mutham aljanabi2تقديم عام: إن الغاية من سلسلة المقالات المتعلقة بتناول قضية (شخصيات وأفكار وقيم من التراث) التي اخصصها لتناول أفراد لهم أثرهم في تاريخ الفكر والروح والدولة،وأفكار وقيم مازالت فاعلة رغم عقمها أو خطأها، ترمي إلى وضعها ضمن سياق وجودهم التاريخي من جهة، وتحليل ما فيهم ضمن ثنائية السلطة – المثقف، والخير والشر، والجميل والقبيح من جهة أخرى. لاسيما وأن هذه العلاقات هي في الوقت نفسه إحدى المعضلات الكبرى للتاريخ الفعلي ووعي الذات القومي والثقافي. كما أنها باقية ما بقيت السلطة والدولة. وبالتالي يمكن النظر إليها باعتبارها "قضايا أبدية" ما لم يرتق الروح إلى مصاف الأبد، أي ما لم يجري تذليل مراحل الوجود الطبيعي للبشر والوعي ومؤسسات وجودهم التاريخي. وهو الخلاف الجوهري بين ثقافة الأشباح والأرواح، أي كل ما يمكننا رؤيته أيضا في سعة وانتشار ثقافة الارتزاق المعاصرة، وكثرة "المفكرين" الجهلة للسلطات والأحزاب، وتحويل الخير إلى شر وبالعكس، وجعل القبيح جميلا وبالعكس. بعبارة أخرى، ان المهمة الأساسية من وراء هذه المقالات الصغيرة هو شحذ الرؤية النقدية في الموقف مخ التراث وتنقيته من زيف "القداسة" وما شابه ذلك من تخريف للعقل وحشوه بخزعبلات التدين المزيف والإرادة المخذولة. أما الغاية النهائية فتقوم في بلورة الوعي النقدي والعقلاني من الماضي والمستقبل بما يخدم صنع الإجماع العلمي المحكوم بالنزعة الواقعية والعقلانية والإنسانية.

***

عبد الرحمن بن عوف

توفي عبد الرحمن بن عوف عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك.

كان اسمه الأول عبد عمرو فغيرّه النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق! إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وان حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي".

وفي نفس الوقت كان متواضعا في سلوكه الحياتي، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وقد أثارت هذه الصفات المتضادة والمتعارضة في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في سلوكه الحياتي والسياسي والعقائدي.

فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فانه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي كان غنيا، فانه كان سخيا كريما. بحيث جعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، أن يدخل مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى.

لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها لعثمان. إذ لم يخل هذا الموقف السياسي من رياء أخلاقي محكوم بالثروة وأثرها في بلورة المواقف العملية! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما كان لهذا الفعل والموقف من اثر مباشر وغير مباشر في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق، واندثار معالم الإسلام الأول. مع ما ترتب عليه من تحويل التضحيات الكبرى من اجل تحقيق المبادئ الاجتماعية والأخلاقية الكبرى للإسلام الأول إلى مجرد عبث وأنقاض لا قيمة لها.

إن حياة وممات عبد الرحمن بن عوف وأثره اللاحق، تكشف عما في الشخصية الإنسانية من تناقض يصعب حده أحيانا بمعايير المنطق، لكنها تبرهن في الوقت نفسه، بان حقيقتها لا تقوم في سماء اللاهوت أيا كان مصدره وشكله ومستواه، بل في قاع الضمير الأخلاقي والسياسي للأمم. الأمر الذي أبقى عليه واحدا من "عشرة مبشرين بالجنة" إلى جانب ملايين أو مليارات يمكنهم التعويل عليها، لكنه اضمحل وتلاشى من الذاكرة الحية لجنان الروح الإنساني ومغامرات البحث عن العدل والنظام الأمثل.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

jafar alhakeemفِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ (لوغوس) وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (اله)

هذه هي المقدمة الاستهلالية للانجيل المنسوب إلى (يوحنا) والتي دائما ما يستشهد بها الاخوة المسيحيون لاثبات الوهية يسوع الناصري، ويكثرون من ترديدها في كل مناسبة.

وفي سياق مناقشة هذا النص، يجب اولا توضيح حقيقة مهمة جدا، وهي ان هذا النص الشهير، ليس كلام الله،ولا كلام يسوع المسيح!، وإنما هو مجرد عبارات سطرها الأشخاص المجهولون الذين قاموا بتأليف الانجيل المنسوب ليوحنا!

والقارئ للكتاب المقدس يلاحظ بشكل واضح ان يسوع المسيح لم يستخدم ابدا لفظة (الكلمة) في توصيف نفسه، رغم ورود عبارات وجمل كثيرة منسوبة ليسوع يتحدث فيها عن نفسه، مع ذلك لم يقل ابدا عن نفسه انه (الكلمة!)

الامر الاخر، الذي يلاحظه القارئ للكتاب المقدس، هو ان لفظة (الكلمة) وردت مرارا وتكرارا في نصوص العهد القديم وكذلك الجديد، لكنها ابدا لم ترد ضمن المعنى الذي وضعه المؤلفون لانجيل (يوحنا) ولا حتى ضمن معنى قريب منه!

فقد وردت لفظة الكلمة احيانا بمعنى (الشريعة) واحيانا بمعنى (الوحي) واحيانا اخرى بمعنى الاوامر الالهية، والشواهد كثيرة ولا نحتاج لإيرادها،لأنها معروفة لكل من تصفح الكتاب المقدس!

من خلال التمعن في كلمات النص الاستهلالي والافتتاحية التي هي أقرب الى الاشعار الرومانسية للانجيل المنسوب الى (يوحنا) نلاحظ ان معنى لفظة (الكلمة) والذي اقحمه المؤلفون لهذا الانجيل، هو معنى غريب وغير متسق مع دلالة نفس اللفظة في متون الكتاب المقدس، وانما تم اقحامها في هذا الإنجيل المتأخر زمنيا عن باقي الأناجيل من أجل غرض معين!

ان اقحام معنى غريب عن ادبيات الكتاب المقدس، تسبب في اخراج نصا مشوها، ينقض بعضه بعضا، ويبدو ان السادة كتبة إنجيل (يوحنا) لم يكونوا مهتمين بهذا الأمر!

بقدر اهتمامهم بتقديم تصورا لاهوتيا جديدا من اجل ترسيخه في أذهان المؤمنين!

وهذا المفهوم، يتحدد بشكل واضح في العبارة التي اثبتها هؤلاء الكتبة - بعد اللف والدوران- وهي عبارة

(وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ،مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا)يوحنا 1/14

بعد هذه العبارة، يتضح المعنى الذي يراد ترسيخه، وهو ان يسوع المسيح هو الكلمة، وهو أزلي غير مخلوق وهو نفسه (الله) المتجسد في شكل انسان، وانه اقنوم (الابن) الذي يساوي مجده نفس مجد (الاب!)

ان لجوء كتبة هذا النص الى المخاتلة اللفظية والتلاعب بدلالة الالفاظ، اوقعهم في تناقضات عجيبة، تسببت في تهافت المعنى الذي يراد إيصاله، بل وتناقضه مع بعضه البعض، وتناقضه مع سرديات بقية نصوص الكتاب المقدس!

فعندما اراد كاتب النص الإشارة الى ازلية المسيح، استخدم تعبير (في البدء كان الكلمة!)، فقام بنفسه بنسف هذا المعنى!

والسبب بسيط وواضح، فعبارة (في البدء) لا تعني ابدا (الازلية) وان كانت احيانا تعني (الاقدمية)، فعندما يقول الكتاب المقدس (في البدء خلق الله السموات والارض) لايفهم القارئ ان المقصود هو ازلية السماء والارض!

ونلاحظ ان هذا التناقض الواضح قد اوقع اللاهوتيين الذين حاولوا شرح هذا النص في اضطراب شديد، فصاروا يحاولون تاويل هذا التناقض بتفسيرات سطحية وساذجة!، حتى صار بعضهم يلجأ الى معاجم اللغة العربية ويلف ويدور، ليخرج لنا بتفسير يقول : ان (في البدء) تعني الأقدمية! ليفسر لنا الماء...بعد الجهد...بالماء !!

ومن التناقضات التي يحملها هذا النص، عبارة(والكلمة كان عند الله!) فهذه العبارة تنقضها العبارة التي تليها (وكان الكلمة الله) لأن المعنى الذي تستوجبه العبارتين يستدعي ان يكون(الله عند الله!) وهذا المفهوم لايتسق مع أي منطق!

وكما اوضحت آنفا، ان كل هذه اللفة والدوران التي قام بها كتبة هذا النص، غرضه هو الوصول للنتيجة التي يريد هؤلاء السادة تمريرها، وهي أن (الكلمة) هي (الله المتجسد) على شكل (يسوع المسيح!)

ولو سلمنا لهم بهذا المعنى، فسيحدث اضطراب كبير في مفهوم الإيمان،لأن هذا المعنى يستلزم ان يكون أقنوم

(الابن/ الكلمة) هو الخالق الذي(به كل شيء كان وبغيره لم يكن!)

فهل هذا يشمل بقية الأقانيم (الآب والروح القدس)؟!

هل هذه الاقانيم خلقها اقنوم (الكلمة الابن) ام كانت مخلوقة معه؟! والنص يقول(به كل شيء كان!!!)

ومن المفارقات الغريبة لهذا النص المتناقض، والذي تم اقحامه على نصوص الكتاب المقدس لغرض اعطاء بعدا لاهوتيا لشخص المسيح، ان هذا النص ليس فيه اي اشارة الى الاقنوم الثالث الذي يتشكل منه الله واعني به (الروح القدس!)

والسبب واضح، وهو ان هذا النص تمت كتابته في اوائل القرن الثاني الميلادي، بينما لم يتم (ترقية)  الروح القدس الى درجة الالوهية الا في اواخر القرن الرابع الميلادي !

ولا اريد الاستفاضة في نقد وتبيان تناقضات النص الاستهلالي لانجيل يوحنا، لان ذلك يتطلب مقالا او اكثر، ولان هناك الكثير من الردود والشروح الرائعة لكثير من الشباب على الشبكة العنكبوتية، توضح تهافت وتناقض النص، ويستطيع من يريد الاستزادة الرجوع اليها، لكني فقط اود الاشارة الى التلاعب وتحريف الترجمة التي عمد اليها مترجمو النص،حين وصلوا الى عبارة (وكان الكلمة الله) حيث قاموا بترجمة كلمة (اله) إلى كلمة (الله) لكي يضبطوا تحريف معنى العبارة !!

لأن النص الاصلي يذكر كلمة (اله) والتي تعني احيانا الشخص الذي يملك السلطان الالهي كما هو الحال مع (موسى) حيث نجد ان الله يخاطبه في العهد القديم قائلا:

(انا جعلتك الها لفرعون)

اما في نص إنجيل يوحنا المتقدم قام المترجمون بتحريف الكلمة(اله)  الى كلمة (الله) لكي يكون يغيروا المعنى بشكل مختلف تماما، من اجل ان يتسق مع العقيدة التي يريدون تسويقها!!

وبالرجوع الى أسباب إقحام هذا النص الهجين في الكتاب المقدس،بل وجعله مقدمة افتتاحية للانجيل المتأخر زمنيا، علينا ان نتتبع اصل الفكرة التي اقتبسها الذين كتبوا هذا النص، وهي فكرة (اللوغوس) والتي قام هؤلاء الكتبة بإعطائها معنى جديدا، وهو (الكلمة) بعد ان كانت متداولة بمعنى (العقل)

ان عقيدة الكلمة (اللوغوس) هي بالأصل فكرة مسروقة من فلسفة يونانية قديمة كان (هيراقليطوس) اول من تكلم بها في القرن السادس قبل الميلاد حيث انشأ فلسفته على اساس ان كل شيئ في الكون يديره وينظمه عقل الله(اللوغس) الازلي!

ثم جاء (فيلون السكندري) في نهايات القرن الاول الميلادي و طور هذه الفكرة واعتبر (اللوغوس) هو أقدم شيئ في العالم وبه قد تم خلق كل شيئ في هذا الكون!

هذه الأفكار كانت منتشرة و رائجة في أوساط الجاليات الناطقة باليونانية ومدنها، وخصوصا في مدينة (افسس) التي يعتقد ان كتابة انجيل (يوحنا) قد انجزت فيها، والتي هي بنفس الوقت المدينة التي عاش فيها (هيراقليطوس) صاحب فكرة (اللوغوس)

بالنسبة للانجيل المنسوب ليوحنا، وحسب اشارات الكثيرين من مؤرخي الكنيسة، فقد تم كتابة هذا الإنجيل، للرد على الهرطقات التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت!، ونحن نتكلم هنا عن الفترة ما بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني

وواضح جدا، ان المقصود بالهرطقات، هي العقائد التي كان يتبناها الكثير من المسيحيين الاوائل، والتي لا تؤمن بالوهية يسوع الناصري ولا تتخذ منه إلها معبودا

ورغم ان المؤرخين المسيحيين حاولوا دائما طمس واخفاء المعالم التي تشير الى الصورة الكاملة لتنوعات الايمان المسيحي المبكر، وتصوير المشهد مقتصرا على مسيحية الكنيسة وإيمانها القويم، الا انه ورغم ذلك،تسرب لنا بعض الاخبار عن مجاميع مسيحية كان لها ايمانا لا يتطابق مع الكنيسة كالغنوصيين والأبيونيين

لقد كانت طائفة الابيونيين المسيحية تمثل مجموعة مبكرة من المسيحيين المتهودين، والذين كانوا يتبعون يسوع الناصري ويعتبرونه (نبيا مختارا) من الله، وبنفس الوقت اختلفت طائفة الأبيونيين (ابيونيم تعني: الفقراء) مع ايمان الكنيسة الارثوذكسية، في صفات يسوع الناصري، حيث كانوا يعتبرونه بشرا عاديا، ولا يؤمنون بولادته العذرية، ولا بمسيحانيته

في هذا الجو المليئ بالافكار المتضادة حول المسيح، تم تاليف الانجيل المنسوب ليوحنا، متضمنا مقدمته الاستهلالية والتي تؤكد على اعطاء يسوع الناصري بعدا لاهوتيا، لغرض الرد على أفكار المجاميع المسيحية الأخرى، كالابيونيين، و لغرض تثبيت الإيمان الذي يسوق له المؤلفون لهذا الانجيل في نفوس اليونانيين الذين بدأوا بمفارقة الوثنية واعتناق الايمان الجديد، وذلك من خلال اقتباس فكرة يونانية راسخة لدى تلك الجالية،وهي  فكرة (اللوغوس) وتطويرها لكي تصبح موائمة للوضع العقدي الجديد، وقد نجحوا فعلا، في جعل الوثنيين اليونانيين يتقبلون الفكرة القديمة/الجديدة ويعتنقونها كعقيدة!

فصار اللوغس(العقل) يعني (الكلمة) وأصبح يسوع هو التجسد لهذه الكلمة، والاله الجديد الذي حل محل الالهة القديمة!

وبهذه التوليفة العقدية الجديدة، تم ترسيخ فكرة ازلية يسوع الناصري، وجعله خالقا بعد ان كان مخلوقا!

من خلال نص هجين متهافت المعنى تم اقتباسه من فلسفة يونانية، و اقحامه في نصوص تم اعطاءها، لاحقا، صفة القداسة، رغم التناقض المخل، والاضطراب البين في المفهوم الكلي الذي حاولت معاني تلك النصوص تشكيله!! 

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 26

د. جعفر الحكيم

 

 

mutham aljanabi2لقد ارتقى إدراك عمر بن الخطاب لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا إلى مصاف المرجعية الكبرى. بحيث تحولت عنده في وقت لاحق إلى مبدأ شامل. بل تحول عمر بن الخطاب نفسه إلى قوة جامعة متحركة في تتبعها لكل شيء ومكان يمكن أن تصل إليه يداه وساقاه ونظره وعقله وفؤاده. الأمر الذي كان يعني من الناحية الفعلية تداخل الدولة والسلطة على مثال تداخل الدين والدنيا. بحيث أصبحت علاقة السلطة بالدولة الوجه العملي لعلاقة الدين بالدنيا. ولم يفتعل عمر بن الخطاب هذا التداخل، بقدر ما كان ينبع من وحدة شخصيته وتمثله للرؤية الإسلامية التي جمعت في أعمق أعماقها الحمية العربية الجاهلية (الواقعية) والإسلامية (الأخلاقية المتسامية). ومن الممكن تلمس هذا التداخل في ارتقاء وحدة الدين بالدنيا للدرجة التي كانت تجعله يتتبع أدق الصغائر ومعاملتها بطريقة جعلت منه مثالا للشخصية التي لا تأخذها في الحق لومة لائم. لهذا امتلأت كتب التاريخ والمناقب عنه بحكايات لا تخلو من الطرافة الواقعية، مثل الحكاية المروية عن إرسال قيصر الروم رسولا إليه لينظر أحواله ويشاهد أفعاله. فلما دخل المدينة سأل أهلها:

- أين ملككم؟

- ما لنا ملك، بل لنا أمير خرج إلى ظاهر المدينة.

فخرج في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة والعرق يسقط من جبينه إلى أن بلّ الأرض. فلما رآه على هذه الحالة، وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته وتكون هذه حالته! لكنك يا عمر قد عدلت فأمنت، وملكنا بجور فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا"[1]. وقد غذت هذه الصورة المثالية للخيال الواقعي وحدة الدين والدنيا في سلوكه العملي، بوصفها الصيغة الروحية لوحدة الدولة والسلطة السياسية.

فمن المعروف عنه كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على ارض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[2]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لأدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[3]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[4]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[5]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على أحوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق. وفيها يكمن تأسيس إمكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[6].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جسّد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

 

 ا. د. ميثم الجنابي

..................

[1] الغزالي: التبر المسبوك، ص117.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص115.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[6] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

 

mutham aljanabi2كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هي الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعلوم عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

- أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

- يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لهذه الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا.

فقد كان سلوكه الحاد والعنيف تجاه أخته فاطمة بسبب إسلامها، هو نفس ما ميز أسلوبه في التعامل مع فاطمة زوجة الإمام علي وبنت النبي محمد. فقد أدمى وجه الأولى بسبب إسلامها، وكسر أضلاع الثانية بسبب امتناعها عن مبايعة أبو بكر بالخلافة. والشبه الوحيد في هذا السلوك يقوم في سعيه لفطم سلوك المعارضة في مواجهة ما يعتبره حقا. وهو سلوك يشير إلى شخصيته وطبيعة تفكيره وفعله. إذ نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالحمية الحامية في إرادته الفردية. ففي الأولى حمية الجاهلية وفي الثانية حمية الدولة. وهي حمية الشخصية الفاعلة بمعايير الرؤية العملية وضرورة تجسيدها مهما كلف الثمن. وضمن هذا السياق يمكن فهم سلوكه ومواقفه بعد اختيار أبو بكر للخلافة تجاه كل من عارض أو اعترض أو توقف أو اعتزل، عندما سعى لإجبارهم على المبايعة. فنراه يطالب أبا بكر، بأن يبايعه سعد بن عبادة[6] قائلا له"لا تدعه حتى يبايعك"[7]. كما نراه يذهب إلى بني هاشم لكي يجبرهم على المبايعة لأبي بكر بحيث نراه يأخذ الزبير بن العوام بالقوة[8]. كما نراه يخاطب عليا بعبارة: "انك لست متروكا حتى تبايع". بل نراه يكرر دعوته لأبي بكر لكي يجبر عليا على المبايعة قائلا له:"لا تمهل هذا المتخلف عنك بالمبايعة"[9]. بل نراه يطالب بقتل علي إذا رفض المبايعة، كما في قوله:

- إذا لم تبايع، فوالله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك!

- إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله؟!

- أما عبد الله فنعم! وأما اخو رسول الله فلا![10]

ولم يكن سلوك الإجبار هنا سوى المظهر المتوتر والمعبّر عن إدراكه لقيمة وأولوية الدولة ومركزيتها بالنسبة للدين والدنيا. من هنا رغبته في إجبار الجميع على المبايعة والإقرار بضرورة الاعتراف بالدولة والسلطة المركزية. لهذا اعتبر من الممكن قتل "عبد الله"، أي "مواطن" الدولة الجديدة إذا كان ذاك ضروريا بالنسبة لإعلاء شأنها وهيبتها، بينما ترك المجال مفتوحا أمام علاقة "الأخوة" والقرابة. انه شدد على أولوية "عبيد الله"، بوصفهم أعضاء الأمة والدولة، واعتبرهم أفرادا مهما كان أصلهم ومنشئهم. وهي ممارسة تعكس فهمه لقيمة الدولة. وفي هذا الموقف نلمس إدراكه لمبدأ الدولة وأولويتها بالنسبة للدين والدنيا، ورفعه إياه إلى مصاف المرجعية الكبرى.

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

[6] سعد بن عبادة (ت- 14 للهجرة)- اسلم مبكرا. وشهد بيعة العقبة وجميع الأحداث الكبرى في صدر الإسلام. سمي بالكامل لإتقانه السباحة والرمي. وهو أول من طرح فكرة أن يكون الأنصار خلفاء للنبي، بمعنى المشاركة الفعلية في إدارة الدولة وليس حصرها بمعايير القبيلة والمنشأ. لهذا نراه يرد في نهاية المطاف على محاولة إبعادهم عن السلطة بفكرة "منا أمير ومنكم أمير". وهي فكرة متناقضة بالنسبة لمركزية الدولة الضرورية، لكنها تعكس من حيث حوافزها وغاياتها إدراك أهمية المشاركة العامة.

يمكن اعتباره أول الشخصيات الحرة في الموقف من السلطة (الخلافة). إذ لم يؤيد البيعة لأبي بكر. وتنسب إليه العبارة التي خاطب بها أبا بكر:"والله لا أبايعكم أبدا". والتزم بها حتى النهاية. بل هو الشخص الوحيد الذي لم يبايع عمر بن الخطاب. وقد اضطر لترك المدينة والهجرة إلى الشام وتوفي في الطريق إليها(منطقة حوران) عام 14 للهجرة.

وبغض النظر عن حوافز معارضته للصيغة التي جرى بها اختيار أبو بكر ولاحقا عمر بن الخطاب لخلافة المسلمين، إلا أن ردود فعله المتجانسة في الموقف من أبي بكر وعمر بن الخطاب تشير إلى صلابة موقفه السياسي المعارض. فقد احتوت معارضته السياسية من حيث مقوماتها الداخلية على عناصر الرؤية التاريخية والحقوقية. بمعنى انه حاول تقديم أولوية أو أحقية الأنصار بالخلافة انطلاقا من دورهم السياسي والأخلاقي والاجتماعي والتاريخي في تثبيت أسس الدعوة الإسلامية وانتصارها. فانتصار الإسلام كان بمعنى ما مرتبطا وثيق الارتباط بالأنصار. وبالتالي فان تمثل فكرة أحقيته بالخلافة مبنية على رؤية ومبادئ لا علاقة لها بالقبيلة وقرابة الدم. وقد كانت تلك فكرة متطورة بحد ذاتها. لاسيما وان الأنصار كانوا من الناحية الفعلية القوة التاريخية للإسلام وقربانه البشري الأكبر. كما انه القربان الذي دفعه سعد بن عبادة في مجرى حياته الأخيرة أيضا عندما توفي وهو في طريقه إلى الشام، باعتباره احد أشكال الاحتجاج على السلطة. وليس مصادفة أن يقول عمر بن الخطاب عن موته:"قتله الله!". (ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج2، ص470). وهي عبارة لا مروءة فيها.

[7] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص16.

[8] الزبير بن العوام (ت- 36 للهجرة)- اسلم وعمره خمس عشرة سنة. من أوائل المسلمين (السبعة). هاجر للحبشة والمدينة. وشهد بدر وجميع غزوات النبي. كما ساهم في فتح مصر. ودخل مجموعة الشورى الستة. ويعكس في شخصيته كل تناقضات مجموعة الشورى التي وقفت إلى جانب خلافة عثمان بن عفان. وهو موقف أسهم من الناحية التاريخية والسياسية بتهشيم أسس الصيرورة الإسلامية السليمة وكينونتها الروحية، كما نعثر عليه بصورة جلية فيما أدت إليه خلافة عثمان من نخر أسس الدولة والأمة والفكرة الإسلامية الأولى ومبادئها الكبرى. وهو اختيار سياسي له مقدماته وغاياته. وليست حرب الجمل التي اشترك فيها الزبير بن العوام وقادها ضد خلافة علي بن أبي طالب سوى الوجه الظاهري لباطن رؤيته السياسية والأخلاقية. فقد غلبّ المصالح الضيقة على مصالح الدولة والأمة والحق. وحكم هذا التناقض حكم سلوكه السياسي المعارض لخلافة علي بن أبي طالب ثم اعتزاله الحرب ومقتله الذي كان يفتقد لكل المعاني الجليلة التي لازمت صيرورته الفردية والاجتماعية والإسلامية.

فقد قرر اعتزال القتال مع علي. وعندما قابله ابنه عبد الله بعبارة "جبنا جبنا"! فانه لم يجد فيها ما يستحق الرد. فمن المعروف عنه شجاعته وبأسه وبطولته في القتال والمعارك. إذ كان من فرسان قريش مقداما. كما كان غنيا كريما كثير الشمائل والفضائل. ويقال انه مات وهو كثير الديون لكرمه. كما كان مخلصا للدعوة الإسلامية. بحيث تنسب للنبي محمد عبارة عنه يقول فيها:"لكل نبي حواريّ. وحواريّ الزبير". والحواري بالعربية تعني ناصر الأنبياء أو الخالص، أو الخليل. وهي عبارة يمكن أخذها على علتها، لكنها تعكس موقعه الشخصي من النبي محمد. غير أن العبارة العابرة في تقييم النبي محمد لمن صحبه ليست صك الغفران الإسلامي ولا تحتمل معنى "الشفاعة" الأبدية. انطلاقا من أنها قيلت ضمن سياق الصراع وسباق الأحداث، شأن كل كلمة تقال في الأفراد أيا كان حجمهم وموقعهم في الوجود.

[9] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص18-20.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسية، ج1، ص21. وقد يكون هذا الموقف احد اشد الأشكال تطرفا وغلوا لأدراك قيمة الدولة. بمعنى إننا نستطيع تحسس الهاجس الخفي والعميق والكبير لفكرة الدولة في مواقف وشخصية عمر بن الخطاب. وهو أمر جلي في خضوعه الشخصي للخليفة الجديد. بحيث لم نسمع عن أية معارضة مهما كان نوعها، بل الاشتراك المباشر وغير المباشر في تحسين شروط فعلها وأداءها. ولم يكن هذا الاشتراك معزولا عن الرغبة المحتملة في احتلال موقع الخلافة بعد أبي بكر. لاسيما وان ترشيح أو استخلاف أبو بكر إياه قبيل موته احد الأدلة الواقعية والدقيقة بهذا الصدد. وهو أمر لا تخلو منه الحياة السياسية. فبعد موت النبي محمد لم يعد الإسلام إذعانا لله والدعوة الجديدة، بل إسلاما للدولة والأمة. فقد لازم هذا الانتقال الموضوعي تحول الإسلام إلى دين الدولة، أي أيديولوجيتها "المتسامية". أما عمر فقد طوعها بطريقة واقعية وسياسية خالصة. وقد يكون أكثر أشكالها جلاء بهذا الصدد هو الطابع الحاد المميز لشخصيته في اتخاذ القرار وتنفيذه، بوصفه احد شروط رجل الدولة الكبير. غير أن الخطأ ولحد ما الخطيئة التاريخية في سلوك عمر بهذا الصدد، يقوم في تحويل الحادثة التاريخية العابرة إلى مبدأ. إذ ارتبط هذا التحول بشخصية عمر بن الخطاب، الذي جعل من الإكراه مبدأ ضروريا لمركزية ووحدة الدولة والأمة. بحيث تحولت "المبايعة" لاحقا إلى عمل تقليدي ملزم للجميع. بمعنى جعل المعارضة أيا كان شكلها ومستواها "خروجا على الإسلام". وهو تناقض فض! إذ جعل من فكرته السياسية واجتهاده العملي جزء من العقيدة الدينية والإيمان القويم! وفي هذا يكمن التناقض القاتل لعبارة عمر المذكورة أعلاه وسلوكه العملي. إضافة إلى كمون الخطيئة والفساد الأخلاقي والسياسي فيها. وذلك لأنها أسست لما يمكن دعوته بحاجة الدولة إلى لسان كاذب وقلب خرب. وذلك لأن فكرة المبايعة بالطريقة العمرية أفرغت حرية الإنسان وفكرة الإرادة الحرة وحق الاختلاف من معناها. كما أعطت للسلطة وحدها ممارسة الإجبار بوصفه حقا، بينما جعلت من الاختلاف معها ومعارضتها خروجا على الإيمان ومروقا على الدين! مما أدى إلى جعل الإسلام والقهر السياسي للسلطة تجاه الأفراد والجماعات والأمة شيئا واحدا.

 

 

mutham aljanabi2إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى وضع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

***

 

ميثم الجنابي

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2إن تحول "خلافة الراشدين" إلى فكرة روحية، وأنموذج عملي أعلى، ومثال أخلاقي تام، ومعيار سياسي مطلق، يشير إلى جوهريتها المتسامية في الذاكرة الإسلامية ومكونات وعيها النظري والعملي. بمعنى خروجها على ما هو معتاد ومألوف في تاريخ الدولة والسياسة. وهي رؤية وجدانية ومجردة عن حيثيات التاريخ الفعلي. من هنا مرجعيتها وسموها اللذين لا يخلوان من أوهام التاريخ وكسل الوعي الإيماني. لاسيما وأنه وعي لا مكان فيه لمعايير الرؤية النقدية. وحالما يجري رفع هذه الصورة والمعيار إلى مصاف المرجعية المقدسة، فإنهما يصبحان جزء من معتقدات الإيمان، وقواعد العقائد، وحجج العقل التقليدي. مع ما فيها من حالة متناقضة من حيث أسسها التاريخية ومجراها الفعلي وتأثيرها الواقعي.

فقد كانت بداية "خلافة الراشدين" فعلا تاريخيا، ارتبط بكيفية حسم الصراع الأولي لصالح المهاجرين في شخصية أبي بكر الصديق. وقد كان هذا أساسها. أما في مجراها فقد كانت عملية سياسية مرت بثلاث مراحل أو منعطفات كبرى، الأولى وهي المرحلة التأسيسية التي مثلها أبو بكر وعمر بن الخطاب، بوصفها بداية الدولة. والثانية هي المرحلة السياسية التي مثلّها عثمان بن عفان، بوصفها بداية السلطة. والثالثة هي المرحلة التاريخية التي مثلها علي بن أبي طالب، بوصفها بداية الدولة السياسية، أي بداية الحضارة الإسلامية وصيرورة مكوناتها الثقافية ومرجعياتها الكبرى. وهي تحولات كبرى حددت بدورها طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف.

وشأن كل بداية كبرى، فإنها عادة ما تختزل الصراع بصورة حادة وسريعة وسهلة. وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية لاحقا عبارة "لقد كانت خلافة أبو بكر فلتة". وبغضّ النظر عن الإمكانيات المتنوعة في تأويلها، لكنها تصب في المجرى العام لما يمكن دعوته بالبداية الصعبة. أنها شأن كل ولادة أولى تحتوي بالضرورة على وحدة الإغراء والألم. وفي هذا يكمن سرّ بريقها الباهر في الوعي التاريخي والعقائدي على السواء.

فمن الناحية التاريخية كانت خلافة أبي بكر بداية الدولة، ومن ثم انتهاء الوحي. وهو الأمر الذي جعل من الاجتهاد السياسي بداية الاستقلال الفعلي في تاريخ الأمة بوصفها كينونة جديدة. وهو تحول أعطى للشخصية السياسية أبعادا روحية، كما جعل من الروح أداة التنسيق الدائم للأفعال من خلال رفعها إلى مصاف الصورة المتسامية والمرجعية العملية، كما نعثر عليها في الصيغة المباشرة التي جعلت من تسلسل الأشخاص في الخلافة تسلسلا في الفضائل المجردة والشخصية. وعادة ما تغري هذه الرؤية الوعي الديني والتقليدي، لكنها لا تشفي غليله. ومع كل احتجاج فكري وواقعي عليها تستثار فيه حمية التوكيد و"البرهنة" والبحث عما يمكن توظيفه في سلسلة العقائد.

وهي الصورة التي نعثر عليها فيما يسمى بالمواقف السنّية من شخصية أبي بكر. فجميعها يجمع على أمور عامة مثل كونه أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن بالنبي محمد من الرجال، وأنه من الصحابة الذين رافقوا محمدا منذ بداية الدعوة، وأنه أول من اسلم من أهل قريش، وأنه والد عائشة زوجة الرسول، وأم المؤمنين. وسمي بالصديق لأنه صدّق النبي في خبر الإسراء، وقيل لأنه كان يصدّق النبي في كل خبر يأتيه من السماء. كان يدعى بالعتيق، لأن النبي قال له:"يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار". وقيل لُقّب بـكلمة عتيق لأنه كان جميلا. وقيل كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي! كان سيدا من سادات قريش، وممن حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية. شهد حروب النبي واحتمل الشدائد وبذل الأموال. وكان رفيق النبي في هجرته إلى المدينة. وثاني اثنين في الغار. وكان ممن يفتي على عهد النبي. كما أنه الذي حمل الراية يوم تبوك. وإليه عهد النبي بالناس حين اشتد به المرض. وأنه احد العشرة المبشرين بالجنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبي سنة 11 للهجرة. حارب المرتدين والممتنعين عن أداء الزكاة، وأقام دعائم الإسلام. افتتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق. توفي ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادي الآخرة، بعد أن بلغ من العمر ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر ونصف[1].

هذه هي الصورة الواقعية والتاريخية المتسامية، أي المجردة من كل حيثيات الحياة البشرية، والتي يمكن رؤية أنموذجها "الروحي" في تصوير أبي نعيم الأصفهاني عندما قال عنه:"أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي في الحضر والأسفار، الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الاعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار"[2]. وهي صورة روحية مصاغة بمعايير الرؤية الصوفية. ومن ثم لا إلزام فيها لغير رفعة المعنى القائم في فكرة الأولياء، إي في سلسلة الروح الإسلامي الممثلة في شخصياته الكبرى. وهي صورة لا إلزام سياسي أو عقائدي فيها على عكس ما هو مميز للتقاليد السنّية المتأخرة التي حاولت أن تجعل من تصوراتها عن فضائله مناقب عقائدية. وليس مصادفة أن نعثر في نماذجها المختلفة على اشتراك دائم لبعض منها، هو "الحد الأدنى" الذي يجعل منه "أولا" في كل شيء بعد النبي محمد! بحيث توصلوا في نهاية المطاف إلى جعل ذروة مناقبه كونه أول الخلفاء الراشدين، ومن ثم فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وخلافته منصوص عليها، وقد أُمر النبي بالاقتداء به، لأنه من أحب الناس إليه بحيث اتخذه أخـا له، وذلك لأن الله زكـاه، بل أنه يدعى من أبواب الجنة كلها![3]

تعكس هذه الصورة المرّكبة تداخل التاريخ والعقائد، لأنها تحتوي على قدر واحدة من الواقعية والمزاج المذهبي. ومن ثم فهي الحصيلة المتراكمة في الوعي التاريخي الإسلامي عن دوره الهائل بالنسبة للإسلام من جهة، وعن ضرورة تحصينه من هجوم التيارات التي وجدت في سلوكه السياسي من اجل الاستحواذ على السلطة خروجا على "الوصية النبوية". وفي كلاهما إفراط وتفريط منبعه نمطية الوعي الديني العقائدي. ولكن حالما نضع صيرورته الشخصية ضمن سياقها التاريخي، فإنه يأخذ بتمثيل الوحدة المغرية بين تفاعل القيم النموذجية وتحقيقها الفعلي في شخصيته الواقعية. وهو تفاعل وجد تعبيره في حصوله الأولي على تسمية الصدّيق. وسواء ارتبط ذلك بتصديقه منذ اللقاء الأول بالدعوة الجديدة لمحمد وغايتها المعلنة، أو بيقينه الجازم بأن كل ما يقوله محمد هو صدق، وبالأخص مع فوران الشك العربي الجاهلي بإمكانية الإسراء والمعراج، فإن تفاعل هذه القيم والمواقف في اسمه وسلوكه الشخصي على امتداد الدعوة الإسلامية يكشف عن شخصية متماسكة يرتقي فكرها وتفكيرها إلى مستوى الإيمان، وإيمانها إلى مستوى الفكر والتفكير. بمعنى غياب التجزئة المحتملة في قلوب الشخصيات الكبرى حالما تنتقل من حالة لأخرى، كما هو الحال بالنسبة لعمر بن الخطاب أو معاوية بن أبي سفيان، أي تلك الشخصيات التي لعبت دورا هائلا في بناء أشكال الدولة، بحيث أصبح كل منهما مثالا فاعلا في الوعي الثقافي والصيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية.

فقد جسّد أبو بكر في شخصيته وسلوكه العملي أنموذجا فريدا طبع من حيث الجوهر فكرة الخلافة بوصفها استخلافا لحقيقة الفكرة النبوية. وحقق عبر تفعيل القيم بذاته احد النماذج الراقية في إخلاصها الحي للعقيدة الجديدة، سواء في سلوكه الشخصي أو في مواقفه من السلطة والدولة والقيم والمبادئ العليا كما وضعها الإسلام المحمدي. وبهذا المعنى يكون قد جسّد من الناحية التاريخية ما يمكن دعوته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. ومن هذه الوحدة الجديدة للنهاية والبداية ظهرت للمرة الأولى مقدمات الدراما التاريخية للتأويل والسلطة، أو الأيديولوجية والممارسة العملية.

فالسلطة عروة الأفراح ومأتم الأتراح. وفيها ومنها تفوح كل الروائح الممكنة للنفس والجسد. الأمر الذي نعثر عليه في حصيلة الأفراح المرافقة للأمة الناشئة والأتراح المواكبة لأعدائها من "مرتدة" وقوى خارجية، وعبير الرائحة الزكية في عرف الثقافة وتقاليد الإسلام الدينية والدنيوية. وليس مصادفة أيضا أن يصبح محور الخلاف السياسي العريق للفرق الإسلامية، وبالأخص بين تيارات السنّة والشيعة. وهو خلاف سياسي من حيث الجوهر ارتقى و"تسامي" إلى مصاف الرؤية العقائدية والدينية. مما افسد مضمونه، لكنه أبقى على أبعاد الرؤية السياسية، التي كانت منذ البدء الفاعل والحافز الجوهري في الاختلاف بوصفه اجتهادا ملازما لفكرة الدولة والسلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحوافز ردّ فعله وسلوكه التي يصورها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) بعبارة تقول:"أتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع وقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى السقيفة"[4]. وينمّ هذا السلوك عن رؤية سياسية تدرك أهمية السلطة، ظل يلازم شخصيته حتى مماتها. إذ نعثر عليه في أهم سؤالين من بين ثلاثة أسئلة أراد توجيهها للنبي محمد، وفي أمرين ندم عليهما قبيل موته من بين ثلاثة لهما علاقة بقضايا السلطة. فمن بين الأسئلة الثلاثة التي أسف على عدم استفساره عنها من النبي محمد قبل موته هي: "لمن هذا الأمر من بعده"، و"هل للأنصار فيها من حق". أما الأمور الثلاثة التي ندم على فعلها فاثنين منها وردت على لسانه بالشكل التالي:"ليتني تركت بيت علي، وإن كان أعلن عليّ الحرب"، و"ليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يدي احد الرجلين"، ويقصد بذلك تأييده لأبي عبيدة أو عمر بن الخطاب باستلام الخلافة[5].

غير أن للتاريخ مساره الخاص وحكمه المناسب في جعل شخصية أبي بكر نموذجا أوليا للخلافة السياسية. ومن ثم بداية الدولة. أما حكمه عليه فيقوم في مأثرته الهائلة التي استطاع أن ينجزها في غضون سنتين وثلاثة أشهر هي مدة خلافته أو رئاسته للسلطة السياسية الجديدة، بوصفها أحدى أهم المراحل العاصفة والهائلة والعصيبة والتأسيسية في فكرة الدولة وتاريخها. وقد أنجزها بنجاح باهر. إذ استطاع القضاء على الخلافات الداخلية وقطع دابر الارتداد الديني، بوصفه الأسلوب المناسب لتوحيد الدولة. ومن ثم توجيه القوى الداخلية المتراكمة وعنفوانها الصاعد صوب تحقيق الحلم المغري للإمبراطورية الإسلامية الجديدة، التي صنعت أيضا وحدة التاريخ والروح في شخصيته المثالية. مع أنها كانت تتسم من الناحية الفعلية بتعقيد كبير، كما أنها لا تخلو من طابع درامي هائل. وليست الأمور الثلاثة التي ندم عليها قبل موته سوى مؤشر على مستوى الملازمة النفسية لإشكاليات السياسة والسلطة والدولة في أخلاقه الباطنية والفردية. ومن الممكن العثور على طبيعة وقسوة هذا الصراع الخفي والعلني أيضا في العبارة والخطابة التي وجدت انعكاسها "الأدبي" فيما استجمع لاحقا تحت عنوان "بلاغات النساء". حيث ينقل لنا احمد بن طاهر البغدادي عبارة عائشة في الدفاع عن أبيها تقول فيها:"ذاك والله حصن منيف، وظل مديد، وفيء قريش ناشئا وكهفها كهلا"[6]. بينما ردت عليها فاطمة بنت النبي محمد في مواجهة سلوكه السياسي بسحب ارثها، قائلة "أأبتز ارث أبي، وفي الكتاب أن ترث أباك ولم أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك"[7]. وهي صورة تتمثل في الواقع دور وموقع الشخصيات التاريخية الكبرى، بسبب هول المرحلة وضخامة مهماتها التي تفرز أيضا ظاهرة استصغار الكبار وتكبيرّ الصغار.

***

 

  ا. د. ميثم الجنابي

.............................

 [1] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج3، ص205.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص28.

[3] ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج3، ص64. 

[4] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص9

[5] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص 28-29.

[6] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص3.

[7] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص14

 

 

William E. Barton, The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival among the Sects. Bibliotheca Sacra, October, 60 haseeb shahada(1903), 601-632.

ارتأيت أن أُشير إلى النقاط والأمور الهامّة في تقديري، التي وردت في هذا المقال، خدمة للمهتمّين بالشأن السامري من القرّاء العرب عامّة والسامريين خاصّة وقد أضفت ملاحظاتي وتعليقاتي باختصار بين قوسين (). نُشر هذا المقال في منابرَ أخرى وينظر في الكاتالوج :

Alan David Crown, Reinhard Pummer, A Bibliography of the Samaritans.Third Edition: Revised, Expanded and Annotated. ATLA Bibliography, No. 51. The Scarecrow Press, Inc. Kanham, Maryland. Toronto. Oxford 2005, p. 37.

كما نشر في الموقع الإلكتروني الأمريكي المعروف عن الدراسات السامرية: www.theSamaritanUpdate.com, 2011.

The Samaritan Pentateuch: The Story of a Survival Among the Sects, Oberlin Ohio: The Bibliotheca Sacra Company, 1903 

http://shomron0.tripod.com/articles/biblioupdate2014.pdf

في الصفحة الأولى يُثبت المؤلّف بارتون صورة صفحة من مخطوط قديم للتوراة السامرية بالحروف السامرية، ٢٩ سطرًا من سفر العدد ٢٧: ١٩ לפני כל העדה וצוית אתו / לעיניהם ונתתה מהודך / עליו ולמען ישמעון وحتى ٢٨: ٤ את הכבש האחד תעשה בבקר ואת הכבש השני בין הערבים (هنالك شبه بالنص اليهودي). وفي الصفحة التالية صورة فوتغرافية كُتب تحتها بالحرفين العربي والسامري: يعقوب بن هرون الكاهن الأوّل بنابلس. في أعلى الصفحة الثالثة يعرِض بارتون صورة لرسالة قصيرة بالعربية كان الكاهن المذكور قد أرسلها له في ٢٥ نيسان ١٩٠٣ (نشرتُها مشفوعة ببعض التوضيح وبترجمة إلى العبرية والإنجليزية بعنوان: رسالة يعقوب هرون الكاهن الأوّل لبارتون).

يحاول القسّ الدكتور وليم إدوارد بارتون (١٨٦٨- ١٩٥٥) في هذا المقال عرض وضع السامريين ومساهمة توراتهم في معرفة العهد القديم. كان بارتون قد اهتمّ بدَرْج التوراة السامرية المقدّسة بنابلس عدّة سنين قبل زيارته لفلسطين عام ١٩٠٢. يُعتقد أنّ هذا الدَّرْج المخطوط هو الأقدم في العالم. الكهنة لا يعرضونه حتّى لأبناء الطائفة إلا مرّة واحدة في السنة في عيد الغفران. صديق بارتون الثري الأمريكي  E. K. Warren (١٨٤٧-١٩١٩)، رئيس مدرسة الأحد العالمية، كان قد زار فلسطين عام ١٩٠١ وشاهد الدَّرْج القديم. وقد زوّد وارين صديقه بارتون بتوصية موجّهة للكاهن الأكبر. وهكذا دخل بارتون عالم السامريين وحياتهم. شهدت تلك الفترة نهضة بخصوص الاهتمام بنصّ التوراة السامرية في أعقاب اكتشاف توراة سامرية قديمة في دمشق نسخت ، كما ٱعتقد، عام ٧٣٥ للهجرة (١٣٣٤م.) ويقال إنّ هذا المخطوط موجود الآن في القاهرة. ويذكر بارتون أنّه سمع بأنّ الكاهن الأكبر قد سجَن أحد الكهنة الشباب بتهمة اختلاس وبيع مخطوط قديم من الكنيس. ويعتقد بعض الناس في سوريا بأنّ التوراة التي اكتشفت حديثا هي الكتاب المفقود. إذا كان هذا المخطوط أصيلًا من حيث تاريخه فإنّه سيكون عدّة قرون أقدم من أقدم مخطوط للعهد القديم في المُتحف البريطاني؛ إلا أنّه يُعتبر حديثًا إذا ما قورن بالدَّرْج المقدّس في نابلس الذي يعود وَفْق اعتقاد السامريين لحفيد هارون، أمّا الباحثون راهنًا فيذهبون إلى أنّه يعود إلى بداية المسيحية تقريبا.

إنّ الطائفة السامرية لم تكن قطّ مبعثرة على نحو واسع؛ قبل قرنين من الزمان، أي في القرن الثامن عشر، كانت هناك جاليات سامرية في دمشق والقاهرة وغزة، إلا أنّها انقرضت وبقيت لحسن الحظ الجالية الأقدم في نابلس. الاسم ”نابلس“ محرَّف من ”نيابوليس“، تقع في شكيم القديمة وهي المدينة الرئيسة في فلسطين؛ تقع في واد جميل غني بالمياه وبين الجبلين عيبال وجريزيم، بئر يعقوب؛ من أخصب أراضي فلسطين. على هذه الأرض بقيت الطائفة التي أسّسها سانبلت وصهره منشه، والتي بنت كنيسها على الجبل بعد عام ٤٣٢ ق.م. يبلغ عدد السامريين الآن  (١٩٠٣) حوالي ١٦٥ نسمة وهو ثابت. إنّهم بحاجة إلى فتيات في سنّ الزواج وهم لا يتزوّجون من خارج طائفتهم؛ هم فقراء جدّا وبالكاد يستطيعون العيش بدون ما يدفعه السيّاح.

وصل بارتون ومن معه من مرافقين نابلس، راكبين على الخيل في شهر آذار وترجّلوا سائرين في أزقّة نابلس الضيّقة إلى أن وصلوا إلى مبتغاهم، كنيس السامريين البسيط، حيث الدَّرْج المقدّس ذو القيمة النفيسة الوحيد تقريبا. عُرض عليهم هذا الدرج وبديله بشكل فاق ما كان مؤخّرا. وقف الكاهن الأكبر يعقوب بجانب الدرج، مُظهرًا إيّاه بفخر واعتزاز مهيب، وهذا الكاهن يُطلق على نفسه بخط يده بالخط السامري والعربي: يعقوب بن هرون، كاهن نابلس. إنّه رجل اجتاز قليلا منتصف العمر، أسمر، جليل، طويل القامة. قدّم بارتون ورقة التوصية التي خطّها وارين ولكن تعذّر على الموجودين التفاهم، فهؤلاء لا يعرفون العربية وأولائك لا يعرفون الإنجليزية، ولكن كتابة اسم الكاهن الأكبر بالخط السامري  فعلت فعلتها الإيجابية.

بارتون ورفاقه ملأوا الكنيس، ولم يتسنّ له فحص النسختين القديمتين بدقّة وتفصيل، ومع هذا تكوّن لديه انطباع يؤكّد وصف كوندر (Tent Life in Palestine, p. 26)  بخصوص صندوق/علبة المخطوط الأحدث المصنوع من النحاس وفيه أرابيسك فضّي رفيع؛ في حين أنّ صندوق المخطوط الأقدم مصنوع، على ما يبدو، من الفضّة الصلبة، المخطوط قديم جدّا، أصفر اللون، ممزّق، مرقّع مرمّم ورُبطت الأطراف بحرير أخضر. الحبر باهت جدّا يميل إلى اللون الأرجواني في حين أنّ لون الحبر في جميع المخطوطات الأخرى أسود (Deutsch Remains, p. 407)  الخطّ صغير وغير عادي، السطور متباعدة.

يعتقد السامريون بأنّ أقدم مخطوطاتهم التي كانت مصدرًا لمخطوطات أخرى، نسخها أبيشع بن إلعزار بن أهرون، ١٢ سنة (عادة يذكر السامريون ١٣ سنة) بعد عبور الأردن الأوّل، ويصرّحون أنّ فيها تشقيلا ذُكر فيه اسم الكاتب وتاريخ الكتابة. ومع هذا، يُعتبر هذا المخطوط أقدم بقرون  كثيرة من أيّ  مخطوط لأيّ قسم من الكتاب المقدّس. يعتبر هذا المخطوط  الأهمّ والأعزّ عند السامريين، ويظن بارتون أن المخطوط قد يعود إلى القرن الثامن للميلاد. المخطوط مكتوب على جلد الخِراف الخارجي، الخراف التي قُدّمت في عيد الفسح وعددها في تقدير كوندر وآخرين حوالي عشرين خروفًا، وهذا تخمين لا غير. عرض الرقّ حوالي  ١٦ إنشًا (الإنش يساوي ٢،٥٤سم) وطولها مائة قدم (القدم يساوي ٤٨، ٣٠ سم) على الأقلّ.

مجموعة بارتون ابتاعت الكثير من المخطوطات، منها نُسخ عن المخطوط القديم. أمّا بارتون فقد استطاع بعد مفاوضات طويلة مع ابن الكاهن الأكبر يعقوب بن هارون (المقصود أبو الحسن، أب حِسده، ١٨٧٩-١٩٥٥) الذي عرف بعض الكلمات بالإنجليزية، أن يشتري دَرْج السفر الأول بعد أن خبّأه ابن الكاهن في مِعطفه وسلّمه بعد ذلك للمشتري بعد أن ابتعدا عن منطقة الكنيس، وفي اليوم التالي اشترى بارتون من كاهن آخر دَرْجًا بسعر أقلّ ممّا طلب منه في اليوم السابق. كما اشترى بارتون مجلّدًا صغيرًا يضمّ قصّة يوسف وورقة من مخطوط قديم تحتوي على سفر العدد ٢٦: ١٩-٢٧: ١٥ (هكذا وليس ٢٧: ١٩-٢٨: ٤ كما جاء أعلاه في البداية) بخطّ جميل جدًّا وقُصاصة رَقّ كُتب عليها آيات التكوين ٢٦: ٢٠-٢٢، بخطّ قديم من جهة، وعلى الجهة الأخرى كتابة حديثة. ويظنّ بارتون أن هذه القُصاصة قد تكون مقتطعة من الدَّرْج المقدّس نفسه لقدمها، وللونها، عدم انتظام أسطرها وحبرها الأرجواني. يقول بارتون إنّ الادّعاء بأنّ السامريين لا يبيعون مخطوطاتِهم هو أمر مزعوم كلية تقريبا. كانت هناك أوقات تعذّر فيها ابتياع نسخة من توراتهم مهما كان المبلغ المعروض، مثال على ذلك محاولات الدكتور روبنسون (في منتصف القرن التاسع عشر، أنظر : ٍResearches/أبحاث، مج. ٢، ص. ٢٨١-٢٨٢، ١٨٣٨م؛ مج. ٣ ص. ١٣٠، ١٨٥٢م) لشراء نسخة وقد باءت بالفشل. في زمن بارتون اختلفت الحالة وأصبح السامريون مستعدّين لبيع مخطوطاتهم الحديثة أو تحضيرها عند الطلب. ويذكر بارتون بأن الدرج الذي اشتراه كامل صحّح ونقِّح وعرضه كعرض الدَّرْج القديم ونسخه كهنة في كنيس نابلس، وقارنوه بمخطوطاتهم القديمة واستعمل في الكنيس، بعكس ما في المكتبات الأوروبية من مخطوطات كهذه غير كاملة في كثير من الحالات (قارن قائمة Kennicott حول المخطوطات السامرية في أوروبا).

بعد عودة بارتون إلى بلاده، أمريكا، وبمساعدة صديقه القسّ الدكتور فرانك هـ. فوستر (Frank H. Foster) الذي قضى معه في زيارته لفلسطين بضعة أسابيع، اتّضح له أن دَرْج سفر التكوين الذي اقتناه في نابلس غير كامل وأتمّ الأصحاحات الناقصة الكاهن الأكبر بعد مراسلات أجراها بارتون مع الكاهن عن طريق الدكتور رايت في مستشفى الجمعية الإرسالية الكنسية في نابلس. ويذكر بارتون بأنّه قد تحصّل على سفر الخروج في أربعة مجلدات صغيرة ويسعى لشراء مخطوطات أخرى من خلال أصدقاء آخرين لأن الدكتور رايت قد أُستدعي للعودة إلى إنجلترا.

يعبّر بارتون عن سعادته في إيصال تحيّات الرئيس الراهن لهذه الطائفة القديمة لقرّاء مقاله هذا، تلك الطائفة التي حافظت على الاحتفال بعيد الفسح وشعائر أخرى من أسفار العهد القديم بدون انقطاع تقريبًا على مدى ثلاثة وعشرين قرنًا من الزمان. يحجّ السامريون إلى جبلهم المقدّس، جريزيم جنوبي نابلس ثلاث مرّات في السنة، في الأعياد: الخبز غير الخامر (عيد الفسح)، الأسابيع والعُرش. السامريون موحِّدون بحزم وينتظرون المسيح الذي سيأتي بعد قرن بقليل، عندما يكون عمر العاَلم بحسب حسابهم ستّة آلاف سنة (حساب السامريين المدعر بحساب الحق يبدأ بدخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، عام ٢٠١٧ هو عام ٣٦٥٥ لدى السامريين)؛ وفي اعتقادهم سيكون المسيح (لاحظ عدم ذكر الاسم تاهب وهو اسم المسيح لدى السامريين ويعني العائد ويلفظ تائب) مثل موسى إلا أنّه لن يكون أعظم منه.

الديانة السامرية ذات نظام عبادة مستقل منذ العام ٤٣٢ ق.م. ويعود أصلها إلى معارضة محاولة نحميا لفصل الكهنة الذين تزوّجوا من نساء أجنبيات. ومن أولئك الكهنة منشه صهر سنبلّت حاكم نابلس، أُسّس الإيمان هناك وما زال حتّى الآن. عندهم عبادة الله، يهوه (من المعروف أنّ السامريين يسمّونه شيما أي الاسم ولا يلفظون هذه الكلمة أبدًا كما يقول اليهود أدوناي أي سيّدي) على أساس أسفار التوراة الخمسة فقط (ومن المعروف أن هناك قرابة الستّة آلاف فرق بين هذه التوراة والتوراة اليهودية) ويدّعون أنّ جبل جريزيم سبق القدس وهو مكان العبادة الشرعي (يذكر أنّ السامريين في دفاعهم عن مكانهم المقدّس، جبل جريزيم وهو أحد أركان ديانتهم الخمسة قد جاء ذكره مراتٍ عديدة في التوراة ولا ذكر فيها للقدس). القدس قد احتلّت واحتلّت وتبدّلت ديانتها من اليهودية إلى المسيحية إلى المحمدية، إلا أنّ إيمان مؤسّسي الديانة السامرية مستمرّ بدون تغيير المكان أو تغيير جوهري في الشكل.

للسامريين مدرسة في كنيسهم في المدينة نابلس؛ ويسرّون عند حصولهم على فرانك واحد عادة من كل سائح، مقابل رؤية مفترضة لمخطوطهم القديم. علاقة السامريين بالمبشّرين ودّية، ولا يرى بارتون أيّ سبب في الشكّ في إخلاص نواياهم حيال المسيحيين. وكان الكاهن الأكبر يعقوب بن هرون قد أعدّ لبارتون قائمة بأسماء الكتب التي بحوزة السامريين، وهي هامّة في مساهمتها في إعداد ببليوغرافيا حول الديانة السامرية. هذه القائمة كان البروفيسور ج. ر. جيويت (J. R. Jewett) من جامعة شيكاغو،  قد ترجمها لبارتون إلى الإنجليزية. قارن بارتون قائمته هذه بقائمة بروفيسور پيك (Pick) الموجودة في McClintock and Strong ومقالاته هناك وفي المجلة Bibliotheca Sacra تعتبر أكثر الأعمال قيمة بالإنجليزية عن هذه المواضيع. أضاف بارتون على ترجمة جيويت ملاحظات قليلة  بناء على المقارنة. تحتوي كلّ قائمة على عناوين غير موجودة في الأخرى، البروفيسور ميلتون س. تيري (Milton S. Terry) قد أبدى ملاحظاته. (موضوع القوائم بالكتب التي بحوزة السامريين، لا سيّما الكهنة منهم، بحاجة لبحث منفرد للتعرف على ما استجدّ أو طرأ على هذه المكتبة للتراث السامري لا سيما باللغة العربية. لديّ قائمة كهذه بخط صديقي المرحوم عبد المعين صدقة الكاهن الأكبر، ١٩٢٧-٢٠١٠، يعود تاريخها إلى سبعينات القرن الماضي وتضمّ أسماء ٥٨ كتابا وهي مقسمة إلى أربعة أعمدة: الرقم، اسم الكتاب، المؤلف وملاحظة).

١) دَرْج التوراة، أسفار موسى الخمسة.

٢) كتاب الميمار، المعروف بميمار مرقه، يضمّ علومًا روحية تتطرّق لشؤون قيّمة في التوراة المقدّسة. هذا المؤلّف قديم، يعود إلى أكثرَ من قرنين من الزمان بعد المسيح كما ورد في شرح التوليدة؛ مرقه كان أكثر علماء السامريين علما؛ الكتاب كامل ويضمّ  ٦٦٣ صفحة؛ ترجم للعربية مع النص ّ  بالآرامية السامرية ومفسّر بالعربية. ملحوظة: بروفيسور پيك يذكر التاريخ ٥٠ ق.م.، تفاسير على أقسام من التوراة (بروفيسور زئيڤ بن حاييم، ١٩٠٧-٢٠١٣، أصدر هذا الميمار بطبعة علمية وترجمه للعبرية وأضاف شروحا في الهوامش، תיבת מרקה והיא אסופת מדרשים שומרוניים יוצאת לאור, מקור, תרגום ופירוש. ירושלים: האקדמיה הלאומית הישראלית למדעים, תשמ’’ח, 411 עמ’).

٣) كتاب الطباخ، ٣٠٠ صفحة، أي كتاب التضحية بقلم الشيخ أبي الحسن الصوري؛ عربية قديمة وأمثلة بالعبرية؛ فيه تعليمات قيّمة بخصوص شؤون دينية سامرية وحلّ الشُّبُهات والتفريق بين المسموح والممنوع (أنظر المخطوط التالي).

٤) كتاب الكافي، ٢٧٠ صفحة بالعربية والأمثلة بالعبرية بالخط السامري،  بقلم الشيخ يوسف العَسكري، قديم، حول تعليمات واستفسارات دينية. ملحوظة: پيك يقدّر تاريخ الكتاب بـ ٧٠٠م (مهذَّب الدين يوسف بن سلامة بن يوسف العسكري، كتاب الكافي لمن كان بالمعرفة لكتاب الله موافي وقلبه صندوق له صافي، كتب عام ١٠٤١م؛ د. درية محمد عبد العال درست هذا الكتاب مقارنة إيّاه بكتاب الطبّاخ لأبي الحسن إسحق فرج بن ماروث الصوري والد الطبيب والنحوي المعروف إبراهيم شمس الحكماء في أطروحة دكتوراتها التي قدّمتها لجامعة ليدس البريطانية عام ١٩٥٧؛ لم يصدر كتاب الكافي بعد ولكن ترجمته للإيطالية بقلم سيرجيو نويا نوسيدا ١٩٣١-٢٠٠٨ الإيطالي قد صدرت عام ١٩٧٠؛ أمّا بخصوص كتاب الطبّاخ فقد صدر نصفه الأوّل تقريبًا بطبعة علمية مشفوعًا بترجمة للألمانية في إطار أطروحة دكتوراة لچيرهارد ڤيدل، عام ١٩٨٧ بإرشاد الباحث الفذّ المرحوم رودلف ماتسوخ، ١٩١٩-١٩٩٣).

٥) شرح الفاتحة، ٢٠٠ صفحة بقلم الشيخ إبراهيم القباصي، عمره ٣٥١ سنة؛ ملحوظة: إنّه شرح البركات واللعنات في التوراة (كي أفْشِم شيما إقرا, كتب عام ١٥٤٠، هنالك عدّة تسخ لهذا المخطوط في حوزة أبناء الطائفة السامرية ولا سيّما عند الكهنة وفي مكتبة إسحاق بن تسڤي رقم ٧٠٠٨ وفي مكتبات في أوروبا مثل مجموعة جاستر في لندن، BL Or. 10864 وفي مانشسترJRUL 146 وفي المكتبة الوطنية بباريس BN Samaritains 58 إلخ. إلخ. ).

٦) كتاب رحلة القلب لمعرفة الربّ سبحانه وتعالى، ٢٠٠ صفحة. (وقع خطأ هنا في الاسم فالصحيح ”سِيَر…/הלכות הלב“ للشيخ المشهور إبراهيم بن يوسف القبّاصي الدمشقي ألّفه عام ١٥٣٢. ولدى عائلة المرحوم يعقوب بن عزّي الكاهن الأكبر في نابلس، ١٨٩٩-١٩٨٧،  نسخة من هذا المخطوط كان يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي صديق بارتون قد نسخها برسم ابنه أبي الحسن وبرسم يعقوب ابن ابنه شفيق/عزّي الذي توفي شابًّا وتمّ النسخ في ١٨ ذي القعدة من عام ١٣٢٥هـ أي ٢٣ كانون الأول من عام ١٩٠٧؛ أشكر صديقي الكاهن عزيز بن يعقوب الذي زوّدني إلكترونيا بصورة لثلاث صفحات من المخطوط المذكور في الثامن من تشرين ثان ٢٠١٧).

٧) كتاب شرح السفر الأوّل ، سفر التكوين، ٨٦٠ صفحة بقلم الشيخ مُسَلِم آل مَرْجان الدنفي (في الأصل: id-Deuafi). ملحوظة: تاريخ الشرح القرن الثامن عشر بحسب پيك الذي يقول بأن هناك شرحًا أقدم لسفر التكوين ١: ٢٧ يعود إلى القرن الثاني للميلاد (هكذا!، مسلم بن مرجان بن إسماعيل بن إبراهيم الدنفي عاش في القرن السابع عشر وهو عمّ إبراهيم العية الشهير الذي أكمل هذا التفسير).

٨) كتاب شرح السفر الثاني، سفر الخروج، ٨٠٥ صفحة، بقلم الشيخ غزال الدويك (القرن الرابع عشر، له شرح سور البركات لبلعام وبالاق وكتاب المقالة الشافية في ثبوت الدولة الثانية وقد تُرجم إلى الإنكليزية وترجمه الكاهن أبو الحسن بن يعقوب هرون ت. ١٩٥٩ إلى العبرية؛ له شرح على سفر الخروج وكتاب مفقود حول رماد البقرة، أسرته تأسلمت).

٩) تاريخ طائفتنا منذ يوم دخول السامريين الأرض المقدّسة وإلى هذا اليوم، ٨٠٧ صفحة، جمع يعقوب الكاهن الأكبر الحالي (يعقوب بن سلامة بن غزال الكاهن اللاوي ١٨٤٠-١٩١٦ وكاهن أكبر، أو كما كتب هو: الكاهن الأول.بين السنتين ١٨٧٤-١٩١٦).

١٠) كتاب التوليدة بالعبرية ١٢٠ صفحة، حوادث هامّة وتواريخها.

١١)  كتاب ذو ٣٧٠ صفحة،  فيه عشرة فصول حول طقوس الديانة السامرية، نهجهم في الصلوات في كل عيد وموعد، الزواج، الطلاق، الصوم، الطاهر والنجس، قراءات يوم الغفران، بقلم الكاهن الأكبر الحالي، أي يعقوب بن هرون بناء على طلب أحد الباحثين الأوروبيين الذي توفي قبل انتهاء الكتاب.

١٢) كتاب صلوات قديم تأليف، كما قيل، مرقه وعمران والكاهن فنحاس وبعض الصلوات مستمدّة من يهوشوع بن نون، ٣٦٠ صفحة.

١٣) شرح التوراة، أي ترجمة عربية، قسمان، بالعربية والعبرية، ٦٢٠ صفحة.

١٤) كتاب ترتيب صلوات سبت عيد الفسح (في الأصل: الخبز غير الخامر) وليلة البداية ويوم البداية أي بداية السنة وصلوات ليلة أوّل الشهر الواقعة يوم السبت، تأليف عدد من الكتّاب المعروفين، ٢٥٠ صفحة.

١٥) كتاب ترتيب الصلاة لأربعة عشر يوم موعد الفسح (في الأصل: Moed Aphsah) صباحًا ومساءً وصلوات يومي السبت فيها، ١٧٥ صفحة. ملحوظة: هذا هو عيد الخبز غير الخامر الذي يحتفل به السامريون مدّة أسبوعين والتمييز بين هذا العيد وعيد الفسح لدى السامريين أوضح مما هو عند اليهود.

١٦) كتاب ترتيب صلوات عيد الفسح بلياليه وأيّامه وترتيب صلاة سبعة أيّام الخبز غير الخامر والسبوت وكل ما يمتّ بالأضحية بصلة. غفران عيد الفسح بعامّة وبخاصّة؛ ٢٤٠ صفحة.

١٧)  كتاب ترتيب صلوات الخمسين يومًا، أي الأسابيع، وكلّ تلك الأسابيع بترتيباتها المختلفة؛ ٢٢٠ صفحة.

١٨) كتاب ترتيب صلوات يوم الأربعاء المعروف بأربعاء يوم العنصرة (الخمسين) ويوم السبت، ٣٤٠ صحة.

١٩) كتاب ترتيب صلوات الاحتفال بالصوم،  أي لقاء موسى وهارون، وصلوات ليلة ويوم رأس السنة وعشرة أيّام طلب الغفران (هسليحوت، وفي الأصل: Hassalihu) مساء وصباحًا، ٣٠٠ صفحة.

٢٠) ترتيب صلوات ليلة ويوم العيد العظيم وطقسه (حرفيا: أقوال)، ٦٥٠ صفحة.

٢١) ترتيب صلوات سبعة أيّام عيد العُرش/المظال واليوم الثامن منه وترتيب يوم السبت الواقع فيه، ٢٤٠ صفحة.

٢٢) كتاب شرح الوصايا العشر، مؤلَّف قديم بقلم أبي الحسن الصوري، ٨٠ صفحة (أنظر مثلا , 143 ,JRUL 142 في مكتبة جون رايلندس الجامعية في مانشستر).

٢٣) كتاب المسائل والخلاف بقلم الشيخ مُنجّا (في الأصل: Menja) لغة عربية فصيحة حول الديانة السامرية وجواب لليهود والجدال بين الشيخ منجّا والشيخ الفيّومي الرابّي اليهودي؛ ٢٤٠ صفحة. ملحوظة: منجا نفيس الدين (في الأصل:  Menaji Naphes el-Din) مؤلف هذا العمل المثير للجدل عاش في القرن الثاني عشر (أبو الفرج منجّا بن صدقة بن غروب شمس الحكماء، أواخر القرن الحادي عشر وبدايات الثاني عشر، اشتهر بكتابه مسايل الخلاف أو كتاب الأبحاث المختلف عليها بين السمرة واليهود، جزءان، سلك فيه طريقة السؤال والجواب، ترجمه إلى العبرية الكاهن الأكبر أبو الحسن بن يعقوب في مستهلّ القرن العشرين؛ لا يمكن وصف لغة هذا الكتاب بالفصيحة).

٢٤) كتاب عبري حديث حول ميلاد موسى وماذا حصل على يده وما ساعده مع المصريين ومديح له بقلم المرحوم الكاهن كزار (Kazar) ١٢٠صفحة (لا علم لنا بهذا الكاهن، المقصود على ما يبدو سفر מולד משה وهو بقلم إسماعيل بن بدر الرميحي، القرن السادس عشر).

٢٥) كتاب عربي حديث بقلم الشيخ إسماعيل إسراشي؟ (في الأصل: Ismial is-Rashi، غير معروف!، هل المقصود الرمحي؟) رحمه الله، ١٢٠ صفحة.

٢٦) كتاب يهوشوع وشرح عليه وكذلك قصّة بلعام وقصّة الدولة الثانية، مؤلَّف قديم، ١٥٠ صفحة. ملحوظة: عرف الباحثون هذا الكتاب منذ العام ١٥٨٤ حين الحصول على نسخة منه في القاهرة، يأتي بعد التوراة من حيث الأهمية والقيمة. (مقتطفات من هذا السفر موجودة في عدّة مخطوطات في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ، vi: 11-16, 25, 32).

٢٧) كتاب عيد طائفة إسرائيل بقلم مجموعة من الكتّاب والشيوخ، ١٥٠ صفحة.

٢٨) كتاب الفرح (في الأصل: علامة استفهام بعد الاسم) لمؤلف مجهول؛ مجموعة من موادّ متنوعة، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: من الممكن أن يكون هذا الكتاب سفر الزواج المذكور في بعض الببليوغرافيات التي كتبت في القرن الثاني عشر بقلم أبو البركات. (مقتطفات كثيرة من مؤلَّف بهذا الاسم محفوظة في المكتبة الروسية الوطنية في سانت بطرسبورغ مثل ix: 66, 78, 103, 10, 155, 160؛ يشار إلى أن زئيڤ ين حاييم قد نشر بعض أشعار الفرح، זאב בן חיים, פיוטים שומרוניים לשמחות. תרביץ י: ב–ד, ירושלים תרצ’’ט עמ’ 190–200, 333–374).

٢٩) كتاب قديم لمؤلف مجهول فيه مواد كثيرة، ٣٠٠ صفحة. ملحوظة: هذا الكتاب ذو عنوان غير واضح  قد يكون عرضًا تاريخيًا يبيّن كيف احترم القدماء الناموس/الشريعة بقلم الحبر (في الأصل: Elhhabr) يعقوب في القرن الثاني عشر.

٣٠) كتاب توصيات ووصايا، ٢٠٠ صفحة. ملحوظة: مؤلِّف هذا الكتاب أبو البركات من القرن الثاني عشر والذي كتب كتابا عن الزواج أيضًا، ربّما كان رقم ٢٨.

هذه المخطوطات تضاف، ينوّه بارتون إلى الستّة عشر مخطوطًا غير الكاملة الموجودة في أوروبا كما يذكر أن محاولات الحصول على مخطوطات كهذه قبله، كانت قليلة، أمّا في أمريكا فعدد المخطوطات قليل جدا. في سيمينار اللاهوت في درو (Drew Theological Seminary) كودكس قيّم حصل عليه القسّ و. سكوت واتسون ( W. Scott Watson) عام ١٨٩٢ والآن في مكتبة نيويورك العامّة (Presbyterian and Reformed Review, 1893; American Journal of Semitic Languages and Literature, Vol. xviii. p. 188-191; Hebraica 1892-1893, pp. 216-225, 1893-1894, pp. 122-156)؛ وكان واتسون قد اقتنى مخطوطًا آخر واعتقد أنّه قديم جدا (.Journal of the American Oriental Society, Vol. xx. pp. 173 et seq). وقد تمتلك كل مكتبة عامّة كبيرة وكل مكتبة لاهوتية مخطوطًا واحدا (منذ إرسال هذا المقال للطباعة علم بارتون بأنّ المُتحف البريطاني قد اشترى مؤخرًا عددًا ضخمًا من المخطوطات المرغوب بها من السامريين).

الجدير بالذكر أن السامريين يقبلون أسفار موسى فقط وعند انفصالهم عن اليهود أخذوا معهم أكثر الأسفار احترامًا وتبجيلًا في فلسطين. لم يأخذوا أيًّا من الأنبياء بالرغم من أنّ بعضهم كان من سبطهم، ولم يأخذوا سفر يهوشوع التوراتي فلهم روايتهم. التوراة بأسفارها الخمسة أو الستّة كانت كاملة أيّام نحميا ٤٤٤ ق.م. وانشقاق السامريين حصل عام ٤٣٢ ق.م. ويسأل بارتون الآخرين لماذا لم يكن للسامريين ستّة أسفار؟

إنّ لتوراة السامريين قيمة  كبيرة لدقّتها؛ وفي خلال قرون الفراق والانشقاق حافظت كل من الطائفتين اليهودية والسامرية على استقلالية توراتها بدون المقارنة بينهما، ولا توجد الآن أية نزعة للقيام بذلك. كل جانب نسخ عن نسخه، ومن الجدير جدّا بالملاحظة بأنّ الفروق بينهما طفيفة لحدّ   كبير  وغير ذات بال بصورة عامّة. تعتبر الترجمة السبعينية (Septuagint) مرجعًا نصيًّا عاليًا وبحقّ ويعود تاريخها إلى قرن أو أكثر بعد التوراة السامرية. هذه التوراة بالكاد أكثر من نقحرة لأبجدية قديمة معدّلة. الترجمة السبعينية كانت قد قورنت مرارًا بالتوراة العبرية  أما السامرية فمستقلّة وهي بالتأكيد ليست أقلّ قيمة من السبعينية.

أوريجن (Origen، لاهوتي مسيحي من آباء الكنيسة، ١٨٥-٢٥٣م، مؤلفاته كثيرة باليونانية حول مواضيع لاهوتية متشعبة، شروح، وعظ ونقد النصّ) كان يقتبس من التوراة السامرية باحترام وكان هناك آباء كنيسة آخرون فضّلوا هذه التوراة على تلك اليهودية. ولكن نقد النصّ كان قد توقّف في كنيسة القرون الوسطى عند تبنّي الترجمة اللاتينية، الڤولچاتا (Vulgate، الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس، أواخر القرن الرابع، أصبحت المرجع الرسمي في الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن السادس عشر، قام بمعظم الترجمة القديس جيروم). طيلة قرون من الزمان لم ير الباحثون نسخة من التوراة السامرية وبدأ التشكيك في وجود مثل هذه التوراة. في عصر الإصلاح حيت ازدهرت الترجمات فظهرت ترجمة الملك جيمس الشهيرة المعتمدة على النص الماسوريتي اليهودي فقط.

في ذلك الوقت تقريبًا ذهل الباحثون عند وصول نسخة من التوراة السامرية لباريس واحتدم الجدال في أوساط بحث الكتاب المقدّس في العصر الحديث. يُقال إنّ يوليوس كيسر سكاليچر(Julius Caesar Scaliger, 1484-1558) كان أوّل من نبّه إلى أهمية إيجاد نسخة من التوراة السامرية، في ما إذا كانت ما زالت موجودة. ثم حاول ابنه جوزيف سكاليچر(Joseph Scaliger 1540-1609) أعظم الباحثين آنذاك، والذي فاق أباه باهتمامه بنقد النصّ، الحصول على مخطوط للتوراة عن طريق مراسلة السامريين أنفسهم في القاهرة ونابلس الذين أجابوا عن أسئلة سكاليچر، وتأخّر وصول الجواب ومات قبل تسلّم الإجابات على استفساراته وأسئلته وكان ذلك قبل إتمام نصّ الملك جيمس بسنتين.

اقتراح السكاليچريْن، الأب والابن، أثمر عام ١٦١٦ بواسطة النبيل الإيطالي، پيترو دِلّا ڤَلّي (Pietro della Valle, 1586-1652)؛ أصيب بخيبة أمل في حبّه، فكّر أولا مليًا بالانتحار ولكن بدل ذلك قام برحلة إلى الأرض المقدّسة؛ مكث سنة في القسطنطينية/إسطنبول حيث حصل من السفير الفرنسي دي سانسي على تفويض/وكالة لشراء مخطوطات سامرية. واسى نفسه بتزوّج امرأة سورية مسيحية أثبتت بأنّها رفيقة جريئة ومساعدة وسافر بعيدا. حاول عبثًا اقتناء مخطوطات في القاهرة وغزة ونابلس. ولكن في دمشق تمكّن من شراء نسختين من التوراة السامرية، الأولى مدوّنة عى الرَقّ والثانية على الورق. أرسل الأولى لدي سانسي الذي بدوره أرسلها لمكتبة الأُراتْوار (Oratoire) في باريس واحتفظ بالثانية. استُخدم المخطوطان في إعداد توراة باريس متعدّدة الألسن (١٦٢٩-١٦٤٥)، الپوليچلوتا التي طُبعت بعد ذلك في پوليچلوتة لندن (١٦٥٧).

اهتمّ رئيس الأساقفة أُشير (James Ussher, 1581-2656، اشترى سبعة مخطوطات للتوراة السامرية واحدة منها بالعربية والبقية بالعبرية في عشرينات القرن السابع عشر) بالمخطوطين وبدأ بجهوده للحصول على المزيد. أحد تلك المخطوطات التي أرسلت بحرًا قد وقعت في يد قراصنة ولكن تمّ الحصول على آخر  بثمن باهظ. وفي العام ١٦٧١ زار روبرت هنتنچتون (Robert Huntington، ١٦٣٧-١٧٠١، مطران ومستشرق بريطاني، هو الذي أبلغ السامريين بوجود إخوة لهم في إنجلترا، أي خدعهم بالعربي الفصيح؛ ما جمع من مخطوطات موجود في أكسفورد وينظر في كاتالوج Alexander Nicoll, Oxford 1835) المطران لاحقًا سامريي نابلس. يبدو أن السامريين فهموا أنّه يمثّل السامريين في أوروبا فزوّدوه بنسخة من التوراة، وكتبوا رسالة لإخوتهم المزعومين في إنجلترا. توماس مارشال (Thomas Marshall، ١٦٢١-١٦٨٥ ) عميد كليّة لنكولن في أكسفورد ردّ على هذه الرسالة وخمس رسائل لاحقة وقد نشرت هذه الرسائل عام ١٦٩٩.

في العام ١٧٣٣ نشر بنيامين كنيكوت (Benjamin Kennicot, 1718-1783) أطروحة دكتوراته ”وضع/حالة النصّ العبري المطبوع للكتاب المقدّس“ وفي العام ١٧٥٩ أصدر عملًا آخر حول الموضوع ذاته وأرفق كاتالوجًا بالمخطوطات العبرية الموجودة في لندن وأكسفورد وكمبردج، وقد دافع عن النصّ السامري. وقد أثار عمله هذا خصومة وعداوة شديدة ولكنه تمخّض عن الحصول على عشرة آلاف جنيه استرليني لشراء مخطوطات عبرية، وهكذا جمع وقورن ٦١٥ مخطوطًا وطبع النصّان العبري والسامري بأعمدة متوازية في ٣٠ مجلدا. في هذا العمل الضخم استخدم ١٦ مخطوطًا سامريا غير كامل. عادة عارض البروتستانت التوراة السامرية والكاثوليك أيّدوها ولكن هذا الخلاف خمد تدريجيا. ونصّ الملك جيمس غدا شعبيا. وغدت الإحالات للتوراة السامرية نادرة أكثر.

كرّس الباحث چيزينيوس (Wilhelm Gesenius، ١٧٨٦-١٨٤٢، مستشرق وباحث ألماني لوثري، أطروحته للدكتوراة باللاتينية كانت حول أصل التوراة السامرية ) في العام ١٨١٥ عملًا مستفيضًا حول الموضوع وأظهر رجحانا عامًّا للنص الماسورتي، ومنذ ذلك الوقت كانت هناك نزعة عامّة لدى الباحثين المحافظين لرفض ذلك كلية. وكان كوپنچر (Copinger) قد أشارإلى العدد الكبير من التوافق بين النص السامري للتوراة والترجمة السبعينية والقيمة الكبيرة التي نسبها آباء الكنيسة لنصّ السامريين. ويضيف كوپنچر بأنّ في النص السامري بالتأكيد، قراءات مغايرة لما في النصّ العبري الحالي وبعضها لا شكّ ناتجة عن كونها منسوخة عن نصّ اختلف عن ذلك الذي اعتمده الماسورتيون.

هنالك تخمينات كثيرة حول أصل التوراة السامرية وتوافقها المتكرّر مع الترجمة السبعينية، ويبدو أن نظرية چيزينيوس التي أيّدها موسى ستيورت (, Biblical Repository, 1832, p. 714 Moses Stuart) هي الأكثر منطقية وقَبولا وهي القائلة بأنّ النصّين السامري والسبعيني مستمدّان من مصدر مشترك أقدم من كليهما ومختلف عن النص الماسورتي. لا يمكن ألّا يكون للنص السامري قيمة ما بالرغم من أنّه بصورة عامّة يعرِض نصًّا دونيًا واضحًا مقارنة بالنص الماسورتي، اليهودي. عندما يختلف النص السامري عن النصين اليهودي/المقبول والسبعيني فهو ربّما ذو قيمة ضئيلة. هنالك على الأقلّ ألف قراءة، معظمها عديم الأهمية، فيها تختلف الترجمة السبعينية عن النص العبري اليهودي وتتوافق مع النصّ السامري. وقد قام البروفيسور بيرنهارد پيك (Bernhard Pick، ١٨٤٢-١٩١٧، باحث وقسّيس ألماني/أمريكي لوثري، كتب عن تاريخ اليهود والقبالاه والتلمود) بتدوين الاختلافات الأساسية بين التوراتين اليهودية والسامرية في مقالات نشرت تِباعًا في  الدورية Bibliotheca Sacra (مج. ٣٣، ١٨٧٦، ص. ٢٦٤-٢٨٧، ٥٣٣-٥٥٧؛ مج. ٣٤، ١٨٧٧، ص. ٧٩-٨٧؛ مج. ٣٥، ١٨٧٨، ص، ٧٦-٩٨، ٣٠٩-٣٢٥) ، وهذا العمل حقًّا في تقدير بارتون ذو قيمة أكبر من عمل چيزينيوس. وينظر كذلك في مقاله الشامل والدقيق في McClintock and Strong.

باستثناء مواضع قليلة في الخلافات المذهبية بين التوراتين اليهودية والسامرية فإنّ النصّ السامري  مرجع جيّد تمامًا مثل الترجمة السبعينية وربّما أفضل منها بقليل إذا أُخد قِدمه بالحسبان. إذا زُعم بأنّ الكهنة السامريين كانوا أقلّ علمًا من كهنة أورشليم ولذلك كان الاهتمام بنسخ المخطوطات أقلّ فمن الممكن الردّ على ذلك بالقول من ناحية أخرى، بأنّ المخطوطات السامرية مع ذلك تمتاز بتناغم مدهش لانحصارها في مجموعات أو جاليات قليلة، وأخيرًا لواحدة فقط حيث تواتر النسخ كان أقلّ وكثرت المقارنة بنصوص لا شكّ في قِدمها. أضف إلى ذلك أنّ اهتمام اليهود الفريد بمخطوطاتهم يرجع بشكل خاصّ إلى الكتبة الماسورتيين وللسامريين على الأقلّ مخطوط واحد أقدم من الماسورتيين. وبشأن الخلافات المذهبية بين اليهود والسامريين فإنّ القيمة الراجحة تسقط ولكن في مثل تلك الحالات السؤال حولة صوابية أيّ نصّ تبقى بدون حلّ أو إثبات.

هنالك اختلافات ثانوية قليلة ما بين التوراة اليهودية والتوراة السامرية، وفيها النصّ السامري مطابق للترجمة السبعينية فهنا الصواب بالتأكيد تقريبًا إلى جانب النصّ السامري. على سبيل المثال في سفر التكوين ٤: ٨ الذي ترجم للإنجليزية ”وقاين قال لأخيه“، ولكن ماذا قال له؟ في التوراة السامرية وكذلك في الترجمة اليونانية، السبعينية قال قاين ”نمضي الى الصحراء/للبرية“ (أُنظر حسيب شحادة، الترجمة العربية لتوراة السامريين، المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج، القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ص. ١٦-١٧). والظروف تثبت على الأرجح صحّة تلك الرواية.  ولكن بدلًا من أن يخبر قاين شقيقه هابيل ما قاله له الله فإنّه يُخفي ذلك، ودعا هابيل إلى البرية حيث قتله غدرًا ومع سبق إصرار. وكذلك في سفر التكوين ٤٧: ٢١، روي بأن المصريين أتوا إلى يوسف وعرضوا عليه بيع أراضيهم وأنفسهم، وتقول الترجمات الإنجليزية عن العبرية ”وهو نقلهم إلى المدن“ ولكن النصّ السامري وكذلك الترجمة السبعينية يقولان ”والقوم استعبدهم/استخدم معه عبيدًا/فلاحين“  وهذا على الأرجح هو الصواب (أُنظر شحادة المذكور، ص. ٢٤٠-٢٤١).

ثمّة ثلاثة اختلافات ذات بعض الأهمية ما بين التوراة السامرية والتوراة اليهودية، وأحد النصّين كان قد غُيّر عمدا. الاختلاف الأوّل في سفر التكوين ٢٢: ٢ حيث أُمر إبراهيم بتقديم ولده إسحاق أضحية في أرض مورية (Moriah) ولا نعلم شيئًا عنها، ولكنّنا نعرف عن جبل موريّة حيث أقيم في ما بعد الهيكل في أورشليم ونحن نعلم عن أرض موريه (Moreh) في منطقة شكيم. إمّا أن يكون اليهود قد بدّلوا نصّهم لموريّة ليظهر أن أضحية إسحاق حدثت حيث أقيم لاحقًا الهيكل، وإمّا أنّ السامريين قد غيّروها إلى موريه لنفس السبب، أي إضفاء قدسية لمنطقتهم الخاصّة. يحيل السيّد بارتون إلى دين ستانلي (Arthur Penrhyn Stanley, 1815-1881، معروف بدين ستانلي، أكاديمي ورجل كنيسة بريطاني) الذي عالج هذه الجزئية باقتدار، وأظهر في نظر بارتون بشكل لا يقبل إعادة نظر أنّ جريزيم وليس أورشليم كان على الأرجح، المكان الذي قدّم فيه إسحاق ومكان لقائه بملكيصادق [Stanley’s Sinai and Palestine, pp. 316-319]. 

اختلاف آخر ممتع يتمثّل في إقحام فقرة تأمر بإقامة العبادة على جبل جريزيم بعد الوصايا العشر في التوراة السامرية. وقد أُكّد مرارًا بأنّه من أجل إقحام هذه الوصيّة جعل السامريون الوصايا العشر تسعًا وووضعوا هذه العاشرة. ولكن المخطوط، الكودكس، لدى بارتون لا يؤيّد هذه الرأي. الوصايا العشر موجودة في ثلاث مجموعات ، سفر الخروج ٢٠: ١-٧، ٨-١١، ١٢-١٧، بالضبط كما هو الوضع لدى المسيحيين ولكن طبعًا بدون التقسيم إلى آيات/أعداد. بعد هذا رأسًا وفي درس اليوم ذاته، جمعت من ثلاثة مواضع من سفر التثنية ٩: ٢٩؛ ٢٧: ٢ إلخ.؛ ١١: ٣٢، تظهر وصية العبادة على جبل جريزيم. ويثبت بارتون القسم التالي للوصايا ١٣ سطرًا بالرسم السامري من سفر الخروج ٢٠: ١٤أ-١٤هـ أي من והיה כי יביאך (الياء الثانية والألف أضيفا فوق الباء والكاف)  יהוה אל ארץ הכנעני … אצל אלון מורא מול שכם. (في أول السطر السادس ورد בהרגיזים/بهرچيزيم (الراء الثانية ساقطة) بهذا الشكل؛ والكلمات: והעלית עליו עלות ליהוה אהיך، ناقصة في فقرة بارتون). بعد هذه الفقرة بالرسم السامري يثبت بارتون

نقحرتها إلى الحرف العبري المربّع بالتشكيل الكامل وبترجة للإنجليزية أعدّهما لبارتون د. فوستر/ Foster.

لا ضرورة في إطالة النقاش هنا حول أيّ النصّين أصحّ. من الموثوق به اتّباع القراءة الأقصر واعتبار هذه الفقرة في التوراة السامرية بأنّها إضافة أو إقحام جيء بها من فقرات متماثلة في سفر التثنية. التساؤل يتكرّر عند التطرّق لأهمّ الاختلافات، ألا وهو مكان بناء الحجارة التذكارية التي أُمر بوضعها يهوشوع؛ أهو على جبل عيبال أم جبل جريزيم؛ أنظر سفر التثنية ٢٧: ٤. لا يمكن البتّ في هذا السؤال لصالح تفوّق النصّ اليهودي، مجموعة كاملة من المخطوطات بالعبرية تقول إنّ الحجارة أُقيمت على جبل عيبال ؛ ومن جهة أُخرى هنالك مجموعة كاملة من المخطوطات تقول على جبل جريزيم. كلا الفريقين من النسّاخ توخّيا الدقّة بصورة عامّة؛ هنا لا وجود لإمكانية خطأ أو تبديل متعمّد لإثبات نقطة ما. مثال معروف يقدّمه سفر القضاة ١٨: ٣٠ حيث بدّل النسّاخ اليهود الاسم ”موسى“ إلى ”منشه“ بإضافة حرف النون بعد الحرف الأوّل (משה > מנשה) لرغبتهم في تخليص حفيد موسى من السلوك المخزي المشين، أي أن يكون الوثني الأوّل وكذلك في الوقت ذاته إلحاق قذف مبرّر حِيال السامريين. إذا لم يحسن اليهود في إجراء مثل هذا التغيير لمنفعة تافهة فإنهه بالكاد يكونون قد أحسنوا في تغيير الفقرة في سفر التثنية  المتعلّقة بأولوية مكان العبادة.

روبرتسون سميث (Robertson Smith) والنقّاد في الوقت الراهن بصورة عامّة يتّفقون مع المحافظين في زمن كنّيكوت (١٧١٨-١٧٨٣ ،Benjamin Kennicott) لصالح الرواية اليهودية. يعتقد روبرتسون سميث في الموسوعة بريتانيكا Britannica بأن القراءة السامرية ”غير تاريخية بشكل ساطع“. والمكان المقدّس غير المسمّى في سفر التثنية لا يمكن أن يكون جبل جريزيم ويجب أن يكون أورشليم برأيه طبعًا، لأنّ سفر التثنية قد نُشر عام ٦٢١ وأورشليم كانت حقيقة واقعة. ولكن في تلك الحالة لماذا لم يكتب اليهود سفر التثنية وفق الحقائق كما كانت لدرء أي احتمال للنزاع والخصومة. وحينما اختار السامريون واحدًا من الجبلين لهيكلهم، لماذا اختاروا ذلك الذي يتطلّب تبديل نصّ التوراة الذي كان بأيديهم؟ على كل حال يرى بارتون أنّ لا أحد تمكّن من الردّ على دراسة كنّيكوت التي خلصت بالأساس إلى أنّ الحجارة التذكارية أُقيمت على جبل جريزيم كما يدّعي السامريون لأسباب منها، أنّ جبل جريزيم كان جبل البركات، ولا يعقل أن يقام المذبح على جبل اللعنة، عيبال والجبل الأوّل جميل ومثمر، أما الثاني فقاحل؛ ويوتام اختار جريزيم ليكون منبرًا لوعظه أمثاله الرمزية لأنّه كان بقعة مقدّسة من قبل؛ وجريزيم كان على الأرجح  المكان التقليدي لتقدمة إسحق؛ وسبط يهوشوع هو إفرايم والعاصمة كانت شكيم عند تكريس الحجارة التذكارية . لو وضعت الحجارة في عيبال للمذبح فمن هناك كان سيقوم بالتقدمة؟ رئوبين، جاد، آشر، زبولون، دان، نفتالي الذين كانوا على عيبال؟ الأسباط الكبيرة كانت على جبل جريزيم وهناك اللاويون المخوّلون الوحيدون لتقديم الأضاحي. من غير المعقول الافتراض بأنّ المذبح أُقيم على الجبل حيث لا أحد يستطيع استخدامه (أنظر أطروحة كنّيكوت الثانية حول النصّ العبري المطبوع، أكسفورد ١٧٥٩، ص. ٧٥-٧٦). يعتقد بارتون بأنّ الأمر بإقامة مكان مقدّس المتكرّر في كثير من الأحيان في سفر التثنية مثل ١٢: ٥-٢١؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ١٩-٢٠؛ ١٦: ١١؛ ٢٦: ٢ إلخ.  أقدم بكثير من العام ٦٢١ ق.م. ولكن إذا كان لدى اليهود هذا الأمر بإقامة مكان مقدس مركزي هل قاموا بذلك؟ بالتأكيد ليس في أورشليم ولا في شيلو حيث تابوت العهد، إذا كانوا أقاموا أيّ مكان مقدّس مركزي فكان في نابلس في جريزيم والذي غيّروه بعد ذلك بمدة طويلة إلى عيبال من أجل الشرف المفترض لهيكلهم المقام بعد ذلك في أورشليم . يعتقد بارتون أنّه من المحتمل أن تكون شكيم العاصمة المنطقية في وقت الاستيطان في فلسطين، واعتبر المكان مقدّسًا لكل الأمّة. شكيم الواقعة في وسط الطريق بين دان وبئر السبع؛ بين النهر والبحر، نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسّط؛ المكان الذي توجّه إليه إبراهيم؛ المشهد التقليدي للقاء إبراهيم بملكيصادق ومكان تقديم إسحق قربانا؛ بيت يعقوب؛ قبر يوسف بعد أربعين سنة؛ كانت شكيم ملائمة بشكل رائع  لتتبوّأ منزلة العاصمة الوطنية والمكان المقدّس. وهناك بنى يهوشوع بيته؛ وهناك في البداية أدّى إلى إقرار التوراة؛ وهناك أقام التذكار والمذبح؛ وهناك دعا الأسباط لاجتماع احتفالي.

ينهي بارتون مقالته بالقول إنّ أورشليم ويهودا قد أقيمتا على حساب شكيم وإفرايم وعبء الضرائب في عهد سليمان كان ثقيلًا على الأسباط الأُخرى باستثناء يهودا، أنظر سفر الملوك الأوّل ٤: ٧-١٩. اتّسعت مملكة سليمان وازدهرت وتفكير الملك كان مقتصرًا على مملكة يهودا وفي آخر المطاف حدث الانفصال المحتوم بين يهودا وإسرائيل. وهكذا وقفت يهودا بعاصمتها الريفية إزاء مملكة إسرائيل الحقيقية والأعظم.

إذا كانت شكيم العاصمة الوطنية بما لها من تداعيات معان مقدسة وكونها عزيزة على كلّ الأسباط ومركزية لها؛ إذا كان تابوت العهد في جريزيم بدلًا من في المدينة التي احتلّها داڤيد من اليبوسيين (أورشليم) والتي بدون ماضٍ مقدّس بقدر معرفتنا؛ وإذا كان يهودا أقلّ تكبّرًا وغرورًا وتجبرًا والملوك تحيّزوا إليه أقلّ على حساب الأسباط الأخرى، كما كان ينبغي لكانت العاصمة في منطقة إفرايم؛ وإذا كان الشعب قد تركّز حول مدينة لم تبن على جبل بدون ماء بل في أخصب وادٍ في البلاد ومحاطة بجبلين فوقها للدفاع عنها، أكان سيكون هناك الاضطراب والمنافسة ومؤهلات سيّئة لرجل الدولة والسقوط  الواردة في الكتاب المقدّس؟

ماذا كان سيحصل لو ساروا وفق التوراة السامرية؟

وأخيرا وبخطّ الكاهن يعقوب بن هرون بن سلامة بن غزال الكاهن الأول، الكاهن الأوّل وبالرسم السامري في الأصل. هذا الخطّ المائل/ يشير إلى نهاية سطر وبداية آخر:

קצין. ר.ונ: / א.ב.ג.ד.ה.ו.ז.ח.ט.י / כ.ל.מ.נ.ס.ע.פ.צ.ק /.ר.ש.ת.

..............

 

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

mutham aljanabi2ليس مصادفة أن تكون فكرة الحق هي الفكرة الأكثر ترددا وجوهرية في هواجس الخلفاء الراشدين وعقولهم ومواقفهم، باستثناء عثمان بن عفان. بل إن مقتله هو الوجه الآخر لفكرة الحق التي تغلغلت في وعي وضمير الأمة الناشئة، التي وجدت في سلوكه خروجا على الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها في الشعار الشهير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق! ولم تعن هنا كلمة الخالق سوى العادل والمحق. وليس اعتباطا أن تتبلور الفكرة في صيغة مرجعية شاملة عند الإمام علي بن أبي طالب عندما قال "الرجال بالحق وليس الحق بالرجال". واختزلت هذه الصيغة مضمون الفكرة الإسلامية وتجاربها العملية الأولية في صورة هي الأعمق والأصدق والأعم في تأسيس فكرة الحق. بحيث أصبح من الممكن تحولها إلى مرجعية علمية (منهجية) وعملية. ونعثر على تراكم هذه النتيجة الأولي في مجرى الصراع العلني والمستتر الذي اخذ يظهر إلى السطح بعد موت النبي محمد.

فقد كان محور الصراع حول "من يخلف النبي" يدور حول من له "الحق" الأكبر. ويشر هذا الجدل بحد ذاته إلى أنه كان مرتبطا بتنوع الاحتمالات والتأسيس المعقول والمقبول للإقرار به. بمعنى انه لم يكن مرتبطا بفكرة العائلة والقبيلة والجهة، بل بفكرة الاقتراب من النبي وتمثل ما في الإسلام والمعاناة الشخصية والتاريخية من اجله، أي كل ما يعطي للمرء "حق" المطالبة بها. وقد كان ذلك الوجه الآخر لفكرة الحق من حيث كونه عدلا. وتغلغلت هذه الموازاة في عمق الكلمة والعبارة والفكرة والممارسة العملية، التي ميزت النماذج العليا لخلافة الراشدين. ففي وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب يمكننا ملاحظة الترابط الداخلي العميق بين فكرة الله والنبي والخلافة وبين الحق. فهو يخاطبه قائلا:"إن لله عليك حقا في الليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وأنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة"[1]. ويضع في مضمون استخلافه له إتباع مضمون السلوك النبوي في الحياة الشخصية، كما في قوله:"إني إنما استخلفتك نظرا لما خلفته ورائي. وقد صحبت رسول الله فرأيت من أثرته أنفسنا على نفسه وأهلنا على أهله حتى إنا كنا لنظل نهدي إلى أهله من فضول ما يأتينا عنه. وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي"[2]. ويختتمها بفكرة الحذر الدائم من الانحراف، بوصفها فكرة سياسية، كما في قوله له بضرورة الابتعاد عمن دعاهم بهؤلاء "النفر من أصحاب رسول الله، الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم نفسه، وإن لهم لحيرة عند كل زلة واحد منهم. فإياك أن تكونه"[3]. واختتم هذا التحذير بفكرته العملية القائلة:"لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك"[4].

مما سبق نستطيع رؤية الاتجاه العام لتطور فكرة الحق في المثال الشخصي، باعتبارها الهاجس العميق والباعث الجوهري في فكرة الدولة. وكذلك فكرة الدولة، بوصفها إرشادا للناس صوب تحقيق الحق. إننا نعثر في آراء أبي بكر في وصيته لعمر بن الخطاب على توحيد لفكرة الحق في سلسلة تبدأ بالله وتنتهي بتطبيق الحق السياسي مرورا بنموذج النبي. إذ نعثر في عبارات أبي بكر التي خاطب بها عمرا على إدراك واضح للأولويات في الحق. بمعنى إننا نعثر فيها على إن لكل زمن حقوقه، وإن الحقوق مفهوم ومطلب لا يتغير ولا يتبدل من حيث كونها حقوقا، وإن الأولوية والمطلوب في الحق هو أصوله لا توابعه (الفريضة وليس النافلة). وهي مقدمة كبرى مصدرها فكرة الحق المطلق (الله)، كما وجدت نموذجها الرفيع في مثال النبي محمد. لهذا كان ينظر إليه ومن خلاله يمكن رؤية "الأنا"، بوصفها نموذجا سياسيا مقبولا لمن يخلفه، كما نراها في كلماته القائلة "وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي".

إننا نقف هنا أمام ربط بين المطلق والعابر في الثبات على الحق، بوصفه سلوكا متجانسا لنموذجية الفرد وحق الجماعة (الأمة). ولعل عبارة "لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك" هي الصيغة المعّبرة عن هذا الربط الدقيق. بمعنى إن الحق هو سلسلة الارتباط الدائم بين رجل الدولة ومبدأ الحق المطلق (الله). مع ما يترتب عليه من ربط مرجعية الحق بالمبادئ العامة وليس بالسلطة والأفراد. انطلاقا من إن الحق هو ضابط السلوك الفردي للسلطة، وإن حقيقة السلطة بوصفها أداة تجسيد العدالة تفترض الاستقامة الشخصية، أي السلوك الثابت مع الحق بأي شكل ومظهر ومنحى جرى. وقد تمثل عمر بن الخطاب هذه الفكرة للدرجة التي تحول في وعي الثقافة الإسلامية وتاريخها السياسي إلى "فاروق" الحق والعدالة. وتصور أحدى النوادر هذه الحصيلة، عندما قال رجل له: "اتق الله يا عمر!" وعندما رده احد المرافقين لعمر قائلا: "أكثرت على أمير المؤمنين!"، نراه يردعه قائلا: "دعه! لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا!" ولا خير فينا إن لم نقبل![5] وحدد نوعية هذا السلوك نوعية استيعابه لفكرة الحق ونموذجها المناسب في حلم "أمير المؤمنين"، أي في عقل رجل الدولة. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأنه "ليس من حلم أحب إلى الله ولا اعمّ نفعا من حلم إمام ورفقه. وليس من جهل ابغض إلى الله واعمّ ضررا من جهل إمام وخرقه"[6]. وهي حقيقة اقرب إلى البديهة السياسية في فكرة الدولة ورجالها. لهذا قال في معرض الجدل الذي دار حول قضية توزيع أراضي العراق والشام: "إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم. فإني واحد كأحدكم. وانتم اليوم تقرون بالحق. خالفني من خالفني ووافقني من وافقني. ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي. فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق"[7]. لقد وجد في تقسيم الأرض واعتراض البعض من أهل الأوس والخزرج على ذلك، بأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه أراد الإبقاء على من يحافظ على الأمن والنظام في المدن الكبرى. وإنه بحاجة للمال من اجل مد الجيوش. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صورة نموذجية حول أولوية وجوهرية الحق على الهوى والرغبات الشخصية في إدارة شئون الدولة والموقف من المعارضين. وبالتالي فإن آراءه التي يمكن مخالفتها أو الاعتراض عليها لا تهدف من حيث مبدئها وغايتها غير الحق الضروري للدولة والأمة. لاسيما وأنها حقوق سياسية أيضا، لأن مواقفه تعادل الاجتهاد السياسي المحكوم بفكرة الحق، كما إن فكرة الحق محكومة بفكرة الدولة. وكان ذلك مضمون العقيدة العملية والروحية لعمر بن الخطاب في الموقف من السلطة والدولة. بمعنى إنه احد النماذج الرفيعة لفكرة الراشدين، الذي أناط مهمة الحق والحقيقة بتوسيع وترسيخ الوحدة والدولة. وهي عقيدة يمكن العثور على تعبيرها الواضح في إحدى أفكاره القائلة، بأن "أحق ما تعهد الراعي من رعيته تعهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم الذي هداهم الله له. وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وأن ننهاكم عما نهاكم الله من معصيته. وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم ولا نبالي على من كان الحق"[8].

ولم تكن هذه الآراء والمواقف معزولة عن واقع الصيرورة الأولية للخلافة (الدولة) وفكرة الدولة. بمعنى أنها كانت تعبر في صيغتها المذكورة أعلاه عن الحالة التاريخية والمرحلة التي لم تتعرض فيها الدولة إلى التجزئة. بمعنى عدم ظهور قواها المتصارعة وتناقضاتها الذاتية الملازمة للتطور الحضاري والإبداع الثقافي. الأمر الذي ادمج فكرة الحق في الشخصية وجعلها كلا واحدا. بحيث تحول الخليفة وفكرة الحق والحقوق إلى كلّ واحد. وفي هذا كان يكمن سر الإغراء التاريخي لخلافة الراشدين. وليس مصادفة أن نعثر حتى عند عثمان بن عفان على عبارة تقول "إن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق". وقد يكون هذا التطابق الخفي بين فكرة الحق وفكرة الخلافة هي السرّ المستتر وراء مقتله. فعندما وجدت الأمة في سلوكه أخذا للحق بغير حق أعطوه الإجابة الحقيقة، ألا وهي أخذهم للحق منه بالقوة. وقد تكون هي الحصيلة التاريخية لتجربة الخلافة الأولى التي حدس الإمام علي بن أبي طالب معناها وجوهرها من خلال إبداع إحدى أجمل وأعمق المرجعيات الفكرية بهذا الصدد، عندما قال، بان الرجال تعرف بالحق وليس الحق بالرجال. وتوجت هذه الفكرة مرحلة خلافة الراشدين وجعلت منها معيارا في الوقت نفسه لفكرة الحق والدولة والشخصية.

وليس مصادفة أن تصبح "خلافة الراشدين" فكرة أكثر مما هي مرحلة تاريخية. من هنا سرّ تأثيرها الدائم، ومن ثم فهم سبب إدراج الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ضمنها أحيانا[9]، أو أن تبقى تثير شهية الخلفاء في أوقات متأخرة للاقتراب منها أو الانضمام إلى كوكبتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم الأساطير المحاكة عن شخصية هارون الرشيد في تتبعه لحياة الناس العاديين والعيش أحيانا بمعايير سلوك الخلفاء العظام مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، تماما بالقدر الذي يمكن فهم لقب الرشيد على انه الصيغة غير المباشرة والمبطنة لتمثيل خلافة الراشدين. وهي صورة يمكننا العثور على نماذجها المتنوعة في كتب التاريخ والنوادر، كما هو الحال بالنسبة لنادرة دخول الصوفي شقيق البلخي على هارون الرشيد، ومبادرة الأخير بسؤاله:

- أنت شقيق الزاهد؟

- أنا شقيق ولست بزاهد!

- أوصني!

- إن الله أجلسك مكان الصدّيق وانه يطلب منك صدقه، وأعطاك موضع عمر الفاروق وانه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وانه أقعدك مكان ذي النورين وانه يطلب منك الحياء والكرم كما يطلب مثل حيائه وكرمه، وأقعدك موضع علي بن أبي طالب وانه يطلب منك العلم والعدل.

وفي نادرة أخرى تروي لقاءه بالشبلي. فعندما استفسر منه الرشيد قائلا:

- كم في خمس الإبل؟

- شاة في الواجب. فأما عندنا فكلها لله.

- فما أصلك في ذلك؟

- أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله.

ثم أضاف قائلا:"من خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عمر. ومن اخذ لله وأعطى لله وجمع لله ومنع لله فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي. وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"[10].

إننا نعثر في هذه النوادر على نموذجية فكرة الخلافة والحق. والقضية هنا ليست فقط في أن التصوف هو التعبير الروحي عن فكرة المطلق، بما في ذلك في ميدان الحقوق، بل ولأنها الصيغة التي أبقت على نموذجية الخلافة الواقعية من خلال تقديمها بصورة مجردة عن صراع القوى ونزوات المصالح. بمعنى انه حاول تجريد التاريخ ليرفعه إلى مصاف الحق المجرد. ففي كلمات شقيق البلخي نعثر على وحدة الصدق والحق والحياء والعلم والعدل. وقد أعاد الشبلي هذه الصورة في موقفه من الحق المتسامي عندما اقر بتنوع الصيغ المعقولة والمقبولة، بدأ من الكلّ مرورا بالجزء والتنوع بينهما وانتهاء بالتجرد التام والكامل. وربطها بشخصية الإمام علي بن أبي طالب، انطلاقا مما اسماه بترك ترك الدنيا لأهلها. وبما أن "كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"، لهذا تكون الشخصية العلوية أنموذجا كاملا للشخصية التي تتمثل حقيقة الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. وفي هذا يكمن سرّ قيمتها "الأبدية" بالنسبة لعلاقة المثقف والسلطة على امتداد تاريخ الخلافة واستمرارها المعاصر في ميدان الروح والمواقف الفردية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص13.

[2] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 13.

[3] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 14.

[4] تكشف هذه الرؤية والموقف النقدي من "أصحاب رسول الله"، أو ما ستطلق عليه التقاليد الإسلامية اللاحقة عبارة "الصحابة" عن أنهم جزء من الجماعة الإسلامية والأمة الناشئة، بمعنى أنهم لا يتميزون بصفة القدسية ولا العلو سواء بالمعنى المادي أو الروحي أو الأخلاقي. فأبو بكر يشير بوضوح إلى ما أسماءه بأولئك النفر من "الصحابة الذين انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كلا امرؤ منهم نفسه".

[5] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[6] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[7] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص27-28.

[8] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 16.

[9] إن إدراج شخصية عمر بن عبد العزيز ضمن سلسلة الخلفاء الراشدين هو دليل على إنها فكرة وليس مرحلة تاريخية.

[10] إننا نعثر في آراء ومواقف شقيق البلخي والشبلي على إحدى الصيغ الجوهرية المميزة للفكر الصوفي في موقفه من الأفراد والفكرة، بمعنى محاولة الربط بينهما بالشكل الذي يستجيب لحقائق التصوف. فالجوهري في التصوف يقوم في إيجاد النسبة المثلى بين العلم والعمل وتجليها في التاريخ والمثال. ومن الممكن رؤية هذه الصورة في تقييم البلخي والشبلي لشخصيات الخلافة الأولى، بمعنى البحث عن مراتب فيها تؤسس للعلاقة بين التاريخ الواقعي والفكرة المتسامية ضمن فكرة التصوف عن الواقع الواجب. وهي فكرة متحررة من ضيق المذاهب والفرق، تعطي لتراكم المواقف قيمة بالنسبة للرقي الروحي والأخلاقي، بوصفها القيمة الجوهرية بالنسبة لتاريخ الأفراد والأمة والدولة أيضا. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيها ليس هوى السياسة والمصالح، بل سياسة الروح بالشكل الذي يبقى للمثقف الكبير موقعه المتسامي ضمن المسار الواقعي لصراع المصالح والأهواء.

 

 

mutham aljanabi2ينطلق محمد عبده في تأسيس الفكرة السياسية الإسلامية من تحديده لفكرة القانون وأهميته بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا فكرته عن أن المهمة لا تقوم بمجرد الإصلاحات بالنسبة لما اسماه بالكيان السياسي الإسلامي، بل في تأسيس ضرورة فكرة الإصلاح الديني الصحيح. والإصلاح الديني الصحيح بالنسبة لمحمد عبده هو منظومة الإصلاح الشامل بمعايير التجربة الذاتية والتراث الثقافي. وهي فكرة لا تتعارض مع مضمون الانفتاح الإنساني وفكرة الحق المجرد والمتسامي، على العكس، أنها تسندها وتدعمها بمعايير الارتقاء الذاتي الفعلي، أي الاتقاء المتراكم في مجر معاناة التقدم الذاتي. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية فكرة الجمعية الإنسانية، فإننا نراه يربطها بفكرة فلسفية وجودية تقوم على أساس أن الحركة العمومية تسير دوما صوب المركز. وكلما اقتربت من المركز كلما زادت سرعتها، شأن كل حركة طبيعية. من هنا تأثير هذه الحركة على العقلاء من البشر (دوما) فمالوا إلى خدمة الإنسانية دون التعصب إلى عقيدة أو جنس أو دين ومذهب. ووضع هذه المقدمة الفكرية العامة في صلب دعوته إلى السير صوب ما اسماه بالقانون الطبيعي المودع في فطرة الإنسان، بوصفه سبيل السعادة للجميع[1]. ففيها ومن خلالها يمكن رؤية الحدس العميق في فكرة محمد عبده عن أهمية وجوهرية القانون بالنسبة لنيل السعادة العامة، أي النظام المعقول بمعايير التجربة الإنسانية الحرة. وأسس لهذا الاستنتاج الكامن في رؤيته من منطلق عام يقول، بان في الإنسان قوة نظرية وعملية. يتوقف كل منهما على الآخر. وان علوم الإنسان إدراك الحدود والاستفادة منها. والقوانين مهمتها ضبط السلوك والمصالح. كما أنها تتوقف على درجة المعرفة (العقل النظري). من هنا اختلاف الأمم في نظرتها إلى القوانين. لكنه اختلاف محكوم بتجاربها ونظراتها العامة. من هنا نراه يركز في الكثير من مقالاته وأبحاثه على أهمية إبراز أولوية وجوهرية القانون. ففي احد مقالاته المتعلقة بهذا الجانب (احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة) يتوصل إلى أن البلاد "تسعد ويستقيم حالها، إذا ارتفع فيها شأن القانون"[2].

إن جوهرية القانون بالنسبة لمحمد عبده تستند إلى فلسفة إصلاحية تناسبها. كما أنها تنبع من فكرة الإصلاحية نفسها بوصفها فلسفة البناء الذاتي للدولة والأمة والعلاقة المعقولة والضرورية بينهما. في مجرى تناوله قضية علاقة القوة بالقانون، نراه ينطلق من أن استعمال القوة هو مصدر الاستبداد والانحراف الأخلاقي. ووضع هذه المقدمة في أساس نقده الذاتي والثقافي الإنساني. بمعنى نقده العميق أيضا للتجربة العربية والإسلامية والأوربية الحديثة. واعتبر استعمال أو هيمنة القوة على الحق مصدر الخلل في الوجود الإنساني. واعتبرها حالة شبه عامة في تاريخ الأمم. من هنا تشابه النتائج القائمة فيما اسماه محمد عبده "بإحداث القبائح"، بوصفها النتيجة المترتبة على استعمال القوة وإهمال القانون. بعبارة أخرى، لقد وجد محمد عبده في إهمال القانون مصدر تخريب القوى السلمية والسليمة في الإنسان السلمية. من هنا أهمية القانون. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لولا كسر القانون لسورة النفس وتذليل صعوبتها "لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة. فالحق للقانون لا للقوة"[3]. بل نراه يتوصل إلى أن الالتزام بالقانون هو مصدر التقدم والارتقاء، بما في ذلك العلمي. والعكس هو الصحيح. أما الاستبداد فهو مصدر الانحطاط، "الذي ضرب عن القانون صفحا، وطوى عنه كشحا فهو على مرذلة أخلاقه، وبساطة أفكاره يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ويمسي كرة لصولجان البغي"[4].

إن بلوغ الفكرة القانونية في إصلاحية محمد عبده ذروتها السياسية في نقد الاستبداد لم يكن جزء من تقاليد العقائد السياسية والأيديولوجية، بقدر ما انه كان يتراكم في فلسفة التأمل العميق للتاريخ وتجارب الأمم والفكرة القانونية وفلسفة الحق. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في الفكرة المكثفة التي وضعها بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان "تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار، ثم إذا نظرنا إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونا خاصا في سير وجوده، تقوم البراهين على انه لو انحرف عنه لحكم عليه سلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب"[5]. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الرؤية على فكرة تأسيس ضرورة القانون (الإنساني) بالاستناد إلى رؤية وجودية طبيعية. وهو السبب الذي دعا الحكماء والأنبياء على مرور الزمن كما يقول محمد عبده إلى التشديد على أهمية القانون من اجل حفظ الوجود. وذلك لأنه "من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهام لا يخطى رماها"[6]. والحصيلة هي أن "القانون سر الحياة وعماد سعادة الأمم. فإذا أرادت امة إعادة مجدها فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد ما هدمته يد الغرور وبددته سطوة الفجور"[7].

إن بلوغ الفكرة السياسية الإسلامية ذروتها من خلال تأسيس وتحقيق فكرة القانون والحق هو الوجه الآخر لإدراك أهميتها بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا الربط العضوي بين فكرة القانون والحق والتاريخ الواقعي للأمم. بمعنى ربط محمد عبده لفكرة القانون والحق الإصلاحية بضرورة تحقيقها المتدرج والعقلاني والواقعي بتراث الأمة وواقع العالم العربي (ومصر خصوصا). وانطلق بهذا الصدد من فكرة فلسفية عامة تقول، بان "أحوال الأمم هي المشرع الحقيقي"[8]. واستند في فكرته هذه إلى تجارب الأمم بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. إذ وجد في تجربة فرنسا ما يعد الثورة نموذجا لتحقيق هذه الفكرة عندما اعتبر كل تطورها لم يكن بأيدي أهل الحل والعقد، بل بأيدي الناس. بل ونسمعه يقول، بان "القانون الحقيقي هو القانون المسنون حسب الرأي العام"[9]. وأن "أفضل القوانين هي ناشئة عن الرأي العام للأمة"، أي "المؤسسة على مبادئ الشورى. وأن الشورى لن تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة"[10]. وبالمقابل نراه يشد على أن "من عجل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". بمعنى إدراكه لرفض التقليد واستنساخه المباشر بما في ذلك في ميدان القانون والحق، مع انه الصيغة الأكثر كمالا للحرية المجردة من ضيق الرؤية والمصالح. لكته يعكس في نهاية المطاف ليس فقط تجارب الأمم بل ومستوى إدراكها الفعلي لماهية القانون ومتطلباتها الحيوية المباشرة. لهذا نرى محمد عيده يشدد على ضرورة البدء بالقانون وتوسيع مداه ونطاقه وتربيته في النفوس والعقول والتجارب الخاصة[11]. وأسس لذلك فكرته القائلة بالوحدة العميقة والدفينة بين الأخلاق والقانون، بوصفهما وجهان للتربية والتجربة الذاتية في تطور الأمم. لهذا نراه يشدد على وحدة القوانين والأخلاق من اجل نقل المرء من حالة التكليف إلى حالة العادة. وبالتالي تحويل الأخلاق الفاضلة إلى أسلوب حياة الناس والدولة[12]. ومن هنا ضرورة القضاء على تشتت القوانين لما فيه من مضرة على المصلحة العامة. بل ودعوته إلى تجميعها وتوحيدها ونشرها والعمل بها وذلك لما له من اثر وقيمة وفاعلية في توحيد المجتمع والدولة والأمة والفكرة القانونية وقيم الحق والعدالة. غير أن ذلك ليس إلا المقدمة الأولية. وما بعدها تنفيذ ما يجري سنه من قوانين. فالجوهري ليس إصدار القوانين الجيدة بل تنفيذها وتجديدها، كما يقول محمد عبده. ووضع هذه النتيجة في نقده اللاذع لحالة مصر المزرية آنذاك بهذا الصدد. كما انه ليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يعتبر الأخذ عند سن القوانين وتنفيذها بمراعاة الحالة الاجتماعية المعرفية. وعندما طبق ذلك على سبيل المثال على حالة الزراعة والمزارعين في مصر آنذاك، فإننا نراه يقول أيضا بضرورة استعمال الأساليب العقابية الشديدة من اجل توطين النفوس على العمل (الزراعة).

لقد أدت الحصيلة المتراكمة لفلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى بلورة ما يمكن دعوته بفكرة الروح الليبرالي، أو على الأقل ملامحها الأولية. وقد يكون جمعه وترتيبه لمحاضراته في كتاب (رسالة التوحيد) آخر حياته احد مؤشرات هذا التحول الخفي. ففيه نرى أول ملامح تطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول فيما إذا كان سعيه هذا يتسم بقدر كبير من الوضوح بالنسبة له شخصيا، إلا أن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا ممكنا. كما نراه أيضا في "منظومة" العمل التربوي والإصلاحي المعرفي والثقافي والهدوء السياسي. غير أن صعود الحكمة لا يعني نفي أو انعدام الوجدان السياسي وبرود الروح السياسي، بقدر ما يعني تحول الفكرة الإصلاحية صوب تأسيس المرجعيات الكبرى القادرة على تأسيس صرح الإصلاح الحقيقي. وذلك لأننا نعثر على قوة الروح السياسي عند محمد عبده ومساعيه النقدية الحادة حتى آخر لحظات حياته، كما هو جلي في (رسالة من السجن) و(رسالة إلى تولستوي) التي كتبها عام 1904، أي قبيل موته بقليل.

ففي (رسالته من السجن) نقف أمام شخصية حرة قوية أخلاقية تواجه رذيلة عصره بقلب ممتلئ بمتناقضات الوجود. لكنه يعطف عليه كما لو انه يعطف على ما فيه. وفيها أيضا تبرز بوضوح ماهية القلق الدفين فيه. بحيث نراه يضع في بدايتها احد الأبيات الشعرية العميقة والمرهفة:

تقلدتني الليالي وهي مدبرة   كأنني صارم في كفّ منهزم

وهي حالة تتصف بقدر هائل من التناقض المقلق للعقل والضمير. وفيها يمكننا رؤية صراعه النفسي والعقلي ووجدانه العارم في مواجهة النفس والآخرين، والمجتمع وقيمه، والدولة ونظامها السياسي، والحاضر والمستقبل. فعندما يصور حالته فانه يشير إلى انه يقبع في واقع اشتد فيه "ظلام الفتن حتى تجسّم، بل تحجر! فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى. واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس"[13]. وهي حالة جعلت من الممكن أن تتدحرج أمام عينيه رؤية الملامح الخشنة لما يمكن دعوته باليأس الجميل. ففيها نقرأ كيف انه وجد نفسه في موقع "لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلية داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما. لا أرى إنسانا، ولا اسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا. اسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب. والتفّ، على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع. ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين"[14].

لقد واجه محمد عبده عصره ومعاصريه بروح التحدي، وكشف عما في أعماقهم من خواء كان يسعى لانتزاع ما فيه من جرأة وإرادة حية حرة. لقد أدرك بالحس والعقل والحدس، بان المطلوب هو وذاته. لهذا لم يجد في هذه المساعي الخربة غير سقوط الهمم وخراب الذمم، وغيض ماء الوفاء، وطمس معالم الحق، وتحريف الشرائع، وتبديل القوانين. بحيث لم "يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيض يحتدم، وخشونة تنفذ. تلك سنة الغدر"[15]. وليس مصادفة أن يجدوا في حبسه، أي عندما يصبح اغتيال العقل الحر والضمير الحي غاية كبرى وفضيلة عظمى! من هنا استغرابه وإدانته بقدر واحد لهذا السلوك كما وضعه في عباراته القائلة:"لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكتشفونه، أو لحقّ خفي فيظهرونه! كلا! بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين. وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة، وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق، وخبثاء الأعراق"[16]. ومقابل ذلك تقف نفسه الأبية وشخصيته الاجتماعية والوطنية والقومية الإنسانية كما لو أنها شمعة تحترق في ظلام الأطلال الخربة للفرد والجماعة والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بان معظم قلبه قد "ذاب من الأسف على ما يلمّ بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات، وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم"[17].

وأمام هذه الكارثة التي تواجه الفكرة الإصلاحية الكبرى وشخصياتها عادة ما تنتفض النفس حتى النهاية كما لو انه "القربان" الذي لابد منه من اجل وضع أسس الهيكل الروحي - الأخلاقي والعقلي للبدائل. ونعثر على كل هذه الحالة في الحوار العميق الهائج مع النفس. فنسمعه يقول "هل أتأسف إن كنت سباقا إلى الخيرات؟ هل أتأسف إن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف إن كنت شجاعا ي الدفاع عن ذوي مودتي؟ هل أتأسف إن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل استحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟. والله لن يكون ذلك. ولم ازدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا. ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر"[18].

وإذا كانت حالته تبدو في مظهرها، أي في أحوالها المادية كما قال عنها "اعجز من المقعد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف"، لكنه واجه كل ما ينبغي مواجهته بعبارة صريحة وموقف واضح وضعه في عبارات مقتضبة يقول فيها: "أقول لكم! إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وأن هذا الشرف سوف يردّ. ولئن أبت طبيعة هذه الأرض بخسّتها أن يكون لها من عوده نصيب، فليعودن في بلاد خير منها، ولأجذبن إلى المجد أحبتي، ومن إلى المجد ينجذبون"[19].

بينما نراه في رسالته إلى ليف تولستوي التي كتبها عام 1904، أي قبل موته بقليل يعيد من حيث الجوهر مضمون فكرة التحدي الإصلاحية بوصفها فكرة إنسانية وضرورية. فالمضمون العميق لهذه الرسالة ليس فقط في محتواها الذي يتقاسمه محمد عبده نفسه، بل في كونها موجهة من إمام مسلم لأديب نصراني، وجد في سلوكه وفكره ومواجهته للتقليد ودفاعه عن الفكرة الإنسانية قدوة للاعتبار. فنراه يشير فيها إلى انه بالرغم من عدم معرفة شخصه بشكل مباشر، لكنه يحرم التعارف بروحه. ويقيم عاليا موقف تولستوي من محاربة التقليد في العقائد والأديان بإرجاع مضمونها إلى الأصل، أي إلى ما اسماه بحقيقة التوحيد. بل ويطالبه قائل "فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم". وانه "أعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"الإبعاد". فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم، كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم"[20].

لقد كانت مواقفه الأخيرة هذه تعكس مسار التجربة الشخصية وفرادنيتها العميقة، أي كل ما مميز إبداعه النظري والعملي. ومن الممكن العثور على ذلك في الأصداء غير المكتملة لسيرته الذاتية، التي تحتوي في ذاتها على صورة رمزية أو إيماء تأويلي على انقطاع الفكرة الإصلاحية وروحها الليبرالي. ومن ثم إمكانية تأسيس الدنيوية الإسلامية، أي كل ما يشكل القاعدة الضرورية لتراكم الحكمة التاريخية في الموقف من النفس والبدائل بطريقة تتمثل رحيق التجربة القومية. وإذا كانت هذه الفكرة تحتوي على قدر من الاحتمال والظن، فإنهما يبقيان كما يقال ضمن سياق الرؤية الواقعية. لاسيما وان المسار التاريخي للفكرة الإصلاحية ونهايتها المتكسرة في ضعف تأثيرها وتطورها التقائي اللاحق، وانهزام تراثها الذاتي، واغترابها الفعلي في تيارات الفكر الجديدة يكشف عما في هذه الفرضية من أصول واقعية. والسؤال الذي يظهر هنا من اجل فهم الأبعاد المقطوعة في أنغام المقطوعة الإصلاحية هو لماذا تظهر فكرة السيرة الشخصية عند محمد عبده؟ وما هي طبيعة التحول التي جعلته يكتب عن نفسه؟ ومن الممكن العثور على الإجابة الحقيقية على هذه الأسئلة من خلال تحليل الأبعاد الدفينة في السيرة نفسها. فإذا كانت شخصية محمد عبده تتسم بقدر كبير من الهدوء الظاهري والعنفوان الباطني، أي عدم تناسب الظاهر والباطن، فلأنها الصيغة النموذجية لعوالم الشخصيات الكبرى، بمعنى أنها النتاج الملازم لقوة الإرادة في ضبطها هياج الروح النظري والعملي. لهذا نراه ينظر إلى فكرة الكتابة عن النفس في بداية الأمر بمعايير النقد الذاتي. بمعنى النظر إلى هذه المهمة برؤية عقلانية أخلاقية. لكنه سرعان ما يذلل طابعها "الخجول" و"المتواضع". فهو لم يفكر في بادئ الأمر بكتابة سيرة ذاتية. بل استهجنها. ويعكس هذا الموقف بدوره بقايا الاستهجان الأخلاقي والنفسي للانا الشخصية. وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده بما في ذلك في جدله الكلامي والفلسفي على أولية الوجود ومظاهره. بمعنى أن هذا الاعتراض والتمنع والرفض الأولي لم يكن أكثر من بقايا التأثير الشديد للورع الذي ينتزع حقيقة الشخصية بوصفها فردا، أي فردانية المرء. من هنا فكرته عن "أن وقت اصرفه في حكمة استفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها". لكنه سرعان ما يعيد النظر في فكرته هذه بعد لقائه بأحد "الغربيين" الذي يشرح له قيمة هذا النوع من الكتابة. عندها يستذكر قول النبي محمد "لا تحقرن من المعروف شيئا". واستكمل هذه الملاحظة بفكرة نقدية ايجابية لتجارب الأوربيين بهذا الصدد التي وجد فيها تقييما وتقديرا للفرد بوصفه جزء من رؤية عقلانية وأخلاقية وإنسانية محكومة بمعايير الحق، كما نعثر عليها في قوله "أولئك قوم يعرفون الأقدار، ويقدرون الآثار، ولا يبخسون شيئا حقه، ولا ينكرون عليه ما استحقه ويطلبون المنفعة في كل شيء".

لقد استطاع محمد عبده الخروج السريع من تناقضات النفس وهو في عمر الشيخوخة. بمعنى قدرته على تذليل الفارق التاريخي في تجارب الأمم من خلال إرجاعه إلى صيغة نموذجية ورفيعة للفكر والمنطق. فالسيرة لم تعد بالنسبة له قضية شخصية بقدر ما هي قضية فكرية وتاريخية وثقافية وإصلاحية بقدر واحد. وحقق، وإن بصورة لم تكتمل، المهمة الأولى بهذا الصدد والقائلة بان كل صعود متسام للفردية هو تمثل متنوع وخاص للتجربة التاريخية. وبالتالي فان السيرة الذاتية الكبرى فردية بمعالم العبارة، تاريخية بمعالم الفكرة. وعلى قدر تلاقيهما في تأسيس مرجعيات وعي الذات القومي والثقافي والإنساني، ترتقي قيمتها الفعلية.

فقد اخذ محمد عبده بكتابة سيرته الذاتية من منطلق إدراكه لقيمتها الحقيقية باعتبارها تجربة تاريخية وليست جزء من تقاليد المراقبة النفسية الأخلاقية. لقد وجد فيها معيارا ومرآة للعقل النقدي والعبرة التاريخية. من هنا قوله "فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك لأجيال طريقته. فاني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها إلى اليوم اثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد فيّ أسوة". وبهذا يكون محمد عبده قد أسس لضرورة إدراك قيمة النفس على خلفية ما هو موجود. من هنا معاناة وإصراره بقدر واحد في مواجهة الآذان الصماء، كما هو جلي في عباراته القائلة بأنه يسعى يوميا لقول ما ينبغي قوله بينما هم "يسمعون ما بين عابث بلحيته، ولاه بكبريائه وعنجهيته، ومغرور بمقامه ورنينه، ومعجب بسنه وشيخوخته". وليس مصادفة أن تصبح مهمة نقد النفس وإجبارها على جلد المصابرة أمام تحيات الزمن العابر من اجل صنع التاريخ الفعلي المهمة الملهمة لمحمد عبده. فقد أوصله وعي الذات النقدي إلى إدراك قضيتين كبيرتين وهما سئمه الاستمرار على ما يألفه الناس، وارتفاع صوته صوب "أمرين عظيمين" أولهما وأكثرهما أهمية يقوم في "تحرير الفكر من قيد التقليد". وادخل في هذا الأمر ست مبادئ كبرى وهي: فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في فهم كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى، والمعرفة ضمن موازين العقل البشري، ومهمة الدين حفظ نظام العالم والإنساني، والدين صديق للعلم، وبالتالي ضرورة البحث عن أسرار الكون، واحترام الحقائق الثابتة والتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. ووضع كل ما راد قوله وما لم يستطع إتمامه بهذا الصدد في عبارة وجيزة تعكس حالة الانتظار القلق في مسار الفكرة الإصلاحية عندما كتب في "سيرته" قائلا:"إنني في كل مواقفي من المجتمع والدولة لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع. غير إنني اكتب بروح الدعوة"[21]. ووجدت هذه الروح ملاذها الأخير وتعبيرها الخاص في (رسالة التوحيد).(انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص70-71.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص303.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص308.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص309.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص312.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، 1، ص341.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج، ص 395.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص398.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص334.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص342-347.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص494.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص496.

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص497-498.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 498.

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص359-360.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص307-329.

 

 

mutham aljanabi2إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى أن اشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

بعبارة أخرى، إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية – الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية – النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[1]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، وبصفهم اقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[2].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فانه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف السنة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[3]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه على سبيل المثال من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى احدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[4]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي على سبيل المثال في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[5]. وإن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[6]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لان استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[7]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[8].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية). فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فان مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من اجل الخير العام والقانون[9]. لهذا نراه على سبيل المثال، يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[10]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[11]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من اجل التوسع بهذا الصدد[12]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد فيما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[13]. ونفس الشيء يقوله في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد محمد عبده "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب فيما دعاه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضروري بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بان "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بان الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها". ولهذا السبب أيضا نراه يصل إلى الفكرة القائلة، بان إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد الغربنة في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فان ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[14].

 إننا نقف هنا أمام تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير للفكرة السياسية الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده. فهو الثالوث الذي يعبر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي والروح الثقافي الذاتي والروح السياسي الذاتي. (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 .....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24.

mutham aljanabi2كانت المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس أبعاد ثلاثة كبرى تعمل من اجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان اقرب إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو أنها كانت ترتكز دوما على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وان عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه تكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشرعية. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما ارجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاث مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وان العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، أن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبد العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرة محمد عبده عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بان التصوف هو احد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لان "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة على سبيل المثال أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من اجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وان إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بان بأننا حالما نقر ونعتقد بان لا فعل لغير الله، فان ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بان "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بان مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فانه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا فكرة استنتاج محمد عبده القائل، بان الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. ولهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي، من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بحدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسب والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحي والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث يعتقد بان البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما احد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن احد مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا عن رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من اجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الاسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته اميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحده له ولأهله. ثم ادخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن اجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا اثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانوتو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانوتو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانوتو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانوتو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانوتو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وان الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فان من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فانه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فان تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو احد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فان أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولان ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانوتو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله واثر القدرة (الإلهية). وان سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].(يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

..................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] طبعا أن محمد عبده لا ينتقد الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق. تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،   ج3، ص257-368

mutham aljanabi2احتوت الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أولوية إصلاح التربية بالنسبة للإصلاح الحق،على ان يستند هذا الإصلاح على التقاليد الخاصة[1]. بمعنى إن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[2]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملية لكل امة"[3]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[4]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير إن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من اثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[5]. وأسس لهذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد، بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا عل سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا كان يمكن بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من اجل الخير العام والدولة والأمة[6].

بعبارة أخرى، انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[7]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[8]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك من اجل المساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[9]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من اثر جوهري في سعادة الأمم. وكتب بهذا الصدد يقول، إنما الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من اجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات من اجل بلوغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحول ذلك إلى سجية[10].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[11]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[12]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[13].

ومن اجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس ذلك كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[14]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقه، مهمتها في نهاية المطاف الأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[15]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من اثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب: دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[16]. أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من إن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[17]. ليس هذا فحسبن بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[18]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من اثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة لدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[19]. (يتبع....)

***

 

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

mutham aljanabi2إن حقيقة الاستلاب الأكبر في تفكير وحصيلة آراء طه حسين تقوم أساسا في استلاب الرؤية المنهجية الذي يقترب في بعض جوانبه من حدود الانعدام الذاتي. وقد يكون موقفه من "مستقبل الثقافة" في مصر نموذجا حيا على ذلك، رغم كل الفضائل الكبرى لهذا الكتاب من حيث نياته وغاياته العلنية والمستترة ونمط رؤيته العملية للتربية والتعليم[1]. وذلك لان القضية الجوهرية التي أراد طه حسين التأسيس لها هنا تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر، أي أنها الصيغة الوحيدة التي تحتوي على رؤية مستقبلية[2]. وانطلق من مقدمة سليمة تقول، بأننا "نعيش في عصر من اخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منها وأبقى"[3]. وان الشيء الأهم هو "الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم، والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم. ولولا إن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال"[4]. ومن هذه المقدمة العامة أراد إيجاد الصيغة المثلى لتحقيق ذلك. فوجدها فيما اسماه بضرورة أن "تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم"[5]. واختتم ذلك بفكرة سليمة ودقيقة في الوقت نفسه تؤكد على أن الأسلوب الوحيد لبلوغ كل ذلك هو "بناء التعليم على أساس متين"[6]. وذلك لان تجربة مصر الحديثة تكشف عن أن أهم شخصياتها الفكرية والأدبية قد نشأت وترعرعت وتربت وأنتجت خارج إطار مدارس التربية والتعليم، أو بصورة أدق خارج "دار العلوم" مثل لطفي السيد وهيكل ومصطفى عبد الرازق والعقاد والمازني وكثير غيرهم، أي كل أولئك الذين ساهموا في بلورة "العقل المصري" الحديث[7]. من هنا مهمة البحث عن علاقة تعاون أو صلة جديدة بين الدولة والشعب والمثقف من اجل تمكين المثقفين من أن ينتجوا فيضيفوا إلى الثقافة ويجددوها ويشاركوا في تنمية الثروة الإنسانية. ويهدف هذا التعاون إلى أن تتجاوز الثقافة الوطنية حدود الوطن بحيث يمكن تقديمها للأمم الأخرى التي "قد تحتاج إلى هذا الغذاء المصري". ويتطلب هذا بدوره تحقيق الصلة المنظمة الخصبة المنتجة بين مصر وبين الثقافات الأجنبية على اختلافها وتباين لغاتها ومناهجها. فموقع "مصر وثقلها واقتصادها يجعلها دولة مهمة على صعيد المتوسط والعالم"، إلا أننا حالما ننظر إلى مشاركتها الثقافية فإنها تكاد لا تذكر[8]. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج مستقبلي دقيق يقول، بان "التقصير في ذات الثقافة خطر على المكانة السياسية والاقتصادية، لان الفوز في السياسة والاقتصاد لا يتأتى للأمم الجاهلة ولا للشعوب الغافلة ولا للدول التي لا تمنح الثقافة من عنايتها إلا حظا يسيرا"[9].

إن هذه المقدمة العامة والسليمة من حيث الشكل والمحتوى ولحد ما المنطق، سرعان ما تتهاوى في دهاليز التأسيس الفكري لماهية مصر الثقافية، و"العقل المصري"، و"الثقافة المصرية" ونوعيتهما الثقافية.

لقد ربط طه حسين ماهية مصر الثقافية بقضية موقع مصر بين "الشرق والغرب". بمعنى انه انطلق من قضية تاريخية ملموسة وعابرة لحد ما، بوصفها الجوهر المحدد لماهية مصر الثقافية. ومنها حاول إرساء أسس ما اسماه بالمستقبل الثقافي لمصر. بمعنى انه أراد أن يجعل من ماهية مصر الثقافية قضية فكرية قائمة بحد ذاتها رغم كونها قضية سياسية آنذاك بالدرجة الأولى. وعوضا عن أن يجعلها جزء من معترك الوعي المصري والعربي من اجل استكمال مهمة النهضة الثقافية القومية، فانه أرجعها أو ادخلها في دهاليز الاستلاب الفكري والثقافي عبر إثارة قضية ما إذا كانت مصر من الشرق أم من الغرب؟ بل اعتبره السؤال الأكبر. وأشار إلى ذلك بوضوح، إلى أن المقصود بالشرق والغرب ليس البعد الجغرافي، بل الثقافي[10]. مما حدد بدوره المنطلق الخاطئ في موقفه القائل، بان "هناك نوعان من الثقافة يختلفان اشد الاختلاف- الثقافة الشرقية والثقافة الغربية" (الأوربية)[11]. بمعنى سيره ضمن سياق الفكرة الاورومركزية المغلقة آنذاك القائلة باختلاف وليس تنوع الثقافات. بل ورفع ذلك، متتبعا اثر ومسار الاورومركزية المتعصبة، إلى مصاف التناقض أو التضاد أو الصراع الأبدي! وليس مصادفة أن نراه يزدري الفكرة القائلة "بشرقية" مصر ويستغرب ظهور التيارات أو الجمعيات الداعية للوحدة الشرقية أو مختلف أشكال التعاون بينها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يستغرب ولا يستطيع فهم واستساغة ما يدعوه بالخطأ الشنيع والوهم الغريب عن المصريين المعاصرين الذين يعتبرون أنفسهم شرقيين (أي أنهم اقرب إلى الهندي والصيني والياباني) منهم إلى الأوربي (اليوناني والفرنسي والايطالي). بحيث نرى ظهور جمعية "الرابطة الشرقية"[12]. واستكمل ذلك بتقرير يقيني عن أن ما قاله كبلنج عن أن الشرق شرق والغرب غرب لا ينطبق على مصر. كما لا ينبغي أن "يفهم المصري الكلمة التي قالها الخديوي إسماعيل من أن مصر جزء من أوربا للمديح أو المفاخرة، بل هي كذلك، بمعنى أن مصر "كانت دائما جزء من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها"[13].

وحاول تأسيس هذا التقرير المتيقن بمعطيات مثل إن علاقة مصر لم تتجاوز بهذا "الشرق" غير ما ندعوه الآن بفلسطين والشام والعراق، أي الشرق الواقع في حوض البحر الأبيض المتوسط[14]. وأن الأساطير المصرية تحدثنا عن أن آلهتهم تجاوزت الحدود المصرية، وإن مصر كانت في تلك العصور قوة أساسية من قوى التوازن السياسي والاقتصادي[15]. وانه لا معنى للفصل بين مصر و"الحضارة الإيجية القديمة. ومصر والحضارة اليونانية في عصور ازدهارها حتى عصر الاسكندر المقدوني[16]. وإن اليونانيون القدماء كانوا يتشرفون بتأثير مصر. وكانوا يعتبرون أنفسهم تلاميذ للمصرين القدماء. ولم تكن مصر هي الوحيدة التي أثرت في اليونان، بل وشاركها "الشرق القريب"[17]، إذ يعترف اليونانيون بالفضل للكلدانيين وغيرهم من الشعوب الآسيوية التي تأثرت بالبحر الأبيض المتوسط.

وبغض النظر عن سطحية هذه التقارير العامة وتشوش المصطلحات والعبارات إلا أنها تعكس منطق الرؤية الثقافية المقلوبة لطه حسين، أي في طبيعة ونوعية استلابه المنهجي والتاريخي والفكري وهيمنة الدونية القومية والثقافية أمام أوربا والاحتقار المبطن "للشرق" و"آسيا". مع ان "عميد الأدب العربي" ينبغي ان يكون عربي الانتماء والتأسيس للفكرة، إضافة إلى أن المتعلم الصغير والعارف القليل بتاريخ "الشرق" وثقافاته وحضاراته يعرف بان ما أنتجه هذا الشرق في تاريخه الثقافي والحضاري يعادل أضعاف ما أنتجته أوربا على مدار تاريخها الثقافي.

الأمر الذي جعل من اجتهاده بهذا الصدد شيئا اقرب إلى الرغبة المجردة من تاريخ علاقة "الشرق بالغرب" ومصر بأوربا بالمعنى التاريخي القديم والمرحلة العربية الإسلامية والمرحلة الحديثة والمعاصرة. فالخطاب الفكري هنا خاضع بصورة غير مباشرة للرؤية السياسية والرغبة الشخصية. ومن ثم فهو خطاب أيديولوجي صرف. ونعثر على صدى هذه الرؤية بصورة وأشكال وأنغام متنوعة ليست في كلها سوى شكل من أشكال الاستلاب أو التقليد أو المزج بينهما مع قلة قليلة من الانتباه النقدي لمزالقها الخطرة.

ينطلق طه حسين من تأييده لفكرة الخديوي إسماعيل من إن مصر جزء من أوربا. ويعلل ذلك في انتشار البخار والكهرباء والبرق والوزارة والنواب والمدارس والمسارح والأندية وما شابه ذلك. وبما أنها كلها "جزء مادي من أوربا أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة"، فإن ذلك يعني إن مصر جزء من أوربا. ليس ذلك فحسب، بل إن حياتنا والراقية منها هي أوربية، كما يقول طه حسين. و"إن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية. وليس هناك قوة في الأرض تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها عليه الأوربيون"[18]. وضع هذه المقدمة فيما اسماه بمقياس الرقي في حياة الأفراد والأمم. بحيث جعله ذلك يقول، بان مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوربية. وكل ما هو موجود عندنا أوربي الأصل بما في ذلك نظام الحكم السياسي[19]. مما يدل بدوره على "إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا"[20].

إن هذه الدعوة للتماهي التام بين المصري والأوربي في ظل انعدام مقوماتها ومقدماتها وأسسها وتقاليدها، لا تصنع في نهاية المطاف غير أوهام التقليد الأجوف رغم الدعوة المتناثرة هناك وهناك عن الأصالة والخصوصية، كما هو جلي في بعض استدراكاته مثل القول، بان الدعوة للاوربة لا تعني "أن نكون صورة طبق الأصل" فهذا أمر لا يدعو إليه عاقل. كما انه لا سبيل إليه[21]. أو استدركه بان مصر ليست جزء من أوربا المتحضرة والمتقدمة والمثقفة[22]. وان هذا "المثل" ما زال بعيدا كل البعد عن التحقق"[23]. وذلك لان هذه المواقف والاستدراكات تبقى في نهاية المطاف موقف واستدراكات جزئية ولا معنى لها بالنسبة "للفكرة المرجعية" التي وضعها في عبارة "نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا". ومع ذلك فإنها تنسف من حيث الجوهر كل مقدمات هذا التفسير والتأويل والتأسيس. وذلك لان جذر ونسق التفسير والتأويل والتأسيس بقت كما هي، بمعنى العمل من اجل إرساء التقليد على أسس "نقدية"، أي المزواجة والتعايش التعس للرؤية النقدية والاستلاب والثقافي في أسخف وأخف وأرذل نماذجه!

 ولا يغير من هذه النتيجة الإضافات التي يقدمها بين حين وآخر مثل أن السعي من اجل تقليد الأوربيين في كل شيء يهدف إلى بلوغ العزة القومية والاستقلال الفعلي. فمن يريد جيشا قويا فعليه التمسك بتقاليد الأوربيين. ومن أراد اقتصادا قويا وعلما وما شابه ذلك فعليه بتقليد الأوربيين، كما يقول طه حسين[24]. ومع انه يشدد على أن ما يريد بلوغه هناك أن يكون مقارنة بما بلغته أوربا وأمريكا، إلا أن هذه المقدمة السليمة من الناحية الشكلية تحتوي على تخريب مادي ومعنوي هائل من حيث المضمون. وذلك لان الثقافة كل واحد أو منظومة حية متكاملة تفترض من حيث تطورها وارتقاءها وجود منظومة مرجعيات فعالة وفعالة في رؤيتها المعاصرة والمستقبلية.

بعبارة أخرى، أن الثقافة تتراكم من خلال حل إشكاليات الوجود التاريخي. والتقليد لا يصنع غير هشاشة. أما الهواجس والهموم، بما في ذلك النبيلة، فإنها تتحول إلى وساوس وغيوم تخيم على العقل والوجدان وتسحبهما إلى هوة التقليد والاستلاب. ولعل في تأسيس طه حسين لهذه الهواجس والهموم نموذجا "كلاسيكيا" بهذا الصدد. إذ نراه يؤكد على أن إننا "نريد ألا نلقي الأوربي فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدري أنفسنا"[25]. إذ لا فرق جوهري بينا وبين الأوربيين في ميدان العقل. لقد بدؤوا حياتهم الحديثة في القرن الخامس عشر، وأخرنا الترك العثمانيون حتى القرن التاسع عشر[26]. وبالتالي، فان المهمة تقوم في العمل من اجل أن يشعر المصري بأنه قد خلق للعز لا للذلة. وان يمحو من ذهنه ونفسيته بأنه خلق من طينة غير طينة الأوربي. وينطبق ذلك على مزاجهم وعقولهم[27]. ولا خلاف على هذا الخطاب من حيث هواجسه. إلا أن الصيغة النظرية لتأسيسه لا تصنع في الواقع غير نفسية وذهنية الاستلاب، ومن ثم هوة الخلل والعوائق التي لا يمكن تذليها مع مرور الزمن، بل على العكس. تتسع وتزداد كما لو أنها حفرة الموت الأبدية! فالتشّبه من اجل بلوغ الندية لا يصنع في الواقع غير نفسية وذهنية التبعية والانقياد الكسيحة. وضمن هذا السياق يمكن فهم المضمون الفعلي الذي يمكن أن تؤدي إليه فكرة طه حسين القائلة، بضرورة "أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"[28]. واستكمل ذلك بفكرة الدعوة لبلوغ حالة "أن نتحدث إلى الأوربي فيفهم عنا، وان نشعره بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كمال يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، نطلب منها كما يطلب ونرفض كما يرفض، وان نكون شركاءه[29]. أما في الواقع، فان هذه الدعوة للندية ليست إلا الوجه الآخر لعقدة النموذج الأمثل والذهنية المستلبة تحت حجاب "الشرق – غرب" المفتعل!

وليس مصادفة أن تبقى الفكرة التي دافع عنها طه حسين وأراد التأسيس لها عن "مستقبل الثقافة في مصر" من حيث الجوهر كما هي بمعايير التاريخ والنوعية الثقافية، أي بلا ثقافة مستقبلية. والسبب يكمن في أن فكرة "مصر جزء من أوربا" ليست فكرة تاريخية تلقائية، بل عبارة مسطحة وظاهرية للخديوي إسماعيل وثقل تأثير الاورومركزية[30]، أي لقوى خارجية لا علاقة لها بمستقبل الثقافة في مصر، ولا جذور لها في تلقائية التطور الذاتي. وبغض النظر عن النيات القائمة وراءها والجهد المبذول بهذا الصدد فإنها أبقت على مصر مجرد "جزء" مجزأ يتضاءل مع مرور الزمن. فهي ليست فقط لم تصبح جزء من أوربا بعد مرور قرنين من الزمن، بل وتعمق وتوسع مدى تخلفها بهذا الصدد. ولم يكن ذلك بعدم أخذها بالطريق الأوربي بقدر ما كان يقوم في تعثرها الداخلي الذي لعبت فيه نفسية وذهنية الاستلاب دورها الفاعل.

فقد استمدت نفسية وذهنية الاستلاب مقوماتها "العقلية" من التأسيس النظري الذي حاول طه حسين تقديمه "للعقل المصري". وذلك لان التأسيس لم يجر لماهية "العقل المصري" وعما إذا كان من الممكن الحديث عن عقل وطني (مصري). لكنه يصبح معقولا ضمن سياق ثنائية الشرق – غرب بالصيغة التي بلورتها مرحلة الهيمنة الاورومركزية والاستعداد النهم الأولي في مصر، الآخذ بفتات التنوير المسطح. من هنا أولوية السؤال الذي وضعه طه حسين عما إذا كان العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هو غربي التصور والإدراك والحكم على الأشياء؟ أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الانجليزي؟"[31]. وهو سؤال يتصف بقدر كبير من السذاجة المعرفية، وذلك لأنه يستبدل إشكالية الرقي والانحطاط بإشكالية العقل المفتعلة. وذلك لو أن الصيني والياباني كان آنذاك أكثر تطورا من أوربا ومن ثم أكثر استعمارا وتدخلا لكان يمكن فهمه بصورة سهلة لا تعقيد فيها. وينطبق هذا في الواقع على أية موازنة تتصف بالخلل في الرقي وقوة في التدخل. فقد كان الأوربي يعرف عقلية ونفسية العربي المسلم في حال ارتقائه، تماما كما لم يأخذ العرب المسلمين من أوربا المتخلفة آنذاك شيئا ولم يجدوا ضرورة في أن يكون الفرنسي والانجليزي مفهوما لهما. والسبب أيضا يقوم في كونهما لم يكنا موجودين بوصفهما هويات ثقافية قومية مستقلة أو أوربية أو غربية!

غير أن للاستلاب الثقافي فاعليته الخاصة في إثارة الأسئلة والإجابة عليها. فقد أجاب طه حسين على هذا السؤال عبر الرجوع إلى ما اسماه "بتاريخ العقل المصري منذ أقدم عصوره"[32]، الذي كان اكبر العقول التي نشأت في هذه الرقعة (بحر الروم) من الأرض سنا، وابلغها أثرا"[33]. وبغض النظر عن هذه المغالطة، بمعنى انه إذا كانت مصر هي الأقدم، فما معنى الرجوع إلى الغرب الأوربي؟

إلا أن الإجابة التالية كان تهدف إلى تأسيس المقدمة اليقينية الأولى والقائلة، بان تاريخ مصر منذ القدم لا يعرف علاقات أو صلات بينها وبين الشرق. وان أقصى ما كان يميز المصريين زمن الفراعنة بهذا الصدد هو هي محاولاتهم لاستكشاف سواحل البحر الأحمر[34]. وأن العقل المصري كان منذ أيام المقدوني متأثرا ومؤثرا في العقل اليوناني. مشاركا له في اغلب إن لم يكن جميع خصاله... بحيث أصبحت مصر يونانية أو كاليونانية... وان مصر تحولت إلى ملجأ الثقافة اليونانية على اختلاف فروعها وألوانها... والإسكندرية كانت مدينة يونانية وليست شرقية.. والفلسفة الإسكندرية نشأت من تلاقح العقل المصري واليوناني..."[35]. ولم يغير ذلك من هذا الواقع بما في ذلك في المرحلة العربية الإسلامية. فقد "تقبلت مصر الإسلام والعرب ولكن ذلك لم يخرجها عن عقليتها الأولى ولم يجعلها امة شرقية، كما يقول طه حسين[36]. تماما كما أن المسيحية التي ظهرت في الشرق وغمرت أوربا لم تجعل من أوربا شرقية(!!) ولم تغير طبيعة العقل الأوربي[37].

وبغض النظر عن كل هذه المغالطات في التاريخ وأحداثه وخلل الدقة في اختيار المصطلح والعبارة وخلط المفاهيم (شرقية ومتوسطية وغربية وأوربية ويونانية إضافة إلى خلل البنية الفكرية فيما تتعلق بفكرة التاريخ المصري الخاص والتاريخ الثقافي – المصري – العربي – الإسلامي)، إلا أنها كانت تسير ضمن المغالطة الأكبر عن ثنائية الشرق – غرب الأيديولوجية. ونعثر على ذلك في فكرة طه حسين عن أن "العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر. ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام"[38].(!!) وعلى العكس من علاقته بالغرب، فان علاقة "العقل المصري" بالعقل اليوناني (الغربي!) منذ عصره الأول على أساس التعاون والاتفاق، وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد"[39]. وبالتالي، فان "العقل المصري من نشأته لم يتأثر إلا بعقل البحر الأبيض المتوسط"[40]. وفي نهاية المطاف نراه يرجع ذلك إلى عامل الجغرافيا والبيئة. وإذا كان هذا التقرير يرتقي إلى مصاف البديهية والجلاء التام، فان تطويعه في الثنائية الأيديولوجية للشرق – غرب قد جعلت منها معضلة عصية في فهم التاريخ الماضي ومفتاح لغلق المستقبل عبر رهنه بأوهام "عقلية" لا عقل فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ ليس استنتاج طه حسين بهذا الصدد عن انه لا مكان للشرق في مصر، بل حوض المتوسط فقط[41]، سوى الصيغة المسطحة للخلط بين أصول الثقافة الأولى وبين الثقافة بالمعنى الدقيق. والثانية لا علاقة لها بالبيئة لأنها تعمل بقواعد ارتقائها الذاتي وفعل مرجعياتها الخاصة.

إلا أن غياب فكرة المرجعية الذاتية "للعقل المصري" في آراء طه حسين قد أدى إلى استبدالها بهوية عائمة هي "العقل المتوسطي". لكنه "عقل" لا علاقة له بالعقل في آراء طه حسين، أي بالذهنية الثقافية، بقدر ما انه تلاعب بالألفاظ. إذ نعثر في آن واحد على "عقل متوسطي" و"عقل يوناني" و"عقل مصري" و"عقل شرقي" أيضا بوصفه شيئا واحدا. مما أدى ويؤدي بالضرورة إلى تشويش لا طائل تحته بالنسبة لتحديد المفاهيم ونحت العبارة. وذلك لان كل كلمة ومصطلح وعبارة وفكرة تقترب من حالة الزلق المعنوي. من هنا تداخل المفاهيم والأحكام في كل واحد لا يجمعه غير الاضطراب في التقييم والمواقف، مثل القول، بأنه "ليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم (المتوسط؟) وتأثرت به فرق عقلي أو ثقافي، وإنما هي ظروف السياسة والاقتصاد تديل من أهل هذا الساحل لأهل ذلك الساحل". وفي مكان لاحق نقرأ ما يلي:"إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوربي(!)، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة، ولم تجرده عن خصائصه التي جاءته من إقليم البحر المتوسط. فيجب أن يصح إن الإسلام لم يغير (ولماذا لا يمسخ؟) العقل المصري، أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته والتي كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط"[42]. أو العبارة التالية: "إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد والشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما"[43]. وفي حالة أخرى نقرأ تقييمه القائل، بان الشبه بين الإسلام والنصرانية في ميدان العلاقة بالتراث اليوناني يقوم في أثرها عليهما. فقد "تنصرت الفلسفة وتفلسفت النصرانية"، والشيء نفسه ينطبق على الإسلام حيث "أسلمت الفلسفة اليونانية وتفلسف الإسلام". و"تاريخ الديانتين واحد بالقياس إلى هذه الظاهرة"[44]. والشيء نفسه يمكن قوله عن مصيرهما. فالسيطرة التركية لعبت من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية كما يقول طه حسين. إلا أن قيمة مصر ودورها الثقافي يقوم في أنها استطاعت الثبات أمام غارة الترك. أنها "آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد. فما بال قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[45].

وبغض النظر عن كل الالتباسات والمغالطات الكبيرة في هذه الأحكام وتعميمها السريع والمسطح وانعدام الدقة فيها وتبدلها وعدم ثباتها المنهجي وتقلبها المريع، أي البعيد عن الدراسة العميقة والدقيقة لكل ما تتناوله من أحداث ووقائع وقضايا كما لو أنها مسلمات وبديهيات، إلا أنها تبقى في نهاية المطاف طرفة على خلفية التعميم الأوسع لفكرة العقل المتوسطي ودور "العقل المصري" فيه. مع أن هذه العبارة مثيرة للالتباس والغموض والخلل أكثر من غيرها. فإذا لم يكن هناك فرقا "عقليا وثقافيا" بين شعوب البحر المتوسط فلماذا إذن الحديث عن عقل مصري وآخر متوسطي وآخر يوناني وآخر أوربي. وكيف يمكن للعقل الجزئي أن يكون كليا والثقافات المتنوعة واحدة؟ مع أن إلقاء نظر سريعة على كافة مكونات الثقافة "الأوربية" فيما بينها وفي كلها ومقارنتها بالعربية الإسلامية ومكوناتها لندرك الاختلاف الواسع والهائل فيها وبينها. إلا أن الجامع المانع في هذا التشويش يعود لنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي التي تجعل من الاختلاف رذيلة. بينما الاختلاف هو ضرورة ملازمة لتنوع التجارب التاريخية الثقافية للأمم. ومن ثم يصبح البحث عن أوهام الوحدة فضيلة مع انه لا فضيلة فيها. إن الفضيلة الوحيدة الكبرى في التاريخ العالمي يقوم في تنوع تجاربه القومية والثقافية، أي تجارب الأمم التاريخية. ولكل منها مقدماته ومصيره وأثره في التاريخ ووعي الذات. أما بالنسبة لطه حسين، فان غياب فكرة وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي، قد أدت به إلى الغرام في أوهام العوام المتسرعة حول تعميمات عابرة وتحويلها إلى مسلمات منهجية كبرى، كما نراه في استنتاجه القائل، بأنه لا يوجد عقل أوربي يمتاز عن العقل الشرقي(!) (ويقصد به المصري!). الجوهر واحد ولكنه يختلف باختلاف الظروف. لكنه لا يحدد لنا ماهية هذا العقل. واستمد هذا الاستنتاج المتسرع من مقارنته المتسرعة أو أخذها العجول من فكرة بول فاليري الذي ارجع "العقل الأوربي" إلى ثلاثة مكونات وهي حضارة اليونان وما فيها من فلسفة وأدب وفن، وحضارة الرومان وما فيها من فقه وسياسة، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحض على الإحسان". وقد نسى هنا طه حسين كالعادة ثبات "العقل الأوربي" من دورها المدمر (الماسخ) ومن ثم انعدام أثرها على هذا العقل. وضع هذا الموقف بالسهولة المعتادة في أساس تقييمه "للعقل الإسلامي" (هناك يجري الحديث عن عقل أوربي، أي قومي وجغرافي وثقافي وليس ديني نصراني، وبالتالي فهي عقول مختلفة). وكتب بهذا الصدد، بأنه فيما لو أخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها، فإنها تنحل إلى هذه الآثار الأدبية والفلسفية والفنية (التجربة اليونانية) والى هذه السياسة والفقه (الروماني) والى أن الدين الإسلامي يدعو إلى الخير الإحسان وانه متمم ومصدق للتوراة والإنجيل. ومن هذه المقارنة الفجة وغير المنطقية والبعيدة عن الدراسة الفعلية والجدية والعلمية "للعقل الإسلامي" والثقافة الإسلامية ومكوناتها وصيرورة مرجعياتها الذاتية، استنتج، بأنه "لا يوجد فرقا جوهريا بين العقل الأوربي والمصري"[46]. وبالتالي من غير المعروف ما إذا كان العقل المصري هنا هو العقل العربي الإسلامي أم العقل الأوربي أم المتوسطي أم المصري الخالص. وإذا كانوا كلا واحد متشابها من حيث الجوهر فما معنى الحديث عن كل هذا التنوع والاختلاف. أما في الواقع فان هذه الاستطرادات والتعميميات لم تكن أكثر من اخذ أمور جاهزة مبنية على أساس مناهج مختلفة في تتبع أسس الثقافة الذاتية (الأوربية) بوصفها جزء من عملية وعي الذات الثقافي (الأوربي) واعتبارها قوالب جاهزة يمكن سكب كل التاريخ الذاتي المعقد والهائل للتاريخ العربي الإسلامي وثقافته فيها. وليس هذا بدوره سوى الصيغة الظاهرية لانعدام وعي الذات الثقافي ومناهجه الخاصة.

وقد وجد هذا الخلل الجوهري منفذه في النهاية تجاه ماهية الثقافة المصرية. وقد وضعه طه حسين بهيئة سؤال حول ما إذا كانت هناك ثقافة مصرية. وقد أجاب عليه بالإيجاب واعتبر وأول "الصفات المميزة لها أنها تقوم على الوحدة الوطنية وتتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا"[47]. بعبارة أخرى، إن وجود وماهية وخصوصية الثقافة المصرية تقوم في كونها مصرية، أي تتمتع بخصوصية الوطنية الخالصة. وبغض النظر عن هذه الإجابة هي مجرد تحصيل حاصل، وذلك لأنها تنطبق من حيث الجوهر على كل ثقافة وطنية، إلا أن خصوصيتها تكمن في أولية المصري على العربي، أو الوطني على القومي، أو المحلي على العام، أو الجزئي على الكلي. لهذا نراه يقول، بأنه حتى اللغة العربية ستتخذ في مصر هيئة الأداة المرنة الأنيقة الرشيقة التي لا تنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطبع ولا تكلف قارئها مشقة وجهدا(!!). ولهذا وقف بالضد من أولئك الذين يقولون باشتراك اللغة العربية بين مصر وغيرها من البلاد العربية. فالاشتراك حق "ولكن لمصر مذهبها الخاص في التعبير كما أن لها مذهبها الخاص في التفكير" كما يقول طه حسين. ووجد هذه الخصوصية في تضافر ثلاث عناصر أولية كونت الثقافة المصرية وهي كل من التراث القديم، والتراث العربي الإسلامي، واكتسابها من الحياة الأوربية الحديثة"[48].

إننا نقف أيضا أمام تحصيل حاصل مبني على أساس إرجاع "الثقافة الخاصة" للمكونات عامة يمكن تطبيقها حذو النعل بالنعل على المغرب وتونس وسوريا والعراق والسودان ولبنان والجزيرة وغيرها. ذلك يعني إننا لا نعثر هنا على تشخيص دقيق لماهية الثقافة المصرية بقدر ما نعثر على تقرير أمور عامة لا علاقة لها بماهية الثقافة كما هي. وقد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن تلمسه هنا هو أن المصرية تعطي للعربية هيئة الرشاقة والمرونة والأناقة وما شابه ذلك من كلمات هي مجرد مفردات في العربية نفسها لا علاقة لها بالمصرية والعراقية والشامية وغيرها بقدر ما أنها جزء من تطور الثقافة والإبداع ومستوى المعاناة والهموم والتعبير عنها. والشيء نفسه ينطبق على المخرج النهائي لفكرة طه حسين من أن "الثقافة ليست وطنية خالصة ولا إنسانية خالصة (يقصد عالمية). ولكنها وطنية إنسانية معا، وهي في أكثر الأحيان فردية أيضا"[49]. وهي أيضا عبارة فضفاضة ولا تستقيم مع ما قبلها. ومنها وعليها استنتج الحكم العام القائل، بان "في مصر ثقافة مصرية إنسانية فيها شخصية مصر القديمة الهادئة، وفيها شخصية مصر الباقية الخالدة. وهي في الوقت نفسه إنسانية قادرة على أن تغزو قلوب الناس وعقولهم وتخرجهم من الظلمة إلى النور"[50].

إننا نقف هنا أمام صيغة خطابية عامة لا إشكالية فيها مع أنها وضعت إحدى أهم الإشكاليات، وإجابة لا تحتوي على إجابة تستقيم مع المنطق والعقل التحليلي والرؤية الواقعية والمستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في ضبابية فكرة "الشخصية القديمة الهادئة" و"الشخصية الباقية الخالدة"، بل وبدعوى قدرتها على غزو القلوب والعقول بإخراجهم من الظلمة إلى النور! أي إننا نقف أمام خطاب لاهوتي متعال ومتناقض من حيث مقدماته وأساليبه وغاياته. والسبب يكمن أساسا في خلل الرؤية المنهجية واستلاب الإبعاد الثقافية، إضافة إلى ضعف وعي الذات الثقافي العربي. ومع أن طه حسين لم يضع الوطني المصري الجزئي من القومي العربي العام، إلا أن أولوية الوطني والجزئي ظلت سارية المفعول في رؤيته وتقييمه وخطابه الثقافي نفسه. أما القوة الوحيدة التي كانت تدفعه بطاقتها الذاتية صوب توسيع مدى الرؤية القومية الثقافية العامة فهو الاهتمام الرئيسي بالتراث الأدبي العربي. لهذا لم تتخذ الأبعاد الثقافة القومية العامة موقعها في فكره وتفكيره بصورة منهجية، بقدر ما كانت تبرز بين الحين والآخر ضمن سياق الاهتمام الجزئي، أي أنها لم تكن في أفضل الأحوال أما نتاج رؤية نفعية أو وظيفية عملية أو جزء من رؤية مصرية خاصة، كما نراه على سبيل المثال فيما يمكن دعوته بدور مصر الثقافي العربي. فقد انطلق من تقييم عام سليم يقول، بأنه تهيأت لمصر في العصر الحديث ما لو يتوفر لغيرها بهذا الصدد. ولا بأس من أن تتحول إلى ممثل أعلى بهذا الصدد. وان تبذل ما بوسعها وما يتوافق مع كرمها. لكنه وجد في الوقت نفسه بان ما تقوم به بهذا الصدد زهيدا جدا، بل أنها "لم تفعل في سبيل ذلك شيئا"[51]. بل ونراه يرفع تقريرا إلى الوزير من اجل المساهمة في إنشاء مدارس مصرية (عربية) في الشام ولبنان وفلسطين عوضا عما تقوم به الدولة الأجنبية مثل فرنسا وأمريكا[52]. وهنا يتوصل طه حسين إلى فكرة دقيقة تقول بان إهمال التعاون الثقافي بين الدول العربية سوف يؤدي إلى مصاعب سياسية لاحقا[53]. لهذا نراه يدعو إلى تعاون ثقافي "بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى"[54]. وينطلق في تأسيسه لإمكانية تنفيذ هذه المهمة من انه لا احد في الدول العربية يكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية "تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية" و"يحملها إليهم معلمون شرقيون مثلهم يتحدثون بلغتهم ويشاركوهم في الذوق والميل والشعور"[55]. من هنا نراه يتكلم عن "حق مصر" في أن تقوم بإنشاء مدارسا "مصرية في البلاد العربية". ووجد في ذلك احد أسس ومصادر التعاون الثقافي بين الأقطار العربية. على أن يكون العاملون فيها ليس من مصر فقط، وان تبنى مناهج هذه المدارس على أساس تربية التاريخ الوطني والجغرافيا الوطنية لهذه الدول بحيث تربي أجيالا وطنيون لأوطانهم لا لمصر. أنها المهمة المرتبطة بما اسماه طه حسين بما على مصر من حق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد. وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء"[56]. بل ودعا إلى أن تساهم مصر في بناء مدارس في الجزيرة العربية التي لا يستطيع الأجانب الدخول إليها. ولا يكفي أن تبني مدرسة واحدة في مكة وأخرى في المدينة[57]. والغاية من وراء ذلك هو بلوغ ما يدعو طه حسين "بالتعاون على تنظيم الثقافة وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. وبل ونراه يربط ذلك بفكرة عميقة ودقيقة عما يدعوه بحاجة هذه البلاد إلى "توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدا". رغم انعدام صياغة دقيقة لهذا "المثل الثقافي الأعلى". والشيء نفسه يمكن نلحظه في موقفه من المهمة التي ينبغي أن تناط بالجامعة المصرية. فقد اعتقد بان مهمتها بهذا الصدد تقوم في تحويلها إلى ميدان "التقاء الثقافات وامتزاجها وصهرها في العقل المصري الذي يسبغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئا ما بطابعه المصري الخاص. وهو قادر بعد ذلك على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية غربية عربية أوربية بريئة مما يفد الثقافة عادة من التعصب والهوى"[58].

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى أبعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة... نعم! أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وأرى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[59].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[60]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في أرض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان يلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الأظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء محبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!(انتهى)

***

 

..................

[1] إن "مستقبل الثقافة" في مصر يشكل الإطار النظري للكتاب، بينما محتواه الفعلي والعملي فيتركز حول مستقبل التربية والتعليم. أما التأسيس الثقافي لمستقبل الثقافة فهو كمية من المغالطات والتمنيات. وقد سبق للفكر الإصلاحي الإسلامي إن وضع هذه الفكرة ضمن سياقها التاريخي والفكري والذاتي السليم.

[2] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[4] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[5] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[6] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص45.

[7] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص273.

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص348-349.

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص350.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[11] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[12] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[13] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص26

[14] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[16] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14-15.

[17] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15-16.

[18] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص30.

[19] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص31.

[20] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص33.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص47.

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص150

[23] طه حسين: حديث المساء، ص151.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40-43.

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 36.

[27] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص38.

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40.

[29] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص44.

[30] اذ لم يكن الخديوي إسماعيل مصريا بالمعنى الدقيق للكلمة وليس عربيا بالمعنى الثقافي، بل من بقايا المماليك وتقاليدها.

[31] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[32] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[33] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص21.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 23.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23-24.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[44] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[45] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[46] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص28-29.

[47] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص377.

[48] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص378

[49] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[50] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[51] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص370.

[52] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372.

[53] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372

[54] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الإدراك الجزئي يتعارض مع منطلقه المنهجي الناكر لهذه المكونات بالنسبة للدولة والقومية والثقافة الحديثة! كما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن هذه المكونات لا تفعل بحد ذاتها على توسيع الوعي الثقافي العربي ما لم تمتلك تاريخها الموحد وانتمائها وكينونتها وكيانها القومي في الوعي النظري والعملي.

[55] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا أيضا خلط في استعمال الكلمات والمصطلحات التي صب جام غضبه عليها في الصفحات الأولى للكتاب، واقصد بذلك عبارة "العربي الشرقي" و"المعلم الشرقي" ويقصد به المصري. وهي صفة تميز في الواقع اغلب ما سطره طه حسين، بمعنى نسيان ما يكتبه قبل ذلك. ومن الممكن رؤية هذا الخلل أيضا فيما انتقده عليه ساطع الحصري من مآخذ على العبارات والكلمات والمواقف تجاه الفكرة القومية العربية. إلا أن الأسباب الكبرى تعود أساسا إلى الخلل المنهجي وضعف التأهيل النظري الفلسفي، وصعوبة تأمل النصوص المكتوبة بصورة دائمة بسبب عدم قدرته على القراءة الشخصية ومقارنة الصفحات. وعموما يمكنني القول، بان نموذج طه حسين بهذا الصدد لم يكن معزولا عن ضعف القراءة المتأملة (بفعل ثقافة الاستماع والإنصات للرواية والحكاية) واثر الماضي (الدراسة الأزهرية) وأمية الحاضر، في استلهام أدب الغرب المعاصر من اجل السير فيما كان يعتبره ضروريا بالنسبة لتنوير عقول العوام ومداركهم. وهي فضيلة كبرى لكنها جزئية، بمعنى أنها لم ترتق ولم يكن بإمكانها الارتقاء إلى مصاف الفكرة العامة والرؤية المنظمة بما في ذلك في ميدان الأدب والدراسات الأدبية.

[56] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص373.

[57] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص374.

[58] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص376.

[59] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[60] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. ففي اغلبها هي تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو يما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة..." طه حسين: حديث الأربعاء، ج1، ص5.

 

 

mutham aljanabi2إن الصفة الغالبة على كل ما كتبه طه حسين هي التشويش الفكري، والذي نعثر عليه بين مقال وآخر وصفحة وأخرى في كل ما كتبه على امتداد حياته الطويلة. بحيث نعثر عنده على كل شيء من شك ويقين في آن واحد وبين لحظة وأخرى، مثل أن نراه يكرر عشرات المرات القول بأن الأدب مرآة تعكس الحياة والواقع، وفي أماكن أخرى يردد على انه لا معنى للأخذ بنظرية الشعر ومرآة الشاعر والأدب مرآة الأديب، وأنه لا يعرف إن كان الشعر مرآة شيء وما هو هذا الشيء، وإن نقد الناقد يصور لحظة من لحظات حياته اشتغل فيها بلحظات من حياة شاعر أو أديب[1]. وقد يكون كتابه عن المتنبي وكتاب (ألوان) من بين نماذجها الجلية بهذا الصدد. ففي كتابه (مع المتنبي) يبدأ بأمور صغيرة وينتهي بتشويش من قبيل هل أن المتنبي عربيا؟ ولماذا لم يشر إلى أبيه ويرثيه وما شابه ذلك[2]. مع أنها صفة اغلب الشعراء والأدباء والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم. بل إن الكتاب نفسه كما يقول طه حسين نفسه لا علاقة له بالعلم والنقد[3]. وإن  "العيش مع المتنبي" بالنسبة له كان "خارج الدرس والبحث"، وانه للتأمل والراحة والاسترخاء والانفراد والانعزال[4]. وفي النهاية يقول، بأنه في مجرى البحث ترك اللهو والعبث وتناول المتنبي بجدية[5]! ثم يقول، بان ما سطره قد لا يكون عن المتنبي أكثر مما يكون عن نفسه، أي انه أدب الانطباعات الشخصية وليس أدب الفكر أو فكر الأدب بالمعنى الدقيق للكلمة! وقد ميزت هذه الصفة اغلب كتابات طه حسين، أي امتلائها بالحشو والتكرار الممل والانتقال والقفز من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر دون رابط يربطها غير تقاليد الحكاية والرواية الشعبية. ففي كتاب (ألوان) نعثر على هذا النموذج بصورة جلية، أي نقف أمام حالة نموذجية للتشويش الفكري أو بصورة أدق انعدام الفكرة المنطقية وتسلسلها في شكلانية البحث. الأمر الذي جعل من "المقالات والبحوث" فيه مجرد تنقلا لا يربطه شيء غير "الكلام المرسل"، كما هو الحال على سبيل المثال في مقال "الأدب العربي بين أمسه وغده". إذ يمكن للقارئ التنقل فيه أو القفز من مكان إلى آخر ومن تاريخ إلى آخر ومن أحداث إلى أخرى، بحيث تجعله، شأن اغلب ما كتبه بهذا الصدد، من مقالات مليئة بالحشو الذي لا طائل فيه أو تحته قبل أن يدخل صلب الموضوع[6]، أو نسيان الأحكام والإتيان بما يناقضها بعد قليل أو تغليب الجزء على الكل والخاص على العام والعابر على الثابت. مما يؤدي بالضرورة إلى خلل الترابط المنطقي وإهلاك النزعة النقدية من مضمونها المعرفي بوصفها قوة رابطة للفكر والعقل والأحكام المجردة والتطبيقية. إذ نراه على سبيل المثال يدعو إلى التحرر مما اسماه "بالعقال الاجتماعي"، إلى أن تأخذ الحرية مسارها على سجيتها ولو قليلا، بلا تحرج ولا إسراف في الاحتياط. من هنا نقد لما اسماه بالاحتياط والتحرج المميز للأدب العربي الحديث، الذي يفكر بالقارئ والعامة أكثر مما بنفسه. ومن ثم دعوته إلى الوقوف ضد التيار الذي جعل من نفسه "عبدا للجماعة وخادما للقراء"!! من هنا دعوته للتمرد على الجماعة. وهي أفكار سليمة من حيث الصيغة المجردة. لكنه بالمقابل، وفي نفس الكتاب نراه ينتقد حالة التهور المميزة لبشار بن برد والمتنبي، مع أنهما النموذج الأكثر تجسيدا (رغم قلته القليلة جدا) في التحرر من العبودية للجماعة وإعلاء شأن الحرية الفردية والاندماج شبه التام بها سواء بمعايير الإبداع أو الحياة الشخصية. ولم يكن ذلك فيما يبدو معزولا عن اثر "التدريس" التقليدي الأزهري الذي غاص في أعمق أعماقه بحيث لم يكن بإمكانه التحرر من ثقله الجاثم عليه رغم محاربته المريرة له. وليس مصادفة أن يكون اغلب "الجديد" الذي قدمه طه حسين هو جديد ضمن قديم. الأمر الذي لم يجعل من أفكاره قوة فاعلة بمعايير الوحدة المعرفية، بقدر ما جعل منها شيئا أشبه ما يكون بطبخة لا يجمعها غير توابل منهج ضعيف من حيث تأسيسه وبنيته النظرية ووسائله ووظيفته. وقد يكون كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) نموذجا لهذا التشويش والخلل المنهجي عندما ننظر إليه بمعايير النقدي المنهجي، أي حالما ننظر إليه من زاوية الرؤية المنهجية وليس من زاوية رؤيته التطبيقية المتعلقة بأمور الدراسة والتدريس ومتطلباتها. فالكتاب يسعى لتأسيس رؤية ثقافية كما انه يتناولها بمعايير الرؤية المستقبلية. بمعنى انه يجمع بين مكونين لا نعثر عليهما في كل ما كتبه قبل ذلك وبعده.

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما يمكن دعوته بمصدر الخلل المنهجي وخلل الرؤية المنهجية القائم في كيفية ومستوى استيعاب المنهج الديكارتي وخلطه ببقايا ورواسب وتأثير الرؤية التقليدية. فقد كان المنهج الديكارتي عند طه حسين يتسم بطابع جزئي ونسبي وأدبي، أي لا علاقة له بالمقدمات والأسس الفلسفية للرؤية النقدية. كما انه يتسم بطابع "مقدس"، أي مستلب من حيث فهمه وتوظيفه. الأمر الذي يجعل من الممكن القول، بان فهم وتطبيق طه حسين للمنهج الديكارتي وقف من حيث الجوهر عند حدود الاستلاب المعرفي للديكارتية، أي لنمط من أنماط التفكير الفلسفي الأوربي. تماما كما سيجري لاحقا التنافس حول من هو الأفضل من بين مناهج الفلسفات الأوربية الحديثة بالنسبة للفكر والتفكير "العربي الحديث". بينما لم يعن ذلك في الحقيقة سوى المنافسة في تعطيل الفكر والتفكير تحت حمية أوهام النقد والتجديد وما شابه ذلك. وقد وقع ذلك في أساس التشويش الفكري لطه حسين، أي تضافر الطابع الجزئي والنسبي للمناهج، وعدم إدراك الحقيقة القائلة، بان "المناهج العلمية" هي أيضا مناهج ثقافية، أي جزء من معترك المسار التاريخي المعقد لتجارب الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وليس مصادفة أن تكون اشد الأشكال نقدية في كتابات طه حسين، أو بصورة أدق ما تحدث عنه، لم يكن خارجا عن إشكالية التأثير الأوربي المباشر وغير المباشر في الوعي المصري. بمعنى انه كان أسير هذه العلاقة السيئة، أي علاقة الوجود المتفاعل للنقد العقلي والاستلاب الثقافي! وليس هذا بدوره سوى الصيغة الغريبة لتعايش النقد والاستلاب. فعندما يتناول طه حسين على سبيل المثال، قضية القديم والجديد في التراث العربي الإسلامي، فإننا نقف أيضا أمام محاولة نقله إلى ميدان الروح الأدبي والفكري. ومن ثم النظر إليه باعتباره صراعا من اجل الفكرة والسمو والمعرفة والإبداع على خلاف الصراع السياسي وصراع المصالح[7]. وفي الوقت نفسه نراه ينظر إليه على انه في كله كان محكوما بصراع الدين والحياة المادية. من هنا قوله، بأننا نراهم في الدنيا أحرار ويتقدمون وفي الدين إلى الوراء. والعقل حائر بينهما[8]. الأمر الذي طبع بدوره تناقض حياتهم المادية والأدبية. إذ كانوا أحرارا في الحياة المادية، محافظين في الحية الأدبية، كما يستنتج طه حسين[9]. ووجد في هذا التناقض السبب الذي أدى إلى أن "يكون الأدب العربي بطيئا قليل الإنتاج". ولم يقف عند هذا الحد غير الدقيق في التعميم، بل نراه يتعداه إلى القضية الأكثر إثارة ألا وهي بحثه عما يدعوه "بالسبب الأساسي الذي حال بين الشعر العربي وتجدده وهو أن الثقافة العربية لم تعرف من آداب الأمم شيئا يذكر. جهلوا أدب اليونان وفارس والهند ولم يأخذوا إلا القليل"[10]!! بل نراه يسير في هذا الاتجاه بحيث نسمعه يقول، بأنهم "لم يروا نماذج جديدة يقلدوها ويحاكوها"[11]!!

إننا نقف هنا أمام رؤية وموقف وتحليل واستنتاج ضيق وسطحي وفاقد للمعنى. وذلك لان الأدب الكبير تلقائي في كل شيء. وتجربة الثقافة العربية الإسلامية أصيلة بذاتها تماما كما تمتعت الثقافة اليونانية في آدابها بأصالتها الخاصة. وينطبق هذا على الهندية والصينية والفارسية وغيرها. كما أن الثقافة العربية الإسلامية كانت من حيث أعماقها وأساليبها وأشكالها ومستوى تعبيرها ترتقي إلى مصاف الثقافة الكونية بما في ذلك في الأدب. ومأثرتها كانت بالذات تقوم في كونها لم تقلد ولم تحاكي ولم تر في ذلك ضرورة بسبب تلقائية تطورها الذاتي وفاعلية المرجعيات الثقافية والفكرية والروحية الكبرى الكامنة في وحدة أو منظومة مسارها التاريخي. ولعل تجربة الاختلاط الحديثة للثقافة العربية ومحاكاتها المتنوعة وأخذها بمختلف النماذج الجديدة لم تصنع شعرا أو أدبا عظيما. فالأدب العظيم في كل مكان وزمان هو أولا وقبل كل شيء نتاج ذاته. والتقليد والمحاكاة لا تصنع شعرا ولا أدبا حيا.

إلا أن هذه الصيغة النقدية في آراء ومواقف وأحكام طه حسين، التي تستوحي في "أنموذجها" الضروري للمحاكاة ليست إلا الصيغة المنمقة للاستلاب الثقافي بشكل عام والفكري والروحي بشكل خاص. أنها تعكس مزاج مرحلة الاحتكاك الأولية بالثقافة الأوربية وسطوتها الحارة والجلية في طبعها ختم النموذج الجاهز على عقول وأفئدة المثقفين والأدباء. وليس مصادفة أن نرى طه حسين ينطلق في فهمه وشرحه وتقييمه لأي شيء، مما إذا كان هذا الشيء موجودا في أوربا بشكل عام واليونان بشكل خاص أم لا(!). بحيث وصل به الأمر للقول، بان الشاعر العربي في عصر الحضارة بقى بدويا، بينما في اليونان عاش مترفا بالحضارة وأثرها فيه[12]!! وهو حكم لا يستقيم من حيث الشكل والمحتوى والفكرة مع واقع ونماذج الشعر العربي واليوناني في عصور ما قبل الحضارة وفي مجراها وبعدها. كما انه حكم لا قيمة له بحد ذاته، وذلك لأن لكل ثقافة خصوصيتها. وقيمة الإبداع تقوم أولا وقبل كل شيء في كيفية تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها وليس فيما إذا كان هذا النوع أو الصنف أو الشكل من أشكال الإبداع موجودا فيها أم غير موجود. إذ لا تحتوي أية ثقافة على كل ما في ثقافات الأمم الأخرى. كما لا توجد ثقافة كونية مطلقة، وبالتالي لا يمكن لأي منها أن يكون نموذجا "أبديا" أو "مطلقا". والاستثناء الوحيد هو لوعيها الذاتي.

إن تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها هو الأسلوب الوحيد الواقعي والأصيل للإبداع والحرية فيه. ومن ثم تأصيل الحرية في كل شيء. غير أن طه حسين "المتنور" بتقاليد التنوير الأوربي، والمكتفي في الأغلب ببعض معطيات وفتات الثقافة الأوربية، والمنبهر بكل ما فيها، والواقع تحت تأثير إسار عالميتها المطلقة، كان لابد له من البقاء ضمن تأثيرها المستلب، بحيث نراه يهتم أيضا حتى بترجمة (نظام الأثينيين) والتقديم له بمقدمة عادية مليئة بالأغلاط الفكرية[13]. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن الإعجاب المفرط بالثقافة الأوربية، والانهماك الفرح في أوهام وأغلاط أوْرَبة الثقافة الإغريقية. وليس مصادفة أيضا أن نراه على سبيل المثال، حالما يجري الحديث عن التاريخ العربي الإسلامي، يكرر عبارات مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان..."، لكننا بالمقابل نعثر على عبارات "ومما لا شك فيه..." حالما يجري الحديث عن اليونان وفرنسا!!

وإذا كان لتطويع قلمه وفكره وقلبه وفؤاده من اجل نقل بعض الجوانب الصغيرة للحياة العقلية والأدبية الأوربية أثره المهم بالنسبة لتنوير العقل وتحرير الوجدان الفردي والاجتماعي، فان حصيلته الفعلية بالنسبة لمسار الفكرة التاريخية والثقافة القومية كانت هشة وزهيدة. مع ما فيها أحيانا من تضخيم لا أساس له بمعايير الرؤية المنهجية والعلمية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عما يمكن دعوته بالمسئولية الفردية للمثقف في عمله ونقله للآداب الأجنبية (والذي لم يتعد في اغلبه أن يكون مجرد تلخيص بسيط لكتابات بسيطة)، فانه كان يدرك سوء هذه المهمة (التلخيص) وأثره بالنسبة لإفراغ النص. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى انه "يبذل جهد المقل، وينفق ما يملك من قوة ويحتمل ما يستطيع احتماله من مشقة، ويرى واجبا عليه أن يأتي ما آتي من ذلك، ويرى من التقصير أن يكسل إذا كسل غيره أو يهمل إذا آثر غيره الإهمال"[14]. من هنا نراه ينقل ما يدعوه بنماذج من "سخرية الأذكياء، وما هو مدعاة للضحك، وما يجمع بين الراحة واللذة والانتفاع"، كما يتكلم عن أدب الشبان الذين يزدرون التقاليد. وكذلك القصص التي تتناول الشيخوخة واليأس والأمل.

وفيما لو ضعنا هذه المحاولة ضمن سياقها التاريخي وأثرها الفعلي بالنسبة لتنوير الإبداع، فانه لا جديد فيها بتاتا، كما لا تحتوي على أية قيمة نوعية بالنسبة لتأسيس المنهج المبدع. فهي لا تتعدى كونها محاولة صغيرة لتصوير بعض ملامح "الجديد" في الأدب الأوربي، وزرع بعض القيم الأوربية الحديثة المتعلقة بكل من الهجاء السياسي (غير المباشر) في قصة (احمر) وقيمة الحب بحد ذاته (خارج شروط العلاقات الاجتماعية والواقع) واستعمال الكتابة الأدبية للترويح عن النفس وأشياء أخرى من هذا القبيل. ووضع ذلك بعبارة "أفكر وأدعو القارئ إلى التفكر في بعض المسائل التي يفكر الناس فيها من وراء البحر"(!) مثل إظهار الرموز الاجتماعية والطبقية وليس الأفراد بالضرورة، ونقد الفن والذوق الفني العام الساعي للاستحواذ على العقول والأفئدة. وليست هذه العبارة في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الملطفة للاستلاب الثقافي والفكري. إذ لا تفكر فيها على الإطلاق، لأنها في أفضل الأحوال والنيات، أشبه ما تكون بأحلام يقظة، مثل توهم السباحة في بحار دافئة لامرئ يعاني من شدة البرد. ووجد ذلك في موقف "منهجي" جسده في نقله الحكواتي لمختلف القصص (القصيرة) من مختلف الشعوب الأوربية لكي يعرض "على القراء صورا من الأدب التمثيلي الغربي، يمثل أمزجة الأمم الأوربية الكبرى على اختلافها وتباينها". واستكمل ذلك بعبارة يقول فيها، "إذا كان هذا ديدن الفرنسيين فلا بأس من أن نقلدهم في ذلك ونذهب مذاهبهم. والسبب هو عدم وجود أدب عربي أو مصري يمكن الاعتماد عليه والاطمئنان إليه والاكتفاء به".

أما الحصيلة فهي وقوفنا أمام تنوع كبير ورغبة بمقدارها لإجلاء مختلف مجالات وميادين الأدب الفني الأوربي، وجعله مقبولا في كلّه وتنوعه لأنه إنساني، والعمل من اجل إثارة الاهتمام الفكري تجاه القضايا التي يتناولها، والاهتمام الروحي تجاه المعاناة المشتركة، ومن ثم مساعدة الإبداع للتأمل والإنتاج. إلا أن هذه الرؤية النقدية ليست فكرة قائمة بذاتها، بقدر ما أنها الغلاف الخارجي للاستلاب الفكري والمنهجي والثقافي، التي تجعل من كل إنتاج محتمل مجرد محاكاة. بمعنى أنها لا تستند إلى رؤية منهجية ومنظومة فكرية بمستواها تنطلق من مقدمات الرؤية التاريخية واستشراف الأفق المستقبل الذاتي، بقدر ما أنها خضعت منذ البدء لعامل الانبهار والتقليد "العلمي" ومصادفات الاختصاص والإعجاب الشخصي والتفضيل الفردي، كما هو جلي في الموقف من أبي العلاء المعري، أي تلك الشخصية التي شكلت من حيث وجودها وأثرها وإبداعها موشورا لكل ما كان يعتمل فيما يبدو في أعماق طه حسين. إذ نراه يدرجه في كل ما يواجهه من أحداث وشخصيات. لهذا نراه يلمع بين ثنايا الشخصيات الأوربية التي ينبهر بها مثل بول فاليري وأمثاله. وليس هذا في الواقع سوى الصيغة النفسية ولحد ما الذوقية الجمالية للاستلاب الفكري والثقافي. كما أنها الحالة السائدة في الثقافة المستلبة لمصر والعالم العربي ككل. إذ كلما عثر أحدهم على شيء ما في "الغرب" قريبا إلى ما في التراث العربي الإسلامي أو اختصاصه الشخصي كلما تصبح المقارنة والبحث عن المعنى والتأسيس وما شابه ذلك من أعمال خاوية لا قيمة علمية فيها، هاجسا فاعلا في السر والعلن والظاهر والباطن. بينما لا تتعدى حقيقة هذه الأعمال والمقارنات والاستنتاجات أن تكون مجرد اجترار للذاكرة والكتابة، رغم كونها لا تخلو من فضيلة صغيرة تقوم في إبراز قيمة التراث العربي الإسلامي. لكنها فضيلة تابعة وليست نابعة من ذاتها ولذاتها. من هنا احتمال ولحد ما حتمية إثارتها لما يمكن دعوته بغلو المراهقة الثقافية. مع ما يترتب عليه من استلهام مثير لصغار العقول، وضعاف التجربة، ومشلولي الرؤية التاريخية، ومعدومي الفكرة المستقبلية بوصفها تطورا تلقائيا وملازما لكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة على مستوى الدولة والثقافة والقومية. وقد يكون موقفه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان نموذجا حيا بهذا الصدد. فعوضا عن أن يجري التأسيس لها بمعايير الرؤية الواقعية والتاريخية والمستقبلية الذاتية نراه يرفع من شان وأولوية ما يسميه بالارتباط بأوربا وتقاليدها باعتباره أمرا اضطراريا[15]. أما ذروة هذه الرؤية فنعثر عليها في تكافؤ فكرة العظيم مع فكرة الانتماء إلى أوربا والاقتداء بها. إذ نراه يصف إسماعيل باشا بالعظيم لأنه قال:"مصر جزء من أوربا"[16]. فهي الصيغة غير الواعية، رغم نيتها السليمة، في جعل الاستلاب قيمة ايجابية. أما في الواقع فانه لا يعدو كونه وهما مخربا. وذلك لأن الجزء لا يمكنه أن يكون ذات مستقلة، ومن ثم لا يمكنه أن يكون قوة فاعلة ومبدعة بذاتها. أما دعوة طه حسين للعمل من اجل رفع العلاقة بأوربا إلى مستوى "الاضطرار" فلم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر للفرار من ثقل المواجهة الحية للنفس بمعاييرها ومقدماتها. وبالتالي لم يكن بإمكان مشروعه عن ضرورة أو إمكانية تحقيق ذلك من خلال التربية والتعليم السليم المستند إلى توظيف الأموال فيه من اجل بلوغ الرقي الاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال، سوى الصيغة الأيديولوجية التي لم تصنع ولم يكن بإمكانها أن تصنع شيئا جديا.

ذهنية البهرجة والإثارة! 

لقد كانت عقلانية طه حسين عقلانية مبتورة. والشيء نفسه ينطبق على نزعته النقدية والإنسانية والعلمية. وهي أتعس أنواع العقلانية. وذلك لأنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على توسيع مدى التسطيح والتهور المعرفي الذي يجعل من أنصاف المتعلمين وأشباه الجهلة "عمداء" الفكر والثقافة. أما النتيجة فإنها تقوم في حفر أخدود الراديكاليات النفسية وجعلها الطريق المبلط للحثالة عبر تحويلها إلى"طليعة" المجتمع والتاريخ! وليس مصادفة أن يتحول أزلام السلطة إلى أبطال الفكر والعقل! والحزبي إلى قائد "أبدي". بينما يقتنع المثقف بدور الوسيط القابل لكل الصور بين إلوهية مفتعلة وربوبية اشد زيفا! وليس مصادفة أن يتحول دكتاتور شبه أمي مثل صدام حسين إلى "كاتب روائي" والقذافي إلى "مفكر النظرية العالمية الثالثة"، وخطاب كل عابر طريق إلى "مدرسة تاريخية"!

طبعا ليس لطه حسين وأمثاله علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ونتائجها المخيبة والمخجلة، إلا أن طبيعة "الفكر" الذي جرى ابتذاله و"غرسه" في الوعي من خلال الولع بالإثارة والانهماك المفرط بالتقليد وتقديمه على انه "حصيلة الثقافة العالمية"، مع ما يرافقه من "تدنيس" التراث الذاتي والتطفل عليه في الوقت نفسه، هو الذي أدى الى تهميش الفكر الحقيقي. ومن ثم توسيع مدى الفكرة النفسية والأيديولوجية وإسباغ معالم الاكتشافات الكبرى فيها وعليها. مع أنها في حقيقتها مجرد أوهام وزبد لا قيمة فيهما سواء بمعايير الحق والحقيقة أو بمعايير التطور التلقائي للأمم.

 وليس مصادفة أن يتحول تاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصر إلى ميدان التجريب البليد للأيديولوجيات "الليبرالية" و"العلمانية". وأن تتكلل في نهاية المطاف بصعود نقيضها الديني و"الأصولي" وصراعهما المستميت حول حقيقة لا حق فيها، وحق لا حقيقة فيه!

إن  هذه المقدمة ترمي إلى القول، بان مقصود هذا النقد يقوم أيضا في نقد السائد بين تيارات "الليبرالية" التي لا حرية فيها، و"العلمانية" التي لا دنيوية فيها. فالأولى مجرد خطاب أيديولوجي صرف لا علاقة له بروح الأمة وجسدها ولا وجدها ووجودها، والثانية مهاترة لا علاقة لها بنقد الدين والدنيا ولا الأرض والسماء. ولعل ما يجرى الآن من أحداث درامية هائلة في العالم العربي أو ما ادعوه بالطور الجديد في الكينونة العربية الحديثة، هو الوجه الطبيعي والتاريخي والواقعي لنفي كمية ونوعية الثقافة الهشة التي بلورها رعيل مازالت تغلب ميوله ونماذجه على ما ادعوه بثقافة الزمن الفارغ وانعدام التاريخ الفعلي، أي ثقافة الاجترار وانعدام التأسيس التلقائي لإشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمة. ولعل في نقد شخصية طه حسين إشارة أو مثال أو دليل أو إيماءة الى هذه الحالة.

طبعا، إن الشخصيات الكبرى لا تخلو من متناقضات تلازم حجمها الفعلي في تراكم الوعي الثقافي. فالثقافة هي الأخرى كتلة من متناقضات حية. وكثرة المتناقضات فيها دليل على حيويتها. والمقصود بالمتناقضات هنا كل ما بإمكانه التحول إلى وحدة جميلة بمعايير المطلق. فمعرفة المطلق تفترض معرفة جمعه بين الأضداد، كما تقول المتصوفة. وبالتالي لا تدخل ضمن هذا السياق تناقضات الغباء والبلادة والحماقة، وذلك لأنها من عالم آخر، ولا يحدها شيء لأنها بلا حدود!

وعادة ما تضع هذه المقدمة العامة المرء أمام إشكالية جدية وقلق معرفي وأخلاقي حالما يجري تطبيقها على شخصيات "أدت دورها" الثقافي في الوجود التاريخي للأمم. من هنا إجبارها لسان الحال والمقال، أي العقل والوجدان، على الوقوف أما الكلمة والعبارة والمعنى والغاية من اجل بلورة أسلوب مهمته تأسيس المواقف بوصفها جزء من تاريخ الحقيقة؛ وتنظيم الحقائق بصفها جزء من تراكم المعرفة الحية؛ وتوسيع مدى المعرفة الحية بوصفها جزء من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه المكونات الثلاثة الضرورية لهذه المقدمة النظرية العامة المتعلقة بأصول وجذور الثقافة التاريخية الحية، فأننا لا نعثر من حيث الجوهر على صيغة ترتقي إلى مصاف الوضوح والرؤية المنظمة في كل ما كتبه طه حسين. بمعنى أنها تبقى في أفضل الأحوال مجرد مواقف جزئية لا ترتقي بآي حال من الأحوال إلى مصاف التأسيس الفكري. ولم يكن ذلك معزولا عن ذهنية الاستلاب الثقافي المتغلغلة في ذهنية ونفسية طه حسين وضعف تأهيله الفلسفي. فقد كان طه حسين يكره الفلسفة الألمانية. ولو لم تحدّه أخلاقه لقال عنها أنها هذيان بهذيان! والسبب بسيط ويقوم في أن تربيته الأولى المبنية على الذاكرة الشفوية وتقاليد الحكاية والرواية جعلت من المعارف النظرية والتجريد الفكري الكبير والعميق أمورا لا يطيقها العقل والوجدان، واللسان والبيان! وليس مصادفة إن يجد ضالته في ديكارت والتقاليد الفرنسية بشكل عام. والسبب هنا أيضا بسيط للغاية، وهو أن التقاليد الفرنسية أدبية عملية وجدانية سياسية و"واضحة وسهلة" كما كان يقول سلامة موسى ويحبذها! أنها اقرب ما تكون إلى مفرقعات الأفراح والأعياد! ولا يخلو ذلك من جمال قادر وفعال على آثار الروح والجسد والخيال والمقال، لكنه سرعان ما يقف عند هذا الحد. وليس ذلك نتاجا لإدراك الحدود (الذاتية) بقدر ما انه نتاج ضعف القدرة على تجاوزها بوصفها جزء من تاريخ الحكمة المعرفية وتقاليدها المتنوعة ومستوياتها المتباينة. لهذا نرى طه حسين يتشبث بديكارت المجزأ والصغير، أي برواية عنه ومنه تنعش الذاكرة على حشو كل ما في جعبتها من اجل "نقد" كل ما يطاوله اللسان والبيان.

لقد كانت هذه الحالة "طبيعية" ومناسبة لحد ما لحالة مصر آنذاك وتقاليدها الثقافية في مجال المعرفة والتنظير. فقد كانت تلك الحالة اقرب ما تكون إلى البغلة التي ركبها طه حسين ليسابق بها حمير التقليد السارحة في مصر والعالم العربي آنذاك! لكننا حالما نضعها ضمن سباق الممكنات، فأنها تبدو عادية وبطيئة جدا ومتخلفة أيضا، لكنها لا تخلو من قيمة وفاعلية وروعة أيضا في جبال الجهل المعرفي ووديان الجهالة العلمية! وفيها أيضا يكمن سر البريق اللامع للحشو والتكرار والإعادة وتنظيم وترتيب العبارات العادية والطويلة والمملة من اجل قول عبارة واحدة أو فكرة صغيرة. وقد طبع هذا الأسلوب والنمط كل ما كتبه طه حسين، بما في ذلك المقالات والخواطر الصغيرة. بحيث يمكننا رؤية هذا النمط في كل ما كتبه على الإطلاق. وفيما لو أردنا تكثيف المفاهيم والأفكار والمواقف والتقييمات التي وضعها طه حسين في كتاباته الكثيرة جدا، فإنها سوف لن تتجاوز عشر أو عشرين صفحة على أفضل تقدير!! الأمر الذي يكشف عما يمكن دعوته بهوس الحشو والحشوية الجديدة، أي الحشو العادي والإثارة المتبجحة. ومن الممكن العثور عليها بين اسطر اغلب ما دبجه طه حسين من مقالات وكتب. فقد كان الهم الذائب وراء اغلب كتاباته ليس تنظيم الرؤية النقدية، بل توسيع مدى الإثارة والانبهار المسطح. وليس هذا بدوره سوى الوجه الآخر لسعة وحجم التسطيح الفكري للوعي الاجتماعي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الانهماك "النقدي" لطه حسين قد تحول مع أول "إدانة ناجحة" إلى ولع وقيمة مستقلة بذاتها. بحيث أصبحت الإدانة التقليدية، أي الصيغة الأشد تخلفا للوعي "المنظم" (للمؤسسات التقليدية) إلى معيار النجاح والفلاح والفوز والقضاء على العوز! وتحول هذا الوهم المقلوب للمعرفة إلى نموذج رفيع للمعرفة، مع ما ترتب عليه من سباق محموم في الإثارة والانغماس فيها. بينما لم تكن هذه الدورة في الواقع سوى دورة الوعي التقليدي في أفلاك "التنوير المزيف" و"النقد" الذي لا ينتهي! وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لتقاليد الحكاية والرواية التي تتمتع وتتلذذ باليسير الميسور للوعي. مما جعل من طه حسين، في احد مظاهره، نموذجا لما ادعوه بالحشوية الجديدة. وذلك لأن خصوصيته لا تقوم في استمداد صيغ وأنماط ونماذج اللاهوت الذاتي (الإسلامي) بل باستلهام نموذج ما يمكن دعوته بلاهوت التقليد المتمدن والحديث! وهذا بدوره لم يكن ذلك معزولا عن اثر الاغتراب الثقافي بشكل عام والمنهجي بشكل خاص. فقد تحول منهج الاغتراب الثقافي إلى منهج المواقف والأحكام. وليس مصادفة إن تفتقد اغلب ما كتبه طه حسين لحقيقة التأسيس النظري بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

لقد نشأ طه حسين وترعرع ضمن سياق تيارات متصارعة متناقضة، حديثة وتقليدية. ومن الممكن رؤية ذلك في كثرة المقالات التي كتبها تحت هذا العنوان، والتي ظلت تحكم رؤيته النقدية في كل مستوياتها، بمعنى أنها ظلت حبيسة هذين التيارين من جهة، وثقافته الشفوية من جهة أخرى. مع ما ترتب عليه من انطباع مواقفه النقدية ببهرجة ظاهرية، محكومة بدورها بتأثير تقاليد الحكاية والرواية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات في مقالاته وأبحاثه ودراساته. وهذا بدوره ليس معزولا عن قلة وضعف ولحد ما سطحية معرفه الفكرية النظرية. ففيما لو جمعنا عدد المصادر الفكرية النظرية التي استعملها طه حسين في كتاباته فإنها لا تتعدى عشرة كتب!![17]

ومن الممكن التدليل على هذا النمط هنا بالاستناد إلى مثال واحد من بين مئات الأمثلة، واقصد بذلك موقفه من "البيان العربي" الذي وضعه في تقديمه لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، تحت عنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر). فهنا نقرأ موقفه القائل، بان قلة استعمال الأدباء العرب أمثلة مستقاة من كتاب الخطابة لأرسطو هو بسبب كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة[18]. ومن هذه المقدمة الخطابية والسردية لحد ما نره يتوصل إلى استنتاج يقول، بان "علماء البيان العرب لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني"[19]. بينما نراه لاحقا يقرر ما لا صلة بما قاله قبل قليل، وهو أن "أعجاب الأدباء العرب بالبيان منذ أواخر القرن الثالث إلى نهاية الرابع قد أدى إلى إبداعهم(!) علما للبيان عربي خالص في روحه ومادته وشواهده. حتى لقد خيل للمتأخرين منهم أن البيان العربي غير مدين للأعاجم في شيء(!!). ليس ذلك فحسب، بل وتراه يقرر بعجالة مميزة للذهنية الحكواتية عن أن "الفلاسفة العرب لم يكونوا أجود من المتكلمين وعلماء البيان في فهمهم أو آخذهم بكتاب الخطابة (لأرسطو)". والسبب بنظره يقوم في أنهم "كانوا يجهلون الهيلينية كلها عدا الفلسفة بطبيعة الحال. أنهم لم يعرفوا الأنظمة السياسية ولا القضائية ولا الحقوقية ولا خطبهم". وحاول تطبيق ذلك على كل شيء، مثل الموقف من النظام السياسي والشعر وغيره. فالعرب المسلمون لم يعرفوا غير نظام الخلافة، وان كتاب الشعر لأرسطو لم يفهمه احد على الإطلاق بين العرب والمسلمين[20] (باستثناء طه حسين طبعا!). ومن الممكن الاستطراد في أمثلة كثيرة تصب في هذا المسار، أي كل ما يعبر عما أسميته بذهنية الحشو والنقد المولع بالإثارة المسطحة.

بعبارة أخرى، إن طه حسين لم يفهم قيمة الإبداع الذاتي للأمم والحضارات خارج نطاق "الهيلينية" التي لم يعرف هو نفسه منها إلا الشيء اليسير والصيغة الظاهرية والمسطحة والمعلومات الجزئية. واكتفي هنا بالإشارة فقط إلى إن قراءة (كتاب الشعر) لأرسطو لا علاقة له بروح الشعر كما انه لا يصنع شاعرا ويربي قدرة شعرية عربية على الإطلاق. فالشعر العربي هو صيرورة تاريخية ثقافية متميزة ومكتفية بذاتها. والشيء نفسه ينطبق على البيان وتقاليده. بل ليس مصادفة أن يكون الشعراء اليونانيون العظام قد ظهروا قبل كتاب أرسطو. وما بعده مجرد شعراء صغار فقط!! مع إن القضية وما فيها لا علاقة لها بكتاب أرسطو!

وفيما يتعلق بالنظم السياسية وأنواعها، فقد عرف العرب الأنظمة السياسية والحقوقية الأخرى إلا أنها كانت بالنسبة لهم بقايا عوالم وثنية وغير عادلة. إضافة إلى ذلك، وهو الشيء الأكثر جوهرية، هو إن الصيرورة التاريخية للدولة العربية الإسلامية كانت أساسا خلافة لنفسها أو خلافة ذاتية. بمعنى أنها كانت تجربة ذاتية وفردانية أصيلة. من هنا لم تكن بحاجة إلى تجارب الآخرين. أما استعمالها الجزئي لنتاج تلك التجارب فقد كان جزء من فاعلية المنظومة الجديدة في الموقف تجاه مختلف عوالم الإنسان. وذلك لأن التجربة العربية الإسلامية الأولى كانت تجربة صاعدة وواعدة وحية وفاعلة ومقدامة. وبالتالي فإنها كانت الصيغة الأرقى للنظام السياسي آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحقوق. بعبارة أخرى، لقد كانت التجربة العربية الإسلامية آنذاك في مجال البناء الحضاري الأعمق والأوسع والأكثر ديناميكية. لقد كانت آنذاك في مقدمة الأمم. لهذا لم تكن بحاجة إلى الالتفات إلى تجارب الآخرين السالفة أو حتى المعاصرة لها. مثلما لا تنظر الكثير من الدول المعاصرة المتطورة إلى تجارب الآخرين الماضية أو حتى المعاصرة لها.

مما سبق نستطيع القول، بان النقد المبهرج والدعاوي الكثيرة الكبيرة التي تميز مواقف وأحكام طه حسين ما هي في الواقع سوى الوجه الأخر لضعف التقاليد العلمية الدقيقة واضمحلال رزانة التقاليد النظرية الفلسفية العميقة. مما جعل من أساليب ومستويات النقد المميزة لكتابات طه حسين احد أوجه الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن الممكن القول، بأنها اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك. فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيه على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله الكبير للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص. مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه لتكشف عن قلة وضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

إن مشكلة الموقف المنهجي من التراث وغيره من القضايا التي تناولها طه حسين تستمد مقوماتها في الأغلب من طبيعة الاستلاب الفكري أمام الثقافة "الأوربية" آنذاك التي جعلت من "الهيلينية" أوربية، ومن الفلسفة اليونانية (أرسطو في الحالة المعنية) نموذجا للمحاكاة. مع إن طه حسين نفسه (كما هو جلي في كل كتاباته) لم تكن معرفته بها تتعدى حدود جوانب جزئية ومسطحة ويسيرة جدا. وبالتالي ليست عباراته المتبجحة والخاوية في الوقت نفسه عن انه لم يعرف احد (غيره) تقاليد الهيلينية، أو إن القدماء لم يفهموا ما فهمه هو منها، سوى الوجه الآخر لذهنية الحشوية الجديدة، التي أغرته بإمكانية القول، بان العيش فترة زمنية قصيرة في فرنسا وتعلم الفرنسية كافية لتسطير حكايات مقنعة وطريفة لبسطاء المستمعين!! أو كما قال شكسبير، بان الأعور بين العميان ملك! وهذه مفارقة أخرى بالنسبة لحالة طه حسين!(يتبع....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: مع المتنبي، دار المعارف، القاهرة، 1986، ط13، ص379.

[2] طه حسين: مع المتنبي، ص 12- 14.

[3] طه حسين: مع المتنبي، ص 10.

[4] طه حسين: مع المتنبي، ، ص8.

[5] طه حسين: مع المتنبي، ص 378.

[6] طه حسين: ألوان، ص5- 8.

[7] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص4-5.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[9] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[10] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص.12

[11] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص12.

[12] طه حسين: جنة الشوك، ص9.

[13] طه حسين: نظام الأثينيين، دار المعارف، القاهرة،

[14] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983، ص29

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[16] طه حسين: جنة الحيوان، ص61

[17]  وينطبق هذا في الواقع على الكتب الأدبية الكبرى. فإنها أيضا قليلة العدد. إنني افهم وأتحسس هذه الحالة والحصيلة بالنسبة لطه حسين بسبب حالة العمى، لكنها لا تكفي بالنسبة "لعميد الأدب العربي"! فقد أصيب قبله المعرى بنفس الداء. لكن مقارنة الاثنين بهذا الصدد تكشف عن البون الشاسع بينهما. والسبب هو ان المعري نتاج مرحلة الرقي الثقافي العربي الاسلامي ومدارسه الأدبية والفلسفية والشعرية، بينما كل ما في جعبة طه حسين هو تقاليد أزهرية ميتة وفتات ثقافة أوربية لم يكن بإمكانه قراءة حتى الجزء اليسير جدا منها. فالاستماع إلى قراءة من يقرأ لكي تستمع يؤدي بالضرورة إلى تفعيل نفسية الحفظ والذاكرة السردية. وهذا لا يمكنه ان ينتج عقلا نظريا. من هنا كراهية طه حسين للفكر الفلسفي، لأنه يحتاج بالضرورة للقراءة المتفحصة والتأمل والمقارنة. وهذه كلها شروط غير متوفرة في حالته. ان قيمة طه حسين تقوم في نموذج تحدي الارادة من اجل نيل أصول المعرفة الأولية وجزئيات تناثرها في المعارف الشفوية. 

[18] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص12.

[19] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

[20] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص31.

mutham aljanabi2لقد كانت النزعة النقدية عند طه حسين لحد ما رد فعل ضد التقاليد الأزهرية. وهو كابوس ظل يجثم على عواطفه ومواقفه حتى آخر أيامه. وبهذا المعنى كان طه حسين نتاجا مصريا. إلا أن منهجيته النقدية كانت تترامى ما وراء جانبي النيل من خلال تناوله مصادر الوعي المشتركة للذات العربية الثقافية: الأدب العربي في مختلف مظاهره وشخصياته وتاريخه. إضافة إلى التشكيك في بديهيات تفكيرها.

فمن الناحية النقدية المعرفية لم تكن آراؤه جديدة تمام الجدة. إذ يمكننا العثور على اغلب عناصرها في التراث العربي النقدي، وجدل الفرق الكلامية. حيث صاغت الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وفرق الكلام ومدارس الأدب والتاريخ بشكل خاص جملة من الاعتراضات والشكوك في انتقاداتها المتبادلة حول قضايا أدبية ليس اقل مما في النقد الأدبي العربي نفسه. إلا أن قيمة شكوك طه حسين تقوم في استنادها إلى منهجية الشك العقلي باعتباره أسلوبا يسعى لبلوغ اليقين، على الضد من سيكولوجية الاطمئنان الإيماني. لهذا كان انتقاده لمختلف جوانب الأدب العربي هو نقد لثقافة الزيف والجمود السائدين في عصره، أي كل ما وصمه "بالسخف الذي يدرس في الأزهر والمدارس الرسمية"[1]. وحدد ذلك جوهرية المذهب الديكارتي ومنهجيته بالنسبة لطه حسين. إذ اعتبر المنهج الديكارتي أفضل المناهج وإن المستقبل له[2]. فقد وجد طه حسين في المنهج الديكارتي ليس فقط أسلوبا للمعرفة الحقيقية، بل ولتخصيب المعرفة والأخلاق والحياة الاجتماعية ونموذج للتحرر أيضا[3]. بل نراه يجد فيه "ضرورة لكل شيء بما في ذلك القراءة"[4]. وأفرط في ذلك للدرجة التي جعلته يدعو لأن تكون "عقليتنا وذهنيتنا ديكارتية غربية". واعتبر أن  "المستقبل لمنهج ديكارت"[5].

طبعا إن هذا الابتهاج والانبهار الهائل بشخصية ديكارت وتراثه الفلسفي العقلاني والنقدي لم يكن معزولا عن الرحلة الشخصية إلى فرنسا بعد عقود من حياة مظلمة في القرية والأزهر! لقد كان طه حسين اقرب إلى حالة التقليد السليم. من هنا تناقض هذين المكونين. فالتقليد لا ينتج علما حقيقيا لأنه عادة ما يجتر ثقافة الزمن وليس مأثرتها التاريخية، كما إن السلامة في ميدان المعرفة والإبداع العلمي تفترض نفي التقليد أيا كان شكله ومحتواه ومصادره. وليس مصادفة أن تتسم رؤيته النقدية في ميدان التاريخ الأدبي بضعف التاريخ وقوة الأدب الخطابي، أي تقرير الأحكام وقلب المقدمات والنتائج عبر تحويلها إلى معادلات مثيرة لا غير، مثل قوله، بأن القرآن يبتغي أن يكون مصدرا لقراءة الشعر الجاهلي وليس بالعكس! إنها نقدية من حيث مواجهتها ذهنية الأزهر، لكنها مشوشة من حيث وضعها الفعلي بالنسبة لدراسة هذه القضية.

إننا نقف هنا أمام معادلة مقلوبة لا غير. بينما تفترض أبجدية الرؤية التاريخية والعلمية القول بالاستعمال المتبادل. وينطبق هذا على حكمه من أن "القرآن هو أصدق مرآة لدرس حياة الجاهلية وشعرها أيضا[6]. وهي خطوة إلى الوراء من حيث تخريبها لفكرة المنظومة في الرؤية. فقد كان القدماء من مؤرخي الأدب والدراسات القرآنية وغيره أكثر حرية وتحررا ودقة وذلك لأنهم كانوا اقرب إلى التاريخ من حيث منطقه الفعلي، كما أنهم لم يعطوا للنص القرآني هذه الصيغة "المقدسة". لقد نظروا إلى التاريخ السابق للقرآن على انه مقدمة. كما نظروا إلى القرآن على انه استمرارا لتقاليد القدماء. أما الصحيح والمنحول في الأدب والشعر فهي قضية من طراز ومستوى آخر، ليست علاقتهما بالقرآن أو بالعكس سوى إحدى القضايا الجدلية. إضافة إلى أن معرفة حياة الجاهلية لا يمكن حصرها بالشعر والقرآن وما شابه ذلك[7].

لقد كان صعود إشكالية الأدب والشعر "الجاهلي" الوجه الآخر لصعود فكرة الأدب الوطني والمشاعر الوطنية الجديدة من اجل إعادة بناء أو تأسيس النفس. كما أنها كانت الحلبة التي دارت فيها وحولها كل المواجهات الكبرى لفكرة النهضة، والعقلانيات المتنوعة، والوجدان القومي، ووعي الذات التاريخي. ومن ثم فإن التشكيك بالثوابت الراسخة في الوعي اللاهوتي أو مجرد إثارتها كان لابد له من أن يهيج مختلف مظاهر الوجدان والمشاعر شأن تحريك مستنقع آسن أو كور زنابير. وقد كانت الديكارتية هي العصا التي عثر عليها طه حسين في فرنسا. إذ لم تكن الديكارتية بالنسبة لطه حسين أكثر من قواعد بسيطة لنزعة الشك العقلية. بمعنى أنها لم تكن منظومة فلسفية، لاسيما وان طه حسين من حيث ثقافة ومستوى تأهيله كان ضعيفا في ميدان الرؤية المجردة بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يكتب في معرض نقده للعقاد وبعض كتاباته "المعقدة" من انه وجد فيها شيئا شبيها بالفلسفة الألمانية وبالأخص فلسفة كانط وهيغل، التي وجد فيها فلسفة مرهقة وغير مفهومة ولا يستطيع هضمها! لهذا كان يقرأها بتفسير الفرنسيين، كما يقول عن نفسه[8]. مع أن "اعقد" ما كتبه العقاد من أبحاث "فلسفية" لا تتعدى من حيث "صعوبتها" ما يجري كتابته لطلبة الصفوف الأولى لطلبة الدراسات الفلسفية.

من هنا نستطيع القول، بان الرجوع إلى ديكارت آنذاك كان بالنسبة للثقافة المصرية النقدية والعربية ككل خطوة إلى الوراء مقارنة بما هو سائد في الثقافة الأوربية التي تأثر بها طه حسين في مطلع القرن العشرين، لكنها كانت خطوة كبرى إلى الأمام في مشاريع الفطام التاريخي للعقلانية الجديدة. إن ولع طه حسين بديكارت لم يكن قضية شخصية، بقدر ما كان يعّبر عن مزاج المرحلة وطاقاتها في استيعاب ملامحها العامة، ومن خلال رؤيتها النقدية للواقع والتشكيك بما هو سائد فيه. مع ما في ذلك من إمكانية صياغة علمية للبدائل المعرفية. لهذا كانت الديكارتية هنا، المدرسة المناسبة للجيل الباحث عن عقلانية متجانسة. فالأخيرة ما كان بإمكانها في بداية القرن، أن تحلم بما هو أوسع وأعمق من ذلك، لأنها لم تستند بعد إلى قواها الخاصة. ومن الممكن رؤية معالم هذه الظاهرة في موضوع المنهجية الديكارتية لطه حسين، أي توجهها الأدبي، وإفراطها الجزئي، وحدودها الثقافية، وإشكالاتها المعرفية.

لقد غلبت النزعة النقدية طه حسين بحيث أصبح أسيرا لها! بل اقترن احدهما بالآخر ضمن هذا التيار. ومن الممكن رؤية ذلك في جميع مفاصل ومستويات وميادين أبحاثه ودراساته ومواقفه. ففي مجال الرؤية النقدية الأدبية نراه يشدد ليس فقط على نقد حالة الانحطاط، بل ويتعداها إلى البحث عن رؤية مستقبلية مبنية على فكرة تقول، بأن "أدبنا العربي كائن حي"، ويقصد بذلك وحدته التاريخية واستمراره على خلاف غيره من الآداب (كاليوناني وغيره). وفي هذا تكمن قيمته[9]. ومع أن حصيلة الموقف في تأمل مستقبل الأدب العربي اقرب ما تكون إلى موقف تقريري منها إلى رؤية مؤسسة ودقيقة، إلا أنها تلامس الكثير من حقائق الأمور.

بينما نراه في ميدان الرؤية النقدية الاجتماعية والسياسية بسير في اتجاه نقد الذهنية التقليدية والواقع أيضا. وضمن السياق الأول يمكن وضع كل كتاباته التاريخية ذات الصلة بمصادر الاختلاف والشقاق الفكري والمذهبي مثل كتاب (الفتنة الكبرى) بجزأيه المتعلقين بعثمان وعلي، وكذلك كتاب (على هامش السيرة) وحتى (مرآة الإسلام) وغيرها من الكتب. بمعنى إننا نقف أمام رؤية تسعى لتنقية الذهنية التاريخية من ثقل المذاهب والأحكام الأيديولوجية وتدقيق بعض المفاهيم والأحكام بمعايير الرؤية الموضوعية إضافة إلى إبراز قيم الحق والعدل والحرية وغيرها من القيم الضرورية بالنسبة للتقدم الاجتماعي.

وفي مجرى نقده، على سبيل المثال، لحالة التخلف المصري، نراه يؤكد على أن هناك أمم اتصلت بالحياة الحديثة في نفس الوقت الذي اتصلت فيه مصر أو بعدها، لكنها كانت أسرع من مصر في الانتفاع كما هو الحال بالنسبة للمناطق التي كانت خاضعة للدولة العثمانية. ونراه يقف بالضد من الفكرة القائلة، بان سبب ذلك يكمن في كونها مناطق "نصرانية" وأنها كانت اقرب إلى أوربا. ووجد في هذه المواقف تبريرا للواقع، بينما المهمة تقوم في اخذ الأمور بالجد والحزم[10]. من هنا موقفه من مهمة ما اسماه بإنقاذ مصر أو تطويرها بالشكل الذي لا يجعل من الغلاف معيارا للحكم على ما فيها. من هنا قوله، بان تغير النظام الحياتي في مصر وتطورها لا ينفي وجود حالات البؤس الشديدة في كل أنحاء مصر[11].

وبالمقابل نراه ينتقد حال التسييس الكبير للأدب في مصر. بحيث نراه في بعض الحالات ينتقد بصورة شديدة ظاهرة التسييس الهائلة واستحواذها على كل شيء بحيث قضت على حياة العقل والفكر، كما يقول طه حسين[12]. لهذا نراه يضع موقفه السلبي من السياسة والتسييس على أساس انه إذا كان العلم والأدب ليس لهما وطنا، أي أنها خارج هذا التحديد الضيق، فانه ليس للأدب حزب سياسي[13]. لهذا نراه يقول مرة بأنه يمقت المذهب السياسي للعقاد ويزدري كتاباته السياسية[14].

وفي مجال البحث التاريخي نعثر عنده على رؤية نقدية تجاه مصادر وتقييم القدماء والمحدثين. بحيث يتجاوز أحيانا، وإن بصورة مبطنة وخجولة تقاليد التقديس الجاثمة على العقل والضمير التاريخي العربي والإسلامي، كما هو الحال على سبيل المثال في موقفه من شخصية عثمان بن عفان. إذ نراه يعرض شخصيته على مثال عمر بن الخطاب في الموقف من المال العام والمصلحة العامة والدولة والأمة والدين[15].

وفي مجال نقد الأشخاص يمكن رؤية تقييمه العالي للطفي السيد من خلال إبراز دوره الخاص في التفكير والكتابة والترجمة العقلية الذي وجد تعبيره أيضا في مواقفه وآرائه الإصلاحية ولكن من خلال إيجاد النسبة أو العلاقة الضرورية بين القديم والحديث[16]. في حين نلاحظ موقفه النقدي المتناقض من العقاد، والداعم في الوقت نفسه لأبحاثه الأدبية وبالأخص في موقفه من أبي العلاء المعري. في حين نراه يقيم كتابات سلامة موسى بعبارة :"انه ساذج سهل خفيف الروح خصب الكتابة"[17]. لهذا نراه ينتقد كتاب سلامة موسى عن الحب. ولا يجد قيمة فيه أو له، كم يخلو من الفكر والتفكير[18]. بل نراه يعتبره شخصا كثير القراءة كثير الكتابة من هنا عدم إتقانه لها، لكي يتجنب شيئا من السخف في الكتابة. انه مسرف وبالأخص في ازدراء الأدب العربي القديم[19].

وفي مجال نقد التقليد، نعثر عنده على صيغ عديدة ومتنوعة، بما في ذلك في موقفه من أوربا والحضارة الأوربية رغم استلابه الكبير أمامها. لكنه نقد متنوع يصب أساسا في توسيع مدى الرؤية النقدية. لهذا نراه على سبيل المثال ينتقد فكرة ما يسمى بالطابع المادي للحضارة الأوربية من خلال التدليل على أن ما يميزها في الأغلب هو كونها نتاج العقل والخيال، أي نتاج الروح الخصب المنتج، الروح الحي المتصل بالعقل[20]. وبالمقابل نراه ينتقد ما يسمى بروحية الشرق. إذ اعتبرها عبارة "لا علاقة لها بنا. وذلك لأن منطقتنا هي مهد هذا العقل الذي يزدهي ويزدهر في أوربا. وهو مصدر هذه الحضارة الأوربية التي نريد أن نأخذ بأسبابها"[21]. بينما نراه في الوقت نفسه يقف بالضد من حالة التقليد الأجوف والفارغ لأوربا بين أوساط المثقفين المصريين. إذ وجد في الجيل الحاكم والمترقي للحكم في مصر "لا يعرفون من الحياة العقلية الأوربية إلا ظواهرها وأشكالها"[22]. وفي كتاب (جنة الحيوان) نعثر على ملامح نقدية لحالة مصر وحالة المثقفين والمتأثرين بأوربا[23]، كما هو الحال على سبيل المثال في مقالاته المعنونة (الثعبان)، و(حديث الإوز)، و(القسوة)، و(شياطين البيان)، و(الضلال الهائمة) وكثير غيرها. إذ نراه يجد في هذا التقليد جزء من التخلف[24]. ومن الممكن العثور على إحدى الصيغ الأكثر دقة بهذا الصدد ما أورده في (مستقبل الثقافة) في معرض نقده لظاهرة الرياء والنفاق عبر الدعوة إلى ما اسماه بالملائمة بين الأقوال والأعمال في الموقف من الحضارة الأوربية. وكتب بهذا الصدد يقول،"أنا لا ادع إلى أن ننكر أنفسنا، ولا أن نجحد ماضينا، ولا إلى أن نفنى في الأوربيين. كيف ذلك ونحن نعمل من اجل التحرر من سطوتها"[25]!!

وقد يكون نقده لحالة الثقافة في مصر (بما في ذلك تقاليد ومستوى ونوعية التربية والتعليم) من بين أكثر النماذج عملية ووضوحا. فهو يدعو حالة الثقافة في مصر آنذاك بالخزي والحالة الشنيعة في مجرى انتقاده لإهمال الترجمة والنقل عن اللغات الأوربية الحية[26]. واعتبر عمل وجود وزارة التربية والتعليم مناقضا لطبائع الأشياء! إذ وجد فيها نموذجا للأخلاق السيئة كالتباغض والتنافس والتحاسد"، واستهزأ بحالة "الوزارة التي تعرف ما يعرف الوزير وتنكر ما ينكر الوزير". من هنا استنتاجه الدقيق:"أصبحت وزارة المعارف مرآة صافية أو قل مرآة كدرة للحياة السياسية في مصر"[27]. ولم يترك أدق واصغر مظاهر الخلل في نظام التربية والتعليم دون توجيه النقد الصارم والساخر أحيانا منه. بحيث نراه يفرد صفحات لنقد "الامتحان" الذي وصفه بالآفة الأخلاقية والمعرفية، بحيث "أصبحت خطرة على التعليم وعلى الأخلاق وعلى السياسة"[28]. كما نراه يشخص بصورة نقدية موقفه من صعود ونمو تأثير الصحافة والسينما والراديو. ومع انه دافع عن هذه الوسائل، لكنه أشار إلى خطورتها بالنسبة للثقافة وتأسيسها المتين. وفي معرض مقارنته لهذه الحالة مع مثيلتها الأوربية آنذاك نراه يشدد على أن الفكر الأوربي النقدي يقف من هذه الأدوات موقف الناقد، "إلا أن الفرق بين أوربا وبيننا هو أن الشعوب الأوربية قادرة كلها على القراءة، لأنها أخذت بالتعليم منذ عهد بعيد"[29]. وفي معرض انتقاده للدولة وسلوكها العملي تجاه الثقافة، فإننا نراه يرفع من شأن المثقفين المصريين الذين بذلوا الكثير وفي ظل بيئة معادية للثقافة من اجل إرساء أسس الثقافة. وتعرضوا لها لمختلف أصناف المعاناة بما في ذلك السجن والنفي والموت[30].

لم تكن هذه الرؤية النقدية، والمزاج النقدي، والمنهجية النقدية بمعزل عن الانفتاح المثير لأعصاب الأدب العربي في بداية القرن، الذي وجد طه حسين في نماذجه الأوربية المثال الأعلى آنذاك. مما دفعه للبحث عما يمكنه أن يكون نموذجا منهجيا متجانسا في الرؤية النقدية. فقد كان العالم العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص في حاجة آنذاك إلى روح نقدية أكثر من حاجته إلى نقد الروح. وليس مصادفة أن يعجب طه حسين أيما إعجاب بقدرة نيللينو على اكتشافه ما اسماه بطرق الوصول إلى حقائق الكنوز الدفينة في الثقافة العربية[31]. فقد كان نيللينو نقديا بارعا وشكاكا عميقا. وهو ذات النمط السائد في كتابات مرجيليوث عن الشعر العربي الجاهلي. ومن خلالهما توصل طه حسين إلى ديكارت. مما جعل من شك الأخير ومنهجيته العقلانية أسلوبا في النقد الأدبي أكثر منه أسلوبا في المعرفة الفلسفية. لكنها كانت في الوقت نفسه خطوة كبيرة من حيث تأسيسها لأصول النقدية العقلانية في العالم العربي، أي كل ما نعثر على صداه العميق في موقفه من الشعر الجاهلي.

فقد كان التركيز على الشعر الجاهلي يتضمن من الناحية التاريخية محاولة تأسيس الوعي التاريخي العقلاني. وقد شقت هذه الصيغة لنفسها الطريق في براهينه على ضرورة ألا يكون الشعر طريقا إلى فهم القرآن، بل القرآن طريقا إلى فهم الحياة الجاهلية. ولم يقصد هو بذلك سوى تدقيق الأحكام عن الحياة الجاهلية وشعرها، أي إعادة بناء وكتابة تاريخ الأدب العربي بالصيغة التي يمكنه أن يكون فيها قادرا على تعميق مشاعر الوعي القومي العقلاني. وكتب بهذا الصدد قائلا: "نحن لا نحب القديم من حيث هو قديم. بل نحب له أن يظل قواما للثقافة وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا، محقق لقوميتنا، عاصم لنا من الفناء في الأجنبي"[32]. ذلك يعني إن نقده للشعر الجاهلي هو شكل من أشكال بناء الروح العقلي المستقل في النظر إلى الذات القومية - الثقافية. ومن ثم احتوائه على إدراك الحقيقة القائلة، بأن استقلالية الروح هي استقلالية العقل أيضا. لكن هذه الأفكار ظلت تفتقد للتجانس. بمعنى أنها لم تتكامل في صياغة نظرية. لهذا كانت عرضة للتراوح بين الوضوح والغموض. وذلك بفعل تراوح إبداعه النقدي الأدبي حول موضوعات ظلت في إشكالاتها اقرب إلى الماضي من الماضي نفسه. فهي لم تستطع أن تتعدى حدود الإسهامات المباشرة وغير المباشرة في تأسيس العناصر المختلطة من الليبرالية والإصلاحية والدنيوية بمضامينها العقلانية ـ النقدية. وقد كمنت في هذه الأخيرة مأثرته الثقافية باعتبارها عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين، أي جزء من عقلانية الفطام التاريخي مع التقليدية السائدة. إذ أن القيم الكبرى لنزعته الشكوكية (النقدية ـ العقلانية ـ الديكارتية) تقوم لا في منظومتها ولا في عناصرها، ولا حتى في أفكارها ونتائجها. فهي في جوانبها هذه لم تكن أكثر من ترديد واستيعاب مبسط للعقلانية الفلسفية الأدبية. إذ لم تكن انتقاداته المثيرة في حينها عن الشعر الجاهلي سوى ترديد لانجازات الفكر الاستشراقي آنذاك. بل هي انتقادات يمكن العثور عليها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح في جدل واتهامات الفرق الإسلامية القديمة. بصيغة أخرى، إن انتقاداته هنا كانت في اغلبها تقليدية المحتوى والموضوع، ونسبيا في أساليبها ونتائجها المباشرة أيضا. فهي لا ترتقي إلى مصاف المأثرة العلمية بحد ذاتها، إلا أن قيمتها التاريخية تقوم في إثارتها لبلبلة فكرية كان لها صداها الكبير في استثارة الجدل الفكري وشحذ الطاقات العقلية في محاربة التقليد الأعمى. أن طابعها النقدي كان يقوم في وضعها أسس العقلانية ومبدأ الشك الفلسفي في دراسة الأدب العربي. وهو ما نعثر على صداه في جميع كتاباته الفكرية والاجتماعية والسياسية. وإلا، فان ما وضعه طه حسين عن الشعر الجاهلي لم يكن أكثر مما كان متداولا في أبحاث المستشرقين آنذاك. إلا أن استنتاجاتهم لم يكن لها اثر واسع خارج حلقاتهم باعتبارها اجتهادات علمية. بينما كان لهذه "الاجتهادات" في ترديد طه حسين مذاقها النقدي الخاص.

فالشعر الجاهلي لم يكن آنذاك ولا الآن معضلة جوهرية بالنسبة للوعي العقلاني العربي. ولم يكن بإمكانه أن يؤسس لعقلانية القرن العشرين، لأنه كف عن أن يكون مصدرا في الوعي القومي والثقافي العربي، وذلك بفعل سريانه وانحلاله فيما أبدعته ثقافة الخلافة في عصورها المزدهرة. وهو ما يفسر أيضا الأسباب القائمة وراء استثارته ضجة كبرى حول قضية صغرى، أي إثارته لتناقض لا يتسم بالحيوية المعرفية والثقافية، بل وحتى الأدبية كما هو الحال بالنسبة لموضوع نقد الشعر الجاهلي. لكنه تناقض له قيمته المناسبة في تجربة العقلانية المتعثرة في العالم العربي. فهي عقلانية لم تنازع حقائق وجودها. لهذا كان بإمكانها أن تثير كل صيغ الافتراضات "المقدسة" دون أن تعمق في الوقت نفسه منظومة الفكر العقلاني، وذلك لأنها لم تبدع حديثا. فقد كانت مواقف طه حسين النقدية في الأدب وشكوكه العقلية لعبة أطفال مقارنة بما وضعه المازني. إنها اقرب إلى المهاترات لأنها هاجمت أموتا لا أصناما جدد كما فعل المازني.

لكنها لعبة أطفال مثيرة بسبب طفولة الوعي النقدي والعقلاني الاجتماعي والسياسي. بعبارة أخرى، إن النزعة النقدية لطه حسين ظلت من حيث الجوهر تتسم بقدر كبير من الجزئية وانعدام ترابطها الداخلي وغياب أنساقها الذاتية. من هنا كانت اقرب إلى أطراف سائبة في جسد لم تكتمل معالمه بعد. من هنا ولعها بالإثارة والاستثارة. وليس مصادفة أن نقرأ في كل "المقدمات" التي كتبها طه حسين للمقالات التي جمعها في كتب إشارة إلى انه ما سيضعه سوف يثير الاعتراض والنقد والهياج والنفور وما شابه ذلك. بمعنى انه كان يرغب ويريد ويسعى ويحلم بكل ما سيثير "ضحكه" كما قال في أكثر من مرة بهذا الصدد.

لكن الرؤية النقدية لطه حسين ظلت أسيرة الرؤية الأدبية. وبالتالي لم ترتق إلى مصاف التأسيس الفكري النظري. الأمر الذي طبعها في الأغلب بطابع الصيغة الخطابية والنفسية. من هنا عدم عمق وسطحية اغلب العبارات الخطابية التقريرية، مثل فكرة "أن لا نأخذ من القدماء أي شيء دون نقد وتمحيص"[33]. وهي فكرة بسيطة تعج بها وتمتلئ كتب القدماء نفسها عما يسمى بنفي التقليد. لكنه في هذا بالذات كان يكمن أيضا سر استلطافها من جانب أنصاف المتعلمين[34]. مع ما ترتب عليه من حب الإثارة والهياج أكثر مما كانت تنمو بمعايير التأسيس العقلي والفلسفي للرؤية المنظومية. من هنا تقلبها وتغيرها وتبدلها ولكن ليس بمعايير التراكم المعرفي، بل بمعايير الفكرة الجزئية والعابرة. وقد تكون المقدمة الصغيرة لكتاب (في الشعر الجاهلي) مؤشرا على هذه الحالة. فهو يشير فيها، كما يكرر ذلك في اغلب كتبه، من أن "ما سيقوله وسينشره سوف يثير غضب البعض وهجومهم وسخطهم". بل ونراه يكتب عن نفسه بهذا الصدد قائلا:" ما أكثر ما أعجب واضحك أحيانا مما سيقوله الناس عني بهذا الصدد" وما شابه ذلك من عبارات.

بعبارة أخرى، إن الهاجس القائم وراء النزعة النقدية كان في الأغلب محكوما بأولوية الإثارة والشهرة (وهي تقاليد مستفحلة في الثقافة المصرية لحد الآن). وبالتالي لم تؤد هذه النزعة إلى تأسيس الإجماع العقلي حول مبادئ ومنهجية النقد العقلاني والعلمي. على العكس، أنها في حالات عديدة أدت إلى نتائج معاكسة. والسبب لا يكمن في ما أراد طه حسين قوله وفعله، ولا حتى في حالة ومقدمات الأزمة البنيوية آنذاك للتربية والتعليم والثقافة، بقدر ما كانت تكمن في ضعف الفكرة النقدية لطه حسين، أي افتقادها لمنظومة المنهج النقدي. لهذا ظلت اشد أحكامه النقدية جرأة مجردة ملهاة مثيرة، أي أنها لم تستطع إرساء أسس الرؤية النقدية المنهجية. وذلك لان ما أراده طه حسين من وراء النقد غير قابل للتحقيق. والسبب يكمن في أنه لا يمكن صنع إجماع (فكري أو ثقافي أو سياسي أو أيما نوع من الإجماع الضروري للمعرفة والعلم) خارج منظومة الرؤية العقلانية النقدية والعلمية الصارمة المتراكمة في مجرى تطورها التلقائي. فعندما يكتب طه حسين، على سبيل المثال، عما يسميه بالتخلي عن القومية والدين في التعامل مع تاريخ الأدب وتاريخنا بشكل عام! وان القدماء بفعل حبهم للإسلام قد تعصبوا له في كل شيء[35]، فإن صوابها الشكلي يتعارض مع حقيقة العقل الثقافي، أي المتراكم في مجرى معاناة البحث عن مستوى علمي وموضوعي في التعامل مع التراث الذاتي. وذلك لأن العلمية والموضوعية هنا هي كميات ونوعيات متراكمة في مجرى نقد الواقع وتأمل المستقبل مع البقاء الدائم ضمن التراث القومي الثقافي لكي لا تصبح "الموضوعية" شعارا وتقليدا ووهما أيديولوجيا. أما الجديد أو العلمي الذي يسعى إليه طه حسين هنا فلم يكن في اغلبه سوى نقل وترديد لما كتبه الأوربيون آنذاك. لكنهم بالخلاف عنه كتبوا بمنطق وذهنية التقاليد الأوربية بما في ذلك العلمية منها. وبالتالي ليست معزولة عن قومياتهم وأديانهم وتراثهم وتاريخهم بوصفه صورة "منطقية" لمعاناتهم الخاصة. ومن ثم ليست "علمية" تامة بحد ذاتها، وإلا لم هذا الاختلاف والتباين الهائل؟ (يتبع....)

***

 

ميثم الجنابي

......................

[1] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص29.

[2] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص130.

[3] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص86.

[4] طه حسين: في الشعر الجاهلي، مكتبة الندوة الالكترونية، ص9.

[5] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص26-27.

[6] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص10.

[7] ومن الممكن الرجوع بهذا الصدد إلى المؤرخ الفذ جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، باعتباره احد أفضل وأوسع وأعمق وأدق الكتب العلمية بهذا الصدد. وفيه يمكن رؤية الأبعاد المتنوعة والعميقة والعلمية الدقيقة التي تعطي للمرء إمكانية تجاوز الأحكام السريعة والمسطحة بما في ذلك تجاه قضية علاقة القرآن بتراث الأسلاف.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص101.

[9] طه حسين: ألوان، ص12-14

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص358-359.

[11] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص80.

[12] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص48

[13] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص96

[14] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص96

[15] طه حسين: الفتنة الكبرى، عثمان، دار المعارف، القاهرة ط13، ص45-50

[16] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص49-50.

[17] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص97.

[18] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص113-114.

[19] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص98-.100

[20] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص56-57.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، 1993، ص58.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص203-204.

[23] طه حسين: جنة الحيوان، سلسلة كتاب اليوم، العدد 299،  القاهرة، 1989، ص3-17

[24] طه حسين: جنة الحيوان، ص20.

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص53.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص354.

[27] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص133.

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص153.

[29] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص367.

[30] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص361.

[31] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص13-15.

[32] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص315.

[33] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص3.

[34] وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن إعادة طباعتها المتكررة هو دليل أيضا على تخلف الوعي، بمعنى عدم خروجه لحد الآن من طفولة التنوير، في عصر تجاوز مراحل كبرى عديدة ما بعد ذلك. الأمر الذي يمكن معه التوصل إلى أن فكر وتفكير طه حسين لا يصنع من حيث الجوهر تنويرا بالمعنى الدقيق للكلمة.

[35] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص8.

 

 

mutham aljanabi2لقد تغلغلت الثقافة الشفوية في شرايين الذاكرة الحبيسة لطه حسين. وكانت تحتوي بقدر واحد على مكون وجودي (انطولوجي) وآخر ذهني (ثقافي). الأمر الذي جعل من الثقافة الشفوية أو ما يمكن دعوته بثقافة الحكاية والرواية الأسلوب الأكثر رسوخا في بنيته الذهنية. من هنا كثرة الحشو والتكرار وضعف الحصانة الرزينة في الموقف من المواقف النقدية نفسها. لاسيما وان هذه الصفة لها تقاليدها الخاصة في الثقافة المصرية على امتداد قرون، أي ثقافة التأليف، والجمع، والتصنيف، والشروح، والتعليقات، والحواشي، والحواشي على الحواشي. وهي ثقافة بلغت ذروتها في أوج مراحل الانحطاط "المستنير" في كثرة وتفشي الاهتمام المبالغ فيه والجميل لحد ما بالحكايات والروايات مثل ألف ليلة وليلة، وعنترة، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، والهلالية وغيرها.

فقد كانت ثقافة الحكاية والرواية شائعة الانتشار في أزقة القاهرة ومقاهيها منذ القرن الثامن عشر. أنها ساهمت في بلورة الخيوط الخفية للاستعداد الذهني المصري للقبول بالرواية والحكاية على أنها "علم الأوائل" مع ما فيه من هيبة ورهبة خاصة في الضمير الاجتماعي والذوق العام. ونعثر على هذه الظاهرة لحد الآن في انتشار وغلبة "الشخصيات المحاكمة" و"المنبوذة" و"المكفرة" بين الشخصيات المصرية، أي كل أولئك الذين يتلذذون بهذا المصير من اجل الحصول على شهرة لا تفعل في نهاية المطاف إلا على صنع ثقافة الرغبة العجولة بالحصول على رجولة مشهورة وفحولة مقهورة في ميدان المواجهة والعلم! مع أن اغلب الكتب التي جرت "محاكمتها" و"تصفية الحساب" مع شخصياتها لا تتعدى كونها مؤلفات صغيرة ومسطحة بمعايير العلم والمعرفة الدقيقة. لكننا نعثر فيها وفي "مصيرها" ونتائجها بقدر واحد على الصورة الفعلية لضعف وتسطيح الوعي الناقد والمنقود. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لهامشية المعرفة في كل هذا الرصيد المثير للغط والبهرجة المزيفة. ومن الممكن العثور عليه أيضا لحد الآن في النزعة السائدة في الثقافة الصارخة للوعي المسطح كما هو جلي في أغلب ما يسمى بالكتابات "العلمانية" النقدية المنتشرة بين الكتاب المصريين واتباع اليسار التقليدي، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في كتابات السيد القمني، وسابقه فرج فوده وكتابات نصر حامد أبو زيد النقدية، على خلاف كتاباته الأكاديمية المتعلقة في ميدان التراث. رغم أن الطابع العادي لهذه الكتابات من حيث مستوى تأسيسها النظري. وذلك لانها تبقى في نهاية المطاف مجرد كتب مدرسية وبالتالي لا تتميز بعمق معرفي ويغلب عليها الحشو المعلوماتي أيضا.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نماذج لا حياة فيها بالمعنى الدقيق للكلمة ولا حداثة، وذلك لان حقيقتها أو مضمونها اقرب إلى أساليب الدغدغة الحية والمشاكسة لحد ما لمشاعر العوام المبهورة بكل ما هو مسطح و"غريب". وليس مصادفة أن تلاقي هذا الاستحسان المشبوب بالزعيق والتصفيق بين أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من ممثلي "اليسار" و"العلمانية"، أي أطراف وهامش المسار الفعلي للمعرفة العميقة والوعي النقدي الفعلي.

إن الرؤية النقدية لطه حسين في اغلبها نقدية بهرجة ومحكومة بتقاليد الحكاية والرواية. الأمر الذي يعطي لي إمكانية الحكم على شخصيته، باعتبارها شخصية حكواتية تقريرية خطابية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات فيها. كما انه سر بقاءها العائم على سطح الوعي العادي، واستمرار بقاءها مصدرا للرؤية الكسولة والعقول المكسورة أمام مهمة المواجهة الحية والتحدي الفعلي لإشكاليات المعرفة والحقيقة كما هي من جهة، وفي ميدان التراث من جهة أخرى، أي مواجهة إشكاليات المعاصرة بمختلف ميادينها ومستوياتها.

إن اغلب ما كتبه طه حسين من مؤلفات يتصف بغلبة الرواية والحكاية والعرض والاستعراض الممزوج برؤية تسعى لتمحيص بعض الأخبار وتدقيق بعض الأحكام إضافة إلى محاولة تحقيق بعض المفاهيم بطريقة عقلية ونقدية كما هو الحال على سبيل المثال في الموقف من السبئية وشخصية ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) وأمثالها في (الفتنة الكبرى)، بمعنى النظر إليها باعتبارها شخصية مخترعة بأثر الجدل والتشويه بين "أهل الجماعة" والشيعة، كما يقول طه حسين[1]. بل لا يخلو من غلبة الحكاية والرواية والتسطيح المعرفي أيضا حتى أشهر كتبه العلمية مثل كتبه عن أبي العلاء المعري بما في ذلك كتاب (المعري في سجنه)[2]. ولم يكن ذلك معزولا عن الحقيقة القائلة، بأن الكتابة النثرية عن الشعر لا قيمة لها في الأغلب ما لم يجري تجاوز الشعر أو ما لم يجر دمجه في منظومة لها همومها الكبرى، أي مندمجة في نسيج الرؤية النقدية والعلمية المستقبلية. أما عند طه حسين فإنها مجرد حكاية ورواية وذكرى ومقارنة شخصية. من هنا تفككها وطيرانها الخفيف في أجواء الأحاديث واللغو. وينطبق هذا أيضا على محاولته الغوص في أعماق النفس المضطربة لأبي العلاء. بمعنى اتسامها بالطابع الوصفي الخارجي. وذلك لأنها ظلت محكومة بذكرى وتصور وحكم وتقرير ومقارنة وإسهاب ضعيف وتكرار عنيف من اجل الرجوع إلى فكرة بسيطة أو تقرير لأشياء معروفة ومعلومة ومشهورة. الأمر الذي جعل منها، كما هو الحال بالنسبة لأغلب كتاباته بهذا الصدد أشبه ما تكون بغوص في بركة صغيرة!

ومع انه أشار في أكثر من مرة إلى انه يكره أنصاف الحقائق، ويؤثر العلم والتاريخ على كل شيئا آخر[3]، فان ذلك لا يغير من الحقيقة القائلة بان أقواله هذه هي مجرد تقرير شخصي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن اغلب ما كتبه من كتب علمية ومشهورة كانت في بدايتها، كما أشار في جميع "المقدمات" التي كتبها لهذه الكتب، من اجل "التسلية" و"القضاء على الوقت" و"التلهية" و"الاستمتاع". كما نعثر عليها أيضا في كثرة العبارات المنتشرة فيها، التي تعكس ما يمكن دعوته بسيادة "فرضيات" الخيال التائه أو المتشبه بولع الحكاية والرواية، مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان...".

وفيما لو جرى إهمال هذه الجانب، فان اغلب ما سطره بهذا الصدد كان اقرب إلى أنصاف الحقائق واجتزاء للتاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. وذلك لأنه لم يتعامل مع التاريخ بمعايير وعي الذات وبدائل المستقبل، كما أن حقائق العلم تبقى سائبة ضمن سياق المزاج الأدبي والذوق الفني للعبارة والمعنى. وبالتالي لا علاقة لها بتأسيس الرؤية التاريخية ولا تراكمها العلمي النوعي في الفكرة. فنراه يتكلم عن إقامة "أبو العلاء في سجنه الفلسفي هذا نحو خمسين عاما"[4]. والقضية هنا ليست فقط في أن الفلسفة لا تصنع سجنا، بل وأن البحث عن "سجن فلسفي" أو اكتشافه في أبي العلاء من خلال البحث في أبي العلاء لا أساس فيه أو له. ولا يغير من ذلك شيئا كون طه حسين كان يقصد بكلمة السجن سجن الجسد (بفعل آفة العمى) وحرية الروح بفضل الأولى. وذلك لأنهما كلاهما بديهة! كما نعثر على ذلك في موقفه من المتنبئ وبشار بن برد (في معرض المقارنة بابي العلاء)، وبالأخص في إشارته إلى انه يحب ويكره فيهما أشياء. ووجد في المتنبي مغامرا طلب ما لم يخلق له[5]! في حين أن النظرة العلمية الدقيقة وما يترتب عليها في ميدان الرؤية الأدبية عادة ما تتجنب المقارنة بمعايير الأخلاق خصوصا حالما يجري انتزاعها عن قيم المرحلة وأنماطها ومرجعياتها الكبرى. والشيء نفسه ينطبق على موقفه من أن بشار بن برد أثار الإعجاب لكن إبداعه لا قيمة له بالنسبة للأخلاق والعقول، بل هو اشد إساءة[6]!! أما مثال المتنبي فلا يحتذى به بالنسبة لتقويم العقل والأخلاق! انه نموذج الغرور[7]! وكلا الحكمان تائهان في مزالق الأخلاق المجردة أو بصورة أدق الأخلاق الظاهرية والتقليدية. إذ لا يرى طه حسين البعد الدفين والأعمق والأصدق والأكثر حقيقة في مواقفها وسلوكهما وشخصيتهما بوصفها نماذج متنوعة للحرية والتحرر والخروج على المألوف وجوهرية الأنا والفردية المبدعة. وان الشخصية المبدعة الكبرى لا ينبغي حصرها بمعايير "الأخلاق العامة" وذلك لان الفضيلة والرذيلة فيها كلا واحدا.

وعموما يمكننا القول، بان قيمة هذا العمل وما سبقه وتلاه عن أبي العلاء المعري هو نتاج لإدراك قيمة وأهمية هذا الرجل على مستوى الحياة الشخصية والفكرية وإبداعه العقلي والروحي والفني. وما عدا ذلك فحكاية ورواية. وهو النقص الجوهري الذي لازم اغلب كتابات وروايات طه حسين. بمعنى أنها لا تؤسس لفكر ولا تخلص إلى نتيجة ولا تقوّم رؤية بالمعنى الدقيق. فاستعمال كلمة فتنة على سبيل المثال في تفسير التاريخ (الإسلامي الأول وصراعه الداخلي) انطلاقا منها لا ينم عن رؤية تاريخية. كما أنها تفتقد إلى أي بعد فلسفي قادر على التأسيس للقيم والمفاهيم والوعي الذاتي القومي. وليس مصادفة أن ينتهي كتابه عن تاريخ الفتنة بفكرة تقول، بان كل ما جري ويجري يمتلك حكمة أقامها الله في وجود الأشياء وانه بالغ أمره فيها[8]! إذ ينتهك هذا الاستنتاج اللاهوتي (اليقيني) كل معنى الشك العقلي والنقد المعرفي والبحث العلمي. لكنه في الوقت نفسه نتيجة لما يمكن دعوته بشخصية طه حسين العلمية، التي أفصح عنها الرجل في أماكن وحالات عديدة، لعل أكثرها نموذجية العبارة التي قال فيها مرة عن نفسه ما يلي: "أنا لم أتكلف في هذا الكلام مشقة ولا جهدا. فانا رجل أحب القراءة، وأحب القراءة المختلفة المتنوعة، اقرأ في الأدب العربي القديم والحديث (ونفس الشيء على الأوربي) لكن الهمّ كان عربيا. أنا دوما اسأل نفسي هل موجود هذا في العربية، هل يتلاءم معها، هل تستجيب العربية له، وهل أنا قادر على أن ألائم بينهما"[9]؟ ومع انه لا يجوز تعميم هذا التقييم على كل ما كتبه إلا انه يعكس بصورة نموذجية الصفة الجوهرية لتي ميزت ولازمت كتاباته منذ البداية حتى النهاية.

وليس مصادفة أن تمتلئ كتاباته بالحشو. ومن الممكن التدليل على ذلك من خلال تناول اغلب كتبه الشهيرة مثل (على هامش السيرة) و(مرآة الإسلام) و(في الأدب الجاهلي) و(تجديد ذكرى أبي العلاء) وغيرها. إذ نعثر في مؤلفه (على هامش السيرة) على كتاب "لم يكتب للعلماء والمؤرخين" كما يقول طه حسين[10]، أي انه مجرد تأملات سريعة على هامش كتاب وقراءة. وفي أفضل الأحوال هو مجرد استعادة جديدة أو حديثة لنماذج الهوامش. والشيء نفسه يمكن قوله عن الجزء الثاني منه[11]. إذ لا يتعدى كونه مجرد محاولة بائسة لقصص الخيال وذلك لأنها تكلف. ولم يكن هذا الانهماك في السيرة أو استعادتها بالطريقة التي كتب بها طه حسين سوى الوجه الآخر لذوقه المعرفي، أي الحكواتي الروائي. من هنا نراه يسمح لنفسه بالخيال والحكايات المنافية للعقل وما شابه ذلك لأن العقل ليس الملجأ الوحيد للمعرفة أو راحة الناس، كما يقول! وهو تقييم مسطح للعقل والمعرفة. فالعقل هو دوما الملجأ الوحيد للمعرفة الحقيقة، بينما يمكن للعقل أن لا يكون الملجأ الوحيد للروح الإنساني أو العقلانية. وهذه أشياء مختلفة.

لقد أراد جعل قصص السيرة جزء من قصص الرواية بحد ذاتها. وهذا آمر لا بأس به، لكنه موجود ولا جديد فيه. انه لم يصنع حكاية جديدة بل أعاد ما هو موجود منها. ولا يغير من ذلك شيئا إقراره بالحقيقة التاريخية عن الهام السيرة النبوية المؤرخين والقصاص القدماء، ومن ثم إقراره بإمكانية تحويلها إلى مصدر للإلهام الأدبي الحديث[12]. ولا خلاف حول سلامة هذا الموقف، لكنه لا يؤسس لفكرة الإلهام والإبداع. وذلك لان القضية ليست في السيرة أو إمكانية استلهامها، بل في ماهية الإبداع الحديث. فالإبداع الحقيقي محكوم بهمومه الحقيقية، كما أن الإبداع الجديد محكوم بالجدة والتجديد. أما الماضي فهو تجربة قابلة للتأمل. أما (مرآة الإسلام) فهي رواية بسيطة وجيدة لحياة محمد المعروفة والمألوفة ولكن من خلال استعراضها على القرآن. غير أنه استعراض ظاهري ومباشر. والقيمة الوحيدة فيه هو توسيع مدى الرؤية الاجتماعية والعقلية  وغيرها من القرآن، كما نعثر عليه في العبارة التالية "القرآن الأشد والأعمق والأكثر قراءة وتقويما للحياة واللسان"[13]. وانه قد "قيل في القرآن ومعجزاته الكثير، إلا أن كل ما قيل لا يستنفذ ما فيه من روعة وجمال وبهاء"، ولعل من بين أهمها هو إعادة خلق العرب خلقة جديدة[14]. أما كتاب (في الأدب الجاهلي) فمدرسي خالص لطلبة السنة الأولى والثانية لكلية الآداب[15]. لكنه لا يخلو من بعض الأفكار السليمة والدقيقة مثل أن الشعر يقاس بما فيه من قوة أدبية وذوق جمالي. وانه وثيق الارتباط بزمانه. وان معاداة القديم باسم الحديث هو غلو يعادل معاداة الأجنبي لأنه أجنبي[16]. كما يدافع فيه عن تقاليد الشعر العربي. وانه شعر غنائي. لا تمثيل ولا قصص فيه[17]. وأن الشعر الغنائي باقي والأخر ذاهب للزوال.

والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (تجديد ذكري أبي العلاء). بمعنى انه يسير ضمن تقاليد الحكاية والرواية، التي تعيد من حيث الجوهر ما سبق وان ذكره في كتبه السابقة. وحالما ينتقل بين الحين والآخر إلى ميدان الفكر النظري، فانه يقع في زلات وهفوات كبيرة، كما نراه على سبيل المثال لا الحصر في موقفه من التصوف. فما كتبه هنا عن "الفلسفة الصوفية" سطحي وبسيط ولا علاقة له بالعلم وتاريخ الفلسفة والتصوف. وينطبق هذا ليس على الفكرة العامة والمنهج بل والجزئيات، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه من أن جذور التصوف الفلسفية ترتبط بالفلسفة اليونانية وفكرة وحدة الوجود عند الرواقيين[18]. وان التصوف مرتبط بأصول هندية من جهة وبأصول يونانية من جهة أخرى (فكرة الإشراق)[19]. وان ربط هذه الأصول والجذور ببعض مفاهيم الإسلام أدى إلى ظهور التصوف (كالحلاج والجنيد وغيرهم). وأن التصوف اقرب إلى التشيع منه إلى السنة[20]. وانه اتخذ الأباطيل والإباحة ومخالفة الدين والحشيش للوصول إلى الله[21]، وما شابه ذلك من ترديد لما كان يكتب آنذاك في بعض الأدبيات الأوربية الشائعة الانتشار بعد خلطها بالخرافات الشائعة في العالم الإسلامي آنذاك وبقايا الصدى الصدأ لمراحل الانحطاط!

لم تكن الرواية والحكاية السائدة في أسلوب طه حسين معزولة عن هيمنة نمط الكتابة الاجتماعية. فقد كان هذا النمط من الكتابة هو الغالب عليه بما في ذلك في بحوثه التاريخية والأدبية والتراثية. وقد يكون (حديث الأربعاء) و(حديث المساء) هو من بين أكثر ها شهرة وتمثيلا لهذا النمط. كما نعثر عليه في أفضل ما كتبه مقارنة بأعماله الأخرى، كما هو الحال في سلسلة البحوث والمقالات التي دونها عن أبي العلاء المعري. ففي عناوين (حديث المساء)[22]، كما هو الحال بالنسبة لأغلب ما كتبه عادة ما تتكون من كلمات مفردة فقط، أي بلا فكرة ولا إشكالية. أنها تعبير عن انطباع وحكاية ورواية، أو بصورة أدق أنها نموذج للكتابة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة، التي يمكنها المساهمة البسيطة في تربية الذهنية الاجتماعية على قيم النقد الايجابي والبناء والحر. وبمجموعها فضيلة دون شك لكنها ليست قادرة على تنظيم الفكر والفكرة. من هنا مراوحتها في المكان. بل حتى فكرة التجديد لأبي العلاء التي ترمي من حيث الإعلان إلى تجديد الرؤية النقدية الحرة والإنسانية والعربية والإسلامية من خلال تجديد الفكرة الفلسفية والأدبية والروحية والأخلاقية والعقلية الإنسانية كما وجدها عند أبي العلاء، لم تتعد في الواقع أسلوب التنوير البسيط. الأمر الذي جعل بحوثه بهذا الصدد عادية بمعايير الرؤية العلمية. انه يحاول بلورة رؤية علمية وموثقة عن حياة أبي العلاء وإبداعه، تأثره وتأثيره بالمدارس والثقافة العربية والإسلامية والعالمية كما في تقييم العام القائل، بان "أبو العلاء ثمرة من ثمار عصره، قد عمل في إنضاجها المكان والزمان، والسياسة الاجتماعية، والدين"[23]. بمعنى تقرير أمور عادية. وهو شيء جلي أيضا في كون الكتاب من حيث الجوهر استعراض وتلخيص تاريخي بسيط للحالة السياسية والاجتماعية. وحالما ينتقل إلى ميدان الفكر فانه لا يحتوي إلا على أحكام عامة وغير دقيقة وحشو، مثل موقفه من الفلسفة الإسلامية بأنها دون اليونانية، وأنها مجرد تقليد وما شابه ذلك[24]. بل ويضع فلسفة أبي العلاء المعري ضمن ما اسماه بفلسفة التصوف، بعد إشارته إلى ما اسماه بوجود ثلاثة أنواع من الفلسفة (الخالصة والدينية ويقصد بذلك علم الكلام، وفلسفة المتصوفة ويدرج ضمنها فلسفة أبي العلاء[25]. هذا جهل بالاثنين وعدم دقة في الفكرة والعبارة والرؤية والتقييم.

مع ذلك كان هذه النمط من الكتابة والتفكير شديد التأثير في بيئة كانت تتصف بقدر هائل من الرؤية التقليدية. وفي هذا مأثرتها النسبية. فقد أثارت تلك الظاهرة، رغم عنفوانها وتأثيرها الملهم والمزري أيضا، حفيظة رجال الفكر والفقه وشهية العوام، لما فيها من استثارة متميزة للروح والجسد والعقل والذاكرة. وذلك لما فيها أيضا من مزاوجة بين الرؤية الموضوعية والنقدية من جهة والبقاء ضمن الماضي من جهة أخرى. غير أن الحصيلة المترتبة على هذه الأبحاث لم يكن بإمكانها أن تصنع عقلا موضوعيا ونقديا، وذلك لأنها محكومة بتقاليد الرواية. ومن ثم صعوبة إدراجها من حيث الجوهر في إشكاليات المعاصرة رغم كل دعوتها للعصرية والتجديد. إما القيمة النسبية الوحيدة لها فتكمن في نزوعها الاجتماعي وطابعها التنويري الجزئي والنسبي. وذلك لأنها كانت من حيث مقدماتها المنهجية وأسلوب تفكيرها ومستوى تحليلها وكيفي نقدها تنويرية نقدية وشكوك تنويرية. ومن ثم خلوها مما يمكن دعوته بالتنوير المنهجي. بمعنى طابعها السطحي وقدرتها على إثارة الوعي العادي أي وعي العوام غير الناضج، وغير المتربي بقواعد المعرفة المنظومية ومرجعيات الثقافة القومية والعلمية. وليس مصادفة أن يتحول ديكارت المبسط إلى شخصية محورية أو مصدر لرؤية النقدية لطه حسين. فقد كان هذا النزوع النقدي التنويري مقرونا عنده بالرجوع إلى ديكارت! مع انه لا رجوع إلا بالمعنى الزمني أي التقليدي وليس المعرفي. من هنا تحول النقد والنزعة النقدية إلى ميدان الإثارة والاستثارة مع ما فيها من تنوير محتمل. وهي الصفة التي ميزت عموم تيار عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين.(يتبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، دار المعارف، القاهرة ط13، ص90-93. والأدق القول بين الأموية ومعارضتها.

[2] إن ذلك لم يكن بدوره معزولا عن الحافز القائم وراء اهتمامه الشخصي بشخصية أبي العلاء. فقد كان طه حسين متربيا في بداية الأمر على كراهية المعري. لكنه سيكتشف لاحقا سخافة هذا الموقف. وهو تحول يعكس طبيعة الانقلاب النقدي في ذهنه وتفكيره وشخصيته، بوصفها القيمة الكبرى والوحيدة لحد ما في كل فكر وتفكير وشخصية طه حسين. الأمر الذي يعطي لي إمكانية القول، بان الاهتمام بابي العلاء لم يكن محكوما عنده بفكرة متسامية أو منظمة فكرية بقدر ما يعكس الرغبة الخفية والدفينة في حب الأنا. وهذا شيء قيم بحد ذاته ومثمر من حيث نتائجه ولا يقلل مما أراده قوله وفعله.

[3] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص105

[4] طه حسين: المعري في سجنه، ص51.

[5] طه حسين: المعري في سجنه، ص73

[6] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[7] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[8] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، ص249

[9] طه حسين: جنة الشوك، القاهرة، دار المعارف، ط13، 1986، ص19

[10] طه حسين: على هامش السيرة، دار المعارف، القاهرة، ط 31، 1987، ج1، ص ج، ه.

[11] طه حسين: على هامش السيرة، ج 1، ص12

[12] طه حسين: على هامش السيرة، ج1، ص ح.

[13] طه حسين: مرآة الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1959، ص157-159.

[14] طه حسين: مرآة الإسلام، ص153.

[15] طه حسين: في الأدب الجاهلي، مطبعة فاروق، القاهرة، ط3، 1933، المقدمة.

[16] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص336- 337.

[17] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص340-342.

[18] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1963، ص78

[19] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص79

[20] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[21] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983

[23] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص16.

[24] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص77.

[25] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص78.

 

 

mutham aljanabi2لقد حدد مبدأ التدرج في الإصلاح الذي تغلغل في كل مسام الرؤية الإصلاحية لمحمد عبده إلى مقدمة التأسيس المنهجي للأبعاد الاجتماعية في الفكرة الإصلاحية. فالفكرة الإصلاحية عند محمد عبده ليست دينية من حيث الجوهر، بل منظومة متكاملة. من جوهرية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية فيها. وليس مصادفة أن تكون الأبعاد الاجتماعية فيها بارزة في كل مواقفه بلا استثناء. بل ويمكننا الحديث عن توسع وتعمق لهذه الأبعاد مع كل تطور كمي ونوعي في تأسيس الفكرة الإصلاحية. إذ نعثر على إبرازه قيمة الأبعاد الاجتماعية في القضايا التي تناولها من وجهة نظر مهمة إصلاحها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لم يترك جانبا من جوانب المجتمع والدولة دون الخوض فيه، من هنا يمكن تتبع مسار الأبعاد الاجتماعية في فكرته الإصلاحية. وهو أمر جلي حالما نتصفح مقالاته العديدة تجاه مختلف القضايا. فهو لم يترك لجوانب الاجتماعية حتى في حال مناقشته لإصلاح حال القضاء والقضاة.

فعندما يتناول قضايا القضاء والقضاة، وحجاب القضاة، والدفاتر، وأسلوب التقييد فيها والمتابعة، وكيفية تشكيل المحاكم، والمرافعات، والتوكيل في المخاصمات، وجلسات المحاكم، وحضور الخصوم، والشهادات، والأدلة، وكيفية الحكم، وتنفيذه والحبس والتفتيش والمحامي ودوره وغيرها، فإننا نعثر فيها بصورة واضحة وجلية على أبعاد اجتماعية مهمتها تنظيم وتحرير الفكرة الحقوقية وأجهزة القضاء وأساليب عمله من ثقل التقاليد الاجتماعية البالية، كما هو جلي على سبيل المثال في مقالاته النقدية اللاذعة والعميقة من مسألة حجاب القضاة والشهادات والأدلة ومعارضته لحجاب النساء في جلسات القضاء وغيرها. انه أراد الكشف عما في هذه الظاهر الخربة من إمكانية توسيع مدى الرذيلة والغش والسقوط الأخلاقي.

بعبارة أخرى، انه أراد القول، بأن فكرة القانون والعدالة تفترض تحرير المرء للدفاع عن حقوقه كما هو ومواجهة القانون بمعايير القانون وليس العرف الاجتماعي والتقاليد الميتة. من هنا تقديمه مضمون ما اعتبره جوهر الدين وتقاليد الإسلام الأولى على أنها قضاء على العادات القديمة السيئة. وبالتالي اعتباره محاربة التقاليد السيئة قاعدة دائمة وجوهرية في الفكرة الإسلامية. من هنا نراه يحارب أسلوب وتقاليد الحجاب المتحجرة، عندما أكد على انه لا يوجد في القران نصا صريحا بالحجاب السائد حاليا[1]. وإن الحجاب المغلق فيه انتهاك للحقوق وأسلوب للسرقة والحيلة والغش، أي انه احد مصادر الرذيلة، مثل حضورها في المحاكمات والبيع والشراء والزواج[2]! كما نراه يحارب كل نماذج وأشكال التقاليد الخربة مثل الصياح وراء الجنائز والمآتم، والقذارة والخرافات[3]، أي انه يضع في آن وان واحد ومستوى واحد تقاليد "العزاء" المزيف والقذارة المرمية في الأزقة. كما نراه ينتقد استعمال المخدرات بوصفها مناهضة لمتطلبات الجسد والعقل والأخلاق وكثير غيرها.

في حين نراه يخصص مقالات عديدة جدا لقضية المرأة بما في ذلك من خلال تطويع كل الرؤية النقدية والعقلانية والتاريخية والأخلاقية في التفسير من اجل تقديم نموذج إصلاحي إنساني للموقف من المرأة، بوصفها إحدى المرايا الكبرى التي تنعكس فيها حالة التخلف والانحطاط المادي والمعنوي أو بالعكس، أي حالة الرقي والتمدن. وبالتالي لم يكن تركيز محمد عبده عليها سوى الأسلوب الحسي والباطني في الوقت نفسه لنقد إحدى اشد القضايا حساسية بالنسبة للذوق الإسلامي آنذاك.

وانطلق في تقرير فكرته الإصلاحية بهذا الصدد من المقدمة العامة القائلة، بان حقيقة الإسلام في موقفه من المرأة يقوم على مبدأ الإقرار بحريتها ومساواتها بالرجل. من هنا محاولاته تفسير الأبعاد الفعلية مما يسمى بتعدد الزوجات من وجهة النظر التاريخية بوصفها إصلاحا لما قبلها، وباعتبارها مقدمة الموقف الإسلامي الحقيقي من المرأة كما ينبغي فهمه ضمن سياق الرؤية الإسلامية العامة. وحقيقة الرؤية الإسلامية بهذا الصدد يمكن رؤيتها من خلال الموقف من الزواج، أي من طبيعة العلاقة الشرعية بينهما بوصفها علاقة وجدانية.

بعبارة أخرى، إن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة بالنسبة لمحمد عبده تقوم على أسس وجدانية وجودية طبيعية. من هنا موقفه المعارض أو الناقد لتصورات وأحكام الفقهاء الجافة عن الزواج التي تعرفه بعبارة "عقد يملك به الرجل بضع المرأة". إذ وجد في هذا الحد فكرة جافة وجزئية ولحد ما غريبة عن حقيقة الفكرة الإسلامية. وذلك لان هذا التعريف يرجع طبيعة وحقيقة العلاقة إلى جعل المرأة مادة لرغبات الرجل الذكورية. بينما أفضل تعريف لها، كما يقول محمد عبده، ما هو موجود في القرآن (من آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ذلك يعني انه أراد إبراز نوعية العلاقة الطبيعية بينهما بوصفها علاقة نابعة من أسس وجودية واحدة مهمتها بناء الرحمة والمودة، أي الحب والاحترام، بوصفها الصيغة المثلى والنموذجية للعلاقة بينهما.

وطبق هذه الرؤية على مواقفه النقدية من فكرة الزواج بالطريقة التقليدية. إذ وجد من الضروري معرفة الرجل بامرأة التي يرغب الزواج بها، انطلاقا من أن الزواج يفترض معرفة. فالمرء لا يشتري خروفا دون أن يراه، فكيف له بالزواج دون رؤية، كما يقول محمد عبده[4]. وطبق موقفه هذا تجاه الطلاق. بمعنى انه تعامل مع قضية الطلاق بمعايير المنفعة والأخلاق والراحة الإنسانية، بوصفه الوجه الآخر أو الحالة الأخرى للموقف من الزواج نفسه.

كما عمق هذه الرؤية من خلال رفعها إلى مستوياتها الاجتماعية والثقافية عندما اعتبر الموقف من المرأة هو نتاج لمستوى تطور الأمم أو انحطاطها. كما انه مؤشر على مستوى تطور الناس العقلي. من هنا ملاحظته، بان الرجال العقلاء يحترمون زوجاتهم ويكتفون بواحدة[5]. ووضع هذه النتيجة في موقفه من تعدد الزوجات بحيث نراه يعتبر تعدد الزوجات مصدر خلل وانتهاك للحقوق والأخلاق. والقبول به من بعض النساء نابع من قصورهن في فهم الحقوق الشخصية، بوصفها متاعا للرجل كما كان الناس يعتبرون أنفسهم متاعا للحكام المستبدين[6]. بعبارة أخرى، انه أراد الكشف عن طبيعة العلاقة السرية والعضوية بين الاستبداد السياسي والاجتماعي، من خلال مقارنة تعدد الزوجات بوصفهن متاعا للرجل تماما كما يتحول البشر والمجتمع إلى متاع للمستبدين.

إننا نقف هنا كما هو الحال بالنسبة لكل مواقفه الإصلاحية أمام تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي إن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فانه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، وساء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى اغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. وأن الاختلاف في العبادات لا غير[7].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا احد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية واصطلاحيته في المواقف من اجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[8]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من اجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي واثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تفعيل الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بان "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني أن المهمة الأولية للتفسير تقوم في أبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. ولهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. من هنا رفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي. (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص105.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص107.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص114-158.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص68-70.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص82.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص83.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[8] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

 

 

mutham aljanabi2كانت عقلانية طه حسين (1889-1973) هي الأخرى نزوعا نحو التحرر أكثر مما هي تأسيسا فكريا لها. وليس مصادفة أن نعثر على مذاق الحرية والدفاع عنها بمختلف صورها وأشكالها ونماذجها في كل ما كتبه. بحيث يمكننا القول، بأن دفاع طه حسين عن الحرية ينبع في الوقت نفسه من دفاعه عن فكرة الحرية وإدراك قيمتها وأهميتها وأثرها الفعلي بالنسبة لصيرورة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة. بعبارة أخرى، إن الدفاع عن الحرية نابع من كونها فكرة عميقة ودائمة في تفكيره ومواقفه. وقد تكون كلمته عن أن "الكلمة الأخيرة ستكون دوما للحرية" هي احد النماذج الجلية بهذا الصدد. ومن هنا استكماله إياها بعبارة "النار مهما كانت ملتهبة لا يمكنها أن تحرق كتابا"[1]. ومن ثم لا يمكنها أن تحرق الذاكرة والذكرى المتعلقة بمصادر الحرية المتنوعة، تماما بالقدر الذي تجعل من مختلف أشكالها ومستوياتها ونماذجها صورة معقولة ومقبولة بحد ذاتها. والسبب يكمن في كون الحرية مصدر الإبداع العظيم كما أنها الصورة المثلى للوجود الإنساني، أي القوة القادرة على صنع العدالة والسعي الدائم من اجل إيجاد صيغها المقبولة. فقد أدرك طه حسين إشكالية العدل والحرية المعقدة. وأشار بهذا الصدد إلى أنها مشكلة قديمة رغم ظهورها الجلي في القرن التاسع عشر والعشرين. وإذا كان التاريخ القديم والحديث لم يحل هذه القضية على مستوى الفكر والممارسة، فان الأمل يبقى في أن يجري حلها من خلال إيجاد الصيغة المعتدلة[2]. وليس هذا بدوره سوى الإبقاء على فكرة الاحتمال بوصفها توليفا بين الحرية والعقلانية، أي البحث والاجتهاد عن صيغة ممكنة ومحتملة.

ومع إن طه حسين لم يكن ضليعا في ميدان التفكير الفلسفي وفكرة الاحتمال العقلانية، إلا انه كان منهمكا في التعبير الحر عن حرية الفكر والتفكير لما لها من اثر وقيمة بالنسبة للعدل والحق. ففي مجرى تحديد موقفه من "ثورة الزنج" نراه يشير إلى ما اسماه باستنادها إلى تقاليد الخوارج[3]. وبغض النظر عن ضعف دقة هذا الربط، إلا أن من الممكن رؤية بواعث الدفاع عن فكرة العدل كما هي. وهذه بدورها وثيقة الارتباط بالحرية. من هنا قوله، بأن تناول ثورة الزنج وأمثالها في التاريخ الأوربي لا يعني الأخذ بها بقدر ما تعني الإشارة إلى ما في تراثنا من تقاليد عريقة في الدفاع عن العدل الاجتماعي من جهة، وأهميتها بالنسبة للأدباء من جهة أخرى، أي أهمية استلهامها في الإبداع الفني والأدبي[4]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته حالما نراه يتكلم عن الحب والعشق في مجال الأدب والشخصية من خلال ربطه بالتحرر العقلي وفكرة الفن. بحيث نراه يجري مقارنة بين ستندال وابن حزم بصدد قضية الحب والعشق، بينما نراه يفرد لعشق اوغست كونت صفحات عديدة توصله في نهاية المطاف إلى القول، بأنك ترى الإنسان ساذجا وهو شديد التعقيد[5]. وبالمقابل نراه يدافع عمن يدعوهم بالشخصيات الحرة العقلية ويتناول فيمن يتناوله شخصيات متنوعة مثل بول فاليري[6] ويزيد بن المفرّغ[7].

إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي معقل الثبات بسبب ارتباطها الجوهري بالعقل والمعرفة. بعبارة أخرى، إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي حرية مدركة. وسواء سار هو بطريق تحديد الحرية بمعايير الضرورة المدركة أم لا، فإن مما لا شك فيه هو انه جعل منها مصدر الإبداع الأدبي الرفيع والارتقاء الشامل للفرد والمجتمع والدولة. من هنا نراه يشدد على أن "الحرية لا تستقيم مع الجهل. والدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يشعر المرء بواجبه وحقه الفردي والاجتماعي"[8]. ووضع هذه المقدمة أيضا في صلب دعوته عن حاجة مصر إلى ما اسماه بسلوك طريق "تكوين العلماء الأحرار المستقلين". وفي حال عدم قيامها بذلك فإنها ستبقى عالة على أوربا وتخدع نفسها بالأوهام والاستقلال في العلم[9]. وإذا كانت هذه العبارة لا تخلو من بقايا أو فاعلية الاستلاب الثقافي المميز لطه حسين، إلا أن مضمونها العملي يبقى سليما من الناحية المجردة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مظاهر المراهقة الثقافية في أحكامه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان. إذ نراه يجعل من بروز هذه الفكرة (الحرية والعدل والمساواة) جزءا مما اسماه بالارتباط الضروري بأوربا وتقاليدها. من هنا دعوته إلى ضرورة تحقيقها من خلال التربية والتعليم السليم، مع ما يترتب عليه من مهمة توظيف الأموال من اجل بلوغ الرقي والاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال[10].

إن تلازم وتعايش الرؤية الموضوعية والاستلاب الثقافي والمعرفي كان النتاج الملازم للطابع التأملي والجزئي لتوليف العقلانية والحرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه الآخر لأثر وثقل التراكم البطيء لفكرة الحرية، ونمو الوجدان، ووعي الذات القومي، والتجديد، والفكرة النقدية، والتنوير، وثقل الضغوط الأوربية الكولونيالية آنذاك، أي ذلك الخليط الهائل الذي أراد طه حسين أن يصهره في بوتقة صغيرة. من هنا طفح الخليط واستحالة صبه في قوالب مناسبة. ولم يكن ذلك معزولا عن كمية ونوعية المتناقضات المبتورة في فكره وتفكيره ومواقفه. لكنها كانت تعمل في الوقت نفسه ضمن إطار توسيع الرؤية العقلية النقدية، والإثارة المعرفية، والتجديد المبهور بكل شيء بما في ذلك بصغائر الأشياء والأمور والأحداث. غير أن هذه النتيجة المبعثرة لكمية التجارب التاريخية كانت في الوقت نفسه الثمن الضروري لفكرة الحرية.

لقد نظر طه حسين إلى الحرية باعتبارها الحافز الأكبر والغاية العظمى القائمة وراء كل إبداع حقيقي، ووراء حقيقة الإبداع نفسه. لهذا كان يكرر بين الحين والآخر عبارات عن "تقديسه للحرية"، بما في ذلك السياسية، والاجتماعية. وإذا كانت هذه الحرية مرتبطة وثيقة الارتباط في آرائه بحرية الرأي، فلأنه أراد من وراء ذلك تحويل اللغة والأدب إلى أن "تدرسا لذاتها"، أي هدم أسس الأيديولوجية التقليدية في تحويل الأدب العربي إلى وسائل لتدعيم الدين والتخلف. ومن هنا دعوته لاستقلالية الأدب ومطالبته برفع هذه الاستقلالية إلى مصاف "العلم الطبيعي"، أي عدم إخضاعه للهيمنة الأيديولوجية والسياسية. واستند في موقفه هذا إلى رؤية منهجية عن موقع الأدب ووظيفته في الوعي الاجتماعي الثقافي. وهو السبب القائم وراء معارضته "للرؤية السياسية" في لأدب. وبالتالي رفضه لفكرة أن تكون السياسة معيارا لفهم تاريخ الأدب وحقائقه، رغم تأثيرها الكبير في تطوره وتنوع مدارسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من "الرؤية العلمية" التي حاولت أن تجعل من الأدب علما يتطابق مع العلم الطبيعي. رغم ما لهذه الرؤية من أهمية في تدقيق المعرفة التاريخية بالأدب وشخصياته وإبداعها. وجعله ذلك يركن، في نهاية المطاف، إلى ما اسماه بالفكرة الوسط، أي اعتبار الأدب وسطا بين العلم والفن. وكان يقصد بذلك أن يكون الأدب محببا للناس ومفسرا في الوقت نفسه للظواهر. ومن هنا لم تكن مساعيه الرامية إلى مساواة استقلالية الأدب باستقلالية العلم الطبيعي، سوى الصيغة المناسبة لتحريره من سطوة الهيمنة التقليدية واحتكارها للروح الثقافي، أي كل ما كان يعمل على تحنيط الأدب العربي كما وصل إلينا الآن. وكتب بهذا الصدد يقول: "فما لي ادرس الأدب لأعيد ما قاله القدماء؟ ولا اكتفي بنشر ما قاله القدماء. وما لي ادرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنّة وذم المعتزلة والشيعة والخوارج، وليس لي في هذا كله شأنا ولا منفعة ولا غاية علمية؟[11]. من هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة تحرير الأدب واللغة من التقديس[12].

لقد كانت دعوته إلى حرية الأدب بذاته تعني بالنسبة له أيضا الأسلوب المناسب لتحرير جيله. لهذا أكد على أن جيله المعاصر لا يمكنه أن ينتج تاريخا للآداب العربية بمعناها المعاصر ما لم يحرر نفسه، تماما بالقدر الذي لا يمكنه أن يحرر نفسه من دون أن ينتج آدابا عربية حية[13]. وقد كانت هذه الدعوة قائمة في صلب مشروعه العقلاني النقدي، المتعلق بإدراكه الجديد لمهمة الأدب. فهو يضع في مهمات انتقاده للتيارات التقليدية الأزهرية في مواقفها من الأدب مهمة رفعه إلى مصاف الأدب الحي. بمعنى تخليصه من وظيفته التقليدية كخادم وضيع للاهوت. وبالتالي تحويله إلى أدب مرتبط بمشاعر الناس وحياتهم وقضاياهم[14]. ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من مهمة الأدب بوصفها مهمة الارتباط بالحياة الفردية والاجتماعية والوطنية والقومية بمختلف مظاهرها. بحيث نراه مرة يقول، بأن "الأدب متصل دائما بالحياة الواقعية. وكلما تصبح الحياة شعبية كلما يكون الأدب شعبيا. وهو مسار الحياة الأدبية، لأنه مسار حياة الشعوب"[15].

وليس مصادفة على سبيل المثال أن يقول، بان مهمته دراسة الأدب العربي وتاريخه هو لما فيه من ضرورة بالنسبة للوعي القومي والتاريخي. ومن يجهله ويزدريه لا يحق له الحكم فيه أو عليه. وضمن هذا السياق أشار إلى أن الغاية من وراء جمع المقالات التي كتبها عن حافظ وشوقي تقوم في إثارة "الميل القومي إلى درس الأدب والاعتناء به، وتقوية الذوق الفني وتوجيهه صوب الحياة ومشاكلها ومثلها العليا"[16]. ومن الممكن العثور على التوجه والتوجيه في الحافر القائم وراء قصة (ما وراء النهر) وغايتها[17]. فمع أنها لم تكتمل، لكنها تسير ضمن سياق القصة الاجتماعية، وضمن سياق أفكار ومفاهيم وقيم ومواقف طه حسين الاجتماعية. بمعنى وضع الأدب في خدمة المجتمع والعدالة والحق. وسوف يقول طه حسين في وقت لاحق إلى ثورة يوليو لم تكن معزولة عن اثر الأدب الإصلاحي، وإن للأدب دوره ومكانته فيها. ونعثر على ذلك على امتداد كتابات الأدبية والاجتماعية. فنراه يؤسس لفكرة العدل والدفاع عنها ولكن بمعايير الحكاية والخطابة كما هو الحالة على سبيل المثال في (المعذبون في الأرض). إذ نعثر فيه على انتقاد متنوع لحالة البؤس والخراب المادي والمعنوي في مصر، عبر انتقاد الواقع[18]. ومع أن "قصص" (المعذبون في الأرض) واقعية فنية إلا أنها تتبخر في مجرى القراءة كما لو أنها لا شيء. والشيء الوحيد الباقي فيها هو رغبتها في إيصال فكرة، شأن كل تلك الروايات الحماسية لفرح انطون وأمثالها التي لا يمكن قراءتها الآن إلا من جانب حثالة الفكر اليساري المتعصب أو نصف الجاهل والمولع (بالأيديولوجية). وليس مصادفة أن يحتوي الكتاب على قصص عن صالح وقاسم وخديجة والمعتزلة (مع أن العنوان لا علاقة له بفرقة المعتزلة بقدر ما يرتبط بعائلة بائسة[19]! لكنها تصب في مسار المهمة السياسية والاجتماعية للأدب كما فهمها طه حسين.

لقد أدت غلبة "المهمة" الاجتماعية والسياسية على القيام بما لا يرغب القيام به من الناحية المجردة. من هنا يمكن فهم قوله بأنه "أكثر من بنفر من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وما شابه ذلك إلا انه مضطر لذلك انطلاقا من إدراكه لواجبه الوطني الصادق والكرامة الإنسانية[20]. وأن يقول في حالة أخرى، بأنه "لا يحب الديمقراطية المحافظة ولا المعتدلة، ولا اقتنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أياسر إلى أقصى ما أستطيع". ولا علاقة لهذا "الغلو" بغلو الراديكالية السياسية أيا كان شكلها ومحتواها بقدر ما أنها مؤشر على بعض معالم الرؤية النقدية الأدبية والاجتماعية التي تشطح بين الحين والآخر، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار خلو فكر وتفكير طه حسين، شأن كل رعيل وممثلي عقلانية الفطام التاريخي من رؤية منظومية. والشيء الوحيد القادر على تنظيم هذا الخلل أو التعويض عنه هو مزاج الرؤية النقدية وتجانسها في ميدان المواقف والأحكام الأدبية والاجتماعية والسياسية لحد ما. ومن الممكن العثور على سبيل المثال في موقفه من التربية والتعليم نموذجا على هذه الحالة. فهو يدعو للفكرة الديمقراطية في التعليم، على أن يجري من خلال تعليمها[21]. كما يدعو إلى أن "تكفل الديمقراطية للناس الحياة. ويجب قبل كل شيء أن تكفل لهم القدرة على الحياة"[22]. ويستكمل ذلك بفكرة توحيد المناهج وإعلاء فكرة الوطنية والعلم والطابع الاجتماعي، مع إقراره بان ذلك لا يتعارض مع التنوع والاختلاف لكن بشرط وجود الحد الضروري من المناهج والبرامج التي تكفل "تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ. ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[23]. من هنا مطالبته بحصر التعليم بيد الدولة، أي أن توكل للدولة إلى أمد بعيد.على أن يبنى ذلك على أساس "التنظيم الدقيق والإشراف القوي والملاحظة المتصلة"[24]. بل ونراه يجعل من الدولة بداية ونهاية القوة الحاكمة في "تكوين العقلية المصرية". وكتب بهذا الصدد يقول بأن "الدولة هي المسئول الأول، والمسئول الأخير عن تكوين العقلية المصرية تكوينا يلاءم الحاجة الوطنية الجديدة.... إنها تنحصر في تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[25].(!)

إن هذا التناقض الجلي والعميق و"المستقبلي"، أي الخطر بالنسبة لمستقبل الثقافة في مصر ينبع أولا وقبل كل شيء من ثقل المرحلة وثقل فكرة المهمة الاجتماعية والسياسية وصهرهما في كل واحد. وهذا بدوره ليس إلا النتاج غير المباشر لانعدام الرؤية المنظومية مع ما يترتب عليه من ضعف أو انعدام تنظيم الأفكار والمواقف والأحكام والبدائل. والقضية هنا ليست فقط في استحالة تثبيت الديمقراطية في دولة خديوية وبالأخص بعد أن يجري تحويلها إلى المسئول الأول والأخير عن صنع"العقلية المصرية"، بل وبما فيها من خطورة مستقبلية. بعبارة أخرى، إن هذا الغلو هو الوجه الآخر للرغبة العميقة في تمثل الإمكانات الواقعية في الدولة والمجتمع من احل تجاوز الهوة الواسعة بين الواقع المصري والصيغة النموذجية التي وجدها آنذاك في أوربا. الأمر الذي طبع اغلب أفكاره بصدد التربية والتعليم بطابع سليم وعملي رغم الثغرات المنتشرة في نوعية تفكيره وتأسيسه للمواقف والأحكام. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن مصدر هذا الخلل يكمن في تعايش وتنافر الرؤية النقدية والواقعية والمستقبلية. وذلك لان الغاية التي كان يسعى إليها بهذا الصدد تقوم في الدعوة لإعارة الاهتمام الأكبر بالتعليم وصرف الأموال من اجله وتحريره وتوسيعه والاهتمام بالتلاميذ من الناحية المادية والمعنوية والصحية[26].

النزعة المصرية – وطنية ضيقة أم قومية مبتورة؟

فقد وجد طه حسين في مصر آنذاك كيانا مريضا. ونستطيع تلّمس ورؤية وسماع معاناته وحسّه الوطني والإنساني العميق والعقلاني أيضا في الموقف من حالة مصر وعلاقتها بأوربا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص. وليس مصادفة أن نعثر في كتاباته الاجتماعية آنذاك على كتلة من المواقف المتناقضة والاغتراب بسبب التاريخ الحديث. لهذا نسمعه يقول، بأنه وأمثاله بذلوا الغالي والرخيص من اجل حرية مصر وتطورها ونجاحها، بينما يروها معقودة اللسان والأيدي وفاقدة الحركة، على خلفية إصابة مصر آنذاك بمرض الكوليرا. من هنا ظهور السؤال: ما هو الشيء الذي تجاوزته مصر؟ أنها مازالت تعاني من مختلف الأمراض (الكوليرا وما شابه ذلك). انه مؤشر على بقائها ضمن حيز التخلف رغم كل ما قيل ويقال. ويختتم المقال بسؤال بسيط: بأي طريق تسير مصر؟ طريق الحياة أم طريق الموت[27]؟ انه سؤال المثقف الكبير في مواجهة إشكاليات العصر والنفس ولكن دون الوقوع في حالة اليأس والقنوط.

وقد تكون الفكرة المصرية، أو الوطنية المصرية المرفوعة إلى مصاف الرؤية القومية احد نماذج الغلو الواقعي آنذاك في إدراك وتأسيس مهمة الأدب الاجتماعية والسياسية والوطنية. من هنا نراه يقول بوجود "صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت في العصر الحديث[28]. ولم تكن هذه الصيغة الأولية في الواقع سوى الشكل الجديد لنمو الفكرة القومية الجديدة التي لم تع ذاتها بعد بمعايير المستقبل، رغم أنها تتكلم عنه. وذلك لأنها كانت محكومة بثقل التقاليد المصرية المتراكمة والمشوهة لحد ما من تفاعل السيطرة الأوربية المباشرة وغير المباشرة على الوعي الاجتماعي والسياسي والأدبي الجديد، أي المنبهر بتقاليد الغريب القريب، وهيمنة التقاليد الغريبة والقريبة لماليك العائلة الخديوية.

لهذا نراه يظهر بصورة الوطني المصري الحر المدافع عن الاستقلال السياسي والاجتماعي والمعرفي[29]. وكذلك في شخصية المدافع عن المجتمع وحقه في إدارة شئونه الذاتية بنفسه، ومن ثم معارضة فكرة الوصاية على المجتمع كما لو انه قاصر[30]. بل ويتعدى ذلك إلى مجال الدفاع عن مظاهر الاحتجاج والمقاومة الاجتماعية السياسية الوطنية (المصرية) والبحث عن القيم الجميلة والنبيلة فيها والانتماء إليها[31]. وان يضع هذه المواقف في صورة نقدية ساخرة عندما كتب مرة يقول "فليهنأ الأزهر برضا الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضا الأمة وغضب الوزراء"[32]. وعندما ينتقد حالة الإدارة المصرية، فإننا نراه يتناولها مقارنة بحالة العراق أيام زياد بن أبيه! انطلاقا من أن الشيء بالشيء يذكر[33]. والشيء نفسه يمكن قوله عن محاولاته تحديد ماهية النزعة المصرية وتأسيسها. بمعنى الانطلاق من الواقع من اجل تلافي الخلل فيه. وانطلق هنا من مقدمة خطابية مقبولة بمعايير الخطابة الاجتماعية تقول، بان "الله هو الوحيد القادر على خلق كل شيء من لا شيء. أما الإنسان فعاجز". من هنا فان "مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف"[34]. وهي فكرة سليمة من حيث تأكيدها على وحدة الماضي والحاضر بالنسبة للمستقبل. لكنها فكرة مبتورة حالما يجري وضعها ضمن سياق الفكرة الوطنية والقومية وذلك لطابعها الخطابي. وذلك لأنها تجمع كل ما يمكن جمعه من وقائع ودقائق وحقائق في خواطر اقرب ما تكون إلى خطاب يدغدغ الوعي المسطح لا العقل النقدي. وانطلق في تأسيس فكرته هذه من مقدمة تقول، بان الدين واللغة ليست قواما وأساسا للوحدة السياسية وتكوين الدول. وان تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد على الدور الذي يمكن أن تقوم به "وحدة الدين" و"وحدة اللغة" بهذا الصدد[35]. والمسلمون أنفسهم قد تخلوا عن هذا المبدأ منذ زمن طويل. وأقاموا سياستهم على المنافع العملية[36]. بل إن تجربة الخلافة والإسلام دليل على ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بان المسلمون فطنوا إلى جوهرية المنافع العملية وليس الدين واللغة. وهو أساس الحياة الأوربية، أي المنافع الزمنية (يقصد الدنيوية) لا على الوحدة المسيحية ولا على تقارب اللغات[37]. وبغض النظر عما في هذا التصوير التاريخي من ضعف شديد للرؤية التاريخية، بمعنى انه ينظر إلى حصيلة التطور الأوربي بمعزل عن تاريخه الفعلي، أي ينسى تاريخ هذه العملية، بحيث تصبح أوربا بالنسبة له كائنا جوهرانيا قائما بذاته ولذاته منذ القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الخلل الذي هو جزء من نمط الخطابة الفكرية، كان يهدف في آراء ومواقف طه حسين إلى تأسيس أهمية وفكرة الوطنية والقومية (المصرية) الحديثة. من هنا محاولته استرجاع الماضي بطريقة تجعل من مصر كما يقول "أول من استرجع شخصيته القديمة التي لم ينسها في يوم من الأيام"(!!). ولم تهدأ في محاولاتها هذه إلا حالما استعادت نفسها في ظل ابن طولون(!!)[38]. بل إن تاريخ مصر مليء بالسخط والتذمر زمن السيطرة الأجنبية (الرومانية الغربية والشرقية). والشيء نفسه يمكن قوله عن "السلطان العربي" والسيطرة التركية.

إن هذا الخلط الفكري في المواقف كان نتاجا لتمازج الرؤية النفسية والعقلية الساعية إلى إبراز أولوية النزعة المصرية بوصفها نزعة وطنية. بمعنى أنها كانت تخلو من أبعاد الرؤية القومية العربية رغم أنها تتضمنها بصورة منفية. وهو خلل يعكس أولا وقبل كل شيء خلل التطور التاريخي أو بصورة أدق زمن التجزئة وانعدام التاريخ السياسي الموحد للعالم العربي. الأمر الذي جعل من الممكن الحديث عن "ثبات" مصر زمن "السلطان العربي" ومقارنة ذلك بغيره من "الثبات" أمام الغزو الخارجي. كما انه الخلل الذي جعل من الممكن إدراك الكل في الجزء وليس بالعكس. وبالتالي لم تكن هذه الهفوة المنطقية سوى الزلة العقلية في متاهات ودهاليز الانحلال السياسي والتجزئة الثقافية التي وقع فيها العالم العربي لعدة قرون بحيث جعلته أجزاء مبعثرة أمام مختلف أشكال ومستويات وقوى الغزو الخارجي، ومن ثم تحوله إلى فلك من أفلاكها أو طرف على حواشيها بعد إن كان مركز العالم الحضاري ومصدر الثقافة الكونية.

من هنا يمكن فهم بواعث هذه الرؤية المتناقضة من حيث مقدماتها وغاياتها والمتجانسة من حيث مواجهتها لحالة التجزئة والخراب المادي والمعنوي الذي حاولت مصر، قبل غيرها من الأقطار العربية، الخروج منه. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من حالة مصر والعالم العربي ككل بعد ما اسماه بالغزو التركي، الذي لعب من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية، كما يقول طه حسين. إلا أن مصر "ثبتت أمام غارة الترك. إنها آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد"، فما بال "قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[39].

إننا نعثر في هذه العبارات على صدى الرؤية الوطنية والنقدية والتنويرية في الوقت نفسه، رغم تأسيسها الخاطئ. والقضية هنا ليست فقط في أن هذه المواقف والأحكام تحتوي على تضخيم لا علاقة له بالتاريخ الفعلي، انطلاقا من إن "الحفاظ على الثقافة اليونانية والإسلامية" لم يكن من النصيب الأكبر لمصر،  بقدر ما كان من نصيب العراق وسوريا والأندلس، بل ولخطئها الثقافي وخطيئتها القومية. لكنها كانت تتمثل ثقل التقاليد النفسية والخطابية المصرية آنذاك. بعبارة أخرى، إنها كانت تتمثل في غلوها ملامح الوطنية المصرية الصادقة بوصفها مرحلة من مراحل الوعي الذاتي الثقافي والقومي أيضا. وفي هذا كانت تكمن فضيلة هذا الغلو أيضا. وذلك لان الجذر الثقافي لتفكير طه حسين وميدان نشاطه الفكري ظل من حيث الجوهر حبيس الثقافة العربية والإسلامية.

فإذا كانت النزعة المصرية تطالبه بالقول بأن اللغة والدين ليسا مقومات جوهرية بالنسبة للدولة والأمة، فإن جذوره الثقافية وثقلها الكاسح في هويته وكينونته كانت تفرض عليه قول العكس. وهو تناقض نسبي وجزئي كان يتغلغل في كل ما كتبه طه حسين، شأن كل التناقضات الكثيرة في فكره ومواقفه. وذلك لأن هذه التناقضات الجزئية كانت محكومة بغياب الرؤية المنظومية والفلسفية. لهذا نراه يدافع دفاعا شديدا عن اللغة العربية قائلا عنها بأنها "لغتنا الوطنية، ومقوم شخصيتنا القومية"[40]. ويقف موقف المعارض والناقد لمحاولات الأزهر احتكار سطوته "الروحية" على اللغة العربية. إذ اعتبر العربية لغة الحياة كلها بالقياس إلى أصحابها، فيجب أن يكون شأنها شأن مرافق الحياة جميعا. لهذا لا بأس أن تأخذ الدولة على عاتقها مهمة الاهتمام والإعداد لها التعليم[41]. كما نراه يقف بالضد من محاولات جعل العامية لغة. وبالمقابل يدعو ويعمل لتعليم العربية الفصحى، باعتبارها "لغة القرآن والحديث ولغة أسلافنا وآدابهم. أما العامية فهي مجرد لهجة مليئة بالفساد من حيث الوضع والشكل"[42]. بل ونراه يطبق ذلك على الموقف من النصارى (الأقباط)، الذين "يتلون صلواتهم في لغة عربية محطمة اقل ما توصف به أنها لا تلاءم كرامة الدين.... الأقباط مصريون فيجب أن يتثقفوا في أمر دينهم ودنياهم كما يتثقف المصريون. واإن العربية هي اللغة الوطنية لمصر فيجب أن يتقنها الجميع بغض النظر عن الدين"[43].

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن تجربته الحياتية وأيامها المريرة كما صورها في كتاب (الأيام)[44]، والتي عكست بصورتها الخاصة وضعية العالم العربي واختلاجاته الداخلية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، رغم خلو (الأيام) من الأبعاد الدرامية واقترابها من النص التقريري. بمعنى مظهرها الأدبي وضعفها الفني. الأمر الذي جعل منها معاناة تاريخية اجتماعية أكثر مما هي معاناة فكرية شخصية. لكننا نعثر فيها على صدى مرحلة الانكسار والصعود العربي - المصري في الوقت نفسه، أي انكسار التقاليد القديمة وصعود الثورة، وانكسار الثورة وصعود الوعي المتشكك، وانكسار التشكك وصعود العقلانية الايجابية. وإذا كانت هذه الصيغة شكلية في مظهرها، فإنها تحتوي في مضمونها على واقع العملية التاريخية المنعكسة في تطور النزعة النقدية الأدبية لطه حسين وقيمتها العقلانية بالنسبة للثقافة العربية الحديثة ككل، أي كل ما حدد بدوره مفارقة إبداعه العلمي والثقافية. وهذا بدوره كان وثيق الارتباط بشخصيته.

إن المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين تكمن في جمعه بين أضداد حية وأخرى ميتة، كما لو انه يتمثل بصورة دقيقة أنساق التناقض المبتور بين الشك واليقين والنقد والتطمين الذي هيمن عليه بقدر يتكافأ مع هيمنته على أسلوبه في التفكير والمواقف والأحكام. إذ يمكن وضع كل فكر طه حسين في عبارة واحدة تقول: "إنني اجزم لكنني اشك"! وما بينهما يتراوح كل تفكيره ومواقفه وأحكامه. لهذا يسهل السير معه إلى النهاية، تماما كما يستحيل الاطمئنان والركون إلى ما فيه. ومع كل يقين شك يوازيه دون أن يرتقيا إلى مصاف المنظومة. من هنا تعايش مختلف الأفكار والأحكام المتضاربة. والثبات الوحيد هو للقيم. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تجربته الفردية وشخصيته العلمية والاجتماعية والوطنية والثقافية. لكنها شخصية لم تتكامل بمعايير الرؤية المنهجية، بقدر ما كانت تسرح وتمرح بقوالب متناقضة.

فعدما وصفوه مرة بأنه كاتب برجوازي أجاب: "لست كاتبا برجوازيا، وما أحببت أن أكون برجوازيا، وإنما رجل شعبي المنشأ والتربية، وشعبي الشعور والغاية أيضا". كما يمكن للمرء "أن يوصفني بما يشاء ولكني لست ارستقراطيا ولا برجوازيا". وعندما وصفوه مرة بالفوضوي في الأدب، فانه قبل هذا التوصيف استنادا إلى فكرته عن أن لا يستطيع رؤية الأدب وتصوره على غير هذه الحالة، بمعنى اعتماده على الحرية المطلقة بلا قيود ولا تخضع لنظام أو قانون[45]. ووسع هذا المدى على مواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية العقلية منها والوجدانية. ومن المكمن رؤية ذلك على أمثلة كثيرة يمكن العثور عليها في كتاباته العديدة. كما يمكن الكشف عنها على سبيل المثال لا الحصر في مثال نموذجي عندما نراه ينتقد حالة "الضمير الأدبي" أي انفصام الشخصية وخضوع كل شيء لاعتبارات ثانوية[46]. لهذا نراه يتناول في احد أحاديثه (مقالاته) قضية "نزاهة الأدب" مقابل قضية "نزاهة الحكم"[47]. بمعنى الصيغة التي تتزاحم فيها وتتراكم الشخصية الفكرية والاجتماعية والسياسية والأدبية على أساس وحدة العقل والوجدان. لكنها صيغة أشبه ما تكون بما في ذلك من حيث مظهرها بأولئك القصاصين الكبار الذين كانوا يملئون الجوامع والمساجد والمحلات والأزقة في العهود السالفة، كما نراها على سبيل المثال في كتاب (من أدب التمثيل الغربي)[48]. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (الفتنة الكبرى) وغيره من كتبه المشهورة. (ينبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: ألوان، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1981، ص231 (وقد تكون هذه العبارة ترجمة ير دقيقة عبارة التي نطق بها بوشكين والقائلة، "إن المخطوطات لا تحترق".

[2] طه حسين: ألوان، ص250

[3] طه حسين: ألوان، ص165

[4] طه حسين: ألوان، ص167، 187.

[5] طه حسين: ألوان، ص148-163

[6] طه حسين: ألوان، ص 51-64

[7] طه حسين: ألوان، ص 66-75

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص78

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص208.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[11] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، بيروت، دار العلم، 1978، ج1، ص55.

[12] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص55.

[13] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص54.

[14] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص15-16.

[15] طه حسين: ألوان، ص205.

[16] طه حسين: حافظ وشوقي، القاهرة/ مكتبة الخانجي، المقدمة.

[17] طه حسين: ما وراء النهر، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1986

[18] طه حسين: المعذبون في الأرض، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، العدد 6، 195، ص8. وليس مصادفة أن تجري مصادرة هذا الكتاب ومنعه حالما طبع بعد أن جرى جمعه من مقالات متفرقة.

[19] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص64.

[20] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص118.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60-61.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص76.

[23] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص69-70.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص75.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص82-108

[27] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص151

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص74.

[29] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص 36-46.

[30] طه حسين: حديث المساء، ص 50.

[31] طه حسين: حديث المساء، ص76.

[32] طه حسين: حديث المساء، ص94.

[33] طه حسين: حديث المساء، ص100

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص12.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص224

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص227.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص231.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص347.

[44] طه حسين: الأيام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994. ففيها يتكلم طه حسين عن "الفتى" أي ليست بصيغة الأنا. وتعكس هذه الصيغة الوحدة الخفية لفقدان الفردية من جهة وطوفان  الموضوعية من جهة أخرى. لكنها مليئة بالحشو، شأن كل ما كتبه طه حسين. بعبارة أخرى أنها لا تخلو من دراما شخصية شأن كل رواية حية وصادقة، لكنها تبقى ركيكة. وذلك لان التجربة الحياتية لطه حسين تبقى تجربة محصورة. من هنا دورانها حول الثقافة والتحصيل العلمي، أي اقرب ما تكون إلى تقرير علمي حياتي بصيغة أدبية. لو قيل أنها لشخص آخر لم يقرأها احد. أي أنها بلا جمال ولا جلال. إن مأثرتها ليس فيها (لأنه لا فكر فيها ولا أصول) بل بسمعة مؤلفها.

[45] طه حسين: حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة، ط 12، 1993، ج3، ص208

[46] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص217-218

[47] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص224-230

[48] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983.

 

mutham aljanabi2إن الشخصيات الكبرى كبيرة أيضا بتناقضاتها. إلا أن لهذه المتناقضات مستوياتها وأنماطها. كما إن لكل منها مقدماتها ومصادرها. من هنا تنوع آثارها ونتائجها. ولعل مفارقة التناقضات المميزة لإنتاج طه حسين تكمن في ضعف فاعليته المعرفية. من هنا مفارقة شخصيته الكبيرة بحد ذاتها. بمعنى إننا نقف أمام شخصية كبيرة بمعايير الوعي العادي والمشهور، لكنها عادية بمعايير العلم الدقيق والمعرفة المحققة. من هنا تناقض أثرها الثقافي، وذلك لأنها مازالت تنتج وتعيد إنتاج تقاليد النقد المبهرج وأوهام الغفلة التاريخية التي طبعت تقاليد مرحلته ومازالت تطبع ثقافة "الإنسان العادي"، أي الأكثر انتشارا بين متعلمي المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه مازالت تحتل موقعها المتميز في كوكبة المرجعيات الفكرية للثقافة العربية الحديثة. الأمر الذي يجعل منها نموذجا كلاسيكيا لهيمنة الثقافة العادية وضعف الوعي النظري وخلل الفكر المنظم. وقد يكون استلابه الفكري والمنهجي والثقافي أيضا احد المصادر الكبرى لهذا التناقض العقيم!

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للكشف عن هذه الجانب المهم في نقد تراث طه حسين، وبالأخص ما يتعلق منه بفهم مضمون تراث الأقدمين وكيفية تفسيره والنتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بكيفية تأسيس الوعي الذاتي التاريخي والثقافي.

ففي هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) يتطرق طه حسين إلى شخصية الجاحظ. وفي معرض موقفه من تقاليد البيان العربي وعلاقته بالبيان الإغريقي، حاول "البرهنة" على إن تصورات الجاحظ كانت سطحية عن بلاغة الشعوب الأخرى، استنادا إلى فكرة الجاحظ نفسه، الذي جعل البلاغة للعرب لا لغيرهم.

إن سر الخلل في هذا الفهم والتقييم والتأويل يقوم في ما أسميته بالاغتراب الثقافي لطه حسين من جهة، وجهلة بتاريخ ومضمون الفكرة التي وضعها الجاحظ، من جهة أخرى. إذ لم يفهم طه حسين مضمون فكرة الجاحظ. من هنا اعتقاده، بان المقارنات التي يقدمها الجاحظ بين الشعوب والأمم و"تفضيل العرب" على غيرهم في مجال البيان (البلاغة) كان مجرد جزء من صفته المتميزة بحب المفارقة والإغراب وعلى حماسة متقدة صادقة في الانتصار للعرب على خصومهم من الأعاجم، تؤدي به إلى التناقض أحيانا[1]. أما في الواقع، فأن دراسة وتحليل شخصية الجاحظ وإبداعه الفكري الهائل، تكشف عن مدى سطحية وهشاشة هذا الحكم والموقف. إضافة إلى تعارضهما الصارخ مع الصفات الجوهرية التي تميز كتابات الجاحظ نفسه.

فقد كانت الجاحظ ابعد المفكرين والأدباء والمؤرخين والمتكلمين عن حب المفارقة والإغراب (على عكس طه حسين بالضبط)! كما انه لم يتميز "بالحماسة المتقدة والصادقة في الانتصار للعرب" وما شابه ذلك. إذ ليس هذا الحكم في الوقع سوى الصيغة المعكوسة للفكرة الشعوبية (العرقية المتطرفة). وبالتالي ليس موقف طه حسين هذا سوى الصيغة المقلوبة التي تستعيد بدون وعي أو بفعل التراكم الخفي للمدرسة الأزهرية، بقايا الاشمئزاز أو العداء الخفي للمعتزلة. ولم تستطع حتى شخصية مثل الشيخ الإمام محمد عبده من التخلص منها، رغم وضعه هذا الخلاف ضمن سياق الصراع التاريخي الفكري والثقافي بين المعتزلة والأشاعرة. لكننا نعثر على اندثار شبه تام له في منظومة الرؤية الإصلاحية والموقف من الإصلاح والشخصيات الإصلاحية كما وضعها في آخر رسائله (رسالة التوحيد). أما الصورة والصيغة الأولية المتطرفة للاتهام "بالشعوبية" (النزعة العرقية المتطرفة والعدائية)، فإنها تعود، من حيث تأسيسها النظري لابن تيمية.

وفيما لو تركنا جانبا هذه القضية، ورجعنا إلى قضية الجاحظ وتقييمه عند طه حسين، فان الشيء الأكيد والدقيق الذي يمكن قوله بهذا الصدد يقوم في أن الجاحظ كان مفكرا صادقا تجاه الحقيقة أولا وقبل كل شيء. وبالقدر ذاته كان الجاحظ متقدا في دفاعه عن العقل والإخلاص فيه حتى النهاية. إضافة إلى نزعته الإنسانية والنقدية الرفيعة. إذ ليس هناك من شخصية فكرية إسلامية دافعت عن مختلف الشعوب والأجناس والمهن وغيرها أكثر من الجاحظ. وتكفي هنا الإشارة إلى سلسلة الكتيبات والرسائل العديدة التي وضعها بهذا الصدد (عن الأتراك والسودان وأصحاب المهن والغواني وأصحاب العاهات وكثير غيرها). وهذه بدورها لم تكن نزوة عابرة مرتبطة بحب المفارقة والإغراب وما شابه ذك من اتهامات لا أساس لها، بقدر ما كانت نتاجا لعقيدته الفكرية والفلسفية. فقد كانت حقيقة الجاحظية بوصفها مدرسة معتزلية متميزة، مرتبطة بتأسيسها الخاص لفكرة الإرادة العقلية، وعقلانية النزعة الإنسانية وطابعها النقدي.

أما الموقف من "بلاغة العرب" كما وضعها الجاحظ، فانه كان جزء من تقاليد وعي الذات الثقافي التاريخي من جهة، وتطور الرؤية الانتروبولوجية الثقافية وتصنيفاتها التي تراكمت بفعل صيرورة وتدقيق مناهج البحث الموسوعي للأديان والفلسفات والأمم من جهة أخرى. بعبارة أخرى، إن عبارة "العرب أهل البيان" هي فكرة عامة مجردة نابعة من تراكم وتداخل الرؤية الانتروبولوجية الثقافية والموسوعية المتفحصة (النقدية) لتجارب الأمم بوصفها تجارب إنسانية متنوعة. لقد كانت هذه الفكرة جزء من تطور الرؤية المقارنة للثقافات والأمم، وتنوعها واختلافها من حيث النموذج أو المثال أحيانا، وليس حقيقتها الدائمة أو الثابتة. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على رؤية تاريخية ثقافية ملموسة. فالصورة الشائعة عن مهارة أهل الصين في الصناعة والحرفة جعلتهم يتحولون إلى "ممثل" الصناعة والحرفة. ولا يعني ذلك انعدام الحرفة أو قدرة الأمم الأخرى على الحرفة والصناعة. فقد كانت الحرف والصناعات المتطورة آنذاك في عالم الخلافة، أي أنها كانت أكثر رقيا من الصينية بما في ذلك في البناء والعمران. ومن الممكن هنا الإتيان بالمقارنة التي يوردها الغزالي في كتاب (ميزان العمل) بين أهل الصين وأهل الروم. حيث نراه يصور الخلاف بينهما بالشكل التالي: "حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهما حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب ونظر إلى الجانبين، وعرف رجحان من الراجح من الفريقين. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين، بأنهم فرغوا أيضا. عندها قال أهل الروم:

- كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟

- ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح دعوانا!

فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء. فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعي من تحصيله غيرهم"[2].

إننا نعثر في هذه المقارنة على بقايا الصيغة الشائعة (الانتروبولوجية الثقافية والرؤية الموسوعية) التي وظفها الغزالي كنموذج أو مثال لتبيان أساليب المعرفة المتنوعة، الظاهرية والباطنية عبر جلاء القلب وتحويله إلى مرآة الوجود. بعبارة أخرى، تعكس هذه المقارنة في رمزيتها أيضا تصورات الثقافة السائدة في أوساط المفكرين المسلمين، المترتبة أيضا على مركزيتهم الثقافية آنذاك. فقد كانت الثقافة الإسلامية آنذاك في مركز الكون التاريخي والثقافي العالمي، من هنا مركزية رؤيتهم، أي تحررها من أي شيء باستثناء ملاحظاتهم الدقيقة لنوعية تجارب الأمم وليس خصائصهم الثابتة. وضمن هذا السياق يمكن فهم الموقف المصنف لأهل الروم (بيزنطة) والصين باعتبارهم أهل حرفة وعلوم عملية. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يعتبر الجاحظ أن اليونانيين علماء بينما الروم صنّاع. وقد دعاهم قبله ابن المقفع، بأصحاب البناء والهندسة. وإذا كان التوحيدي يعتبر أهل الروم "أهل العلم والحكمة" فلأنه كان يطابق في الواقع بينهم وبين اليونان. بينما اعتبرهم ابن صاعد الأندلسي "حكماء أجلاء وعلماء بالفلسفة".

مما سبق يتضح، بان الثقافة الإسلامية قد اتفقت في اغلب تقييماتها على إقرار صفة الروم العملية، أما إبقاءها صفة أهل الصين العملية، فقد كانت اقرب إلى بديهة لا تقبل الجدل. فقد دعاهم الجاحظ "بالصناع"، ووصفهم ابن المقفع بعبارة "أصحاب أثاث وصنعة"، بينما وضعهم ابن صاعد الأندلسي ضمن صنف الأمم العملية لا العلمية (الفلسفية) مشددا على "حذاقتهم الصناعية". وإذا كانت هذه الأحكام دقيقة ضمن سياقها التاريخي، فان ما هو جوهري بالنسبة للغزلي، على سبيل المثال، كان يقوم في رمزية المقارنة لا طبيعتها الواقعية. ذلك يعني إننا نقف أمام صيغة ومستويات متنوعة بما في ذلك من حيث توظيفها ضمن معايير وموازين الثقافة وتقييماتها آنذاك.

والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة "العرب أهل البيان" وكثير غيرها مما جرى وصف الأمم به، باعتبارها الصيغة التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في محاولاتها تصنيف وتقييم تجارب الأمم والحضارات. وهو أمر جلي في إبداع ونتاج الثقافة الإسلامية في موسوعاتها النظرية الكبرى المتعلقة بتاريخ الأديان والأفكار (علم الملل والنحل) والأمم (طبقات الأمم). فكما تلازمت فيها الصيغ القائلة، بان أهل الروم والصين أهل صناعة وحرفة وعلوم، أي اقرب إلى العلوم العملية، تلازمت أيضا صيغة كون العرب هم أهل بلاغة وخطابة وبيان. في حين أن الإغريق أهل فلسفة وعلوم، والفرس أهل أدب وسياسية، والترك أهل فروسية وشجاعة.

وبغض النظر عما في هذا التصنيف من حدود لم تعد مقبولة في الظرف الراهن، إلا أنها تعكس مذاق الثقافة ونوعية إدراكها آنذاك، بوصفها تجارب تاريخية. والأحكام التاريخية ليست منطقا ولا بديهة. وهي الفكرة العظمى التي وضعتها الثقافة العربية الإسلامية في محاولاتها استكناه وإدراك حقيقة الحكمة وحدودها، أي تقديم خطابها بمعايير البيان الثقافي الذاتي وليس بعبارة البيان المتغرب عن أصوله الثقافية، أيا كان شكله ومحتواه.

بين بلاغة الاستلاب وبلاغة الوعي الذاتي

إنني أسعى هنا لإجلاء الضعف الفكري في الأحكام السريعة والعجولة التي يطلقها طه حسين في مختلف الميادين، أي فقدان أحكامه وتقييماته إلى أسس علمية ونظرية دقيقة. وكذلك للكشف عن أن السبب الجوهري القائم وراء كل ذلك يكمن في تداخل وتفاعل الخلل المنهجي والاستلاب الثقافي.

فالأحكام التي يطرحها طه حسين بصدد شخصية الجاحظ وتاريخ وماهية البيان العربي، تكشف عن احد النماذج الجلية بهذا الصدد. وذلك لأنها تكشف عن نوعية الذهنية والمنهج بقدر واحد. وعموما أن الشخصية الكبيرة واحدة من حيث الجوهر، باستثناء مرحلة التراكم الأولية. وما أتناوله هنا هو نتاج مرحلة النضوج الكبرى.

فقد توصل طه حسين في مجرى تأملات السريعة وأحكامه الجازمة الى ما اسماه بجهل الثقافة العربية الإسلامية لمضمون البيان والبلاغة والخطابة اليونانية كما بلورها أرسطو في كتابه (الخطابة). وضمن هذا السياق توصل الى القول، بأن الجاحظ هو احد نماذج وعصارة هذه الجهل الذي جعله يقول بان "العرب أهل البيان". وقد برهنت في المقالات السابقة عن خلل هذا الحكم وسطحيته من الناحية الفكرية والنظرية والتاريخية والثقافية.

واستكمل في هذا المقال توسيع وتعميق هذا النقد من خلال الكشف عن الأسس النظرية والفلسفية والثقافية القائمة وراء هذه الفكرة بوصفها جزء من تطور ذهنية التصنيف الملازمة للمركزية الثقافية الكونية بشكل عام والعربية الإسلامية بشكل خاص. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن صيرورة الثقافة العربية الإسلامية وتنوع تجاربها بهذا الصدد.

ففي مجرى الجدل التاريخ الثقافي والفكري عن "الأمة" توصلت التجربة الدينية للإسلام عن الأمة في أحد نماذجها الرفيعة إلى فكرة وحدة الأديان. أما تجاربها الدنيوية فقد أوصلتها إلى إبداع نماذج عديدة عن الأمم شكلت مساهماتها العلمية معيارا لتحديد هويتها الحقيقية.

وفيما لو أجملنا حصيلة هذه التجارب النظرية (الدنيوية) في تحديد الأمم، فأننا سنعثر على خمسة أنماط كبرى. وبالاستناد إليها جرى تقسيم الأمم على أساس جغرافي، وآخر إبداعي، وثالث ذهني، ورابع مذهبي، وخامس علمي - فلسفي.

إذ أدرجت في التقسيم الجغرافي نوعان، الأول مبني على أساس تقسيم العالم إلى أقاليم سبع الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن. أما التقسيم الثاني فقد وضعته بحسب الأقطار الأربع التي هي الشرق والغرب والشمال والجنوب الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع وتباين الشرائع.

أما التصنيف الذي وضعوا فيه معيار "الإبداع المتميز"، (وهو التصنيف الذي ينبغي فهم عبارة "العرب أهل البيان" ضمنه، كما دافع عنها الجاحظ) فقد انطلقوا فيه من تقرير حجم المشاركة الجدية للأمم الحضارية الكبرى آنذاك، في التاريخ الإنساني. لهذا قال البعض مثل ابن المقفع، بان كبار الأمم الأربعة هي العرب أهل الفصاحة والبيان، والعجم أهل السياسة والأدب، والروم أهل البناء والهندسة، والهند أهل العقل والسحر. وقد شاطر الجاحظ هذه الفكرة بإضافة أهل الصين إليها باعتبارهم أهل الأثاث والصنعة، وكذلك تقسيمه أهل الروم إلى قسمين الأول أهل يونان وهم العلماء، والروم أهل الصنائع. في حين اعتبر أبو حيان التوحيدي الفرس أهل السياسة والأدب والحدود والرسوم، والروم أهل العلم والحكمة، والهند أهل الفكر والروية والخفة والسحر، والترك أهل الشجاعة والإقدام، والزنج أهل الصبر والكد والفرح، والعرب أهل النجدة والوفاء والخطابة والبيان.

أما التقسيم حسب الحالة الذهنية فانه تضمن نوعان، الأول هو ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية" كالعرب والهنود، والثاني ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية" كالفرس والروم.

أما التقسيم حسب آراء الأمم ومذاهبه فمبني على أساس عقائدي مرتبط بدوره بوجود فرق (دينية) وأخرى غير دينية في نمط تفكيرها حول إشكالات الملكوت (ما وراء الطبيعة) والوجود الاجتماعي والأخلاقي، كما نراه عند الشهرستاني.

وأخيرا تقسيم الأمم حسب معيار ما إذا كانت أمة علمية أو غير علمية، كما نراه عد ابن صاعد الأندلسي في (طبقات الأمم). فقد انطلق الأندلسي من أن الأمم وإن كانت نوعا واحدا في إنسانيتها إلا أنها تتمايز بثلاث أشياء وهي الأخلاق والصور واللغات. وان أهم الأمم الكبرى في التاريخ هي الفرس والكلدانيون (ومنهم السريانيون والبابليون ومن هؤلاء العبرانيون والعرب) ثم اليونانيون (والروم والفرنجة والجلالقة ويتبعهم البرجان والصقالبة والروس والبرغر) ثم القبط (أهل مصر والسودان من الحبشة والنوبة) وأجناس الترك (الكيماك والخزر وجيلان وغيرهم) وأهل الهند وأهل الصين. والفرق الجوهري بينهم يقوم بمدى اهتمام كل منهم بالعلوم الفلسفية بالأخص. فالأمم العلمية ثمان وهي الهند والفرس والكلدانيون والعبرانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب. أما الأمم الأخرى فهي أمم لا تهتم بالعلم (الفلسفة بالأخص). فالصينيون، كما يقول الأندلسي، أكثر الأمم عددا وأفخمها ملكا وأوسعها دارا، وحظهم من المعرفة إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن التصورية. فهم أكثر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة التعب في تحسين الصنائع. والأتراك أمة كبيرة العدد وفضيلتهم التي برعوا فيها أحرزوا خصلتها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. ونفس الشيء يمكن قوله عن الأمم الأخرى(غير العلمية). وارجع الأندلسي سبب ذلك إلى عم استعمال هذه الأمم لأفكارهم في الحكمة، ولا راضوا أنفسهم تعليم الفلسفة. وبنى استنتاجه هذا على معايير ثلاث في تقييم الأمم، الأول هو أن تنال الأمة درجات النفس الناطقة والزهد بالنفس الغضبية، والثاني تعلمها وتعليمها للفلسفة، وثالثا موقع العلوم الطبيعية عندها.

مما سبق يتضح، بأن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم يتناسق مع تراكم العناصر الثقافية المتناغمة مع الوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية من الناحية التاريخية والاجتماعية سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه للخير العام وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في فكرة تقول: "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي، باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي، باعتبارها واجبا. وكل منهما يعكس مستوى من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

لقد أدت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية إلى رؤيتين متناسقتين عن نفسها والآخرين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. حيث تجلت بأسمى وجوهها في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية ذاتها عن الآخرين. فجميع التقسيمات المذكورة أعلاه (الجغرافية والذهنية والإبداعية والمذهبية العقائدية) هي تقسيمات وتقييمات ثقافية. إذ لم تبحث الثقافة الإسلامية في التقسيم الجغرافي عن صفات جوهرية غير اثر الجغرافيا على الطبائع والأنفس(اللون واللسان) والشرائع (القوانين ونمط الحياة)، أي عن العناصر الطبيعية والعقلية لوجود الأمم. ذلك يعني أنها لم تبحث ولم تؤسس لعناصر اللاعقلانية في وجود الأمم. وحتى في حال اعترافها بوجود بعض منها، فإنها نظرت إليها باعتبارها نتاجا لضعف النفس الناطقة ولهيمنة النفس الغضبية. ومن ثم اعتبرتها صفات زائلة. وهي نظرة عقلانية وإنسانية في مساعيها وغاياتها.

حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأسست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها مثل اليونان مع الفلسفة، والروم مع العمارة، والفرس مع السياسة، والعرب مع البيان، والصين مع الصناعة، والترك مع الحرب، والهند مع العقل والشعوذة، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار تمايزهم في الفضائل، لا بمعنى افتقادهم لغيرها من الفضائل. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وتعكس هذه الصيغة قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي. بمعنى إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

إن إقرار الثقافة الإسلامية بتعدديتها (وتنوعها الداخلي) يعني أيضا إقرارها بالتعددية الخارجية. وبالتالي بإمكانية بناء حضارة إنسانية كبرى ذات ثقافات متنوعة. مما يعني احتواءها على معارضة القهر الثقافي و"الهيمنة القطبية" في الحضارات. إذ لا يستلزم تطور الحضارات وازدهارها بمعايير العقلانية – الأخلاقية صراعها واحترابها، بل تنافسها في الإنسانية. لان المعيار الحقيقي لها كما صاغته الثقافة الإسلامية في تقييمها "العلمي" للأمم، حسب عبارة الأندلسي، يقوم في "نيل فضائل النفس الناطقة الصانعة لنوع الإنسان والمقومة لطبعه، والزهد في أخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى البهيمية". إذ حتى للنفس الغضبية "نظمها ومدنها السياسية" كما يقول الأندلسي، إلا أنها نظم ومدن شبيهة بنظم ومدن النمل من حيث العدد والإتقان. ولكنها تبقى "مدنية النفس الغضبية والبهيمية" لا مدنية العقل الأخلاقي، الذي هو قوام "نوع الإنسان" أو حقيقته.

لا منظومة ولا منهج

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى ابعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة".... نعم أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وارى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[3].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[4]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في ارض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان ليلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الاظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء. وهو العماء المحبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص2.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[4] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. بمعنى إن اغلبها تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو أيما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة...". (حديث الأربعاء، ج1، ص5.)

 

 

jafar alhakeemنستكمل في هذا المقال تتبع تفاصيل قصة ولادة يسوع في المصدرين الوحيدين اللذين تطرقا لهذه القصة (انجيلي متى ولوقا) مع محاولة عرض تفاصيل القصة على الشواهد التاريخية وكذلك سنحاول مطابقة تفاصيل القصة في المصدرين المذكورين.

انجيل(متى) كان هو المصدر الاول والاقدم زمنيا لقصة الولادة، حيث يبتدأ ذكر تفاصيلها من الاصحاح الاول، ويستمر بها الى نهاية الاصحاح الثاني، ومن متابعة سرد القصة في هذا الانجيل، تتبين لنا عدة امور ذكرها الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوه وهي:

ان والدي يسوع كانا يسكنان في مدينة بيت لحم، وقد ولد يسوع فيها (متى 1/2)

ولد يسوع ايام حكم الملك هيرودس، بعد ذلك يصل رجال مجوس من الشرق، إلى أورشليم حيث يسألون عن مكان ملك اليهود المولود توا، والذي رأوا نجمه وهم في الشرق!

يستوضح الملك هيرودس الأمر من رؤساء وكهنة اليهود، فيخبره العلماء اليهود أن ثمة نبوءة بظهور ملك يولد في بيت لحم، يرسل الملك هيرودس الرجال المجوس ليذهبوا ويجدوا الطفل المولود ثم يعودوا ليخبروه عن مكانه!

يذهب المجوس الى بيت لحم، ويقودهم النجم المتحرك في السماء مرة أخرى!

يتوقف هذا النجم فوق البيت الذي يسكنه آل يسوع. يقدم الحكماء هدايا من أجله ثم يحذرون (في حلم) من العودة إلى الملك هيرودس كما قد طلب منهم،فيسلكون طريق آخر عند عودتهم إلى وطنهم!

يصاب الملك هيرودس بالغضب والهلع خوفا من الطفل الذي سيسلبه ملكه، فيرسل جنوده ليذبحوا كل طفل ذكر من سن عامين فما دون في بيت لحم وما حولها. لكن الملائكة تنذر يوسف في (حلم) رآه، فيهرب ومريم ومعهما يسوع من المدينة قبل أن تبدأ المذبحة ويسافرون إلى مصر.

يبلغ يوسف فيما بعد وهو في مصر في (حلم) أن هيرودس قد مات، وأن بمقدورهم العودة، لكنهم حينما يكتشفون أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، هو الحاكم على اليهودية، يقرران ألا يعودوا الى (مكان سكنهم) بيت لحم، ويذهبوا عوضا عن ذلك إلى الجهة الشمالية من الجليل، إلى مدينة تدعى الناصرة. وهناك في هذه المدينة يترعرع يسوع!

من تفاصيل قصة انجيل(متى) نعرف ان والدي يسوع كانوا يسكنون مدينة بيت لحم، وبعد رحلتهم الى مصر لم يستطيعوا العودة اليها، فتوجهوا بدلا عن ذلك الى مدينة الناصرة!

ان القصة التي سردها السادة كتبة انجيل (متى) امتازت بأمرين لافتين، لا يمكن لأي باحث اغفالهما !

الامر الاول:

هو عدم معقولية بعض الاحداث، والتي لا تتسق مع المنطق السليم، مثل، طلب الملك هيرودس من الرجال المجوس الذهاب والبحث عن الطفل المولود ثم العودة اليه لاخباره عن مكان الطفل، وهو جالس ينتظر!

فهذا التصرف الساذج، لا يمكن تخيل صدوره عن ملك حاسم، حذر، وماكر وكثير الحيلة، كما تصفه المصادر المسيحية!

فهل كان هيرودس عاجزا عن ارسال جنوده مع المجوس، او على الاقل مراقبتهم عن بعد، وتتبع (النجم) الذي تطوع ليكون دليلا للمجوس، كي يرشدهم لبيت المولود الجديد؟!

ومثال آخر، وهو رد الفعل الباهت والغير مكترث من رؤساء و كهنة اليهود حول خبر ولادة المسيح الموعود!

فكما هو معلوم، ان اليهود كانوا ينتظرون بفارغ الصبر ولادة المسيح المخلص لهم، والذي سيشيد لهم مملكتهم ويخلصهم من نير ظلم الامم، والاحتلال الروماني، ومع ذلك، نجد قصة انجيل(متى) تذكر ان اليهود ورغم تأكيدهم لهيرودس نبوءة ولادة الطفل في بيت لحم، لكنهم لم يكلفوا أنفسهم ويعملوا اي شئ ليتحققوا من صحة خبر ولادة مخلص شعب اسرائيل!

رغم انه كان يكفيهم مجرد رفع رؤوسهم الى السماء ومتابعة النجم الذي يسير امام المجوس!!

الامر الثاني:

هو ان الكتبة المجهولين لانجيل (متى) وعلى طريقتهم المعتادة في هذا الانجيل، كان تركيزهم منصبا على ربط احداث القصة بنبؤات من العهد القديم، ليثبتوا ان كل مجريات الاحداث، انما هي تحقيق لتلك النبوءات!

ومن اجل ذلك قاموا باقتطاع عبارات وجمل من العهد القديم، واخراجها من سياقها، واحيانا اخرى قاموا بفبركة نبؤات مكذوبة ليس لها وجود في نصوص العهد القديم!

فمثلا، نجد الانجيل يذكر النبوءة التالية :

(أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ) سفر ميخا 5

ورغم ان هذا الكلام الوارد في سفر (ميخا) يتحدث عن زمن سابق في فترة حروب الاشوريين، ولا علاقة لها بزمن ولادة يسوع، مع ذلك، هذه النبوءة اصلا لم تتحق بيسوع، الذي اقتاده بنو اسرائيل الى الموت صلبا، بدلا من ان يتسلط عليهم كما ينص صريح الكلام في النبوءة !

ولم يكتف كتبة الانجيل بذلك، بل قاموا باختراع قصة حدث مكذوب لا وجود له بالتاريخ، ولم يذكره او يشير اليه اي مصدر تاريخي، بل ولا حتى بقية اجزاء العهد الجديد، واعني، حادثة مجزرة أطفال بيت لحم ( المزعومة) والتي امر بها هيرودس حسب ادعاء انجيل (متى)

هذه الحادثة المفبركة، سطرها كتبة الانجيل لغرض ربط قصة الولادة مع عبارة وردت في سفر ارميا تتحدث عن بكاء (راحيل) على اولادها، ليجعلوا من هذه الجملة نبوءة اخرى !

(صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

وكذلك نجد كتبة الانجيل قد اوردوا جملة مبتورة من العهد القديم ليوهموا القارئ، انها نبوءة اخرى تتحدث عن يسوع!

(وكان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 15/2

بينما نجد ان هذه الجملة في العهد القديم تتحدث عن اسرائيل(يعقوب) الذي بتر كتبة الانجيل اسمه من الجملة!!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

واخيرا قام الكتبة المجهولون باختتام القصة، بنبوءة مفبركة لا اصل لها و لا وجود في العهد القديم، ليربطوا من خلالها سبب توجه العائلة المقدسة الى مدينة الناصرة بعد عودتهم من مصر !!

 ( واتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا) متى 23/2

وعندما نذهب الى المصدر الثاني الذي تطرق الى قصة الولادة، انجيل (لوقا) نجد ان هذا الانجيل يتحدث عن صدور قرار من الإمبراطور الروماني أغسطس بوجوب أن يتقدم كل فرد في الإمبراطورية للاكتتاب العام من أجل التعداد، وقد جرى هذا الاِكْتِتَابُ حين كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيا على سُورِيَّةَ. وكان على كل فرد أن يعود إلى وطنه الأصلي لكي يتم الاكتتاب. ولأن أجداده كانوا من بيت لحم(، اضطر يوسف الى السفر برفقة مريم خطيبته من المدينة التي يسكناها (الناصرة) إلى مدينة اجداده ( بيت لحم) وبينما هما هناك، تلد مريم وليدها يسوع، فتقمطه بقطع من الأقمشة واضجعته في مزود

(إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي النزل)، بعد ذلك بثمانية أيام يختن يسوع. وبعدها يقدم يسوع إلى الرب في الهيكل ويقدم والداه الأضحية التي عينتها الشريعة الموسوية من أجل هذه المناسبة، وبعد تأدية كل ما طلبته منهما شريعة الرب فيما يتعلق بميلاد الابن البكر، يعود يوسف وزوجته مريم الى مدينتهما (الناصرة) حيث سيتربى يسوع (انظر لوقا 2)

ومن هذه القصة نلاحظ، عدم وجود اي ذكر لاي نبوءة سابقة حول الطفل الموجود، ولا يذكر الانجيل شيئا عن هروب العائلة الى مصر، وليس هناك ذكر للمجزرة الفظيعة التي أمر بها هيرودس، وبدلا عن ذلك نجد ان كتبة هذا الإنجيل يخترعون قصة الاكتتاب الذي امر به الامبراطور، وهذا الخبر التاريخي لاصحة له، حيث لم تورد المصادر التاريخية التي أرخت للامبراطور اغسطس انه امر باي اكتتاب في الفترة الزمنية التي ولد فيها يسوع الناصري!

ان سبب اختراع قصة الاكتتاب، هو لغرض إيجاد مبرر لسفر يوسف ومريم الى بيت لحم، من اجل تجنب ذكر الحقيقة التي لا تخدم كتبة الانجيل، وهي ان الطفل يسوع قد ولدته مريم في مدينة الناصرة التي تسكن فيها مع زوجها!

وهذه النقطة بالذات ابرزت لنا تناقضا كبيرا، مع القصة التي سردها انجيل(متى)، الذي ذكر ان مريم ويوسف يسكنون في بيت لحم، وقد اضطرا لاحقا الى الذهاب الى الناصرة بعد العودة من مصر!

بينما انجيل(لوقا) يذكر لنا ان مريم ويوسف كانوا يسكنون في الناصرة، واضطرا للسفر الى بيت لحم للاكتتاب!!

ويذكر لنا انجيل(لوقا) تفصيلة مهمة ومثيرة في قصة الولادة، وهي ذهاب مريم وزوجها مع وليدهما الى اورشليم، لغرض إتمام الطقوس اليهودية الخاصة، بالمولود الجديد

(ولما تمت ايام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به الى اورشليم ليقدموه للرب) لوقا 22/2

ويحدد لنا الانجيل فترة سفرهما إلى أورشليم، وذلك بعد اكتمال (تطهر) مريم من النفاس

وهذه الفترة حسب الشريعة اليهودية محدودة بثلاثة وثلاثين يوما بعد الولادة، لأن جنس المولود ذكر!

(كلم بني اسرائيل قائلا اذا حبلت امراة و ولدت ذكرا تكون نجسة سبعة ايام كما في ايام طمث علتها تكون نجسة

وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته.ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها كل شيء مقدس لا تمس والى المقدس لا تجيء حتى تكمل ايام تطهيرها) سفر اللاويين 12/2

و يخبرنا الإنجيل ان مريم وزوجها و وليدهما، وبعد اكتمال الطقوس الخاصة بالمولود الجديد، قد قفلوا راجعين الى مدينتهم التي يسكنون فيها ( الناصرة)

(ولما اكملوا كل شيء حسب ناموس الرب رجعوا الى الجليل الى مدينتهم الناصرة) لوقا 32/2

وهذا يعني ان مريم وزوجها يوسف وطفلهما، قد ذهبوا الى اورشليم بعد فترة (ثلاثة وثلاثين الى اربعين) يوما من ولادة يسوع، قدموا القرابين الخاصة بالمولود، ثم رجعوا الى مدينتهم الناصرة

لكن، الامر الذي يثير العجب والاستغراب، ان انجيل (متى) كان قد اخبرنا ان مريم وزوجها وطفلهما، في هذه الفترة كانوا هاربين في مصر، لكي يتجنبوا المجزرة التي امر بها هيرودس لاطفال بيت لحم، كما قدمنا سابقا!

وهذا يعني ان عائلة يسوع كانت في مكانين مختلفين ومتباعدين، في نفس الفترة الزمنية!

من هنا يتضح لنا، استحالة التوفيق بين هاتين القصتين اللتين تضمنتا تفاصيل ينقض بعضها بعضا، وان التصديق بقصة انجيل (متى) يستلزم تكذيب قصة انجيل(لوقا) والعكس صحيح!!

واذا اضفنا الى ذلك الاحداث التاريخية المغلوطة، والتي لا يوجد لها اصل ولا حتى اشارة في المصادر التاريخية التي ارخت للامبراطورية الرومانية، مثل اكذوبة مذبحة اطفال بيت لحم، والاكتتاب العام في زمن الامبراطور اغسطس والحادثة الكونية الفريدة المتمثلة بالنجم السماوي الذي كان يسير مع المجوس، فسوف نجد ان كل هذه المغالطات والتناقضات تهوي بالقصة الى الدرك الاسفل من ناحية المصداقية و الوثوقية التاريخية !

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 25