mutham aljanabi2ليس مصادفة أن تكون فكرة الحق هي الفكرة الأكثر ترددا وجوهرية في هواجس الخلفاء الراشدين وعقولهم ومواقفهم، باستثناء عثمان بن عفان. بل إن مقتله هو الوجه الآخر لفكرة الحق التي تغلغلت في وعي وضمير الأمة الناشئة، التي وجدت في سلوكه خروجا على الحق. ووجدت هذه الفكرة تعبيرها في الشعار الشهير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق! ولم تعن هنا كلمة الخالق سوى العادل والمحق. وليس اعتباطا أن تتبلور الفكرة في صيغة مرجعية شاملة عند الإمام علي بن أبي طالب عندما قال "الرجال بالحق وليس الحق بالرجال". واختزلت هذه الصيغة مضمون الفكرة الإسلامية وتجاربها العملية الأولية في صورة هي الأعمق والأصدق والأعم في تأسيس فكرة الحق. بحيث أصبح من الممكن تحولها إلى مرجعية علمية (منهجية) وعملية. ونعثر على تراكم هذه النتيجة الأولي في مجرى الصراع العلني والمستتر الذي اخذ يظهر إلى السطح بعد موت النبي محمد.

فقد كان محور الصراع حول "من يخلف النبي" يدور حول من له "الحق" الأكبر. ويشر هذا الجدل بحد ذاته إلى أنه كان مرتبطا بتنوع الاحتمالات والتأسيس المعقول والمقبول للإقرار به. بمعنى انه لم يكن مرتبطا بفكرة العائلة والقبيلة والجهة، بل بفكرة الاقتراب من النبي وتمثل ما في الإسلام والمعاناة الشخصية والتاريخية من اجله، أي كل ما يعطي للمرء "حق" المطالبة بها. وقد كان ذلك الوجه الآخر لفكرة الحق من حيث كونه عدلا. وتغلغلت هذه الموازاة في عمق الكلمة والعبارة والفكرة والممارسة العملية، التي ميزت النماذج العليا لخلافة الراشدين. ففي وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب يمكننا ملاحظة الترابط الداخلي العميق بين فكرة الله والنبي والخلافة وبين الحق. فهو يخاطبه قائلا:"إن لله عليك حقا في الليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وأنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة"[1]. ويضع في مضمون استخلافه له إتباع مضمون السلوك النبوي في الحياة الشخصية، كما في قوله:"إني إنما استخلفتك نظرا لما خلفته ورائي. وقد صحبت رسول الله فرأيت من أثرته أنفسنا على نفسه وأهلنا على أهله حتى إنا كنا لنظل نهدي إلى أهله من فضول ما يأتينا عنه. وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي"[2]. ويختتمها بفكرة الحذر الدائم من الانحراف، بوصفها فكرة سياسية، كما في قوله له بضرورة الابتعاد عمن دعاهم بهؤلاء "النفر من أصحاب رسول الله، الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم نفسه، وإن لهم لحيرة عند كل زلة واحد منهم. فإياك أن تكونه"[3]. واختتم هذا التحذير بفكرته العملية القائلة:"لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك"[4].

مما سبق نستطيع رؤية الاتجاه العام لتطور فكرة الحق في المثال الشخصي، باعتبارها الهاجس العميق والباعث الجوهري في فكرة الدولة. وكذلك فكرة الدولة، بوصفها إرشادا للناس صوب تحقيق الحق. إننا نعثر في آراء أبي بكر في وصيته لعمر بن الخطاب على توحيد لفكرة الحق في سلسلة تبدأ بالله وتنتهي بتطبيق الحق السياسي مرورا بنموذج النبي. إذ نعثر في عبارات أبي بكر التي خاطب بها عمرا على إدراك واضح للأولويات في الحق. بمعنى إننا نعثر فيها على إن لكل زمن حقوقه، وإن الحقوق مفهوم ومطلب لا يتغير ولا يتبدل من حيث كونها حقوقا، وإن الأولوية والمطلوب في الحق هو أصوله لا توابعه (الفريضة وليس النافلة). وهي مقدمة كبرى مصدرها فكرة الحق المطلق (الله)، كما وجدت نموذجها الرفيع في مثال النبي محمد. لهذا كان ينظر إليه ومن خلاله يمكن رؤية "الأنا"، بوصفها نموذجا سياسيا مقبولا لمن يخلفه، كما نراها في كلماته القائلة "وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي".

إننا نقف هنا أمام ربط بين المطلق والعابر في الثبات على الحق، بوصفه سلوكا متجانسا لنموذجية الفرد وحق الجماعة (الأمة). ولعل عبارة "لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك" هي الصيغة المعّبرة عن هذا الربط الدقيق. بمعنى إن الحق هو سلسلة الارتباط الدائم بين رجل الدولة ومبدأ الحق المطلق (الله). مع ما يترتب عليه من ربط مرجعية الحق بالمبادئ العامة وليس بالسلطة والأفراد. انطلاقا من إن الحق هو ضابط السلوك الفردي للسلطة، وإن حقيقة السلطة بوصفها أداة تجسيد العدالة تفترض الاستقامة الشخصية، أي السلوك الثابت مع الحق بأي شكل ومظهر ومنحى جرى. وقد تمثل عمر بن الخطاب هذه الفكرة للدرجة التي تحول في وعي الثقافة الإسلامية وتاريخها السياسي إلى "فاروق" الحق والعدالة. وتصور أحدى النوادر هذه الحصيلة، عندما قال رجل له: "اتق الله يا عمر!" وعندما رده احد المرافقين لعمر قائلا: "أكثرت على أمير المؤمنين!"، نراه يردعه قائلا: "دعه! لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا!" ولا خير فينا إن لم نقبل![5] وحدد نوعية هذا السلوك نوعية استيعابه لفكرة الحق ونموذجها المناسب في حلم "أمير المؤمنين"، أي في عقل رجل الدولة. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأنه "ليس من حلم أحب إلى الله ولا اعمّ نفعا من حلم إمام ورفقه. وليس من جهل ابغض إلى الله واعمّ ضررا من جهل إمام وخرقه"[6]. وهي حقيقة اقرب إلى البديهة السياسية في فكرة الدولة ورجالها. لهذا قال في معرض الجدل الذي دار حول قضية توزيع أراضي العراق والشام: "إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم. فإني واحد كأحدكم. وانتم اليوم تقرون بالحق. خالفني من خالفني ووافقني من وافقني. ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي. فلكم من الله كتاب ينطق بالحق. فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق"[7]. لقد وجد في تقسيم الأرض واعتراض البعض من أهل الأوس والخزرج على ذلك، بأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه أراد الإبقاء على من يحافظ على الأمن والنظام في المدن الكبرى. وإنه بحاجة للمال من اجل مد الجيوش. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صورة نموذجية حول أولوية وجوهرية الحق على الهوى والرغبات الشخصية في إدارة شئون الدولة والموقف من المعارضين. وبالتالي فإن آراءه التي يمكن مخالفتها أو الاعتراض عليها لا تهدف من حيث مبدئها وغايتها غير الحق الضروري للدولة والأمة. لاسيما وأنها حقوق سياسية أيضا، لأن مواقفه تعادل الاجتهاد السياسي المحكوم بفكرة الحق، كما إن فكرة الحق محكومة بفكرة الدولة. وكان ذلك مضمون العقيدة العملية والروحية لعمر بن الخطاب في الموقف من السلطة والدولة. بمعنى إنه احد النماذج الرفيعة لفكرة الراشدين، الذي أناط مهمة الحق والحقيقة بتوسيع وترسيخ الوحدة والدولة. وهي عقيدة يمكن العثور على تعبيرها الواضح في إحدى أفكاره القائلة، بأن "أحق ما تعهد الراعي من رعيته تعهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم الذي هداهم الله له. وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وأن ننهاكم عما نهاكم الله من معصيته. وأن نقيم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم ولا نبالي على من كان الحق"[8].

ولم تكن هذه الآراء والمواقف معزولة عن واقع الصيرورة الأولية للخلافة (الدولة) وفكرة الدولة. بمعنى أنها كانت تعبر في صيغتها المذكورة أعلاه عن الحالة التاريخية والمرحلة التي لم تتعرض فيها الدولة إلى التجزئة. بمعنى عدم ظهور قواها المتصارعة وتناقضاتها الذاتية الملازمة للتطور الحضاري والإبداع الثقافي. الأمر الذي ادمج فكرة الحق في الشخصية وجعلها كلا واحدا. بحيث تحول الخليفة وفكرة الحق والحقوق إلى كلّ واحد. وفي هذا كان يكمن سر الإغراء التاريخي لخلافة الراشدين. وليس مصادفة أن نعثر حتى عند عثمان بن عفان على عبارة تقول "إن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق". وقد يكون هذا التطابق الخفي بين فكرة الحق وفكرة الخلافة هي السرّ المستتر وراء مقتله. فعندما وجدت الأمة في سلوكه أخذا للحق بغير حق أعطوه الإجابة الحقيقة، ألا وهي أخذهم للحق منه بالقوة. وقد تكون هي الحصيلة التاريخية لتجربة الخلافة الأولى التي حدس الإمام علي بن أبي طالب معناها وجوهرها من خلال إبداع إحدى أجمل وأعمق المرجعيات الفكرية بهذا الصدد، عندما قال، بان الرجال تعرف بالحق وليس الحق بالرجال. وتوجت هذه الفكرة مرحلة خلافة الراشدين وجعلت منها معيارا في الوقت نفسه لفكرة الحق والدولة والشخصية.

وليس مصادفة أن تصبح "خلافة الراشدين" فكرة أكثر مما هي مرحلة تاريخية. من هنا سرّ تأثيرها الدائم، ومن ثم فهم سبب إدراج الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ضمنها أحيانا[9]، أو أن تبقى تثير شهية الخلفاء في أوقات متأخرة للاقتراب منها أو الانضمام إلى كوكبتها. وضمن هذا السياق يمكن فهم الأساطير المحاكة عن شخصية هارون الرشيد في تتبعه لحياة الناس العاديين والعيش أحيانا بمعايير سلوك الخلفاء العظام مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، تماما بالقدر الذي يمكن فهم لقب الرشيد على انه الصيغة غير المباشرة والمبطنة لتمثيل خلافة الراشدين. وهي صورة يمكننا العثور على نماذجها المتنوعة في كتب التاريخ والنوادر، كما هو الحال بالنسبة لنادرة دخول الصوفي شقيق البلخي على هارون الرشيد، ومبادرة الأخير بسؤاله:

- أنت شقيق الزاهد؟

- أنا شقيق ولست بزاهد!

- أوصني!

- إن الله أجلسك مكان الصدّيق وانه يطلب منك صدقه، وأعطاك موضع عمر الفاروق وانه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وانه أقعدك مكان ذي النورين وانه يطلب منك الحياء والكرم كما يطلب مثل حيائه وكرمه، وأقعدك موضع علي بن أبي طالب وانه يطلب منك العلم والعدل.

وفي نادرة أخرى تروي لقاءه بالشبلي. فعندما استفسر منه الرشيد قائلا:

- كم في خمس الإبل؟

- شاة في الواجب. فأما عندنا فكلها لله.

- فما أصلك في ذلك؟

- أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله.

ثم أضاف قائلا:"من خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عمر. ومن اخذ لله وأعطى لله وجمع لله ومنع لله فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي. وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"[10].

إننا نعثر في هذه النوادر على نموذجية فكرة الخلافة والحق. والقضية هنا ليست فقط في أن التصوف هو التعبير الروحي عن فكرة المطلق، بما في ذلك في ميدان الحقوق، بل ولأنها الصيغة التي أبقت على نموذجية الخلافة الواقعية من خلال تقديمها بصورة مجردة عن صراع القوى ونزوات المصالح. بمعنى انه حاول تجريد التاريخ ليرفعه إلى مصاف الحق المجرد. ففي كلمات شقيق البلخي نعثر على وحدة الصدق والحق والحياء والعلم والعدل. وقد أعاد الشبلي هذه الصورة في موقفه من الحق المتسامي عندما اقر بتنوع الصيغ المعقولة والمقبولة، بدأ من الكلّ مرورا بالجزء والتنوع بينهما وانتهاء بالتجرد التام والكامل. وربطها بشخصية الإمام علي بن أبي طالب، انطلاقا مما اسماه بترك ترك الدنيا لأهلها. وبما أن "كل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم"، لهذا تكون الشخصية العلوية أنموذجا كاملا للشخصية التي تتمثل حقيقة الخلافة الراشدة، بوصفها إرشاد الروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. وفي هذا يكمن سرّ قيمتها "الأبدية" بالنسبة لعلاقة المثقف والسلطة على امتداد تاريخ الخلافة واستمرارها المعاصر في ميدان الروح والمواقف الفردية.

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص13.

[2] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 13.

[3] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 14.

[4] تكشف هذه الرؤية والموقف النقدي من "أصحاب رسول الله"، أو ما ستطلق عليه التقاليد الإسلامية اللاحقة عبارة "الصحابة" عن أنهم جزء من الجماعة الإسلامية والأمة الناشئة، بمعنى أنهم لا يتميزون بصفة القدسية ولا العلو سواء بالمعنى المادي أو الروحي أو الأخلاقي. فأبو بكر يشير بوضوح إلى ما أسماءه بأولئك النفر من "الصحابة الذين انتفخت أجوافهم، وطمعت أبصارهم، وأحب كلا امرؤ منهم نفسه".

[5] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[6] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص14.

[7] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص27-28.

[8] أبو يوسف القاضي: كتاب الخراج، ص 16.

[9] إن إدراج شخصية عمر بن عبد العزيز ضمن سلسلة الخلفاء الراشدين هو دليل على إنها فكرة وليس مرحلة تاريخية.

[10] إننا نعثر في آراء ومواقف شقيق البلخي والشبلي على إحدى الصيغ الجوهرية المميزة للفكر الصوفي في موقفه من الأفراد والفكرة، بمعنى محاولة الربط بينهما بالشكل الذي يستجيب لحقائق التصوف. فالجوهري في التصوف يقوم في إيجاد النسبة المثلى بين العلم والعمل وتجليها في التاريخ والمثال. ومن الممكن رؤية هذه الصورة في تقييم البلخي والشبلي لشخصيات الخلافة الأولى، بمعنى البحث عن مراتب فيها تؤسس للعلاقة بين التاريخ الواقعي والفكرة المتسامية ضمن فكرة التصوف عن الواقع الواجب. وهي فكرة متحررة من ضيق المذاهب والفرق، تعطي لتراكم المواقف قيمة بالنسبة للرقي الروحي والأخلاقي، بوصفها القيمة الجوهرية بالنسبة لتاريخ الأفراد والأمة والدولة أيضا. بعبارة أخرى، إن الجوهري فيها ليس هوى السياسة والمصالح، بل سياسة الروح بالشكل الذي يبقى للمثقف الكبير موقعه المتسامي ضمن المسار الواقعي لصراع المصالح والأهواء.

 

 

mutham aljanabi2ينطلق محمد عبده في تأسيس الفكرة السياسية الإسلامية من تحديده لفكرة القانون وأهميته بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا فكرته عن أن المهمة لا تقوم بمجرد الإصلاحات بالنسبة لما اسماه بالكيان السياسي الإسلامي، بل في تأسيس ضرورة فكرة الإصلاح الديني الصحيح. والإصلاح الديني الصحيح بالنسبة لمحمد عبده هو منظومة الإصلاح الشامل بمعايير التجربة الذاتية والتراث الثقافي. وهي فكرة لا تتعارض مع مضمون الانفتاح الإنساني وفكرة الحق المجرد والمتسامي، على العكس، أنها تسندها وتدعمها بمعايير الارتقاء الذاتي الفعلي، أي الاتقاء المتراكم في مجر معاناة التقدم الذاتي. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية فكرة الجمعية الإنسانية، فإننا نراه يربطها بفكرة فلسفية وجودية تقوم على أساس أن الحركة العمومية تسير دوما صوب المركز. وكلما اقتربت من المركز كلما زادت سرعتها، شأن كل حركة طبيعية. من هنا تأثير هذه الحركة على العقلاء من البشر (دوما) فمالوا إلى خدمة الإنسانية دون التعصب إلى عقيدة أو جنس أو دين ومذهب. ووضع هذه المقدمة الفكرية العامة في صلب دعوته إلى السير صوب ما اسماه بالقانون الطبيعي المودع في فطرة الإنسان، بوصفه سبيل السعادة للجميع[1]. ففيها ومن خلالها يمكن رؤية الحدس العميق في فكرة محمد عبده عن أهمية وجوهرية القانون بالنسبة لنيل السعادة العامة، أي النظام المعقول بمعايير التجربة الإنسانية الحرة. وأسس لهذا الاستنتاج الكامن في رؤيته من منطلق عام يقول، بان في الإنسان قوة نظرية وعملية. يتوقف كل منهما على الآخر. وان علوم الإنسان إدراك الحدود والاستفادة منها. والقوانين مهمتها ضبط السلوك والمصالح. كما أنها تتوقف على درجة المعرفة (العقل النظري). من هنا اختلاف الأمم في نظرتها إلى القوانين. لكنه اختلاف محكوم بتجاربها ونظراتها العامة. من هنا نراه يركز في الكثير من مقالاته وأبحاثه على أهمية إبراز أولوية وجوهرية القانون. ففي احد مقالاته المتعلقة بهذا الجانب (احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة) يتوصل إلى أن البلاد "تسعد ويستقيم حالها، إذا ارتفع فيها شأن القانون"[2].

إن جوهرية القانون بالنسبة لمحمد عبده تستند إلى فلسفة إصلاحية تناسبها. كما أنها تنبع من فكرة الإصلاحية نفسها بوصفها فلسفة البناء الذاتي للدولة والأمة والعلاقة المعقولة والضرورية بينهما. في مجرى تناوله قضية علاقة القوة بالقانون، نراه ينطلق من أن استعمال القوة هو مصدر الاستبداد والانحراف الأخلاقي. ووضع هذه المقدمة في أساس نقده الذاتي والثقافي الإنساني. بمعنى نقده العميق أيضا للتجربة العربية والإسلامية والأوربية الحديثة. واعتبر استعمال أو هيمنة القوة على الحق مصدر الخلل في الوجود الإنساني. واعتبرها حالة شبه عامة في تاريخ الأمم. من هنا تشابه النتائج القائمة فيما اسماه محمد عبده "بإحداث القبائح"، بوصفها النتيجة المترتبة على استعمال القوة وإهمال القانون. بعبارة أخرى، لقد وجد محمد عبده في إهمال القانون مصدر تخريب القوى السلمية والسليمة في الإنسان السلمية. من هنا أهمية القانون. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لولا كسر القانون لسورة النفس وتذليل صعوبتها "لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة. فالحق للقانون لا للقوة"[3]. بل نراه يتوصل إلى أن الالتزام بالقانون هو مصدر التقدم والارتقاء، بما في ذلك العلمي. والعكس هو الصحيح. أما الاستبداد فهو مصدر الانحطاط، "الذي ضرب عن القانون صفحا، وطوى عنه كشحا فهو على مرذلة أخلاقه، وبساطة أفكاره يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ويمسي كرة لصولجان البغي"[4].

إن بلوغ الفكرة القانونية في إصلاحية محمد عبده ذروتها السياسية في نقد الاستبداد لم يكن جزء من تقاليد العقائد السياسية والأيديولوجية، بقدر ما انه كان يتراكم في فلسفة التأمل العميق للتاريخ وتجارب الأمم والفكرة القانونية وفلسفة الحق. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في الفكرة المكثفة التي وضعها بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان "تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار، ثم إذا نظرنا إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونا خاصا في سير وجوده، تقوم البراهين على انه لو انحرف عنه لحكم عليه سلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب"[5]. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الرؤية على فكرة تأسيس ضرورة القانون (الإنساني) بالاستناد إلى رؤية وجودية طبيعية. وهو السبب الذي دعا الحكماء والأنبياء على مرور الزمن كما يقول محمد عبده إلى التشديد على أهمية القانون من اجل حفظ الوجود. وذلك لأنه "من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهام لا يخطى رماها"[6]. والحصيلة هي أن "القانون سر الحياة وعماد سعادة الأمم. فإذا أرادت امة إعادة مجدها فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد ما هدمته يد الغرور وبددته سطوة الفجور"[7].

إن بلوغ الفكرة السياسية الإسلامية ذروتها من خلال تأسيس وتحقيق فكرة القانون والحق هو الوجه الآخر لإدراك أهميتها بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا الربط العضوي بين فكرة القانون والحق والتاريخ الواقعي للأمم. بمعنى ربط محمد عبده لفكرة القانون والحق الإصلاحية بضرورة تحقيقها المتدرج والعقلاني والواقعي بتراث الأمة وواقع العالم العربي (ومصر خصوصا). وانطلق بهذا الصدد من فكرة فلسفية عامة تقول، بان "أحوال الأمم هي المشرع الحقيقي"[8]. واستند في فكرته هذه إلى تجارب الأمم بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. إذ وجد في تجربة فرنسا ما يعد الثورة نموذجا لتحقيق هذه الفكرة عندما اعتبر كل تطورها لم يكن بأيدي أهل الحل والعقد، بل بأيدي الناس. بل ونسمعه يقول، بان "القانون الحقيقي هو القانون المسنون حسب الرأي العام"[9]. وأن "أفضل القوانين هي ناشئة عن الرأي العام للأمة"، أي "المؤسسة على مبادئ الشورى. وأن الشورى لن تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة"[10]. وبالمقابل نراه يشد على أن "من عجل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". بمعنى إدراكه لرفض التقليد واستنساخه المباشر بما في ذلك في ميدان القانون والحق، مع انه الصيغة الأكثر كمالا للحرية المجردة من ضيق الرؤية والمصالح. لكته يعكس في نهاية المطاف ليس فقط تجارب الأمم بل ومستوى إدراكها الفعلي لماهية القانون ومتطلباتها الحيوية المباشرة. لهذا نرى محمد عيده يشدد على ضرورة البدء بالقانون وتوسيع مداه ونطاقه وتربيته في النفوس والعقول والتجارب الخاصة[11]. وأسس لذلك فكرته القائلة بالوحدة العميقة والدفينة بين الأخلاق والقانون، بوصفهما وجهان للتربية والتجربة الذاتية في تطور الأمم. لهذا نراه يشدد على وحدة القوانين والأخلاق من اجل نقل المرء من حالة التكليف إلى حالة العادة. وبالتالي تحويل الأخلاق الفاضلة إلى أسلوب حياة الناس والدولة[12]. ومن هنا ضرورة القضاء على تشتت القوانين لما فيه من مضرة على المصلحة العامة. بل ودعوته إلى تجميعها وتوحيدها ونشرها والعمل بها وذلك لما له من اثر وقيمة وفاعلية في توحيد المجتمع والدولة والأمة والفكرة القانونية وقيم الحق والعدالة. غير أن ذلك ليس إلا المقدمة الأولية. وما بعدها تنفيذ ما يجري سنه من قوانين. فالجوهري ليس إصدار القوانين الجيدة بل تنفيذها وتجديدها، كما يقول محمد عبده. ووضع هذه النتيجة في نقده اللاذع لحالة مصر المزرية آنذاك بهذا الصدد. كما انه ليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يعتبر الأخذ عند سن القوانين وتنفيذها بمراعاة الحالة الاجتماعية المعرفية. وعندما طبق ذلك على سبيل المثال على حالة الزراعة والمزارعين في مصر آنذاك، فإننا نراه يقول أيضا بضرورة استعمال الأساليب العقابية الشديدة من اجل توطين النفوس على العمل (الزراعة).

لقد أدت الحصيلة المتراكمة لفلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى بلورة ما يمكن دعوته بفكرة الروح الليبرالي، أو على الأقل ملامحها الأولية. وقد يكون جمعه وترتيبه لمحاضراته في كتاب (رسالة التوحيد) آخر حياته احد مؤشرات هذا التحول الخفي. ففيه نرى أول ملامح تطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول فيما إذا كان سعيه هذا يتسم بقدر كبير من الوضوح بالنسبة له شخصيا، إلا أن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا ممكنا. كما نراه أيضا في "منظومة" العمل التربوي والإصلاحي المعرفي والثقافي والهدوء السياسي. غير أن صعود الحكمة لا يعني نفي أو انعدام الوجدان السياسي وبرود الروح السياسي، بقدر ما يعني تحول الفكرة الإصلاحية صوب تأسيس المرجعيات الكبرى القادرة على تأسيس صرح الإصلاح الحقيقي. وذلك لأننا نعثر على قوة الروح السياسي عند محمد عبده ومساعيه النقدية الحادة حتى آخر لحظات حياته، كما هو جلي في (رسالة من السجن) و(رسالة إلى تولستوي) التي كتبها عام 1904، أي قبيل موته بقليل.

ففي (رسالته من السجن) نقف أمام شخصية حرة قوية أخلاقية تواجه رذيلة عصره بقلب ممتلئ بمتناقضات الوجود. لكنه يعطف عليه كما لو انه يعطف على ما فيه. وفيها أيضا تبرز بوضوح ماهية القلق الدفين فيه. بحيث نراه يضع في بدايتها احد الأبيات الشعرية العميقة والمرهفة:

تقلدتني الليالي وهي مدبرة   كأنني صارم في كفّ منهزم

وهي حالة تتصف بقدر هائل من التناقض المقلق للعقل والضمير. وفيها يمكننا رؤية صراعه النفسي والعقلي ووجدانه العارم في مواجهة النفس والآخرين، والمجتمع وقيمه، والدولة ونظامها السياسي، والحاضر والمستقبل. فعندما يصور حالته فانه يشير إلى انه يقبع في واقع اشتد فيه "ظلام الفتن حتى تجسّم، بل تحجر! فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى. واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس"[13]. وهي حالة جعلت من الممكن أن تتدحرج أمام عينيه رؤية الملامح الخشنة لما يمكن دعوته باليأس الجميل. ففيها نقرأ كيف انه وجد نفسه في موقع "لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلية داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما. لا أرى إنسانا، ولا اسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا. اسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب. والتفّ، على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع. ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين"[14].

لقد واجه محمد عبده عصره ومعاصريه بروح التحدي، وكشف عما في أعماقهم من خواء كان يسعى لانتزاع ما فيه من جرأة وإرادة حية حرة. لقد أدرك بالحس والعقل والحدس، بان المطلوب هو وذاته. لهذا لم يجد في هذه المساعي الخربة غير سقوط الهمم وخراب الذمم، وغيض ماء الوفاء، وطمس معالم الحق، وتحريف الشرائع، وتبديل القوانين. بحيث لم "يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيض يحتدم، وخشونة تنفذ. تلك سنة الغدر"[15]. وليس مصادفة أن يجدوا في حبسه، أي عندما يصبح اغتيال العقل الحر والضمير الحي غاية كبرى وفضيلة عظمى! من هنا استغرابه وإدانته بقدر واحد لهذا السلوك كما وضعه في عباراته القائلة:"لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكتشفونه، أو لحقّ خفي فيظهرونه! كلا! بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين. وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة، وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق، وخبثاء الأعراق"[16]. ومقابل ذلك تقف نفسه الأبية وشخصيته الاجتماعية والوطنية والقومية الإنسانية كما لو أنها شمعة تحترق في ظلام الأطلال الخربة للفرد والجماعة والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بان معظم قلبه قد "ذاب من الأسف على ما يلمّ بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات، وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم"[17].

وأمام هذه الكارثة التي تواجه الفكرة الإصلاحية الكبرى وشخصياتها عادة ما تنتفض النفس حتى النهاية كما لو انه "القربان" الذي لابد منه من اجل وضع أسس الهيكل الروحي - الأخلاقي والعقلي للبدائل. ونعثر على كل هذه الحالة في الحوار العميق الهائج مع النفس. فنسمعه يقول "هل أتأسف إن كنت سباقا إلى الخيرات؟ هل أتأسف إن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف إن كنت شجاعا ي الدفاع عن ذوي مودتي؟ هل أتأسف إن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل استحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟. والله لن يكون ذلك. ولم ازدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا. ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر"[18].

وإذا كانت حالته تبدو في مظهرها، أي في أحوالها المادية كما قال عنها "اعجز من المقعد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف"، لكنه واجه كل ما ينبغي مواجهته بعبارة صريحة وموقف واضح وضعه في عبارات مقتضبة يقول فيها: "أقول لكم! إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وأن هذا الشرف سوف يردّ. ولئن أبت طبيعة هذه الأرض بخسّتها أن يكون لها من عوده نصيب، فليعودن في بلاد خير منها، ولأجذبن إلى المجد أحبتي، ومن إلى المجد ينجذبون"[19].

بينما نراه في رسالته إلى ليف تولستوي التي كتبها عام 1904، أي قبل موته بقليل يعيد من حيث الجوهر مضمون فكرة التحدي الإصلاحية بوصفها فكرة إنسانية وضرورية. فالمضمون العميق لهذه الرسالة ليس فقط في محتواها الذي يتقاسمه محمد عبده نفسه، بل في كونها موجهة من إمام مسلم لأديب نصراني، وجد في سلوكه وفكره ومواجهته للتقليد ودفاعه عن الفكرة الإنسانية قدوة للاعتبار. فنراه يشير فيها إلى انه بالرغم من عدم معرفة شخصه بشكل مباشر، لكنه يحرم التعارف بروحه. ويقيم عاليا موقف تولستوي من محاربة التقليد في العقائد والأديان بإرجاع مضمونها إلى الأصل، أي إلى ما اسماه بحقيقة التوحيد. بل ويطالبه قائل "فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم". وانه "أعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"الإبعاد". فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم، كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم"[20].

لقد كانت مواقفه الأخيرة هذه تعكس مسار التجربة الشخصية وفرادنيتها العميقة، أي كل ما مميز إبداعه النظري والعملي. ومن الممكن العثور على ذلك في الأصداء غير المكتملة لسيرته الذاتية، التي تحتوي في ذاتها على صورة رمزية أو إيماء تأويلي على انقطاع الفكرة الإصلاحية وروحها الليبرالي. ومن ثم إمكانية تأسيس الدنيوية الإسلامية، أي كل ما يشكل القاعدة الضرورية لتراكم الحكمة التاريخية في الموقف من النفس والبدائل بطريقة تتمثل رحيق التجربة القومية. وإذا كانت هذه الفكرة تحتوي على قدر من الاحتمال والظن، فإنهما يبقيان كما يقال ضمن سياق الرؤية الواقعية. لاسيما وان المسار التاريخي للفكرة الإصلاحية ونهايتها المتكسرة في ضعف تأثيرها وتطورها التقائي اللاحق، وانهزام تراثها الذاتي، واغترابها الفعلي في تيارات الفكر الجديدة يكشف عما في هذه الفرضية من أصول واقعية. والسؤال الذي يظهر هنا من اجل فهم الأبعاد المقطوعة في أنغام المقطوعة الإصلاحية هو لماذا تظهر فكرة السيرة الشخصية عند محمد عبده؟ وما هي طبيعة التحول التي جعلته يكتب عن نفسه؟ ومن الممكن العثور على الإجابة الحقيقية على هذه الأسئلة من خلال تحليل الأبعاد الدفينة في السيرة نفسها. فإذا كانت شخصية محمد عبده تتسم بقدر كبير من الهدوء الظاهري والعنفوان الباطني، أي عدم تناسب الظاهر والباطن، فلأنها الصيغة النموذجية لعوالم الشخصيات الكبرى، بمعنى أنها النتاج الملازم لقوة الإرادة في ضبطها هياج الروح النظري والعملي. لهذا نراه ينظر إلى فكرة الكتابة عن النفس في بداية الأمر بمعايير النقد الذاتي. بمعنى النظر إلى هذه المهمة برؤية عقلانية أخلاقية. لكنه سرعان ما يذلل طابعها "الخجول" و"المتواضع". فهو لم يفكر في بادئ الأمر بكتابة سيرة ذاتية. بل استهجنها. ويعكس هذا الموقف بدوره بقايا الاستهجان الأخلاقي والنفسي للانا الشخصية. وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده بما في ذلك في جدله الكلامي والفلسفي على أولية الوجود ومظاهره. بمعنى أن هذا الاعتراض والتمنع والرفض الأولي لم يكن أكثر من بقايا التأثير الشديد للورع الذي ينتزع حقيقة الشخصية بوصفها فردا، أي فردانية المرء. من هنا فكرته عن "أن وقت اصرفه في حكمة استفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها". لكنه سرعان ما يعيد النظر في فكرته هذه بعد لقائه بأحد "الغربيين" الذي يشرح له قيمة هذا النوع من الكتابة. عندها يستذكر قول النبي محمد "لا تحقرن من المعروف شيئا". واستكمل هذه الملاحظة بفكرة نقدية ايجابية لتجارب الأوربيين بهذا الصدد التي وجد فيها تقييما وتقديرا للفرد بوصفه جزء من رؤية عقلانية وأخلاقية وإنسانية محكومة بمعايير الحق، كما نعثر عليها في قوله "أولئك قوم يعرفون الأقدار، ويقدرون الآثار، ولا يبخسون شيئا حقه، ولا ينكرون عليه ما استحقه ويطلبون المنفعة في كل شيء".

لقد استطاع محمد عبده الخروج السريع من تناقضات النفس وهو في عمر الشيخوخة. بمعنى قدرته على تذليل الفارق التاريخي في تجارب الأمم من خلال إرجاعه إلى صيغة نموذجية ورفيعة للفكر والمنطق. فالسيرة لم تعد بالنسبة له قضية شخصية بقدر ما هي قضية فكرية وتاريخية وثقافية وإصلاحية بقدر واحد. وحقق، وإن بصورة لم تكتمل، المهمة الأولى بهذا الصدد والقائلة بان كل صعود متسام للفردية هو تمثل متنوع وخاص للتجربة التاريخية. وبالتالي فان السيرة الذاتية الكبرى فردية بمعالم العبارة، تاريخية بمعالم الفكرة. وعلى قدر تلاقيهما في تأسيس مرجعيات وعي الذات القومي والثقافي والإنساني، ترتقي قيمتها الفعلية.

فقد اخذ محمد عبده بكتابة سيرته الذاتية من منطلق إدراكه لقيمتها الحقيقية باعتبارها تجربة تاريخية وليست جزء من تقاليد المراقبة النفسية الأخلاقية. لقد وجد فيها معيارا ومرآة للعقل النقدي والعبرة التاريخية. من هنا قوله "فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك لأجيال طريقته. فاني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها إلى اليوم اثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد فيّ أسوة". وبهذا يكون محمد عبده قد أسس لضرورة إدراك قيمة النفس على خلفية ما هو موجود. من هنا معاناة وإصراره بقدر واحد في مواجهة الآذان الصماء، كما هو جلي في عباراته القائلة بأنه يسعى يوميا لقول ما ينبغي قوله بينما هم "يسمعون ما بين عابث بلحيته، ولاه بكبريائه وعنجهيته، ومغرور بمقامه ورنينه، ومعجب بسنه وشيخوخته". وليس مصادفة أن تصبح مهمة نقد النفس وإجبارها على جلد المصابرة أمام تحيات الزمن العابر من اجل صنع التاريخ الفعلي المهمة الملهمة لمحمد عبده. فقد أوصله وعي الذات النقدي إلى إدراك قضيتين كبيرتين وهما سئمه الاستمرار على ما يألفه الناس، وارتفاع صوته صوب "أمرين عظيمين" أولهما وأكثرهما أهمية يقوم في "تحرير الفكر من قيد التقليد". وادخل في هذا الأمر ست مبادئ كبرى وهي: فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في فهم كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى، والمعرفة ضمن موازين العقل البشري، ومهمة الدين حفظ نظام العالم والإنساني، والدين صديق للعلم، وبالتالي ضرورة البحث عن أسرار الكون، واحترام الحقائق الثابتة والتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. ووضع كل ما راد قوله وما لم يستطع إتمامه بهذا الصدد في عبارة وجيزة تعكس حالة الانتظار القلق في مسار الفكرة الإصلاحية عندما كتب في "سيرته" قائلا:"إنني في كل مواقفي من المجتمع والدولة لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع. غير إنني اكتب بروح الدعوة"[21]. ووجدت هذه الروح ملاذها الأخير وتعبيرها الخاص في (رسالة التوحيد).(انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص70-71.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص303.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص307.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص308.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص309.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص312.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، 1، ص341.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج، ص 395.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص398.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص334.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص342-347.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص 493

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص494.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص496.

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص497-498.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 498.

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص359-360.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص307-329.

 

 

mutham aljanabi2إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى أن اشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

بعبارة أخرى، إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية – الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية – النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[1]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، وبصفهم اقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[2].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فانه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف السنة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[3]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه على سبيل المثال من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى احدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[4]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي على سبيل المثال في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[5]. وإن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[6]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لان استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[7]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[8].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية). فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فان مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من اجل الخير العام والقانون[9]. لهذا نراه على سبيل المثال، يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[10]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[11]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من اجل التوسع بهذا الصدد[12]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد فيما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[13]. ونفس الشيء يقوله في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد محمد عبده "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب فيما دعاه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضروري بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بان "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بان الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها". ولهذا السبب أيضا نراه يصل إلى الفكرة القائلة، بان إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد الغربنة في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فان ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[14].

 إننا نقف هنا أمام تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير للفكرة السياسية الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده. فهو الثالوث الذي يعبر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي والروح الثقافي الذاتي والروح السياسي الذاتي. (يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 .....................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24.

mutham aljanabi2كانت المبادئ الكبرى المتوحدة في الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده كانت نتاجا منطقيا لفلسفته الإصلاحية. بمعنى أنها كانت تحتوي في أعماقها على وحدة التأسيس الأولي لما يمكن دعوته بالعقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي القومي، والفكرة السياسية الإسلامية. بمعنى أنها كانت تحتوي من حيث توجهها العام على تأسيس أبعاد ثلاثة كبرى تعمل من اجل توحيد وعي الذات الثقافي المتحرر من نير التقليد، والوعي الثقافي الذاتي (القومي) والوعي السياسي المبني على فكرة العدالة والحق.

غير أن هذا التوحيد الفكري لم يرتق إلى مصاف الرؤية المنهجية النظرية. بل كان اقرب إلى كمية متراكمة من المواقف والأفكار في مجرى تفتح ملامح المبادئ الكبرى للفكرة الإصلاحية الإسلامية عند محمد عبده.

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو أنها كانت ترتكز دوما على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وان عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه تكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشرعية. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما ارجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاث مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وان العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، أن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبد العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرة محمد عبده عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بان التصوف هو احد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لان "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة على سبيل المثال أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من اجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وان إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بان بأننا حالما نقر ونعتقد بان لا فعل لغير الله، فان ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بان "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بان مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فانه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا فكرة استنتاج محمد عبده القائل، بان الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. ولهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي، من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بحدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسب والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحي والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث يعتقد بان البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما احد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن احد مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا عن رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من اجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الاسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته اميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحده له ولأهله. ثم ادخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن اجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا اثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانوتو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانوتو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانوتو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانوتو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانوتو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وان الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فان من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فانه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فان تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو احد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فان أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولان ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانوتو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله واثر القدرة (الإلهية). وان سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].(يتبع...)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

..................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] طبعا أن محمد عبده لا ينتقد الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق. تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،   ج3، ص257-368

mutham aljanabi2احتوت الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده على مبدأ دفين يحدد اتجاهها الفعلي ألا وهو أولوية إصلاح التربية بالنسبة للإصلاح الحق،على ان يستند هذا الإصلاح على التقاليد الخاصة[1]. بمعنى إن معاناة الاجتهاد العقلي في مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للفرد والجماعة والمجتمع والدولة والأمة ينبغي أن تقوم عبر تبني الرؤية التربوية الجديدة، التي اعتبرها ضرورية للوجود الإنساني أولا وقبل كل شيء. من هنا فكرته عن "إن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بالتربية[2]. ووضع فيها تربية الأصول أو الرجوع إليها ويقصد بذلك سلوك الأنبياء والمرسلين والحكماء. من هنا فكرته عن انه ليس القوانين الرادعة هي التي تربي الأمم، بل ما اسماه "بنواميس التربية الملية لكل امة"[3]، أي التربية المبنية على أساس التقاليد الخاصة، وبصفها الوسيلة الضرورية للتحرر من التقليد. وهذا بدوره الشرط الضروري للاجتهاد الحر والسير في طريق معاناة أو مكابدة نتائجه العملية. وإلا فإن كل ما يجري القيام به سوف لن يؤدي إلى إلا نتائج وآثار مخربة ومدمرة. والقضية ليست فقط في أن هذا النوع من الجهود (التي لا اجتهاد حر فيها) سوف تتحول إلى هباء، بل وكذلك لإمكانية ارتداده بالعكس تماما. من هنا مرجعية الفكرة التي بلورها والقائلة، بأن الأولوية بالنسبة للإصلاح هو إصلاح حال التربية استنادا إلى التقاليد الخاصة[4]. ولم يعن ذلك الانغلاق أمام الآخرين، على العكس. لهذا نراه يقف أيضا إلى جانب نشر المدارس بما في ذلك الأجنبية. بل ولا يمانع من إرسال الأطفال إلى المدارس الدينية للطوائف الأخرى (غير الإسلامية)، ولكن فقط في "حال عدم مبالاتهم بالدين". وهو موقف يعكس بقدر واحد الانفتاح الداخلي والتسامح الخارجي الذي يتفوق على نظيره الأوربي آنذاك أيضا. ولم يكن الحافز وراء هذا الموقف دينيا بقدر ما كان اجتماعيا وثقافيا بحتا. من هنا ربطه إمكانية إرسال الأطفال المسلمين إلى المدارس التبشيرية النصرانية في حال ألا يؤدي ذلك إلى ما اسماه بإثارة خلل وصراع داخل العائلة والمجتمع. غير إن موقفه العام والجوهري هو موقفه الإصلاحي الشامل في ميدان التربية والقائل بضرورة فتح وتوسيع شبكة المدارس الوطنية، لما لها من اثر وفاعلية في تكامل الشخصية الفردية بمعايير انتمائها الديني والقومي الثقافي[5]. وأسس لهذا الموقف على رؤيته المتعلقة بأهمية وجوهرية التربية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد، بأنه بدون التربية لا بمكن بلوغ الوحدة والقوة والتقدم وثبات العلوم واستثمارها. على العكس بدونها لا تؤدي حتى العلوم إلا إلى إثارة اللغو والهذيان. وقدّم نماذج عديدة بما في ذلك على مستوى اللغة العادية مثل إيراده كلام الأم لابنها "خذ هذا وأخفه عن الأعين حتى لا يراك أخوك" نموذجا عل سوء التربية لما في هذه العبارة من غرس لثلاث خصال مهلكات وهي الأثرة والدناءة والسرقة. ومن هنا أيضا فكرته عن انه لا يمكن بناء جمعية ولا جماعة ولا أمة من الجهلة والجاهلات. وقدم أمثلة من حياته في القضاء حيث وجد ما يقارب 75% من المشاكل التي قضى فيها بأحكام عادة ما تقع بين الأهل والأقارب! وتساءل عما إذا كان يمكن بناء مجتمع على هذا الأساس؟

لقد وجد محمد عبده في انعدام أو ضعف التربية السليمة سرّ الخراب والانحطاط. من هنا تشديده عل أهميتها العلمية والعملية. بل اعتبرها أسلوب بلوغ السعادة. فهو يسير ضمن تقاليد الفلسفة الإسلامية العقلانية التي وجدت في العلم والمعرفة سبب ومقدمات بلوغ السعادة ولكن من خلال نقلها إلى ميدان التنظيم الضروري الذي ينبغي أن تقوم به الدولة والمجتمع والأفراد. وليس مصادفة أن نراه يبحث عن كل صغيرة وكبيرة في مختلف تجارب الأمم، التي تكشف عن دور الفرد والمجتمع المدني والنخبة العاملة من اجل الخير العام والدولة والأمة[6].

بعبارة أخرى، انه جعل من التربية مهمة الدولة والمجتمع. وبهذا يكون قد أدرك قيمتها العلمية والعملية الهائلة بالنسبة للإصلاح الشامل. لهذا نراه يعتبر التعليم العام ضروريا. ويشير إلى مسئولية الدولة. فمصر تنفق على التعليم مائتي ألف جنيه بينما ميزانيتها تبلغ 12 مليون[7]. بل ونراه يربط فكرة غنى الأفراد والمجتمع والدولة بمدى انتشار التربية والمدارس فيها. وكتب بهذا الصدد يقول، إن أرض مصر غنية لكنها فقيرة. والسبب يكمن في الإنسان وتربيته. فقر البلاد بقلة الراشدين وغناها بكثرة المهتدين[8]. من هنا دعوته الأغنياء آنذاك من اجل المساهمة في بناء المدارس والتعليم. فهو ثروة لهم أيضا، مستشهدا بالتجربة الأوربية[9]. والغاية النهائية من وراء كل ذلك تقوم فيما للتربية والتعليم من اثر جوهري في سعادة الأمم. وكتب بهذا الصدد يقول، إنما الغرض من التعليم وإنشاء المدارس هو تربية العقول والنفوس من اجل نيل كمال السعادة. والمقصود بتربية العقول إخراجها من فساد الرؤية والمعتقدات من اجل بلوغ الحالة التي يمكن للمرء التمييز بها بين الخير والشر والصحيح والخطأ، أي بلوغ الحالة التي يصبح فيها العقل نافذا في الحكم على الأشياء، وتحول ذلك إلى سجية[10].

وإذا نراه أحيانا يشدد على أهمية التربية الدينية، فإن المقصود بذلك تربية الرؤية الإصلاحية. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه عن وضع ما اسماه بتربية المعتقدات الدينية الصحيحة في أولويات هذه التربية. بمعنى وضعه في أولوياتها ما هو مرتبط بمرحلة الإصلاح الديني والفكرة الإصلاحية، أي "تربية القلوب بما يرضي الخالق، وذلك بشرط عدم خروجها على مكارم الأخلاق"، كما يقول محمد عبده[11]. من هنا تأييده لإجراء وزارة المعارف (نظارة المعارف العمومية) بتعليم العقائد الدينية (التربية الدينية) ولكن بعد ربطها بشروط أساسية وهي أن تكون هذه التربية معنوية حقيقة وليس كعبادة الجاهليين، وملاحظة تعاليم هذه التربية من اجل "ألا تكون محشوة بالتخريف المضادة لحقيقة الدين"[12]. ودفع هذه الفكرة صوب أبعادها النظرية العقائدية عندما تناول قضية إصلاح مناهج التربية. إذ نراه يضع في فكرة تجديد المناهج (حالما تكون جزء من الإصلاح الديني) ضرورة القضاء على الأفكار السيئة مثل الجبرية والمرجئة. ومن ثم المطالبة بالعمل. ولكن من خلال نموذج للتربية دقيق يبدأ بالفقه الباطن، أي تربية الروح الأخلاقي. ثم البقية الباقية على أساس اليسير والسليم، أي المرتبط بالرؤية العقلية الصحيحة[13].

ومن اجل تنفيذ هذه المهمة وضع رؤية عملية تتعلق بتدريس العقائد والحلال والحرام والتاريخ مهمتها جمع الكلمة ونبذ الخلاف. على أن يجري تدريس ذلك كل قوم بلغته، بالعربية للعرب وبالتركية للأتراك وهكذا دواليك[14]. كما وضع هذه النماذج المختلفة للدارس الابتدائية ثم المتوسطة وما فوقه، مهمتها في نهاية المطاف الأخذ بمنطق الإصلاح والرؤية العقلانية والإنسانية مع البقاء التام والدقيق ضمن معايير التقاليد الإسلامية بوصفها تقاليد ثقافية[15]. وتعدى ذلك إلى مسألة الاهتمام بنوعية الكتب لما لها من اثر بالنسبة لتربية العقول والضمائر. فعندما تناول على سبيل المثال حالة الكتاب آنذاك في مصر نراه يشير إلى وجود أنواع من الكتب: دينية تقليدية واسعة الانتشار، وكتب حكمية عقلية فلسفية يصعب الحصول عليها، وكتب الأدب القديمة والحديثة وهي آخذت في الانتشار، وكتب خرافية أو ما يدعوه محمد عبده  بكتب الأكاذيب الصرف مثل عنتر وعبس والظاهر بيبرس وأبو زيد وغيرها، وكتب الخرافات، أي مختلف نماذج الكتب المتعارضة مع العقل من العفاريت وتأثير الأجواء على المصير. ووضع محمد عبده هذه الكتب الأخيرة في مقدمات بقاء وانتعاش التخلف الفكري والروحي والأخلاقي. على عكس ما سعت إليه الدولة من منع الكتب "المضرة بالدين والسياسة"[16]. أي على عكس إدراك الحقيقة التي تكشف عنها وتبرهن تجارب الأمم الراقية في سلم المدنية عما في العلم والتربية من قوة مادية وروحية. لهذا نراه يربط مهمة وإمكانية الدفاع عن الدولة والدين والإنسان بالعلم والتربية، بوصفهما القوى الوحيدة القادرة على مساعدة الأمم في مواجهة التدخل الأجنبي والاحتلال وغيره، انطلاقا من إن "العلم نافع لنا، والجهل مهلك لأرواحنا"[17]. ليس هذا فحسبن بل ونراه يربط بين التمدن الحقيقي ونتائج التربية القائمة على العلم. وليس مصادفة أن يعتبر المعيار الفعلي لحقيقة التمدن هو نمو الثروة العامة. وليس مظاهر البهرجة الزائفة[18]. ولا يكن بلوغ ذلك دون التربية والعلوم وذلك لما لها من اثر جوهري بالنسبة لتنظيم القيم الإنسانية الضرورية بالنسبة لبلوغ السعادة الحقيقية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عن فكرة العدالة، فإننا نراه يربطها بالتربية والعلم. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العلم والعدالة بالنسبة لدولة والأمة "متلازمان في الوجود". والرابط الفعلي بينهما هو العلم. وذلك لأن انتشاره يضيء العقول ويوصل المرء والجماعة إلى أن العدالة والمساواة هما العلة الأولى لسعادة البشر[19]. (يتبع....)

***

 

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص168

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص60-61.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، 315.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص183

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص45

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص51

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص29.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص30.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة،ج3، ص31.

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص80.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص82.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص83-91

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص54- 56.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص20-21

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، 38-41.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص24-25.

mutham aljanabi2إن حقيقة الاستلاب الأكبر في تفكير وحصيلة آراء طه حسين تقوم أساسا في استلاب الرؤية المنهجية الذي يقترب في بعض جوانبه من حدود الانعدام الذاتي. وقد يكون موقفه من "مستقبل الثقافة" في مصر نموذجا حيا على ذلك، رغم كل الفضائل الكبرى لهذا الكتاب من حيث نياته وغاياته العلنية والمستترة ونمط رؤيته العملية للتربية والتعليم[1]. وذلك لان القضية الجوهرية التي أراد طه حسين التأسيس لها هنا تتعلق بمستقبل الثقافة في مصر، أي أنها الصيغة الوحيدة التي تحتوي على رؤية مستقبلية[2]. وانطلق من مقدمة سليمة تقول، بأننا "نعيش في عصر من اخص ما يوصف به أن الحرية والاستقلال فيه ليسا غاية تقصد إليها الشعوب، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منها وأبقى"[3]. وان الشيء الأهم هو "الحضارة التي تقوم على الثقافة والعلم، والقوة التي تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التي تنتجها الثقافة والعلم. ولولا إن مصر قصرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيف الشريف لتسترد الحرية وتستعيد الاستقلال"[4]. ومن هذه المقدمة العامة أراد إيجاد الصيغة المثلى لتحقيق ذلك. فوجدها فيما اسماه بضرورة أن "تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم"[5]. واختتم ذلك بفكرة سليمة ودقيقة في الوقت نفسه تؤكد على أن الأسلوب الوحيد لبلوغ كل ذلك هو "بناء التعليم على أساس متين"[6]. وذلك لان تجربة مصر الحديثة تكشف عن أن أهم شخصياتها الفكرية والأدبية قد نشأت وترعرعت وتربت وأنتجت خارج إطار مدارس التربية والتعليم، أو بصورة أدق خارج "دار العلوم" مثل لطفي السيد وهيكل ومصطفى عبد الرازق والعقاد والمازني وكثير غيرهم، أي كل أولئك الذين ساهموا في بلورة "العقل المصري" الحديث[7]. من هنا مهمة البحث عن علاقة تعاون أو صلة جديدة بين الدولة والشعب والمثقف من اجل تمكين المثقفين من أن ينتجوا فيضيفوا إلى الثقافة ويجددوها ويشاركوا في تنمية الثروة الإنسانية. ويهدف هذا التعاون إلى أن تتجاوز الثقافة الوطنية حدود الوطن بحيث يمكن تقديمها للأمم الأخرى التي "قد تحتاج إلى هذا الغذاء المصري". ويتطلب هذا بدوره تحقيق الصلة المنظمة الخصبة المنتجة بين مصر وبين الثقافات الأجنبية على اختلافها وتباين لغاتها ومناهجها. فموقع "مصر وثقلها واقتصادها يجعلها دولة مهمة على صعيد المتوسط والعالم"، إلا أننا حالما ننظر إلى مشاركتها الثقافية فإنها تكاد لا تذكر[8]. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج مستقبلي دقيق يقول، بان "التقصير في ذات الثقافة خطر على المكانة السياسية والاقتصادية، لان الفوز في السياسة والاقتصاد لا يتأتى للأمم الجاهلة ولا للشعوب الغافلة ولا للدول التي لا تمنح الثقافة من عنايتها إلا حظا يسيرا"[9].

إن هذه المقدمة العامة والسليمة من حيث الشكل والمحتوى ولحد ما المنطق، سرعان ما تتهاوى في دهاليز التأسيس الفكري لماهية مصر الثقافية، و"العقل المصري"، و"الثقافة المصرية" ونوعيتهما الثقافية.

لقد ربط طه حسين ماهية مصر الثقافية بقضية موقع مصر بين "الشرق والغرب". بمعنى انه انطلق من قضية تاريخية ملموسة وعابرة لحد ما، بوصفها الجوهر المحدد لماهية مصر الثقافية. ومنها حاول إرساء أسس ما اسماه بالمستقبل الثقافي لمصر. بمعنى انه أراد أن يجعل من ماهية مصر الثقافية قضية فكرية قائمة بحد ذاتها رغم كونها قضية سياسية آنذاك بالدرجة الأولى. وعوضا عن أن يجعلها جزء من معترك الوعي المصري والعربي من اجل استكمال مهمة النهضة الثقافية القومية، فانه أرجعها أو ادخلها في دهاليز الاستلاب الفكري والثقافي عبر إثارة قضية ما إذا كانت مصر من الشرق أم من الغرب؟ بل اعتبره السؤال الأكبر. وأشار إلى ذلك بوضوح، إلى أن المقصود بالشرق والغرب ليس البعد الجغرافي، بل الثقافي[10]. مما حدد بدوره المنطلق الخاطئ في موقفه القائل، بان "هناك نوعان من الثقافة يختلفان اشد الاختلاف- الثقافة الشرقية والثقافة الغربية" (الأوربية)[11]. بمعنى سيره ضمن سياق الفكرة الاورومركزية المغلقة آنذاك القائلة باختلاف وليس تنوع الثقافات. بل ورفع ذلك، متتبعا اثر ومسار الاورومركزية المتعصبة، إلى مصاف التناقض أو التضاد أو الصراع الأبدي! وليس مصادفة أن نراه يزدري الفكرة القائلة "بشرقية" مصر ويستغرب ظهور التيارات أو الجمعيات الداعية للوحدة الشرقية أو مختلف أشكال التعاون بينها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يستغرب ولا يستطيع فهم واستساغة ما يدعوه بالخطأ الشنيع والوهم الغريب عن المصريين المعاصرين الذين يعتبرون أنفسهم شرقيين (أي أنهم اقرب إلى الهندي والصيني والياباني) منهم إلى الأوربي (اليوناني والفرنسي والايطالي). بحيث نرى ظهور جمعية "الرابطة الشرقية"[12]. واستكمل ذلك بتقرير يقيني عن أن ما قاله كبلنج عن أن الشرق شرق والغرب غرب لا ينطبق على مصر. كما لا ينبغي أن "يفهم المصري الكلمة التي قالها الخديوي إسماعيل من أن مصر جزء من أوربا للمديح أو المفاخرة، بل هي كذلك، بمعنى أن مصر "كانت دائما جزء من أوربا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها"[13].

وحاول تأسيس هذا التقرير المتيقن بمعطيات مثل إن علاقة مصر لم تتجاوز بهذا "الشرق" غير ما ندعوه الآن بفلسطين والشام والعراق، أي الشرق الواقع في حوض البحر الأبيض المتوسط[14]. وأن الأساطير المصرية تحدثنا عن أن آلهتهم تجاوزت الحدود المصرية، وإن مصر كانت في تلك العصور قوة أساسية من قوى التوازن السياسي والاقتصادي[15]. وانه لا معنى للفصل بين مصر و"الحضارة الإيجية القديمة. ومصر والحضارة اليونانية في عصور ازدهارها حتى عصر الاسكندر المقدوني[16]. وإن اليونانيون القدماء كانوا يتشرفون بتأثير مصر. وكانوا يعتبرون أنفسهم تلاميذ للمصرين القدماء. ولم تكن مصر هي الوحيدة التي أثرت في اليونان، بل وشاركها "الشرق القريب"[17]، إذ يعترف اليونانيون بالفضل للكلدانيين وغيرهم من الشعوب الآسيوية التي تأثرت بالبحر الأبيض المتوسط.

وبغض النظر عن سطحية هذه التقارير العامة وتشوش المصطلحات والعبارات إلا أنها تعكس منطق الرؤية الثقافية المقلوبة لطه حسين، أي في طبيعة ونوعية استلابه المنهجي والتاريخي والفكري وهيمنة الدونية القومية والثقافية أمام أوربا والاحتقار المبطن "للشرق" و"آسيا". مع ان "عميد الأدب العربي" ينبغي ان يكون عربي الانتماء والتأسيس للفكرة، إضافة إلى أن المتعلم الصغير والعارف القليل بتاريخ "الشرق" وثقافاته وحضاراته يعرف بان ما أنتجه هذا الشرق في تاريخه الثقافي والحضاري يعادل أضعاف ما أنتجته أوربا على مدار تاريخها الثقافي.

الأمر الذي جعل من اجتهاده بهذا الصدد شيئا اقرب إلى الرغبة المجردة من تاريخ علاقة "الشرق بالغرب" ومصر بأوربا بالمعنى التاريخي القديم والمرحلة العربية الإسلامية والمرحلة الحديثة والمعاصرة. فالخطاب الفكري هنا خاضع بصورة غير مباشرة للرؤية السياسية والرغبة الشخصية. ومن ثم فهو خطاب أيديولوجي صرف. ونعثر على صدى هذه الرؤية بصورة وأشكال وأنغام متنوعة ليست في كلها سوى شكل من أشكال الاستلاب أو التقليد أو المزج بينهما مع قلة قليلة من الانتباه النقدي لمزالقها الخطرة.

ينطلق طه حسين من تأييده لفكرة الخديوي إسماعيل من إن مصر جزء من أوربا. ويعلل ذلك في انتشار البخار والكهرباء والبرق والوزارة والنواب والمدارس والمسارح والأندية وما شابه ذلك. وبما أنها كلها "جزء مادي من أوربا أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة"، فإن ذلك يعني إن مصر جزء من أوربا. ليس ذلك فحسب، بل إن حياتنا والراقية منها هي أوربية، كما يقول طه حسين. و"إن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية. وليس هناك قوة في الأرض تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها عليه الأوربيون"[18]. وضع هذه المقدمة فيما اسماه بمقياس الرقي في حياة الأفراد والأمم. بحيث جعله ذلك يقول، بان مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوربية. وكل ما هو موجود عندنا أوربي الأصل بما في ذلك نظام الحكم السياسي[19]. مما يدل بدوره على "إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا"[20].

إن هذه الدعوة للتماهي التام بين المصري والأوربي في ظل انعدام مقوماتها ومقدماتها وأسسها وتقاليدها، لا تصنع في نهاية المطاف غير أوهام التقليد الأجوف رغم الدعوة المتناثرة هناك وهناك عن الأصالة والخصوصية، كما هو جلي في بعض استدراكاته مثل القول، بان الدعوة للاوربة لا تعني "أن نكون صورة طبق الأصل" فهذا أمر لا يدعو إليه عاقل. كما انه لا سبيل إليه[21]. أو استدركه بان مصر ليست جزء من أوربا المتحضرة والمتقدمة والمثقفة[22]. وان هذا "المثل" ما زال بعيدا كل البعد عن التحقق"[23]. وذلك لان هذه المواقف والاستدراكات تبقى في نهاية المطاف موقف واستدراكات جزئية ولا معنى لها بالنسبة "للفكرة المرجعية" التي وضعها في عبارة "نريد أن نتصل بأوربا اتصالا يزداد قوة يوما بعد يوم حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكلا". ومع ذلك فإنها تنسف من حيث الجوهر كل مقدمات هذا التفسير والتأويل والتأسيس. وذلك لان جذر ونسق التفسير والتأويل والتأسيس بقت كما هي، بمعنى العمل من اجل إرساء التقليد على أسس "نقدية"، أي المزواجة والتعايش التعس للرؤية النقدية والاستلاب والثقافي في أسخف وأخف وأرذل نماذجه!

 ولا يغير من هذه النتيجة الإضافات التي يقدمها بين حين وآخر مثل أن السعي من اجل تقليد الأوربيين في كل شيء يهدف إلى بلوغ العزة القومية والاستقلال الفعلي. فمن يريد جيشا قويا فعليه التمسك بتقاليد الأوربيين. ومن أراد اقتصادا قويا وعلما وما شابه ذلك فعليه بتقليد الأوربيين، كما يقول طه حسين[24]. ومع انه يشدد على أن ما يريد بلوغه هناك أن يكون مقارنة بما بلغته أوربا وأمريكا، إلا أن هذه المقدمة السليمة من الناحية الشكلية تحتوي على تخريب مادي ومعنوي هائل من حيث المضمون. وذلك لان الثقافة كل واحد أو منظومة حية متكاملة تفترض من حيث تطورها وارتقاءها وجود منظومة مرجعيات فعالة وفعالة في رؤيتها المعاصرة والمستقبلية.

بعبارة أخرى، أن الثقافة تتراكم من خلال حل إشكاليات الوجود التاريخي. والتقليد لا يصنع غير هشاشة. أما الهواجس والهموم، بما في ذلك النبيلة، فإنها تتحول إلى وساوس وغيوم تخيم على العقل والوجدان وتسحبهما إلى هوة التقليد والاستلاب. ولعل في تأسيس طه حسين لهذه الهواجس والهموم نموذجا "كلاسيكيا" بهذا الصدد. إذ نراه يؤكد على أن إننا "نريد ألا نلقي الأوربي فنشعر بأن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدري أنفسنا"[25]. إذ لا فرق جوهري بينا وبين الأوربيين في ميدان العقل. لقد بدؤوا حياتهم الحديثة في القرن الخامس عشر، وأخرنا الترك العثمانيون حتى القرن التاسع عشر[26]. وبالتالي، فان المهمة تقوم في العمل من اجل أن يشعر المصري بأنه قد خلق للعز لا للذلة. وان يمحو من ذهنه ونفسيته بأنه خلق من طينة غير طينة الأوربي. وينطبق ذلك على مزاجهم وعقولهم[27]. ولا خلاف على هذا الخطاب من حيث هواجسه. إلا أن الصيغة النظرية لتأسيسه لا تصنع في الواقع غير نفسية وذهنية الاستلاب، ومن ثم هوة الخلل والعوائق التي لا يمكن تذليها مع مرور الزمن، بل على العكس. تتسع وتزداد كما لو أنها حفرة الموت الأبدية! فالتشّبه من اجل بلوغ الندية لا يصنع في الواقع غير نفسية وذهنية التبعية والانقياد الكسيحة. وضمن هذا السياق يمكن فهم المضمون الفعلي الذي يمكن أن تؤدي إليه فكرة طه حسين القائلة، بضرورة "أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"[28]. واستكمل ذلك بفكرة الدعوة لبلوغ حالة "أن نتحدث إلى الأوربي فيفهم عنا، وان نشعره بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كمال يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، نطلب منها كما يطلب ونرفض كما يرفض، وان نكون شركاءه[29]. أما في الواقع، فان هذه الدعوة للندية ليست إلا الوجه الآخر لعقدة النموذج الأمثل والذهنية المستلبة تحت حجاب "الشرق – غرب" المفتعل!

وليس مصادفة أن تبقى الفكرة التي دافع عنها طه حسين وأراد التأسيس لها عن "مستقبل الثقافة في مصر" من حيث الجوهر كما هي بمعايير التاريخ والنوعية الثقافية، أي بلا ثقافة مستقبلية. والسبب يكمن في أن فكرة "مصر جزء من أوربا" ليست فكرة تاريخية تلقائية، بل عبارة مسطحة وظاهرية للخديوي إسماعيل وثقل تأثير الاورومركزية[30]، أي لقوى خارجية لا علاقة لها بمستقبل الثقافة في مصر، ولا جذور لها في تلقائية التطور الذاتي. وبغض النظر عن النيات القائمة وراءها والجهد المبذول بهذا الصدد فإنها أبقت على مصر مجرد "جزء" مجزأ يتضاءل مع مرور الزمن. فهي ليست فقط لم تصبح جزء من أوربا بعد مرور قرنين من الزمن، بل وتعمق وتوسع مدى تخلفها بهذا الصدد. ولم يكن ذلك بعدم أخذها بالطريق الأوربي بقدر ما كان يقوم في تعثرها الداخلي الذي لعبت فيه نفسية وذهنية الاستلاب دورها الفاعل.

فقد استمدت نفسية وذهنية الاستلاب مقوماتها "العقلية" من التأسيس النظري الذي حاول طه حسين تقديمه "للعقل المصري". وذلك لان التأسيس لم يجر لماهية "العقل المصري" وعما إذا كان من الممكن الحديث عن عقل وطني (مصري). لكنه يصبح معقولا ضمن سياق ثنائية الشرق – غرب بالصيغة التي بلورتها مرحلة الهيمنة الاورومركزية والاستعداد النهم الأولي في مصر، الآخذ بفتات التنوير المسطح. من هنا أولوية السؤال الذي وضعه طه حسين عما إذا كان العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هو غربي التصور والإدراك والحكم على الأشياء؟ أيهما أيسر على العقل المصري: أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الانجليزي؟"[31]. وهو سؤال يتصف بقدر كبير من السذاجة المعرفية، وذلك لأنه يستبدل إشكالية الرقي والانحطاط بإشكالية العقل المفتعلة. وذلك لو أن الصيني والياباني كان آنذاك أكثر تطورا من أوربا ومن ثم أكثر استعمارا وتدخلا لكان يمكن فهمه بصورة سهلة لا تعقيد فيها. وينطبق هذا في الواقع على أية موازنة تتصف بالخلل في الرقي وقوة في التدخل. فقد كان الأوربي يعرف عقلية ونفسية العربي المسلم في حال ارتقائه، تماما كما لم يأخذ العرب المسلمين من أوربا المتخلفة آنذاك شيئا ولم يجدوا ضرورة في أن يكون الفرنسي والانجليزي مفهوما لهما. والسبب أيضا يقوم في كونهما لم يكنا موجودين بوصفهما هويات ثقافية قومية مستقلة أو أوربية أو غربية!

غير أن للاستلاب الثقافي فاعليته الخاصة في إثارة الأسئلة والإجابة عليها. فقد أجاب طه حسين على هذا السؤال عبر الرجوع إلى ما اسماه "بتاريخ العقل المصري منذ أقدم عصوره"[32]، الذي كان اكبر العقول التي نشأت في هذه الرقعة (بحر الروم) من الأرض سنا، وابلغها أثرا"[33]. وبغض النظر عن هذه المغالطة، بمعنى انه إذا كانت مصر هي الأقدم، فما معنى الرجوع إلى الغرب الأوربي؟

إلا أن الإجابة التالية كان تهدف إلى تأسيس المقدمة اليقينية الأولى والقائلة، بان تاريخ مصر منذ القدم لا يعرف علاقات أو صلات بينها وبين الشرق. وان أقصى ما كان يميز المصريين زمن الفراعنة بهذا الصدد هو هي محاولاتهم لاستكشاف سواحل البحر الأحمر[34]. وأن العقل المصري كان منذ أيام المقدوني متأثرا ومؤثرا في العقل اليوناني. مشاركا له في اغلب إن لم يكن جميع خصاله... بحيث أصبحت مصر يونانية أو كاليونانية... وان مصر تحولت إلى ملجأ الثقافة اليونانية على اختلاف فروعها وألوانها... والإسكندرية كانت مدينة يونانية وليست شرقية.. والفلسفة الإسكندرية نشأت من تلاقح العقل المصري واليوناني..."[35]. ولم يغير ذلك من هذا الواقع بما في ذلك في المرحلة العربية الإسلامية. فقد "تقبلت مصر الإسلام والعرب ولكن ذلك لم يخرجها عن عقليتها الأولى ولم يجعلها امة شرقية، كما يقول طه حسين[36]. تماما كما أن المسيحية التي ظهرت في الشرق وغمرت أوربا لم تجعل من أوربا شرقية(!!) ولم تغير طبيعة العقل الأوربي[37].

وبغض النظر عن كل هذه المغالطات في التاريخ وأحداثه وخلل الدقة في اختيار المصطلح والعبارة وخلط المفاهيم (شرقية ومتوسطية وغربية وأوربية ويونانية إضافة إلى خلل البنية الفكرية فيما تتعلق بفكرة التاريخ المصري الخاص والتاريخ الثقافي – المصري – العربي – الإسلامي)، إلا أنها كانت تسير ضمن المغالطة الأكبر عن ثنائية الشرق – غرب الأيديولوجية. ونعثر على ذلك في فكرة طه حسين عن أن "العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالا ذا خطر. ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وإنما عاش معه عيشة حرب وخصام"[38].(!!) وعلى العكس من علاقته بالغرب، فان علاقة "العقل المصري" بالعقل اليوناني (الغربي!) منذ عصره الأول على أساس التعاون والاتفاق، وتبادل مستمر منظم للمنافع في الفن والسياسة والاقتصاد"[39]. وبالتالي، فان "العقل المصري من نشأته لم يتأثر إلا بعقل البحر الأبيض المتوسط"[40]. وفي نهاية المطاف نراه يرجع ذلك إلى عامل الجغرافيا والبيئة. وإذا كان هذا التقرير يرتقي إلى مصاف البديهية والجلاء التام، فان تطويعه في الثنائية الأيديولوجية للشرق – غرب قد جعلت منها معضلة عصية في فهم التاريخ الماضي ومفتاح لغلق المستقبل عبر رهنه بأوهام "عقلية" لا عقل فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ ليس استنتاج طه حسين بهذا الصدد عن انه لا مكان للشرق في مصر، بل حوض المتوسط فقط[41]، سوى الصيغة المسطحة للخلط بين أصول الثقافة الأولى وبين الثقافة بالمعنى الدقيق. والثانية لا علاقة لها بالبيئة لأنها تعمل بقواعد ارتقائها الذاتي وفعل مرجعياتها الخاصة.

إلا أن غياب فكرة المرجعية الذاتية "للعقل المصري" في آراء طه حسين قد أدى إلى استبدالها بهوية عائمة هي "العقل المتوسطي". لكنه "عقل" لا علاقة له بالعقل في آراء طه حسين، أي بالذهنية الثقافية، بقدر ما انه تلاعب بالألفاظ. إذ نعثر في آن واحد على "عقل متوسطي" و"عقل يوناني" و"عقل مصري" و"عقل شرقي" أيضا بوصفه شيئا واحدا. مما أدى ويؤدي بالضرورة إلى تشويش لا طائل تحته بالنسبة لتحديد المفاهيم ونحت العبارة. وذلك لان كل كلمة ومصطلح وعبارة وفكرة تقترب من حالة الزلق المعنوي. من هنا تداخل المفاهيم والأحكام في كل واحد لا يجمعه غير الاضطراب في التقييم والمواقف، مثل القول، بأنه "ليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم (المتوسط؟) وتأثرت به فرق عقلي أو ثقافي، وإنما هي ظروف السياسة والاقتصاد تديل من أهل هذا الساحل لأهل ذلك الساحل". وفي مكان لاحق نقرأ ما يلي:"إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوربي(!)، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة، ولم تجرده عن خصائصه التي جاءته من إقليم البحر المتوسط. فيجب أن يصح إن الإسلام لم يغير (ولماذا لا يمسخ؟) العقل المصري، أو لم يغير عقل الشعوب التي اعتنقته والتي كانت متأثرة بهذا البحر الأبيض المتوسط"[42]. أو العبارة التالية: "إن انتشار الإسلام في الشرق البعيد والشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليوناني وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما"[43]. وفي حالة أخرى نقرأ تقييمه القائل، بان الشبه بين الإسلام والنصرانية في ميدان العلاقة بالتراث اليوناني يقوم في أثرها عليهما. فقد "تنصرت الفلسفة وتفلسفت النصرانية"، والشيء نفسه ينطبق على الإسلام حيث "أسلمت الفلسفة اليونانية وتفلسف الإسلام". و"تاريخ الديانتين واحد بالقياس إلى هذه الظاهرة"[44]. والشيء نفسه يمكن قوله عن مصيرهما. فالسيطرة التركية لعبت من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية كما يقول طه حسين. إلا أن قيمة مصر ودورها الثقافي يقوم في أنها استطاعت الثبات أمام غارة الترك. أنها "آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد. فما بال قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[45].

وبغض النظر عن كل الالتباسات والمغالطات الكبيرة في هذه الأحكام وتعميمها السريع والمسطح وانعدام الدقة فيها وتبدلها وعدم ثباتها المنهجي وتقلبها المريع، أي البعيد عن الدراسة العميقة والدقيقة لكل ما تتناوله من أحداث ووقائع وقضايا كما لو أنها مسلمات وبديهيات، إلا أنها تبقى في نهاية المطاف طرفة على خلفية التعميم الأوسع لفكرة العقل المتوسطي ودور "العقل المصري" فيه. مع أن هذه العبارة مثيرة للالتباس والغموض والخلل أكثر من غيرها. فإذا لم يكن هناك فرقا "عقليا وثقافيا" بين شعوب البحر المتوسط فلماذا إذن الحديث عن عقل مصري وآخر متوسطي وآخر يوناني وآخر أوربي. وكيف يمكن للعقل الجزئي أن يكون كليا والثقافات المتنوعة واحدة؟ مع أن إلقاء نظر سريعة على كافة مكونات الثقافة "الأوربية" فيما بينها وفي كلها ومقارنتها بالعربية الإسلامية ومكوناتها لندرك الاختلاف الواسع والهائل فيها وبينها. إلا أن الجامع المانع في هذا التشويش يعود لنفسية وذهنية الاستلاب الثقافي التي تجعل من الاختلاف رذيلة. بينما الاختلاف هو ضرورة ملازمة لتنوع التجارب التاريخية الثقافية للأمم. ومن ثم يصبح البحث عن أوهام الوحدة فضيلة مع انه لا فضيلة فيها. إن الفضيلة الوحيدة الكبرى في التاريخ العالمي يقوم في تنوع تجاربه القومية والثقافية، أي تجارب الأمم التاريخية. ولكل منها مقدماته ومصيره وأثره في التاريخ ووعي الذات. أما بالنسبة لطه حسين، فان غياب فكرة وعي الذات القومي والتاريخي والثقافي، قد أدت به إلى الغرام في أوهام العوام المتسرعة حول تعميمات عابرة وتحويلها إلى مسلمات منهجية كبرى، كما نراه في استنتاجه القائل، بأنه لا يوجد عقل أوربي يمتاز عن العقل الشرقي(!) (ويقصد به المصري!). الجوهر واحد ولكنه يختلف باختلاف الظروف. لكنه لا يحدد لنا ماهية هذا العقل. واستمد هذا الاستنتاج المتسرع من مقارنته المتسرعة أو أخذها العجول من فكرة بول فاليري الذي ارجع "العقل الأوربي" إلى ثلاثة مكونات وهي حضارة اليونان وما فيها من فلسفة وأدب وفن، وحضارة الرومان وما فيها من فقه وسياسة، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحض على الإحسان". وقد نسى هنا طه حسين كالعادة ثبات "العقل الأوربي" من دورها المدمر (الماسخ) ومن ثم انعدام أثرها على هذا العقل. وضع هذا الموقف بالسهولة المعتادة في أساس تقييمه "للعقل الإسلامي" (هناك يجري الحديث عن عقل أوربي، أي قومي وجغرافي وثقافي وليس ديني نصراني، وبالتالي فهي عقول مختلفة). وكتب بهذا الصدد، بأنه فيما لو أخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها، فإنها تنحل إلى هذه الآثار الأدبية والفلسفية والفنية (التجربة اليونانية) والى هذه السياسة والفقه (الروماني) والى أن الدين الإسلامي يدعو إلى الخير الإحسان وانه متمم ومصدق للتوراة والإنجيل. ومن هذه المقارنة الفجة وغير المنطقية والبعيدة عن الدراسة الفعلية والجدية والعلمية "للعقل الإسلامي" والثقافة الإسلامية ومكوناتها وصيرورة مرجعياتها الذاتية، استنتج، بأنه "لا يوجد فرقا جوهريا بين العقل الأوربي والمصري"[46]. وبالتالي من غير المعروف ما إذا كان العقل المصري هنا هو العقل العربي الإسلامي أم العقل الأوربي أم المتوسطي أم المصري الخالص. وإذا كانوا كلا واحد متشابها من حيث الجوهر فما معنى الحديث عن كل هذا التنوع والاختلاف. أما في الواقع فان هذه الاستطرادات والتعميميات لم تكن أكثر من اخذ أمور جاهزة مبنية على أساس مناهج مختلفة في تتبع أسس الثقافة الذاتية (الأوربية) بوصفها جزء من عملية وعي الذات الثقافي (الأوربي) واعتبارها قوالب جاهزة يمكن سكب كل التاريخ الذاتي المعقد والهائل للتاريخ العربي الإسلامي وثقافته فيها. وليس هذا بدوره سوى الصيغة الظاهرية لانعدام وعي الذات الثقافي ومناهجه الخاصة.

وقد وجد هذا الخلل الجوهري منفذه في النهاية تجاه ماهية الثقافة المصرية. وقد وضعه طه حسين بهيئة سؤال حول ما إذا كانت هناك ثقافة مصرية. وقد أجاب عليه بالإيجاب واعتبر وأول "الصفات المميزة لها أنها تقوم على الوحدة الوطنية وتتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا"[47]. بعبارة أخرى، إن وجود وماهية وخصوصية الثقافة المصرية تقوم في كونها مصرية، أي تتمتع بخصوصية الوطنية الخالصة. وبغض النظر عن هذه الإجابة هي مجرد تحصيل حاصل، وذلك لأنها تنطبق من حيث الجوهر على كل ثقافة وطنية، إلا أن خصوصيتها تكمن في أولية المصري على العربي، أو الوطني على القومي، أو المحلي على العام، أو الجزئي على الكلي. لهذا نراه يقول، بأنه حتى اللغة العربية ستتخذ في مصر هيئة الأداة المرنة الأنيقة الرشيقة التي لا تنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطبع ولا تكلف قارئها مشقة وجهدا(!!). ولهذا وقف بالضد من أولئك الذين يقولون باشتراك اللغة العربية بين مصر وغيرها من البلاد العربية. فالاشتراك حق "ولكن لمصر مذهبها الخاص في التعبير كما أن لها مذهبها الخاص في التفكير" كما يقول طه حسين. ووجد هذه الخصوصية في تضافر ثلاث عناصر أولية كونت الثقافة المصرية وهي كل من التراث القديم، والتراث العربي الإسلامي، واكتسابها من الحياة الأوربية الحديثة"[48].

إننا نقف أيضا أمام تحصيل حاصل مبني على أساس إرجاع "الثقافة الخاصة" للمكونات عامة يمكن تطبيقها حذو النعل بالنعل على المغرب وتونس وسوريا والعراق والسودان ولبنان والجزيرة وغيرها. ذلك يعني إننا لا نعثر هنا على تشخيص دقيق لماهية الثقافة المصرية بقدر ما نعثر على تقرير أمور عامة لا علاقة لها بماهية الثقافة كما هي. وقد يكون الشيء الوحيد الذي يمكن تلمسه هنا هو أن المصرية تعطي للعربية هيئة الرشاقة والمرونة والأناقة وما شابه ذلك من كلمات هي مجرد مفردات في العربية نفسها لا علاقة لها بالمصرية والعراقية والشامية وغيرها بقدر ما أنها جزء من تطور الثقافة والإبداع ومستوى المعاناة والهموم والتعبير عنها. والشيء نفسه ينطبق على المخرج النهائي لفكرة طه حسين من أن "الثقافة ليست وطنية خالصة ولا إنسانية خالصة (يقصد عالمية). ولكنها وطنية إنسانية معا، وهي في أكثر الأحيان فردية أيضا"[49]. وهي أيضا عبارة فضفاضة ولا تستقيم مع ما قبلها. ومنها وعليها استنتج الحكم العام القائل، بان "في مصر ثقافة مصرية إنسانية فيها شخصية مصر القديمة الهادئة، وفيها شخصية مصر الباقية الخالدة. وهي في الوقت نفسه إنسانية قادرة على أن تغزو قلوب الناس وعقولهم وتخرجهم من الظلمة إلى النور"[50].

إننا نقف هنا أمام صيغة خطابية عامة لا إشكالية فيها مع أنها وضعت إحدى أهم الإشكاليات، وإجابة لا تحتوي على إجابة تستقيم مع المنطق والعقل التحليلي والرؤية الواقعية والمستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في ضبابية فكرة "الشخصية القديمة الهادئة" و"الشخصية الباقية الخالدة"، بل وبدعوى قدرتها على غزو القلوب والعقول بإخراجهم من الظلمة إلى النور! أي إننا نقف أمام خطاب لاهوتي متعال ومتناقض من حيث مقدماته وأساليبه وغاياته. والسبب يكمن أساسا في خلل الرؤية المنهجية واستلاب الإبعاد الثقافية، إضافة إلى ضعف وعي الذات الثقافي العربي. ومع أن طه حسين لم يضع الوطني المصري الجزئي من القومي العربي العام، إلا أن أولوية الوطني والجزئي ظلت سارية المفعول في رؤيته وتقييمه وخطابه الثقافي نفسه. أما القوة الوحيدة التي كانت تدفعه بطاقتها الذاتية صوب توسيع مدى الرؤية القومية الثقافية العامة فهو الاهتمام الرئيسي بالتراث الأدبي العربي. لهذا لم تتخذ الأبعاد الثقافة القومية العامة موقعها في فكره وتفكيره بصورة منهجية، بقدر ما كانت تبرز بين الحين والآخر ضمن سياق الاهتمام الجزئي، أي أنها لم تكن في أفضل الأحوال أما نتاج رؤية نفعية أو وظيفية عملية أو جزء من رؤية مصرية خاصة، كما نراه على سبيل المثال فيما يمكن دعوته بدور مصر الثقافي العربي. فقد انطلق من تقييم عام سليم يقول، بأنه تهيأت لمصر في العصر الحديث ما لو يتوفر لغيرها بهذا الصدد. ولا بأس من أن تتحول إلى ممثل أعلى بهذا الصدد. وان تبذل ما بوسعها وما يتوافق مع كرمها. لكنه وجد في الوقت نفسه بان ما تقوم به بهذا الصدد زهيدا جدا، بل أنها "لم تفعل في سبيل ذلك شيئا"[51]. بل ونراه يرفع تقريرا إلى الوزير من اجل المساهمة في إنشاء مدارس مصرية (عربية) في الشام ولبنان وفلسطين عوضا عما تقوم به الدولة الأجنبية مثل فرنسا وأمريكا[52]. وهنا يتوصل طه حسين إلى فكرة دقيقة تقول بان إهمال التعاون الثقافي بين الدول العربية سوف يؤدي إلى مصاعب سياسية لاحقا[53]. لهذا نراه يدعو إلى تعاون ثقافي "بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى"[54]. وينطلق في تأسيسه لإمكانية تنفيذ هذه المهمة من انه لا احد في الدول العربية يكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية "تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية" و"يحملها إليهم معلمون شرقيون مثلهم يتحدثون بلغتهم ويشاركوهم في الذوق والميل والشعور"[55]. من هنا نراه يتكلم عن "حق مصر" في أن تقوم بإنشاء مدارسا "مصرية في البلاد العربية". ووجد في ذلك احد أسس ومصادر التعاون الثقافي بين الأقطار العربية. على أن يكون العاملون فيها ليس من مصر فقط، وان تبنى مناهج هذه المدارس على أساس تربية التاريخ الوطني والجغرافيا الوطنية لهذه الدول بحيث تربي أجيالا وطنيون لأوطانهم لا لمصر. أنها المهمة المرتبطة بما اسماه طه حسين بما على مصر من حق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد. وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء"[56]. بل ودعا إلى أن تساهم مصر في بناء مدارس في الجزيرة العربية التي لا يستطيع الأجانب الدخول إليها. ولا يكفي أن تبني مدرسة واحدة في مكة وأخرى في المدينة[57]. والغاية من وراء ذلك هو بلوغ ما يدعو طه حسين "بالتعاون على تنظيم الثقافة وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. وبل ونراه يربط ذلك بفكرة عميقة ودقيقة عما يدعوه بحاجة هذه البلاد إلى "توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدا". رغم انعدام صياغة دقيقة لهذا "المثل الثقافي الأعلى". والشيء نفسه يمكن نلحظه في موقفه من المهمة التي ينبغي أن تناط بالجامعة المصرية. فقد اعتقد بان مهمتها بهذا الصدد تقوم في تحويلها إلى ميدان "التقاء الثقافات وامتزاجها وصهرها في العقل المصري الذي يسبغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئا ما بطابعه المصري الخاص. وهو قادر بعد ذلك على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية غربية عربية أوربية بريئة مما يفد الثقافة عادة من التعصب والهوى"[58].

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى أبعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة... نعم! أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وأرى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[59].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[60]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في أرض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان يلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الأظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء محبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!(انتهى)

***

 

..................

[1] إن "مستقبل الثقافة" في مصر يشكل الإطار النظري للكتاب، بينما محتواه الفعلي والعملي فيتركز حول مستقبل التربية والتعليم. أما التأسيس الثقافي لمستقبل الثقافة فهو كمية من المغالطات والتمنيات. وقد سبق للفكر الإصلاحي الإسلامي إن وضع هذه الفكرة ضمن سياقها التاريخي والفكري والذاتي السليم.

[2] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[4] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص9.

[5] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[6] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص45.

[7] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص273.

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص348-349.

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص350.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[11] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[12] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[13] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص26

[14] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14.

[16] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص14-15.

[17] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15-16.

[18] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص30.

[19] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص31.

[20] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص33.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص47.

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص150

[23] طه حسين: حديث المساء، ص151.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40-43.

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص11.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 36.

[27] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص38.

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص40.

[29] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص44.

[30] اذ لم يكن الخديوي إسماعيل مصريا بالمعنى الدقيق للكلمة وليس عربيا بالمعنى الثقافي، بل من بقايا المماليك وتقاليدها.

[31] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[32] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13

[33] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص13.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص21.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص 23.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص15.

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص17.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص23-24.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[44] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص24.

[45] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[46] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص28-29.

[47] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص377.

[48] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص378

[49] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[50] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص379.

[51] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص370.

[52] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372.

[53] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372

[54] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الإدراك الجزئي يتعارض مع منطلقه المنهجي الناكر لهذه المكونات بالنسبة للدولة والقومية والثقافة الحديثة! كما تجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن هذه المكونات لا تفعل بحد ذاتها على توسيع الوعي الثقافي العربي ما لم تمتلك تاريخها الموحد وانتمائها وكينونتها وكيانها القومي في الوعي النظري والعملي.

[55] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص372. وهنا أيضا خلط في استعمال الكلمات والمصطلحات التي صب جام غضبه عليها في الصفحات الأولى للكتاب، واقصد بذلك عبارة "العربي الشرقي" و"المعلم الشرقي" ويقصد به المصري. وهي صفة تميز في الواقع اغلب ما سطره طه حسين، بمعنى نسيان ما يكتبه قبل ذلك. ومن الممكن رؤية هذا الخلل أيضا فيما انتقده عليه ساطع الحصري من مآخذ على العبارات والكلمات والمواقف تجاه الفكرة القومية العربية. إلا أن الأسباب الكبرى تعود أساسا إلى الخلل المنهجي وضعف التأهيل النظري الفلسفي، وصعوبة تأمل النصوص المكتوبة بصورة دائمة بسبب عدم قدرته على القراءة الشخصية ومقارنة الصفحات. وعموما يمكنني القول، بان نموذج طه حسين بهذا الصدد لم يكن معزولا عن ضعف القراءة المتأملة (بفعل ثقافة الاستماع والإنصات للرواية والحكاية) واثر الماضي (الدراسة الأزهرية) وأمية الحاضر، في استلهام أدب الغرب المعاصر من اجل السير فيما كان يعتبره ضروريا بالنسبة لتنوير عقول العوام ومداركهم. وهي فضيلة كبرى لكنها جزئية، بمعنى أنها لم ترتق ولم يكن بإمكانها الارتقاء إلى مصاف الفكرة العامة والرؤية المنظمة بما في ذلك في ميدان الأدب والدراسات الأدبية.

[56] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص373.

[57] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص374.

[58] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص376.

[59] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[60] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. ففي اغلبها هي تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو يما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة..." طه حسين: حديث الأربعاء، ج1، ص5.

 

 

mutham aljanabi2إن الصفة الغالبة على كل ما كتبه طه حسين هي التشويش الفكري، والذي نعثر عليه بين مقال وآخر وصفحة وأخرى في كل ما كتبه على امتداد حياته الطويلة. بحيث نعثر عنده على كل شيء من شك ويقين في آن واحد وبين لحظة وأخرى، مثل أن نراه يكرر عشرات المرات القول بأن الأدب مرآة تعكس الحياة والواقع، وفي أماكن أخرى يردد على انه لا معنى للأخذ بنظرية الشعر ومرآة الشاعر والأدب مرآة الأديب، وأنه لا يعرف إن كان الشعر مرآة شيء وما هو هذا الشيء، وإن نقد الناقد يصور لحظة من لحظات حياته اشتغل فيها بلحظات من حياة شاعر أو أديب[1]. وقد يكون كتابه عن المتنبي وكتاب (ألوان) من بين نماذجها الجلية بهذا الصدد. ففي كتابه (مع المتنبي) يبدأ بأمور صغيرة وينتهي بتشويش من قبيل هل أن المتنبي عربيا؟ ولماذا لم يشر إلى أبيه ويرثيه وما شابه ذلك[2]. مع أنها صفة اغلب الشعراء والأدباء والفقهاء والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم. بل إن الكتاب نفسه كما يقول طه حسين نفسه لا علاقة له بالعلم والنقد[3]. وإن  "العيش مع المتنبي" بالنسبة له كان "خارج الدرس والبحث"، وانه للتأمل والراحة والاسترخاء والانفراد والانعزال[4]. وفي النهاية يقول، بأنه في مجرى البحث ترك اللهو والعبث وتناول المتنبي بجدية[5]! ثم يقول، بان ما سطره قد لا يكون عن المتنبي أكثر مما يكون عن نفسه، أي انه أدب الانطباعات الشخصية وليس أدب الفكر أو فكر الأدب بالمعنى الدقيق للكلمة! وقد ميزت هذه الصفة اغلب كتابات طه حسين، أي امتلائها بالحشو والتكرار الممل والانتقال والقفز من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر دون رابط يربطها غير تقاليد الحكاية والرواية الشعبية. ففي كتاب (ألوان) نعثر على هذا النموذج بصورة جلية، أي نقف أمام حالة نموذجية للتشويش الفكري أو بصورة أدق انعدام الفكرة المنطقية وتسلسلها في شكلانية البحث. الأمر الذي جعل من "المقالات والبحوث" فيه مجرد تنقلا لا يربطه شيء غير "الكلام المرسل"، كما هو الحال على سبيل المثال في مقال "الأدب العربي بين أمسه وغده". إذ يمكن للقارئ التنقل فيه أو القفز من مكان إلى آخر ومن تاريخ إلى آخر ومن أحداث إلى أخرى، بحيث تجعله، شأن اغلب ما كتبه بهذا الصدد، من مقالات مليئة بالحشو الذي لا طائل فيه أو تحته قبل أن يدخل صلب الموضوع[6]، أو نسيان الأحكام والإتيان بما يناقضها بعد قليل أو تغليب الجزء على الكل والخاص على العام والعابر على الثابت. مما يؤدي بالضرورة إلى خلل الترابط المنطقي وإهلاك النزعة النقدية من مضمونها المعرفي بوصفها قوة رابطة للفكر والعقل والأحكام المجردة والتطبيقية. إذ نراه على سبيل المثال يدعو إلى التحرر مما اسماه "بالعقال الاجتماعي"، إلى أن تأخذ الحرية مسارها على سجيتها ولو قليلا، بلا تحرج ولا إسراف في الاحتياط. من هنا نقد لما اسماه بالاحتياط والتحرج المميز للأدب العربي الحديث، الذي يفكر بالقارئ والعامة أكثر مما بنفسه. ومن ثم دعوته إلى الوقوف ضد التيار الذي جعل من نفسه "عبدا للجماعة وخادما للقراء"!! من هنا دعوته للتمرد على الجماعة. وهي أفكار سليمة من حيث الصيغة المجردة. لكنه بالمقابل، وفي نفس الكتاب نراه ينتقد حالة التهور المميزة لبشار بن برد والمتنبي، مع أنهما النموذج الأكثر تجسيدا (رغم قلته القليلة جدا) في التحرر من العبودية للجماعة وإعلاء شأن الحرية الفردية والاندماج شبه التام بها سواء بمعايير الإبداع أو الحياة الشخصية. ولم يكن ذلك فيما يبدو معزولا عن اثر "التدريس" التقليدي الأزهري الذي غاص في أعمق أعماقه بحيث لم يكن بإمكانه التحرر من ثقله الجاثم عليه رغم محاربته المريرة له. وليس مصادفة أن يكون اغلب "الجديد" الذي قدمه طه حسين هو جديد ضمن قديم. الأمر الذي لم يجعل من أفكاره قوة فاعلة بمعايير الوحدة المعرفية، بقدر ما جعل منها شيئا أشبه ما يكون بطبخة لا يجمعها غير توابل منهج ضعيف من حيث تأسيسه وبنيته النظرية ووسائله ووظيفته. وقد يكون كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) نموذجا لهذا التشويش والخلل المنهجي عندما ننظر إليه بمعايير النقدي المنهجي، أي حالما ننظر إليه من زاوية الرؤية المنهجية وليس من زاوية رؤيته التطبيقية المتعلقة بأمور الدراسة والتدريس ومتطلباتها. فالكتاب يسعى لتأسيس رؤية ثقافية كما انه يتناولها بمعايير الرؤية المستقبلية. بمعنى انه يجمع بين مكونين لا نعثر عليهما في كل ما كتبه قبل ذلك وبعده.

وهذا بدوره لم يكن معزولا عما يمكن دعوته بمصدر الخلل المنهجي وخلل الرؤية المنهجية القائم في كيفية ومستوى استيعاب المنهج الديكارتي وخلطه ببقايا ورواسب وتأثير الرؤية التقليدية. فقد كان المنهج الديكارتي عند طه حسين يتسم بطابع جزئي ونسبي وأدبي، أي لا علاقة له بالمقدمات والأسس الفلسفية للرؤية النقدية. كما انه يتسم بطابع "مقدس"، أي مستلب من حيث فهمه وتوظيفه. الأمر الذي يجعل من الممكن القول، بان فهم وتطبيق طه حسين للمنهج الديكارتي وقف من حيث الجوهر عند حدود الاستلاب المعرفي للديكارتية، أي لنمط من أنماط التفكير الفلسفي الأوربي. تماما كما سيجري لاحقا التنافس حول من هو الأفضل من بين مناهج الفلسفات الأوربية الحديثة بالنسبة للفكر والتفكير "العربي الحديث". بينما لم يعن ذلك في الحقيقة سوى المنافسة في تعطيل الفكر والتفكير تحت حمية أوهام النقد والتجديد وما شابه ذلك. وقد وقع ذلك في أساس التشويش الفكري لطه حسين، أي تضافر الطابع الجزئي والنسبي للمناهج، وعدم إدراك الحقيقة القائلة، بان "المناهج العلمية" هي أيضا مناهج ثقافية، أي جزء من معترك المسار التاريخي المعقد لتجارب الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وليس مصادفة أن تكون اشد الأشكال نقدية في كتابات طه حسين، أو بصورة أدق ما تحدث عنه، لم يكن خارجا عن إشكالية التأثير الأوربي المباشر وغير المباشر في الوعي المصري. بمعنى انه كان أسير هذه العلاقة السيئة، أي علاقة الوجود المتفاعل للنقد العقلي والاستلاب الثقافي! وليس هذا بدوره سوى الصيغة الغريبة لتعايش النقد والاستلاب. فعندما يتناول طه حسين على سبيل المثال، قضية القديم والجديد في التراث العربي الإسلامي، فإننا نقف أيضا أمام محاولة نقله إلى ميدان الروح الأدبي والفكري. ومن ثم النظر إليه باعتباره صراعا من اجل الفكرة والسمو والمعرفة والإبداع على خلاف الصراع السياسي وصراع المصالح[7]. وفي الوقت نفسه نراه ينظر إليه على انه في كله كان محكوما بصراع الدين والحياة المادية. من هنا قوله، بأننا نراهم في الدنيا أحرار ويتقدمون وفي الدين إلى الوراء. والعقل حائر بينهما[8]. الأمر الذي طبع بدوره تناقض حياتهم المادية والأدبية. إذ كانوا أحرارا في الحياة المادية، محافظين في الحية الأدبية، كما يستنتج طه حسين[9]. ووجد في هذا التناقض السبب الذي أدى إلى أن "يكون الأدب العربي بطيئا قليل الإنتاج". ولم يقف عند هذا الحد غير الدقيق في التعميم، بل نراه يتعداه إلى القضية الأكثر إثارة ألا وهي بحثه عما يدعوه "بالسبب الأساسي الذي حال بين الشعر العربي وتجدده وهو أن الثقافة العربية لم تعرف من آداب الأمم شيئا يذكر. جهلوا أدب اليونان وفارس والهند ولم يأخذوا إلا القليل"[10]!! بل نراه يسير في هذا الاتجاه بحيث نسمعه يقول، بأنهم "لم يروا نماذج جديدة يقلدوها ويحاكوها"[11]!!

إننا نقف هنا أمام رؤية وموقف وتحليل واستنتاج ضيق وسطحي وفاقد للمعنى. وذلك لان الأدب الكبير تلقائي في كل شيء. وتجربة الثقافة العربية الإسلامية أصيلة بذاتها تماما كما تمتعت الثقافة اليونانية في آدابها بأصالتها الخاصة. وينطبق هذا على الهندية والصينية والفارسية وغيرها. كما أن الثقافة العربية الإسلامية كانت من حيث أعماقها وأساليبها وأشكالها ومستوى تعبيرها ترتقي إلى مصاف الثقافة الكونية بما في ذلك في الأدب. ومأثرتها كانت بالذات تقوم في كونها لم تقلد ولم تحاكي ولم تر في ذلك ضرورة بسبب تلقائية تطورها الذاتي وفاعلية المرجعيات الثقافية والفكرية والروحية الكبرى الكامنة في وحدة أو منظومة مسارها التاريخي. ولعل تجربة الاختلاط الحديثة للثقافة العربية ومحاكاتها المتنوعة وأخذها بمختلف النماذج الجديدة لم تصنع شعرا أو أدبا عظيما. فالأدب العظيم في كل مكان وزمان هو أولا وقبل كل شيء نتاج ذاته. والتقليد والمحاكاة لا تصنع شعرا ولا أدبا حيا.

إلا أن هذه الصيغة النقدية في آراء ومواقف وأحكام طه حسين، التي تستوحي في "أنموذجها" الضروري للمحاكاة ليست إلا الصيغة المنمقة للاستلاب الثقافي بشكل عام والفكري والروحي بشكل خاص. أنها تعكس مزاج مرحلة الاحتكاك الأولية بالثقافة الأوربية وسطوتها الحارة والجلية في طبعها ختم النموذج الجاهز على عقول وأفئدة المثقفين والأدباء. وليس مصادفة أن نرى طه حسين ينطلق في فهمه وشرحه وتقييمه لأي شيء، مما إذا كان هذا الشيء موجودا في أوربا بشكل عام واليونان بشكل خاص أم لا(!). بحيث وصل به الأمر للقول، بان الشاعر العربي في عصر الحضارة بقى بدويا، بينما في اليونان عاش مترفا بالحضارة وأثرها فيه[12]!! وهو حكم لا يستقيم من حيث الشكل والمحتوى والفكرة مع واقع ونماذج الشعر العربي واليوناني في عصور ما قبل الحضارة وفي مجراها وبعدها. كما انه حكم لا قيمة له بحد ذاته، وذلك لأن لكل ثقافة خصوصيتها. وقيمة الإبداع تقوم أولا وقبل كل شيء في كيفية تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها وليس فيما إذا كان هذا النوع أو الصنف أو الشكل من أشكال الإبداع موجودا فيها أم غير موجود. إذ لا تحتوي أية ثقافة على كل ما في ثقافات الأمم الأخرى. كما لا توجد ثقافة كونية مطلقة، وبالتالي لا يمكن لأي منها أن يكون نموذجا "أبديا" أو "مطلقا". والاستثناء الوحيد هو لوعيها الذاتي.

إن تمثل مرجعيات الثقافة الخاصة وتوسيع مداها هو الأسلوب الوحيد الواقعي والأصيل للإبداع والحرية فيه. ومن ثم تأصيل الحرية في كل شيء. غير أن طه حسين "المتنور" بتقاليد التنوير الأوربي، والمكتفي في الأغلب ببعض معطيات وفتات الثقافة الأوربية، والمنبهر بكل ما فيها، والواقع تحت تأثير إسار عالميتها المطلقة، كان لابد له من البقاء ضمن تأثيرها المستلب، بحيث نراه يهتم أيضا حتى بترجمة (نظام الأثينيين) والتقديم له بمقدمة عادية مليئة بالأغلاط الفكرية[13]. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن الإعجاب المفرط بالثقافة الأوربية، والانهماك الفرح في أوهام وأغلاط أوْرَبة الثقافة الإغريقية. وليس مصادفة أيضا أن نراه على سبيل المثال، حالما يجري الحديث عن التاريخ العربي الإسلامي، يكرر عبارات مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان..."، لكننا بالمقابل نعثر على عبارات "ومما لا شك فيه..." حالما يجري الحديث عن اليونان وفرنسا!!

وإذا كان لتطويع قلمه وفكره وقلبه وفؤاده من اجل نقل بعض الجوانب الصغيرة للحياة العقلية والأدبية الأوربية أثره المهم بالنسبة لتنوير العقل وتحرير الوجدان الفردي والاجتماعي، فان حصيلته الفعلية بالنسبة لمسار الفكرة التاريخية والثقافة القومية كانت هشة وزهيدة. مع ما فيها أحيانا من تضخيم لا أساس له بمعايير الرؤية المنهجية والعلمية. فعندما يتكلم على سبيل المثال عما يمكن دعوته بالمسئولية الفردية للمثقف في عمله ونقله للآداب الأجنبية (والذي لم يتعد في اغلبه أن يكون مجرد تلخيص بسيط لكتابات بسيطة)، فانه كان يدرك سوء هذه المهمة (التلخيص) وأثره بالنسبة لإفراغ النص. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى انه "يبذل جهد المقل، وينفق ما يملك من قوة ويحتمل ما يستطيع احتماله من مشقة، ويرى واجبا عليه أن يأتي ما آتي من ذلك، ويرى من التقصير أن يكسل إذا كسل غيره أو يهمل إذا آثر غيره الإهمال"[14]. من هنا نراه ينقل ما يدعوه بنماذج من "سخرية الأذكياء، وما هو مدعاة للضحك، وما يجمع بين الراحة واللذة والانتفاع"، كما يتكلم عن أدب الشبان الذين يزدرون التقاليد. وكذلك القصص التي تتناول الشيخوخة واليأس والأمل.

وفيما لو ضعنا هذه المحاولة ضمن سياقها التاريخي وأثرها الفعلي بالنسبة لتنوير الإبداع، فانه لا جديد فيها بتاتا، كما لا تحتوي على أية قيمة نوعية بالنسبة لتأسيس المنهج المبدع. فهي لا تتعدى كونها محاولة صغيرة لتصوير بعض ملامح "الجديد" في الأدب الأوربي، وزرع بعض القيم الأوربية الحديثة المتعلقة بكل من الهجاء السياسي (غير المباشر) في قصة (احمر) وقيمة الحب بحد ذاته (خارج شروط العلاقات الاجتماعية والواقع) واستعمال الكتابة الأدبية للترويح عن النفس وأشياء أخرى من هذا القبيل. ووضع ذلك بعبارة "أفكر وأدعو القارئ إلى التفكر في بعض المسائل التي يفكر الناس فيها من وراء البحر"(!) مثل إظهار الرموز الاجتماعية والطبقية وليس الأفراد بالضرورة، ونقد الفن والذوق الفني العام الساعي للاستحواذ على العقول والأفئدة. وليست هذه العبارة في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الملطفة للاستلاب الثقافي والفكري. إذ لا تفكر فيها على الإطلاق، لأنها في أفضل الأحوال والنيات، أشبه ما تكون بأحلام يقظة، مثل توهم السباحة في بحار دافئة لامرئ يعاني من شدة البرد. ووجد ذلك في موقف "منهجي" جسده في نقله الحكواتي لمختلف القصص (القصيرة) من مختلف الشعوب الأوربية لكي يعرض "على القراء صورا من الأدب التمثيلي الغربي، يمثل أمزجة الأمم الأوربية الكبرى على اختلافها وتباينها". واستكمل ذلك بعبارة يقول فيها، "إذا كان هذا ديدن الفرنسيين فلا بأس من أن نقلدهم في ذلك ونذهب مذاهبهم. والسبب هو عدم وجود أدب عربي أو مصري يمكن الاعتماد عليه والاطمئنان إليه والاكتفاء به".

أما الحصيلة فهي وقوفنا أمام تنوع كبير ورغبة بمقدارها لإجلاء مختلف مجالات وميادين الأدب الفني الأوربي، وجعله مقبولا في كلّه وتنوعه لأنه إنساني، والعمل من اجل إثارة الاهتمام الفكري تجاه القضايا التي يتناولها، والاهتمام الروحي تجاه المعاناة المشتركة، ومن ثم مساعدة الإبداع للتأمل والإنتاج. إلا أن هذه الرؤية النقدية ليست فكرة قائمة بذاتها، بقدر ما أنها الغلاف الخارجي للاستلاب الفكري والمنهجي والثقافي، التي تجعل من كل إنتاج محتمل مجرد محاكاة. بمعنى أنها لا تستند إلى رؤية منهجية ومنظومة فكرية بمستواها تنطلق من مقدمات الرؤية التاريخية واستشراف الأفق المستقبل الذاتي، بقدر ما أنها خضعت منذ البدء لعامل الانبهار والتقليد "العلمي" ومصادفات الاختصاص والإعجاب الشخصي والتفضيل الفردي، كما هو جلي في الموقف من أبي العلاء المعري، أي تلك الشخصية التي شكلت من حيث وجودها وأثرها وإبداعها موشورا لكل ما كان يعتمل فيما يبدو في أعماق طه حسين. إذ نراه يدرجه في كل ما يواجهه من أحداث وشخصيات. لهذا نراه يلمع بين ثنايا الشخصيات الأوربية التي ينبهر بها مثل بول فاليري وأمثاله. وليس هذا في الواقع سوى الصيغة النفسية ولحد ما الذوقية الجمالية للاستلاب الفكري والثقافي. كما أنها الحالة السائدة في الثقافة المستلبة لمصر والعالم العربي ككل. إذ كلما عثر أحدهم على شيء ما في "الغرب" قريبا إلى ما في التراث العربي الإسلامي أو اختصاصه الشخصي كلما تصبح المقارنة والبحث عن المعنى والتأسيس وما شابه ذلك من أعمال خاوية لا قيمة علمية فيها، هاجسا فاعلا في السر والعلن والظاهر والباطن. بينما لا تتعدى حقيقة هذه الأعمال والمقارنات والاستنتاجات أن تكون مجرد اجترار للذاكرة والكتابة، رغم كونها لا تخلو من فضيلة صغيرة تقوم في إبراز قيمة التراث العربي الإسلامي. لكنها فضيلة تابعة وليست نابعة من ذاتها ولذاتها. من هنا احتمال ولحد ما حتمية إثارتها لما يمكن دعوته بغلو المراهقة الثقافية. مع ما يترتب عليه من استلهام مثير لصغار العقول، وضعاف التجربة، ومشلولي الرؤية التاريخية، ومعدومي الفكرة المستقبلية بوصفها تطورا تلقائيا وملازما لكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة على مستوى الدولة والثقافة والقومية. وقد يكون موقفه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان نموذجا حيا بهذا الصدد. فعوضا عن أن يجري التأسيس لها بمعايير الرؤية الواقعية والتاريخية والمستقبلية الذاتية نراه يرفع من شان وأولوية ما يسميه بالارتباط بأوربا وتقاليدها باعتباره أمرا اضطراريا[15]. أما ذروة هذه الرؤية فنعثر عليها في تكافؤ فكرة العظيم مع فكرة الانتماء إلى أوربا والاقتداء بها. إذ نراه يصف إسماعيل باشا بالعظيم لأنه قال:"مصر جزء من أوربا"[16]. فهي الصيغة غير الواعية، رغم نيتها السليمة، في جعل الاستلاب قيمة ايجابية. أما في الواقع فانه لا يعدو كونه وهما مخربا. وذلك لأن الجزء لا يمكنه أن يكون ذات مستقلة، ومن ثم لا يمكنه أن يكون قوة فاعلة ومبدعة بذاتها. أما دعوة طه حسين للعمل من اجل رفع العلاقة بأوربا إلى مستوى "الاضطرار" فلم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر للفرار من ثقل المواجهة الحية للنفس بمعاييرها ومقدماتها. وبالتالي لم يكن بإمكان مشروعه عن ضرورة أو إمكانية تحقيق ذلك من خلال التربية والتعليم السليم المستند إلى توظيف الأموال فيه من اجل بلوغ الرقي الاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال، سوى الصيغة الأيديولوجية التي لم تصنع ولم يكن بإمكانها أن تصنع شيئا جديا.

ذهنية البهرجة والإثارة! 

لقد كانت عقلانية طه حسين عقلانية مبتورة. والشيء نفسه ينطبق على نزعته النقدية والإنسانية والعلمية. وهي أتعس أنواع العقلانية. وذلك لأنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على توسيع مدى التسطيح والتهور المعرفي الذي يجعل من أنصاف المتعلمين وأشباه الجهلة "عمداء" الفكر والثقافة. أما النتيجة فإنها تقوم في حفر أخدود الراديكاليات النفسية وجعلها الطريق المبلط للحثالة عبر تحويلها إلى"طليعة" المجتمع والتاريخ! وليس مصادفة أن يتحول أزلام السلطة إلى أبطال الفكر والعقل! والحزبي إلى قائد "أبدي". بينما يقتنع المثقف بدور الوسيط القابل لكل الصور بين إلوهية مفتعلة وربوبية اشد زيفا! وليس مصادفة أن يتحول دكتاتور شبه أمي مثل صدام حسين إلى "كاتب روائي" والقذافي إلى "مفكر النظرية العالمية الثالثة"، وخطاب كل عابر طريق إلى "مدرسة تاريخية"!

طبعا ليس لطه حسين وأمثاله علاقة مباشرة بهذه الظاهرة ونتائجها المخيبة والمخجلة، إلا أن طبيعة "الفكر" الذي جرى ابتذاله و"غرسه" في الوعي من خلال الولع بالإثارة والانهماك المفرط بالتقليد وتقديمه على انه "حصيلة الثقافة العالمية"، مع ما يرافقه من "تدنيس" التراث الذاتي والتطفل عليه في الوقت نفسه، هو الذي أدى الى تهميش الفكر الحقيقي. ومن ثم توسيع مدى الفكرة النفسية والأيديولوجية وإسباغ معالم الاكتشافات الكبرى فيها وعليها. مع أنها في حقيقتها مجرد أوهام وزبد لا قيمة فيهما سواء بمعايير الحق والحقيقة أو بمعايير التطور التلقائي للأمم.

 وليس مصادفة أن يتحول تاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصر إلى ميدان التجريب البليد للأيديولوجيات "الليبرالية" و"العلمانية". وأن تتكلل في نهاية المطاف بصعود نقيضها الديني و"الأصولي" وصراعهما المستميت حول حقيقة لا حق فيها، وحق لا حقيقة فيه!

إن  هذه المقدمة ترمي إلى القول، بان مقصود هذا النقد يقوم أيضا في نقد السائد بين تيارات "الليبرالية" التي لا حرية فيها، و"العلمانية" التي لا دنيوية فيها. فالأولى مجرد خطاب أيديولوجي صرف لا علاقة له بروح الأمة وجسدها ولا وجدها ووجودها، والثانية مهاترة لا علاقة لها بنقد الدين والدنيا ولا الأرض والسماء. ولعل ما يجرى الآن من أحداث درامية هائلة في العالم العربي أو ما ادعوه بالطور الجديد في الكينونة العربية الحديثة، هو الوجه الطبيعي والتاريخي والواقعي لنفي كمية ونوعية الثقافة الهشة التي بلورها رعيل مازالت تغلب ميوله ونماذجه على ما ادعوه بثقافة الزمن الفارغ وانعدام التاريخ الفعلي، أي ثقافة الاجترار وانعدام التأسيس التلقائي لإشكاليات الوجود التاريخي والمستقبلي للأمة. ولعل في نقد شخصية طه حسين إشارة أو مثال أو دليل أو إيماءة الى هذه الحالة.

طبعا، إن الشخصيات الكبرى لا تخلو من متناقضات تلازم حجمها الفعلي في تراكم الوعي الثقافي. فالثقافة هي الأخرى كتلة من متناقضات حية. وكثرة المتناقضات فيها دليل على حيويتها. والمقصود بالمتناقضات هنا كل ما بإمكانه التحول إلى وحدة جميلة بمعايير المطلق. فمعرفة المطلق تفترض معرفة جمعه بين الأضداد، كما تقول المتصوفة. وبالتالي لا تدخل ضمن هذا السياق تناقضات الغباء والبلادة والحماقة، وذلك لأنها من عالم آخر، ولا يحدها شيء لأنها بلا حدود!

وعادة ما تضع هذه المقدمة العامة المرء أمام إشكالية جدية وقلق معرفي وأخلاقي حالما يجري تطبيقها على شخصيات "أدت دورها" الثقافي في الوجود التاريخي للأمم. من هنا إجبارها لسان الحال والمقال، أي العقل والوجدان، على الوقوف أما الكلمة والعبارة والمعنى والغاية من اجل بلورة أسلوب مهمته تأسيس المواقف بوصفها جزء من تاريخ الحقيقة؛ وتنظيم الحقائق بصفها جزء من تراكم المعرفة الحية؛ وتوسيع مدى المعرفة الحية بوصفها جزء من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي.

وفيما لو حاولنا تطبيق هذه المكونات الثلاثة الضرورية لهذه المقدمة النظرية العامة المتعلقة بأصول وجذور الثقافة التاريخية الحية، فأننا لا نعثر من حيث الجوهر على صيغة ترتقي إلى مصاف الوضوح والرؤية المنظمة في كل ما كتبه طه حسين. بمعنى أنها تبقى في أفضل الأحوال مجرد مواقف جزئية لا ترتقي بآي حال من الأحوال إلى مصاف التأسيس الفكري. ولم يكن ذلك معزولا عن ذهنية الاستلاب الثقافي المتغلغلة في ذهنية ونفسية طه حسين وضعف تأهيله الفلسفي. فقد كان طه حسين يكره الفلسفة الألمانية. ولو لم تحدّه أخلاقه لقال عنها أنها هذيان بهذيان! والسبب بسيط ويقوم في أن تربيته الأولى المبنية على الذاكرة الشفوية وتقاليد الحكاية والرواية جعلت من المعارف النظرية والتجريد الفكري الكبير والعميق أمورا لا يطيقها العقل والوجدان، واللسان والبيان! وليس مصادفة إن يجد ضالته في ديكارت والتقاليد الفرنسية بشكل عام. والسبب هنا أيضا بسيط للغاية، وهو أن التقاليد الفرنسية أدبية عملية وجدانية سياسية و"واضحة وسهلة" كما كان يقول سلامة موسى ويحبذها! أنها اقرب ما تكون إلى مفرقعات الأفراح والأعياد! ولا يخلو ذلك من جمال قادر وفعال على آثار الروح والجسد والخيال والمقال، لكنه سرعان ما يقف عند هذا الحد. وليس ذلك نتاجا لإدراك الحدود (الذاتية) بقدر ما انه نتاج ضعف القدرة على تجاوزها بوصفها جزء من تاريخ الحكمة المعرفية وتقاليدها المتنوعة ومستوياتها المتباينة. لهذا نرى طه حسين يتشبث بديكارت المجزأ والصغير، أي برواية عنه ومنه تنعش الذاكرة على حشو كل ما في جعبتها من اجل "نقد" كل ما يطاوله اللسان والبيان.

لقد كانت هذه الحالة "طبيعية" ومناسبة لحد ما لحالة مصر آنذاك وتقاليدها الثقافية في مجال المعرفة والتنظير. فقد كانت تلك الحالة اقرب ما تكون إلى البغلة التي ركبها طه حسين ليسابق بها حمير التقليد السارحة في مصر والعالم العربي آنذاك! لكننا حالما نضعها ضمن سباق الممكنات، فأنها تبدو عادية وبطيئة جدا ومتخلفة أيضا، لكنها لا تخلو من قيمة وفاعلية وروعة أيضا في جبال الجهل المعرفي ووديان الجهالة العلمية! وفيها أيضا يكمن سر البريق اللامع للحشو والتكرار والإعادة وتنظيم وترتيب العبارات العادية والطويلة والمملة من اجل قول عبارة واحدة أو فكرة صغيرة. وقد طبع هذا الأسلوب والنمط كل ما كتبه طه حسين، بما في ذلك المقالات والخواطر الصغيرة. بحيث يمكننا رؤية هذا النمط في كل ما كتبه على الإطلاق. وفيما لو أردنا تكثيف المفاهيم والأفكار والمواقف والتقييمات التي وضعها طه حسين في كتاباته الكثيرة جدا، فإنها سوف لن تتجاوز عشر أو عشرين صفحة على أفضل تقدير!! الأمر الذي يكشف عما يمكن دعوته بهوس الحشو والحشوية الجديدة، أي الحشو العادي والإثارة المتبجحة. ومن الممكن العثور عليها بين اسطر اغلب ما دبجه طه حسين من مقالات وكتب. فقد كان الهم الذائب وراء اغلب كتاباته ليس تنظيم الرؤية النقدية، بل توسيع مدى الإثارة والانبهار المسطح. وليس هذا بدوره سوى الوجه الآخر لسعة وحجم التسطيح الفكري للوعي الاجتماعي. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الانهماك "النقدي" لطه حسين قد تحول مع أول "إدانة ناجحة" إلى ولع وقيمة مستقلة بذاتها. بحيث أصبحت الإدانة التقليدية، أي الصيغة الأشد تخلفا للوعي "المنظم" (للمؤسسات التقليدية) إلى معيار النجاح والفلاح والفوز والقضاء على العوز! وتحول هذا الوهم المقلوب للمعرفة إلى نموذج رفيع للمعرفة، مع ما ترتب عليه من سباق محموم في الإثارة والانغماس فيها. بينما لم تكن هذه الدورة في الواقع سوى دورة الوعي التقليدي في أفلاك "التنوير المزيف" و"النقد" الذي لا ينتهي! وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لتقاليد الحكاية والرواية التي تتمتع وتتلذذ باليسير الميسور للوعي. مما جعل من طه حسين، في احد مظاهره، نموذجا لما ادعوه بالحشوية الجديدة. وذلك لأن خصوصيته لا تقوم في استمداد صيغ وأنماط ونماذج اللاهوت الذاتي (الإسلامي) بل باستلهام نموذج ما يمكن دعوته بلاهوت التقليد المتمدن والحديث! وهذا بدوره لم يكن ذلك معزولا عن اثر الاغتراب الثقافي بشكل عام والمنهجي بشكل خاص. فقد تحول منهج الاغتراب الثقافي إلى منهج المواقف والأحكام. وليس مصادفة إن تفتقد اغلب ما كتبه طه حسين لحقيقة التأسيس النظري بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

لقد نشأ طه حسين وترعرع ضمن سياق تيارات متصارعة متناقضة، حديثة وتقليدية. ومن الممكن رؤية ذلك في كثرة المقالات التي كتبها تحت هذا العنوان، والتي ظلت تحكم رؤيته النقدية في كل مستوياتها، بمعنى أنها ظلت حبيسة هذين التيارين من جهة، وثقافته الشفوية من جهة أخرى. مع ما ترتب عليه من انطباع مواقفه النقدية ببهرجة ظاهرية، محكومة بدورها بتأثير تقاليد الحكاية والرواية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات في مقالاته وأبحاثه ودراساته. وهذا بدوره ليس معزولا عن قلة وضعف ولحد ما سطحية معرفه الفكرية النظرية. ففيما لو جمعنا عدد المصادر الفكرية النظرية التي استعملها طه حسين في كتاباته فإنها لا تتعدى عشرة كتب!![17]

ومن الممكن التدليل على هذا النمط هنا بالاستناد إلى مثال واحد من بين مئات الأمثلة، واقصد بذلك موقفه من "البيان العربي" الذي وضعه في تقديمه لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، تحت عنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر). فهنا نقرأ موقفه القائل، بان قلة استعمال الأدباء العرب أمثلة مستقاة من كتاب الخطابة لأرسطو هو بسبب كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة[18]. ومن هذه المقدمة الخطابية والسردية لحد ما نره يتوصل إلى استنتاج يقول، بان "علماء البيان العرب لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني"[19]. بينما نراه لاحقا يقرر ما لا صلة بما قاله قبل قليل، وهو أن "أعجاب الأدباء العرب بالبيان منذ أواخر القرن الثالث إلى نهاية الرابع قد أدى إلى إبداعهم(!) علما للبيان عربي خالص في روحه ومادته وشواهده. حتى لقد خيل للمتأخرين منهم أن البيان العربي غير مدين للأعاجم في شيء(!!). ليس ذلك فحسب، بل وتراه يقرر بعجالة مميزة للذهنية الحكواتية عن أن "الفلاسفة العرب لم يكونوا أجود من المتكلمين وعلماء البيان في فهمهم أو آخذهم بكتاب الخطابة (لأرسطو)". والسبب بنظره يقوم في أنهم "كانوا يجهلون الهيلينية كلها عدا الفلسفة بطبيعة الحال. أنهم لم يعرفوا الأنظمة السياسية ولا القضائية ولا الحقوقية ولا خطبهم". وحاول تطبيق ذلك على كل شيء، مثل الموقف من النظام السياسي والشعر وغيره. فالعرب المسلمون لم يعرفوا غير نظام الخلافة، وان كتاب الشعر لأرسطو لم يفهمه احد على الإطلاق بين العرب والمسلمين[20] (باستثناء طه حسين طبعا!). ومن الممكن الاستطراد في أمثلة كثيرة تصب في هذا المسار، أي كل ما يعبر عما أسميته بذهنية الحشو والنقد المولع بالإثارة المسطحة.

بعبارة أخرى، إن طه حسين لم يفهم قيمة الإبداع الذاتي للأمم والحضارات خارج نطاق "الهيلينية" التي لم يعرف هو نفسه منها إلا الشيء اليسير والصيغة الظاهرية والمسطحة والمعلومات الجزئية. واكتفي هنا بالإشارة فقط إلى إن قراءة (كتاب الشعر) لأرسطو لا علاقة له بروح الشعر كما انه لا يصنع شاعرا ويربي قدرة شعرية عربية على الإطلاق. فالشعر العربي هو صيرورة تاريخية ثقافية متميزة ومكتفية بذاتها. والشيء نفسه ينطبق على البيان وتقاليده. بل ليس مصادفة أن يكون الشعراء اليونانيون العظام قد ظهروا قبل كتاب أرسطو. وما بعده مجرد شعراء صغار فقط!! مع إن القضية وما فيها لا علاقة لها بكتاب أرسطو!

وفيما يتعلق بالنظم السياسية وأنواعها، فقد عرف العرب الأنظمة السياسية والحقوقية الأخرى إلا أنها كانت بالنسبة لهم بقايا عوالم وثنية وغير عادلة. إضافة إلى ذلك، وهو الشيء الأكثر جوهرية، هو إن الصيرورة التاريخية للدولة العربية الإسلامية كانت أساسا خلافة لنفسها أو خلافة ذاتية. بمعنى أنها كانت تجربة ذاتية وفردانية أصيلة. من هنا لم تكن بحاجة إلى تجارب الآخرين. أما استعمالها الجزئي لنتاج تلك التجارب فقد كان جزء من فاعلية المنظومة الجديدة في الموقف تجاه مختلف عوالم الإنسان. وذلك لأن التجربة العربية الإسلامية الأولى كانت تجربة صاعدة وواعدة وحية وفاعلة ومقدامة. وبالتالي فإنها كانت الصيغة الأرقى للنظام السياسي آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحقوق. بعبارة أخرى، لقد كانت التجربة العربية الإسلامية آنذاك في مجال البناء الحضاري الأعمق والأوسع والأكثر ديناميكية. لقد كانت آنذاك في مقدمة الأمم. لهذا لم تكن بحاجة إلى الالتفات إلى تجارب الآخرين السالفة أو حتى المعاصرة لها. مثلما لا تنظر الكثير من الدول المعاصرة المتطورة إلى تجارب الآخرين الماضية أو حتى المعاصرة لها.

مما سبق نستطيع القول، بان النقد المبهرج والدعاوي الكثيرة الكبيرة التي تميز مواقف وأحكام طه حسين ما هي في الواقع سوى الوجه الأخر لضعف التقاليد العلمية الدقيقة واضمحلال رزانة التقاليد النظرية الفلسفية العميقة. مما جعل من أساليب ومستويات النقد المميزة لكتابات طه حسين احد أوجه الاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن الممكن القول، بأنها اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك. فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيه على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله الكبير للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص. مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه لتكشف عن قلة وضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص.

إن مشكلة الموقف المنهجي من التراث وغيره من القضايا التي تناولها طه حسين تستمد مقوماتها في الأغلب من طبيعة الاستلاب الفكري أمام الثقافة "الأوربية" آنذاك التي جعلت من "الهيلينية" أوربية، ومن الفلسفة اليونانية (أرسطو في الحالة المعنية) نموذجا للمحاكاة. مع إن طه حسين نفسه (كما هو جلي في كل كتاباته) لم تكن معرفته بها تتعدى حدود جوانب جزئية ومسطحة ويسيرة جدا. وبالتالي ليست عباراته المتبجحة والخاوية في الوقت نفسه عن انه لم يعرف احد (غيره) تقاليد الهيلينية، أو إن القدماء لم يفهموا ما فهمه هو منها، سوى الوجه الآخر لذهنية الحشوية الجديدة، التي أغرته بإمكانية القول، بان العيش فترة زمنية قصيرة في فرنسا وتعلم الفرنسية كافية لتسطير حكايات مقنعة وطريفة لبسطاء المستمعين!! أو كما قال شكسبير، بان الأعور بين العميان ملك! وهذه مفارقة أخرى بالنسبة لحالة طه حسين!(يتبع....)

***

 ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: مع المتنبي، دار المعارف، القاهرة، 1986، ط13، ص379.

[2] طه حسين: مع المتنبي، ص 12- 14.

[3] طه حسين: مع المتنبي، ص 10.

[4] طه حسين: مع المتنبي، ، ص8.

[5] طه حسين: مع المتنبي، ص 378.

[6] طه حسين: ألوان، ص5- 8.

[7] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص4-5.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[9] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص10.

[10] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص.12

[11] طه حسين: حديث الأربعاء، ج2، ص12.

[12] طه حسين: جنة الشوك، ص9.

[13] طه حسين: نظام الأثينيين، دار المعارف، القاهرة،

[14] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983، ص29

[15] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[16] طه حسين: جنة الحيوان، ص61

[17]  وينطبق هذا في الواقع على الكتب الأدبية الكبرى. فإنها أيضا قليلة العدد. إنني افهم وأتحسس هذه الحالة والحصيلة بالنسبة لطه حسين بسبب حالة العمى، لكنها لا تكفي بالنسبة "لعميد الأدب العربي"! فقد أصيب قبله المعرى بنفس الداء. لكن مقارنة الاثنين بهذا الصدد تكشف عن البون الشاسع بينهما. والسبب هو ان المعري نتاج مرحلة الرقي الثقافي العربي الاسلامي ومدارسه الأدبية والفلسفية والشعرية، بينما كل ما في جعبة طه حسين هو تقاليد أزهرية ميتة وفتات ثقافة أوربية لم يكن بإمكانه قراءة حتى الجزء اليسير جدا منها. فالاستماع إلى قراءة من يقرأ لكي تستمع يؤدي بالضرورة إلى تفعيل نفسية الحفظ والذاكرة السردية. وهذا لا يمكنه ان ينتج عقلا نظريا. من هنا كراهية طه حسين للفكر الفلسفي، لأنه يحتاج بالضرورة للقراءة المتفحصة والتأمل والمقارنة. وهذه كلها شروط غير متوفرة في حالته. ان قيمة طه حسين تقوم في نموذج تحدي الارادة من اجل نيل أصول المعرفة الأولية وجزئيات تناثرها في المعارف الشفوية. 

[18] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص12.

[19] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

[20] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص31.

mutham aljanabi2لقد كانت النزعة النقدية عند طه حسين لحد ما رد فعل ضد التقاليد الأزهرية. وهو كابوس ظل يجثم على عواطفه ومواقفه حتى آخر أيامه. وبهذا المعنى كان طه حسين نتاجا مصريا. إلا أن منهجيته النقدية كانت تترامى ما وراء جانبي النيل من خلال تناوله مصادر الوعي المشتركة للذات العربية الثقافية: الأدب العربي في مختلف مظاهره وشخصياته وتاريخه. إضافة إلى التشكيك في بديهيات تفكيرها.

فمن الناحية النقدية المعرفية لم تكن آراؤه جديدة تمام الجدة. إذ يمكننا العثور على اغلب عناصرها في التراث العربي النقدي، وجدل الفرق الكلامية. حيث صاغت الثقافة العربية الإسلامية بشكل عام، وفرق الكلام ومدارس الأدب والتاريخ بشكل خاص جملة من الاعتراضات والشكوك في انتقاداتها المتبادلة حول قضايا أدبية ليس اقل مما في النقد الأدبي العربي نفسه. إلا أن قيمة شكوك طه حسين تقوم في استنادها إلى منهجية الشك العقلي باعتباره أسلوبا يسعى لبلوغ اليقين، على الضد من سيكولوجية الاطمئنان الإيماني. لهذا كان انتقاده لمختلف جوانب الأدب العربي هو نقد لثقافة الزيف والجمود السائدين في عصره، أي كل ما وصمه "بالسخف الذي يدرس في الأزهر والمدارس الرسمية"[1]. وحدد ذلك جوهرية المذهب الديكارتي ومنهجيته بالنسبة لطه حسين. إذ اعتبر المنهج الديكارتي أفضل المناهج وإن المستقبل له[2]. فقد وجد طه حسين في المنهج الديكارتي ليس فقط أسلوبا للمعرفة الحقيقية، بل ولتخصيب المعرفة والأخلاق والحياة الاجتماعية ونموذج للتحرر أيضا[3]. بل نراه يجد فيه "ضرورة لكل شيء بما في ذلك القراءة"[4]. وأفرط في ذلك للدرجة التي جعلته يدعو لأن تكون "عقليتنا وذهنيتنا ديكارتية غربية". واعتبر أن  "المستقبل لمنهج ديكارت"[5].

طبعا إن هذا الابتهاج والانبهار الهائل بشخصية ديكارت وتراثه الفلسفي العقلاني والنقدي لم يكن معزولا عن الرحلة الشخصية إلى فرنسا بعد عقود من حياة مظلمة في القرية والأزهر! لقد كان طه حسين اقرب إلى حالة التقليد السليم. من هنا تناقض هذين المكونين. فالتقليد لا ينتج علما حقيقيا لأنه عادة ما يجتر ثقافة الزمن وليس مأثرتها التاريخية، كما إن السلامة في ميدان المعرفة والإبداع العلمي تفترض نفي التقليد أيا كان شكله ومحتواه ومصادره. وليس مصادفة أن تتسم رؤيته النقدية في ميدان التاريخ الأدبي بضعف التاريخ وقوة الأدب الخطابي، أي تقرير الأحكام وقلب المقدمات والنتائج عبر تحويلها إلى معادلات مثيرة لا غير، مثل قوله، بأن القرآن يبتغي أن يكون مصدرا لقراءة الشعر الجاهلي وليس بالعكس! إنها نقدية من حيث مواجهتها ذهنية الأزهر، لكنها مشوشة من حيث وضعها الفعلي بالنسبة لدراسة هذه القضية.

إننا نقف هنا أمام معادلة مقلوبة لا غير. بينما تفترض أبجدية الرؤية التاريخية والعلمية القول بالاستعمال المتبادل. وينطبق هذا على حكمه من أن "القرآن هو أصدق مرآة لدرس حياة الجاهلية وشعرها أيضا[6]. وهي خطوة إلى الوراء من حيث تخريبها لفكرة المنظومة في الرؤية. فقد كان القدماء من مؤرخي الأدب والدراسات القرآنية وغيره أكثر حرية وتحررا ودقة وذلك لأنهم كانوا اقرب إلى التاريخ من حيث منطقه الفعلي، كما أنهم لم يعطوا للنص القرآني هذه الصيغة "المقدسة". لقد نظروا إلى التاريخ السابق للقرآن على انه مقدمة. كما نظروا إلى القرآن على انه استمرارا لتقاليد القدماء. أما الصحيح والمنحول في الأدب والشعر فهي قضية من طراز ومستوى آخر، ليست علاقتهما بالقرآن أو بالعكس سوى إحدى القضايا الجدلية. إضافة إلى أن معرفة حياة الجاهلية لا يمكن حصرها بالشعر والقرآن وما شابه ذلك[7].

لقد كان صعود إشكالية الأدب والشعر "الجاهلي" الوجه الآخر لصعود فكرة الأدب الوطني والمشاعر الوطنية الجديدة من اجل إعادة بناء أو تأسيس النفس. كما أنها كانت الحلبة التي دارت فيها وحولها كل المواجهات الكبرى لفكرة النهضة، والعقلانيات المتنوعة، والوجدان القومي، ووعي الذات التاريخي. ومن ثم فإن التشكيك بالثوابت الراسخة في الوعي اللاهوتي أو مجرد إثارتها كان لابد له من أن يهيج مختلف مظاهر الوجدان والمشاعر شأن تحريك مستنقع آسن أو كور زنابير. وقد كانت الديكارتية هي العصا التي عثر عليها طه حسين في فرنسا. إذ لم تكن الديكارتية بالنسبة لطه حسين أكثر من قواعد بسيطة لنزعة الشك العقلية. بمعنى أنها لم تكن منظومة فلسفية، لاسيما وان طه حسين من حيث ثقافة ومستوى تأهيله كان ضعيفا في ميدان الرؤية المجردة بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وليس مصادفة على سبيل المثال أن نراه يكتب في معرض نقده للعقاد وبعض كتاباته "المعقدة" من انه وجد فيها شيئا شبيها بالفلسفة الألمانية وبالأخص فلسفة كانط وهيغل، التي وجد فيها فلسفة مرهقة وغير مفهومة ولا يستطيع هضمها! لهذا كان يقرأها بتفسير الفرنسيين، كما يقول عن نفسه[8]. مع أن "اعقد" ما كتبه العقاد من أبحاث "فلسفية" لا تتعدى من حيث "صعوبتها" ما يجري كتابته لطلبة الصفوف الأولى لطلبة الدراسات الفلسفية.

من هنا نستطيع القول، بان الرجوع إلى ديكارت آنذاك كان بالنسبة للثقافة المصرية النقدية والعربية ككل خطوة إلى الوراء مقارنة بما هو سائد في الثقافة الأوربية التي تأثر بها طه حسين في مطلع القرن العشرين، لكنها كانت خطوة كبرى إلى الأمام في مشاريع الفطام التاريخي للعقلانية الجديدة. إن ولع طه حسين بديكارت لم يكن قضية شخصية، بقدر ما كان يعّبر عن مزاج المرحلة وطاقاتها في استيعاب ملامحها العامة، ومن خلال رؤيتها النقدية للواقع والتشكيك بما هو سائد فيه. مع ما في ذلك من إمكانية صياغة علمية للبدائل المعرفية. لهذا كانت الديكارتية هنا، المدرسة المناسبة للجيل الباحث عن عقلانية متجانسة. فالأخيرة ما كان بإمكانها في بداية القرن، أن تحلم بما هو أوسع وأعمق من ذلك، لأنها لم تستند بعد إلى قواها الخاصة. ومن الممكن رؤية معالم هذه الظاهرة في موضوع المنهجية الديكارتية لطه حسين، أي توجهها الأدبي، وإفراطها الجزئي، وحدودها الثقافية، وإشكالاتها المعرفية.

لقد غلبت النزعة النقدية طه حسين بحيث أصبح أسيرا لها! بل اقترن احدهما بالآخر ضمن هذا التيار. ومن الممكن رؤية ذلك في جميع مفاصل ومستويات وميادين أبحاثه ودراساته ومواقفه. ففي مجال الرؤية النقدية الأدبية نراه يشدد ليس فقط على نقد حالة الانحطاط، بل ويتعداها إلى البحث عن رؤية مستقبلية مبنية على فكرة تقول، بأن "أدبنا العربي كائن حي"، ويقصد بذلك وحدته التاريخية واستمراره على خلاف غيره من الآداب (كاليوناني وغيره). وفي هذا تكمن قيمته[9]. ومع أن حصيلة الموقف في تأمل مستقبل الأدب العربي اقرب ما تكون إلى موقف تقريري منها إلى رؤية مؤسسة ودقيقة، إلا أنها تلامس الكثير من حقائق الأمور.

بينما نراه في ميدان الرؤية النقدية الاجتماعية والسياسية بسير في اتجاه نقد الذهنية التقليدية والواقع أيضا. وضمن السياق الأول يمكن وضع كل كتاباته التاريخية ذات الصلة بمصادر الاختلاف والشقاق الفكري والمذهبي مثل كتاب (الفتنة الكبرى) بجزأيه المتعلقين بعثمان وعلي، وكذلك كتاب (على هامش السيرة) وحتى (مرآة الإسلام) وغيرها من الكتب. بمعنى إننا نقف أمام رؤية تسعى لتنقية الذهنية التاريخية من ثقل المذاهب والأحكام الأيديولوجية وتدقيق بعض المفاهيم والأحكام بمعايير الرؤية الموضوعية إضافة إلى إبراز قيم الحق والعدل والحرية وغيرها من القيم الضرورية بالنسبة للتقدم الاجتماعي.

وفي مجرى نقده، على سبيل المثال، لحالة التخلف المصري، نراه يؤكد على أن هناك أمم اتصلت بالحياة الحديثة في نفس الوقت الذي اتصلت فيه مصر أو بعدها، لكنها كانت أسرع من مصر في الانتفاع كما هو الحال بالنسبة للمناطق التي كانت خاضعة للدولة العثمانية. ونراه يقف بالضد من الفكرة القائلة، بان سبب ذلك يكمن في كونها مناطق "نصرانية" وأنها كانت اقرب إلى أوربا. ووجد في هذه المواقف تبريرا للواقع، بينما المهمة تقوم في اخذ الأمور بالجد والحزم[10]. من هنا موقفه من مهمة ما اسماه بإنقاذ مصر أو تطويرها بالشكل الذي لا يجعل من الغلاف معيارا للحكم على ما فيها. من هنا قوله، بان تغير النظام الحياتي في مصر وتطورها لا ينفي وجود حالات البؤس الشديدة في كل أنحاء مصر[11].

وبالمقابل نراه ينتقد حال التسييس الكبير للأدب في مصر. بحيث نراه في بعض الحالات ينتقد بصورة شديدة ظاهرة التسييس الهائلة واستحواذها على كل شيء بحيث قضت على حياة العقل والفكر، كما يقول طه حسين[12]. لهذا نراه يضع موقفه السلبي من السياسة والتسييس على أساس انه إذا كان العلم والأدب ليس لهما وطنا، أي أنها خارج هذا التحديد الضيق، فانه ليس للأدب حزب سياسي[13]. لهذا نراه يقول مرة بأنه يمقت المذهب السياسي للعقاد ويزدري كتاباته السياسية[14].

وفي مجال البحث التاريخي نعثر عنده على رؤية نقدية تجاه مصادر وتقييم القدماء والمحدثين. بحيث يتجاوز أحيانا، وإن بصورة مبطنة وخجولة تقاليد التقديس الجاثمة على العقل والضمير التاريخي العربي والإسلامي، كما هو الحال على سبيل المثال في موقفه من شخصية عثمان بن عفان. إذ نراه يعرض شخصيته على مثال عمر بن الخطاب في الموقف من المال العام والمصلحة العامة والدولة والأمة والدين[15].

وفي مجال نقد الأشخاص يمكن رؤية تقييمه العالي للطفي السيد من خلال إبراز دوره الخاص في التفكير والكتابة والترجمة العقلية الذي وجد تعبيره أيضا في مواقفه وآرائه الإصلاحية ولكن من خلال إيجاد النسبة أو العلاقة الضرورية بين القديم والحديث[16]. في حين نلاحظ موقفه النقدي المتناقض من العقاد، والداعم في الوقت نفسه لأبحاثه الأدبية وبالأخص في موقفه من أبي العلاء المعري. في حين نراه يقيم كتابات سلامة موسى بعبارة :"انه ساذج سهل خفيف الروح خصب الكتابة"[17]. لهذا نراه ينتقد كتاب سلامة موسى عن الحب. ولا يجد قيمة فيه أو له، كم يخلو من الفكر والتفكير[18]. بل نراه يعتبره شخصا كثير القراءة كثير الكتابة من هنا عدم إتقانه لها، لكي يتجنب شيئا من السخف في الكتابة. انه مسرف وبالأخص في ازدراء الأدب العربي القديم[19].

وفي مجال نقد التقليد، نعثر عنده على صيغ عديدة ومتنوعة، بما في ذلك في موقفه من أوربا والحضارة الأوربية رغم استلابه الكبير أمامها. لكنه نقد متنوع يصب أساسا في توسيع مدى الرؤية النقدية. لهذا نراه على سبيل المثال ينتقد فكرة ما يسمى بالطابع المادي للحضارة الأوربية من خلال التدليل على أن ما يميزها في الأغلب هو كونها نتاج العقل والخيال، أي نتاج الروح الخصب المنتج، الروح الحي المتصل بالعقل[20]. وبالمقابل نراه ينتقد ما يسمى بروحية الشرق. إذ اعتبرها عبارة "لا علاقة لها بنا. وذلك لأن منطقتنا هي مهد هذا العقل الذي يزدهي ويزدهر في أوربا. وهو مصدر هذه الحضارة الأوربية التي نريد أن نأخذ بأسبابها"[21]. بينما نراه في الوقت نفسه يقف بالضد من حالة التقليد الأجوف والفارغ لأوربا بين أوساط المثقفين المصريين. إذ وجد في الجيل الحاكم والمترقي للحكم في مصر "لا يعرفون من الحياة العقلية الأوربية إلا ظواهرها وأشكالها"[22]. وفي كتاب (جنة الحيوان) نعثر على ملامح نقدية لحالة مصر وحالة المثقفين والمتأثرين بأوربا[23]، كما هو الحال على سبيل المثال في مقالاته المعنونة (الثعبان)، و(حديث الإوز)، و(القسوة)، و(شياطين البيان)، و(الضلال الهائمة) وكثير غيرها. إذ نراه يجد في هذا التقليد جزء من التخلف[24]. ومن الممكن العثور على إحدى الصيغ الأكثر دقة بهذا الصدد ما أورده في (مستقبل الثقافة) في معرض نقده لظاهرة الرياء والنفاق عبر الدعوة إلى ما اسماه بالملائمة بين الأقوال والأعمال في الموقف من الحضارة الأوربية. وكتب بهذا الصدد يقول،"أنا لا ادع إلى أن ننكر أنفسنا، ولا أن نجحد ماضينا، ولا إلى أن نفنى في الأوربيين. كيف ذلك ونحن نعمل من اجل التحرر من سطوتها"[25]!!

وقد يكون نقده لحالة الثقافة في مصر (بما في ذلك تقاليد ومستوى ونوعية التربية والتعليم) من بين أكثر النماذج عملية ووضوحا. فهو يدعو حالة الثقافة في مصر آنذاك بالخزي والحالة الشنيعة في مجرى انتقاده لإهمال الترجمة والنقل عن اللغات الأوربية الحية[26]. واعتبر عمل وجود وزارة التربية والتعليم مناقضا لطبائع الأشياء! إذ وجد فيها نموذجا للأخلاق السيئة كالتباغض والتنافس والتحاسد"، واستهزأ بحالة "الوزارة التي تعرف ما يعرف الوزير وتنكر ما ينكر الوزير". من هنا استنتاجه الدقيق:"أصبحت وزارة المعارف مرآة صافية أو قل مرآة كدرة للحياة السياسية في مصر"[27]. ولم يترك أدق واصغر مظاهر الخلل في نظام التربية والتعليم دون توجيه النقد الصارم والساخر أحيانا منه. بحيث نراه يفرد صفحات لنقد "الامتحان" الذي وصفه بالآفة الأخلاقية والمعرفية، بحيث "أصبحت خطرة على التعليم وعلى الأخلاق وعلى السياسة"[28]. كما نراه يشخص بصورة نقدية موقفه من صعود ونمو تأثير الصحافة والسينما والراديو. ومع انه دافع عن هذه الوسائل، لكنه أشار إلى خطورتها بالنسبة للثقافة وتأسيسها المتين. وفي معرض مقارنته لهذه الحالة مع مثيلتها الأوربية آنذاك نراه يشدد على أن الفكر الأوربي النقدي يقف من هذه الأدوات موقف الناقد، "إلا أن الفرق بين أوربا وبيننا هو أن الشعوب الأوربية قادرة كلها على القراءة، لأنها أخذت بالتعليم منذ عهد بعيد"[29]. وفي معرض انتقاده للدولة وسلوكها العملي تجاه الثقافة، فإننا نراه يرفع من شأن المثقفين المصريين الذين بذلوا الكثير وفي ظل بيئة معادية للثقافة من اجل إرساء أسس الثقافة. وتعرضوا لها لمختلف أصناف المعاناة بما في ذلك السجن والنفي والموت[30].

لم تكن هذه الرؤية النقدية، والمزاج النقدي، والمنهجية النقدية بمعزل عن الانفتاح المثير لأعصاب الأدب العربي في بداية القرن، الذي وجد طه حسين في نماذجه الأوربية المثال الأعلى آنذاك. مما دفعه للبحث عما يمكنه أن يكون نموذجا منهجيا متجانسا في الرؤية النقدية. فقد كان العالم العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص في حاجة آنذاك إلى روح نقدية أكثر من حاجته إلى نقد الروح. وليس مصادفة أن يعجب طه حسين أيما إعجاب بقدرة نيللينو على اكتشافه ما اسماه بطرق الوصول إلى حقائق الكنوز الدفينة في الثقافة العربية[31]. فقد كان نيللينو نقديا بارعا وشكاكا عميقا. وهو ذات النمط السائد في كتابات مرجيليوث عن الشعر العربي الجاهلي. ومن خلالهما توصل طه حسين إلى ديكارت. مما جعل من شك الأخير ومنهجيته العقلانية أسلوبا في النقد الأدبي أكثر منه أسلوبا في المعرفة الفلسفية. لكنها كانت في الوقت نفسه خطوة كبيرة من حيث تأسيسها لأصول النقدية العقلانية في العالم العربي، أي كل ما نعثر على صداه العميق في موقفه من الشعر الجاهلي.

فقد كان التركيز على الشعر الجاهلي يتضمن من الناحية التاريخية محاولة تأسيس الوعي التاريخي العقلاني. وقد شقت هذه الصيغة لنفسها الطريق في براهينه على ضرورة ألا يكون الشعر طريقا إلى فهم القرآن، بل القرآن طريقا إلى فهم الحياة الجاهلية. ولم يقصد هو بذلك سوى تدقيق الأحكام عن الحياة الجاهلية وشعرها، أي إعادة بناء وكتابة تاريخ الأدب العربي بالصيغة التي يمكنه أن يكون فيها قادرا على تعميق مشاعر الوعي القومي العقلاني. وكتب بهذا الصدد قائلا: "نحن لا نحب القديم من حيث هو قديم. بل نحب له أن يظل قواما للثقافة وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا، محقق لقوميتنا، عاصم لنا من الفناء في الأجنبي"[32]. ذلك يعني إن نقده للشعر الجاهلي هو شكل من أشكال بناء الروح العقلي المستقل في النظر إلى الذات القومية - الثقافية. ومن ثم احتوائه على إدراك الحقيقة القائلة، بأن استقلالية الروح هي استقلالية العقل أيضا. لكن هذه الأفكار ظلت تفتقد للتجانس. بمعنى أنها لم تتكامل في صياغة نظرية. لهذا كانت عرضة للتراوح بين الوضوح والغموض. وذلك بفعل تراوح إبداعه النقدي الأدبي حول موضوعات ظلت في إشكالاتها اقرب إلى الماضي من الماضي نفسه. فهي لم تستطع أن تتعدى حدود الإسهامات المباشرة وغير المباشرة في تأسيس العناصر المختلطة من الليبرالية والإصلاحية والدنيوية بمضامينها العقلانية ـ النقدية. وقد كمنت في هذه الأخيرة مأثرته الثقافية باعتبارها عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين، أي جزء من عقلانية الفطام التاريخي مع التقليدية السائدة. إذ أن القيم الكبرى لنزعته الشكوكية (النقدية ـ العقلانية ـ الديكارتية) تقوم لا في منظومتها ولا في عناصرها، ولا حتى في أفكارها ونتائجها. فهي في جوانبها هذه لم تكن أكثر من ترديد واستيعاب مبسط للعقلانية الفلسفية الأدبية. إذ لم تكن انتقاداته المثيرة في حينها عن الشعر الجاهلي سوى ترديد لانجازات الفكر الاستشراقي آنذاك. بل هي انتقادات يمكن العثور عليها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح في جدل واتهامات الفرق الإسلامية القديمة. بصيغة أخرى، إن انتقاداته هنا كانت في اغلبها تقليدية المحتوى والموضوع، ونسبيا في أساليبها ونتائجها المباشرة أيضا. فهي لا ترتقي إلى مصاف المأثرة العلمية بحد ذاتها، إلا أن قيمتها التاريخية تقوم في إثارتها لبلبلة فكرية كان لها صداها الكبير في استثارة الجدل الفكري وشحذ الطاقات العقلية في محاربة التقليد الأعمى. أن طابعها النقدي كان يقوم في وضعها أسس العقلانية ومبدأ الشك الفلسفي في دراسة الأدب العربي. وهو ما نعثر على صداه في جميع كتاباته الفكرية والاجتماعية والسياسية. وإلا، فان ما وضعه طه حسين عن الشعر الجاهلي لم يكن أكثر مما كان متداولا في أبحاث المستشرقين آنذاك. إلا أن استنتاجاتهم لم يكن لها اثر واسع خارج حلقاتهم باعتبارها اجتهادات علمية. بينما كان لهذه "الاجتهادات" في ترديد طه حسين مذاقها النقدي الخاص.

فالشعر الجاهلي لم يكن آنذاك ولا الآن معضلة جوهرية بالنسبة للوعي العقلاني العربي. ولم يكن بإمكانه أن يؤسس لعقلانية القرن العشرين، لأنه كف عن أن يكون مصدرا في الوعي القومي والثقافي العربي، وذلك بفعل سريانه وانحلاله فيما أبدعته ثقافة الخلافة في عصورها المزدهرة. وهو ما يفسر أيضا الأسباب القائمة وراء استثارته ضجة كبرى حول قضية صغرى، أي إثارته لتناقض لا يتسم بالحيوية المعرفية والثقافية، بل وحتى الأدبية كما هو الحال بالنسبة لموضوع نقد الشعر الجاهلي. لكنه تناقض له قيمته المناسبة في تجربة العقلانية المتعثرة في العالم العربي. فهي عقلانية لم تنازع حقائق وجودها. لهذا كان بإمكانها أن تثير كل صيغ الافتراضات "المقدسة" دون أن تعمق في الوقت نفسه منظومة الفكر العقلاني، وذلك لأنها لم تبدع حديثا. فقد كانت مواقف طه حسين النقدية في الأدب وشكوكه العقلية لعبة أطفال مقارنة بما وضعه المازني. إنها اقرب إلى المهاترات لأنها هاجمت أموتا لا أصناما جدد كما فعل المازني.

لكنها لعبة أطفال مثيرة بسبب طفولة الوعي النقدي والعقلاني الاجتماعي والسياسي. بعبارة أخرى، إن النزعة النقدية لطه حسين ظلت من حيث الجوهر تتسم بقدر كبير من الجزئية وانعدام ترابطها الداخلي وغياب أنساقها الذاتية. من هنا كانت اقرب إلى أطراف سائبة في جسد لم تكتمل معالمه بعد. من هنا ولعها بالإثارة والاستثارة. وليس مصادفة أن نقرأ في كل "المقدمات" التي كتبها طه حسين للمقالات التي جمعها في كتب إشارة إلى انه ما سيضعه سوف يثير الاعتراض والنقد والهياج والنفور وما شابه ذلك. بمعنى انه كان يرغب ويريد ويسعى ويحلم بكل ما سيثير "ضحكه" كما قال في أكثر من مرة بهذا الصدد.

لكن الرؤية النقدية لطه حسين ظلت أسيرة الرؤية الأدبية. وبالتالي لم ترتق إلى مصاف التأسيس الفكري النظري. الأمر الذي طبعها في الأغلب بطابع الصيغة الخطابية والنفسية. من هنا عدم عمق وسطحية اغلب العبارات الخطابية التقريرية، مثل فكرة "أن لا نأخذ من القدماء أي شيء دون نقد وتمحيص"[33]. وهي فكرة بسيطة تعج بها وتمتلئ كتب القدماء نفسها عما يسمى بنفي التقليد. لكنه في هذا بالذات كان يكمن أيضا سر استلطافها من جانب أنصاف المتعلمين[34]. مع ما ترتب عليه من حب الإثارة والهياج أكثر مما كانت تنمو بمعايير التأسيس العقلي والفلسفي للرؤية المنظومية. من هنا تقلبها وتغيرها وتبدلها ولكن ليس بمعايير التراكم المعرفي، بل بمعايير الفكرة الجزئية والعابرة. وقد تكون المقدمة الصغيرة لكتاب (في الشعر الجاهلي) مؤشرا على هذه الحالة. فهو يشير فيها، كما يكرر ذلك في اغلب كتبه، من أن "ما سيقوله وسينشره سوف يثير غضب البعض وهجومهم وسخطهم". بل ونراه يكتب عن نفسه بهذا الصدد قائلا:" ما أكثر ما أعجب واضحك أحيانا مما سيقوله الناس عني بهذا الصدد" وما شابه ذلك من عبارات.

بعبارة أخرى، إن الهاجس القائم وراء النزعة النقدية كان في الأغلب محكوما بأولوية الإثارة والشهرة (وهي تقاليد مستفحلة في الثقافة المصرية لحد الآن). وبالتالي لم تؤد هذه النزعة إلى تأسيس الإجماع العقلي حول مبادئ ومنهجية النقد العقلاني والعلمي. على العكس، أنها في حالات عديدة أدت إلى نتائج معاكسة. والسبب لا يكمن في ما أراد طه حسين قوله وفعله، ولا حتى في حالة ومقدمات الأزمة البنيوية آنذاك للتربية والتعليم والثقافة، بقدر ما كانت تكمن في ضعف الفكرة النقدية لطه حسين، أي افتقادها لمنظومة المنهج النقدي. لهذا ظلت اشد أحكامه النقدية جرأة مجردة ملهاة مثيرة، أي أنها لم تستطع إرساء أسس الرؤية النقدية المنهجية. وذلك لان ما أراده طه حسين من وراء النقد غير قابل للتحقيق. والسبب يكمن في أنه لا يمكن صنع إجماع (فكري أو ثقافي أو سياسي أو أيما نوع من الإجماع الضروري للمعرفة والعلم) خارج منظومة الرؤية العقلانية النقدية والعلمية الصارمة المتراكمة في مجرى تطورها التلقائي. فعندما يكتب طه حسين، على سبيل المثال، عما يسميه بالتخلي عن القومية والدين في التعامل مع تاريخ الأدب وتاريخنا بشكل عام! وان القدماء بفعل حبهم للإسلام قد تعصبوا له في كل شيء[35]، فإن صوابها الشكلي يتعارض مع حقيقة العقل الثقافي، أي المتراكم في مجرى معاناة البحث عن مستوى علمي وموضوعي في التعامل مع التراث الذاتي. وذلك لأن العلمية والموضوعية هنا هي كميات ونوعيات متراكمة في مجرى نقد الواقع وتأمل المستقبل مع البقاء الدائم ضمن التراث القومي الثقافي لكي لا تصبح "الموضوعية" شعارا وتقليدا ووهما أيديولوجيا. أما الجديد أو العلمي الذي يسعى إليه طه حسين هنا فلم يكن في اغلبه سوى نقل وترديد لما كتبه الأوربيون آنذاك. لكنهم بالخلاف عنه كتبوا بمنطق وذهنية التقاليد الأوربية بما في ذلك العلمية منها. وبالتالي ليست معزولة عن قومياتهم وأديانهم وتراثهم وتاريخهم بوصفه صورة "منطقية" لمعاناتهم الخاصة. ومن ثم ليست "علمية" تامة بحد ذاتها، وإلا لم هذا الاختلاف والتباين الهائل؟ (يتبع....)

***

 

ميثم الجنابي

......................

[1] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص29.

[2] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص130.

[3] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص86.

[4] طه حسين: في الشعر الجاهلي، مكتبة الندوة الالكترونية، ص9.

[5] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص26-27.

[6] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص10.

[7] ومن الممكن الرجوع بهذا الصدد إلى المؤرخ الفذ جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، باعتباره احد أفضل وأوسع وأعمق وأدق الكتب العلمية بهذا الصدد. وفيه يمكن رؤية الأبعاد المتنوعة والعميقة والعلمية الدقيقة التي تعطي للمرء إمكانية تجاوز الأحكام السريعة والمسطحة بما في ذلك تجاه قضية علاقة القرآن بتراث الأسلاف.

[8] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص101.

[9] طه حسين: ألوان، ص12-14

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص358-359.

[11] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص80.

[12] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص48

[13] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص96

[14] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص96

[15] طه حسين: الفتنة الكبرى، عثمان، دار المعارف، القاهرة ط13، ص45-50

[16] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص49-50.

[17] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص97.

[18] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص113-114.

[19] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص98-.100

[20] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص56-57.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، 1993، ص58.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص203-204.

[23] طه حسين: جنة الحيوان، سلسلة كتاب اليوم، العدد 299،  القاهرة، 1989، ص3-17

[24] طه حسين: جنة الحيوان، ص20.

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص53.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص354.

[27] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص133.

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص153.

[29] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص367.

[30] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص361.

[31] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص13-15.

[32] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص315.

[33] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص3.

[34] وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن إعادة طباعتها المتكررة هو دليل أيضا على تخلف الوعي، بمعنى عدم خروجه لحد الآن من طفولة التنوير، في عصر تجاوز مراحل كبرى عديدة ما بعد ذلك. الأمر الذي يمكن معه التوصل إلى أن فكر وتفكير طه حسين لا يصنع من حيث الجوهر تنويرا بالمعنى الدقيق للكلمة.

[35] طه حسين: في الشعر الجاهلي، ص8.

 

 

mutham aljanabi2لقد تغلغلت الثقافة الشفوية في شرايين الذاكرة الحبيسة لطه حسين. وكانت تحتوي بقدر واحد على مكون وجودي (انطولوجي) وآخر ذهني (ثقافي). الأمر الذي جعل من الثقافة الشفوية أو ما يمكن دعوته بثقافة الحكاية والرواية الأسلوب الأكثر رسوخا في بنيته الذهنية. من هنا كثرة الحشو والتكرار وضعف الحصانة الرزينة في الموقف من المواقف النقدية نفسها. لاسيما وان هذه الصفة لها تقاليدها الخاصة في الثقافة المصرية على امتداد قرون، أي ثقافة التأليف، والجمع، والتصنيف، والشروح، والتعليقات، والحواشي، والحواشي على الحواشي. وهي ثقافة بلغت ذروتها في أوج مراحل الانحطاط "المستنير" في كثرة وتفشي الاهتمام المبالغ فيه والجميل لحد ما بالحكايات والروايات مثل ألف ليلة وليلة، وعنترة، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، وسيف بن ذي يزن، والهلالية وغيرها.

فقد كانت ثقافة الحكاية والرواية شائعة الانتشار في أزقة القاهرة ومقاهيها منذ القرن الثامن عشر. أنها ساهمت في بلورة الخيوط الخفية للاستعداد الذهني المصري للقبول بالرواية والحكاية على أنها "علم الأوائل" مع ما فيه من هيبة ورهبة خاصة في الضمير الاجتماعي والذوق العام. ونعثر على هذه الظاهرة لحد الآن في انتشار وغلبة "الشخصيات المحاكمة" و"المنبوذة" و"المكفرة" بين الشخصيات المصرية، أي كل أولئك الذين يتلذذون بهذا المصير من اجل الحصول على شهرة لا تفعل في نهاية المطاف إلا على صنع ثقافة الرغبة العجولة بالحصول على رجولة مشهورة وفحولة مقهورة في ميدان المواجهة والعلم! مع أن اغلب الكتب التي جرت "محاكمتها" و"تصفية الحساب" مع شخصياتها لا تتعدى كونها مؤلفات صغيرة ومسطحة بمعايير العلم والمعرفة الدقيقة. لكننا نعثر فيها وفي "مصيرها" ونتائجها بقدر واحد على الصورة الفعلية لضعف وتسطيح الوعي الناقد والمنقود. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لهامشية المعرفة في كل هذا الرصيد المثير للغط والبهرجة المزيفة. ومن الممكن العثور عليه أيضا لحد الآن في النزعة السائدة في الثقافة الصارخة للوعي المسطح كما هو جلي في أغلب ما يسمى بالكتابات "العلمانية" النقدية المنتشرة بين الكتاب المصريين واتباع اليسار التقليدي، كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر في كتابات السيد القمني، وسابقه فرج فوده وكتابات نصر حامد أبو زيد النقدية، على خلاف كتاباته الأكاديمية المتعلقة في ميدان التراث. رغم أن الطابع العادي لهذه الكتابات من حيث مستوى تأسيسها النظري. وذلك لانها تبقى في نهاية المطاف مجرد كتب مدرسية وبالتالي لا تتميز بعمق معرفي ويغلب عليها الحشو المعلوماتي أيضا.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نماذج لا حياة فيها بالمعنى الدقيق للكلمة ولا حداثة، وذلك لان حقيقتها أو مضمونها اقرب إلى أساليب الدغدغة الحية والمشاكسة لحد ما لمشاعر العوام المبهورة بكل ما هو مسطح و"غريب". وليس مصادفة أن تلاقي هذا الاستحسان المشبوب بالزعيق والتصفيق بين أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من ممثلي "اليسار" و"العلمانية"، أي أطراف وهامش المسار الفعلي للمعرفة العميقة والوعي النقدي الفعلي.

إن الرؤية النقدية لطه حسين في اغلبها نقدية بهرجة ومحكومة بتقاليد الحكاية والرواية. الأمر الذي يعطي لي إمكانية الحكم على شخصيته، باعتبارها شخصية حكواتية تقريرية خطابية. من هنا انتشار وغلبة السرد والسرديات فيها. كما انه سر بقاءها العائم على سطح الوعي العادي، واستمرار بقاءها مصدرا للرؤية الكسولة والعقول المكسورة أمام مهمة المواجهة الحية والتحدي الفعلي لإشكاليات المعرفة والحقيقة كما هي من جهة، وفي ميدان التراث من جهة أخرى، أي مواجهة إشكاليات المعاصرة بمختلف ميادينها ومستوياتها.

إن اغلب ما كتبه طه حسين من مؤلفات يتصف بغلبة الرواية والحكاية والعرض والاستعراض الممزوج برؤية تسعى لتمحيص بعض الأخبار وتدقيق بعض الأحكام إضافة إلى محاولة تحقيق بعض المفاهيم بطريقة عقلية ونقدية كما هو الحال على سبيل المثال في الموقف من السبئية وشخصية ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) وأمثالها في (الفتنة الكبرى)، بمعنى النظر إليها باعتبارها شخصية مخترعة بأثر الجدل والتشويه بين "أهل الجماعة" والشيعة، كما يقول طه حسين[1]. بل لا يخلو من غلبة الحكاية والرواية والتسطيح المعرفي أيضا حتى أشهر كتبه العلمية مثل كتبه عن أبي العلاء المعري بما في ذلك كتاب (المعري في سجنه)[2]. ولم يكن ذلك معزولا عن الحقيقة القائلة، بأن الكتابة النثرية عن الشعر لا قيمة لها في الأغلب ما لم يجري تجاوز الشعر أو ما لم يجر دمجه في منظومة لها همومها الكبرى، أي مندمجة في نسيج الرؤية النقدية والعلمية المستقبلية. أما عند طه حسين فإنها مجرد حكاية ورواية وذكرى ومقارنة شخصية. من هنا تفككها وطيرانها الخفيف في أجواء الأحاديث واللغو. وينطبق هذا أيضا على محاولته الغوص في أعماق النفس المضطربة لأبي العلاء. بمعنى اتسامها بالطابع الوصفي الخارجي. وذلك لأنها ظلت محكومة بذكرى وتصور وحكم وتقرير ومقارنة وإسهاب ضعيف وتكرار عنيف من اجل الرجوع إلى فكرة بسيطة أو تقرير لأشياء معروفة ومعلومة ومشهورة. الأمر الذي جعل منها، كما هو الحال بالنسبة لأغلب كتاباته بهذا الصدد أشبه ما تكون بغوص في بركة صغيرة!

ومع انه أشار في أكثر من مرة إلى انه يكره أنصاف الحقائق، ويؤثر العلم والتاريخ على كل شيئا آخر[3]، فان ذلك لا يغير من الحقيقة القائلة بان أقواله هذه هي مجرد تقرير شخصي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن اغلب ما كتبه من كتب علمية ومشهورة كانت في بدايتها، كما أشار في جميع "المقدمات" التي كتبها لهذه الكتب، من اجل "التسلية" و"القضاء على الوقت" و"التلهية" و"الاستمتاع". كما نعثر عليها أيضا في كثرة العبارات المنتشرة فيها، التي تعكس ما يمكن دعوته بسيادة "فرضيات" الخيال التائه أو المتشبه بولع الحكاية والرواية، مثل "لا اعرف إن كان..." و"من يدري.." و"لعل الأمر كان...".

وفيما لو جرى إهمال هذه الجانب، فان اغلب ما سطره بهذا الصدد كان اقرب إلى أنصاف الحقائق واجتزاء للتاريخ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. وذلك لأنه لم يتعامل مع التاريخ بمعايير وعي الذات وبدائل المستقبل، كما أن حقائق العلم تبقى سائبة ضمن سياق المزاج الأدبي والذوق الفني للعبارة والمعنى. وبالتالي لا علاقة لها بتأسيس الرؤية التاريخية ولا تراكمها العلمي النوعي في الفكرة. فنراه يتكلم عن إقامة "أبو العلاء في سجنه الفلسفي هذا نحو خمسين عاما"[4]. والقضية هنا ليست فقط في أن الفلسفة لا تصنع سجنا، بل وأن البحث عن "سجن فلسفي" أو اكتشافه في أبي العلاء من خلال البحث في أبي العلاء لا أساس فيه أو له. ولا يغير من ذلك شيئا كون طه حسين كان يقصد بكلمة السجن سجن الجسد (بفعل آفة العمى) وحرية الروح بفضل الأولى. وذلك لأنهما كلاهما بديهة! كما نعثر على ذلك في موقفه من المتنبئ وبشار بن برد (في معرض المقارنة بابي العلاء)، وبالأخص في إشارته إلى انه يحب ويكره فيهما أشياء. ووجد في المتنبي مغامرا طلب ما لم يخلق له[5]! في حين أن النظرة العلمية الدقيقة وما يترتب عليها في ميدان الرؤية الأدبية عادة ما تتجنب المقارنة بمعايير الأخلاق خصوصا حالما يجري انتزاعها عن قيم المرحلة وأنماطها ومرجعياتها الكبرى. والشيء نفسه ينطبق على موقفه من أن بشار بن برد أثار الإعجاب لكن إبداعه لا قيمة له بالنسبة للأخلاق والعقول، بل هو اشد إساءة[6]!! أما مثال المتنبي فلا يحتذى به بالنسبة لتقويم العقل والأخلاق! انه نموذج الغرور[7]! وكلا الحكمان تائهان في مزالق الأخلاق المجردة أو بصورة أدق الأخلاق الظاهرية والتقليدية. إذ لا يرى طه حسين البعد الدفين والأعمق والأصدق والأكثر حقيقة في مواقفها وسلوكهما وشخصيتهما بوصفها نماذج متنوعة للحرية والتحرر والخروج على المألوف وجوهرية الأنا والفردية المبدعة. وان الشخصية المبدعة الكبرى لا ينبغي حصرها بمعايير "الأخلاق العامة" وذلك لان الفضيلة والرذيلة فيها كلا واحدا.

وعموما يمكننا القول، بان قيمة هذا العمل وما سبقه وتلاه عن أبي العلاء المعري هو نتاج لإدراك قيمة وأهمية هذا الرجل على مستوى الحياة الشخصية والفكرية وإبداعه العقلي والروحي والفني. وما عدا ذلك فحكاية ورواية. وهو النقص الجوهري الذي لازم اغلب كتابات وروايات طه حسين. بمعنى أنها لا تؤسس لفكر ولا تخلص إلى نتيجة ولا تقوّم رؤية بالمعنى الدقيق. فاستعمال كلمة فتنة على سبيل المثال في تفسير التاريخ (الإسلامي الأول وصراعه الداخلي) انطلاقا منها لا ينم عن رؤية تاريخية. كما أنها تفتقد إلى أي بعد فلسفي قادر على التأسيس للقيم والمفاهيم والوعي الذاتي القومي. وليس مصادفة أن ينتهي كتابه عن تاريخ الفتنة بفكرة تقول، بان كل ما جري ويجري يمتلك حكمة أقامها الله في وجود الأشياء وانه بالغ أمره فيها[8]! إذ ينتهك هذا الاستنتاج اللاهوتي (اليقيني) كل معنى الشك العقلي والنقد المعرفي والبحث العلمي. لكنه في الوقت نفسه نتيجة لما يمكن دعوته بشخصية طه حسين العلمية، التي أفصح عنها الرجل في أماكن وحالات عديدة، لعل أكثرها نموذجية العبارة التي قال فيها مرة عن نفسه ما يلي: "أنا لم أتكلف في هذا الكلام مشقة ولا جهدا. فانا رجل أحب القراءة، وأحب القراءة المختلفة المتنوعة، اقرأ في الأدب العربي القديم والحديث (ونفس الشيء على الأوربي) لكن الهمّ كان عربيا. أنا دوما اسأل نفسي هل موجود هذا في العربية، هل يتلاءم معها، هل تستجيب العربية له، وهل أنا قادر على أن ألائم بينهما"[9]؟ ومع انه لا يجوز تعميم هذا التقييم على كل ما كتبه إلا انه يعكس بصورة نموذجية الصفة الجوهرية لتي ميزت ولازمت كتاباته منذ البداية حتى النهاية.

وليس مصادفة أن تمتلئ كتاباته بالحشو. ومن الممكن التدليل على ذلك من خلال تناول اغلب كتبه الشهيرة مثل (على هامش السيرة) و(مرآة الإسلام) و(في الأدب الجاهلي) و(تجديد ذكرى أبي العلاء) وغيرها. إذ نعثر في مؤلفه (على هامش السيرة) على كتاب "لم يكتب للعلماء والمؤرخين" كما يقول طه حسين[10]، أي انه مجرد تأملات سريعة على هامش كتاب وقراءة. وفي أفضل الأحوال هو مجرد استعادة جديدة أو حديثة لنماذج الهوامش. والشيء نفسه يمكن قوله عن الجزء الثاني منه[11]. إذ لا يتعدى كونه مجرد محاولة بائسة لقصص الخيال وذلك لأنها تكلف. ولم يكن هذا الانهماك في السيرة أو استعادتها بالطريقة التي كتب بها طه حسين سوى الوجه الآخر لذوقه المعرفي، أي الحكواتي الروائي. من هنا نراه يسمح لنفسه بالخيال والحكايات المنافية للعقل وما شابه ذلك لأن العقل ليس الملجأ الوحيد للمعرفة أو راحة الناس، كما يقول! وهو تقييم مسطح للعقل والمعرفة. فالعقل هو دوما الملجأ الوحيد للمعرفة الحقيقة، بينما يمكن للعقل أن لا يكون الملجأ الوحيد للروح الإنساني أو العقلانية. وهذه أشياء مختلفة.

لقد أراد جعل قصص السيرة جزء من قصص الرواية بحد ذاتها. وهذا آمر لا بأس به، لكنه موجود ولا جديد فيه. انه لم يصنع حكاية جديدة بل أعاد ما هو موجود منها. ولا يغير من ذلك شيئا إقراره بالحقيقة التاريخية عن الهام السيرة النبوية المؤرخين والقصاص القدماء، ومن ثم إقراره بإمكانية تحويلها إلى مصدر للإلهام الأدبي الحديث[12]. ولا خلاف حول سلامة هذا الموقف، لكنه لا يؤسس لفكرة الإلهام والإبداع. وذلك لان القضية ليست في السيرة أو إمكانية استلهامها، بل في ماهية الإبداع الحديث. فالإبداع الحقيقي محكوم بهمومه الحقيقية، كما أن الإبداع الجديد محكوم بالجدة والتجديد. أما الماضي فهو تجربة قابلة للتأمل. أما (مرآة الإسلام) فهي رواية بسيطة وجيدة لحياة محمد المعروفة والمألوفة ولكن من خلال استعراضها على القرآن. غير أنه استعراض ظاهري ومباشر. والقيمة الوحيدة فيه هو توسيع مدى الرؤية الاجتماعية والعقلية  وغيرها من القرآن، كما نعثر عليه في العبارة التالية "القرآن الأشد والأعمق والأكثر قراءة وتقويما للحياة واللسان"[13]. وانه قد "قيل في القرآن ومعجزاته الكثير، إلا أن كل ما قيل لا يستنفذ ما فيه من روعة وجمال وبهاء"، ولعل من بين أهمها هو إعادة خلق العرب خلقة جديدة[14]. أما كتاب (في الأدب الجاهلي) فمدرسي خالص لطلبة السنة الأولى والثانية لكلية الآداب[15]. لكنه لا يخلو من بعض الأفكار السليمة والدقيقة مثل أن الشعر يقاس بما فيه من قوة أدبية وذوق جمالي. وانه وثيق الارتباط بزمانه. وان معاداة القديم باسم الحديث هو غلو يعادل معاداة الأجنبي لأنه أجنبي[16]. كما يدافع فيه عن تقاليد الشعر العربي. وانه شعر غنائي. لا تمثيل ولا قصص فيه[17]. وأن الشعر الغنائي باقي والأخر ذاهب للزوال.

والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (تجديد ذكري أبي العلاء). بمعنى انه يسير ضمن تقاليد الحكاية والرواية، التي تعيد من حيث الجوهر ما سبق وان ذكره في كتبه السابقة. وحالما ينتقل بين الحين والآخر إلى ميدان الفكر النظري، فانه يقع في زلات وهفوات كبيرة، كما نراه على سبيل المثال لا الحصر في موقفه من التصوف. فما كتبه هنا عن "الفلسفة الصوفية" سطحي وبسيط ولا علاقة له بالعلم وتاريخ الفلسفة والتصوف. وينطبق هذا ليس على الفكرة العامة والمنهج بل والجزئيات، كما هو جلي على سبيل المثال في موقفه من أن جذور التصوف الفلسفية ترتبط بالفلسفة اليونانية وفكرة وحدة الوجود عند الرواقيين[18]. وان التصوف مرتبط بأصول هندية من جهة وبأصول يونانية من جهة أخرى (فكرة الإشراق)[19]. وان ربط هذه الأصول والجذور ببعض مفاهيم الإسلام أدى إلى ظهور التصوف (كالحلاج والجنيد وغيرهم). وأن التصوف اقرب إلى التشيع منه إلى السنة[20]. وانه اتخذ الأباطيل والإباحة ومخالفة الدين والحشيش للوصول إلى الله[21]، وما شابه ذلك من ترديد لما كان يكتب آنذاك في بعض الأدبيات الأوربية الشائعة الانتشار بعد خلطها بالخرافات الشائعة في العالم الإسلامي آنذاك وبقايا الصدى الصدأ لمراحل الانحطاط!

لم تكن الرواية والحكاية السائدة في أسلوب طه حسين معزولة عن هيمنة نمط الكتابة الاجتماعية. فقد كان هذا النمط من الكتابة هو الغالب عليه بما في ذلك في بحوثه التاريخية والأدبية والتراثية. وقد يكون (حديث الأربعاء) و(حديث المساء) هو من بين أكثر ها شهرة وتمثيلا لهذا النمط. كما نعثر عليه في أفضل ما كتبه مقارنة بأعماله الأخرى، كما هو الحال في سلسلة البحوث والمقالات التي دونها عن أبي العلاء المعري. ففي عناوين (حديث المساء)[22]، كما هو الحال بالنسبة لأغلب ما كتبه عادة ما تتكون من كلمات مفردة فقط، أي بلا فكرة ولا إشكالية. أنها تعبير عن انطباع وحكاية ورواية، أو بصورة أدق أنها نموذج للكتابة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة، التي يمكنها المساهمة البسيطة في تربية الذهنية الاجتماعية على قيم النقد الايجابي والبناء والحر. وبمجموعها فضيلة دون شك لكنها ليست قادرة على تنظيم الفكر والفكرة. من هنا مراوحتها في المكان. بل حتى فكرة التجديد لأبي العلاء التي ترمي من حيث الإعلان إلى تجديد الرؤية النقدية الحرة والإنسانية والعربية والإسلامية من خلال تجديد الفكرة الفلسفية والأدبية والروحية والأخلاقية والعقلية الإنسانية كما وجدها عند أبي العلاء، لم تتعد في الواقع أسلوب التنوير البسيط. الأمر الذي جعل بحوثه بهذا الصدد عادية بمعايير الرؤية العلمية. انه يحاول بلورة رؤية علمية وموثقة عن حياة أبي العلاء وإبداعه، تأثره وتأثيره بالمدارس والثقافة العربية والإسلامية والعالمية كما في تقييم العام القائل، بان "أبو العلاء ثمرة من ثمار عصره، قد عمل في إنضاجها المكان والزمان، والسياسة الاجتماعية، والدين"[23]. بمعنى تقرير أمور عادية. وهو شيء جلي أيضا في كون الكتاب من حيث الجوهر استعراض وتلخيص تاريخي بسيط للحالة السياسية والاجتماعية. وحالما ينتقل إلى ميدان الفكر فانه لا يحتوي إلا على أحكام عامة وغير دقيقة وحشو، مثل موقفه من الفلسفة الإسلامية بأنها دون اليونانية، وأنها مجرد تقليد وما شابه ذلك[24]. بل ويضع فلسفة أبي العلاء المعري ضمن ما اسماه بفلسفة التصوف، بعد إشارته إلى ما اسماه بوجود ثلاثة أنواع من الفلسفة (الخالصة والدينية ويقصد بذلك علم الكلام، وفلسفة المتصوفة ويدرج ضمنها فلسفة أبي العلاء[25]. هذا جهل بالاثنين وعدم دقة في الفكرة والعبارة والرؤية والتقييم.

مع ذلك كان هذه النمط من الكتابة والتفكير شديد التأثير في بيئة كانت تتصف بقدر هائل من الرؤية التقليدية. وفي هذا مأثرتها النسبية. فقد أثارت تلك الظاهرة، رغم عنفوانها وتأثيرها الملهم والمزري أيضا، حفيظة رجال الفكر والفقه وشهية العوام، لما فيها من استثارة متميزة للروح والجسد والعقل والذاكرة. وذلك لما فيها أيضا من مزاوجة بين الرؤية الموضوعية والنقدية من جهة والبقاء ضمن الماضي من جهة أخرى. غير أن الحصيلة المترتبة على هذه الأبحاث لم يكن بإمكانها أن تصنع عقلا موضوعيا ونقديا، وذلك لأنها محكومة بتقاليد الرواية. ومن ثم صعوبة إدراجها من حيث الجوهر في إشكاليات المعاصرة رغم كل دعوتها للعصرية والتجديد. إما القيمة النسبية الوحيدة لها فتكمن في نزوعها الاجتماعي وطابعها التنويري الجزئي والنسبي. وذلك لأنها كانت من حيث مقدماتها المنهجية وأسلوب تفكيرها ومستوى تحليلها وكيفي نقدها تنويرية نقدية وشكوك تنويرية. ومن ثم خلوها مما يمكن دعوته بالتنوير المنهجي. بمعنى طابعها السطحي وقدرتها على إثارة الوعي العادي أي وعي العوام غير الناضج، وغير المتربي بقواعد المعرفة المنظومية ومرجعيات الثقافة القومية والعلمية. وليس مصادفة أن يتحول ديكارت المبسط إلى شخصية محورية أو مصدر لرؤية النقدية لطه حسين. فقد كان هذا النزوع النقدي التنويري مقرونا عنده بالرجوع إلى ديكارت! مع انه لا رجوع إلا بالمعنى الزمني أي التقليدي وليس المعرفي. من هنا تحول النقد والنزعة النقدية إلى ميدان الإثارة والاستثارة مع ما فيها من تنوير محتمل. وهي الصفة التي ميزت عموم تيار عقلانية الشك واليقين والنقد والتطمين.(يتبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، دار المعارف، القاهرة ط13، ص90-93. والأدق القول بين الأموية ومعارضتها.

[2] إن ذلك لم يكن بدوره معزولا عن الحافز القائم وراء اهتمامه الشخصي بشخصية أبي العلاء. فقد كان طه حسين متربيا في بداية الأمر على كراهية المعري. لكنه سيكتشف لاحقا سخافة هذا الموقف. وهو تحول يعكس طبيعة الانقلاب النقدي في ذهنه وتفكيره وشخصيته، بوصفها القيمة الكبرى والوحيدة لحد ما في كل فكر وتفكير وشخصية طه حسين. الأمر الذي يعطي لي إمكانية القول، بان الاهتمام بابي العلاء لم يكن محكوما عنده بفكرة متسامية أو منظمة فكرية بقدر ما يعكس الرغبة الخفية والدفينة في حب الأنا. وهذا شيء قيم بحد ذاته ومثمر من حيث نتائجه ولا يقلل مما أراده قوله وفعله.

[3] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص105

[4] طه حسين: المعري في سجنه، ص51.

[5] طه حسين: المعري في سجنه، ص73

[6] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[7] طه حسين: المعري في سجنه، ص74

[8] طه حسين: الفتنة الكبرى، علي وبنوه، ص249

[9] طه حسين: جنة الشوك، القاهرة، دار المعارف، ط13، 1986، ص19

[10] طه حسين: على هامش السيرة، دار المعارف، القاهرة، ط 31، 1987، ج1، ص ج، ه.

[11] طه حسين: على هامش السيرة، ج 1، ص12

[12] طه حسين: على هامش السيرة، ج1، ص ح.

[13] طه حسين: مرآة الإسلام، دار المعارف، القاهرة، 1959، ص157-159.

[14] طه حسين: مرآة الإسلام، ص153.

[15] طه حسين: في الأدب الجاهلي، مطبعة فاروق، القاهرة، ط3، 1933، المقدمة.

[16] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص336- 337.

[17] طه حسين: في الأدب الجاهلي، ص340-342.

[18] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1963، ص78

[19] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص79

[20] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[21] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص80

[22] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983

[23] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص16.

[24] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص77.

[25] طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ص78.

 

 

mutham aljanabi2لقد حدد مبدأ التدرج في الإصلاح الذي تغلغل في كل مسام الرؤية الإصلاحية لمحمد عبده إلى مقدمة التأسيس المنهجي للأبعاد الاجتماعية في الفكرة الإصلاحية. فالفكرة الإصلاحية عند محمد عبده ليست دينية من حيث الجوهر، بل منظومة متكاملة. من جوهرية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية فيها. وليس مصادفة أن تكون الأبعاد الاجتماعية فيها بارزة في كل مواقفه بلا استثناء. بل ويمكننا الحديث عن توسع وتعمق لهذه الأبعاد مع كل تطور كمي ونوعي في تأسيس الفكرة الإصلاحية. إذ نعثر على إبرازه قيمة الأبعاد الاجتماعية في القضايا التي تناولها من وجهة نظر مهمة إصلاحها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار انه لم يترك جانبا من جوانب المجتمع والدولة دون الخوض فيه، من هنا يمكن تتبع مسار الأبعاد الاجتماعية في فكرته الإصلاحية. وهو أمر جلي حالما نتصفح مقالاته العديدة تجاه مختلف القضايا. فهو لم يترك لجوانب الاجتماعية حتى في حال مناقشته لإصلاح حال القضاء والقضاة.

فعندما يتناول قضايا القضاء والقضاة، وحجاب القضاة، والدفاتر، وأسلوب التقييد فيها والمتابعة، وكيفية تشكيل المحاكم، والمرافعات، والتوكيل في المخاصمات، وجلسات المحاكم، وحضور الخصوم، والشهادات، والأدلة، وكيفية الحكم، وتنفيذه والحبس والتفتيش والمحامي ودوره وغيرها، فإننا نعثر فيها بصورة واضحة وجلية على أبعاد اجتماعية مهمتها تنظيم وتحرير الفكرة الحقوقية وأجهزة القضاء وأساليب عمله من ثقل التقاليد الاجتماعية البالية، كما هو جلي على سبيل المثال في مقالاته النقدية اللاذعة والعميقة من مسألة حجاب القضاة والشهادات والأدلة ومعارضته لحجاب النساء في جلسات القضاء وغيرها. انه أراد الكشف عما في هذه الظاهر الخربة من إمكانية توسيع مدى الرذيلة والغش والسقوط الأخلاقي.

بعبارة أخرى، انه أراد القول، بأن فكرة القانون والعدالة تفترض تحرير المرء للدفاع عن حقوقه كما هو ومواجهة القانون بمعايير القانون وليس العرف الاجتماعي والتقاليد الميتة. من هنا تقديمه مضمون ما اعتبره جوهر الدين وتقاليد الإسلام الأولى على أنها قضاء على العادات القديمة السيئة. وبالتالي اعتباره محاربة التقاليد السيئة قاعدة دائمة وجوهرية في الفكرة الإسلامية. من هنا نراه يحارب أسلوب وتقاليد الحجاب المتحجرة، عندما أكد على انه لا يوجد في القران نصا صريحا بالحجاب السائد حاليا[1]. وإن الحجاب المغلق فيه انتهاك للحقوق وأسلوب للسرقة والحيلة والغش، أي انه احد مصادر الرذيلة، مثل حضورها في المحاكمات والبيع والشراء والزواج[2]! كما نراه يحارب كل نماذج وأشكال التقاليد الخربة مثل الصياح وراء الجنائز والمآتم، والقذارة والخرافات[3]، أي انه يضع في آن وان واحد ومستوى واحد تقاليد "العزاء" المزيف والقذارة المرمية في الأزقة. كما نراه ينتقد استعمال المخدرات بوصفها مناهضة لمتطلبات الجسد والعقل والأخلاق وكثير غيرها.

في حين نراه يخصص مقالات عديدة جدا لقضية المرأة بما في ذلك من خلال تطويع كل الرؤية النقدية والعقلانية والتاريخية والأخلاقية في التفسير من اجل تقديم نموذج إصلاحي إنساني للموقف من المرأة، بوصفها إحدى المرايا الكبرى التي تنعكس فيها حالة التخلف والانحطاط المادي والمعنوي أو بالعكس، أي حالة الرقي والتمدن. وبالتالي لم يكن تركيز محمد عبده عليها سوى الأسلوب الحسي والباطني في الوقت نفسه لنقد إحدى اشد القضايا حساسية بالنسبة للذوق الإسلامي آنذاك.

وانطلق في تقرير فكرته الإصلاحية بهذا الصدد من المقدمة العامة القائلة، بان حقيقة الإسلام في موقفه من المرأة يقوم على مبدأ الإقرار بحريتها ومساواتها بالرجل. من هنا محاولاته تفسير الأبعاد الفعلية مما يسمى بتعدد الزوجات من وجهة النظر التاريخية بوصفها إصلاحا لما قبلها، وباعتبارها مقدمة الموقف الإسلامي الحقيقي من المرأة كما ينبغي فهمه ضمن سياق الرؤية الإسلامية العامة. وحقيقة الرؤية الإسلامية بهذا الصدد يمكن رؤيتها من خلال الموقف من الزواج، أي من طبيعة العلاقة الشرعية بينهما بوصفها علاقة وجدانية.

بعبارة أخرى، إن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة بالنسبة لمحمد عبده تقوم على أسس وجدانية وجودية طبيعية. من هنا موقفه المعارض أو الناقد لتصورات وأحكام الفقهاء الجافة عن الزواج التي تعرفه بعبارة "عقد يملك به الرجل بضع المرأة". إذ وجد في هذا الحد فكرة جافة وجزئية ولحد ما غريبة عن حقيقة الفكرة الإسلامية. وذلك لان هذا التعريف يرجع طبيعة وحقيقة العلاقة إلى جعل المرأة مادة لرغبات الرجل الذكورية. بينما أفضل تعريف لها، كما يقول محمد عبده، ما هو موجود في القرآن (من آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ذلك يعني انه أراد إبراز نوعية العلاقة الطبيعية بينهما بوصفها علاقة نابعة من أسس وجودية واحدة مهمتها بناء الرحمة والمودة، أي الحب والاحترام، بوصفها الصيغة المثلى والنموذجية للعلاقة بينهما.

وطبق هذه الرؤية على مواقفه النقدية من فكرة الزواج بالطريقة التقليدية. إذ وجد من الضروري معرفة الرجل بامرأة التي يرغب الزواج بها، انطلاقا من أن الزواج يفترض معرفة. فالمرء لا يشتري خروفا دون أن يراه، فكيف له بالزواج دون رؤية، كما يقول محمد عبده[4]. وطبق موقفه هذا تجاه الطلاق. بمعنى انه تعامل مع قضية الطلاق بمعايير المنفعة والأخلاق والراحة الإنسانية، بوصفه الوجه الآخر أو الحالة الأخرى للموقف من الزواج نفسه.

كما عمق هذه الرؤية من خلال رفعها إلى مستوياتها الاجتماعية والثقافية عندما اعتبر الموقف من المرأة هو نتاج لمستوى تطور الأمم أو انحطاطها. كما انه مؤشر على مستوى تطور الناس العقلي. من هنا ملاحظته، بان الرجال العقلاء يحترمون زوجاتهم ويكتفون بواحدة[5]. ووضع هذه النتيجة في موقفه من تعدد الزوجات بحيث نراه يعتبر تعدد الزوجات مصدر خلل وانتهاك للحقوق والأخلاق. والقبول به من بعض النساء نابع من قصورهن في فهم الحقوق الشخصية، بوصفها متاعا للرجل كما كان الناس يعتبرون أنفسهم متاعا للحكام المستبدين[6]. بعبارة أخرى، انه أراد الكشف عن طبيعة العلاقة السرية والعضوية بين الاستبداد السياسي والاجتماعي، من خلال مقارنة تعدد الزوجات بوصفهن متاعا للرجل تماما كما يتحول البشر والمجتمع إلى متاع للمستبدين.

إننا نقف هنا كما هو الحال بالنسبة لكل مواقفه الإصلاحية أمام تأسيس باطني لمبدأ البناء الذاتي الشامل، أي إن الإصلاح الحقيقي يفترض استناده إلى مبدأ جوهرية البناء الذاتي الشامل، بوصفه الوجه الآخر لنفي التقليد الداخلي والخارجي، العقلي والاجتماعي، الثقافي والمعرفي. الأمر الذي أعطى للفكرة الإصلاحية بعدها الذاتي التلقائي. وقدم الكثير من المقارنات بهذا الصدد. ففي مجرى تناوله تاريخ الرقي والتمدن الأوربي الحديث، فانه كشف عن أن أصول الإصلاح الديني النصراني كانت نتاجا للتأثير الإسلامي الفلسفي والعلمي والثقافي والحياتي، وساء جرى ذلك عبر الحروب الصليبية وبعدها أو من خلال تأثير الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية. وقرر هذه الفكرة من خلال الشواهد التاريخية والمعطيات الحسية البسيطة والمباشرة عن عيش الكثير من نخب المجتمع النصراني والناس العاديين بين المسلين فترات زمنية طويلة تأثروا بنمط حياتهم وأفكارهم، أي كل ما شكل الدافع الأساسي لنقد الواقع والخروج من ثقل التقاليد النصرانية المتحجرة. من هنا استنتاجه القائل، بأنه حالما نتأمل النصرانية البروتستانتية، فإننا نرى اغلب آراءها ومبادئها مأخوذة من الإسلام. وأن الاختلاف في العبادات لا غير[7].

لقد أراد محمد عبده القول، بأن الفكرة الإصلاحية النصرانية المتطورة التي أثرت بصور كبيرة على عملية التمدن الأوربي ما هي إلا احد أوجه الإسلام الحقيقي. وضمن هذا السياق طوع كل موسوعيته في التفسير ورؤيته العقلانية واصطلاحيته في المواقف من اجل إبراز حقيقة الإسلام بوصفه دين الإصلاح كما نراها في هذا الكم الهائل من تفسير الآيات[8]. وهو تفسير يختلف و"يشذ" عما كان سائدا، وذلك لنحوه صوب إصلاح الروح والعقل والجسد الفردي والاجتماعي والقومي من خلال مطابقة الفكرة الإصلاحية مع حقيقة الإسلام، أو من خلال جعل الإسلام دين الإصلاح الدائم. من هنا ارتكاز التفسير الذي قدمه لمختلف آيات القرن وسوره على مبادئ ووحدة العقل والعقلانية والروح الأخلاقي والرؤية الواقعية المتسمة بنزوع إصلاحي شامل. الأمر الذي جعل منه تفسيرا أقرب إلى تفسير "روح المعاني"، ولكن من خلال جعل القرآن أسلوبا لفهم حقائق المعاصرة كما هي. بمعنى تحويل الآيات إلى أسلوب منهجي في فهم إشكاليات الواقع التاريخي. والنظر إليها ليس بعيون التمني الباكية على أطلال الماضي، بل بعيون الرؤية النقدية والواقعية العاملة من اجل تغيير الواقع بوصفه جوهر ومضمون الفكرة الإسلامية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التأثير الخفي لتقاليد الروح الصوفي المتسامي واثر الأفغاني العملي الفعال في جمع هذه المكونات التي تتراءى من خلالها عقلانية الكلام وحنكة الفلاسفة وأدب التصوف الرفيع وأخلاقهم النبيلة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذا النوع من التفسير على نقل روح التصوف وأخلاقيتهم المتسامية إلى ميدان الرؤية الواقعية والاجتماعية والسياسية ومستقبل الدولة والأمة. بمعنى تفعيل الروح الأخلاقي والعقلي في مواجهة إشكاليات الحاضر من خلال إبداع صورة عملية لما في اجتهاد الغزالي القديم. ووضع هذه الرؤية في المبدأ القائل، بان "التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". ذلك يعني أن المهمة الأولية للتفسير تقوم في أبعاده عن تقاليد الأموات واللاهوت السحري، عبر إرجاعه إلى تيار الحياة وإشكالاتها. ولهذا السبب نراه أيضا يقف بالضد من أساليب التأويل الباطني المتطرف. من هنا رفضه لهذا النوع من التأويل الذي وجد انعكاسه فيما ينسب إلى ابن عربي (كتاب تأويل القرآن) مع انه كتاب القاشاني، كما يقول محمد عبده. ومن هنا أيضا فكرته من أن الجوهري بالنسبة له في التفسير ليس "الأحكام العملية" بل "التهذب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها ورفعها من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة". لهذا نراه يدعو كل شخص (جاهل وعالم) أن يفهم القرآن بقدر طاقته. ووضع في هذا المبدأ أسلوب ما اسماه بتفسير القرآن بحسب المعنى الأولي، وحسب ما جاء في القرآن نفسه وبما يتوافق مع المعنى في الآية. والغرض من ذلك تحرير الرؤية من ثقل التقاليد المذهبية والحفظ الميت واسترجاع تقاليد الأسلاف، أي البقاء ضمن بطون الكتب المليئة بغبار الماضي. (يتبع....).

 

ميثم الجنابي

................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص105.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص107.

[3] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص114-158.

[4] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص68-70.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص82.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص83.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص467-268. وقد كتب أمين الخولي عام 1935 كتابا بعنوان (صلة الإسلام بإصلاح النصرانية).

[8] يمكن الرجوع إلى ذلك في الجزء الرابع والخامس من الأعمال الكاملة لمحمد عبده.

 

 

mutham aljanabi2كانت عقلانية طه حسين (1889-1973) هي الأخرى نزوعا نحو التحرر أكثر مما هي تأسيسا فكريا لها. وليس مصادفة أن نعثر على مذاق الحرية والدفاع عنها بمختلف صورها وأشكالها ونماذجها في كل ما كتبه. بحيث يمكننا القول، بأن دفاع طه حسين عن الحرية ينبع في الوقت نفسه من دفاعه عن فكرة الحرية وإدراك قيمتها وأهميتها وأثرها الفعلي بالنسبة لصيرورة الإنسان والمجتمع والدولة والثقافة. بعبارة أخرى، إن الدفاع عن الحرية نابع من كونها فكرة عميقة ودائمة في تفكيره ومواقفه. وقد تكون كلمته عن أن "الكلمة الأخيرة ستكون دوما للحرية" هي احد النماذج الجلية بهذا الصدد. ومن هنا استكماله إياها بعبارة "النار مهما كانت ملتهبة لا يمكنها أن تحرق كتابا"[1]. ومن ثم لا يمكنها أن تحرق الذاكرة والذكرى المتعلقة بمصادر الحرية المتنوعة، تماما بالقدر الذي تجعل من مختلف أشكالها ومستوياتها ونماذجها صورة معقولة ومقبولة بحد ذاتها. والسبب يكمن في كون الحرية مصدر الإبداع العظيم كما أنها الصورة المثلى للوجود الإنساني، أي القوة القادرة على صنع العدالة والسعي الدائم من اجل إيجاد صيغها المقبولة. فقد أدرك طه حسين إشكالية العدل والحرية المعقدة. وأشار بهذا الصدد إلى أنها مشكلة قديمة رغم ظهورها الجلي في القرن التاسع عشر والعشرين. وإذا كان التاريخ القديم والحديث لم يحل هذه القضية على مستوى الفكر والممارسة، فان الأمل يبقى في أن يجري حلها من خلال إيجاد الصيغة المعتدلة[2]. وليس هذا بدوره سوى الإبقاء على فكرة الاحتمال بوصفها توليفا بين الحرية والعقلانية، أي البحث والاجتهاد عن صيغة ممكنة ومحتملة.

ومع إن طه حسين لم يكن ضليعا في ميدان التفكير الفلسفي وفكرة الاحتمال العقلانية، إلا انه كان منهمكا في التعبير الحر عن حرية الفكر والتفكير لما لها من اثر وقيمة بالنسبة للعدل والحق. ففي مجرى تحديد موقفه من "ثورة الزنج" نراه يشير إلى ما اسماه باستنادها إلى تقاليد الخوارج[3]. وبغض النظر عن ضعف دقة هذا الربط، إلا أن من الممكن رؤية بواعث الدفاع عن فكرة العدل كما هي. وهذه بدورها وثيقة الارتباط بالحرية. من هنا قوله، بأن تناول ثورة الزنج وأمثالها في التاريخ الأوربي لا يعني الأخذ بها بقدر ما تعني الإشارة إلى ما في تراثنا من تقاليد عريقة في الدفاع عن العدل الاجتماعي من جهة، وأهميتها بالنسبة للأدباء من جهة أخرى، أي أهمية استلهامها في الإبداع الفني والأدبي[4]. والشيء نفسه يمكن ملاحظته حالما نراه يتكلم عن الحب والعشق في مجال الأدب والشخصية من خلال ربطه بالتحرر العقلي وفكرة الفن. بحيث نراه يجري مقارنة بين ستندال وابن حزم بصدد قضية الحب والعشق، بينما نراه يفرد لعشق اوغست كونت صفحات عديدة توصله في نهاية المطاف إلى القول، بأنك ترى الإنسان ساذجا وهو شديد التعقيد[5]. وبالمقابل نراه يدافع عمن يدعوهم بالشخصيات الحرة العقلية ويتناول فيمن يتناوله شخصيات متنوعة مثل بول فاليري[6] ويزيد بن المفرّغ[7].

إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي معقل الثبات بسبب ارتباطها الجوهري بالعقل والمعرفة. بعبارة أخرى، إن الحرية بالنسبة لطه حسين هي حرية مدركة. وسواء سار هو بطريق تحديد الحرية بمعايير الضرورة المدركة أم لا، فإن مما لا شك فيه هو انه جعل منها مصدر الإبداع الأدبي الرفيع والارتقاء الشامل للفرد والمجتمع والدولة. من هنا نراه يشدد على أن "الحرية لا تستقيم مع الجهل. والدعامة الصحيحة للحرية الصحيحة إنما هي التعليم الذي يشعر المرء بواجبه وحقه الفردي والاجتماعي"[8]. ووضع هذه المقدمة أيضا في صلب دعوته عن حاجة مصر إلى ما اسماه بسلوك طريق "تكوين العلماء الأحرار المستقلين". وفي حال عدم قيامها بذلك فإنها ستبقى عالة على أوربا وتخدع نفسها بالأوهام والاستقلال في العلم[9]. وإذا كانت هذه العبارة لا تخلو من بقايا أو فاعلية الاستلاب الثقافي المميز لطه حسين، إلا أن مضمونها العملي يبقى سليما من الناحية المجردة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم مظاهر المراهقة الثقافية في أحكامه من فكرة الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان. إذ نراه يجعل من بروز هذه الفكرة (الحرية والعدل والمساواة) جزءا مما اسماه بالارتباط الضروري بأوربا وتقاليدها. من هنا دعوته إلى ضرورة تحقيقها من خلال التربية والتعليم السليم، مع ما يترتب عليه من مهمة توظيف الأموال من اجل بلوغ الرقي والاستعداد للدفاع عن الحرية والاستقلال[10].

إن تلازم وتعايش الرؤية الموضوعية والاستلاب الثقافي والمعرفي كان النتاج الملازم للطابع التأملي والجزئي لتوليف العقلانية والحرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه الآخر لأثر وثقل التراكم البطيء لفكرة الحرية، ونمو الوجدان، ووعي الذات القومي، والتجديد، والفكرة النقدية، والتنوير، وثقل الضغوط الأوربية الكولونيالية آنذاك، أي ذلك الخليط الهائل الذي أراد طه حسين أن يصهره في بوتقة صغيرة. من هنا طفح الخليط واستحالة صبه في قوالب مناسبة. ولم يكن ذلك معزولا عن كمية ونوعية المتناقضات المبتورة في فكره وتفكيره ومواقفه. لكنها كانت تعمل في الوقت نفسه ضمن إطار توسيع الرؤية العقلية النقدية، والإثارة المعرفية، والتجديد المبهور بكل شيء بما في ذلك بصغائر الأشياء والأمور والأحداث. غير أن هذه النتيجة المبعثرة لكمية التجارب التاريخية كانت في الوقت نفسه الثمن الضروري لفكرة الحرية.

لقد نظر طه حسين إلى الحرية باعتبارها الحافز الأكبر والغاية العظمى القائمة وراء كل إبداع حقيقي، ووراء حقيقة الإبداع نفسه. لهذا كان يكرر بين الحين والآخر عبارات عن "تقديسه للحرية"، بما في ذلك السياسية، والاجتماعية. وإذا كانت هذه الحرية مرتبطة وثيقة الارتباط في آرائه بحرية الرأي، فلأنه أراد من وراء ذلك تحويل اللغة والأدب إلى أن "تدرسا لذاتها"، أي هدم أسس الأيديولوجية التقليدية في تحويل الأدب العربي إلى وسائل لتدعيم الدين والتخلف. ومن هنا دعوته لاستقلالية الأدب ومطالبته برفع هذه الاستقلالية إلى مصاف "العلم الطبيعي"، أي عدم إخضاعه للهيمنة الأيديولوجية والسياسية. واستند في موقفه هذا إلى رؤية منهجية عن موقع الأدب ووظيفته في الوعي الاجتماعي الثقافي. وهو السبب القائم وراء معارضته "للرؤية السياسية" في لأدب. وبالتالي رفضه لفكرة أن تكون السياسة معيارا لفهم تاريخ الأدب وحقائقه، رغم تأثيرها الكبير في تطوره وتنوع مدارسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على موقفه من "الرؤية العلمية" التي حاولت أن تجعل من الأدب علما يتطابق مع العلم الطبيعي. رغم ما لهذه الرؤية من أهمية في تدقيق المعرفة التاريخية بالأدب وشخصياته وإبداعها. وجعله ذلك يركن، في نهاية المطاف، إلى ما اسماه بالفكرة الوسط، أي اعتبار الأدب وسطا بين العلم والفن. وكان يقصد بذلك أن يكون الأدب محببا للناس ومفسرا في الوقت نفسه للظواهر. ومن هنا لم تكن مساعيه الرامية إلى مساواة استقلالية الأدب باستقلالية العلم الطبيعي، سوى الصيغة المناسبة لتحريره من سطوة الهيمنة التقليدية واحتكارها للروح الثقافي، أي كل ما كان يعمل على تحنيط الأدب العربي كما وصل إلينا الآن. وكتب بهذا الصدد يقول: "فما لي ادرس الأدب لأعيد ما قاله القدماء؟ ولا اكتفي بنشر ما قاله القدماء. وما لي ادرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنّة وذم المعتزلة والشيعة والخوارج، وليس لي في هذا كله شأنا ولا منفعة ولا غاية علمية؟[11]. من هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة تحرير الأدب واللغة من التقديس[12].

لقد كانت دعوته إلى حرية الأدب بذاته تعني بالنسبة له أيضا الأسلوب المناسب لتحرير جيله. لهذا أكد على أن جيله المعاصر لا يمكنه أن ينتج تاريخا للآداب العربية بمعناها المعاصر ما لم يحرر نفسه، تماما بالقدر الذي لا يمكنه أن يحرر نفسه من دون أن ينتج آدابا عربية حية[13]. وقد كانت هذه الدعوة قائمة في صلب مشروعه العقلاني النقدي، المتعلق بإدراكه الجديد لمهمة الأدب. فهو يضع في مهمات انتقاده للتيارات التقليدية الأزهرية في مواقفها من الأدب مهمة رفعه إلى مصاف الأدب الحي. بمعنى تخليصه من وظيفته التقليدية كخادم وضيع للاهوت. وبالتالي تحويله إلى أدب مرتبط بمشاعر الناس وحياتهم وقضاياهم[14]. ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من مهمة الأدب بوصفها مهمة الارتباط بالحياة الفردية والاجتماعية والوطنية والقومية بمختلف مظاهرها. بحيث نراه مرة يقول، بأن "الأدب متصل دائما بالحياة الواقعية. وكلما تصبح الحياة شعبية كلما يكون الأدب شعبيا. وهو مسار الحياة الأدبية، لأنه مسار حياة الشعوب"[15].

وليس مصادفة على سبيل المثال أن يقول، بان مهمته دراسة الأدب العربي وتاريخه هو لما فيه من ضرورة بالنسبة للوعي القومي والتاريخي. ومن يجهله ويزدريه لا يحق له الحكم فيه أو عليه. وضمن هذا السياق أشار إلى أن الغاية من وراء جمع المقالات التي كتبها عن حافظ وشوقي تقوم في إثارة "الميل القومي إلى درس الأدب والاعتناء به، وتقوية الذوق الفني وتوجيهه صوب الحياة ومشاكلها ومثلها العليا"[16]. ومن الممكن العثور على التوجه والتوجيه في الحافر القائم وراء قصة (ما وراء النهر) وغايتها[17]. فمع أنها لم تكتمل، لكنها تسير ضمن سياق القصة الاجتماعية، وضمن سياق أفكار ومفاهيم وقيم ومواقف طه حسين الاجتماعية. بمعنى وضع الأدب في خدمة المجتمع والعدالة والحق. وسوف يقول طه حسين في وقت لاحق إلى ثورة يوليو لم تكن معزولة عن اثر الأدب الإصلاحي، وإن للأدب دوره ومكانته فيها. ونعثر على ذلك على امتداد كتابات الأدبية والاجتماعية. فنراه يؤسس لفكرة العدل والدفاع عنها ولكن بمعايير الحكاية والخطابة كما هو الحالة على سبيل المثال في (المعذبون في الأرض). إذ نعثر فيه على انتقاد متنوع لحالة البؤس والخراب المادي والمعنوي في مصر، عبر انتقاد الواقع[18]. ومع أن "قصص" (المعذبون في الأرض) واقعية فنية إلا أنها تتبخر في مجرى القراءة كما لو أنها لا شيء. والشيء الوحيد الباقي فيها هو رغبتها في إيصال فكرة، شأن كل تلك الروايات الحماسية لفرح انطون وأمثالها التي لا يمكن قراءتها الآن إلا من جانب حثالة الفكر اليساري المتعصب أو نصف الجاهل والمولع (بالأيديولوجية). وليس مصادفة أن يحتوي الكتاب على قصص عن صالح وقاسم وخديجة والمعتزلة (مع أن العنوان لا علاقة له بفرقة المعتزلة بقدر ما يرتبط بعائلة بائسة[19]! لكنها تصب في مسار المهمة السياسية والاجتماعية للأدب كما فهمها طه حسين.

لقد أدت غلبة "المهمة" الاجتماعية والسياسية على القيام بما لا يرغب القيام به من الناحية المجردة. من هنا يمكن فهم قوله بأنه "أكثر من بنفر من إلقاء دروس الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وما شابه ذلك إلا انه مضطر لذلك انطلاقا من إدراكه لواجبه الوطني الصادق والكرامة الإنسانية[20]. وأن يقول في حالة أخرى، بأنه "لا يحب الديمقراطية المحافظة ولا المعتدلة، ولا اقتنع بالاشتراكية الفاترة، وإنما أياسر إلى أقصى ما أستطيع". ولا علاقة لهذا "الغلو" بغلو الراديكالية السياسية أيا كان شكلها ومحتواها بقدر ما أنها مؤشر على بعض معالم الرؤية النقدية الأدبية والاجتماعية التي تشطح بين الحين والآخر، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار خلو فكر وتفكير طه حسين، شأن كل رعيل وممثلي عقلانية الفطام التاريخي من رؤية منظومية. والشيء الوحيد القادر على تنظيم هذا الخلل أو التعويض عنه هو مزاج الرؤية النقدية وتجانسها في ميدان المواقف والأحكام الأدبية والاجتماعية والسياسية لحد ما. ومن الممكن العثور على سبيل المثال في موقفه من التربية والتعليم نموذجا على هذه الحالة. فهو يدعو للفكرة الديمقراطية في التعليم، على أن يجري من خلال تعليمها[21]. كما يدعو إلى أن "تكفل الديمقراطية للناس الحياة. ويجب قبل كل شيء أن تكفل لهم القدرة على الحياة"[22]. ويستكمل ذلك بفكرة توحيد المناهج وإعلاء فكرة الوطنية والعلم والطابع الاجتماعي، مع إقراره بان ذلك لا يتعارض مع التنوع والاختلاف لكن بشرط وجود الحد الضروري من المناهج والبرامج التي تكفل "تكوين الشخصية الوطنية في نفس التلميذ. ويركب في طبعه الاستعداد لتثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[23]. من هنا مطالبته بحصر التعليم بيد الدولة، أي أن توكل للدولة إلى أمد بعيد.على أن يبنى ذلك على أساس "التنظيم الدقيق والإشراف القوي والملاحظة المتصلة"[24]. بل ونراه يجعل من الدولة بداية ونهاية القوة الحاكمة في "تكوين العقلية المصرية". وكتب بهذا الصدد يقول بأن "الدولة هي المسئول الأول، والمسئول الأخير عن تكوين العقلية المصرية تكوينا يلاءم الحاجة الوطنية الجديدة.... إنها تنحصر في تثبيت الديمقراطية وحماية الاستقلال"[25].(!)

إن هذا التناقض الجلي والعميق و"المستقبلي"، أي الخطر بالنسبة لمستقبل الثقافة في مصر ينبع أولا وقبل كل شيء من ثقل المرحلة وثقل فكرة المهمة الاجتماعية والسياسية وصهرهما في كل واحد. وهذا بدوره ليس إلا النتاج غير المباشر لانعدام الرؤية المنظومية مع ما يترتب عليه من ضعف أو انعدام تنظيم الأفكار والمواقف والأحكام والبدائل. والقضية هنا ليست فقط في استحالة تثبيت الديمقراطية في دولة خديوية وبالأخص بعد أن يجري تحويلها إلى المسئول الأول والأخير عن صنع"العقلية المصرية"، بل وبما فيها من خطورة مستقبلية. بعبارة أخرى، إن هذا الغلو هو الوجه الآخر للرغبة العميقة في تمثل الإمكانات الواقعية في الدولة والمجتمع من احل تجاوز الهوة الواسعة بين الواقع المصري والصيغة النموذجية التي وجدها آنذاك في أوربا. الأمر الذي طبع اغلب أفكاره بصدد التربية والتعليم بطابع سليم وعملي رغم الثغرات المنتشرة في نوعية تفكيره وتأسيسه للمواقف والأحكام. ومفارقة الظاهرة هنا تقوم في أن مصدر هذا الخلل يكمن في تعايش وتنافر الرؤية النقدية والواقعية والمستقبلية. وذلك لان الغاية التي كان يسعى إليها بهذا الصدد تقوم في الدعوة لإعارة الاهتمام الأكبر بالتعليم وصرف الأموال من اجله وتحريره وتوسيعه والاهتمام بالتلاميذ من الناحية المادية والمعنوية والصحية[26].

النزعة المصرية – وطنية ضيقة أم قومية مبتورة؟

فقد وجد طه حسين في مصر آنذاك كيانا مريضا. ونستطيع تلّمس ورؤية وسماع معاناته وحسّه الوطني والإنساني العميق والعقلاني أيضا في الموقف من حالة مصر وعلاقتها بأوربا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص. وليس مصادفة أن نعثر في كتاباته الاجتماعية آنذاك على كتلة من المواقف المتناقضة والاغتراب بسبب التاريخ الحديث. لهذا نسمعه يقول، بأنه وأمثاله بذلوا الغالي والرخيص من اجل حرية مصر وتطورها ونجاحها، بينما يروها معقودة اللسان والأيدي وفاقدة الحركة، على خلفية إصابة مصر آنذاك بمرض الكوليرا. من هنا ظهور السؤال: ما هو الشيء الذي تجاوزته مصر؟ أنها مازالت تعاني من مختلف الأمراض (الكوليرا وما شابه ذلك). انه مؤشر على بقائها ضمن حيز التخلف رغم كل ما قيل ويقال. ويختتم المقال بسؤال بسيط: بأي طريق تسير مصر؟ طريق الحياة أم طريق الموت[27]؟ انه سؤال المثقف الكبير في مواجهة إشكاليات العصر والنفس ولكن دون الوقوع في حالة اليأس والقنوط.

وقد تكون الفكرة المصرية، أو الوطنية المصرية المرفوعة إلى مصاف الرؤية القومية احد نماذج الغلو الواقعي آنذاك في إدراك وتأسيس مهمة الأدب الاجتماعية والسياسية والوطنية. من هنا نراه يقول بوجود "صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت في العصر الحديث[28]. ولم تكن هذه الصيغة الأولية في الواقع سوى الشكل الجديد لنمو الفكرة القومية الجديدة التي لم تع ذاتها بعد بمعايير المستقبل، رغم أنها تتكلم عنه. وذلك لأنها كانت محكومة بثقل التقاليد المصرية المتراكمة والمشوهة لحد ما من تفاعل السيطرة الأوربية المباشرة وغير المباشرة على الوعي الاجتماعي والسياسي والأدبي الجديد، أي المنبهر بتقاليد الغريب القريب، وهيمنة التقاليد الغريبة والقريبة لماليك العائلة الخديوية.

لهذا نراه يظهر بصورة الوطني المصري الحر المدافع عن الاستقلال السياسي والاجتماعي والمعرفي[29]. وكذلك في شخصية المدافع عن المجتمع وحقه في إدارة شئونه الذاتية بنفسه، ومن ثم معارضة فكرة الوصاية على المجتمع كما لو انه قاصر[30]. بل ويتعدى ذلك إلى مجال الدفاع عن مظاهر الاحتجاج والمقاومة الاجتماعية السياسية الوطنية (المصرية) والبحث عن القيم الجميلة والنبيلة فيها والانتماء إليها[31]. وان يضع هذه المواقف في صورة نقدية ساخرة عندما كتب مرة يقول "فليهنأ الأزهر برضا الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضا الأمة وغضب الوزراء"[32]. وعندما ينتقد حالة الإدارة المصرية، فإننا نراه يتناولها مقارنة بحالة العراق أيام زياد بن أبيه! انطلاقا من أن الشيء بالشيء يذكر[33]. والشيء نفسه يمكن قوله عن محاولاته تحديد ماهية النزعة المصرية وتأسيسها. بمعنى الانطلاق من الواقع من اجل تلافي الخلل فيه. وانطلق هنا من مقدمة خطابية مقبولة بمعايير الخطابة الاجتماعية تقول، بان "الله هو الوحيد القادر على خلق كل شيء من لا شيء. أما الإنسان فعاجز". من هنا فان "مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة في مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف"[34]. وهي فكرة سليمة من حيث تأكيدها على وحدة الماضي والحاضر بالنسبة للمستقبل. لكنها فكرة مبتورة حالما يجري وضعها ضمن سياق الفكرة الوطنية والقومية وذلك لطابعها الخطابي. وذلك لأنها تجمع كل ما يمكن جمعه من وقائع ودقائق وحقائق في خواطر اقرب ما تكون إلى خطاب يدغدغ الوعي المسطح لا العقل النقدي. وانطلق في تأسيس فكرته هذه من مقدمة تقول، بان الدين واللغة ليست قواما وأساسا للوحدة السياسية وتكوين الدول. وان تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد على الدور الذي يمكن أن تقوم به "وحدة الدين" و"وحدة اللغة" بهذا الصدد[35]. والمسلمون أنفسهم قد تخلوا عن هذا المبدأ منذ زمن طويل. وأقاموا سياستهم على المنافع العملية[36]. بل إن تجربة الخلافة والإسلام دليل على ذلك. وكتب بهذا الصدد يقول، بان المسلمون فطنوا إلى جوهرية المنافع العملية وليس الدين واللغة. وهو أساس الحياة الأوربية، أي المنافع الزمنية (يقصد الدنيوية) لا على الوحدة المسيحية ولا على تقارب اللغات[37]. وبغض النظر عما في هذا التصوير التاريخي من ضعف شديد للرؤية التاريخية، بمعنى انه ينظر إلى حصيلة التطور الأوربي بمعزل عن تاريخه الفعلي، أي ينسى تاريخ هذه العملية، بحيث تصبح أوربا بالنسبة له كائنا جوهرانيا قائما بذاته ولذاته منذ القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الخلل الذي هو جزء من نمط الخطابة الفكرية، كان يهدف في آراء ومواقف طه حسين إلى تأسيس أهمية وفكرة الوطنية والقومية (المصرية) الحديثة. من هنا محاولته استرجاع الماضي بطريقة تجعل من مصر كما يقول "أول من استرجع شخصيته القديمة التي لم ينسها في يوم من الأيام"(!!). ولم تهدأ في محاولاتها هذه إلا حالما استعادت نفسها في ظل ابن طولون(!!)[38]. بل إن تاريخ مصر مليء بالسخط والتذمر زمن السيطرة الأجنبية (الرومانية الغربية والشرقية). والشيء نفسه يمكن قوله عن "السلطان العربي" والسيطرة التركية.

إن هذا الخلط الفكري في المواقف كان نتاجا لتمازج الرؤية النفسية والعقلية الساعية إلى إبراز أولوية النزعة المصرية بوصفها نزعة وطنية. بمعنى أنها كانت تخلو من أبعاد الرؤية القومية العربية رغم أنها تتضمنها بصورة منفية. وهو خلل يعكس أولا وقبل كل شيء خلل التطور التاريخي أو بصورة أدق زمن التجزئة وانعدام التاريخ السياسي الموحد للعالم العربي. الأمر الذي جعل من الممكن الحديث عن "ثبات" مصر زمن "السلطان العربي" ومقارنة ذلك بغيره من "الثبات" أمام الغزو الخارجي. كما انه الخلل الذي جعل من الممكن إدراك الكل في الجزء وليس بالعكس. وبالتالي لم تكن هذه الهفوة المنطقية سوى الزلة العقلية في متاهات ودهاليز الانحلال السياسي والتجزئة الثقافية التي وقع فيها العالم العربي لعدة قرون بحيث جعلته أجزاء مبعثرة أمام مختلف أشكال ومستويات وقوى الغزو الخارجي، ومن ثم تحوله إلى فلك من أفلاكها أو طرف على حواشيها بعد إن كان مركز العالم الحضاري ومصدر الثقافة الكونية.

من هنا يمكن فهم بواعث هذه الرؤية المتناقضة من حيث مقدماتها وغاياتها والمتجانسة من حيث مواجهتها لحالة التجزئة والخراب المادي والمعنوي الذي حاولت مصر، قبل غيرها من الأقطار العربية، الخروج منه. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه من حالة مصر والعالم العربي ككل بعد ما اسماه بالغزو التركي، الذي لعب من الناحية الثقافية نفس الدور الذي لعبه البرابرة في قتل الثقافة اليونانية والرومانية، كما يقول طه حسين. إلا أن مصر "ثبتت أمام غارة الترك. إنها آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد"، فما بال "قوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين، حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث"[39].

إننا نعثر في هذه العبارات على صدى الرؤية الوطنية والنقدية والتنويرية في الوقت نفسه، رغم تأسيسها الخاطئ. والقضية هنا ليست فقط في أن هذه المواقف والأحكام تحتوي على تضخيم لا علاقة له بالتاريخ الفعلي، انطلاقا من إن "الحفاظ على الثقافة اليونانية والإسلامية" لم يكن من النصيب الأكبر لمصر،  بقدر ما كان من نصيب العراق وسوريا والأندلس، بل ولخطئها الثقافي وخطيئتها القومية. لكنها كانت تتمثل ثقل التقاليد النفسية والخطابية المصرية آنذاك. بعبارة أخرى، إنها كانت تتمثل في غلوها ملامح الوطنية المصرية الصادقة بوصفها مرحلة من مراحل الوعي الذاتي الثقافي والقومي أيضا. وفي هذا كانت تكمن فضيلة هذا الغلو أيضا. وذلك لان الجذر الثقافي لتفكير طه حسين وميدان نشاطه الفكري ظل من حيث الجوهر حبيس الثقافة العربية والإسلامية.

فإذا كانت النزعة المصرية تطالبه بالقول بأن اللغة والدين ليسا مقومات جوهرية بالنسبة للدولة والأمة، فإن جذوره الثقافية وثقلها الكاسح في هويته وكينونته كانت تفرض عليه قول العكس. وهو تناقض نسبي وجزئي كان يتغلغل في كل ما كتبه طه حسين، شأن كل التناقضات الكثيرة في فكره ومواقفه. وذلك لأن هذه التناقضات الجزئية كانت محكومة بغياب الرؤية المنظومية والفلسفية. لهذا نراه يدافع دفاعا شديدا عن اللغة العربية قائلا عنها بأنها "لغتنا الوطنية، ومقوم شخصيتنا القومية"[40]. ويقف موقف المعارض والناقد لمحاولات الأزهر احتكار سطوته "الروحية" على اللغة العربية. إذ اعتبر العربية لغة الحياة كلها بالقياس إلى أصحابها، فيجب أن يكون شأنها شأن مرافق الحياة جميعا. لهذا لا بأس أن تأخذ الدولة على عاتقها مهمة الاهتمام والإعداد لها التعليم[41]. كما نراه يقف بالضد من محاولات جعل العامية لغة. وبالمقابل يدعو ويعمل لتعليم العربية الفصحى، باعتبارها "لغة القرآن والحديث ولغة أسلافنا وآدابهم. أما العامية فهي مجرد لهجة مليئة بالفساد من حيث الوضع والشكل"[42]. بل ونراه يطبق ذلك على الموقف من النصارى (الأقباط)، الذين "يتلون صلواتهم في لغة عربية محطمة اقل ما توصف به أنها لا تلاءم كرامة الدين.... الأقباط مصريون فيجب أن يتثقفوا في أمر دينهم ودنياهم كما يتثقف المصريون. واإن العربية هي اللغة الوطنية لمصر فيجب أن يتقنها الجميع بغض النظر عن الدين"[43].

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن تجربته الحياتية وأيامها المريرة كما صورها في كتاب (الأيام)[44]، والتي عكست بصورتها الخاصة وضعية العالم العربي واختلاجاته الداخلية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، رغم خلو (الأيام) من الأبعاد الدرامية واقترابها من النص التقريري. بمعنى مظهرها الأدبي وضعفها الفني. الأمر الذي جعل منها معاناة تاريخية اجتماعية أكثر مما هي معاناة فكرية شخصية. لكننا نعثر فيها على صدى مرحلة الانكسار والصعود العربي - المصري في الوقت نفسه، أي انكسار التقاليد القديمة وصعود الثورة، وانكسار الثورة وصعود الوعي المتشكك، وانكسار التشكك وصعود العقلانية الايجابية. وإذا كانت هذه الصيغة شكلية في مظهرها، فإنها تحتوي في مضمونها على واقع العملية التاريخية المنعكسة في تطور النزعة النقدية الأدبية لطه حسين وقيمتها العقلانية بالنسبة للثقافة العربية الحديثة ككل، أي كل ما حدد بدوره مفارقة إبداعه العلمي والثقافية. وهذا بدوره كان وثيق الارتباط بشخصيته.

إن المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين تكمن في جمعه بين أضداد حية وأخرى ميتة، كما لو انه يتمثل بصورة دقيقة أنساق التناقض المبتور بين الشك واليقين والنقد والتطمين الذي هيمن عليه بقدر يتكافأ مع هيمنته على أسلوبه في التفكير والمواقف والأحكام. إذ يمكن وضع كل فكر طه حسين في عبارة واحدة تقول: "إنني اجزم لكنني اشك"! وما بينهما يتراوح كل تفكيره ومواقفه وأحكامه. لهذا يسهل السير معه إلى النهاية، تماما كما يستحيل الاطمئنان والركون إلى ما فيه. ومع كل يقين شك يوازيه دون أن يرتقيا إلى مصاف المنظومة. من هنا تعايش مختلف الأفكار والأحكام المتضاربة. والثبات الوحيد هو للقيم. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تجربته الفردية وشخصيته العلمية والاجتماعية والوطنية والثقافية. لكنها شخصية لم تتكامل بمعايير الرؤية المنهجية، بقدر ما كانت تسرح وتمرح بقوالب متناقضة.

فعدما وصفوه مرة بأنه كاتب برجوازي أجاب: "لست كاتبا برجوازيا، وما أحببت أن أكون برجوازيا، وإنما رجل شعبي المنشأ والتربية، وشعبي الشعور والغاية أيضا". كما يمكن للمرء "أن يوصفني بما يشاء ولكني لست ارستقراطيا ولا برجوازيا". وعندما وصفوه مرة بالفوضوي في الأدب، فانه قبل هذا التوصيف استنادا إلى فكرته عن أن لا يستطيع رؤية الأدب وتصوره على غير هذه الحالة، بمعنى اعتماده على الحرية المطلقة بلا قيود ولا تخضع لنظام أو قانون[45]. ووسع هذا المدى على مواقفه الاجتماعية والسياسية والثقافية العقلية منها والوجدانية. ومن المكمن رؤية ذلك على أمثلة كثيرة يمكن العثور عليها في كتاباته العديدة. كما يمكن الكشف عنها على سبيل المثال لا الحصر في مثال نموذجي عندما نراه ينتقد حالة "الضمير الأدبي" أي انفصام الشخصية وخضوع كل شيء لاعتبارات ثانوية[46]. لهذا نراه يتناول في احد أحاديثه (مقالاته) قضية "نزاهة الأدب" مقابل قضية "نزاهة الحكم"[47]. بمعنى الصيغة التي تتزاحم فيها وتتراكم الشخصية الفكرية والاجتماعية والسياسية والأدبية على أساس وحدة العقل والوجدان. لكنها صيغة أشبه ما تكون بما في ذلك من حيث مظهرها بأولئك القصاصين الكبار الذين كانوا يملئون الجوامع والمساجد والمحلات والأزقة في العهود السالفة، كما نراها على سبيل المثال في كتاب (من أدب التمثيل الغربي)[48]. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب (الفتنة الكبرى) وغيره من كتبه المشهورة. (ينبع.....)

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: ألوان، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1981، ص231 (وقد تكون هذه العبارة ترجمة ير دقيقة عبارة التي نطق بها بوشكين والقائلة، "إن المخطوطات لا تحترق".

[2] طه حسين: ألوان، ص250

[3] طه حسين: ألوان، ص165

[4] طه حسين: ألوان، ص167، 187.

[5] طه حسين: ألوان، ص148-163

[6] طه حسين: ألوان، ص 51-64

[7] طه حسين: ألوان، ص 66-75

[8] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص78

[9] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص208.

[10] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص126.

[11] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، بيروت، دار العلم، 1978، ج1، ص55.

[12] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص55.

[13] طه حسين: من تاريخ الأدب العربي، ج1، ص54.

[14] طه حسين: من تاريخ الأدب العربيج1، ص15-16.

[15] طه حسين: ألوان، ص205.

[16] طه حسين: حافظ وشوقي، القاهرة/ مكتبة الخانجي، المقدمة.

[17] طه حسين: ما وراء النهر، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1986

[18] طه حسين: المعذبون في الأرض، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، العدد 6، 195، ص8. وليس مصادفة أن تجري مصادرة هذا الكتاب ومنعه حالما طبع بعد أن جرى جمعه من مقالات متفرقة.

[19] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص64.

[20] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص118.

[21] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60-61.

[22] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص76.

[23] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص69-70.

[24] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص60

[25] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص75.

[26] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص82-108

[27] طه حسين: المعذبون في الأرض، ص151

[28] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص74.

[29] طه حسين: حديث المساء، دار العرب، القاهرة، ط1، 1983، ص 36-46.

[30] طه حسين: حديث المساء، ص 50.

[31] طه حسين: حديث المساء، ص76.

[32] طه حسين: حديث المساء، ص94.

[33] طه حسين: حديث المساء، ص100

[34] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص12.

[35] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص18.

[36] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[37] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[38] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص19.

[39] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص27-28.

[40] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص224

[41] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص227.

[42] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص231.

[43] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص347.

[44] طه حسين: الأيام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1994. ففيها يتكلم طه حسين عن "الفتى" أي ليست بصيغة الأنا. وتعكس هذه الصيغة الوحدة الخفية لفقدان الفردية من جهة وطوفان  الموضوعية من جهة أخرى. لكنها مليئة بالحشو، شأن كل ما كتبه طه حسين. بعبارة أخرى أنها لا تخلو من دراما شخصية شأن كل رواية حية وصادقة، لكنها تبقى ركيكة. وذلك لان التجربة الحياتية لطه حسين تبقى تجربة محصورة. من هنا دورانها حول الثقافة والتحصيل العلمي، أي اقرب ما تكون إلى تقرير علمي حياتي بصيغة أدبية. لو قيل أنها لشخص آخر لم يقرأها احد. أي أنها بلا جمال ولا جلال. إن مأثرتها ليس فيها (لأنه لا فكر فيها ولا أصول) بل بسمعة مؤلفها.

[45] طه حسين: حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة، ط 12، 1993، ج3، ص208

[46] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص217-218

[47] طه حسين: حديث الأربعاء، ج3، ص224-230

[48] طه حسين: من أدب التمثيل الغربي، دار العلم للملايين، بيروت، ،1983.

 

mutham aljanabi2إن الشخصيات الكبرى كبيرة أيضا بتناقضاتها. إلا أن لهذه المتناقضات مستوياتها وأنماطها. كما إن لكل منها مقدماتها ومصادرها. من هنا تنوع آثارها ونتائجها. ولعل مفارقة التناقضات المميزة لإنتاج طه حسين تكمن في ضعف فاعليته المعرفية. من هنا مفارقة شخصيته الكبيرة بحد ذاتها. بمعنى إننا نقف أمام شخصية كبيرة بمعايير الوعي العادي والمشهور، لكنها عادية بمعايير العلم الدقيق والمعرفة المحققة. من هنا تناقض أثرها الثقافي، وذلك لأنها مازالت تنتج وتعيد إنتاج تقاليد النقد المبهرج وأوهام الغفلة التاريخية التي طبعت تقاليد مرحلته ومازالت تطبع ثقافة "الإنسان العادي"، أي الأكثر انتشارا بين متعلمي المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه مازالت تحتل موقعها المتميز في كوكبة المرجعيات الفكرية للثقافة العربية الحديثة. الأمر الذي يجعل منها نموذجا كلاسيكيا لهيمنة الثقافة العادية وضعف الوعي النظري وخلل الفكر المنظم. وقد يكون استلابه الفكري والمنهجي والثقافي أيضا احد المصادر الكبرى لهذا التناقض العقيم!

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للكشف عن هذه الجانب المهم في نقد تراث طه حسين، وبالأخص ما يتعلق منه بفهم مضمون تراث الأقدمين وكيفية تفسيره والنتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بكيفية تأسيس الوعي الذاتي التاريخي والثقافي.

ففي هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) يتطرق طه حسين إلى شخصية الجاحظ. وفي معرض موقفه من تقاليد البيان العربي وعلاقته بالبيان الإغريقي، حاول "البرهنة" على إن تصورات الجاحظ كانت سطحية عن بلاغة الشعوب الأخرى، استنادا إلى فكرة الجاحظ نفسه، الذي جعل البلاغة للعرب لا لغيرهم.

إن سر الخلل في هذا الفهم والتقييم والتأويل يقوم في ما أسميته بالاغتراب الثقافي لطه حسين من جهة، وجهلة بتاريخ ومضمون الفكرة التي وضعها الجاحظ، من جهة أخرى. إذ لم يفهم طه حسين مضمون فكرة الجاحظ. من هنا اعتقاده، بان المقارنات التي يقدمها الجاحظ بين الشعوب والأمم و"تفضيل العرب" على غيرهم في مجال البيان (البلاغة) كان مجرد جزء من صفته المتميزة بحب المفارقة والإغراب وعلى حماسة متقدة صادقة في الانتصار للعرب على خصومهم من الأعاجم، تؤدي به إلى التناقض أحيانا[1]. أما في الواقع، فأن دراسة وتحليل شخصية الجاحظ وإبداعه الفكري الهائل، تكشف عن مدى سطحية وهشاشة هذا الحكم والموقف. إضافة إلى تعارضهما الصارخ مع الصفات الجوهرية التي تميز كتابات الجاحظ نفسه.

فقد كانت الجاحظ ابعد المفكرين والأدباء والمؤرخين والمتكلمين عن حب المفارقة والإغراب (على عكس طه حسين بالضبط)! كما انه لم يتميز "بالحماسة المتقدة والصادقة في الانتصار للعرب" وما شابه ذلك. إذ ليس هذا الحكم في الوقع سوى الصيغة المعكوسة للفكرة الشعوبية (العرقية المتطرفة). وبالتالي ليس موقف طه حسين هذا سوى الصيغة المقلوبة التي تستعيد بدون وعي أو بفعل التراكم الخفي للمدرسة الأزهرية، بقايا الاشمئزاز أو العداء الخفي للمعتزلة. ولم تستطع حتى شخصية مثل الشيخ الإمام محمد عبده من التخلص منها، رغم وضعه هذا الخلاف ضمن سياق الصراع التاريخي الفكري والثقافي بين المعتزلة والأشاعرة. لكننا نعثر على اندثار شبه تام له في منظومة الرؤية الإصلاحية والموقف من الإصلاح والشخصيات الإصلاحية كما وضعها في آخر رسائله (رسالة التوحيد). أما الصورة والصيغة الأولية المتطرفة للاتهام "بالشعوبية" (النزعة العرقية المتطرفة والعدائية)، فإنها تعود، من حيث تأسيسها النظري لابن تيمية.

وفيما لو تركنا جانبا هذه القضية، ورجعنا إلى قضية الجاحظ وتقييمه عند طه حسين، فان الشيء الأكيد والدقيق الذي يمكن قوله بهذا الصدد يقوم في أن الجاحظ كان مفكرا صادقا تجاه الحقيقة أولا وقبل كل شيء. وبالقدر ذاته كان الجاحظ متقدا في دفاعه عن العقل والإخلاص فيه حتى النهاية. إضافة إلى نزعته الإنسانية والنقدية الرفيعة. إذ ليس هناك من شخصية فكرية إسلامية دافعت عن مختلف الشعوب والأجناس والمهن وغيرها أكثر من الجاحظ. وتكفي هنا الإشارة إلى سلسلة الكتيبات والرسائل العديدة التي وضعها بهذا الصدد (عن الأتراك والسودان وأصحاب المهن والغواني وأصحاب العاهات وكثير غيرها). وهذه بدورها لم تكن نزوة عابرة مرتبطة بحب المفارقة والإغراب وما شابه ذك من اتهامات لا أساس لها، بقدر ما كانت نتاجا لعقيدته الفكرية والفلسفية. فقد كانت حقيقة الجاحظية بوصفها مدرسة معتزلية متميزة، مرتبطة بتأسيسها الخاص لفكرة الإرادة العقلية، وعقلانية النزعة الإنسانية وطابعها النقدي.

أما الموقف من "بلاغة العرب" كما وضعها الجاحظ، فانه كان جزء من تقاليد وعي الذات الثقافي التاريخي من جهة، وتطور الرؤية الانتروبولوجية الثقافية وتصنيفاتها التي تراكمت بفعل صيرورة وتدقيق مناهج البحث الموسوعي للأديان والفلسفات والأمم من جهة أخرى. بعبارة أخرى، إن عبارة "العرب أهل البيان" هي فكرة عامة مجردة نابعة من تراكم وتداخل الرؤية الانتروبولوجية الثقافية والموسوعية المتفحصة (النقدية) لتجارب الأمم بوصفها تجارب إنسانية متنوعة. لقد كانت هذه الفكرة جزء من تطور الرؤية المقارنة للثقافات والأمم، وتنوعها واختلافها من حيث النموذج أو المثال أحيانا، وليس حقيقتها الدائمة أو الثابتة. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على رؤية تاريخية ثقافية ملموسة. فالصورة الشائعة عن مهارة أهل الصين في الصناعة والحرفة جعلتهم يتحولون إلى "ممثل" الصناعة والحرفة. ولا يعني ذلك انعدام الحرفة أو قدرة الأمم الأخرى على الحرفة والصناعة. فقد كانت الحرف والصناعات المتطورة آنذاك في عالم الخلافة، أي أنها كانت أكثر رقيا من الصينية بما في ذلك في البناء والعمران. ومن الممكن هنا الإتيان بالمقارنة التي يوردها الغزالي في كتاب (ميزان العمل) بين أهل الصين وأهل الروم. حيث نراه يصور الخلاف بينهما بالشكل التالي: "حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهما حجاب بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب ونظر إلى الجانبين، وعرف رجحان من الراجح من الفريقين. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين، بأنهم فرغوا أيضا. عندها قال أهل الروم:

- كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ولا اشتغلتم بنقش؟

- ما عليكم! ارفعوا الحجاب وعلينا تصحيح دعوانا!

فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة. إذ كان قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء. فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعي من تحصيله غيرهم"[2].

إننا نعثر في هذه المقارنة على بقايا الصيغة الشائعة (الانتروبولوجية الثقافية والرؤية الموسوعية) التي وظفها الغزالي كنموذج أو مثال لتبيان أساليب المعرفة المتنوعة، الظاهرية والباطنية عبر جلاء القلب وتحويله إلى مرآة الوجود. بعبارة أخرى، تعكس هذه المقارنة في رمزيتها أيضا تصورات الثقافة السائدة في أوساط المفكرين المسلمين، المترتبة أيضا على مركزيتهم الثقافية آنذاك. فقد كانت الثقافة الإسلامية آنذاك في مركز الكون التاريخي والثقافي العالمي، من هنا مركزية رؤيتهم، أي تحررها من أي شيء باستثناء ملاحظاتهم الدقيقة لنوعية تجارب الأمم وليس خصائصهم الثابتة. وضمن هذا السياق يمكن فهم الموقف المصنف لأهل الروم (بيزنطة) والصين باعتبارهم أهل حرفة وعلوم عملية. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن يعتبر الجاحظ أن اليونانيين علماء بينما الروم صنّاع. وقد دعاهم قبله ابن المقفع، بأصحاب البناء والهندسة. وإذا كان التوحيدي يعتبر أهل الروم "أهل العلم والحكمة" فلأنه كان يطابق في الواقع بينهم وبين اليونان. بينما اعتبرهم ابن صاعد الأندلسي "حكماء أجلاء وعلماء بالفلسفة".

مما سبق يتضح، بان الثقافة الإسلامية قد اتفقت في اغلب تقييماتها على إقرار صفة الروم العملية، أما إبقاءها صفة أهل الصين العملية، فقد كانت اقرب إلى بديهة لا تقبل الجدل. فقد دعاهم الجاحظ "بالصناع"، ووصفهم ابن المقفع بعبارة "أصحاب أثاث وصنعة"، بينما وضعهم ابن صاعد الأندلسي ضمن صنف الأمم العملية لا العلمية (الفلسفية) مشددا على "حذاقتهم الصناعية". وإذا كانت هذه الأحكام دقيقة ضمن سياقها التاريخي، فان ما هو جوهري بالنسبة للغزلي، على سبيل المثال، كان يقوم في رمزية المقارنة لا طبيعتها الواقعية. ذلك يعني إننا نقف أمام صيغة ومستويات متنوعة بما في ذلك من حيث توظيفها ضمن معايير وموازين الثقافة وتقييماتها آنذاك.

والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة "العرب أهل البيان" وكثير غيرها مما جرى وصف الأمم به، باعتبارها الصيغة التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في محاولاتها تصنيف وتقييم تجارب الأمم والحضارات. وهو أمر جلي في إبداع ونتاج الثقافة الإسلامية في موسوعاتها النظرية الكبرى المتعلقة بتاريخ الأديان والأفكار (علم الملل والنحل) والأمم (طبقات الأمم). فكما تلازمت فيها الصيغ القائلة، بان أهل الروم والصين أهل صناعة وحرفة وعلوم، أي اقرب إلى العلوم العملية، تلازمت أيضا صيغة كون العرب هم أهل بلاغة وخطابة وبيان. في حين أن الإغريق أهل فلسفة وعلوم، والفرس أهل أدب وسياسية، والترك أهل فروسية وشجاعة.

وبغض النظر عما في هذا التصنيف من حدود لم تعد مقبولة في الظرف الراهن، إلا أنها تعكس مذاق الثقافة ونوعية إدراكها آنذاك، بوصفها تجارب تاريخية. والأحكام التاريخية ليست منطقا ولا بديهة. وهي الفكرة العظمى التي وضعتها الثقافة العربية الإسلامية في محاولاتها استكناه وإدراك حقيقة الحكمة وحدودها، أي تقديم خطابها بمعايير البيان الثقافي الذاتي وليس بعبارة البيان المتغرب عن أصوله الثقافية، أيا كان شكله ومحتواه.

بين بلاغة الاستلاب وبلاغة الوعي الذاتي

إنني أسعى هنا لإجلاء الضعف الفكري في الأحكام السريعة والعجولة التي يطلقها طه حسين في مختلف الميادين، أي فقدان أحكامه وتقييماته إلى أسس علمية ونظرية دقيقة. وكذلك للكشف عن أن السبب الجوهري القائم وراء كل ذلك يكمن في تداخل وتفاعل الخلل المنهجي والاستلاب الثقافي.

فالأحكام التي يطرحها طه حسين بصدد شخصية الجاحظ وتاريخ وماهية البيان العربي، تكشف عن احد النماذج الجلية بهذا الصدد. وذلك لأنها تكشف عن نوعية الذهنية والمنهج بقدر واحد. وعموما أن الشخصية الكبيرة واحدة من حيث الجوهر، باستثناء مرحلة التراكم الأولية. وما أتناوله هنا هو نتاج مرحلة النضوج الكبرى.

فقد توصل طه حسين في مجرى تأملات السريعة وأحكامه الجازمة الى ما اسماه بجهل الثقافة العربية الإسلامية لمضمون البيان والبلاغة والخطابة اليونانية كما بلورها أرسطو في كتابه (الخطابة). وضمن هذا السياق توصل الى القول، بأن الجاحظ هو احد نماذج وعصارة هذه الجهل الذي جعله يقول بان "العرب أهل البيان". وقد برهنت في المقالات السابقة عن خلل هذا الحكم وسطحيته من الناحية الفكرية والنظرية والتاريخية والثقافية.

واستكمل في هذا المقال توسيع وتعميق هذا النقد من خلال الكشف عن الأسس النظرية والفلسفية والثقافية القائمة وراء هذه الفكرة بوصفها جزء من تطور ذهنية التصنيف الملازمة للمركزية الثقافية الكونية بشكل عام والعربية الإسلامية بشكل خاص. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن صيرورة الثقافة العربية الإسلامية وتنوع تجاربها بهذا الصدد.

ففي مجرى الجدل التاريخ الثقافي والفكري عن "الأمة" توصلت التجربة الدينية للإسلام عن الأمة في أحد نماذجها الرفيعة إلى فكرة وحدة الأديان. أما تجاربها الدنيوية فقد أوصلتها إلى إبداع نماذج عديدة عن الأمم شكلت مساهماتها العلمية معيارا لتحديد هويتها الحقيقية.

وفيما لو أجملنا حصيلة هذه التجارب النظرية (الدنيوية) في تحديد الأمم، فأننا سنعثر على خمسة أنماط كبرى. وبالاستناد إليها جرى تقسيم الأمم على أساس جغرافي، وآخر إبداعي، وثالث ذهني، ورابع مذهبي، وخامس علمي - فلسفي.

إذ أدرجت في التقسيم الجغرافي نوعان، الأول مبني على أساس تقسيم العالم إلى أقاليم سبع الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن. أما التقسيم الثاني فقد وضعته بحسب الأقطار الأربع التي هي الشرق والغرب والشمال والجنوب الجوهري فيه إظهار ما أسموه باختلاف الطبائع وتباين الشرائع.

أما التصنيف الذي وضعوا فيه معيار "الإبداع المتميز"، (وهو التصنيف الذي ينبغي فهم عبارة "العرب أهل البيان" ضمنه، كما دافع عنها الجاحظ) فقد انطلقوا فيه من تقرير حجم المشاركة الجدية للأمم الحضارية الكبرى آنذاك، في التاريخ الإنساني. لهذا قال البعض مثل ابن المقفع، بان كبار الأمم الأربعة هي العرب أهل الفصاحة والبيان، والعجم أهل السياسة والأدب، والروم أهل البناء والهندسة، والهند أهل العقل والسحر. وقد شاطر الجاحظ هذه الفكرة بإضافة أهل الصين إليها باعتبارهم أهل الأثاث والصنعة، وكذلك تقسيمه أهل الروم إلى قسمين الأول أهل يونان وهم العلماء، والروم أهل الصنائع. في حين اعتبر أبو حيان التوحيدي الفرس أهل السياسة والأدب والحدود والرسوم، والروم أهل العلم والحكمة، والهند أهل الفكر والروية والخفة والسحر، والترك أهل الشجاعة والإقدام، والزنج أهل الصبر والكد والفرح، والعرب أهل النجدة والوفاء والخطابة والبيان.

أما التقسيم حسب الحالة الذهنية فانه تضمن نوعان، الأول هو ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية" كالعرب والهنود، والثاني ذهنية أولئك الذين يتميزون "بتقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية" كالفرس والروم.

أما التقسيم حسب آراء الأمم ومذاهبه فمبني على أساس عقائدي مرتبط بدوره بوجود فرق (دينية) وأخرى غير دينية في نمط تفكيرها حول إشكالات الملكوت (ما وراء الطبيعة) والوجود الاجتماعي والأخلاقي، كما نراه عند الشهرستاني.

وأخيرا تقسيم الأمم حسب معيار ما إذا كانت أمة علمية أو غير علمية، كما نراه عد ابن صاعد الأندلسي في (طبقات الأمم). فقد انطلق الأندلسي من أن الأمم وإن كانت نوعا واحدا في إنسانيتها إلا أنها تتمايز بثلاث أشياء وهي الأخلاق والصور واللغات. وان أهم الأمم الكبرى في التاريخ هي الفرس والكلدانيون (ومنهم السريانيون والبابليون ومن هؤلاء العبرانيون والعرب) ثم اليونانيون (والروم والفرنجة والجلالقة ويتبعهم البرجان والصقالبة والروس والبرغر) ثم القبط (أهل مصر والسودان من الحبشة والنوبة) وأجناس الترك (الكيماك والخزر وجيلان وغيرهم) وأهل الهند وأهل الصين. والفرق الجوهري بينهم يقوم بمدى اهتمام كل منهم بالعلوم الفلسفية بالأخص. فالأمم العلمية ثمان وهي الهند والفرس والكلدانيون والعبرانيون واليونانيون والروم وأهل مصر والعرب. أما الأمم الأخرى فهي أمم لا تهتم بالعلم (الفلسفة بالأخص). فالصينيون، كما يقول الأندلسي، أكثر الأمم عددا وأفخمها ملكا وأوسعها دارا، وحظهم من المعرفة إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن التصورية. فهم أكثر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة التعب في تحسين الصنائع. والأتراك أمة كبيرة العدد وفضيلتهم التي برعوا فيها أحرزوا خصلتها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. ونفس الشيء يمكن قوله عن الأمم الأخرى(غير العلمية). وارجع الأندلسي سبب ذلك إلى عم استعمال هذه الأمم لأفكارهم في الحكمة، ولا راضوا أنفسهم تعليم الفلسفة. وبنى استنتاجه هذا على معايير ثلاث في تقييم الأمم، الأول هو أن تنال الأمة درجات النفس الناطقة والزهد بالنفس الغضبية، والثاني تعلمها وتعليمها للفلسفة، وثالثا موقع العلوم الطبيعية عندها.

مما سبق يتضح، بأن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم يتناسق مع تراكم العناصر الثقافية المتناغمة مع الوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية من الناحية التاريخية والاجتماعية سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه للخير العام وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في فكرة تقول: "إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي، باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي، باعتبارها واجبا. وكل منهما يعكس مستوى من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

لقد أدت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة العربية الإسلامية إلى رؤيتين متناسقتين عن نفسها والآخرين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. حيث تجلت بأسمى وجوهها في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية ذاتها عن الآخرين. فجميع التقسيمات المذكورة أعلاه (الجغرافية والذهنية والإبداعية والمذهبية العقائدية) هي تقسيمات وتقييمات ثقافية. إذ لم تبحث الثقافة الإسلامية في التقسيم الجغرافي عن صفات جوهرية غير اثر الجغرافيا على الطبائع والأنفس(اللون واللسان) والشرائع (القوانين ونمط الحياة)، أي عن العناصر الطبيعية والعقلية لوجود الأمم. ذلك يعني أنها لم تبحث ولم تؤسس لعناصر اللاعقلانية في وجود الأمم. وحتى في حال اعترافها بوجود بعض منها، فإنها نظرت إليها باعتبارها نتاجا لضعف النفس الناطقة ولهيمنة النفس الغضبية. ومن ثم اعتبرتها صفات زائلة. وهي نظرة عقلانية وإنسانية في مساعيها وغاياتها.

حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأسست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها مثل اليونان مع الفلسفة، والروم مع العمارة، والفرس مع السياسة، والعرب مع البيان، والصين مع الصناعة، والترك مع الحرب، والهند مع العقل والشعوذة، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار تمايزهم في الفضائل، لا بمعنى افتقادهم لغيرها من الفضائل. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وتعكس هذه الصيغة قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي. بمعنى إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

إن إقرار الثقافة الإسلامية بتعدديتها (وتنوعها الداخلي) يعني أيضا إقرارها بالتعددية الخارجية. وبالتالي بإمكانية بناء حضارة إنسانية كبرى ذات ثقافات متنوعة. مما يعني احتواءها على معارضة القهر الثقافي و"الهيمنة القطبية" في الحضارات. إذ لا يستلزم تطور الحضارات وازدهارها بمعايير العقلانية – الأخلاقية صراعها واحترابها، بل تنافسها في الإنسانية. لان المعيار الحقيقي لها كما صاغته الثقافة الإسلامية في تقييمها "العلمي" للأمم، حسب عبارة الأندلسي، يقوم في "نيل فضائل النفس الناطقة الصانعة لنوع الإنسان والمقومة لطبعه، والزهد في أخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى البهيمية". إذ حتى للنفس الغضبية "نظمها ومدنها السياسية" كما يقول الأندلسي، إلا أنها نظم ومدن شبيهة بنظم ومدن النمل من حيث العدد والإتقان. ولكنها تبقى "مدنية النفس الغضبية والبهيمية" لا مدنية العقل الأخلاقي، الذي هو قوام "نوع الإنسان" أو حقيقته.

لا منظومة ولا منهج

إننا نقف هنا أمام تنوع واضطراب في المواقف نابع أساسا من ضعف الرؤية المنهجية وتناسقها الداخلي. مما جعل من أفكاره قوى متضاربة ومتداخلة وعاجزة عن تأسيس فكرة مستقبلية بما في ذلك بالنسب للثقافة في مصر نفسها. والشيء الوحيدة الذي بلغته فكرة طه حسين هي الحلم بحالة لم يتحقق منها شيئا. فقد كتب في خاتمة كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) عن أمله ورغبته وحلمه عن مستقبل الثقافة المصرية بالشكل التالي:"أنا فرح إلى أقصى غايات الفرح، مبتهج إلى ابعد حدود الابتهاج، سعيد إلى أقصى درجات السعادة، لأني أرى شجرة الثقافة المصرية باسقة، قد ثبتت أصولها في ارض مصر، وارتفعت فروعها في سماء مصر، وامتدت أغصانها في كل وجه، فأظلت ما حول مصر من البلاد وحملت إلى أهلها ثمرات حلوة، فيها ذكاء للقلوب وغذاء للعقول وقوة للأرواح. وهم يسعون في هدوء واطمئنان وثقة إلى هذه الغصون النضرة الوارفة، فيستمتعون بمنظرها، ويأوون إلى ظلها ويستمتعون بثمراتها المتشابهة لأنها تصدر عن شجرة واحدة هي ثقافة مصر المختلفة".... نعم أرسل نفسي على سجيتها في هذا الحلم الرائع الجميل فأرى مصر وقد بذلت ما دعوتها إلى بذله من جهد في عد ثقافتها بالعناية الخالصة والرعاية الصادقة، وارى مصر وقد ظفرت بما وعدتها بالظفر إنجاب عنها الجهل وأظلّها العلم والمعرفة وشملت الثقافة أهلها جميعا، فاخذ بحظه الغني والفقير والقوي والضعيف والنابه والخامل والناشئ ومن تقدمت به السن، وتغلغلت لذتها حتى بلغت أعماق النفوس، وانتشر نورها حتى أضاء القصور والدور والأكواخ، وشاعت في مصر كلها حياة جديدة وانبعثت في مصر كلها نشاط جديد، وأصبحت مصر جنة الله في أرضه حقا يسكنها قوم سعداء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالسعادة وإنما يشركون غيرهم فيها. وأصبحت مصر كنانة الله في أرضه حقا يعتز بها قوم أعزاء ولكنهم لا يؤثرون أنفسهم بالعزة وإنما يفيضون على غيرهم منها"[3].

ففي هذا الحلم نعثر على خاتمة متناقضة هي عين التعبير النموذجي عن انعدام المنظومة الواقعية والعقلانية فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية. والقضية هنا ليست فقط في انه لم يحصل شيئا من هذا الحلم، بل على العكس. إننا نقف أمام رجوع قهقري إلى الوراء بمقاييس المعاصرة والمستقبل. وفي كلها تعكس ملامح التناقض الحاد بين النزعة الوطنية والقومية والإنسانية الرفيعة لطه حسين وطوباوبة الحلم. والسبب يكمن أيضا في النزعة الخطابية وتبلبل الرؤية الناتج عن انعدام الرؤية أو المنهج الفلسفي في تفكيره، مما جعل من مواقفه وأحكامه متبدلة غير ثابتة. فيها شيء من كل شيء. وفي هذا تكمن خطورة هذا النوع من الفكر لأنه يجعله مبلبلا[4]. وقد أدى ذلك من حيث الجوهر إلى تفتح "مرجعية" لا تخلو من بلادة مستقبلية يمكن وضعها بعبارة: "بذروا بذور الشك في ارض كانت تحتاج إلى يقين، ودقوا مسمار اليقين في نعش الفكر والتفكر" مع ما كان ليلازمه بالضرورة من إخماد وحدة الشك واليقين الضروريين لصنع البدائل. الأمر الذي أدى إلى عجز الرؤية النقدية لطه حسين عن بناء ذهنية علمية وعصرية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. كما أنها كانت عاجزة عن تأسيس وتربية مرجعيات العقل النقدي، بما في ذلك في الموقف من التراث الذي جعلت منه في الأغلب محور اهتمامها. والسبب الجوهري كان يكمن في خلل رؤيتها التاريخية ووعيها الذاتي، وبالتالي خللها تجاه حقيقة الرؤية القومية والرؤية المستقبلية. كل ذلك يكشف عن أن مهمة تأسيس الذات الثقافية تفترض الارتقاء من مكوناتها الذاتية والبقاء فيها وضمنها ما لم ترتق بجذورها إلى مصاف السماء، عندها يمكن توزيع الاظلة والثمار. وما عدا ذلك مجرد خطاب لا يختلف اليقين فيه عن الشك، فكلاهما مجرد ذرات طائرة في عماء. وهو العماء المحبب لسباحة الثقافة المستلبة والمحبة للتقليد، أي كل ما بإمكانه صناعة لسان عربي مبين وعقل إفرنجي عنين!

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص2.

[2] الغزالي: ميزان العمل، ص40-41.

[3] طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، ص380-381.

[4] تعكس كتابات طه حسين في اغلبها هذا النمط من التفكير. بمعنى إن اغلبها تجميع متفرق لمواقف متفرقة تفتقد للتنظيم والتخطيط. وقد أشار هو إلى ذلك في اغلب مقدماته لهذه الكتب. واكتفي هنا بالأجزاء المشهورة في (حديث الأربعاء). وقد يكون عنوان "حديث" الأربعاء أو الخميس أو أيما يوم آخر مجرد إضافة عرضية لا قيمة لها بحد ذاتها. لهذا نجده يشير في المقدمة إلى أنها ليست "مقدمة" بالمعنى الدقيق أو المتعارف عليه في حال التقديم لكتاب. وكتب بهذا الصدد يقول: "أنا لم أتصور فصوله، ولم أضع له خطة معينة ولا برنامجا واضحا، إنما هي مباحث متفرقة، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة...". (حديث الأربعاء، ج1، ص5.)

 

 

jafar alhakeemنستكمل في هذا المقال تتبع تفاصيل قصة ولادة يسوع في المصدرين الوحيدين اللذين تطرقا لهذه القصة (انجيلي متى ولوقا) مع محاولة عرض تفاصيل القصة على الشواهد التاريخية وكذلك سنحاول مطابقة تفاصيل القصة في المصدرين المذكورين.

انجيل(متى) كان هو المصدر الاول والاقدم زمنيا لقصة الولادة، حيث يبتدأ ذكر تفاصيلها من الاصحاح الاول، ويستمر بها الى نهاية الاصحاح الثاني، ومن متابعة سرد القصة في هذا الانجيل، تتبين لنا عدة امور ذكرها الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوه وهي:

ان والدي يسوع كانا يسكنان في مدينة بيت لحم، وقد ولد يسوع فيها (متى 1/2)

ولد يسوع ايام حكم الملك هيرودس، بعد ذلك يصل رجال مجوس من الشرق، إلى أورشليم حيث يسألون عن مكان ملك اليهود المولود توا، والذي رأوا نجمه وهم في الشرق!

يستوضح الملك هيرودس الأمر من رؤساء وكهنة اليهود، فيخبره العلماء اليهود أن ثمة نبوءة بظهور ملك يولد في بيت لحم، يرسل الملك هيرودس الرجال المجوس ليذهبوا ويجدوا الطفل المولود ثم يعودوا ليخبروه عن مكانه!

يذهب المجوس الى بيت لحم، ويقودهم النجم المتحرك في السماء مرة أخرى!

يتوقف هذا النجم فوق البيت الذي يسكنه آل يسوع. يقدم الحكماء هدايا من أجله ثم يحذرون (في حلم) من العودة إلى الملك هيرودس كما قد طلب منهم،فيسلكون طريق آخر عند عودتهم إلى وطنهم!

يصاب الملك هيرودس بالغضب والهلع خوفا من الطفل الذي سيسلبه ملكه، فيرسل جنوده ليذبحوا كل طفل ذكر من سن عامين فما دون في بيت لحم وما حولها. لكن الملائكة تنذر يوسف في (حلم) رآه، فيهرب ومريم ومعهما يسوع من المدينة قبل أن تبدأ المذبحة ويسافرون إلى مصر.

يبلغ يوسف فيما بعد وهو في مصر في (حلم) أن هيرودس قد مات، وأن بمقدورهم العودة، لكنهم حينما يكتشفون أن أرخيلاوس، ابن هيرودس، هو الحاكم على اليهودية، يقرران ألا يعودوا الى (مكان سكنهم) بيت لحم، ويذهبوا عوضا عن ذلك إلى الجهة الشمالية من الجليل، إلى مدينة تدعى الناصرة. وهناك في هذه المدينة يترعرع يسوع!

من تفاصيل قصة انجيل(متى) نعرف ان والدي يسوع كانوا يسكنون مدينة بيت لحم، وبعد رحلتهم الى مصر لم يستطيعوا العودة اليها، فتوجهوا بدلا عن ذلك الى مدينة الناصرة!

ان القصة التي سردها السادة كتبة انجيل (متى) امتازت بأمرين لافتين، لا يمكن لأي باحث اغفالهما !

الامر الاول:

هو عدم معقولية بعض الاحداث، والتي لا تتسق مع المنطق السليم، مثل، طلب الملك هيرودس من الرجال المجوس الذهاب والبحث عن الطفل المولود ثم العودة اليه لاخباره عن مكان الطفل، وهو جالس ينتظر!

فهذا التصرف الساذج، لا يمكن تخيل صدوره عن ملك حاسم، حذر، وماكر وكثير الحيلة، كما تصفه المصادر المسيحية!

فهل كان هيرودس عاجزا عن ارسال جنوده مع المجوس، او على الاقل مراقبتهم عن بعد، وتتبع (النجم) الذي تطوع ليكون دليلا للمجوس، كي يرشدهم لبيت المولود الجديد؟!

ومثال آخر، وهو رد الفعل الباهت والغير مكترث من رؤساء و كهنة اليهود حول خبر ولادة المسيح الموعود!

فكما هو معلوم، ان اليهود كانوا ينتظرون بفارغ الصبر ولادة المسيح المخلص لهم، والذي سيشيد لهم مملكتهم ويخلصهم من نير ظلم الامم، والاحتلال الروماني، ومع ذلك، نجد قصة انجيل(متى) تذكر ان اليهود ورغم تأكيدهم لهيرودس نبوءة ولادة الطفل في بيت لحم، لكنهم لم يكلفوا أنفسهم ويعملوا اي شئ ليتحققوا من صحة خبر ولادة مخلص شعب اسرائيل!

رغم انه كان يكفيهم مجرد رفع رؤوسهم الى السماء ومتابعة النجم الذي يسير امام المجوس!!

الامر الثاني:

هو ان الكتبة المجهولين لانجيل (متى) وعلى طريقتهم المعتادة في هذا الانجيل، كان تركيزهم منصبا على ربط احداث القصة بنبؤات من العهد القديم، ليثبتوا ان كل مجريات الاحداث، انما هي تحقيق لتلك النبوءات!

ومن اجل ذلك قاموا باقتطاع عبارات وجمل من العهد القديم، واخراجها من سياقها، واحيانا اخرى قاموا بفبركة نبؤات مكذوبة ليس لها وجود في نصوص العهد القديم!

فمثلا، نجد الانجيل يذكر النبوءة التالية :

(أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ) سفر ميخا 5

ورغم ان هذا الكلام الوارد في سفر (ميخا) يتحدث عن زمن سابق في فترة حروب الاشوريين، ولا علاقة لها بزمن ولادة يسوع، مع ذلك، هذه النبوءة اصلا لم تتحق بيسوع، الذي اقتاده بنو اسرائيل الى الموت صلبا، بدلا من ان يتسلط عليهم كما ينص صريح الكلام في النبوءة !

ولم يكتف كتبة الانجيل بذلك، بل قاموا باختراع قصة حدث مكذوب لا وجود له بالتاريخ، ولم يذكره او يشير اليه اي مصدر تاريخي، بل ولا حتى بقية اجزاء العهد الجديد، واعني، حادثة مجزرة أطفال بيت لحم ( المزعومة) والتي امر بها هيرودس حسب ادعاء انجيل (متى)

هذه الحادثة المفبركة، سطرها كتبة الانجيل لغرض ربط قصة الولادة مع عبارة وردت في سفر ارميا تتحدث عن بكاء (راحيل) على اولادها، ليجعلوا من هذه الجملة نبوءة اخرى !

(صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

وكذلك نجد كتبة الانجيل قد اوردوا جملة مبتورة من العهد القديم ليوهموا القارئ، انها نبوءة اخرى تتحدث عن يسوع!

(وكان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 15/2

بينما نجد ان هذه الجملة في العهد القديم تتحدث عن اسرائيل(يعقوب) الذي بتر كتبة الانجيل اسمه من الجملة!!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

واخيرا قام الكتبة المجهولون باختتام القصة، بنبوءة مفبركة لا اصل لها و لا وجود في العهد القديم، ليربطوا من خلالها سبب توجه العائلة المقدسة الى مدينة الناصرة بعد عودتهم من مصر !!

 ( واتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا) متى 23/2

وعندما نذهب الى المصدر الثاني الذي تطرق الى قصة الولادة، انجيل (لوقا) نجد ان هذا الانجيل يتحدث عن صدور قرار من الإمبراطور الروماني أغسطس بوجوب أن يتقدم كل فرد في الإمبراطورية للاكتتاب العام من أجل التعداد، وقد جرى هذا الاِكْتِتَابُ حين كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيا على سُورِيَّةَ. وكان على كل فرد أن يعود إلى وطنه الأصلي لكي يتم الاكتتاب. ولأن أجداده كانوا من بيت لحم(، اضطر يوسف الى السفر برفقة مريم خطيبته من المدينة التي يسكناها (الناصرة) إلى مدينة اجداده ( بيت لحم) وبينما هما هناك، تلد مريم وليدها يسوع، فتقمطه بقطع من الأقمشة واضجعته في مزود

(إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي النزل)، بعد ذلك بثمانية أيام يختن يسوع. وبعدها يقدم يسوع إلى الرب في الهيكل ويقدم والداه الأضحية التي عينتها الشريعة الموسوية من أجل هذه المناسبة، وبعد تأدية كل ما طلبته منهما شريعة الرب فيما يتعلق بميلاد الابن البكر، يعود يوسف وزوجته مريم الى مدينتهما (الناصرة) حيث سيتربى يسوع (انظر لوقا 2)

ومن هذه القصة نلاحظ، عدم وجود اي ذكر لاي نبوءة سابقة حول الطفل الموجود، ولا يذكر الانجيل شيئا عن هروب العائلة الى مصر، وليس هناك ذكر للمجزرة الفظيعة التي أمر بها هيرودس، وبدلا عن ذلك نجد ان كتبة هذا الإنجيل يخترعون قصة الاكتتاب الذي امر به الامبراطور، وهذا الخبر التاريخي لاصحة له، حيث لم تورد المصادر التاريخية التي أرخت للامبراطور اغسطس انه امر باي اكتتاب في الفترة الزمنية التي ولد فيها يسوع الناصري!

ان سبب اختراع قصة الاكتتاب، هو لغرض إيجاد مبرر لسفر يوسف ومريم الى بيت لحم، من اجل تجنب ذكر الحقيقة التي لا تخدم كتبة الانجيل، وهي ان الطفل يسوع قد ولدته مريم في مدينة الناصرة التي تسكن فيها مع زوجها!

وهذه النقطة بالذات ابرزت لنا تناقضا كبيرا، مع القصة التي سردها انجيل(متى)، الذي ذكر ان مريم ويوسف يسكنون في بيت لحم، وقد اضطرا لاحقا الى الذهاب الى الناصرة بعد العودة من مصر!

بينما انجيل(لوقا) يذكر لنا ان مريم ويوسف كانوا يسكنون في الناصرة، واضطرا للسفر الى بيت لحم للاكتتاب!!

ويذكر لنا انجيل(لوقا) تفصيلة مهمة ومثيرة في قصة الولادة، وهي ذهاب مريم وزوجها مع وليدهما الى اورشليم، لغرض إتمام الطقوس اليهودية الخاصة، بالمولود الجديد

(ولما تمت ايام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به الى اورشليم ليقدموه للرب) لوقا 22/2

ويحدد لنا الانجيل فترة سفرهما إلى أورشليم، وذلك بعد اكتمال (تطهر) مريم من النفاس

وهذه الفترة حسب الشريعة اليهودية محدودة بثلاثة وثلاثين يوما بعد الولادة، لأن جنس المولود ذكر!

(كلم بني اسرائيل قائلا اذا حبلت امراة و ولدت ذكرا تكون نجسة سبعة ايام كما في ايام طمث علتها تكون نجسة

وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته.ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها كل شيء مقدس لا تمس والى المقدس لا تجيء حتى تكمل ايام تطهيرها) سفر اللاويين 12/2

و يخبرنا الإنجيل ان مريم وزوجها و وليدهما، وبعد اكتمال الطقوس الخاصة بالمولود الجديد، قد قفلوا راجعين الى مدينتهم التي يسكنون فيها ( الناصرة)

(ولما اكملوا كل شيء حسب ناموس الرب رجعوا الى الجليل الى مدينتهم الناصرة) لوقا 32/2

وهذا يعني ان مريم وزوجها يوسف وطفلهما، قد ذهبوا الى اورشليم بعد فترة (ثلاثة وثلاثين الى اربعين) يوما من ولادة يسوع، قدموا القرابين الخاصة بالمولود، ثم رجعوا الى مدينتهم الناصرة

لكن، الامر الذي يثير العجب والاستغراب، ان انجيل (متى) كان قد اخبرنا ان مريم وزوجها وطفلهما، في هذه الفترة كانوا هاربين في مصر، لكي يتجنبوا المجزرة التي امر بها هيرودس لاطفال بيت لحم، كما قدمنا سابقا!

وهذا يعني ان عائلة يسوع كانت في مكانين مختلفين ومتباعدين، في نفس الفترة الزمنية!

من هنا يتضح لنا، استحالة التوفيق بين هاتين القصتين اللتين تضمنتا تفاصيل ينقض بعضها بعضا، وان التصديق بقصة انجيل (متى) يستلزم تكذيب قصة انجيل(لوقا) والعكس صحيح!!

واذا اضفنا الى ذلك الاحداث التاريخية المغلوطة، والتي لا يوجد لها اصل ولا حتى اشارة في المصادر التاريخية التي ارخت للامبراطورية الرومانية، مثل اكذوبة مذبحة اطفال بيت لحم، والاكتتاب العام في زمن الامبراطور اغسطس والحادثة الكونية الفريدة المتمثلة بالنجم السماوي الذي كان يسير مع المجوس، فسوف نجد ان كل هذه المغالطات والتناقضات تهوي بالقصة الى الدرك الاسفل من ناحية المصداقية و الوثوقية التاريخية !

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 25

 

 

mutham aljanabi2للأفكار الكبرى ومشاريعها النظرية والعملية عن البدائل حالات تشاؤم وتفاؤل، وفعل وخمول، ونفي وإيجاب، وعقل ووجدان مع ما يلازمها بالضرورة من أحوال متنوعة ومختلفة ومتضادة، لكنها تسير في نهاية المطاف أما باتجاه تقوية وتهذيب الإرادة المعنوية والفعلية للانا الفردية والقومية وأما باتجاه الاندثار والتلاشي في هباء الوجود الساري للأمم.

وقد جسدت الفكرة الإصلاحية الإسلامية هذه الأحوال جميعا، كما وقفت في نهاية المطاف أمام المنعطف الكبير في التاريخ العربي الحديث دون أن تتغلغل في بنية نظامه السياسي أو تؤثر به بطريقة يجعل منها احد الأنساق الفاعلة في تنظيم الوعي والوجود الاجتماعي. وبالتالي إرساء أسس التطور الطبيعي والتلقائي للعالم العربي. وقد كانت تلك الدراما الأوسع والأعمق والأشد فاعلية لحد الآن في العقل والضمير العربي التاريخي. مع ما ترتب عليها من مسار مأساوي يتناقض مع ما فيه من كمون ضروري عن أولوية الفكرة المنظمة في ترتيب وجوده الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة. ولم تكن هذه الحالة معزولة عن انكسار التاريخ العربي الحديث بفعل انبعاث نهضته الثانية وهو بين فكي العثمانية المتهرئة والغزو الكولونيالي الأوربي. الأمر الذي كان يمزق كل المحاولات الجريئة و"المستقيمة" للفكر الحر، كما نراه على سبيل المثال في المصير التاريخي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده.

فقد جسّد محمد عبده في مصيره الشخصي الصيغة النموذجية لمصير الفكرة الإصلاحية. بمعنى بقاءها معلقة في سماء الإبداع النظري وتساؤلات الثقافة والتاريخ القومي. مع ما ترتب عليه من اغتراب نسبي عن الوعي الاجتماعي العربي الجديد. مما افقدها إمكانية التغلغل في بنية النظام السياسي بالشكل الذي يحدد آفاق تأثيره الديناميكي المنتظم على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والقومية والثقافة. لاسيما وان الفكرة الإصلاحية التي بلورها محمد عبده في مجرى عمله النظري والعملي قد بلغت مستوى التأسيس الواضح لما يمكن دعوته بفلسفة الإصلاح الإسلامي.

لقد تراكمت فلسفة الإصلاح الإسلامي عند محمد عبده في مجرى انتقاله العاصف من رتابة الحياة اللاهوتية في الأزهر إلى عالم الحياة الفكرية والروحية والسياسية التي جعلت من الشخصية "رهينة" الالتزام الفعلي أمام "العلم الإلهي". وشأن كل "رهينة" من هذا النوع عادة ما تصبح حياتها تجليا أو تمظهرا لما في "العلم الإلهي" من حقائق هي عين ما وضعه محمد عبده في علمه النظري والعملي تجاه مختلف قضايا الوجود التي واجهها. ولم تكن مواجهته الأولى إلا مع النفس، شأن كل كبار العقول والنفوس والقلوب. وإذا كان الأفغاني هو مقلّبها من طور الكمون إلى طور الوجود، فلأنها الصدفة الجميلة التي يصعب حدها بمعايير المنطق، رغم تمثلها لكل ما فيه، ولكن بمعايير الإخلاص للقيم الإنسانية الكبرى. ولم تكن هذه القيم بالنسبة لمحمد عبده، كما هو الحال بالنسبة لرجال الإصلاح الإسلامي ككل، سوى الحصيلة الصافية للثقافة الإسلامية بعد وضعها على لهيب المعاناة الفردية المتربية بإرادة التصوف، أي المتحررة من العبودية الكامنة في الغريزة.

فقد مر كل من الأفغاني ومحمد عبده على لهيب التصوف الأخلاقي. لكنه تصوف الروح المتسامي. من هنا التقائهما الدائم ووحدتهما الحية التي صهرها طور الارتقاء إلى إدراك أهمية وضرورة الإصلاح الديني. وإذا كانت البداية للأفغاني فلأنه أول من تمثل وسعى لتجسيد وتحقيق الفكرة الإصلاحية. بينما كان محمد عبده مستعدا لها. وليس مصادفة أن نعثر في عبارات محمد عبده على وصف "تاريخي" اقرب إلى صورة الغرائب الجميلة التي عادة ما تنطوي في ذاكرة الطفولة لتتحول مع مرور الزمن إلى ذكرى محفورة في الوعي والعقل والضمير. حيث يروي لنا في مذكراته كيف انه عام 1869 جاء رجل غريب، بصير في الدين عارف بأحوال الأمم، جرئ القلب هو جمال الدين الأفغاني(1). رجل أيقظ كلامه المشاعر وأثار انتباه العقول، وخف حجاب الغفلة. وبأثر آراءه ظهرت مقالات عن الحرية والفكر والنقد، بحيث عملت الدول الأوربية كل ما بوسعها لإقناع السلطة الخديوية بان مصدر القلاقل هو الأفغاني. لقد استطاع الأفغاني، كما نستشفه من تقييم محمد عبده، في مجرى عشر سنوات من تغيير الحالة الفكرية في مصر. بعبارة أخرى، إن مصر قبل الأفغاني مجرد خراب. والفكر معزول عن الواقع، والسلطة عن المجتمع، والنخبة لا علاقة لها بالماضي والمستقبل، والنظام السياسي متهرئ.  وأن كل ما قام به محمد علي باشا وأحفاده بقي معزولا عن المجتمع. والسلطة مطلقة فوق كل اعتبار(2).

إننا نعثر في مواقف وشخصية محمد عبده على بعد فكري سياسي تاريخي وروحي جديد يقوم في جعله شخصية الأفغاني فاصلا بين تاريخين في حياة مصر. مع ما ترتب عليه من موقف يتضمن الفكرة المقررة على أن التغير الكبير في مصر والعالم العربي لم يجر بفعل الدولة والسلطة و"الصدمة الفرنسية" بأثر غزوة نابليون، بل بأثر رجال الإصلاح الإسلامي. وهي فكرة سليمة وعميقة بقدر واحد. وبقدر ما ينطبق ذلك على حياة مصر، فانه ينطبق أيضا على حياة وشخصية محمد عبده نفسه من جهة، وعلى حياة الفكر والفكرة الإصلاحية نفسها من جهة أخرى. وقد وضعها محمد عبده في المقاطع المكثفة لسيرته الشخصية عندما جعل من شخصية الأفغاني وأثرها في تجربته الحياتية حدا فاصلا بين مرحلتين ما قبل الأفغاني وما بعده(3). فقد كانت حياته قبل لقائه بالأفغاني سلسلة حلقاتها لهو ولعب وفوضى واستعداد للمعرفة (بأثر التصوف) لكنه منذ عام 1287 (1871) نراه يلازم الأفغاني ثمان سنوات (1879) بحيث نسمعه يقول "أن أبي وهبني حياة يشاركني فيها على ومحروس. والسيد جمال الدين الأفغاني وهبني حياة أشارك فيها محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين".

لقد نقله الأفغاني إلى ضرورة تمثل الوحدة الخفية والحيوية لعوالم الملك والملكوت والجبروت التاريخية والسياسية. إذ نراه "يجبره" بأثر الشخصية والمعرفة والإخلاص على تمثل حقيقة "الأنبياء والأولياء والقديسين" القائمة في استعدادهم للعمل من اجل الجميع. فإذا كانت حياة محمد عبده قبل الأفغاني انتقال بين عوالم الملك والملكوت، فان الأفغاني ربطها بحلقة الجبروت الضرورية، أي بفكرة الإرادة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا رده الجازم على تمّنع محمد عبده من الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي المباشر قائلا:"لو كان الناس مهديين لما كانوا في حاجة إلى أمثالك". وإذا كان الهدف السياسي الأكبر للأفغاني كما يقول محمد عبده هو "إنشاء دولة إسلامية قوية، تكنس الانجليز من الشرق" فمن الممكن توقع حجم المواجهة الخفية التي كانت تعتمل في شخصية محمد عبده وتاريخه اللاحق.

لقد وقف محمد عبده أمام مهمة "الهداية" والكفاح من اجلها في ميدان الدولة والأمة والوعي، متأثر بشخصية الأفغاني التي وجد في ذهنها عبقرية هائلة، بحيث بلغ بها "أقصى ما يبلغه إنسان من غير الأنبياء". ولا تعني هذه العبارة في عرف اللغة التي تطبع عليها محمد عبده وتغلغلت في أعماقه الوجدانية والإدراكية، سوى بلوغ حالة الكمال الإنساني الطبيعي. بحيث نرى محمد عبده يتتبع هذا الكمال في كل شيء، من أخلاقه حتى ملامحه الظاهرية. فقد صوره بصورة بليغة ودقيقة عندما رسم لنا ملامحه الأخلاقية قائلا، كان الأفغاني سليم القلب، حليم أواب وأسد وثاب، كريم أمين قليل الحرص على الدنيا، بعيد عن الغرور، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغارها. بل أن مظهره وشكله عربي حجازي كما لو انه يتمثل ويستعيد تاريخه وأصوله! كما انه كان جميلا ميال في مصر إلى إتيان المباحات مثل الجلوس في المتنزهات وما يزيل كرب المحزونين(4). إننا نقف أمام شخصية تتسم بقدر كبير من الإشكالية والتحرر، وتحتوي بالقدر نفسه على وضوح في الرؤية والوسيلة والغاية. ومن هذه الكتلة المثيرة تفجرت براكين الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده، كما نعثر عليها في إحدى رسائله للأفغاني عندما كتب يخاطبه "ليتني كنت اعلم ما اكتب إليك وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك. صنعتنا بيديك، وأنشأتنا في أحسن تقويم. بك عرفنا أنفسنا والعالم. كنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة. إنني منك في ثلاث أرواح لو حلّت إحداها في العالم بأسره وكان جمادا لحال إنسانا كاملا. فصورتك تجلت في قوتي الخيالية، وامتد سلطانها على حسي المشترك، ومعي رسم الشهامة وشبح الحكمة وهيكل الكمال"(5).

لقد رفع محمد عبده شخصية الأفغاني إلى مبدأ ونهاية الوجود الروحي والعقلي كما لو انه صورة الكمال الأبدي. من هنا مخاطبته أيضا بعبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال". بل واعتبره في احد مواقفه "حقيقة كلية" تتجلى للناظرين كل على قدر ما فيه. وليست هذه الذروة في الواقع سوى الوجه الآخر أو الباطني لحقيقة محمد عبده. بمعنى إننا نعثر في رسم شخصية الأفغاني وتصويره في آراء ومواقف محمد عبده على شخصية محمد عبده نفسه. وذلك لان رفع الشخصية إلى هذا المستوى يعني بالقدر ذاته إدراك ما فيها والتحلي بصفاتها. وليس عبارة "نحن على سنتك إلى انقضاء الآجال" سوى إننا على طريقتك في إعادة صنع الإنسان والمجتمع والروح. فإذا كان الأفغاني هو الذي نقل محمد عبده من أخوة الجسد إلى أخوة الروح، ومنها إلى التكامل بأحسن تقويم، فان رجوع محمد عبده إلى الأفغاني كان يعادل حقيقة الرجوع إلى النفس. من هنا لا تعني فكرة محمد عبده عن بقاءه على مكونات الأفغاني في مكوناته الجسدية والروحية والعقلية سوى السير "إلى انقضاء الآجال" بمعايير الرؤية الإصلاحية. الأمر الذي وجد انعكاسه المتميز في خصوصية الفكرة الإصلاحية لمحمد عبده التي جمعت في أعماقها المتوحدة مبادئ رفض التقليد، والتدرج في الإصلاح، وتوسيع وتعميق أبعاده الاجتماعية، وجوهرية البناء الذاتي الشامل، وأسلوب التربية والتعليم في تحقيقها.

يستند مبدأ رفض التقليد في فلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى ما يمكن دعوته بالرؤية النقدية الشاملة. بمعنى إن رفض التقليد بالنسبة له ليس مبدأ جزئيا أو عرضيا بقدر ما يشكل الأساس المنهجي والمنطقي للفكرة الإصلاحية نفسها. من هنا تناسق وتجانس مواقفه الرافضة للتقليد تجاه كل موضوعات الفكرة الإصلاحية وقضايا وإشكالاتها. بعبارة أخرى، إننا نعثر على ملامح ومظاهر وتطبيقات مبدأ رفض التقليد في كل مواقفه بوصفها المقدمة الضرورية والملازمة للإصلاح.

وليس مصادفة أن تحتل فكرته عن رفض التقليد الأعمى للثقافة الأوربية مركز الصدارة في فكرته الإصلاحية. فاثر المآثر الأوربية الكبرى التي رفعها محمد عبده إلى مصاف الانجاز التاريخي والثقافي والعلمي الأكبر في التاريخ الحديث لم يجعل منه أسير لمعطياتها أيا كانت. على العكس! لقد وجد في ذلك خروجا على حقيقة الانجاز الأوربي. انطلاقا من أن الثقافة الأوربية هي حصيلة تطورها الذاتي. وبالتالي فان قيمتها في "رمزيتها" وانجازاتها المجردة. من هنا نراه يقول، بان خطأ العقلاء يقوم أحيانا في محاولات نقلهم ما يقرءوه وتطبيقه على واقعهم. وهو خطأ مريع. وذلك لان الأمم كالأشخاص لها تاريخها وإمكانياتها كما يقول محمد عبده. وبالتالي فان الأمم بحاجة إلى معرفة نفسها كما هي والانطلاق من هذه المقدمة لمعالجة ما فيها من أمراض(6). ووجد في تاريخ الثقافة الأوربية نفسها تجسيدا حيا لهذه الفكرة.

اعتقد محمد عبده بأن التطور الحديث لأوربا يعود لتأثرهم بحياة المسلمين بعد الغزو الصليبي. إذ علمتهم الحروب الصليبية إدراك الأسباب القائمة وراء الانحطاط والتخلف. ووجد في هذا الإدراك المقدمة الضرورية للاستفادة ووضع المشاريع الناجحة(7). من هنا استنتاجه القائل، بان التقليد لا يصنع تمدنا ولا رقيا. وتجربة مصر خير دليل. على عكس تجارب الأوربيين معنا. ووضع هذه المقدمة في استنتاجه الأكثر تدقيقا ونقدا بهذا الصدد عندما كتب يقول، بان محاولات "جلب" الحضارة الأوربية بالمظاهر دون معرفة مقدماتها وتقاليدها وكيفية إنتاجها أشبه ما يكون بسلوك الدجاجة التي شاهدت بيض الاوز فرغبت في أن يكون بيضها كبيرا(8)! فالتقدم الحقيقي من وجهة نظر محمد عبده ليس في تشييد مظاهر الرفاه، بل في إرساء أسس الحقوق ورعاية الثروة وتنميتها بالعمل والإنتاج(9). وينطبق ذلك بقدر واحد على الانجازات المادية والروحية للحضارة الأوربية. من هنا قوله، بان الحرية لا تنتشر من خلال نشر عبارات الحرية. إذ لا يتعدى ذلك كونه مجرد ترديد وتكرار لمفاهيم وعبارات لم يجر فهم حقيقتها. لهذا نراه يصف هذا النوع من الحرية "حرية بتراء"(10). بل ووجد فيها عين الرق والاستعباد.

لقد أراد محمد عبده الكشف عما في هذه الحرية البتراء من انعدام لحقيقة العقل بوصفه صانع الحرية. فالحرية لا تقليد فيها لأنها عمل حر وعقلي خالص. ذلك يعني انه وجد في نقل الأفكار وتقليدها اقرب ما تكون إلى "حرية عقلية" بلا عقل. إضافة لذلك أن الحرية هي فعل تاريخي تلقائي له نظامه وأخلاقه الخاصة النابعة من تاريخ الأمم نفسها. لهذا نراه يورد مرة مثال الاحتيال على الحرية وفكرة الحرية عندما أشار في مقال (الإصلاح والأجانب) إلى ما اسماه بدور الشبان الإسرائيليون (اليهود) الأجانب في تأسيس جمعية (مصر الفتاة). إذ نراهم يدعون للحرية لكنهم اشد قسوة على الفلاحين بالربا. والشيء نفسه ينطبق على ما عملته فرنسا سابقا وانجلترا لاحقا بهذا الصدد. بمعنى أن كلما قاموا به بهذا الصدد كان يعادل الوقوف ضد كل إصلاح(11). وتوصل إلى استنتاج دقيق بهذا الصدد يقول، بان فالتقليد لا يفيد، والبدء من الخارج أو من غير المقدمات الضرورية يؤدي إلى نتائج معاكسة. وسلوك من هذا القبيل يؤدي إلى آثار مخربة ومدمرة، ليس فقط من وجهة نظر هباء ما يقومون به، بل ولإمكانية ارتداده بالعكس تماما. ولا يعني ذلك موقفه المعارض للتعلم من التجارب الأوربية، بقدر ما يشير إلى كيفية ونوعية ومستوى التعلم.

ولم يكن هذا الموقف معزولا كما هو الحال بالنسبة لكل مشاريعه النقدية والبديلة عما يمكن دعوته بتأسيس مهمة الاعتدال العقلي والعقلاني والثقافي والعملي في الفكرة الإصلاحية. من هنا جوهرية مبدأ التدرج في الإصلاح، بوصفه الأسلوب الأمثل لترسيخ مقدماته في الوعي والضمير الاجتماعي. من هنا فكرة محمد عبده القائلة، بأن ما هو مهم ومثير للاحترام والتقدير في انتخاب وسلوك رجال الدولة في أمريكا لا يمكنه أن يكون أو يحدث في أفغانستان. لأنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ومخربة(12). (يتبع....)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

(1) محمد عبده: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة. الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت – القاهرة، 1993، ج1، ص529.

(2) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص527-528.

(3) الأفغاني يمتد بنسبه إلى الترمذي والإمام الحسين بن علي. ولد 1838. تلقى مختلف العلوم كالعربية ونحوها وصرفها ومعانيها وبيانها ثم علوم الشريعة والفقه وكلام والتصوف، والعلوم العقلية من فلسفة وسياسية وتهذيب وعلوم طبيعية. ثم انتقل للدراسة في الهند. ثم رحل إلى الحجاز ثم عاد إلى بلده واشترك في حياته السياسية. ثم جرى ترحيله إلى الهند وعبرها إلى الأستانة. وهناك أخذت المؤامرات ضده من جانب فقهاء السلطة! فاضطر للمجيء إلى الشام عام 1871. جرى إبعاده بأثر عمل الانجليز إلى الخروج من مصر، ومنها إلى الهند، وبعدها إلى لندن، ثم إلى باريس حيث مكث فيها ثلاث سنوات. وفي باريس كلفته جمعية العروة الوثقى في دفاعها عن الخلافة الإسلامية بإنشاء مجلة. فصدر منها 18 عدد لم يكن لغيرها أثرا هائلا في الوعي أكثر منها. اقرب إلى الحنفية في المذهب لكنه ليس مقلدا وميالا للتصوف.

(4) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص 236-245.

(5) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص626.

(6) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص324.

(7) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص327.

(8) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص329.

(9) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص330.

(10) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص333.

 (11)محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص539.

(12) محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص326.

 

mutham aljanabi2قدم الإسلام في دعوته لإلغاء الجاهلية مستوى جديدا في التعامل مع النفس والآخرين. فقد كان الهمّ الإسلامي العام يقوم في الإخلاص للحق كما هو. وبغضّ النظر عن الصيغة الدينية للحق الإسلامي، إلا انه كان يتمثل في ذاته تقاليد الماضي وثقافة العرب الجاهلية ونفيهما بالفكرة المتسامية. مما أدى إلى نفي سلطة الانتماء للقبيلة بسلطة الانتماء للجماعة المحكومة بالشريعة. وهي المقدمة الكبرى للسلطة الجديدة الآخذة في النمو. غير أن خصوصيتها تقوم في احتكامها للوحي القرآني بوصفه مصدرها الناطق، أما الدعوة والعمل من اجل تنفيذها فقد تحولت إلى الأسلوب الواقعي لتحقيقها. مما جعل من "الوحي" سلطة من طراز جديد. لكن قوته المباشرة وغير المباشرة كانت ترتبط بالنبي محمد، وذلك لأنها لم تعان آنذاك من إشكالية الأنا والآخر، والفكر والسلطة، والمصلحة والمنطق، مع أنها كانت تحتوي على كل هذه المكونات ولكن على هيئة كيان منحلّ في الوحدة المتسامية للقول والعمل بفعل مرجعية "الاختيار الإلهي" للنبي محمد. الأمر الذي حدد بدوره طبيعة وكيفية العلاقة الواجبة بين الحقيقة والإلهام والمصالح، بوصفها وحدة لا يمكن فصم عراها، لان أولها وآخرها حق.

لقد كان الوحي حقيقة والحقيقة وحيا. مما جعله سلطة من أي وجه تراه، أو هكذا كان ينبغي النظر إليه من جانب الأتباع الجدد. فقد طالبت هذه الوحدة المرء بتأمل كل ما هو موجود بالعقل والقلب. كما طالبته بالقدر نفسه بالإيمان التام بها، باعتبارها وحدة معقولة ومقبولة بمعايير الدين ومتطلبات الانتماء للجماعة الجديدة أو أمة الصراط المستقيم والمستقبل. من هنا رفض الجدل مع الإقرار بفاعليته ضد الجاهلية. وهو تناقض يمكن فهمه ضمن أحكام التقليد، لكنه كان يتمتع بفاعلية قوية ضمن مقاييس الإيمان.

فقد كانت الجاهلية العربية محكومة بعادة التقليد للآباء والقدماء. بينما يفترض الإيمان الجديد إتباع ما يمكن دعوته بمنطق الإلهام والحقيقة الإسلامية. وهو اتجاه عقائدي خالص من حيث محتواه الفكري. مما حدد بدوره طبيعة وكيفية الانتماء الجديد للجماعة الجديدة، بما في ذلك في ميدان الفكر. من هنا أصبح حسان بن ثابت "لسان الإسلام" مع أن شعره أدنى من شعراء من كان يهجوهم، كما أن استعمال الشعر في المعركة لم يتعارض مع الفكرة الإسلامية القائلة بعدم ثبات الشعراء في القول والعمل. كما لم يعق ذلك النبي محمد من أن يرمي ببردته على من قال "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول…" . والقضية هنا ليست فقط في الفكرة المحمدية عما في البيان والبلاغة من "سحر"، وعما بين الشعراء أحيانا "ممن عصمهم الله" من الوقوع في أوحال الرذيلة الجاهلية، بل وفيما أسميته بمنطق الإلهام والحقيقة الإسلامية، الذي يطالب المرء بالإخلاص التام، بوصفه فرضا من فروض الإيمان. لما في هذا الفرض من سمو داخلي حالما يخدم بالفعل تعميق وترسيخ منطق الحق والحقيقة. 

كما أنه منطق يتمتع "بآلية" خاصة ومسار متميز في "الوحي". لكنه حالما ينتقل من عالم الملكوت إلى عالم الملك والشهادة، فإنه يتخذ، شأن كل الأفكار "المقدسة"، رموزا وإيحاءات ومفاهيم محكومة بتجارب الأفراد والجماعات والأمم. فقد أرتبط هذا التحول بصيرورة الدولة وحدود السلطة فيها. وفي الإطار العام يمكن القول، بأن هذا التحول الهائل في تاريخ الخلافة قد سار عبر تحويل "الوحي النبوي"  إلى سلطة من طراز جديد أصبحت بفعل قدسيتها "نصا" عند البعض و"مشكاة" عند الآخر. وهو تباين كبير كان يعكس طبيعة ومستوى الخلاف الضروري والتمايز الذي لا بد منه للفكر في التعامل مع تراث الماضي وإشكاليات الحاضر، أي أنه كان يمثل مسارا لاتجاهين أعادا إنتاج تقاليد الرواية والدراية، والمعقول والمنقول عبر رفعهما إلى مصاف التفسير والتأويل، والظاهر والباطن. وقد كانت تلك نتيجة طبيعية لما ادعوه بالواحدية الثقافية الإسلامية وخصوصية تبلور مرجعياتها الكبرى في الأصول.

وفيما لو تجاوزنا هذه الجوانب وانتقلنا مباشرة إلى كيفية تأثير هذا التحول على علاقة المثقف بالسلطة، فإنها لا تخرج في الإطار العام عما هو مميز لهذه العلاقة في الحضارات التاريخية الكبرى من مسار خاص لإشكاليات الحقيقة والسلطة فيها.

فالحضارات تشترك في بناء الدولة وإنتاج الثقافة، لكنها تختلف في نماذج إبداعها للأصول والمرجعيات، بوصفها مكونات جوهرية بالنسبة لصنع خصوصية الحضارة وكيفية انتقالها وتحولها وقدرتها على الاستمرار. وفيما يخص الحضارة الإسلامية فإنها ارتبطت بعقيدة الإسلام الوحدانية ورؤيتها لواحدية الجماعة والأمة، التي وضعت أسس الحق الاجتماعي والمنظومة الأخلاقية للدولة دون أن تتكفل برسم حدودها النهائية. من هنا إمكانية التنوع فيها، مع أن مضمونها الحقيقي كان يصب فيما يمكن دعوته بنظام الواحدية الاجتماعية، الذي اتخذت خلافة الراشدين صيغته الأولية، وليس نموذجه الأرفع. إذ لا نموذج نهائي في الفكرة الإسلامية عن أي شيء باستثناء ما يمكن دعوته بنظام النسب المثلى.

وكان هذا النظام محكوما بالوحدانية الإسلامية ومساعيها الجوهرية لتحقيق فكرة العدل والاعتدال. وسوف يكشف عن نفسه لاحقا في النماذج المرجعية المتعلقة بالنظر إلى الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. كما سيجد طريقه إلى منهجية الرؤية في مختلف ميادين العلوم والمعارف، بما في ذلك في الموقف من الدولة والسلطة.

فقد تبدو بعض الأحداث التاريخية من حيث مظهرها الخارجي صدفة، وقد تكون صدفة، لكن اندثارها السريع أو ثباتها العميق هو المؤشر والبرهان الفعلي على ما إذا كانت جزء من صدفة عابرة أو أن لها أسسها الخاصة في مقدمات الأحداث. ولا يمكن فصل هذه المقدمات عن فاعلية "الأيديولوجية المتسامية"، عندما يجري الحديث عن الدولة المحكومة بالأفكار والعقائد. وذلك لأن تغلغل الفكرة القائلة بمشيئة الله المطلقة عادة ما تقضي على فكرة الصدفة، أو على الأقل تجعل منها جزء من فكرة القضاء والقضاء. وحالما يصعب فهم هذه الحالة بمعايير المنطق والملاحظة المباشرة، عندها يجري رفعها إلى مصاف "سر الغيب" و"علم الله" المجهول بالنسبة لمخلوقاته الناجحة والفاشلة. وفي كلتا الحالتين تتحول النتائج إلى بلاء أو مكر الهي. ولم تكن مهمة هذه الرؤية تقوم في طمأنة النفس المتيقنة بصحة تأويلها فحسب، بل ولا تخلو أيضا من رياء تصنعه الفكرة نفسها. وعموما يمكننا القول، بأن هذه الرؤية لا تخلو من تجرد عن الهوى ووقوعا فيما هو أتعس منه. وهو تناقض يحكم الفكرة المتسامية حالما تصبح جزء من صراع المشارب السياسية المتمايلة بين اليقين والأهواء. وكلاهما جزء من تجارب التاريخ وقواه الاجتماعية. لكنها تجارب لها أسسها ومقدماتها. وفي حالة الإسلام لم تكن معزولة عن تأثير الفكرة الوحدانية وأثرها المباشر وغير المباشر في تحديد الرؤية والسلوك العملي. وحصيلة الأمر هو نتاج لما يمكن دعوته باجتهاد الثقافة في كيفية رؤيتها وحلها لإشكاليات وجودها التاريخي. وضمن هذا السياق يمكن فهم "تجريبية" البحث عن شكل السلطة ونموذج العلاقة المفترضة بينها وبين أتباعها، بما في ذلك تجاه أهل الرواية والدراية منهم (المثقفين).

فقد كان شكلها الأولي مصادفة لها أسسها في المخزون العام لأصول الإيمان. بمعنى أن "اختيار" الخليفة والاسم كانا فعلا عفويا مربوطا من حيث أسسه الدينية، بالفكرة الإسلامية عن جوهرية الله، وبشرية النبي محمد، ورسالته للناس بوصفه رسولا ونبيا ومبشرا ونذيرا. وقد انتزعت هذه الصفات منذ البدء إمكانية التقديس اللاهوتي والعقائدي لشخصه، واكتفت بتحويله ضمن عقائد الإسلام إلى جزء أساسي في شهادة الإيمان فقط. إذ انتزعت عبارة الشهادة باسمه، إلى جانب أن الله وحده لا شريك له، إمكانية مجاراته في الصورة والمعنى. وذلك لأن الوحدة الغريبة للرسالة والعبودية المقررة في "أن محمدا عبده ورسوله" أبقت عليه في برزخ السموّ الواقعي. وكان من الممكن تمثل مختلف صورها ومعناها في استخلافهما فقط. بمعنى محاكاة صورته الواقعية (السنّة) ومعناها في تمثل حقائق القرآن. وبما أن السياسة هي الميدان المباشر والأوسع لوحدة القول والعمل، من هنا ظهور "الخلافة" فيها قبل غيرها، باعتباره التبرير والتمثيل الموحد لهما. وقد صنعت هذه السبيكة في نفس الوقت واقع وآفاق العلاقة الممكنة بين المثقف والحقيقة.

فمن الناحية التاريخية والنظرية، لم تكن أصول الإيمان الأولية عقائد متبلورة بهيئة قواعد قادرة على أن تكون بديهيات سياسية. لهذا كان الجدل حادا ومقتضبا في الوقت نفسه. ولم يتعد في الواقع أكثر من استشهاد بآيات قليلة. وكانت كافية بحد ذاتها لأن تكون "حقيقة" مقنعة وحاسمة بالنسبة للعمل. وليس مصادفة أن تكون الأدلة مجرد "رواية" "السلطة" الجديدة. وذلك بسبب عدم انفصال وانفصام الخاصة عن العامة، والماضي عن الحاضر، والأنا عن الجماعة، والقرآن عن السنّة، والأصول عن الفروع، والرواية عن الدراية. لكنه حالما جرى انتزاع الإقرار بلقب "خليفة رسول الله"، فإن الانقلاب الحتمي أصبح أمرا ملازما لصيرورة الدولة ومؤسساتها. 

وصورت الثقافة الإسلامية هذا التحول الكبير  بتسمية "خلافة الراشدين". وهو تقييم نفسي للمرحلة التأسيسية، احتوى على تأسيس وتلازم الرشاد والخلافة كما لو أنه أراد أن يطوي الدولة بين أجنحة التغير العميق الذي لف عالم العرب المسلمين بعد موت النبي محمد. وهو تعبير له أصالته المعنوية والتاريخية والسياسية أيضا. فالدولة من التداول، والتداول من التغير والتبدل. وهما مكونان تمثلهما مفهوم الخلافة، الذي لم يتحسس معالم التجزئة الضرورية التي تجلبها الدولة لوجود الإنسان وعلاقته بالنفس والمجتمع. من هنا كان مفهوم الرشاد والإرشاد الصيغة السياسية لمفهوم الحق الإسلامي. وقد أعطى تلازمهما لهذه المرحلة التأسيسية للدولة الإسلامية قيمتها "الخالدة" في التاريخ والوعي العربي والإسلامي، كما نعثر عليها بصورة مباشرة وغير مباشرة في خطب الخلفاء وسلوكهم العملي. فنرى أبو بكر يشدد في خطبته الأولى على انه ولي عليهم مع انه ليس أفضلهم، وانه يطلب إرشادهم وتقويمهم إياه إن اخطأ.

إن المصادفة التاريخية التي رفعت فكرة الخلافة إلى مستوى الرشاد، والرشاد إلى مستوى الخلافة، تكمن في الضرورة التي استنطقها روح الإسلام الأول باعتباره إسلاما للحق. ووجدت هذه الضرورة تعبيرها النموذجي في المزج المتسامي لكليهما في تسمية "الخلفاء الراشدين". فقد تمثل هذا التوليف معنى النبوة ومنطق وجودها التاريخي. إذ لم يتعد معنى النبوة بالنسبة لأتباعها آنذاك مضمون الحق التاريخي. وكان يمكن تجسيد هذا الحق بمعايير القيم المتسامية للعرب الجاهلية ونفيها الأكثر سموا بمعايير البديل الإسلامي الجديد. أما منطق وجودها التاريخي فهو المعاناة الفعلية والفردية من اجل تمثل الحق في كل دقائق الحياة. الأمر الذي جعل منها بمعايير المعنى المتسامي والمنطق التاريخي للثقافة الإسلامية مرحلة ونموذجا للاحتذاء.(يتبع....)

***

ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2توطئة: احتل طه حسين موقعه الخاص والمتميز في صرح الثقافة العربية الحديثة بوصفه شخصية عقلانية ونقدية حرة وتنويرية تجمع بين التجديد والأصالة. كما حصلت بالقدر ذاته على مكانة الشخصية المرجعية بالنسبة للفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي بشكل خاص. من هنا تنوع مظاهر ومضامين التقييم المؤيد والمعارض. بحيث نقف بقدر واحد على أغلبية تؤيد التقييم القائل بشخصيته الفذة، وأقلية تجد فيه شخصا يفتقد إلى ما ينسب إليه. وفيما بين هذين التيارين تباينت أيضا المواقف المعارضة والمؤيدة، والمبجلة والمستخّفة. ولا خلاف عما في هذه الحالة من تنوع يعكس تنوع المواقف والآراء والأحكام من جهة، ويشير في الوقت نفسه إلى حيوية طه حسين وتأثيره المستمر في الوعي الثقافي العربي المعاصر. الأمر الذي يجعل منه شخصية إشكالية.

لكن غرابة القضية ككل تكمن في إشكالية شخصية وليست إشكالية فكر وفكرة. الأمر الذي جعل من كل ما قيل ويقال عنه جزء من معترك المواقف والأحكام الأيديولوجية، وليس من مسار التراكم العلمي والنقدي الضروري لوعي الذات القومي في احد مجالاته ومستوياته ونماذجه.

وتنعكس في هذه المفارقة من حيث الجوهر القضية التالية، وهي أن المشكلة ليست في إشكالية طه حسين بقدر ما تقوم في معضلة الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر التي جعلت من شخصيته إشكالية، ومن أسلوبه في الكتابة والتعبير نمطا متبعا، ومن مستوى بحوثه التاريخية والأدبية نموذجا للمحاكاة والتقليد، ومن آثاره النقدية مآثر علمية، ومن معلوماته المتناثرة معرفة منظمة، مع أنها لم ترتق في أي من هذه المجالات إلى مستوى العلم والمعرفة الحقيقية، دع عنك قضية الإبداع الفكري الأصيل. الأمر الذي يجعل من إشكالية طه حسين في الحقيقة إشكالية ضعف وتدني وسطحية الوعي النظري الذي ميز وما يزال يميز الوعي الثقافي العربي الحديث والمعاصر. وإذا كانت هناك من مأثرة لطه حسين بهذا الصدد، فإنها تقوم في قدرته الفذة على تمثل هذه الحالة الأولية لتراكم الوعي المعرفي البدائي لحد ما من حيث المقدمات والأسس والمنهجية، ورفعها إلى مصاف المرجعية الثقافية، التي أعطت له تلك القيمة المؤثرة والفعالة في الوعي الاجتماعي، رغم سطحيتها في مجال العلم والمعرفة الحقيقية. وإذا كان لهذه الحالة ما يبررها من الناحية التاريخية، بوصفها الصيغة المبسطة والجزئية لكيفية وطبيعة التراكم الأولي للثقافة العربية آنذاك (والمصرية بشكل خاص)، فان ضررها المعرفي يقوم في تقديم تجارب الثقافة الأوربية العريقة والعميقة والجديدة عبر موشور الرواية والحكاية المميز لتقاليد الأزهر المختبئة في أعماق الوعي الذاتي لطه حسين نفسه. مما أدى إلى صنع سبيكة مشوهة من مظاهر الرؤية النقدية المتشبثة ببعض كسرات المناهج الأوربية (الديكارتية بشكل خاص)، وبواطن الرؤية التقليدية العاجزة عن إرساء أسس الرؤية النقدية الفعلية وتأسيس منهج الرؤية الثقافية الذاتية. وقد يكون أسلوب الرواية والحكاية الصيغة الأكثر تعبيرا عن هذه المفارقة المزعجة، أي الخاوية من إشكالية الإبداع الحقيقي، والفاعلة في الوقت نفسه على خلخلة الوعي النقدي الحقيقي. وذلك لأنها لا تصنع في نهاية المطاف غير شهية الاستماع والاستمتاع بالتقاليد الشفوية المغرية لنفسية وذهنية العوام. ومن ثم فعلها المباشر وغير المباشر على تسطيح الوعي وابتذال مستوياته النظرية.

فمجرد وضع صورة طه حسين ضمن "لوحة التكريم" الملونة للثقافة العربية، وتحوله إلى احد عناصرها المرجعية المعاصرة يعكس أولا وقبل كل شيء بقاء واستمرار فاعلية الثقافة الشفوية وتقاليد الرواية والحكاية. فقد مّثل طه حسين احد نماذجها الكبرى في القرن العشرين (العربي)، أي في زمن الصعود المشوه لما ادعوه بعقلانية الفطام التاريخي، التي تميزت أيضا بقوة الحشو والمعلومات الجزئية، وضعف مستويات التمحيص والتحقيق العلمي، وشبه انعدام للتدقيق الفكري. كل ذلك جعل من الرواية والحكاية اجتهادا. من هنا فقدانها للفكرة المنظمة مع ما يترتب عليه من آثار مخربة للوعي النظري العقلي والعقلاني. وبالتالي، فان مهمة نقد طه حسين هي أولا وقبل شيء مهمة نقد تقاليد المنهج والتسطيح المعرفي وأساليب الاستلاب الثقافي التي أدت بعد مرور قرن من الزمن الى البقاء ضمن معايير الزمن، ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي بوصفه تراكما للمؤسسات في الوجود الفعلي للمجتمع والدولة والمعرفة والعلم والثقافة. وحتى الجدل الذي أثارته مؤلفاته فقد كان مجرد انهماك في صراع فارغ لم يؤسس للفكرة المنهجية ولا للثقافة العلمية. والسبب يكمن في أن كتب طه حسين "المثيرة للجدل" هي الوجه الآخر والأصدق والأدق عن طبيعة الوعي النقدي (المؤيد والمعارض) المثير للحيرة والاندهاش! إذ لم يكن في تلك الكتب وأغلب الردود قيمة ذاتية من حيث الأصول والأسلوب والمنهج والغاية. من هنا جوهرية الاهتمام الذي ينبغي توجيهه صوب القضايا المتعلقة بالأصول والأسلوب والمنهج والغاية، أي كل ما يستحيل بدونه إرساء أسس المنظومة العلمية والعقلانية والإنسانية للثقافة.

مفارقة"مثقف الاستلاب الثقافي"!

إن مهمة هذه السلسلة من المقالات ترمي الى إعادة النظر النقدية بالتراث الفكري العربي من اجل تنقية هوائه من فساد التقليد، الذي نعثر عليه في اضمحلال وتلاشي النخب الفكرية الاجتماعية والقومية القادرة على الارتقاء الى مصاف المرجعيات النظرية والعملية. من هنا تحول المثقف الى تابع ذليل لأزلام السلطة وقادة الأحزاب المخنثين. بينما المسئولية الكبرى في التاريخ العالمي عادة ما يتحملها في بادئ الأمر رجل الفكر والثقافة. ومقابل كل تضحية تتراكم عناصر الفكرة الهائجة في الوعي والضمير التاريخي للأمم. مع ما يترتب عليه من ترتيب وإعادة إنتاج أصيلة لمنظومة الفكر بوصفها المقدمة الضرورية لتفعيل الوعي والإرادة.

وليست هذه التضحية في الواقع سوى الصيغة الإنسانية المعذبة بعذوبة الذاكرة وبقايا الذكرى العميقة للألم الذي تواجه الشخصيات الكبرى في إرساء أسس اللحظات التاريخية الكبرى. وضمن هذا السياق يمكننا القول،بان بروميثيوس لم يسرق النار بل وهبها لبشر! بينما واجه النبي محمد أصنام الجاهلية العربية بقوة الكلمة! وكلاهما فعل من اصل وجذر واحد، ألا وهو العمل بوحي المعاناة الذاتية في مواجهة كل ما يعيق المسار الطبيعي لوجود الأشياء. وينطبق هذا في الواقع على كل ما له اثر في الوجود التاريخي الفعلي للحضارات والثقافات والأمم. فالمثقف الكبير هو روح التاريخ الحقيقي.

ومن هذه المقدمة يمكنني القول، بان الثقافة الحقيقة هي التي تبدع بمنطق وعيها القومي، ومعايير تجاربها التاريخية، وصور خيالها الذاتي. ومن ثم يمكن وضع هذه الفكرة العامة في أساس أو منهج التحليل النقدي لكل ما أنتجه الفكر النظري العربي الحديث والمعاصر. وسوف اتخذ من طه حسين أو بعض جوانب إنتاجه الفكري نموذجا من اجل نقد كل ذلك الركام الذي لا تركم فيه بالنسبة للفكرة العقلية. بمعنى الكشف عما في هذا الكم الهائل من الكتب والمؤلفات والمقالات من حشو يفتقد من الناحية الفعلية لمعنى التراكم الفكري الضروري. وبالتالي الوقوف أمام ظاهرة غريبة ألا وهي وجود "فكر" بلا تراكم! والسبب يكمن في أن هذا الفكر نفسه هو نتاج تجزئة لمصادر غريبة سواء من حيث رؤيتها المنهجية أو من حيث صورها وخيالها. إضافة الى حالة الاستلاب الهائلة في كيفية استعمال المناهج الجاهزة، أي المناهج الفكرية والفلسفية المتراكمة في تجاب الأمم الأخرى. الأمر الذي طبع اغلب ما كتب بطابع الانتقائية. ومن ثم انتشار وهيمنة التسطيح الفكري والابتذال المعرفي. وذلك لأنه استخدام لا استلهام يه، واستغلال بلا تمثل.

وقد تكون أسطورة "المعجزة اليونانية" من بين أكثرها بروزا في مواقف وآراء وتقييمات طه حسين للواقع العربي وإبداعه التاريخي. فقد تراكمت في مجرى تأمل التجربة الثقافية الأوربية الحديثة ومحاولات تأسيسها أصولها التاريخية والثقافية. وذلك لان حقيقة اليونان وتراثها الثقافي العام والخاص لا علاقة له بأوربا الجغرافية والتاريخية. إلا أن ذلك لم يحل دون صعود أسطورة المعجزة اليونانية بوصفها معجزة أوربية أولا وقبل كل شيء، وقد يكون كتاب برتراند رسل (حكمة الغرب) نموذجا لهذا الموقف والرؤية من خلال محاولاته جعل فكرة الحكمة الأوربية والفلسفة اليونانية شيئا واحدا. ولاحقا سترتقي هذه الفكرة الى مصاف خرافة الجوهر اليوناني الكلي، كما قال بها الألماني زيلر في كتابه (تاريخ الفلسفة اليونانية)، وارنست رينان في كتابه (تاريخ الأديان). وسوف يدفعها آخرون مثل غومبيرس في كتابه (مفكرو اليونان) الى أبعادها القصوى عندما ردد عبارة هنري سومر القائل: "باستثناء قوى الطبيعة العمياء، لا يوجد شيء يتحرك في هذا الكون إلا وهو إغريقي الأصل!". بينما يستكملها آخر وهو غلبرت موراي بعبارة :"لا يوجد شيئا تحت الشمس إلا وهو من اصل يوناني!".

وبالمقابل يجري التأسيس لفكرة الشرق "خرافي" و"غير عقلي" و"صوفي" وغير منطقي" و"روحاني" و"ديني" فقط وما شابه ذلك. بعبارة أخرى، يجري تصنيع ثنائية خلافية عدائية بمعايير المنطق والعقل والعلم! وهذا أسخف ما يمكن تصوره بمعايير المنطق والعقل والعلم!

أما من الناحية الفعلية فقد كان لهذه الأسطورة والخرافة مذاقها الخاص في مجرى الصيرورة التاريخية الثقافية لأوربا القرن التاسع عشر والعشرين. أما تحويلها الى مبدأ وغاية الرؤية المنهجية في الموقف من التراث العربي وإشكالاته الحديثة، فليس إلا الصيغة الأكثر فجاجة للاستلاب الثقافي والمعرفي على السواء. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تمازجها وتداخلها وتأثرها بنفسية وذهنية الإثارة المميزة للاندهاش المسطح عند طه حسين، فمن الممكن معرفة أثرها المدهش للتسطيح المعرفي! والقضية هنا ليست فقط في كون طه حسين لم يفهم خصوصية الثقافة الإغريقية ضمن محيطها الخاص، وضمن معاناة التراث العربي الإسلامي، بل وفي إفراطه المتبجح والجازم في الأحكام والتقييم. بحيث أدى ذلك في نهاية المطاف الى تخبط لا يخلو من تخريب باطني كبير في الموقف من "مستقبل الثقافة" العربية كما هو جلي في رؤيته التي وضعها في "مستقبل الثقافة في مصر". إذ لم يكن هذا "المشروع" في الواقع أكثر من لقطات ولحظات متناقضة. وفي أفضل الأحوال لا يتعدى كونه حكايات تقريرية لا غير!

فالخطوة الأولية والضرورية لأية ثقافة حية تفترض تذليل نفسية وذهنية الصنمية فيها. وللصنمية أشكال ومستويات متعددة ومتنوعة. ومن بين أكثرها غرابة أن تتحول شخصيات ثقافية مغتربة ومسطحة لحد ما الى "مرجعيات" الفكرة الثقافية. وقد يكون أكثرها إثارة بهذا الصدد، تلك الشخصيات التي تتماهى صورتها في الوعي العادي والسائد مع النماذج العليا للوعي التنويري، كما ترتقي أيضا في تاريخ الثقافة الأكاديمية الى مصاف المرجعيات النظرية الراقية للمنهج العقلاني والنقدي. ومن هذه الحصيلة عادة ما يجري إعادة تسطيح الوعي الثقافي وحقنه بجرعات التقليد الفج للأكاديمية الزائفة. وتمتلئ الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة بهذا النمط المغري للوعي التائه في دهاليز التقليد الذي زرعته بقدر واحد تيارات الراديكالية الثقافية والسياسية المغتربة والسلطات الهامشية الرخوية.

تكمن المقدمة الخفية لهذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في غرابة الحالة، على الأقل من الناحية الشكلية، التي تجعل من المثقف محلا للاستلاب الثقافي. عندها يبرز السؤال المنطقي الضروري القائل، وهل يمكن للثقافة أن تكون مستلبة؟ أما الجواب الواقعي والعلمي عليه فيفترض النزول من علياء الفكرة المجردة والمنطقية الخالصة الى ميدان الواقع من اجل اختبار حقيقتها. فالحقيقة ملموسة على الدوام! والواقع يشير الى إمكانية استلاب الثقافة والمثقف. لكن المنطق المجرد، وهو الأدق والأعمق، يقول، بان الثقافة المستلبة والمثقف المستلب هما وجهان للزيف والتقليد، أي لانعدام الثقافة الأصيلة. وذلك لان الزيف والتقليد صنوان! وليس مصادفة فيما يبدو أن يتكلم الفارابي قبل قرون عديدة عن فيلسوف مزيف وآخر مقلد وثالث أصيل، كما صنفت الرؤية الشعرية العربية القديمة الشعراء الى شاعر وشويعر وشعرور!

وفيما لو أجملنا بصورة منطقية مجردة الحالة العامة للمثقف العربي "الحديث"، فان أغلبيتهم المطلقة تتراوح بين المزيف والمقلد. وليس مصادفة فيما يبدو أن يتحول طه حسين وسلامة موسى وأمثالهما الى "مرجعيات" للثقافة العقلانية والتنويرية والنقدية، رغم سطحية ما فيهما. طبعا إن طه حسين أرقى وأنقى وأوسع وأعمق من سلامة موسى، لكنه مع ذلك لا يتعدى من وجهة نظر الحقيقة مستوى التقليد والاستلاب "الأكاديمي". وذلك لان إنتاجه الشخصي لا يتعدى في الواقع أكثر من جزيئات متناثرة في "ثقافة" تفتقد للحدود والمنظومة. الأمر الذي يفسر سر انتشاره الكبير وأثره الباقي في الثقافة العربية المعاصرة. وسبب ذلك يقوم في أن الفكر العربي الحديث والمعاصر يفتقد الى معنى وحقيقة المنظومة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مجمل الحياة العربية في مجال الدولة والمجتمع والعلم.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة المفارقة الكبرى لشخصية طه حسين الثقافية وحصوله على لقب "عميد الأدب العربي" بينما كان يجسد من حيث المنهج والأسلوب نموذجا كلاسيكيا للاغتراب الثقافي. طبعا، أن إطلاق الألقاب والنعوت في الثقافة المصرية الحديثة ظاهرة مثيرة للتشاؤم والسخرية بقدر واحد. بمعنى أنها تتميز بقدر هائل من الاستخفاف بالكلمة والمعنى. بحيث استسهلت توظيف كل كلمات القاموس العربي فيما يتعلق بالتضخيم والتبجيل لا لشيء إلا للتمتع بنحت ما يمكنه إن يكون أكثر فخامة وضخامة! من هنا انتشار كلمات العبقري والعظيم والجليل والكبير ويتيم دهره وما شابه ذلك على كل ما هب ودب في ميدان الكتابة. وتحولت الكتابة إلى مصدر الكاتب. وكانت هذه تكفي بحد ذاتها لكي تلصق بها كل ما تجود به النفس من ألقاب وإطناب. وهذه بمجموعها كانت أيضا موضوعا للتفاخر والاعتزاز والحذلقة "الأدبية". من هنا عبارات أمير الشعراء وسيد الأدباء وعبقري العباقرة وعظيم العظماء. وبما أن عدد الكتاب في ازدياد من هنا استغلال كل ما لم يستغل بعد. وضمن هذا السياق فيما يبدو جرى نحت لقب "عميد الأدب العربي". وليس المعروف مما إذا كان هذا النحت مأخوذا من العمدة أو العمادة أو العامود. وهذه أمور في الأغلب ليست بذي أهمية مازال وقع النعوت والأوصاف كاف بحد ذاته من حيث غرابته وأصالته أو استطرافه واستظرافه للسمع والأذواق!

ليست مهمة هذا المقال كسر أصنام النحت المفتعل في الألقاب والنعوت، بقدر ما تهدف إلى كسر أصنام الفكرة المزيفة بحد ذاتها. مع إن ذلك لا ينفي القيمة التاريخية والأدبية لطه حسين وموقعه الخاص في تاريخ الفكر العربي الحديث بشكل عام والأدبي منه بشكل خاص.

إن سبب الخلل الذي يجري الحديث عنه هنا يقوم أساسا في ضعف بل انعدام تقاليد التقييم الذاتية وأحكامها المناسبة في الفكر العربي الحديث. وهذا بدوره نتاج ضعف بل انعدام مدارسه الفكرية والعلمية الخاصة. وفيما لو أردنا إجمال طبيعة وخصوصية الضعف المشار إليه أعلاه وتطبيقه على شخصية طه حسين، فان سببه يقوم في هيمنة نفسية وذهنية الاغتراب الثقافي التي لازمت صيرورة نموه المعلوماتي. فقد كان طه حسين شخصية معلوماتية وليست معرفية. من هنا سعة انتشارها في العالم العربي الحديث والمعاصر، شأن كل هذا الكم الهائل والمشوه لما يسمى بالفكر التقدمي واليساري والثوري، الذي يجمع في ذاته دعوات بلا حدود ذاتية. فالتقدم مجرد مسار لا إلى غاية، واليسار عسر، والثورية عفوية مدوية، أي كل ما لم يرتبط ويتحدد بتلقائية المواجهة العقلانية والإنسانية الحقيقية لإشكاليات الوجود الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والأمة، أي لإشكاليات الحاضر والمستقبل بوصفها إشكاليات التاريخ الذاتي.

وسوف اتخذ من مقاله الذي قدم به لكتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، نموذجا للتدليل على الفرضية الموضوعة في أساس هذا المقال (وما يتبعه من مقالات أخرى).

نعثر في هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان (في البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) على نموذج كلاسيكي للتأثر المستلب وغير النقدي في الموقف من التراث. إذ لا تتعدى هذه الرؤية "النقدية" في الواقع أكثر من كونها استلابا معرفيا وثقافيا لمستوى الاستعراب والاستشراق الأوربي آنذاك. فقد كان هذا المستوى في اغلب مكوناته المنهجية محكوما بالتجارب الأوربية في ميدان المعرفة النظرية والعملية. ونعثر على ذلك في الحكم، وليس الفرضية، التي ينطلق منه طه حسين في موقفه من البيان العربي. فهو ينطلق مما يدعو بالأثر الهيليني الهائل في الأدب العربي ومن ثم تكوين البيان العربي من خلال المعتزلة (وتأثرهم بالفلسفة)1 . وأن هذا الأثر (في الأدب العربي) يبرز بوضوح في الأعاجم أو من ذوي أصول أعجمية(!!) (وتأثرهم باليونانية) مثل أبو تمام (كان من أصول نصرانية!) وغيّر اسمه واعتنق الإسلام وانتسب إلى قبيلة طي2 . وحاول التدليل على ذلك فيما اسماه باختلاف أبي تمام الواضح ليس في استعمال التشبيه والمجاز فحسب، بل وفي تصوره للشعر نفسه، وأهمية المعنى، ووحدة القصيدة، والاهتمام بالطبيعة، والميل للمعاني الفلسفية"3 . وحالما تناول قضية البيان العربي، فانه نظر إليه من زاوية "معرفتهم" أو "جهلهم" بالتراث اليوناني (الأرسطي) وكثرة أو قلة استعمالهم للأمثلة اليونانية (التي جمعها أرسطو)(!). بل ونراه يتعدى ذلك الى تفعيل الدونية المبطنة من خلال التوكيد على أن قلة استعمال الأدباء العرب لأمثلة كتاب الخطابة لأرسطو متأتي من كونهم لم يفهموا هذه الأمثلة(!)4 . واختتم هذه الأحكام بموقف يقول، أن علماء البيان العربي لجهلهم التام بنظم اليونان وآدابهم لم يستطيعوا فهم الأنواع الخطابية وما يتصل بها، ولا الشواهد التي استعملها أرسطو من غرر الأدب اليوناني .

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للخل المنهجي في رؤية التراث والتاريخ الثقافي القومي. فاليوناني المعاصر، بل واليوناني على امتداد آلاف السنين بعد اندثار المركزية الدولتية اليونانية، لم ينتج خطباء وأدباء كبار، مع انه يعرف تراثه اليوناني ويفهم الأنواع الخطابية اليونانية وغيرها. تماما كما أن العارف الكبير باللغة لا يمكنه أن يكون خطيبا أو شاعرا، ولا العارف بتاريخ الفلسفة فيلسوفا بالضرورة. إن قضية البيان، بما في ذلك من الناحية النظرية والفلسفية، هي أولا وقبل كل شيء مظهر وأسلوب من مظاهر وأساليب الحالة الثقافية. من هنا سخف الفكرة التي توصل إليها طه حسين في بحثه عن اثر الهيلينية في صيرورة وإبداع كل كاتب وأديب أو شاعر كبير في الثقافة العربية الإسلامية. إذ ليس هذا الموقف في الواقع سوى النتاج الملازم للرؤية المستلبة لمثقف مصر آنذاك وانبهاره "العقلي" الصغير بالتطور الأوربي المتزامن من صعود "الموجة الإغريقية" في فهم النفس والتراث والحاضر والمستقبل. وليس مصادفة على سبيل المثال ألا نرى الآن ولا نسمع من يتكلم عن ذلك بفعل اندثار الموجة اليونانية. وينطبق هذا على الشعر التمثيلي والملحمي بل والمسرح وما الى ذلك. بعبارة أخرى، ليس البحث في أبي تمام عن هيلينية (نصرانية) وفي عبد الحميد الكاتب وقبله ابن المقفع عن أصول فارسية (ومجوسية محتملة!) واحمد بن يوسف عن أصول قبطية (ونصرانية محتملة) سوى الصيغة "النقدية" المزيفة لولع الإثارة، وبالتالي الوجه الآخر لسخف أحكام الرؤية التقليدية المتشددة في بعض التيارات السلفية (الإسلامية القديمة) التي حاولت اتهام كل الشخصيات الحرة والنقدية باتهامات مثيلة، أي البحث عن أصول غير إسلامية أو غير عربية فيها! فالجامع بين هذه المواقف "النقدية" المتضادة هو وحدتها في خلل الرؤية المنهجية من حيث الجوهر، ونوعية العقائد من حيث العرض.

من هنا فان النقد الموجه هنا ضد آراء ومواقف وأحكام طه حسين سوف لن يتناول تحليل مضامينها، وذلك لأنها مجرد دعاوي جزئية ومفتعلة. وبالتالي فان تحليلها النقدي يفترض السير معها وموازاتها في الدحض والنفي على كل عبارة وتقييم وموقف وحكم من اجل الكشف أيضا عن ضعفها المعرفي. ولا طائل من وراء ذلك، لأنه في الأغلب مضيعة للوقت والجهد ولا يحتوي على أية قيمة منهجية. انه يحتوي دون شك على قيمة علمية، لكن قيمة العلم الضرورية بالنسبة لتأسيس المعرفة الحقيقة والثقافة الحية تفترض توجيه الرؤية صوب تأسيس الرؤية العلمية كما هي. والاهم من ذلك تأسيس الرؤية المنهجية السليمة.

لهذا سوف أركز هنا على البعد المنهجي فقط. لاسيما وانه جوهر القضية. وفيه تكمن أسباب الخلل في الرؤية "النقدية" لطه حسين بهذا الصد. فالأصول الشخصية والعائلية والعقائدية للمبدعين في كل مجال واختصاص عوامل مهمة، لكنها جزئية وعارضة، أو في أفضل الأحوال أنها مكون طبيعي من مكونات الوجود الطبيعي. بينما الإبداع هو ذروة الوجود "الاصطناعي" التاريخي لمنظومات الوجود الإنساني في مختلف ميادينه ومستوياته. وإذا كان أبو تمام نصراني الأصل قد اعتنق الإسلام، فانه أولا وقبل كل عربي المنشأ والثقافة. والفرق بينهما جوهري، هو الفرق بين الأصل والفرع، الجوهر والمظاهر، المكون الثقافي الفعلي وتأثير العقائد. إضافة الى أن الانتماء الطوعي (لأبي تمام الى عقيدة أخرى) يعكس أولا وقبل كل شيء إدراك أفضلية من يجري الانتماء إليه. ثم ما علاقة النصرانية باليونانية هنا. فالنصراني المتعرب (في حال كونه ليس من أصول عربية) هو عربي بفعل الطابع الثقافي للقومية العربية. فالقومية العربية ثقافية من حيث المنشأ وليست عرقية. إضافة لذلك أن النصرانية (كدين في عالم الخلافة آنذاك) لم تصنع ثقافة عقلية أو فلسفية. كما أن نصرانية تلك المرحلة (على النطاق الأوربي، أي جغرافية انتشارها آنذاك) كانت في عداء تام وغريزي للتراث اليوناني العقلي وجاهلة بما فيه وله. بعبارة أخرى، أن الحقيقة البسيطة والمباشرة والجلية واليقينية أيضا تقول، بان التأسيس الأدبي واللغوي والمعنوي (للأدباء والشعراء الذين ينتقيهم طه حسين) قد جرى بفعل العربية وتراثها وإشكالاتها وصراعها، أي أن ما جرى هو جزء من اثر الصيرورة التاريخية للثقافة العربية الإسلامية. وكل ما عداه هو مجرد أجزاء ومكونات وعناصر يمتلك كل منها قدرا من الضرورة بما في ذلك أشدها غرابة وطرافة وصدفة.

إن الحصيلة التي يمكن الوصول إليها بهذا الصدد تقوم في أن آراء ومواقف وأحكام وتقييمات طه حسين ليست في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الوجه الآخر للاستلاب المعرفي والمنهجي والثقافي الذي ميز ما يسمى بنزعته النقدية. إذ لا نقدية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد يكون من الأدق القول، بأنها ومضات ومواقف اقرب ما تكون إلى لدغات إثارة بفعل تدني المستوى المعرفي والعلمي السائد آنذاك.

فالفكرة النقدية الكبرى هي التي تتجاوز منظومات الفكر إلى أخرى أكثر رفعة ودقة وتأسيسا. بينما لم تحتو كل كتابات طه حسين النقدية على شيء يتعدى حدود التطويع والتطبيق الجزئي لأجزاء المعرفة المتناثرة في الفكر الأوربي آنذاك، مع البقاء من حيث الجوهر ضمن الدهاليز العتيقة والعمل على نفض الغبار العالق على جدرانها. كما يمكننا أن نعثر فيها على الشخصية الباطنية أو المستبطنة لطه حسين نفسه، في استعماله النهم للأشياء التي "فهمها" من التراث الأوربي الحديث و"اليوناني" بشكل خاص، مع أن إلقاء نظرة سريعة إلى كل ما كتبه تكشف عن ضعف وسطحية استلهامه للتراث اليوناني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص (وليس اليوناني فقط).

***

 

ا. د. ميثم الجنانبي

..............

1- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ضمن كتاب (نقد النثر) المنسوب لأبي الفرج قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1982، ص8-9.

في الواقع أن شعراء الجاهلية كانوا كثر فلسفية من أبي تمام.

2- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص9.

3- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص12.

4- طه حسين: البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر، ص13.

 

 

تحل علينا في هذه الايام، ذكرى الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، وبهذه المناسبة الجميلة، اتقدم الى جميع الاخوة المسيحيين باجمل التهاني القلبية، مع اطيب الاماني للجميع بدوام السعادة والسرور والسلام.

في سرديات التاريخ الانساني، تتكرر ظاهرة الولادة الاعجازية لمجموعة من الابطال في تراث الكثير من الامم، وهذه الظاهرة كانت متواجدة بشكل لافت في التاريخ القديم، فنجد هناك اشخاص كانت ولادتهم بغير الطرق التقليدية، اما عن طريق الولادة العذرية، او عن طريق الولادة بدون تدخل بشري، وهؤلاء الاشخاص تحولوا الى رموز دينية واحيانا قومية، ومنهم من تحول الى نصف اله او اله كامل!

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها أوزوريس، وحورس، وميترا، وهيراقيلس، واتيس، وكريشنا وغيرهم

وعلى الرغم من ان القصص التاريخية التي تحكي عن هذه الشخصيات تميل في غالبيتها الى النمط الاسطوري، الا انه لازال البعض منها تعتبر لدى كثير من الناس على انها حقائق ثابتة، يقوم عليها ايمان ومعتقد راسخ، كما هو الحال مع (كريشنا) في الديانة الهندوسية.

من المهم جدا ان نميز باستمرار بين (الحقائق الايمانية) و( الحقائق التاريخية) في عملية البحث التاريخي، فالحقائق التاريخية المستندة على معطيات البحث التاريخي المنضبط، والمعتمد على وسائل علمية كثيرة، هذه الحقائق يتم التعامل معها على انها يقينية او شبه يقينية، حسب مستوى وثوقية الادلة الموصلة اليها، ويتم التعامل معها على هذا الاساس ضمن اطار انساني شامل.

أما الحقائق الإيمانية، فهي سرديات او افكار وتصورات تخص(فقط) المؤمنين بها، و تلزمهم، ومن حقهم التعامل مع معطياتها ضمن إطار ايمانهم، ولكل مجموعة من البشر (حقائقهم الايمانية) الخاصة بهم، والتي قد تعتبر لدى غيرهم مجرد اساطير لا اصل لها، وهذه الظاهرة موجودة بشكل واضح في كل الاديان والمعتقدات، وكل فريق يعتبر ايمانه هو الحقيقة بينما ايمان غيره اسطورة!

في التاريخ المسيحي، تشكل ولادة يسوع المسيح العذرية، ركنا مهما من اركان المعتقد، وعليه تترتب نتائج مهمة سوف يتشكل منها البناء الأساسي للثيولوجيا المسيحية، لذلك اعتبر حدث ولادة يسوع الناصري، هو الحدث الأهم في تاريخ البشرية، و بقرار حكومي من الامبراطورية الاكبر والاقوى (الرومانية)، تم لاحقا، تقسيم تاريخ البشرية الى ما قبل، وما بعد ميلاد المسيح.

ان قصة ميلاد يسوع الناصري، والمروية لنا ضمن سرديات النصوص الدينية (فقط) تتشابه احيانا وتتلاقى احيانا اخرى مع قصص الميلاد الاعجازي للشخصيات الاخرى التي سبقت يسوع الناصري، وخصوصا تلك القصص التي كانت رائجة ومتداولة في ارجاء الامبراطورية الرومانية، ضمن التراث الروماني والاغريقي، مثل تحول الشخص المولود الى كيان (انساني/الهي) ومثل توقيت حدوث الميلاد، والذي يكون في نهاية شهر ديسمبر، وكذلك قصة تضحية البطل المولود اعجازيا بنفسه من اجل بقية الناس!

ورغم هذه التشابهات التي تكررت بشكل لافت، الا اننا سنتعامل مع قصة ولادة يسوع الناصري العذرية على انها حقيقة ايمانية ( نحترم كل من يؤمن بها ونحترم حقه بالايمان بما يشاء)، ونتابع تسلسل سرد تلك القصة كما وردت في النصوص، وسنحاول التحقق بمنهجية البحث التاريخي( فقط) في المناطق التي تتقاطع فيها تفاصيل هذه القصة مع الاحداث التاريخية الثابتة والمشهورة.

ومن خلال السير على نفس المنهجية التي نتبعها في هذه السلسلة، من تتبع النصوص حسب اقدمية زمن كتابتها، وكذلك من خلال مقارنة الخبر الوارد في احد الاناجيل مع الاناجيل الاخرى، سنجد امرا يدعو للتوقف والتأمل!

وهو ان قصة ولادة يسوع المسيح العذرية لم ترد في اجزاء العهد الجديد الاقدم زمنيا، وليس لها ذكر الا في انجيلين فقط!

فلو تتبعنا رسائل (شاؤول/بولس) وهي الجزء الاكبر والاقدم من العهد الجديد، لا نجد أي ذكر للولادة العذرية الاعجازية، بل ان هذا الرجل الذي كان اهم داعية مسيحي، وانشط شخص في نشر الايماني الجديد في زمن المسيحية الاول، لم يتطرق لهذه الحادثة المهمة والفريدة والمعجزة الكبرى، التي لا تتكرر، وكل ما ورد في رسائله حول ولادة يسوع الناصري هو جملة مقتضبة تقول:

(وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ) غلاطية 4/4

وهذه العبارة ليس فيها ذكر لولادة عذرية، او اي حدث اعجازي.

وعندما نذهب الى الاناجيل القانونية، نجد ان الانجيل الاقدم من ناحية التسلسل الزمني في الكتابة، وهو إنجيل (مرقص) لم يتطرق الى ولادة يسوع الناصري، ولم يذكر اي شيء عنها !

اول اشارة وخبر عن ولادة يسوع الناصري، وردت في الانجيل الذي تلى انجيل (مرقص) وهو الانجيل المنسوب الى (متى)

وقد ذكر الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوا هذا الانجيل خبر الولادة العذرية، في سياق يظهر للقارئ على انه حدث يقع ضمن إطار تحقق نبوءات العهد القديم في شخص يسوع، وهذا النهج واضح جدا لدى كتبة هذا الانجيل، حيث نجدهم يجتهدون في اجتزاء وتحوير، واحيانا فبركة مقاطع من العهد القديم، لكي تبدو كأنها نبؤات تم تحققها في شخص يسوع!

وهكذا فعلوا ايضا مع نبؤة الولادة العذرية المزعومة، والتي لا اصل لها، فقاموا وبكل تمحك وجرأة بتغيير لفظة كلمة عبرانية تعني (شابة) الى لفظة تعني (عذراء) واقتطعوا نص من العهد القديم، لاعلاقة له بقصة المسيح، يقول

(ها هى العذراء تحبل وتلد ابناً يدعى اسمه عمانويل)

والطريف اننا نجد الى اليوم بعض المدافعين عن هذا التزوير المفضوح، مستندين الى ان كلمة(العذراء) موجودة في مخطوطات الترجمة السبعينية التي قام بها اليهود، متناسين ان كل مخطوطات هذه الترجمة الموجودة حاليا هي عبارة عن نسخ متاخرة تمت بعد القرن الميلادي الاول، ولا يوجد اي نسخة اصلية للترجمة السبعينية التي كتبها اليهود انفسهم!

والاشد طرافة، ان هؤلاء المتنطعين يتجاهلون عامدين، امرا بسيطا جدا، وهو ان اليهود الذين كتب العهد القديم بلغتهم وضمن مفاهيم ثقافتهم، والذين ينتظرون (المسيح المخلص) الى يوم الناس هذا، لم يكونوا، في يوم ما، ينتظرون ان يولد المسيح المنتظر، من خلال ولادة عذرية، اذا لا وجود لمثل هذه العقيدة في نصوص كتابهم (العهد القديم)!

الانجيل الثاني الذي ذكر خبر الولادة العذرية، هو انجيل( لوقا) والذي يأتي بعد انجيل (متى) بالتسلسل الزمني، وقد اورد القصة بشكل مختلف وضمن سياقات سردية تتباين مع القصة الاولى المذكورة في (متى)

بالنسبة للانجيل الاخير زمنيا( انجيل يوحنا) لم يرد فيه اي ذكر لولادة المسيح، وانما نجد كتبة هذا الإنجيل قد انتقلوا الى مستوى اخر جديد، وهو محاولة اضفاء صفات وابعاد لاهوتية على شخص يسوع الناصري، وهذا امر يمكن تفهمه ضمن سياقات تطور القصص الاسطوري والذي يتميز بأن الأسطورة تتضخم وتزداد هالتها مع مرور الزمن!

وبالعودة الى مقارنة خبر ولادة يسوع الناصري في الانجيلين الوحيدين الذين ذكرا هذه القصة، نجد هناك بعض التباينات والاختلافات اللافتة، فكل انجيل ابتدأ بذكر سلسلة نسب ل(يوسف النجار) زوج السيدة (مريم) الذي ينحدر من سلالة الملك (داوود) وهذا الامر هو شرط من الشروط التي يجب ان تتوفر في شخص المسيح القادم، ورغم ان (يوسف النجار) ليس له اي علاقة بميلاد يسوع العذري، ولا ينحدر يسوع من صلبه، الا ان كتبة الانجيلين وضعوا سلسلتي نسب فيها بعض التباين!

في انجيل (متى) نجد ان امر حبل السيدة (مريم) بشكل تلقائي وبدون تدخل بشر، هو (سر عائلي) محدود جدا لم يطلع عليه احد سوى مريم ويوسف النجار الذي اخبره الملاك عن طريق (الحلم) بعد ان شك في زوجته العذراء التي بدأت عليها علامات الحمل!

اما في انجيل (لوقا) فنجد ان هذا السر، قد اطلع عليه ايضا زوجة النبي (زكريا) والتي تمت بصلة قرابة الى مريم!

ونجد ايضا ان كتبة هذا الانجيل قد لاذوا بالصمت حول النبوءة المفبركة في انجيل(متى) ولم يذكروها رغم اهميتها!

ونلاحظ ايضا اهتمام كتبة هذا الإنجيل بربط حدث ميلاد المسيح الاعجازي، مع حدث إعجازي آخر، وهو ميلاد (يوحنا المعمدان) ابن النبي (زكريا) والذي ولد، هو ايضا، بطريقة اعجازية من اب شيخ عجوز وام عجوز عاقر.

ولو رجع القارئ الكريم الى تفاصيل القصتين في (متى) الاصحاح 1و2 وفي (لوقا) 2، 1 سيجد ان كل الذي يرويه الانجيل الاول، لا وجود له في الثاني، وكل مايرويه انجيل لوقا لا وجود له في انجيل (متى) !

ومن هذا نستنتج ان قصة الميلاد العذري التي تروى لنا، هي قصة (ثالثة) ناتجة من دمج رواية القصتين معا!

انجيل(متى) مثلا، يحكي لنا عن الاحلام التي رآها يوسف، وينفرد بذكر قصة الرجال الحكماء المجوس، والنجم الذي يسير ويتوقف امام بيت الطفل المولود، وعن مذبحة الاطفال المزعومة التي امر بها (هيرودس)، والتي بسببها حدثت الرحلة المزعومة للعائلة المقدسة الى مصر.

وفي الوقت الذي لانجد لهذه الامور ذكر في انجيل(لوقا)، نلاحظ ان الاخير قد انفرد هو ايضا بذكر احداث غفل عنها انجيل(متى) مثل التعداد الذي امر به القيصر، والرحلة الى بيت لحم، وقصة المزود والرعاة، وزيارات الملائكة للسيدة مريم وكذلك الى قريبتها (اليصابات) زوجة النبي (زكريا)

في انجيل (لوقا) نجد ان الملاك الذي أخبر السيدة (مريم) ببشارة حملها العذري، قد اخبرها بنبوءة مستقبلية مهمة وهي

(وها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع.هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه

و يملك على بيت يعقوب الى الابد ولا يكون لملكه نهاية) لوقا 31/1

 وهذه النبؤة لم تتحقق ابدا، فقد، تم صلب يسوع، ولم يجلس على كرسي (ملك) داوود، ولم يتملك على بني اسرائيل !

بعدها نجد ان الملاك قال لها عبارة مهمة، قد تعرضت لاحقا إلى التحوير والتأويل المتمحك الساذج

 (فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله)

 حيث نجد ان بعض المسيحيين يعتبرون ان حلول الروح القدس على مريم هو دليل على ان حبلها هو بالابن (الطبيعي) لله!!

وباعتبار ان حلول الروح القدس على مريم هو الحافز الذي أدى الى بدء عملية الحمل والنمو الطبيعي للجنين!!

وهذا تفسير غريب ومضحك بنفس الوقت!، لانه يجعل من الروح القدس هو البديل عن الدور الذكري في عملية الحمل!

والاشد غرابة، ان هذا الامر يستدعي ان يكون يسوع الناصري (المولود من الله) هو ابن مريم وزوجها في نفس الوقت!

لأن يسوع حسب الميثلوجيا المسيحية هو نفسه (الله) وهو نفسه (الروح) القدس، وكلهم اله واحد !!

ان حلول الروح القدس، والذي يعني بشكل واضح حلول بركة الروح القدس على مريم، لتحفظها وتباركها وتجعلها تحظى برعاية وعناية الله العلي، لم يكن امرا تفردت به السيدة مريم، فقد حلت بركة الروح القدس ايضا على (اليصابات) وكذلك زوجها (زكريا) وابنهما (يوحنا) المعمدان

فقد أخبر الملاك عن يوحنا المعمدان انه

(لانه يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب و من بطن امه يمتلئ من الروح القدس) لوقا 15/1

( وامتلات اليصابات من الروح القدس) لوقا 41/1

(وامتلا زكريا ابوه من الروح القدس و تنبا قائلا) لوقا 67/1

فحلول الروح القدس، بل وامتلاء الانسان بالروح القدس، لا يعدو كونه ترميز الى حلول بركة وقداسة الرب على ذلك الإنسان، وفي حالة السيدة مريم، حلت عليها بركة وقداسة الرب الذي اختارها لحمل وولادة انسان مقدس من الله (قدوس) مثلما كان بعض انبياء الله مقدسين ايضا، كما اشار الكتاب الى بعضهم، مثل هارون

 (وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ) مزمور 106، وبذلك استحق المولود الجديد تسمية (ابن الله) التي كانت تطلق على جميع بني اسرائيل بشكل عام، وعلى الأنبياء والصالحين البارين منهم بشكل خاص، مثل يعقوب و افرايم وداوود .

ان تعاملنا مع قصة ولادة المسيح الاعجازية من ناحية كونها قصة ايمانية، لا يعفينا من مطابقتها مع الاحداث التاريخية المثبتة، وذلك بسبب ان هذه القصة تطرقت الى بعض احداث التاريخ، مما استلزم، مقارنتها مع تلك الاحداث التي تقاطعت تفاصيل القصة معها، والتي بينت، بعد مقارنة تاريخية متأنية، ان تلك القصة تحوي بعض التناقضات وبعض الاحداث التي لا اصل تاريخي لها!

فقصة الاكتتاب (التعداد السكاني) الذي أمر به (اغسطوس قيصر) في جميع ارجاء امبراطوريته المترامية الاطراف، هذه القصة لا اصل لها ولا يوجد ما يدعمها من النصوص والوثائق الرومانية!

وكذلك قصة امر (هيرودس) بذبح كل الاطفال دون سن العامين! هي مجرد قصة مخترعة وربما مقتبسة من قصة النبي موسى !

ومن تناقضات قصة الميلاد العذرية مع الحقائق التاريخية، حسب رواية الاناجيل، اننا نجد تلك الاناجيل تشير الى ولادة يسوع المسيحي في فترة حكم (هيرودس) وان الميلاد حصل حينما كان الحاكم (كيرينيوس) واليا على سورية، بينما المصادر التاريخية القديمة، والتي ارخت للدولة الرومانية، وكذلك النقوش المكتشفة، تؤكد ان (كيرينيوس) لم يعتلي سدة الحكم في سوريا قبل عام 6 ميلادي، اي بعد وفاة (هيرودس) بحوالي عشرة اعوام !! 

وختاما، لابد من الاشارة، الى ان مما يثير الانتباه، هو ان يسوع الناصري، نفسه، لم يتطرق الى موضوع ميلاده الاعجازي ابدا، طوال حياته، وفي جميع حواراته وأحتجاجاته مع خصومه، وكذلك في أحاديثه الخاصة مع تلاميذه!

 

د. جعفر الحكيم

mutham aljanabi2إن تحول "الكتاب" إلى "حق" يعني تمثل فكرة المقدس، أي الفكرة المجردة عن الاتهام بالزور والتزوير. وبلوغها مرتبط هو الآخر بمعاناة مماثلة لما أسميته بمراحل التحدي الكبرى للبصر والبصيرة من اجل الانتقال من الحلم إلى اليقظة، ومن الخيال المربض إلى الوحي الصادق. بمعنى بلوغ مرحلة الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة. فقد كانت المراحل الأولى الصيغة النفسية والفردية للمعاناة الظاهرة والباطنة التي واجهها محمد في خروجه على مألوف العرب. أما الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة فقد كان يتمثل "علوم الأوائل"، أي تاريخ الصراع المسبوك بالرؤية التوحيدية الجديدة. فقد كانت اتهاماتهم واضحة وجلية ومألوفة يقوم فحواها في أن كل ما يأتي به محمد ويقوله مجرد {أساطير الأولين اكتتبها. فهي تملى عليه بكرة وأصيلا}[1]. وقد صور القرآن هذه الحالة بعبارة {إذا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا أساطير الأولين}[2]. وإذا أراد الرد عليهم بأمثال من التاريخ السالف، فإنهم كانوا يقولون له {إن هذا إلا أساطير الأولين}[3]. بل اندفعوا صوب النهاية الملازمة لهذه المواقف عندما قالوا له {لو نشاء لقلنا مثل الذي تقوله}.

لقد اجبر النبي محمد العرب الوثنية على التفكير و"الإبداع" بالشكل الذي يخرجهم عن مألوف ما تعودوه من صيغ الكتابة والتفكير. وشأن كل إجبار "متسام" اتخذ في بادئ الأمر صيغة الإمكان أو الاحتمال المعقول. وحالما تصبح الإمكانية واقعا مقبولا في التأمل والتفكر حينذاك يصبح الخروج على المألوف جزءا من العقل والإيمان. من هنا يمكن اعتبار استعدادهم على أن "يقولوا مثل ما يقوله" إقرارا ضمنيا بإمكانية وقبول الارتقاء عن تقليد الأسلاف، أي انه أجبرهم على الخروج من قيود العادة وأوهامها. وليس مصادفة أن يتوصل الفكر الإسلامي لاحقا للقول، بأن المعجزة هي "خرق العادة"، بمعنى الخروج عن المألوف. بمعنى الإبقاء على إمكانيتها بوصفها إبداعا ممكنا. بعبارة أخرى، ليست "المعجزة" ما هو مستحيل بالطبع، بل ما هو خارق للمألوف. وقد تمتعت هذه الفكرة بقدر هائل من الاستعداد للتغير والتجسد والبرهنة والتحقيق في مختلف الميادين. لكن الميدان الأكبر والأكثر جوهرية بالنسبة لمحمد كان يقوم في استبدال "الجاهلية" بالإسلام، والبرهنة على انه أمر ممكن بما في ذلك تحقيقه في مشروع كوني جديد.

أدت فكرة الإعجاز إلى تثبيت فكرة القرآن الجامع والشامل بوصفه "معجزة". وهي "معجزة" حقيقية في سلسلة الإبداع والحق والبدائل الكبرى. وإذا كان نموذجها المصغر يقوم في فكرة إعجاز القرآن، فإن نموذجها الثقافي الأكبر يقوم في تحول القرآن إلى "كتاب" حقق منطق المعاناة الظاهرة والباطنة لمحمد وأسلوبه في التعامل مع كل المبادئ العامة للوجود المادي والروحي للإنسان. إذ أن مجرد رفع القرآن إلى مصاف المعجزة الذاتية للإسلام يعني الإقرار بالقيمة الخارقة "للكتابة" و"القراءة"، بوصفها المقدمة الضرورية لكل إبداع ثقافي. فعندما يجري رفع القراءة إلى مصاف الوحي، والوحي إلى مصاف "القرآن"، والقرآن إلى مصاف "الكتاب"، فإن ذلك يعني من الناحية الروحية حدوث انقلاب هائل في تاريخ الثقافة. وذلك لما فيه من تحويل الكتاب والقراءة إلى عناصر جوهرية لمكونات الإيمان اليومي والأبدي، وبالتالي رفع شأنهما في حياة الفرد والجماعة، واللسان والبيان، والعلم والعمل. وقد بلغت هذه الذروة أوجها في تطابق الوحي والقرآن والكتاب في "معجزة" لا تتعدى كونها "كتابا"، أي روحا ومنطقا.

فقد كانت حقيقة الإعجاز الأولى للقرآن تقوم في نقل الروح والجسد العربيين من غريزة الجاهلية إلى عقل الثقافة. ويمكن رؤية الصيغة الفردية والشخصية الأولى لهذه الحقيقة في كيفية ونوعية الانتقال التاريخي والرمزي لمحمد من حالة الجهل بالله إلى الإسلام له. حيث واجه هذا الانتقال للمرة الأولى في غار البحث عن جواب كان يقلق عقله. وقد كان الجواب بسيطا للغاية، ألا وهو تعلم القراءة لا غير. كما كان في صدمته الأولى اقرب إلى مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه. وهو الدرس الذي نواجهه للمرة الأولى أمام من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها، باعتباره الأسلوب الذي يثير الهلع فينا مع أن مهمته تذليل الخوف من الجهل.

وسوف ترفع الثقافة الإسلامية هذه الفكرة إلى مصاف الحكمة عندما وضعتها في عبارة "الناس أعداء ما جهلوا". وقد وضع النبي محمد أسس هذه الحكمة في مجرى مواجهته جهل العرب الوثنيين، بحيث انزل نموذج ذهنيتهم إلى مستوى "الجاهلية"، ومن خلاله حاول إجبار العرب الوثنيين على تعلم قراءة "الآفاق والأنفس" بطريقة جديدة من خلال عبور غريزة الجسد الجاهلي إلى عقل الروح الإسلامي. ولم تكن محاولته هذه أسهل من غيرها. فقد صبت في نفس تيار تكامله الذاتي، أي في نفس تيار معاناته الكبرى. ومرت شأن كل معاناة كبرى في نفس دهاليز المواجهة المتنوعة من التمني والرغبة والعمل والتحدي والتصدي والإرهاق والانزعاج والتقهقر والشعور بالهزيمة والاقتراب من اليأس والقنوط. فإذا كانت مواجهته الأولى تقوم في نموذج {أفغير الله تأمروني أن اعبد أيها الجاهلون}[4]، فإنها تعرضت في مجرى اعتراضهم المتكرر والعنيد إلى حالة جعلته أحيانا يبحث عن نفق في الأرض ينزل إلى أعماقه عسى أن يحصل بأثره على ما يمكنّه إقناعهم، أو أن ينطلق إلى السماء من اجل أن يأتيهم بحجة تنهي شكوكهم. وهو تمنيات وأفعال اقرب ما تكون إلى غريزة النفس الجاهلية التي حاربها. من هنا صدمتها إياه حالما بلغ التحدي ذروته كما في قوله {وإن كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلمّا في السماء فتأتيهم بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين}[5]. ويشير هذا الانتقاد إلى حالة الجزع المميزة للغريزة الجاهلية من جهة، وإلى تجاوزها المادي والمعنوي من جهة أخرى. وسوف تتجسد هذه الحالة بصورة نموذجية في أكثر الأحداث درامية، كما نراها في الآية القائلة:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى}[6]. إننا نعثر في هذه الآية على وداع رمزي للجاهلية، يتضمن في الوقت نفسه نفيها الشامل، من خلال نفي حمية الدماء بسكينة الروح، والجاهلية بالتقوى. كما نعثر فيها أيضا على تمثل فعلي سوف يظهر لاحقا في تحويل الجاهلية إلى مرحلة ضرورية بالنسبة للوعي الديني والتاريخي والثقافي، عندما أدرجتها الثقافة الإسلامية في فلك الإيمان والعقل والمعرفة والتاريخ، أي عندما حولتها إلى معيار الإدراك اللغوي الدقيق والحقيقي لمعان القرآن، وجعلت من نتاجها الأدبي نموذجا "كلاسيكيا" للمقارنة والاقتداء، بحيث جعلت من فضائلها الكبرى فضائل الإسلام نفسه. ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا بعد تذليل الجاهلية بوصفها نموذجا وأسلوبا في التربية والفكر والسلوك والنفسية والقيم.

 وقد فسح هذا التذليل المجال أمام العقل وإمكانياته غير المحدودة من تأويل وتبرير وتأسيس وتأريخ سوف تظهر ملامحه اللاحقة مع أول انتقال فعلي إلى عالم الدولة والثقافة السياسية. لكن بدايته تلازمت مع انتصار الإسلام، الذي رفع فكرة الخلاف والمعرفة والعلم إلى مستوى جديد لا علاقة له بالنماذج الضيقة المميزة لما ندعوه بالجاهلية. وهو تلازم ارتبط أساسا بتذليل مثلث الأضلاع الكبرى للجاهلية في كل من الهوى والجهل والظن. من هنا تلازم معارضة الهوى بفكرة الوحي، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في التدليل على أن محمد لا ينطق عن الهوى، وانه وحي يوحى. وإنهم لا يستجيبون لأنهم {يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى}[7]. ومعارضة الجهل بالعلم، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل القول بأن الله يرفع {الذين آمنوا منكم درجات والذين أوتوا العلم درجات}، وانه لا {يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. بل نراه يرفع مستوى تدليل وشهادة العلماء إلى مستوى الدراية الإلهية كما في قوله {شهد الله وأولوا العلم}، انطلاقا أو استنادا إلى أن أكثر من {يخشى الله من عباده العلماء}. وأخيرا معارضة الظن بفكرة اليقين الصادق، كما حصلت على أشكالها المتنوعة في مواقف عدة مثل قوله {إن تتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس}، وأنه {ما لهم من علم إن يتبعون إلا الظن}، وأن أكثرهم ما يتبع إلا ظنا، بينما {الظن لا يغني عن الحق شيئا}[8]. بل أن حصيلة مواقفهم من الحياة والموت، مثل قولهم {إن هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} هي مجرد ظنون لا أساس لها، أو كما يقول القرآن {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}[9].

لقد أدت الحصيلة المتراكمة في معارضة الهوى بالوحي، والجهل بالعلم، والظن باليقين الصادق إلى تأسيس مبادئ علمية وعملية كبرى لعل أهمها هو انه ليس كل علم يؤدي إلى معرفة، وأن العلم الذي يؤدي إلى معرفة هو الذي يصنع يقينا، وأن المقصود باليقين هنا هو اليقين الصادق، أي عين اليقين. وشكلت هذه المبادئ أساس المنهج النظري والعملي لحقيقة المعرفة والإيمان، كما نعثر عليها لاحقا في مفاهيم ومبادئ كبرى مثل طلب العلم فريضة، وفكرة طلب العلم كما هو، وما ترتب عليه من مبادئ وقيم عملية عديدة كانت تتمثل الأفكار القرآنية العامة مثل الدعوة الدائمة للتأمل والتفكر والتعقل والتبصر في الأمور وعواقبها، والدعوة للحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بأفضل الطرق وأحسنها. وحصلت هذه المبادئ والقيم على استمرارها العملي والجزئي والمتسامي أيضا في الأحاديث الصحيحة والموضوعة مثل (العلماء ورثة الأنبياء)، و(يستغفر للعالم ما في السماوات والأرض)، و(الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع الملوك)، و(اقرب الناس من النبوة أهل العلم والجهاد)، و(لموت قبيلة أيسر من موت عالم)، و(يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء)، و(يشفع يوم القيامة ثلاثة:الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء)، و(ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)، و(خير دينكم أيسره، وخير العبادة الفقه)، و(فضل المؤمن العالم على المؤمن العامي بسبعين درجة) وغيرها.

أما الحصيلة الفكرية والثقافية لكل ذلك فقد كانت تصب في تأسيس مرجعية المعرفة والعلم وضرورتها بالنسبة لإيجاد النسبة المعقولة والمقبولة للثابت والعابر، والمطلق والنسبي في كل شيء، إضافة إلى ربط التفكر والتعقل والتأمل بمنظومة فكرية شاملة. أما من الناحية التاريخية فقد كان ذلك يعني تأسيس شروط تكامل المعرفة في الإنسان ورفعه إلى مصاف القوة الذاتية المفكرة، كما ستتجسد لاحقا في فكرة "علوم الدين" و"علماء الدين" و"الفقهاء"، أي العارفين وليس "رجال دين". ولم يكن مقصود الثقافة بالعارفين سوى المثقفين وليس الأجراء والمرتزقة منهم في ميدان العمل النظري والعلمي.

وقبل أن تصل الثقافة الإسلامية إلى واقع التمايز الجدي والفعال بين رجل العلم ورجل الدولة وقيمته بالنسبة للإبداع الحر والمتنوع، كان ينبغي لها أن تخوض غمار الإشكاليات الصعبة والمرهقة في ميدان بناء الدولة والسلطة والعقائد والعقل والنظم الفكرية.

***

 

ميثم الجنابي

......................

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 5.

[2] القرآن: سورة النحل، الآية 24.

[3] القرآن: سورة الأنفال، الآية .31

[4] القرآن: سورة الزمر، الآية 64.

[5] القرآن: سورة الأنعام، الآية 35.

[6] القرآن: سورة الفتح، الآية 26.

[7] القرآن: سورة القصص، الآية 50.

[8] القرآن: سورة يونس، الآية 36.

[9] القرآن: سورة الجاثية، الآية 24.

 

يردد المتخصصون بالتاريخ، دائما، العبارة الرائعة (التاريخ : خبر ورؤية) والتي تعني باختصار، ان أخبار التاريخ المنقولة الينا تكون دائما مصبوغة بصبغة ناقل الخبر، التي تعكس رؤيته وميوله، وهذا الكلام الدقيق، لا ينطبق فقط على أخبار التاريخ، بل نجده أيضا، ينطبق في أيامنا هذه، على اغلب الاخبار والاحداث التي تجري في واقع حياتنا اليومية.

ويعلم كل مشتغل على مادة التاريخ الانساني، ان ما تم نقله الينا من اخبار او توصيفات للاحداث، ليست هي بالضرورة ما حدث في الحقيقة، وانما قد تكون في اغلب الاحيان، ما تصوره الناقلون للاخبار انها الحقيقة، وفي احيان اخرى، ما أرادوا أن يجعلوا الآخرين يصدقون انها الحقيقة.

الكتاب المقدس، في جزءه القديم يتضمن الكثير من الاخبار التي تعتبر سيرة تاريخية للشعب اليهودي، اما في جزءه الثاني (العهد الجديد) فهو يشتمل ضمن فقراته، على مجموعة كبيرة من الاخبار التي تشكل السيرة التاريخية لشخصية يسوع المسيح.

ومن خلال تتبع نصوص الكتاب المقدس، نلاحظ ان القاعدة السابقة تنطبق على الأشخاص الذين كتبوا تلك النصوص، وقد أورد العلماء المتخصصون في علم (النقد النصي) الكثير من الشواهد والأمثلة، وبعضهم قام بتأليف بحوث وكتب تناقش هذه الظاهرة.

الباحث في الكتاب المقدس، لن يجد صعوبة كبيرة لاكتشاف ظاهرة التلاعب بالنصوص وتغييرها، لغرض خدمة توجهات كاتب النص او ترسيخ فكرة يريد التأسيس لها وغرسها في ذهن القارئ، وهذه الظاهرة واضحة بشكل أكبر في نصوص العهد الجديد، لسبب مهم، وهو، ان الاشخاص (المجهولين) الذين كتبوا تلك النصوص كانوا حريصين جدا على إعادة صياغة الأحداث الماضية، لكي يخرجوها بشكل جديد، يتماشى مع الإيمان الناشئ حديثا، والذي كان لازال في طور التدرج والتطور في فترة كتابة تلك النصوص!

ويستطيع الباحث اكتشاف ذلك بسهولة ويسر، من خلال تتبع تلك النصوص حسب اقدمية زمن كتابتها، وكذلك من خلال ما يسميه خبراء النقد النصي، بالقراءة (الافقية) والتي تعني، مقارنة كل خبر او قصة واردة في احد الاناجيل مع نفس القصة في الاناجيل الاخرى، وتتبع التغيرات او الاضافات او حتى الحذف، التي تطرأ على الخبر في كل انجيل، وملاحظة تأثير ذلك على الغرض او الفكرة التي يريد كاتب ذلك الإنجيل، أن يسوق له من خلال مجموع النصوص المكونة لانجيله!

في هذه السلسلة، كنت قد اشرت، على عجالة، لبعض التلاعبات في النصوص، والتي تشمل مثلا، اضافة قصة جديدة لم يكن لها ذكر في النصوص المتقدمة، كما فعل (لوقا) في اختراعه لقصة (السامري الصالح) لغرض تسويق تعليمات الشاب (اليهودي) يسوع الناصري، الى المتلقين من الأمم الأخرى من غير اليهود، من خلال اخراج التعليمات من إطارها العقدي اليهودي الى اطار انساني اشمل!

كما بيناه في الحلقة الثانية من هذه السلسة . راجع ( لوقا 10) 25-37

وتشمل التلاعبات ايضا، ظاهرة فبركة نصوص لا اصل لها في العهد القديم، كما فعل كاتب انجيل (متى) مرات عديدة!

واحيانا يكون التلاعب عن طريق تغيير معاني بعض الكلمات الواردة في نصوص العهد القديم من اجل تمرير معاني اخرى تكون متطابقة مع التوجهات الإيمانية للسادة كتبة نصوص العهد الجديد، كما ذكرنا سابقا عن تغيير لفظة كلمة (الصبية او الشابة) من النص الاصلي الى كلمة (العذراء) لكي يخرج النص الجديد بشكل نبوءة سابقة تحققت في شخص يسوع !

(هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا) متى 1-23

رغم ان النص الاصلي يتحدث عن (شابة) وأحداث سابقة ليس لها اي علاقة بالمسيح !

ونفس الظاهرة نلاحظها في نقلهم للعبارة التي ينسبونها للمزمور 22 ( ثقبوا يدي ورجلي) من أجل جعل القارئ يقتنع بانها نبوءة قديمة تتحدث عن تفاصيل حادثة صلب المسيح، رغم ان نفس النص في التوراة بالعبرية ليس فيه اي ذكر لثقب اليدين والرجلين!

وقد تطور التلاعب بالنصوص الانجيلية، لاحقا، الى اضافة قصص او فقرات إيمانية مهمة ليس لها وجود في النصوص الاصلية، لغرض ترسيخ عقيدة جديدة تطورت ضمن سلسلة الايمان المتدرج، من اجل غرسها في أذهان المؤمنين وايهامهم ان تلك المواقف والعبارات، قد صدرت فعلا من قبل يسوع المسيح أو أحد تلاميذه!

ويكفي هنا، ان نذكر للقارى، ان النص الشهير الوارد رسالة يوحنا الأولى والذي يشير الى عقيدة التثليث

(فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد)

هذا النص، ليس له اي أصل في كل المخطوطات التي يرجع تاريخها حتى القرن العاشر، اي بعد الف سنة من ميلاد المسيح، وانما تم اضافته الى المخطوطات التي كتبت فيما بعد!

ونفس الأمر ينطبق على القصة الشهيرة لتلك الزانية التي قال يسوع الناصري قولته التي صارت مثلا (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) هذه القصة أيضا، لا أصل لها في كل المخطوطات القديمة التي تم كتابتها خلال الف عام بعد المسيح

في هذه الحلقة من السلسلة، سنعرض لمثال واضح ومهم للتلاعب بالنصوص في الأناجيل، لغرض ادخال مفهوم عقدي او نظرة ايمانية جديدة في الإيمان الناشئ والاخذ بالتطور، لكي يستقر هذا المفهوم، لاحقا، في الشكل النهائي للايمان الجديد !

ونتحدث بالتحديد، عن توقيت حادثة صلب المسيح، والتي تعتبر الحدث الاهم في سيرة حياة يسوع الناصري، والحجر الأساس الذي تم تشييد العقيدة المسيحية عليه.

وهذه الحادثة تزامنت -وفقا للاناجيل- مع مناسبة يهودية كبرى وأساسية في الوجدان والمعتقد اليهودي الا وهي مناسبة (عيد الفصح) الذي يعتبر من اهم الاعياد اليهودية، وفيه استذكار لحادثة تخليص الله تعالى لبني إسرائيل من قبضة فرعون

اعتاد اليهود في مناسبة عيد الفصح، على القيام ببعض الطقوس، ومنها ما يتم فيما يسمونه ب(الاستعداد) وهو اليوم الذي يسبق عيد الفصح، حيث يقوم اليهودي بشراء خروف واخذه الى الهيكل ليقوم احد كهنة الهيكل بذبحه لكي ياخذه اليهودي الى بيته ويقوم باعداد وجبة طعام تحمل مواد غذائية لها رمزية تشير الى احداث تلك المناسبة، فالخروف المذبوح يشير الى ذبح اليهود في مصر للاضحيات وطلي عضادات أبواب بيوتهم بدمائها، لكي لا يشملهم انتقام الرب من المصريين، والذي تحدد بسلب حياة كل مولود بكر !

في الاناجيل المتقدمة زمنيا وحسب الترتيب (مرقص ثم متى ثم لوقا) نجد ان يسوع الناصري وتلاميذه كانوا في أورشليم وقت الاستعداد لعيد الفصح (قبل العيد بيوم) وقد سال التلاميذ معلمهم عن وجبة طعام الفصح، التي سيعدونها في مساء عيد الفصح، وانهم اعدوا الوجبة واجتمعوا مساءا مع معلمهم، واكلوا، وكسر لهم يسوع الخبز، وقدم لهم النبيذ، وبعدها انصرفوا الى بستان (جيشيماني) حيث تطورت الاحداث في الليل الى القبض على يسوع، وتقديمه للمحاكمة ومن ثم الى بيلاطس في صباح اليوم التالي، ومن ثم صلبه في الساعة التاسعة صباحا من يوم عيد الفصح حسب ماجاء في انجيل (مرقص) اقدم الاناجيل زمنيا، الذي يؤكد ان صلب المسيح تم في يوم الفصح، وقبل حلول مساء ذلك اليوم الذي صادف ان يكون (جمعة) تم انزاله ودفنه قبل (الاستعداد) ليوم السبت. راجع مرقص 15

حينما نتفحص نفس القصة في انجيل (يوحنا) المتأخر زمنيا عن انجيل(مرقص) بحوالي خمسين عاما او اكثر، نلاحظ امرا لافتا، وهو ان الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، اهملوا تماما ذكر سؤال التلاميذ ليسوع عن اقامة وجبة الفصح، ولم يذكروا اي شئ عن طعام الفصح واظهروا ان المسيح بعد ان تناول العشاء مع تلاميذه وقام بغسل أرجلهم(اضافة جديدة!) بعدها انصرف الى البستان وتتابعت الاحداث، ليقدم يسوع للمحاكمة ويتم تقديمه للصلب في يوم (الاستعداد) للفصح قبل حلول المساء!

(وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ:هُوَذَا مَلِكُكُمْ! .فَصَرَخُوا: خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!) يوحنا 19-14

هنا نلاحظ ان كتبة انجيل (يوحنا) تعمدوا تغيير توقيت صلب المسيح، حيث قاموا بتقديم وقت الصلب من يوم (الفصح) الى اليوم السابق وهو يوم (الاستعداد) للفصح !

ان الخطأ في توثيق وقت حادثة مفصلية في تاريخ سيرة حياة يسوع المسيح، امر مستبعد جدا، نظرا لما تمثله حادثة الصلب من رمزية ايمانية وعمق عقائدي، تأسس عليه الايمان المسيحي بكامله، فما هو الداعي الذي جعل كتبة الانجيل المتأخر زمنيا، يتلاعبون في نصوص سابقة وثقت بشكل واضح ودقيق توقيت وتفاصيل حادثة الصلب؟

نستطيع اكتشاف الجواب، من خلال تتبعنا للأفكار والرؤى التي يحاول كتبة إنجيل (يوحنا) ترسيخها وتأكيدها في ذهن القارئ لكتابهم، والتي سنكتشف ان واحدة منها، هي فكرة ان يسوع المسيح هو ( حمل الله!)

عبارة (حمل الله) ينفرد بذكرها انجيل (يوحنا) فقط، والحمل يعني (الخروف الصغير)، وقد قام كتبة هذا الإنجيل بفبركة عبارة على لسان ( يوحنا المعمدان) يوصف فيها يسوع بأنه (حمل الله) حين التقاه في حادثة التعميد

(هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم) يوحنا 1- 29

ثم قاموا بتكرارها بشكل مريب على لسان (يوحنا المعمدان) في العدد 36 بعد ان ادعوا انه التقى يسوع في الغد!

رغم ان الاناجيل الثلاثة السابقة زمنيا، والتي ذكرت نفس الواقعة، لم تذكر مطلقا اي شئ عن هذا التوصيف، ولم تنسب الى (يوحنا المعمدان) مثل هذا القول، بل ان انجيل (مرقص) الاقدم زمنيا، ذكر ان يسوع بعد لقاءه بالمعمدان خرج فورا الى البرية ولم يكن هناك لقاء ثاني في الغد !

(وللوقت اخرجه الروح الى البرية. و كان هناك في البرية اربعين يوما يجرب من الشيطان) مرقص 1-12

مما تقدم، يتضح ان السبب الذي جعل الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) يتلاعبون بالنصوص، ويغيرون توقيت صلب يسوع المسيح من يوم الفصح الى يوم الاستعداد للفصح، هو لغرض اضافة نظرة ايمانية جديدة الى شخص يسوع المسيح، واعتباره الرمز الذي يمثله (خروف) الفصح الذي يذبحه اليهود عادة قبل حلول مساء عيد الفصح!

وبهذه الطريقة يصبح يسوع المسيح هو الحمل (خروف الفصح) الذي تجلب التضحية به الخلاص من جميع الخطايا، لذلك كان من المهم تقديم موعد صلبه، من يوم الفصح الى ما قبل مساء يوم (الاستعداد) ليكون موافقا لوقت ذبح اليهود للخراف في الهيكل !!

ويبدو ان هذه الفكرة قد تلقفها كتبة انجيل (يوحنا) من عبارة منسوبة لبطرس في رسالته الأولى، يذكر فيها على سبيل التشبيه ان دم المسيح يشبه الحمل الذي بلا عيب ولا دنس (بطرس الاولى 19)، فقام هؤلاء الكتبة، لاحقا، بإعادة صياغة هذا التشبيه وبلورته ليصبح مفهوم إيماني راسخ، ومستند الى نص كتابي مقدس، من خلال التلاعب وتغيير معلومات وردت في النصوص الكتابية السابقة!

وقد نجحوا فعلا في ترسيخ هذه الصورة، بعد ان قاموا باضافة رمزية الخروف المذبوح في (رؤيا يوحنا)، وبعد ان قاموا بربط هذا التصور بعبارات وجمل مجتزأة من نصوص العهد القديم.

 

د. جعفر الحكيم

حوارات في اللاهوت المسيحي 23

 

 

mutham aljanabi2إن ارتقاء الوحي النبوي عند محمد إلى مصاف الكتاب الحق واللوح المحفوظ قد أدى إلى ظهور فكرة الإعجاز. ولم تكن هذه الفكرة معزولة عما كانت تريده الجاهلية منه. فقد كان الوعي العربي الوثني واقعيا حتى مخ العظام. مما جعله يرزح في حالات عديدة تحت ثقل التراكم المرهق في تقاليد الواقعية الوثنية، التي لا يقين عندها تجاه ما لا يمكن لمسه لمس اليدين ولثمه لثم الشفتين. وإذا كان المألوف ملموسا، فإن الإعجاز يقوم في تجاوزه أو تذليله المباشر.

فالوعي الوثني العربي لم يخل من خيال جامح، لكنه كان واقعيا وملازما للإرادة الفردية وقيم القبيلة. فقد كان له خياله عن الآلهة والملائكة والجن والشياطين، لكنها كانت كيانات وتصورات ونماذج ملازمة للفرد والقبيلة. فقد كان للقبيلة إلهها أو آلهتها، كما كان للشاعر جنه وشيطانه. وكلاهما مصدر الجنون بوصفه إبداعا. فالجنون فنون، والشعر نوعا منه. وعلى قدر جن الشاعر جنونه في الكلمة والعبارة. وليس مصادفة أن يصاب محمد بإرهاق من "جنون" العرب في مطالبتهم الدائمة إياه بدليل ملموس يتجاوز ما ألفوه عن جنون المرض وجنون الشيطان الجاهلي. وهي حالة مميزة بشكل عام لكل أصناف اليقين الوثني. بحيث نرى محمد يتمنى في إحدى المرات لو يولي هربا من مواجهة التحدي الجاهلي المبني على مطالبته إياه بآية (أعجوبة أو معجزة) تستجيب لغريزة الجسد. بينما لا غرابة في هذه الحالة! بل يمكننا القول، بأن معجزات الأنبياء والأديان على امتداد التاريخ ما هي إلا الصيغة المبتذلة لمطالب الجسد المريض والخيال المتعب. فالمعجزات من صنع الخيال اللاحق لا علاقة مباشرة لها بحياة الأنبياء، أي حياة أولئك الذين وهبوا كلّهم من اجل البرهنة على ما اعتقدوه يقينا. ومن ثم ليست المعجزات في الواقع سوى اليقين المقلوب للأنبياء أو اليقين المتحور لاحقا في أوهام العوام وخيال الخواص.

وعموما نستطيع القول، بأن المطالبة الأولية بالمعجزة تشير أما إلى الضعف المعنوي للخصم وأما إلى عبوديته للمألوف أو إليهما كليهما. وفي حالة النبي محمد، فقد كانت المطالبة تجمع في ذاتها جميع هذه الجوانب. من هنا كانت ردوده على قدر ما فيها. فعندما طالبوه بوحي نفسيتهم التجارية بيقين يرتقي إلى مصاف الثروة الكبيرة، باعتبارها عروة الحياة الكبرى، فانه أجابهم {لا أقول لكم عندي خزائن ولا علم الغيب، ولا أقول إني ملك، إن اتبع إلا ما يوحي اليّ}[1]. وعندما أرادوا منه رؤية النتائج بصورة قاطعة بفعل ذهنية المحتوم وفكرة الدهر الجاهلية، فإنه أجابهم {لو إن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم}[2]. وعندما كرروا اتهام الافتراء فيما يقوله، فإن أجابته أخذت ترتقي إلى مصاف التحدي كما في قوله{فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}، أو أن يجري إنزال العدد المطلوب للتحدي إلى مجرد سورة واحدة كما في قوله {فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"}. ثم يرتقي اليقين المتزايد في قبول فكرة الإعجاز من مجرد السير ضمن "منطق" الجدل والمماحكة إلى القبول بها كما هي بوصفها الرد الواقعي والممكن على الاتهام والتسخيف والتسفيه والشكوك. إذ لا تعني مطالبته إياهم "بعشر سور مفتريات" سوى اليقين المقلوب للشك الجاهلي. وذلك لأن مجرد "تأليف" سور "مفتريات" هو نسف للحق فيها. و"عشر سور مفتريات" هي زيادة لا تصنع غير يقين تكذيبها مرات عشر! غير أن المعنى الملموس لهذه الفكرة ضمن ظروفها التاريخية كان يصب في اتجاه تراكم اليقين المتزايد عن أن حقيقة الإعجاز القرآني تقوم في تذليله للمألوف الجاهلي بما في ذلك في صيغه الخيالية الكبرى. إذ لا تعني الفكرة القرآنية الجازمة بعدم استطاعة العرب الإتيان ولو بسورة واحدة "من دون الله"، سوى الخروج على المألوف في تصوراتهم من مساندة الجن والشيطان في ابتكار الجديد.

فقد كانت العرب على حق في تصوراتها الأصلية عن أن الإبداع جنون و"شيطنة" من طراز لا يشبه إبداع البشر العاديين. فالشيطان هو ملاك الإغواء والإغراء والمغامرة والمؤامرة. فهو يصنع كل جديد من اجل بلوغ المرام. كما أنه الوسيلة المتجددة في النيات والهواجس والأقوال والأفعال. وقد شاطر القرآن هذه الفكرة، إلا أن محمدا ارتقى بها صوب نفيها بفكرة الحق المتسامي. فالشيطان يبدع "البدع"، بينما حقيقة الإبداع خلق إلهي والوحي نموذجه. فالشياطين والجن قادرة على صناعة الشعر والقول دون العمل، بينما حقيقة القرآن حق لا علاقة له بمألوف الجن الجاهلي. ونعثر على هذه الفكرة في القرآن بعبارة {قل لو اجتمعت الأنس والجن على إن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[3].

إننا نعثر في هذه المواقف على تحد متكامل في مواقف النبي محمد، مبني على يقين يقر بكمال القرآن، بمعنى خلوه من التناقض وعلوه من النقص المميز لصناعة "الأنس والجن" كما في قوله {أفلا يتدبرون القرآن. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}[4]. حينذاك أصبح القرآن كيانا قائما بحد ذاته ينطق ويحي ويميت. بحيث أصبح ممكنا أيضا القول بأنه لو أنزل {على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}[5].

واستجابت هذه الصورة لذهنية العرب الوثنيين آنذاك. لكننا نعثر فيها أيضا على مجاهدة حية من اجل تذليلها. فقد أرادت العرب رؤية قوة واقعية وتحسسها بطريقة غير مألوفة، فأجابهم محمد بواقعية غير مألوفة أيضا، لكنها إجابة جلية واستجابة بسيطة ومتراكمة في يقينها، أي في تكامل رؤيتها للإعجاز، بوصفه تحد شامل للمألوف الوثني العربي. مما يشير بدوره إلى تغير التناسب الفعلي بين ضعف الجاهلية المتزايد وقوة الإسلام الصاعدة. وفيه أيضا يمكننا تلمس الحقيقة القائلة، بأن فكرة الإعجاز نفسها كانت نتاجا لمعاناة كبرى.

فقد مرت فكرة الإعجاز نفسها بكل مراحل المعاناة المميزة لتاريخ القرآن قبل تحوله إلى بيان. فتحول القرآن إلى "بيان لكل شيء" ليس إلا الذروة التي تمثلت معاناة الوحي الشامل، أي معاناة الروح والجسد، والعقل والضمير، والحس والحدس في معارك البلاء الظاهرة والباطنة. فقبل أن يتحول القرآن إلى إعجاز كان ينبغي له أن يواجه ما يمكن دعوته بمراحل الإعجاز المتنوعة والقائمة في مواجهة التحدي الأكبر للبصر والبصيرة من اجل الانتقال من الحلم إلى اليقظة، ومن الخيال المربض إلى الوحي الصادق، ومن الأسطورة إلى الحقيقة.

وقد تميزت هذه المراحل بمعاناة الانتقال الملازمة للتدرج من حيرة البداية إلى يقين النهاية. فقد كانت بدايتها تدور حول الإقناع الذاتي كما تجلى في مواجهة التحدي الأول للنفس، بمعنى أن ما يراه هو يقظة الروح الباحث عن يقين وليس أوهاما وخيالا عابرا، كما نعثر عليه في قوله {علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. وكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى}[6]. وينضح هذا القول إحساسا بالروح والجسد، لازمته سنينا طويلة بصيغ وأشكال متنوعة ومختلفة. وبمجموعها كانت تؤكد الحقيقة القائلة، بأن ترسيخ فكرة الإعجاز، بدأ مع الرؤية الأولى وانتهى بيقين الكلمة المتغلغلة في كل مسام وجوده بوصفه وحيا صادقا. لكنه لم يكن خطا بيانيا صاعدا، بل صيرورة متعرجة من معاناة اليقين. فمرة تظهر بمظهر المخاطبة المتوسلة للقوم كما في قوله {ما ظل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}[7]، ومرة أخرى في مظهر المخاطبة المترجية كما في قوله {إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء}[8]،وثالثة في مظهر المخاطبة المكتفية بذاتها كما في قوله {إنما يوحى الي إنما إلهكم اله واحد فهل انتم مسلمون}[9]، أو أن يكرر ذلك في قول آخر مثل {إنما أنا بشر مثلكم يوحى اليّ إنما إلهكم اله واحد}[10]. كما ظهرت بمظاهر النقد والتعنيف والوعيد والدعوة للتمسك بالحق. فمرة يقوّمه بعدم العجلة في الخطاب كما في قوله {ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضي إليك وحيه}، ويعنفه تارة أخرى بعبارة {وان كادوا يفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا بغيره وإذا لاتخذوك خليلا}[11]، كما يتوعده مخاطبا إياه بعبارة {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا}، أو يدعوه للبقاء ضمن الصراط المستقيم كما في قوله {فاستمسك بالذي أوحي إليك، انك على صراط مستقيم}[12]، ويطالبه بالتمسك بالوحي كما في قوله {وأتل ما أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من دونه ملتحدا}[13]. وقد قضمت هذه الأحوال بأسنانها الروح والجسد، شأن كل يقين آخذ في التكامل. كما كانت تحرق بلهيبها، شأن كل يقين في المواجهة والتحدي، العقل والضمير. فعندما كان يقينه يواجه اعتراض القوم عليه بان ما يقوله هو قصص الأولين، فإن الرد كان {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وان كنت قبله لمن الغافلين}[14]. وعندما كانوا يدحضون دعواه بالوحي ويطالبونه بدليل مادي وملموس على ملاكه، فإن الرد كان {وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا}[15]. وعندما تبلغ هذه الحالة درجة العذاب الباطني وتضع عقله وضميره على لهيب اليأس والقنوط، فإن الرد عليها كان يأتي مباشرا وشخصيا:{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدى إلى صراط مستقيم}[16]، أي كل ما كان يؤدي إلى احتراق الروح والجسد والعقل والضمير في أتون المعاناة الذاتية من اجل بلوغ اليقين. وقد أتخذ هذا اليقين صورته الأولية في فكرة الكتاب الحق كما في قوله {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}[17](يتبع...)

 ميثم الجنابي

.....................

[1] القرآن: سورة الأنعام، الآية 50.

[2] القرآن: سورة الأنعام، الآية 58.

[3] القرآن: سورة الإسراء، الآية .88

[4] القرآن: سورة النساء، الآية 82.

[5] القرآن: سورة الحشر، الآية 21.

[6] القرآن: سورة النجم، الآية 4-9.

[7] القرآن: سورة النجم، الآية 2-4.

[8] القرآن: سورة الأنبياء، الآية 45.

[9] القرآن: سورة الأنبياء، الآية 108.

[10] القرآن: سورة الكهف، الآية 110.

[11] القرآن: سورة الإسراء، الآية 73.

[12] القرآن: سورة الزخرف، الآية 43.

[13] القرآن: سورة الكهف، الآية 27.

[14] القرآن: سورة يوسف، الآية 3.

[15] القرآن: سورة الشورى، الآية 51.

[16] القرآن: سورة الشورى، الآية 52.

[17] القرآن: سورة فاطر، الآية 31.