mutham aljanabi2لقد تكاملت شخصية محمد الظاهرة والباطنة في قراءتها الجديدة لمظاهر الوجود، بمعنى انطلاقها من مبادئ ومنظومة آخذة في التكامل. ومع كل خطوة متحركة في ميدان المواجهة والتحدي والصراع أخذ محمد يكتشف أكثر فأكثر صوته من جديد وصداه المتناثر في القرآن. وأخذ هذا الاكتشاف يتمظهر أكثر فأكثر في فكرة القرآن بحد ذاته.

فالقرآن في بداية الأمر لم يتعد مطلب "القراءة". وبالنسبة لمحمد لم يكن أكثر من صوت أقلقه وأثار هلعه وتخوفه عما إذا كان حلما أو سحرا أو جنونا. ووجد رد الفعل هذا صداه اللاحق في مواقف العرب الوثنية. فقد اعتبروا ما يأتي به أما كذب أو أباطيل أو أساطير الأولين. ونعثر على هذه المواقف في أقوالهم التي تعج بالملل والضجر والتأفف مما يأتي به مثل: "لقد سمعنا ما تقول" و"كفى أساطير الأولين". بل دفعهم هذا النزاع المباشر للقول{لولا انزل هذا القرآن على رجل من أهل القريتين عظيم}. وعندما أجابهم بأنها إرادة الله وليس رغباتهم، فإنهم وجدوا فيما يقوله مجرد أقاويل يتقولها كما في قوله {أم يقولون تقوله، بل لا يؤمنون}.

وعندما قالوا له، أليس من الأفضل أن ينزله الله عليك دفعة واحدة لنرى ما فيه انطلاقا من أن الله يعلم كل شيء، ولكي نعلم بدورنا ما فيه دفعة واحدة كما في قولهم {لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة}، فإن الإجابة كانت نقضا موازيا يقوم فحواه في أن القرآن هو قراءة متجددة مهمتها تثبيت القلوب في المواقف كما في قوله {لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}[1]، إضافة إلى مهمته الكبرى الموجهة للناس عامة وليس لمن يجادل فيه، انطلاقا من انه {قرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}[2]. ووضع هذه الرؤية في موقف يطالب بقراءة {ما تيسر من القرآن}[3]، وذلك لأن القرآن ميسر {للذكر فهل من مذكر}[4].

وعندما اتهموه بأنه لا يقول إلا ما يلقنه البعض (من أصحاب الديانات الأخرى)، فإن الرد كان مباشرا أيضا، بأن لسان من يشيرون {إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}[5]. وشقت هذه الفكرة لنفسها الطريق حتى نهاية الجدل من خلال التركيز غير المباشر على أصله وأصوله من اجل أن يكون مفهوما ومعقولا ومقنعا لهم مثل قوله {قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون}[6]، و{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}[7]، و{يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا}[8]. وعندما قالوا له بأن ما يقوله مجرد شعر كأشعارهم، فإن الإجابة كانت مباشرة أيضا كما في قوله {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}، وإنما هو {ذكر وقرآن مبين}[9].

لقد أشعره الجدل والخلاف والمعارضة والصدود الصماء بشقاء كبير، بحيث خاطبه وحيه مرة قائلا {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى}[10]. وفعلت هذه التذكرة فعلها في مواساة نفسه المتقلبة بين دفئ الأزل الإلهي وبرودة الدهر الجاهلي. إذ نراه مرة يواسيه بأن ما فيه هو تذكرة ليس أمامك سوى مهمة إبلاغها والتبشير بها كما في قوله {ضربنا من كل مثل لعلهم يتذكرون}[11]. ولا بأس من أن يتدبره بالفكر والعقل، إذ {لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا}[12]. من هنا مطالبته إياه بالتحصن الذاتي والاستعاذة بالله من أقوالهم وردودهم، كما في قوله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان}[13]، أو الانعزال عنهم كما في قوله {إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}[14]. ولا يعني هذا الانعزال الابتعاد المادي بقدر ما يشير إلى أن انعدام الإيمان بما يقوله يصنع أغشية كثيفة وحجب تمنع المرء أيا كان من سماع حقيقة القرآن، بوصفها قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم.

وقد وجدت فكرة كون القرآن قراءة حية وصادقة للوجود والكون والقيم صداها المبكر في "ليلة القدر"، بوصفها بداية القراءة المديدة والصافية. وترمز هذه الصيغة إلى أن ما فيه هو رؤية دائمة وخالصة. إذ لا تعني {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[15] سوى ظهوره في أول رؤية لليل الجهل والجاهلية بعيون القدر والقدرة الإلهية. كما أن عبارة {خير من ألف شهر}[16]، وأنها {سلام حتى مطلع الفجر}[17] إشارة رمزية على مداها الزمني الكبير وصفائها التام. بمعنى أن ما في القرآن هو سيل من الحقائق التي لا يشوبها ضجيج النهار في مكة ولغط تجارها والمتسكعين فيها. وهي حالة جلية لمن قضى لوحده ليلة واحدة في وديان الجزيرة النائية! حينذاك يمكن أن يرى الأزل في صمت الصخور وأنين الزمن فيها. وهي مفارقة يمكنها أن ترفع الكلمة المسموعة في الحلم واليقظة إلى مصاف التحدي التام. فالكلمة تفقد رونقها وبريقها وأنينها وصداها في الضجيج، لكنها تتحول إلى متعة أبدية في خلاء الجزيرة ووديانها كما لا يصدح الصوت الجميل بدون فراغ يتلقف حروف الآلة المعزوف عليها. بحيث جعلته هذه الحالة يتحدى في وقت لاحق معارضيه بأفكار ومواقف مباشرة مثل قوله {فليأتوا بحديث مثله إذا كانوا صادقين}، وأنهم مهما يقولوا، فإن ما يقوله ويقرأ به الوجود وأحداثه {هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}[18]، وأن القرآن هو {آيات وكتاب مبين}[19]. بل وترتفع مجموع آياته إلى قرآن عظيم وحكيم، وفرقان الحق عن الباطل. وهو تحسس وإدراك بلغ غايته في مخاطبة وحيه إياه بعبارة:{وانك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم}[20]، و{يتبارك الذي انزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا}[21]. أما خاتمة هذه الأفكار فهي الحكمة العملية القائمة فيه، التي قدمها القرآن المتكامل نفسه بمطلب:{وننزل من القرآن، ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}[22].

إن تحول القرآن إلى شفاء ورحمة للعالمين يفترض بدوره اليقين القائل، باحتوائه على الأدوية المعقولة للأمراض الفعلية والممكنة، وكذلك على مبادئ ومفاهيم وقيم ورؤية قادرة على بعث الرحمة في الوجود. بمعنى قدرته على محاكاة نموذجها المتعالي في الله بوصفه الرحمن الرحيم. من هنا فكرة الكتاب بوصفه قرآنا، والقرآن بوصفه كتابا، أي وحدتهما التامة في المبدأ والغاية والوسيلة. إذ لا معنى للكتاب بدون قراءة كما إننا لا نقرأ إلا ما هو مكتوب. بعبارة أخرى، إن القرآن يتحول إلى كتاب الوجود والإنسان. إذ لا تعني مخاطبة وحيه إياه بكلمات {كتاب انزل عليك}[23]، وأنه {كتاب أحكمت آياته}[24]، وأنه {كتاب لا ريب فيه}[25]، سوى التدليل الدائم على ضرورة تذليل الشك الممكن من خيبة الأمل المترتبة على المناكدة العنيدة للعرب الوثنيين. وقد ثلمت هذه الخيبة أحيانا صبره وتدنيه من حالة الانكسار كما نعثر عليها في وحيه الذي خاطبه مرة {كتاب انزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين}[26]. ذلك يعني أنه كان يقف أحيانا أمام هاوية الانكسار المعنوي التي تثير في نفسه خوف السقوط في أعماقها السحيقة. بينا لا هاوية في الواقع سوى حالة الإقرار بحال الهزيمة. ونعثر على هذه الحالة في النفي الدائم للشك والقلق، وكذلك في التحذير والنقد والإيناس المبطن كما في قوله {إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين}[27]. فهي الذروة التي تتوحد فيها فكرة الحق والإخلاص الفردي في العمل. حينذاك يصبح الوحي نورا للنفس والآخرين. ونعثر أيضا على هذه الصيغة في العبارة القائلة {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}[28].

إن بلوغ المعاناة الذاتية درجة إبداع الحق في الهاجس والرؤية والوسيلة والغاية عادة ما يؤدي إلى الفعل بمقاييس ومعايير الإخلاص. وحالما تصبح فكرة الإخلاص للحق مبدأ ومنتهى العلم والعمل، حينذاك تتفتح الإمكانات والاحتمالات المتعددة لمنافذ السمو المادي والمعنوي، أو على الأقل إنهما يذوبان في جميع الأفعال بما في ذلك أكثرها عادية انطلاقا من أن الحق (المطلق) هو الكلّ. وبالتالي فهو موجود في كل وجود، أي في كل صيرورة وكينونة. الأمر الذي يذلل في النفس الفاعلة شعور التناقض والتضاد من خلال رفعهما الدائم إلى مصاف الوحدة الحقيقية. حينذاك يصبح المطلق البداية والنهاية، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والقابض والباسط، والجبار والسلام، والمحي والمميت، والغائب والحاضر، والقريب والبعيد، والموجود والمعدوم. وحينذاك أيضا يصبح الإبداع في الكلمة والفكرة، والقول والعمل فعلا واحدا من حيث كونه تجسيدا مخلصا للحق. من هنا فكرة "الكتاب الحق" و"الكتاب المبين"، حيث تصبح الأمور كلها جلية وواضحة، وأقرب إلى البديهة! إذ لا تعني فكرة "الكتاب الحق" سوى وحدة الأزل والأبد الذائبة في مبدأ الإخلاص. من هنا احتوائه على كل تجليات الوحدة المتسامية للمتناقضات. وهي وحدة وجدت تعبيرها الخاص في فكرة "اللوح المحفوظ"، بوصفها الصيغة التي تحتوي بقدر واحد على إمكانية تأويلها بمعايير الأزل والأبد، والثابت والعابر. أذ تشير هذه العبارة إلى كتاب ومكتوب، ومحفوظ بالذاكرة والوجود. بمعنى انه مخطوط بحروف شأن أي كتاب ومكتوب لنا كالقضاء والقدر، وتحفظه ذاكرتنا لأنها شكل من أشكال تجليات الحق (الله). فهو اللوح الذي يحمل الحق الإلهي مهما تكسرت أشكاله في وجدنا ووجودنا وذاكرتنا ومصيرنا، كما سيقول النفري مرة من انه رأى السفن تغرق والألواح تطفو! وهي الحالة التي أنتجت فيما يبدو حصيلتها في الفكرة القائلة انه {قرآن مجيد في لوح محفوظ}[29].

إن تحول القرآن إلى لوح محفوظ في ذاكرة الوجود، يعني قطعه الشوط الضروري لاستكمال دورة ما يمكن دعوته بتاريخ الحق المتسامي. إذ أصبح الأزل والأبد فيه شيئا واحدا، كما انه الدورة الدائمة للأول والآخر والظاهر والباطن، والحاوية المتجددة في تأمل المجددين لعلوم الأوائل والأواخر. كل ذلك أعطى له إمكانية أن يكون "كتابا حقا" و"كتاب الحق"، ومن ثم "نورا للعالمين" والناس أجمعين. فهو كالشمس يستضيء بها ويستدفئ العالم والجاهل، والجماد والحي، والصغير والكبير. وقد احتوت هذه الحالة في أعماقها على  إمكانية تجاوز الحدود الضيقة للأفراد والأمم والزمان والمكان والتقليد والظنون. مع ما يترتب عليه من تكامل في الرؤية تجاه إشكاليات الوجود. وهو تكامل يتحول إلى "معجزة" حالما يرتقي إلى مصاف التجاوز الشامل للحدود المألوفة. إذ ليست "المعجزة" في الواقع سوى تجاوز المألوف. وقد أثارت هذه الحالة مختلف الردود والصدود من تشكيك وتشفي، واستهزاء وتسخيف، وتجريم وتخوين، وشتيمة وشماتة. كما أنها الحالة التي تحفّز ما يقابل ذلك من إيمان ويقين، وصبر وتحد، وقبول للمعقول والمتخيل.

(يتبع...)

 

 ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.............

[1] القرآن: سورة الفرقان، الآية 32.

[2] القرآن: سورة الإسراء، الآية 106.

[3] القرآن: سورة المزمل، الآية 20.

[4] القرآن: سورة القمر، الآية 17.

[5] القرآن: سورة النحل، الآية 103.

[6] القرآن: سورة الزمر، الآية 28.

[7] القرآن: سورة الزخرف، الآية .3

[8] القرآن: سورة مريم، الآية 97.

[9] القرآن: سورة يس، الآية 69.

[10] القرآن: سورة طه، الآية 2-.3

[11] القرآن: سورة الزمر، الآية 27.

[12] القرآن: سورة النساء، الآية 82.

[13] القرآن: سورة النحل، الآية 98.

[14] القرآن: سورة الإسراء، الآية 45.

[15] القرآن: سورة القدر، الآية 1.

[16] القرآن: سورة القدر، الآية 3.

[17] القرآن: سورة القدر، الآية 5.

[18] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

[19] القرآن: سورة الحجر، الآية 1.

[20] القرآن: سورة النمل، الآية 6.

[21] القرآن: سورة الفرقان، الآية 1.

[22] القرآن: سورة الإسراء، الآية 82.

[23] القرآن: سورة البقرة، الآية 2.

[24] القرآن: سورة هود، الآية 1.

[25] القرآن: سورة البقرة، الآية .2

[26] القرآن: سورة الأعراف، الآية 2.

[27]القرآن: سورة الزمر، الآية 2.

[28] القرآن: سورة إبراهيم، الآية 1.

[29] القرآن: سورة البروج، الآية 21-22.

 

 

mutham aljanabi2فقد كانت معاناته الفردية تتكامل في يقين بعد كل انتصار أو هزيمة. فعندما أصبح تكذيبه جزءا من نفسية وذهنية وأساليب المواجهة الوثنية ضد ما يدعو إليه، حينذاك اخذ عذابه وامتعاضه يتحول إلى إدراك بأن ما يجري هو جزء من اختبار الهي حصل على إحدى صيغه بفكرة {إن كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}[1]. واستكملت في مجرى الصراع بفكرة {فما يكذبك بعد بالدين. أليس الله احكم الحاكمين}[2]. وإذا كان الاستهزاء قد أوصله في بداية الأمر إلى حدود الجزع، فإن خاتمة المواقف انعكست بفكرة {ولقد استهزأ برسل من قبلك}. بل وجرى رفعها إلى مصاف الاختبار الإلهي بوصفه استهزاء إلهيا بهم كما في قوله{الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}[3]. وتعمقت هذه الفكرة من خلال إبراز ضيق المكر الإنساني ونفيه بالمكر الإلهي، أي المكر المبني على أساس أن الخديعة التي يقوم بها البشر ما هي في الواقع سوى خداع النفس كما في قوله {يخدعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون}[4]. وإذا كانت الفكرة الأولى قد ظهرت بعبارة "إن الله أمكر الماكرين"، باعتبارها الرد المباشر على تفاهة المكر البشري وحدوده الضيقة، فإنه يتحول في وقت لاحق، بسبب تزايد المكر الوثني المعارض، إلى فكرة متسامية هي الصيغة الملموسة لما ادعوه بتحول الشكوك حالما تحرق العقل والوجدان إلى يقين متسام. حيث يصبح مكر الناس العادي مجرد حلقة في سلسلة الرذيلة الإنسانية. بينما يقف مكر الله وراء ألاعيب الناس الصغيرة كما في قوله {ولقد مكر الذين من قبلهم، فلله المكر جميعا}. وعندما يصبح إقناع البشر أمرا عصيا خصوصا إذا تعودوا أن يجدوا وراء كل فعل مقايضة كما كان الحال بالنسبة لنفسية مكة التجارية، فإن الرد لم يعد مجرد رفض الأجر الإنساني، بل ونفيه ايضا كما في قوله {ما سألتكم من اجر فهو لكم. إن اجري إلا على الله}[5]. كما لم يعد الرد محصورا بالاتهامات المباشرة، بل نراه ينتقل إلى مصاف الإجابة المتسامية. لهذا لم يعد الرد على اتهامه بالسحر والجنون والضلال محصورا في أن "الأمر ليس كذلك"، بل وأخذ يرتقى إلى مصاف جديدة كما في رده على اتهامه بالضلال. حيث نراه يبلوره بفكرة {إن ضللت فإنما أضل نفسي، وان اهتدي فبما يوحي اليّ ربي}[6]. وأن الخلاف بينه وبينهم لا يمكن حسمه بمقاييس الزمان والمكان، بل بمقاييس الآلهة كما في قوله {قل يجمع بيننا ربنا}. كما جاء الرد على فكرة "أنت لست مرسلا" بفكرة {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}[7].

إننا نرى هنا انتقال الردود المباشرة إلى ردود غير مباشرة، بمعنى الانتقال من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الغيب، ومن الزمن إلى التاريخ، ومن الواقع إلى المجرد، ومن الإنسان إلى الله، بوصفها حلقات ضرورية ومتراكمة فيما أسميته بانتقال الشكوك إلى يقين عملي في مجرى الصراع والتحدي بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان. حينذاك كان بإمكان محمد أن يتسامى في رؤيته الذاتية التي أخذت تجرّد ردوده من نفسية المواجهة وتنقلها إلى حالة الإقرار بيقين الفكرة المطلقة. بمعنى انتقال الخطاب من المواجهة المباشرة بينه وبين الوثنية إلى حوار بينه وبين وحيه الذاتي، لا يخلو من تشنج دفين. فالجدل حول ما إذا كان هو رسولا فعلا أم لا يتحول إلى يقين عملي كما في قوله {وما أرسلناك إلا كافة للناس مبشرا ونذيرا}، أو أن يتمثل الفكرة بعبارة أخرى تقول {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}. ولم يعد اعتراض "الناس" الوثنيين مهما كانت ثروتهم ومواقعهم وثقلهم الفعلي أو الموهوم أمرا ذا أهمية، لأنهم يبقون بمعايير المطلق فقراء كما في قوله {يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله}.

لقد صنع انتقال الشكوك بعد احتراقها في معاناة العقل والوجدان إلى يقين متسام ويقين عملي، ومن ثم وحدتهما اللاحقة. آنذاك أصبح من الممكن إيجاد الصلة والنسبة الممكنة بين الإرادة الإلهية والإنسانية في كل الأفعال الممكنة مثل أن يقول {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، أو {إذا أراد الله بقوم سوء فلا مردّ له وما لهم من دونه وال}[8]. ولم يعد الحديث في الخطاب محصورا بين التوبيخ والنقد اللاذع والمطالبة بعمل شيء مباشر، أو قول ما ينبغي وما يجب، بل أصبح خطابا يرتقي إلى مصاف التاريخ المتسامي. فعندما يخاطبه الوحي {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم}[9]، فإن ذلك يعني أن الذات الجوهرية هنا ليست الأمم بل "هو" بوصفه رسولا ومبشرا ومبلغا ونذيرا. وعندما يضعه أمام اختبار التبليغ والتبشير، فإن الجوهري ليس النتيجة بل تحقيق إرادة الفعل كما في قوله {أما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفيك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}[10]. كما لم يعد جدله يدور في فلك الاختلاف، بل في تيار الحق الساري، كإن يردّ على من يخالفه بعبارة {إن ربي يقذف بالحق}[11]، أو أن يستكمله بيقين اشد قوة يقول، بأن {الذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق}[12].

إن بلوغ اليقين التام والشامل بالحق جعل من فكرة السمو العملي الصيغة الطبيعية لمواجهة جميع الإشكاليات، بما فيها تلك التي تتطلب "جرأة" في تغيير قواعد العقيدة، كما كان الحال بالنسبة لتغيير القبلة. ففيها نعثر على صدى معاناته الهائلة عندما اخذ يقلّب وجهه في السماء باحثا عن مخرج فوجده إلى جانبه! وقد صورت الآية القرآنية هذه الحالة بعبارة {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولنك قبلة ترضاها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام!}[13]. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الأبعاد المتسامية عادة ما تقع تحت الأقدام، كما أن الحلول الأشد تعقيدا بالنسبة للعقل والضمير عادة ما تقوم في تذليل الخلاف بينهما. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحيرة المتسامية التي عادة ما تجد مخرجها في الأزقة التي اعتدنا المشي فيها، تماما كما أن قوس قزح هو حزمة الطيف التي يمدها عرق الجبين وقطر الندى ومياه الأمطار. وتمثل الوحي هذه الفكرة في قوله{لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله}[14]. حينذاك لم يعد من الصعب أن تصبح مكة التي عذبته مدينة الروح، وأن تتحول كعبة أوثانها إلى مسجد حرام وبيت الله.

تبرهن هذه العملية على أن الشكوك الكبرى على قدر الغايات، وإنها ترتقي بعد احتراقها في تجارب العقل والوجدان إلى يقين متسام وعملي! عندئذ يمكن أن تتحول مختلف أشكال ونماذج المعاناة الذاتية إلى ما يقابلها من نفي أو بدائل عليا، مثل تحول الانتصار إلى وعد الهي أو قضاء حق، والهزيمة إلى ابتلاء الهي أو وعيد حق. وهو تحول يعكس أولا وقبل كل شيء تضافر ما أسميته باليقين المتسامي والعملي في الرؤية والمواقف.

فعندما اخذ اليقين يتراكم في إمكانية انتصار نهائي حاسم، عندها تحول النداء من دعوة للدفاع إلى دعوة للهجوم. وعوضا عن فكرة "لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد"، و"لكم دينكم ولي ديني" تظهر مواقف الهجوم المتنامي مثل {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تقعدوا}[15]، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}[16]. وعندما تأخذ القوة والهيبة في التمركز يتحول محمد من داعية ومبشر ونذير إلى مركز استقطاب التأييد والطاعة. حيث تتدرج هذه العملية في انتقالها من ربط طاعة الرسول بطاعة الله مثل قوله {أطيعوا الله ورسوله}، إلى جعل طاعة الرسول مدخلا لطاعة الله كما في قوله {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله}[17]. بل وتنتهي هذه العملية في تدرج يبلغ كفاية الطاعة بوصفها فريضة أزلية كما في قوله {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع}[18]. وأخيرا يصبح محمد نفسه الحلقة الأخيرة في سلسلة النبوة، أي الخاتمة التي بشر بها عيسى كما في قوله {إني مبشر برسول يأتي بعدي اسمه احمد}[19].

ونعثر على نفس هذا الاتجاه في تحول الله إلى قوة ذائبة في الصراع الذي يخوضه محمد. بمعنى نزوله من أعلى عليين إلى أسفل سافلين متناغما في كلمات ملاكه (جبريل) بوصفه التجسيد المعقول لوحدة المتسامي والعملي. فهو الذي يقاتل أعدائهم كما في قوله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم}[20]، بل وهو الذي يرمى أعدائهم بالحصى كما في قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}[21]. ولا يشير هذا الاتجاه إلى تضاءل دور الفرد في الصراع بقدر ما يشير إلى تحول الشكوك الكبرى القديمة إلى يقين مطلق في مجرى تعاظم الترابط العضوي بين المتسامي والعملي. وأشد ما يظهر هذا الترابط في منظومة التفاؤل الدائم، كما في قوله:{لا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون}[22]، وفي كل مأزق مثل {تلك الأيام نداولها بين الناس}[23]، أو {ويريدون إن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}[24]. وهي علمية لابد منها بوصفها حكما أزليا، وقضاء إلهيا، وقدرا محتوما، انطلاقا من انه {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون}[25]. أما تتويجها النهائي فقد جرى التعبير عنه في الآية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[26].

إننا نقف هنا أمام حركة الوحي الذاتي بمعايير وقواعد منطقه الخاص. كما تشير بدورها إلى طبيعة ودرجات المعاناة الكبرى التي واجهها محمد في مجرى الانتقال من رجل عادي من قريش إلى نبي، ومنه إلى رسول للعالمين. أنها تعكس درجات الانتقال العملية والمتسامية في الفكر والإرادة والعمل، بوصفها صراعا لا هوادة فيه ضد سلطة المكان والزمان والأفراد والتقليد والمال والجاه، من اجل تثبيت سلطة الروح والإرادة المتسامية.

 وهي عملية أكثر من جسّدها الوحي بوصفه الصوت الباطني للحق والحقيقة. ففيه نعثر على كيفية تحول كلمات الظاهر إلى باطن، والباطن إلى ظاهر، والسر إلى علن، والعلن إلى سر، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الظاهر والباطن، والسر والعلن بوصفها دورة التاريخ والفكرة. وفيه أيضا نعثر على الكيفية التي تصبح فيها كلمات المواجهة والتحدي صوتا إلهيا، بحيث نقف في نهاية المطاف أمام دورة كاملة من وحدة الشك واليقين، واليأس والأمل، بوصفها دورة المعاناة الصادقة في مجرى تحولها إلى رؤية ومواقف. كما أنها الدورة التي ظهرت بأثرها وتكاملت إمكانية القراءة الفردانية الحية، بوصفها اكتشافا ذاتيا دائما. حيث نعثر فيها على كل نماذج التفاعل الطبيعي والتاريخي من استغراب واندهاش، وحيرة وتعجب، وقبول ورفض، وتأييد وإدانة، وشك ويقين، ورغبة وتمني، ويأس وأمل، وجزع وصبر، وهروب وهجوم تجاه كل مظاهر القوة والضعف، والجبروت والهشاشة في الأقوال والأفعال من إيمان وكفر، وجود وبخل، وشجاعة وجبن، ومواجهة وغدر، وأمانة وخيانة. وصنعت هذه الدورة بدورها تكامل القيم الأخلاقية في منظومة متسامية في تعبيرها عن النقد الشامل وتكامل البدائل.

(يتبع....)

 

.............

[1] القرآن: سورة فاطر، الآية 4 .

[2] القرآن: سورة التين، الآية 7-8.

[3] القرآن: سورة البقرة، الآية 15.

[4] القرآن: سورة البقرة، الآية 9.

[5] القرآن: سورة سبأ، الآية 47.

[6] القرآن: سورة سبأ، الآية 50.

[7] القرآن: سورة الرعد، الآية 45.

[8] القرآن: سورة الرعد، الآية 11.

[9] القرآن: سورة الرعد، الآية 30.

[10] القرآن: سورة الرعد، الآية 40.

[11] القرآن: سورة سبأ، الآية 48.

[12] القرآن: سورة فاطر، الآية 31.

[13] القرآن: سورة البقرة، الآية 144.

[14] القرآن: سورة البقرة، الآية 115.

[15] القرآن: سورة البقرة، الآية 190.

[16] القرآن: سورة البقرة، الآية 193.

[17] القرآن: سورة النساء، الآية 59.

[18] القرآن: سورة النساء، الآية 64.

[19] القرآن: سورة الصف، الآية 6.

[20] القرآن: سورة الأنفال، الآية .17

[21] القرآن: سورة الأنفال، الآية 17.

[22] القرآن: سورة آل عمران، الآية 139.

[23] القرآن: سورة آل عمران، الآية 140.

[24] القرآن: سورة براءة، الآية 32.

[25] القرآن: سورة براءة، الآية 33.

[26] القرآن: سورة المائدة، الآية 3.

 

 

mutham aljanabi2القلق ليس مصدر الحركة الدائبة للهواجس والشكوك فقط، بل ومعذّب الأنا في معاناتها بلوغ نفيهما باليقين. وعادة ما يتخذ ها النفي في مراحله الأولى صيغة "التنكيل بالنفس"، باعتباره أسلوب الوعي الذاتي المتراكم في نفي الشكوك. ونعثر على هذه الحالة في وحيه الذي خاطبه مرة وهو في أوج التذبذب بين الشك واليقين قائلا:{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}[1]، أي لعلك قاتل نفسك غما كونهم لا يؤمنون بما تقول. ذلك يعني أن الشك هنا هو الصيغة المقلوبة لليقين، كما أن الهواجس البالغة حد الجزع هي الصيغة المقلوبة لمعاناة الأنا المحمدية في استصراخها الرغبة الصادقة كي يستمع إليها قومه ويرون ما في "آياته" من بساطة هي عين الحقيقة. بحيث جعله يستغرب لا مبالاتهم الباردة ويستنكرها بقدر واحد. مع أنها بسيطة للغاية. ولا تحتاج إلى كبير عناء من اجل معرفة آلية فعلها. وقد أشار وحيه إلى هذه الآلية ببساطته المعهودة في مخاطبته إياه:{انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين}. وهي حقيقة! إذ كيف يمكن للمرء إيصال صوته للموتى ولمن ولى الأدبار، أي لكل أولئك الذين لا قلوب حية بين جوانحهم، ولا سمع يسترقون به الإنصات إلى نبضات الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من معنى للجزع وتأنيب النفس، بوصفه اليقين الجديد الذي جعل وحيه يخاطبه لاحقا {وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم}[2]. وإذا كان الأمر كذلك، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[3]. وتشير هذه النصيحة إلى بلوغ وحيه الذاتي نقطة القطيعة مع حالة الصم والبكم والعمى التي تصيب البصر والبصيرة في تأمل ما يقول. وهي حالة قد تولد اليأس والقنوط. لكنها تبدو "طبيعية" على خلفية كون الكلام القرآني ليس جديدا في مفرداته. أما كيفية ونوعية قراءته للوجود ومشاكله وإشكالاته فقد كانت مثار السخرية والاستهزاء والتشفي والجفاء.

ويصعب علينا الآن حساب أو معرفة تكرار هذه الحالة. لكن مجرد ارتقائها إلى مصاف الوحي المجسد في "آية" قرآنية يعكس تحول كميتها إلى نوعية. ومن ثم احتوائها على قدر المعاناة الفعلية التي واجهها محمد في محاولاته الحثيثة إقناع العرب الوثنيين بضرورة الارتقاء مما اسماه لاحقا بالجاهلية إلى الإسلام. وأدت هذه المحاولات بصدودها المتكررة إلى أن يخاطبه وحيه يوما قائلا:{كتاب انزل عليك فلا يكن في صدرك حرج منه}[4]. أو أن يقول له:{قد نعلم انه يحزنك الذي يقولون، فإنهم يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}[5]. بل وصل به الأمر في إحدى المرات انه تمنى لو يولي هربا إلى أعماق الأرض السحيقة أو إلى أعالي السماء من اجل أن يمسك بكل ما يمكن مسكه من اجل أن يصرخ بوجوههم:"خذوا ما تريدون أيها الجهلة!". إلا أن إصراره هذا انقلب كالعادة إلى آية تقرأ معاناته الذاتية من خلال توجيه الصراخ والتهمة إليه، كما نراها في عبارة:{إن كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية… لا تكونن من الجاهلين}[6].

وقد كان هذا التوبيخ العنيف والنقد العارم موجها ضد كيانه لا كينونته، كما نراه في صعود فكرة الصبر القرآنية وجوهريتها بالنسبة للإيمان والإنسان. إذ نعثر فيها على حالة نفاذ الصبر وتوكيد ضرورته بوصفه فضيلة كبرى. فالصبر إحدى الفضائل، التي رفعتها العرب في مجال الكلمة والرؤية والأخلاق إلى مصاف المطلق. إذ لم يعن اشتقاق الجميل من الجمل (الصبر) سوى الالتقاء الروحي الأوسع لما سيدعوه الإسلام لاحقا بوحدة الجمال والجلال. إذ نعثر على هذه الفضيلة في أول تراكم فعلي ضد اشتداد التحدي والعذاب الداخلي لمحمد في مجرى مواجهته ردود العرب وصدودهم. وليس مصادفة أن نرى تحول فكرة الصبر إلى علامة الإيمان لمن ينوي النجاح وتجنب الخسارة كما في قوله {والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}[7].

فقد كانت المواجهة الفعلية ضد الوثنية العربية تتسم بالشمول من حيث آفاقها ومضمونها التاريخي والروحي. أنها لم تكن معركة عابرة في رمال متحركة، بقدر ما كانت معركة ضد صحراء الروح القاحلة. من هنا ثقلها الشديد. كما نعثر على هذا الإحساس في عبارة {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. وهو ثقل يفترض الثبات في المواقف. بمعنى تربية الإرادة لا كسرها. مما جعل من مواقفه المتغيرة والمتبدلة والمتنوعة والمختلفة قوة متوحدة من حيث النية والغاية. من هنا بدايتها بالصبر وانتهاءها به. فقد طالبه وحيه مرة بالصبر والهجران الجميل قائلا {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا}[8]. واستحثه مرة أخرى بقوله {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}[9]. وألزمه في أخرى بالثبات فيه لأنه لا مضيعة مع الصبر كما في قوله {واصبر إن الله لا يضيع اجر المحسنين}. فقد أوصلته تجارب التحدي الذاتي إلى أن المرء لا يستطيع بلوغ مرام الخير الكبير دون الصبر. وهي فكرة حددها الوحي بعبارة تقول بأن، {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون}[10]. وإذا كانت هناك صعوبة في بلوغ المرام، فإن الأرض واسعة للصابرين، وضيقة لمن لا صبر له كما في قوله {ارض الله واسعة وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}[11].

لقد أوصله وحيه الذاتي في مجرى الصراع والتحدي الشامل للوثنية إلى حقيقة بسيطة تقول، بأن الصبر هو الجوهر الروحي للأعمال الكبرى. ذلك يعني أن حجم المعاناة الدائمة لمحمد غالبا ما كانت تضعه أمام شكوك واسعة وعميقة بجدوى ما يقوم به أمام الآذان الصماء والأعين العمياء والبصيرة الميتة للعرب الجاهلية. إذ لا تعني "ارض الله الواسعة" سوى محاولة الخروج من ضيق الأرض النفسية التي كانت تخنقه بين الحين والآخر. وقد عصفت به هذه النتيجة فيما يبدو بحيث اختمرت في مطالب ثلاثة كبرى سجلها الوحي. الأول وهو إتباع ما يوحى إليه كما في قوله {اتبع ما يوحي إليك واصبر}[12]. والثاني تعلم الصبر بوصفه شوكة العزيمة كما في قوله{فاصبر كما صبر أولوا العزم من الأنبياء}[13]. والثالث تحويل الصبر إلى أسلوب بناء الإرادة الشخصية كما في قوله {يا أيها الذين آمنوا تصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون}[14]. إننا نعثر في هذا التدرج التاريخي للوحي أيضا على تراكم المعاناة وحجمها في تربية الإرادة الفاعلة بمعايير الحق المتسامي. بمعنى الانتقال التدريجي والصعب من قلق العقل والوجدان إلى يقين الإرادة الفاعلة. ولا يمكن بلوغ هذا التحول حالة الصفاء والهدوء التام. مما يشير بدوره إلى أن الوحي العميق هو صراع حاد لا يهدأ في كل مسام الروح والعقل والجسد.

إذ لم تكن المطالبة الدائمة بالصبر ورفعه إلى مصاف الفضيلة المطلقة سوى الوجه الظاهر لباطن النقد الدائم في شخصية النبي محمد ومعاناته الذاتية. فالوحي ليس كلاما ساريا للعقل واللسان، بل معاناة الإبداع المكثفة للظاهر والباطن. وفيه تنعكس عوالم محمد، وكذلك الأبعاد الأكثر إثارة وحساسية في مجرى صراعه من اجل الحق. إننا نرى فيه شخصية محمد الظاهرة والباطنة، ودهاليزها الخفية المكشوفة أمام النفس العلنية والملأ. فالوحي أشبه ما يكون بأشعة ريتنغن في كشفها لكسور الروح ومعاناتها في المواقف. ففي هذه المواقف تتكشف معاناة محمد التي أفنته أحيانا أمام قلق العقل وحيرة الضمير واندهاش الوجدان. لكنها كانت تصنع في الوقت نفسه حدس اليقين المتنوع في التوبيخ والنقد والمطالبة والكف والعمل، أي عالم كينونته المتصيرة في المواقف. فتارة يدعوه بالمجاهرة والتحدي بعبارة:{اصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين}، وتارة يذكره بما ينبغي فعله بالخروج عن لهو الحصول على تأييد من لا يعتد به كما في قوله {عبس وتولى. إن جاءه الأعمى. فأنت عنه تلهى. كلا أنها تذكرة}[15]. وتارة ينهره بعدم طرد {الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فتكون من الظالمين}[16] لا لشيء إلا لأنهم فقراء أو ألحوا على شيء يلهيه عن شيء. وتارة يوضح له حدوده الخاصة باعتباره كيانا عاجزا عن تغير طبيعة الأشياء كما في قوله {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى ومن كان في ظلال مبين}[17]. وتارة يحدد له حدود العدالة الأبدية القائمة وراء تمنيات المرء وإرادته كما في قوله {فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون، أو نريك الذي وعدناهم فإنا عليه مقتدرون}. وتارة يضعه عند حدود الإدراك الواقعي لقدراته الذاتية، بمعنى مطالبته بألا يدرج المستقبل في صلب ما يريد، انطلاقا من أن المستقبل فعل لا تحدده مشيئة الفرد أيا كان، بمعنى تحرير الرؤية من اعتبار الأنا كلية القدرة في التحكم بالغيب كما في قوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. واذكر ربك إذا نسيت وقل "عسى إن يهديني ربي"}[18]. وتارة يأمره بان لا يجعل أحكامه جزء من رغبات الآخرين أيا كانت منزلتهم منه، كما في قوله "حرام علي"! لتهدئة زوجته حفصة بعد أن عثرت عليه وهو يواقع مارية القبطية على فراشها كما في قوله {يا أيها النبي لم تحرّم ما احلّ الله لك فتبغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم}[19].

كما نرى انتقال وحيه إلى أعمق أعماق معاناته الذاتية التي تجعله أحيانا يشعر بالإحباط وأحيانا يتنازل عن قيمه الكبرى أو ينزلق عن مسار "الصراط المستقيم". وتكشف هذه المعاناة عن أن بلوغ اليقين لم يكن هينا أو سهلا. لقد كان بلوغ اليقين سلسلة من الاقتراب والابتعاد عن جادة الصواب، والإشراك والإيمان، وإتباع الهوى والابتعاد عن الحق، والوقوع في شراك المنافقين والكفرة. ولم يكن هذا الخروج عن "صراط" الاستقامة أمرا غريبا بسبب ما تواجهه الإرادة المعذبة في مجرى تحديها الفاشل لجدار الصمت، وانعدام المبالاة، والغرور، والانغماس في الرذيلة، والتقليد. فقد خاطبه وحيه الذاتي مرة قائلا: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضلّ وما لهم من ناصرين}[20]. وأنّبه مرة أخرى على محاولاته أن يكون خليلا لمن تحداهم في صلب دينه الجديد كما في قوله: {لولا إن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}[21]. بحيث جعله ركونه في إحدى المرات اقرب إلى الوقوع تحت تأثير قريش، مما جعل وحيه يوقفه عند حده مخاطبا إياه:{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}[22]. بحيث حذره مرة بحدّ العقوبة كما في قوله {ولقد أوحينا إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}[23]. من هنا تحذيره الصارم إياه بعبارة {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم، ما لك من الله ولي ولا واق}[24]. وبالتالي مطالبته إياه بإتباع الشريعة التي هو عليها وأن لا {يتبع أهواء الذين لا يعلمون}[25]. بينما طالبه في حالة أخرى بعبارة {يا أيها النبي اتق الله! ولا تطع الكافرين والمنافقين}[26]. وأمره في حالة أخرى بعبارة {فاستمسك بالذي أوحي إليك، انك على صراط مستقيم}[27]، وأكملها بأمر إضافي يقول فيه {واتبع ما يوحى إليك من ربك}[28]. إذ تعكس هذه الأوامر طبيعة وحجم الهواجس المتنافرة والعواطف المتقلبة والالتباسات العملية التي كانت تثير في أعماقه أحيانا الشك بكل ما كان يقوله ويفعله. ووجدت هذه الشكوك انعكاسها في وحيه الذي خاطبه مرة قائلا:{فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يعرفون الكتاب من قبلك}[29]. بل وحاول إقناعه بأن ما يجيئه هو {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}[30]. وأحاله إلى "أصحاب الكتاب"، انطلاقا من أنهم {يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين}[31]. ووصلت به الشكوك مرة بحيث خاطبه الوحي قائلا:{لا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين}[32]. ويشير هذا الخطاب إلى حد القطيعة الممكنة في أعماقه التي تراكمت في مجرى التحدي العنيد من جانب العرب الوثنية. فقد كان يشعر أحيانا وهو في خلوته وبين إتباعه بأنه وحيدا. بحيث جعلته هذه الحالة يود ويرغب ويسعى للحصول على تأييد من أي كان من اجل تلبية شعور الفوز والحق. بينما كان تأمل تجاربه ومعاناته الداخلية يوصله إلى إدراك قيمة اليقين المجرد عند حالات الهبوط والسقوط والجزع. بمعنى افتراض البقاء ضمن الإيمان، واليقين بأن المطلق هو الله وحده. من هنا مخاطبة الوحي إياه: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت ذلك فانك إذا لمن الظالمين}[33].

إننا نقف أمام خط بياني متعرج يعكس تعرج محمد في معاناته التي جعلته مرة يتزحلق عن جادة الحق وينحرف عنها مرة أخرى، بل ويدغدغ الشرك مزاجه وتأمله، بما في ذلك استعداده لطاعة الكافرين وتكذيب ما جاء هو به. إذ لم تعن "نحن ثبتناك" و"الله رادك إلى معاد" و"إن أشركت لتكونن من الخاسرين" و"اتق الله" و"لا تطع الكافرين" و"لا تكونن من الممترين" و"الذين كذبوا"، سوى الصيغ المكثفة لحجم المعاناة والشكوك التي كان تعتريه. لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن الشكوك الكبرى على قدر الغايات. وأنها حالما تحرق العقل والوجدان، فإنها تتحول إلى يقين متسام!

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] القرآن: سورة الشعراء، الآية 3.

[2] القرآن: سورة الروم، الآية 53.

[3] القرآن: سورة فاطر، الآية 8.

[4] القرآن: سورة الأعراف، الآية 2.

[5] القرآن: سورة الأنعام، الآية 33.

[6] القرآن: سورة الأنعام، الآية 35.

[7] القرآن: سورة العصر، الآية 1-3.

[8] القرآن: سورة المزمل، الآية 10.

[9] القرآن: سورة الروم، الآية 60.

[10] القرآن: سورة القصص، الآية 80.

[11] القرآن: سورة الزمر، الآية 10.

[12] القرآن: سورة يونس، الآية .109

[13] القرآن: سورة الاحقاف، الآية 35.

[14] القرآن: سورة آل عمران، الآية 200.

[15] القرآن: سورة عبس، الآية 1-2، 6،10-11.

[16] القرآن: سورة الأنعام، الآية 52.

[17] القرآن: سورة الزخرف، الآية 40.

[18] القرآن: سورة الكهف، الآية 23-24.

[19] القرآن: سورة التحريم، الآية 1.

[20] القرآن: سورة النحل، الآية 37.

[21] القرآن: سورة الإسراء، الآية 74.

[22] القرآن: سورة القصص، الآية 85.

[23] القرآن: سورة الزمر، الآية 65.

[24] القرآن: سورة الرعد، الآية 37.

[25] القرآن: سورة الجاثية، الآية .18

[26] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 1.

[27] القرآن: سورة الزخرف، الآية .43

[28] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 2.

[29] القرآن: سورة يونس، الآية 94.

[30] القرآن: سورة يونس، الآية 94.

[31] القرآن: سورة الأنعام، الآية 114.

[32] القرآن: سورة يونس، الآية 95 .

[33] القرآن: سورة يونس، الآية .106

 

 

mutham aljanabi2إن شخصية محمد الآخذة بالتبلور في مجرى اختبارها على مهمات النبوة، قد جعلت من كل ما يواجهه جزيئة في فلك الربوبية المترقبة بعيونها الساهرة على كل ما فيه، بما في ذلك أدق خلجاته وهواجسه وعواطفه. من هنا محاسبتها إياه، وتوبيخه وتوجيهه، وتعقب نواياه وتعنيفه، وتهدئته ومواساته. فعندما ضاق ذرعا من سلوك قريش فانه أصيب بخيبة أمل وشكوك فيما بدا له للوهلة الأولى ملاكا يعلمه قراءة الحقيقة التي تجعل الأقربون إليه اقرب بمعاني الروح والجسد والفكر. إلا أن التعنت القرشي المتربي بنفسية التجارة ومهارة المراوغة المكية قد أغلق عليه نوافذ الأبعاد السحيقة والبعيدة لأشعة الخلاص. وقد وصل به الأمر حدا من شعور اليأس نجد انعكاسه في التوبيخ العنيف القائل {ألم نشرح لك صدرك! ووضعنا عنك وزرك! الذي انقض ظهرك!} . لقد قال له وحيه الذاتي أو قراءة التحدي الهائل بعيون الإرادة المتنورة بماضيه، بأن كل ما كان هو جزء من إمكان طفيف فيما لو نظر إليه بعيون الأمل القائم في إمكانية التغيير. لاسيما وان الحقيقة المكملة لهذا التعنيف تقول أيضا، بأن {مع العسر يسر} . وأرجعه هذا التوبيخ، شأن كل قراءة إرادية للنفس، إلى مجرى التحدي العام. لكنها لم تكن الحالة الوحيدة والنهائية، وإلا لتحولت النبوة، بوصفها المهمة الكبرى لإعادة بناء الوجود، إلى مجرد نزهة صغيرة.

فالنبوة التي أججت في أعمق أعماقه نفسية وذهنية التحدي الشامل بحيث جعلته يرفض قبول كل شيء بما في ذلك الشمس والقمر ما لم يتمم الأمر، هي الوجه الآخر للسريرة المتوهجة والوجدان المرهف اللذين ميزا شخصية محمد طوال حياته. ونعثر على هذه الحالة في أوائل السور المكية عندما كانت تعتريه مشاعر العزلة القاتلة من جحود الوثنية واستهزائها المرعب به وبما يقول. كما أنها الحالة التي كانت تقضّ مضجعه نهارا وليلا وأوقات الضحى والنهار وقبيل المغيب. باختصار في كل انعطاف الظل، كما لو أنها معاناة ظله أيضا. فنرى القرآن يقسم له {والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى} ، أي أن مواجهتك لحالك ليس إهمالا لك، بقدر ما هو مصيرك الخاص. فالله لم يودعك ولم يبغضك.

لقد تحسس محمد حاله كما لو أنه مبغض من جانب إلهه! وفيها تنعكس حالة معبرة عن حدة البغض التي جابهته بها قريش، بحيث احتجبت عنه علاقة "الروح الأمين". وبدت له القضية كما لو أنها بغضاء شاملة. إلا أنها الحالة التي أرجعته أيضا إلى مجراه الطبيعي لكي يكتشف في ماضيه مستقبل الأمل النابع من تأمل حقيقة الانقلاب الهائل في صيرورته الجديدة. فقد خاطبه وحيه قائلا لم الشك في الآخرة؟! أليس هي أفضل من الأولى؟! و{لسوف يعطيك ربك فترضى} . وقد تقاسمت مراحل حياته الكبرى هذا العطاء، كما صورها الوحي في استفساراته وإجابته إياه {ألم يجدك يتيما فآوى؟! ووجدك ضالا فهدى؟! ووجدك عائلا فأغنى؟!} .

لقد قال له وحيه الذاتي، بأنك قد مررت بكل أصناف الحياة من أدناها إلى أرقاها. كما سوف نكفيك إياها في كل شيء. لكنها كفاية لا يمكن فهم حقيقتها خارج إرادة التحدي الكبرى التي ميزت محمد حالما أبدعت ذاته شخصية الوحي في أعماقه بوصفها ذاته المتلونة في أفعال الممكنات. وحالما تبلغ الإرادة مستواها التام، بمعنى تحولها من هاجس ونية وإدراك إلى تأمل فاعل، وعقل فعال، وحدس يصرخ في الكلمة والعبارة عن قدرته على مواجهة كل شيء باسم الحق، حينذاك يصبح الرفض والتحدي شعار المواجهة الأولى لكل ما يعترض مسار قدميه وحركة يديه وتأمل عقله وتذوق مزاجه وخلجات روحه الأخلاقي. وليس غريبا أن نرى تكرار لفظ "لا" و"كلا" وشيوعهما في الآيات المكية الأولى. مثل أن يواجه حالة الأيتام بقوله {كلا بل لا تكرمون اليتيم} . وأن يحدد طبيعة الانقلاب القذر في طبع الإنسان حالما يستغني بقوله {كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى} ، أو أن يواجه وهم الخلود بالثروة كما في قوله {يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة} . وأن ينفي سخف الفكرة البدائية عند من ألهاه التكاثر البهيمي كما في قوله {كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون. كلا لو تعلمون علم اليقين} . وأن يؤكد على أن الخلاف حول ما يدعو إليه أمر زائل بسبب حقيقة ما يسعى إليه كما في قوله{النبأ الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون} . فهي "لاءات" صنعته وصنعها بوصفها الحركة الحية المعبرة عن وحدة المعارضة والتحدي.

فالاعتراض الحق عادة ما يوصل المرء إلى التحدي العملي والمواجهة الفعلية. ونعثر على هذا الانتقال من الاعتراض على الأمور الجزئية والخفية إلى مواجهة الآخرين بالرؤية الكونية في صرخاته الشديدة:{يا أيها الكافرون! لا اعبد ما تعبدون! ولا أنا عابد ما عبدتم! لكم دينكم ولي ديني} . وتوجت هذه الفكرة سلسلة الرفض والتحدي، ووضعت الحد الفاصل بين المؤمن والكافر، أو الأنا والآخر بوصفها تحديا للنفس أولا وقبل كل شيء. وشأن كل معارضة وتحد شامل لابد وان يصنعان روح المجاهدة. ونعثر في هذه الفكرة على بداية ما يمكن دعوته بالتكامل الذاتي لمحمد بوصفه نبيا عمليا، كما هو جلي في مخاطبته الذاتية:{فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} . وهو جهاد تمثل مضامين المعارضة والتحدي.

وشأن كل تحد ومعارضة كبيرين كانا مصدر المعاناة الجديد للنبي محمد. وذلك لأن أصل المعاناة الفردية الكبرى عادة ما يتغذى ويتقوى من المعارضة والتحدي الكبيرين. وقد كان ميدانها ردود وصدود العرب الوثنيين. فقد عيرّوه بكل ما أوتوا به من إمكانية. ولم يتركوا شيئا مهما كان عاديا وطبيعيا إلا ووجدوا فيه ثغرة للتشفي والاستهزاء والسخرية. فقد عيروه بالأبتر، وكان الرد {إن شانئك هو الأبتر} . وطغوا في تكذيب كل ما يقوله، فجاء الرد:{والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. كذبت ثمود بطغواها} . وجعلوا من أحاديثه موضوعا للاستغراب والضحك، فجاء الرد:{أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون} . وجاهدوا من اجل جعل القرآن مادة للاستهزاء والسخرية {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذوها هزءا} . وعملوا على إبعاد الناس عنه، وتعمدوا عدم الاستماع كما في قولهم {لا تسمعوا لهذا القرآن} . ودعوا الناس الى هجرانه العلني كما نراها في الكلمات {إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا} . بل نراهم يسعون إلى جعل اللغو فيه من اجل التشويش عليه وعلى أتباعه شعارا للعمل كما في قولهم{والغوا فيه لعلكم تغلبون} .

واعتبروه رجلا مخدوعا في وحيه من خلال التوكيد على أصابته بالسحر وكونه مسحورا، بل ووصفوه بالاسم كما في الآية {إن محمدا الا رجلا مسحورا} . وعندما كان يكرر أقواله وأحاديثه، فإنهم يشعرون بالسأم منها لأنها تكرار، وأنهم قد استمعوا إليها مرارا كما في قوله{وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا}. بل وصل بهم الأمر إلى أن خاطبه وحيه مرة قائلا:{ولو أنزلنا عليك كتاب في قرطاس فلمسوا بأيديهم لقال الذين كفروا "إن هذا إلا سحر مبين"} . والنتيجة كانت على الدوام واحدة - صدود دائمة وأوصاف متنوعة تجعل من كل ما جاء به النبي محمد كذبا وخداعا وزورا وبهتانا وسحرا وجنونا. وقد سجل الوحي هذه المواقف بكلمات تقول {وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك قديم} . من هنا تقريرهم الصارم: {لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه} .

لقد واجهته العرب الوثنية بمعارضة بدائية يقوم فحواها في انه{لو كان خيرا ما سبقونا إليه}. واستكملوا ذلك باستغرابهم الطبيعي والمحكوم بمعايير الجسد كما في قولهم:{أيتنزل عليه الذكر من بيننا؟} . فقد كانوا يرونه كل يوم شأنه شأنهم، فمن أين هذا الاختصاص "الإلهي" كما في قولهم {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ما تأكلون ويشرب ما تشربون. إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا}. من هنا مطالبتهم إياه بإنزال ملك عليهم كما في قوله {وقالوا لولا انزل عليه ملك}. ولم يكن ذلك معزولا عما يمكن دعوته بالرد الطبيعي للرؤية الطبيعية العادية والبدائية. بمعنى وقوفها عن حدود الملموس من اجل الاقتناع بفكرة المجرد. وبغض النظر عن الطابع الواقعي لهذه الفارقة، إلا أن مضمونها الفعلي وتأثيرها الوجداني يقوم في كونها جزء من نتاج المواجهة والتحدي المتبادل الذي لا يرضخ ما فيه إلا باليقين التام. الوثنية تطالبه بيقين ارضي وملموس، وهو يطالبهم بيقين الإيمان. فقد استغربت الوثنية كيف انه {جعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب! ما سمعنا هذا في الملة الآخرة. إن هذا إلا اختلاق} . ووجدوا في فكرته عن المعاد والثواب غرابة لا يمكن عقلها كما في قوله {وقال الذين كفروا "هل نحدثكم عن رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} . و{يقولون إنا لمردودون في الحافرة. إذا كنا عظاما نخرة. قالوا إذا تلك لكرة خاسرة}. بينما كانت الردود على قدر الصدود:{إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، فبأي حديث بعده يؤمنون} ، وأنه {ما جعلنا البشر من قبلك الخلد. أفأن مت فهم الخالدون؟} ، وأخيرا لا معنى لاستغرابهم بوجودك الحي بينهم شأنك شأنهم لأنه سبق وان {أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل اجل كتاب} .

وقد دفع محمد فكرة "الآية" التي طالبته بها العرب الوثنية إلى ميدان الروح والإيمان والإرادة واليقين. ومن خلالها حاول إظهار نبوته الفعلية. لكن كفاية النبوة الحقيقة ليست عصا سحرية، بل عصا الوجود الغليظة. بمعنى أنها كفاية الأمل لا العمل. من هنا مخاطبة الوحي إياه: {إنا كفيناك المستهزئين}. ويعكس هذا الأمل أولا وقبل كل شيء، يقين الإرادة المصممة على إنجاز مهماتها الكبرى.

فالمعاناة الكبرى على قدر الهموم، لكنها حالما تكوي الروح والجسد، فإنها تصنع إرادة عارمة مداها التحدي العنيد! وفي الوقت نفسه لا تفقد الروح من تأملاته، ولا الجسد من آلامه، ولا النفس من حسراتها. فقد خاطبه وحيه مرة {ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون}. وطمأنه في حالة أخرى قائلا {فلا يحزننك قولهم إنا نعلم بما يسّرون وما يعلنون}. وشأن كل روح مكتوية بهمومها، وجسد معرّض للاستهزاء والاستخفاف، عادة ما يؤدي مواساتهما وطمأنتهما بالمستقبل إلى استثارة القلق المتزايد.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2قد يكون الزمن هو الوحيد القادر على أن يطوي في تياره كل ما هو عرضة للموت والزوال، لكنه يرمي لنا في نفس الوقت كل أشكال الممكنات والمفاجئات. فهو ليس فقط ما يظمئنا بل وما يروي عطشنا، ويمرض السليم بيننا ويشفي العليل منا، ويخمد الآلام ويثيرها فينا، ويسعدنا ويشقينا ويفرحنا ويبكينا ويقسو علينا ويواسينا. كما أنه سارق الذاكرة وحاميها، وصارفها وخازنها.

لكننا عادة ما ننسى ونتناسى لكي تكون ذكرياتنا وذاكرتنا اشد حدّة في تناول ما هو مستعد للحياة والبقاء والديمومة والصفاء. عندها سيكون بإمكاننا تجريد الأحداث الجسام عبر تحويلها إلى مآثر نقية. حينئذ يكون بإمكاننا النظر إليها على أنها جزء من ماضينا وتجارب أممنا. بل ونذهب ابعد من ذلك لكي نرى فيها صورة من صور التنقية الضرورية للروح. حينذاك يصبح رفع هذه المآثر إلى مصاف القدر، الصيغة الأكثر "منطقية" لرؤية مسار التاريخ وما فيه. عندها يكون بإمكاننا رؤية "حقيقة" مسارها كما لو أنها حتما وقدرا لابد منه. وحالما نرتقي إلى هذا المستوى من التجريد يصبح من "الطبيعي" أن نجعل منها لغزا محيرا أو سرا معقولا بمقدار ما فينا من قدرة على التأويل. آنذاك تصبح الفكرة والتاريخ شيئا واحدا. فالتأويل هو ملك المقدس وملكوته، كما أنه جبروت الرغبة الإنسانية في تكثيف ما تراه غاية الوجود والتاريخ. وحالما يجري تمثل هذه الحالة يتحول الزمن المفني لوجود الأشياء إلى باني الأشياء جميعها، كما يصبح المبرد الذي يسنّ حديد العمر صانع نشارة المرآة الجديدة التي نتأمل فيها حاضرنا ومستقبلنا.

وحالما تحول القرآن إلى الكتاب المقروء ليلا ونهارا في المساجد والمقاهي، والبيوت والشوارع، والمآتم والأعراس، والهجوم والفرار، والانتصار والهزيمة، فإنه يكون بذلك قد اختزل حقيقة العذاب الذي عانى منه محمد وأرهق روحه وعقله وجسده قبل أن يصبح معجزة. وهو "عذاب" التحدي المميز للشخصيات الكبرى. بحيث جعله يواجه الأبعاد الكونية له في سماع التأنيب والمؤاساة في الآية القائلة له "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"(1). فكل شيء يبرهن على أن قدر الشقاء والعذاب على قدر المواجهة وحجم ما تتحداه وتقدمه من بدائل. وقد كان التحدي الأول لمحمد يقوم في مواجهة ذاته المتسامية بهيئة تحد لقراءة ما لا يعرفه، بوصفه الدرس الذي تلقنه للمرة الأولى في مواجهة من ينطق لنا الحروف ويعلمنا قراءتها. وواجه محمد هذه الحالة للمرة الأولى في غار حراء. لكنه تهجي للحروف، وتعلم لقراءة من نوعين ومستويين آخرين.

فالمشهور والمعلوم والمسجل في القرآن أيضا عن حادثة اللقاء الأول بين محمد والملاك (جبرائيل) في غار حراء هو حالة الهلع والاندهاش، التي تحولت إلى "غيبوبة" التوجس الذاتي عما إذا كان ذلك حلما من أحلام اليقظة، أو صورة من صور الجن والجنون، أو طيفا من أطياف الخيال، أو لقاءا ربانيا سوف يرفع محمد من مجرد "رجل أمين" من رجال قريش إلى نبي مرسل للعالمين. وسوف تتهمه الأعراب والعرب جميعا بهذه الصور، وبالأخص حالما اخذوا بوصف أقواله وأفعاله بالجنون والخيال المريض والكذب والأساطير، أي بكل تلك الصفات التي عادة ما توصف بها الرجال العظام حال تحديهم للتحجر الذهني والتقاليد اليابسة لأقوامهم وأممهم.

وقد واجه محمد هذه الاتهامات المرة والمريرة بادئ الأمر بذاته ولذاته قبل أن يواجهها من جانب الآخرين. وحالما جرى تذليل عقدة الخوف والشك من صدمة اللقاء الأول بملاك "الغيب" تحول الخوف إلى شجاعة، والشك إلى يقين، واللقاء الأول إلى بداية أزلية، والكلام إلى وحي، والتساؤل إلى إجابة. لقد انقلبت الأمور كلها رأسا على عقب، بمعنى أنها أخذت تسير، شأن كل تيار جارف من الهيجان والعنفوان والتعرج، إلى حالة الهدوء والسكينة والاستقامة. وقد تكون هذه العملية الأكثر تعقيدا بالنسبة للبصر والبصيرة والعقل والفؤاد في مسعاهم الدائم للبحث عن توافق في الرؤية يرتقي إلى مستوى التوفيق في العمل.

فالإجابة البريئة في عبارته القائلة، بأنه "ليس بقارئ" والممتلئة بتساؤل اغرب مما في طلب الوحي إياه (بأن "يقرأ") كانت في جوهرها تعبيرا عن حالة الاندهاش والحيرة المعرفية التي ترفع عظماء الرجال إلى مصاف الإحساس العميق بحدّة الهلع المتسامي. من هنا وقعها الشديد في أذنه وروحه للدرجة التي تحولت كلمة واحدة إلى عنوان الوحي كله. وكان بالإمكان أن تكون كلمات أخرى تحل محلها وتبقى الحقيقة هي ذاتها. إلا أن مصيرها التاريخي سوف يكون شيئا آخر. لقد شاءت الصدفة أن تصير حقيقة، وأن تصير الحقيقة صدفة. وهو لقاء نادر التكرار، لكنه يشكل على الدوام سرّ الإبداع التاريخي العظيم، أي الإبداع الأكثر خفاء بسبب جلاءه التام. من هنا استعداده للتأويل غير المتناهي.

فقد كان الصدى الأول للوحي الذاتي يقوم في مطالبته إياه بان يقرأ. وهي العبارة التي ابتدأ بها قرآن محمد التاريخي ليتحول لاحقا إلى قرآن الكلمة الأزلية وعنوان الفكرة الأبدية. إلا أن هذه الدورة المرفوعة إلى مصاف المطلق لم تكن في بدايتها أكثر من معاناة الإرادة المتسامية في مسعاها لإدراك حقيقة المجهول. ونعثر على هذه المعاناة في العبارة المقتضبة للآيات التي تطالبه بكلمات:{اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. أقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم. كلا إن الإنسان ليطغى. إن رآه استغنى… كلا لا تطعه واسجد واقترب}(2).

إننا نقف أمام مطالبة بالقراءة أرهقت كيانه الجسدي، لكنها صنعت في الوقت نفسه كينونته الروحية. وذلك لأنها لم تكن من حيث حقيقتها التاريخية والماورائية سوى سر القراءة الأبدية للحقائق الخالدة. وشأن كل قراءة أولية تفترض تعلم تهجي حروفها. من هنا ينبغي فهم إجابته بأنه ليس بقارئ، على أنه لم يتعلم قبل ذلك تهجي حروف الوجود بالشكل الذي يمكنّه من تجاوز حدود وجوده الطبيعي الذي صنعته تقاليد العرب الوثنية. فقد طالبه ملاكه الروحي بأن يقرأ حقائق الوجود الأولى، التي تقول بأن هناك غاية سامية في الوجود ينبغي أن تكون للمرء ربا، وأنه ككل كيان مخلوق عرضة للزوال، وأن الإنسان لا يختلف عن كل موجود، وأنه{خلق من علق}(3)، بينما حقيقته صيرورة تفترض تعلمه هذه الحقائق، التي تعادل بدورها ما يكتسبه الإنسان في مجرى كشفه للمجهول. ومن ثم يفترض تعلم هذه الحقيقة محاربة الطغيان أيا كان نوعه، واستكمالها بتعلم نطق اللسان والجنان المعارض، بوصفه اقترابا من الله (الحق).

لقد واجه هنا محمد للمرة الأولى الصوت الروحي في أعماقه، الذي كشف له وهو في ظلمة حراء، أسرار الوجود والحياة. فأسرار الوجود الكبرى هي عناصر أولية بسيطة، وإن سر الطغيان في المال والغنى، وإن الموقف الحياتي الحق يفترض الاعتراض والانتفاض، كما أن استمراره هو سجود دائم أمام الحق واقتراب دائم منه. ولم تكن هذه الحقائق مجهولة على العرب، لكنها كانت مجرد أمور معلومة وليست مبادئ معقولة وعملية. وهو واقع يعادل الجهل بها. وهي فكرة تضمنتها الآية المذكورة أعلاه عندما أشارت إلى أن الله علم الإنسان ما لم يعلم. لكنه حالما يستغني فانه يستغني عن حقيقة العلم. وهو إدراك صدح في أعماق محمد عند أول مواجهة له بملاك المطلق الأخلاقي، الذي طالبه بالاعتراض والانتفاض على حالة الخروج الجاهل عن صراط الإدراك الضروري لحقائق الوجود. لقد طالبه بقراءة الحقيقة بنفس القدر الذي طالبه بحقيقة القراءة. وهي وحدة تستفز العقل والقلب والضمير وتوحدهم في إرادة فاعلة بعد أن تهدأ في يقين ذاتي. لهذا لم يجب محمد حالما سمع النداء للمرة الأولى بكلمة "علمني!"، شأن كل رجل بلغ الأربعين عاما من أعوام العرب العصيبة من حروب وتجارة وتنقل. على العكس لقد جاءت ردود فعله مغايرة للطلب! بحيث كانت اقرب ما تكون إلى رد فعل تلميذ مبتدئ، حصل على تعبيره النموذجي في (سورة المدثر). فقد ارتعد محمد وانهارت فرائصه شأن كل كيان مرهف الإحساس، حال وقوع الكلمات على أوتار روحه المتوترة في بحثها عن سكينة مثلى. لقد هلع محمد من صدى ظلمات حراء الحائرة في أعماقه. وعندما لاذ بالفرار من سماع النداء، فإنه وجد ملاذه في البحث عن غطاء جديد يقيه وقع نور الاكتشاف المحير للبصر والبصيرة. لهذا طالب خديجة بأن تغطيه بكلمات "دثريني! دثريني!". وسوف تصدح هذه الكلمة في سماعه بالآية {يا أيها المدثر!}(4). وهنا للمرة الأولى تحولت المعاناة المنطوقة في الكلمة إلى وحي. وهو تحول اقرب ما يكون إلى رجع الصدى الروحي في العقل والوجدان، كما نراه جليا في الدعوة {يا أيها المدثر! قم فأنذر! وربك فكبر}(5)..

إننا نقف هنا للمرة الأولى أمام انعطاف تاريخي هائل في عقل محمد ووجدانه. وهو انعطاف صنع منهما سبيكة حية يمكن وضعها بعبارة "القراءة المعقولة بمنطق الوجود، والروح المهموم بإرادة العمل". ذلك يعني انه اخذ يتعامل مع كل ما يواجه إرادته المهمومة بمبادئ الدعوة الجديدة ومنطق قراءتها الخاص. فعندما قال أبو لهب عنه "تبت يدا محمد" فإن الآية ردت عليه بعبارة {تبت يدا أبي لهب. وتبّ ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب}(6). وعندما عيرّه العاص بن وائل بالأبتر، رد القرآن {إنا أعطيناك الكوثر. فصلّ لربك وأنحر. إن شانئك هو الأبتر}(7). وعندما همزه ولمزه من كان مستقويا بما لديه من المال والجاه جاء الرد {ويل لكل همزة ولمزة. الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة}(8). وعندما وجد انعدام البال تجاه اليتيم، نسمعه يقول {أرأيت من يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم}(9). وعندما وجد قومه لا يهتمون إلا بالتكاثر (الحيواني والثروة) رد قائلا {ألهتكم التكاثر. حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون}(10). مما جعل من الأحداث والشخصيات والمواقف والمجريات والهواجس والنوايا والكلمة المعلنة والمستترة، جزء من قراءة ذاتية أشبه ما تكون بقراءة النفس.(يتبع...).

 

 ميثم الجنابي

 .......................

(1) القرآن: سورة طه، الآية2.

(2) القرآن: سورة العلق، الآية 1- 9.

(3) القرآن: سورة العلق، الآية 2.

(4) القرآن: سورة المدثر، الآية 1.

(5) القرآن: سورة المدثر، الآية1-3.

(6) القرآن: سورة المسد، الآية 1-3.

(7) القرآن: سورة الكوثر، الآية1-3.

(8) القرآن: سورة الهمزة، الآية 3-4.

(9) القرآن: سورة الماعون، الآية1-2.

(10) القرآن: سورة التكاثر، الآية1-4.

 

 

mutham aljanabi2إن علاقة السلطة والمثقف عادة ما تلازم الوجود التاريخي والسياسي للأمم، بوصفها إحدى معضلاته الكبرى. وبالتالي، فإن مقدماتها في المدنية ومظاهرها المتنوعة في حضارات الأمم. ونعثر فيها أيضا على إحدى صيغ ومستويات الرقي المعرفي والأخلاقي، بمعنى انها تحتوي بقدر واحد على مصادر الفخر والإعجاب والإدانة والشماتة. وبالتالي، فإنها تؤدي رغم كل تعرجات التاريخ إلى السير ضمن قواعد الحقيقة ومنطق الرقي الأخلاقي، مع ما يترتب عليه من تأسيس ثقافي لوحدتهما المتناسقة. وبغض النظر عن الطابع المتناقض لهذه الوحدة، فإنها تسهم في إرساء أسس الصيرورة التاريخية للأنا الثقافية للأمة. وبالقدر الذي نعثر في مختلف النماذج الواقعية لعلاقة السلطة والمثقف على تاريخ وجودهما الفعلي، فإننا نكتشف فيها أيضا على إشكالية وجودها الطبيعي. فإذا كان التاريخ بالنسبة للمثقف هو بمعنى ما إشكالية السلطة، فإنه بالنسبة للسلطة إشكالية الثقافة. وفي هذه العلاقة المتناقضة ووحدتها الدائمة تتبرعم معالم الإبداع والتقليد، والنقد والتأييد، والبحث والتبرير في الثقافات الكبرى. ومنها تتكون كيانات الأمم وهوياتها الثقافية ومصائرها التاريخية.

إن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العلاقة بين المثقف والسلطة يكشف عن إشكالاتها الكبرى وامتدادها العريق. فهي جلية المظهر معقدة المضمون، وفيها تتكشف مختلف ألوان الخطوط المتعرجة لدهاليز الثقافة، ونوعية إبداعها، وقيمتها بالنسبة للماضي والحاضر، وأثرها بالنسبة لوعي الذات الفردي والاجتماعي، وأهميتها بالنسبة للإبداع الحر. كما أنها العلاقة الأكثر مأساوية وإثارة، بوصفها المحك الفعلي لمستوى تهذيب الإخلاص للحقيقة. وما لم يجر إدراك حدود السلطة وعدم تناهي الحقيقة، فإن العلاقة تبقى إشكالية للطرفين ومصدرا لمآس لا تنتهي.

فالثقافة سلطة أيضا. لكنها من طراز خاص. كما أنها متنوعة المستويات والـتأثير والمآثر. وإذا كانت الصيغة العامة لنماذجها "السيئة" تقوم في سيادة التقليد والجبن المقيد بالخضوع "الواعي" للقوة، فإن نقيضها المباشر يقوم في مختلف الصيغ الداعية للحق والحقيقة والعمل بموجبها.

وبغضّ النظر عن الصعوبة الملازمة لتثبيت دعائم هذه "السلطة"، إلا أن إدراك قيمتها الشاملة كان وما يزال يشكل "المثال" المؤثر والغاية المحركة لخيال وعقل المثقفين وضمائرهم. كما كانت وما تزال حافز المبدعين الذين عادة ما يواجهوا مصيرهم الفردي والتاريخي في أحضان الملوك أو سجونها، في تقريبهم من السلطة أو إبعادهم عنها. وفيها ومن خلالها تتكشف طبيعة وتعقيد العلاقة الواقعية والمثالية بين المثقف والسلطة، وكذلك في طبيعة المواقف المتبادلة بين الحقيقة والسلطة.

فإذا كانت الجاهلية العربية تجهل صراع الفكر والسلطة (السياسية)، فإنها لم تجهل سلطان الكلمة وأهميتها بالنسبة للصراع. على العكس! فقد كانت هذه القضية من الأهمية والحساسية بحيث رفعت ثقافة العرب القديمة من شأن الكلمة إلى مصاف المقدس، كما نراه على سبيل المثال في أهمية الشعر وفاعليته في العقل والوجدان ومصير الأفراد والقبائل، وكذلك في عمق وقوة الكلمات المأثورة والحكم. ثم استمرارها في سحرية الكلمة والعبارة التي جعل منها القرآن في وقت لاحق آية كبرى (إلهية ومقدسة)، بعد أن ادخلها في أفلاك الأزل والأبد بحيث جعل منها مصدر الاشتقاق الدائم للتفسير والتأويل والتفقه.

إننا نقف هنا أمام وجهين مختلفين من حيث الوظيفة الفعلية للكلمة والعبارة. لكنهما يتمثلان أولا وقبل كل شيء تقاليد الذهنية العربية بهذا الصدد. فقد كانت العرب الوثنية "تعبد" الكلمة بطريقتها الخاصة بحيث نراها تجعل الكلمة الجميلة والعبارة الأخاذة سحرا. ووضعت هذا الموقف المباشر في منظومة الإبداع الفاعل في سرّ السحر المجهول لمصدر الكلمة وكيفية تناسقها الجميل في العبارة. من هنا فكرة شيطان الشعر. تماما كما جعلت من وادي عبقر (للجن والشياطين) مصدر العبقرية. وهي فكرة لها جذورها في قوة الاندهاش التي تثيرها الكلمة الساحرة في العقل والضمير. فالعبقرية جنون أيضا. والجنون فنون (أي متنوع الصور والأشكال والمستويات). إذ لم تعن كلمة شيطان الشعر هنا سوى قوته غير العادية، أي المافوق طبيعية. ومن ثم ليس الشيطان هنا سوى تيار الوجدان العارم، شأن سيول الأمطار في جزيرة العرب ووديانها. وهي سيول تجري أيضا في دماء الصراع الحامي وشدة الأفراح المحطمة لرتابة العادة. ومن خلالهما تراكمت فكرة الخروج على المألوف. فالخروج على المألوف مقدمة المعجزة، كما ستتوصل إليه تقاليد الكلام الإسلامي في وقت لاحق. وسوف يجري وضع هذه الفكرة في تقييم عبارة القرآن بوصفها "آية" وليس شعرا. ولم يكن مقصود المعارضة بين الشعر والآية هنا سوى معارضة الهوى بالوحي، والظن باليقين. فقد ادخل هذا الفارق الجوهري على سحرية العبارة، من خلال إرجاعها الى الله باعتباره العقل الكليّ والحكمة المطلقة، على عكس قوة العبارة القديمة باعتبارها هوى عارما وجنونا شيطانيا. وحالما جرى تذليل هذه الخلاف بعد سيادة واستتباب الفكرة الإسلامية في الموقف من مختلف مظاهر الوجود، حينذاك أصبح من الممكن قبول تراث القدماء "الجاهلي" بمعايير جديدة قادرة على دمجه في منظومة القيم الإسلامية ومفاهيمها الكلية. من هنا القبول بعبارة الحديث (النبوي) القائلة (إن من البيان لسحرا). بمعنى بلوغ حالة التوليف الثقافي لتقاليد البلاغة العربية وقيمتها بالنسبة للذهنية المجردة وذوقها الجمالي المسحور بقوة الكلمة الجميلة وبلاغتها الآسرة.

ولم يكن ذلك معزولا في العصر الجاهلي عن تأثير سلطة الانتماء للقبيلة. فقد كانت الجاهلية تتطابق مع سلطة القيم القبلية والإخلاص لها. ومنهما كانت تتراكم في الأقوال والأعمال والصور والرموز معاني الانتماء، الذي كان يحدد بدوره السلطة الخفية التي تمحورت حولها ثقافة الجاهلية. لكنها لم تكن سلطة القهر والإجبار، بقدر ما كانت سلطة التجبر والانجرار وراء قوة الانتماء القبلي وشروط تأثيره في القول والعمل. فالجاهلية لم تعرف ثقافة السلطة السياسية (الدولتية)، ومن  ثم لم يعرف الشاعر (مبدعها وصاحب أفكارها) من تناقض المواقف وانفصام الرؤية. لقد كان قوله فعله، وفعله قوله. من هنا كانت سلطة الحقيقة وحقيقة السلطة في تطابق تام مع شعور الانتماء للذات. والذات هي القبيلة. من هنا الإخلاص لها في كل شيء. ومن هنا أيضا قيمة إبداعهم العظيم في الشعر والقول المأثور. لكنه إخلاص لا يخلص للحق المجرد، بل للحق الجزئي القبلي الضيق. من هنا قوة اللسان والبيان. وذلك لأن منطق لسانه وسحر بيانه يقوم في مدح النفس وهجاء الأعداء. وقد كان هذا المنطق يتطابق أحيانا مع الحقيقة ويخالفها في أحيان أخرى. من هنا جاهليته، بمعنى جهله الحقيقة المجردة والحق والمجرد. وهي نتيجة حددها انتصار الإسلام وانبساط سيطرته شبه التامة على كينونة العرب التاريخية وصيرورتهم الثقافية الجديدة. بمعنى نقلهم من لغة البيان في التعامل مع النفس والآخرين إلى لغة الإيمان بالمقدس، أي المتسامي في الصورة والمعنى.

وتجدر الإشارة هنا إلى إنني استعمل هذا المصطلح بمعنى بسط وانتشار السيادة الإسلامية (الظاهرية) وانبساطها، أي ارتياحها الروحي وانتعاشها الباطني. بعبارة أخرى، انه يحتوي على وحدة الظاهر والباطن التاريخية الثقافية. فقد تمثلت هذه الوحدة مرجعية التوحيد الإسلامي. ووجدت تعبيرها وانعكاسها التاريخي المتراكم في تجارب الأمة الجديدة من خلال صيرورة الثقافة وكينونتها الكونية (العالمية)، بوصفها ثقافة شاملة لها مرجعياتها الخاصة والأصيلة.

وهو انتقال نقل علاقة أشياخهم وشعرائهم وأبطالهم (مثقفيهم) تجاه سلطة القبيلة والعرف والتقليد والحق الجاهلي إلى مصاف ساهمت في تأسيس رؤية وأسلوب جديدين في علاقة المثقف والسلطة. أما الأسس الجديدة لهذه العلاقة فقد وضعها الوحي النبوي لمحمد عبر تكوين ما يمكن دعوته بمرجعية القرآن ومبدأ الثقافة والبيان. (يتبع....)

***

 

 

mutham aljanabi2 (الى فارس، الذي لم أر في حياتي أكثر فروسية منه)

لقد مر قرن من الزمن على احداث الثورة البلشفية في روسيا، وما ترتب عليها من آثار ومآثر وانجازات وهزائم، الا انها مازالت تشتعل وتخفت في الضمير والعقل اليساري بشكل عام والشيوعي بكل خاص. فقد كان الانقلاب البلشفي هائلا من حيث اثره وصداه ومجريات القرن العشرين ككل، الا انها اخذت في الزوال والتلاشي. والعودة اليها، بما في ذلك في مجال الفكر النظري والسياسي، من وجهة نظري،لا يتعدى العبرة التاريخية فقط لما فيها وما آلت اليه. فهي غير قابلة للاصلاح والتجديد والانبعاث، شأن كل ما يموت. والشيئ الوحيد المتبقي هو وهج الروح الثوري واليساري. وهذا لا يكفي لتأمل المستقبل.

ان المصطلحات الكبرى تعكس كبر الظاهرة وأثرها ولحد ما طابعها الدرامي. وفيما يخص ثورة أكتوبر، فأنها بدأت بعنوان الانقلاب البلشفي لارتباطه بدور البلاشفة فيها، ثم ثورة أكتوبر لتمييزها عن ثورة شباط من نفس العام، ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى بعد ان تحول الاتحاد السوفيتي إلى قوة عظمى في مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالية الأوربية والأمريكية.

فقد كانت بدايتها ونهايتها مثيرة للدهشة السياسية والفكرية والفلسفية، لكن وهجها الأيديولوجي ما زال مستمرا رغم خفوته الكبير. فمن حيث أثرها التاريخي تشبه الثورة الفرنسية الكبرى وتضاهيها من حيث وهجها السياسي. ولكل منهما مساره وخاتمته، ومن ثم أثره التاريخي. وفي كل منهما إشكاليات لا تحصى. وقد تكون ثورة أكتوبر ونهايتها إحدى اشد الإشكاليات تعقيدا للقرن العشرين، حيث ما زلنا نلمس أثرها السلبي والايجابي على النطاق العالمي لحد الآن. أما بالنسبة لروسيا فهي جزء من تجربتها التاريخية التي لم تحسم فيها لحد الآن لا قضية الانتماء القومي الثقافي ولا طبيعة النظام السياسي. وهذه قضية عانى ويعاني منها الفكر الفلسفي والسياسي الروسي منذ زمن ظهور كتاب (روسيا وأوربا) لدانيليفسكي عام 1871 ومرورا بصعود التيار السلافي والفلسفة الدينية الروسية والفكرة الاوروآسيوية ولحد الآن.

وسوف اكتفي هنا بتحليل فكرة الثورة والإصلاح في روسيا، باعتبارها القضية الجوهرية في المسار التاريخي لثورة أكتوبر والعقدة التي لم تحلها روسيا على امتداد تاريخها الحديث.

اشكالية الثورة والاصلاح

عندما تبلغ الثقافة قناعتها الخاصة عن المثال، فان ذلك يفترض معاناتها إياه في العلم والعمل. وهي معاناة تبدع  تصوراتها عن الواجب أو عما ينبغي القيام به، ويستحيل بلوغه دون النزعة الانتقادية للفكر ودون فرضياته الكبرى.

إذا كان الفكر الروسي المتمثل لقيم المثال الأسمى قد بلغ قناعته الخاصة عن ضرورة الثورة بالنسبة للإصلاح، فان نزعته الانتقادية اللاذعة تجاه الواقع وفرضياته الكبرى عن الواجب بقت في الأغلب أسيرة المواجهات الفردية والجزئية مع النظام القائم. فالفكر الروسي لم يرتفع في نقده وفرضياته إلى مستوى الرؤية المنظومية، ولم يستطع بلورة وصياغة فلسفته السياسية. وهو السر القائم وراء الاندفاعة المتحمسة للفكر الديمقراطي الثوري صوب الهيغلية اليسارية أولا والماركسية لاحقا. بحيث جعل لينين يتكلم في وقت لاحق عن المعاناة الروسية في  انتظارها للماركسية. لم يقصد العثور المفاجئ عليها كما لو أنها الهبة المرسلة من سماء التاريخ الأوربي إلى أراضي روسيا الشاسعة، بقدر ما كان يعني استجابة الماركسية للعناصر النقدية والفرضيات المتراكمة في التاريخ الروسي بشكل عام والثوري الديمقراطي منه بشكل خاص. وليس مصادفة أن يتكلم لينين أحيانا عن "المصير التاريخي" للماركسية في روسيا.

لم تعن مطابقته بين معاناة الوعي الثوري الروسي في بحثه عن "مرشد عمل" وبين العثور عليه في الماركسية سوى إدراك قيمة الماركسية بالنسبة للحرية  الاجتماعية الحقيقية. فقد كانت الحرية معضلة روسيا القيصرية ومعضلة الماركسية أيضا، بمعنى انعدامها في الأولى و"غائيتها" في الثانية. وهي فكرة أكد عليها لينين منذ بواكير أعماله النظرية ونشاطه السياسي. فهو يشير في إحدى مقالاته إلى أن روسيا المتحررة من الاضطهاد الطبقي والقومي هي مقدمة تحرير أوربا نفسها من رجعيتها وحروبها الدائمة.

ومن الممكن القول بان الوعي الروسي الثوري قد تمرس في قبوله نتاجات الفلسفة "الكلاسيكية الألمانية" ابتدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ  مرورا بهيغل. وبما أن المنطق الهيغلي يفترض بلوغ ملكوت الحرية في مجرى تعمق وعي الذات،  فقد اصبح  من الممكن إنزال هذا الملكوت إلى أرض الصراع الطبقي المباشر وإعلانه أسلوبا لبلوغ الحرية الحقيقية. وهذه الفكرة التي شكلت عصب الصيرورة الماركسية وروحها الفعال ابتداء من إشكاليات الاغتراب والفعل حتى حتمية الانتقال إلى الشيوعية وضمور السلطة القهرية (أو الدولة بالمعنى التقليدي للكلمة). بهذا المعنى كان "اكتشاف" الماركسية في مجرى المعاناة الثورية الروسية النتاج "الطبيعي" لالتقاء الجهود العلمية (النظرية) والعملية الروسية في البحث عن النموذج الواقعي والمثالي للحرية.

إن "اكتشاف" الماركسية في روسيا كان يعني بناء صيغتها الروسية. فالماركسية الروسية لم تكن تقليدا أجوف ولا معاناة مغامرة، بل نموا تلقائيا للوعي الثوري الروسي في سعيه للتحرر من القهر والاضطهاد القيصري. من هنا فان تحسس وإدراك الالتقاء التاريخي والروحي بين الماركسية والديمقراطية الثورية يخدم  مزاج الرؤية الثورية في بحثها عن "عقيدة الخلاص" وتأسيسها النظري السياسي لتفعيل هذه العقيدة في "الروح الجماعي" الروسي.

لهذا لم  يجد لينين في الماركسية "عقيدة خلاص"، بل "مرشد عمل". وهو تباين يتجاوز حد العبارة إلى أسلوب الرؤية والفعل. من هنا تشديده في بواكير أعماله النظرية، على انه لا يوجد ماركسي في روسيا يشترط إلزامية الرأسمالية فيها لأنها موجودة  في الغرب، او  يرى  في آراء ماركس مخططا فلسفيا - تاريخيا ملزما للجميع، او اكثر من نظرية تخدم مواقف الاشتراكية الديمقراطية ورؤيتها للواقع التاريخي الروسي. لان الجوهري هو كيفية تطبيق آراء ماركس في الواقع الروسي. وذلك ما جعل لينين يشدد على أن شروط الإبداع الفكري والسياسي للمثقفين الروس يكمن في بحثهم الجاد والمتعمق في روسيا الواقعية لا روسيا المرغوب فيها، روسيا الواقعية لا المثالية.  ذلك  يعني أن الجوهري في الماركسية ليس خطتها المجردة ولا حتى أحكامها الملموسة، بل منطقها وماهيتها (العلم والديالكتيك). ولا تعني هذه الأفكار في مضمونها التاريخي سوى المساهمة النظرية في تعميق الرؤية الثورية  للتراث الديمقراطي الروسي من خلال تفعيل نقدية الماركسية وفرضياتها المنظومية.  فقد استجابت الماركسية كنظرية وحّدت في ذاتها النزعة النقدية والفرضية المنظومية، لنزوع الديمقراطية الثورية الروسية في بحثها التاريخي عن الحلقة المكملة لسلسلة فلسفتها السياسية.  لهذا جعل لينين من شرط الإبداع النظري الثوري الروسي سبيله إلى دراسة الأشكال الواقعية الاجتماعية الاقتصادية كاشفا حتمية الاستغلال ومآسيه في ظل سيادة الرأسمالية، وكذلك تفعيل الرؤية العملية الكفاحية.

إن انتظار الماركسية كان يعني أيضا استعداد روسيا المادي والروحي لتأسيس رؤيتها التاريخية والسياسية عن ضرورة البديل الاجتماعي الشامل. لهذا كان ارتقاء الديمقراطية الثورية صوب الاشتراكية الديمقراطية نتيجة لازمة لنضوج الوعي التاريخي الثوري، لا نتيجة للأهواء العابرة.  بمعنى تصّير الديمقراطي الثوري  ديمقراطيا اشتراكيا، وأن تكون ثوريا يعني أن تكون اشتراكيا. وهو ادراك استعاد تقاليد الثورية الروسية بالشكل الذي جعل من تفعيلها السياسي في نهاية القرن التاسع عشر- بداية القرن العشرين، المهمة الأولى للاشتراكية الديمقراطية.  من هنا توكيد لينين على أن الماركسيين الروس بالاختلاف عن اشتراكيي الماضي لم يكتفوا بالإشارة إلى واقع الاستغلال، بل وحاولوا تفسيره، ولم يقفوا عند هذا الحد بل واكتشفوا الطبقة التي يمكن أن يوجهوا اهتمامهم إليها من اجل تثوير وعيها الذاتي لقيادة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الشاملة. وهي المهمة التي استلزمت في ظروف روسيا، كما يقول لينين، تحويل الطبقة العاملة إلى ممثل للفئات المستضعفة عبر رفع  نضالها من حضيض الفتن وردود الأفعال الجزئية إلى مستوى النشاط السياسي المنظم، باعتبارها المهمة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية الروسية.  وأن بلوغ الحركة الاشتراكية الديمقراطية في رؤيتها النظرية والسياسية درجة تمثيلها للمصالح الجذرية للطبقة العاملة والكادحين هو الذي يمنحها إمكانية السير صوب الثورة الاشتراكية، كما هو جلي في كتابه (ما العمل؟).

مّثل كتاب لينين (ما العمل؟) من الناحية الرمزية انتقالا صريحا من تاريخ الفتن وردود الأفعال الديمقراطية المتحمسة إلى نظام الرؤية السياسية. أي الانتقال  من تذبذب "النفس الروسية"  بين "من المذنب" و"ما العمل؟" إلى وحدتهما الفعالة بالنسبة لتفسير الواقع وتغييره.  فقد كان (ما العمل؟) اللينيني الاستكمال السياسي للروح الأدبي (الديمقراطي الثوري) المتجمع في غضون قرن كامل من المعاناة الحقيقية في مختلف ميادين الصراع والإبداع. وأشار لينين في (ما العمل؟) إلى روسيا الظلامية،القمعية، الرجعية، المتخلفة نهاية القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي استنفدت فيها الديمقراطية الثورية رصيدها الخطابي. مما جعل من تغلغل الماركسية في الأدب الثوري والنظري العلمي، الظاهرة الأكثر  شيوعا وانتشارا. وأشار أيضا إلى أن الكتاب الماركسي أصبح الأكثر نفوقا في روسيا، والنظرية الماركسية أصبحت الأكثر انتشارا بين الخواص والعوام (النخبة والجماهير).

واصبح من الممكن الحديث عن ماركسية علنية وماركسية اقتصادية وماركسية مبتذلة وماركسية انتهازية وماركسية تحريفية وغيرها. إذ أنها أصبحت الكيان الجامع لتجليات السياسة المتنوعة في مراحل الصراع الحادة. وكشفت بذلك عن أن رواجها لم يكن صدفة بقدر ما كان استجابة للكل الثوري المتبلور في تنوع المدارس والفرق والمذاهب والعقائد والأحزاب والجمعيات في روسيا ما قبل الثورة.

أما الوحدة المتناقضة لرواج الماركسية وتنوعها، ضرورتها في مساعي الحرية و"انحرافاتها" العديدة، فأنها تعكس إشكالية البحث عن النماذج الواقعية للبديل الإصلاحي الشامل. وقد أصاب لينين عندما أكد على أن المبادئ التحررية للماركسية وبراهينها العلمية على ضرورة تصفية الاستغلال، كخطوة لبلوغ الحرية الإنسانية هي التي جعلت من خطواتها في كل مجال ميدانا للمعارك. ولم يكن ذلك ناتجا عن ضغط الرؤية المتبلورة في مجرى قرن من المعاناة الروسية في البحث عن المثال والواجب فحسب، بل وبفعل الانتقال التاريخي للديمقراطية الثورية نفسها إلى مصاف الاشتراكية الديمقراطية.  لقد قادت هذه العملية إلى تكون التيار الثوري الاشتراكي بوصفه توليفا روسيا لتقاليد الديمقراطية الثورية والاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم تحول الاشتراكية الديمقراطية (الروسية) إلى الممثل الأكثر تجانسا للحركة الديمقراطية الروسية ككل.

إن مطابقة الثوري مع الاشتراكي، والاشتراكي مع الثوري جعلت من تيارات "الإصلاحية" الأخرى، بنظر الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلشفية منها بالأخص)، مجرد حركات ليبرالية برجوازية نشأت على أطراف التيار الأصيل للحركة التقدمية الروسية.  مما حدد حتمية الصراع معها، وميز التاريخ السياسي الروسي حتى الثورة، عبر صراع الاشتراكية الديمقراطية مع التيار الليبرالي.

وإذا كان هذا الصراع السياسي قد اتخذ في بداية الأمر صيغة الصراع النظري مع "الماركسية العلنية" ثم الشعبية ثم "الاقتصادية" و"التحريفية" و"الانتهازية" وغيرها، فانه أدى في ميدان الفعل السياسي إلى تركزه في مجال التعارض التام بين الرؤية الثورية والرؤية الليبرالية البرجوازية في المواقف من إصلاح روسيا. وهو صراع اتخذ في بداية الأمر صيغة "تنقية" الرؤية الماركسية نفسها والحفاظ على ثوريتها. وافلح هذا الصراع في غضون ثلاثة عقود (قبل الثورة) على تذليل مختلف الماركسيات العلنية والتحريفية والانتهازية، التي كانت تهدف إلى البقاء في حيز الجزئية (كالماركسية العلنية) وتمييع فكرة الصراع الطبقي (كالتحريفية الكاوتسكية) وإلغاء جوهرية الهدف النهائي (كالانتهازية البرنشتينية). وهو صراع أدى إلى  بلورت البلشفية، باعتبارها التيار الأكثر تجانسا مع السياسة الثورية في رؤية الوسائل والغايات.

فالصراع مع الماركسية العلنية والكاوتسكية أدى إلى دمج الفكرة القائلة بجوهرية الصراع الطبقي وشمولها العقائدي في المواقف السياسية والآراء النظرية لكل جوانب الوجود الاجتماعي.  في حين أدى الصراع مع البرنشتينية وأفكارها عن جوهرية الحركة لا الهدف النهائي، إلى توكيد وحدة الحركة والغاية. إذ لا يعني إهمال الهدف سوى الإرجاء الدائم للاشتراكية. بينما لا طريق (أو وسيلة) إلى الاشتراكية إلا بالصراع الطبقي، الذي يفترض  ضرورة الثورة. وهي الحصيلة التي حالما جرى تثبيتها في المبادئ الكبرى للبلشفية ( باعتبارها التيار الديمقراطي الاشتراكي الروسي الأكثر فاعلية قبل الثورة) ، فأنها أدت إلى تركيز مواجهاتها السياسية الفكرية ضد التيارات البرجوازية بشكل عام والليبرالية منها بالأخص.

وليس مصادفة أن يرى لينين في التيارات التحريفية والانتهازية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأوربية والروسية) تعبيرا عن "أثر ومآثر" الليبرالية البرجوازية. وهذا ما جعله يشدد على أن تاريخ الماركسية بشكل عام (وفي روسيا بشكل خاص) هو تاريخ الصراع ضد الليبرالية البرجوازية في طروحاتها المتنوعة الهادفة إلى تمييع الصراع الطبقي وإلغاء ضرورة الثورة. لان ما تجتمع عليه الاتجاهات الليبرالية هو تنظيرها وعملها الهادف إلى عزل مفاهيم وممارسات الديمقراطية والاقتراع العام وإرادة الأغلبية والدولة عن مفهوم الطبقات والطبقية.

بينما كان مثال الديمقراطية الثورية الروسية والاشتراكية الديمقراطية هو التغيير الشامل للنظام القائم (القيصري). وهي الفكرة التي وضعها لينين في أبحاثه وبراهينه العديدة، حتى في فكرته القائلة بان المرء لا يمكنه أن يكون ثوريا ديمقراطيا في القرن العشرين، في حالة خوفه من السير صوب الاشتراكية. وقد حددت هذه النتيجة الموقف النهائي من تاريخ الإصلاحيات السابقة ككل.

وضعت الماركسية البلشفية فكرة الإصلاح ضمن مفاهيم الثورة، وجعلت من الثورة القابلة الضرورية للتاريخ، والقوة التي ينبغي أن تتخطى عقبات التاريخ الواقعي بنقله إلى أسلوب جديد في الملكية يحدد بدوره مضمون التحولات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية والثقافية ككل. ذلك يعني، أن الإصلاح الحق حسب نظر البلشفية هو الإصلاح الشامل، الذي يفترض مشروعية الثورة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على أنسنة العلاقات الاجتماعية بالقضاء على الاستغلال الطبقي، وبلوغ ملكوت الحرية.

غير أن بلوغ الحرية الحقيقية والبقاء في إمكاناتها ليس تقنينا شبيها بما في الطوباويات القديمة وتخطيطاتها الشكلانية، بل هو الذروة التي يفترضها "منطق" التاريخ وتناقضات قواه المنتجة وعلاقاته الإنتاجية. بهذا المعنى فان الثورة إصلاح، كما أن الإصلاح ثورة. أما توليفهما العملي فيمكن أن يتخذ أشكالا يصعب حصرها مسبقا، مما فسح المجال أمام اللينينية لان تصوغ نظريا إمكانية الثورة السلمية والعنفية،  باعتبار أن ذلك لا يمس من حيث الجوهر إلا الأسلوب فقط. وإذا كان للأسلوب أثر في كيفية تفتح القوى الكامنة في الثورة، فان ذلك مرهون "بصدف" التاريخ وكيفية تجمع عقده المتناقضة لا بالرغبة الجامحة في كسر طوق التاريخ بالعبور إلى ما وراءه. إذ لم تعن الفكرة الماركسية عن تذليل التاريخ سوى القضاء على مقدمات صراعاته المقيدة بالملكية الخاصة. ومن ثم ليس "التاريخ الحقيقي" سوى الإمكانية اللامحدودة في الحرية.

الماركسية الينينة - الثورة والاصلاح

لقد شكلت فكرة التاريخ الحقيقي والحرية المتراكمة في الرؤية الماركسية منذ إرهاصاتها الفلسفية الأولى مرورا بالبيان الشيوعي وانتهاء بالرأسمال، المقدمة النظرية الكامنة للثورة الشاملة باعتبارها إصلاحا، وللإصلاح باعتباره ثورة دائمة. وإذا كانت الثورة الشاملة قد اتخذت في بادئ الأمر صيغة الثورة العالمية، بينما اتخذت الثورة الدائمة صيغة الفعل المتوجه صوب "التاريخ الحقيقي"، فان التجسيد العملي لهذه الأفكار في البلشفية لم يكن تحجيما لها بقدر ما كان استجابة واقعية لما في التقاليد الثورية للاشتراكية الديمقراطية (الأوربية) بشكل عام والروسية منها بالأخص. فالجوهري بالنسبة للينينية ليس الصيغة النظرية الدقيقة للماركسية، بل فرضياتها الكبرى واحتمالاتها المتجددة.  مما أعطى للينينية مرونة عملية هائلة وأبقاها في نفس الوقت ضمن حيز الاستيعاب الثوري للتقاليد الروسية. لهذا واجهت اللينينية إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية عن طريق السلم والعنف. فالسلم والعنف بالنسبة لها مجرد أشكال ومظاهر للثورة بوصفها تحولا شاملا للوجود الاجتماعي السياسي والاقتصادي للامة.  فقد نظرت اللينينية إلى الثورة نظرتها إلى أسلوب ضروري للتسريع في بناء المجتمع الإنساني دون انتظار "حتميته" المتراكمة في الحاضر والمستقبل. ولم يكن ذلك تقديما للإرادية أو سقوطا في أحضانها أو انهماكا بالمستقبلية واستعجال آفاقها. على العكس! لقد كان ذلك إدراكا خاصا للعلاقة الواقعية والواجبة بين الحرية والضرورة، الواقع والمثال، وتحديد النسبة "المتذبذبة" لهذه العلاقة في الفعل السياسي. وهو الأمر الذي جعل اللينينية "ماركسية القرن العشرين". بمعنى تحويلها الروح الثوري للماركسية إلى روح الثورة الروسية. بصيغة أخرى، أنها وضعت الروح الثوري للماركسية في ثورية الفعل، وتركت للعقائديين مهمة الجدل حول ما إذا كان ذلك انحرافا أو ابتعادا أو تمثلا لحقائق الماركسية ومبادئها. كما مارست ذلك تجاه من بدا لها منحرفا أو مبتعدا أو مبتذلا لحقائق الماركسية ومبادئها. وقد كان ذلك جدلا له صداه وأثره التاريخي والمعنوي حتى في الموقف من ماهية الثورة والإصلاح في روسيا القرن العشرين.

إذا كانت الحصيلة الفكرية لتجارب الحركات الثورية في روسيا قد أدت إلى مطابقة الثوري الديمقراطي مع الاشتراكي الثوري، فان تجسيدها السياسي اتخذ صيغة المطابقة بين الثورة والإصلاح، وإعلان "الإصلاح الثوري" أسلوبا للإصلاح. لهذا كان بإمكان لينين في جدله مع التيارات المختلفة حول ضرورة الثورة ألا ينطلق من معايير وقيم الإدراك المتسامي للإصلاح الشامل والثورة فحسب، بل ومن تحليله لطبيعة التحولات الاجتماعية - اقتصادية على النطاق العالمي والروسي. فالإمبريالية لم تعد مجرد "درجة عليا" في التطور الرأسمالي العالمي، بل ومقدمة "لكسرها في اضعف حلقاتها".  وهي الرؤية التي لم تتحدد بالتخطيط المنطقي المجرد لفلسفة التاريخ الماركسية عن التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية، بل حددها روح الثورة واصلاحيته الشاملة.  لهذا وجد لينين في الفكرة القائلة بعدم استعداد روسيا للانتقال إلى الاشتراكية نتيجة ضعف مستوى تطورها الثقافي مجرد حذلقة مثقفين لا قيمة عملية لها في إطار الرؤية التاريخية ومهمات الانتقال الثوري إلى الاشتراكية.  فالجوهري بالنسبة للينين هنا ليس "مستوى التطور الثقافي"(الذي يصعب تحديد حده وحقيقته)، بل أداة التحول. لهذا وجد في السلطة السوفيتية ضمانة "المستوى الثقافي"، أو القوة (والوسيلة) القادرة على التعويض عن نقص المستوى الثقافي في بناء النظام الاشتراكي.

لم يعن ذلك، بالنسبة لقضية الثورة والإصلاح، سوى أن أولوية السياسة هي أولوية الإدراك العملي لحل إشكالية النظام والحرية،  باعتبارها الإشكالية "الخالدة" للوجود الاجتماعي - السياسي للأمم.  أما الصيغة الثورية لهذا الحل فهي النتيجة الملازمة لنشوء علاقة الحرية والنظام.  ومن ثم  فان الضمانة المفترضة في السلطة السوفيتية هي ضمانة النظام (السلطة) والحرية (السوفيتات).  وهي الرؤية التي حددت قيمة الثورة الاشتراكية وجعلت منها في نفس الوقت المقدمة اللازمة للإصلاح الشامل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

لقد تضمن الإقرار بأولوية السياسة بالنسبة للإصلاح الشامل دمج تقاليد الثورية الديمقراطية والاشتراكية الروسية في رؤيتهما لمسألة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.  من هنا قيمة "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر" و"شيوعية الحرب"،  وكل ما كان بخدم بناء وحدة الحرية والنظام بمعايير الثورية الاشتراكية. ولا يغير من ذلك مساوماتها العديدة (كالسياسة الاقتصادية الجديدة وصلح بريست وغيرها). على العكس، أن ذلك يكشف عن المرونة العملية في استيعاب الأولويات السياسية في نظام الرؤية الثورية نفسها. إذ لم يجر وضع أولوية السياسة في متطلبات الاقتصاد والاجتماع، بقدر ما جرى تحويرها بالشكل الذي يخدم الأهداف القريبة والبعيدة للدولة. وتكشّف ذلك للمرة الأولى بعد الحرب الأهلية (1922) عن الإمكانيات الواقعية والأساليب العملية للبناء الاشتراكي. فالفرضيات التجريبية للبناء الاشتراكي تكشف عن أن أولوية السياسة لم تعد جزءا من استمرارية الثورة فقط، بل ومن كيفية الإصلاح الثوري الشامل أيضا. وهو الأمر الذي حدد مجرى  الصراع الفكري والسياسي منذ بدء تجارب البناء السوفيتي، وبالأخص الصراع بين التروتسكية وتصوراتها عن "الثورة الدائمة" والستالينية وتصوراتها عن "بناء الاشتراكية في بلد واحد".

كانت الستالينية بهذا الصدد استمرارا للرؤية اللينينية، حاولت تطبيق استنتاجاتها النظرية في ميدان البناء الاشتراكي. فإذا كانت الفكرة اللينينية عن إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد تتضمن كسر فكرة الحتمية والعالمية(أي اقترابها من  واقعية الرؤية الثورية الكامنة في الماركسية، أو بصورة أدق تذليل عاطفية الرؤية الحالمة لا منطق التحليل النظري المجرد)، فان تطبيقها الستاليني في ظروف الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب الأهلية هو الاستمرار الأكثر حدة  في استيعابه لقيم الإرادة والعزم، أو  ضمانة السلطة السوفيتية في إنهاض البلاد وإصلاحها الثوري الشامل.

وقد حسم هذا الصراع لصالح الستالينية بفعل ضمانة أو  ثبات المقدمات التي رافقت انتصار الثورة ونتائج الحرب الأهلية. عندها اصبح من الضروري دفع "تصفية" بقايا الحرب الأهلية إلى نتيجتها النهائية في الاقتصاد (من خلال مصادرة الملكيات الخاصة ونظام الجمعيات الزراعية)، وفي السياسة (من خلال بناء مركزية الدولة وآليتها الشاملة)، وفي الثقافة (من خلال فرض أيديولوجية الحزب والدولة). وهي المهمات التي كان يصعب تنفيذها دون بناء الأسس المادية والتكنيكية، مما حدد بدوره أولوية التصنيع الثقيل والزراعة الموسعة، أو كل ما كان يخدم مركزة الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والأيديولوجية الواحدة والثقافة الواحدة والاقتصاد الواحد واللغة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد.

وأدى هذا الاستعجال التوحيدي إلى إعلان البعض ظهور الكيان القومي السوفيتي أو "القومية السوفيتية". وبغض النظر عن البواعث الإنسانية العميقة وراء هذه الصياغة فأنها كانت التعبير المباشر عن استيعاب وترميم الصيغة النظرية المجردة لثنوية الشكل والمضمون (قومية الشكل اشتراكية المضمون). إن مد المضمون الاشتراكي على كافة نواحي الحياة جعل من الممكن احتواء القومية أيضا. وهي صيغة ايديولوجية استجابت في "تنظيرها" للروح البيروقراطي في تنظيمه للوجود الاجتماعي. فكان ذلك أحد الأسباب الأساسية وراء "اغتراب" القوميات في الاتحاد السوفيتي واستغلال فكرة القومية لاحقا بما في ذلك من  قبل "قادتها الامميين". هذا "الارتداد" لم تحدده  في حالات عديدة سوء التجربة السوفيتية في ميدان المسألة القومية، بل ارتجالية "الإصلاح الغورباتشوفي"، وتنامي عناصر الرذيلة السياسية والأخلاقية التي شكلت في كلها "منظومة الخيانة" وإفرازاتها الدائمة في تبرير المجرمين وتجريم الأبرياء،  وتجميل القبيح وتقبيح الجميل.

لم تكن هذه الواحدية نتاجا لازما للماركسية، ولا للنموذج اللينيني (البلشفي) للماركسية. وإنما نشأت في مجرى الصراعات السياسية ما قبل ثورة شباط (1917) وبعدها، وفي مجرى أحداث ثورة أكتوبر (1917) وفعل نتائج الحرب الأهلية. وترتب على هذه الأحداث عنفوان "الرؤية الطبقية" التي حاولت تأسيس كل الأشكال المعقولة واللامعقولة في ما يخص تنظيم الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة بقومياتها وشعوبها المتنوعة. وهو تأسيس خدم في برامجه العملية وغاياته المعلنة أسلوب "التحدي التاريخي" و"السباق التاريخي" مع الرأسمالية العالمية وقواها الداخلية والخارجية. وذلك ما أغرى الرؤية السوفيتية بتصفية وتنقيه وجودها الذاتي في كافة نواحي الحياة و"توحيد" الاتحاد السوفيتي بالشكل الذي يمكنه من تحدي الحصار الخارجي وتمتين بنيته الداخلية. واستثار ذلك حمية الجماهير وقدرة الشيوعيين التنظيمية لدرجة أفلحت في بناء صرح الوحدة الصلبة للدولة ومؤسساتها، والمجتمع وفئاته (وقومياته أيضا)، والحزب في تنظيماته، بحيث تنامت فيه وترّسخت آلية مستقلة، تحولت شأن كل آلية مستقلة بذاتها إلى "الاستكبار والتجبر" على شروط وجودها الأولى. وهذه الآلية خلقت الستالينية وساهمت في بناء صرحها البيروقراطي، مما أدى تاريخيا (في الاقتصاد والسياسة والثقافة) إلى فقدان حدود الاعتدال، وافرغ الثورية اللينينية من مضمونها الأخلاقي والإصلاحي فتراكمت عناصر المركزية والإدارية البيروقراطية (الحزبية وغير الحزبية) في الدولة.

وأدت الحصيلة النهائية لهذه العملية التاريخية إلى تحول "التطرف" (الفردي والإرادي) إلى أسلوب امثل للممارسة، وبالأخص بعد إن جرى شحن هذا الأسلوب بقيم العقائدية، وبعد تحول هذه العقيدة نفسها إلى قيود عملية مباشرة (لا إلى مبادئ  مجردة كبرى أو مرجعيات روحية). إذ تجذّرت هذه القيود في العقل والوجدان كما لو أنها فرائض دينية. وجعلت سواء عند الناس التأييد او المعارضة. وهذا ما أدى إلى تجذير آلية الفعل لا آلية الاحتكام إلى نظام الرؤية العقلانية والأخلاقية الكامنة  في فلسفات الإصلاحية الثورية. لهذا أدت أول محاولة لتقييم الستالينية وإصلاحها على يد خروشوف إلا إلى إعادة  ترميم آليتها. لقد تمثلت الخروشوفية أسوء نماذج الستالينية،  لأنها جعلت من المغامرة الفردية النموذج الأمثل في تهشيم  مغامرات الستالينية (ادارتها البيروقراطية وعبادة الفرد). فالخروشوفية لم تستطع توظيف التقاليد الثورية الاشتراكية بالشكل الذي يمكنها من ترميم بناء التجربة الاشتراكية، باعتبارها تجربة التحرير الإنساني، فأخفقت. ووجد ذلك انعكاسه أيضا في البريجنيفية بوصفها الصيغة "التقليدية" لآلية رد الفعل لا الاحتكام إلى نظم الرؤية العقلانية. وهي الآلية التي حددت نماذج الرجوع التقليدي إلى "الستالينية المتنورة" عند اندروبوف وإلى "البريجنيفية المتكلسة" عند تشيرنينكو. وعندما ظهرت للمرة الثانية إشكالية الإصلاح، لم تتخذ سياسيا صيغة "إعادة البناء" (البيروسترويكا) إلا بعد أن مرت بموضوعات "التسريع" و"العلنية" (غلاسنوست). وليس مصادفة أن تطالب كل من الخروشوفية والغورباتشوفية في بداية أمرهما بالرجوع إلى اللينينية، بعد الهجوم المباشر وغير المباشر على الستالينية.  إذ لم يستوعب أي منهما أبجدية الإصلاح القائلة، بان الرجوع إلى الماضي وهم. فالستالينية هي خطوة هائلة بمعناها التاريخي، وشطب البريجنيفية مجرد مغامرة. إن الستالينية والبريجنيفية تقدمان حتى في سلبياتهما النموذج الضروري لبلورة عناصر النقدية الإصلاحية. ومن ثم فان الإمكانية العقلانية الوحيدة لتعمير الصرح الاشتراكي ليست في سياسة رد الفعل والإصلاح الجزئي ودمج الهزيمة في بنية الفكر السياسي، بل في تحديد الأولويات الموضوعية في نظام إصلاحي يعقل إمكانياته وغاياته المباشرة والبعيدة المدى. وهو ما كانت تفتقده الخروشوفية والغورباتشوفية نتيجة طابعهما الفردي والمغامر. وإذا كانت التجربة الخروشوفية قد واجهت في نهاية المطاف "معارضة" رسمية من جانب السلطة والحزب، فان الثانية (الغورباتشوفية) حصلت على "تأييد" من جانب الحزب والشارع على السواء.  وهما "معارضة" و"تأييد" حددتهما في نهاية المطاف آلية رد الفعل لا الاحتكام إلى منظومة الرؤية العقلانية وكوامنها الأخلاقية التي عادة ما تميز الإصلاح الكبير عن غيره من الإصلاحات.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi2إن التاريخ لا يعرف سلطة بدون ثقافة خاصة بها، كما انه لا وجود لسلطة خارج ثقافتها. وكلاهما يظهران سوية ويتطوران أو يندثران في صراع مرير أو سأم مميت، أو وئام معقول أو تعايش مقبول. غير أن الشيء الوحيد الذي يبقى بمعزل عن هذه الصفات هو مستوى المعرفة واكتشافاتها وحقائقها. فقد اندثرت ثقافة السلطة في مصر القديمة مع اندثار سدنتها واضمحلال دولتها، بينما بقت اكتشافاتها وحقائقها في الأهرامات والرسوم و"المخطوطات". والشيء نفسه يمكن قوله عن ثقافة وادي الرافدين. فقد ظلت ملحمة جلجامش ترفد عقائد الأديان وأساطير الأمم وخيالها لما فيها من مساع لإدراك حقيقة الوجود ومعنى الثواب والعقاب وسر الحياة والخلود. وإذا كانت هذه الصيغة تبقى بيانية المظهر وخطابية الصيغة، فلأنها تعبرّ عن شاعرية الحقيقة، القائمة في تجلياتها غير المتناهية عن تمثل وتمثيل التجانس التام والأجمل والأعمق في الإنسان والطبيعة وفيما بينهما أيضا.

غير أن هذه القضايا تظهر بوصفها جزء من عملية معرفية معقدة هي بدورها حلقة في سلسلة الوجود التاريخي للدولة ومؤسساتها. ومن خلالها تتبلور وتمر مختلف أشكال ومستويات الصراع الاجتماعي والسياسي والفكري. ففي الوقت الذي تشكل الدولة، من الناحية التاريخية، القوة القادرة على إزالة حجب العتمة الكثيفة القائمة أمام حرية المعتقدات والأفكار، فإنها يمكن أن تكون أيضا هراوة القمع السافر. ومع ذلك تبقى الحرية التي توفر الدولة شروطها الأولية مقدمة ذاتية بالنسبة لإبداع الفكر الحر. وهي ظاهرة يمكن ملاحظتها في تواريخ كل الثقافات الكبرى.

فمن المعلوم أن لكل مرحلة تاريخية كبرى ثقافتها الخاصة، كما أن لكل منهما مثله النموذجية والمطلقة. والتاريخ اللاحق هو الذي يحقق مدى واقعية ومصداقية هذه المثل، بمعنى البرهان على مدى اقتراب أو ابتعاد "المطلق التاريخي" عن "المطلق المجرد". ومن خلال ذلك تتبين الأصالة من الزيف. وليس هذا التحقيق والبرهان والإبانة سوى النتاج المباشر وغير المباشر عن العملية الدائمة والمعقدة للوعي التاريخي الذي لا يمكن بدونه ترسخ وعي الذات الاجتماعي والسياسي. فهي العملية التي تتحكم بالإبداع التاريخي للأفراد والأمم بشكل عام وبإبداع المثقفين بشكل خاص. ومن ثم ليست حرية الإبداع الفعلية سوى قدرته على المشاركة الفعالة في تنظيم الرؤية الثقافية بالطريقة التي تخدم استمرار وحدة الحق والحقيقة. لهذا عادة ما تشق ثقافة الإبداع الحر طريقها بين تعرجات الوجود التاريخي للأمم بهيئة قوة ممثلة للصراط المستقيم وحاملة لواء الحق فيه. وليست الاستقامة هنا سوى تمثل الحقيقة كما هي، بمعنى استقامة مستعدة للالتواء مع تعرجات يصعب رسمها، لكنها تسير في نفس مسار البحث عن وحدة الحق والحقيقة. فهو المخزون الذي تتلألأ فيه مجوهرات الماضي والمستقبل. مع ما فيه من قدرة على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل، بوصفها الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث الحق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي الأصيل. إلا انه في نفس الوقت مخزون تتلألأ فيه أيضا أصداف الماضي وحراشف المستقبل. بمعنى قدرته على تقديم مختلف صيغ ونماذج التأويل التي عادة ما تشكل الرصيد الذي لا ينفذ لما يمكن دعوته بتراث التحزب الضيق. كما أنه المصدر الذي يرفد المعاصرة الذهنية وذهنية "المعاصرة" بالصور والرموز الضرورية لاستمرار الوعي الثقافي المزيف.

وفي كلتا الحالتين، ليست هذه الظاهرة حالة ثقافية محضة بل ووجودية تاريخية أيضا. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانبعاث "المؤقت" لبعض تيارات ومدارس الماضي في ظل استمرار "التراث" ككل. وليس هذا الانبعاث "المفاجئ" و"الغريب" بين فترة وأخرى لهذا الجزء أو ذاك من تراث الماضي سوى الظل غير المرئي للرؤية العقائدية والحس الأيديولوجي، اللذين عادة ما يبحثان في الماضي عن نماذج مثلى وحلول واقعية عوضا عن النظر إليها باعتبارها تجارب لها قيمتها الجوهرية بالنسبة لشحذ وعي الذات النقدي. وعادة ما يؤدي هذا إلى تسطيح الوعي الاجتماعي والسياسي وإعدام أبعاده التاريخية النقدية. كما انه أحد الأسباب القوية الكامنة وراء ضعف وتشوه الوعي النظري العقلاني، أي كل ما يشكل مصدر ما أسميته باستمرار الوعي الثقافي المزيف.

في حين أن حقيقة التراث، بوصفه المخزون الذي تتلألأ فيه خزائن الماضي والمستقبل، تقوم في كونه الكيان الوحيد المتبقي من حطام الماضي، ومن ثم الكيان القادر على استثارة الذاكرة التاريخية وتوجيهها صوب إدراك الإشكاليات الفعلية الكبرى للمعاصرة. وفيما لو تجاوزنا المظهر البلاغي لهذه العبارة، فان مضمونها الفعلي يقوم في إبراز الحقيقة القائلة، بأن لكل تراث أصيل أسس استمراره الثقافي في تاريخ الأمم، ومن ثم استحالة استئصاله، بسبب أثره الجوهري والتلقائي في بناء مكونات وعي الذات الاجتماعي والقومي العام.

وهنا يجدر القول، بأن هذا الوعي الذاتي لا ينشأ فقط من خلال انحلاله في مجرى الفكر الحر الساعي لإعادة إنتاج ذاته بوصفه قوة حية، بل وفي بناء كينونة وجوده الأول. وفي هذه العملية المتفاعلة للوجود الثقافي وإدراك حقيقة النسبة وروحها الفعال في تعميق وترسيخ وعي الذات الثقافي تكمن القيمة "الخالدة" للتراث. ومن الممكن هنا الاستشهاد بالفكرة العميقة التي وضعها الشيخ البرنسي((846-899 للهجرة).) في معرض مقارنته للصوفي بالقطب، عندما كتب يقول، بأن "النسبة عند تحققها تقتضي ظهور أثر الانتساب. فلذلك بقى ذكر الصالح أكثر من الفقيه. لأن الفقيه منسوب إلى صفة من صفات نفسه هي فهمه وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، بينما الصالح منسوب إلى ربه. وكيف يموت من صحت نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه"؟! وفيما لو جرى انتزاع الصيغة اللاهوتية من هذه العبارة، فإن الفكرة جلية للغاية وعميقة إلى أبعد الحدود. لقد أراد القول، بأن الإبداع الحقيقي يفترض ظهور أثر الانتساب فيه، أي التحقق بحقيقة الإبداع. والإبداع الحق ليس فهما حسيا عابرا لحدود التجارب الشخصية أيا كانت، بقدر ما هو تمثل وتمثيل الحق كما هو. والحق هو النسبة الدائمة الوجود في كل موجود. كما أنها النسبة التي لا تموت لأنها حقيقة وجود الأشياء كلها. لهذا لا تموت الحقيقة كما لا يموت من ينتسب إليها. وبالتالي فإن الصالح في الثقافة يقوم في الانتساب لحقائقها التاريخية الكبرى وإعادة تمثلها من جديد على نموذج الحي الذي لا يموت، أي على نموذج الحياة الحقيقية.

وقد وضع ذلك بالضرورة مهمة امتحان هذه الأفكار على محك التاريخ الثقافي العربي والإسلامي انطلاقا من أهميته النظرية والعملية. فالمعيار الأكثر واقعية وعقلانية لامتحان الأفكار أيا كانت تقوم في عرضها على تاريخ الثقافة الخاص، فهو الأسلوب الوحيد الفعلي لتحقيق وعي الذات في مختلف مستوياته. إضافة لما في هذا الامتحان من أهمية كبرى بالنسبة لتوظيفه الفعلي في العالم العربي المعاصر. بمعنى أن المهمة الأساسية من وراء ذلك تقوم في ضرورة استلهام الرؤية الذاتية للثقافة بالشكل الذي يجعلها قادرة على المساهمة في تعمير وعي الذات النقدي، وبالتالي العمل على ترسيخ أسس الرؤية الثقافية للإقرار بفكرة الاحتمال والبدائل العاملة ضمن معايير ومقاييس الإخلاص للحق والحقيقة.

لهذا سوف لن أتطرق بإسهاب إلى هذه الجوانب في ماضي وحاضر الثقافة العربية والإسلامية، بل اكتفي بتتبع نماذجها الكبرى من اجل وضعها أمام "امتحان" الواقع المعاصر وإشكالاته الفعلية عن علاقة السلطة بالمثقف وعن علاقة الحقيقة بالقوة، والفكر بالواقع وإشكالاته الكبرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما أسعى إلى تأسيسه هنا هو مجرد رؤية ثقافية المحتوى من حيث عناصرها الأساسية، مهمتها التعبير عن الفكرة القائلة بأن لكل ثقافة تاريخية مقدماتها وآفاقها، ومثلها النسبية والمطلقة، وحقائقها الجزئية والكلية فيما يتعلق بمواقفها من النفس والآخرين والحاضر والمستقبل. ومن هذه الجوانب تتكون معايير حكم الثقافة ومقاييس فعلها ووعيها الذاتي. الأمر الذي يساعدنا أيضا على بلورة الأساليب القادرة على تحرير الوعي الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي من خطر السقوط في أوحال التعصب والحزبية الضيقة ليرفعها إلى مصاف الرؤية السياسية والثقافية العقلانية. فتجارب الماضي تجاربنا، وفيها يمكن تتبع "مصير" الثقافة والمثقف والسلطة.

***  

 

 

mohamad husanaldaghstaniالمقدمة: عقب عمليات التهجير القسرية التي تعرضت لها شعوب بلاد شمال القفقاس وبضمنها الهجرة الكبرى التي امتدت للمدة من 1859 م ولغاية 1864 م الى تركيا ومن ثم الى البلاد الواسعة التي كانت تحت سيطرة العثمانيين، كانت حصة العراق كبيرة من اعداد الاسر الشيشانية والداغستانية والشركسية (الأديغا) التي استوطنت بصورة رئيسية في مدن وريف كركوك و ديالى وبغداد والموصل والأنبار(الفلوجة) الى جانب العوائل التي قدمت طوعاً من شمال وجنوب داغستان الى العراق عبر أذربيجان وإيران قبل التهجيرالقسري وبعده بفترات غير قصيرة وإستقرت في دهوك وأربيل والسليمانية ... وكانت الغالبية العظمى من المهاجرين القادمين قسرا الى العراق تتكون من عوائل القادة العسكريين أو المقاتلين الذين إنضموا الى الجيش العثماني بدواعي دينية ومن ثم فضّلوا البقاء في العراق ولم يغادروه حتى بعد سقوط الدولة العثمانية.

وعلى إمتداد سنوات القرن الماضي ونتيجة الإفتقار الى مرجعية عشائرية مركزية تتولى رعاية شؤون الشيشان والداغستان والشركس في العراق تعذر القيام بتنظيم العمليات الإحصائية الدقيقة الخاصة بتحديد ومسح الأعداد الفعلية للشيشان والداغستان والشركس (الأديغا) في العراق ومواقع سكناهم لأسباب عديدة لامجال الآن للخوض فيها، لذا فقد كان من المستحيل تنظيم عملية إحصائية دقيقة عن واقع حال هذه العوائل، إلاّ أن رغبة نخبة من رجالها وإيمانهم بضرورة إيجاد وسيلة تنظيمية تتولى لّم الشمل ومعرفة التفاصيل الخاصة بها حياتياً وعلمياً وإجتماعياً والعمل على النهوض بها دفعتهم عام 2004 نحو تأسيس (جمعية التضامن الخيرية لعشائر الشيشان والداغستان والشركس في العراق) وأختيرمركزها العام في محافظة كركوك بالنظر للكثافة السكانية العالية لأبناء هذه العشائر فيها ولكونها تتوسط المدن والمناطق التي تسكنها الأكثرية المتحدرة عن شمال القفقاس .

ورغم غياب تلك الجهة الراعية قبل تشكيل الجمعية إلأّ أنه من باب الأمانة الإشارة الى الجهود الفردية التي بذلت من قبل رجال ورموز إجتماعية بارزة في تعزيز الصلات بين أبناء هذه العشائر ورص صفوفهم وتوحيد كلمتهم وإشعارهم بضرورة تعميق معارفهم عن مواطن الأجداد وفي مقدمة هؤلاء المرحومين مصطفى نجيب تيمور بك (1907 ــ 1989) الذي جعل قريته (جارشلو) في ناحية العباسي بقضاء الحويجة بكركوك نقطة إستقطاب حقيقية لعدد كبير من العوائل الشيشانية والشخصيات المتحدرة من شمال القفقاس منذ خمسينيات القرن الماضي، والمرحوم شمس الدين خالص (1906 ــ 1989) الذي كانت أبواب ديوانيته في قرية الشيشان (الحميدية) بقضاء المقدادية في محافظة ديالى مفتوحة أمام الزوار والضيوف القادمين إليها من داخل وخارج العراق، لقد كان المرحومان يتصفان بالكرم وسعة الصدر والحرص على المشاركة بكافة مناسبات العوائل القفقاسية في السراء والضراء، كما وكانا يعلنان بوضوح عن رغبتهما في إيجاد صيغة مــا للم شمل هذه العوائل وتوفير فرص التعارف والتماسك فيما بينها، لولا الضوابط المركزية القسرية التي كانت تحول دون التطلعات القومية المشروعة للأقليات القومية، لهذا فإنه يمكن القول بأن هاتان القريتان هما الوحيدتان المعروفتان بأنهما تضمان عوائــــل شيشانية في العراق قبل أي مكان آخر، ثم أضيفت إليهما قرية (ينكجة بابلان) الشيشانية في قضاء طوزخورماتو التابعة الى محافظة صلاح الدين وقضاء الفلوجة في محافظة الأنبار الذي كان لجمعية التضامن الفضل في التعريف بأبناء القفقاس فيهما على نطاق واسع وضمهم الى عضويتها منذ تأسيسها .

الفصل الأول: الحجم الســـكاني والتوزيع الجغــرافي

يستفاد من المعلومات التأريخية المتاحة من أن منطقة فيشخابور كانت معبرا للشيشان (يشكلون 75% من القفقاس المهاجرين) الى العراق مرورا بالموصل ثم نزولا الى وسط العراق، فسكن قسم منهم أول الأمر في الكلك الواقعة على الضفة اليسرى من نهر دجلة مقابل مدينة تكريت ثم إنتقلوا منها الى بقية المناطق، وكانت لبغداد حصة حيث تجمعوا في محلة أطلق عليها إسم محلة الججان (1)

تتباين التقديرات المنشورة حول أعداد المتحدرين من شعوب شمال القفقاس في العراق تباينا كبيراً، ومثلما أسلفنا فإنه نذكر للتأريخ بأنه لا تتوفر أية معلومات إحصائية دقيقة عن الحجم الحقيقي لهم في الوقت الحاضر، ولكن على ضوء المعلومات المتاحة بين أيدينا فإن عددهم قد يبلغ عشرة الآف نسمة، مثلما يحصر المستشار لشؤون العشائر في جمعية التضامن الخيرية في العراق السيد عبدالحميد مصطفى نجيب الججان أيضاً عددهم بـ 1890 عائلة متوزعة على كافة محافظات العراق (2)، فيما يقول الفريق الأول المتقاعد محمد عبدالقادر الداغستاني في محاضرة ألقاها في جمعية أصدقاء جمهورية الشيشان في عمان في الأردن في شباط 2006 أن العدد التقريبي للشيشان والداغستان والشركس في العراق لا يتجاوز الألفين نسمة (3) إلاّ أن الدكتور أحمد حسين كتاو نائب رئيس الهيئة الإدارية للجمعية وهو شركسي يطرح عددا طموحا فيؤكد بأنه يتجاوز الثلاثين ألف نسمة (4) بينما يشير عبدالله محمدوف الى أن المعطيات الرسمية تؤكد على أن عددهم في العراق يبلغ خمسة عشر ألفا حيث يعيشون الى الشرق من مدينة زاخو بمحافظة دهوك وجنوب محافظة أربيل (5)، إلا أننا بلا شك سنعول على خطة الجمعية المستقبلية الهادفة الى إجراء مسح دقيق لعدد العوائل في كافة المحافظات بعد أن يستتب الأمن وتتوفر الإمكانات الضرورية لأنجاز هذا المشروع الحيوي، وإنه لمن الضروري ذكر الروحية الجديدة التي بدأت تسري في عروق أبناء هذه العشائر ورغبتهم العارمة في تأمين سقف وجداني تستظل به مئات العوائل المبعثرة في محافظات العراق وخاصة في العاصمة بغداد التي تضم حوالي خمسمئة عائلة شيشانية وداغستانية وشركسية، وأغلب رجالها من القادة العسكريين والموظفين العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة، وفيهم من المهندسين والأطباء والصحفيين والإداريين العدد الكبير، ويعيشون في مناطق سكنية متعددة ومتباعدة، وربما لا يعرف أحدهم الآخر . وقد افلح أغلب الشيشان والشركس في إنشاء قرى خاصة بهم منذ بداية القرن الماضي في عدد من مناطق البلاد وكالآتي :

1. قرية زندان (الحميدية) في محافظة ديالى :

قرية زندان ويطلق عليها أيضا الحميدية نسبة الى السلطان العثماني عبدالحميد، وقد شيدت من قبل الشيشان عام 1880 وكانت مساحتها عند بداية التكوين تبلغ حوالي عشرين دونما ثم إتسعت لتصل الى أكثر من خمسين دونما، وفيها من الخدمات الرئيسية الكهرباء ومصادرالمياه والطرق الحديثة والمدارس، وقد شيد أول مدرسة إبتدائية فيها عام 1947م والمركز الصحي عام 1963 وكليهما على نفقة المرحوم شمس الدين خالص، وتنحدر العوائل الشيشانية القاطنة فيها من عشائر معروفة في شمال القفقاس كالأرشتغوي والغلغاي والنشغوي ..وكانت تضم أكثر من خمسين عائلة تناقصت تدريجيا لأنتقال بعضها الى مركز المحافظة بعقوبة أو الى العاصمة بغداد والتي لا تبعد سوى (110) كيلومترا .

ولشيشان القرية صلات حميمة وقوية ودائمة مع أقربائهم من الشيشان والداغستان في البلدان المجاورة وخاصة في الأردن وسوريا، ومن أبرز شخصياتها التي كانت معروفة في القرية مراد آغا وسليمان آغا ومحمد عارف آغا وغوبا وصالح متي وتوبوت وبطل وقنديت وصالح بيبرت وعزيز آغا وأصلان وتويتا وعبدالقادر أغا ..

وفي خضم الفوضى العارمة التي سادت العراق فقد تعرضت القرية منتصف شهر أيلول من عام 2007 الى هجومين مسلحين غادرين من قبل مسلحين مجهولين وميليشيات طائفية قامت بحرق وتدمير جميع دوروجامع وبساتين القرية عن بكرة أبيها، وإستطاعت العوائل أن تنقذ بنفسها بالملابس التي على أفرادها بعد أن قاوم أبنائها الشباب القليلين وبأسلحتهم البسيطة جموع الغزاة المسلحين المدججين بكافة أنواع الأسلحة لحين وصول النجدة إليهم وبعدها تشتت العوائل على المحافظات بحثا عن الملجأ والأمان .

2. ناحية المنصورية (دلي عباس)

وتعتبر من أقدم نواحي محافظة ديالى سكنتها العديد من العوائل الشيشانية المهاجرة حتى يقال ان حوالي نصف سكانها كانوا من الشيشان ومنها انتقل قسما منهم الى الحميدية مثل عائلة خالص بك وأبنائه شمس الدين ونور الدين وعائلة احمد دولت وزارخمت وغيرها وبقيت هناك عدة عوائل منهم عائلة خالص بك وإبراهيم آغا وكان وابنه عبد الرحمن من ضباط الجيش التركي كان برتبة عقيد واشغل منصب مدير شرطة الديوانية والبصرة كما توكل قائمقامية ديالى ومن أحفاده الفريق الأول المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني، وهناك ضابط اسمه ابراهيم آغا ايضا وكان ضابط في الجيش القيصري ثم انضم للثوار كان من اكبر المعمرين عاش 125 عاما .

3. قرية الشيشان (جارشلو) في محافظة كركوك

تأسست هذه القرية التابعة لناحية العباسي في قضاء الحويجة عام 1936 م على يد المرحوم إبراهيم بك دولت، وتقع جنوب نهر الزاب الصغير وشرق نهر دجلة بمسافة عشرة كيلومترات عن نقطة إلتقاء الزاب بدجلة، وقد قدمت اليها العوائل الشيشانية من قرية (اللقلق) الشيشانية التي أسسها المرحوم تيمور بك بن علي المعروف بـ (تمربيك) سنة 1284 هـ بعد قدومه الى العراق من تركيا قبل عام من تلك السنة وشيدها على ضفة نهر دجلة الشرقية مقابل قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين جنوب فتحة جبل حمرين، وكانت جارشلو قرية حديثة ومنظمة وجميلة مقارنة بالقرى المتخلفة المحيطة بها، وكانت ذات بيوت قليلة مكعبة الشكل تقع على جانبي شارع ترابي واسع فيه قليل من الأشجارويعيش سكانها عيشة مدنية منظمة وفق تقاليدهم وعاداتهم وأخلاقهم الجميلة وإكرامهم العالي للضيف (6)

وكانت ديوانية مصطفى نجيب بك في القرية مفتوحة على الدوام تستقبل الضيوف والأقرباء من كل حدب وصوب، وهي لا تزال في عهد خلفه الصالح الشيخ عبدالعزيز مصطفى نجيب بك الجاجان مقصد العديد من الزوار والعوائل والأسر القفقاسية سواء من العراق أو خارجه فضلا عن كون القرية نفسها ملجأ للمعتصمين بها في الظروف العصيبة .

ومن أبرز الشخصيات التي ساهمت في إنشاء القرية وعاشت فيها كل من الذوات حسين محمد علي ويونس محمد علي ومصطفى نجيب تيمور ومحمد عسكر وبشير أحمد وهم من سكان قرية اللقلق فيما كانت هناك شخصيات من عوائل شيشانية قدمت من الأردن بهدف الإستقرار في القرية وهم كل من محمد أسندر وإبراهيم أسندر وخليل إبراهيم وعثمان أبو بكر وشقيه طيب وموسى عثمان وخضر أرسلان .. وقد عاد هؤلاء وغيرهم الى الأردن بعد إنتشار الملاريا في المنطقة وإرتفاع مستوى الملوحة في الأراضي الزراعية عدا عائلة بدرخان برك خان التي لا يزال خلفه يعيشون مع بقية الشيشان في القرية .

4. قرية ينكجة بابلان في قضاء طوزخورماتو

يقول الباحث والمؤرخ صلاح الدين ناجي أوغلو(1945 م) بأن الشيشان القاطنين مركز قضاء طوزخورماتو قد إنفصلوا أصلاً عن العوائل الشيشانية المستوطنة في منطقة قره داغ في محافظة السليمانية وقد إستقروا فيه حوالي العام 1890 م، وأول من وصل القضاء منهم الأخ الأكبر لهذه الأسر وكان يدعى (ججان) ثم أعقبه إخوته بيرام وحلو ومحمد وفتاح وكانوا قد قدموا العراق عن طريق أذربيجان و إيران ليكون القضاء آخر مطاف لهم، وبلغ عددهم 27 عائلة . فيما إستقرت 40 عائلة شيشانية تنتمي الى عائلة البسلي في قرية ينكجه بابلان التي تبعد عن القضاء حوالي خمسة كيلومترات وقد جاءت تسمية البسلي نتيجة إختفاء جدهم أثناء حروب القفقاس ويقال أن الأتراك أطلقوا عليه هذه الصفة عندما وجدوه مختبأ مريضا في ركن غرفة منعزلة قذرة بعيدا عن أعين الروس الذين كانوا يقتلون كل من يصادفونهم من القفقاس (7)

يبلغ عدد العوائل القاطنة في القرية حاليا 72 عائلة تضم 112 شابا تمتهن غالبيتهم الزراعة وتربية المواشي الى جانب عدد منهم يعملون في دوائر الدولة وهم يتصفون بصفات الأجداد من الكرم وحسن وفادة الضيف والشجاعة والنبل .

5. قضاء الفلوجة

يعتبر قضاء الفلوجة أكبر أقضية محافظة الأنبار (مركزها الرمادي) ويبعد عن بغداد غربا حوالي 60 كيلومترا ً وعن مركز الرمادي حوالي 55 كيلومتراً، وتؤكد المعلومات التأريخية الدقيقة الى أن أول من إستوطن الفلوجة كان الشركسي مصطفى إسماعيل الذي قدم من تركيا العثمانية فأقطعه السلطان العثماني أراضي زراعية له ولعائلته الشركسية (الأوبيخ / أديغة) في أراضي تسمى بأراضي الخراب والبساتين المطلة على نهر الفرات (أصبحت هذه الأراضي الآن من ضواحي القضاء الحديثة) وكان ضابطا في الجندرمة وعالماً متضلعاً في شؤون الدين والتقوى،وهو والد الوجيه الفلوجي الثري صاحب الإقطاعيات المعروفة بإسمه حسن بك و وأخويه هما حسين وعلي، وقد خلف حسن بك كل من المهندس والمقاول الفلوجي الشركسي حقي حسن بك وخالد ومنذر و الحقوقي والكاتب الشركسي مؤيد ومصطفى . وبذلك فإن هذه الأسرة الشركسية هي المؤسسة الفعلية لقضاء الفلوجة الذي إتسع فيما بعد وتكونت بيوتاته من سكان الصقلاوية التي كانت مركزا للناحية وكانت الفلوجة تابعة له عام 1872 م . وأول ما بني فيها من الأبنية والمسقفات جامع (كاظم باشا) وهو الجامع الكبير حاليا والذي يطل على النهر ثم القلعة القريبة منه وكاظم باشا هو صهر السلطان عبدالحميد الثاني وقد بنى كذلك دارا مقابل الجامع وإسطبلا للخيول (8)، وعلى أثر إحتلال القوات الأمريكية لدور الأسرة وبساتينها وحرق وتدمير ممتلكاتها عام 2003 م إضطرت الى البحث عن سكن مؤقت لها في بغداد العاصمة بإنتظار ما يوؤول إليه المستقبل .

6. محافظة السليمانية

يعود تأريخ التواجد القفقاسي في مناطق كردستان العراق الى زمن الحروب والويلات القفقاسية والقيصرية الروسية ؛ حيث هاجر جمع من العوائل الشيشانية مع مواشيهم عبر إيران وأذربيجان وإستقروا في البداية في قرية (بيوكة) الواقعة في منطقة برزنجة في محافظة السليمانية ثم إنتشروا الى بقية القرى والمناطق بحثا عن الأمان والإستقرار والكلأ ومصادر المياه .

وتتوزع في قرى محافظة السليمانية ومركزها 630 عائلة جيجانية (شيشانية) وخاصة في قرى سيان زار وكل وسويره وجناره وجوزه كوره وشيره وبرده رشه وسليمانا وسه بوره وكاني ميران، وحصة المركز تتجاوز 200 عائلة منها (9) ويبدو واضحاً ذوبان هذه الأسر في بودقة المنطقة ففارقت على مر السنين سماتها القومية والثقافية وإكتسبت القيم والتقاليد واللغة السائدة، وبالتالي فإن قلة منهم فقط لا تتذكرمن الماضي سوى إنتمائها الأصلي الذي فقدته أيضا الى الأبد !

إحصائية رقمية تقريبية

وفيما يلي الإحصائية المتاحة (حالياً) لحجم العوائل القفقاسية في محافظات العراق مؤكدين عدم ثبات هذه الأرقام لحين إنتهاء عملية المسح :

المحافظة          العدد التقريبي للعوائل          الملاحظات            

بغداد                     500

ديالى                    250                         أغلبية شيشانية

كركوك                 190                         أغلبية داغستانية وشياشانية

أربيل                    10                          عوائل داغستانية

السليمانية               630                         أغلبية شيشانية

الموصل                150                         أغلبية داغستانية

النجف                   50                          أغلبية داغستانية

الكوت                   20                          أغلبية داغستانية

البصرة                 20

الناصرية               10

العمارة                  5

دهوك                   3

الحلة                    20

الديوانية                12

الأنبار                   20                                       أغلبية شركسية (أوبيخ)

المجموع                 1890 عائلة

وإذا ما تم إعتماد مقياس 5 أفراد لكل عائلة أو أكثر قليلا ً فإن العدد الكلي لنفوس هذه العوائل يبلغ حوالي عشرة الآف نسمة .

ملاحظات حول الحجم السكاني:

1. نشرت جريدة (الإتجاه الآخر) في عددها 183 الصادر في يوم السبت الموافق 21/ 8/2004 تحقيقاً صحفياً بقلم السيد حسان شروخ تحت عنوان (صقيع الأديغة يغلي في جحيم بغداد) وأشارت فيه الى وجود أكثر من (30) ألف عائلة شركسية فـــــي بغداد لوحدها، ولم يتسن التأكد من دقة هذه الإحصائية رغم محاولاتنا الدؤوبة للإتصال بكاتب التحقيق الصحفي عن طريق الجريدة ذاتها أو بواسطة البريد الألكتروني لمعرفة مصادره مع قناعتنا بأن الرقم مبالغ فيه .

2. أكد عدد من الرجال والوجوه الإجتماعية للشيشان القاطنين في قرية (كاني ميران) ـ وتعني باللغة الكردية ينبوع الأمراء ـ الواقعة في منطقة قره داغ الكردية في محافظة السليمانية وذلك خلال زيارتنا اليها صيف عام 2004 بأن لهم أقربــــاء يتوزعون على خمس قرى شيشانية تضم أكثر من ألف عائلة في منطقة (برزنجة) في السليمانية

الفصل الثاني: العادات والتقاليد واللغة

لا تزال العوائل المتحدرة من شمال القفقاس في العراق تمارس جانباً من تقاليدها العريقة سواءً في المناسبات الإجتماعية أو الدينية وخاصة تلك التي تتوافق مع القيم السائدة في المناطق التي يتواجدون فيها أو مع الأقوام القاطنة في الأراضي التي يعيشون عليها والذين تأثروا بها كثيراً بحكم المعاشرة والتقادم الزمني الطويل، لذا فالشيشاني أو الداغستاني أو الشركسي (الأديغة) عربي الهيئة والهواجس والقناعات واللغة حيثما ولد وترعرع في أحضان المنطقة العربية وهكذا الحال مع الذين يقطنون في المناطق الكردية أو التركمانية الأخرى في العراق فهم أكراد في هيئاتهم ولغتهم و أزيائهم وممارساتهم الإجتماعية في المدن والقرى الكردية وكذلك فهم تركمان في مناطق التركمان، فضلا عن إكتسابهم القناعات والعقائد الطائفية لسكنة هذه المناطق .

إلاّ أن كل تلك السنين الطويلة التي صهرت تلك العوائل في بودقة البيئة وأكسبتهم السمات الحضارية والإجتماعية السائدة لم تفلح في مسح وإلغاء روح الإنتماء الى عشائرها الأصلية أو ممارسة بعض التقاليد أو التحلي بالقيم والمثل ذات الدلالات التربوية ذاتها الموجودة في المجتمع القفقاسي كالحرص على تطبيق مفردات أعراف ومبادئ ما يطلق عليه (قانون أديغا خابزة) التي توجب بصرامة التحلي بقيم الآباء والآجداد وكأن التقاليد القفقاسية قد إمتزجت مع جينات الإنسان القفقاسي أينما وجد، ففي طقوس الزواج والولادة والمناسبات الإجتماعية الأخرى فإن بعضاً من التقاليد القفقاسية يفرض نفسه، كما ولا يزال مطبخ العائلة الشيشانية أو الداغستانية أو الشركسية عامراً بالكثير من الأكلات والمقبلاّت القفقاسية التي تتولى المرأة إعدادها بمهارة مثل (الحلطمش) و(الكلمش) و (الكرزنش) و (المهلبية) و(الشبس باصتا) و(الحلفة) وغيرها .

أما على صعيد اللغة فإن عدداً محدوداً من المسنين والمسنات في بعض العوائل القفقاسية يجد متعة بالغة في التحدث باللغات أو اللهجات القفقاسية القومية التي لا تزال حية في الذاكرة خاصة عندما يفد بعض الضيوف الى الديار ويتحدثون معهم بلغات الأجداد، ومما لا ريب فيه فإن هذا العدد يتناقص يوماً بعد يوم بسبب الوفاة وعدم حرص الجيل اللاحق على تعلم اللغة مما سيؤدي حتماً الى نسيانها لولا أن تتدارك جمعية التضامن ذلك وتضع عملية تعليم اللغة نصب عينيها مستقبلاً رغم صعوبة إقرار منهج مشترك لتعليم اللغات المتعددة المنتشرة حتى في بلدان الأسلاف نفسها .

إن الإكثار من فتح الدورات التعليمية وإيجاد فرص الإيفادات والزمالات الدراسية لأبناء هذه العوائل وخاصة الطلبة وتشجيع وتبادل الزيارات الى شمال القفقاس بالتنسيق مع السلطات الحكومية والجامعات الأكاديمية والمنظمات والجمعيات الشقيقة سيسهم فعليا ً في توسيع قاعدة المتحدثين بلغات الأجداد والتي تشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الروح القومية في نفوس الأجيال الناهضة، كما أن الجمعيات الشقيقة في البلاد العربية وفي شمال القفقاس قادرة فعلاً على مد يد العون الى القائمين على جمعية التضامن في هذا المجال الحيوي نتيجة الخبرة العالية التي تتمتع بها خلال عملها طيلة السنوات الماضية التي سبقت تأسيس (التضامن) بعشرات السنين لإنقاذ هذه العوائل من الضياع والتشتت والذوبان في الكيانات القومية الأخرى ..

الفصل الثالث: دور القفقاس في الحياة السياسية والإجتماعية في العراق

هناك حقيقة تأريخية لاجدال عليها تؤكد على أن رجال وقادة عظام من الداغستانيين والشيشان والشركس كان لهم أبرز الأدوار في مختلف الفترات التأريخية المتعاقبة على العراق، بل وساهموا بشرف ورجولة في بناء اللبنات الأساسية للمؤسسات الحضارية والسياسية والعسكرية العراقية وفي المقدمة منها الجيش العراقي العريق منذ بدايات القرن العشرين منطلقين من مشاعرهم الصادقة في إنتمائهم الى تربة وادي الرافدين أرواحا وأجساد .

إن عشرات الفرقاء ومئات الألوية وأصحاب الرتب العسكرية من وطن الإمام شامل الشهير قد خدموا برجولة وبتفان في تشكيلات الجيش العراقي وإكتسبوا نتيجة لذلك شهرة فاقت حدود وطنهم العراق (10)، كما وأن هناك العديد من الأسماء المعروفة في الحياة الثقافية والإعلامية ورجال الأعمال لا يزالون يكرسون جهدهم في سبيل رفعة وتقدم العراق، وقد كان هؤلاء جميعهم موضع عناية وإهتمام حيثما وجُدوا لِما كانوا يتصفون به من إخلاص كبير وتفان متناه وإدراكهم بأن الجهد الذي يبذلونه مكرس لرفعة وطنهم العراق وليس للإشخاص أو المسؤولين الذين عملوا بمعيتهم، وهذا جعل العديد منهم يتبوأ مناصب قيادية عليا في الجيش وفي كافة العهود، وعلى الرغم من قلة عددهم فهم معروفون في كافة المناطق التي تواجدوا فيها نتيجة سمعتهم الطيبة (11) .

إن هناك قصص ووقائع تتحدث عن شيشان و داغستانيين و شراكسة وقفوا بصلابة لا تتزعزع أمام المغريات أو الضغوط التي كانوا يتعرضون لها من قبل قادة أو مسؤولين كانوا يفرضون عليهم ما يتنافى مع قناعاتهم ومبدئيتهم ووطنيتهم لكنهم كانوا لا ينحازون في النهاية سوى لعراقهم ودينهم مهما كانت الأسباب .

أعلام وشخصيات

كأي من الشعوب أو القبائل الحية التي رفدت مجتمعاتها بشخصيات بارزة لها خدمات متميزة أسهمت بفاعلية في تعزيز موقعها ودورها في الحياة، فإن لعشرات بل والمئات من أبناء ورجال القفقاس في العراق دورأً بارزاً فــي سبيل رفعة بلدهم المفدى العراق ومواصلة عطائهم الجليل وتأكيد دورهم الإنساني وبذلهم النقي والبعيد عن التعصب أو التطرف أو الإنحياز .

ويبدو واضحاً من خلال إستعراض أسماء الأعلام والشخصيات الداغستانية والشيشانية والشركسية أن للقادة والضباط العسكريين حصة كبيرة منها، وهذا نابع من الحقيقة التي أوردناها والمتمثلة بأن الغالبية العظمى منهم قد إختاروا المؤسسة العسكرية ليخدموا وطنهم وشعبهم، وكانوا بحق قادة ورجال عظام سيحفظ لهم التأريخ الوطني هذا الإرث النفيس من الذكر الحسن .

1. محمد فاضل باشا الداغستاني :

من أبرز الشخصيات في التأريخ العراقي الحديث، تقلد العديد من المناصب المهمة عمله مستشاراً ومرافقاً عسكرياً للسلطان العثماني، كما وساهم في عشرات المعارك فنال العديد من الأوسمة والنياشين، ولخبرته العسكرية فقد تدرج في الرتب حتى أصبح فريق أول ركن .

عين مفتشا عاماً للجيش العثماني في البلاد العربية ومقره بغداد كما وعهد إليه بولاية بغداد وكالة عام 1907م ثم عين واليا على ولاية الموصل وقائدا لقواتها ثم مفتشا لفيلق العراق في 1913، وعند بدء الإحتلال البريطاني للعراق عام 1915م قاتل ضد الغزاة قائدا للعشائر العراقية في عدد من الصولات المظفرة ثم إستشهد في إحدى تلك المعارك يوم 11/ أذار/ 1916 ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة الأمام الأعظم ببغداد .

2. غازي محمد فاضل الداغستاني

ولد في بغداد عام 1912 م، تخرج من الكلية العسكرية في وولج (المملكة المتحدة) عام 1930 ثم دخل كلية الأركان عام 1938، تقلد عددا من المناصب القيادية في الجيش العراقي لينتهي قائدا للفرقة الثالثة، وكان واحدا من المرشحين ليكون رئيسا لوزراء العراق، ثم حكمت عليه محكمة الشعب المشكلة أعقاب ثورة عام 1958 بالإعدام بسبب تفانيه في واجبه وإخلاصه للملكية في العراق، إلا أن الحكم لم ينفذ فيه وأطلق سراحه من سجن أبو غريب في 28/ اذار/ 1961فسافر مع عائلته الى لندن، توفي هناك عام 1966إلا أنه دفن جوار والده في مقبرة الإمام الأعظم ببغداد في مسيرة وإستعراض عسكري مهيب شاركت فيه كل الصنوف العسكرية في الجيش العراقي .

3. تيمور علي بك

ولد في ارشت في الشيشن، هاجر مع والده الى تركيا ثم سكن مع صديقه الحميم وزوج أبنته محمد فاضل باشا الداغستاني ببغداد، إستقر في قرية اللقلق بتكريت شارك مع الفريق محمد فاضل باشا الداغستاني في العمليات العسكرية ضد الإحتلال البريطاني للعراق، وافته المنية في 24/8 /1921 ودفن في مقبرة الإمام الأعظم، من أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان التي ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

شارك مع القائد الكبير محمد فاضل باشا الداغستاني في المعارك الضارية ضد الاحتلال الانكليزي في العراق ثم وافته المنية في 24 /8/ 1921 ميلادية ودفن في مقبرة تكريت .

ومن أبنائه محمد كامل ومصطفى نجيب الذي إستقر في قرية الشيشان و ساهم بإنشائها في ناحية العباسي بقضاء الحويجة في محافظة كركوك .

4. القاضي نورالدين خالص إسماعيل الجاجاني

ولد في قرية زندان / الحميدية المعروفة بقرية الججان في ديالى عام 1914 م وأنهى دراسته الابتدائية في بعقوبة والمتوسطة والإعدادية في بغداد وتخرج من كلية الحقوق 1936 م ونال شهادة الليسانس في الحقوق بدرجة إمتياز ومرتبة الشرف الأولى عين معاوناً لرئيس تسوية الموصل ثم حاكماً لمحكمة بداءة العمادية في العام 1955 وبعده رئيسا لتسوية أربيلا وكركوك ثم رئيساً للمحكمة الكبرى في ديالى في العام 1961 ثم رئيساً لمحكمة الإستئناف الوسطى ومقرها الحلة عام 1965 م ورئيساً لمحكمة بغداد عفي العام 1968 وأخيرا عضواً في محكمة تمييز العراق في العام 1973 لحين إحالته على التقاعد في العام 1977 م . كان واحداً من أعمدة عشائر الشيشان وكان معروفاً عنه بالجدية والصرامة والعدل ومحباً لقومه وله حضور وقور في حياة الناس من حوله . إنتقل الى جوار ربه في 1/8/2010 في بغداد .

5. الباحث التأريخي محمد علي مصطفى (شيخ الآثاريين في العراق)

ولد في 28/ 11/1910 بغداد وعائلته تنتمي الى عشيرة (الأوبيخ) الشركسية العريقة .

و درس الابتدائية والثانوية ثم تخرج من الكلية الأمريكية في بغداد ودرس الهندسة المدنية في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1935 م . حاز على المرتبة الأولى في العراق عام 1933 في سباق القفز بالزانة . وكذلك في سباق الجري مسافة 400 متر في نفس العام . تعين في مديرية الآثار العامة واصبح ممثلا لها لدى جامعى بنسلفانيا الأمريكية في موقع تبه كورا جنوب الموصل عام 1936. ثم عمل في عدد من مواقع الحفر والتنقيب في أنحاء العراق .

أحيل على التقاعد في العام 1973 إلا أنه إستمر في العمل كمستشار آثاري في بناية المتحف الوطني العراقي .

توفي يوم 10/10/1997 ودفن في مقبرة الكرخ في (أبو غريب) . وقد نظم له حفل تأبيني كبير يوم 19/11/1997 شارك بالحضور والكلمات كبار علماء الآثار في العراق، وكتب عنه في عدد من الصحف والمؤلفات كل من العالم الدكتور عبدالقادر حسن التكريتي والدكتور بشير فرنسيس والدكتور قحطان رشيد صالح وغيرهم وعلقت إدارة متحف الآثار البريطاني في لندن لوحة تعريفية عنه عام 1998كتبها كل من العالمين ديفيد وجوان لويس

6. الفريق الطيار الشهيد المرحوم صفاء شمس الدين خالص الشيشاني

ولد بمحافظة ديالى في العام 1942 م، وأكمل الإبتدائية فيها في العام 1956 م، وأكمل المتوسطة والثانوية في ثانوية المقدادية للبنين في العام م1961 م ثم دخل كلية القوة الجوية العراقية في العام 1962 وأوفد الى المملكة المتحـــدة حيث أكمل دورة الطيران عام 1963 ليتخرج منها برتبة ملازم طيار في العام 1965 .

أوفد الى المملكة المتحدة ثانية للمشاركة في دورة معلمي الطيران في العام 1970 ثم الى دورات تخصصية في كل من فرنسا وألمانيا الغربية .

تقلد خلال حياته الوظيفية عدة مناصب هامة فتعين آمر سرب في العام 1976، ثم آمر تشكيل طيران عام 1986، ثم قائداً لطيران الجيش العراقي للأعوام 1993 الى 1998 م.

إستشهد المرحوم إثر مواجهة مفتعلة بين فريقين من المسلحين المجهولين في منطقة نفق الشرطة في العاصمة ببغداد، حيث كان ينتظر مع نجله دوره في إستلام حصة سيارته من الوقود، وذلك في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الإثنين الموافق 30/ تموز/ 2007، بعد أن أصابته طلقة في رقبته، في سياق العنف الأعمى الذي كان يعصف بالبلاد، أدت الى نزف شديد، مما إضطر نجله الى الإنتقال به بين عدد من مستشفيات بغداد بحثاً عن الإسعاف وتوفير العناية الطبية الطارئة له فأبدت هذه المستشفيات عجزها !، فأدى النزيف المتواصل الى إستشهاده وهو يوصي إبنه بأهله وأقربائه وعشيرته ومحبيه خيراً، قائلاً : (ياولدي إنه قضاء الله وقدره وعلينا أن نرضح لمشيئة الخالق).

كان المرحوم مثالاً للتواضع والمروءة، نبيلاً، يتصف بطيبة القلب وبشاشة الوجه ورجاحة العقل والقدرة على ولوج قلوب الآخرين دون إستئذان، وكان يعشق الإنكليزية فبادر الى ترجمة عدد من القصص الروسية التي تناول كتابها الحياة القفقاسية ولأول مرة الى اللغة العربية كقصة الغارة للكاتب الكبير تولستوي .

7. المصور الفوتوغرافي العالمي مراد الداغستاني

ولد في مدينة الموصل الحدباء في العام 1917 وإبتدأ رحلته مع التصوير الفوتوغرافية في عام 1935 وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال بين الشعوب كما هي عليه اليوم، حيث استطاع الفنان الفوتوغرافي العالمي الموصلي مراد الداغستاني بجهوده الشخصية ان يشارك في اكثر من تسعين معرضاً للتصوير الفوتوغرافي داخل العراق وخارجه . فاز بعدة مداليات من دول عالمية مختلفة وحصل على شهادات تفوق من المانيا والبرازيل وفرنسا والصين ويوغسلافيا، كما حصل على شهادة الابداع من البرازيل وكان طليعة ثمانية فنانين فوتوغرافيين في العالم منحوا هذه الجائزة وذلك عن تصويره صور لحالات وحركات الناس التي قد لا تتكرر مرة اخرى، مثل صورة صياد الاسماك وهو يرمي بشبكته في نهر دجلة العظيم وصورة أرجل الخيول وهي تجر عربة الخيل وصورة احد صيادي الاسماك وهو يدفع بزورقه عكس اتجاه مجرى النهر وسواها الكثير من الصور الفوتوغرافية التي اثارت دهشة واعجاب المتلقي لها

أنتخب رئيساً للجمعية العراقية للتصوير فرع نينوى لعدة سنوات و كان من المولعين بالتدخين ما جعله يرقد في المستشفى لاستئصال احدى رئتيه عام 1973 وخرج من المستشفى برئة واحدة لحين وفاته . توفي في يوم 27 /7/ 1982 .

8. الفريق الركن الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني

ولد في العام 1942 م وهو من خريجي الكلية العسكرية العراقية عام 1961م (بكالوريوس علوم عسكرية ,و من خريجي كلية الأركان العراقية (ماجستير علوم عسكرية) و حاصل ايضاً على شهادة (دكتوراه بالعلوم العسكرية) حصل ايضاً على شهادات عليا ليضيف لمهنتة الإختصاصية علوماً أخرى ذات العلاقة .

عمل قائداً لعمليات شرق دجلة وقائدا لقيادة قوات شط العرب ثم قائداً للفيلق الرابع ثم الفيلق السابع ثم محافظا لديالى ومحافظا لنينوى ورئيسا لهيئة السياحة في العراق . من أعمدة عشائر الشيشان في العراق ومن القادة العسكريين العراقيين البارزين في مجالات التخطيط والحرب والأركان . وهوكاتب وباحث عسكري، وشارك في مؤتمرات متعددة داخل وخارج العرا ق .

9. الحقوقي والباحث الشركسي مؤيد حسن مصطفى بيك

ولد في 2/2/ 1934 في مدينة الفلوجة . و ينتمي الى عشيرة الآوبيخ الشركسية العريقة

درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الفلوجة وتخرج من كلية الحقوق في بغداد في العام 1958 م . ثم إلتحق بكلية الاحتياط بتاريخ 1/11/1960م ثم تسرح من الجيش بتأريخ 1/8/ 1962تعين في وزارة الداخلية وكان أول منصب أنيط به مديرا لناحية الرحبة في النجف الأشرف في 11/11/ 1962 وعدد من النواحي فيما بعد .إرتقى الى منصب قائمقام حيث باشر بوظيفته الجديدة قائم مقاماً لقضاء الرطبة بتاريخ 30/3/1976م. إرتأى ترك الوظيفة الإدارية وقدم طلبا بذلك الى وزارة الداخلية وحصلت الموافقة ونقل موظفا على ملاك مديرية الدفاع المدني في بغداد ثم خرج من الوظيفة لأسباب صحية . وهو متفرغ حالياً لكتابة مذكراته الشخصية والدروس والخبر المستنبطة من سنوات عمله في أرجاء البلاد المختلفة .

 

محمد حسين الداغستاني (*)

..................

الهوامش

(*) أديب وشاعر وإعلامي عراقي (1948 ـ) / رئيس تحرير مجلة التضامن الشهرية / أمين سر جمعية التضامن الخيرية للشيشان والداغستان والشركس في العراق / والده المرحوم حسين داغستاني (1928 ـ 1984 م) عميد الداغستان في كل من محافظتي أربيل وكركوك .

(1) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / الشيشان في العراق / مجلة التضامن الشهرية / العدد 7و8 الصادر في حزيران 2006 / ص 20 .

(2) مقابلة خاصة .

(3) مصدر سابق، ويمكن الإطلاع على أصل و نص المحاضرة أيضا على الموقع الألكتروني http://www.sukhneh.com

(4) من مقابلة له مع وكالة أنباء القفقاس التركية / أيار 2005 / موقع (وقف القفقاس) الألكتروني .

(5) داغستان والداغستانيون في العالم / تأليف عبدالله محمدوف / إعداد بدرالدين أواري / ترجمة زياد الملا / ط 1 / دمشق 1998 ص 83

(6) المحامي محمود نديم إسماعيل ونخبة من الباحثين / مشروع إصلاح القرى في العراق / بغداد 1954 م

(7) الأسر الشيشانية في طوزخورماتو وضواحيها / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005

(8) المحامي صادق الجميلي / دور الشراكسة في إنشاء الفلوجة / مجلة التضامن العدد 9و10 أذار 2007

(9) الجيجان في السليمانية / مقابلة صحفية مع الحاج سعيد رحيم خالي الجيجاني / مجلة التضامن العدد 5و6 كانون الأول 2005 ص 22

(10) داغستان والداغستانيون في العالم / مصدر سابق ص 84

(11) الفريق أول الركن المتقاعد الدكتور محمد عبدالقادر عبدالرحمن الداغستاني / مصدر سابق .

 

 

mutham aljanabi2إن تلازم الثقافة الحقيقية والمثقف الحقيقي بقدر المعاناة الدائمة والدائبة هو الوجه الآخر لمساعيهما الجوهرية من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطة بشكل خاص. كما أنه التلازم الذي يصب من حيث المبدأ والغاية في اتجاه تأسيس مرجعية العقل الثقافي الحر، أي العقل الذي يحتوي بقدر واحد على قواعد المنطق المجرد وتمثل تجارب الأمة في كيفية حل إشكاليات وجودها التاريخي في مستوياته الطبيعية (الدولة والأمة) والماوراطبيعية (العقائد الكبرى والقيم). حيث تجد هذه المستويات انعكاسها بهذا الصدد فيما أسميته بأنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف بالسلطة في كل من النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي.

إذ تبرهن تجارب الأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة، كما انه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في وعي الذات التاريخي. كما تبرهن التجارب التاريخية للأمم أيضا على أن السير في طريق العقل الفلسفي هو الفعل الأكثر درامية في فصل الانتقال التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. وبالتالي الأكثر تعقيدا من حيث تأسيسه النظري والعملي، وذلك لأنه يفترض انجاز النفي المنظومي لأنماط التفكير والذهنية السائدة والمفاهيم والقيم والأحكام والعادات والتقاليد. وفي مجرى هذا الانتقال تبرز بصورة حادة وجلية مختلف مظاهر ومستويات العلاقة الفعلية وإشكالاتها المتنوعة بين المثقف والسلطة.

إن المقدمة التي تجعل من طريق العقل الفلسفي طريق "الاستقامة" الفعلية في ميدان الثقافة، تقوم في قدرته على تمثل تجارب الأمم وإعادة إنتاجها من خلال رصفها في منظومة الرؤية النقدية والواقعية تجاه الإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. بمعنى إعادة تكثيف تجارب التاريخ بمعايير المنطق. ومن ثم اختصار زمن التعلم الضروري وتمديد القدرة البشرية على الغوص في أعماق الماضي. إذ تقرّب هذه العملية المستقبل وتجعله في متناول الممارسة العملية مع كل خطوة كبرى في مجال توسيع وتدقيق منظومية الرؤية الثقافية. وفي هذا تكمن ضمانة توسع وترسخ الرؤية النقدية ومن ثم إضعاف وتذليل نفسية الرؤية الأسطورية واللاهوتية والتقليدية. وهي عملية تاريخية مديدة لكنها متواصلة تصنع بصورة موضوعية مقدمات وآلية إضعاف السلطة وتقوية الثقافة. وذلك لأنها تعمل من حيث المبدأ بآلية التراكم الثقافي. ومن خلاله تؤسس لقيمة المنظومة في وعي الذات التاريخي.

وشأن كل تأسيس لقيمة المنظومة لا يمكن صنعه بين ليلة وضحاها، وذلك لأنها عملية معقدة بفعل ارتباطها بالمنحى التاريخي لتطور الدولة والثقافة والأمة. وبما أن هذا المنحى عادة ما يتصف بالتعرج والالتواء في دروب الصعود والهبوط، والارتقاء والسقوط، والانتصار والهزائم، من هنا طابعه المركب في كيفية تأسيس منظومة وعي الذات. لكنه يبقى مع ذلك الطريق الوحيد والواقعي لصنع ما أسميته بالعقل الثقافي. كما انه الوحيد القادر على رسم معالم وحدود "الصراط المستقيم" في الوعي التاريخي القومي. إذ لا يعني "الصراط المستقيم" هنا سوى الصيغة الأكثر تجريدا ونموذجية للمفاهيم والقيم الجوهرية المتراكمة في مجرى التعرج التاريخي المذكور أعلاه. ومن ثم فهو احد النماذج المثالية للعقل الثقافي في رؤيته للماضي والمستقبل. كما أنه عقل تتجدد مهمته التاريخية مع كل تجدد للمرجعيات الثقافية الكبرى في العلم والعمل.

إن العقل الثقافي للأمة هو عملية تراكم يحدد قيمتها وفاعليتها وأثرها التاريخي، بما في ذلك بالنسبة لوعي الذات، كمية ونوعية منظوماتها المرجعية، أي كمية ونوعية المنظومات الفكرية ومستوى تمثلها للمرجعيات الثقافية للأمة. والمقصود بنوعية هذه المنظومات، ما إذا كانت يسير أغلبها من حيث التأسيس والكفاءة صوب تأسيس العقل النقدي الفلسفي أو اللاهوتي. والتجارب التاريخية للأمم، بما في ذلك تجاربنا (الأمة العربية) تبرهن على درامية هذه العملية. لكن تجاربنا القومية استطاعت إنجاز الانتقال التاريخي الأعقد من بنية ما قبل الدولة إلى الدولة، ومن المعشر إلى الأمة، ومن الثقافة الشفوية والحكمة العملية إلى حكمة المنظومات الفكرية، عبر إرساء أسس الفكرة الوحدانية وواحدية الثقافة المتسامية. كما نعثر عليه في تلك العملية التي رافقت انجاز المهمة الأولية الكبرى للانتقال بفكرة الدولة من السلطوية إلى الراشدية، وفكرة المعشر من القوم والعرق إلى الأمة الثقافية.

وفي مجرى هذه العملية التاريخية النموذجية والفريدة أيضا من نوعها في التاريخ العالمي استطاعت الأمة العربية الإسلامية في غضون قرون عديدة من معاناة حلها لإشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة أن تنجز انتقالها التاريخي صوب منظومة العقل الثقافي. بمعنى انجاز الصيغة الأولية والضرورية لتأسيس العقل النقدي الفلسفي. وهو تغير وتجديد نوعي ارتبط بفكرة الإسلام الوحدانية، التي استطاعت تأسيس منظومة أصيلة في تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة. وبالتالي أرست أسس جديدة لأنماط من التفكير، وصناعة ذهنية تناسبها لها مدارسها في مختلف ميادين الحياة والمعرفة، وبلورة مفاهيم وقيم توافقها، ومن ثم هذبت وشذبت الماضي وتقاليده من خلال رفعه إلى مصاف العلاقة الروحية بين السلف (الصالح) والخلف. وضمن هذا السياق استطاعت الثقافة العربية الإسلامية أن تبدع منظوماتها ونماذجها الخاصة على مستوى العلم والعمل والأشخاص في تحديد طبيعة العلاقة الممكنة والواجبة بين المثقف والسلطة.

لقد أبدعت الثقافة العربية الإسلامية صيغا جديدة ومتنوعة للعلاقة المتبادلة بين المثقف والسلطة. وهي علاقة لا تخلو، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الكونية، من تأثير نوعية الحضارة. من هنا ترابط التمايز الثقافي والانتماء الموحد لمرجعيات الحضارة الإسلامية. وضمن هذه العلاقة تبلورت مختلف نماذج المثقف الإسلامي. بمعنى إمكانية العثور فيها على نموذج المثقف الأديب، والمتكلم، والفقيه، والمتفلسف، والمتصوف، وغيرهم. وأرتبط هذا التمايز بنوعية وكمية المدارس المتخصصة. وفي نفس الوقت تجمعهم مرجعيات الانتماء الحضاري. وفي هذه الثنائية المبدعة تراكمت منظومات الفكر وفردانية الإبداع. بمعنى إننا نقف أمام تجربة فريدة في التنوع المتجانس في وحدته. من هنا الاحتراف العميق والموسوعية، والتمايز الغريب والجمعية، بوصفه الانجاز الأكبر الذي كان يحدد أيضا علاقة المثقف بالسلطة والسلطة بالمثقف، بوصفها الصيغة العملية والحياتية لكيفية تحقيق وتجسيد القيم والمفاهيم التي أبدعتها الثقافة الإسلامية في مختلف ميادينها.

وبغض النظر عن وجود كل الصيغ المميزة للعلاقة المتبادلة بين السلطة والمثقف، إلا أنها كانت تتراكم أيضا في ميدان ما أسميته بالعقل الثقافي وإعادة إنتاجه. فهو الميدان الذي كانت تتجسد فيه مستويات النماذج الذهنية – الثقافية العامة، وتمظهرها التاريخي، وتحقيقها الفردي. وقد اختمرت هذه المستويات في إبداع المبدعين ونوعية اختصاصهم نماذج متنوعة لعلاقة المثقف بالسلطة. بمعنى إننا لا نستطيع العثور على نموذج موحد، لكنها كانت تسير في اتجاه تأسيس قيمة العلم والمعرفة المستقلة عن السلطة. وقد حكمت هذه النتيجة طبيعة العلاقة بينهما عبر إدراك العلاقة الواجبة بين السلطة والحقيقة! وعادة ما يؤدي هذا الإدراك بالمثقف الحقيقي إلى شفا الخلاف مع السلطة دون أن يعني ذلك ضرورة الخلاف معها، كما يوصله إلى ضرورة الهروب منها من اجل تقوية الإرادة والبقاء ضمن حيز اليقين الصادق. ومن هاتين الظاهرتين كانت تتراكم عظمة الإبداع الكوني للثقافة العربية الإسلامية ومثقفيها ومأساتهم الجميلة أيضا.

مما لا شك فيه، أن المأساة لا ضرورة لها بحد ذاتها، لكنها تبقى جزء من مصادر الإبداع الكبير. ولكي يبلغ الإبداع معناه العملي في نقل انجازات العقل الثقافي إلى عالم الدولة والسلطة، فانه يواجه بالضرورة مهمة إيقاف الصراع الدموي بين السلطة والمثقفين مع الاحتفاظ الدائم باختلافهما.

فالخلاف والاختلاف بين السلطة والمثقف يستمدان مقدماتهما من طبيعة التباين والاختلاف الملازمين لوجود السلطة والحقيقة. من هنا استحالة اندماجهما وتكاملهما المطلق. وسبب ذلك لا يقوم فقط في طبيعة التطور التاريخي والسياسي للمجتمعات والدول فقط، بل وفي خصوصية السلطة والحقيقة. فقوة السلطة نسبية بينما قوة الحقيقة مطلقة، وجبروت السلطة عرضة للزوال، بينما جبروت الحقيقة في تزايد، والسلطة عرضة للشيخوخة بينما الحقيقة حية ناظرة، والسلطة لا تعيش بدون قيود فيها ولها ومنها وبها، بينما الحقيقة لا تتقيد بغير منطقها الذاتي، والسلطة تعتاش على الجمود وتنمو فيه بينما الحقيقة تموت فيه وتخبو، والسلطة عادة ما تنهمك في صنع أوهام السيطرة بينما الحقيقة تحطم الأوهام وتصنع اليقين، وغاية السلطة السيطرة والقهر بينما غاية الحقيقة الحرية والإخلاص. وهو واقع عادة ما يثير "غيرة" السلطة في محاولاتها بلوغ قهر الحقيقة من اجل بلوغ التحكم التام والكامل في كل شيء! لكنها ممارسة تؤدي في الأغلب إلى التدمير الذاتي. فإذا كان المنطق في حالات عديدة هو "سبب المشاكل"، فإن فقدانه هو سبب الدمار والخراب.

غير أن ذلك لا يتلازم مع حتمية التناقض بين الحقيقة والسلطة. فالسلطة هي أيضا المقدمة التاريخية للحقيقة. وذلك لأنها أحد الشروط الضرورية للمدنية والحضارة. ففيها وحولها ومعها وبالضد منها تتجمع أساليب التأييد والمعارضة والرفض والتحدي والمواجهة والصراع الدامي، ومن ثم تساهم في بناء صرح الثقافة واتجاهاتها المتنوعة. أنها تساهم في تهذيب العقل والضمير، وبالتالي تفسح المجال لاحتكامهما الدائم أمام النفس والتاريخ. وفي مجرى هذه العملية تتبلور معالم الصراع الاجتماعي في مختلف أشكاله مستوياته، باعتباره أيضا صراع من اجل الحقيقة. بل أن السلطة نفسها كانت وما تزال تبحث في "براهين الحقائق وأدلتها" عن سند فكري دائم، وذلك لإدراكها بغريزة الجاه أهمية القوة القائمة في الحقيقة. وبالتالي، فإنها تسعى لكي تكون بقوتها، وأن تكون هي "الحقيقة" المعترف بها. وليس مصادفة ألا تبخل السلطة جهدها على مر الأزمان من صرف الأموال وزهق الأنفس لأجله. وفي هذا كان وما يزال يكمن سرّ الخلاف العميق بينهما.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ryad alsindiتحّل في الخامس عشر من حزيران من كل عام ذكرى صدور اول صحيفة عراقية وهي (الزوراء) عام 1869 في بغداد على يد الوالي العثماني المصلح مدحت باشا والذي أعتبر فيما بعد عيداً وطنيا للصحافة العراقية. كما تحل في الأول من تشرين الثاني من كل عام ذكرى صدور أول صحيفة باللغة السريانية وهي صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849، والذي عُدّ عيد للصحافة السريانية.

ويرجع الكثير من الباحثين في تاريخ الصحافة العراقية بداية الصحافة النسوية في العراق الى 15 تشرين الثاني من عام 1923 ، وهو تاريخ صدور مجلة (ليلى) التي اصدرتها ورأست تحريرها بولينا حسون، الا ان تحديد بدايات الصحافة النسوية في العراق ليس بالأمر الهين، وقد اثيرت هذه المسألة في خمسينات القرن الماضي بعد ان تناول الباحثون تاريخ الصحافة في العراق، وكان المرحوم روفائيل بطي رئيس تحرير جريدة البلاد سباقاً الى ذلك، فقد القى عدة محاضرات في تاريخ الصحافة العراقية على طلبة معهد الدراسات العربية العالية عام 1955، جمعت فيما بعد في كتاب مستقل بعنوان (الصحافة في العراق). وكان قد سبقه شيخ المؤرخين العراقيين المرحوم عبد الرزاق الحسني فجرد كل الصحف والمجلات العراقية في كتاب بعنوان (تاريخ الصحافة العراقية) صدر جزأه الاول عام 1935، ولم تصدر بقية اجزاءه. كما ان انشاء نقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 قد حفّز على اثارة هذا الموضوع مجددا.       

- مفهوم الصحافة النسوية

ظهرت الصحافة النسوية بصورة مستقلة وأصبح لها كيان خاص بها مع تأسيس في بداية القرن التاسع عشر في أوربا (Curtis) مجلة بيت السيدات كرتس التي نشرها وحررها ادوار بورك أكبر المحررين في تاريخ المجلات النسوية.

وتشير المصادر الى ان الصحافة النسوية العربية ظهرت في مصر عام ١٨٩٢ ولم تكن قد عرفتها دولة عربية أخرى، لان مصر شهدت نهضة صحفية لم تعرفها البلاد العربية من قبل وهي حديثة عهد بالصحافة وبصناعة الأقلام ولما كان اغلب أصحاب الصحافة وحملة الأقلام بها من الشاميين كان من الطبيعي ان تسعى نسائهم لإنشاء صحف تعالج قضايا المرأة تشبها بذويهن من الرجال، فقد انشات (هند نوفل) وهي فتاة لبنانية أول دورية نسائية في الإسكندرية في مصر تدعى مجلة (الفتاة). وتعد مجلة ليلى التي أصدرتها السيدة (بولينا حسون) ١٩٢٣ أول مجلة نسوية في العراق.

وتعرف الصحافة النسوية (صحافة المرأة) بأنها نوع من الصحافة المتخصصة التي تعالج شؤون المرأة ومشكلاتها وقضاياها حتى لو عمل بها وأصدرها رجال وهي ليست الصحافة التي تملكها او تعمل بها النساء وتعالج الأمور العامة.

وفيما يخص العراق فقد ظهرت الصحافة المتخصصة بمفهومها الحالي بعد الانقلاب الدستوري العثماني ١٩٠٨ وبعد إطلاق الحريات وانشاء الصحف الخاصة باللغة العربية وبذلك تكون الصحافة المتخصصة في العراق قديماً قياسياً الى بداية صدور الصحف في العراق.

يتسع مفهوم الصحافة النسوية ليشمل مجالين رئيسين:

المجال الأول: صفحات المرأة في الجرائد اليومية والمجلات العامة الأسبوعية والشهرية .

المجال الثاني: ويشمل المجلات المتخصصة بالشؤون النسوية سواء أكانت أسبوعية، شهرية ، فصلية.

وقد عرف المجال الأول في الصحافة النسوية في مدة مبكرة من تاريخ الصحافة، الا ان المجال الثاني ظهر بشكل واضح بعد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في قارتي أوربا وأمريكا.

ووفق هذا التعريف تقسم الصحافة النسوية الى:

١- الصحافة النسوية العامة:

ونعني بها النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور عام يشمل قطاع النساء إلى جانب قطاعات أخرى والتي تجمع ما بين المضمون النسوي المتخصص المعالج لقضايا المرأة المختلفة العامة والخاصة والقضايا العامة.

٢- الصحافة النسوية المتخصصة:

وتعني النشاط الصحفي الذي يقوم على أساس إصدار الجرائد والمجلات التي توجه الى جمهور يتسم بالتجانس هو قطاع النساء وتحمل مضموناً نسوياً متجانساً متخصصاً بقضايا المرأة.

تعد الصحافة السريانية في العراق جزء لا يتجزأ من صحافة العراق، ولا نغالي إذا قلنا ان مسيحيي العراق على اختلاف طوائفهم ومسمياتهم كانوا من أوائل من ادخلوا الطباعة الى العراق أواخر القرن التاسع عشر. واشتهروا بالتأليف والطباعة، وبرزت لهم اسماء لامعة في هذا المجال، وقد رأينا ان رائدات الصحافة النسوية في العراق كنّ من هذه الطائفة، مثل بولينا حسون ومريم نرمه. ولا غرو في ذلك فلا يستطيع أيُّ منصِف أن يتحدث عن تاريخ الحضارات دون أن يذكر دور السريان ولغتهم التي لُقِّبَتْ ﺑ «أميرة الثقافة وأم الحضارة»، فكانوا بمثابة القنطرة التي عبرت عليها العلوم والمعارف لتصل إلى العرب وأوروبا؛ فترجموا من اليونانية إلى السريانية، ومنها إلى العربية، ثم إلى اللاتينية، وأخيرًا للغات الأوروبية الحديثة. ولم يكن السريان مجرَّد نَقَلة، بل كانوا مبدعين أيضًا؛ فقد أضافوا خبرتَهم ومعارفهم، فطوَّروا وجدَّدوا. وكتب السريانُ في عدة موضوعات منها: الفلسفة، والمنطق، والموسيقى، والأدب، والهندسة، والزراعة، والتجارة، والطبيعة، والرياضيَّات، والفلك، والفيزياء، والطب. وباختصار فان فضل السريان على العرب كبير ولا يمكن تجاهله ونكرانه.

 الا ان مساهمة السريانيات في صحافة العراق كانت ضعيفة نظرا للصعوبات التي واجهت الصحافة السريانية عموماً وصحافة المرأة السريانية خصوصاً، واهمها: -

• انها من صحافة الاقليات في العراق.

• انها مازالت في الغالب صحافة دينية أو حزبية، لصدورها عنها أو لاعتمادها عليها في التمويل.

• يستخدم معظم أفرادها اللغة العربية في الغالب، وتقتصر ممارسة اللغة السريانية داخل العائلة فقط.

• إن اللغة السريانية تعد في الوقت الحاضر من اللغات غير الحية لندرة استعمالها، ولعدم استخدامها في الكتابة والقراءة بين ابناءها، بل غدت لغة محكية فقط. ويشهد العراق الان محاولات جادة لإحيائها من خلال استحداث المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية منذ عام 1998.

• عدم توفر المطابع بالسريانية، مما دفع الكتاب والمطابع الى اعتماد صيغة رسم الحروف السريانية. وهذا ما ادى الى قلة استخدامها، في حين لم تعاني الصحافة الكردية من هذه المشكلة لاستخدامها الحروف العربية ولاحقا الحروف اللاتينية.

• تعدد المطبوعات الصحفية من مجلات وصحف الى جانب قلة القراء وضعف انتشار المطبوع، لابل ان بعض المطبوعات لا تلقى اي رواج وتكاد لا تذكر عند جردها.

• عدم وجود كادر صحفي متخصص بالصحافة والاعلام، وانما يعمل في هذه الصحف والمجلات مجموعة من الشباب الهواة. وهذا يسري على عموم الصحافة في العراق.

• لقد عانى مؤرخو هذه الصحافة من اشكالية التسمية نتيجة لاستخدام تسميات متعددة كالأثورية والاشورية والكلدانية اضافة للسريانية التي كنّا اول من استخدمها مجاراة للقانون في دراستنا الموسومة عن تاريخ الصحافة السريانية في العراق والمنشور في مجلة أثرا(الوطن) في دهوك، العدد 16 لعام 1997، الا ان ضعف المجلة وعدم انتشارها وضعف حماية حقوق الملكية الفكرية قد أضاع قيمة تلك الدراسة. ويبدو ان المرحوم فائق بطي قد استحسن هذه التسمية، فعنون كتابه الرائع موسوعة الصحافة السريانية في العراق عام 2014. وقد استقر هذا المصطلح مؤخرا فأخذت تستخدمه جميع الطوائف والاحزاب المسيحية في العراق.

• اعتماد اسلوب الاستبعاد لكل مطبوع أو كاتب أو صحفي أو مؤسسة تمارس العمل الصحفي بلغات أخرى حتى لو كانت تدافع عن السريان. وهذه نظرة قبلية تقوم على التخوين والنبذ والتجاهل.

• تجاوز إطار الدولة في الاعتماد على مطبوعات تصدر خارج العراق، لابل حتى في كتابة تاريخ هذه الصحافة. وكانت معظم الكتابات تشير الى مطبوعات صدرت خارج حدود العراق، كما هو الحال في الصحافة الكوردية والتركمانية.

وبشكل عام، فقد عانت الثقافة السريانية من اهمال كبير طيلة عشرة عقود متتالية، مما ادى الى ضعفها بعد ان كانت لغة العلم والثقافة طيلة عشرة عقود مماثلة سبقتها. وفي تقديرنا فان هذه الثقافة قد شهدت اضطهادا متواصلا على يد الحكام المسلمين عقب انتهاء الحروب الصليبية كما اضطهد ابناؤها، ولم يعد اعتبارها الا بعد زوال حكم العثمانيين وبداية الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، باستثناء فترة قصيرة جدا بداية العهد المغولي للعراق. وكما قال أحد رواد الصحافة السريانية وهو الملفان نعوم فائق بأن:"الأمة التي ليس لها جرائد هي أمة خرساء وصماء وخاملة".

أما الصحافة السريانية فهي لم تحتل ما احتله الأدب من شهرة وديمومة، نتيجة للتنقلات المستمرة بين المناطق التي يعيش فيها السريان. وترجع بداية الصحافة السريانية عموما الى عام 1849 بظهور صحيفة (ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ) زهريرا دبهرا (شعاع النور) التي صدر عددها الاول في 1 تشرين الثاني 1849 في مدينة أورميا بايران واستمرت بالصدور حتى عام 1918، والذي اعتبر لاحقا عيدا للصحافة السريانية. لذا تعد هذه الصحافة واحدة من أقدمها في المنطقة.

أما باكورة الصحافة السريانية في العراق فكانت مجلة (ܟܠܝܠܐ ܕܘܪܕܐ) أكليل الورد التي أصدرها الاباء الدومنيكان في الموصل اواخر عام 1902 واستمرت بالصدور حتى عام 1907. ومجموع ما صدر منها بالسريانية 330 عدداً. تلتها مجلة (ܐܬܘܪܝܐ) أثورايا (الاثوري) التي اصدرها نادي أثورية عام 1927، وفي السنة التالية أصدرت البطريركية الكلدانية مجلة (ܟܘܟܒܐ) النجم للقس سليمان الصائغ في الموصل، فصدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1928 واستمرت تصدر بانتظام - سوى توقفها اثناء الحرب العالمية الثانية – لمدة ستة عشرة سنة، وآخر عدد صدر منها في 1 حزيران 1956. وكانت تكتب باللغة الكلدانية الا ما ندر في عناوين صغيرة للتوضيح وباستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها. ثم تلتها مجلة (ܢܘܗܪܐ) النور في بغداد، التي رآس تحريرها القس (المطران لاحقاً) يوسف بابانا، وهي كسابقتها صدرت باللغة العربية ولم تكتب بالكلدانية باستثناء اسمها الذي طرزت به غلافها، وقد صدر عددها الاول في 25 كانون الاول 1949، وكان آخر عدد صدر منها في آذار 1956. ثم مجلة (ܩܠܐ ܡܢ ܡܕܢܚܐ) قالا من مدنحا (صوت من المشرق) والتي أصدرها السيد كاكو لازار في الموصل عقب الحرب العالمية الثانية، ثم مجلة (ܠܙܘܐ) لزوا (العصبة) للقس إيشو دمرزعيا في النصف الاول من القرن الماضي، واخيرا مجلة (ܦܢܩܝܬܐ) بنقيثا (المجلد) التي أصدرها القس يوخنا دانيال البازي عام 1951. واخير مجلة الفكر المسيحي التي أصدرها كهنة يسوع الملك في الموصل عام 1964 ومازالت مستمرة بالصدور.

- فترات الصحافة السريانية

ويمكن تقسيم تاريخ الصحافة السريانية في العراق الى عدة فترات، وهي: -

1. فترة الولادة (1901- 1968)، أي منذ بداية القرن العشرين الى حكم حزب البعث في العراق.

2. فترة الاقرار (1972- 1991)، أي منذ صدور قرار منح الحقوق الثقافية ولغاية انشاء الملاذ الآمن شمال العراق.

3. فترة الملاذ الآمن (1992- 2003)، أي منذ انشاء المنطقة الآمنة وحتى سقوط نظام حزب البعث.

4. فترة الانتعاش (2003- حتى يومنا هذا)، أي منذ دخول القوات الامريكية لبغداد حتى الان.

ولقد ظلت الحقوق الثقافية للسريان مهدورة ولم يلتفت اليها احد منذ تأسيس الحكم الملكي في العراق عام 1921 حتى عام 1972 حيث صدور قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 251 لعام 1972، والذي نص على منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين بالسريانية من الأثوريين والكلدان والسريان، فبدأت الحركة تدب من جديد في اوصال الصحافة السريانية ، حيث نصت الفقرة (ه) من القرار المذكور على اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام، وقد صدرت تبعا لذلك عدة مجلات منها:-

- مجلة (ܡܘܪܕܢܐ ܐܬܘܪܝܐ) موردنا أتورايا (المثقف الاثوري) من 1974-1991.

- مجلة (ܣܦܪܐ ܐܣܘܪܝܝܐ) سبرا سوريايا (الكاتب السرياني).

- مجلة (ܚܘܝܕܐ) خويادا (الاتحاد) من 1985- 1990.

- مجلة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين) من 1973- حتى الان.

- مجلة (ܩܠܐ ܣܘܪܝܝܐ) قالا سوريايا (الصوت السرياني) 1973- 1984.

- مجلة (ܐܬܪܐ) التي اصدرها نادي نوهدرا في دهوك عام 1975- 1990، وظلت متعثرة في صدورها. وقد توليت شخصيا مهمة اعادتها بعد توقف طويل، فأصدرت بالتعاون مع الزميل أفرام فضيل البهرو عددا جديدا في صيف 1997، الا انها عادت متعثرة في صدورها ثانية.

- مجلة مجمع اللغة السريانية عام 1975- 2005 ورآس تحريرها الاب يوسف حبي.

أما صحافة الملاذ الآمن شمال العراق للفترة من 1991-2003 فقد تميزت بفترة انتعاش نسبي غير مسبوق في العراق، فصدرت عدد من الصحف والمجلات وظهرت عدد من القنوات التلفزيونية الفضائية، الا انها عانت من نفس ظروف شقيقتها الكردية في انها كانت أسيرة الاحزاب السياسية التي تمولها وتصدرها. ومن تلك الصحف: -

1. صحيفة (ܒܗܪܐ) بهرا (الضياء)، التي اصدرتها الحركة الديمقراطية الاشورية منذ 1982- ومازالت مستمرة.

2. صحيفة (ܟܓܒܐ ܕܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) كخوا دبيث نهرين (نجم بين النهرين)، أصدرها المركز الثقافي الاشوري في دهوك عام 1992- حتى الان.

3. صحيفة (ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ) بيث نهرين (بين النهرين)، أصدرها حزب بين النهرين في أربيل عام 1992- حتى الان.

4. صحيفة (ܟܟܒܐ ܕܡܕܢܚܐ) كوخوا دمدنخا (نجم المشرق)، اصدرتها بطريركية بابل الكلدانية في بغداد عام 1995- حتى الان.

5. صحيفة (ܐܘܦܩܐ) أوفقا (الافق)، أصدرتها الكنيسة الشرقية القديمة في بغداد عام 1997- وحتى الان.

6. صحيفة (ܟܢܪܐ ܕܪܘܚܐ) كنارا دروخا (قيثارة الروح)، اصدرها مطرانية كنيسة المشرق في بغداد عام 1998- وحتى الان.

7. صحيفة (ܩܠܐ ܟܠܕܝܝܐ) قالا كلدايا (الصوت الكلداني)، اصدرها المركز الثقافي الكلداني في دهوك عام 1998- وحتى الان.

8. صحيفة (ܦܢܝܦܐܠ) بانيبال، اصدرتها المديرية العامة للثقافة السريانية في أربيل عام 1998- حتى الان.

- بواكير الصحافة النسوية السريانية

وقد عانت الصحافة السريانية من ضعف مشاركة المرأة فيها اسوة بنظيرتيها العربية والكردية الا انها كانت سباقة عليهما – كما رأينا- فأقدم مساهمة نسوية تعود الى مريم نرمه لعام 1921، كما انها اول من اصدرت مطبعا نسويا متخصصا عام 1923. وقد حاولنا جاهدين تعقب أدنى مساهمة نسوية سريانية فأحصينا عدد من المساهمات الادبية وباللغة السريانية وإن بدت صغيرة وضعيفة الا انها تبقى محاولات جريئة، وهي: -

1- لوديا مرقوس، من أكلات الصوم في القرية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 15 لعام 1978.

2- يوليا ريحانة، دعوة للفتاة الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 26 لعام 1980.

3- يوليا ريحانة، من الاعياد الأثورية، مجلة الصوت السرياني، العدد 29 لعام 1981.

4- يوليا ريحانة، من الاكلات الشعبية، مجلة الصوت السرياني، المجلد السنوي لعام 1982.

5- ماركنيتا بدريشا، ترنيمة في الطريق الى المعركة - شعر، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

6- ماركنيتا بدريشو، حب كل شيء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

7- ماركنيتا بدريشو، قصة قصيرة، مجلة المثقف الأثوري، العدد 32 لعام 1985.

والى جانب هؤلاء، فقد جرى نشر مساهمات نسوية أخرى في الصحافة السريانية، ولكنها كانت جميعها باللغة العربية، وقد أحصينا اهمها، وهي: -

8- مارلين يترون، اليك ايها الغريب، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

9- جوليت زكريا، اليه، مجلة المثقف الأثوري، العدد 1 لعام 1973.

10- مارلين يترون، من الاعماق، مجلة المثقف الأثوري، العددين 3-4 لعام 1974.

11- مي اسطيفان بيداويد، الفكر السرياني المخضرم، مجلة الصوت السرياني، العدد 5 لعام 1975.

12- أكنس يوخنا جورج، اراء في الاغنية الاثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

13- أستر دانيال، اراء في الاغنية الأثورية، مجلة المثقف الأثوري، العدد 6 لعام 1975.

14- نعيمة نجيب، نعم للرجل، للمرأة لا، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

15- نوال خضر اسطيفان، حكم في الصباح الندي، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

16- فلورنس جون ايشو سابر، بكاء لقديسة الوعد (شعر)، مجلة الصوت السرياني، العدد 8 لعام 1975.

17- ايف يوسف، أنا من فقدت ظلي (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

18- زابيت رول، وعدتك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

19- برناديت سامبيو، نداء (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العددين 9-10 لعام 1976.

20- أكنس يوخنا جورج، بكاء الشمس، مجلة المثقف الأثوري، العدد 11 لعام 1977.

21- كبرييلا يونان، عرض لتاريخ الادب الأثوري الحديث، مجلة الصوت السرياني، العدد 23 لعام 1979.

22- جاكلين يوخنا زيا، الزمان (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

23- جاكلين يوخنا زيا، أراك (شعر)، مجلة المثقف الأثوري، العدد 31 لعام 1984.

وبطبيعة الحال، فإلى جانب هؤلاء كان هناك صحفيات مسيحيات مارسن الصحافة والأدب في الصحف والمجلات الرسمية وكتبن باللغة العربية، وحققن شهرة واسعة تفوق اللاتي كتبن بالسريانية أو العربية في الصحافة السريانية، أمثال: -

- انعام كجه جي.

- مريم السناطي.

- فرقد ملكو.

وبحسب اطلاعنا وبحثنا المستمر يمكن القول بأن لوديا مرقس هي أول أمرأه تلج ميدان الصحافة السريانية في العراق وان كانت مساهمة وحيدة في هذا المجال. كما ان اول امرأة تتولى وظيفة صحفية في الصحافة السريانية العراقية هي الانسة جاكلين يوخنا زيا التي كانت عضوة هيئة تحرير مجلة المثقف الأثوري ابتداءً من العدد 31 لعام 1985. وتلا ذلك جريدة نهرانيثا التي كانت تصدر عن اتحاد النساء الآشوري في أربيل بالبداية، وهي متخصصة بشؤون المرأة ثم انتقلت الى بغداد وتوقفت لاحقاً. ويمكن ببساطة ملاحظة ضآلة الانتاج النسوي السرياني في العراق وتأخر المشاركة النسوية لفترة طويلة نسبيا عن مثيلاتها، وربما كانت اللغة سببا في ذلك. واليوم تشهد الساحة الاعلامية ظهور عدد كبير من الاعلاميات والصحفيات بما يبشر بجيل جديد واعد وطاقات شبابية مبدعة.

وقد تم استحداث قسم اللغة السريانية في كلية اللغات – جامعة بغداد، حيث قد حصلت الموافقة على فتح القسم المذكور بموجب كتاب مجلس الحكم المرقم 1228 في 31 آذار 2004، وبدأ التدريس في القسم في تشرين الثاني 2004. تخرجت الدفعة الاولى (دفعة نعوم فائق) عام 2008. عسى ان يساهم ذلك في تقدم وتطوير الصحافة السريانية عموما والنسوية خصوصا.

د. رياض السندي - سويسرا

....................

المصادر

أولا. الكتب

1. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، الجزء الاول عام 1935.

2. روفائيل بطي، الصحافة في العراق، طلبة معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1955.

3. صبيحة الشيخ داود، أول الطريق الى النهضة النسوية في العراق، بغداد 1958.

4. فائق بطي، الموسوعة الصحفية العراقية، بغداد 1976.

5. د. فائق بطي، موسوعة الصحافة السريانية في العراق - تاريخ وشخصيات، بغداد 2014.

6. د. خالد حبيب الراوي، تاريخ الصحافة والاعلام في العراق منذ العهد العثماني وحتى حرب الخليج الثانية، (1810-1990)، ط1، دمشق 2010.

7. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926، ترجمة وتعليق جعفر الخياط، ط 1 بيروت

8. فيليب دي طرازي، عصر السريان الذهبي، القاهرة 2013.

9. يعقوب يوسف كوريا، حكايات عن الصحافة في العراق، ج 1، بغداد 1969.

ثانيا. المقالات والبحوث

10. المحامي رياض السندي، تاريخ الصحافة السريانية في العراق، مجلة أثرا (الوطن) دهوك، العدد 16 لعام 1997.

11. رياض السندي، الوصية الاخيرة لأول صحفية عراقية، صحيفة الاتحاد، اتحاد الصناعات العراقي (بغداد)، العدد 92، 2 تشرين الاول 1988.

12. د. شكرية كوكز خضر السراج، التغطية الصحفية لموضوعات المرأة في الصحافة العراقية بعد أحداث 2003، دراسة تحليلية في عينة من صحف بغداد، مجلة كلية الآداب-بغداد، العدد 93،2010.

13. د. شكرية كوكز خضر السراج، الصحافة المتخصصة في العراق بعد احداث ٩/٤/ ٢٠٠٣- تقويم الصحفيين العراقيين لأدائها، مجلة الباحث الاعلامي، العدد 4، آذار 2008.

14. شاكر مجيد سيفو، قراءة عامة في الصحافة السريانية، صحيفة صوت الاخر، العدد 408 في 24/10/2012.

15. حنان أويشا، (165) عامـا عـلى ميـلاد الصحافـة السريانيـة، صحيفة الصباح(بغداد)، 9/11/2014.

ثالثا. المجلات والصحف

16. مجلة دار السلام، العدد 11 من المجلد الرابع – السنة الرابعة والصادر في 29 آيار 1921.

17. مجلة نشرة الاحد، السنة الاولى، العدد 12 في 19 آذار 1922.

18. مجلة ليلى (بغداد) العدد الاول الخامس عشر من تشرين الأول-أكتوبر سنة 1923.، والعدد الخامس السنة الاولى 15 شباط 1924، والعدد 20 الصادر في 15 آب 1925.

19. مجلة النجم (الموصل)، العدد 11 السنة الثانية 25 تشرين الاول 1930.

20. مجلة المجمع العلمي العراقي (بغداد)، اعداد متفرقة للسنوات 1973- 2005.

21. مجلة فتاة الرافدين (البصرة)، العدد 9 آذار 1944.

22. مجلة مجمع اللغة السريانية (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1975-2005.

23. جريدة الجمهورية - الملحق الاسبوعي للعدد 470 في 41/6/1969.

24. مجلة المثقف الأثوري (بغداد)، اعداد متفرقة للأعوام 1978-1985.

رابعا. المواقع الالكترونية

25. ابراهيم خليل العلاف، بولينا حسون ومجلة ليلى وبدايات الصحافة النسائية في العراق، موقع الحوار المتمدن، 4/11/2009.

26. منى هلال، الآداب غير العربية في سورية، الجزء الأول، موقع معابر الالكتروني.

nabil alrobaei2أما واقع حال يهود بغداد، فقد كان حالهم حال بقية أبناء أهل الذمة لكن أثريائهم تمكنوا من الوصول إلى المراكز المهمة في الدولة العباسية، وقد تمكن سهل بن نظير في منتصف القرن الثالث من الاحتفاظ بوظيفة جهبذ الوزير طوال حياته وكان جده سهل جهبذاً في النصف الثاني من القرن الرابع، واستعان الوزير علي بن الفرات بالجهبذيين يوسف بن فنخاس وهارون بن عمران، وأجبرهما علي بن عيسى على ضمان جهبذة الأهواز على أن يقرضا الدولة مبلغ 150 ألف درهم في مطلع كل شهر، ولم يزل هذا الرسم جارياً عليهما وعلى من قام مقامهما مدة ستة عشر عاماً (21).

وتبين لنا من هذا أن يهود بغداد عاشوا وانسجموا مع المجتمع البغدادي والدولة، لكن لم نعرف أعدادهم في تلك الفترة لضآلة المعلومات حولهم، مع العلم أن الرئاسة فيهم إذ كانت لرأس الجالوت الذي يقيم في بغداد ويمثل اليهود لدى القصر. ويقول مؤرخو اليهود أن رأس الجالوت عانى أياماً شديدة في القرن الرابع الهجري (22).

كما كانت لمدارس اليهود الدور في الوعي الديني لأبناء الطائفة ومنها مدرسة سورا الدينية، إذ مارس أساتذة المدرسة صلاحياتهم حتى قيام الدولة الفاطمية، إذ أصيبت الوحدة الدينية اليهودية بانقسام زعامتها، فكانت سلطة رأس الجالوت تسري على اليهود في شرقي الفرات فقط، في حين أوجد الفاطميون منصباً آخر في مصر والشام فتراخت العلاقات بين اليهود وفقدت مدارس بغداد التلمودية سندها المالي مما أدى إلى ضعف دورها الديني (23).

كان رئيس الطائفة اليهودية (رأس الجالوت) يأخذ جزية مخفضة بمعدل دينار واحد في العام، فيخصص لرأس الجالوت مبلغ 700 دينار سنوياً، ويعطى لرئيس مدرسة سورا الدينية مبلغ 1500 دينار مساعدة سنوية للمؤسسة، وقدر آدم متز عدد دافعي الجزية من اليهود في بغداد بألف شخص إلا أن مبلغ المساعدة التي كانت تعطى لرجال الدين اليهود والبالغة 2200 دينار سنوياً، ولم يبين ما إذا كانت هذه المبالغ هي مجموع ما يدفعه يهود العراق أم هي ضريبة سكان بغداد من اليهود فقط (24).

ويذكر الطبري في تاريخ الرسل والملوك إن الخليفة المتوكل قد فرض على يهود بغداد الغيار وكذلك (أهل الذمة الذي يذكر أنه كان عسلي اللون إلا أن عمرو بن متي قال بأن الغيار كان أزرق اللون بالنسبة للنصارى، وفرض على اليهود اللون الأسود) (25). كما أعيد فرض الغيار على أهل الذمة جميعاً في سنة (429ه)، ويبدو أن اليهود عادوا إلى ترك الغيار في القرن الخامس، فأصدر الخليفة المقتدي أمراً سنة (478ه) ألزمهم فيه بالعودة إلى لباس أهل الذمة (26).

والغيار كما هو معروف، هو نوعية اللباس والسلوك التي فرضها المسلمون على غير المسلمين من أجل تمييزهم عن المسلمين حيثما كانوا، وأينما حلّوا، والغيار كان جزءاً لا يتجزأ من عقيدة تمجيد الإسلام التي روج لها الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على نطاق واسع. والغيار قديماً طبق في الامبراطورية البيزنطية كقيود ناشئة تعود أساساً إلى القانون البيزنطي المتعلّق باليهود في الامبراطورية، وهو نقل واضح ومباشر لمدونة تشريعية تتعلق بأعضاء ديانة مهيمن عليها. ومع ذلك ترجع القواعد الناشئة في العالم الساساني، خصوصاً المتعلقة بالغيار، إلى أمثولة المنظومة الطبقية الساسانية، التي روّج لها في إيران عن طريق الطبقة الأرستقراطية الساسانية، تطلّب وجود مجموعة من العلامات بما في ذلك اللباس والأدوات والعادات العامة لتميّز بين الطبقات الراقية من عموم الناس. وهذه الأمثولة الساسانية حول مجتمع هرمي غير متحرك، كلّ طبقة مميزة بلباسها وأدواتها، تبناها المسلمون بل في الواقع استولوا عليها من أجل التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، بوصفها طريقة لإثبات تفوق المسلمين الخاص (27). والغيار كما نفهمه، ربما يكون أول وثيقة فصل عنصري مفصّلة ومعتمدة رسمياً تعرفها البشرية، وثيقة ما تزال آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم في الدول العربية، التي فشلت على ما يبدو في إخراج رأسها من عنق الزجاجة، بفضلّ أحلام القرن الثالث والرابع الهجريين الوردية، على واقع القرن الحادي والعشرين الكارثي في العراق اليوم.

أما واقع يهود بغداد الاجتماعي فكانوا جماعة محافظة، يؤمنون بالعلوم والطب والتنجيم، وكان الرؤساء الدينيون يقومون بالدفاع عن التقاليد الدينية اليهودية كلما احتاجوا إلى ذلك، معتمدين على تفسيرات متشددة لتعاليم التلمود، كانوا ينشرونها بين حين وآخر ويلقنونها لتلاميذهم. كما عمل اليهود في بغداد في مجال الخياطة والصباغة والخرازة وبيع بعض أنواع الطعام ومنها الهريسة في الشتاء. كما كان يعاملون في البيمارستان معاملة المسلمين.

عملَّ اليهود في دباغة الجلود وربما كانوا أول من تمكن من الحصول على الأصباغ، وكان يفضل استعمال القرض اليماني في الدباغة، وفرضت أصول للدباغة فيما يخص الجلد نفسه، أو مادة دباغته أو طريقة الدباغة (28).

قال الجاحظ في رسالته: (ولا تجد اليهودي إلا صباغاً أو دباغاً أو حجّاماً أو قصّاباً أو شعّاباً، فلما رأت العوام اليهود على ذلك، توهمت أن دين اليهود من الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر كفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم) (29)، وهذا غير حقيقة حياتهم ومكانتهم الاجتماعية والاقتصادية كما نعرف، لأن أغلب يهود بغداد كانوا من الصيارفة والتجار والأطباء، ولم تكن أغلبيتهم من الوضاعة في مهنهم التي كانوا يزاولونها.

وقد عهد الخليفة عبد الملك بن مروان إيجاد نظام تعاملي يضبط النقود والموازين، وقد جاء ذلك على شكل اقتراح تقدم به سمير اليهودي إلى الحجاج، وبين فيه الحاجة إلى نقد سليم، وإلى ضرورة ضبط الأوزان، وبينَّ أهمية ذلك في عدم وقوع التغابن بين الناس ولتسهيل أعمالهم (30). ويبدو أن اقتراح سمير اليهودي في وضع نظام نقدي راسخ كانت لها دلالتها الواضحة في التعبير عن نمو العلاقات التبادلية، التي عادت لتفرض نفسها من جديد في الربع الأخير من القرن الثالث، فإنَّ إقبال المعتضد على اقتناء الذهب يشير إلى سيطرته كمعدن نقدي متين (31).

لكن يهود بغداد إذ اجبروا على الغيار ولبس الزنار وتحريم استعمال السروج، وكانت هذه الشروط قديماً حيث يطلق عليها الشروط العمرية (أي شروط عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز)، والمصادر التي أوردت مرسوم عمر بن عبد العزيز، بما في ذلك ابن عبد الحكم (32)، وأبو يوسف (33)، وأبو عبيدة (34)، وابن عساكر (35)، منسجمة تماماً فيما يخص القواعد المتضمنة في هذا المرسوم، وتظهر الواقع تشابهاً لغوياً قوياً في بعض الأجزاء.

المرسوم مكوّن من جزأين : الأول يحظر على غير المسلمين، رجالاً ونساء، استعمال السرج، والثاني ينظم اللباس والمظهر، بما في ذلك جزّ الناصية، وارتداء زنار (جلدي)، وعدم ارتداء أحذية بأشرطة، وطيلسان (لباس رأس، عادة ما تكون قلنسوة تلبس فوق العمامة)، وقباء (ثوب فاخر)، أو عمامة (عمامة أو عصب). في الأمور الإضافية ثمة فروقات بين نسخ ابن عبد الحكم، وابن عساكر من ناحية، وأبي يوسف من ناحية أخرى، الذي يبدو أنه يقدّم هنا مرسوماً مختلفاً قليلاً، لكن هذه الفروقات ضئيلة، ولا يمكن بأية حال أن تصل إلى مستوى التناقص. كما لم يسمح لغير المسلمين إلا باستعمال الإكاف (برذعة). وبحسب المرسوم الذي يورده ابن عبد الحكم، فقد منعوا عن ركوب الحيوانات بساقين منفرجين، ولم يكن باستطاعتهم ركوبها إلا وكلا الساقين في جانب واحد، كما كانت النساء تفعل (36).

وفي عهد المتوكل (حكم 847/861م) قد أصدر مجموعة قيود رسمية على أهل الذمة معروفة للباحثين في مجال التاريخ، هي تلك التي وضعها، فللمرة الأولى يصدر الخليفة مجموعة منظمة من القيود التي وجب تطبيقها على الذّميين.

تضمّن هذا القانون مطلب ارتداء الأصفر كلون مميز، ارتداء الزنار، والركوب على سروج بركابين خشبيين ملحقين بالقربوسين في المؤخرة، وربط زرين بالقلنسوة، وربط خرقتين بلون أصفر، من الأمام ومن الخلف، مثل إلى ثياب العبيد وذميي الطبقة الدنيا، وتدمير البيع الجديد (بيعهم المحدثة)، الاستيلاء على عُشر مساكنهم، ودق صور شياطين بالمسامير على أبوابهم، وتحريم استخدام غير المسلمين في الحكومة، وحظر دراسة أولادهم في مدارس المسلمين أو أن يعلّمهم مسلمون، وحظر المواكب العلنية بما في ذلك في أحد الشعانين، وتسوية القبور التي تشبه قبور المسلمين (37).

من الجانب الإسلامي يقول الطبري إنه في (محرّم 239ه/ 12-حزيران -13 تموز 853م)، أمر المتوكّل بأن يربط الذّميون كمّين (ذراعين) أصفرين إلى عباءاتهم الخارجية. وهذا لا يعقب على نحو دقيق المرسوم الذي أورده الطبري نفسه سابقاً، الذي يتضمن أنَّ على أعداد إضافية كثيرة من غير المسلمين، بمن فيهم التجّار والحجّاب، أن يرتدوا الطيالس الصفراء، والعمائم الصفراء، وأن ترتدي نساؤهم إزاراً أصفراً، في حين أن أولئك من تابعيهم الأذلاء الذين هم أدنى مرتبة من هؤلاء، والذين تمنعهم ظروفهم من ارتداء البرنس، فيجب أن يربطوا خرقتين صفراوين إلى عباءاتهم من الأمام ومن الخلف (38)، ثمة ما هو أكثر من ذلك، ففي الوصف تستخدم الخرق الصفراء كعلامة مميزة للعبيد (المماليك) (39)، بينما لا يقال شيء عن الأكمام. وفي صفر 239ه/ 12 تموز 9 آب، من العام نفسه، أمر المتوكل أن تقتصر حيوانات ركوبهم على الحمير والبغال، وأن يتجنبوا امتطاء صهوة الخيول (40).

بالتوافق مع الطبري يقول إنه في محرّم 239ه/853م، فرض الأمر الذي يقتضي أن يلبس الرجال غير المسلمين خرقاً بلون عسلي إلى أثوابهم ومعاطفهم، وأن ترتدي النساء حجابات بلون عسلي، وفي صفر من ذلك العام حُظر على الذّميين ركوب الخيول وفرض عليهم أن يقتصروا على استخدام الحمير والبغال (41)، وفي عام 240ه/ 854-855م، أعلن على الملأ أنه على أبناء الذّميين تعلّم السريانية أو العبرية، وأن يحظر عليهم تعلّم العربية (42)، والحظر على رفع الصوت في الصلاة، وعلى الجلوس على مقاعد محترمة (علينا النهوض من مقاعدنا إذا ما كانوا يرغبون بالجلوس)، والطلب أنه حين التحدث إلى المسلمين يجب أن تنظر العينان إلى الأسفل، أي يجب أن نبدي الاحترام للمسلم(43).

تذكر المصادر، عدة خلفاء من الذين استنَّوا مراسيم مشابهة. فيقال إن المقتدر (حكم 908/932م) استنَّ مجموعة قوانين تتعلق باستخدام الذّميين في الخدمة العامة، واللباس الفارق بلون العسل، وغير ذلك من الغيار (44)، ويقول المقريزي إن جوهر وزير المعز (حكم935/975م) في الخلافة الفاطمية، فرض قوانين الغيار على الذّميين (45)، لكن أشهر هؤلاء جميعاً، بلا شك هو الحاكم المسلم، الذي علينا أن نعترف، أنه سار إلى أبعاد أكبر بكثير، ليس فقط بإنزال القيود على الذّميين بلا شفقة ولا كلل، بل أيضاً بتدمير كل الكنس والكنائس، ومصادرة الأملاك. يبقى السؤال بالطبع، ماذا كانت هذه الإجراءات قد فرضت بالفعل، أم أنها كانت مجرد رسالة ميتة؟

أما حال أبناء الديانة من الصابئة والمجوس، فقد حصل الصابئة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على عهد من الخليفة أمر فيه إلى جانب صيانتهم وحراستهم، والذود عن حريتهم ورفع الظلم عنهم، كما حصل المجوس في بغداد في القرن الرابع الهجري على اعتراف من السلطة بأنهم من أهل الذمة إلى جانب اليهود والنصارى وصار لهم رئيس مثلهم لدى قصر الخلافة، كالطوائف الدينية الأخرى (46).

وهكذا يمكن القول إنَّ التعامل مع اليهود والنصارى والمجوس والصابئة المندائيين وغيرهم من أهل الذمة كان على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وكان وضعهم مماثلاً في العديد من الجوانب لوضع الأجانب المقيمين، مع ذلك حافظ حكام الدولة الإسلامية بالتزام واضح لحماية أهل الذمة، والعيش وفق القوانين والعادات القديمة الخاصة بهم، مع العلم أن المؤسسات اليهودية والنصرانية واصلت العمل، فاليهود والمعابد اليهودية، التي كانوا يرزحون تحتها بضغط تهديد متزايد، كانوا محميين بالقانون من أي أذى أو ضرر، فلم يكن اليهود يضطرون للحضور في المحكمة يوم السبت بسبب العادات القديمة والأعراف.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر /

1-

2- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

3- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. مصدر سابق. ص9.

4- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. مصدر سابق. ج1. ص64/65.

5- المصدر السابق. ج1. ص63.

6- المصدر السابق. ج1. ص164.

7- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. بيروت. 1405ه. دار المعارف. ج9. ص171/172.

8- ابو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم. المصدر السابق. ج8. ص96/97.

9- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام من الاستسلام إلى التعايش. ترجمة د. نبيل فياض. بيروت. ط1. 2016. المركز الأكاديمي للأبحاث. ص33/34.

10- صالح أحمد العلي. ألوان الملابس العربية في العهود الإسلامية الأولى. مجلة المجمع العلمي العراقي. م26. بغداد. 1975. ص107.

11- الجاحظ. الرد على النصارى. المصدر السابق. ص17.

12- أبو هلال العسكري. الأوائل. دمشق. 1975. ج1. ص369/370.

13- ابن الجوزي. المنتظم. مصدر سابق. ج6. ص67.

14- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994، ص160.

15- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص127/128.

16- أبو عبيدة القاسم بن سلاّم. كتاب الأموال. تحقيق محمد عمارة. بيروت. 1989. ص130. مقطع 137.

17- أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر. تاريخ مدينة دمشق. بيروت. 1995. المجلد الثاني. ص179.

18- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. مصدر سابق. ص190/191.

19- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. المجلد الثالث. ص1389.

20- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثالث. ص1389.

21- المصدر السابق. ص1392.

22- المصدر السابق. ص1419.

23- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. ص265.

24- المصدر السابق. ص270.

25- ابن عساكر. تاريخ. المجلد الثاني. مصدر سابق. ص175؛ ابن قيم الجوزي. أحكام أهل الذّمة. دمشق. 1966. المجلد الثاني . ص659.

26- عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. المجلد الثالث عشر. لندن وبيروت. 1992. ص82.

27- أحمد بن علي المقريزي. انماط الحنفاء بأخبار الأمور الفاطميين الخلفاء. القاهرة. 1967. المجلد الأول. ص132.

28- آدم متز. المصدر السابق. ج1. ص59/60.

 

 

nabil alrobaei2المكانة الاجتماعية لغير المسلمين الشرعية في المجتمع الإسلامي نتاجاً لمعاملتهم معاملة حسنة بأنهم أهل الذمة أو أهل الكتاب التي نجدها في القرآن، وكذلك وفق اتفاقيات بدأت منذ صدر الإسلام عام 634م وما بعدها، حين فتحت المدن والبلدان على أيدي جيوش المسلمين، بدأوا بتبني سياسة أكثر انسجاماً تقوم على مبدأ الصلح المعتمد على الأمان أساساً له، أو الوعد بالأمان الذي يعطى مقابل أن يدفع أهل الذّمة أو أهل الكتاب الجزية. هذه المنظومة الأساسية كانت تطبّق على وفق الروايات التاريخية الإسلامية، مع بعض الشروط والالتزامات الإضافية التي كانت تطبّق أحياناً وتختلف من مكان إلى آخر. والمصادر الإسلامية التي تعود إلى القرن الثالث والرابع الهجري وما بعده تقّدم لنا غالباً تقارير تتعلّق باتفاقيات الحماية لأهل الذمة تحت نظام الدولة الإسلامية.

عند تتبع حال أهل الذمة في بغداد السلام يتبين لنا أن المسلمين قد تتبعوا ظهور التشريعات بغير المسلمين منذ ظهور الإسلام، وتطبيق هذه التشريعات عليهم في ظل الحكم الإسلامي، بدءاً بالاتفاقات الموقعة زمن ظهور الرسالة الإسلامية فصاعداً أو ما تسمى بالشروط العمرية، وهي حقبة وضعت فيها أسس العلاقة بين الحكام المسلمين وأهل الذمة.

يبدو أن بناء بغداد في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور مرحلة هامة على طريق تعزيز الدولة العباسية، كما لوجود علاقة وثيقة بين قيام الدولة العباسية وبناء بغداد ونمو العامة فيها وتعدد وجود أبناء الديانات والمذاهب والقوميات الدور الكبير في تطوير المدينة وخلق جو من التعايش السلمي بين أبنائها، في حين كان المجتمع الإسلامي يخرج من التنظيم القبلي إلى التنظيم السكني أو الحضري، باتجاه قيام مجتمع تتوفر فيه شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي مما أصبحت مدينة بغداد كبرى المدن وعامرة بالناس والأسواق.

لذلك من يرغب أن يقدم دراسة عن حال أبناء الذمة في مدينة بغداد يمكن أن يشكل نقطة البداية لتطور حالة المجتمع البغدادي ويبين التعايش السلمي بين أبناء بغداد من جميع الطوائف ودور أهل الذمة في المجتمعات الإسلامية، وبخاصة أن بغداد كانت أول عاصمة عربية ضمت كثافة عالية من السكان المتعددي الأصول العرقية والدينية والمذهبية، واللذين خاضوا تجربة العيش ضمن ظروف جديدة في عاصمة عالمية تختلط فيها الثقافات القديمة، لكن بغداد استقبلت العديد من أبناء أهل الذمة مستفيدين من توسع مجالات الإنتاج وازدهار الحركة النقدية واحترام حكام بغداد وسلاطينها لأبناء أهل الذمة ورجالات الدين.

أهل الذمة يندرجون ضمن مفهوم الموقف الشرعي، وقد عبرَّ عنه الأوزاعي بقوله: (إنهم ليسوا بعبيد ولكنهم أحرار أهل الذمة). ورأى الليث بن سعد في فداء أهل الذمة إذا وقعوا في الأسر (أن يفدوهم من بيت المال ويقروا بذمتهم)(1). وقد عاش أهل الذمة مع المسلمين بموجب عهود كانت ترعى مصالحهم، مقابل ضريبة يؤدونها عن رؤوسهم(2)، وأهل الذمة هم من النصارى واليهود والصابئة والمجوس والسامرة.

نصارى بغداد:

ويذكر الشابشتي في كتابه الديارات حول مكانة النصارى في عهد الخليفة المنصور إذ قال: (أقام النصارى في منطقة بغداد قبل تمصيرها، وأدخل المنصور في مدينته الكثير من قراهم وأديرتهم، منها القرية التي بها دير مارفثيوس الذي عرف في العهد العباسي بالعتيق، ومنها قريتا درتا وقطفتا ومنها دير كيليشوع عند باب الحديد، وفي هذا الدير دفن البطريك طماثاوس (205هـ) الذي جعل إقامته فيه حتى عرف باسم دير الجاثليق)(3).

كانت إقامة النصارى داخل بغداد متجاورين مع المسلمين، وعرفت مناطقهم في بغداد بـ(قطيعة النصارى) التي أقطعها لهم المنصور وكانت تقع بين نهر الدجاج ونهر طابق، كما نزلوا في درب القراطيس(4).

قدر المؤرخ أدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري عدد النصارى في بغداد خلال القرن الرابع الهجري ما بين 40 وخمسين ألف شخص (5)، وقد كانت واردات الجزية كما يذكرها آدم متز في كتابه أعلاه في القرن الرابع الهجري، التي كان يدفعها أهل الذمة في بغداد، والتي بلغت في القرن الثالث الهجري 130 ألف درهم، وبلغت في قائمة قدامة بن جعفر المائتي ألف درهم، كما بلغت في أوائل القرن الرابع الهجري 160 ألف درهم، ويعني هذا أن عدد دافعي الضريبة من أهل الذمة يبلغ خمسة عشر ألفاً مع العلم أن هذه الضريبة لم يكن يدفعها الجميع، إذا استثنى منهم الصبيان والنساء والمساكين والمقعدون والعميان والخدم والمجانين ومعظم أهل الصوامع (6).

خضع نصارى العراق لرؤساء دينيين، وكان الجاثليق ينتخب بين عدة مرشحين، وكان الجاثليق النسطوري رئيساً شرعياً للنصارى الشرقيين في خلافة المقتدر. ولعل الأهمية الخاصة التي كانت لمنصب الجاثليق كانت وراء التنافس الشديد الذي كان يجري بين المرشحين أحياناً، مما حملَّ البعض على دفع الرشا إلى الناخبين، أو الاستعانة بالسلطة السياسية للوصول إلى كرسي البطركية، فقد لجأ طاماثوس إلى إغراء تلامذة المدرسة الدينية في المدائن ووعدهم بتوزيع الأموال عليهم في حال انتخابه، واستعان أحد المطارنة بمال أودعه لديه أحد البدو والإعراب دفع منه مبلغ 200 دينار لأحد معارضيه (7).

كانت الكثير من المشاكل تجابه المرشحين لكرسي البطركية، وتعهد الكثير منهم أن لا يتعرض لجمع المال وأن يؤخذ الرشا وألا يمنح رتبة الكهنوت إلا لمستحقيها (8)، كما للبطاركة والمطارنة في بغداد نشاطاً طيباً فلهم الدور في تجديد أديرتهم وترميم بناء دير مارفثيون في العتيقة في القرن الثالث الهجري، وهو الذي أقيم في عهد الفرس، وأخرج المنصور من فيه من المسلمين عند بناء بغداد، وبعد تجديده، ألحقت بهذا الدير مدرسة مجهزة بالمعلمين، كما أصبح مقر البطركية. وفي سنة 349ه، بنيت البيعة الكبيرة بدار الروم وجددت بيعة العتيقة (9).

وفي العهد العباسي تولى النصارى الكتابة والجهبذة، وتولى نصرانياً كتابة ديوان الجيش لكل من الموفق والمعتضد، وفي القرن الرابع الهجري وجه اللوم إلى علي بن فرات الوزير في تقليده ديوان الجيش رجلاً نصرانياً، لأنه جعل أنصار الدين وحماة البيضة يقبلّون يده ويمتثلون أمره، كما كان النصارى داخل قصر الخلافة، فقد كانت إحدى جواري المهدي تعلق صليباً في صدرها، وكانت فرج النصرانية تعمل كاتبة لدى أم موسى القهرمانة (10).

مع كل الامتيازات التي حصلوا عليها النصارى في ظل الدولة العباسية إلا أنهم تعرضوا لنقمة بعض الخلفاء، فقد أمر الرشيد وهو في مواجهة البيزنطيين (191هـ)، بأخذ أهل الذمة في بغداد بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم، وأعاد المتوكل سنة (235هـ) أخذ النصارى وأهل الذمة بلباس الطيالسة العسلية والزنانير والركوب بالسروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان، وأن يتعلّم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم، وفي سنة (296هـ) أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى، فألزموا بيوتهم وأخذا بلبس العسلي والرقاع من خلف وقدام وأن تكون لهم ركبهم خشباً (11).

وفي القرن الثالث الهجري كان النصارى أرباب مهنة الطب ورجال المال، وقد اشتهر الطبيب أسد بن جاني كساد في مهنة الطب، وكان النصارى يمارسون حياة عادية لا تختلف عن غيرهم، وكانوا يتقدمون من القاضي المسلك لينظر في دعاواهم، كما دخلوا حمامات المسلمين، وأفادوا أحياناً من الصدقات التي تعطى للمحتاجين (12).

أما أعياد النصارى في بغداد فكانت مظهراً من مظاهر البهجة يشارك فيها المسلمون، فذكر الشابشتي في كتابه الديارات : (أن أعياد النصارى ببغداد مقسومة على ديارات معروفة، منها أعياد الصوم الكبير تقام على أربعة أيام آحاد متتالية. فالأحد الأول منه عيد دير العاصية، الأحد الثاني دير الزرافية، الأحد الثالث دير الزند ورد، والأحد الرابع دير رمالس الذي يجتمع إليه نصارى بغداد، كذلك نصارى بغداد يخرجون في أحد الشعانين (13).

لكن النصارى وأهل الذمة لم يسلموا من بعض المتعصبين والمتشددين من المسلمين أيام الاضطرابات السياسية، ففي سنة (271هـ) وثب العامة على النصارى وخربوا الدير العتيق ونهبوا كل ما فيه من متاع وقلعوا الأبواب والخشب وسار إليهم صاحب الشرطة فمنعهم من هدم الباقي وكان يتردد على حمايته أياماً. وتعرض هذا الدير في العام التالي لهجمات العامة وبسبب هذا الشغب أنهم أنكروا على النصارى ركوب الدواب. وعلى أثر ضائقة اقتصادية افتتحت الجوالي سنة (331هـ) في ربيع الأول فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح، وفي سنة (392هـ) ثار العامة على النصارى فنهبوا البيعة بقطيعة الدقيق وأحرقوها فسقطت على جماعة من المسلمين فهلكوا. وفي سنة (403هـ) توفيت بنت أبي نوح بن أبي نصر بن إسرائيل أحد كتاب النصارى، فأخرجت جنازتها نهاراً ومعها النوائح والطبول والزمور والصلبان والشموع، فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك، فضربه أحد غلمان الكاتب مما تسبب في فتنة أدت إلى تدخل العامة وانتهت بإلزام أهل الذمة الغيار(نوعية اللباس) (14).

تعتبر هذه الاضطهادات أحداثاً استثنائية قد تعرض لها أبناء النصارى في بغداد بسبب إقامتهم بين باب البصرة ذي الأكثرية السنية وبين الكرخ ذي الأغلبية الشيعية، فكانت الصدامات بين هاتين الفئتين تجري في قطيعة النصارى. لكن مع هذا فإن النصارى تمتعوا في ظل العهد العباسي بمركز أفضل بكثير من الذي كان عليه بعض الجماعات الإسلامية، لأن المحاورات لم تكن لتتم بين أعداء يريد بعضهم تدمير البعض، لكن الجاحظ يؤكد قائلاً : (وبالفعل فقد ترك كثير منهم عقد الزنانير وامتنع كثير من كبرائهم من أداء الجزية، مع اقتدراهم من دفعها، وسبّوا من سبَّهم وضربّوا من ضربّهم (15).

كما أجبروا النصارى على ركوب الحيوان دون سرج لكن يجب أن يركب على برذعة، وأي امرأة من نسائهم يجب أن لا تركب على سرج، بل يجب أن تركب على برذعة، ويجب أن لا يبخسوا على حيوانات الركوب بساقين منفرجتين، ويجب أن يضعوا سيقانهم في جهة واحدة. ويورد ابن عبد الحكم في كتابه سيرة عمر بن عبد العزيز قائلاً : اكتبوا لهم رسالة حازمة بشأن هذا وأرضوني فيما يتعلق بهذا(16).

أما في عهد الخليفة العباسي المنصور فقد أزال الصلبان من على قمم الكنائس، وأمر بوجوب إضافة علامات على أشجار نخيل الذّميين، وفرض الجزية على الرهبان، الذين كانوا معفيين منها حتى ذلك الوقت. لكن وجدَ أمر إزالة الصلبان من قبل عمر بن عبد العزيز، فهو يرجع إلى القرن الثاني الهجري، في حين أن أول محاولة منظمة لإقصاء غير المسلمين عن المناصب العامة قام بها عبد الملك بن مروان، في حين قام بالثانية عمر بن عبد العزيز (17).

أمر هارون الرشيد أن تسوي الكنائس في المناطق الحدودية بالأرض، أمر كان له علاقة من دون شك بالوضع الأمني على طول الحدود. أما أن يغير أهل الذمة مظهرهم فقد تمت صياغتها على يد المستشار الشرعي لهارون الرشيد، أبو يوسف (ت789م). ويذكر الطبري أن الرشيد أمر أن يغيّر الذّميون في بغداد مظهرهم كي يختلفوا عن المسلمين (18).

لكن مرسوم أبي يوسف مرسوم عام ينطبق على غير المسلمين جميعاً، والأسباب حيثما يكون هناك حضور إسلامي معتبر، وبين زمن هارون الرشيد وزمن المتوكل ثمة خبر يتعلّق بالخليفة الواثق (حكم 842/847م)، الذي حظر استخدام النواقيس في الكنائس (19).

ويخبرنا ابن الجوزي أنه في العام 236هـ/ 850-851م، في أعقاب المرسوم العام الذي صدر في شوال 235هـ/ 850م (20)، طُرِد المسيحيون من الوظائف العامة، كذلك فقد أعفوا من الولايات ولم يعودوا يستخدمون عموماً في أي شيء له علاقة بأمور المسلمين، والحظر على القيام بمواكب جنائزية عامّة، كما أجبروا أهل الذمة على اعتناق الإسلام.

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

المصادر

1- فاروق عمر. العباسيين الأوائل. ج2. ص167. دمشق. 1973. دار الفكر.

2- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف. كتاب الخراج. بيروت. 1989. ص131.

3- أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي. الديارات. تحقيق كوركيس عواد. بغداد. ط2. 1966. مكتبة المتنبي. ص3/4.

4- فهمي عبد الرزاق سعد. العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع الهجريين. ط1. 2013. اتحاد الناشرين العراقيين. ص74.

5- آدم متز. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري. ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة. ط3. القاهرة. 1957. ج1. ص66.

6- المصدر السابق. ج1. ص66.

7- أحمد بن علي القلقشندي. صبح الأعشى في صناعة الأنشا. القاهرة. 1964. ج10. ص295/297.

8- عمرو بن متي. أخبار بطاركة كرسي المشرق. من كتاب المجدل. بعناية جسمو ندي. بيروت. ص81/82.

9- أحمد بن القاسم ابن أبي أصيبعة. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق نزار رضا، بيروت. 1952. ص69/70.

10- هلال بن المحسن الصابي. تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء. تحقيق عبد الستار فرج. بغداد. 1964. دار إحياء الكتب العربية. ص109.

11- ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الرسل والملوك. القاهرة. 1960/1969. دار المعارف. 1985. ج8. ص324.

12- أحمد بن محمد مسكوية. تجارب الأمم. القاهرة 1992. مطبعة التمدن. جزءان وملحقان. ج2. ص408.

13- الشابشتي. الديارات. مصدر سابق. ص3/4.

14- أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. حيدر آباد الدكن. 1992م. مطبعة دائرة المعارف. بيروت. ج5. ص82/84.

15- ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ). الرد على النصارى. ضمن ثلاث رسائل. القاهرة. 1382ه. المطبعة السلفية. ص18.

16- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز. القاهرة، 1994. ص140.

17- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص215.

18- الطبري. تاريخ الرسل والملوك. مصدر سابق. المجلد الثامن. ص985.

19- ملكة ليفي روبين. أهل الذمة في صدر الإسلام. ص216.

20- ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، المجلد الحادي عشر. لندن وبيروت 1992. ص222/223.

 

 

mutham aljanabi2يبدأ الدين بالإلهام والوحي الباطني لأنه عادة ما ينطلق من الواحد والوحدة النافية للتجزئة والاختلاف والصنمية. وعادة ما يتراكم في شخصية الأنبياء في هيئة تحد مرير لحالة أكثر مرارة. ومن تراكم الأصوات القبيحة للتخلف والاختلاف المعجون بالتجزئة والانحطاط تتفجر ينابيع "الصوت الصافي" بعد مروره برمال وأحجار المعاناة المتكسرة في طريق الحلم بعالم يرتقي في ميدان الروح والجسد إلى مصاف الذرى. من هنا عادة ما يتخذ الحلم الإنساني في الدين أكثر الصور نقاوة، لأنه يحلم بروح متسامية وجسد متمتع بها خارج التاريخ، باعتبارها المعادلة الوحيدة التي تجعل الأسطورة معجزة، والمعجزة أملا مرتقبا وحلما ثابتا ومطلقا. كما أنه الحلم الذي يسعى للتعويض عن قيمة الحدس المحير لصوت الأزل الإنساني بالسعادة وصورتها الأبدية المتخيلة. فهو يسعى إلى أن يكون باطن الروح الإنساني وظاهره الجسدي. بمعنى حصر الروح والجسد في رؤيا غالية في الخيال مهمتها صنع اليقين الضروري والجازم بان خلاص المرء هو خلاص فردي بينما حياته بالجماعة. وهي ثنائية مرهقة بالنسبة لكيفية توليف الماضي والمستقبل، وذلك لأن حاضرها عادة ما يغيب في غيب الترقب الدائم لقيام القيامة بوصفها معقل الحلم وبوابته المثيرة.

أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي في كل قضايا الوجود ومظاهره. ومن خلاله تتراكم عناصر الرؤية الذهنية المستقلة في بحثها عن علل الأشياء والظاهر. وفي مجرى هذه العملية تتهذب أساليب بلوغ الحقيقة، لكنها تصب في نهاية المطاف في تيار واحد، ألا وهو تيار الإقرار بالتنوع والاحتمال ووحدة الشك واليقين. وقد أبدعت هذه الصيغة على نموذجها مثال الحلم الإنساني وإمكانية تحقيقه في مجرى المعاناة الفعلية المرافقة للحياة بوصفها صيرورة وكينونة دائمة للروح والجسد الفردي والاجتماعي والثقافي والعالمي. الأمر الذي جعل من العقل الفلسفي محور ومعقل المساعي المتنوعة والمختلفة والمتباينة والمتضادة لتمثل ما يبدو له الصيغة الأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني. فقد سعى العقل الفلسفي دوما لتحقيقه وتجسيده في ميادين الروح والتاريخ من خلال تأسيس فكرة الحرية والرقي الدائم. وفي مجراهما يتراكم اليقين العقلي والعقلاني عن فكرة المنظومة القادرة على صنع الوحدة المرنة بين الظاهر والباطن، والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. من هنا نفيها مع كل تراكم عقلاني فكرة الجزم اللاهوتية لتستعيض عنها بفكرة الاحتمال، بوصفه الأسلوب الأكثر إنسانية وانفتاحا لبلوغ اليقين. كما أنه أسلوب تحرير الروح والجسد من قيود الأحكام الجازمة، وبالتالي تحرير الخيال وتوجيهه صوب الأحلام الواقعية ومعاصرتها. وهو تحول يجعل من المستقبل معاصرة، كما يجعل من الحاضر محل الالتقاء الدائم بين الماضي والمستقبل. وهنا يتحول الحلم إلى واقع. بمعنى إمكانية بلوغ الحالة التي كانت تقض مضاجع الأنبياء القدماء في البحث عن حل للمشكلة في إشكالية اعقد. من هنا كانت الحلول تذوب في الفكرة الدينية بالضرورة في نفسية الانقياد التقليدي وذهنية الإيمان المحكومة بالخوف وعقدة الذنب والتلذذ بوجاهة الخلاص الفردي من اجل نعيم سرمدي يعادله فرح طاغ بعذاب سرمدي لآخرين!! بينما كانت تذوب في الفكرة العقلية الفلسفية بالضرورة في عقلانية الرؤية ومحاولة تأسيسها العملي بالشكل الذي يجعل من معاناة الأفراد جزء من مصير العقل في محاكمة وجوده بين الأزل والأبد.

وفي هذين الأسلوبين العامين جرت وتجري محاولات النفس الإنسانية والعقل المجرد مباراة المنافسة الحرة من اجل المستقبل. ففي الرؤية الدينية كانت تجري من خلال الأتباع المقيد (للنبوة) بحروف النصوص "المقدسة" والتمسك المتوهج أحيانا بها حد التعصب المفرط وخلط الموت بالقتل على إنهما شهادة واستشهاد باسم الحق والحقيقة. كما كانت تفسح المجال أمام فكرة الولاية (الإلهام) بتذليل هذا الوجدان العام لسلطة النص المغترب عن معاناة الوجود التاريخي، والعبارة المعزولة عن معاناة الروح الباحث عن حقيقة المعنى، والكلمة المتكونة من حروف المعجم لا حروف التهجي المعذّب بعذوبة التعلم من وحدة الصوت والصورة. وهي عملية متناقضة وضرورية في الوقت نفسه لصنع مرتكزات الرؤية الثقافية وتطويرها وتأسيسها وتفاعل منظوماتها الفكرية. ومن خلالها كانت تتراكم الكمية الواقعية لتفعيل الثقافة والمثقف بالشكل الذي يحررهما من قيود النصوص وسلطته الكئيبة على العقل والضمير. الأمر الذي كان يضع الثقافة الحرة ومثقفيها على الدوام في مواجهة السلطة السياسية والاحتراب معها. وليس مصادفة أن تشترك السلطة السياسية والمؤسسة الدينية دوما في قمع فكرة الحرية وأحرار الفكر. وذلك لتحسسهما فيهم مصدر القوة "المخربة" لسلطة الأفراد والنصوص "المقدسة". وفي هذا الاحتراب كانت تتراكم الفكرة العقلية بوصفها الصدى المتوهج لاكتشاف الحق والحقيقة التاريخيين في مجرى الانتقال من الباطن إلى الظاهر. وقد قطع العقل الفلسفي هذا المسار المعقد في محاولاته الدائبة للانتقال من الظاهر إلى الباطن بوصفه الطريق المكمل في مساعي الفكر الحر لبلوغ تطابق الروح والجسد والظاهر والباطن.

إلا أن التجارب التاريخية للأمم والثقافات الحية تبرهن على أن طريق العقل الفلسفي هو الوحيد القادر على رصف "الصراط المستقيم" بمكونات القوة والمتانة. ومن ثم صيانته من الخراب السريع المترتب على تبدل الأجواء. لأنه الطريق القادر على جعل التراكم الثقافي منظومة حية في تاريخ وعي الذات الفردي والاجتماعي والقومي والإنساني. وهي منظومة تبدع على مثالها أنماط البحث عن النسب المثلى لعلاقة الثقافة والمثقف وموقف السلطة منهما. وضمن هذه العلاقة تتبلور ملامح النسب الواقعية والمثلى بين الأشباح والأرواح. ومن الممكن تتبع هذه العلاقة بصورة ملموسة في ثلاثة مستويات، الأول وهو مستوى النماذج الذهنية – الثقافية العامة، والثاني هو مستوى تمظهرها التاريخي، والثالث هو مستوى تجسيدها وتحقيقها الفردي.

ففي مستواها الأول هي النسبة التي تؤسس لها كل من الذهنية الدينية الإيمانية والذهنية العقلية الفلسفية. فالأولى عادة ما تصنع ذهنية مقيدة بتقاليد الإيمان التقليدي والخنوع "الواعي" وغير الواعي لمختلف هياكل وأصنام السلطة الخارجية من اله ونصوص وأفراد وأسلاف، بحيث تتحول حتى الروح والروحانية إلى قوى مستلبة بقوة المغناطيس الفاعل في نمط الاستعداد التام للخضوع والعبودية. وهو خضوع لا يتغير مضمونه بسبب شكله الخامل أو مظاهره الهائجة. فكلاهما يخضعان لسلطة الخارج. وعادة ما يلازم هذا الانقلاب تحول الوحي النبوي من معاناة فردية باطنية إلى هياكل خارجية شكلية. وفي هذا يكمن مصدر الإنتاج الدائم للأشباح التقليدية وضمور الأرواح الحقيقية. أما الذهنية العقلية الفلسفية، فإنها تصنع بالضرورة ذهنية نقدية فاعلة بحوافر التحري المنطقي ومرجعية الحرية. الأمر الذي جعل منها على امتداد التاريخ العالمي للبشرية وما يزال مصدر الإبداع الفعلي لمنظومات الفكر الحر. وقد لا تخلو من شطط وانحراف نسبي وجزئي عن القيم الأخلاقية أحيانا، إلا أنها مجرد مظاهر ملازمة لبقايا الغريزة في العقل الثقافي. وفي هذا يكمن السبب الذي جعل ويجعل من العقل الفلسفي القوة الجوهرية لتلقائية الارتقاء الروحي. ومن ثم مصدر الأرواح ومشتت الأشباح.

أما في مستواها الثاني، أي مستوى التمظهر التاريخي لهذه النماذج، فهي النسبة الدائمة بين الثقافة والسلطة، التي تبرهن بدورها على حقيقة دائمة يقوم فحواها في أن السلطة شبح صانع أشباح، بينما الثقافة روح صانعة أرواح. وينبع هذا الاختلاف من مكوناتهما الجوهرية ووظائفها المباشرة وغير المباشرة. فالسلطة هي معقل الغريزة، والمصالح، والصراع الضروري والمفتعل، ومختبر البرهنة الدائمة على كمية ونوعية المؤامرات والمغامرات، بينما الثقافة ميدان تجلي الممكنات المتسامية، لأنها ميدان اختبار واختيار العقل والواجب. حيث يؤدي هذا الاختلاف بالضرورة إلى خلاف بينهما في المبدأ والوسيلة والغاية. غير أن النسبة تبقى كما هي، بمعنى أن السلطة محكومة وحاكمة بالمادة، بينما الثقافة محكومة وحاكمة بالروح.

 أما المستوى الثالث فهو التجسيد والتحقيق الفردي لهذه النماذج. وفيه تظهر حقيقة النسبة بين الأشباح والأرواح في المصير والقدر الفردي للمثقفين الأحرار والسلطة. فالسلطة محكومة دوما بقوة العابر والمصالح الضيقة والغريزة، أما الروح فهو كينونة الوجود الفعلي وحامل ديمومته المعقولة. ومن ثم منظومته الفعلية في الوعي الذاتي للأفراد والأمم. وفي هذه المقدمة التاريخية والمعرفية تكمن طبيعة العلاقة بين الفكرة الحرة والسلطة المقيدة. فالثقافة الحرة هي ثقافة العقل النقدي الفلسفي. الأمر الذي يجعل من المثقف الحقيقي حامل فكرة الحرية ومشرّعها الروحي. بمعنى انه يبدعها من خلال تأسيس النسبة الواقعية والعقلانية بين الماضي والمستقبل في مجرى معاناة بحثه الفردي عن حلول لإشكاليات المعاصرة. وتشكل هذه الحلول المتنوعة بمجموعها كينونة النخبة المبدعة، بوصفها حاملة روح المرحلة، أو أرواحها الفردية المتنوعة، ومن ثم حاملة منظومة الثقافة الفعلية. وفي هذا يكمن سر خلافها الخفي والعلني مع السلطة بوصفها قوة القيود المادية المتجسدة في عنف القوة القاهرة، وسطوة النص الجامد، وانعدام التأويل العقلي الحر. وإذا كان مظهرها العام والخاص عادة ما يبرز في عنف القوة القاهرة للسلطة، فلأنها التجسيد الأكثر خشونة للعنف والسطوة غير العقلانية. وهي صفات تنبع من طبيعة السلطة. فالسلطة منظومة القهر والجمود واللاعقلانية، لأنها تتمثل في أعماقها وآلية فعلها نفسية الغريزة ومكونات ما قبل العقل الثقافي. من هنا استفحال النفس الغضبية فيها مع كل ضعف أو مواجهة للمثقفين الأحرار. تماما بالقدر الذي يتمثل المثقف الحر في أعماقه وآلية فعله العقل الفلسفي النقدي، ومن ثم ينفي في إبداعه ومشاريعه، بما في ذلك أشدها طوباوية، حدود الجمود المتراكم في قهر السلطة وسطوة النصوص الجامدة وخمول الخيال. وذلك لأن منطق الثقافة الحقيقية هو إبداع الحق والحقيقة والعمل بموجبها. حيث يجعل هذا الترابط من الثقافة الحقيقية ملجأ المثقف الحقيقي، كما يجعل من المثقف الحقيقي حامل الثقافة الحقيقة. وهي معادلة تنتج في كل قراءة أصيلة وفردية لها نموذج "أنا الحق".

إن المستويات الثلاثة المشار إليها أعلاه هي طبقات التراكم التاريخي والمنطقي لإشكالية الأشباح والأرواح القائمة في علاقة السلطة والثقافة. وتكشف هذه الطبقات وتبرهن على الحقيقة القائلة، بأن الثقافة الحرة لا تبدع غير سلطة الحقيقة. وهو إبداع يخيف السلطة (السياسية) ويثير غريزة الجاه فيها وحب الاستئثار وغيرة الأمامية. إنها أيضا تريد الاستئثار بما في الثقافة الحقيقية من قوة وسلطة، لكنها لا تدرك نوعية الخلاف بينهما. فالروح ليس كالجسد، والتاريخ ليس كالزمن، والمستقبل ليس كالماضي. فالسلطة من حيث تركيبتها وفاعليتها هي جسد الزمن الماضي، بينما الثقافة الحقيقة هي روح التاريخ والمستقبل. وفي هذا يكمن القدر المحتوم لاختلافهما الدائم وصراعهما المحتمل. من هنا كان تعايشهما وتلازمهما ودموية العلاقة بينهما، بما في ذلك في محاولات نفي وتذليل هذا التمايز والاختلاف.

ومن هذه المقدمات نستطيع القول، بأن السلطة الجيدة عادة ما تعي نفسها وتعمل بوصفها شبح الروح وليس الجسد، وشبح التاريخ وليس الزمن، وشبح المستقبل وليس الماضي. وحالما تريد الاستئثار بالاثنين معا، فإنها تفسد الاثنين معا. أما النتيجة الحتمية لهذا الفعل فهي استعادة فجة للعداوة والاستعداء والخراب والتخريب. كما أن الثقافة الحقيقية عادة ما تعي نفسها وتعمل بوصفها روح الأرواح المبدعة لمبدعيها، وأن سلطتها فيها وليس في أيدي أشباح عابرة. وبالتالي فإن قدرها المحتوم هو معاناة دائمة ودائبة من اجل تحرير العقل والضمير من سلطة الأشباح بشكل عام والسلطوية بشكل خاص. فالثقافة الحقيقة هي تاريخ المستقبل، وتاريخ التأسيس العقلاني الحر لفكرة الاحتمال والبدائل الإنسانية، وتاريخ دائم من وعي الذات العقلاني والإنساني الحر.

*** 

 

mutham aljanabi2من هنا جوهرية النبي محمد والقرآن في كل هذه الشبكة العنكبوتية الهائلة في تحرير الروح من أسار الجسد المباشر وإخضاعها "المنظومي" للعقيدة الدينية. وليس مصادفة أن يتوصل ابن سيرين في فكرته العامة حالما يفسر أنماط الأنبياء في أحلام البشر إلى القول، بأن من رأى كأنه نفسه أصبح نبيا معروفا، نالته الشدائد بقدر مرتبة ذلك النبي في البلاء، ويكون آخر أمره الظفر أو يصير داعيا إلى الله. وتعّبر هذه الصيغة عن مثالية النبي والنبوة في الفكر الإسلامي. بمعنى أنها تعبر عن واقع وحقيقة المآثر التاريخية الروحية للأنبياء بوصفهم مصلحين. ومن ثم فإن بدايتهم هي عين البلاء، وخاتمتهم عين الفلاح والصفاء. وليس مصادفة أن يكون للنبي محمد صيغة جامعة تشخصن الفكرة الإلهية في احد النماذج التاريخية الرفيعة للرؤية الإسلامية عن الرؤيا. من هنا مرجعية الفكرة العامة التي جرى وضعها في جملة أحاديث مثل "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي" و"من رآني فقد رأى الحق" و"من رآني في المنام فلن يدخل النار".

إننا نقف هنا أمام توكيد مسبق ومرجعية عقائدية كبرى يقوم مضمونها في تزاوج فكرة الحق والإخلاص في رؤيا النبي محمد، بوصفها حقيقة الرؤيا والرؤية الحقيقة. من هنا قول ابن سيرين، بان الله قد بعث محمدا رحمة للعالمين فطوبى لمن رآه في حياته فاتبعه، وطوبى لمن يراه في منامه، فإنه إن رآه مديون قضى الله دينه، وإن رآه مريض شفاه الله، وإن رآه محارب نصره الله، وإن رآه مسرور حج البيت، وإن رُؤِيَ في أرض جدبة أخضبت أو في موضع قد فشا فيه الظلم بدل الظلم عدلا أو في موضع مخوف أمن أهله. هذا إذا رآه على هيئته، وإن رآه شاحب اللون مهزولا أو ناقصا بعض الجوارح فذلك يدل على وهن الدين في ذلك المكان وظهور البدعة، وإن رأى أنه شرب دمه حبا له في خفية فإنه يستشهد في الجهاد، وإن رأى أنه شربه علانية دل على نفاقه ودخل في ذم أهل بيته وأعان على قتلهم. فإن رآه كأنه مريض فأفاق من مرضه، فإن أهل ذلك المكان يصلحون بعد الفساد، وإن رآه راكبا فإنه يزور قبره راكبا، وإن رآه راجلا توجه إلى زيارته راجلا، وإن رآه قائما استقام أمره وأمر إمام زمانه، وإن رآه يؤذن في مكان خراب عمر ذلك المكان، وإن رآه كأنه يؤاكله فذلك أمر منه إياه بإيتاء زكاة ماله، فإن رأى النبي قد مات فإنه يموت من نسله واحد، وإن رأى جنازته في بقعة حدثت في تلك البقعة مصيبة عظيمة، فإن رأى أنه شيع جنازته حتى قبره فإنه يميل إلى البدعة، وإن رأى أنه قد زار قبره أصاب مالا عظيما، وإن رأى كأنه ابن النبي وليس من نسله دلت رؤياه على خلوص إيمانه، وإن رأى كأنه أبو النبي دل على وهن وضعف إيمانه ويقينه. ورؤية الرجل الواحد رسول الله في منامه لا تخص، بل تعم جماعة المسلمين.

وتعكس الفكرة أعلاه عما يمكن دعوته بالمرآة الجمعية للصورة المحمدية في نفسية الجماعة الإسلامية، التي لا يشكل الحلم بها جزء من مسار النفس الفردية ومشكلاتها وعوالمها، بقدر ما هو جزء من النفسية الكلية للجماعة والأمة. ومن الممكن فهم المقدمات العقائدية لهذا الربط وتأثيره الفعلي في ظل منظومة أصبحت فيها الشخصية المحمدية معيارا جوهريا للحكم على نموذجية العقيدة المتغلغلة في جزيئات الوجود المادي والمعنوي للفرد. وليس مصادفة أن يكون القرآن هنا اقرب إلى كتاب نموذجي أو صورة مرجعية وميزان توزن به أحجام الصور وقيمتها. انه يستعيد نفس الصورة المميزة لنموذجية الله والأنبياء و"خاتم المرسلين". لهذا يكون من رأى كأنه يقرأ (الفاتحة) فتحت له أبواب الخير وأغلقت عنه أبواب الشر. ومن رأى كأنه يقرأ (سورة البقرة) طال عمره وحسن دينه. ومن رأى أنه يقرأ (سورة آل عمران) صفا ذهنه وزكت نفسه وكان مجادلا لأهل الباطل. ومن قرأ (سورة النساء) فإنه يكون قسّاما للمواريث صاحب حرائر من النساء ويورث بعد عمر طويل. ومن قرأ (سورة المائدة) علا شأنه وقوي يقينه وحسن ورعه. ومن قرأ (سورة كالأنعام) كثرت أنعامه ودوابه ومواشيه ورزق الجود. ومن قرأ (سورة الأعراف) لم يخرج من الدنيا حتى يطأ قدمه طور سيناء. ومن قرأ (سورة النحل) رزق علما وإن كان مريضا شفى. ومن قرأ (سورة طه) لم يضره سحر ساحر. ومن قرأ (سورة الأنبياء) نال الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر ورزق علما وخشوعا. ومن قرأ (سورة الفرقان) كان فارقا بين الحق والباطل. ومن قرأ (سورة الشعراء) عصمه الله عن الفواحش. ومن قرأ (سورة النمل) أوتي ملكا. ومن قرأ (سورة القصص) رزق كنزا حلالا. ومن قرأ (سورة المؤمن) رزق رفعة في الدنيا والآخرة وتجري الخيرات على يديه. ومن قرأ (سورة الدخان) رزق الغنى. ومن قرأ (سورة الفتح) وفق للجهاد. ومن قرأ (سورة النجم) رزق ولدا جميلا. ومن قرأ (سورة الحديد) كان محمولا الأثر صحيح البدن. ومن قرأ (سورة المجادلة) كان مجادلا لأهل الباطل قاهرا لهم بالحجج. ومن قرأ (سورة الجمعة) جمع الله له الخيرات. ومن قرأ (سورة نون) رزق الكتابة والفصاحة. ومن قرأ (سورة المطففين) رزق الأمانة والوفاء والعدل. ومن قرأ (سورة الليل) وفق لقيام وعصم من هتك الستر. ومن قرأ (سورة القدر) طال عمره وعلا أمره. ومن قرأ (سورة الإخلاص) نال مناه وعظم ذكره ووقى زلات توحيده.

نعثر فيما سبق على صورة تقليدية ومبسطة للغاية فيما يتعلق بتفسير الرؤيا. وذلك لأنها لا تتعدى في الواقع أكثر من تطبيق حرفي للأحلام على سور القرآن أو تطبيق المضمون المتميز لسور القرآن على الأحلام. وهو تفسير اقرب ما يكون إلى الأحكام الآلية المباشرة، التي لا تخلو من سذاجة الإيمان التقليدي. بحيث يتحول القرآن وآياته إلى مرآة لأحلام المسلمين والمؤمنين. وتستمد هذه الفكرة مقوماتها من نموذجية القرآن ومرجعية كلماته "المقدسة"، باعتبارها علم الله الأزلي والأبدي. أما في الواقع، فأنها تتمثل مظاهر الثقافة الروحية والأخلاقية السائدة آنذاك بصيغتها التقليدية الأقرب إلى سطحية وسذاجة العوام.

وتغتني معالم الرؤيا وتتنوع صور الحياة التاريخية للناس في ثقافة المرحلة، حالما ننتقل إلى ميدان الحياة العادية. ولعل أكثرها إثارة بهذا الصدد هي الرؤيا المتعلقة بالموقف من السلطة والمثقفين. فالعلاقة بالسلطة لا تحتوي على أية أبعاد ذات صلة بفكرة الدولة والمصلحة العامة. من هنا لا يتعدى تفسير الأحلام قضايا القرب والبعد والعزة والمذلة والرفعة والسخط من جانب السلطة تجاه أتباعها.

ففي القرب والرفعة من السلطة أن يرى المرء وكأنه ولي الخلافة. فإن رأى أنه أصبح خليفة بعينه وكان للخلافة أهلا نال الرفعة، وإن لم يكن للخلافة أهلا نال ذلا وتفرق أمره وأصابته مصيبة. ومن رأى أنه أصبح ملكا من الملوك أو السلاطين نال جدة في الدنيا مع فساد دين. وتحتمل هذه العلاقة في تفسير الأحلام الطبيعة المركبة لوحدة المجاورة والمخاطرة مع السلطة، فإن رأى كأنه نام قبل الإمام سلم مما خاطر بنفسه، وذلك لأن النوم معه مساواته بنفسه وهى مخاطرة. فإن رأى كأنه نائم على فراش الإمام وكان الفراش معروفا فانه ينال منه أو من بعض المتصلين به امرأة أو جارية. وإن كان الفراش مجهولا قلده الإمام بعض الولايات. إننا نعثر في هذه العلاقة على نفسية الحاشية والمتقربين من السلطة. كما أنها الميدان الذي تتمرغ فيه الرفعة. كما نراه في تفسير الأحلام التالية: من رأى كأنه ضاجع حرم الإمام اختلف في تأويله فمنهم من قال انه يصيب منه خاصية، وقيل انه يغتاب حرمه. فإن رأى انه أعطاه شيئا نال شرفا، فإن أعطاه ديباجة وهب له جارية أو يتزوج بامرأة متصلة ببعض السلاطين. ومن دخل دار الإمام ساجدا نال عفوا ورياسة، فإن اختلف إلى بابه ظفر بأعدائه. ومن رأى كأنه ولى الوزارة فانه يقوم بأمر المملكة. ومن رأى أنه قائد في الجيش نال خيرا. ومن رأى بواب أمير نال ولاية. ومن رأى كأنه يأكل من ديوان السلطان نال ولاية بلدة. ومن رأى أن يده تحولت يد سلطان فإنه ينال سلطانا ويجري على يديه مثل ما جرى على يد ذلك السلطان من عدله وظلمه. وهي نتيجة مرتبطة بدورها بطبيعة العلاقة المتبادلة التي تكشف الأحلام عنها، مثل إن رأى أن الإمام عاتبه بكلام جميل فإن ذلك صلاح ما بينهما. فإن رأى أنه خاصم الإمام بكلام حكمة ظفر بحاجته. فمن رأى انه سائر مع الإمام فانه يقتدي به. فان رأى كأنه صدمه في مسيره فإنه يخالفه. وإن كان رديفه على دابة فإنه يستخلفه في حياته أو بعد مماته. فإن رأى انه يؤاكله نال شرفا بقدر الطعام الذي أكل.

إننا نقف أمام علاقة نموذجية تحكم علاقة السلطة بأتباعها ومعارضيها على السواء. حيث تستمد هذه العلاقة مقوماتها من طبيعة السلطة، التي تحب الخضوع والانغماس في متعها بوصفه الأسلوب الذي يجعل من العزة والذلة والقرب والبعد أشكال متناوبة ومتوحدة فيها. ومن خلالها يجري تجديد "شبابها" الذي يجعلها عاجزة عن بلوغ سن الحكمة. وليس مصادفة فيما يبدو أن نعثر على تفسير متميز لصورة حلم يقول، بأن من رأى القراء مجتمعين في موضع، فإنه يجتمع هناك أصحاب الدولة من السلاطين والتجار والعلماء! إذ تكشف هذه الصورة بطريقة نموذجية واقع وآفاق العلاقة الممكنة بين العلماء والسلطة، بوصفها العلاقة التي يتوسطها التجار. ومع أن هذه الشريحة ليست دليلا ولا مؤشرا على شر اجتماعي بحد ذاته، لكنها تحتوي في أعماقها على حدّ المخاطرة. بينما حقيقة العلم والعلماء هو التجرد منها، لان العلم هو الشيء الوحيد الذي لا يحدد قيمته غيره. وضمن هذا السياق يمكن فهم قيمة القلم في تفسير الأحلام. إذ عادة ما يدل القلم في التقاليد الاسلامية المتنوعة عن تفسير الأحلام، كما نراه عند ابن سيرين، على ما تنفذ الأحكام بسببه كالسلطان والعالم والحاكم واللسان والسيف والولد الذكر. ولهذا جرى تفسير من رأى أنه أصاب قلما، فإنه يصيب علما يناسب ما رأى في منامه أنه كان يكتبه به. بل قيل القلم هو الأمر والنهي والولاية على كل حرفة. وقمة هذا التأويل في الموقف من الكتاب. فمن رأى بيده كتابا نال قوة. والكتاب خير مشهور إن كان منشورا، وإن كان مختوما فخير مستور.

إن هذا التوقير والتبجيل والاحترام للقلم والكتاب لا يخلو من تفاهة وسفاهات هائلة، لكنها كانت في اغلبها نتاج المرحلة ونمط التفكير المميز لتقاليد التفسير السائدة آنذاك. والشيء نفسه يمكن قوله عن كل ما جرى إيراده في بعض نماذج وأنواع الصور المتداولة للأحلام، التي تراكمت فيها كمية التجارب الفردية والاجتماعية ومحاولات الغوص في أعماق النفس الإنسانية المتحررة من كابوس العرف ومجهول الغيب. وما بينهما تتراوح تجارب الأقوام والثقافات والأفراد والعقائد ومشاربهم في الاقتراب مما يعتقدونه حقيقة. وهي تجارب متنوعة على قدر تنوع الثقافات والأجيال والأمم، لكنها محصورة دوما بين ثنائية الروح والجسد، والتاريخ والزمن، والثابت والمتحول، والمطلق والعابر.

وليس مصادفة فيما يبدو أن تكون الصبايا والنساء الأكثر ولعا بالحلم واكتشاف أسرار الماضي والمستقبل من خلال التأويل الحالم للأحلام. وذلك بسبب طبيعة الرغبة الوجدانية العارمة التي تتطابق من حيث كميتها ونوعيتها الإنسانية مع كينونة المرأة، بوصفها كتلة الوجدان المتمردة في أحضان المتناقضات من حب وكراهية، واشتياق واستياء، وحرب وسلم، وانتقام وعفو، وحنين وجفاء. وهي الوحدة المتناقضة للحياة التي يجسد الحلم بريق حريتها وحريق التهابها الكامن في الروح والجسد والظاهر والباطن. وفي هذا أيضا يكمن سبب الرغبة الجارفة للسباحة في مجراها من اجل العوم في بحر الحياة الهادئة.

فالأحلام الهائجة ترمي إلى الهدوء والسكينة. وهي الصورة الرمزية التي يمكن العثور فيها على الرغبة الأبدية الهائجة في أعماق النفس البشرية للتحرر من القيود التي تعرقل إمكانية حركتها المتجانسة بمعايير النسب الضرورية للجمال والفضيلة. بعبارة أخرى، إن الحلم يحتوي على قدر من الحرية الهائجة بذاتها، والمستعدة لتجاوز حدود الجسد والعرف والتقاليد والقيم من اجل الفناء في نعيم الهموم الدفينة للمرء. من هنا استعداد العقل للتعامل مع هذا الكم المتناقض من العجائب والغرائب الكامنة في الباطن من اجل استظهار حقيقتها. وهو سر التفسير والتأويل المتنوع لما يمكن دعوته بفلسفة الأحلام، التي تعكس في مسارها التاريخي ثقافة الروح والجسد في البحث عن نسبة عقلانية تعطي لهما إمكانية رؤية المستقبل وتكسير حواجز القوة والزمن والإرادة والسلطة .

إن الارتقاء التاريخي للفكرة الفلسفية عن الحلم هو جزء من الحلم الإنساني الدائم لتأسيس النسبة المعقولة بين مكونات الوجود المتناقضة. كما أنه الحلم الذي تمظهر تاريخيا بصور مختلفة ومتنوعة بدأ من أكثر أنواع الحدس الباطني غموضا وانتهاء بأكثر مظاهره عقلانية وجلاء، أي في الإيمان الديني والعقل الفلسفي. من هنا قيمة الإلهام والوحي في الدين، والبحث عن علل الأشياء وتأسيسها المنطقي في الفلسفة. فكل منهما يسعى إلى بلوغ اليقين بوصفها غايته الخاصة، احدهما من الباطن إلى الظاهر، والآخر من الظاهر إلى الباطن. فالدين يبدأ بالإلهام والوحي الباطني، بوصفه الصوت "النقي" للحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. فهو الحدس المتجسد في صوت الأزل وصورة الأبد، وباطن الروح وظاهر الجسد، وماضي الأنا ومستقبل الجماعة. أما العقل الفلسفي فيبدأ بالتأمل العقلي والشك المنطقي بوصفه الأسلوب الضروري لبلوغ الحقيقة، والأكثر تجانسا لتحقيق الحلم الإنساني بعالم الروح والتاريخ والثابت والمطلق. فهو اليقين المتراكم في البحث العقلي عن منظومة تستجيب للوحدة المرنة بين الظاهر والباطن، والماضي والمستقبل في حاضر الوجود الإنساني. وهو تنوع واختلاف سوف يشاطره الدين واللاهوت، والفلسفة والعلم على الدوام بوصفه قدرهما المحتوم. وهو قدر محكوم بما في وجودهما من تباين واختلاف ضروري. فإذا كان الله بالنسبة للإيمان التقليدي هو مصدر الحل الأمثل للمشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية الكبرى، فإنه مصدر المشاكل والمعضلات الوجودية والأخلاقية بالنسبة للعقل النقدي. ولا يحل هذا الخلاف سوى جمع هذه المتناقضات، بمعنى الإبقاء عليهما بوصفهما اجتهادات الحلم الإنساني ببدائل متسامية. حينذاك يمكن للإيمان أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء بما في ذلك في الخرافات والأساطير، تماما بالقدر الذي يمكن للعقل أن يتمتع برؤية المتناهي وغير المتناهي في كل شيء، بما في ذلك في أحلام الحالمين جميعا.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

.................

1-  يمكن اعتبار الفرويدية احد النماذج المثلى لهذا الانتقال الفلسفي في تفسير الأحلام عبر نقله من سماء اللاهوت إلى غيب الناسوت، أو من مركزية الإله إلى مركزية الجنس. وهو نموذج يعبر عن إحدى محاولات جعل الحلم تحد للقيود وأسلوبا لتمثل الحرية المهدورة من خلال تحرير فكرة الجنس والممارسة الجنسية. مع أن تحرير الجنس ليس ضمانة الحرية، لأن الحرية منظومة. لكنه مكون جوهري للحرية، بما في ذلك للثقافة ومواقف المثقفين من النفس (وهي السلطة الباطنية الأولى) ومن العرف والتقاليد (وهي سلطة الماضي المقننة) وسلطة العقائد والقيم الأخلاقية المتعايشة (وهي سلطة الحاضر). وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى فلسفته على أنها تجسيد خاص لتحرير الجسد والقيم الأخلاقية عندما انزل تأويل الرؤيا من معتقدات اللاهوت وبهاء أنواره المشعة إلى غياهب الناسوت وعتمة غرائزه المحببة. وبهذا كان اقرب إلى الطبيعة والحقيقة وأصفى وأنقى فيما يتعلق بالعقل والوجدان، لأنه ينصف الجسد بمتطلباته، والعقل بتحريره من الرياء، والذهنية من خضوعها لدجل التأويل المفتعل والمرتهن لتقليد الأسلاف، والخضوع لسيطرة وسلطة النص والصورة الجاهزة. (التقييم هنا يخص الإمكانيات الفعلية للمنهج فقط ولا شيئا خر)!!

 

 

 

mutham aljanabiتقديم عام: الأشباح والأرواح هو عنوان الجزء الأول من كتاب (بثلاثة أجزاء) عن علاقة المثقف بالسلطة والحقيقة على ممر التاريخ العربي منذ ظهور الاسلام وحتى اليوم.

والمقصود بالمثقف هنا الكلمة الجامعة عن أهل العلم والمعارف والآداب، وليس ما هو متعارف عليه الآن. ولم استطع لحد الآن نحت الكلمة المناسبة التي تعبر عن أهل العلم والمعرفة والأدب. فكلمة المثقف الأوربية لها على العموم ثلاثة معاني، الأول هو العادي ويعني الشخص المتصف بقدر من المعارف المتنوعة والمتصف بشخصية وسلوك ترفعه عن العوام. وهو يعادل ما كانت الثقافة العربية الإسلامية تطلق عليه عبارة أهل الرسوم من العلوم. والمعنى الثاني هو الشخص المتخصص والمحترف بعلم ما من العلوم أو المعارف والآداب يرفعه إلى مستوى كلمة "المفكر" الشائعة الاستعمال في الصحافة العربية المتأخرة. وهي كلمة (بالعربية) ملتبسة للغاية. اذ من يطلق عليهم ألقاب "المفكر" في الصحافة العربية الحديثة يندرج اغلبهم من حيث القابلية والفعل تحت عنوان أنصاف المتعلمين والمتحذلقين. أما المعنى الثالث فهو ما أدخلته التقاليد الروسية تحت عنوان الانتلجينتسيا، وهي تحتوي على معنيين الأول وهو ما يعادل الشخص المحترف في علم من العلوم مع معارف إضافية وسلوك فردي واجتماعي يتصف بالذوق الرفيع والأخلاق المتسامية، والمعنى الثاني اقرب ما يكون إلى ما كانت الثقافة العربية الإسلامية تطلق عليه كلمة الأديب أمثال ابن المقفع والجاحظ وأبو حيان التوحيدي وأمثالهم.

أما أنا فاستعمله بالمعنى الذي أشرت إليه في البداية. أما السلطة فليس المقصود بها السلطة السياسية فقط بل والهيبة التقليدية أيا كان شكلها ومحتواها (نصوص مقدسة وأئمة وقواد وزعماء وما شابه ذلك). 

ان كتاب (الأشباح والأرواح) من الكتب البسيطة، اي الكبيرة (بحدود ألف صفحة). لهذا سأختصره عبر المقالات واختيار ما أراه مناسبا الآن للنشر وإزالة الحواشي من مصادر ومراجع وتعليقات وشروح.

***

المثقف والسلطة – إشكالية الأرواح والأشباح

إن الصدى كالندى قطرات حالما يكون كثيفا، أي متراكما في خزين الذاكرة وعنفوان الوجد واضطراب الفؤاد وتأمل العقل. غير أن الصدى يعبث في السماع ويستثير ذاكرته تماما بالقدر الذي تستقطب قطرات الندى انتباه العين وخيال الرؤية. مما جعلهما من جنس الإحساس القادر على تفعيل الذاكرة والخيال. وهو تفعيل محكوم بقدرة السماع والرؤية على تصنيع النسبة المبدعة بينهما. إذ لا إبداع حقيقي دون وحدة الذاكرة والخيال. وكلاهما قطرات مكثفة من الرؤية والسماع المتراكمين في مجرى الحياة ومعاناة إشكالاتها. وذلك لأن المعاناة صيرورة تحترق وتتلاشي منذ الصرخة الأولى للحياة لكي تتكامل في صيحة الوداع الأخيرة. وكلاهما محكوم بقوة الوجود والعدم، كما أن كلاهما ضوء، أولهما "ابيض" وآخرهما "اسود". فللمحاكاة جذورها في ذاكرة الطفولة وخيالها المتراكم في مجرى التجارب الحياتية. وبالتالي فهي محاكاة لها أسسها الواقعية. فالوجود ضوء والموت عتمة. من هنا كانت الحياة مضيئة رغم كل مآسيها السوداء، والموت مكفهر رغم كل أشعة الهالة التي تحيطه بها عقيدة التضحية والشهادة. ولا يحل هذه المفارقة في الواقع سوى التقاءهما في "الخاتمة". آنذاك تصبح الخاتمة نهاية الحياة وبدايتها الفعلية، أي نهاية الجسد وبداية الروح، أو نهاية الأشباح وبداية الأرواح. لأنها تكشف عما إذا كان حاملها شبحا أو روحا. ذلك يعني أن إشكالية الأشباح والأرواح هي إشكالية الحياة والموت، والفاني والباقي، والثابت والفائت.

 وليس مصادفة أن تتغلغل في أعمق أعماق الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات والأمم والثقافات فكرة "المسكون" الخيالية التي تتمتع بثقل الندى المكثف لخيال الطفولة في تصور "الأشباح" المتراقصة مع كل حركة في ظلمة الحياة. بحيث يصبح "المسكون" غريبا قاطنا في جسد خرب أو بيت مهدم أو أطلال منسية. وتشير هذه المكونات ببساطتها المعهودة إلى حقيقة يمكن البرهنة عليها بمعايير المنطق والعلم والتجارب الفعلية، بأن الذي يسكن الخراب والمهّدم والأطلال أشباح قوتها في الظلام وخيالها في ذاكرة الطفولة. مما جعل ويجعل من الأشباح صورا مخيفة، وذلك بفعل تطابقها في الإحساس والحدس مع بقايا الزائل والمندثر، و"مآثر" الموت والميت. بينما يتناغم الحي والجميل في الخيال والذاكرة مع بهاء التجديد للحق والحقيقة.

وحالما ننقل المقارنة المذكورة أعلاه من سماء الفكر المجرد إلى دنيا الوقائع الفعلية، فإننا نقف بالضرورة أمام ثنائية الأشباح والأرواح المتنوعة. ولعل علاقة المثقف والسلطة من بين أكثرها إثارة وإدامة. ففي هذه العلاقة نعثر على كل مكونات الذاكرة والخيال، كما نرى فيها وقائع الأشباح الحائرة والمتخوفة والمخيفة والمسكونة في جسد السلطة وارتزاق مثقفيها. وبالضد منها تتكامل "أنا الحق" في شخصية المثقف الحقيقي بوصفه روح الثقافة وحامل معاناتها التاريخية. من هنا توتر الإحساس العميق حتى في الأحكام العادية التي تجعل من المثقفين المرتزقة مجرد أرواح تائهة. وبالتالي ليس الروح التائه بين المثقفين سوى شبح يتراقص بعنف و"إدراك" يناسبه من اثر الغريزة (الجسد). ومن ثم لا علاقة له بالعقل والوجدان الخالص. وليس مصادفة ان تستعيد هذه الثنائية نوعية الخلاف الطبيعي بين الحقيقة والسلطة، ومن ثم بين المثقف الحقيقي والسلطة الواقعية، بوصفه أيضا خلافا بين الروح والجسد. إذ يمكننا العثور عليه في كل المظاهر الملازمة لإبداع المثقفين في الكلمة والعبارة والشعر والنثر، والرسم والنحت، والصمت والنطق، والظاهر والباطن، أي في كل مظاهر اليقظة والمنام. سواء كانت اليقظة يقظة الروح والجسد أو نومهما في الفكر (المجرد) والواقع (الملموس).

وليس مصادفة أن يتلذذ الإنسان ويشقى في محاولاته الدائمة لتفسير وتأويل الأحلام منذ أن اخذ يتحسس هذين العالمين المتلازمين في ذاته. وهو إحساس تتشكل معاناته الداخلية من الرغبة الجامحة في معرفة المجهول وبلوغ المرام، بوصفها الصيغة البدائية لمحاولة الإنسان التحرر من سلطة المجهول عبر "التحكم" بسلطة المستقبل والمرام. أما صيغته المادية المباشرة فتقوم في سلطة الجسد على الروح القابعة في أعمق أعماقه. وليس مصادفة أن يتحول الجسد إلى عالم تتجول فيه ذاكرة النائم وخياله. وعند اليقظة يصبح تجواله في خبايا الرغبة والتمني والقلق "حلما".  وهو تصوير متناقض بحد ذاته، لكنه يحتوي على الحدس العميق المميز للرغبة الهائلة في "تحرير" الروح من قيود العادات والتقاليد والعرف. وعادة ما "يزاول" الروح هذه الحالة بحرارة قادرة على تحويل الأحداث والرغبات الدفينة إلى كيان واحد لا يحكمه شيئا غير حرية ما يجري. بمعنى سريانها كما هي بلا إرادة. والإرادة الوحيدة تقوم في الاستسلام لها كما هي و"محاكمتها" بعد اليقظة من خلال عرضها على ذخيرة التأويل والتفسير المتراكمة في وعي الثقافة وصورها النمطية. إذ نلمح في هذه الحالة طبيعة ومستوى الخلاف والتباين والصراع بين الروح والجسد. وفيها يمكن أيضا رؤية صراع سلطة جسد وإبداع الروح. ولعل صورتها الأكثر تمثيلا تبرز حالما يختلي الجسد لحاله بين جدران تقيه شر النظرات الشرسة للعرف والتقاليد والقيم السائدة. حينذاك تأخذ الروح بخط كل الحروف المحتملة على الجسد، بوصفها إبداعه المحبب. وعند ذاك يتلاشى الأدب المصطنع، والرصانة المزيفة، والرزانة المفتعلة، وكل المحرمات و"المقدسات". ويصبح قانون الوجود، بوصفه حركة الروح، مصدر الإلهام الفعلي المنظم والعابث بالجسد ومتطلباته سواء في الملذات أو الكوابيس. وفي هذا يكمن سر الإغراء والجذب الهائل للأحلام وتفسيرها. وذلك لأنها تنقله من مضيق الجسد إلى فضاء الروح، ومن استبداد السلطة أيا كان شكلها إلى حرية الإرادة بوصفها رغبة حية. ومن تصادم هذه المكونات تتطاير شظايا الأحلام بوصفها "وحيا" و"إلهاما" و"إشارة" و"دلالة". وليس مصادفة أن يتحول الحلم في المنام إلى جزء من تأمل المستقبل والرغبة في استكناه ما في خباياه من مسرة محتملة أو طامة كبرى، وفي اليقظة إلى جزء من التخطيط للمستقبل والرغبة في جعله كلا واحدة للمراد والمريد.

وليس مصادفة أن الإنسان حالما يحلم في المنام، فانه يحلم بالمستقبل، أو هكذا تبدو له الأمور. فتفسير الأحلام وتأويلها لا علاقة له بالماضي. انه السباق "العقلي" مع نوازع الروح الباحثة عن مخرج لها من ضيق الجسد. الأمر الذي أثار ويثير الإغراء الفاحش أحيانا في التلذذ أو التخوف مما فيه. فالاصطدام بخيبة الأمل يجعلها أضغاث أحلام. وما عدا ذلك فهي غيبوبة في التكهن، بما فيها من إشارة ودلالة ورمز على ما تخبئه قوادم الأيام. وفي الحصيلة لا ينفك ذلك عن رؤية المستقبل أو المصير. وكلاهما شيء واحد. كما إنهما كلاهما ينبعان من الرغبة الدائمة في معرفة الأبد. وهو تناقض يتمثل دراما الوجود دون أن يدركه بصورة نهائية، وذلك لنهاية المرء الحتمية وبقاء المشكلة كما هي. وهي معادلة تتكون من أطراف جميلة لكنها متناقضة شأن الحرية والقدر المحتوم. وذلك لأنها صيرورة أبدية وكينونة تائهة فيها. بمعنى تجدد الرغبة الأبدية في استشراف المستقبل بوصفه حرية مع كل ولادة جديدة، وبقاء المستقبل "غيبا" بوصفه قدرها المحتوم. وهو السر القابع في ثنايا البحث الدائم للأمم والثقافات والأفراد في أحلامها عن "معرفة الغيب" و"سر المجهول" و"استشراف المستقبل" و"حيلة القدر". أما في الواقع فان الغيب والمجهول والمستقبل والقدر يلعبون مع الإرادة الإنسانية ورغباتها الحسية الجسدية. من هنا إغراء الحلم الزائل بعد اليقظة وبقاءه باعتباره الشيء الأجمل في مخيلة العوام والخواص عما يعتمل في قلوبهم من رغبة لتذوق الجميل وبلوغ السعادة. وليس مصادفة فيما يبدو أن تربط العربية، شأنها في كل أصولها اللغوية والمعنوية، بين الحلم والحليم لكي لا تكون الأحلام مجرد تمنيات جوفاء وسفاهة سفهاء! وهو ربط يعكس خصوصية الفكرة العربية في النظر إلى الحلم بمعناه المباشر والأخلاقي. وهو ربط يمكن العثور عليه في كل الثقافات الكونية. إذ يمكننا العثور عليه في نماذج التراكم الثقافي للرؤية الصينية والهندية والإغريقية والعربية، باعتبارها أهم المصادر الكبرى للثقافة التاريخية العالمية. وهي نماذج تشترك في مباحثها الخاصة عن تحسس وإدراك قيمة الأحلام المعنوية والأخلاقية بالنسبة للمستقبل.

فعندما نتأمل كتاب ارطاميدورس الافسسي (تعبير الرؤيا)، الذي عرّبه اسحق بن حنين، فإننا نقف أمام منهجية تضع في أولوياتها التمييز بين الرؤيا والأضغاث . فالأولى تدل على ما سيكون، بينما الثانية تدل على الشيء الحاضر. وهو موقف فلسفي واضح يجعل من حقيقة الرؤيا (أو الحلم الجميل والحقيقي) أمرا وفعلا متعلقا بالمستقبل. وما عداه جزء من تمنيات أو رغبات عابرة، أي أضغاث أحلام. فالأمور الطبيعية الحادثة في المنام ليست حلما (رؤيا) بل أضغاث، مثل حلم الجائع بالأكل والعطشان بالشرب والمريض بالأطباء. وكونها أضغاث، أنها نتاج النفس أو البدن أو من امتزاجهما. أما الرؤيا، فإنها من نوع آخر. إنها حقيقة الحلم أو الحلم الحقيقي. وعادة ما تظهر بنوعين، وهما الرؤيا الظاهرة والرؤيا الباطنة . والأولى تتعلق بحدوث الأشياء، أما الثانية فتتعلق بما في الرؤية من دلالة. الأمر الذي جعل الرؤيا جزء من مباحث النفس وحركتها الذاتية في التعبير عما تراه. ومن ثم فإن ما يراه المرء في حلم سوف يلاقيه آجلا أم عاجلا. ذلك يعني أن الحلم يحتوي على قدر من "المعرفة" النفسية. وسبب كونها معرفة هو تعلقها بالخواص (النخبة أو المثقفين) وليس بالعوام. فالعوام ترى أضغاث أحلام. وضمن هذا السياق تكلم عن إمكانية الإلهام في الرؤيا بوصفه فعلا مرتبطا بالفكر وذلك للانشغال به .وليس مصادفة أن يقول ارطاميدورس من أن رؤية العامة المتعلقة بالأمور الكبيرة لا يمكنها أن تكون صحيحة. بينما الأمر يختلف لو رأتها الملوك، حينذاك تكون الرؤية حقا. وهو حكم محكوم بواقعية الرؤية، بمعنى ارتباط مستقبلها بمضمونها الواقعي. وقد وضع ارطاميدورس هذه لفكرة بما في ذلك تجاه تصنيفه لتجاوز ما اسماه بالصيغة التقليدية التي عادة ما كانت تبدأ في تأملاتها بالرؤيا "الإلهية والملائكية". لهذا نراه يتناول القضايا المرتبطة بالحاجة بالشكل الذي يجعلها أقرب إلى النزعة العملية منها إلى الطيران في سماء التأملات العقلية المميزة لأرسطو وعرافة الفيثاغوريين، رغم انه ظل يقر بقيمة الفكرة القائلة، بإمكانية الإلهام في الرؤيا. لكنها إمكانية محكومة بما اسماه بالتدرج في تصديق الرؤيا، بناه على ثمان درجات تبدأ بالملائكة وتنهي بالحيوان غير الناطق، مرورا بالكهنة والملوك وأهل الفضل (المؤدبون) والعرافون والموتى والصبيان. انطلاقا من أن الملائكة هي جواهر عليا، والكهنة هم سدنة المعرفة الملائكية، والملوك هم قمة البشر، والمؤدبون بفعل المهمة والوظيفة، والعرافون بفعل المهنة، والموتى لأنهم لا يخافون ولا يرجون شيئا، والصبيان على السجية، والحيوان كما هو. لهذا نراه يسحب من هذه القائمة "الناطقة" بحقيقة الرؤيا كل من المصارعين لان همومهم مرهونة بالغلبة، والسفسطائيين والفقراء والخصيان والمغنين، لان رجاء كل واحد منهم هو رجاء كاذب إضافة إلى أنهم لا يعدون بالطبيعة مع الرجال !

مما سبق يتضح، بأن مضمون الرؤيا وحقيقتها مرتبط بفكرة المستقبل وحتميتها من حيث كونها حركة النفس الذاتية (العارفة) السائرة بمختلف مستوياتها صوب إدراك قيمتها الفعلية بالنسبة للإرادة الإنسانية. مما يجعل الحلم على قدر الحالم. أما النتيجة فتصب في مسار التأسيس العقلي للفكرة الفلسفية، أكثر مما تفسر حقيقة ما يجري. وذلك لأن الحلم بالنسبة لها ليست "فعلا" حسيا جسديا، بل نفسيا معرفيا. ومن ثم فهو "دلالة" و"إشارة" على مستقبل، حقيقته على قدر حقيقة حامله. ولا تخلو هذه الفكرة من قدر قادر على تأسيس الحرية بوصفها فعلا معرفيا.

بينما نعثر في الرؤية العربية الإسلامية عن الحلم والرؤيا على أبعاد مختلفة محكومة، شأن كل منظومة لتفسير الأحلام بنوعية المرجعيات الثقافية الكبرى للحضارة (الإسلامية). وليس مصادفة أن تبدأ مختلف نماذج تفسير الرؤيا بالله مرورا بالقرآن والنبي محمد والصحابة لتنتهي بمختلف نماذج الحيوان. بعبارة أخرى، إننا نعثر على نموذج متقارب من حيث بواعثه منهجيته في تفسير الرؤيا يقترب من النموذج الإغريقي، لكنه يختلف عنه بفعل محكوميته بمنظومة العقيدة الإسلامية. من هنا أولوية وجوهرية الفكرة الأخلاقية العامة والخاصة، المجردة والملموسة في "تحرير" الإنسان من نوازع الشر والسقوط. دون أن يقلل ذلك من "واقعية" الرؤية ومهماتها العملية والنفعية. لكنها نفعية محكومة بالعقيدة العامة ومتطلبات الحياة "المتنورة" بها. وهي مكونات تاريخية ثقافية وثيقة الارتباط بالكيفية التي حلت بها الثقافة العربية الإسلامية إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للدولة والمجتمع والفرد من خلال بلورة مرجعيات الرؤية العامة بما في ذلك في الموقف من الرؤيا (الأحلام). وهي صيغة يمكن رؤيتها على سبيل المثال في تفسير ابن سيرين للرؤيا.

كما يمكننا العثور على تقديمها النموذجي فيما يصوره ابن سيرين نفسه، عندما يستشهد برؤيته في إحدى المرات قائلا: "رأيت في المنام كأني دخلت الجامع، فإذا أنا بمشايخ ثلاثة وشاب حسن الوجه إلى جانبهم فقلت للشاب:

- من أنت رحمك الله؟

- أنا يوسف!

- فهؤلاء المشيخة؟

- آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب

- علمني مما علمك الله! (ففتح فاه وقال)

- انظر! ماذا ترى؟

- أرى لسانك! (ثم فتح فاه فقال)

- انظر! ماذا ترى؟

- لهاتك! (ثم فتح فاه فقال)

-  انظر! ماذا ترى؟

- أرى قلبك!

- عبّر ولا تخف!

 فأصبحت وما قصّت علي رؤيا إلا وكأني انظر إليها في كفي!"

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية معبرة عن طبيعة رؤية الرؤيا، أي تفسيرها أو تأويلها. وشأن كل رؤية محكومة بفكرة عقائدية عادة ما تبدأ من قمة العقيدة لتنتهي بمتطلبات الجسد. من هنا ابتداء ابن سيرين بنماذج الرؤيا المتعلقة بالله. مثل قوله من رأى في منامه كأنه قائم بين يدي الله والله ينظر إليه فإن كان الرائي من الصالحين فرؤياه رؤيا رحمة، وإن لم يكن من الصالحين فعليه بالحذر لقوله (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، فإن رأى كأنه يناجيه أكرم بالقرب وحبب إلى الناس لقوله (وقربنا نجيبا). وإن رأى أنه يكلمه من وراء حجاب حسن دينه وأدى أمانة إن كانت في يديه وقوى سلطانه. وإن رأى أنه يكلمه من غير حجاب فإنه يكون خطأ في دينه لقوله {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}. فإن رآه بقلبه عظيما كأنه قرّبه وأكرمه وغفر له أو حاسبه أو بشره. فإن رآه قد وعده بالمغفرة والرحمة كان الوعد صحيحا لاشك فيه لأن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه يصيبه بلاء في نفسه أو معيشته ما دام حيا. وتستعيد هذه الصور التأويلية ن حيث الجوهر استفراغ مضمون الفكرة القرآنية بالطريقة التي تجعلها "مرجعية" في الموقف من رؤيا الله، بوصفها ذروة "الرؤيا"، بفعل مرجعية الله في ثقافة المرحلة. وضمن هذا السياق يمكن أيضا فهم ترتيب التأويل من حيث نزوله مع نزول الأنبياء، أو تاريخ المآثر المرتبطة بهم حسب الفهم القرآني. من هنا نماذج تفسير الرؤيا القائلة، بان من رأى آدم اغتر بقول بعض أعدائه ثم فرج عنه بعد مدة. ومن رأى شيثا نال أموالا وأولادا وعيشة راضية. ومن رأى إدريس أكرم بالورع وختم له بخير. ومن رأى نوحا طال عمره وكثر بلاؤه من أعدائه ثم رزق الظفر بهم. ومن رأى هودا تسفّه عليه أعداؤه وتسلطوا على ظلمه ثم رزق الظفر بهم. ومن رأى إبراهيم رزق الحج وقيل إنه يصيبه أذى شديد من سلطان ظالم ثم ينصره الله عليه وعلى أعدائه. ومن رأى إسحاق أصابه شدة من بعض الكبراء أو الأقرباء ثم يفرج الله عنه ويرزق عزا وشرفا وبشارة ويكثر الملوك والرؤساء والصالحون من نسله هذا إذا رآه على جماله وكمال حاله، فإن رآه متغير الحال ذهب بصره. ومن رأى إسماعيل رزق السياسة والفصاحة. ومن رأى يعقوب أصابه حزن عظيم من جهة بعض أولاده ثم يكشف الله ذلك عنه ويؤتيه محبوبه. ومن رأى يوسف فإنه يصيبه ظلم وحبس وجفاء من أقربائه ويرمى بالبهتان ثم يؤتى ملكا وتخضع له الأعداء. ومن رأى عيسى دلت رؤياه على أنه رجل مبارك كثير الخير كثير السفر ويكرّّم بعلم الطب وبغير ذلك من العلوم. ومن رأى مريم بنت عمران فإنه ينال جاها ورتبة من الناس ويظفر بجميع حوائجه، وإن رأت امرأة هذه الرؤيا وهي حامل أيضا ولدت أيضا ابنا حكيما وإن افترى عليها برئت من ذلك وأظهر الله براءتها.

نعثر في هذه النماذج "التأويلية" على استعادة شبه مباشرة للنماذج التقليدية المغروسة في الوعي اللاهوتي. بمعنى الاستعادة المباشرة وغير المباشرة لتأثير النماذج المثالية الدينية الإسلامية وموقعها المتميز آنذاك في اثر وتأثير العقيدة على انغماس النفس الإنسانية في عوالم اللاهوت وتبعية الناسوت إليها في الأحلام والسلوك. (يتبع...)

***

 

ميثم الجنابي

 

 

mutham aljanabi"إنما حجاب العقل حيث يحجب نفسه بنفسه" .. الغزالي

 لم يضع الغزالي فكرة حدود العقل في إطار نظرية متكاملة نسبيا إلا في  كتاب (الإحياء). أما الآراء التي تشير إلى ضعف العقل واستحالة قدرته على إيجاد الحلول الشافية لكل المعضلات الفكرية، كما هو الحال في بعض مؤلفاته الأولى (ما قبل التصوف) مثل كتاب (تهافت الفلاسفة) و(الاقتصاد في الاعتقاد) وجزئيا في (ميزان العمل)  فأنها تعبّر عن عناصر النقد العقلي للعقل، اي الصيغة المعتدلة لرؤية العلاقة الواقعية والنسبة الممكنة (المجردة) بين الحقيقة النسبية والمطلقة، بين الجزئي والكلي. وبهذا المعنى، فان بروز فكرة محدودية العقل تعكس مستوى من مستويات تطوره العقلي والروحي، أو إحدى الصيغ النموذجية لتجاوز العقلانية اللاهوتية التقليدية. وهو ما يظهره ليس شكل وصيغة ظهور القضية نفسها فحسب، بل ومضمونها ووظيفتها الاجتماعية الأخلاقية والمعرفية أيضا.

إن ارتباط أحكام الغزالي عن محدودية العقل بالمرحلة الصوفية يعكس طبيعة التحولات التي رافقت تطور العقلانية اللاهوتية في تجربته الفردية. فقد اتخذت مواقفه النقدية من العقل والعقلانية في بداية الأمر صيغة الشك المعرفي الذائب في أسلوبه الجدلي، أما في مرحلته الصوفية، فقد برزت ظاهرة "ما وراء العقل" أو حسب عبارته "طور الولاية"، بوصفها قضية فكرية، وأسلوبا للمعرفة، وأحد مستوياتها  (المعرفة) في الوقت نفسه.

 إن فكرة محدودية العقل التي نعثر على صياغتها العامة في كتاب (المنقذ من الضلال)، تستند إلى نظريته عن درجات المعرفة وترابطها كما بلورها في موقفه من  مفهوم الشك والعلم اليقيني. فتكذيب العقل لبعض أحكام الحس، يجعل من بعض أحكام العقل مشكوكا بها أمام ملكة ما وراء العقل، لاسيما وأن حالات النفس (في اليقظة والمنام) يمكنها أن تقدم مادة "برهانية" للمقارنة بهذا الصدد. فقد واجه الغزالي في إحدى مراحل تطوره، شأن كل ممثلي النزعة العقلية الجدلية، إشكالية الإيمان من جهة، وقضية الشك بقدرات العقل على اكتشاف الحقيقة والبرهنة عليها من جهة أخرى. فإذا كان الشك عنده مبنيا على أساس تحليله لصيرورة المعرفة كما هي، بوصفها عملية ارتقاء من الحسي إلى الوهمي إلى العقلي، فان الإيمان يستند إلى ما اسماه بالمعرفة الضرورية. ذلك يعني، أن وحدة الشك والإيمان تبقى على الدوام احد الحوافز الجوهرية القائمة وراء البحث عن الحقيقة كما هي. وبالتالي، فان الإقرار بما وراء العقل، كان يتضمن أيضا الإقرار بعدم نهاية المعرفة.

لم تكن فكرة اللاأدرية وعدم إمكانية المعرفة الحقة جزء من تفكير الغزالي. إذ إننا لا نعثر عليها في جميع مراحل تطوره الذهني والروحي. أما العناصر المتناثرة أحيانا للسفسطة واللاأدرية الصريحة والمبطنة في بعض مواقفه الفكرية، فأنها كانت جزء مما يمكن دعوته بالنتاج الطبيعي الملازم للروح الجدلي المميز لخلافات العصر وأساليبه النقدية واختلافاته المذهبية والعقائدية. ولا يغير من هذه الحقيقة شيئا أيضا أفكاره (خصوصا في مرحلته الصوفية) عن انه لا يعرف حقيقة الشاعر إلا الشاعر، ولا حقيقة النبي إلا النبي، ولا ذات الله إلا الله، وذلك لأنها كانت جزء من موقفه المشدد على أهمية التجربة الفردية والرقي الذاتي، بوصفها أسلوبا لإدراك حقائق الأشياء كما هي. لقد أبقى على ما يمكن دعوته بالجزئية النسبية للأشياء في ذاتها، لكنه لم يجعل منها حقائق خارج المعرفة وإمكاناتها غير المتناهية. بصيغة أخرى، انه شدد على عدم تناهي المعرفة لا على عدم إمكاناتها. وبهذا المعنى، فان "ما وراء العقل" هو في الوقت نفسه تجاوز "لحدود العقل"، وأسلوب جديد "ماوراعقلي" لرؤية الحقائق. ففي معرض حديثه عن درجات المعرفة، اعتبر درجة العقل (الدرجة الثالثة بعد الحس وقدرة التمييز) طورا آخرا يدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله . ذلك يعني أنه نظر إلى العقل على انه طور في أطوار المعرفة أو مستوياتها. فإذا كان العقل يدرك الأمور الحقيقية (الضرورية، البديهية)، بحيث نراه يطابق بينها وبين مضمون العقل، فان هناك طورا آخر تتفتح فيه "عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى، العقل معزول عنها كعزل قوى التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن إدراك التمييز" . من هنا يبدو واضحا، بأنه في نظرته إلى حدود العقل، ينطلق من مقدمات وأسس معرفية، تعتبر حدود العقل هي الدرجة التي يكف فيها العقل عن الإحاطة بحقائق الأشياء كما هي، وما بعدها تظهر ملكة القوة القادرة على الإحاطة بحقائق الأشياء كلها، والتي يطلق عليها الغزالي أحيانا عبارة "القوة النبوية" وأحيانا أخرى "روح القدس".

لا تتطابق فكرة حدود العقل عند الغزالي مع اللاعقلانية أو معاداة العقل أو تعجيزه. أنها تشير إلى محدودية العقل التقليدي ومستواه النظري، بما في ذلك المنطقي منه (الشكلي، الصوري). فقد شدد الغزالي على الفرق بين ما اسماه بقدرة العقل المعرفية وبين ما يستحيل إدراكه بالعقل، بين ما هو محال في نفسه وبين محدودية العقل في معرفته. فعندما يتكلم، على سبيل المثال، عن معنى البعث والنشور على أساس تحليل مفهوم الاسم الإلهي (الباعث)، فانه حاول البرهنة على أن الموت هو ليس العدم، وأن البعث هو ليس إيجادا مثل الإيجاد الأول. بصيغة أخرى، انه لم يتطرق إلى هذه القضايا بمعايير العقل اللاهوتي أو الفلسفي (الاستدلالي، البرهاني) بل بذوق المكاشفات الصوفية ومقاييس "الروح القدسي" و"«النبوي". إذ لم يعد الإنشاء أو البعث عنده مفهوما لاهوتيا قطعيا، أي إيمانيا وعقائديا، بل يتحول إلى صياغة ظاهرية لكينونة الإنسان الوجودية والمعرفية. بحيث يتحول البحث عن "الإنشاء الدائم" إلى أسلوب لتتبع ظهور وتطور الجسد والروح وخصائص المعرفة، بما في ذلك ارتقاؤها إلى اعلي المراتب، كالولاية والنبوة .

أما في إطار الوجود الإنساني، فان الإنشاء والبعث يصبحان الصيغة المجردة لتطور المعرفة وأشكالها من الجهل إلى العلم. لقد أراد الغزالي القول، بأن الصيغة المنطقية العقلية في تعاملها مع الوقائع والحقائق لا تتقبل في الأغلب إلا ما يقع ضمن قواعدها الخاصة. وذلك لأنها تخضع كل قضايا المعرفة لأسلوب إدراكه فقط. بينما نراه يعتبر هذا الأسلوب "تضييقا للرحمة الإلهية"، كما تقول المتصوفة.

أما في مجال المعرفة، فان هليس كل ما لا يدركه العقل محال في نفسه. وبغض النظر عن انه تناول هذه القضية في مجرى تأمله ومناقشته لقضايا الدين الماورائية، وبالأخص قضايا ما بعد الموت، إلا أن المبدأ المجرد العام ظل يحتوي على الكثير من العناصر العقلانية. انه حاول البرهنة على ضرورة التفريق بين البعيد والمحال بالنسبة للمعرفة. لهذا أكد على أن الشرع قد يحتوي على عجائب هي ليست مستحيلة وإنما هي مستبعدة .

إن محدودية العقل تكمن أساسا، بنظر الغزالي، في عدم قدرته على تخطي حدود قواعده الخاصة. فعندما تناول في (مشكاة الأنوار) مسالة قدرة العقل وصفاته الجوهرية مقارنة بالحس، فإنه حاول إبراز خصائص القدرة المعرفية للعقل ومحدوديتها في الوقت نفسه. فالعقل كما يقول لغزالي، يدرك نفسه ويدرك غيره. ويتساوى أمامه القريب والبعيد، بل انه يتصرف "في العرش والكرسي وما وراء الحجاب" . كما يتغلغل العقل إلى بواطن "الأشياء وأسرارها، ويدرك حقائقها وأرواحها، ويستنبط أسبابها، وعللها وحكمها، وكيف حدثت وخلقت، وعلى اي مرتبة في الوجود نزلت، وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته" . فالعقل بهذا المعنى لا يدرك أعماق الأشياء وحقائقها، أسبابها وعللها فحسب، بل ومصدرها وكيفيتها وكمها ونوعها ونسبتها إلى بعضها البعض. وبقدرته يمكن التصرف أيضا بالعرش والكرسي، اي كل مكونات وعناصر الوجود وأشكالها. فالموجودات كلها "مجال العقل" كما يقول الغزالي . إضافة لذلك، إن تصرف العقل في الموجودات بنظره يعني أيضا قدرة العقل على بلوغ الحكم اليقيني الصادق عليها. فالأسرار الباطنة ظاهرة عنده، والمعاني الخفية عنده جلية، كما يقول الغزالي.  والعقل بهذا المعنى، لا يتعامل مع الوجود بمختلف ظواهره وأسراره الباطنة تعاملا تأمليا بحتا، بل وقادر أيضا على بلوغ الحكم اليقيني الصادق تجاهها. وفي هذه العملية العقلية (من إدراك المعقولات) لا يحدّه حدّ. ولا يغير من ذلك شيا الحقيقة القائلة، بأن العلوم المتحّصلة هي متناهية على الدوام، بينما في قوة العقل إدراك ما لا نهاية له . من هنا يبدو واضحا، بان تحديده لفكرة محدودية العقل لا تتطابق أيضا مع فكرة محدودية المعرفة.

إن محدودية العقل من وجهة نظر الغزالي، تقوم أساسا في رفض العقل أو عدم إدراكه محدوديته الذاتية. ولا تعني هذه الأخيرة سوى عدم إقرار العقل نفسه بالطور الأرقى في رؤية الأشياء، أو ما عبّر عنه أحيانا باحتجاب العقل. فالحقائق كلها لا تحجب عن العقل، و"إنما حجاب العقل حيث يحجب نفسه بنفسه بسبب صفات مقارنة له" . ذلك يعني أن الغزالي لم يسع لبناء أسس القطيعة التامة بين مستويات أو أطوار الإدراك، بل لتأسيس تداخلها الدائم، باعتبارها أنوارا تلتهم بعضها البعض في وهجها المعرفي صوب المطلق. لهذا أكد في (مشكاة الأنوار) على انه إذا كان الروح الحسي والخيالي والعقلي والفكري كلها أنوارا بعضها فوق بعض، فبالحري أن تكون نورا على نور . ولم يقصد هو بذلك سوى وضع الأساس الفكري لإمكانية المعرفة اليقينية الحدسية، التي ترتكز في جوهرها على المعرفة العقلية المذابة في تذوق الحقائق. لهذا شدد منذ مراحل مبكرة نسبيا، في كتاباته الصوفية، على انه "لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته. نعم يجوز أن يقصر العقل عنه، بمعنى انه لا يدركه بمجرد العقل. ومن لم يفرّق بين ما أحاله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخسّ من أن يخاطب" . وهي ذات الفكرة التي يوردها في (مشكاة الأنوار) عن ضرورة تأويل كلمات الصوفية بالشكل الذي تكون مقبولة للعقل . حيث أكد على أن فكرة الاتحاد لم تكن حقيقة، إذ بعد الصحو، أي بعد أن يرجع المرء إلى سلطان العقل الذي هو "ميزان الله في أرضه"، يعرف أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل شبيه الاتحاد .

من كل ما سبق نستطيع القول، بان "طور الولاية" أو طور ما وراء العقل لا يعني ولا يتضمن ما يقضي العقل باستحالته. ولكن يجوز أن يظهر في "طور الولاية" ما يقصر العقل عنه، بمعنى انه لا يدركه بمجرد العقل. وما يمكنه أن يكون مادة للذوق، أو أن يكون التذوق والمكاشفة هما الأسلوب الأعمق والأدق لرؤية الحقائق. وقد حاول الكشف عن آرائه هذه في (المنقذ من الضلال) على مثال تحليله لمفهوم ومضمون النبوة. انه أراد القول، بأن رفض طور ما وراء العقل، مبني في الأحكام العقلية العادية على أساس عدم وجوده. وهو الأساس الفكري، الذي فنّده في (الإحياء) عندما برهن على أن الانطلاق من مقدمة غياب الشيء لا يمكن أن يشكل أساسا حقيقيا للبرهنة على عدم وجوده. تماما كما أن الجهل به لا يمكنه أن يشكل أساسا حقيقيا ومقنعا للبرهنة على عدم معرفته (وجوده). من هنا استنتاجه القائل، بان أولئك الذين رفضوا طور ما وراء العقل واستبعدوه، لم يستندوا في الواقع إلا على "انه طور لم يبلغه، ولم يوجد في حقه، فيظن انه غير موجود في نفسه" . و اعتبر هذا الموقف هو عين الجهل. وذلك لأن ما وراء العقل بنظره هو الأسلوب الذي يجري به إدراك حقائق الأشياء إدراكا مباشرا كما هي عليه. ويتطابق ذلك في فكر الغزالي مع معرفة الحدس اليقيني، أو المستوى الذي صاغه في (المنقذ من الضلال) بعبارة: "الطور الذي يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل" .

غير أن الغزالي لم يجعل من "ما وراء العقل" كيانا مستقلا قائما بحد ذاته له قواعده الخاصة. فهو ينظر إليه، إن أمكن القول، كما لو انه حالة تضمحل فيها وتذوب مقدرات المعرفة، وخصوصا في مستواها العقلي النظري، فيما اسماه "بالروح القدسي النبوي". فهو المستوى الذي تتجلى فيه "لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السموات والأرض، بل ومن المعارف الربانية التي تقصر دونها الروح العقلي والفكري" .

لقد أعطى لهذا الطور طابعا معرفيا ــ أخلاقيا، يتطابق مع أسلوب خاص في المعرفة النظرية والسلوك العملي. أما الصيغة المباشرة لادراكات ما وراء العقل، فهي انكشاف الحقائق انكشافا جليا. وهذا بدوره غير ممكن دون ذلك الجهد، الذي يفرضه تطور "الروح النبوي القدسي"، الذي تلازم في وعي الغزالي مع مضمون الطريق الصوفي نفسه.

***

ميثم الجنابي

 

 

ali mohamadalyousifإن اول فيلسوف روماني وضع بذور التصوف الديني افلوطين (240-270 ميلادية) وكان له تأثير كبير على الفكر المسيحي، لا يقل اهمية بالنسبة إلى هذه الدراسة عن الطريقة التي استطاع بها ان يتجاوز أو بالأحرى يكتسح جانب التناقضات الموجودة في نظرية افلاطون حول خلود النفس وتقوم هذه النظرية على الوجود (التصوفي) وهي التجربة التي يدرك افلوطين في اطارها استقلال النفس عن اطار الجسم الذي تسكنه، حيث يقول (كثيراً ما اتيقظ بذاتي، تاركاً جسمي جانباً واذا غبت عن كل ما عداي أرى في اعماق ذاتي جمالاً بلغ اقصى حدود البهاء، وعندها اكون على يقين من انني انتمي إلى مجال ارفع) (1).

وكان افلوطين يخجل من كونه اسير الجسم وقد رفض الجلوس امام نحات وكانت كلماته الاخيرة متفقة مع فلسفته، ومع موقفه من الوجود الارضي والموت، حيث قال: (انني ابذل جهدي الاخير لارجاع ما هو الهي بداخلي إلى ما هو الهي في الكون)(2).

ومن الجدير ذكره ان برجسون يعتبر تصوف افلوطين تصوفاً ناقصاً لانه لم ينته بالعمل، بل توقف عند حد التأمل والنشوة، وان افلوطين يتنكر للعمل حيث قال: (العمل يضعف التأمل)، وظل اميناً على النزعة العقلية اليونانية، ويعقب المفكر صادق جلال العظم إلى فهم برجسون القاصر لمعنى العمل عن افلوطين بقوله: (ان فهم برجسون للعمل هو غير فهم افلوطين له فالعمل الذي يضعف العمل لدى افلوطين، هو العمل الذي يغرقنا في توافه الحياة وتفاصيلها المتكررة الرتيبة، وليس العمل الخلاق المنتج)(3).

ولا يفوتنا في هذا المجال من ان برجسون يفهم التصوف كالتالي:

1- ان التصوف الكامل بزعم برجسون يتمثل في التصوف المسيحي فقط، وما عداه في مثل الاسلام واليهودية والاديان الاخرى غير السماوية كما في البوذية والهندوكية والزرادشتية فان التصوف فيها ناقصاً علامة واحدة لانه يتخطى حدود مرحلة الوجد والتأمل والنشوة، ولا يتتوج بالعمل والفعل بل يكتفي بالتأمل (4).

2- ان الحدس الصوفي يكشف لصاحبه ماهية الحقيقة الميتافيزيقية المطلقة، (الله) بصورة مباشرة لا تعتمد التصورات ولا العقل، ولا على الافكار مطلقاً، انه نوع من المعرفة الفائقة للعقل، وتعطيل لوظائف العقل النقدية كشرط لتحقيق التجربة الصوفية الكاملة (5).

3- ينفرد التصوف المسيحي، التصوف الكامل الحقيقي بنظر برجسون بثلاث خصائص هي العمل والخلق والمحبة (6).

4- يعتبر برجسون كما مر بنا تصوف الفيلسوف اليوناني افلوطين ناقصاً.

5- تصوف البوذية تعلم الانسان اطفاء ارادة الحياة على حد تعبير برجسون (7).

ويهاجم الفيلسوف الانكليزي المعاصر براتراندرسل

(1872-1979) الصوفية بضراوة ويقول: لا وجود للزمن في التصوف، فالزمن ملغي تماماً عندهم، فهم لا يهتمون بالماضي ولا بالحاضر ولا بالمستقبل لذلك لا نجد لهم حضوراً في فلسفة التاريخ لا من بعيد ولا من قريب، فرديتهم فوق كل شيء، سلبيون اجتماعياً، لا تستقيم بارائهم التربية، ولا يمكن الاعتماد عليها تربوياً وتعليمياً، ويضيف رسل ان الطريق التي يتبعها المتصوفة لا يمكن لها بناء أي حضارة، فغياب الامل وعدم الاعتراف بالاعمال الدنيوية كل ذلك يتعارض مع إمكانية قيام حضارة (8).

كما يؤكد رسل ان المتصوفة يجاهرون ان العلم بحد ذاته غير كافٍ لتفسير جميع الظواهر المتعلقة بالإنسان، وهذا ما لا يدعيه العلم نفسه، فالعلم لا يستطيع ان يطبق وسائله على ما هو روحي صوفي، إذ يؤكد المتصوفة ان الحقيقة تكمن في داخل انفسهم، وهي متعلقة بالنفس الإنسانية وهذه حقيقة متوقعة على التجربة الفردية وحدها، حالها حال الجمال والإحسان والصداقة ومعرفة الله، فمثل هذه التجارب الروحية يقع إدراكها وراء العلم، وتقع خارج إمكانية العلم، وعلى هذا الأساس فليس للعلم أي شيء يقوله عن مثل هذه التجارب الروحية (9).

ويؤكد رسل كذلك على عدم إمكانية التحقق من التجربة الصوفية، ومن المشاهدات التي يتفق عليها اغلب المتصوفة، فهو يرى: ان من غير الممكن التحقق من النتائج التي توصل اليها المتصوفة فعندما تسأل الصوفي عن كيفية وصوله إلى الحقيقة؟ يرد عليك قائلاً: بأنك لا تستطيع ان تفهم شيئاً من دون ان تمارس ان أمارسه، فالتصوف له طقوس ورياضيات خاصة، وهو نظام جسمي يسمى (اليوغا) وهذا ما يقوم به البوذيون، فأنهم يحيون حياة فردية لا يمكن عدها إلا عزلة وهمية تمارسها ذات واحدة معتقدة بأن لا شيء موجود إلا وحدة الكون التي هي وحدة الحقيقة (10).

واليوغا نظام فلسفي وطريق فلسفي يفضي إلى التوحد والى الفناء في الله، وهي تنادي الانسان كي يترفع عن امور دنياه، وان يرتفع عن العقائد والمذاهب والطائفية، والتمركز في الطقوس، وان ينظر إلى الاديان نظرة اخاء ومحبة وصفاء، واليوغا في الهند هي طريق المعرفة الصوفية أو عن طريق النقاء أو الصفاء، والتصوف الهندي أو طريق اليوغا قد وضع الاسس والتبويبات التي تأخذ بيد السالك إلى الخلاص فهي تجلي صدأ القلوب، وتزيل الهموم، وتسكن الروح في قلوب المؤمنين وتوجه الناس إلى عمل موحد، يخرجها من مشاكله العصبية، ومن احقادها وحروبها فيحل السلام والوئام ويتعاون الانسان مع اخيه الانسان، لرفع قيمة الحياة إلى المستوى الذي يليق بالإنسانية والذي اراده الله لعباده (11).

واليوغا كالتصوف فلسفة تمخر في بحر زاخر من المعرفة وهي كفلسفة التصوف ذات طابع عالمي (12)، وكما وصفت الصوفية في الحضارة اليونانية بالحكمة، فان كلمة بوذا (Bouddha) الهندية معناه ايضاً الحكيم المستنير أو المبارك، وكان بوذا قد المح في آخر حياته إلى انه اول البوذات (الحكماء) ولن يكون آخرهم. ويبدو ان الفيدا (Veda) وهي كتب البراهمة المقدسة كانت تبشر بحكيم يحي ويبحث ما محاه الزمن من معالم الديانة البراهمية، وينقيها مما علق بها على توالي العصور والاجيال، وترى غالبية البراهمة والكهنة المتخصصين في دراسة الفيدا يترقبون مجيء حكيم يكون مهدياً منوراً مخلصاً (13).

لذلك نرى البوذيون يترقبون إلى يومنا هذا ظهور حكيم من بينهم يجيء لينير ويهدي ويُنقي الدين ويحدد تعاليمه ويبعثها مجدداً (14). وقد عرف بوذا من خلال تعاليمه السامية التي دخلت القلوب دون استئذان، ومن تزهده في هذا العالم الفاني واصراره على قول كلمة الحق حتى ولو كانت لا تلاقي قبولاً من الملوك والامراء والوجهاء والكهان وذوي السلطان (15).

وطمح زرادشت الذي لم تفته ماهية الفلسفة الروحية (التصوف) فعاد إلى تفحص سرائر الانسان واهواءه ودعاه إلى حل المعضلات الاجتماعية، وعاد زرادشت إلى الشريعة الاولى يختلس منها آيتها الكبرى ليوردها وصية لدنياه فقال: حذاري في الطفرة في مسلك الفضيلة، فعلى كل فرد ان يسير في طريقه وان جنح على مسلك الآخرين، فلا يطمحَّن إلى بلوغ الذروة وحده، إذ على كل سائر ان يكون حبسه للمتقدمين قدوة للمتأخرين (16).

وخاطب زرادشت قومه فقال: (أحب من تفيض نفسه حتى يسهوا عن ذاته عندما تحتله جميع الاشياء فيضحك فيها ويغني بها)، أحب من تحرر قلبه وتحرر عقله حتى اصبح دماغه بمثابة احشاء قلبه، لقد آن للانسان ان يضع هدفاً نصب عينيه لقد آن له ان يزرع ما ينبت أسمى رغباته فيجتنب ويمتنع عن أية دومة ان تنمو فوقها.

والتصوف في البلاد الصينية يعرف بالتاوية (Toisme) والتاو (Tao) كلمة صينية معناه الطريق أو النهج أو السبيل، ويقصد به اسلوب الحياة أو الطريق الصحيح، طريق السماء والتاوية هي ديانة ومذهب فلسفي في وقت واحد، أسسها في القرن السادس قبل الميلاد لوتشو (Lawtzu)، فخاطب العواطف ونزع إلى التأمل الصوفي حاول انصاره فيما بعد العناية بالكيمياء بحثاً عن اكسير الحياة (17).

ويعرف الصوفية في اليابان بأسم الزن (Zen) وتعني حرفياً التأمل وهي مدرسة من اهم المدارس في اليوغا وتزعم انها تعبر عن جوهر البوذية وروحها عندما تحاول المرور (18)، بتجربة الاستنارة التي بلغها بوذا الكبير، وقد نشأت هذه المدرسة في الصين في القرن السادس بأسم شان (Shan) وهي صورة من صور المهايانا البوذية، ثم انتشرت في اليابان منذ القرن الثاني عشر، والتصوف في اليهودية هو الربانية، وفي المسيحية هو الرهبانية، وفي الاسلام علم الحقيقة أو عين الحق، وحق اليقين (19).

وهناك من يؤكد ان التصوف الإسلامي تأثر بفلسفات هندية وفارسية ومصرية ويونانية، وان نظرية الفناء الروحي دخلت التصوف الإسلامي من باب الفلسفة الهندية، وهناك من يرى ان المسيحية أثرت في التصوف الإسلامي من ناحية الدعوة إلى الزهد (20).

وتشير المصادر إلى ان الحلاج الحسين ابن منصور ذهب مذهب (وحدة الوجود) والعشق الألهي طريقاً إلى معرفة الاسباب، سمي بالحلاج ولد عام (244هـ) بواسط في العراق، تصوف وعمره ستة عشر عاماً، سمي بالحلاج لانه مطلع على سر القلوب، ويستخرج الكلام كما يستخرج الحلاج لب القطن كما يقول الخطيب البغدادي، وكان الحلاج يلقب بالقاب عديدة ومن تلك الالقاب الزاهد المغيث، حلاج الاسرار، المميز المحير، الشيخ، ذات الذات كان الحلاج جسوراً على السلاطين والطغاة يحرك الجماهير وينادي بالاصلاح ويبشر بفكر الحكومة المثالية التي تقسم الشريعة الدينية على انظمة المحبة والعبادة الخالصة لله، وهنا كان لابد للسلطة من مطاردة الحلاج وجمع التهم ضده، وسجنه عدة مرات، ووضعه تحت الاقامة الاجبارية، دليل صراحته وطلاقة وقوة فكره الفلسفي الصوفي إلى ان قتل، ويظل المشهد الابشع لوجه السلطة في الاسلوب الهمجي الذي نفذ فيه مقتل الحلاج، ومهما تباينت صور وصفه بالمصادر، يظل قائماً في التاريخ لصالح هذا المفكر المتصوف الكبير الذي انتشرت افكاره من بعده في كل بقاع الارض، ويروي ابو بكر الشبلي مقتل الحلاج، وقد قطعت يداه ورجلاه، وصلب على جذع ثم ضربت عنقه ولفّتْ بحصير، وصب عليه النفط، واحرق وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح، وقال ابن كثير عن ابي الحديد: فضرب الف سوطاً ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في كل ذلك ساكت، ولم ينطق سوى بكلمة (أحد أحد) وتتفق المصادر كافة على يوم مقتله يوم الثلاثاء من ذي القعدة عام 309هـ وحرمت بيع وشراء كتبه التي بلغت (25) كتاباً.

جعل الحلاج من لحب الألهي فلسفة كاملة ومنهجاً متماسكاً، وعثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده (21)، وان اول الفلاسفة الذين قلدوا الصرامة والشدة التي اخذها اخوانهم في الدين الشرقيون (مشرق العالم الاسلامي) من الرهبان المسيحيين، وربطت بمراسيم المؤمنين الاطهار، فلسفة وحدة الوجود وعقيدة الحلول هو ابن عربي (560هـ- 1165م) كما كان لابن رشد (520هـ- 1126م) وفلسفته اثر كبير على اوربا وحتى ميلاد العلم التجريبي الحديث، وهاجم ابن رشد المتصوفة. أما الغزالي ابو حامد الطوسي (1058هـ- 1111م) فبعد كل مجهوداته في البحث عن الحقيقة الا انه لم يجد في الاخير ما ينير له سبيل السلوك الا التصوف اذ قال عن لسانه (ثم اني لما فرغت من العلوم، اقبلت بهمتي على طريق الصوفية ولما احسست بعجزي وسقط من كليتي اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر اذا دعاه وسهل على قلبي الاعتراض عن الجاه والمال والاهل والاصحاب)(22)، ومن الجدير بالذكر انه لبيت الحكمة في عهد المأمون، وما قام به العرب المسلمين من ترجمات فلسفية الاثر الكبير في التصوف الاسلامي.

التصوف في وسط آسيا والقفقاس هم انفسهم قادة الطريقة النقشبندية الصوفية، وكانت هذه الطريقة انتشرت انتشاراً واسعاً في القرن الثامن والتاسع عشر في وسط آسيا، ابتداءاً من ولاية هانسو الصينية حتى قازان واستطنبول وايران واذربيجان، ولعل انشط اقسام النقشبندية واكثرها تعبيراً عن روح الجهاد القسم الذي يمثل منطقة شمال القفقاس في الداغستان والشيشان، لقد اشار الكاتب الامريكي جي، اف بادلي في كتابه (الغزو الروسي للقفقاس) إلى ان حروب القفقاس التي شنتها الطرق الصوفية النقشبندية على روسيا للدفاع عن بلادها قد أسهمت في التدمير المادي والمعنوي للأمبراطورية القيصرية وشاركت تلك الطرق في اسقاط حكم أُسرة رومانوف واقامة النظام البلشفيكي (23).

والنقشبندية الصوفية التي انتشرت في العالم الاسلامي وجدت لها المجال الأرحب في كردستان العراق على يد العلامة الشيخ خالد الشهروزوري وكان قد رحل إلى الهند، وثم عاد إلى كردستان اسس في السليمانية هذه الطريقة، ثم قصد بغداد وفتح له (تكية) زمن الوالي داود باشا، ولم تكن الطريقة النقشبندية الصوفية مقتصرة على الرجال فقط، وانما شملت النساء ايضاً، والعارفون باحوال كردستان يعلمون ان قلوب معظم سكانها الكرد تتعلق تعلقاً معنوياً وروحياً بالطريقتين النقشبندية والقادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، ولد عام 470هـ، في جيلان وتوفي 561هـ في بغداد، ومن ابواب فضائل التصوف باب صحبة الصوفية، باب المحبة، باب المعرفة، باب التوكل، باب ثواب توكل الكفاية، باب الرضا، باب السخاء والكرم، باب الشفقة، باب حسن الخلق والتواضع، باب مكارم الاخلاق، باب الوصايا، باب شروط التصوف (24).

نعود الان إلى التصوف في الفكر الغربي وهو مناقض لمفهوم التصوف في الفكر الاسلامي الذي مررنا ببعضه، فبمجيء القرن الثامن عشر برز الانكار المتشدد للخلود، إلى جانب رواج خطابات الموتى لما بعد الموت، وتناسخ الارواح، وتتمتع في هذا الصدد الاطروحة التي كتبها الروسي الكسندر راد يشتيف عام 1792م، فهو يرى ان حجج فناء النفس، اكثر اقناعاً من حجج خلودها، وينتهي إلى القول بأن الحجج الميتافيزيقية والعقلانية المحض غير مقنعة، وان على المرء ان يضيف لها مبررات القلب، ومع ذلك ترك للقارئ حرية الاختيار في تأمل البراهين التي تؤيد الخلود وتلك التي تفنده وان يتوصلوا إلى نتائج خاصة بهم، ومن جانبه يؤكد ان الخالق الرحيم لم يخلق الانسان ليجد ان الغرض من الخلق كان بلا طائل. كما يضيف هوبز قائلاً: النفس ليست خالدة، لكن الرب في يوم الدينونة سيبعث المخلصين باجسام روحانية مجيدة، وتلك بالطبع معجزة، ليست بعزيزة ولا مستحيلة على الخالق (25).

كما ان موران يشير إلى اسبينوزا يردد وان يكن في اطار المنطق الديكارتي صدى القضية الرئيسية للهندوسية، وهناك ضروب ملحوظة من التماثيل بين ذلك الشيء الذي هو ماهية النفس عن اسبينوزا، وبين الاثمن (براهما) بين اله وحدة الوجود، وبين (براهما)، بين الغبطة الاسبينوزية، أو المعرفة الكاملة، وبين المعرفة الصوفية عند البراهماتية للراجا (26). ان حالة الخلود عند اسبينوزا سواء سميت بالخلاص أم بالقداسة، أم بالانبعاث الروحي، تعتمد على الحب المتبادل بين الرب والانسان، وذلك كما يشير ولفسون ليس بالامر الجديد فقط قال به اللاهوتيون قبل اسبينوزا وهو يعترف بذلك قائلاً: ان هذه السعادة الروحية تسمى بالمجد في الكتابات المقدسة ولذلك ما يبرره (27).

في تجربة باسكال الصوفية يدعو إلى التخلي عن العقل الطبيعي وهو اكثر ما يستطيع الناس فعله، كما ان الايمان ما دام يأتي من العادة، فافعل كما لو كانت تؤمن، حادثة التصوف وقعت كما يشير جاك شورون في حياة باسكال وهو كما معروف عنه عالم رياضيات ما بين العاشرة والنصف والثانية عشرة والنصف ليلاً، في ليلة ثلاث وعشرين نوفمبر عام 1654ميلادية وقد عثر على وصف تجربته الصوفية عقب وفاة باسكال مكتوبةً على قطعة من الرق، حيكت في بطانة سترته، وكان كلمة النار أو بترجمة افضل اللهيب مكتوبة في اعلى الرق بحروف كبيرة: (رب ابراهيم واسحاق ويعقوب لا رب العلماء والفلاسفة يقيناً يقيناً يقيناً، فرحة سلام رب يسوع المسيح، نسيان العالم من كل شيء عدا الله، وينتهي الرق، خضوع شامل لليسوع المسيح والكاهن الذي يتلقى اعترافي. آمين).

كما يؤكد كانط اثبات الخلود على الحجة الاخلاقية بدلاً من الرجوع إلى التجربة الدينية والايمان الاعمى، انه نتيجة نفور كانط من النزعة الصوفية فيقول: القانون الاخلاقي الكامن فينا، هو الذي يكشف لنا ان العالم في يد عناية الهية حكيمة وان الانسان كائن ينتمي إلى عالمين هما العالم الظاهري والعالم في ذاته.

أما بالنسبة لنوفاليس (1772-1801) أعظم الرومانتيكيين واكثرهم عمقاً فالموت ليس عودة إلى الكل، وذلك على الرغم من فلسفته تختلف عن كل من كانط وفخته لاعادة تأكيد الايمان بالخلود، كذلك فهي تناقض ايضاً فلسفة الماديين الفرنسيين الذي ذهبوا إلى الموقف الرواقي باعتبارهم الموت فناءاً شاملاً، فالمعرفة بحسب الرومانتيكيين بأسرها هي في نهاية المطاف معرفة صوفية، وعلى روح الانسان ان تتجه إلى الداخل لتعيد خلق عالم جديد، وعلينا ان نتوغل داخل الاشياء ونخلع عليها بعداً آخر هو بعدها الحقيقي (28).

أما بالنسبة لشوبنهاور فهو قد وضع البذرة الاولى امام الوجودية الحديثة في قوله: (الرغبة في ان تكون الفردية خالدة، تعني حقاً التطلع إلى دوام الخطأ بلا انتهاء، فكل فرد هو في اساسه خطأ فحسب، خطوة زائفة، شيء كان من الافضل ان لا يكون، بل شيء بعد خروجنا منه هو الانتهاء الحقيقي للحياة).

ويذهب ياسبرز ان العلو الشامل يمكن ان يدعى الله، وهو يضل شيئاً لا يمكننا تخيله تماماً، خارجاً عن أي اتصال انفعالي، والارتقاء إلى العلو ليس تجربة صوفية، ليس توحداً مع الله الحي، ما يقدمه ياسبرز ليس إيماناً دينياً وإنما هو إيمان فلسفي دون عقيدة واعتقاد.

أما وليم جيمس فهو يقول: (وأما في الحالات الصوفية فان الذات تشعر باتحادها بالله بضرب من التحول والابدال Deplacement في مركز طاقتها الشخصية نتيجة لذلك الاتحاد، وليس الحالات الصوفية بمثابة انحرافات في صميم الشعور الديني، بل هي اعلى صورة من صور ذلك الشعور النفسي الذي يستولي علينا حينما نحس بان وجودنا قد اتسع باستغراقه في موجود اعظم منا، وهذا الشعور نفسه هو صميم الدين باعتباره تجربة حية، فعلى كل حال فان الرجل الديني اياً كان ايمانه الديني، يشعر بان علاقته بذلك الموجود الاعلى الذي يتعلق به هو مصدر قوته وطاقته ورجائه في الحياة، وهو لهذا يستمد من تلك العلاقة نفسها سعادة وسلاماً وغبطة روحية ما كان يمكن مطلقاً ان يحصل عليها عن طريق آخر) (29).

والواقع ان من شأن فكرة الله ان تخلع على نظرتنا إلى الكون شيء من الاتساع والعمق فضلاً عن انها تجعل الكون اقرب الينا واكثر تآلفاً معنا، وليس الله مجرد اسم أو موجود مجرد، بل هو شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان، اعني – حسب جيمس- انها ذات الهية أو بالاحرى انت، ولما كان الله شخصية متناهية فانه لا يمكن ان يحيط بكل شيء أو ان يعرف كل شيء، ذلك لان اعظم الذوات واوسعها عقلاً قد تجهل مع ذلك طائفة من الاشياء، التي تنكشف لغيرها من الذوات، ولا يتصور جيمس الله على انه خارج عن العالم أو متعال عليه، بل هو يتصوره على انه جزء من الكون أو هو من يتحدث عنه احياناً كما لو كان الحقيقة المثالية الباطنة في صميم الاشياء، وما دام الله هو الجانب المثالي من الاشياء، فانه لا يمكن يحوي كافة الاشياء من الخارج بل قد يكون من الممكن ان نقول ان الاشياء في جانبها المثالي تكون جزءاً من صميم وجوده، ومعنى هذا ان الله لا يخلق كل شيء، هذا فضلاً عن ان الخلق بالنسبة اليه ليس بمثابة مجرد تنظيم آلي، وتبعاً لذلك فان وجود الشر ليس بدليل مطلق على عدم وجود الله، إذ ان الله شريكنا الاعظم الذي لا يكف عن محاربة الشر دون ان يفرض علينا بعنايته طريقاً معيناً لا يكون علينا من بعد سوى ان نسير فيه، وليس في استطاعة الله ان يضمن لنا خيرية العالم هذا فضلاً عن انه هو نفسه ليس بقادرٍ على كل شيء، ولكن اذا كان العالم كثيراً ما يحيد عن الطريق المرسوم فذلك لان الله لا يكاد يكف عن ان يتخذ تصميمات جديدة، وبالاجمال يصنف جيمس الله بانه الخير ولكنه لا يقول انه لا متناه، أو انه قادر على كل شيء (30).

ومع ذلك فان وليم جيمس يؤمن بنزعة فائقة للطبيعة، لانه يرى ان هناك معجزات تعبر عن تدخل الله في صميم النظام الطبيعي بطريقة مباشرة فالعالم المثالي كثيراً، ما يتدخل بطرق مفاجأة في صميم العالم الواقعي، مما يدل على ان الله كثيراً ما يغير من مجرى التاريخ بين الحين والآخر، افلا يكون من الصواب ان نقول ان وجود الله انما يتجلى بشكل واضح في تلك المعجزات التي تظهرنا بين الحين والآخر على عمل الله؟ وهذه المعجزات نفسها اليست هي اكبر مظهر على وجود حرية في صميم العالم، ما دامت الحرية على حد تعبير رينوفييه Renouvvier بداية مطلقة؟ الواقع حينما يتداخل المثالي والعالم الواقعي، أو حينما يصطدم كل منهما بالاخر، فهناك تنبثق الحقيقة للجدة في صميم هذا الوجود (31).

ولا يقتصر وليم جيمس على القول بان الله يفيدنا ويشد من ازرنا، بل هو يذهب ايضاً إلى ان الله ايضاً في حاجة الينا، كما نحن بحاجة اليه (أني لست ارى ما يمنع من ان يكون وجود العالم اللامرئي متوقفاً إلى حد ما على ردود افعالنا الشخصية بالنسبة إلى مؤثرات الفكرة الدينية، وفي هذه الحالة ليس ما يمنع ان الله نفسه يستمد من ولاءنا واخلاصنا عظمة وجوده ومقومات بقاءه) ومعنى هذا اننا بإيماننا بالله نؤدي لله اجل خدمة واعظمها إذ نساهم بذلك في تثبيت دعائم ذلك العالم المثالي (32).

وفي تساؤل جوهري فلسفي هام يتساءل جيمس، لكن هل يكون معنى هذا ان الله مجرد فكرة يخلقها الانسان لتقوية عزيمته وشحذ همته بحيث يكون الله مجرد تصور مثالي؟ ومن رحم هذا التساؤل اذا كان متناهياً فما الذي يضطرنا إلى التحدث عنه بصيغة المفرد؟ كأن ليس هناك الا إلهاً واحداً، الا يمكن ان يكون هناك آلهة متعددة، يجيب جيمس ان فرض الشرك ليس اقل احتمالاً من فرض التوحيد، فلماذا لا نقول بوجود قوى متعددة تحكم الكون؟ (33).

أليس من المحتمل ان يكون العالم مؤلفاً من مجموعة القوى الفردية الالهية التي تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكمة والفهم، دون ان يكون بين هذه القوى العديدة أية وحدة مطلقة؟ ان الناس يتصورون الله على انه حاكم قوي أو طاغية مستبد، ولكن الله في الحقيقة إلا واحداً بين معاونين كثيرين في وسط جمهرة من مشكلي أو صائغي مصير هذا الكون العظيم، هكذا نجد ان عالم جيمس هو اقرب ما يكون إلى جمهورية شاملة يعيش فيها مواطنون احرار يعملون جميعاً على قدم وساق بغية الوصول إلى تحسين هذا الكون (34).

ويأخذ الدكتور زكريا ابراهيم على وليم جيمس: ولسنا نفهم كيف يمكن ان تكون ارادة الاعتقاد هي التي تكون ماهية الدين، بينما الدين في صميمه هو اتجاه الذهن إلى اكثر الاشياء موضوعية وواقعية على حد تعبير هوكنج... ان الله لن يكون شيئاً على انه من خلقنا، فلن تكون له اهمية عملية على الاطلاق لانه عندئذٍ لن يكون حتى ولا مجرد فرض ملائم في صميم حياتنا.

 

علي محمد اليوسف

....................

 (1) التساعيات، التساعية الرابعة، ترجمه إلى الانكليزية: استفين ماكينا، لندن، 1957.

(2) جاك شورون، مصدر سابق، ص 284.

(3) صادق جلال العظم، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة، ص 179-181.

(4) علي محمد اليوسف، فلسفة الاغتراب، الدار العربية للموسوعات، 2013، ص 156.

(5) نفس المصدر السابق، ص 157.

(6) نفس المصدر السابق، ص 157.

(7) نفس المصدر السابق، ص 157.

(8) د. محمد فاضل عباس، مجلة دراسات فلسفية، بغداد، ع21، 2008، نقلاً عن: Russel Betrand, Oxford university press, London, p176.

(9) نفس المصدر السابق.

(10) نفس المصدر السابق.

(11) د. عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، ص 27.

(12) عباس المسيري، اليوغا والتصوف، ص 21.

(13) نفس المصدر السابق، ص 28.

(14) محمد علي الزعبي، ومحمود مقلد، البوذا في التصوف في الهند، ص 113.

(15) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 28.

(16) عبد القادر ممدوح، نقلاً عن فريدليك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، دار القلم، ص 15.

(17) جفري براندرار، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، ع 173، ص 421.

(18) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 30.

(19) عباس المسيري، مصدر سابق، اليوغا والتصوف والرهبانية، ص 63-64.

(20) عبد القادر ممدوح، نقلاً عن احمد الشرباصي، الغزالي والتصوف الاسلامي، ص 150-151.

(21) عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، هامش صفحة 13.

(22) عبد القادر ممدوح، مصدر سابق، ص 81.

(23) Baddly, J, F, The Russian conquest of the Caucasus, 1980.

(24) عبد القادر ممدوح، فلسفة التصوف، مصدر سابق، ص 142- 147.

(25) جاك شورون، مصدر سابق، ص 143.

(26) ادجار موران، الانسان والموت، باريس، 1951م، ص 222.

(27) الاخلاق، الكتاب الخامس، القضية 36.

(28) شاك شورون، مصدر سابق، ص 168.

(29) دكتور زكريا ابراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة نقلاً عن: بوترو (العلم والدين) E Boutrox: science of religion dans La philosophy

(30) المصدر السابق، ص 51، نقلاً عن: W. James "Prgmatisim", p.928

(31) المصدر السابق، ص 52.

(32) نفس المصدر السابق، ص 56.

(33) المصدر السابق، ص 57.

(34) المصدر السابق ص 53.

 

 

 

mutham aljanabiلقد توصلت في المقال السابق، عن ان أحكام حسن حنفي عما يدعوه "بالدورة المكتملة لحضارة للغرب الأوربي" ومسارها صوب "السقوط والانتهاء" لا تخرج عما أسميته بأوهام الأحلام التي ميزت بعض أمزجة التأمل الفلسفي منذ القدم. فهو يتكلم عما يدعوه "باكتمال الوعي الأوربي في دورته الثالثة في العصر الحديث". ويتطابق هذا "الاكتمال" عنده في "الكوجيتو من ديكارت إلى هوسرل". وما قبل ذلك "اكتمل" أولا في "عصر آباء الكنيسة" وثانيا في "العصر المدرسي" (السكولائي). وهي مراحل ودورات ومقارنات لا تصمد أمام النقد التاريخي والفلسفي. وفي أفضل الأحوال هي مجرد صيغة متعارف عليها في الكتب المدرسية، اي لتدريس نوعية المرجعيات المتحكمة في تطور المناهج والعلوم والرؤية العملية. بينما تاريخ "الوعي الأوربي" أكثر تعقيدا من أن يجري حصره ضمن هذه الصيغة المدرسية المبسطة. وعموما يمكن القبول بها ضمن الكتب المدرسية العادية لتدريس تاريخ الفلسفة "الأوربية"، في حال إدماج تاريخ آباء الكنيسة ضمنها، مع أنها من طراز وثقافة أخرى من حيث أصولها وجذورها ورجالها ومفاهيمها. وفيما لو جرى إهمال هذا الفعل (اكتمل) الهلامي المعنى، فانه فيما يبدو يتطابق مع ما استنتجه بهذا الصدد عما اسماه بتجربة الوعي الأوربي لكل شيء. بمعنى أن "الوعي الأوربي جرب كل شيء"، بحيث أدى ذلك به إلى "ضياع بؤرة التركيز". ومن ثم "أصبح غير قادر على توجيه نفسه نحو مركز يمكن من خلاله إبداع المذاهب والاتجاهات". وهي عبارة ليست دقيقة من حيث الصيغة والمعنى. كما أنها لا تتفق مع تحديد حسن حنفي نفسه للحضارة الأوربية بوصفها "حضارة طردية". ففيما لو قبلنا بهذا الوصف، فان الحضارة الأوربية لا تسير هنا صوب الزوال والموت بل تستجيب لما فيها. بمعنى استجابتها لمضمونها الغائي! وعموما أن "تجريب كل شيء" أمر مستحيل بأي معنى جرى فهم التجريب والاستحالة. فللتجارب الثقافية حدودها الخاصة. وان حدود "التجربة الأوربية" لم تؤد، كما يقول حسن حنفي، إلى انعدام القدرة على "إبداع المذاهب والاتجاهات"، والغوص في "الرفض والعدمية" وما شابه ذلك من أحكام انطباعية سطحية ومزيفة تطرب لها النفسية الإسلامية اللاهوتية، التي لا تدرك أن الأفكار يجري إنتاجها بأشكال مختلفة. والمذاهب ليست بالضرورة أبدية الإبداع. فتاريخ الفلسفة وما يدعو هو إليه من إعادة إنتاج "علم أصول الدين" يتناقض مع هذه الفكرة. لكن الشيء الأكثر جوهرية، هو أن مسار الفكر الفلسفي بمختلف ميادينه ومستوياته تتغير وتتبدل فيه الأولية والأهمية بالارتباط مع انتقال الوعي الثقافي من مرحلة إلى أخرى. فالأفكار الفلسفية و"إبداع المذاهب والاتجاهات" هي الصفة الأكثر تمييزا وقوة زمن الدخول إلى مرحلة الوعي الديني السياسي والخروج منها إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي، وما بعده إلى العلمي التكنولوجي. ففي مرحلة الخروج "تموت" و"تندثر" قيم اللاهوت التقليدي، ويتحول الوجود الإنساني إلى محور وجوهر كل شيء بالنسبة للفكر من اجل الارتقاء لاحقا إلى الطبيعة والكون بمعايير الرؤية العلمية. بمعنى الخروج من ميتافيزيقا الفكرة الدينية إلى إشكاليات الميتافيزيقيا الكونية ولكن بمعايير التجارب العلمية والعملية الإنسانية الخالصة، كما تتحول على سبيل المثال قضايا الحياة والموت الجوهرية للوجود البشري إلى قضايا المعنى. الأمر الذي يؤدي إلى انتقال الوعي الفلسفي من حيث طاقته التاريخية صوب العلوم التطبيقية. وهذه فلسفة جديدة أو أنها تحتوي على مقدمات "مذاهب وتيارات" متجددة على الدوام.

وضمن هذا السياق أيضا يمكن النظر إلى تحديده العام عن أن الحضارة الأوربية هي حضارة طردية وان الإسلامية نقيض لها بوصفها حضارة مركزية، فانه تحديد مفتعل، لا علاقة له بالواقع والتاريخ وحقيقة الثقافة ومرجعيات "الحضارة الغربية" والإسلامية. فقد عرفت القارة الأوربية حضارات مختلفة في العالم القديم، وبالأخص اليونانية والرومانية. وكلاهما ليست "أوربيتان" أو "غربيتان". ولكل منهما مركزيته الخاصة ومرجعياته الفلسفية والعقائدية الكبرى. وإذا كان بالإمكان الحديث عن "حضارة أوربية" موحدة نسبيا فهي "الحضارة النصرانية القروسطية"، وكذلك الحضارة الأوربية الحديثة، التي أخذت ملامحها بالتبلور منذ القرن الثامن عشر- التاسع عشر وحتى الآن، بأثر الانقلاب البنيوي الهائل الذي رافق انتقال الوعي الثقافي الأوربي من المرحلة الدينية اللاهوتية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا تباين واختلاف فاعلية "مركزيتها الثقافية" ومن ثم مركزيتها الحضارية. إذ لا معنى للحديث عن طابع طردي جوهري في الحضارة الأوربية والتمسك بفكرة "المركزية الأوربية". فالأخيرة هي الذروة الضرورية لكل تطور ثقافي وحضاري كبير. ومن ثم لا معنى للحديث عن خصوصية إسلامية في الحضارة يجري إرجاعها إلى "مركزية" ما. وذلك لان كل حضارة هي مركزية بالضرورة، بمعنى أنها تدور حول نفسها وحول مرجعياتها التاريخية الثقافية الكبرى.

إن عدم إدراك هذه الفكرة المنهجية يؤدي بالضرورة إلى أحكام تاريخية وسياسية لا يمكنها العمل على بلورة وعي ذاتي سليم فيما يتعلق بالحاضر والمستقبل. إضافة إلى ما فيها من مضيعة للجهود والوقت. ومن الممكن أن يشكل اهتمامه الكبير بتصنيع "علم الاستغراب" احد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد. وذلك لان محاولة تأسيس علم يواجه الاستشراق والرؤية الأوربية الغربية ككل انطلاقا من فكرة المواجهة والتحدي لا يمكنها النجاح. فالاستشراق الأوربي هو جزء من تطور تلقائي لفهم الشرق بمعايير المركزية الأوربية وثقافتها، تماما كما فعلت الثقافة العربية الإسلامية في التعامل مع ثقافات "الشرق" و"الغرب". وبالتالي، فان "علم الاستغراب" لكي يكون علما بالمعنى الدقيق أو حتى أن يكون "استشراقا معاكسا"، يستلزم في بادئ الأمر أن يكون للشرق مركزيته الثقافية، أو مركزياته الثقافية. وإلا فان "الاستغراب" هو مجرد رد فعل وليس فهما. أما البحث عن جذور خاصة به في التراث العربي الاسلامي القديم من خلال تتبع العلاقة بالتراث اليوناني، انطلاقا من أن اليونان جزء من الغرب جغرافيا وتاريخيا وحضاريا، فهو استنتاج لا علاقة له من حيث الجوهر بالجغرافيا والتاريخ والحضارة. بل يمكن قول العكس. إن أوربة اليونان والتراث الإغريقي هو جزء من المركزية الأوربية الحديثة، وما قبل ذلك، في كل مجرى القروسطية الأوربية، فقد كانت علوم الإغريق هي علوم "الوثنية". إضافة لذلك أن "علم الاستغراب" يخلط بين مواجهة الاستشراق والمركزية الأوربية. بينما هما يمثلان علاقة الكل بالجزء. والمركزية الأوربية هي نتاج التطور الأوربي وذروته في ميدان وعيها الذاتي وتمثيلا لمرحلة الانتقال من الوعي الديني إلى الوعي السياسي الاقتصادي. بعبارة أخرى، إن القيمة النظرية والعلمية والمنهجية والعملية والثقافية للاستغراب تكمن في روحه النقدي ومحاولة النظر إلى النفس بمعايير التجارب الذاتية. وهذه فضيلة كبرى. لكنها ينبغي أن تجري ضمن سياق تناول إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للصيرورة والكينونة العربية أولا وقبل كل شيء، وبل وفي كل شيء. أما ما قام به حسن حنفي في كتابه فهو مجرد استعراض عادي مدرسي مبسط لتطور الفكر الأوربي. بعبارة أخرى انه مجرد استعراض عادي وسهل لما هو متداول في الكتب المدرسية. ولا يرتقي إلى معنى "الاستغراب" بوصفه علما محاذيا أو موازيا للاستشراق. إذ للأخير قيمة علمية هائلة، رغم كل المآخذ عليه. أما الأبعاد الثقافية فيه فهي أبعاد الصيرورة التاريخية للكينونة الأوربية ووعيها الذاتي.

وينسحب ضعف الإدراك الحقيقي لماهية الحضارة وقوانين تطورها على موقفه من البديل الحضاري الاسلامي. فالقول على سبيل المثال، بإمكانية بلورة "حضارة إسلامية بديلة" في العالم المعاصر من خلال إعادة النظر بعلم أصول الدين، لا يعني في نهاية المطاف سوى إرجاع التاريخ والفكر صوب مرحلة تاريخية ثقافية ينبغي تذليها. فالحضارة الدينية (الإسلامية) هي صيغة خاصة تاريخية وثقافة مناسبة لمرحلة الانتقال من الوعي الإثني الثقافي إلى الوعي الديني الثقافي. وقد استطاعت أن تصنع إحدى أعمق وأوسع المركزيات الثقافية في التاريخ الإنساني وحضارة تناسبها. وبالتالي، فان البدائل الممكنة هنا تقوم في تأسيس مرجعيات ثقافية كبرى، أو ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية القادرة على إعادة توحيد الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والدولة بمعايير المستقبل واحتمالاته العقلانية عبر نقله إلى مرحلة الوعي السياسي الاقتصادي. ومن ثم تذليل كل بقايا اللاهوت ومدارسه وفلسفاته وأنماط تفكيره وعقائده. لا أن يجري تخيلها بمعايير الرغبات، مثل القول، بأنه "إذا كان للوعي الأوربي الريادة في القرون الخمسة الماضية، فقد تكون لنا الريادة في القرون القادمة. وكما بدأت الحضارة قديما في الشرق ثم انتقلت إلى اليونان والرومان وأوربا، فقد تعود في عصرنا إلى الشرق من جديد وتكتشف الحضارة الإسلامية رسالتها نحو الشرق". إن هذه الصيغة وأمثالها العديدة المتناثرة في كتابات حسن حنفي لا تخلو من طرافة وأمل إنساني ورغبات مقبولة ومعقولة، لكنها غير مؤسسة بمعايير الرؤية النقدية الفعلية. أما محاولة بناءها استنادا إلى قوى الحاضر وتوحيدها من الإخوان المسلمين بوصفهم إخوة في الله، ومن الماركسيين بوصفهم إخوة في الوطن، ومن الناصريين بوصفهم إخوة في الثورة، ومن الليبراليين بوصفهم إخوة في الحرية، فهي مجرد أضغاث أحلام لا علاقة لها بالواقع والحاضر والمستقبل. كما لا يمكن إنقاذها بتوحيد تراث الإصلاحية الإسلامية القديمة (فلسفة ابن رشد، وكلام المعتزلة، وتاريخ ابن خلدون، وفقه ابن تيمية)، وتراث الإصلاحية الإسلامية المعاصرة (محمد عبده والكواكبي وإقبال وشريعتي والسنوسية وثورة عمر المختار والمهدية وعبد الحميد بن باديس وسيد قطب)، فهي مجرد خلطة غريبة لا علاقة لها بما يمكن دعوته بتاريخ المستقبل.

إن هذه الخلطة عاجزة عن أن "تمثل تحديا للحضارة الغربية وبديلا عنها". فهي مجرد  صيغة أيديولوجية. وذلك لان البدائل الحقيقية هي ذاتية وتلقائية. وبالتالي فإنها بديلة ضمن سياقها بوصفها نفيا منظوميا لما فيها. بعبارة أخرى، إن الفكرة الحضارية لا تستقي مقومات وجودها، بوصفها حركة تلقائية، من تأمل مسار الرؤية الفلسفية للحضارة الإسلامية وتاريخها الفعلي، ولا من تأمل الحالة التاريخية الفعلية والاحتمال المستقبلي للبدائل في العالم العربي. بعبارة أخرى، انه، كما هو الحال في فكرته السياسية، محكوم بعقائد يجري تأويلها، وليست تجارب حرة ضمن سياق الانتقال من الوعي الديني السياسي إلى الوعي السياسي الاقتصادي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر عراقي

 

 

دابت الجمهورية التونسية منذ الاستقلال على اصدار القوانين التي تعطي المراة حقها طبقا لما ذكر في القرآن حتى انها اعتبرت وبدون منازع رائدة عربيا في مجال حقوق المرأة.وها نحن نفاجأ مرة اخرى بتزكية حرية المراة التونسية في اختيار شريك حياتها وذلك باصدار قانون جديد يقف الى جانب المراة التونسية، وينصفها حقها في اختيار القرين، وقد جاء هذا على اثر الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في شهر اوت المنصرم بمناسبة عيد المرأة، من أجل إلغاء القيود القانونية التي "تمنع زواج المرأة التونسية من رجل أجنبي غير مسلم"، بعد ضغوط مارستها منظمات نسائية، وحقوقية طالبت بتمكين المرأة من حرية اختيار زوجها. وقد تم ذلك فعلا بعد ان وجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسى إلى وزير العدل دعوة لإعادة النظر فى المنشور رقم 73 الذى يمنع زواج المرأة التونسية بأجنبى غير المسلم. وآتت دعوته اكلها حيث انه أعلن اخيرا ورسميا بان "للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم" دون التنصيص على ذكر الديانة التي تنتمي اليها التونسية، وتونس ككل الدول فيها خليط من الاديان، خاصة بعد المصادقة على حرية الاديان بعد الثورة...حيث اننا نجد في تونس الديانات السماوية الثلاث لذا وجدت كلمة من الاجنبي غير المسلم. ففرحنا وقلنا مادام الامر هكذا فلا ضرر في ان تتزوج التونسية باجنبي غير مسلم ما دام هذا القانون لم ينص على ديانة التونسية ولم يأت على ذكر التونسية المسلمة ولم ينص عليها لا بين ظفرين ولا دون ذلك بل هو لم يذكرها مطلقا وهذا ان دل على شيئ انما دل على ان القانون التونسي عنى وبالدرجة الاولى الاقليات التونسية، لان تونس ككل دول العالـم فيها اغلبيـة واقلية، وكما يعلم جل التونسيين ان الشعب التونسي به تركيبة سكانيـة ذات اغلبيـة مسلمة واقليـة مسيحيـة واخرى يهودية، وربما هناك ديانات اخرى لم نسمع بها، او ربما لا وجود لها. وللتونسية المسلمة الحق في الزواج باجنبي مثلها مثل بقية النساء التونسيات لكن بشرط الزامي الا وهو ان يكون الاجنبي مسلما وذلك طبقا لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف لان زواجها من غير مسلم يعتبر باطلا، وطالما هذا القرين الاجنبي يتدين بنفس الدين فلا حرج في ذلك لان الاسلام لم يحرم زواج المسلمة من اجنبي انما حرم زواج المسلمة من غير المسلم. وكما لا يخفى على احد ان الدين الاسلامي خاصة في السنوات الماضية انتشر انتشارا واسعا وبصفة كبيرة في جميع اصقاع العالم بصرف النظر عن الاجانب الذين اعتنقوا الدين الاسلامي منذ عدة قرون، منذ نشاة الاسلام الاولى وذلك عن طريق دروب التجارة القديمة، خاصة منها دروب تجارة الحرير، وذلك مثل الصين، والهند و

بورما او جمهورية اتحاد ميانمار، وبنغلاداش، ومنغوليا. واماريكا في القرن 16 عشر الميلادية، وفي القرن العشرين وما قبله دخل الاسلام كوريا وتايلندا وتايوان والفلبين وكمبوديا وفيتنام و...و...و...وكندا دون ان ننسى ان لنا جاليات عربية مسلمة مهاجرة تقريبا في كل اصقاع الدنيا. فالمسلم منهم الحامل لاحدى هذه الجنسيات يعتبر مسلما اجنبيا. اما الجدل الذي اثير نتيجة صدور قانون زواج التونسية باجنبي غير المسلم ارى انـه اما ان يكـون مفتعلا، والاصح انه ينم عن جهل بعض التونسيين والتونسيات مع كامل احترامي لهم ولهن بان تونس تحتضن ضمن شعبها المسلم 25.000 مسيحي ومسيحية مع 3000 يهودي ويهودية هل من المعقول ان تجبر الدولة ودار الافتاء التونسية التونسيات المسيحيات واليهوديات بالزواج باجنبي او تونسي مسلم غير ممكن لذلك وضع المشرع كلمة "اجنبي غير مسلم" وهذا خدمة للتونسيات غير المسلمات وهو يعتبر حقا عملا محمودا يذكر فيشكر عليه لا ان يثير ضجة كما يثير ضجة في غربال او زوبعة في فنجان.

الا اننا فوجئنا في بعض القنوات الاجنبية وغيرها ببث الخبر او الاعلان وترويجه ونشره بعد تحويره وتزييفه بصيغة مغايرة للحقيقة فاصبح (زواج التونسية المسلمة بالاجنبي غير مسلم) عوضا عن الاعلان الصحيح الا وهو للتونسية الحق في الزواج بالاجنبي غير المسلم، حتى ان دار الإفتاء التونسية، الإثنين 14 اوت، أعلنت تأييدها لمقترحات رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي التي طرحها خلال كلمته بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية، ودعا السماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.

بعد البحث والتثبت وجدت ان كلمة التونسية المسلمة لم ترد مطلقا ولم تذكر. ترى لماذا الاصرار على كلمة المراة التونسية المسلمة؟؟؟، وكاني باضافة كلمة مسلمة او صفة مسلمة الى كلمة التونسية الزواج باجنبي غير المسلم اضيفت لا عن سهـو ولا عن حسن نيـة انما اضيفت قصـدا وعمـدا بسابقيـة الاصـرار والترصد وذلك بغاية توظيفها لبث ونشر البلبلة بين الاقليات في تونس ولارباك الشباب، وهذا ما حدث فعلا حتى ان بعضا من الاقليات تساءلن هل لغير المسلمات الحق في الزواج من اجنبي غير المسلم؟ كيهودية مثلا ألها الحق في الزواج من غير يهودي؟...وهذا الاعلان الذي بث البلبلة روجته بعض وسائل الاعلام بهذه الصيغة المحرفة كمونت كارلو الدولية وFrance 24 والجزيرة نات وRT العربية مع ان القنوات التونسية ومن بينها قناة نسمة قالت رسمي: (للتونسية الحق في الزواج بالأجنبي غير المسلم) وذلك بعد ان أعلنت الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش اليوم الخميس 14 سبتمبر 2017، عن إلغاء مرسوم 5 نوفمبر 1973 الذي يمنع ضباط الحالة المدنية وعدول الإشهاد من إبرام عقود زواج التونسيات من الأجانب غير المسلمين.وقالت ايضا السيدة سعيدة قراش معلنة في تدوينة لها نشرتها في حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: "تم الغاء كل النصوص المتعلقة بمنع زواج التونسية بأجنبي يعني بعبارة أوضح منشور 1973 وكل النصوص المشابهة له. مبروك لنساء تونس في تكريس حق حرية اختيار القرين"."المصدر قناة نسمة" وكذلك قال موقع arabesque.tn وقد نزلت قائمة الوثائق المطلوبة للزواج وذلك يوم 16 سبتمبر 2017 تحت عنوان زواج التونسية بغير المسلم دون ذكر كلمة المسلمة.

لعلمنا بان المشرع التونسي يتمتع بحدة الذكاء وبالنظرة الثاقبة وواسع المعرفة الفقهية لا يمكن ان يقع في مازق يجلب عليه المشاكل والمصائب والويلات لذا حدد القانون بكلمة التونسية دون ربطها بكلمة المسلمة الا اننا فوجئنا باحدى السيدات في قناة France 24 الا وهي احدى نساء المجتمع التونسي ذات مركز محترم قالت في تصريـح لها لقناة ''فرانس 24''، ان القانـون يخص المـراة التونسيـة المسلمـة دون غيـرها واعتبرت في نفس التصريح لقناة ''فرانس 24''، أنّه ''لا يوجد أي نص ديني صريح يمنع زواج المسلمة من غير المسلمين" في حين ان الرئيس قال زواج المراة التونسية باجنبي غير المسلم وهي تقول المراة التونسية المسلمة. لماذا هذا التحوير؟؟؟ ولماذا اقحمت كلمة المسلمة؟؟؟. يبدو ان هناك شيئا ما وخلفية ما وراء كلامها الذي خصته بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها. وهذا ما اثار حفيظة

كثير من التونسيين مع استغرابهم لجهلها او نسيانها اوتجاهلها وربما تناسيها لبعض الايات الصريحة في منع زواج المسلمة من غير المسلم. ان ما صرحت به السيدة لقناة France 24 ان لا وجود بالقران ما يمنع زواج المسلمة من غير المسلم.فهو كلام خاطئ وخطير للغاية، فيه مغالطة كبيرة وجسيمة للراي العام، وان لا اساس له من الصحة، ولتعلم هذه السيدة وكل منهن على شاكلتها ان زواج المسلمة من غير المسلم حرام لانه مخالف لشرع الله ولا علاقة له قانونيا بالشريعة الاسلامية والقرآن الكريم.

 ان قضية الزواج على علاقة بالحلال والحرام تتطلب نقاشا فقهيا. اما مسالة زواج المسلمة من غير المسلم لا اجتهاد فيها مع القرآن لأن زواج المسلمة من غير المسلم - مهما كانت ديانته- من الفواحش العظيمة التي نهى الله عنها وهو باطل لانه حرام؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول وذلك تطبيقا لكلام الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221).صدق الله العظيم. ان السور القرآنية ليست بنصوص كما قالت السيدة فالنصوص معروفة كتبها البشر، والفها البشر ككتب القوانين وكتب البحوث والدراسات والفلسفة والكتب المستنبطة والروايات وكتب القصة ودواوين الشعر وما الى غير ذلك، اما القرآن فهو سور منزلة من الله سبحانه وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين عن طريق الوحي، ولم يؤلفها بشر لذا هي ليست نصوصا ولا يمكن ان نطلق عليها هذه التسمية بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ. ان الله سبحانه وتعالى اعتنى بالمراة احسن عناية وبين حقوقها احسن تبيين في الزواج والطلاق والرضاعة والارث وما الى غير ذلك. في القرآن الكريم ورد عديد الايات المحكمات خاصة بالمراة في سورة النساء والبقرة. وفيما يخص الزواج هناك عديد الآيات القرآنية المانعة لزواج المسلمة من غير المسلم - ايا كانت ديانته- لانه معصية كبرى وخطيئة من الخطايا العظمى التي نهى الله عنها وهو باطل؛ بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. لانه مخالفة للشَّريعة الإلهيَّة لذا لا جدال فيه ولا نقاش.

ان الله سبحانه وتعالى نهى نهيا قاطعا في سورة البقرة الرجل المؤمن عن الزواج بغير مؤمنة ونهى المراة او الانثى المؤمنة عن الزواج بغير مؤمن وقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنّ زواج المسلمة من غير المسلم بغض النّظر عن ديانته هو أمر محرّم في الشّريعة الإسلاميّة. قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر الطبري : "إن الله قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منهم، فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه"، وقال الإمام القرطبي: "أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام".وذلك لقوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية (221) (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). صدق الله العظيم.

ان هذه الآية المرادً بها كل مشركة وكل مشرك من أيّ أصناف الشرك، غير مخصوص منها مشركةٌ دون مشركة،او مشرك دون مشرك وثنيةً كانت أو مجوسية أو كتابيةً،او وثنيا كان او مجوسيا او كتابيا.ولا نُسخ منها شيء. والمراد بنـزول هذه الاية هو تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أيّ أجناس الشرك، عابدة وثن كان، أو يهودية كانت أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك وتحريم نكاح كل مشرك على كل مسلمة من أيّ أجناس الشرك، عابد وثن كان، أو يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أو من غيرهم من أصناف الشرك. وهذا تحريم صريح بين وجلي صادر من الله عز وجل انه على المؤمنين أن لا يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان او المجوس او النصارى او اليهود حتى يؤمن وعلى المؤمنات ان لا يتزوجن من عبدة الاوثان والمجوس والنصارى واليهود حتى يؤمنوا، ثم إن كان في العموم المراد به أنه يدخل فيها كل مشركة ومشرك من كتابية ووثنية وعبدة النار. قوله تعالى (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) أي إلى الأعمال الموجبة للنار (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) أي بقضائه وإرادته (ويبين آياته للناس) أي أوامره ونواهيه (لعلهم يتذكرون) يتعظون .

 وكذلك لقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) صدق الله العظيم الآية (10) سورة الممتحنة.

وقال تعالى} فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{(الممتحنة:10) صدق الله العظيم فالتكرير في قوله تعالى:} لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَاهُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{ بالتأكيد والمبالغة بالحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك.

وقوله تعالى} وآتوهم ما أنفقوا { أمر أن يعطي الزوج الكافر ما أنفق على زوجته إذا أسلمت فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية. وقال تعالى} وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا{]النساء [141. والزوج له ولاية وقوامة على زوجته، وهما ممتنعان من الكافر على المسلمة؛ اذا فالكافر لا ولاية له على مسلمةٍ باي حال, بإجماع أهل العلم.

اما قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) يعني: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (12) سورة الممتحنة صدق الله العظيم.وكان "امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله".

أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين جميع المسلمات وأزواجهن الذين لم يسلموا، ومنهم ابنته زينب زوج أبي العاص بن الربيع، فلما وقع في الأسر يوم بدر أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك ثم أسلم بعدها فردَّها عليه.

وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات عن ابن شهاب قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله (أي اعتنقت الاسلام) وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها (أي اسلامها) بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجراً (أي مسلما) قبل أن تنقضي عدتها".

أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء على أن زواج الكافر بالمسلمة باطل لا ينعقد أصلاً؛ لمخالفته صريح القرآن الكريم.

فالمسلمة بحكم كونها زوجة يجب عليها الطاعة للكافر الذي تزوجته والخضوع له، بل هي عانية (أسيرة) عنده كما في الحديث الصحيح، وهو سيد عليها؛ كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى} وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{ صدق الله العظيم ولا يجوز بحال أن يُمكَّن الكافر من السيادة على المسلمة او على المسلمين.

- والكافر لا يحترم دينها، بل يذلها في دينها. ليضلَّها عن سبيل الله فيتخذه هزوا .قال الله تعالى (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) ﴿6 لقمان﴾) صدق الله العظيم اي يتخذ سبيل الله سخرية واستهزاء.

 - ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة المسلمة

- والمراة بطبعها تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل

 - يخشى عليها أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، والرجل شديد التأثير على المراة. والنساء شقائق الرجال.

- وكما قيل: "المرأة على دين زوجها". ومخالطة ذلك الكافر تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة وهي جهنم وبئس المهاد.

- والزوج الكافر؛ لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره.

ارى ان استناد السيدة كان مبنيا على كلمة (مؤمن) او على الآية الكريمة في سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) صدق الله العظيم. ان الله سبحانه وتعالى في هذه الاية وضح توضيحا ظاهرا وجليا وحدد تحديدا بينا في قوله تعالى في المؤمنين من هم قال سبحانه وتعالى (المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله) صدق الله العظيم. وكل البشرية تعلم ان المسيحيين واليهود اهل الكتاب مؤمنون موحدون لكن ايمانهم ناقص ومبتور لانهم لا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ولا يؤمنون بالمصحف الشريف (القرآن) كلام الله اذا هؤلاء ليسوا بمؤمنين اذا النتيجة محرمون على المسلمات والمسلمات محرم عليهن الزواج باحدهم.لا ننسوا ان هناك مسيحيون علاوة على ذلك لا يؤمنون بالمسيح عليه السلام رسولا انما يؤمنون به ابنا لله كما يؤمنون بثالث ثلاثة يعني انهم اصبحوا مشركين، قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) سورة البقرة صدق الله العظيم. اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا . فقال تعالى : (سبحانه) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا (بل له ما في السماوات والأرض) أي : ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد ! كما قال تعالى) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) سورة الأنعام : الاية 101 صدق الله العظيم وقال تعالى) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (سورة مريم (الايتين 88 - 95)صدق الله العظيم وقال الله تعالى بسم الله الرحمان الرحيم (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) صدق الله العظيم سورة الإخلاص. وقال الله تعالى في سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) صدق الله العظيم.

قال الله تعالى وقوله الحق (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) يعني فيه إضمار معناه : ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون : الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) سورة المائدة، الاية (116) صدق الله العظيم ، فإن الله يقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (7) سورة المجادلة صدق الله العظيم.(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (سورة المجادلة،الاية 7) صدق الله العظيم، (إلا هو رابعهم) يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . ثم قال الله تعالى ردا على الكافرين في الاية (73) (وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) صدق الله العظيم (أي ليصيبن الذين كفروا) خص الكافرين لعلمه أن بعضهم يؤمنون .

وهذا باختصار ما جاء في القرآن عن شرك اهل الكتاب قال الله تعالى:(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) سورة التوبة صدق الله العظيم

نلاحظ في هذه الاية الكريمة قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ)، وقول النصارى(وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ).(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) أي إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا . وقال الله تعالى في سورة مريم (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72)) صدق الله العظيم.ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل .. قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً(90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً(91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً(92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً(93) سورة مريم . صدق الله العظيم

ان الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله ولجوؤهم إلي هذا الافتراء حيث قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا اهل الكتاب في شان عيسى بن مريم عليه السلام (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚإِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) سورة النساء صدق الله العظيم.

القول في تأويل قوله : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال بعض المفسرين يعني بقوله : "وروح منه" إنه كان إنسانا بإحياء الله له بقوله : "كن" . قالوا : وإنما معنى قوله : "وروح منه"، وحياة منه، بمعنى إحياء الله إياه بتكوينه. والمقصود بكلمة الله هنا هى كلمة "كن" (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) صدق الله العظيم سورة يس وفي سورة آل عمران قال الله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) صدق الله العظيم. وقال آخرون : معنى قوله : "وروح منه"، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في سورة المجادلة (وأيدهم بروح منه) الاية :]22["وكلمته ألقاها إلى مريم "، قال : هو قوله : "كن"، فكان.

يجب على المؤمن ان يكون مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرق بين احد من رسله، ومادام أي انسان كان لا يؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا يؤمن بالقرآن كتابا من الله عز وجل لا يعد مؤمنا لان ايمانه منقوص وزيادة على ذلك لا يعتبر مسلما لانه لايؤمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رسولا وخاتما الانبياء والمرسلين وبالقرآن كتابا ولا ينطق بالشهادتين ايمانا واحتسابا لذا فهو ليس بمؤمن ولا مسلم. ولا يزوّج كافر مسلمةً بحال، أمّا الكافر وهو المشرك فلا ولاية له على مسلمة بحال، وهذا بإجماع أهل العلم، منهم: "مالك، والشّافعي، وأبو عبيد"، استنادا لكلام الله وامره.وأصحاب الرّأي.

ولو ان النصراني (المسيحي) يزعم أنه يؤمن بالله وجميع الرسل، وذلك بمشاركته المسلمين اعيادهم الدينية، لا يصح زواجه من المسلمة؛ لأنه مازال متشبث بدينه، وذلك لانه لم ينطق بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام، مع الإقرار بمقتضاهما، والعمل به وطالما انه لم يفعل ذلك، فهو كافر غير مسلم، وحكم زواجه من المسلمة في حكم الزنا، ويجب أن يفرق بينهما في الحال هذا اذا تزوجا. وفي حال كون المسيحيّ يؤمن ايمانا قاطعا بان عيسى عليه السلام رسول الله ولا يعتقد أنّ عيسى المسيح هو ابن الله، فإنّ ذلك لا يجعله مسلماً بأيّ حال وايمانه منقوص ما دام لا يؤمن بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ولا بالقرآن منزل من الله، ولا يكون مسلماً إذا لم ينطق بالشّهادتين، مع نيّته أن يدخل في الإسلام، وذلك مع إقراره بمقتضاهما، وإذا لم يفعل ذلك يعتبر كافراً غير مسلم، ويحرم عليه الزّواج من مسلمة بأيّ حال. (1)

ومن تزوجت بمسيحي او يهودي او مشرك ايا كان وهي عالمة بحرمته مستحلة له، فقد ارتدت عن دين الإسلام، ويجب عليها المبادرة بمفارقة هذا الرجل الغير مسلم فوراً؛ لأن نكاحها له باطل، بل هو محض الزنا، قال الله تعالى (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) صدق الله العظيم والله تعالى نهى عن الزنا بكونه فاحشة وساء سبيلا. يقول تعالى ذكره : وقضى أيضا أن (لا تقربوا) أيها الناس (الزنا إنه كان فاحشة) يقول : إن الزنا كان فاحشة "أي معصية" (وساء سبيلا) يقول : "وساء طريق الزنا طريقا، لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقا يورد صاحبه نار جهنم". لذا وجب عليها فراقه والتوبة إلى الله تعالى بالندم على ما صنعت والعزم على عدم العودة إليه أبداً، وان كانت فعلته من غير استحلال ولا جحود؛ فتكون عاصية ومرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإن كانت جاهلة بالحكم؛ لنشأتها في غير بلاد المسلمين فلا إثم عليها حينئذ، ويكون نكاحها نكاح شبهة فلتفارقه وإن أسلم زوجها، فهو أحق بها ما دامت في العدة.

ان زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان يعد فعلا منكرا عظيما ومعصية كبرى، لانه ليس زواجاً شرعياً، وإنما يعد علاقة محرَّمة آثمة، والواجب على المسلمة التي تزوجت غير مسلم ان تفارقه اولا، مع محاولة دعوته إلى الإسلام لعل الله يبعث النور في قلبه ويهديه الى الاسلام.

الحكمة من منع زواج المسلمة من غير مسلم (مشرك) او من مسيحي او يهودي والحكمة من تحريم زواج المسلمة من شخص غير مسلم (مشرك) أو كتابي، هو أنّ الإسلام دين يعلو ولا يُعلى عليه، وإنّ للزوج فيه قوامةً على زوجته، وهذا أمر ممنوع في حقّ من كان كافراً، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) سورة النساء، 141 صدق الله العظيم .وفي هذه الحالة فإنّه لا يؤمن على المرأة أن تميل إلى زوجها في حال دعاها إلى اعتناق ديانته، ولا يؤمّن على الأطفال أن يقوموا باتباع والدهم في ديانته، وأمّا في حال تزوّج المسلم بامرأة كتابيّة فإنّ هذه المفاسد لا تكون موجودةً، لأنّ القوامة تكون للزوج المسلم، ومن الممكن أن يؤثر هو على زوجته وبالتالي تسلم، والزّوج هو الكلف بأن ينشئ الأولاد تنشئةً إسلاميّةً تحميهم من متابعة الأمّ في دينها، وفي حال قصّر في هذا الأمر فإنّ حسابه يكون على الله عزّ وجلّ، وفي حال زواجه من امرأة كتابيّة فإنّه يكون مؤمناً بكتابها غير المحرّف وبنبيّها، وبالتالي يكون لديهما أساس للتفاهم ويمكن لحياتهما أن تستمرّ، وأمّا المشرك او الكتابي عند زواجه بالمسلمة فإنّه لا يؤمن بدينها ولا بنبيها، ولا يوجد بينهما أيّ طريقة للتفاهم والوئام، ولذلك منع المشرع هذا الزّواج ابتداءً. (2).

بعد كل هذه الاثبات القطعية كيف يمكن للمسلمة المؤمنة ان تتزوج بمسيحي او يهودي يشرك بالله لم اقل كلهم انما اغلبهم وحتى ان يكن بينهم فئة ضئيلة تؤمن بسيدنا عيسى نبيا ولكن وللاسف كلهم في جميع اصقاع العالم لا يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وخاتما الانبياء والمرسلين ولا ينطقون بالشهادتين هؤلاء رافضون رفضا قاطعا وباتا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورافضون للقرآن الكريم في حين ان الله سبحانه وتعالى اشترط والشرط واضح وجلي في هذه الاية الكريمة في قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة صدق الله العظيم. استنادا الى اواخر سورة البقرة لا يكون الانسان مؤمنا مادام لا يؤمن بجميع الرسل وبجميع الكتب السماوية... وقال الله تعالى في سورة المائدة الآية (5) (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدق الله العظيم. والخطاب هنا في النكاح او الزواج موجه للرجال دون النساء اذ قوله تعالى '' وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ " صدق الله العظيم وهنا المقصود والله اعلم الحرائر العفيفات المراد بالمحصنات : العفيفات عن الزنا، قال الله تعالى في الآية 25 في سورة النساء : وهذا جزءا منها (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) وقد تكرر ذكر كلمة "محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان" ولم يقل المحصنين او المؤمنين وفي الطعام موجه للكل. ولكن اذا كان في الطعام خنزير فهو حرام طبعا لأن الانسان يجب ان يتبع كل القرآن وليس آية واحدة.

ان الدين والشرع والعقل والعادات والتقاليد والاعراف ترفض زواج المسلمة من غير المسلم ايا كانت جنسيته وبلده ااجنبيا كان او غير ذلك. ان زواج المسلمة بغير المسلم يجعل المسلمة العابدة لله الواحد الاحد والمؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا تفرق بين احد من رسله وهي مطيعة لله ومستغفرة لكن شهوتها للزواج او اعجابها بذاك الكتابي او السيخي او المشرك الوثني او الزرادشتي او البوذي او الهندوسي او عابد الشيطان او عابد الفرج واستمالها بهواه فاتبعت هوى نفسها والمعروف عن المراة انها عاطفية اكثر من الرجل وهذا لا يخفى على احد بإهدائها وردة واحدة او طبطبة صغيرة او هدية بسيطة ترضيها وتجعلها تركع مطيعة لزوجها في دينه ومعاشه وان لم تجد من يتصدى لها او يفهمها او يقنعها ارتدت خاصة اذا اقتنعت بان من سمح بزواج المسلمة من غير المسلم هو المشرع رجل الدين عالم باصول الفقه وبالحلال والحرام وبتاويل كلام الله وبالشريعة ومقاصدها فتزوجت منه وهي متاكدة ان زواجها حلال وليس باطل من يتحمل وزر ارتدادها عن دين الاسلام وكلنا نعرف مدى تاثير الرجل على المراة خاصة ان كانت محبة له وعاشقة او طامعة في ماله ومقتنعة به جملة وتفصيلا. وتتزوج برجل غير مسلم. هل فكرتم في الناشئة التي ستولد من اب مشرك وام مسلمة كيف سيكون دينها اسلاميا او مسيحيا او يهوديا او مشركا لا يؤمن بالله الواحد الاحد. والمعروف ان المراة تتبع دين زوجها وهذا لكونها عاطفية اذا ستكون هناك كثير من النساء المرتدات عن دينهن الاسلام.

لذا اجمع علماء الإسلام على ان الشرع الإسلامي يحرم زواج المسلمة بغير المسلم ايا كانت ديانته، تحريما قطعيا وذلك إستنادا إلى قول الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. سورة البقرة: 221صدق الله العظيم. دلالة الآية الكريمة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لا خلاف فيه بين المفسرين وعليه إجماع الفقهاء سلفا وخلفا، والمقصود بغير المسلم كل كافر أو مشرك سواء أكان من الوثنيين أو المجوس أو من أهل الكتاب، وفيما يلي أقوال بعض العلماء :

قال الإمام القرطبي: " أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام ". [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

قال الإمام الرازي: "فلا خلاف ها هنا أن المراد به الكل-أي جميع غير المسلمين- وأن المؤمنة لا يحل تزوجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة ". [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وإن كانت الآية نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين من مشركي أهل الأوثان يعني قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال وعلى مشركي أهل الكتاب لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين وما لم يختلف الناس فيما علمته ". [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

قال الإمام الكاساني: " فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: {أولئك يدعون إلى النار}. [سورة البقرة: 221]. لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراماً. والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}. [سورة النساء: 141]. فلو جاز نكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز". [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

قال الإمام مالك: " ألا ترى أن المسلمة لا يجوز أن ينكحها النصراني أو اليهودي على حال وهي إذا كانت نصرانية تحت نصراني فأسلمت إن الزوج أملك بها ما كانت في عدتها ولو أن نصرانيا ابتدأ نكاح مسلمة كان النكاح باطلا ". [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

قال الإمام ابن جزي: " وإن نكاح كافرٌ مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع ". [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

قال الإمام الشافعي: " فإذا أسلمت المرأة أو ولدت على الإسلام أو أسلم أحد أبويها وهي صبية لم تبلغ حرم على كل مشرك كتابي ووثني نكاحها بكل حال ". [الأم ج: 5 ص: 7].

قال الإمام البهوتي : " ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال حتى يسلم لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]، وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} . [سورة الممتحنة: 10]. [كشاف القناع ج: 5 ص: 84].

قال الإمام ابن مفلح: " إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولأن دينها اختلف فلم يجز استمراره كابتدائه وتعجلت الفرقة وكان ذلك فسخا". [المبدع ج: 7 ص: 117].

قال الإمام ابن قدامة: "إن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تعجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ". [المغني ج: 7 ص: 129].

قال الإمام ابن حزم: "ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلا... برهان ذلك قول الله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. [سورة البقرة: 221]. [المحلى ج: 9 ص: 449].

وحكمة ذلك: أنّ المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام، وبكل الكتب بما فيها التوراة والإنجيل، بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتبهم.

 وبما ان المسيحيين يؤمنون بثالث ثلاثة فهم يعتبرون مشركين لانهم يعتبرون ايضا ان المسيح ابن الله ومنهم من يعتبر ان المسيح عليه السلام ممثل الله فوق الارض وهذا كفر ظاهر وبين وشرك بالله فالله واحد احد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

من خلال الايات الكريمة ومما تقدم يتضح وضوحا جليا لا لبس فيه ولاطمس أن زواج المسلمة من غير المسلم دون استثناء كتابي كان أو كافر(مشرك) فإنه حرام وهو زواج باطل شرعاً وقانوناً، لما تقدم من ذكر الايات المحكمات وأقوال العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً، وإن وجد يجب فسخ هذا الزواج في الحال.

و لكن للاسف كثير يجهلون احكام القران والدين لهذا كثير من الناس يقعون في الخطأ. لذا اقول لا يمكن ان يضاف في اي تصريح لوسائل الاعلام الاجنبية او العربية او المحلية بان النص القانوني ملزم بالتونسيات المسلمات لان هذا يثير البلبلة في الاوساط التونسية والعربية والدول الشقيقة ونحن في غنى عنها وليكن في علم الجميع ان ضمن الشعب التونسي المسلم هناك تونسيات غير مسلمات وكذلك تونسيون غير مسلمين كما ذكرت آنفا 25.000 مسيحي ومسيحية و3000 يهودي ويهودية اننا نتساءل لماذا التاكيد على ان النص القانوني الجديد ملزم بالمراة التونسية المسلمة دون غيرها ولماذا اضيفت كلمة المراة التونسية المسلمة لواسائل الاعلام ولم يبق الاعلان على ذكر كلمة المراة التونسية بصفة عامة. يبدو للمستمع من الوهلة الاولى انها مقصودة لكون دينها الاسلام يحرم عليها الزواج من غير المسلم ايا كان اجنبيا او غير اجنبي. وقد يبدو كأن هناك تحريض نوعا ما للمراة التونسية المسلمة على الارتداد عن دينها. هل التونسيون كلهم مسلمون لا غير صحيح بعد الثورة ظهرت في تونس ديانات شتى ومختلفة وتبجحوا بها حتى ان منهم من ترك وصية الا وهي الامر بحرق جثمانه بعد موته اترى من يوصي بحرق جثمانه بعد موته مسلما لا اظن.

كان على المفتي او المشرع التونسي ان يصر بان يكون هناك قانونا خاصا بالمسلمين وينص فيه بوجوب منـع زواج المسلمـة من غيـر المسلم وكـان لزاما علـى المشـرع التونسـي ان يوجـد قانـونا يجبـر التونسـي والتونسية كليهما على التصريح بديانتهما وكتابتها في هوية كل منهما(بطاقة التعريف الوطنية) وان يجبر المراة بالتصريح بديانتها التي تنتمي اليها مع الاستظهار بما يثبت ذلك قانونيا عند كتابة عقد زواجها.

و لحسم النزاع وكفى الله المؤمنين شر القتال يجب فرض اضافة كلمة الدين الذي تنتمي اليه الزوجة والدين الذي ينتمي اليه الزوج في نص عقد الزواج ويكون هذا الشرط ضمن قائمة الوثائق المطلوبة في ابرام عقد الزواج. بعد صدورهذا القانون نتساءل اتصبح تونس متعددة الاديان مثل الهند بعد السماح للتونسية بالزواج من اجنبي غير مسلم حيث ان الابناء الاغلبية الساحقة منهم يعتنقون دين آباءهم ويتبنون سلوكهم وحتى تصرفاتهم وقلة منهم يعتنقون دين امهاتهم لذا منع الاسلام زواج المسلمة من غير المسلم ايا كان اجنبيا او عربيا.

فيما يلي: قائمة الوثائق المطلوبة لزواج التونسية بغير المسلم16 سبتمبر 2017 .(3)

اصدرت وزارة الشؤون المحلية والبيئة بلاغا نصت فيه انه وبعد الغاء القانون عدد 73 الذي يمنع التونسية من الزواج بغير المسلم

يجب على المعنيين ,عند إبرام العقود المذكوره ان تتوفر جملة من الشروط وهي .

- مضمون ولادة لكل من الزوجين (مدة صلوحياته 20 يوما) دون التقيد بمدة الصلوحية بالنسبة للأجانب, الشهادة الطبية لإتمام الزواج.

- نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة رسمية أخرى تثبت هوية الزوجين ,إذن من المحكمة لمن هم دون السن القانوني.

- موافقة الولي والأم أو الأم بمفردها في صورة وفاة الأب بالنسبة الى القاصر الذي لا تتوفر فيه السن القانونية للزواج أو اذن بالزواج من المحكمة في صورة امتناع الولي أو الأم ,مضمون وفاة الزوج أو الزوجة بالنسبة للأرامل.

- نسخة من حكم الطلاق بالنسبة للمطلقين أو مضمون ولادة منصوص به على الطلاق.

- بينة من القنصلية أو البعثة الدبلوماسية تشهد بإمكانية عقد الزواج بالنسبة للأجانب.

- شهادة في عدم الارتباط بأي علاقة زوجية بالنسبة للأجانب.

- ترخيص من الادارة بالنسبة للمنتمين الى قوات الأمن الداخلي والديوانة (أعوان الأمن الوطني والشرطة الوطنية، وأعوان الحرس الوطني، وأعوان الحماية المدنية وأعوان الديوانة).

- الاستظهار ببطاقة التعريف بالنسبة للشاهدين (مع وجوب توفر الشروط القانونية لكلا الشاهدين).

- ترخيص من وزارة الدفاع الوطني بالنسبة للعسكريين.

- ترخيص من الادارة بالنسبة لأعوان السلك الدبلوماسي

 

 الكاتبة فوزية بن حورية

...................

المراجع:

 (1) بتصرّف عن فتوى رقم62835/ تحريم زواج المسلمة من غير المسلم مطلقاً/ مركز الفتوى

(2) بتصرّف عن فتوى رقم31025/ الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي/ مركز الفتوى

 [الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج1ص224].

 [التفسير الكبير:ج6،ص64، وانظر: تفسير ابن كثير:ج1ص258].

 [أحكام القرآن للشافعي ج: 1 ص: 189].

 [بدائع الصنائع ج: 2 ص: 271].

 [المدونة الكبرى ج: 4 ص: 301].

 [القوانين الفقهية ج: 1 ص: 131].

 [الأم ج: 5 ص: 7].

 [كشاف القناع ج: 5 ص: 84]

 [المبدع ج: 7 ص: 117].

 [المغني ج: 7 ص: 129].

 [المحلى ج: 9 ص: 449].

 (3) الشروق