبه وضميره، ويرى فيوضاته وعطاياه في عموم ما يشهد ويتذوق وفى شمول ما يلفظ ويقول : رؤية قلب، ومشهد ذوق، وكشف تحقيق وعرفان؛ وليست هى برؤية عيان.

فليست الرؤية معاينة بعين الرؤية، أي بالجارحة البصرية .. لا .. لأن الأبصار ليس لها سوى رؤية المرئيات، بل كلمة "المعاينة" التي يستخدمها الصوفية هنا لها مدلول آخر يختلف عن مدلولها البادي في ظاهرها اللفظي؛ فهى تعني مشاهدة بالبصيرة : المعاينة معاينة قلب، والشهود شهود ذوق وبصيرة، والكشف كشف تحقيق. ولقد فسر أبو علي الرَّوْذَبَاريِّ صراحةً معنى المشاهدة والمكاشفة والمعاينة فقال :"المشاهدة للقلوب, والمكاشفة للأسرار، والمعاينة للبصائر، والمرئيات للأبصار".

المشاهدة للقلوب؛ لأنها ترى كما يرى البصر المحسوس؛ وزيادة. والمكاشفة للأسرار؛ لأنها تطالع عالم الغيب وتفيض عليها المعارف من لدنه متوالية ومتدافعة. والمعاينة للبصائر؛ لأنها مَشْهَد كمَّل العَارِفين من المحققين. 

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

 

عبد الجبار العبيديانا أنزلناه في ليلة القدرِ، وما أدراكَ ما ليلةُ القدرِ، ليلةُ القدرِ خيرُ من الفِ شهرٍ، تنَزلُ الملائكة والروحُ فيها بأذن رَبِهِمِ من كلِ ِآمرٍ، سلامُ هي حتى مطلِع الفجرِ.(سورة القدر).

سورة قرآنية معظمة، نزلت في ليلة معظمة، وسميت بليلة القدر، والقدر هو القدير القادر، وهي صفة من صفات الله عز وجل. لان الله مقدر كل شيء وقاضيه.وفيها يفرق الله كل آمر حكيم.

وليلة القدر خير من آلف شهر، اي انها ليلة خير من الف شهر ليس فيها قدر، والقدر جمعه أقدار، وهي الليلة التي تقدر فيها الارزاق وتقضى الحاجات. وجماعة القدرية ليست لها علاقة بالقدر الرباني، لانهم قوم يجحدون بالقدر وينسبونه الى التكفير، بما قدر الله من الاشياء، وقيل أنهم ينفون القدر لانهم يريدونه لانفسهم، ويقول فقهاء المسلمين: ان علم الله سبق في البشر، فمنهم من كفر، ومنهم من آمن وأمتثل. ويفسر البعض بأن كل البشر يريدهم الله في هذه اليلة سائرون نحو السعادة والشفاء، لان مفهوم الخير عند الله مطلق لكل الناس.وان الخير يقابل بالخير من ناحية الناس والسلطة الحاكمة بالجزاء العظيم من الله جلت قدرته العظيمة ان هي أخلصت، ويقابل نقيضه الشر بالعقاب من جانب الله و السلطةالحاكمة والناس معاً، وهذه المعاني كلها نجدها في أسس نشوء القوانين والتشريعات منذ ان عرف الناس ان الله قدر.

من هنا ندرك ان ماجاءت آية قرآنية حدية او حدودية الا ومنافعها معها للبشرية جمعاء، وهذا هو السر في الاعجاز القرآني العظيم. فليلة القدر هي اعظم واجل من ان تقرأ وتنسى، وانما من واجبنا وضعها على راس المنهج الدراسي في المدرسة الابتدائية بكل شروحها لتكون طريقا قويما للطالب منذ الصغر، ففيها من المعاني ما تعجز عنها التربية المعرفية .

يقول البعض انها سميت بليلة القدرمن الشرف، فالشرف قدر عظيم عند الله والانسان فلايجب خيانته.وقيل انه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الخير والبركات للناس آجمعين.وهي حكمة من حكم الله عز وجل.وقيل لان للعبادة في هذه الليلة قدر عظيم لقول رسول الله (ص) (من قام ليلة القدر ايمانا وأحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وانا لا اعتقد ان الله يغفر الذنوب لمن تقصدها عمدا، فخونة الاوطان والفاسدين وسراق المال لعام خارج القصد... ولقد اكثر العلماء في علاماتها المقارنة واللاحقة لكنها كلها من باب الحدس والتخمين وقوة التصاقهم بالايمان المفرط الذين في غالبيتهم بعيدون عنه، فهي واضحة لاحاجة للمقارنة والتخريجات فيها..

ولهذه الليلة المباركة فضائل كثيرة ذكرت في القرآن: منها انها ليلة التبريك للمسلمين والمؤمنين وكل من آمن بالله واليوم الاخر، وقيل ان فيها تكتب الارزاق والاجال (فيها يفرق كل أمر حكيم). وفيها تنزل الملائكة الى الارض بالخير والبركة والرحمة والغفران لقوله تعالى(تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل امر). ليلة خالية من الاثام والشرور وتكثر فيها اعمال الخير والطاعة والسلامة من العذاب وهي كلها سلام (سلام هي حتى مطلع الفجر).

وعلى ما تذكره المصادر الثبت ان رسول الله (ص) قال: يُحيي المسلمون ليلة القدر بذكر الله تعالى وعبادته فيكثرون فيها من الصلاة وتلاوة القرأن الكريم وعمل الخير .ويدعو المسلم بما شاء من طلب الخيرات في الدنيا والاخرة، لنفسه ولوالديه ولاهله وللمسلمين وتقام في مساجد الله بالدعاء الكثير.وطلب الرحمة من الله القدير.و الله عز وجل هو المستجيب..لمن يستحق الأجابة..

وعلى ذكر الاحاديث النبوية الشريفة، ان التوراة أنزلت لست مضين من رمضان، وانزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وانزل القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان.والحديث الشريف يعلمنا بأن القرآن نزل بهذه الليلة المباركة من رمضان، وهناك وجهات نظر اخرى في تحديد الليلة، لكن الثابت ان القرآن الكريم نزل في العشر الاواخر من رمضان..وليس لانه لا تكون الا فيه، والا فأنها قد تصادف الليلة الاولى او الثانية او غيرهما والحكمة من اخفائها كي يتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان كلها طمعا ًمنهم في أدراكها وجني ثمارها.

ان نزول آية القدر في رمضان في الديانات الثلاثة تعني ان كل الديانات واحدة واتباعها اخوة لا فرق بينهم .سوى الزمن ونزول الايات فيه..ولقد أكد القرآن هذه النظرية في سورة الاحزاب آية 35 حين قال الحق :"ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيما..وهذه الاية تدحظ كل اراء الفقهاء والمحدثين فيما رووه في الاختلاف بين اصحاب الديانات.

وما دمنا في ليلة القدر علينا ان نعرج على القضاء والقدر كما ورد في القرآن الكريم لنتعرف على النص القرآني ونبتعد عن الفرضيات المتناقضة التي تشوبها العاطفة الدينية لنلجأ الى التفسير العلمي للمصطلحين وكيفية ورودهما في القرآن، .

أبتداءً نقول ان كل الايات القرآنية التي نزلت على رسول الله تمثل قوانين الوجود وظواهر الطبيعة واحداث التاريخ التي حصلت فعلا في عالم الانسان.لان الحدث التاريخي هو قضاء قبل وقوعه وقدر بعد وقوعه. لذا فأن قوانين الحدث صارت حتمية بعد وقوعها وسجلها القرآن ليس على سبيل العضة والاعتبار، ولكن على سبيل التحقق المادي للحدث التاريخي المذكورلاثبات صحة النص القرآني، فهنا يظهر لنا ان القضاء هو حركة انسانية واعية بين النفي والاثبات ضمن الوجود، أما القدر فهوالوجود الحتمي الملموس للاشياء لكنه خارج الوعي الانساني، كما في أهل الكهف والجنة والناروغالبية القصص القرآنية، اي ان القدر لا يدركه العقل الا بعد وقوعة .فأذا تعمقنا في الايات القرآنية نراها مواعظ واحكام ووصايا ونصائح وتعليمات تصب في السلوك الانساني لمنفعة البشرية بعامة وليست بخاصة، وهنا تكمن قيمة النص القرآني الحضارية التي لا تفرق بين الاجناس والديانات ابدا.

وهذه هي حرية الاختيار الانساني بأجلى صورها.ولهذا جمعت الايات القرآنية القضاء والقدر معا، لان القدر وجود موضوعي والقضاء سلوك انساني وهنا تتكامل النفس البشرية لاداء مهمتها الانسانية، فالنص القرآني ملزم للتطبيق لانه قانون للبشر لا يجوز اختراقه بشكل كيفي ابدا، لا من الفرد ولا من السلطة الحاكمة، لانه مقيد بقانون آلهي ملزم.ولو ألتزمنا به نحن المسلمون لما ضعفنا ووهنت عزيمتنا وتحكم فينا من لا يؤمن بديننا، وهي مفارقة لا تقبل علينا ابدا، وليس لها من تبرير امام الله والتاريخ.والقرأن يرفض ان نكون خاضعين لغيرنا في السلم والحرب، رغم انه يحثنا على السلام ومعايشة الناس بالحسنى والوئام، لكن الخضوع شيء وتطبيق النص الملزم شيء اخر.

ان القضاء والقدر، والحرية والعدالة، هي اساس الحياة البشرية، وكلها جاءت تقريرية وحدية ملزمة في القرآن، أنظر النساء 79، 78، الاسراء 23 والكهف 29، فكم نحن بحاجة الى تأويل جديد يستند على الفكر العلمي لكي يصبح القرآن قانونا يطبق وليس أقولاً تردد، ولاكتاباً يقرأ، مزيلاً لكل الفوارق بين المسلمين التي خلقتها الفرق الاجتهادية منطلقة من فكر أحادي منغلق وزادت عليها من عندها الكثير بعد ان دلست النص القرآني لصالح التفسير الاحادي واستخدمت قاعدة الترادف اللغوي التي تتعارض وتاويل النص. ولقد نبهنا الى ذلك العلامة أبي علي الفارسي في منهج مدرسته اللغوية وأبن جني في نظريته الخصائص والجرجاني في دلائل الاعجاز لان اللغة ظاهرة اجتماعية وهي متلازمة مع التفكير ومن هنا انكروا الترادف، لم تكن ليلة القدر مخصصة للعبادة فحسب بل للعبادة وتحقيق حياة الناس في الامان والعيش الرغيد.

فليست ليلة القدر فيها عفو الذنوب.. ولا الحج فيه غسل الذنوب. ولا الادعية كلها مستجابة، الا لمن عمل واخلص لله والناس.

فسلام على ليلة القدر يوم كتبت في اللوح المحفوظ ويوم نزلت على رسول الله (ص) ويوم بشر بها القرآن لفظاً وتطبيقاً لا قراءة وتجويدا.لكن غالبيتهم صُم بُك، عُمي لا يعقلون ..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

مجدي ابراهيميا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً. هذه صرخة معرفة، الحيرة فيها حيرة معرفة لا حيرة غفلة وجهالة؛ فلا مكان للغفلة والجهالة في هذا المقام، هذه صرخة مناجاة سابقة، والحيرة التي يستشعرها صاحبها حيرة معرفة بالله ومن الله، وطلب الزيادة منها نصيب الزيادة في المعرفة. ودليل المتحيرين هو أقدر القادرين على هدايتهم إليه، وليس من سواه من يمتلك القدرة على إمداد المزيد من المعرفة من طريق الحيرة. لم تكن صرخة الشبلي إذ قال:" يا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً"!؛ وإذ وَصَفَ المعرفة "بدوام الحيرة"؛ لم تكن صرخة جذب خاوية من شعور المعية الإلهية مع بقاء الحجاب، فهو أولاً يناجي دليل المتحيرين لا ليكشف عنه الحيرة فيستريح، ولكن لطلب الزيادة منها؛ فالإشارة توحي بالمفارقة من أول وهلة، غير أنها توحي بالمفارقة فيما لو كانت الحيرة حيرة غفلة وجحود. أما وهى حيرة معرفة وطلب اتصال فلا مفارقة فيها ولذك طلب الزيادة منها فمن زادت حيرته زادت معرفته، ومن توقف عن التحير توقف عن المعرفة.

نلحظ مسألة الرؤية مرة أخرى في قول الجنيد حين سئل :"هَل عَانيتَ أوْ شَاهَدْتَ؟ فقال:" لوْ عَاينتُ لتَزَنْدَقْتُ، وَلَو شَاهَدْتُ لتَحَيَّرْتُ؛ ولكن حَيْرةً في تيهٍ وَتَيْهٍ في حَيْرةٍ "؛ تعني أن الله لا يرى بجارحة بصرية ولكن بشهود قلبي :"رؤية القلب بمشاهدة الإيمان" كما أشار الإمام على رضى الله عنه فيما تقدم؛ حتى إذا ما كنا قد بيَّنا في السابق أن العرفاء فيما بينهم مختلفون في مسألة الرؤية، منهم من يجيزها في الدنيا والآخرة كما سنرى عند أبي يزيد البسطامي لما قال :"لو حُجِبْتُ عنه لحظة لمُتُ"؛ ومنهم من ينفيها في الدنيا ويثبتها في الآخرة؛ فإنَّا هنا لنلاحظ أن للجنيد موقفاً واضحاً وصريحاً في الرؤية قائم على الشهود المباشر بالقلب، لكن هذا الموقف لا يعني أنه صريح الدلالة لرؤية الله في الدنيا، إذْ كان موقفاً معنوياً روحياً محضاً، إلا أن يكون معنى الرؤية هنا شهوداً قلبياً محضاً ولا يزيد. وليس أدل على ذلك من أن رجلاً قال للجنيد رضى الله عنه:" يا أبا القاسم هل رأيتم ربكم حين عبدتموه أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم؟".

هذا هو سؤال السائل للجنيد وعلينا أن نتنبَّه للإجابة؛ فلسوف يرى القارئ مراعاة الجنيد لنفي اللغط الكلامي الذي كان سائداً يومها فيما يتصل برؤية الله، كما ذكرنا في السابق، وستكون الإجابة قاطعة مانعة لأي محاولة تخلط بين منهج الذوق والشهود من جهة ومنهج الجدل العقلي من جهة أخرى، وستكشف إجابة الجنيد عن السؤال المذكور عن بعد نظر وإحاطة بالمباحث الكلامية على عصره مما لك يكن متوافراً عند أحد غيره من صوفية زمانه.

قال الجنيد:" أيها السائل: ما كنا لنعبُدَ رَبَّاً لا نَراه، وما كنا بالذي تراه أعيننا فنشبهه، وما كنا بالذي نجهله فلا نزهه؛ فقال الرجل: فكيف رأيتموه؟

قال: الكيفية معلومة في حق البشر، مجهولة في حق الرَّبِّ. لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان، ولكن تعرفه القلوب بحقائق الإيمان؛ ثمَّ تترقى من المعرفة إلى الرؤية بمشاهدة نور الامتنان".

ونور الامتنان هذا محض فضل ومحض عطاء؛ وتوفيق.

هذا قول صريح في عدم جواز رؤية الله بالأبصار في الدنيا؛ ومع ذلك فهو قول صريح أيضاً في وجوبها في الدنيا بمشاهدة قلبية تتأتى بنور الشهود المعرفي ونور الامتنان الإلهي على اصطلاح القوم ومذاقاتهم الشهودية والكشفية.

ولقد سبقت الإشارة إلى أننا قلنا إن العارفين مختلفون فيما بينهم فمنهم من يجوِّز رؤية الله في الدنيا ومنهم من ينفيها؛ فإنما أردنا بذلك طرْح مسألة الرؤية كما طرحها القشيري من قبل من منطلق كونها كرامة لدى الأولياء، ولذلك سمَّاها الجنيد بـ "مشاهدة نور الامتنان".

طرَحَ القشيري السؤال نفسه في صراحة بالغة أيضاً وفي تحديد لا لبس فيه قائلاً :" فإن قيل فهل تجوز رؤية الله تعالى في الدنيا بالأبصار على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز؛ لحصول الإجماع عليه". هذه واحدة، وهى القاطعة المانعة أنه لا يجوز خرق إجماع المسلمين فيها؛ كونه تعالى لا يُرى بالأبصار في هذه الدار.

ثم يقول القشيري في الثانية:" ولقد سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رضى الله عنه يروي عن أبي موسي الأشعري أنه قال: في ذلك قولان، وذلك في كتاب (الرؤية الكبير)؛ (الرسالة القشيرية: ص 360). ومادام في الأمر قولان فإن معنى هذا أن منهم من يجيز هذه الرؤية في الدنيا ومنهم من لا يجيزها؛ والأقوى فيهما نفي جوازها في الدنيا. وكما رَجَّحَ القشيري النفي على الإثبات رجَّحه الكلاباذي في التَّعرُّف حيث قال بإجماع الصوفية على أنه تعالى لا يُرَى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان.

على أن رُؤيَةَ القَلْب بمُشَاهَدة نور الامتنان عبارة يطول شرحها؛ فقلوب العارفين ترى من نور الامتنان الإلهي ما من شأنه أن يبقيها حية مع دوام الشهود، وتلك هى المنة الباقية، وشَرْحُ هذه العبارة وحدها يحتاج إلى صفحات؛ فإن مشاهدة نور الامتنان هذه لهى "الكرامة" التي يهبها الله لأوليائه في الدنيا : الرؤية التي ينفتح فيها "بَصَرُ السر إلى ذاته"؛ فيشهد فيها العارف ما يعز ويندر شهوده لغيره. غير أنه شهود كما قال يتضمَّن "حيرةً في تيه وتيهاً في حيرة" بسبب أن المشاهدة تَحَيُّر، ولأن المشاهدة توجب الحيرة وبخاصة لو أنطلق المشاهد من لوعة المحبة المحرقة. وموضوع الحيرة هو الذات والصفات؛ وهى على نوعين : حيرة في الذات، وحيرة في الصفات. أما الأولى فيمكن تسميتها بحيرة الجهالة والشك؛ وهى كفر وشرك؛ لأن العارف لا يمكنه أن يشك أبداً في وجود الذات الإلهية. وأما الحيرة الثانية؛ فهى حيرة المعرفة والتوحيد, بمعنى أن صفات الله تعالى بعيدةٌ عن تصور العقول، فالحيرة ها هنا : توحيد أو هى ثمرة التوحيد والمعرفة.

وفي هذا المعنى نستحضر صرخة الشبلي :" يا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً"!؛ وكان وَصَفَ المعرفة "بدوام الحيرة"؛ فهو في البداية أثبت وجود الله سبحانه وكمال صفاته ووضَّح أنه هو مقصد الناس, مجيب الدعوات، وأنه ليس للمتحيرين تحيراً إلا فيه، إذْ ذَاَكَ طلب زيادة الحيرة منه، أي زيادة المعرفة؛ ولأن كل من أزادت حيرته في مشاهدة الله ارتفعت درجته؛ أي: ارتفعت معرفته بالله. وإذا اتصلت الحيرة بالمعرفة اتصلت في الوقت نفسه بالفناء في التوحيد؛ ولمحمد بن واسع إشارة يقول فيها :"مَنْ عَرَفَ الله قَلَّ كلامه ودَاَمَ تحيُّره"؛ وتعليل ذلك أن الأشياء التي ليست قريبة من العقول وبعيدة عن تصور الإدراك المحدود، لا يمكن معرفتها بدون الحيرة. والتحيُّر ليس يأتي إلاَّ بعد مقاساة التجربة (أي الفناء في التوحيد) وإلاَّ بعد التخلق بالأسماء الإلهية؛ ولأن المشاهدات، والكشوفات، والفتوحات، واللطائف، وكل رقائق الأولياء ودقائقهم ليست تحصل إلا في حال الفناء؛ في بطن التجربة، في التَّيه الروحي، وموالاة الواحد حقاً وقصداً.

ولنتذكر قول الجنيد السالف فنستبصر عن قُرْب معنى هذا الكلام:" إن لله تسعة وتسعين اسماً، فمن أقرَّ بها فهو المسلم، ومن عَرَفَهَا فهو المؤمن، ومن عامل الله بها فهو العارف، ومن عامل بها ولم يسكن إليها، وطلب المسمى فهو الموَحِّد، وله المشاهدة ". أي له المشاهدة من جَرَّاء مجاهدته فيما عامل، وفيما لم يسكن إلى ما عامل.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

المحكمة العليا الأميركية وعلاقتها بالقضاء الدستوري

قد تحدثنا فيما خلا عن التجارب الدستورية الدولية في تأليف المجالس الدستورية وكيفية اختيار أعضائها، ومِن قبل ذلك تكلمنا في التجارب الدولية في تأليف المحاكم الدستورية وكيفية اختيار أعضائها. ولقد علمنا من ذلك العرض الموسع أنَّ القاعدة العامة في تأليف هذه المحاكم والمجالس في دول العالم قائمةٌ على كونها خليطاً من فئاتٍ متعددةٍ، وأنَّ الغلبة والأرجحية غالباً ما تكون للعنصر القانوني، لا القضائي.

بيد أنَّ ثمة إشكالاً يمكن أنْ يُثار على ما طرحنا من رأيٍ، مؤداه أنَّ المحكمة العليا الأميركية ليس فيها إلا القضاة، ومن هذه الناحية سنكون بإزاء تجربةٍ دستوريةٍ دوليةٍ مهمةٍ تتكون من القضاة فقط، بخلاف المحاكم المعروضة آنفاً، والتي كان عددها (٢٤) محكمةً  وثلاث (٣) مجالس دستوريةً ؟

سنجيبُ عن هذا الإشكال، موضحين التوصيف الدستوري لهذه المحكمة، ومدى علاقتها بالقضاء الدستوري، وكما يأتي:

١- بدايةً قد يُفاجَئ الكثيرون إذا قلنا لهم إنَّ الحقيقة في هذه المحكمة أنها بالأساس ليست محكمةً دستوريةً، بل هي محكمةٌ فدراليةٌ عليا. بمعنى آخر أنها المحكمة العليا ضمن التسلسل الهرمي للقضاء العادي لا القضاء الدستوري. فهي كما تسمى في دولٍ أخرى (محكمة التمييز أو النقض). وفضلاً عن الواقع التاريخي في إنشاء هذه المحكمة الذي يشهد لها بهذا الدور، فالدستور الأميركي يشهد أيضاً. فها هو الدستور الأميركي بتعديلاته السبع والعشرين أمامكم، لن تجدوا فيه أيَّ نصٍ يعطي المحكمة الاختصاصات الدستورية، وعلى رأسها البت في دستورية القوانين وتفسير الدستور. فالمادة الثالثة من الدستور،بفقراتها الثلاث، جاءت مخصَّصةً للحديث عن السلطة القضائية وعن المحكمة العليا، ولا يوجد فيها أيُّ شيءٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ يتعلق بالاختصاصات الدستورية، بل بالاختصاصات الممنوحة للمحاكم العليا لا أكثر -التمييز أو النقص-. ولكن في عام ١٨٠٣ قامت هذه المحكمة ابان رئاسة القاضي -الوزير السابق- مارشال في القضية التاريخية المشهورة المعروفة بقضية (ماربوري ضد ماديسون) بالامتناع من تطبيق القانون بزعم عدم دستوريته، فنشأ ما يُعرف بالفقه الدستوري بـ (رقابة الامتناع). وبعيداً عن التعليق على القضية، وطغيان الجانب السياسي فيها، والنقد الذي وجِّه اليها آنذاك، لكون القاضي-الوزير السابق- مارشال كانت له صلةٌ بالدعوى، فإنَّ من المبادئ المستقرة لدى جمهرة الفقهاء -مع وجود اتجاهٍ ضئيلٍ معارض- القول بجواز ممارسة المحاكم -أية محكمةٍ تابعةٍ للقضاء العادي- رقابة الامتناع، فتمتنع من تطبيق القانون مثار الدعوى إذا وجدت من الأسباب ما يدعو للحكم بعدم دستوريته، دون أن يفضي ذلك إلى إلغاء القانون أو الحيلولة دون قيام بقية المحاكم بتطبيقه ؛ لأنَّ عدم الدستورية لم تأتِ من محكمةٍ دستوريةٍ متخصِّصة، بل من محكمةٍ عاديةٍ رأت هي ذلك، فيكون الحكم ملزماً لها فحسب دون غيرها، ولا يكتسب الحكم الحجيَّة إلا على أطرافه -مع وجود بعض التفصيلات الجزئية الأخرى-.

وبناءً على ذلك انتزعت المحكمة العليا هذا الاختصاص انتزاعاً، وهو الرقابة على الدستورية عن طريق رقابة الامتناع. وهو كما معروفٌ دفعٌ يمكن أن تنهض به أية محكمة عادية في العالم ؛ لأنه يتفق مع طبيعة عمل القضاء، إذ لا يسوغ له تطبيق قانونٍ يرى عدم دستوريته، فيكتفي بالامتناع من تطبيقه، لكنه يبقى قانوناً قائماً ونافذاً. ثم توسعت المحكمة العليا الأميركية خلال المائتي عام من تأسيسها، فانتزعت اختصاصاتٍ شبيهةً وقريبةً من رقابة الامتناع.

 

٢- وهكذا ينبغي ملاحظة الفرق بين المحكمة الدستورية المتخصِّصة والمحكمة العليا التي تمثِّل قمة هرم الجسم القضائي. وإنَّ الفيصل في ذلك الدستور، فهو الذي يبيِّن ما إذا كانت المحكمة العليا هي مجرد محكمة تمييز أو محكمة دستورية متخصِّصة. وإنَّ المحاكم التي تقتصر على القضاة في الغالب هي من نوع المحاكم العليا،لا المحاكم الدستورية، مثل المحكمة العليا الأميركية، وكذا المحكمة العليا اليمنية والمحكمة العليا الإندونيسية.

فالمحكمة العليا اليمنية بحسب الدستور والقانون هي محكمةٌ عليا وليست دستوريةً،وهي تضمُّ هيئاتٍ متعددةً، مثل الهيئة المدنية والجزائية والأحوال الشخصية والتجارية ..الخ. ومن بين هذه الهيئات توجد هيئةٌ تُعرف بـ(الهيئة الدستورية)، تمارس الرقابة على دستورية القوانين. ما يعني أنَّ المحكمة هي محكمة تمييز توجد بها هيئةٌ أو دائرةٌ للقضاء الدستوري ؛ ولهذا يكون أعضاؤها من القضاة فقط، لأنها محكمة تمييز لا محكمةً دستوريةً. وهكذا كان الحال أيضاً في إندونيسيا، إذ كانت الرقابة الدستورية بمقتضى الدستور الإندونيسي لعام ١٩٤٥ منوطةً -قبل إنشاء المحكمة الدستورية- بالمحكمة العليا إضافةً إلى اختصاصاتها القضائية العادية؛ لذلك فهي تتألف من قضاةٍ فقط. وبعد التعديل الدستوري الثالث في عام ٢٠٠١ تمَّ إنشاء المحكمة الدستورية التي أنيطت بها هذه المهمة،ومُنعت المحكمة العليا من النظر في الدستورية. ولقد لاحظتم آنفاً كيف أنَّ هذه المحكمة الأخيرة-الدستورية- تتألفُ بمقتضى المادة (٢٤)من الدستور الإندونيسي من (رجال الدولة ممن لديهم إلمام بالدستور والمؤسسات العامة)، وليس من القضاة.

وإنَّ مما لا ريب فيه عندي أنَّ الذين تصدَّوا سابقاً للحديث عن هذا الموضوع في وسائل الإعلام المختلفة، من قضاةٍ ومحامين وسياسيِّين وبرلمانيِّين وغيرهم، لا يُفرِّقون بين المحكمة العليا العادية والمحكمة العليا الدستورية، كما أنهم لا يُفرِّقون بين القضاء الدستوري والقضاء العادي؛ ولهذا وقعوا في الخلط ؛ فأخطئوا وتسبَّبوا في نشر المعلومات الخاطئة للرأي العام، بسبب التسرُّع وعدم الدراية والمتابعة !!

وفي سياقٍ ليس ببعيدٍ عمَّا خلت الإشارة إليه، إنَّ تسمية المحكمة -الدستورية- بـ(الاتحادية العليا)لا يُخرجها من الاختصاص الدستوري ولا يُقلِّل من اختصاصاتها، إذ كما نوهنا قبل قليل بأنَّ الفيصل في ذلك كله هو الدستور، فهو الذي يُحدِّد،عبر الاختصاصات التي يمنحها للمحكمة، ما اذا كانت مجرد محكمة عليا ضمن القضاء العادي، أو أنها المحكمة الدستورية المتخصِّصة. وفي هذا الإطار لا تُغير التسمية من اختصاصاتها ؛ فالاختصاصات دستوريةٌ من جهةٍ وواسعةٌ في أغلب التجارب الدولية من جهةٍ أخرى، سواءٌ أكانت تحت مسمَّى (الدستورية)أم (الاتحادية)،مع الأخذ بالاعتبار ما سنذكره بعد قليل،والمتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي.

ولعلَّ السرَّ في اختيار الدستور العراقي هذه التسمية (المحكمة الاتحادية العليا) يكمن، بحسب تقديري المتواضع، في أمورٍ ثلاثةٍ:

الأول: الأصل أو الأساس، فأصل وأساس التسمية مأخوذٌ من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، فهو الذي أطلق على المحكمة في وقته-٢٠٠٤- هذه التسمية في المادة(٤٤) منه. ولعلَّ اختيار هذه التسمية من قبلهِ ناجمٌ من التأثر بالتجربة الأميركية وبالمصطلحات الأميركية التي كانت بارزةً في ثنايا قانون إدارة الدولة، الذي لا أشكُّ قيد شعرةٍ بأنه مكتوبٌ بأيدٍ أميركيةٍ ومترجمٌ عن النسخة الأميركيةِ ؛ لعشرات الأدلة التي لا محل لعرضها ها هنا، وقد عرضتها في دراسةٍ منشورةٍ في عام ٢٠٠٤. ولعلَّ أبرز معلمٍ لتأثر قانون إدارة الدولة بالتجربة الأميركية بشأن المحكمة أنه جعلها تتألف من القضاة فقط، وجعل خدمتهم مدى الحياة ؛ تماماً كالمحكمة العليا الأميركية حذو القذة بالقذة، وخلافاً للتجارب الدستورية الدولية. وللأسف لما يزل الكثيرون يخلطون بين هذه المحكمة التي أنشأها قانون إدارة الدولة، وبين المحكمة التي أرساها الدستور العراقي الدائم ؛ ولهذا توهموا فقالوا إنَّ المحكمة المذكورة في الدستور يجب أنْ لا يدخل فيها إلا القضاة وإنَّ فقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي ما هم إلا مستشارين وخبراء فنيِّين ؛ خلطاً منهم بين المحكمتين، في حين إنَّ الاختلاف بينهما جذريٌ من حيث التأليف والعضوية والاختصاصات.

الثاني: عند وضع الدستور الدائم لعام ٢٠٠٥ كانت المحكمة الاتحادية العليا كياناً قائماً، تمَّ تأليفها بمقتضى الأمر رقم ٣٠  لسنة ٢٠٠٥، الصادر عن رئيس مجلس الوزراء استناداً لأحكام قانون إدارة الدولة . لذا وجد مؤسسو الدستور المحكمة أمامهم قائمةً بهذا المسمَّى، فلم يعمدوا إلى تغييره؛ وذلك أمرٌ أقطعُ بخطئهِ الآن.

الثالث: قد وجدتُ من خلال المتابعة الحثيثة أنَّ الدول الفيدرالية -الاتحادية- عادةً ما تُطلق تسمية (المحكمة الاتحادية) على المحكمة الدستورية، مثل (المحكمة الاتحادية الماليزية)، وبعضها يضيف وصف (العليا)، مثل (المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية) و(المحكمة الاتحادية العليا الإماراتية)،وبعضها الآخر يضيف وصف (الدستورية)، مثل (المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية). وكلُّ هذه الدول فيدراليةٌ، في حين لم أجد إطلاق مسمَّى (الاتحادية) على المحكمة الدستورية في الدول الأخرى غير الفيدرالية. وبناءً على ذلك فالتسمية هذه مرتبطةٌ بشكلٍ كبير بالنظام الفيدرالي، والعراق بالمحصِّلة هو اتحاديٌ فيدراليٌ من الناحية الدستورية.

وبعد كل هذا الاستعراض المفصَّل في هذه الدراسة لم يبقَ لنا سوى التطرق إلى النتائج المستفادة منها؛ وهو ما سنبيِّنهُ إن شاء الله في القسم السابع -الأخير- .

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

 

 

ميثم الجنابييكّمل محمد باقر الصدر ويتكامل مع آراء ومواقف علي شريعتي بصدد الموقف من الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، رغم اختلافهما الكبير من حيث المنهج والتحصيل العلمي والتجربة السياسية والثقافية. فكلاهما تعرضا إلى الحصار والمضايقة والسجن والقتل. وإذا كان موت شريعتي بطيئا وهو أشد أنواع العذاب من جانب النظام الشاهنشاهي، فان الصدر تعرض إلى قتل بشع من جانب الدكتاتورية الصدامية قل نظيره. وكلاهما واجه الموت بإرادة صلبة، بحيث يمكن النظر إلى مواجهة الصدر للموت وتحديه النظام برسالة هي الأعمق والأجمل في صور التحدي والإرادة الشجاعة. وقد أبرزت في الكلمة التي طلبت مني الجهات المعنية بمناسبة نصب تمثال الصدر في معهد العلاقات الدولية في موسكو قبل بضعة سنوات، على هذا الجانب أكثر من غيره في شخصية وإبداع محمد باقر الصدر. وهي كذاك بالفعل. ففي تحديه الدكتاتورية والموت كشف عن موت الدكتاتورية المحتوم وأثر ما كانت تدعوه الفكرة الإسلامية عن جوهرية الوحدة الدائمة للعلم والعمل، أو النظرية والتطبيق كما نقول اليوم.

ففي هذه الخاتمة تنعكس صيرورة الشخصية ومواقفها ونمط تفكيرها. فإذا كان شريعتي متسامحا إصلاحيا منفتحا جميل العبارة والمعنى متجانسا في الأقوال والأعمال، فان الصدر، وهو سليل العائلة الدينية والمتربي بتقاليد الحوزة الدينية (الشيعية) النجفية، يتميز باللين والقوة، وعمق التفكير وتقاليده الفقهية والفلسفية المميزة للمدارس الشيعية على امتداد تاريخها. من هنا أولوية الفكرة الأصولية عند الصدر، التي وجدت انعكاسها في توسعه وتعمقه في علوم أصول الدين واجتهاده الكبير والأصيل فيه. ووجد ذلك تعبيره المتميز والفريد من نوعه بتطويع حصيلة الفقه والفلسفة صوب القضايا الفكرية السياسية الملتهبة آنذاك. بمعنى جعل الحصيلة النظرية لعلم أصول الدين جزء من الفكرة العملية السياسية، كما كان الحال فيما مضى بالنسبة لتقاليد المعتزلة الكبار.

ونعثر على اثر التربية الفكرية الدينية وحصيلة الرؤية الفلسفية والسياسية في كتبه الأكثر شيوعا وشهرة وهما (فلسفتنا) و(اقتصادنا) وما كان يخطط له من كتاب (سياستنا) كما لو انه يحاكي مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة (الفلسفة، والاقتصاد السياسي، والنظرية الاشتراكية). وهي محاكاة واقعية وذلك لان مؤلفاته المذكورة أعلاه كانت موجهة أساسا لنقد الماركسية في مجال فلسفتها "المادية التاريخية والديالكتيكية"، "والاقتصاد السياسي"، والنظرية السياسية "للاشتراكية العلمية". وبغض النظر عن شهرة هذه المؤلفات وأثرها الكبير في بلورة الفكرة السياسية الإسلامية الحديثة، اذ بقي الصدر في إطار الفكرة النظرية اسلاميا بحتا لا علاقة له بالمذاهب، كما ظل شيعيا متجانسا في الموقف الوجداني والأخلاقي من التاريخ السياسي للإسلام، إلا أنها ظلت ضعيفة وباهتة من حيث مستواها النقدي للماركسية. وذلك لأنه، خلافا لشريعتي، لم يطلع على الأصول، بل على الكتابات العربية المترجمة والمؤلفة من جانب الشيوعيين العرب بشكل عام والعراقيين بشكل خاص. وهي أتعس وأسخف أنواع الماركسية من حيث تأصيلها وتأسيسها النظري. ولا غرابة في الأمر! فقد كان القادة الشيوعيين في العراق شبه أميين، اغلبهم لم ينهي المدرسة الابتدائية! و"قائده" الأخير ليس أميا فقط، بل وليس عربيا، ولم يكتب في مجرى قيادته للحزب على مدار عقود من الزمن، مقال واحد، بل ولا حتى خاطرة من ثلاثة اسطر!!

ضمن هذا السياق كان نقد الصدر "للماركسية" سليما، لكنه لا علاقة له بماركسية ماركس. انه نقد فكري وسياسي للفكرة الشيوعية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تسعى للبرهنة على أن أخذ الأفكار الأجنبية لا يمكنها أن تكون بديلا للموقف الذاتي من إشكاليات التاريخ والمصالح. وهي فكرة سليمة رغم سطحية النقد الصدري، بمعنى أنها تسعى لفك الحبل السري لطفولة الشيوعية العربية (العراقية) عن أمها الغربية، والتعامل بالتالي مع الواقع "بعقل إسلامي"، اي بمعايير المنهج الاسلامي والفكرة الإسلامية.

ووجدت هذه الفكرة المنهجية التي عمل عليها طويلا تطبيقها في الموقف الحاد من الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، بمعنى بلورة الموقف السياسي الثقافي وليس تحليلهما بمعايير الفكرة التاريخية أو الثقافية أو الفلسفية بما في ذلك التأملية. وقد وضع اغلب أفكاره في الكتاب الذي ظهر تحت عنوان (الإسلام يقود الحياة). من هنا موقفه القائل، بان "أي بناء حضاري جديد ملزم أن يدخل في الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي... فحركة الأمة كلها شرط أساسي لنجاح أي عملية بناء حضاري جديد واع ومعركة شاملة ضد التخلف، لان حركتها تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية. وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ محنطة أن تغير من الواقع شيئا". وهي فكرة سليمة من الناحية المجردة. وحالما يجري تطبيقها العملي، فإنها تتخذ الصيغة التالية:"إن الإنسان المسلم يتميز بتربية ثقافية وتاريخية وعقائدية خاصة تجعل منه كيانا مغلقا أمام كل التيارات الفكرية الغربية. وذلك لان الإسلام يشكل أهم عناصر هذه النفسية المصهورة في أعماقه. ولا يغير من هذه الحقيقة ضعف إيمانه الحالي ومستوى الانحراف فيه وفراغ الإسلام من محتواه الثوري"، وذلك لان الإسلام كان وما يزال يشكل "عاملا سلبيا تجاه أي إطار حضاري أو نظام اجتماعي لا ينبثق فكريا وأيديولوجيا من الإسلام". وبالتالي، فان المثال الإسلامي، هو الوحيد الذي بإمكانه أن يثير وينظم ويوجه قوى الجماهير نحو الإبداع. فجميع المذاهب من ديمقراطية واشتراكية ومادية وشيوعية وغيرها "قد مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتخذت صيغا متفاوتة، ولهذا فهي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورة محددة واضحة المعالم، بل انه يجد اشد الحكومات تعسفا ودكتاتورية تحمل كلمة الديمقراطية كجزء من اسم الدولة، ويجد اشد الحكومات دورانا في الفلك الاشتراكي تعاني من تمايزات لا حد لها... إن كل هذا التنوع في مجال الممارسة لتلك المفاهيم والشعارات لا يساعد الفرد المسلم على أن يحدد في نفسه مثالا واضحا وصورة دقيقة لما يراد منه أن يساهم في بنائه". ففي كتاب (فلسفتنا) يشير إلى ما يلي: "طالما اقلق وما يزال يقلق الإنسانية هو الإجابة على السؤال التالي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟ وفي إجابته على هذا السؤال قال "إن الإسلام سبق وان قدم مثالا واضحا للبناء الاجتماعي الحضاري". وانه قام "بتجربة من أروع النظم الاجتماعية وانجحها. ثم عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملأ أرواحهم بروحه فعجزت من الصمود والبقاء. انقرض الكيان الإسلامي وبقي نظام الإسلام فكرة في ذهن الأمة الإسلامية، وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى لتحقيقه أبناء المجاهدين".

إن كل ذلك ليس معزولا، حسب تصور الصدر، عما اسماه بسلوك وسياسة الكولونيالية الغربية الأوربية تجاه العالم الإسلامي، الذي أدى إلى بلورة "شعور نفسي خاص تعيشه الأمة الإسلامية تجاه الاستعمار يتسم بالشك والاتهام ويخلق نوعا من الانكماش لديها من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوربي". وتوصل بأثر هذه الرؤية التاريخية السياسية إلى مقارنة ثقافية متضادة بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي الأوربي، تعيد وتستنسخ من حيث الجوهر الأفكار الغربية المتطرفة نفسها ولكن بغلاف إسلامي. فالإنسان الأوربي، كما يقول الصدر "ينظر إلى الأرض دائما لا إلى السماء. حتى المسيحية، بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان على مدار قرون من الزمن، لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية فيه. وبدلا من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع أن ينزل اله المسيحية إلى الأرض ويجسده في كائن ارضي. ودفع هذه الفكرة صوب الغلو التأويلي المجرد عندما وجد في فكار داورن وماركس مجرد محاولات "لاستنزال الله إلى الأرض". وبالضد من ذلك نرى  الإنسان "الشرقي المسلم قد ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده، ومر بتربية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بعالم المادة المحسوس"،  وان الإنسان المسلم بفعل "غيبيته العميقة" الراسخة في مزاجه أدى إلى "تحديد قوة إغراء المادة له وقابليتها على إثارته".

من كل ما سبق يبدو جليا منهج التضاد الشامل بين الشرق الاسلامي والغرب النصراني على مستوى الفكر والثقافة والعقائد والشخصية التاريخية والقيم الروحية والأخلاقية وحصيلة كل ذلك في تباين واختلاف وتضاد الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. إنهما ليس فقط لم ولن يلتقيا، بل ولا ينفك الصراع الأبدي بينهما. وبالتالي، فان عناصر ومقدمات الحضارة الإسلامية لا يمكنها أن تكون إلا الإسلام بسبب خصوصية التربية السيكولوجية والتاريخية للمسلم. وان الأداة الرئيسية لتجسيد هذه الحضارة الآن هي الدولة الإسلامية بوصفها هدفا مطلقا ووسيلة "لتضع الله هدفا للمسيرة الإسلامية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف". إننا نقف هنا أمام حصيلة تعيد أفكار ومواقف سيد قطب التي وضعها في (معالم على الطريق) مع فارق اللغة والتأسيس، اي نوعية الخطاب الفكري لا غير وليس مضمونه الفعلي.

اذ نعثر عند الصدر على نقد واقعي ولكن بدون بديل واقعي. اذ تغلب عليه وفيه الصيغة المجردة والمثالية في النقد والبدائل كما في أقواله عن التجربة الإسلامية الفريدة وديمومتها الأبدية رغم فشلها السريع بمقاييس الإسلام المحمدي. كما تتضمن آراءه على أحكام ومواقف مجردة وجازمة وقاطعة ومثالية، رغم تعارضها الصريح مع كل معطيات الماضي والحاضر، كما في موقفه من "الإنسان المسلم" و"نظرته الدائمة للسماء"، و"ابتعاده عن المادة" وما شابه ذلك من أحكام تتعارض بصورة صارخة مع الواقع القديم والمعاصر.

فاغلب التأريخ المتعلق بسلوك الخلفاء والفقهاء وعلماء الدين وغيرهم منذ بدء الخلافة، بما في ذلك عند الراشدين كما هو الحال عند عثمان بن عفان، يشير على عكس الصورة التي يقدمها الصدر. فقد كان تاريخ منذ البدء لا يخلو من نفسية وذهنية الغنيمة. ولاحقا، في مجرى عقدين من الزمن تحولت إلى نمط عادي في الإمبراطوريات العادية. وأول ملامحها القوية ظهرت في مجرى الثأر لعثمان ودمه. بمعنى الثأر للدم وليس للعقيدة أو الفكرة المتسامية أو مبادئ الحق والعدالة. وهكذا إلى الآن. وفي مجرى كل قرن انحطاط اكبر. كما تحتوي هذه المواقف والأحكام على فكرة "خطرة" بالنسبة لماهية وحقيقة الإسلام ونظامه السياسي والاجتماعي. ففيها يبدو كل تاريخ الإسلام مجرد خروج على حقيقة الإسلام. أما التجارب الحديث فإنها لا تمثل استثناء بهذا الصدد. وتجربة العراق الحالية أيضا تصب بهذا الصدد. فأكثر الشخصيات خروجا على موقف الإسلام الحق، ونفسية السرقة وامتهان ابسط المواقف الأخلاقية والاجتماعية والوطنية هي من نصيب "الإسلاميين". ومن الناحية المجردة والدقيقة، لم يمثل حقيقة الإسلام بهذا الصدد سوى المتصوفة الكبار.

والحصيلة التي يمكن التوصل إليها فيما يتعلق بتضاد الإنسان المسلم والإنسان الغربي، والثقافة والحضارة الإسلامية مع الغربية تكشف عما يمكن دعوته بحسد التخلف. فقد كانت هذه النظرة أوربية نصرانية خالصة في موقفها من الإسلام، كما هو جلي في تصوراتهم إثناء وبعد الحروب الصليبية. بينما انقلبت في القرن التاسع عشر- العشرين. اذ أصبح الشرق مجرد زهد ودين وإيمان وميتافيزيقيا ولاهوت وتصوف وروح وسماء! والغرب بالعكس! عقل وحكمة وعلم ومعرفة وإنسانية ومادية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام فكرة مقلوبة وأيديولوجية لما هو شائع في الفكر "الاستعماري". كما أنها تتعارض مع أفكاره التي روج لها في (فلسفتنا) و(اقتصادنا) عن "حب الذات" المميزة لفطرة الإنسان، التي لا يمكن القضاء عليها، بل يمكن تهذيبها عبر ربطها بقيم أخلاقية، وهي فكرة جامعة للأمم والديانات جميعا.

إن الصفة العامة للتيارات الإسلامية الأساسية في موقفها من الحضارة والفكرة الحضارية والبديل الحضاري، تشترك، رغم تباينها في الأسلوب والرؤية والتفسير والتأسيس، بكونها يكمل احدها الآخر. بمعنى أن الاجتهاد فيه من طينة واحدة. وفي حصيلتها التاريخية تمثل رد فعل على النكوص الحضاري الاسلامي وانعدام مبادرته التاريخية. من هنا نوعية الانقلاب في تمثل التاريخ الفكري العربي نفسه ونتائجه بالشكل الذي يجعله حلقة منفية في فكرة البدائل. ومن الممن رؤية ذلك على مستوى ونوعية الاختلاف بينها وبين فكرة الإعجاب المتسامي بالعقلانية الأوربية في بداية عصر النهضة العربية الحديثة.  الأمر الذي طبع حتى أكثرها نقدية وعقلية بطابع التهافت في الآراء الجازمة، والأحكام الانتقائية، وتشابه المواقف بسبب غلبة النظرة اللاهوتية والدينية "للحضارة الغربية" بمعزل عن مراحل وطبيعة التطور التاريخي "للغرب" نفسه والعالمي ككل. وهذا بدوره يعكس حالة من حالات الاغتراب العقلي والثقافي التي تعتقد بان النواقص الفعلية في "الحضارة الغربية" دليلا على فشلها وغروبها وزوالها وموتها. بمعنى أنها لا تستطيع إدراك الحقيقة القائلة، بان "الحضارة الغربية" هي مجرد إحدى التجارب التاريخية الإنسانية. وأنها محكومة في مسار بنفس قانون التاريخ العالمي ومنطق الثقافة الذاتي. وبالتالي، فان كل ما فيها هو مظاهر لحالات الانتقال من حالة ثقافية إلى أخرى وليس بسبب عناصرها "الغربية".

إن انعدام هذا الإدراك هو الذي حدد ويحدد الثنائية المتضادة "للشرق" و"الغرب". وهي حالة تطبع تفكير المركزيات الثقافية، وبالأخص في حال تباينها التاريخي. ومن ثم تلاشي أو انعدام الإقرار بفكرة التنوع الحضاري والتباين الضروري في نوعية التجارب الذاتية ومفارقات الاحتمال العقلاني. ومن الممكن العثور على إحدى الصيغ النموذجية لهذا النمط من التفكير والتنظير عند محمد باقر الصدر[1]، وبالأخص عما اسماه بالعامل السلبي تجاه تجربة الغرب والنظم المستوردة. فقد انطلق محمد باقر الصدر من مسلمة أيديولوجية تقول، بان الإسلام هو الدرع الحامي للكيان الإسلامي في وقوفه "موقفا هجوميا ضد الغرب ومناقضا له". ووضع هذه المسلمة في صلب الحكم القائل، بأنه "ليس هناك من مستقبل للشعوب الإسلامية خارج الإسلام، وان مصيرها بمصيره"، أي على درجة إيمانها به. وهو حكم ليس جديد بحد ذاته. إذ إننا نعثر على نماذجه المتنوعة والمتعددة في فكرة صراع الشرق والغرب وتضادهما الكامل. ومفارقة الظاهرة في أن هذه الفكرة من حيث التأسيس والدعاية ذات أصول أوربية غربية. كما أن لها رصيدها التاريخي القديم الذي عادة ما يجري تفسيره وتأويله وتغليفه بأنماط جديدة. مع أن فكرة تعارض الشرق والغرب هي فكرة القوة والضعف والمواجهة والتعارض والتضاد، أي أنها فكرة نفسية أيديولوجية، تعكس طبيعة الثقافة الجزئية والعرضية والمتحزبة والضيقة. وليس مصادفة أن نعثر عليها في مراحل الصعود والسقوط عند القوى المتصارعة. بينما تنتفي في حالات النضج. وبالأخص في الثقافات التي يبلغ نموها الحضاري نموذج الشمول المتسامي (قبل الانحدار). وقد تكون الثقافة الإسلامية في أوج تطورها الحضاري نموذجا لذلك. مع أن الثقافة الإسلامية منذ البدء تميزت بأبعاد إنسانية وثقافية خالصة. أما في الغرب الأوربي فإنها اتجهت بنحو آخر.

إلا أن هذا التعارض الحاد بين "الشرق" و"الغرب"، بين "عالم الإسلام" و"عالم النصرانية" المميزة لأغلبية التيارات الإسلامية المعاصرة يعكس، إضافة إلى بقايا ومخلفات الماضي، حالة المواجهة التي ميزت صعود الكولونيالية الأوربية الحديثة وهيمنة مركزيتها الثقافية وبالأخص في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة (الثامن عشر – العشرين).  من هنا يمكن فهم الحماس الوجداني الذي رافق انتصار "الثورة الإسلامية" في إيران (1978-1979) التي وجد فيها محمد باقر الصدر، إلى جانب فكرة بناء الجمهورية الإسلامية، "قاعدة للإشعاع على العالم الإسلامي والعالم كله في لحظات عصيبة من تاريخ هذه الإنسانية، تتلفت فيها كل شعوب العالم الإسلامي إلى المنقذ من هيمنة الإنسان الأوربي والغربي وحضارته المستغلة، وتتحسس فيها كل شعوب العالم بحاجة ماسة إلى رسالة تضع حدا لاستغلال الإنسان للإنسان"[2]. إن مضمون هذا الموقف يقوم في السعي لوضع النفس الضد من "الحضارة الغربية" بشكل عام، انطلاقا من أن "وعي الذات الإسلامي" و"الاعتراف بالإسلام قائدا للحياة" و"خيارا جماهيريا واعيا" و"منهجا للحياة"، هو التحدي الشامل "لأسس الحضارة الغربية وأيديولوجيتها الحضارية"[3]. وذلك لان "أي بناء حضاري جديد ملزم أن يدخل في الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي" كما يقول محمد باقر الصدر. وذلك، لان "حركة الأمة كلها شرط أساسي لنجاح أي عملية بناء حضاري جديد واع ومعركة شاملة ضد التخلف". والسبب يقوم في أن "حركة الأمة" هي "تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية. وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ محنطة أن تغير من الواقع شيئا"[4]. وهي فكرة سليمة من الناحية المجردة. وينطبق هذا على استنتاجه القائل، بان "الإنسان المسلم يتميز بتربية ثقافية وتاريخية وعقائدية خاصة تجعل منه كيانا مغلقا أمام كل التيارات الفكرية الغربية. وذلك لان الإسلام يشكل أهم عناصر هذه النفسية المصهورة في أعماقه. ولا يغير من هذه الحقيقة ضعف إيمانه الحالي ومستوى الانحراف فيه وفراغ الإسلام من محتواه الثوري. وذلك لان الإسلام كان وما يزال يشكل "عاملا سلبيا تجاه أي إطار حضاري أو نظام اجتماعي لا ينبثق فكريا وأيديولوجيا من الإسلام"[5]. وبالتالي، فان "المثال الإسلامي هو الوحيد الذي بإمكانه أن يثير وينظم ويوجه قوى الجماهير نحو الإبداع". ومن ثم، فان عناصر ومقدمات الحضارة الإسلامية البديلة لا يمكنها أن تكون إلا الإسلام بسبب خصوصية التربي السيكولوجية والتاريخية للمسلم. وان الأداة الرئيسية لتجسيد هذه الحضارة الآن هي الدولة الإسلامية بوصفها هدفا مطلقا ووسيلة "لتضع الله هدفا للمسيرة الإسلامية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف"[6].

ووضع هذه الفكرة السليمة بحد ذاتها، والمتحجرة بالمعنى التاريخي الثقافي والمستقبلي، في موقفه القائل، بان جميع المذاهب الديمقراطية والاشتراكية والمادية والشيوعية وغيرها "قد مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتخذت صيغا متفاوتة. ولهذا فهي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورة محددة واضحة المعالم، بل انه يجد اشد الحكومات تعسفا ودكتاتورية تحمل كلمة الديمقراطية كجزء من اسم الدولة، ويجد اشد الحكومات دورانا في الفلك الاشتراكي تعاني من تمايزات لا حد لها... إن كل هذا التنوع في مجال الممارسة لتلك المفاهيم والشعارات لا يساعد الفرد المسلم على أن يحدد في نفسه مثالا واضحا وصورة دقيقة لما يراد منه أن يساهم في بنائه"[7]. بينما نراه يشير في كتاب (فلسفتنا) إلى انه "طالما اقلق وما يزال يقلق الإنسانية هو الإجابة على السؤال التالي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟". وفي معرض إجابته على هذا السؤال قال "بأن الإسلام سبق وان قدم مثالا واضحا للبناء الاجتماعي الحضاري"، وانه قام "بتجربة من أروع النظم الاجتماعية وأنجحها. ثم عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملأ أرواحهم بروحه فعجزت من الصمود والبقاء". عندها انقرض الكيان الإسلامي وبقي نظام الإسلام فكرة في ذهن الأمة الإسلامية، وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى لتحقيقه أبناء المجاهدين"[8].

إننا نقف هنا أمام صيغ خطابية خالصة، ترجع مسار التاريخ وصراعه ومشكلاته إلى حالة نفسية فردية بسيطة، تقول، بان العالم سيكون فاضلا لو أن كل ما فيه من بشر فضلاء. وهي دون شك فكرة سليمة، لكنه لا علاقة لها بالواقع والتاريخ والمستقبل. أما أحكامه العامة المشار إليها أعلاه، فأنها تخلط بين الفكرة الاجتماعية الاقتصادية السياسية وفكرة البناء الحضاري. أما بصدد ماضي وحالة الإسلام "النموذجية" و"الأرقى" و"الأكثر نجاحا في التاريخ الإنساني"، فان من الصعب التدليل عليها حالما يجري النظر إلى التاريخ بمعايير الحقائق والوقائع وليس بالأحكام اللاهوتية والأيديولوجية الصرف. وذلك لان "الزمن الذهبي" للإسلام، بما في ذلك في كل مراحله ولحظاته هو مجرد عملية تاريخية وواقعية تحتوي على كل المتناقضات بوصفها الحالة الطبيعية لوجود الإنسان والجماعة والأمة والدولة والفكر والتفكر. إذ لم تخل أجمل لحظات التاريخ الاسلامي الأولية من نفسية وذهنية الغنائم. وفي مجرى عقدين من الزمن للخلافة الأولى تحولت إلى نمط عادي كما هو الحال في الإمبراطوريات العادية. وجرت أولى ملامحها القوية في مجرى الثأر لعثمان ودمه. فقد كان الثأر للدم وليس للعقيدة أو الفكرة المتسامية أو مبادئ الحق والعدالة. وهكذا إلى الآن. وفي مجرى كل قرن انحطاط اكبر. أما التوصل إلى أن تاريخ الإسلام اللاحق، ما بعد النبوة كان خروجا على حقيقته، فان ذلك يعني انه في كله مجرد خروج على حقيقة الإسلام. من هنا أيضا يمكن فهم التصور القائل، بان تاريخ الإسلام كله، بما في ذلك مرحلة خلافة الراشدين لا تستنفذ حقيقة الفكرة الإسلامية بهذا الصدد. وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى للحديث عن نموذج امثل وانجح في التاريخ العالمي، وموجه وحيد "للمسلم" فيما يتعلق بالبدائل الحالية والمستقبلية.

أما الاستنتاج الذي توصل إليه محمد باقر الصدر عن أن "شعور الإنسان المسلم المغلق" تجاه الحضارة الأوربية وثقافتها، مرتبط بسلوك وسياسة الكولونيالية الغربية الأوربية تجاه العالم الإسلامي، الذي أدى إلى بلورة "شعور نفسي خاص تعيشه الأمة الإسلامية تجاه الاستعمار يتسم بالشك والاتهام ويخلق نوعا من الانكماش لديها من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوربي"[9]، فانه لا يؤسس لفكرة البدائل. انه ينمي شعور الانغلاق والدونية، وليس نفسية وذهنية الانفتاح على النفس أولا من اجل العمل بمعايير الرؤية العقلانية والمستقبلية. وعدم إدراك هذه الحقيقة هو القائم في أساس اللوحة العقائدية الصرف عن التناقض الحاد والأبدي بين "الشرق" و"الغرب"، بين "الإنسان المسلم والإنسان الغربي الأوربي". ووضع هذه العلاقة بهيئة ثنائية متناقضة وعدائية مبنية على أساس "مادية الغرب والإنسان الأوربي" و"روحية وغيبية الإسلام والإنسان المسلم". فهو يعتقد، بان "الإنسان الأوربي ينظر إلى الأرض دائما لا إلى السماء. حتى المسيحية، بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان على مدار قرون من الزمن، لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية فيه. وبدلا من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع أن ينزل اله المسيحية إلى الأرض ويجسده في كائن ارضي"[10]. وقد بلغت هذه الشخصية ذروتها في أفكار داورن وماركس بوصفها محاولات "لاستنزال الله إلى الأرض"[11]. وعلى العكس من ذلك، يقف "الإنسان الشرقي المسلم" الذي "ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده ومرّ بتربية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بعالم المادة المحسوس"[12]. أما اثر هذه "الغيبية العميقة" الراسخة في مزاج الإنسان المسلم، فقد أدت إلى "تحديد قوة إغراء المادة له وقابليتها على إثارته"[13].

وفيما لو تجاوزنا الوقائع والحقائق التي يمكن العثور عليها في كتب التاريخ بمختلف فنونه، من سلوك الخلفاء والفقهاء وعلماء الدين (النخبة) و"طليعة الأمة"، فان كل وقائع التاريخ الفعلي تشير إلى عكس ذلك. وعموما إننا نقف هنا أمام ما يمكن دعوته بحسد التخلف. فقد كانت هذه النظرة أوربية نصرانية خالصة في موقفها من الإسلام كما هو جلي ما قبل وزمن وبعد الحروب الصليبية. بينما انقلبت في القرن التاسع عشر- العشرين. حيث أصبح الشرق مجرد زهد ودين وإيمان وميتافيزيقيا ولاهوت وتصوف وروح! أما الغرب فهو عالم العقل والحكمة والعلم والمعرفة والإنسانية والمادية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام فكرة مقلوبة وأيديولوجية لما هو شائع في الفكر "الاستعماري". كما أنها تتعارض مع أفكاره التي روج لها في (فلسفتنا) و(اقتصادنا) عن "حب الذات" المميزة لفطرة الإنسان، التي لا يمكن القضاء عليها، بل يمكن تهذيبها عبر ربطها بقيم أخلاقية. بعبارة أخرى، إن هذه الفكرة وأمثالها المميزة لجميع التيارات الإسلامية المعاصرة بصدد قضية الحضارة والموقف من الغرب الأوربي تقوم في عدم استطاعتها الخروج من ثنائية الشرق-غرب بوصفها إشكالية الوجود التاريخي والثقافي للأمم. ومن ثم لم تستطع التحرر من ثقل الذهنية اللاهوتية أو الدينية. وبالتالي، ظلت رغم بعض انجازاتها النظرية العميقة، معرضة للتذبذب. مما يعكس طابعها التأملي العابر أو المتأثر بالأحداث أكثر مما هي نتاج رؤية فلسفية منطقية وتاريخية عميقة ومستقلة من حيث تأسيسها الذاتي. وذلك لان ما يسمى بالرجوع إلى حقيقة "الحضارة الإسلامية" هو مجرد نفخ في رماد أو وهم جديد. وليس مصادفة أن لا نعثر في الفكر الاسلامي الحديث المهموم بفكرة الحضارة والصراع الحضاري والحضارة الإسلامية، على دراسة محترفة حول فلسفة الحضارة الإسلامية. أما الأبحاث التاريخية عنها ففي اغلبها مجرد تجميع واستعراض لكتابات القدماء. بمعنى أنها تفتقد إلى الرؤية المنطقية وفلسفة التاريخ الثقافي وفلسفة الحضارة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. أما إن البدائل الإسلامية بصدد قضية الصراع الحضاري والبدائل الحضارية، فأنها تعكس مستوى وعيها النظري والعملي الذاتي. وهو وعي لم يتقن بعد فنون مواجهة النفس وجها لوجه. ومازالت هذه الصفة طاغية على الثقافة العربية ككل. أنها لم تتقن بعد صياغة حدودها العقلانية. في هذه الأخيرة فقط يمكن للروح الاجتماعي بكافة تياراته أن يبدع ما هو مناسب لإنقاذ العالم العربي من سقوطه في هوة اللاعقلانية التي آلت إليها الراديكالية السياسية. بمعنى عدم قدرتها على تأسيس وصنع كيانها الحضاري المستقل. وذلك لان صنع الكيان الحضاري يفترض تأسيس منظومة ثقافية لها مرجعياتها الكبرى. من هنا يمكن فهم التناقض البارز بين الأهداف النهائية المعلنة وكيفية استيعابها للمهمات العملية (السياسية) الراهنة. كما نعثر عليها في طوباوية الحلول والبدائل المحكومة في اغلبها بقيم أيديولوجية صرف ومفاهيم لاهوتية، وفي نوعية الرومانسية المعذبة والمتذبذبة بين الماضي والمستقبل فقط. مما يضع بدوره مهمة الرؤية النقدية من تاريخ العقلانية واللاعقلانية العربية من اجل تجنب قرن آخر من المجهول الثقافي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.......................

[1] يعتبر الشهيد محمد باقر الصدر (قتل غدرا عام 1980) من بين أكثر المفكرين تأثيرا من الناحية الروحية والمعنوية والنظرية في الحركات الإسلامية المعاصرة بشكل عام والشيعية منها بالأخص. بل يمكن اعتباره من بين المؤسسين الكبار "للإسلام السياسي" المعاصر. وقد اعدم في العراق لأسباب سياسية ارتبطت بالمخاوف التي أثارتها الثورة الإسلامية في إيران، وتوجس إمكانية ظهور "خميني جديد" في شخصه. وتعتبر كتبه "فلسفتنا" و"اقتصادنا" من بين أهم مؤلفاته الفكرية. وقد كان لها وقعا وتأثير كبيرا وما يزال بالنسبة للحركات السياسية الإسلامية (الشيعية منها بالأخص). ومع أن الصدر ينتمي من حيث الرؤية المذهبية إلى تيار الشيعة الإمامية (الاثني عشرية) إلا أن مفاهيمه الفلسفية والدينية والسياسية تتعدى حدود المذهبية الضيقة، وتقترب في المجال السياسي والرؤية الحضارية من فكر الإخوان المسلمين. وقد كانت كتاباته المشار إليها علاه نتاجا للصراع الفكري والأيديولوجي الدائر في العالم العربي في ستينيات القرن العشرين بين التيار الماركسي والتيار الإسلامي. لهذا نعثر في تسميات مؤلفاته الأساسية على "مصادر الماركسية الثلاث"، أي الفلسفة والاقتصاد والسياسة. وهو أمر يشير إلى التحول الفكري الكبير في المدرسة التي أنشأها الصدر. بمعنى توجيه البحث الفكري صوب القضايا المثيرة، ومواجهة الأفكار السائدة بالفكر الإسلامي وتراثه. وقد تميزت كتاباته بنزعة نقدية شديدة للماركسية السائدة آنذاك. وهي ماركسية مبتذلة في اغلبها. الأمر الذي طبع مضمونها الخاص. فالصدر لم يعتمد في نقده على دراسة الأصول الماركسية ولا تراثها الفلسفي ولا مدارس الاقتصاد التاريخية الكبرى، بل اكتفي بفتات الماركسية المبتذلة عند الشيوعيين العرب والعراقيين بشكل خاص، أي الأكثر تخلفا وبدائية في مجال التنظير والتفكير. وعموما هي كتابات ليست عميقة ومليئة بالتكرار والاجترار. لكنها جريئة ضمن سياق المرحلة ومستوى الوعي النظري. لكن الصدر لم يكتف بالنقد الأيديولوجي والمعرفي، بل وحاول تقديم "رؤية بديلة" تستند إلى ما اسماه "بالرؤية الإسلامية الخالصة". وجمعت بعض مقالاته الأساسية بهذا الصدد في كتاب طبع تحت عنوان "الإسلام يقود الحياة". حيث تصب آراءه في الإطار العام ضمن التيار المجدد والإصلاحي للفكر الإسلامي الشيعي. كما يمكن اعتباره من بين المؤسسين "للثورية الشيعية". ويمكن تقييم فكر الصدر على انه مدرسة متميزة في محاولاتها تجديد الفكر الإسلامي في مختلف الميادين استنادا إلى تراث الإسلام فقط. مع أن نزوعه هذا لم يتسم بالانغلاق.

[2]  محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، طهران، 1403 هجرية، ط2، ص7.

[3] محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص25.

[4] محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص192.

[5] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص192-194.

[6] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص178

[7] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص197.

[8] محمد باقر الصدر: فلسفتنا، دار التعاون، بيروت، 1379 هجرية، ص13.

[9] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص199.

[10] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص204.

[11] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص204-205.

[12] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص206.

[13] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص206.

 

 

مجدي ابراهيممقامات الدين في الإسلام كما قلنا في السابق ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومن شواهدها في إشارات العارفين رؤية الله سبحانه، وهى إشارات مُعَمَّقة ليست بالسطحية، معدنها الذوق ومسلكها الشهود ومصدرها المعيّة بغير نزاع، منها إشارة أبي الحسن النوري:"حَرَّم الله الرؤية بعين الرؤية"؛ إشارة تقطع بعدم رؤية الله بجارحة العين وتعطي من الوهلة الأولى تَصوّر العارفين للرؤية الإلهية أنها مستحيلة في الدنيا على الرغم من أن هنالك إشارات غيرها توحي برؤية الله في الدنيا غير أنها رؤية قلبيّة شهودية تتسق ومسلكهم في الكشف والشهود.

 والنوري قرين الجنيد وهو يدين في مسألة الرؤية بما يدين به الجنيد، وعندهما (النوري والجنيد) أن الرؤية لا تكون في الدنيا إلا بالقلب، وليس للعبد حظ من رؤية الله في الدنيا سوى ما يقرّبه من لطفه وعنايته وتأييده ونصرته وحفظه. أما أن يراه بجارحة فلا:" حَرَّم الله الرؤية بعين الرؤية " كما قال النوري.

وكل ما يُقرِّب العبد من الرَّب في مثل هذه المسائل الدقيقة كالرؤية والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والمعرفة الإلهية واللدنيَّة مَعْنَاهُ لدى العارفين، وبخاصّة لدى النوري والجنيد هو اللطف الإلهي، والتأييد، والتوفيق، والنصرة؛ فلا يعرف الله على الحقيقة إلا الله.

ومادامت معرفته على الحقيقة مستحيلة إذْ لا يعرفه سواه لأنه محجوب بالعزة رغم قربه بالعطف؛ فرؤيته على الحقيقة كذلك من أمحل المحالات. فلئن كان قريباً من عبده بالعطف والنصرة والتأييد وكل صفات الجمال وتجلياتها فهو محجوب بالعزة وممنوع بحجاب القهر والقدرة وسائر صفات الجلال عن أن يشهده شاهد ببصر محدود أو يراه رائي بجارحة محسوسة.

هذا هو القانون الذي يسير عليه مسلك التشريع، ولكن مع هذا فقد نجد منهم من يجوِّز رؤية الله في الدنيا؛ ولكن بالشهود القلبي وبالكشف الذوقي وببصيرة الذوق والإيمان. ولقد كانت هنالك مساجلات بين السّري السقطي والجنيد تدور كلها حول مسألة الرؤية القلبية والشهود المباشر سطرها الهجويري عنهما في صفحتين من كشف المحجوب، وطالعنا الجنيد بشيء منها في إشاراته المُلغزة في كتاب الفناء؛ وكتاب الميثاق. وتتلون أحوالهم في مرائي الشهود وتجارب الكشف حتى قال الغزالي ناقلاً عن أحدهم في مشكاة الأنوار:" وأرباب البَصائر ما رأوا شيئاً إلا رأوا الله معه. وربما زاد بعضهم فقال: ما رأيت شيئاً إلا رأيتُ الله قبله؛ لأن منهم من يرى الأشياء به، ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء". وعليه؛ يمكننا أن نستخرج من نصّ الغزالي معنى الوحدة؛ فإن الذي يرى الأشياء فيرى الله قبلها فمشهده في وحدة شهود. أما الذي يرى الأشياء فيراه بالأشياء فذلك مشهد وحدة الوجود وهو مشهد كُمَّل العارفين؛ فمثل هذا الشهود هو مسلك التحقيق: الرؤية فيه رؤية قلبية ببصر السَّر، والشهود فيه لا يعتد بجارحة ولا يعترف بعين الرؤية ولا يطمح إلى شيء من تلك الظواهر البادية لكل ما يناله الحس.

ومن هنا؛ يجب أن تُفَسَّر إشارات العارفين في مثل قول الرَّوْذَباريِّ: " لو زالَ عنا رؤيته ما عبدناه"؛ فالمقصود فيها هو الرؤية القلبية والشهود المباشر بالبصيرة الإيمانية؛ وليس هنالك من تأويل قد يفسدها فيخرجها عن حظيرة الذوق والرؤية الشهودية إلى مظان التقوّل والتخريج البليد.

كان أبو يزيد البسطامي يقول:" إنّ لله عباداً لو حُجِبُوا عن الله في الدنيا والآخرة طرْفة عين لارتدوا".

وليس معنى الردَّة في إشارة أبي يزيد ردّة بالمفهوم الشرعي المعروف، ولكن معناها ردة في قانون الطريق، أي: لارتدوا عن مراتب الشهود ودرجات التقريب، فهؤلاء العباد الذين أختصهم الله بخصوصية القربة ومراتب الشهود لا يحتجبون عنه تعالى طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم دائماً في معيته يرونه بشواهد اليقين مشاهدة قلبية ليس فيها حجاب ولا فيها مانع من موانع الرؤية عن مراقي الشهود. ولما أن سئل الجنيد: هل تحب أن ترى ربك؟! قال:" لا !، فسئل لمَ؟ فأجاب: إنّ موسى عليه السلام لما طلب أن يراه لم يره، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يطلب ذلك فرآه، ثم عَقَّب الجنيد على هذا التخريج الذوقي بالتأكيد على أن آمالنا هى أكبر الحجب التي تُبْعدنا عن رؤية الله؛ لأن الإرادة النفسانية في عرف المحبة معصية، والمعصية حجاب حتى إذا ما فَقَدتَ المراد في هذه الدنيا نَلْتَ المشاهدة، ومتى نلت المشاهدة لا تجد فَرْقاً بين هذه الدنيا والأخرى.

وفي ضوء هذا التخريج تُفهم إشارة أبي يزيد:"إنَّ لله عباداً لو حجبوا عن الله تعالى في الدنيا والآخرة لارتدّوا"؛ ويحمل معناها على أنه تعالى يكرمهم بدوام المشاهدة ويُبْقيهم أحياءً بحياة المحبة؛ ومن كان متمتعاً بالمشاهدة ثم حُرِم منها كان في قانون الطريق ولا شك كافراً؛ فالرؤيةُ هَا هنا مشاهدةٌ قلبيةٌ في الأساس. ومن إشارات سهل بن عبد الله الجامعة لأصول التوحيد:" ذَاتِ الله موصوفة بالعلم غير مُدْركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دَار الدنيا، وهى موجودة بحقائق الإيمان من غير حدِّ ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودَلَّهم عليه بآياته؛ والقلوب تعرفه والعقول لا تدركه؛ ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ...". المعوّل في هذه الإشارة على نحو القلوب لا على نحو العبارة، نحو القلوب بنية إشارة روحية، ونحو العبارة بناء لغة نصية. والفرق بينهما كبير.

على أن موضوع الرؤية قد لاقى من الجدل بين الصوفية المتكلمين والفلاسفة أكثر ممّا ينبغي، ونحن فيما سيأتي من مقالات سنقوم بمناقشته، حسب ما ورد فيه من إشارات سَنَحَتْ بها خواطر الصوفية، ولكننا هنا تجدر الملاحظة بأن الموضوع كله مثار في دائرة علم الكلام، ومدفوع من قبيل الصوفية كما لو كان شبهة أرادوا أن يدفعوها عن أنفسهم ويدرؤوا عنهم شبهة القول بها.

ومن المُقرر في كتابات الصوفية الأوُّل أن رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا مما أجمع الشيوخ على نفيها؛ بل زادوا أن الرؤية لا تكون أبداً - فضلاً عن الأبصار - بالقلوب إلا من جهة الإيقان؛ وقال الكلاباذي في التعرٌّف:" ولا نعلمُ أحداً من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نرْ في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممّن أدركنا منهم، زعم أن الله تعالى يُرى في الدنيا أو رآه أحد من الخلق؛ إلا طائفة لم يعرفوا بأعيانهم. بل زعم بعض الناس أن قوماً من الصوفية أدَّعوها لأنفسهم، وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك وتكذيب من أدّعاه، وصَنّفوا في ذلك كتباً، منهم أبو سعيد الخراز. وللجنيد في تكذيب من أدَّعاه وتضليله رسائل وكلام كثير. وأضاف الكلاباذي أنهم:" زعموا أن من أدعي ذلك فلم يعرف الله عز وجل، وهذه كتبهم تشهد على ذلك".

هذا ما يقرّره الكلاباذي ويصر على تقريره، وهو في إصراره لما يقرر يبدو وكأنه يريد أن يدفع شبهة عن المتصوفة وهى دعواهم برؤية الله:"... في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان "؛ فكأن مسألة الرؤية كانت مثار جدل كلامي أنتقل برمته إلى أذواق التصوف ومواجيده ثم أختلط الجدل الكلامي بمواجيد الصوفية؛ فتناول كتّابُّهم الأوُّل المسألة تناولاً كلامياً وتناسوا أذواقهم ومواجيدهم ومنهجهم في معالجة الموضوعات العقائدية الكبرى بمنهج غير منهج علم الكلام، وهذا عندي خطأ وقع فيه كتاب التصوف الأوُّل: خشيتهم من التصريح بحقائق التصوف كما هى عليه، وهى خشية تُضَاف إلى علم الكلام ولا تحسب من التصوف في شيء. وينقل الهجويري أن الجنيد قال:" لو أن الله تعالى قال لي: شاهدني ! لأقولن له أنا: لا أشاهدك؛ لأن النظر العيني في عُرْف المحبة غِيَرٌ الله وشرك؛ والغِيَر يمنعني من النظر إليك، وحيث إني في هذه الدنيا طلبت أن أراك بغير واسطة عيني فكيف أستعمل هذه الواسطة في الدار الآخرة ".

وواضح من قول الجنيد هذا: رفض الرؤية عن الله من وجهة نظر كلامية بحتة. إن للتصوف منهجه وقانونه الذي يختلف عن منهج المتكلمين أو الفلاسفة كل الاختلاف؛ فكل موضوع فيه من ثمَّ ينبغي أن يعالج وفق هذا المنهج لا يشذ عليه. ولك أن تلحظ إشارة البسطامي هذه أو تقرأ إشارة ذي النون إذ قال: " راحتي حين أفتح بَصَرَ السّر إلى ذاته"؛ وتتأملها جيداً لترها آخر الأمر بعد التأمل ذوقاً كلها خالصاً لا تدع منهجاً آخر سوى الذوق يمضي فيها أو حتى يستوعبها فضلاً عن أن يستوفي الكلام فيها، ومن حُرم الذوق عز عليه أن يستنبط من كلامهم البيان؛ فهى لا تحتاج لمناقشة جدلية لإدراكها بل من المؤكد أن يتوافر في مدركها شرط التذوق على بصيرة، لاحظ علاقة بصر السر وهو هنا مفتوح على ذات الله، أي: التوجه والتعلق.

  

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيممقامات الدين في الإسلام ثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، وشواهدها في أحوال الصادقين هي المراقبة، تستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لمّا أن جاءه جبريل عليه السلام في صورة رجل فقال: يا محمد ما الإيمان؟ قال:" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره "، قال صدقت؛ وتعجب الصحابة من رجل يصدق النبي عليه السلام وهو يسأله. ثم قال: أخبرني ما الإسلام؟ قال الإسلام:" أن تقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت "؛ قال صدقت. قال: فأخبرني ما الإحسان؟ قال الإحسان:" أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنْ لم تكن تراه فهو يراك ".

إنما يجئ الأصل والمصدر؛ وهو هنا حديث رسول الله صلوات الله عليه؛ ليكون معتمد العبادة في حال المراقبة. ونحن نشهد أن هذا الحديث الشريف "أعبد الله كأنَّك تراه" جاء بمثابة التأصيل للرؤية الشهودية تقوم عليها توجهات العارفين العليا؛ لأن العبادة على الغفلة وعدم الحضور ليست كالعبادة على الشهود وتحقيق الرؤية، ثم إن تحقيق الرؤية هذا على "وحدة الشهود"؛ هو الأصل في العباد، ولكنها عبادة قامت على الحضور لا على الغفلة؛ فلئن كان العبد في عبادته لم يعد يرى ربه؛ فليثق أن الله يراه، وهو مقام الإحسان.

وفي الثقة برؤية الله له ثم تضخيمها في بطن الرائي وتفعيلها في قلبه، كل أولئك من العوامل التي تنقل العبد من رؤية الله له إلى رؤيته هو إلى الله؛ يحدث ذلك مع دوام شهود رؤية الله له، ومع استقرار هذا الشهود في وعي العارف؛ تجيء الرؤية الشهودية؛ لتكون أثراً من آثار هذا الحديث النبوي الشريف مستندة على أساسه:" أعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك ": يراك في كل حركاتك وسكناتك، ويراك في جميع أحوالك وتقلباتها، ويراك في أنفاسك حين تدخلها وتخرجها وعليها خلعة الأدب والحضور؛ يراك وإنْ لم تكن تراه. وإنه لمشهد من مشاهد الوعي الباطن عظيم وجليل تكشف عنه جوامع الكلم النبوي.

حقاً! إن هذا الحديث الشريف لهو الأساس المعتمد هنا لمراقبة الأنفاس: تحقيق الرؤية لله في العبادة إنْ في السّر وإنْ في العَلن.

غير أن هذه العبادة لم تقتصر على فئة من الناس وإلا شطبنا على بقية المسلمين: فرقهم ومذاهبهم وطوائفهم المتعددة ولكنها تَوَزَّعَتْ فيما بينهم وعَرَفَها المسلمون وتفاوتوا في معرفتها، وإنما اختصت عبادة العارفين بمزية تميزوا بها عن غيرهم من سائر الطوائف فلا يدانيهم فيها سواهم ولا يقاربهم فيما سَنُّوه من ضروب العبادات الشَّاقة مذهب ولا طائفة ولا فرقة من الفرق الإسلامية الأخرى، تميزت بالشعور العميق بالفكرة الدينية، وعبادة الله على مقام الإحسان عبادة خالصة كأنها تراه.

خذ مثلاً ما قاله الإمام صالح الجعفري أحد العرفاء المعاصرين عن الصلاة: إذا اشتد عليك حال فتوضأ وصل، واذا قمت الى الصلاة، فصل وأنت توقن أن الله يراك. وهذا هو مقام الإحسان الذى قال فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك) فهل وقفت يوماً لتصلى وتذكرت الله، وأن الله تعالى ينظر إليك؟ إنْ الصلاة لها فوائد، ولها ميازيب تتنزل منها الأسرار، والميازيب لها مفاتيح؛ فإن فعلت ذلك، يأتك المدد من نظر الله لك؛ فنظرة الله تعالى إليك عظيمة، وكل شئ له حلاوة وعلاوة؛ فحضور قلبك فى الصلاة وتذكرك أنك فى معيّة الله تنال بسببه جزاء عظيماً من الله تعالى .فيجب على المصلى أن يعتقد أنه إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم أن الله يسمعها قبل أن يسمعها هو من نفسه، واذا كانت لك حاجه تطلبها أو شكوى تبثها فيجب عليك أن تعتقد أنه سبحانه وتعال يعلمها قبل أن تنطق بها. فإذا كنت تصلى بهذه الكيفية فأعلم أن هذا عطاء لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، ولكنه يجيئ بمحض فضل الله).

والفرق واضح جليٌّ بين كلمات هذا العارف بالله، وكلمات غيره من ذوي النقل والحرف والعنوان: أن الأول صادر عن تجربة ومعايشة، وللكلام فيه قوة وتأثير، له صورة نورانية نتيجة ممارسة العلم قلما تجدها في كلام آخر منقول لك مجرد نقل لا روح فيه ولا حياة. هذا رجل جرب فنقل لك تجربته، ومنها تحدث فكان لحديثه وقع مختلف، وعاني فظهرت معاناته في كلماته وعليها خلع الحضور. أما  الآخر؛ فلفظ ما جاوز الأشداق.

ولمقام الإحسان في الصورة التي يلقيها عليك متطلباته: أن تكون العبادة لله وحده في المعاملة والتوجه، نظر الله هو الغالب عليه، ولم يعد للخلق عليه ولا على خواطره حكم ولا وجود؛ لأن باطنه ممتلئ بالكلية بالرعاية لحقوق الله، وليس للأغيار عليه سلطان ولا اعتبار. ارتفعت عن قلبه أمراض الباطن من الغل والحسد والكراهية والضغائن التي تمرض القلوب فتهلكها؛ لأن الباطن مشغول بالله فمحاولة تطهيره وسلامه دخائله ونظافته أولى وأكبر، وأعلى من أن تشغله الشواغل الموبوءة وهي حاجبة له بمواجهة الأغيار.

نعم! ربما جاءت العبادة شكلاً ظاهرياً من أشكال التدين أو جاءت حركة رتيبة آلية لا روح فيها ولا حضور بين يدي الله، ربما كانت مظهراً خارجياً لا يَتَعَمَّق في الباطن ولا يدل عليه دلالة يُسْتَفاد منها تفعيل الوجود الروحي. صحيحٌ أن هنالك عُبَّاداً وزهاداً بين تنوع الفرق الإسلامية كثيرون، ليس ينكر ذلك أحد ولا يستطيع، لكن العبادة في الغالب " قد تكون شكلاً من الأشكال، مُجَرَّد شكل، لا قيمة له؛ ولا وزن في مقاييس الروح وموازينها، وقد تسمو وتسمو؛ فتصل إلى أن:" تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك".

ولقد كان الرسول؛ صلوات الله وسلامه عليه، المثل الأعلى لنا في أن نعبد الله؛ كأننا نراه، أو في أن نرى الله في جميع ما نأتي وما ندع: في الكون نذَلّـلِهُ ونسخِّره، وفي المجتمع نصلحه ونهذِّبه، وفي العمل نتقنه ونخلص فيه، وفي الحديث نتحرى فيه الصدق والأمانة. لقد حول رسول الله؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ الحياة كلها إلى عبادة، فكان العمل عبادة، وإن من الذنوب ذنوباً لا يُكَفِّرها إلا السعي على المعاش؛ والجهاد عبادة، وإن أفضل الأعمال الإيمان، ثم الجهاد.

ولقد وصل الأمر به صلوات الله وسلامه عليه؛ أن جَعَلَ الأكل والشرب والمشي عبادة. وهكذا أصبحت الحياة حركة وسكوناً لله سبحانه؛ فأصبحت الحياة كلها عبادة:" قُلْ إنَّ صَلَاتيِ ونسكي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتيِ للهِ رَبِّ العَالمَيِنَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلكَ أُمِرْتَ وَأنَا أوْلُ المُسْلِمينَ" (الأنبياء: آية رقم (162), وآية رقم (163).

ولقد وضح هذا الاتجاه؛ ليُجْلي مراقبة الأنْفَاس؛ لتكون عبادةً مع القصد والنية والحضور من أرقى العبادات الدينية في الإسلام؛ منذ اللحظة الأولى للوحي:" اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ " (سورة العلق: آية1). ثم إن القرآن كله فسّره، ووضحته أعمال الرسول؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ فكانت الحياة كل الحياة من أجل ذلك عبادة: الأنْفَاس، والحركات، والسَّكنات، والنوم، واليقظة، الحياة كلها، بل والموت عبادة؛ أجل إنما الموت عبادة!

وكيف يكون الموت عبادة؟

يكون عبادة لأنه رضى وتسليم لقضاء الله وقدره؛ فعدم الاعتراض عليه إذا نزل بالعبد إنما هو عبادة من أعمق العبادات وأصدقها لدى من يفوض الأمر كله من منطلق هذا التسليم إلى الله تعالى؛ فما زادت العبادة الحقيقية على مثل هذا الافتقار إلى الله شيئاً. فإذا أردنا أن نعرف كيف يكون الموت عباد، وكيف يأتي تسليماً لقضاء الله وإيماناً بقدره وافتقاراً دائماً إلى كنفه؛ فلنقرأ للإمام أبي القاسم الجنيد هذا الدعاء:" اللهم بارك لنا في الموت إذا نزل بنا وأجعله يوم حباء وكرامة وزلفى وسرور واغتباط، ولا تجعله يوم ندم ولا يوم أسى، وأوردنا من قبورنا على سرور وفرح وقرة عين، وأجعلها رياضاً من رياض جنتك وبقاعاً من بقاع كرامتك ورأفتك ورحمتك: لقنا فيها الحجج وآمنا فيها من الرَّوعات، واجعلنا آمنين مطمئنين إلى يوم تبعثنا؛ يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه؛ لا ريب في ذلك اليوم عندنا: آمنا من روعاته وخلصنا من شدائده، وأكشف عنا عظيم كربه، واسقنا من ظمئه، واحشرنا في زمرة محمد صلى الله عليه وسلم المصطفي الذي انتخبته واخترته وجعلته الشافع لأوليائك المقدم على جميع أصفيائك، الذي جعلت زمرته آمنة من الرَّوْعات (حلية الأولياء: جـ 10, ص 285- 286).

فإنّ الذي يدعو ربه بهذا الدعاء، يدعوه وهو يعلم أن الموت عبادة، وأن عبادته مع كونها تحقق معنى السعادة التي يتغيَّاها العارفون حين يذكرون الموت؛ فهى كذلك تعدُّ أصدق العبادات وأعمقها تذوقاً في بواطن الشعور.

قسم الكتَّاب الأوُّل المراقبة إلى أحوال ثلاثة. الأول حال الابتداء. والثاني يمكن تسميته بحال التوسط. والثالث حال الكبراء وهو حال الانتهاء؛ فمبتدئ، ومتوسط، ومنتهي. ولهذا التدرج والتقسيم في المراتب والمنازلات الروحية دلالة عند السّراج الطوسي صاحب كتاب اللمع؛ فهو لم يأتٍ عبثاً بغير معنى ولكن مجيئه كان قصداً؛ لأنه يجعل للحال درجات ورجال؛ فلا ينازل الحال إلا رجل له درجتها، ولا تتوارد عليه الحال إلا لدرجة رجل يستحقها أو لمنزلة هو خليقٌ بالبقاء فيها؛ فلكل رجال درجة ومنزلة.

وهذا الذي قاله صلوات الله وسلامه عليه:" فإنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَهُوَ يَرَاكَ "؛ فوق كونه إشارة إلى مقام الإحسان فهو أيضاً إشارة إلى حال المراقبة؛ لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه وتعالى عليه، واستدامته لهذا العلم مراقبة ربه، وهذا أصل كل خير، ولا يَكَادُ العبد يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة؛ فإذا حاسب نفسه على ما سلف، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مُرَاعاة القلب، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقب الله تعالى في عموم أحواله فيعلم أنه سبحانه عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله. ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة؟" (الرسالة القشيرية: ص 189).

العارف وهو في خضم تجربته الروحية لن يترك مضمونه العقدي ينتسب إليه ويروح؛ ليكرع من مضامين أُخر لا تمتُّ إلى عقيدته بصلة ولا إلى مضمونه بنسب، لقد كانت المراقبة تقوِّم العبودية تقويماً روحياً بالأساس بمقدار ما تقوِّمُ العبادةُ الفكرةَ الدينيةَ وتكيفها في حدود منطلقاتها الشعورية، بوجوب بقاء العبد دوماً على مقام الإحسان في رحاب المعية الإلهية. إنّ المراقبة التي تستند على فكرة التَّعَبُّد الصوفي، ويستند عليها جوهر التَّعَبُّد الصوفي؛ لتحظى في قيمتها الروحية بالاعتماد المباشر على حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:" فإن لم تكن تراه فهو يراك "، وهو مقام الإحسان؛ لتجيءُ عبودية كاملة ذات قيمة في الإسلام روحية خالصة؛ الذوقيون وحدهم هم الذين يفطنون إليها فيُنَبِّهون على وجوبها قصداً؛ فضلاً عن كونها تمثل التوجه الروحي الخالص في الإسلام: معاملة إيمانية باطنة.

أسفرت هذه القيمة الروحية الكبرى عن تلك الحياة الروحية الباطنة في الإسلام ممثلة في علم عظيم وجليل هو "علم التصوف". ثم إن الإسلام الروحي لم ينشأ إلا بنشوء هذا العلم (أعنى التصوف) ولم ينشأ هذا العلم بالطبع إلا بالمسيرة على خطى المحبة لله ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه، وبذل المجهود في تلك المحبة مع وجوب الموافقة.

عندما كتب القشيري الباب الأول من رسالته في ذكر مشايخ هذه الطريقة، وما يدلُّ من سِيَرِهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة؛ استفتح هذا الباب بتنويه حَدَّثَنَا فيه عن نشوء التصوف وظهور فكرة "مراقبة الأنفاس" الدالة على عظيم مقام الإحسان لدى مشايخ الطريق بأن قال إن المسلمين بعد رسول الله؛ صلوات الله وسلامه عليه، لم يتسمْ أفاضلهم في عصرهم بتسمية عَلَم، سوى صحبته؛ صلى الله عليه وسلم؛ إذْ لا فضيلة فوقها فقيل لهم الصحابة. ثم جاء أهل العصر الثاني فأدركوهم فسمى من صحب الصحابة بالتابعين ورأوا في ذلك أشرف سمة وعلامة. ثم جاء من بعدهم أتباع التابعين. واختلف الناس من بعدُ وتباينت المراتب؛ فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزُّهَّاد والعباد.

ولما أن ظهرت الفتن واشتدت البدع، وحصل التداعي، وتنازعت فيما بينها الفرق؛ فأدعى كل فريق منهم أن فيهم زهاداً وأنهم لا يخلون في الغالب من عبَّاد:" أنفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة؛ باسم "التصوف"، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة"(الرسالة القشيرية:  ص 34) وابن خلدون في هذه النقطة كذلك يعتمد القشيري تقريباً أساساً لما يقوم به من معالجة لنشوء التصوف واختصاصه بهذا الاسم بالتعويل على فقه الباطن الذي تميز به الصوفية المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة حتى تسَّموا بالمتصوفة؛ بل يكاد ابن خلدون ينقل عبارات القشيري بلفظها ونصها مع تحديد التاريخ الذي قام القشيري بتحديده من قبله؛ ليقول إن هذا الاسم "اشتهر قريب من المئتين من الهجرة"؛ ثم تتابعوا جيلاً بعد جيل، يهتدي الخلف منهم بالسلف، ويؤدي ما لقن لمن وفقه الله من أتباعه، وصار فقه الشريعة على نوعين: فقه الظاهر؛ وفقه الباطن. ثم يأخذ ابن خلدون في شرح المقصود من فقه الظاهر وهو  الذي يختص بالأحكام الشرعية العملية. أما فقه الباطن فهو علم القلوب الذي هو: مقام الإحسان أو علم التصوف (يراجع، شفاء السائل؛ ص 46).

ولنا أن نلاحظ تركيز القشيري هنا على خواص أهل السنة باعتبارهم كما وصف هم الخواص المراعون أنفاسهم مع الله؛ وهم هم الخواص الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة، وأن هؤلاء الخواص هم الذين اشتهروا باسم التصوف خاصة، فلتلحظ هاهنا "مراعاة الأنفاس أو مراقبتها"؛ وقد جاءت لتتصل بالتصوف بالمباشرة فكأنما الإشارة فيها تجيء فتجعل هذه المراعاة أو تلك المراقبة للأنفاس ليست مجرد كلمة عابرة في سياق تعبيري إنشائي عادي يخلو من الأهمية وظاهر الدلالة كما يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى، لكنها كما وَرَدَتْ في سياق نص القشيري بحيث تأتي؛ لتصبح تعبيراً عالياً عن عبادة خاصة مخصوصة بالصوفية اشتهروا بها، وعرفوا من بين خواص أهل السنة بممارستها عبادة روحية خالصة تسَمَّتْ بــ "مراقبة الأنفاس". بمقدار ما نلاحظ مركزين بدقة قول القشيري: "اشتهار هذا الاسم قبل المائتين من الهجرة".

قبل المائتين من الهجرة - مع استحضار دلالة عبارة القشيري من جانبنا - كان هنالك من الأكابر "خواص أهل السنة"، الذين انفردوا بمراعاة أنفاسهم مع الله تعالى، وبمحافظة قلوبهم وحراستها عن طوارق الغَفَلات، واختصوا باسم "التصوف". وعلى هذا؛ فمراقبة الأنفاس ومحاسبتها ورعايتها عبادة من أجلّ العبادات وأحْرَصها عند القوم، إنْ لم نقل وأخصَّها كذلك، ظهرت على حد تعبير القشيري قبل المائتين من الهجرة، فكانت علامة على التصوف وسمة دالة على رجاله؛ ولم تظهر بعد القرن الرابع الهجري أو في أثنائه كما أدعى البيروني وقلده فيما ذهب إليه الكثيرون سواء من المستشرقين أو من العرب.

فلم تكن عقائد الهنود ولا فلسفتهم ولا علومهم معروفة لدى المسلمين معرفة دقيقة واضحة ومُفَصَّلة قبل أن يؤلف البيروني كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة"؛ فإن هذا الكتاب القيم الذي كان الأول من نوعه، ظهر بعد ظهور التصوف بزمن طويل فلم يكتب شيء بالعربية عن الهند قبل اكتمال التصوف في الإسلام.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

قد تطرقنا فيما سلف إلى (24) تجربةً من التجارب الدستورية الدولية في تكوين المحاكم الدستورية في دول العالم وكيفية اختيار أعضائها. وقد تبيَّن لكم كيف أنَّ القضاة يمثِّلون الأقلية فيها، بل إنَّ بعض هذه المحاكم لا قضاة فيها البتة. وعلمنا أنَّها كلها يُطلق عليها اسم (محكمة)، ويُطلق على أعضائها صفة (قاضٍ) مع أنَّ أغلبيتهم ليسوا بقضاةٍ في الأصل.

أما تجربة المجالس الدستورية، فهي أكثر توجُّهاً نحو اضافة أعضاء لا صلة لهم بالقضاء أساساً. ويتجلى ذلك عبر الاطلاع على التجربة الدستورية البارزة على مستوى العالم، المتمثلة بالمجلس الدستوري الفرنسي، ومعه سنتطرقُ كتجربةٍ عربيةٍ إلى المجلس الدستوري اللبناني والمجلس الدستوري الجزائري.

1ـ المجلس الدستوري الفرنسي:

بمقتضى المادة (56) من الدستور الفرنسي لعام 1958 يتألف المجلس الدستوري من نوعين من العضوية: الأولى عضويةٌ دائمةٌ بقوة القانون، وهي مخصَّصةٌ لرؤساء الجمهورية السابقين. والأخرى عضويةٌ تستمر لتسع سنوات -الحد الأقصى لأنه في كل ثلاث سنوات يتم تجديد الثلث-،ويكون عدد هذه الفئة -الثانية- تسعةً (9)، وليس ثمة قيدٌ في اختيار أعضائها، إذْ تُركت لتقدير رئيس الجمهورية (يُعيِّن ثلاثة) والجمعية الوطنية (ثلاثة) ومجلس الشيوخ (ثلاثة).

ما يعني أنَّ المجلس بحسب الأصل ليس فيه قضاةٌ، كما أنَّ رئاسته تكون -بحسب العرف- إلى رجلٍ بارزٍ في القانون.

2ـ المجلس الدستوري اللبناني:

ويتألف من عشرة أعضاء، يُعيِّن مجلس النواب نصفهم، ونصفهم الآخر الحكومة. ويتم اختيار أعضائه من بين القضاة السابقين -المتقاعدين-، أو من بين أساتذة القانون في الجامعات الحاليين أو السابقين، أو من بين المحامين.(قانون إنشاء المجلس الدستوري في لبنان لعام 1993).

وعلى هذا فالأكثرية في المجلس هي لرجال القانون لا القضاة.

3ـ المجلس الدستوري الجزائري:

بمقتضى الدستور الجزائري لعام 1996 يتألف المجلس الدستوري من تسعة أعضاء، يعيِّن رئيس الجمهورية ثلاثةً، وينتخب المجلس الشعبي الوطني -مجلس النواب- اثنين، وكذا ينتخب مجلس الامة اثنين، وعضواً واحداً تنتخبه المحكمة العليا، وعضواً واحداً ينتخبه مجلس الدولة. وبهذه التوليفة يكون عدد القضاة واحداً (1) من بين التسعة، الذين يمكن أن يكونوا من أية خلفيةٍ أو اختصاص.

أما بعد تعديل دستور الجزائر لعام 2020 -قبل مدةٍ وجيزةٍ في عهد الرئيس الجديد عبد المجيد تبون- فقد تحول المجلس إلى محكمةٍ دستوريةٍ، وباتت هذه المحكمة تتألف -كما ذكرنا آنفاً- من (12) عضواً، يُعيِّن الرئيس أربعةً منهم، وتنتخب المحكمة العليا عضواً واحداً، وكذا ينتخب مجلس الدولة عضواً واحداً، في حين يُنتَخب الستة الباقون (6) بالاقتراع من أساتذة القانون. ما يعني أنَّ عدد القضاة هو واحدٌ (1) من بين (12) عضواً، في حين إنَّ عدد فقهاء القانون هو ستةٌ (6).

وبعد أنْ أستعرضنا كيفية تكوين المحاكم الدستورية والمجالس الدستورية في العالم، قد نضطرُ لإثارة السؤال الآتي:

هل كل هذه الدول والدساتير والتجارب الدولية لا تفهم، والذي يفهم هو بعض المتحدِّثين في العراق، الذين تحدثوا في الموضوع بلا أدنى دليلٍ وبلا درايةٍ، والذين اتضح لحضراتكم بالدليل القاطع الذي عرضناه بالتفصيل في الأقسام والأجزاء المنصرمة، أنهم لا علم لهم بالموضوع لا من قريبٍ ولا من بعيد، وأنهم لم يطلعوا على تجربةٍ واحدةٍ من هذه التجارب ؟!!

وعموماً، من كل هذه التجارب الدولية المهمة يتضح بجلاءٍ أنَّ القاعدة العامة في تأليف المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري تتمثل باختيار شخصياتٍ لها المكنة والقدرة على الاستنباط الفقهي، بصرف النظر عن كونهم قانونيِّين أو قضاةً ونحو ذلك. بل أكثر من ذلك لاحظنا أنَّ عدد القضاة إنما يُمثِّل الأقلية في توليفة المحكمة، وأنَّ الغالبية هي للعنصر القانوني؛ خلافاً لما تمَّ تسويقه في الآونة الأخيرة في العراق، عبر دعايةٍ إعلاميةٍ عارمةٍ، موجَّهةٍ من جهاتٍ متعددةٍ، إعلاميةٍ وسياسيةٍ وقانونيةٍ.

ولم يعد خافياً بعد العرض المتقدم أنَّ بعض التجارب الدولية لا تكتفي بجعل العنصر القضائي هو الأقل عدداً، بل قصرت عضوية المحكمة، بحسب الأصل، على فقهاء القانون ورجالهِ فحسب، كما هو الحال في تشيلي وبوليفيا والبرازيل وفرنسا وإندونيسيا وتونس ومنغوليا...

والسبب في ذلك معروفٌ في الفقه الدستوري، وقد ذكرناه آنفاً، وهو أنَّ هذه المحكمة هي ليست محكمةً عاديةً تدخل ضمن التسلسل الهرمي للمحاكم العادية التي تخضع لإشراف مجلس القضاء الاعلى، فهي ليست محكمة بداءة أو أحوال شخصية أو جنح أو جنايات، ونحو ذلك. بل هي محكمةٌ ذات طابعٍ دستوريٍ سيادي، وأحياناً سياسيٍ كما يذهب إلى ذلك جانبٌ من الفقه. وبالمحصِّلة فهي تحتاج إلى فقيهٍ يمتلك القدرة على استنباط الأحكام من نصوص الدستور. وبالتأكيد إنَّ الفقيه القانوني هو الأقدرُ على هذه المهمة من القاضي الذي ربما يفني كل عمره المهني (30 سنة مثلاً) دون أن تطرأ عليه قضيةٌ دستوريةٌ ودون أن يطلع على واحدةٍ منها، ولا سيما في دولةٍ مثل العراق، إذْ كان القضاء في زمن النظام المقبور ممنوعاً من النظر في دستورية القوانين، ولم تكن لدينا محكمةٌ دستوريةٌ تنظر في ذلك؛ لإن السلطة دكتاتوريةٌ بكل معنى الكلمة، وعليه لم يتحصَّل لدينا -بكل صراحةٍ- جيلٌ قضائي يفقهُ الدستور ويستطيع تفسيره. وبعد سقوط النظام البائد أصبح الأمر مقتصراً على المحكمة الاتحادية العليا، التي بدورها لم تكن تمتلك أية خلفيةٍ دستوريةٍ، ولم تنظر المحاكم الاخرى بدورها في قضايا الدستور بسبب وجود تلك المحكمة. ما يعني أنَّ القدرة على تفسير الدستور والبتَّ في دستورية القوانين ما زالت بعيدةً عن الجسم القضائي الذي انحصر عمله في القضايا المدنية والجزائية ونحوهما ؛ لما سلف ذكره ولكون التجربة جديدةً في الواقع العراقي. 

وغنيٌ عن البيان أنَّ دول العالم قد سبقتنا في التجربة، ولكون هذه الدول أدركت ما قلناه آنفاً ؛ لذا لجأت إلى جعل المحكمة مستقلةً تماماً عن الجسم القضائي، وأضحت -المحكمة- تمارس دوراً سيادياً بارزاً. وبناءً على ذلك جعلتها بعض الدول حكراً على القانونيِّين دون القضاة، وجعلتها أخرى تضمُّ بعض الشخصيات العامة من ذوي الخلفيات الإدارية أو التنفيذية ونحوها، لكن الأعمَّ الاغلب لجأ إلى نظرية (الموازنة)، فباتت التوليفة مختلطةً تضمُّ قضاةً وقانونيِّين ونحو ذلك ؛ وهو التوجُّه الأوفق والأفضل بحسب تقديري، مع أنَّ أكثر التجارب الدولية تميل إلى تغليب فئة القانونيِّين على فئة القضاة، كما عرضنا آنفاً؛ وهو توجُّهٌ موفقٌ أيضاً، وينسجمُ مع طبيعة عمل القضاء الدستوري على الصعيد الدولي.

وإذْ كنا عرضنا ذلك كله بالتفصيل، فإنَّ وجه الإنصاف والموضوعية يقتضي أنْ نقول إنَّ ثمة إشكالاً يمكن أنْ يُثار على ما طرحنا من رأيٍ في الأجزاء السابقة، مؤداه أنَّ المحكمة العليا الأميركية ليس فيها إلا القضاة، ومن هذه الناحية لدينا تجربةٌ دستوريةٌ دوليةٌ مهمةٌ تتكون من القضاة فقط، بخلاف المحاكم الدستورية المعروضة آنفاً التي كان عددها (24) محكمةً، وكذا المجالس الدستورية ؟

إنَّ الردَّ على هذا الإشكال دستورياً ومناقشته علمياً ستكون محلاً للعرض في القسم السادس اللاحق إنْ شاء الله .

 

د .حسن الياسري - بغداد

 

 

اياد الزهيريأستكمالاً لما بدأناه من بحث ينتاول موضوع فكرة الاله أبتداءاً من فترة ماقبل التاريخ ومروراً بفترة الحضارة الرافدينية (السومرية والبابلية)، وهي تشمل الفترة التاريخيه لما بعد الكتابة، أما هذا الجزء، فهو يبحث فكرة الاله في الحضارة السورية القديمة والتي تبدأ من نهايات الألف الثاني قبل الميلاد والتي تشمل الديانات (الأوغاريتية(الكنعانبة)، الآرامية) ومن حسن الحظ أن هذه الأديان قد تأرشف لها الكثير من تعاليمها، من عقائد وطقوس وشعائر،لأنها عاشت في وقت أكتشاف الكتابة .

كما قلنا سابقاً أن فكرة الاله، هي فكرة موجود منذ وجود الأنسان، فكرة وكأنها خُلقت معه وأنتقلت جينياً عبر أجياله بأعتبارها نزعة أصيلة في نفسة وملازمة لتفكيرة، لذا وجدت منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا وستستمر الى أخر الدهر، فهي كما يقول الباحث فراس السواح في أحد مقابلاته التلفزيونية،بأن الدين نزعه موجودة في كروموسومات الأنسان. هذا الموضوع ولأهميتة بأعتباره يشكل محور أهتمامات الأنسان عبر مسيرته الطويلة، أثار في نفسي فضول البحث والتنقيب فيه، والآن وصلنا الى الحضارة السورية في تناولها لموضوع الاله، وأن سبب أختيارنا للحضارة السورية بأديانها (الأوغاريتية،الآرامية) لكونها حضارة مجاورة للحضارة الرافدينية،ولقربها الزمني منها،ولوجود تماثل وتشابه كبير بينهما، حتى يمكننا من وصفها بأنها صنو للحضارة الرافدينية القديمة.

هناك عدة نقاط تكشف درجة التشابه بين الحضارات الرافدينية والسورية فيما يخص موضوع الاله، وهذا التشابه يتركز بالآتي:. أولاً: أن أديان هذين الحضارتين أتصفت بظاهرة تعدد الالهه، وأن هناك تشابه في الأمور الوظيفيه لهذه الآلهه لكليهما، فنرى مثلاً أن الاله الأكدي أداد يقابله من الناحيه الوظيفيه وتقارب الأسم الاله السوري حدد، وكذلك نرى التماثل يحصل أيضاً بين عشتار الرافدينية وعتاة (عشتارت) السوريه.

ثانياً : هيمنة فكرة الآلهه على حياة المجتمعين السوري والرافديني القديمين على حد سواء، حيث نرى أن الاله هو محور حياتهم في كل شيء، فهو راعي الخصوبه، وهو راعي الولادات، وهو الحامي من الكوارث، وهو الناصر في الحروب، وهو وهو وهو....

رابعاً: أن في كلتا ديانات الحضارتين، هناك مجمع للآلهه، يرأسه اله يعتبر هو رب الأرباب، وكبير الآلهه، وهو المشرف على الكون، وعلى باقي الآلهه الثانويون، فنرى الاله أنليل في الديانه الرافدينية كرئيس للمانثيون السومري والبابلي وهناك من يقابله في هذا المركز الاله أيل كبير الهه عند الكنعانيون في سوريا.

نتناول بالبدء أحد أكبر الديانات السورية القديمه، وقد أمتدت لمساحات واسعه في أقليم بلاد الشام، نرى في هذه الديانه طابع التعدد في عبادة الآله، والتي بلغت ثلاثة وثلاثون الهاً، وهناك من يدعي أكثر من مئه، ولكن تبقى سمة التعدد هي القائمه في هذه الديانه . أن هذه الآلهه المتعدده يكون على رأسها الهاً يُدعى ايل وهو كبيرهم، ورئيس مجمع الالهه عندهم، ويُدعى بأبي البشر، ومصدر الحكمة الأبدية، كما هناك اله أخر يُدعى داجان، وآخر يُسمى بعل، ويُدعى الأمير بعل الأرض أي سيدها وربها، ويوصف بأنه شديد القوى، كما يُوصف باله الطقس، أو فارس الغيوم، وهو عندهم يمثل القوة الكامنة في العالم، والمفعل لظواهرة الكونية . ولو دققنا في هذه الصفات الألهية لوجدناها كما في صفات اله الأديان التوحيديه بالحقيقة. طبعاً بعل نراه في أكثر من مكان وديانة في بلاد الشام ، فالفينيقين يدعوه بسيد السماوات، والذي يقع على عاتقه احلال خصوبة الأرض، تلكم الالهه الثلاثه تعتبر رئيسية وتمثل الطبقة العليا من البانثيون السوري، فهناك الهة كثيره أخرى ولكن بمستوى أقل من الأهمية من أمثال الاله سابان وعثتر ويم، وغيره الكثير لمن يُريد أن يتوسع في معرفة البقية، كما هناك الهة ذات جنس مؤنث مثل أثيرات (عشيرة) وعناة، وأن الألهه أثيرات والتي يدعوها أيضاً أيلات توصف بأنها خالقة الآلهة، وهي زوجة ايل، وعلى العموم يكون هناك أربع آلهه حازت تبجيل وأحترام أقوام الديانة الأوغاريتية، وهما (ايل،أثيرات،بعل،عناة). أن كل اله من هذه الآلهه لها وظيفتها التي تحدد منزلتها في مجمع الآلهه، كما أن هناك آلهه معاونه لها وأقل منزله منها، مثل الآله يم وهو اله المياه البدئيه والاله كوثر اله صناعة الأسلحه وأدوات الزراعة والسحر، ولكن يبقى الاله ايل هو صاحب الكعب المعلى من بين كل الالهه الأخرى في مجمع الالهه العام، وهي خصوصية يختص بها كما أختصت بها آلهة بلاد الرافدين في سومر وبابل من أمثال آن وأنيليل، ومردوخ، وهذا يدل كما قلنا على التماثل بين ديانات الحضارتين الرافدينيه والسوريه القديمة، حيث هناك اله رئيسي مهيمن على مجرى الأحداث، وهو الحكيم والرحيم، وهو من يُقصد بالحالات الضرورية والحرجة، وليس الناس فقط من تقصده لقضاء الحاجات، بل حتى باقي الآلهه، حتى أننا نرى كيف خاطب الاله بعل المجمع الالهي برئاسة ايل أن يرزق دانيل الشخصية الملكيه التي تعاني من العقم ، ويطمح بولد يرثه، وبمساعدة وشفاعة الاله وعل، يحصل على مراده ويُرزق بولده أقهات، وهذا ما يؤكد عندهم النزعة الواضحه في توجههم نحو الأعتراف بوجود الآله الأكبر والأعظم والذي يهيمن على الوجود الكوني، ولكن تبقى نظره يشوبها شبهة التعدد التي لا زال أنسان تلكم الديانات لم يستطع التخلص منها، وذلك لصعوبة تصور وجود اله واحد مهيمن على على كل شيء بدون أن تساعده الهه من جنسه، أي لا زال هناك تداخل بين الالهه وعالم البشر، بل هناك من آمن بوجود كائنات بين الآلهه وبين البشر والتي تدعى بالعماليق، وهي كائنات وسطية بينهم، تنفذ ما يُطلب منها من قِبل الآلهه، ولكن مع ذلك لا زال الأنسان الكنعاني يتصور أن الالهه على شاكلته ولا تختلف معه بصفاتها الفيزياويه والنفسيه، فهم يشبهونهم أحياناً بالشكل ولكن  بقدرات أكبر، كما أن الالهه يفرحون ويغضبون، ويأكلون ويشربون، ويتزوجون، ويحاربون .

هناك ملاحظه تدل دلاله واضحة على هيمنة الالهه على عقل ومخيلة ونشاط الأنسان الكنعاني، سواء على مستوى القائمين بالحكم من الحكام والملوك أو من عامة الناس، لذلك ترى هناك الكثير من المدن تسمى بأسماء الالهه ومثال ذلك مدينة القدس التي يقال أنها كانت تُسمى (ايليا) وأن تسمية الشام ترجع الى أسم الاله (شم) أو شميم وهو اله السماء عند الكنعانيين، وقد تكون كلمة الساميين أتت من أسم هذا الاله، وكذلك كلمة أديم وهو اله الأرض، حيث سُموا قوم بالأديميون وهم من عاشوا بجنوب الأردن في ذلك الزمن، وهنا نُشير الى مدينة ايلات في فلسطين المحتله جاءت من الاله (ايل) الكنعاني، وحتى مدينة صور اللبنانية جاء أسمها من الاله (سيتون)، كما هناك تسميات أخرى أُستمدت من أسماء الآلهه ككلمة فانوس والتي أُستمدت من اله الضوء (فوس) وكذلك كلمة نار جاءت من أسم الاله (فير) اله النار وفير تعني بالأنكليزية نار، كما هناك الكثير من الأسماء التي أستمدت من الالهه أسماً لها أعتزازاً وأجلالاً لهذه الالهه حتى لنرى أن مدينة أريحا جاءت من الالهه الكنعانيه (يرح) آلهة الحب والولادة، وحتى مدينة بيرروت جاءت على أثر الاله (بارات). هذا أن دل على شيء أنما يدل على حضور عالم الالهه في نفوسهم، ومدى تأثرهم بها في محاولات للتقرب منها ونيل رضاها . الأمر لا يتوقف عند ذلك فآثار المعابد، وماتركوا من آثار ولقي مرسوم عليها صور أربابهم، بالأضافه لوجود مقتنيات ولقى وتماثيل في مقابرهم تدفن مع موتاهم يكون فيها أثر كتابي وصوري لمعبوداتهم من الآلهه، يمكن أن تكون لهم عون وشفاعة في العالم الآخره . أن المتتبع للديانة الكنعانية سيرى فيها الكثير من الأستعارة والتماثل مع الديانة السومرية والبابلية حتى أننا لا نتفاجأ بصورة أقرب ما تكون للتطابق مع أختلاف المسميات، وأنهم ذات منشأ سامي واحد مشترك، حتى طريقة طقوسهم تتشابه وخاصه في الأضاحي ووجود المذابح في معابدهم، أضافة للتمائم والتعاويذ التي يقومون بها تقرباً لآلهتهم والنيل من رضها وتجنب غضبها، فالأثنين يكون الاله يشغل حيزاً كبيراً في تفكيرهم، ويملي عليهم الكثير من نفوسهم . صحيح أنهم قد فرقوا في منازل الالهه وأن هناك رئيس لمجمعهم الالهي، وهم من يديروا العالم، وبيدهم كل شيء ولكن لا يتم لهم ذلك بمعزل عن آلهه ثانويون، فالحضارتيين خطوتا خطوات نحو التوحيد ولكن بقوا لم يبلغوه، ولكن المهم بالموضوع أن عالم الألوهه كان حاكماً في كل شؤون حياتهم. يتبع.

 

أياد الزهيري

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

كنَّا قد عرضنا في الجزء الأول من هذا القسم أربع عشرة تجربةً دوليةً لمحاكم دستوريةٍ في دول العالم المختلفة، تتعلق بكيفية اختيار أعضائها. وهي المحاكم في كلٍّ من: إسبانيا وإيطاليا وألمانيا والنمسا  وتشيلي وبوليفيا والبرازيل ومنغوليا والبرتغال وتركيا وأوكرانيا والهند وكولومبيا والإكوادور. وسنتواصل في هذا الجزء في عرض بقية هذه المحاكم، وهي كما يأتي:

15- المحكمة الدستورية الإندونيسية:

لقد كانت الرقابة الدستورية بمقتضى الدستور الإندونيسي لعام 1945 منوطةً بالمحكمة العليا، وبعد التعديل الدستوري الثالث في عام 2001 تمَّ إنشاء المحكمة الدستورية التي أنيطت بها هذه المهمة. ولقد اشترطت الفقرة ج/5 من المادة (24) من الدستور المعدل أن يكون أعضاء المحكمة (من رجال الدولة ممن لديهم إلمام بالدستور والمؤسسات العامة).

والنص واضحٌ، فهو لا يشترط أن يكون عضو المحكمة من فقهاء القانون أو القضاة، ونحوهم، بل كل ما يتطلبه أن يكون ممن خدم الدولة وله إلمامٌ بالدستور والمؤسسات العامة. وهو توجُّهٌ لا يخلو من صحةٍ. فرُبَّ رجلٍ خدم الدولة في الإدارة وأصبحت لديه خبرةٌ متراكمةٌ في فهم القانون والدستور، فمثل هذا ربما سيكون أفضل من العديد من حملة الدكتوراه وغيرهم.

16- المحكمة الاتحادية الماليزية:

تنص الفقرة (ب) من المادة(122) من الدستور الماليزي لعام 1957 المعدل في عام 2007 على تعيين قضاة المحكمة من قبل حاكم الدولة -الملك- بناءً على اقتراح رئيس الوزراء، وبعد أخذ رأي مجلس الحكام. واشترطت المادة (123) من الدستور مؤهلات هؤلاء الأعضاء بأن يكونوا من (المحامين أو ممن كان عضواً في هيئةٍ قضائيةٍ أو قانونيةٍ في الاتحاد، أو في هيئةٍ قانونيةٍ في ولاية، أو هذا وذاك).

وعلى هذا فالتوليفة مزيجٌ من المحامين والقضاة والقانونيِّين.

17ـ المحكمة الدستورية التونسية:

اشترط الفصل -المادة- (118) من الدستور التونسي الجديد لعام 2014 -دستور ما بعد الثورة - أن يكون عدد أعضاء المحكمة الدستورية (12) عضواً، على أن يكون (ثلاثة أرباعهم من المختصين في القانون). أما الربع الأخير (3 أعضاء) فيُترك أمر تعيينهم لرئيس الجمهورية. ما يعني أنها تجمع بين رجال القانون الذين يؤلِّفون الأغلبية -الثلاثة أرباع-، وبعض الشخصيات المعروفة المعينة من قبل رئيس الجمهورية. ولا وجود للقضاة فيها بحسب الأصل، إلا إذا قام الرئيس بتعيين بعضهم.

18- المحكمة الدستورية الجزائرية:

بمقتضى تعديل دستور الجزائر لعام 2020 -قبل بضعة أشهرٍ في عهد الرئيس الحالي عبد المجيد تبون- تتألف المحكمة الدستورية من (12) عضواً، يُعيِّن الرئيس أربعةً منهم، وتنتخب المحكمة العليا عضواً واحداً، وكذا ينتخب مجلس الدولة عضواً واحداً، في حين يُنتَخب الستة (6) الباقون بالاقتراع من أساتذة القانون. ما يعني أنَّ عدد القضاة هو واحدٌ (1) من بين (12) عضواً، في حين إنَّ عدد أساتذة القانون هو ستةٌ (6).

19ـ المحكمة الدستورية المغربية:

بمقتضى الفصل (130) من الدستور المغربي لعام 2011 تتألف المحكمة من (12) عضواً، نصفهم يُعينون من قبل الملك، ويُنتَخب ثلاثةٌ من قبل مجلس النواب، وثلاثةٌ من قبل مجلس المستشارين-هكذا يسميه الدستور، والمراد به مجلس الشيوخ-.ويتمُّ اختيار هؤلاء الأعضاء (من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عالٍ في مجال القانون، وعلى كفاءةٍ قضائيةٍ أو فقهيةٍ أو إدارية). فهم إذاً من الحائزين شهادةً عليا في القانون، أو من المتمتعين بكفايةٍ قضائيةٍ أو فقهيةٍ أو إداريةٍ. ما يعني أنهم خليطٌ من القانونيِّين والقضاة والموظفين الإداريِّين، فضلاً عن المتمتعين بكفايةٍ فقهيةٍ.

ورغم مراجعتي للدستور المغربي وللقانون التنظيمي لإنشاء هذه المحكمة، لم أجد تعريفاً لمصطلح (كفاءة فقهية)، بيد أني أحسبه دالاً على فقهاء الشريعة، بقرينة أنَّ النص عبَّر عن القانونيين بأنهم (من الشخصيات المتوفرة على تكوين عالٍ في مجال القانون) ما يعني أنهم فقهاء أو أساتذة، وعبَّر عن القضاة والإداريين بأنهم من (الشخصيات المتوفرة على كفاءةٍ قضائيةٍ وإداريةٍ). وعليه فإضافة وصفٍ جديدٍ غير ما سلف ذكره يعني اختصاصاً جديداً، وهو (المتوفرين على كفاءةٍ عاليةٍ في الفقه).ولا سيما أنَّ دول المغرب العربي تحتوي على مؤسساتٍ إسلاميةٍ رسميةٍ . 

20ـ المحكمة الدستورية العليا المصرية:

تتألف من أعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين وأساتذة القانون الحاليين والسابقين ومحامين عملوا أمام محكمة النقض والمحكمة الادارية العليا. ولم يتطرق دستورا 1971-الملغى- و 2014 -النافذ- إلى آلية الاختيار هذه، بل أوكلاها إلى القانون. وقد صدر قانون المحكمة الدستورية العليا في عام 1979 المعدل في عام 2019، ونظَّم الآلية المذكورة في أعلاه في المادة (4) منه.

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

قد أسلفنا القول إنَّ التجارب الدولية تؤكدُ أنَّ المحاكم الدستورية تتألف من فئاتٍ متعددةٍ في الغالب، وأنَّ عدد القضاة فيها عادةً ما يمثِّلُ الأقلية لا الأكثرية، خلافاً لما يتمُّ تسويقه في العراق من قبل بعض الشخصيات والجهات غير المطلعة على المضامين الدستورية المحلية والتجارب الدولية،من الذين يتحدثون بلا هدىً. إنَّ أصل النظرية الراجحة في هذا الصدد -بحسب تجارب المحاكم الدستورية الدولية التي سنعرض أهمها- هو ضمُّ فئاتٍ أخرى إلى المحكمة من غير القضاة تكون لها الغلبة والأرجحية في كثيرٍ من التجارب.وستلاحظون من خلال العرض أنَّ الغلبة في هذه المحاكم عادةً ما تكون لرجال القانون لا للقضاة. بل ثمة محاكم دستوريةٌ دوليةٌ ليس فيها قاضٍ واحدٌ . إنَّ الفئات التي تتألف منها المحكمة قد تتمثَّل بأساتذة القانون في الجامعات أو المحامين أو رؤساء الجمهورية السابقين أو بعض المسؤولين الإداريين أو بعض الشخصيات العامة، ونحو ذلك.

وعموماً، سنقوم بإيراد أهم النماذج الدولية في هذا الصدد ؛كي نكشف عن الحقيقة الضائعة وسط الصخب. وهذه النماذج التي سنعرضها تمثِّل (24) تجربةً لمحكمةٍ دستوريةٍ في العالم، من أوربا والأمريكيتين وآسيا، التي يتمُّ عرضها لأول مرةٍ ؛ فهذه الدراسة غير مسبوقةٍ في بابها هذا. 

1ـ المحكمة الدستورية الإسبانية:

تتألف المحكمة الدستورية الإسبانية بمقتضى المادة (159) من الدستور الإسباني لعام 1978 المعدل من (12) عضواً،من أساتذة جامعاتٍ قانونيِّين وقضاةٍ ومدَّعين عموميين وموظفين عموميين ومحامين، يمارسون الاختصاصات ذاتها.

ينتخبُ مجلس النواب أربعةً (4) منهم ومجلس الشيوخ أربعةً (4)، واثنان (2) من الحكومة واثنان (2) من مجلس القضاء. ما يعني أنَّ عدد القضاة هو (2) من مجموع (12).وعليه فالأكثرية هي لرجال القانون وغيرهم وليس للقضاة.(لم ترد هذه الآلية في الدستور الإسباني، بل في القانون المنظِّم لعمل المحكمة).

2ـ المحكمة الدستورية الإيطالية:

تتألف هذه المحكمة بمقتضى المادة (135) من الدستور الإيطالي لعام 1947 المعدل من خمسة عشر(15) عضواً، يتمُّ اختيار ثلثهم من قبل الرئيس وثلثٍ من قبل البرلمان في جلسةٍ مشتركةٍ وثلثٍ من قبل المحاكم العليا العادية والإدارية، ويُختارون من بين أساتذة الجامعات القانونيِّين والقضاة والمحامين. ويمارسون الاختصاصات ذاتها. ومعنى ذلك أنَّ نسبة القضاة فيها هو الثلث فقط. وعليه فالأكثرية هي لرجال القانون وليس للقضاة.

3ـ المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية:

كما المحكمة الإيطالية، تتألف المحكمة الدستورية الألمانية من أساتذة جامعاتٍ قانونيِّين وقضاةٍ ومحامين. يمارسون الاختصاصات ذاتها.(لم يذكر الدستور الألماني هذه الآلية بل القانون).

4ـ المحكمة الدستورية النمساوية:

وتتألف بمقتضى المادة (147) من الدستور النمساوي لعام 1945 المعدل من (14) عضواً و(6) بدلاء. يتمُّ تعيين الرئيس ونائبه وستةٍ (6) من هؤلاء الأعضاء -الأصلاء- وثلاثةٍ من البدلاء بتوصيةٍ من الحكومة، ويكونون من بين القضاة والمسؤولين الإداريين وأساتذة الجامعات القانونيِّين. ما يعني أنَّ لكل صنفٍ مقعدين،وهكذا يكون عدد القضاة (2). ويتمُّ تعيين الستة (6) الباقين والثلاثة البدلاء باقتراحٍ من المجلس الوطني والمجلس الاتحادي. وبالمحصِّلة يكون عدد القضاة (2) من مجموع (14) عضواً. وعليه فالأكثرية هي لغير القضاة .

5ـ المحكمة الدستورية التشيلية:

بمقتضى المادة (92) من دستور تشيلي لعام 1980 المعدل في عام 2015 فالمحكمة تتألف من عشرة أعضاء من الحائزين شهادة القانون مع خدمة (15سنة)، وأن يُعرفوا بتفوقهم المهني والأكاديمي. وعلى هذا فالمحكمة ليس فيها سوى رجال القانون.

6ـ المحكمة الدستورية البوليفية:

تشترط المادة (199) من دستور بوليفيا لعام 2009 أن يكون أعضاء المحكمة ممَّن لهم الخبرة المعترف بها في مجالات القانون. ما يعني أنها قد تكون أيضاً حكراً على رجال القانون،وليس فيها قضاة.

7- المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية:

بمقتضى المادة (101) من الدستور البرازيلي لعام 1988 المعدل تتألف المحكمة من (11) عضواً، يتمُّ تعيينهم من قبل الرئيس بعد موافقة مجلس الشيوخ. ويُشترط فيهم أنْ يكونوا ممن يتمتعون (بمعرفةٍ قانونيةٍ متميزةٍ وسمعةٍ لا تشوبها شائبة).

وعلى هذا يمكن أنْ لا يكون ثمة قاضٍ فيها.

8ـ المحكمة الدستورية المنغولية:

تشترط المادة (65) من دستور منغوليا لعام 1992 المعدل في عام 2001 أن يكون أعضاء المحكمة من الحاصلين على (مؤهلاتٍ عليا في القانون والسياسة). ما يعني أنها أيضاً يمكن أنْ تكون حكراً على رجال القانون ولا قضاة فيها. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الفقرة الخامسة من هذه المادة -65- من الدستور تحظر على أعضاء البرلمان والوزراء وقضاة المحكمة العليا من أنْ يكونوا أعضاءً في المحكمة الدستورية.

9ـ المحكمة الدستورية البرتغالية:

بمقتضى المادة (222) من الدستور البرتغالي لعام 1976 المعدل في عام 2005 فإنَّ المحكمة تتكون من (13) عضواً، ستةٌ منهم من القضاة، والبقية (7) من رجال القانون. بمعنى أنَّ الغالبية هي لرجال القانون.

10ـ المحكمة الدستورية التركية:

بمقتضى المادة (146) من الدستور التركي لعام 1982 تتألف المحكمة من (15) عضواً، منهم ثلاثةٌ (3)من القضاة، واثنان (2) من مجلس الدولة، وثلاثةٌ(3) من أساتذة الجامعات في مجالات القانون والاقتصاد والعلوم السياسية، وأربعةٌ (4) من بين كبار الموظفين التنفيذيين والمحامين والمدعين العامين. ويبقى ثلاثة أعضاء تنتخبهم الجمعية الوطنية. وبالمحصلة يكون عدد القضاة ثلاثة (3) من بين خمسة عشر(15) عضواً .وعليه فالأكثرية هي لرجال القانون وغيرهم وليس للقضاة.

11- المحكمة الدستورية الأوكرانية:

بمقتضى المادة (148) من الدستور الأوكراني لعام 1996 المعدل تتألف المحكمة الدستورية من (18) عضواً. ستةٌ منهم قضاةٌ معينون من قبل الرئيس والبرلمان، والبقية (12 عضواً) يتم اختيارهم عن طريق فتح باب الترشيح والتنافس بين المواطنين،على أن يكون المرشح من الحاصلين (على مؤهلٍ عالٍ في الدراسات القانونية أو من المحامين). وكما ورد في غيرها من المحاكم يُطلق عليهم كلهم بعد ذلك صفة (قاضٍ)، ويمارسون الاختصاصات ذاتها. وعليه فالأكثرية (الثلثان) هي لرجال القانون وليس للقضاة.

12ـ المحكمة الدستورية العليا الهندية:

بمقتضى المادة (124) من الدستور الهندي لعام 1949 المعدل في عام 2016 تتألف المحكمة الدستورية (من عددٍ من القضاة وفقهاء القانون والمحامين). وكلهم يُطلق عليهم في هذه المحكمة بحسب الدستور -كما في غيرها من المحاكم الدستورية- صفة (القاضي)؛ وذلك لأنهم يمارسون عملاً قضائياً وإن كانوا من غير القضاة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الدستور الهندي استعمل الوصف ذاته المستعمل في الدستور العراقي للتعبير عن القانونيِّين في المحكمة، وهو(فقهاء القانون).

13ـ المحكمة الدستورية الكولومبية:

تنص المادة (232) من الدستور الكولومبي لعام 1991 المعدل في عام 2015 على أن يكون أعضاء المحكمة من الأكاديميين في (التخصصات القضائية) -بمعنى أساتذة القانون- أو من المحامين أو من الشاغلين لمنصبٍ في السلطة القضائية أو النيابة العامة.

14ـ المحكمة الدستورية الإكوادورية:

تنص المادة (433) من دستور الإكوادور لعام 2008 المعدل في عام 2015 على أن يكون أعضاء المحكمة من المحامين أو القضاة أو أساتذة الجامعات القانونيِّين.

وسنكملُ استعراض بقية المحاكم الدستورية الدولية في الجزء الثاني من هذا القسم إن شاء الله ؛ كي يتبيَّن وجهُ الحقيقة للرأي العام .

 

الدكتور حسن الياسري

 

عادل بن خليفة بالكحلةنص من نصوص لاهوت التحرّر

د. أنْرِيك دُسّال[1]

ترجمة: د. عادل بن خليفة بالْكَحلة

اللاهوت هو لوغوس عن وحي الله في التاريخ. وهذا اللوغوس، الذي هو تأمّل في موضوع الوحي، جزءٌ من اللاهوت الواحد، وله أيضا بُعْدٌ رِعَائي. والحقيقة، أن كل ما قلتُهُ رِعائي، ومن أجل التطبيق العينيّ، فهو ليس غير تِبْيان بأي صفة كان رِعائيّا.

اللاهوت التأملي واللاهوت التطبيقي هما واحد ونفس الشيء[2]. ففي عهود الانحطاط تم التمييز بين اللاهوت التأملي واللاهوت التاريخي واللاهوت التطبيقي. كلُّ ما قيل إلى الآن هو في الوقت نفسه وحيٌ وبْرَكْسيس، وراكسيس وتاريخ. وهذا المُجْمَلُ هو الذي يفسر ما يمكنُ أن يحدث كلَّ الأيام.

أريدُ رغم ذلك العودة إلى بعض النقاط لإيضاح الموقف الرِعَائي خاصةً اليومَ. ليس لمعرفة كيفية هذا وذلك، وإنما موقفًا.

1- مُساءلةٌ في الكلية موقف الاستماع:

«المَوْقف» هو أسلوب في رؤية الأشياء مُسبقا، إنه أسلوب نرى به الحقيقة، بما هي طبيعة ثانية. فنحن نرى شيئا، ولما نراهُ بدأ في مشاهدته بأسلوب ما. هذه المشاهدة تصبح كأنها طبيعتنا، وذلك ما هو مَوْقف.

يصنّف اللاهوتيون الاتّباعيون تلك فضائل وتلك رذائل. وفضيلة العدل، هي أن أحبَّ الآخر، انطلاقا من حبّ الـ«أنت» بماهو «آخر»، وليس بما هو أداة لي أستطيع استخدامه، فأعطيه ماهو حقيق به بماهو «آخر»، أحقّق العدل. مِنْ ثمّة يكون الموقف مُقدَّمًا، وضمن الرِّعَائي.

الموقف المسبّق ضروريّ، وماهو محلّ سؤال هو أن يكون لنا الموقف الرّعائي سامحًا لنا باكتشاف جِدّة ماهو آتٍ، وأن نجد حَلاّ جديدًا لهذه الجدّة. إننا لا نستطيع استعمال أي منهج يُصبح تكرارًا بسيطًا للماضي. ولكن بما أننا في فترة تغيّر عميقٍ، ينبغي أن تكون لنا أذُنٌ واعية لسمع الكلام الجديد باختلافه، وأن تكون لنا أعيُنٌ مفتوحة جيدا لرؤية ما يتقدّم، وذلك انطلاقا من الكلام الوحْياني.

ففي دهشتنا بهذه الجِدّة (والدهشة هي أن نشاهد في الحقيقة)، نستطيع ببساطة، ضمن مسؤوليتنا الكاملة، والاعتقاد في العينيّ من عدم الحرية، أن نفعل شيئا.

لماذا قلنا: «مِنَ العَدْم»؟ لأن الحرية إذ كانت غير مشروطة، ليست شيئا مِن العينيّ بعد، ولا «معنى» لها بالنسبة إلى الكليّة. إنها تخرج من عدم شرطيتها، هنا وهي تريد حرية الآخر. هنا تكمن أنثروبولوجيا للخَلْق مازلت لم تُكشَف بعد.

أوَّلُ موقف (لا نصل إليه في يوم ولا في أسبوع فلا بد من سنوات) هو أن نعرف أننا جزئيا مُحَدَّدُون. جزئيًا محدّدُون سَلَفًا من قِبَل كُلّية عَالَمِنا، وأن نعرف أنّ عليا شعورًا بِثِقَل سُنن وأحكام مسبقة. إننا ننتمي إلى جماعة، وليس إلى الجماعات، وإلى شيء لا إلى كل الأشياء. نحن حينٌ من أحيان الكنيسة ولسنا كل الكنيسة.

إننا كلّ ما نرى، وذلك من خلال زاوية ما؛ وإذا عرفنا ذلك يعني أن نَقْبَل حدود أسلوب رؤيتنا، ولكي نقبل هذه الحدود يجب أن نقبل أيضا أن الآخر يحمل رؤية للحقيقة تختلف عن رؤيتنا. ولذلك أيضا، ينبغي أن أعرف الاستماع لما يقوله لي؛ ويجب خاصة أن لا أجعل نفسي إِلاهًا.

أتدرون لماذا أقول ذلك؟ ذلك لأن الله وحده يتأبّى على الإشراط. فنحن مشروطون لأننا جزء من شعب، ومن طبقة اجتماعية، وأننا ننتمي إلى ثقافة، فكل هذه الاشتراطات تُحدِّدُنا، وأحيانا تجعلنا مغتربين (...).

تَثْقُلُ علينا الاغترابات الثقافية. فإذا كلّمتُ عاملاً شابا، يَثقُل عليّ اغترابُ ثقافة أكاديمية جامعية إذْ أسْتعْمِلت كلمات لا يفهمها، فأقول: «إنه أمّيّ». ولكنّ ذلك خاطئ، فيمكن أن بعض كلامي يتخذُ معنى آخر. فما أعبّر عنه يفهمه بصفة أخرى أو لا يفهمه، لأن تجربتي بالعالَم ليست تجربته الخاصة. فهنا حوارُ صُمَّ، بل نحن أبْكَمَانِ. فالكلامُ النازع للسيطرة هو دائما أبكمُ. إنه مُلحِدٌ بـ«الآخر».

هناك أيضا اشتراطات مَعَاشِيَّةٌ. لي وضع، وهذا الوضع هو أيضا عامل إبعادٍ.

2- الإشراط الديني بالكاثوليكية الشعبية:

لدينا إشراطات دينية. بهذا المعنى، نحن رُبّما مبتعدون عن التديّن الشعبي، وليس لدينا معايير لكي نحمل حُكمًا عليها. نواجه هنا كل مشكل التديّن الشعبي للكاثوليكية الشعبية.

إذًا، عِوَض: «كلنا كاثوليك»، لم تبْقَ إلا جماعة صغيرة لكي تكون كاثوليكية، أي الواعية بالعقيدة، وما بقى من الشعب ليس كاثوليكيّا، لا يحمل سوى تديّن ملتبس كثيرا، موروث عن أزمان ما قَبْل هِسْبانية[3].

في ما يخصّ الكاثوليكية الشعبية، تَجَاوَزنا عدة فترات في تحليل هذه الظاهرة، وهي فترات هامة جدا في تاريخ الكنيسة الأمريكية- اللاتينية[4]. ففي بداية الوعي، نحو سنة 1930، مثلا، أو حتى سنة 1940، كنّا نقول: «90% من شعبنا مُعمَّدٌ، بل حتى أكثر؛ 90% وأكثر يعتقدون في ذا وذاك. فكلّهم كاثوليك».

أمّا المرحلة الثانية، فمختلفة (...) كَتَبَ الأب هُرْتَادُو كتاب: الشيلي: هل هي بلاد كاثوليكية؟. فلقد اعتقدنا أنّنا كاثوليك، في حين أنّنا لسنا كذلك. وقد بدأنا في القول: «في الحقيقة، هؤلاء الناس ليسوا على العقيدة المسيحية. فلهم معتقدات دينية، معتقدات باطلة وتقاليد غريبة (...)».

بالمرحلة الثالثة، بدأت هذه النخبة من اللاهوتيين المتكوّنين بأوروبّا تقتنع بأنّها لا تمتلك معايير لتقول إنَّ الشعب على العقيدة أو على مضمونها.

وعلى المستوى اللاهوتي، اكتشفنا أنفسنا مغتربين، فتساءلنا: «ما العمل لنعرف هل الناس على العقيدة أمْ لا؟». هُنا يأتي عالِم الاجتماع (...)[5].

اكتشفنا أن العقيدة ليست بالضرورة واعية بالذات، ولا مرتبطة بمستوى معيّن من الثقافة. فعقيدة الأبطال، والشهداء، والقديسيين الكبار، والأنبياء، ليست بالضرورة واعية بالذات، ولكنْ كانت معيشة بطريقة أصيلة وفي الممارسة.

بهذه النقطة من التطور، اندثر الوعي بالذات نُخبَةً، الذي أتانا من اللاّهوت المُتأوْرِب، وأصبحنا ننظر بكثير من احترام لعقيدة الشعب[6](...) «كلهم كاثوليك، باعتبار أن 90% معمَّدون»؛ [ولكننا] نعلم أن هذا التعميد طُلِبَ في كثير من الأحيان لإشفاء طفل من «إصابة بالعينين»، أو من انزعاجات مَعِدِيّة.

ولكن في عمق كل هذا، هناك انفتاح على المُطْلَق، وتجربة لهذه الحدود، ولصغرها، فهي تجربة دينية ذات قيمة. هنا تبدأ شكوكنا منه جديد، وبذلك نبدأ رَهْبانِيّتنا.

يعني ذلك أنْ نعي بهذا الاحتكاك في الحوار لكي نَكُفّ عن الانغلاق داخل «الكل»؛ هذا «الكل» الذي هو عالَمنا (...) فمن الضروري أن يموت بَذَار كُلّيّتِنَا، لتُولد حياة الآخَرِ، ولنُولَد فيه (...).

الحياة اليومية سهلة جدّا، ولكننا عقّدناها إلى حدّ أن من الصعوبة العودة إلى البساطة. ومن الهامّ معرفة التجارب التي أجْريتْ في هذا الاتجاه. فما يسمح لأي طائفة بالدّوام سنوات وسنوات (عشر سنوات أو 15 أو 20 أو 30)، هو البساطة الأكثر إطلاقًا، أي يومية الحياة. وهذا يعني، على السّواء، طوائف المنازل والطوائف المكوَّنة من علماء دين أو أساقفة أو لائكيّين.

3- الموقف النقدي:

على نطاق ثان، يجب على هذه الطائفة ومِنْ يكوّنونها اكتشاف الوظيفة النقدية للإيمان. فينبغي أن نعرف أنّ الذي يُكوّن الإيمان في التاريخ، في العالَمَ، هو الصراع ضدّ الپانْثِيونية[7]؛ أي الصراع ضدّ منْ يعتقدون أنفسهم آلهة، بمعنى الصراع ضد المشاريع التي جُعلت مُطلقة، وذلك ما يعود إلى الصراع ضد الوثنية. إنّه الصراع ضد الخطيئة، ضدّ اضطهاد الإنسان للإنسان هذا، كل ذلك هو الشيء نفسه. فعلى المسيحي أن يُعيد اكتشاف النقدية والتحريريَّ في الإيمان.

والنقد –بَدْءًا- ليس مسألة كلام، ولكنْ هو أساسا مسألة فعل. تماما، كعيسى الذي سيجلس إلى جانب جابي الضرائب وذي الخطيئة (...). فعِيسى[8] مع الشعب، وهذا ما يجب فعله: فالدخول في هذه الوظيفة النقدية التي تتمثّل في وضع النّظام الذي أقامته السيادة محلّ سؤال، وإفهامه أنّه يجب أن يدخل الحركة.

يجب اكتشاف ذلك بطريقة مسيحية. فكل من يلتزم بهذه الوظيفة النقدية. التَّحرُّرِيَّة يفهم الإنجيل[9]، وربما لأوّل مرّة (...).

4- الإلتزام بالبْرَكْسِيس التحريري:

(...) إن السلطة بماهي سيطرةٌ هي سلطة الشيطان نفسه، فهي سلطة القوة والخطيئة. إنها –بدقة- جَعْلُ الخطيئةِ الأصلية مؤسسةً. ولمّا يتبنّأ النبيّ، ولما يُعْلِنُ الإنجيلَ، من الطبيعي أن تتلبّد عليه السلطة المَعاشية، والسلطة السياسية، والسلطة العسكرية، وكل سلطات العالم. وينبغي أن نعي بأنه حتى إذا لم نَدْخُل السياسة، وحتى إن اكتفينا بأن نعيش على المسيحية، فإنّ للإيمان المسيحيِّ – رغم ذلك- وظيفةً سياسيةً.

الكلمات الختامية:

النصُّ الذي يَحْضُرُني لإنهاء هذه المحاضرات، وهو ما أعدتُهُ عَلَيْكم بَعْدُ، هو نص إنجيل لوقا، الآية 24، حيث يتحدث عيسى لحواريّيه بكل الحكمة المُطلقة عن الذي يعرف أنه هَزَم التاريخ الماضي والتاريخ الآتي، بفضل وساطة الناس الذي يَخْدِمون الآخَرَ، خارج نظام السيطرة. قال لهم عيسى: «قُوموا!». وكلمة «قُومِي» في العِبرية[10] تعني: «لِتَقُمْ!». لتتذكروا الطفلة الصغيرة التي ماتت وقال لها عيسى: «طَلِطَا قُوُمِيِ!» (أيتها الطفلة قُوُمِي!).

أن نقوم، هو نفسه أن ننبعث. فينبغي أن نقوم كأننا كُنَّا أمواتًا وتوسدّنا القبر. «فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم!»، فقد تحطمنا بالمعاناة والتشاؤوم والاضطهاد، كالرقيق الذين لا يملكون الشجاعة للنّظر إلى السادة قُبالتهم. فالقبر أو الاسترقاق، هو السيطرة مِنْ داخل الدين المسيحيّ. وإذا اندثرت، نستطيع القول: «حمدًا لله، لأنه حُرِّرَ الدينُ المسيحي»[11].

«فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم، فتحرّركم قريب!». نعم هو قريب. أوّلا لأن لنا عَدَدَ سنواتٍ صغيرٌ أمامنا. ولكن علاوة على ذلك، هو قريب لأن الذي يُمارس حياته على المشروع التاريخي، هو مَنْ يُمارس حياته من أجل مملكة الله، التي بدأت بَعْدُ.

يجب أن لا تعتقد أن بطريقة أثيرية سنُحقّق مملكة الله، فنحن نُحقّقُها بوساطة التاريخ، أي بالمشاريع التاريخية العَيْنِيّة، ولكنْ كلُّ مشروع تاريخيّ عينيّ لا يحقّق بكمالٍ مَمْلكة الله.

بعضهم يقولون: ما ينبغي فِعْلُهُ الآن، هو ذا مُشَيَّدًا في المُطلق. ولكنْ هذا هو الوثنُ الذي ينبغي تحطيمه يوْمًا، فالشيوعية[12] ليست مطلقا، ولكنها صنم.

وجعْلُ مملكة الله مملكةً أرضيةً هو أيضا خطيئة. ولكن على المسيحي أن لا يقول لنفسه: بما أن مملكة الله ليست من هذه الأرض، لن أفعل شيئا إذْ لا تُوجد مملكةُ تاريخيةٌ. هذا خطأ، إذْ يجب الالتزامُ- عكس ذلك- وإعطاءُ الماء لمن هو عَطِش. وهذا الماء، هو مشروع تاريخي. فينبغي العيش في الحماسة، والعمل على تحقيق ما نَعْلمُ أنه –فضْلاً عن ذلك- نِسْبّيٌّ وقابلٌ لأن يكون مُتجاوَزًا. فينبغي الفعل لأن ذلك هو الطريقة الوحيدة لإظهار مملكة الله.

أخذ المسيحُ يَدَ المشول وأعطاه إمكانية المشي، وأعطى المريضَ الصحةَ. وكان ذلك علامة التي تقودنا إلى السؤال الثاني: «هل أنت مؤمن؟ إذنْ ليخلّصْك الله!»

إن رسالة المسيحية لن تكتمل ببناء كنائس من حجارة، ولكن بالالتزام في بناء المشروع التاريخي، والسياسي، المَعاشي، الانتحالي، للشعبُ[13]، وهو الوَسَاطة العينيّة للمملكة. فالمملكة تُبنى عبر المشاريع. فإذا لم تكن هكذا، فلن تكون الأُخْرَوِيَّة أبدًا[14].

نجد هنا الحلَّ للتناقضات التي تظْهرُ كل يوم، حتى لدى الناس الذين يبْدون أكثر تَنَوُّرًا.

 

.....................

[1] أنْرِيك دُسَّالْ هو...

[2] Dussel (Enrique), Histoire et théologie de la libération, Perspective Latino- Américaine, Les éditions ouvrières, Paris, 1974, pp 163-181.

[3] الهِسْبَانية: هي الثقافة الناطقة بالإسبانية في أمريكا الجنوبية (المترجم).

[4] مصطلح «أمريكا اللاتينية» يحمل مركزية أوروبية وإقصاءًا للساكن الأصلي لأمريكا الجنوبية، وللموطّنِين هناك من أفارقة سود ومِنْ مَنْفِييّن جزائريّين وتونسيين (في غُويّانًا) المترجم).

[5] ... لم يقم الأزهر والزيتونة والنجف بهذا النقد الذاتي بَعْدُ!! ﴿....﴾. إنه الغرور! (المترجم).

[6] هل سيفعل ذلك «اليسار » و«الإسلام السياسي» التونسيّان، أما سيواصلان استخفافهما بها؟؟

[7] الپانثيون: هو مَجْمع الآلهة.

[8] في النصوص المسيحية العربية الأولى، نجد «عيسى» و«يسوع»، حتى في الشام نفسها، حسب تنّوع لغات اللسان العربيّ.

[9] هل تواضع الإسلام الإخواني واليسار العربيان ليفهما القرآنَ، باعتبار أن الشعب يُقَدّسُهُ؟؟ ما زال «يسارنا» ملحدًا، ولذلك ما زال شعبنا يعاقبه في الانتخابات بـ0.01% من النجاح!! إنه «يسار» غير شعبي ومجرد تيار علماني نخبوي.

[10] ليست في العبرية – بما هي لهجة عربية- سِرْيانية وحدها، بل في كل اللغة العربية بأشكالها (المترجم).

[11] ... متى سيتحرر الدين الإسلامي من سجّانيه؟!!

[12] اندماج لاهوت التحرر بالاشتراكية المبحوثة باستمرار، والمندمجة بدين الشعب، وليس مع ما سُميّ «الشيوعية» أو «الستالينية» أو «الاشتراكية العلمية» (ولا «علميّ» غيرها!) بدكتاتورية حزبية وميليشياوية، هو الذي أنتج التغيّر الثقافي الجذري الذي تعيشه أمريكا الجنوبية منذ عقود.

[13] أين التوجه الشعبي للإخوان المسلمين عندما سيطروا على برلمانات ما بعد 14/1/2011؟؟ حتى ميزانية 2021 التونسية كانت فارغة من المضمن الاجتماعي. إنه التحالف الكلي مع الكمبرادورية والدولة العميقة والفساد!

[14] قارن الأخْروية المسيحية المشروطة بمجيء المسيح في اكتمالها، بالأخروية الإسلامية المشروطة بمجيئه أيضا.

 

مجدي ابراهيمالسؤال الذي طرحناه في نهاية المقال السابق وهو: إذا كانت التجربة الصوفية هى الفيصل الفارق المميز لجعل هذا العالم قائماً بذاته، فما العلاقة بين التجربة والفكر: هل تسبق التجربة العقل أم يسبقها العقل ويتقدّم عليها؟ سؤال له ما يبرره من واقع ما سبقت إليه الإشارة تفصيلاً.

غير أننا في المجمل نستخلص من هذا كله نتيجة مهمة، وهى أن تجربة الصوفي في حد ذاتها سابقة على الفكرة. وحيث أقول "الفكرة" فإنما يتوجه القصد مباشرة إلى الفكرة الفلسفية، فلا يفكر الصوفي أولاً ثم يُجرب، ولكنه يجرب أولاً ثم يأتي الفكر شارحاً لتجربته. ولا يكون العكس صحيحاً بوجه من الوجوه. وهذا في تقديري هو ما يميز العرفان (Gnosis) عن الفلسفة؛ إذْ العقل في مجال الفلسفة أسبق من التجربة في مجال التصوف. والمتصوف أقدر على فلسفة تجربته العرفانية من الفيلسوف الذي لم يذق فتوح التجارب الصوفية؛ فأفلوطين مثلاً كان أخضع تجربته لعقله ولم يخضع عقله لتجربته. وقد صحّ عنه أنه قال لم يذق في هذه التجربة شهود الوصال (الجذب Ecstasy) مع الواحد إلا أربع مرات في حياته كلها. ومعنى هذا أنه لم يبلغ حالة التسامي الفنائي (ecastitic trance) التي بلغها أصحاب التجارب العليا من صوفية المسلمين .. ربما لافتقاره إلى الوحي (Revelation) من جهة.

ومن جهة أخرى؛ لأن الفكر سبق لديه التجربة؛ فكل ما عرفه عن الواحد كان نتيجة تأمل عقلي وتفكير نظري، ولا يحدث هذا في بطن التجربة الصوفية؛ ليتم بفضلها الشهود المباشر؛ لأنها تكون هى السابقة المُقدّمة على كل ما يثمره العقل أو يشكله بمقولاته تشكيلاً أوليّاً سابق على التجربة.

مقولات العقل وإطاراته الذهنية في مجال الفلسفة مُقدّمة على التجربة الصوفية مستقلة عن الاحتكاك بها، حتى إذا ما جاءت التجربة بعد ذلك جاءت ضعيفة بالقياس إلى إعمال العقل قبل ذلك؛ إذْ القوالب العقلية المفروضة تسيطر على الحالة الروحية وتحد من طلاقتها؛ فتأخذ الحالة الشكل الذي فرضته عليها تلك القوالب الجامدة، فتفقد جذبتها إلى الملأ الأعلى بمقدار ما تفقد خصوصيتها وتفرُّدها وامتيازها.

حقاً ! ربما تصبح تجربة عقلية فلسفية بامتياز، ولكنها ليست حالاً ولا سراً يشهد الملأ الأعلى شهوداً بالمباشرة.

والعقل بلا شك له زاويته التي لا ينفك يرى بها الأشياء التي تزخر بها طبيعتها بعد أن يكون قد أختار منها ما شاء وأسقط منها ما شاء، بحسب نظرته الذاتية الخاصّة بمحض ما تفرض عليه مقولاته لا غير، فلا يدع من ثمّ التجربة أن تستكمل طريقها في مسارها الروحي؛ لكأنما يستعجل هذا المسار: يعوقه بفروضه ويقطعه بتحليلاته ويسلط عليه أنظاره من غير أن يُتمم للتجربة مسارها. على العكس من ذلك كله يحدث في مجال التجربة الصوفية؛ إذ هى التي تفرض على العقل فيما لو كانت هى المقدَّمَة، وحين يعجز عن الانصياع لها والتقيد بأوامرها يتوقف عن الإدراك فيحيل إلى مدراك أعلى منه وأرفع، هى بلا شك مدراك البصيرة. والبصيرة لازمة بالضرورة للتجربة، هي الأداة الإدراكية العليا لصنوف التجربة الصوفية باصطلاح وليم جميس.

أمّا العقل؛ فلا .. إذا سلّم العقل للبصيرة أمره، نجح الإنسان في إتمام مراقي الشهود. وإذا ناطح العقل البصيرة، خذلته الرؤية فما أتمّ الشهود. ولكن هذه الشروط والضوابط ليست حَديّة فاصلة، وإنما تأتي كما لو كانت صياغات تقريبية لفهم عمل التجربة الصوفية في ميدانها. ويبقى بعد ذلك دورٌ غير منكور للعقل لا يتخطاه، وهو أنه أحال أولاً على البصيرة. وهو ثانياً يظل شارحاً للتجربة ينظمها ويسترشد في التخريج بمعطياتها ويأخذ منها ولا يأخذ من نفسه. وبمقدار ما يتصالح معها ويحاول فهم أسرارها يُخضع قوالبه لها ويكيف مقولاته في إطار التعاطف معها من حيث لا يخضع المرء تجربته، كما يحدث في مجال الفلسفة، لقوالب عقله ومقولاته.

لكن سؤلاً يثيره الذهن المترقب في هذه الفروق: وهل يدخل الصوفي تجربته وهو مُجرّد بلا علم ولا فكر ولا معرفة؟ وأي تجربة هذه التي يخوض غمارها وهو جاهل، والجهل لا يُعوّل عليه؟

تحقيقاً؛ لا نأخذ بما كان أخذ به "جان فال" حين أراد أن يصف هذه الحالة من طريق المجاز بالاستنارة مع أنها جهالة؛ فسمّاها في "طريق الفيلسوف" "بالجهل المستنير"، وهى عبارة تحمل مفارقة إنْ دلت على التجربة الصوفية ومعطياتها مفارقات، لا تدل على حقيقتها الكامنة فيها من حيث إنها عمل لا يعرف الجهل، وعلم يقارب المعرفة ويرتفع عنها إلى مقام الشهود.

غير أنه سؤال يبدر من الوهلة الأولى نقضاً لدعائم التجربة الصوفية: علام تستند؟ وهو سؤال وجيه، لكنه قاصر في نفس الوقت؛ إذْ الصوفي أولاً يعلم من الشرع أصوله، ومن العلم مبادئه ثم من بعدٌ لا يُشغل نفسه بكثرة الأقوال، ولكن يزج بها في بحار الأنوار؛ فالعلوم التي تعلمها والشرائع التي حصّلها تستدعي إعمال العقل وتتطلب جهد التفكير المُضنى الذي يصرف المرء عن غاياته ويشتت مقاصده ويقدح في خلوصه من جهة. ثم من جهة أخرى؛ فإنّ بعض قدماء الأولياء من المسلمين كانوا يعدّون الإغراق في العلم يبعث على الزهو والخيلاء. والعلماء ذوي الإيمان الضعيف يراكمون العلم ويأخذون بناصيته إلا أنهم لا يطبقونه في حياتهم العملية ثم يبيعون العلم لقاء المال. ومن صحة الرأي عندهم أن العالم يكون متكبراً، دنيوياً، مسيئاً، " إذا كثر بقباقبه وانتشرت كتبه وغضب أن يرد عليه شئ من قوله" كما يقول أبو نعيم في حلية الأولياء.

وهكذا لم تتغير على مدى السنين الطوال صفات المتكبرين من العلماء؛ لأنها صفات نفوس ملوثة، يأكل العجب فيها كما السوس إلى حيث يقضي عليها وعلى ما تعلمت في غير تعليم. إنما الصوفي الذي يخوض غمار التجربة في المقابل، ليس مطلوباً منه أن يستغرق عمره في شتى صنوف المجادلات النظرية بل يقتصر على الفروض والرواتب، ويأخذ في العلم ويشتغل بدوام الذكر.

وهنا نقطة تبدو لي في غاية الأهمية ينبغي التنبُّه إليها، وهى أن هذه المرحلة ليست دائمة؛ بل هي مرحلة موقوته بزمانها ومكانها: (خلوات) على فترات متباعدة للتصفية والتنقية، يعول عليها عمل الباطن؛ لأن الصوفي لا يمكث طوال حياته متبتلاً منقطعاً دون أن يمارس أعماله في حياته اليومية عبادة في مواعيدها المناسبة واستخلاصاً لما يمليه عليه واجبه تجاه نفسه ومجتمعه.

على أن هذه المرحلة الموقوتة، الفترة الزمنية التي يخوض فيها التجربة، تستغرقه بالكلية وتملك عليه أقطاره، وهى مع ذلك تجربة مُمَنهجة لا تقوم فيه جزافاً بلا هدف ولا غاية، يتغذى فيها الباطن بالأذكار لا بالأفكار، أو على حد قول ابن خلدون يتغذى فيها الروح العاقل بالذكر. وأكثر من تحدّث في فترة التجربة هم أقربهم إليها، هم من مارسوها. وكان الغزالي في ميزان العمل قد منهج خطواتها على مراحل، واستفاض ابن عربي من بعده في رسالة (الأنوار) شارحاً كيفية ممارستها على أصول منهجية وضعها. وإليك منهج خوض التجربة الصوفية كما وصفة الغزالي في خطوات:

(1) أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل، وولد، ووطن، وعلم، وولاية، أو ما شابه ذلك من القواطع والأغيار؛ بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها (ولكن لا بأس من عناية القالب لا القلب بكل هذا).

(2) تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب.

(3) تجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلاً بذكرك على الله تعالى، وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول (الله .. الله .. الله) مع حضور القلب وإدراكه.

(4) لا تزال على هذا الحال إلى أن ننتهى إلى "حالة" لو تركت تحريك اللسان؛ لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده عليها.

(5) ثم تصير مواظباً على الذكر لا تنقطع إلى أن يمحي أثر اللسان؛ فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على هذا الذكر من غير حركة اللسان.

(6) تواظب، ولا لاتزال تواظب، إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئة الكلمة؛ بل يبقى المعنى المجرد حاضراً في القلب على اللزوم والدوام. ولك اختيار إلى هذا الحد فقط، ولا اختيار بعده لك إلا في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة.

(7) ينقطع اختيارك فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء، وهو بعض ما يظهر للأنبياء. 

هذه الخطوات بادئ الرأي فيما لو تمت بحرص وعناية أظهرت فيمن يطبقها منهج الكشف كما يصوّره الغزالي: منهج تجريبي عملي (ممارسة عملية) لا يتسنى تطبيقه إلا إذا وجدت دوافع توفيقية من الله تعالى سابقة، ووجد معها القصد بالاستعداد. وعين ما يذكره الغزالي في الميزان والإحياء، ذكره ابن عربي في "رسالة الأنوار" مع اختلاف اللفظ وبقاء المعنى: المواظبة والاشتغال بالذكر بلا توقف حتى ينمحي الاختيار، ولا يتم هذا وعلائق الإنسان بالدنيا موصولة، والتعلق بشواغلها ومنغصاتها مستقرة في الباطن، رابضة كامنة في العقل، موجّهة للفكر إلى المحظور وغير المحظور سواء.

هذا المنهج دالٌ من الوهلة الأولى على أسبقية التجربة الصوفية على الفكرة النظرية؛ فمجرد التفكير في شئ من أشياء الدنيا، قل أو كثر، عائق عملي أمام فاعلية التجربة داعياً إلى تعطيل مسارها، فضلاً عن انغماس الفكر في التفصيلات النظرية، فهو أيضاً عائق معرفي بكل تأكيد؛ لأن ما يتلقاه المرء بعد سقوط الاختيار علوم ليست من جنس علوم الأفكار النظرية، ولا هى من تصرفات العقل الفلسفي النظري فيها، ولكنها علوم تنقش نقشاً على رقائق القلب، ويعز التعبير عنها بالمباشرة بلغة العبارة العادية، لأنها صادرة عن وعي عالي، هو الوعي الصوفي (Mystical Consciousness)، والوعي العالي لا يُكيف مباشرة باللفظ المعتاد ولا بالعبارة العادية؛ لذلك كان الرمز هو المناسب للإشارة المُلغزة، وللومضة البارقة، وللذوق الفياض بثمار الأذكار.

غير أن هذا لا يحدث في حقل الفلسفة؛ لأن الفيلسوف إذا سلط عقله على شيء يستغرقه بالكلية، ناهيك عما يتضمّنه محض التفكير من جوانب ذاتية متصلة بكل ما للمرء من عبادة الأنا واستشعار الذات واستبقاء الآنيّة التي لا تتلاشى أبداً من باطن الفيلسوف في حين لا تقوم للعارف قائمة وهي فيه قائمة.

ما تعطيه التجربة ويُفاض عليه من علوم مُمدّة بفعل الهمة تكون عطايا الفهم الجديد لا الشّرع الجديد؛ لكنه يكون إذْ ذَاَكَ فهم على غير مثال مسبوق، فهم ممزوج بالمعاناة مخلوط بتعب الانتظار والترقب.

مثله، ينقطع الفيلسوف إلى شواغله النظرية ويخوض تجربته مع المقروء والمكتوب في إطار التأملات العقلية، ولا يخرج بالعقل ليُعَبِّر عن الحقيقة إلا كما يخرج غربال من بئر بتعبير الشاعر الفارسي فريد الدين العطار، طيّب الله ثراه،: ضع الغربال في بئر ماء فهل تخرج بشيء سوى قاذورات ونفايات تلقى بها بعيداً غير آسف؟ وكذلك العقل الذي يدعي كشف الحقائق الإلهية بلا وعى البصائر والأنوار والتجليات، يحكمها وعى محدود بحدود ما تفكر فيه على شرطها، وعلى شرط مقولاتها لا على شرط القصد المُوجّه من وعى الإلهام والاستبصار، وهو أعلى وعي يمكن تحصيله من ذوق مقامات الإحسان.

الفاعل الأكبر في (الحقيقة) التي هي باطن الشرع هو هذا الوعى، وليس من فاعل غيره على التحقيق بكل تأكيد. ولهذا؛ ومن أجل هذا؛ يكون للوليّ خاصية الفهم الجديد لأجل تجربته الفياضة بعلوم الأذكار؛ وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، وهى فيوضات التقريب (Emanation) أو تجليات (Manifestation) النور الإلهي في قلب الولي أو (Revelation) أو هي الحقيقة المطلقة التي تكشف عن نفسها فيما لا يتناهى من الصور والأشكال كما يسميها المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في دراسته عن ابن عربي (The Mystical philosophy of Myhyid Din Ibn Arabi, Cambridge, 1939, p.62)).

ولأجل معيته الدائمة مع ألطاف الله، يتعلم الولي من فيوضات الحق وتجليات أنواره على قلبه ما لا يتعلمه الفيلسوف من معارفه التأملية العقلية وهو يعلم من شرع الله ما لا يعلمه الفقيه المحدود بحدود العلوم الظاهرة.

ومحالٌ مرة أخرى؛ على مستوى التجربة أن تكون عطايا الباطن كعطايا الظاهر سواء. ليس الوليّ يجاوز الشرع بتجليات علوم الحقائق على قلبه، لا ولكنه يتحقق من باطن الشرع، من النبع الصافي الذي يكرع منه شراب الأنس ووصلة الوصال.

الأولياء نجوم مضيئة في سماء الولاية يتجسد فيها قمر الحقيقة الساطع، وهو باطن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يخالفون شرعه وهم قطع من نوره المشرق على التحقيق، كل واحد منهم قبس من شمس الحقيقة؟

إنما الذي يقدح في الأولياء طمع الأغبياء ممّن غرقوا في وحل الوقائع الظاهرة والأحداث اليومية الجارية؛ فاستغرقتهم وطمعوا في إقبال الدنيا عليهم؛ فحجبتهم عن نور الحق وأضواء الحقيقة. 

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم     

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

الأدلة الدستورية الأخرى الداعمة للرأي الذي طرحناه

بعد أن أنهينا في القسمين السابقين الحديث عن المحور الأول من الدراسة المتعلق بمناقشة ورد حجج الفريق القائل بأنَّ الدستور قصر المحكمة الاتحادية العليا على القضاة فحسب وجعل فقهاء القانون وخبراء الفقه الاسلامي خبراء فنيِّين في المحكمة، سنتناول في البحث الآن المحور الثاني المتعلق بعرض الأدلة الأخرى الساندة للرأي الذي طرحناه، الداعم للدستور ،والذاهب إلى أنَّ المحكمة هي توليفةٌ ثلاثيةٌ من القضاة وفقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي. وهي في معظمها أدلةٌ مستقاةٌ من الدستور ومن تجارب المحاكم الدستورية الدولية.

المحور الثاني: الأدلة الدستورية الأخرى الداعمة للرأي الذي طرحناه:

بادئ ذي بدء أجدُ من الضروري إعادة إيراد النص الدستوري مثار الاختلاف ؛ليتذكر القارئ الموضوع. وهذا النص هو المادة (92) من الدستور ،التي جاء فيها الآتي:

(2- تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة ،وخبراء الفقه الاسلامي ، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم ،وتنظم طريقة اختيارهم ،وعمل المحكمة ،بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).

وعلى الرغم من وضوح هذا النص ودلالته على الدور الأصيل لخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، فإننا سنشرع بعرض الأدلة المؤكدة -مع الأخذ بالاعتبار ما سلف طرحه من أدلةٍ -، وهي كما يأتي:

١- الدليل الأول: اتفاق السلطة التأسيسية للدستور على دورهم:

لقد حصل اتفاق بين الكتل المتفاوضة في لجنة كتابة الدستور ابان كتابة النصوص الدستورية المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا على دور القضاة وفقهاء القانون وخبراء الفقه الأصيل في المحكمة، ولا سيما فيما حصل من حسمٍ نهائي للدستور بين زعماء الكتل فيما سُمّي في وقته بـ (المطبخ السياسي) بعد انتهاء عمل اللجان الفرعية في لجنة كتابة الدستور . إذْ تمَّ الاتفاق النهائي على أنَّ المحكمة تتألف من ثلاثة أقطابٍ:

أ‌- القضاة: ودورهم يتجلى في حسم الأمور التي تحتاج خلفيةً قضائيةً ، مثل تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي وقضاء الأقاليم ، وتوجيه الاتهام إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ونحو ذلك .

ب‌-  فقهاء القانون: ودورهم يبرزُ في تفسير الدستور، وفي البتِّ بمخالفة القانون لمبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور .

ج- خبراء الفقه الإسلامي: ودورهم ينهضُ عند البتِّ في مخالفة القانون لثوابت أحكام الإسلام ، وفي كون الإسلام مصدراً رئيساً للتشريع .

وإذْ يضمُّ الدستور بين طياته هذه الأمور جميعها ؛ لذا كانت هذه التوليفة الثلاثية تُمثِّلُ أساس عمل المحكمة الاتحادية العليا ، وإنَّ بعضهم يُكملُ البعض الآخر ؛ لأنَّ دورهم تكامليٌّ.

٢- الدليل الثاني: صياغة النص الواضحة الدلالة:

لقد كُتب النصُّ بلسانٍ عربيٍ مبين، لا بلغةٍ أخرى حتى يحصل هذا اللبس. فالنص في المادة (92) ثانياً يقول:

(تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون..).

إذاً فالمحكمة تتكون من هذه التوليفة الثلاثية، وكلهم أعضاء أصيلون على قدم المساواة. وإنَّ وسائل التفسير القانونية كلها تؤكدُ ذلك ، سواءٌ أكانت تلك الوسائل تتعلق بدلالة النصِّ أم بعبارتهِ أم بإشارتهِ ، ولا مجال للاجتهاد في مورد النص.

ثم إنَّ الدستور سار على هذا النهج في استعمال مفردة (تتكون) بمعنى (تتألف) في الكثير من نصوصه. وإليك أبرزها:

فها هي المادة (48) منه تنص على الآتي:

"تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد".

والمادة (47) تنص على الآتي:

"تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية..". فهل ثمة شكٌ يمكن أن يُثار بصدد مفردة (تتكون) الواردة هنا ؟

والمادة (66) تنص على الآتي:

"تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء..".

والمادة (89) تنص على الآتي:

"تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى".

ولم يكتفِ الدستور بهذه النصوص، بل استرسل في نصوصٍ أخرى لاحقةٍ للمادة (92)، مثل المادة (116) التي تنص على الآتي:

" يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ وأقاليم ومحافظاتٍ لا مركزية وإداراتٍ محلية ".

والمادة (122) أولاً، التي تنص على أنه:

" تتكون المحافظات من عددٍ من الأقضية والنواحي والقرى ".

فكل هذه المواد جاءت مسبوقةً بمفردة (تتكون)، وكلها مواد سابقةٌ على المادة (92) المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا وبعضها لاحقةٌ لها ، وكلها فُهمت ولم تُثر أي لبسٍ، لكنها حينما وصلت إلى المادة (92) فُسرِّت بمعنىً آخر ، وهو أنها تعني أنَّ الفئات المذكورة في النص ثلاثٌ ،فالقضاة وهم أعضاء أصيلون ،وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون وهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين..؟!! بلا أدنى دليلٍ علميٍّ يمكن الركون إليه بصدد هذه التفرقة، وكأنّ الدليل -بكل صراحةٍ- هو من كيس المتحدث لا أكثر !!

وليت شعري أمِثلُ هذا يمكن أن يعدَّ استدلالاً علمياً تكون له حجّيةٌ ولو واحد بالألف ، ويتفوّه به من مَنْ يعدُّ نفسه قانونياً ؟!!

3ـ لو كان المقصود بـ (خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون) مجرد مستشارين أو خبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين، فثمة أسئلةٌ مهمةٌ تنفي هذا الإدعاء ، وهي:

أ ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين فعلامَ كل هذا العناء في النقاش والمفاوضات والخلافات الحادة والتنازلات أثناء كتابة الدستور، حتى انعكست تلك الخلافات على ضرورة أن يُسنَّ القانون المنظِّم لعمل المحكمة الاتحادية بأغلبية الثلثين ، خلافاً لكل النصوص الأخرى التي لم تتطلب مثل هذه الأغلبية المعقدة ؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى وأد جهود البرلمان في دوراته الثلاث المتعاقبة، وفي هذه الدورة -الرابعة- أيضاً، في سنِّ هذا القانون، الذي بات عقدةً مستحكمةً بسبب هذه الأغلبية ؟!!

ب ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين -بحسب هذا الزعم- فلماذا أُقحموا في النص الذي يتحدث عن الأعضاء الأصلاء أساساً، دون أن يُذكر بأنهم مجرد مستشارين؟!!

ج- والآن أتوجه بالسؤال إلى كلِّ مَن له أدنى إلمامٍ قانونيٍّ:

هل المستشارون أو الخبراء الفنيون يحتاجون بالأساس إلى نصٍ صريحٍ في الدستور؟!!

مع أنَّ الاستعانة بهؤلاء، كما هو معروفٌ، أمرٌ يمكن لأية محكمةٍ أن تلجأ إليه بذاتها دون حاجةٍ إلى نصٍ يلزمها بذلك ؟!! مع أني أميلُ إلى أنَّ الخبراء ،من حيث المبدأ ،يُستعان بهم في القضاء العادي لا الدستوري !!

د ـ ثم لو كان المراد هذا الزعم، فما الذي منع كتبة النص، الذين كتبوه بلسانٍ عربيٍ وبحضور بعض المتخصِّصين في اللغة العربية، من أن يقولوا الآتي:

(1ـ تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة.

2ـ يمكن للمحكمة أن تستعين ببعض المستشارين والخبراء الفنيِّين في بعض المسائل المتعلقة بثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية، وغيرها من المسائل ذات الطابع الفني التخصصي).

مع أنَّ هذا النص سيكون معيباً من الناحية الشكلية ؛لأنَّ الاستعانة بالخبراء، كما ذكرنا، لا تحتاج إلى نصٍ في القانون ، وفي الدستور من بابٍ أولى !!

٣- الدليل الثالث:

وفضلاً عن كل ما تقدَّم، فالقول بأنهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين قولٌ ساقطٌ أيضاً، لسببٍ آخر، وهو أنَّ هذا القول يحرم المحكمة من الاستعانة بالخبراء الفنيِّين إلا في مجال الفقه الإسلامي، في حين إنَّ الاستعانة بهؤلاء الخبراء -بحسب معتقد القائلين وبحسب النظرة القانونية العامة- أمرٌ متاحٌ للمحاكم جميعها، وفي القضايا كلها التي تُقدِّرها المحكمة مهما كانت !!؟

٤- الدليل الرابع: التجارب الدولية:

تؤكد التجاربُ الدولية أنَّ المحاكم الدستورية تتألف من فئاتٍ متعددةٍ في الغالب ، وأنَّ عدد القضاة فيها عادةً ما يمثِّل الأقلية لا الأكثرية ، خلافاً لما يتمُّ تسويقه في العراق من قبل بعض الشخصيات والجهات غير المطلعة على المضامين الدستورية المحلية والدولية ،من الذين يتحدثون بلا هدىً ولا كتابٍ منير .إنَّ أصل النظرية الراجحة في هذا الصدد -بحسب تجارب المحاكم الدستورية الدولية التي سنعرضُ أهمها- هو ضمُّ فئاتٍ أخرى إلى المحكمة من غير القضاة، تكون لها الغلبة والأرجحية في كثيرٍ من التجارب.

وستلاحظون أنَّ الغلبة في هذه المحاكم عادةً ما تكون لرجال القانون لا للقضاة. بل ثمة محاكم دستوريةٌ دوليةٌ ليس فيها قاضٍ واحد -كما سيتضح -. إنَّ الفئات التي تتألف منها المحكمة قد تتمثَّل بأساتذة القانون في الجامعات أو المحامين أو رؤساء الجمهورية السابقين أو بعض المسؤولين الإداريين أو بعض الشخصيات العامة، ونحو ذلك. وهذا الدليلُ وحدهُ يكفي لإثبات عدم اطلاع وعدم دراية أصحاب الرأي المخالف، وعدم صحة دعواهم!!

وعموماً، سنقوم بإيراد أهم النماذج الدولية في هذا الصدد ؛كي نكشف للرأي العام الحقيقة المغيَّبة .وهذه النماذج تمثِّل (24) تجربةً لمحكمةٍ دستوريةٍ وثلاث (3) تجارب لمجالس دستوريةٍ في العالم ،من أوربا والأميركيتين وآسيا، التي تُعرض لأول مرةٍ .

وهو ما سيكون محلاً للبحث في القسم الرابع-المهم- إن شاء الله..

 

د. حسن الياسري - بغداد

١٦نيسان ٢٠٢١

 

 

مجدي ابراهيمنتابع تخريجات صاحب كتاب (الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون)؛ الذي سبق أن وصف التصوف بوصف نابي لا يمت إلى المنهج العلمي بصلة. ومن الغريب العجيب أنه استدعى المنهج العلمي؛ ليكون حاضراً في هجومه ولا أقول مناقشته ثم ليكون حكماً بينه وبين هذا الإرث المسموم كما وصف. وقد أثبتنا في المقال السالف المنشور في صحيفة المثقف بالعدد 5279 ؛ المصادف2021-02-17 م، فشل هذا الاستدعاء، إذْ لم يكن في محله، فضلاً عن خلطه الشنيع بين المناهج والتوجهات، فلم يكن يدرى مجرد التفرقة بين مناهج التيارات الفلسفية في الإسلام ماذا عساها تكون؟ ولم يكتف بذلك؛ بل راح يصف التصوف لا الصوفية، بالإرث المسموم! ولو كان وصف الصوفية بهذا اللفظ النابي لهان الخطب وخف البلاء لكنه بهذا الوصف أثبت ما يستقر في أذهان كل من يقرأ له كلماته البعيدة عن المنهج العلمي جملة فضلاً عن التفصيل.

فالتصوف كعلم وتوجه كالإسلام كعقيدة ومنهج لا يكون العيب فيه بمقدار ما يكون العيب فيما يتنسب إليه، فإذا وجدنا المسلمين اليوم ليسوا على قيم ومبادئ الإسلام فهل يمكنني أن أكيل العيب على الإسلام نفسه أم على المسلمين؟ وكذلك التصوف لا يمكن أن أعيب عليه بقدر ما يكون الغيب حاضراً فيمن يتنسبون إليه ممّن لم يسلكوا سلوك الأقطاب الكبار.

وقد توقفنا في اللقاء السابق عند تخريج فاسد الدلالة يقول فيه :"أدبنا اليوم في المشرق والمغرب يحاول أن يعالج هذا الإرث المسموم في عقول الشعب فلا يشق طريقه إلا بصعوبة", وقلنا إنه لن يشق طريقه أبداً لغياب الصلة الوثقى في الأذهان القاحلة بين الأدب باعتباره فناً والتصوف بوصفه فناً كذلك، ناهيك عن سقوط القيم. ويعز علىَّ أن أرى غيبة القيم من ثقافتنا العربية، فشعوب بلا قيم كإنسان بلا معنى وكحياة بلا غاية ولا هدف .. وهل يُقَوِّم الفرد في مجتمعاتنا العربية إلا بمقدار ما لديه من دراهم؟!

أنا شخصياً لست أدري أي إرث مسموم ولا أي شعب من شعوب العالم قاطبة؟! هذا الذي يقضي على الموقف وعلى المنهج سواء؛ ليس في الإسلام فحسب؛ بل في سائر شعوب العالم المتحضر, أي يقضي على الديني والفني والذوقي معاً، ثم يجرّد الإنسانيّة من الفاعليّة الحيويّة، فلا يبقى من بعدٌ إلا القشور الخاويّة الخاملة القاحلة، وإلا الأفكار الرجعية الكاسدة التي أورثتنا ميراث التخلف والإرهاب والعنف والتطرف وشوّهت الصورة السمحة للإسلام.

فإذا كنا أدركنا فيما يتصل بالمنهج أن اختلاف الناس في التقويم يوضح لنا طبيعة الاختلاف الذي يقع بين الناس في حالات كثيرة جداً، ويظنونه اختلافاً بين ما هو صواب عند أحدهما وخطأ عند الآخر، مع أنه في حقيقته اختلاف وخطأ عند الآخر بين حالات شعورية لا شأن لها بخطأ وصواب، وليست هى دائماً من نوع المثل الذي ضربنا من أن هذا يحب صوتاً غنائياً لا يحبه الآخر، بل قد يصل الأمر ليصبح اختلافاً في "العقائد الدينية" أو "في المعتقدات السياسية" أو في الآراء حول أوضاع اجتماعية ممّا قد تدعو خطورته إلى تفجير القتال أحياناً مع أن الأساس الأول الذي بني عليه الاختلاف هو ممّا يندرج في مجال الشعور قبولاً أو رفضاً فهو إذن مجال "خاص" بالأفراد؛ وليس "عاماً" موضوعياً يلتزم به الجميع.

وعليه؛ فالحالة الشعورية - والصوفيّة أرباب أحوال لا أصحاب أقوال - هى التي تفسر لنا الموقف الديني الحركي يتخذه الصوفي لنفسه، والذي هو كما تبيّن أقرب للموقف الفني فلا يٌقال في حق تلك الحالات إنها من الخطأ أو من الصواب لأنها حالات فردية خاصّة تفسر في إطار تجارب أصحابها القادرين عليها فضلاً عما يُكال عليها من أباطيل وتُرَّهات ليست منها في شيء.

وبما أن التصوف بوصفه منهجاً ذوقياً يقوم على اتساع بؤرة الشعور فلا مناص آخر الأمر من أن يكون للصوفي موقفه الخاص كونه إنساناً دينياً. إنّ الإنسان الديني هو الذي يُضفي على مجموع الحياة ومجموع الفرد معنى ودلالة عميقة، وينظر إلى الحياة وإلى الفرد في ضوء قيمة عليا هى الله تعالى. ولئن كانت نظرة الإنسان الديني إلى الحياة من خلال الله فهو يعمل ويعيش في الله ومن أجل الله, فليست له غاية في هذا الوجود سوى معرفة الله. الله مركز حياته. ليست سائر القيم الحياتية في نظره إلا وسائل بالنسبة إلى القيمة العليا التي هى القيمة الدينية.

رأيه في العلم أنه ليس في وسعه أن ينظر إلى الحياة والعالم نظرة تعادل في عمقها وسعتها نظرة الدين؛ فكل ما يستطيعه العلم هو أن يوضح بعض التفاصيل، وأنْ يشتغل على المحسوس المرئي بما يوفر الغاية التي خُلق من أجلها لا يتعداها. والاقتصاد عنده يحتل منزلة دنيا : أليس التغلب على شهوات الخيرات الاقتصاديّة من أولى الواجبات التي يفرضها الدين؟

وللفن عنده حدود يجب أن يستمدها من الدين. والحياة الاجتماعية يجب أن تستلهم من الدين. يعمل الإنسان الديني وهو متجه ببصره إلى "خلاص الرُّوح" وهو في كل ما يعزم عليه من أمر ينظر إلى الحياة الكلية والغاية الأخيرة.

الموقف الصوفي إذن كالموقف الفني، وما يتعرّض له الصوفي، مع اختلاف الغاية وجلال المبتغى، هو تقريباً نفس ما يتعرض له الفنان في طريق كليهما من ركوب المتاعب، مقاساة ومعاناة. بؤرة الشعور لدى الصوفي متسعة، وليست هى كذلك لدى الفنان بالضيقة.

الموقف الفني حيوي كلي غير محدود، وكذلك موقف الصوفي لا يتجزأ ولا تستغرقه التفاصيل، ولكنه ينشد غاية غير محدودة ويستبقي المحدود لكل ذي نظر محدود وفكر محدود وخُلق محدود؛ فمن يريد أن يتخلص اليوم ثم يوطن الجهود المضنية على الخلاص من أضرار التصوف مع الغفلة الواصبة عن منهجه الذوقي وموقفه الفني لا مندوحة له من التخلص أولاً من القيم الكبرى الباقية العاملة، أن يتخلص من الفن والدين والحياة.

***

كانت هذه المناقشة هى النقطة الأولى في الآراء الهدامة. أما النقطة الثانية؛ فمحاولة الباحث أن يستعيض الإرهاب بدلاً من التسامح، والسطحية بدلاً من العمق، والافتراء والكذب والادعاء بدلاً من الإنصاف والصدق والاعتدال؛ فعوضاً عن التصوف والحياة الروحية في الإسلام تتلخص جهوده في التخلص منه بالنزعات الإرهابية المتشددة المنحرفة عن نهج الاعتدال وفهم الدين فهماً راقياً، ممثلة في ابن تيمية وأضرابه؛ أكثر الذين كفروا أهل الملة وأعطوا أسوأ صورة عرفها العالم عن الإسلام لا يزال يعاني منها حتى يوم الناس هذا، ثم إنه ليوالي الحركة الوهابية في الحجاز؛ ليكون مجتمعه المثالي الذي ينشده مستضاءً بنور الفكر العلمي الحديث؛ فكر الوهابية وابن تيمية؛ ويا للعجب!

وثالثها؛ ينعت الباحث التصوف تارة بالفكر الخرافي، وتارة بالفكر الغيبي، وتارة ثالثة بالفكر الرجعي المتخلف الذي لم يلامس الإسلام أرواح رجاله بأشعته التحريرية، ولسنا ندري على الحقيقة ماذا عَسَاهُ يكون فكر ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب؟ هل هو فكر متقدِّم مبشر بالبحث عن كل مشترك حضاري بين الأديان والثقافات المتصارعة أم هو السبب الكارثي في شيوع الاستبداد بالدين ونبذ روح التفاهم والتعاون والمحبة وكشف العلاقات الإنسانية بين الشعوب والحضارات انطلاقاً من عنصر المحبة الصافية كما هو الحال في التصوف؟!

هل هذا الفكر المسموم هو فكر مستنير غاية في التقدم والاستنارة وقبول الآخر إلى الدرجة التي لامس فيها الإسلام أرواحهما وأرواح أتباعهما في العالم الإسلامي شرقه وغربه بأشعته التحريرية؟!

من الممكن حقاً لو أن هناك عدالة أو أنصاف أن ينقض الكاتب الصوفية ما شاء له النقض، وأن يطعن في "الرجال" كيفما اتفق، هذا حقه الذي لا يعارضه فيه أحد، لكن الذي ليس من حقه هو ألا يختار للمجتمعات الإسلامية - شعوباً وحكومات - فكراً يليق بها وبتقدَّمها مادام لم يرتضْ التصوف أن يكون ممثلاً لهذا الفكر.

وهل في وسع فقهاء الهدم أن يقدموا لمجتمعاتهم أرثاً غير مسموماً؟ هل كان في وسعهم أن يستخرجوا المشترك الحضاري للأمة الإسلامية فضلاً عن الأمم الأخرى التي يتعاملوا معها فلا يثيروا الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة؟ وأن ابن خلدون نفسه كما سبقت الإشارة لم يكن من فقهاء الهدم.

لم يكن في مقدور "فقهاء الهدم" التخلي عن الهتك والتشنيع ولم ينهجوا منهاج الرفق واللين؛ والتبْصِرة بالعيوب وإبراز المزايا - إنْ وجدت ولابد لها أن توجد - فالنصيحة يجب أن تكون برفق ولين وهوادة؛ مع الحرص على التستر والتكتم لا التعرية والفضيحة؛ وكأن الصوفية ارتكبوا جرائم خلقية شنيعة تسلطت عليهم بمقتضاها سهام التشنيع؛ وهم من سنوا قواعد الآداب الخُلقية لتقول إذا كان الإنكار قد تمَّ وفق ذلك أعتبر نصيحة؛ أما إذا كان مرفوقاً بالتشنيع وهتك الأستار أعتبر فضيحة. فمن عرَّفك بك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح، من أعلمك بعيبك مع شهود الغير فهو الفاضح. والأساس الشرعي واضح قد صحَّ عنه من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة؛ ومن أقال مسلماً عثرته أقال الله عثرته يوم القيامة .. وليس لمسلم أن يفضح مسلماً إلا في موجب حكم بقدره من غير تتبع لما لا تعلق له بالحكم، ولا ذكر عيب أجنبي عنه، وإلا أنقلب الحكمُ عليه بقهر القدرة الإلهية حسب الحكمة الربانية والوعد الصادق الذي جاء في قوله؛ صلى الله عليه وسلم :" لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك".

وهل ذهب زعماء الإصلاح في عالمنا العربي منذ رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873) إلى الجحيم، فلم يعد يبق لنا لتقدُّم الشعوب العربية والإسلامية غير هذه السموم القاتلة التي تنشر الضلالة في كل واد باسم الدين، والدين منها براء!

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمفي إطار فهم "الجنيد" لآية الميثاق، نلاحظ أن "القشيري" أحصى في تفسيره "اللطائف" عدّة معاني، يفهم منها الصوفية معنى آية الميثاق كلُّ بذوقه وفتوحه. ومن معاني التفسير لهذه الآية المباركة: أن الله خَاطب الناس قبل أن تكون الخلائق - وهم في عالم الذَّر -  فأجابهم بتحقيق العرفان. وأن الله تعالى لطف بعباده، فمنهم من أقرَّ التوحيد، ومنهم من أبعده عنه فأقر الجحود، وأن قلم القضاء جرى على طوائف البشر فخَصَّ بعضهم بمعرفته، وحجب عنها آخرين.

وأن الله أخصَّ المقربين منه فأطلعهم على حقيقة التوحيد، ومنهم من آتاه الحجة فعرف الوحدانية عن طريقها، ومنهم من صدق اليقين في قلبه فتحقق من الوحدانية، ومنهم من غابت عنه الوحدانية فأجاب بالظن والتخمين. وأن الله تعالى تجلى عليهم بالهيبة وتلطف بالقربة، وفي تجليه دُنو المعرفة وفي تلطفه خطابات التأنيس.

وأنه تعالى أطلع عباده على مكاشفة أسراره؛ فعرفوه بالتي كلفهم بها، عرفوه بأحكام التكليف؛ ولمَّا أنْ تجلى لهم الحق؛ وهم بعدُ في عالم الذَّر، كاشفهم بجماله فهاموا في حبه، فإذا المحبة غاية ما ينتهي إليه المقربون.

وأنه أسمعهم بشاهد الربوبية: فمنهم من آثر الصحو فتحقق؛ ومنهم من زَاَلَ عنه التحقيق بعد المحو والاستغراق. وأنه أختص قوماً بأنواره فوصلوا إليه، وَحَرَمَ آخرين من أسراره فلم يجعلهم أهلاً للوصول.

ذلك ما استطعنا استخراجه من نص القشيري بعد تأمل طويل؛ وفيه ما يفيد تركيز هذا الصوفي الأصيل البارع على أحكام التكليف، وعلى إيثاره الصحو (والصحو تنبيه ويقظة وحضور) سبيلاً إلى التحقيق. ولنقيد هنا بعض ما جاء في نص القشيري تأكيداً من جانبنا على ما كُنَّا أستخلصناه منه؛ إذْ يبدأ حديثه بإشارة رمزية مبطونة ببيتين من الشعر حول الإخبار بالعهد السابق والود اللاحق والوعد الصادق وفي معناه أنشدوا:

سُقْيَـــــاً لليلي وَاللَّيالي التي        كُنــَّــا بليْلي نلتقي فيها

أفْدِيـــكِ بل أيامُ دَهْري كلهـا        يَفْدِيـنَ أيَّامَاً عَرَفْتُك فيها

ثم يعطي القشيري إشارة لكل معنى يريده ويرى فيه وجهة إدراك ذوقي ويقدِّمه بكلمة "ويُقال ..!"؛ ولا تترك كلمة "يُقال" هذه، انطباعاً لدى القارئ بأن القشيري ينقل عن آخرين قولهم ممّا يجوز معه أن يُقال في قولهم كيت وكيت؛ لا ليس الأمر هنا حكاية عن أقوال آخرين، ولا هو بنقل لآراء يتجهل أصحابها، ولا هو بالافتراض الذي يفترضه؛ ليستنبط منه دلالة أو نتيجة، ولكنه وجوه باطنة تحتملها معطيات الإشارة، هى من تخريج القشيري نفسه؛ يُقدّم فيها معنى ليلحقه بآخر ويصوِّر دلالة ليصلها بدلالة أخرى مما ينتظم في وعيه مما تعطيه الإشارة. وهكذا ممّا تتلون به الإشارات وتتعدد في أنفاس العارفين؛ كأن يقول:" ويُقال: فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أثر، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا:

أتاني هَوَاهَا قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوَى     فَصَادَفَ قَلْبَاً فَارِغَاً فَتَمَكَّنَا

ويُقال: وسم بالجهل قوماً فألزمهم بالأشهاد ببيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد وآخرين أشهدهم واضح الحجة. ويُقال: تجلى لقوم فتولى تعريفهم فقالوا "بَلَى" عن حاصل يقين، وتفرَّد عن آخرين؛ فأثبتهم في أوطان الجَحْد فقالوا "بلى" عن ظن وتخمين. ويُقال: جمع المؤمنين في الأسماء، ولكن غاير بينهم في الرتب، فجذب قلوب قوم إلى الإقرار بما أطمَعَها فيه من المباد، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار. ويُقال: فرْقة ردَّهم إلى الهيبة فهاموا، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا ..

ويُقال: عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتحصيلهم، ولبَّس على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم .. ويُقال: أسمعهم؛ وفي نفس ما أسمعهم أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكام التكليف. وكان - سبحانه - لهم مكلفاً، وعلى ما أراده مصرِّفاً، وبما أستخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رَقّاهم إليه مشرفاً. ويُقال: كاشف قوماً في حال الخطاب بجماله, فطوَّحهم في هيجان حبه؛ فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم، فإذا سمعوا اليوم سماعاً تجدَّدت تلك الأحوال؛ فالانزعاج الذي يظهر فيهم لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدّم. ويُقال: أظهر آثار العناية بدءاً حين أختص بالأنوار التي رَشَّت عليهم، قوماً. فمن حَرَمَهُ تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومن أصابته تلك الأنوار أفصح بما أختص به من غير مقاساة كُلفة ...".

هذه المعاني الواردة هى (أولاً) إشارةً في تفسير الآية القرآنية، تنفي اعتماد المتصوفة على أفلاطون أو على التراث اليوناني، وتصل الاعتماد مباشرة بفهم التحقيق في القرآن الكريم. وهذه المعاني الواردة في لطائف الإشارات هى (ثانياً) تثبت بما لا يدع محلاً للشك نظرتنا في "المضمون الديني" ينتسب إليه صوفية الإسلام في انطلاقاتهم الروحية حياةً وتجربةً وممارسةً.

***

عندي أن الذين فتح الله عليهم بمعرفة شيء من كتابه الكريم، كانوا في الأصل يحبُّونه ولا يرون فوقه ولا قبله ولا بعده كتاب. إنهم أحبوا الكلمة الخاصة المُخَلَّصة في كتاب الله وصدقوا في هذا الحب مقدار صدقهم في معاملة الله فأعطاهم من عنده نوراً يمشون به في الناس؛ وذلك لأنهم رأوا النور فأتبعوه؛ رأوه في جوف الكلمة الصادقة:"ومن أصدق من الله حديثاً"، ورأوه في بطن الفكرة الباقية:"ويجعلُ الرِّجس على الذين لا يعقلون"، ورأوه في غور المعنى الوفير:"واتقوا الله ويعلمكم الله"؛ فلَّما أن أحسوا بمثل هذا النور يملأ جوانحهم انجذبت قلوبهم إليه وتعلقت أرواحهم به وترقَّت مشاعرهم فيه فاقتبسوا منه قبساً كان سبب سعادتهم طيلة حياتهم في الدنيا، ثم في الآخرة سعادة الأبد؛ وزيادة. وربما كانت الشعلة المقتبسة من ذلك النور الشعشعانيِّ مجرد "لحظة خالصة"، لكنها خاطفة؛ أعني لحظة ذات معنى مُوغل في "الإخلاص" تنير السبيل فيما يُشْبهُ الخطفة السريعة، وليست هى بمجرد لحظة خاوية من امتلاء المعنى الضخم الكبير.

نعم ..! إنها مجرد لحظة، لكنها لحظة امتلاء لا لحظة فراغ، إنها ليست سوى لحظة ينفتح فيها عالم الملكوت، فكلُ ما يجيء بعدها إنْ هو إلا أثر باقي من آثارها، ومددٌ من جذوتها النورانية، تشتعل لتضيء حياة صاحبها في طولها وعرضها: صاحب تلك اللحظة السعيدة التامة الكاملة؛ تنالُ هبةً من عين التوفيق.

إنها للحظة صدق في مرائي الشهود، لا تتحقق بغير مكاشفة صريحة من "وعي الذات" بنفسها وبربها بداية .. هنالك يعمل "النور" عمله في الحالة التي يمتلئ بها الوعي بيقين الإيمان والتحقيق؛ فيكون النور في جميع الحالات محركاً للرؤية الكاشفة: رؤية البصر ورؤية البصيرة؛ لتتجاوز هذه "الرؤية" كل حجاب عارض لا يقبل الزوال؛ فينكشف لها ما من شأنه أن يكون ظلمة للمحجوبين؛ لكأنه لا شيء! وذلك لأنها (أي ظلمة المحجوبين هذه) رؤية الذين انطمست بصيرتهم وبصائرهم فلم يروا إلا ما هو تحت أقدامهم من بوادي المحسوس. أما رؤية الذين استظهروا النور في قلوبهم، فأشرقت به جوانحهم حتى لكأنهم "أنوراً ذاتية" تشع بذاتها فتجيء آثارها في أقوالهم وأفعالهم؛ فإذا بأقوالهم تجيء تعبيراً عن أحوالهم، وإذا بأحوالهم تعكس أقوالهم؛ لكأنما "الحال" هو الذي يتحدث وهو الذي يقول، فهم في الحقيقة التي يشهدون فيها الأثر مَجْلىَ من مجاليها أهلاً لتلقي النور في كل حال. وهنا تتجلى لنا خصائص التصوف وسماته المتفردة كونه نوراً فيما تظهره إشارات كبار الأولياء:

كان الشبلي يقول - فيما رواه عنه ابن عربي  إشارةً في محاضرة الأبرار - عندما سُئل عن التصوف .. ما هو ؟ فأجاب:" التصوف عندي ترويحُ القلوب بمراوح الصفاء، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسَّخاء، والبشر في اللقاء ".. وهى صفات في مجملها تصدر عن النور وترتد إليه، وتجعل من شخصية صاحبها شخصية نورانية بامتياز.

هذه خصائص أربع للتصوف كلها نور على نور؛ فالخاصية الأولى لا تتأتى بالمطلق بغير النور: الصفاء الذي تترَوْحَن فيه القلوب وتستروح؛ إذْ تجد الروح والراحة في صفائها. والتصوف بغير صفاء كدورة نفس وظلمة قلب وقسوة طباع، ليس يطلق عليه في الأساس - على الأقل في تقديرنا -  لفظة تصوف.

والخاصية الثانية: تجليلُ الخواطر بأردية الوفاء، هى التي تعطي النور حقه من التحقيق بعد التطبيق؛ فالوفاء لحقوق الله نورُ كله تظهر آثاره على الجوارح بعد ثبوتها في قلب الوافي؛ فلا يَزَالُ خاطره جليلاً إذا هو وفَّى بحق ربه عليه؛ لكن هذا الحق عسير جداً -  أو هكذا يبدو لمن ليس بوافي - فشعور العبد إزاءه بالتقصير يجعل من خواطره السانحة في ملكوت الرحمة تحلق في مقام الجلال على الدوام، ورداء الوفاء بهذا الحق نفسه خاطرُ جليل يُلزم الصوفي نوراً مُهَاباً: هو نور صدق الفكرة في معنى الجلال.

والخاصية الثالثة: التّخلُّق بالسخاء حين تشحُّ النفوس بما لديها وهو ليس لها ولا هو منها؛ فإذا لم يكن السخاء خُلقاً لها وطبعاً؛ فليكن تخلقاً تمضي في خلاله إلى النور تطبيقاً وتحقيقاً؛ فما من سخي هو سخي إذا عرف من السخاء شكله البَرَّانيِّ دون أن يَمَس شغاف قلبه تحقيقاً، وينفذ إلى صميم وجدانه ليتخلى عن كل حرص بما في يده غير جوَّاد؛ والصوفي سخي فرح على الدوام بفضل الله، والسخاء طبع الصوفي وعادته غير منازع؛ لأنه رمز التصوف بإطلاق؛ فهو من النور وإلى النور على التحقيق.

والخاصية الرابعة: البشرُ في اللقاء؛ صفة من صفات العارف غير منازع فيها، فهو الذي يبشر ولا ينفِّر؛ هو الودود الحَبُّوب الذي لا يعرف قط كراهية لخلق الله؛ لأنه يفهم عن الله حكمته في خلقه ويعرف علة الخير كما يدرك علة الشر؛ يبشِّر لأنه يرى النور في الباطن ويدركه ذوقاً من الأعماق.

مَنْ غير العارف من خلق الله يرى بنور الله؟! مَنْ غير العارف تتوافر فيه تلك الصفة؛ صفة البشر في اللقاء ..؟!, إذْ العارف - كما قال ابن سينا في الإشارات والتنبيهات:"هَشُّ بَشُّ بَسَّام..!" فتلك الهشاشة والبشاشة والتَّبَسُّم خَصَالُ العرفان التي لا يجمعها إلا أهل النور القلبي والبصر الذوقي، أهل الصفاء والنقاء والتصاقي والموالاة: صفوة أهل الله من العارفين .. وقليلُ مَا هُم.

تحقيق العارف على الدوام يكمن في شيء واحد لا شيء سواه: "التجربة": التجربة تقول لك ما لا يقوله الواقع المقرر ولا الخيال الجامح الطليق؛ فهذا الواقع المقرر ليس هو واقعك أنت؛ بل هو واقع آخرين عبروا عنه، وكما أن هذا الواقع هو واقعهم فكذلك الخيال الذي يصورون فيه ما يشاءون هو خيالهم هم لا خيالك أنت؛ لكن تجربتك أنت وحدك هى المُرادة هنا من فعل التجربة.

ويمكننا أن نقتبس من تحقيق العارف قبَسات في تجربته الشهودية فيما يمر به من إدراك لتلك اللحظات لعَلَّها تَقفنا على "اللحظة" التي نريدها خالصة لأنفسنا، ونتمناها كيما تجيء فتعْمُر العمر كله فتباركه وترفعه وتزكيه. هنالك في فعل التجربة؛ تقف وحدك حراً طليقاً على "اللحظة" الرابطة بينك وبين الوجود الحق الذي تمنيته وتمنيت أن تتصل به، وسترى أن هذه اللحظة هى أسعد ساعات السعادة عندك، وإنه لا يدانيها مطلقاً لحظات وجودك الماضية ولا الحاضرة، إنْ استطعت أن تُسَكِّنها فأفعل؛ لأنها اللحظة التي تستشعر فيها تجليات الدوام من الأزلية إلى الأبدية، لكأنك وقفت بمُفْرَدك على معاينة السرمدية التي لا أول لها ولا آخر؛ وأنت إذْ ذاك في سعادة غامرة واتصال روحي عجيب، تنفرد به وحدك ولا يشاركك فيه مخلوق كائناً مَنْ كَاَنَ !

وما من عجب ..! فإنها وقفة شبيهة "بوقفة" النِّفَّريّ، ومن جرى مجراه من الواقفين عليها من السعداء. هنالك تدرك بالذوق الروحي أن الوجود الواقعي أقل منك وأحقر؛ وأنه دونك، صغير، "كما الهباء في الهواء إنْ فتشته لم تجده شيئاً"؛ لأنك بلغت منزلة ما بلغها أحد من أولئك الذين يتنافسون فيها على كل رخيص، وإنك لأعرف العارفين من هاهنا بفقه اللحظة الحاضرة، تلك التي اتّسع لها صدرك فعرفت فيها الكثير من دلالات الوجود ومعانيه، لا .. بل من حقائقه وخوافيه. عندها ستعذر الحلاج، إذْ تَبَدَّت له شمس الحقيقة فجذبته فصرخ فقال فيها:"أنا الحق"؛ وعندها سيأخذك العطف على شيخنا أبي يزيد البسطامي لما قال:" سبحاني؛ سبحاني ..!!.. ما أعظم شأني ..".

كانوا مثلك أصحاب لحظات فارقة؛ كانوا أهل وقفات في لحظات؛ بيد أنها كاشفة. شطحوا بعيداً عن معقول الناس، وما هو معقول الناس في عرف الناس؟ الإفلاس ..! الإفلاس في القيم العلوية: قيم القرآن، وقيم الله في كلمات الله.

لا شك كانت تلك "اللحظة"؛ هى التي وَسَّعت صدرك وفتحت نوافذ قلبك وجمَّعت همتك كيما تدرك وتعلم من الله ما لا يعلمه أهل الغفلة والحجاب. هنالك فقط متَّسعُ لمزيد من المعارف ولعزيز من العلوم، تتلقاها من علو وارتقاء، وأنت من "الحضرة" قريب دان؛ يكفي أن تتوحد معها لتشعر فيها بالقربة والاتصال.

ويا للعجب من السعادة التي تغمر روحك في غيبة الكل عنك وغيبتك عن الكل، وتوحدك مع الكل وتوحد الكل معك؛ أعْرَفُ الناس مَنْ عَرَفَ نفسه فيها: اللحظة التي يغيب فيها الكل عنك، ويكون الكل معك. في غيبة الكل تخلى، وفي كون الكل معك تحلياً وتجلياً. إنّ الله ليتجلى على قلوب عباده في كلامه بخطابات التأنيس ليقتربوا منه، يدنيهم دنو معنى، ويرقيهم رقي معنى؛ ليفهموا عنه منه؛ وهو حين يدنيهم - يلحظوا مراقي أنفسهم أو لا يلحظوها يستشعروا قربها أو لا يستشعروها - لكن عُرُوجَهُم الوَاصب أبداً لهو لحظة تتفتح فيها نوافذ القلوب وتشرق لاستقبال الحقيقة من قريب؛ ليس الحقيقة كلها بل قبسُ منها، هو الشعاع المضيء لظلمة الغفلة والحجاب.

هنالك نورُ علوي ينبعث من "كلمات الله"؛ يدنو منك في لحظات الاتصال؛ يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعز عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد: التّصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته؛ فلما أن سئل عنه قال:" نورُ أنَّى أراه ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي، خَصَالُ من يريد أن يكون داخل المعيّة لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل موصِّلة لكنها ليست الغاية؛ فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة؛ بل أقرب ما تكون مع الإحسان. ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته؛ ليتفرّغ السرُّ لورود "اللحظة".

وإنها "اللحظة" النورانية الكاشفة تشع من باطن القلب، يَنْغَمرُ فيها النور؛ ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال: يعطيك السلامة في الحس وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل؛ أدركت الدلالة وأدركت القيمة وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحياتها ممّا ليس يدركه الغُفْل الجهول.

ليس عبثاً ذلك الذي تحسَّه، وليس شعورك في هذه الحالة باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن؛ فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب، أي كنت في غيبة عن اللحظة؛ لكنك في حيرة من أمرك: على أي وصف يمكن أن يكون حالك؟ لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل؛ أنت معه بكليتك. ومعيّة الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً. الكلية بقاء تريدُ فيه من خالص قلبك أن تُسَكّن الزمن لحظتها؛ يدوم ولا ينقطع؛ ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

كثيرون من أهل الله تمنوا لو دامت لحظات وصالهم فما احتجبوا، لكن الحجاب لطيف معنى به تحيا قلوب العاشقين؛ إياك أن تظن أن الحجاب عن "اللحظة" نقيصة، وأن الغفلة في ذاتها هنا رذيلة؛ فهذا ظن الغافلين؛ بل حجبك ليكملك وليعطيك استعداداً أعلى من استعدادك الأوَّلَانيِّ وأفْضَل؛ لتكون بخصوصية اللحظة جديراً وبالحضور معه على غاية التأهب والاستعداد. وإذا كانت الاستعاذة من شر الغفلة واجبة شرعاً؛ فهى في رياض التحقيق جائزة على الذين لو اقتربوا لتَاهُوا فما عادوا؛ وأن الحجاب في مقام التحقيق ليس ألا معنى لطيف به تحيا قلوب العارفين. الاستعاذة من شر الغفلة واجبٌ للحفاظ على التكاليف الشرعية، ووجوب الغفلة في الدنو والقربة واجب كذلك يحفظ شرعية التكليف. فالغفلة هاهنا صحو للعقل وحضور للتمييز؛ بقاء بعد فناء؛ يقظة بعد غيبة؛ ولو أنها غارت واختفت لغار معها العقل وغاب التمييز؛ فما يبقى إلا التخليط. التخليط الذي يظنه العقلاء محض جنون وضرب هوس يقتضي القتل والتنكيل.

من أجل ذلك؛ صار "ذُلُّ الحجاب" أهون بكثير من العبث الذي يصفه العقلاء بالجنون ويقيمون عليه الحد؛ ليقتل من يقتل، وينكل به من ينكل،،هنالك تجد عاطفة الوجدان وحرارة العاطفة وحدها تعطي التصرف ولا تجد العقل ذا تصريف. إنّ أرقى مراقي السعي دوماً إلى الحقيقة شعورنا الدائم بالنقصان عن بلوغها، والعجز عن الاتصال بها، والإقرار بضعف القدرة عن إدراكها، لكنها لو شاءت لشئنا، وإذا شئنا ترقينا في أنفسنا لنحوز آيات القبول .. عجباً لإدراك الغافلين .. ما بالهم يحتجبون ..!!

(وللحديث بقيِّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيالتقييم النقدي للفكرة القومية عند انطون سعادة

لقد توصلت في المقال السابق إلى أنَّ الرؤية المتضاربة عند انطون سعادة من حيث أسلوبها في تأسيس الفكرة، ومنهجها في التحليل والنقد والمواقف، وغايتها العملية الكبرى، قد أدت إلى تناقضات كبرى في فكرته عن القومية. والسبب هو نزوعها الأيديولوجي الصرف.

وفي هذا كانت تكمن حدود الاختلاف والتناقض "الديناميكي" بين المساعي الفلسفية في تأسيس الفكرة القومية "السورية" وتأسيسها الأيديولوجي الصرف. وبغضّ النظر عما يمكن قوله عنه وعنها بهذا الصدد، فإنَّ إبداعه النظري وسلوكه العملي كانا يتمثلان رحيق الصعود العقلاني والواقعي والمتجانس للفكرة القومية الحديثة. إذ نعثر عنده على صيغة واقعية ولحد ما عقلانية للحدس العميق بصدد القومية أو الأمة السورية بوصفها تركيبة أو تشكيلة ثقافية وليست عنصرية. ومن ثم العثور فيها على نمط أولي أو صيغة جزئية لحقيقة القومية العربية وفكرتها المحتملة. والمقصود بذلك الفكرة التي سوف ابسطها لاحقاً والقائلة، بأنَّ الصيرورة القومية العربية قد بلغت أوجها في كينونة ثقافية طبعت بطابعها "الأمة العربية" من حيث كونها واقعاً وإمكانية متجددة. وذلك لأنها تصيرّت بقدر واحد في منظومة مرجعيات ثقافية متسامية وتاريخ ثقافي قائم بذاته. الأمر الذي جعل من الممكن تنوع مظاهرها ولكن بوصفها أشكالاً متباينة ومتوحدة لتاريخه الذاتي. ومن بين اكبر وأوضح مظاهر هذا التباين الديناميكي هو ما يمكن أنْ نطلق عليه اسم مراكز وولايات الكينونة العربية الثقافية وهي: شبه الجزيرة العربية، والمشرق العربي، ومصر والسودان، والمغرب العربي (بما في ذلك تاريخه الأندلسي).

فقد كانت الفكرة القومية عند انطون سعادة تتسم بحوافز وبواعث ايجابية مستقلة من حيث مقدماتها وغاياتها. من هنا فكرته عن أنَّ "رسالة البعث القومي الاجتماعي إلى السوريين ليست متولدة من مجرد كره الأجنبي، بل من رغبة حقيقية في صهر نظرياتنا وعقائدنا المتنافرة وسبكها في وحدة روحية لا تعود تتمكن المطامع الأجنبية من تفسيخها وإضعافها". ولم يكن ذلك معزولاً عن إدراكه طبيعة وآثار الخلل القائمة في انتشار وهيمنة الفكرة التقليدية والطائفية الدينية والسياسية. إلا أنَّ هذه النظرة كانت تفتقد في الوقت نفسه لإدراك قيمة التراكم الطبيعي والتاريخي في مجرى تذليلها الإصلاحي. بمعنى أنها لم تدرك الحقيقة القائلة، بأنَّ القضاء على هذا الخلل يفترض المرور بإمراضه من اجل أنْ يكون العلاج طباً عقلياً أو حكمة عملية دقيقة وليس سحراً! غير أنَّ للهيمنة الأيديولوجية "منطقها" الخاص ومذاقها المرير في مواجهة الماضي والحاضر والمستقبل. وقد كانت هذه الثلاثية الأبدية للوجود ميدان الوجد القومي وأمجاده المفقودة بالنسبة لانطون سعادة. من هنا حماسته المفرطة في تأسيس الفكرة القومية السورية. وفي هذا الحماس جرى تهذيب وتشذيب الفكرة القومية السورية ونتوء ملامح الغلو الأيديولوجي فيها. بحيث جعلها تعاني من خلل فكري ومنهجي في التأسيس النظري. ولعل عبارة "القومية السورية" هي بداية هذا التشويش. فمن الناحية "الجغرافية" ليست "سورية" هنا سوى ما أطلق عيه العرب عبارة الهلال الخصيب. بل أنَّ انطون سعادة يضيف إليها شبه جزيرة سيناء وقبرص. وإذا كان لاحقا قد استعمل عبارة الهلال الخصيب بعد جعله سورياً، أي إطلاق عبارة "الهلال السوري الخصيب"، فإنَّ ذلك لم يحل إشكالية الاسم والمعنى والمضمون.

إنَّ سبب هذا الخلل المنهجي يقوم في تغليب الخاص على العام وكذلك في خطأ تحديد مقدمات ومرجعيات الفكرة القومية التي جعلت من عبارة "القومية السورية" لا تتسم بالدقة من حيث الأصل والجغرافيا والمعنى. مع ما يلابسها من إشكالية بالنسبة لفكرة القومية في هذه المنطقة بوصفها منطقة "المشرق العربي". فعبارة سورية من حيث الاسم والأصل خارجية وجزئية. فالاسم إغريقي والمكوّن آشوري. ولا يفي بالغرض اسم الهلال الخصيب السوري. لأنه لا يحل المشكلة بل يزيدها غموضاً. والأمر يختلف في ما لو أطلق عليه عبارة الهلال العربي الخصيب أو المشرق العربي. فكلاهما أدق وأعمق وأصدق من حيث المقدمات والغايات والشكل والمضمون.

أما المصدر العام لها الخلل المنهجي فيقوم في افتقاد الفكرة القومية السورية عند انطون سعادة إلى قاعدة فلسفية دقيقة في تأسيسها للأبعاد التاريخية للفكرة القوية السورية. الأمر الذي أدى إلى هيمنة مفارقة خاصة في فكره وفكرته تقوم في وجود فكرة فلسفية منغلقة وانفتاح أيديولوجي! وهي مفارقة يصعب حلها بمعايير المنطق! الأمر الذي حدد كمية ونوعية الخلط والتشويش الكبير في اغلب مفاصلها المتعلقة بوعي الذات القومي والتاريخي. لقد أراد أنْ يجعل تاريخ سورية ووعيها الذاتي معزولاً مفصولاً عن صيرورته التاريخية بوصفه كينونة ثقافية عربية إسلامية. ولعل موقفه من الدين واللغة الذي تخلل اغلب مفاصل موقفه النقدي من الفكرة القومية العربية ومحاولة الاستعاضة عنهما بعنصر البيئة أو الجغرافيا من بين أكثرها تعبيراً بهذا الصدد.

لقد انطلق انطون سعادة في فهمه لعناصر الدين واللغة تجاه قضية الفكرة القومية بمعزل عن الماضي والحاضر، أي عن الواقع والإمكانية. وهذا بدوره لم يكن معزولاً عن الفكرة "السورية" المستقلة عن تراثها العربي الإسلامي. كما إنَّ محاولاته إبراز خصوصيتها من خلال نقد التاريخ العربي الإسلامي أو الكشف عن"خصوصيته" بهذا الصدد، لم تكن أكثر من أحكام أيديولوجية صرف لا علاقة لها بالتاريخ الفعلي ومنطق التطور الثقافي. من هنا يمكن فهم ترديده لأحكام "أجنبية" عن "سورية" نفسها وتاريخها السياسي والثقافي وكينونتها الفعلية. إذ انه لم يجد في التاريخ السوري تاريخاً ذاتيا فعلياً إلا في المرحلة الأموية. ومع أنَّ الخلافة الأموية كانت جزء من صيرورة الدولة العربية "الإسلامية" إلا انه يفصلها عنها بوصفها نفياً لتقاليد "الدولة الدينية" التي وضع النبي محمد أسسها التاريخية والعقائدية الكبرى. بمعنى انه ينتزعها عن تاريخ العرب وتاريخ الإسلام لكي يجعلها جزءاً من "تاريخ سوري" قائم بذاته. وهذا حكم لا علاقة لها بتاريخ الصيرورة الذاتية للدولة العربية الإسلامية. أما أحكامه القائلة، بأنَّ النبي محمد استخدم "الدولة لإقامة الدين وجعل الدين أساسا لتنظيم شعب باق في حالة همجية"

 

[1]، فإنها مجرد ترديد باهت لبقايا الاتهامات الشعوبية وكذلك استعادتها الفجة في مرحلة الصعود الكولونيالي الأوربي. بينما سبق وإنْ جرى نقدها وتفنيدها منذ قرون عديدة بمعايير التجربة الكونية الفعلية للحضارة العربية الإسلامية. وينطبق هذا على حكمه القائل، بأنَّ الدولة التي أنشأها النبي محمد كان تخضع لغرض الدين وليس الدين هو الذي انشأ لغرض الدولة. وهو حكم مقلوب لأحكام التاريخ الفعلية. كل ذلك يشير إلى ما يمكن دعوته باختلاط الرؤية الأيديولوجية بالتاريخية والفلسفية والعلمية، التي أعاقت وشوشت إمكانية الرؤية السليمة لمسار التاريخ العربي في سوريا بوصفه تاريخاً ذاتياً وجوهرياً بالنسبة للفكرة القومية الحديثة. ومن خلاله فهم جوهرية اللغة والدين في الوعي الذاتي العربي، بوصفهما مكونين تاريخيين وثقافيين للفكرة العربية بوصفها فكرة ثقافية وليست عنصرية[2]. وذلك لأنَّ اللغة بالنسبة للذات العربية والتاريخ القومي ليست قضية منطقية أو شكلية مجردة، بل وليست حتى قضية ثقافية كبرى، بقدر ما هي مكون روحي وعقلي ومنطقي وثقافي يرتقي إلى مصاف المرجعية التأسيسية، أي المكوّن الجوهري في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية العربية، التي جعلت من الأمة العربية أمة ثقافية. الأمر الذي ميزها عن سواها في تاريخ الأمم الكبرى، أي كل ما جعل ويجعل لحد الآن من الفكرة القومية إشكالية كبرى لم يجري حلها بسبب ضعف أو عدم رؤية هذه الحالة الخاصة[3].

وينطبق هذا على فكرة عزل الدين عن الدولة بوصفها مصدر التقدم الحديث. والقضية هنا ليست فقط في تاريخ وبنية الفروق الكبرى بين الإسلام والنصرانية بهذا الصدد، بل ولأنَّ الفكر الأوربي العقلاني نفسه، كما هو الحال في شخصية ماكس فيبر على سبيل المثال وكثير غيره من ممثلي العقلانية والحداثة الأوربية، اعتبر البروتستانتية مصدر التطور العقلاني والتكنولوجي والاقتصادي والأخلاقي للغرب الحديث! أما تطبيق بعض مرجعيات الفكر السياسي الأوربي بمعزل عن تاريخها الذاتي فإنه يؤدي إلى تصنيع "الأوهام العقلانية". وذلك لأنها تبقى من حيث الأصل والفعل "عقلانية" مغتربة. وفي الحالة المعنية تعني بأنَّ هذه الفكرة تبقى مغتربة عن حقيقة التاريخ العربي ومصادر وعيه الذاتي. فهي تجهل أهمية الدين وتراثه المتنوع والمتعدد بالنسبة لبناء الفكرة القومية نفسها على أسس ذاتية سليمة. فالقومية تفترض إعلاء شأن مؤسسات ومرجعيات جديدة تناسبها من خلال النفي التدريجي المتراكم بمعايير الوعي الذاتي وليس حسب مقتضيات الرؤية الأيديولوجية المبنية على أساس تأمل تجارب الآخرين أيا كانت حصيلتها. وينطبق هذا على تقديمه للنموذج التركي الحديث. والقضية هنا ليست فقط في انه لا علاقة للإسلام التركي بالعالم العربي، بل ولأنَّ نهوض تركيا الحديث كان له مقدماته الخاصة بسبب استمرار الدولة القومية، على عكس العالم العربي و"سورية" بشكل خاص. وبالتالي، فإنَّ إشكالية الدين والدولة بالنسبة للعالم العربي هي إشكالية مفتعلة، أي أيديولوجية خالصة وتقليدية فجة لتجارب أوربية مفصولة ومعزولة عن تاريخها الذاتي. بل إنَّ تأمل التجارب التاريخية الأوربية بهذا الصدد تكشف عن أنْ التغطية الدعائية والسياسية للتبشير وأفضلية النصرانية على غيرها و"مرجعية" همجية الأديان والثقافات الأخرى وما شابه ذلك كان على امتداد قرون، القاسم المشترك عند أكثر واكبر الشخصيات العقلانية الأوربية. وبعد نفاذ هذه المهمة جرى الانتقال التدريجي إلى مرجعيات أخرى لم تتحرر بصورة نهائية من ثقل هذا الإرث المريض. وبالتالي، فإنَّ محاولة الانتقال أو حرق المراحل، لا يؤدي إلا إلى تجارب باهتة وعديمة القدرة على النمو الطبيعي.

خلاصة القول، إنَّ موقف انطون سعادة من الدين واللغة يكشف عن ضعف إدراكه لطبيعة المكون الثقافي للحضاري في تاريخ الأمم. كما انه يمثل نمطاً من الخروج على فكرة تلقائية التاريخ الثقافي، ومن ثم دور وإمكانية المكونات التي لعبت فيه أدوارها الخاصة. فالأسطورة الإغريقية لها دورها الخاص في الفكر والثقافة، ومن ثم التاريخ الحضاري الإغريقي. بينما لا أثر لها في التاريخ العربي. وعلى العكس لعب الدين من حيث كونه منظومة، أثراً جوهرياً ومنِّظماً وفاعلاً في إرساء أسس الحضارة العربية وتأسيس مرجعياتها العقائدية الكبرى، التي أثرت بدورها على صنع منظومات مرجعية متنوعة ومتوحدة في الوقت نفسه في ميادين الفكر والروح والقيم وغيرها. إنَّ عدم إدراك حقيقة الإسلام كما هو، ودوره وأثره بالنسبة للفكرة العربية، بوصفهما توأمان لصيرورة تاريخية كبرى وكينونة ثقافية تلازمها سوف يؤدي بالضرورة إلى انتشار وهيمنة الخلل الفكري والسياسي تجاه إدراك القيمة التاريخية والتأسيسية للفكرة الإصلاحية بالنسبة للمستقبل. بعبارة أخرى، إنها تؤدي إلى الجهل بقيمة المرجعية الفكرية القائلة، بأنَّ الحقائق التاريخية الكبرى هي حقائق ثقافية ومن ثم منطقية.

إنَّ قضايا العرب والعروبة والإسلام واللغة العربية هي بديهيات تاريخية ثقافية ووجودية في الوعي والضمير الفرد والاجتماعي في الشام والعراق وفلسطين والأردن وليست إشكاليات فكرية أو روحية أو حتى سياسية. لكن الأمر مختلف نسبيا في لبنان النصراني وليس لبنان المسلم. ولهذه القضية تاريخها السياسي الخاص وخللها الاجتماعي وتشوهها الطائفي، أي حصيلة "منظومة" الخلل العميق في الوعي الاجتماعي اللبناني الذي لم يستطع التخلص منه إلا قلة قليلة جداً. أما بالنسبة لانطون سعادة فإنه أراد تذليل هذا التاريخ المزيف أو الزمن السيئ و"منظومة" الخلل، ولكن من خلال القفز على تاريخ المشكلة ومن ثم مستقبلها بوصفها تطوراً تلقائياً، وليس مشروعاً أيديولوجياً صرف. الأمر الذي جعل من اللغة العربية والدين الإسلامي والثقافة العربية وفكرة العروبة إشكاليات أيديولوجية وسياسية صغرى وليس مرجعيات ثقافية كبرى. وبالتالي الاستعاضة عن التاريخ الثقافي المتراكم في صيرورة العالم العربي وكينونة الثقافية بمصدر البيئة (الجغرافيا والأرض) بوصفها القوة الصانعة للروح القومي السوري. مما جعل من فكرته القومية صيغة نسبية وجزئية للفكرة القومية[4].

فقد كانت الاستعاضة عن التاريخ الثقافي المتراكم في صيرورة العالم العربي وكينونة الثقافية بفكرة الأرض والبيئة نكوصاً على مضمون الفكرة الاجتماعية نفسها بوصفها فكرة عقلانية وثقافية. والقضية هنا ليست فقط في أنَّ فكرة الأرض (التراب) هي فكرة غير عقلانية، ومن ثم لا يمكنها أنْ تكون أرضية عقلانية للفكرة القومية، بل وبسبب فقدانها للأرضية الواقعية نفسها. فالأرض "السورية" هي أرض عربية، أما تحويلها إلى مصدر الصيرورة التاريخية للروح القومي بالضد من "صحراء العرب" فإنه لا يعمل إلا على توسيع الهوة المفتعلة بين "القومية السورية" و"القومية العربية" مع ما يترتب عليه من إمكانية وضع أحدهما بالضد من الآخر. ولا يغير من ذلك وجود الفكرة الدقيقة والسليمة التي قال سعى إليها انطون سعادة من أنَّ "العوامل الجغرافية السلالية والتاريخية والسياسية والنفسية"، هي "عوامل تغلب على الدين"[5]. إنها فكرة سليمة من الناحية المجردة فقط. وتصبح مطابقة "للروح القومي" للأمة حالما يجري تذليل الدين و"المرحلة الدينية" في الوعي بوصفها مرحلة تاريخية طبيعية وثقافية خاصة، أي تذليل المكون الديني- اللاهوتي وتفعيل المكون الثقافي العقلاني. وبدون ذلك تصبح هذه المواقف والأفكار والأحكام النظرية مصدراً لتشويش الوعي النظري والعملي وتخريب تكامله التاريخي. وذلك لأنها تسير باتجاه مخالف بل ومضاد للرؤية النظرية العلمية الكامنة في إدراك قيمة التاريخ الثقافي الذاتي، وبالتالي عدم رؤية الحاضر بمعايير المستقبل. مع ما يترتب عليه من خلل في الرؤية المستقبلية للفكرة القومية "السورية" نفسها.

وقد يكون موقفه من "تجديد الروح القومي السوري" في مجال الأدب والإبداع نموذجاً لذلك. إذ أنَّ اغلب، إنْ لم يكن جميع استنتاجاته النظرية تصبّ بهذا الاتجاه، بحيث أدت إلى فكرة عامة تقول، بأنَّ الروح القومي السوري ينبغي له، من اجل تجديد ذاته في ميدان الأدب، الرجوع إلى الأصول التي دمرتها الثقافة العربية! فالسوريون لم يفلحوا بإكساب شخصيتهم على الثقافة العربية إلا في زمن الخلافة الأموية، ولما جاء العهد العباسي قلّ التأثير السوري وكثر التأثير الفارسي. وإنَّ ما أخذته الثقافة العربية من الثقافة السورية كان طفيفاً وجزئياً، وذلك بسبب مزاج العرب "الحار المكتسب من طبيعة بلادهم الحارة ذات الرمال المحرقة" التي لم تتفق مع "هدوء النفس السورية النامية في محيط معتدل لطيف تتغير فصوله تغيراً منتظماً فلا ينزعج الفكر في مجراه". وأنَّ "طبع العرب القديم مخالفاً للعمران والاطمئنان إلى راحة الضمير"، وأن "اللغة القومية الجديدة (العربية) قد طغت على اللغة القومية القديمة"، وأنَّ حصيلة "الأدب العربي" لا تتعدى كونها أبيات من الشعر تارة تمثل الشعور الجامح، ونماذج من الكرم البدوي والحكم السخيف، وبعض أخبار وقادة العرب وأمرائهم. وهو كل الثروة الروحية التي ورثها "السوريون" عن العرب[6]، وأنَّ "القول بوحدة الأدب العربي خطأ مشهوراً لا يفضل الصواب المهجور"[7]، وما الى ذك. لكن الأمر اختلف حالما جاء دور الاتصال بالغرب والآداب الغربية. حينذاك "لمس السوري في هذه الآداب آثاراً من أساطيرهم السابقة ومثلهم العليا وسرعان ما تحول الفكر السوري الجديد عن الانقياد إلى المثل العليا الضئيلة التي خلفها الأدب العربي إلى البحث عن المثل العليا المعبرة عن النفس السورية". بعبارة أخرى، إنَّ الغلّو في "السورية" قد أدى ليس إلى سلخها الفعلي عن مقوماتها الذاتية، بل وأدى إلى نوع من الاستلاب لا يقل عما كان انطون سعادة يدعو لمواجهته. وذلك لأنَّ الحصيلة الجلية لذلك تقوم في توصله إلى أنَّ التأثر بالغرب الحديث هو أسلوب أو طريق وعي الذات السوري القومي الأدبي والروحي!! أما اعتبار إدراك الذات السورية ووعيها الروحي من خلال الاحتكاك بالثقافة الغربية بسبب ما فيها من مثل عليا مميزة للثقافة والروح السورية فهو أما استلاب ثقافي أو ضغينة ضد العرب المسلمين أو لجهل بالتاريخ الثقافي والقومي العربي (السوري) أو جميعهم. أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي تمهيد الطريق النفسي والفكري لسلخ "سورية" عن ذاتها العربية. ولا يغير من ذلك العبارات والكلمات والشعارات التي تعتبر الفكرة القومية السورية الاجتماعية الأشد دفاعاً وتمثلاً للعروبة الحقيقية وليس الوهمية كما دعاها انطون سعادة أحيانا. والسبب يكمن في أنَّ تغليب الخاص على العام في الرؤية النظرية للفكرة القومية السورية قد أدى من حيث الجوهر إلى تأسيس فكرة قومية في العالم العربي لا علاقة لها بالعروبة! ووجد ذلك انعكاسه في الاستنتاج النظري الفكري القائل بانعدام وجود أمة عربية واحدة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لما لم يكن العالم العربي قطراً واحد وبيئة واحدة وسلالة واحدة ومجتمعا واحدا، فلا يمكن أنً تكون له شخصية فيزيائية ونفسية واحدة. وبالتالي لا يمكن أنْ تكون له قومية واحدة ومطالب واحدة ونظرة واحدة إلى الحياة والفن"[8]. وبالتالي، فإنَّ "تسمية شعوب العالم العربي أمة هي من باب إطلاق الأسماء على خلاف مدلولاتها ومعانيها"[9]. وهو حكم يستتبع عدم توصله إلى إدراك ماهية الأمة العربية بوصفها أمة ثقافية، أي كل ما توصل إليه بصدد "الأمة السورية".

إنَّ تأسيس الفكرة القومية السورية بالصيغة المذكورة أعلاه عند انطون سعادة كانت تحتوي على محاولة تأصيل الاستمرار الثقافي. غير أنَّ إشكالاتها تقوم في عدم إدراكها جوهرية التاريخ العربي الإسلامي بالنسبة للفكرة القومية السورية بوصفها فكرة عربية. ولم يكن هذا بدوره معزولاً عن الخلل المنهجي المتعلق بفهم حدّ وحقيقة ومسار التاريخ والمعلومات والآثار. وبغض النظر الأسباب الشخصية والمنهجية الكامنة وراء هذا الخلل، فإنَّ حصيلته تشير إلى جانب واحد محدد لا لبس فيه وهو التحزب الأيديولوجي الصرف المبني على ضرورة وأهمية "الدولة السورية" من اجل التمتع بتاريخ ذاتي خاص. لكن تفسيره وتأسيسه يتسم بخلل بنيوي هائل من الناحية التاريخية والثقافية والمنهجية. فهو تأويل لا يصنع غير نفسية وذهنية التحزب المفتعل. ليس ذلك فحسب، بل ويقف بالضد من منطق الفكرة القومية الحديثة في العالم العربي بوصفها فكرة عربية أولا وقبل كل شيء. بمعنى يمكنها أنْ تكون عربية سورية وليس سورية عربية. وذلك لأنَّ كل التاريخ العربي الثقافي جرى في "سورية"، أي في منطقة المشرق العربي (أو الهلال الخصيب). أما الرجوع إلى ما قبل ذلك فهو مجرد أساطير. وإذا كان ذلك لا ينفي أهمية هذا الرجوع بل وضرورته بالنسبة للوعي الثقافي العام، فإنه ليس بذي قيمة جوهرية بالنسبة لوعي الذات القومي "السوري" الحديث بوصفه وعياً قومياً عربياً. وبدون ذلك لا يؤدي هذا التنظير إلا إلى توسيع مدى الانفصام الثقافي والانغلاق القومي. وبالتالي إلى عدم إدراك العلاقة الضرورية بين الواقع الحالي والمستقبل، والإمكانية والواقع، والكمون والحقيقة، والجزئي والكلي في القضية القومية العربية.

إنَّ هذه الملاحظات النقدية تبقى جزءً من ضرورة تقييم التجربة النظرية للفكرة القومية العربية الحديثة. وهي لا تقلل من فكر انطون سعادة، على العكس. أنها تكشف عن قوتها وإشكالاتها في الوقت نفسه. وذلك لأنَّ انطون سعادة يبقى، بالنسبة لي، أحد أعظم مفكري ومنظري الفكرة القومية العربية الحديثة. وإنَّ فكرته عن القومية السورية تبقى ذات أهمية عملية في ظروف العالم العربي الحديث ولكن بعد إعادة تدقيقها في ظل مستجدات الصيرورة المتأخرة للفكرة القومية العربية وواقعها الفعلي.

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص180.

[2] إن إشكالية الدين واللغة بالنسبة للفكرة القومية العربية هي إشكالية "لبنانية"، أي "سورية" ضيقة لازمت مرحلة صعودها وتنافر قواها الداخلية بأثر الاستعمار الفرنسي وبقايا الانحطاط الاجتماعي والثقافي والسياسي والدولتي التي لازمت السيطرة والهيمنة العثمانية. بل إنَّ كل من حارب أو عارض أو سعى لنقد أهمية وجوهرية اللغة (العربية) والدين (الإسلامي) بالنسبة للفكرة القومية كانوا من أقليات قومية أو دينية (مسيحية). والشخص الوحيد الذي تجاوزها من خلال الرجوع إليها بوصفها مرجعية بما في ذلك من خلال اعتناقها الشخصي هو ميشال عفلق. ويندرج ضمن هذا السياق أتباع الأيديولوجيات الغربية من ذوي الاستلاب الثقافي والجهل المعرفي وبالأخص "اليسار"، أي تيار التقليد السياسي والأيديولوجي والاستلاب الثقافي الذي عادة ما لازم محاولات "الأقليات" العرقية والدينية "الاندماج" المفتعل بقضايا وإشكاليات العالم العربي. ولا تخلو فكرة ومواقف انطون سعادة المتعلقة باللغة (العربية) والدين (الإسلامي) بالنسبة لتأسيس الفكرة القومية العربية من تأثير دفين وغير مباشر لنفسية وذهنية الأقلية الدينية (النصرانية). ولا يغير من هذه الحقيقة محاولاته الجادة والمتجانسة والمخلصة من اجل إرساء أسس الفكرة القومية على قواعد الدنيوية الخالصة. ومن ثم الإبقاء على الدين باعتباره قضية شخصية.

[3] الاستثناء الوحيد في تاريخ الفكر العربي الحديث هو ما توصل إليه عبد العزيز الدوري في كتابة (الجذور التاريخية للقومية العربية)

[4] بل يمكن القول، انها الوجه الاخر للفينيقية اللبنانية ولكن اكثر توسعا من الناحية الجغرافية – بالاسم فقط- وذلك لان كل ما يقدمه سعادة من ادلة لا تتعدى في الاغلب حدود لبنان الحديث والنصرانية اللبنانية.

[5] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.

[6] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج3، ص141.

[7] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج11، ص123.

[8] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.

[9] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.