فهم معضلة الوحي اخذت من الدكتور عبد الكريم سروش سنين عمره ابتدأها بالتجربة النبوية واظن انها لن تنتهي باحلام نبوية، وانما هي سلسلة حلقات للوصول الى فهم ذاك الطلسم المقدس،  وكيفية وصول الخطاب الالهي الى الناس ... تلك الحالة التي قد تسالمت عليها اجيال المؤمنين واعتبروها من البساطة بالدرجة التي لا تستحق معها كل تلك الابحاث،  لكنها ليست كذلك بل هي المعضلة الكبرى التي تكسرت عليها اسنة الفلاسفة والمفسرين بين المحاذير الفلسفية وظواهر الخطاب الالهي في القرآن وعلى الخصوص تلك النصوص التي تتحدث عن المعاد الجسماني وصور الحياة ما بعد الموت من نعيم الجنة وعذاب جهنم ...

هذا المقال يتضمن قراءة لنظرية سروش بشقيها التجربة النبوية واحلام نبوية مع الاشارة الى بعض النقاط الغامضة في النظرية،  لكن المتسالم عليه انها تكشف عن بعض الضبابية في الرؤية الى الوحي الالهي بالنسبة الى القرآن

التجربة النبوية

يضرب سروش الامثال في كل ما يكتبه لقراءه او يلقيه على مستمعيه في بيان ان النص القرآني انما هو انعكاس لواقع الجزيرة وتلخيص للتجربة الروحية والاجتماعية للنبي،  وان هنالك احكاما تضمنها القرآن جاءت كرد فعل لبعض الظواهر الجتماعية الخاطئة التي كانت تمارس من قبل سكان الجزيرة كقتلهم لاولادهم خشية الفقرمثلا...،  او انها احكاما تناسب المجتمع الرجولي وما تضفيه من امتيازات تفرضها الحالة الاقتصادية السائدة انذاك ..فبعض تلك الاحكام تشكلت واتخذت ابعادها بفعل التاريخ والثقافة،  وقد تفقد تلك الاحكام موضوعاتها ولم تعد الحاجة اليها في مجتمع ذات طابع ثقافي اخر .

 وهذا يفسر القول بأن الدين حالة بشرية بمعنى ان النبي يبعث الى الناس ويتحرك مع حركتهم فتارة يأخذهم الى هذه الجهة وتارة الى الجهة الاخرى .. مرة الى الحرب واخرى الى الصلح وبحسب الشرائط التي تقتضيها كل مرحلة . والدين هو مجموع تلك الحركات والمواقف التاريخية التي تدور حول المحور الذي يمثله االنبي .

اذ ان القرآن لم ينزل دفعة واحدة والى الابد ليخبر النبي ان اذهب الى قومك بهذا الكتاب ونذرهم عذاب بوم شديد ليذكروا ويهتدوا...وانما نزل تدريحيا وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما وخلال تلك الفترة اكتملت قواعد الدين ووعى المسلمون التجربة واصبح النبي اكثر تجربة في ادارة شؤون المسلمين،  واكثر نبوة من ذي قبل،  فاصبح نزول الوحي هينا بعد ما كانت تصاحبه حالات من الاعياء والاغماء،  وهوما يفسرنزول السور القصار في مكة ونزولها طويلة في المدينة،  وكذلك حدث لموسى (ع) عندما فزع من عصاه حين تحولت الى ثعبان في بداية بعثته،  وهذا يحدث للشعراء والخطباء وبقية الاختصاصات ايضا عندما يصبحوا اكثر شاعرية واكثر خطابية اثناء تجربتهم الشعرية او الخطابية ...

مثال ذلك: ان الاستاذ في قاعة الدرس يعلم اجمالا ما يريد القاءه على تلاميذه من افكار ابتداءا .. لكن وخلال الفترة الزمنية للدرس قد تحدث امور غير متوقعة وغير محسوبة سلفا من قبل الاستاذ لكنها تصب في النهاية في مصلحة الجميع كنوع الاسئلة التي تطرح من قبل التلاميذ مما يساعدهم على ادراك اعمق لما يريده الاستاذ كما ان الاستاذ تتفتح عنده افاق قد تكون خافية عنه ومن خلالها ايضا يميز الاستاذ من بين تلاميذه الجاد من المغالط والصالح من الطالح،  ويكون مهيأ للمواجهة ايضا .

فالعلاقة بين الاستاذ وتلاميذه ليست على نحو الالقاء والتلقين وانما هي عملية تفاعل وتلاقح للافكار واستنتاجها وصياغتها بما يخدم العملية التعليمية ككل.

فهناك اسئلة واشكاليات تطرح من هنا وهناك لاحراج النبي والقرآن يجيب عنها بأسهاب ويخبر عن وقائع الامم السالفة وينتقد ظواهر اجتماعية معينة في الجزيرة وينقل احداث كثيرة وقعت ... كل ذلك تجد صداه في القرآن،  ولو ان النبي عمر اكثر من ذلك لنعكس صدى تلك الاحداث في القرآن ايضا،  ولو ان واقعة الاحزاب لم تحدث لم نجد لسورة الاحزاب من اثرفي الكتاب،  ولو ان زوجة ابي لهب لم تحمل الحطب لايقاده بوجه النبي وصحبه لم نجد اثر لسورة تب في القرآن الكريم ...

يقول الدكتور سروش ان هنالك طريقان لنقل الرسالة: الطريقة الببغاوية المتمثلة بنقل الرسالة كما هي ومن دون ادخال تعديل عليها،  والطريقة النحلية المتمثلة بتلقي الرحيق ثم صياغته على شكل عسل لذيذ فيه شفاء للناس ... والنبي {على خلاف ما تذكره الروايات} لم يكن مجرد ناقلا للوحي الى مستمعيه من الناس وانما كان له دور محوري في صياغة الوحي .

و بناءا على ذلك يدعو الدكتور سروش من خلال قراءته هذه الى التعامل مع النص القرآني على اساس فهم جوهر وروح الرسالة التي يحتويها من دون التقيد بالالفاظ والاصرار على ان القرآن كلام غير مخلوق وانه كتاب الله الخالد.

ومما تقدم يتضح الفرق بين مقولة ان القرآن من ابداعاته (ص) او اعانه عليه بعض اهل الكتاب ممن التقاهم في سفره وحضره فهو كلام محمد وليس كلام الله،  وبين مقولة ان الوحي هو اختزال للتجربة الداخلية والخارجية للنبي (ص)فهو سهيم في صياغة النص،  والنص انعكاس لحالاته خلال فترة بعثته(ص).انما نوهت لهذه المفارقة لان هناك من فهم من عبارات الدكتور سروش انها تكرار لما قيل ويقال من ان القرآن هو كلام محمد (ص) اذ المناط في كلا المقولتين متحد وهو ان الاسلوب البلاغي لم يجر على نسق واحد.

والملاحظ من خلال قراءة النصوص القرآنية ان هناك نصوصا على مستو عال من البلاغة ونصوص اخرى ليست كذلك وهذا التفاوت يعكس الحالات البشرية للنبي والتي بدورها تنعكس على النصوص وبهذا القدر من الاختلاف .

ثم ان النصوص التي تتحدث عن بدء الخلق والافلاك تعكس ايضا الطبيعة المحدودة والتصورات السائدة في تلك الفترة،  وهذا الامر نجده في بقية الكتب المقدسة ايضا،  ومن هنا نشأ التصادم بين الايمان والعلم ثم استقرت الامور على الاعتقاد بأن النظريات العلمية التي تتضارب مع النصوص المقدسة ما هي الا فرضيات يحتمل فيها الخطأ والصواب وان صحت فلابد من حمل النصوص على غير معانيها التي استنبطناها من قبل،  حيث كان الاعتقاد سائد حتى القرن التاسع عشر بعلم الهيئة البطليموسية لتفسير السموات السبع ثم بعد ذلك اتجه المفسرون لتاويل تلك الايات لرفع التهافت بين النصوص المقدسة والنظريات العلمية .

طبعا هذا الامر لا يخل بنبوة النبي اذ من غير المتوقع ان يكون النبي محيطا بجميع العلوم حتى الفلكية منها مما لا مدخلية له في الهدف من البعثة وهو هداية الناس .

هذا تلخيص لما استفدته من مجموع مقالات الاستاذ عبد الكريم سروش المجموعة في كتابه "بسط تجربه نبوي " الذي تكلم فيه بأسهاب عن نظريته حول الوحي والتجربة النبوية .ومن خلال مجموع محاضراته

و لقاءاته الاعلامية ايضا . وحرصت على قرائتها او الاستماع اليها بلغتها الاصلية اعني الفارسية،  ومن دون المراجعة الى الترجمة العربية للنصوص المستعارة للدكتور سروش من قبل الكتاب العرب اثناء دراستهم لاراءه في مجال الوحي والنبوة،  ولم اعتن كثيرا بخطاباته بالانكليزية في الموضوع ذاته لسبب بسيط وهو اني وجدت مجموع مقالات الدكتور سروش يعلوها الطابع الادبي والعبارات الانشائية.

وغالبا ما يقرن استنتاجاته بشواهد من المثنوي لجلال الدين الرومي مما يجعل بعض العبارات عائمة ولم تعط للمعنى الدقيق حقه من اللفظ كما ينبغي في مثل هذه الموضوعات الحساسة التي تقتضي اللغة العلمية لا الادبية .

بأستثناء المقابلة التي اجراها معه ميشيل هوبينك من الاذاعة الهولندية ونشرت ترجمتها الفارسية باسم "كلام محمد"،  والتي اثارت لغطا واسعا في ايران . ابتدئها بقوله ان الوحي هو ذات الالهام الذي يحصل للشعراء والعرفاء الا انه يحصل للانبياء بمرتبة اعلى .. فالنبي يشعركالشاعر بقوة خارجية ملهمة وفي ذات الوقت يكون هو المنتج والصائغ لهذا الالهام فتكون ذاته الهية كما ان كل واحد منا له ذات الهية لكن النبي يشعراكثر من غيره بهذه الذات الالهية،  وما يتلقاه من الله هو جوهر القرآن ولا يمكن نقل الجوهر للناس كما هو،  لانه ليس من سنخ التوصل الانساني فلابد من صبه في قالب الالفاظ وعلى شكل اللغة التي يعرفها ويفهمها الناس ايضا،  وبهذا تكون لشخصيته مدخلية في اسلوب الطرح ولمزاجه ايضا،  فاحيانا يكون حاد المزاج بليغ اللسان واحيانا اخرى يصيبه الملل ويقل حماسه .. كل هذا له مدخلية في تشكيل القرآن،  وهذا هو الجانب الانساني في الوحي،  والنبي كان يتكلم بلغة عصره ولم يكن يعرف اكثر من معاصريه عن علم الفلك او الوراثة او غيرها من العلوم لانه نبي وليس فلكيا .

والجديد في هذه المقابلة هو الوضوح نوعا ما في بعض ما كان قد طرحه سابقا ...

لكن بالاجمال تبقى أراء الاستاذ عبد الكريم سروش في باب الوحي والنبوة تحيطها الضبابية والغموض،  رغم انه ذكر غير مره ان نقاشاته في الوحي كانت مطروحة سابقا وعلى اشدها زمن الصراع الفكري بين الاشاعرة والمعتزلة في مسألة خلق القرآن وكذلك مفكري القرون الوسطى لكن طروحاتهم كانت تفتقر الى المنهجية والسلاسة في التعبير وكانت افكارهم مختبئة تحت الالفاظ خوفا من التشويش على الناس . لكن الدكتور وقع فيما فر منه وكانت افكاره ايضا مختبئة تحت الالفاظ يظهرها تارة عندما تخفت اصوات المحافظين ويخفيها تارة اخرى عندما ترتفع اصواتهم .

ويظهر ايضا ان الامر لم يكن جليا عند سروش ايضا لفهم واقع الوحي رغم انه تقدم خطوة مهمة على طريق الفهم،  ومن هنا خرج لنا بنظرية مكملة للتجربة النبوية ادعي فيها التوفيق بين ما توصل اليه الفلاسفة المسلمين كصدر المتألهين وبين المفسرين المتمسكين بظواهر القران تلك هي نظرية احلام نبوية

احلام نبوية

الطامة الكبرى في قضية فهم الوحي تكمن في لغة القرآن ذاتها وانها من سنخ لغة البشر او من سنخية اخرى بأعتبار ان البشر يمتلكون ادوات اللغة واللسان والحلق والذان والامواج الصوتية وما الى ذلك من الادوات التي تشكل الاصوات ومن خلالها يتم التعبير عن المراد،  فهل لغة الله مع الملائكة او مع الانبياء من هذا النوع او لا !

من الواضح ان لغة القرآن بشرية وتعكس تجربة النبي ولغته وبيانه والتي اصبحت بالتدريج اكثر نبوية واكثر بيانا، ولو طال به العمر لكانت اكثر من ذلك " ربي زدني علما " طه 114

اذن لغة القرآن عربية عرفية بشرية ومنشؤها ضمير النبي وقدسيته وتجربته،  وهذا يعني ان الله لم يقل خطابا ولم يكتب كتابا،  بل الانسان التاريخي تكلم وكتب بالنيابة عنه .

لكن هذا لا يكفي لفهم لغة الوحي اذ ان هنالك نافذة كبيرة لفهم الوحي لازالت مغلقة .

ولفتح تلك النافذة لابد من ضم ضميمة اخرى لما تقدم علها تشكل مفتاحا لفهم لغة الوحي .

النبي راو

ختام القصيدة بالمطلع ...تلك هي النتيجة التي خرج بها الدكتور سروش من نظريته التي نشرها بالفارسية تحت عنوان " محمد راوي رؤياي رسولانه " فالنبي غير مخاطب وليس بمخبر وانما هو راو لتجارب وناظر لمناظر شاهدها ...

وفرق عظيم بين ناظر ومشاهد ثم راو لتلك المشاهدات،  وبين كونه مخاطب ومرسل وناقل للرسالة كماهي .

فعلى سبيل المثال وصف الخمرة التي تقدْم لنزْال الجنة بمواصفات شيقة ليس بالامرالذي يخبر عنه ملك مرسل من قبل الله وانما هو اشبه بالامر المتخيل والمشاهد:

يطاف عليهم بكأس من معين  الصافات 45

يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم  الطور 23

بيضاء لذة للشاربين

لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون

لا يصدعون عنها ولا ينزفون  الواقعة 19

 اذ لا يوجد هناك اخبار بأن المؤمنين في جنان الخلد يتعاطون الخمرة المعتقة ذات المذاق اللذيذ واللون الشفاف والخالصة من الشوائب الموجعة للرأس والمذهبة للعقل كما فسرت لفظة " ينزفون " الواردة في الاية ... انما هي نقل لاوصاف تخيلية تشويقية للخمرة .

وكذلك في الجانب الاخر من ذلك العالم هناك رواية لتلك المشاهد المروعة لاناس يعذبون بطريقة تخيلية ايضا:

كلما نضجت جلودهم بدلناها جلودا غيرها  النساء 56

اذن لا خبر ولا مخبر ولا كلام ولا متكلم وانما هي تقارير وروايات لوقائع ومشاهدات وقعت،  وهي كثيرة جدا ومبثوثة بين دفتي القرأن كقصص الانبياء السالفين الى نزول الملائكة ليلة القدر والى جلوس الرب على العرش وغير ذلك من الايات ...

انا انزلناه في ليلة القدر ... تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل امر القدر 1-4

واذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم  محمد 47

فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم  مريم 37

الرحمن على العرش استوى  طه 5

حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمأة  الكهف 86

 وكذلك الايات التي تروي واقعة عروج النبي الى السماء المعروفة بقصة الاسراء والمعراج،  وكذا ما نقله الرواة كالبخاري وغيره برواية انس بن مالك عن ابي ذر وغيره حكاية النبي اثناء رحلته متنقلا بين طبقات السماوات ولقاءه بالانبياء ومشاهداته لاناس يذوقون سوء العذاب:

سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا الاسراء 1

وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين او ادنى * فأوحى الى عبده ما اوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * افتمارونه على ما يرى * ولقد راه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * اذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد راى من ايات ربه الكبرى النجم 7-18

هذه الايات والروايات المفصلة لحادثة الاسراء الغير منطقية عقلا تعد من ابرز مصاديق الرؤيا والاقرب الى لغة الاحلام منها الى لغة الواقع .

 وتفسرعدم عقلانيتها من قبل المفسرين والمتكلمين ووعاظ المنابر بانها من سنخ المعجزات مما لا مدخلية للعقل في فهم كنهها .

اقول نعم ولكن لماذا ليلا والناس نيام .

وليس بالبعيد عن لغة الاحلام تلك الايات التي تتحدث عن المعاد،  وهنا نتحدث عما يقارب 1200 آية وهو ما يساوى ثلث آيات القران تقريبا،  اذ لا تخلو صفحة من صفحات القران الا وجاءت على ذكر المعاد واهوال يوم القيامة،  وكأنك تقف امام مسرح من الاحداث العجيبة الغريبة والمشاهد المروعة والمناظر التي لا تجد شبيه لها الا في الاحلام،  اذ ترى الناس سكارى وماهم بسكارى،  وترى كل ذات حمل تسقط جنينها...والبحار تسجر والوحوش تحشر،  وهذه الصور المهولة من نسج الخيال،  اذ ليس من الواقع بحال ان البحار تشتعل والوحوش تحشر والحوامل ايضا في عرصات المحشر وهن حبلى ليضعن اطفالهن من شدة الخوف،  والا كيف يعقل ان تقوم المرأة من القبر مع جنينها ثم يتصور انها تسقطه من هول المطلع !!

والكلام عن المعاد الجسماني الذي هو ظاهر الايات القرانية اوقع الفلاسفة في ورطة كبيرة،  وقد وقف عنده الدكتور سروش طويلا وادعى ان مقولته بالرؤيا النبوية قد تحل بعضا من ذلك التهافت الحاصل،  لكني ارجئ قراءة ومناقشة هذه الفقرة الى مناسبة اخرى لاهميتها القصوى

اذن الاستفادة المفرطة للمجازات والاستعارات والتشبيهات في عالم الاخرة  لا يصلح تفسيرها بلغة اليقضة وانما هي لغة المنام فلابد من تفسيرها بطريقة مختلفة عما جاءت به ظواهر القرآن . تماما كما حصل للنبي يوسف،  هذه الفقرة بالذات تحتاج الى مزيد من الايضاح ..ياتي الحديث عنها .

ولتوضيح نظريته حول الاحلام النبوية يستشهد الدكتور سروش بثلاثة نماذج من الايات سأستعرضها كماهي ثم ساناقش النتيجة التي سيخرج بها من خلال قراءته لتلك النماذج:

 الاول:

اذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ...قال عيسى بن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا واخرنا واية منك وارزقنا وانت خير الرازقين * قال الله اني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فأني اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين .. المائدة 112-115

الثاني:

ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون * واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ... وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين الزمر 68-74

الثالث:

اذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة ...الى اخر سورة الواقعة

 في الحوارية التي دارت بين الحواريين واليسوع حول المائدة وطلب اليسوع من الله انزالها من السماء وشرط الوعد والوعيد من الله بأن يعذبهم عذابا لا يعذب احدا من العالمين بمثله ان بقوا على شكهم،  الى اخر الحوار ...يلاحظ غياب تام للخطاب الالهي في هذه المحاورة،  والملاحظ هوالناقل والراوي لذلك الحوار،  وكأن محمدا حاضر وشاهد لحوار الله مع اليسوع وناقل وراو لذلك الحوار،  اذ لم نجد الله يقول " قلت لعيسى كذا ...وقال لي كذا وكذا " . وهنالك اشارات لطيفة لسيد قطب في هذه الحوارية في التصوير الفني للقرأن.

وكذلك رواية المشهد العظيم والحوارية بين الملائكة واهل الجحيم وبينهم وبين اهل الجنان وروايتها بأفعال الماضي وكأنها امر قد قضى وانتهى،  هذه ايضا نقلت برواية راو ...

لكن المفسرين وفي غفلة منهم فسروا تلك الوقائع على انها احداث مستقبلية واخبار من قبل الله بان ياتي يوم يكون الانبياء والشهداء حاضرين وقائع يوم القيامة فأبدلوا افعال الماضي الى افعال مضارعة،  لا لشي سوى يأييد فرضية وجود متكلم يقوم مقام الله في الخطاب .

وعللوا ذلك بالبلاغة المتعالية في القرآن من استخدامه افعالا ماضية لاحداث مستقبلية للدلالة على وقوعها لا محالة،  وقالوا بحتمية وقوع اهوال يوم القيامة بدلالة ذكرها بصيغة الماضي .

لكن صدر المتألهين الشيرازي وبأستشعاره رائحة السرد والرواية للنبي لم يقل ببلاغة افعال الماضي ودلالتها على حتمية وقوعها في المستقبل،  وانما ذكر بصراحة تامة في تفسيره للاية " إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ " ان واقعة القيامة قد وقعت بالفعل . وهناك بعض المفسرين من قال بهذه المقولة ايضا مثل جار الله الزمخشري في الكشاف .

اما الانموذج الثالت ووقوع الواقعة وما حدث للارض والجبال و... ثم انقسام الناس الى فئتين اصحاب المشئمة واصحاب الميمنة وما ادراك ما اصحاب الميمنه حيث يطوف عليهم الولدان المخلدون ...الى اخر الايات،  هنا تبرز علامة استفهام كبيرة .

السؤال: اين حصلت كل تلك المشاهد ؟

ويجيب الدكتور سروش ببساطة:

في المنام .

للحديث تتمة ...

 

 

 

 

على سبيل التمهيد: في الواقع، لا يمكن أن يجادل اثنان في أن قضية التربية بصفة عامة كانت تحتل مكانة كبرى عند المسلمين قديما. وهكذا فإنه "لم يفت علماء التربية المسلمين الاشتغال على مناهج البيداغوجيا، فقد ألقوا بسهامهم في الموضوع وكانوا على موعد مع التاريخ حين استجابتهم لطرق هذا الأخير، وتطعيم النظريات التربوية التعليمية التعلمية تماشيا مع متغيرات الزمان ومستجداته. والدارس لتراثهم التربوي يجد لمساتهم بارزة بقوة في هذا الشأن بما يسجل دون شك سبق بصمتهم وإبداعهم المنقطع النظير على المستويين المنهجي والعملي. أقصد الكيف المنهجي والكم الذهني الواجب مراعاته في إطار العلاقة التعاقدية الضمنية بين المكونات الثلاثة: المدرس والمتعلم والمادة موضوع التدريس. وهي علاقة تخضع للمد والجزر، والبسط والغل وفق ما يقتضيه المقام" (1). ولا نتعجب من ذلك ما دام الإسلام قد قدس العلم والعلماء وسما بالعلم إلى درجة العبادة وعني بالتربية الروحية والدينية والدنيوية والخلقية للإنسان.

لقد أدرك المسلمون الأوائل أن التربية هي أداة الحضارة ووسيلتها في تخليد ذاتها وضمان انسيابها وتناقلها عبر الأجيال. "و يكون فعل التربية في الحضارة هو رسم هذا الفعل وتحديد مداه والتأثير في سلوك الفرد الإنساني حتى ينسجم مع الأنماط الاجتماعية السائدة" (2). وهذا ما أدركه أيضا الصينيون القدماء والإسبرطيون والآثينيون بخصوص أهمية التربية في تحديد سلوك حضارتهم.

إطلالة على بعض أعلام التربية المسلمين:

بدأ الاهتمام بالتربية الإسلامية عند علماء المسلمين كعلم له خصوصياته منذ فترة مبكرة في عهد الدولة الإسلامية. واحتلت نظريات التربية جانبا مهما من كتب ومصنفات كبار هؤلاء العلماء المسلمين، بالإضافة إلى اهتماماتهم ببقية فروع المعرفة من علوم دينية وتاريخ وفلك وكيمياء ورياضيات وغيرها. ومن هؤلاء الأعلام نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ أسد بن الفرات بن سنان (ت 213 هـ) وهو الأمير القاضي السمح تلميذ مالك بأنس.

2ـ ابن مسكويه (ت 241هـ/ 855م) الشيخ أبو علي أحمد بن محمد.

3 ـ ابن سحنون (ت 256هـ/ 869م) محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي.

4 ـ القابسي (ت 324هـ/ 935م) أبو الحسن علي بن محمد المعافري وهو تلميذ ابن سحنون.

5ـ ابن جماعة (ت 373هـ/ 983م) عاش معظم عمره في الأندلس.

6 ـ ابن سينا (ت 370هـ/ 980م) الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا                    .

7 ـ الغزالي (ت 505هـ/ 1111م) الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الفيلسوف المتصوف.

8 ـ ابن خلدون (ت 809هـ/ 1406م) الوزير، السفير، القاضي عبدالرحمن بن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة ومؤسس علم الاجتماع الحديث.

وقفة مع القابسي:

هو أبوح الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بالقابسي نسبة إلى قرية قابس بالقرب من القيروان حيث ولد سنة 324 للهجرة. مالكي المذهب. وحسب السيوطي فإن القابسي كان حافظا للحديث، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، ورأسا في الفقه ضريرا زاهدا ورعا.

أهم مؤلفاته:

- الممهد في الفقه وأحكام الديانة.

- ملخص الموطأ.

- كتاب الاعتقادات.

- كتاب الذكر والدعاء.

- الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.

تصوراته في ميدان التربية:

ا- الغرض من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملا وتعليم الدين لا يتيسر إلا بمعرفة المبادئ التي تكتسب بالتعليم كالقرآن والكتابة. ومن هنا اتصل التعليم عند القابسي بالدين اتصال الوسيلة بالغرض.

ب- نادى بإلزامية التعليم أخذا بالحديث النبوي "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (رواه البخاري) وساعده في ذلك تطوع الأمراء والأغنياء في زمانه بالإنفاق على الكتاتيب وإجراء الأموال عليها لتستمر في الحياة.

ج- وجوب التعليم للجميع (أولاد وبنات) لأن المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعا بنص القرآن.

د- عدم الجمع بين البنين والبنات في فصل واحد "من صلاحهم ومن حسن النظر لهم لا يخلط بين الذكور والإناث". وهو بذلك متأثر بأستاذه سحنون الذي قال أكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن".

هـ- التعطيل يوم الجمعة والأعياد: إن إجازة الأولاد يوم الجمعة أمر مستحب لأن ذلك سنة المعلمين منذ كانوا. أما بطالة الأولاد يوم الخميس فهذا بعيد. وكذلك بطالة الأعياد على العرف المشتهر المتواطأ عليه ثلاثة أيام في الفطر وخمسة أيام في الأضحى.

و- عقاب التلميذ: يرى القابسي أن الضرب إنما يكون من المعلم الجافي الجاهل وهو ينهى عن الضرب والمعلم غضبان. والضرب على التعليم إنما هو عن كثرة الخطأ من الصبيان.

استنتاج:

استنادا إلى ما سبق، نخلص إلى أن أبا الحسن القابسي حصر الغرض من التعليم في معرفة الدين علما وعملا دون النظر إلى النواحي المعيشة. وهذا ما يتعذر قبوله في الوقت الحاضر، حيث هذا الكم الهائل من المعرفة التي تتضاعف كل فترة وهذه الأدوات والآلات التي تشاركنا حياتنا ومعاشنا بل تشاركنا أجسادنا احيانا؛ مما يتوجب معه الإلمام بكل الوسائل والتقنيات التي نحيا بفضلها. هذا مع العلم أنه قد أصبح يُنظر للتربية على أنها عملية استثمارية ذات مردود؛ فمع ارتفاع تكاليف التعليم ينظر أولوا الأمر إلى استرداد هذه الأموال من عائدات ونتائج هذا التعليم.

و نلاحظ أخيرا أن القابسي أجاز الضرب في بعض الحالات التي يتمادى فيها المتعلم ولا يتعظ مثلا. وهذا إجراء بيداغوجي تقليدي رغم أننا بدأنا نُسجل عودة بعض الأنظمة المتقدمة في التعليم إلى تطبيقه كما هو الحال في إنجلترا. ويبدو أن ما يسمى بالعقوبات البديلة اليوم لم تعد تؤتي أكلها في ظل استقالة الأسرة من تربية أبنائها وتراخي الأساتذة وتعسف القوانين ضدهم والتزايد الفطري للجمعيات الحقوقية التي تركب غالبيتها على جانبيات المواضيع فتأخذ بالقشور وتعرض صفحا عن جواهر المواضيع. وكانت النتيجة هي الفوضى في المدارس المغربية. لهذا نادينا ذات يوم بالعودة إلى بيداغوجيا "الفلاقة" (3) بمعناها العام من أجل الضبط والانضباط لأنه بدونهما لا يمكن أن تتقدم المدرسة المغربية.

وقفة مع ابن سينا:

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا. وهو واحد من العلماء والأطباء، والفلاسفة المسلمين من منطقة بخارى وتحديداً من بلدة أفشنة الأوزباكستانيّة التي ولد فيها عام 370 هجرية/ 980 ميلاديّة. كان يلقّب قديماً بالشيخ الرئيس. وقام الغربيّون بمنحه ألقاباً متعددة كأمير الطب وأبو الطب الحديث وكان ذلك خلال العصور الوسطى. كان متبحراً في العديد من أصناف العلوم المختلفة. ولذلك يوجد ما يقارب 200 ألف كتاب له وتتناول هذه الكتب مواضيع متعددة. وكانت تتمحور غالبيتها حول الطب والفلسفة. وبالرغم من اتّباعه طرق وأساليب أبقراط وجالينوس إلّا أنّه يعتبر أول من قام بعمليّة التدوين في مجال الطب. ويعدّ كتاب القانون في الطب الأشهر من أعماله؛ وذلك لأنّه كان مرجعاً أساسيّاً في الطبّ لمدّة كبيرة قدرت بسبعة قرون. ومن أهمّ الأعمال التي قام بها في الطبّ أنّه قام بتشخيص مرض التهاب السحايا وفق منهج علميّ وبأسلوب دقيق ووضّح الأسباب والاحتمالات التي قد تؤدّي إلى اليرقان وأعراض حصى المثانة وقدّم معلومات وفيرة حول طرق العلاج النفسيّ وأثره في العلاج والشفاء منه.

كان والده ذا ديانة شيعيّة إسماعيليّة. وكان هو يهتم بالاستماع إلى اجتماعات والده التي تقام بالسرّ والتي كان أغلبها يقام في بيتهم. وكانت هذه الاجتماعات لها دور كبير في تكوّين مجموعة من الاتّجاهات والمواقف لديه. وقام بعدها بالارتحال إلى مدينة بخارى الذي تولى فيها القيام بواجب متابعة الأعمال الماليّة المتعلقة بالسلطان بأمرٍ من السلطان نوح بن منصور الساماني. ثم بدأ يتعلم مختلف العلوم. وعندما كان في سنّ العاشرة كان يحفظ القرآن الكريم بجميع أجزائه وآياته. ثم بدأ بعمليّة تعلّم الفقه والأدب والفلسفة والطبّ.

و طلب والده من أحد المتخصّصين بعلم المنطق والفلسفة بأن يعلّم ابن سينا هذا القليل من علومه. واستجاب لرغبة والده وعلمه المنطق. وقد اندهش معلمه من الأداء الذي أثبت له، حيث أنّه كان يمتلك القدرة على الإجابة بأسلوب منطقيّ عن الأسئلة المحوريّة التي كان يطرحها عليه، ووصفت بأنها لم تخطر على بال معلمه. وكانت إنجازاته تثمر وهو صغير. فقد استطاع وهو في سنّ الثامنة عشر من عمره أن يقدّم العلاج للسلطان. وتعتبر هذه الفرصة ذهبيّة لأنّها كللت مساهمته الناجحة بحجز مكتبة السلطان الخاصةِ تحت إدارة وإشراف ابن سينا. كان ابن سينا متميّزاً جداً فكانت له العديد من الأقوال المهمّة والتي لها معاني كثير كقوله "المستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه" و"الوهم نصف الداء" و"الاطمئنان نصف الدواء" و"الصبر أوّل خطوات الشفاء". وفي اليوم العاشر من شهر ديسمبر من عام 1037 ميلاديّة (الموافق ل سنة 470 ه) ارتحل ابن سينا عن هذه الحياة ودفن في مدينة همدان الإيرانيّة.

أهم مؤلفاته:

- كتاب القانون في الطبّ، الذي كتبه عام 1030 م.

- كتاب الإشارات والتنبيهات.

- كتاب الشفاء.

- كتاب النجاة في المنطق والإلاهيات.

- كتاب الأدوية القلبية.

- كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانيّة.

- كتاب القولنج.

- رسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب.

- رسالة في تشريح الأعضاء.

- رسالة في الفصد.

- رسالة في الأغذية والأدوية.

- أرجوزة في التشريح.

- أرجوزة المجربات في الطب.

- كتاب الألفية الطبيّة.

- كتاب مختصر إقليدس.

- كتاب مختصر المجسطي.

- كتاب مختصر علم الهيئة.

- كتاب مختصر الأرتماطيقي.

- رسالة الزاوية.

- رسالة في بيان علّة قيام الأرض وسط السماء.

- رسالة في إبطال أحكام النجوم.

- رسالة في الأجرام العلوية وأسباب البرق والرعد.

- رسالة في الفضاء.

- رسالة في النبات والحيوان.

- كتاب قانون الحركة الأول.

- ديوان ابن سينا - في الشّعر.

- مقالة في جوامع علم الموسيقى.

- مقالة في الموسيقى .

تصوراته في ميدان التربية:

ا- لا بد من أن يكون التعليم جماعيا في المدارس لا فرديا: لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما. ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو منه آخذ وبه آنس، ولأن التعليم الجماعي من أسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة.

ب- تبدأ تربية الصبي منذ نعومة أظفاره: إذا فطم من الرضاع بُدِئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة.

ج- أول ما يتعلم الصبي إذا اشتدت مفاصله واستوى لسانه وتهيأ للتلقين: القرآن الكريم لما فيه من صور الحروف ومعالم الدين والقصص الخلقية والأحكام.

د- مسايرة ميول الصبي وتوجيهه إلى الصناعة والمهنة التي تتفق مع ميوله: "ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك". وهذا ما يعمل في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حيث تجرى للأولاد اختبارات الذكاء واختبارات الميول والقدرات وحسب احتياجات الدولة من مهنيين وفنيين وفق خطط مرسومة مدروسة.

هـ - مبدأ الثواب والعقاب: ويكون ذلك بالترغيب والترهيب والإيناس والإيحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة أخرى، والضرب بعد الترهيب.

و- ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، صادقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، لبيبا قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي، ذا مروءة ونظافة ونزاهة، فالمؤدب قدوة يقتدى به.

استنتاج:

بناء عليه، لا يمكننا إلا أن نُؤكد وجاهة تصورات ابن سينا بصفة خاصة وباقي العلماء المسلمين بصفة عامة فيما يتصل بحقل التربية إذ يملكون فيه قصب السبق حقيقة. ويصدمنا ابن سينا كثيرا عندما يتحدث مبكرا عن ربط التعليم بما هو مهني اقتصادي وحديثه عن اتجاهات المتعلمين حتى نكاد نجازف بالقول إن بعض أفكار البيداغوجيين الغربيين إن لم نقل جلها مقتبسة أو مسروقة من ابن سينا وباقي علماء المسلمين. وأفكار هؤلاء الغربيين تبدو جديدة للبعض في ثقافتنا العربية دائما وحتى الغربية أحيانا نتيجة الجهل بأصولها وجذورها ولحلاوة وطلاوة اللغات الأجنبية الحية التي دُبِّجت بها لا غير. فمتى نعود إلى تراثنا وإرثنا الثقافي والحضاري ونقتبس منه ما يفيدنا في ديننا ودنيانا؟ (4).

على سبيل الختم:

من خلال ما تقدم وبالنظر إلى كل التصورات التربوية الغربية سواء القديمة أو الحديثة التي تعرفنا عليها من خلال معاشرتنا المتواضعة لفلسفة التربية نجمع القول فنقول إن "سلف الأمة المسلم قد خلف لنا ثروة علمية بيداغوجية مطمورة في ثنايا شتيت من المصنفات تنتظر من يعقد العزم على مدارستها واستنباش دفائنها ومكنوناتها" (5). لقد طرق هؤلاء غالبية الموضوعات التي تشكل جوهر الفعل التربوي في العالم المعاصر (6). فعندما نقرأ لعلماء مسلمين آخرين من قبيل الماوردي والغزالي مثلا فإننا نحس تماما وكأننا نقرأ لهوارد غاردينر أو جون ديوي أو مونتسوري. يقول الماوردي حول الفروق الفردية: "و ينبغي للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم". ويؤكد الغزالي ذلك أيضا في "الإحياء" عندما يشير إلى أن من وظائف المعلم "أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، أو يخلط عليه عقله... ولا يبث إليه الحقيقة إلا إذا علم أنه يستقل بفهمها، وقد قال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره: {إن هنا لَعُلُومًا جمة لو وجدت لها حملة (...) فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد، وهذا إذا كان يفهمه المتعلم، ولم يكن أهلا للانتفاع به، فكيف فيما لا يفهمه (...) ولذلك قيل: كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، وقد قال تعالى: "و لا تؤتوا السفهاء أموالكم" تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق".

و هذا السبق المعرفي في مجال التربية وغيرها من المجالات انتقل إلى الغرب بطريقة من الطرق منذ القرن الثاني عشر عبر قناة الترجمة والاستعراب والاستشراق فيما بعد وما وازاه من دخول العرب في سُبَاتٍ عميق إبان ما درجنا على الاصطلاح عليه بعصر الانحطاط. وهذه القطيعة جعلت الأجيال العربية الإسلامية الحديثة تنبهر بالثقافة الغربية أيما انبهار متناسية أن تلك الثقافة مدينة في جزء كبير منها لشمس الحضارة العربية الإسلامية التي أشرقت على الغرب كما تذهب إلى ذلك المثقفة الألمانية سيجريد هونكه.

إن عرضنا المتواضع هذا نبغيه بدايةً للتفكير في ضرورة تعميق النظر في الفكر التربوي العربي الإسلامي ومقارنة نتائج ذلك بما يوجد في الثقافة الغربية لكي نستمد منه ما يمكن أن ينفعنا في إنارة الطريق لنا مستقبلا لإخراج المنظومة التربوية المغربية من الفوضى العارمة التي أمست تتخبط فيها وتميل حيثما مال بعض سماسرة البيداغوجيا منذ حوالي 30 سنة من الإصلاحات المعطوبة التي ما أنتجت عموما سوى عقولٍ مثقوبة (7). فمتى نرعوي؟! والله من وراء القصد.

 

بقلم: الدكتور لحسن الكيري – كاتب ومترجم

........................

هوامش البحث:

(1) - عباسي، عبد العالي: إسهامات علماء التربية المسلمين في حقل البيداغوجيا، مقالة مهمة جدا منشورة بموقع تربويات بتاريخ 8 غشت 2015. وهذا رابطها الإلكتروني:             http://www.tarbawiyat.net/news11394.html

(2) - بهجت سكيك، بهيج: الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل، مقالة منشورة بموقع قصة الإسلام، بتاريخ 05 ماي 2011. وهذار رابطها الإلكتروني:

http://www.islamstory.com/- %D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9- %D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85- %D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF- %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86- %D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84&page=1

(3) - الكيري، لحسن: مدخل إلى بيداغوجيا الفلاقة، مقالة منشورة على موقع ثقافات بتاريخ 13/07/2016 وهذا رابطها الإلكتروني:             http://thaqafat.com/2016/07/32129/

(4) - حلايقة، غادة: أهمية دراسة الفكر التربوي، مقالة منشورة بتاريخ 05 يوليوز 2015 بموقع "موضوع". وهذا رابطها الإلكتروني:

(5) - الكيري، لحسن: الإصلاحات المعطوبة والعقول المثقوبة، مقالة منشورة بموقع أبناء آيير الجميلة وذلك بتاريخ 02/10/2015. وهذا رابطها الإلكتروني: http://les- ayiriens.over- blog.com/2015/10/560ec078- ab2e.html

(6) - لغلى، بوزيد: الفكر التربوي التراثي: الخطيب البغدادي أنموذجا، منشورات نادي تراث الإمارات، الطبعة الأولى، سنة 2012.

(7) - الكيري، لحسن:Funciones de la traducción en la didáctica de las lenguas extranjeras: el caso del árabe para los hispanófonos.، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في ديداكتيك اللغات مرقونة بكلية آداب الرباط ومناقشة بتاريخ 15 أبريل 2016. أشرف عليها الدكتور عبد اللطيف الإمامي ونال عليها الباحث درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا. ينظر تعريف التربية في الفصل الأول من القسم الثاني المخصص للوضع الراهن للغة العربية للأجانب. الصفحة 134.

 

 

 

القسم الثاني من مشاركة طالبة الدكتوراه عفاف المحضي في الندوة العلمية الدوليّة حول التسامح الدينيّ و ثقافة الاختلاف - مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، مدينة سوسة – تونس، يوم 5 – 10 – 2016م. بعنوان: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي. وقد نالت على بحثها شهادة تقدير من إدارة الندوة العالمية.

  

 

 معالم المشروع الاصلاحي لماجد الغرباوي

إنّ أفكار الكتاب كما هو واضح من موضوعه تحمل مضامين إصلاحية، وتعكس وجهة نظر نقديّة ورؤية إستشرافية مستقبلية للعالم العربي في حاضره ومستقبله وما ينطوي بينهما من أحداث سياسيّة ودينيّة وثقافيّة. إنّ مشروع الغرباوي الإصلاحي هو معالجة عملية فكرية للمشاكل التي تحيط بالمجتمع العراقي كأنموذج والمجتمع العربي بشكل عام. مشروع يؤسس لثقافة:

- العيش داخل مجتمع تعدّدي

- الموائمة بين القيّم الدينيّة والقيّم الإنسانيّة

- نقد التراث الإجتهادي وخلق بديل مع المحافظة على الجوانب العقلية القوية منه والتي لا تتعارض وروح العصر ومتطلبات الإنسان اليوم الخميني الشيعي والإخواني السني.

- نقد العقل الإسلامي الإجتهادي الذي يكرر ذاته لسنوات والذي أفرغ النصّ القرآني من أبعاده الدينيّة وتوجيهه الوجهة الفقهيّة التقنينيّة منذ عصر الشافعي إلى اليوم العقل الإجتهادي يكرر نفسه.

- إخراج الإنسان المسلم من فهم ماضوي ضيّق للإسلام، فهم قد غدا عالة عليهم لم يعد قادرا على الإستجابة لروح العصر والحداثة وهذا ما خلق الصراع بيننا وبين العالم

- التفرقة الواعيّة بين الدين وبين الفهم الذي نشكله عنه

- الخروج من المنظور المذهبي الضيق الذي يدعي كل منها اكتساب الحقيقة وما تنجر عنه من تبعات تكفيرية واقصائية كردّ فعل مضاد حماية لتلك القشور التي شوهت مقاصد الدين العالميّة من تسامح وكونيّة وتعايش ومحبة ورحمة وعفو عند المقدرة والصفح والغفران ...عبر التاريخ. فالقرآن يحتوي آيات غاية في التسامح والمحبّة والانفتاح على الأخر ولكن التفسيرات التاريخيّة المسيّسة والخاضعة للظروف هي التي جعلت منه متقلبا بين الانفتاح والانغلاق حسب ما تقتضيه الحاجة التاريخية والمصالح السياسيّة.

- كسر قيد الوضع القاهر الذي يتحكم فينا وفي مجتمعاتنا العربيّة" إن لم تكن معي وتنضوي تحت منظومتي الفكرية فأنت ضدي واجب وحق شرعي تصفيتك الجسديّة."

لكن يبقى السؤال المتكررة في ذهنيّة كل مفكر أو مصلح أو فرد واع بالواقع اليوم هو ما مدى مشروعية البحث عن أرضيّة للتسامح في التأويل النّصي؟ ما مدى وعينا بهذا المفهوم؟ أليس من الضروري اعادة ابتكار لمفهوم التسامح وقولبته وفق متطلبات العصر المتجددة؟

"هناك فارق كبير بين قبول الآخر والاعتراف به فالحالة الأولى يفرضها الواقع والمصالح المشتركة بينما الحالة الثانية تعبّر عن وعي لا تخالطه نوازع التعالي الناشئ عن عقيدة التفوّق العنصري أو الاجتماعي أو الديني أو المذهبي أو الثقافي. ولا تلامسه مشاعر الفوقية والتفوّق. ولا تنطلي عليه أوهام صحة ونهائية وجزمية الأفكار والمعتقدات في مقابل خطأ الأخر مطلقا. كما لا تخالجه التفرّد بالدين."[10] والتأصيل لإطار وطني يستوعب التعدد القومي العربي والأصولي الديني وشيوعيّة واشتراكية عربيّة وطوائفية وشعبوية داخل شرعيته. والتأسيس للتسامح أخلاقيا ولغويا، دينيا ومدنيا.

لأن "التسامح نسق قيمي تتوقف فاعليته على وجود أرضية صالحة وأجواء سليمة تساعد على تفاعل قيّمه لذا يشترط أولا ايقاف نزيف الكراهية والحقد وقطع مصادر العنف والاحتراب وتجفيف منابع اللاتسامح والارهاب والحيلولة دون تدفقها لا على مستوى الممارسة فقط وإنما اجتثاثها كثقافة وعقل ومنهج."[11]" فلأحقاب طويلة من الزمن وقع تجاهل الكلمة، وقع تجاوزها أو على الأصح اكتفى بمجرد النظر إليها على أنها من نافل القول ... كما أن الكلمة لم تكن تعبر في الحقيقة عن شيء محسوس. بقي التسامح طوال قرون متتالية مجرد فكرة مجرد فرضية ضمنية تتحدث عن طبيعة الحياة عامة والعلاقات البشرية وقد كان مصير التسامح في الفكر الديني (الذي يجب تمييزه عن الدين) مصيرا متناقضا.

فالتصوّر الإنساني المتعلق بالدين قد أنتج مدارس ومذاهب كانت سببا في اثراء هذا الفكر ولكنها كانت سببا في فتن مزّقت أوصال المجتمعات التي تدين بالديانات السماوية على وجه الخصوص." [12] لذلك لابد من التأكيد ضرورة قصوى على أهميّة الثقافة النقديّة في "النفوذ إلى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفيّة القديمة وتأهيلها لاستقبال نمط فكري وثقافي جديد يعمل في إطار قيّم التسامح. ويجب ان يطال الخطاب النقدي جميع المستويات وينفذ إلى كل الحقول. ولا يتوقف عند مساحة دون أخرى. فيبدأ بالفرد والأسرة لينتهي بأعلى سلطة فكرية واجتماعية مرورا بقيّم النظّم القبليّة والحزبيّة والدينية والنقابيّة والسياسية."[13]

بتفكيك سلسلة قيّما ومفاهيمها القديمة والتحرر من ربقة نمطها الاستبدادي من خلال نقد الخطاب الديني (هنا يجب أن نفهم الفرق بين النّص والخطاب الديني[14]) عند سيد قطب في قوله إن هذا الخطاب الديني لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل العكس سينتج حركات إسلاميّة متطرّفة تستبيح قتل المسلمين قبل غيرهم ."[15] وهذ ا ما يشهده عالمنا العربي اليوم من قبل الجماعات المتطرّفة. لذلك لابد من تفكيك الخطاب الذي تتبناه هذه الجمعات وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءات وبيان تهافتها ونقاط ضعفها لتفادي تنامي هذه القراءات ويتفاقم هذا الفهم ويتجذر داخل الفكر الديني إلى درجة يصبح فيها الفكر الأخر المضاد فكرا منحرفا وكافرا من وجهة نظره ومن زوايا فهمه وقراءاته وتفاسيره. فكيف يمكن حينها أن نتعايش مع الأفكار والأديان والعقائد المختلفة من حولنا؟

إنّ قضية الفكر ليست قضية الذّات بل هي قضية نتاجها المعنوي تماما كما هو النتاج المادي فنحن نرفض النتاج في عناصره ونحترم المنتج في انسانيته بمعنى لو أسقطنا الفكر لا نسقط صاحبه بل نحترمه كذات إنسانية نشترك معها في هذه الخاصيّة الإنسانيّة. إذ " ليس هناك صحيح مطلق وخطأ مطلق وإنما الفكر أيا كان انتماؤه انتاج بشري واجتهاد شخصي قد يصيب وقد يخطأ يتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتؤثر فيه القبليات المعرفية والأنماط الثقافية والاحداث السياسية والصراعات الطائفية والمستوى العلمي وأفاق الوعي السياسي والاجتماعي والديني." [16]

كما أكدّ على أهمية الدور الذي تلعبه الأسس المنهجيّة في ثقافة الحوار مع الأخر في مسائل منها الفرق بين الهداية الإنسانية والهداية الالهيّة التي "عمل الأنبياء على تجذيره وتعميقه في النفوس المؤمنة" كما أكدّ أيضا على دور القانون الذي يكمن دوره في فاعليته الكبرى في حسم النزاعات وإعادة الأمور إلى نصابها الأول وقمع الفقاعات الطائفية والمذهبية أو العنصرية أو الدينية في مهدها وحماية الصيغ التوافقية بين المواطني الشعب الواحد.

تحطيم الثوابت الغائرة والمتخفية في اللاّشعور خاصة في مفهوم الهداية رغم الحوار الذي لم يتجاوز في نظره داخل الذهنيّة العربية الإسلامية منطق التكفير والإكراه خاصة اذا ارتبطت بالأخر الخارج عن المنظومة العقائدية للأنا المؤمنة لذلك لابد للغرباوي هنا من تقديم البديل عن هذه الرؤيةباعطاء مفهوم جديد لهذا المصطلح في قوله:" الهداية هبّة ربّانيّة لا يمنحها إلاّ لمن يستحقها. وموضوعها العقيدة الإلهيّة وليست الشريعة وأحكامها، والعقيدة قناعة ذاتيّة لا تخضع لوسائل العنف والإكراه. وتحديد الهداية وضدها النوعي الذي هو الضلال مرتبط بالله تعالى ولا تتحدد بالسلوك الخارجي. فربما شخص يمارس الشعائر تحت ضغط الواقع... فالحوار معه على أساس هدايته باعتباره ضالا أمرا غير مبرر ولا مستساغ. وإنما يجب الحوار معه على أساس المثاقفة والتكامل باعتباره يمتلك رؤية وفكرا وثقافة وأدلة على أساسها اكتملت قناعته."[17]

هي " إرادة لا تعترف سوى بتبعية الذّات وامتثالها القسري والإكراهي لنموذج النسق الثقافي الذي يرهن أفق الإنسان ضمن منظور اختزالي لا يرده إلى ماهيته الجوهرية التى تؤسسها الحرية، وإنما إلى أصول ميتافيزيقية وأسس ثقافية شكلها الإنسان ذاته عبر تاريخه."[18]

كما أكدّ على ضرورة الفهم لصحيح لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو موضوع قيمي أخلاقي بالأساس وليس عقدي ديني. لإنّ مأزقنا اليوم المعاصر حسب رؤية الغرباوي النقدية للواقع المعاصر تتلخص في أن العقل العربي الإسلامي لا زال يكرّر ذاتَه باستمرار عود على بد من الألف إلى الياء وهذا ما قاله أيضا طه عبد الرحمان وأكد عليه في أنّ العالم العربي الإسلامي، لا وجود لإمكانيات البناء والتجديد عنده بل يستنسخ ما قاله السلف.

 قواعدهم وعباراتهم ومصطلحاتهم وآراءهم هي ذاتها لا تبديل ولا تحويل، وإن وجدت بعض المحاولات الخجولة التي لا تخرج عن منظومة النسَجَ على ذات المنوال إلاّ في حدود بيان بعض القواعد وشروحات لبعض العبارات، إن لم تكن شرح على شرح، وبعض الحواشي أو تعليقات عليها، ومحاولات توضيح المراد منها واستخلاص المضمون. وكأن الأول لم يترك للآخر شيئا وأضحى تفكيرنا مقيدا لا يخرج على المستوى الذي فكروا فيه.

 لا يسمح لنا بصياغة قواعد بديلة لتفكيرنا الديني نابعة من خضم مشكلات واشكاليات عصرنا ورهاناته، وتقدم العلوم والمعارف المستجدة في عصرنا. ينبغي علينا اليوم أن لاّ نفتقر للحسّ النقد التاريخي والتدقيق في دراسة موروثنا من الخطاب الديني كنصّ قابل للنقد وتجديد بنيانه الذي أصبح اليوم عاجزا عن الوفاء بمتطلبات روح العصر وحاجات العقل الإسلامي اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونستبصر أو نستشرف متطلبات مستقبلنا.

 لقد شدد الغرباوي على ضرورة الخروج عن المناهج التقليدية في الاجتهاد والتفكير وأهمية بعث أسس وأدوات نظر معاصرة عقليّة نقديّة للموروث الخطابي الدينيّ، وتخطي تلك النظرة التقليديّة التي حرمت لقرون طويلة المساس بحرمة وقدسيّة الخطاب الديني على وصفه "نساقاً مقدسا وعميقاً" وحداً نهائياً، قادر على انتاج الأسئلة والأجوبة لكل زمان ومكان. خطابات في نظره قد ساهمت في تعطيل العقل العربي الإسلامي، عود على بدء بدايتها نهاية ونهايتها نقطة. كتاب أراد صاحبه من خلاله أن يتخطى ما هو مكرر في الكتابات الإسلاميّة المماثلة (حسن البنا، يوسف القرضاوي، محمد عبده...) وغيرهم إن من حيث عنوانه، أو مضامينه، أو عناوين مباحثه (الاستبداد العربي، الجهاد والاجتهاد في الإسلام، مشروع تحرير المرأة) وجرأة محتواه وأهدافه في الكشف عن حدود حقل فاعليات الدين وآثاره الايجابيّة البناءة. مقدما بذلك مشروعه الاصلاحي الجديد من صلب التجربة العراقية المتنوعة والمتمثل في جملة من التنبيهات والمحاولات الاصلاحية أهمها:

- صيانة قيم العدالة والمساواة في مجتمعاتنا العربيّة وتجريم الممارسات التي تفرق بين أفراد المجتمع الواحد جغرافيا أو تاريخيا أو دينيا أو ثقافيا.

- محاصرة كل أنواع الخطابات وأشكال الممارسات المتطرفة.

- ضرورة الوعي الحضاري للتاريخ وأحداثه وتطوراته الذي يؤهلنا لاستيعاب النقاط الإيجابية من تاريخنا.

- حاجة المسلم اليوم إلى رؤية دينيّة تؤهله للعيش وفق قواعد إلتزاماته الدينية المتوافقة مع مستجدات زمانه وتطوراته المتلاحقة.

- ضبط سلوك الإنسان والعمل على تهذيبه والإعلاء من شأن الاعتبارات الدينيّة والأخلاقيّة التي تسيّره.

- محاولة استئصال القيّم الجامدة واستبدالها بقيم جديدة والترويج لقيم المحبّة والسلام والتسامح بين الأنا والآخر.

- تقديم رؤية للظواهر ضمن إطارها التاريخي وأنساقها المعرفية والثقافية التي تأسست في خضمها.

- تقديم اجراءات من الواقع بعيدا عن التنظير والمثل.

- تفكيك مصادر الخطاب والإشارة إلى الوجدان المتورم وإلى العاطفة الوجدانيّة الجارفة التي حولت العقل الديني إلى عقل أزمة أو عقل مونولوج وتيار شعور ساهم في تحوّله إلى خطاب حركي خطير.

- تقديم فهمً جديدًا للحياة، للفرد وللشعب والوطن بعيدا عن العصبيّة القبلية.

- الدعوة إلى ضرورة سدّ الثغرة الراهنة في المجتمع عن طريق الإصلاح والتغيير الخطاب الديني القديم في بعض جوانبه وتكييّفه بما ينسجم مع تحديات العصر بفهم جديد ليس هو التغريب وليس هو التأويل المخل الذي يصطدم مع النصوص الشرعيّة الصريحة والذي يجعل منها ذات دورا ثانويا أمام متطلبات العصر ووقائعه وحاجاته وإنما هو التجديد الذي يعود بنا إلى النصّ الأصليّ و إلى الأصول الإسلاميّة الأولى الصحيحة. فالمجتمع المسلم مأمور بتجديد إيمانه من كل ما علق به من أسباب الضعف والبلى والخضوع والانحراف.

- صدّ كل أشكال العنف السائدة في المجتمع بالتسامح لأن أرضية التسامح هي معارك حرية التفكير والتعبير والعقيدة الدينية.

الإعتراف بالآخر الذي هو أصل التسامح وجوهره.

- لا بد من تحديد التمايز الحاصل بين الدين بصفته مصدرا والخطاب الديني بصفته تمظهرا.

- تحديد مفهوم التجديد وآلياته، كالاجتهاد ودوره في التجديد.

- تحديث الخطاب الديني وتجديده بما يتناسب ومعطيات الحضارة المعاصرة

- تخطي الحلول الجاهزة التي ارتضاها المسلمون نتيجة ظروف ومعطيات تاريخية وحضارية وسياسيّة قد تجاوزها الزمن والركب الحضاري المعاصر

- التنبيه إلى ضرورة عودة المسلم إلى القرآن ليستمد منه القواعد الصحيحة للسلوك السوي في جميع مجالات الحياة.

- ضرورة التنبه والوعي التام بالحقائق الأساسية ذات الأولوية في حياتنا كمسلمين من حقوق المواطنة وسيادة القانون وتعدد المرجعيات ومراجعة الأنساق التي تحكمنا وتسيطر على تركيباتنا الذهنية في التفكير

- الوعي بأن الحلول في هذا الميدان لا تكون إلا في نطاق الواقعية والممارسة الحرّة بعيدا عن التنظير والمثالية لأن هذا الوعي الثقافي لا يمكن أن يلامس الواقع إلا في إطار تلاقح الأفكار وخلق فضاءات أرحب للحوار بعيدا عن منطق الهدي والارشاد الذي تمتهنه بعض الجماعات والجمعيات.

 

خاتمة

وفق منظور ماجد الغرباوي تتأسس ايتيقا الأنا من خلال اللقاء المتكامل بالآخر وبهذا المعنى فهو تعبير عن تجل لوجود خاص من أجل وجود عام، لا يكتسب تحديداته الجوهرية الخاص، التي يصبح عبرها نوعا، لا امتدادا إلا في علاقته بالآخر، الذي يكون وجوده سابقا وكائنا على وجود أية ذاتية، فالأنا الذاتي لا يتحدد إلا إذا كان هناك آخر ذاتي يسبقها في الزمن داخل زمانية التفاعل الإنساني، هذا الذي يضمن شرط انفتاح الذاتيّة على الغيرية ويجعل أفق الكونية ممكن موافقة وتوافقا عبر سمّة التسامح مع الآخر.[19] فأخلاق التسامح والتفاعلية هي مبدأ اعلاء من قيمة الحياة والإبداع التي تقوم على الإلتحام بالوجود والآخر" واحترام خياراته وأسلوبه في اغناء تجربة الحياة المشتركة، وكل حياة مشتركة خلاقة."[20] رغم يقيننا بأن التسامح لابد وأن يحمل قسطا من الشّر معنى ذلك أنّ التسامح لا يمكن أن يكون قيمة مطلقة، أي أنّه مكره بفعل مشيئة كل فرد على الفعل وفق القواعد الكونيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة والقانونيّة والأعراف الإجتماعيّة والقبليّة المترسخة في ذهنيّة الفرد من الناحيتين النظريّة والعمليّة. لكن مطلب الحياة يبقى غاية الإنسان الحقّ والمؤمن بأن الله وحده هو الذي يستحق أن يحيا اللإنسان ويموت في سبيله وهذا لا يتحقق إلا في صلب مجتمع مثالي يتعايش فيه وبسماحة كل إنسان مسلم مؤمن وأناس غير مسلمين، وهذا المجتمع لا يكون غير المجتمع الإسلامي الحق الذي يقبل ان يكون بين أفراده يهودا ومسيحيين وفئات لا تؤمن بنبيّ ولا كتاب. أليس هذا هو الوجه المثالي للتسامح الحق؟

لقد رفض الغرباوي في كتابه التسامح على أساس المنة والتفضل ودعا الى قيام التسامح على أساس مشاركة الآخر لنا بالحقيقة، ولو بجزئها، وحينئذ لا توجد منه ولا يوجد تفضل، بل هو شريك حقيقي لنا.

 

عفاف المحضي: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي (1-2)

 

 عفاف المحضي – طالبة كتوراه / تونس

...............................

قائمة المصادر والمراجع

I.قائمة المصادر:

- القرآن الكريم

- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاتسامح (فرص التعايش بين الأديان والثقافات) مؤسسة العارف للمطبوعات الطبعة الأولى بيروت- لبنان 2008

II.قائمة المراجع:

- جون لوك: رسالة في التسامح: ترجمة منّة ابو سنّة، تقديم ومراجعة مراد وهبّه المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة- 1997

- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013

- عبد الرزاق عيد : سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت، رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى، سبتمبر 2005

- محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي التسامح في الإسلام: الأسس النفسيّة والاجتماعيّة في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي

- ناجي البكوش : دراسات في التسامح، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الإنسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995

- يوسف القرضاوي: كلمات في الوسطيّة الإسلاميّة ومعالمها، دار الشروق- القاهرة الطبعة الثالثة سنة 2008

- -----------------: الإسلام والعنف نظرات تأصيليّة دار الشروق– القاهرة 2010

 

III.قائمة المقالات الإلكترونية:

- محمد محفوظ : التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

- لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي

- فؤاد عاقل : تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"- مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

- موقع منظمة اليونسكو www.unesco.org

 

الهوامش

[1]- المعجم الوسيط: ج1 ابراهيم المصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر محمد علي النجار: المكتبة الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع اسطنبول- تركيا (د.ت) باب السين مادة (سمح) ص 447

[2]- انظر كتاب رسالة في التسامح: جون لوك، المجلس الأعلى للثقافة 1997

[3]- موقع منظمة اليونسكو: www.unesco.org

[4]- التسامح في الإسلام: محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي: الأسس النفسية والاجتماعية في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي ص 29

[5]- ن.م: ص 50

[6]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 16

[7]- عبد الرزاق عيد: سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى، سبتمبر 2005 ص 210

8- محمد محفوظ: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

[9]- ن.م: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني

[10]- ماجدالغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 70

[11]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح، ص 69

[12]- دراسات في التسامح: ناجي البكوش، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الانسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995 ص 9-10

[13]- ن،م: ص 70

[14]- النصّ الديني والخطاب الديني: النصّ هو كل ما ثبت وروده عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله صلّ الله عليه وسلم، وهو فوق المحاسبة أو الإتهام، ويعتبر أصلا لا يمكن المساس به، فهو نص مقدس معجز صالح لكل زمان ومكان، مرتبط بالوحي، يأتي في مقدمة الأدلة الشرعية والحجج الدينية التي لا يمكن دحضها والمنزهة عن كل تحريف وشبهة. لهذا يشكل النص الديني الشكل الثابت الذي يمثل أساس الدين وكنهه سواء كان متعلقا بالعقائد أو بالعبادات أو بالمعاملات أو بالأخلاق. أما الخطاب الديني هو الخطاب الذي ينطلق من الرؤية الدينية مرجعا، فهو ما يستبطنه ويفهمه ويفسره الفقهاء والعلماء من النص الديني أو مصادر الاجتهاد. وهو الواسطة بين الناس وبين القرآن والسنة والتي توضح الإسلام وما فيه من أحكام، فهو طريقة ومنهاج في التفكير والتصور وفي التعبير عن الأفكار والتصورات. وما يميز الخطاب الديني هو معيار الثابت والمتغير ويحكم هذا التمايز كيفية فهمه واعتباره سواء من قبل منتج الخطاب أم من لدن متلقيه، ذلك أنه لا يكتسب من موضوعه -الدين- قداسته وإطلاقه. لا بد من التمييز والفصل بين الدين والفكر الديني، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة-واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد-إلى بيئة في إطار بعينه، وأن تتعدد الاجتهادات بنفس القدر من مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة. آنظر مقال بعنوان "تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي - فؤاد عاقل - مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

[15]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح ص 74

[16]- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاّتسامح: ص 100

[17]- ن.م: ص 109-110

[18]- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013 ص 66

[19]- انظر كتاب مبادئ فلسفة التعايش، لعبد العزيز بو مسهولي ص 188

[20]- ن.م: ص 190

 

 

النداء القاصر الذي يلهج به أعداء الدين لا يحتاج إلى إظهار مسبباته بالقدر التكليفي المتخذ سلفاً على عامة الناس، وذلك كون أصحاب الدعوة لا يهدفون من خلال أفعالهم إلا إلى إبعاد أتباعهم عن الطريق الموصل إلى الحق سبحانه، ولهذا نرى أن تطبيقات أقوالهم قد تخرج عن المألوف في كثير من الأحيان بذريعة ما ينسب إلى الله تعالى من الامتنان الجزافي في تعداد النعم حسب ما يؤول إليه ظنهم، ولكي نبين حصيلة أخطاء هؤلاء الناس يجب أن نجعل القيود التطبيقية تأخذ مجراها الحقيقي من بين الحيثيات المتفرقة التي يتعرض إليها القرآن الكريم، علماً أن هذا الأمر لم يكن بدعاً في الترغيب المقصود من شكر النعم أو الترهيب الذي يرافق الكفر بها، إذا علمنا يقيناً أن القلوب قد يصيبها الصدأ إن لم يطرأ عليها التذكير الموافق لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبهذا ينتفي أصل النداء الذي أرادوا تصنيفه ضمن المداخل العلمية أو الفضائل التي تم وضعها في غير أماكنها لأجل إبطال الحق، ومن هنا نجد أن جميع السبل المتبعة عنوة بهذا الاتجاه لا تقوم مقام المدار الإيماني المتكفل بإظهار النعم على الوجه المقرر في كتاب الله تعالى.

وتأسيساً على ما قدمنا نستطيع القول إن الأحداث البيانية التي أشار إليها الحق سبحانه هي الأصل في ذكر الأسباب المباشرة لتعداد النعم التي تطرق إليها القرآن الكريم مع ملاحظة عدم الأخذ بالآراء السقيمة التي تصل إلينا عن طريق المصادر البعيدة عن الصواب، وبهذا نعلم أن اتباع الضوابط الشرعية يقتضي التذكير بنعم الله جل شأنه دون الاعتماد على الأحاديث الواهية أو الأفكار الباطلة التي ينشرها بعض الناس، وخلاصة الأمر أن التذكير بالنعم لا يخرج عن كونه من السنن الإلهية التي أشار إليها القرآن الكريم وقد ورد تفصيلها على لسان مجموعة من الأنبياء، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره سبحانه حكاية عن موسى في قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) المائدة 20. وكذا ما ورد على لسان هود في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) الأعراف 69. وكذلك نجد هذا التذكير على لسان صالح في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الأعراف 74.

ومن مجموع الآيات نستخلص مدى أهمية التوجيه الملازم للأقوام الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء ما يجعل تذكيرهم بالنعم هو السبيل إلى تخويفهم من الأخطار القادمة إليهم جراء كفرهم بتلك النعم، وهذا أقرب إلى التحذير المرحلي المصاحب للإنذار الموجه إليهم، ومن هنا نعلم أن ذكر النعمة والإشارة إليها بمختلف الوسائل يمهد الطريق لشكرها، لأجل أن يظل الإنسان سائراً في صحبة دين الحق، ومنقطعاً بين الرجاء والخوف، وهذا ما يستنتج من الأغراض الأساسية التي جعلها الله تعالى تحاكي واقع الأمم عبر التأريخ لكي تضمن رجوعها إلى الحق جل شأنه من خلال الترغيب والترهيب كون الإنسان إذا ترك  وشأنه فربما ينسى أو يتناسى نعم الله تعالى، وبالتالي فقد يلجأ إلى قوته الوهمية ويؤمن باستقلالها عن القوة المطلقة التي ترفده في جميع حالاته واتجاهاته، ولذلك فهو ينزع إلى الاستكبار والاستعلاء، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوساً) الإسراء 83. وكما ترى فإن هذا الصنف من الناس سوف يؤدي بهم الإعراض إلى تغيير ما بأنفسهم نحو الأسوأ، كما في قوله عز من قائل: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال 53. وقد يرد هذا البيان إلى الكبرى الكلية التي ذكرها تعالى بقوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد 11.

من هنا نرى أن للنعمة مجموعة من المصاديق ترد إلى المفهوم العام وقد تتفرق في تطبيقاتها، فتارة نلاحظ أن الحق سبحانه يذكر المؤمنين بدفع الأخطار عنهم، وتارة يشير إلى نعمة التأليف بين قلوبهم، ويشهد للمصداق الأول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) المائدة 11. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً) الأحزاب 9. وكما ترى فإن مقتضى السياق اللفظي في الآيتين يبين مدى تفضل الحق سبحانه على المؤمنين بنعمة دفع الأخطار عنهم لأجل أن يشكروا الله تعالى، وهذا هو المغزى الفعلي الناتج عن التذكير بالنعم لكي يستقر الإيمان في القلوب الطاهرة، ما يؤدي إلى إظهار دين الله في الأرض وعدم الالتفات إلى ما كان يلهج به أصحاب النداء القاصر الذين أشرنا إليهم في أول البحث.

ويشهد للمصداق الثاني قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) آل عمران 103. وكذا قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) الأنفال 26. وقوله تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين... وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) الأنفال 62- 63. وكما ترى فإن المشهد البياني الذي ورد في الآيات يذكر المؤمنين بأكبر نعم الله تعالى، وأنت خبير بأن هذه النعم قد تفوق النعم المادية إذا ما نظرنا إلى استضعافهم في الأرض وما يلحق بهم من تفرق القلوب وعدم إيجاد السبيل الأمثل للتأليف بينها، كل ذلك يجعل المؤمنين في شقاق لا تنفك لوازمه، وبالتالي تكون أمة الرسالة قد اتبعت السبل التي تباعد بينها وبين سبيل الله تعالى، ومن هنا ذكرهم الحق سبحانه بنعمه عليهم من أجل أن يتوبوا ويرجعوا إليه جل شأنه، وإذا ما تم هذا الأمر فبلا أدنى ريب ستكون أمة الرسالة هي أفضل الأمم، وبالتالي يصدق عليها قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) آل عمران 110. ولو تأملنا في الآيات التي تذكر المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم نجدها تتطابق فعلياً مع النعم التي امتن بها سبحانه على بني إسرائيل، وسنتعرض لهذا المعنى في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آيتي البحث:

قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين... واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) البقرة 122- 123. نلاحظ في الآيتين إرجاع الكلام إلى الخطاب الأول الذي وجهه تعالى لبني إسرائيل والذي ذكرهم من خلاله بالنعم التي تفضل بها عليهم، لا سيما نعمة تفضيلهم على عالمي زمانهم، ومن مصاديق تفضيله تعالى إياهم بأن جعل فيهم النبوة والحكم وأنزل إليهم الكتب كما في صريح القرآن الكريم، ثم أشار سبحانه إلى اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً وهو يوم القيامة، وكذا لا يقبل منها عدل أي فدية ولا تنفعها شفاعة إلا بإذن الله تعالى، وتذكيرهم بيوم القيامة وعطفه على النعم التي أنعمها سبحانه عليهم لا يراد منه إلا إلزامهم بالشكر والرجوع إلى الله تعالى بعد ظهور الانحراف السافر في معتقداتهم، وقد مر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير الآيتين 47- 48. من السورة نفسها، ومن أراد المزيد فليراجع.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر  

 

 

 

التذكية بالطرائق الحديثة وأحكامها: هناك طرائق عدة استحدثها الإنسان المعاصر لذبح الحيوانات بكميات كبيرة؛ كي يلبي حاجة الناس المتزايدة إليه جرّاء النمو السكاني وارتفاع المستوى المعاشي. ومن هذه الطرائق ما هو آلي ومنها ما هو يدوي ولكن بمساعدة الآلات الحديثة. ولأجل الشبهة الحاصلة من هذه الطرائق في مدى تحقيق التذكية الشرعية من عدمها، ازدادت استفتاءات المسلمين –ومن كلا الفريقين- إلى الفقهاء لمعرفة الرأي الشرعي في تذكية الذبائح بهذه الطرائق، فانبرى فقهاء المسلمين للفتوى والبحث وإبداء آرائهم فيها.

ومن أجل الوقوف على جملة من هذه الآراء، سيتناولها البحث في المطلبين الآتيين:

الذبح الآلي وأحكامه

تقدم في المبحث الأول ذكر ضوابط وشروط التذكية الشرعية، فاتفق مشهور فقهاء الإمامية على وجوب تحققها في حلّية الذبيحة، وهي: (كون الذابح مسلمًا، وكون الذبح بالحديد مع إمكانه، وكون الحيوان مستقبل القبلة حين الذبح، والتسمية من الذابح، وفري الأوداج الأربعة)، فإذا ما تحققت هذه الشروط في التذكية بالطرائق الحديثة، فلا ريب أنَّ التذكية تكون شرعية، ويحل أكل الذبيحة، وهذا ما أفتى به فقهاء المذاهب الإسلامية[58].

وفيما يأتي ذكر بعض طرائق الذبح الآلي المستخدمة في دول العالم ومدى مطابقتها مع التذكية الشرعية، أو عدمها، ورأي الفقهاء فيها:

 أولًا: الذبح الآلي للمواشي.

الذبح الآلي الافتراضي، هو أن تذبح مجموعة من الحيوانات ببتر رؤوسها مرة واحدة بآلة حادة، بعد أن توضع هذه الحيوانات بوضعية معينة، كأن تكون واقفة على أرجلها، أو معلقة منها بشكل منكوس، من دون تسليط أي مؤثر خارجي من شأنه أن يفقدها الوعي، أو أن يشل حركتها.

ولكن نظرًا للدعوات المنادية بالرفق بالحيوان أثناء ذبحه، اخترعت بعض الدول الغربية وسائل من شأنها إفقاد الحيوان لوعيه (أو شلّه عن الحركة) قبل تقديمه للذبح، منها:

1- صعق الحيوان قبل الذبح: وهي على طرائق عدة، منها[59]:

أ‌- الصعق الكهربائي: وتتم بوضع الحيوان في مكان مخصص، ومن ثم يقوم رجل بإيصال صدمة كهربائية بواسطة آلة خاصة أشبه بالمقص توضع على مقدمة رأس الحيوان، مما يجعله يفقد حواسه ويسقط على الأرض. وإذا لم تتم عملية التدويخ الكهربائي بالدقة المطلوبة فإنها تؤدي إلى شللٍ كاملٍ للذبيحة مع وجود الوعي على حالته. وتعرف علميًا بالصـــدمة الضـــــائعة أو التائهة (Missed chock) وتكمن ديناميكية هذه الطريقة في تنبيه خلايا المخ بصورة غير طبيعية، ولا متفقة، مما ينجم عنه تشـــوه في خلايا المخ، وحالة من عدم التمييز(Confusional state) .

ب‌-المطرقة الحديدية: إذ تضرب جبهة الحيوان بمسدس يتعلق بفوهته قطعة حديدية مثل الرصاص، فتُحدث بالحيوان ارتجاجاً شديداً في مخّه، وأحيانًا يتهشم مكان الإصابة من جبهته، ثم يخر صريعاً على الأرض. وهذه الطريقة أقل تأثيراً على الحيوان من المسدس الواقذ، ونسبة الوفيات منه أقل مما هي في المسدس الواقذ. والحيوان المصعوق بهذه الطريقة يبدأ بتحريك يديه ورجليه بعد حوالي (5 ــ 6) دقائق.

ث‌- القذيفة النارية: وتطلق من مسدس خاص يسمى، المسدس الواقذ ذو الطلقة المسترجعة (Captive Bolt Pistol): إذ يوّجه إلى جبهة الحيوان في موضع محدد -يختلف تبعًا لنوع الحيوان- وعند الضغط على الزناد تنطلق خرطوشة فارغة من المسدس لتوجِّه مسماراً غليظاً إلى داخل الجمجمة ونسيج المخ، ويظل المسمار الغليظ المدبب من الأمام متصلاً بالمسدس يعود إليه آليا بواسطة نابض مرتبط طرفه الأول بالمسدس، والثاني بالمسمار، بحيث يسمح هذا الوضع باستعماله دائمًا. وباستخدام هذه الطريقة يستمر القلب في الخفقان لفترة يسيرة، وتتهتك أنسجة المخ. وبهذا لا يدوخ الحيوان فقط، بل يموت أيضاً.

 

2- تخدير الحيوان قبل الذبح، وهو بوسائل عدة أيضًا، منها:

أ‌- التخدير بثاني أوكسيد الكربون: وتعد هذه الطريقة -عندهم- من أحدث الطرائق وأنظفها، وقد استخدمت لأول مرة في أحد مصانع اللحوم المعلبة بأمريكا عام (1950م)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الدانمارك وغيرها. إذ شاع استعمالها في كثير من مجازر أوربا؛ لرخص ثمن الغاز، وسهولة العملية مقارنة بالتدويخ الكهربائي. وعلى الرغم من أن تركيز 65ــ70 % من ثاني أوكســيد الكربون في الهواء يعد كافيًا لإحداث التخدير قبل الذبح، إلّا أنَّ النســبة المســـــتعملة في المسالخ عادة لا تقل عن 70% في الهواء الذي لا يحوي أكثر من 70% أوكســـجين، الأمر الذي يؤدي إلى حـــالة شــــــديدة من الاختناق، أو ما يسمى علميًا بنقص الأوكسجين. وعلى الرغم من إشارة البعض إلى عدم تأثر اللحم بهذه الطريقة، إلّا أنه مما لا شك فيه أن صوف الغنم المخدر بهذه الطريقة يمتص جزءًا كبيراً من غاز ثاني أوكسيد الكربون من الهواء المحيط، وعادة ما يتأثر الأُس الهيدروجيني للحم، وتقل صلاحيته للحفظ والاستهلاك الآدمي[60].

ب‌-طعن النخاع الشوكي خلف الرقبة، ما بين الجمجمة والفقرة الأولى بعد خفض رقبة الحيوان إلى الأسفل بقوة، ما يؤدي إلى قطع الحبل الشوكي وبالتالي التخدير (الشلل التام) للحيوان[61]. وبعد أن يغشى على الحيوان بأي طريقة من هذه الطرائق، يعلّق منكوسًا برافعة، ويصفّى دمه إما بواسطة الذبح الأوتوماتيكي، أو من قبل جزّار يقوم بقطع الأوداج -إذا كان الجزار مسلمًا-، أو بغرس سكين في الوريد -إذا كان غير مسلم- وإخراجه بقوة؛ ليسيل الدم[62].

 ثانيًا: الذبح الآلي للدجاج

تستخدم طرائق الصعق الكهربائي وغيره في الذبح الآلي للدجاج أيضًا على اختلاف الأغراض منه، فمنهم من يعتبره من باب الرفق بالحيوان، ومنهم من يعتبره وسيلة للسيطرة على الحيوان أثناء الذبح بعد أن تشل حركته بالصعق.

ومن هذه الطرائق:

أ‌- الصعق الكهربائي، إذ يتم تعليق الدجاج من أرجله منكوسًا، ثم يعرّض لصدمة كهربائية من (50، 70، 90 فولت، أي 100، 200، 250 ملي أمبير)) كصدمة متوسطة، إما باليد، أو بواســـــــــطة صدمة (400-1000 فولت) في أقفاص موصلة بالكهرباء تصيب الطير في أي مكان، أو بصعقها عبر أحواض فيها مياه مكهربة تغطّس فيها الدواجن المعلّقة من أرجلها بواسطة شريطط متحرّك، فتفقد الوعي وتشل حركتها، بعدها يتم جرح رقابها بسكين حادد أوتوماتيكيًا، ليخرج منه الدم، إلى أن تتم المراحل الباقية من النتف والتصفية والتعليب[63]. وتستخدم تقنية الحوض المكهرب في بعض الدول العربية والإسلامية أيضًا، مع إضافة جهاز على ماكينة الذبح الآلي، مسجّل عليه "بسم الله-الله أكبر" عدة مرات[64].

ب‌-الصعق بالهواء المنفجر، فبعد أن يعلّق الدجاج من أرجله، يتم إمراره –أوتوماتيكيًا- بآلة مستديرة تنفتح إلى النصف -مكتوب عليه الذبح بطريقة التدويخ-، فيدخل رأس الدجاج فيها ويعرّض للضرب بهواء شديد الانفجار، ما يؤدي إلى فقدانها الوعي وشل حركتها، ثم تمر بجهاز آخر يقطر فيه الدم أو غيره من السوائل، وبعده تمر على جهاز يعمل بالبخار، أو الماء الحار جدًا، وتخرج منه لأجهزة النتف والتنظيف إلى أن تخرج لأكياس النايلون ثم للكرتون الذي كتب عليه باللغة العربية (ذبح على الطريقة الإسلامية)([65]).

 ثالثًا: الآثار السلبية للصعق والتخدير

من أهم الآثار الطبية المترتبة على صعق الحيوان أو تخديره قبل الذبح، السلبيات الآتية:

1- أنَّ الحيوان إذا ما فقد الوعي بواسطة المؤثرات على الجهاز العصبي -سواء بالصعق أو بالتخدير- سيؤدي ذلك إلى شلل الجهاز العصبي، وبالتالي ارتخاء القلب والعضلات، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء كمية كبيرة من الدم داخل جسم الحيوان بعد ذبحه؛ لضعف القلب والعضلات عن الانقباض والضغط على الأوردة والشرايين المؤديان إلى خروج أكبر كمية ممكنة من الدم بعد قطع الودجين[66].

2- إنَّ الوسائل المستخدمة في الصعق والتخدير قد لا تؤدي الغرض المرجو منها، وهو إراحة الحيوان وإفقاده الإحساس بألم الذبح. إذ أشارت البحوث الحديثة إلى أنَّ استجابة الحيوانات للصعق الكهربائي تختلف بعضها عن بعض، فعند تمرير التيار في رأس الخروف –مثلًا- تنقبض كل أرجله الأربعة، ويغلق عينيه لبضع ثوانٍ، ثم يفرد رجليه الخلفيتين، وبعد حوالي عشر ثوانٍ يُلاحَظ ارتخاء بالعضلات مع حركات مشي وهمية بالخلفيتين، وأثناءها تُفتح العينان، ويتجه البؤبؤ إلى الأعلى حيث يظهر بياض المقلتين فقط. وعلى هذا فلم يُتأكّد إلى اليوم أنَّ الأغنام تفقد وعيها لفترة كافية بعد تدويخها بالصدمة الكهربائية. وكذا في الأبقار لم يتأكد بعد من صلاحية التدويخ بهذه الطريقة[67]. ما يعني أنَّ الحيوان يبقى يشعر بألم الذبح، فضلًا عن ألم الصعق.

3- قد يؤدي الصعق إلى موت نسبة عالية من الحيوانات قبل ذبحها؛ لاسيما الأبقار المصعوقة بالمسدس الواقذ، إذ يؤدي استعماله إلى قتل الحيوان باعتراف مصنعيه أنفسهم[68].

 رابعًا: أحكام الذبح الآلي الشرعية

 تباينت آراء فقهاء المذاهب الإسلامية في شرعية الذبح الآلي من حيث كونه واجدًا لشروط التذكية المنصوص عليها أم لا، فمنهم من ذهب إلى حِلِّية ذبيحته مطلقًا، ومنهم مَن فصّل في الحكم.. وفيما يأتي الوقوف على رأي فقهاء الإمامية المعاصرين، وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى.

1- رأي فقهاء الإمامية

فيما تقدّم ذكر صورتين للذبح الآلي، الأولى: أن يذبح الحيوان آليًا وهو بكامل وعيه، والثانية: أن يذبح بعد تعريضه لمؤثرات خارجية من شأنها أن تفقده الوعي وتشل حركته، كالصعق أو التخدير.. ولكل من الصورتين رأي عند الفقهاء، يمكن إجمالها بالآتي:

- حكم الصورة الأولى: أفتى بعض الفقهاء المعاصرين بصحة الذبح الآلي، وحِلِّية أكل ذبيحته إذا روعي فيه شرائط الذبح المعتبرة، أو المنصوص عليها، من حيث كون المتصدي للذبح -أو مشغّل الآلة- مسلمًا، ويذكر اسم الله تعالى على الذبيحة -أو الذبائح-، ويستقبل بها القبلة، وأنَّ آلة الذبح من حديد، وتقطع الأوداج الأربعة[69].

ولكن هناك من الفقهاء مّن أثار بعض الإشكالات التي من شأنها أن توهم بعدم حِلَّية الذبيحة المذكّاة آليًا؛ لعدم تحقق الشرائط الشرعية المعتبرة فيها. وفيما يأتي ذكر لأهم هذه الإشكالات، مع أجوبة المجوّزين للذبح الآلي عنها([70]):

أ‌- انتساب الذبح للآلة، لا للإنسان: وهو مخالف لما نصّت عليه آية تحريم الأطعمة، في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...([71])، إذ نسب التذكية في (ذَكَّيْتُمْ) إلى مباشرة الإنسان لها. إضافة إلى أنَّ الروايات قد دلّت على أنّ التذكية لا تصدق بفعل غير الإنسان، كما لو أزهق الحيوان روحه من قبل نفسه، أو بفعل حيوان آخر ولو بقطع مذبحه وأوداجه ما لم يدركه الإنسان فيذكيه. منها: عن الإمام الصادق  قال: «لا تأكل منن فريسة السبع ولا الموقوذة ولا المتردّية إلاّ أن تدركها حية فتذكّيها»[72].

وجوابه: إنَّ التذكية المذكورة في الآية الكريمة، عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة الوارد على المحل القابل، لا أنها مستندة إلى المكلَّف. إذ لا شبهة في أنها فعل المكلَّف، سواء أكانت عبارة عن المسبب، أو نفس الأفعال الخاصة، غاية الأمر على الأول تكون فعله التسبيبي، وعلى الثاني تكون فعله المباشري. ويؤيده جملة من النصوص التي رتبت الحلية على نفس الأفعال، كما في خبر زيد الشحام عن الإمام الصادق(ع): «...إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به»[73]، أضف إلى ذلك أنه ورد في جملة من النصوص أنَّ ذكاة الجنين ذكاة أمّه[74]، ولو كانت التذكية اسمًا للمسبب؛ لما صح هذا الإطلاق[75]. إذ «يكفي في إنتساب فعل أو نتيجته إلى الفاعل المختار أن لا يتخلل بين عمله وبين حصول تلك النتيجة إرادة أخرى، بحيث‏ يكون حصول تلك النتيجة بفعله قهريًّا وترتبه عليه طبيعيًّا، وإنْ تأخّر عنه زمانًا أو كان بينه وبين تلك النتيجة وسائط تكوينية. ومن هنا لا يستشكل أحد في صدق القتل وانتسابه إلى الإنسان إذا ما قتل شخصًا آخر بالآلة»[76].

 

ب- إنَّ الذبيحة لا تكون مستقبلة للقبلة؛ لعدم كون منحرها وبطنها إليها. وقد نصّت الروايات، وأجمع الفقهاء -كما في الجواهر وغيره من الكتب- على مراعاة هذا الشرط، إلّا في حالة النسيان أو الجهل بالحكم، أو الخطأ في جهة القبلة، أو عدم التمكن من الحيوان؛ لاستعصائه، أو لتردِّيه ...

وأجابه السيد الروحاني: بأنَّ مقتضى إطلاق النصوص كفاية الاستقبال بالذبيحة بأي نحو كان في الحِلِّية، ولا تعتبر فيه كيفية خاصة، فلو أوقف الحيوان إلى القبلة بأن كان رأسه إليها -كهيئة الإنسان في حال الركوع والسجود، والإبل في حال النحر إذا كانت قائمة- يصدق أنه مستقبل للقبلة[77]. بل يكون الاستقبال محفوظًا أيضًا، إذا كان الذبح بشكل عمودي كما في ذبح الدجاجة بالماكينة وهي معلّقة من رجليها على رأي السيد محمود الهاشمي[78]. أضف إلى هذا فإنَّ السيد الهاشمي لم يعتبر الاستقبال في حِلِّية الذبيحة، بعد أن أطال البحث في هذا الشرط، وخلص إلى أنَّ مقتضى الدليل الاجتهادي.. حصول التذكية بغيره، إذا تحققت‏ سائر الشرائط المعتبرة؛ لما دلّت عليه عمومات التذكية في الكتاب الكريم والروايات، كما ذهب إلى إمكانية التخلّص من مشكلة الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الإسلامية، فتكون الذبيحة محللة؛ إذ لا شك في حِلِّية ذبيحتهم عند الإمامية[79].

تعقيب: يبدو في ما قاله السيد الهاشمي نظر.. إذ الظاهر من فتاوى الفقهاء أنَّ حِلِّية ذبائح المذاهب الأخرى من حيث اعتقادهم بالإسلام، لا أنهاا تحلُّ وإن أخلّ الذابح بالشرائط المعتبرة عند الإمامية مع حصول القطع بذلك الخلل بالنسبة للمكلَّف. ولا أدل على اعتبار حيثية المعتقد من أنَّ الكتابي –أو غيره من الكفار- لو جاء بجميع ما يعتبره الإمامية من شرائط في التذكية لما حلّت ذبيحته.

ج‌- عدم تحقّق التسمية من الذابح؛ إمّا لحصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفري أوداجه الأربعة وبين زمان تشغيل الماكينة، أو ربط الحيوان بها من قبل الإنسان المستخدم لها أولًا، وإمّا أنه يسمّي تسمية واحدة للذبائح المتعددة ثانيًا.

وجواب الأول: أنه يمكن تلافي حصول الفاصل الزمني بين التسمية والذبح، بـ[80]:

1- افتراض تكرار الذابح -وهو المحرِّك للآلة أو الذي يربط الحيوانات بها للذبح- للتسمية إلى زمان حصول الذبح بها. وذهب السيد علي السيستاني إلى تكرار التسمية ما دام الجهاز مشتغلًا بالذبح، أما مع الشك في حلية الذبيحة من جهة الشك في وقوع التسمية، فإنها تعتبر طاهرة ويحلّ أكلها[81].

2- أنَّ الفاصل الزماني إذا كان قصيرًا بحيث ‏يُعَد عرفًا بحكم المتصل بزمان الذبح، شمله إطلاق ذكر اسم الله في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...[82]، وكذا إطلاق الروايات.

3- إنَّ زمان‏ الذبح بكل شيء يكون بحسبه، فإذا كان الذبح باليد فزمانه مثلًا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفري، وأما إذا كان بالآلة فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث‏ يتحقق الذبح ويترتب عليه قهرًا. وهذا نظير التسمية في الصيد، حيث ‏يتحقق عنوان الصيد من حين رمي السهم أو إرسال الكلب، ولهذا يجب التسمية عنده، وإن كانت إصابة الحيوان الذي يُراد صيده بالسهم أو بالكلب المعلَّم متأخرًا زمانًا.

أما جواب الثاني: ففيه تفصيل، فإنْ كان الذبح تدريجيا –أي حيوان بعد آخر- لم يكفِ تسمية واحدة؛ لأنه حين ذبح الثاني لم يُسمِّ، والتسمية الأولى منفصلة عن هذا الذبح، في حين أنَّ الأمر يوجب التسمية عند الذبح. وإنْ كان الذبح دفعيًا –أي تذبح الحيوانات جميعًا مرة واحدة- كفت التسمية الواحدة لجميعها؛ ودليله مقتضى إطلاق الآيات القرآنية هو الاكتفاء في الحل بذكر اسم الله على الذبيحة، وفي الفرض يصدق أنه ذكر اسم الله على الذبائح، كما أنَّ الفقهاء قد أفتوا بأنه إذا أرسل الصائد كلبًا معلَّمًا أو رمى سهمًا وذكر اسم الله فصاد الكلب صيدًا آخر أو أصاب السهم حيوانًا آخر حلَّا معًا، مع أنَّ المفروض أنه لم يُسمِّ إلّا واحدة، وهذا العنوان يصدق في المقام[83].

 د‌- إبانة -قطع- رأس الذبيحة عمدًا، وقد نُهي عنه، والنهي يعني حرمة الذبيحة.

وجوابه: هناك اختلاف بين الفقهاء في إفادة النهي للحرمة، إذ ذهب بعضهم إلى عدم إبانة الرأس قبل أن تبرد الذبيحة، وذهب آخرون إلى حرمة الإبانة وعدم محرّميتها للذبيحة. أما المشهور بين الفقهاء فهو الكراهة، وهي الأظهر عند السيد الروحاني، ودليله على جواز الإبانة إطلاق الأدلة، سواء القرآنية أو الحديثية([84]).

ه‌- تذبح الذبيحة من القفا، وهو مستلزم لإبانة الرأس الموجِب للحرمة، كما أنَّ مشهور الفقهاء يشترط استقرار الحياة في الحيوان بعد قطع الرقبةة وقبل قطع الحلقوم، أي أنه يمكن لمثله أنْ يعيش اليوم والأيام، فلو كانت الحياة غير مستقرة فيه فهو بمنزلة الميتة ولا يحِلّ بالذباحة[85]،

وأجابه السيد الروحاني: «ولكن: الحق تبعًا لأكثر القدماء والمتأخرين عدم اعتبار استقرار الحياة، بل عن الشيخ يحيى بن سعيد، إنَّ اعتبار استقرار الحياة ليس من المذهب، بل المعتبر أصل الحياة المستكشفة بالحركة بعد الذبح ولو كانت جزئية يسيرة، أو خروج الدم المعتدل»[86]، وقد استدل في عدم اعتبار استقرار الحياة بالاستثناء بـ (إلّا) في قوله تعالى ...إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...[87] من النطيحة(*)، والمتردية(**)، وما أكل السبع.. وفي صحيح زرارة عن الإمام الباقر  قال: «كُلْ كُلَّ شيء من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والمتردية وما أكل السبع، وهو قول الله (إلّا ما ذكيتم) فإن أدركت شيئًا منها وعينهه تطرف، أو قائمة تركض، أو ذَنَب يمصع، فقد أدركت ذكاته فكُلْه...»[88] وصحيح الحلبي عن الإمام الصادق(ع) «...إذا تحرك الذَنَب أو الطرف أو الإذن فهو ذكي»[89] ...إضافة إلى كثير من النصوص التي استدل بها، ومنها خلص إلى القول بـ «عدم اعتبار استقرار الحياة، بل المعتبر أصل الحياة، وعليه فالذبح من القفا لا إشكال فيه، إن كان الحيوان حيًّا قبل أن يفري الأوداج ومات بعد تمامية الفري»[90].

تعقيب: يبدو لي أنَّ رأي السيد بحاجة إلى وقفة؛ لأنَّه ثبت في علم الطب أنَّ قطع النخاع الشــــوكي يحدث صدمة عصبية في الحيوان، ومنها تحدث الوفاة بسرعة، «وهو ما يحدث في حالة الشـــنق عند فصل الرأس عن الجسم، بتعليق ثقل الأخير على الوصلة بين الفقرة العنقية الأولى والجمجمة، وهي بالفصل أسرع طريقة للموت»[91]. وعلى فرض بقاء الحيوان حيًّا للحظات فإنَّ قطع النخاع يتسبب في حدوث الشلل التام ومن ثم لا يخرج الدم بشكل متعارف -وهو المعتبر شرعًا-؛ لأنه سيظل حبيسًا بين العضلات والأحشاء ولا يجد ما يضغط عليه للخروج منها.

حكم الصورة الثانية:

الحكم في هذه الصورة مبني على رأي أهل الاختصاص –من أطباء، وأطباء بيطريين...وغيرهم- وفيه وجهان[92]:

الوجه الأول: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق الكهربائي أو استنشاق غاز ثاني أوكسيد الكربون، أو أي طريقة أخرى تؤدي إلى موت بعض الحيوانات، فحينئذذ يحصل علم إجمالي بموت بعضها قبل إجراء التذكية لها، وبهذا لا يمكن الحكم بحلّ أي ذبيحة من هذه الحيوانات؛ لأنَّ الشبهة محصورة فيها.. وكذا إذا كانت الذبائح المعلّقة على الشريط الدوّار ليست كلّها على نسق واحد من ناحية الطول، وحينئذ فقد تضرب الآلة الحادّة موضع الذبح وقد تضرب الرأس نفسه أو الصدر، وبه لا تكون كل الحيوانات مذكّاة؛ لحصول علم إجمالي بقتل بعضه بما ليس ذبحاً شرعياً، ومن هنا لا يمكن الحكم بحِلِّ هذه الطريقة إلاّ إذا تم التأكّد من أنّ الحيوان الذي صُعق بالكهرباء لم يمت، وأن الآلة الحادة قد ذبحته في موضع التذكية.

الوجه الثاني: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق والتخدير يؤديان إلى فقدان الحيوان لوعيه فقط، وأنه سيعود إليه بعد مدّة معينة، فيكفي في هذه الحالة إجراء التذكية على الحيوان لحِلِّيته، ويكفي خروج الدم المتعارف في أمثال هذه الحيوانات المدوّخة وإنْ كان زمن النزف فيه أطول من الوقت المعتاد بدون التدويخ. وأمّا إذا شُكَّ في حياة الحيوان بعد التدويخ، فيكفي للحكم بالحياة حركته بعد التذكية (كحركة الذَنَب والاُذن)؛ وذلك للروايات الصحيحة: منها صحيحتي زرارة والحلبي المتقدمتي الذكر[93]. وعلى هذا فمن الطبيعي حرمة الحيوان المشكوك حياته إذا اُجريت عليه التذكية ولم يتحرك منه شيء.

تعقيب: الاستدلال بهاتين الروايتين فيه تأمّل، إذ لسان حالهما إعطاء الحكم في الحيوان مشكوك الحياة بسبب طبيعي، كأن يكون مصاب بمرض، أوو نطحه حيوان آخر، أو تردّى، أو أكله السبع...إلخ وأدركه الإنسان، فله أن يذكّيه ويأكله؛ لئلّا يذهب لحمه وماليّته هدرًا، لا أنَّ الإنسان نفسه هو الذي يتعمّد إلى جعل الحيوان بحالة تشبه هذه الحالات وهو في غنًى عنها!.

2- رأي فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

سأذكر أهم آرائهم في الوقت المعاصر، المتمثل بمجمع الفقه الإسلامي، وداري الإفتاء (المصرية، والسعودية).

أ‌- مجمع الفقه الإسلامي.

 قرر (مجلس مجمع الفقه الإسلامي) المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدّة -السعودية- خلال الفترة (28/6–3/7/1997م)، وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة إلى المجمع في موضوع الذبائح، واستماعه للمناقشات التي دارت بمشاركة الفقهاء والأطباء وخبراء الأغذية، ما يأتي[94]:

- حكم الذبح الآلي:

الأصل أن تتم التذكية في الدواجن وغيرها بيد المذكّي، ولا بأس باستخدام الآلات الميكانيكية في تذكية الدواجن ما دامت شروط التذكية الشرعية قد توافرت، وتجزئ التسمية على كل مجموعة يتواصل ذبحها، فإن انقطعت أعيدت التسمية.

أن يكون المذكّي بالغًا أو مميزًا، مسلمًا أو كتابيًا.

 أن يكون الذبح بآلة حادة تقطع وتفري بحدِّها، سواء كانت من الحديد أم من غيره مما ينهر الدم.

أن يذكر المذكّي اسم الله تعالى عند التذكية. ولا يكتفي باستعمال آلة تسجيل لذكر التسمية، إلّا أنَّ من ترك التسمية ناسيًا فذبيحته حلال.

 حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

 الأصل في التذكية الشرعية أن تكون بدون تدويخ للحيوان، لأنَّ طريقة الذبح الإسلامية بشروطها وآدابها هي الأمثل، رحمة بالحيوان وإحسانًا لذبحته وتقليلًا من معاناته، ويطلب من الجهات القائمة بالذبح أن تطور وسائل ذبحها بالنسبة للحيوانات الكبيرة الحجم، بحيث تحقق هذا الأصل في الذبح على الوجه الأكمل.

والحيوانات التي تذكّى بعد التدويخ فذكاتها شرعية، ويحِلّ أكلها إذا توافرت الشروط الفنية التي يتأكد بها عدم موت الذبيحة قبل تذكيتها، وقد حددها الخبراء بـ : (أن يتم تطبيق القطبين الكهربائيين على الصدغين أو في الاتجاه الجبهي-القذالي (القفوي)، وأن يتراوح الفولطاج ما بين (100-400 فولط)، وأن تتراوح شدة التيار ما بين (750-1 أمبير) بالنسبة للغنم، وما بين (2-2,5 أمبير) بالنسبة للبقر. وأن يجري تطبيق التيار الكهربائي في مدة تتراوح ما بين (3-6 ثوان).

 لا يجوز تدويخ الحيوان المراد تذكيته باستعمال المسدس ذي الإبرة الواقذة أو بالبلطة أو بالمطرقة، ولا بالنفخ على الطريقة الإنجليزية.

 لا يجوز تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، لما ثبت بالتجربة من إفضاء ذلك إلى موت نسبة غير قليلة منها قبل التذكية.

 لا يحرم ما ذكّي من الحيوانات بعد تدويخه باستعمال مزيج ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأوكسجين أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي بصورة لا تؤدي إلى موته قبل تذكيته.

 ب‌- دار الإفتاء المصرية

- حكم الذبح الآلي:

أفتوا بصحة الذبح الآلي إذا تطابق مع شروط التذكية عندهم، من حيث كون الذابح –مشغل الماكينة- مسلمًا أو كتابيًا، ويذكر التسمية أثناء التشغيل أو أنها تُذكر من خلال جهاز التسجيل -ولا بأس إنْ لم تذكر أصلًا على رأي المذهب الشافعي- ، كما اشترطوا أن يكون الذبح بحدِّ الآلة لا بشيء آخر.. والفتوى هي: «إذا كانت آلة الذبح تقتل بحدِّها لا بأي طريقة أخرى، وكان من يقوم بتشغيلها مسلمًا أو كتابيًّا، وكان المذبوح مأكول اللحم –فإن أكله حينئذٍ حلال... والتسمية عليه عند ذبحه –بعد ذلك كله– سُنَّةٌ لا يضر تركها كما هو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة»[95].

- حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

أناطوا الحكم في هذه الصورة بأهل الاختصاص أيضًا، واشترطوا في صحته استقرار الحياة في الحيوان بعد الصعق أو التخدير، والفتوى هي: «إذا ثبت طبيًّا وعلميًّا أنَّ استخدام طريقة ما للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه يترتب عليها خروج الحيوان من الحياة المستقرة إلى موت أو إلى حركة مذبوح لا يتحرك بالإرادة -مما يتعارض مع شروط الذبح المقررة في الفقه الإسلامي– فإن هذه الطريقة لا تجوز شرعًا، أما إذا اقتصرت آثارها على إضعاف المقاومة أو تخفيف الألم فقط -وبحيث لو ترك دون ذبح لعاد إلى حياته الطبيعية– فإنه يجوز استخدام هذه الطريقة للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه في هذه الحالة؛ لأنه لا يتعارض مع القواعد الشرعية في ذبح الحيوان»[96].

ولمزيد من التوضيح أنقل استفتاء آخر، جاء فيه:

 «اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1401 لسنة 2005م، المتضمن ما يأتي: ... قامت شركتنا بالاتصال بمعظم الشركات الأجنبية المتخصصة في إنشاء المجازر الآلية وأفادت جميعها بالآتي:

أنه من المعروف في جميع المجازر الآلية أن الدجاجة عند تعليقها في السير العلوي تمهيدا لذبحها فإنها تُعَلق من رجليها، ورأسها إلى أسفل وبالتالي فإنها تتحرك بصفة مستمرة خاصة أجنحتها ورأسها. أن نظام الذبح الأوتوماتيكي عبارة عن عدد 2 ماكينة: الأولى تقوم بتهدئة الدجاجة قبل دخولها إلى الماكينة الثانية وهي الذبح الآلي، وهذه التهدئة تتم عن طريق مرور تيار كهربائي في حوض به ماء، ثم دخول الدجاجة أوتوماتيكيًّا إلى هذا الحوض لمدة ثوان، مما يؤدي إلى شل حركتها تمامًا الرأس والأجنحة، وليس خنقها أو موتها؛ وذلك تمهيدًا لدخولها إلى ماكينة الذبح الآلي المركب عليها سكاكين حادة للغاية تقوم بذبح الدواجن آليًّا دون فصل الرأس.

سيتم تركيب جهاز تسجيل على ماكينة الذبح الآلي مسجّل عليه "باسم الله – الله أكبر" عدة مرات. والمرجو من سيادتكم التكرم بالإفادة عن حكم الشريعة الإسلامية فيما سبق ذكره، وهل هذا الذبح بهذه الطريقة مطابق للشريعة؟

الـجـــواب: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

الذي جرى عليه جمهور الفقهاء أنَّ كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فهو آلة للذبح –ما عدا الظفر والسن... وعليه وفي واقعة السؤال: فإذا كان الحال كما ورد بالسؤال وأن الدجاج سوف يذبح بطريقة آلية في مرحلتين: الأولى: الغرض منها إضعاف مقاومة الحيوان؛ ليسهل التحكم فيه والسيطرة عليه ولا تؤدي إلى موته، بمعنى أنه لو تُرِكَ بعد مروره بالتيار الكهربائي دون ذبح عاد إلى حياته الطبيعية جاز استخدام هذه الطريقة وحل أكل هذا الحيوان بعد ذبحه ذبحًا شرعيًّا. أما إذا كان مرور الدجاج بالتيار الكهربائي يؤثر على حياة الحيوان بحيث لو تُرِكَ بعد التخدير دون ذبح فإنه يفقد حياته فإن الذبح حينئذٍ يكون قد ورد على ميتة، فلا يحل أكلها في الإسلام. وبناءً عليه: إذا تأكد أهل الاختصاص أن مرور الحيوان بماء به تيار كهربائي -كما وُصِفَ بالسؤال- لا يؤثر على حياة الحيوان أو خروج الدم منه، ثم إنه يذبح بالمرحلة الثانية الموصوفة بالسؤال، فيكون الذبح حلالا ولا غبار عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم«[97].

ج‌- دار الإفتاء السعودية

أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بانَّ «الذبح بالآلات التي تقطع ما شرع قطعه من الحيوانات المأكولة اللحم على الطريقة الشرعية لا يختلف عن الذبح بالسكين، فإذا قصد الذبح من حرّك الآلة بأي وسيلة، وذكر أسم الله وحده، حين ذاك أكلت ذبيحته إذا كان مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، لأن كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فهو حلال أكله، إلّا السن والظفر»[98]..

وأجاب الشيخ ابن باز عن استفتاء يُسأل فيه عن حلّيِة أكل ذبائح النصارى في الزمن الحاضر، مع العلم بتعدد طرائق الذبح لديهم كاستخدام الماكينات والمواد المخدرة في عملية الذبح، فأجاب: «يجوز أكل ذبائحهم ما لم يعلم أنها ذبحت بغير الوجه الشرعي، لأن الأصل حلها كذبيحة المسلم لقول الله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم"»[99].

وعقّب على فتوى الشيخ يوسف القرضاوي[100] التي يقول فيها: «اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظ مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه حِلٌّ لنا ما داموا يعتبرون هذا حلالاً مذكّى...»، أنَّ هذه الفتوى فيها تفصيل مع العلم بأن الكتاب والسنة قد دلّا على حل ذبيحة أهل الكتاب، وعلى تحريم ذبائح غيرهم من الكفار، وأما ما ذُبِح على غير الوجه الشرعي، كالحيوان الذي علمنا أنه مات بالصعق أو بالخنق ونحوهما، فهو يعتبر من الموقوذة أو المنخنقة حسب الواقع سواء كان ذلك من عمل أهل الكتاب أو عمل المسلمين، أما كون اليهود أو النصارى يستجيزون المقتولة بالخنق أو الصعق فليس ذلك يجيز لنا أكلهما كما لو استجازه بعض المسلمين، وإنما الاعتبار بما أحلَّه الشرع المطهر أو حرّمه، وكون الآية الكريمة قد أجملت طعامهم لا يجوز أنْ يؤخذ من ذلك حِلُّ ما نصّت الآية الأخرى على تحريمه من المنخنقة والموقوذة ونحوهما، بل يجب حمل المجمل على المبين كما هي القاعدة الشرعية المقررة في الأصول[101]. ولا ريب انّ رأيه يوافق رأي مشهور الفقهاء.

المطلب الثاني: الذبح المشترك (الآلي- اليدوي) وأحكامه

بعد أنْ تحرّت الدول الإسلامية عن اللحوم المورَّدة من الدول الغربية، وعرفت طرائق الذبح فيها، وجدتها لا تتماشى والشريعة الإسلامية؛ لما يعتري طرائق الذبح هذه من شبهات، فعزفت عن استيراد هذه اللحوم أو قللت منها. الأمر الذي جعل بعض الدول الغربية تبادر إلى إنشاء مجازر الذبح الحلال –كما يطلقون عليها- التي يكون الذبح فيها يدويًا -ولكن بمساعدة الآلات- دون أن يسبقه صعق أو تخدير للحيوانات. وصورة هذه الطريقة هي:

أولًا: في ذبح الأبقار والأغنام

تذبح الأبقار بعد أن تساق فرادى إلى مكان ضيق، ثم يغلق عليها بطريقة لا تستطيع الخلاص منه، ثم يقوم أحدهم بمطرقة في يده بضرب رأس الحيوان ضربة غير مميتة بقصد أن يغيب عن وعيه ليمكن السيطرة عليه أثناء الذبح، وفعلًا يسقط الحيوان على الأرض، ثم تتناول قدمه مباشرة رافعة ترفعها –أوتوماتيكيًا- إلى الأعلى ورأسه منكس إلى الأسفل، فيتولى الذابح قطع الأوداج بسكين يدوي، أما الأغنام فتعلّق بواسطة آلة أيضًا -دون أن تضرب بمطرقة- ثم تذبح يدويًا بقطع الأوداج بسكين حاد[102]..

ثانيًا: في ذبح الدجاج: إذ يتم تعليقها مباشرة من أرجلها منكوسة الرأس –أيضًا- على آلة متحركة -شريط سيّار- تسوقها إلى مكان وجود قرص حاد دوار يقوم بذبح الدجاجات الواحدة تلو الأخرى وعلى بعد أقل من متر -والدجاج لا يزال على الشريط نفسه- يوجد ذابح بيده سكين يتابع ويتمم ذبح ما لم يتم ذبحه بواسطة القرص، مع ترديده للتسمية، ومن ثم فالآلة نفسها تسوق الطير المعلق بعد عملية الذبح إلى مكان فيه ماء ساخن لتغمسه فيه كي يتم نتفه وتنظيفه، ومن ثم يساق إلى مكان التعبئة بالأكياس النيلون وبعدها إلى مكان مبرّ ّد مخصص للتخزين[103].

والمؤاخذ على هذه الطريقة، أنها:

1- لا يعرف فيها هوية الذابح.

2- لا يراعى فيها مسألة استقبال القبلة.

3- لا يتحقق فيها قطع الوريدين غالباً، وعندما تصل الدجاجة غير المذبوحة إلى مكان الذابح تصل وهي مختنقة بفعل ضغط القرص من غير ذبح، فيبادر إلى ذبحها وهي ميتة غالبًا. كما أنَّ الدجاج المذبوح يغمس في الماء المغلي بعد مدة وجيزة من الذبح قد لا يكون الطير خلالها قد فارق الحياة.

وعلى الرغم من أنَّ المذاهب الإسلامية الأخرى تجيز ذبح الكتابي (اليهودي، أو النصراني) وتجيز الذبح الآلي، إلّا أنَّ بعض دول الخليج والدول الإسلامية اتفقت مع بعض المجازر الغربية على أن يكون الإشراف على الذبح اليدوي بنفسها، كما أنَّ بعضها أنشأت مجازر خاصة بها في تلك الدول لتقوم بعملية التذكية بنفسها.

ولأنَّ شروط التذكية عند الإمامية تختلف عن شروط المذاهب الأخرى وبالتالي لا يمكن عد تذكيتها تذكية شرعية، بادرت مؤسسة (الكفيل) التابعة إلى العتبة العباسية المقدسة في العام (2008م) إلى الاتفاق مع بعض المجازر البرازيلية على أن تكون تذكية الدجاج تتم تحت إشرافها لضمان تحقق شروط التذكية عند الإمامية، والتي تشترط أن يكون الذابح مسلمًا وأن يُستقبل بالحيوان القبلة وأن تذكر التسمية على كل حيوان على حدة. كما أنَّ الذبح في هذه المجازر يتم يدويًا بسكين حاد. ومن ثم تبعتها مؤسسات أخرى إلى التوجّه نفسه، كما في دجاج (باب المراد) الذي تتولى الإشراف على تذكيته العتبة الكاظمية المقدسة، وكذلك دجاج (الأمير)، ودجاج (الهدى) برعاية مؤسسات دينية في النجف الأشرف..

وحسب ما يشاع أنَّ هذه العلامات التجارية مزكّاة من قبل المرجعيات الدينية في النجف الأشرف.. ولكن لم يتسنى لي العثور على هذه التزكيات سواء عن طريق فتوى أو عن طريق منشور، ولكني وجدت فتوى خطية للشيخ محمد إسحاق الفياض منشورة على أحد المواقع الألكترونية تشير إلى تزكيته لماركة دجاج الكفيل، ولا أعلم مدى صحتها، وهذه صورتها:

 الحكم الشرعي للذبح المشترك

لا ريب أنَّ هذا النوع من الذبح هو ذبح شرعي صحيح لايشوبه شائبة إنْ اتصف بما يشاع عنه؛ على اعتبار أنَّ الذبيحة مذكّاة وفق الشروط المعتبرة عند الإمامية، إلّا أنه قد توجّه إليه بعض إشكالات تتعلّق بأمرين، بعد فرض صحة التذكية، هما:

1- أنَّ الذبيحة وإن كان رأسها ومذبحها موجّهان نحو القبلة، إلّا أنهما بهيئة منكوسة؛ لأنها معلّقة من أرجلها ورأسها إلى الأسفل، وسبق وأن تقدم في بعض الروايات أنها أمرت بتوجيه مقاديم الذبيحة ومنحرها نحو القبلة، فذهب فقهاء إلى اعتبار إضجاع الذبيحة على جهتها اليمنى أو اليسرى وهي بهذه الكيفية، وذهب آخرون إلى أنه يكفي توجيه الرأس والمقاديم وإن كان الحيوان في حالة الوقوف أي بشكل عمودي.

2- أنَّ الدجاج يغمس بالماء الحار لنتف ريشه وتنظيفه بعد الذبح بقليل، وغالبًا ما يكون بعضه لم يمت بعد و يتم موته خنقًا بالماء، وهو يتنافى مع رواية حمران بن أعين عن أبي عبد الله (ع) في قوله: «إذا ذبحت فأرسل ولا تكتف... فإن تردّى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكلهُ، ولا تُطعِمه، فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح...»[104].

واُجيبَ عن الأول: بأنَّ الاستقبال المتيقن هو مطلق الاستقبال، ولا إشكال في كون الذبيحة منكوسة الرأس، أو بأي كيفية كانت، إنما يكفي أن يكون مذبحها إلى القبلة. وهو ما ذهب إليه كل من السيد محمود الهاشمي[105]، والسيد علي الخامنئي[106]، والسيد كمال الحيدري[107].

أما الثاني فيمكن إجابته بما قاله الشيخ الجواهري بـ: «ضرورة اقتضاء الأدلة كون ذبح الحي سببًا في الحل وإن حصل سبب آخر بعد الذبح»[108] واستدل عليه بصحيحة زرار ة عن الإمام أبي جعفر(ع)، قال: «وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد أجدت الذبح فكل»[109]، ثم عقّب بالقول: «ولا ينافي ذلك خبر حمران عنه(ع) أيضًا، "...فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح" بعد أن لم نجد العامل به ممن يعتد بقوله»[110] .

 تعقيب: ومما سبق من القرائن يُفترض القول بصحة التذكية اليدوية بهذه الطريقة، اللهم إلّا إذا حصل الشك وعدم اطمئنان عند المكلَّف في نفس تحقق شرائط التذكية في الخارج، كونه لم يقف عليه بنفسه، أو لم يطمئن لما يخبر عنه، فالأمر حينئذ عائد إليه، والاحتياط حسَنٌ عقلاً.

 الخاتمة والنتائج

بعد استقراء البحث لطرائق التذكية المستخدمة في الوقت المعاصر، وآراء الفقهاء فيها، خرج بالنتائج الآتية:

1- يتفق الفقهاء المعاصرون –ومن كلا الفريقين- على أنَّ الذبح الآلي إذا تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة شرعًا فهو ذبح صحيح ويحل أكل ذبيحته. ولا يخفى أنَّ رأي الفقيه هنا هو بيان الحكم فقط، أمّا مدى تحقق موضوعه في الخارج فلا علاقة له بذلك، وإنما الأمر موكول إلى المكلّف نفسه في التحقق منه.

2- الذبح الآلي وإن تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة، فإنه محفوف بحكم المكروه وتفويت المستحب، إذ في الغالب يؤدي إلى إبانة الرأس، والذبح من القفا، وذبح الحيوانات بمرأى ومسمع بعضها من بعض، كما لا يفرِّق بين الذبح إن وقع في الليل أو في النهار، في يوم الجمعة أو غيره من الأيام، بيد الذابح المتدين أو الفاسق.. إلى غيرها من الآداب التي اعتبرتها الشريعة فأمرت ببعضها ونهت عن أخرى، ولو لم يكن لها تأثير وضعي على الذبيحة ولحمها ومنه على الإنسان لما ورد حكم الكراهة، كما لا ريب أنَّ حكمي المكروه والمستحب من أحكام الله تعالى وهو أعلم بما فيهما من مصلحة ومفسدة، فينبغي للعاقل الامتثال لهما لتحصيل المصلحة والنأي عن المفسدة.

3- إنَّ أغلب ما يوجد اليوم في سوق المسلمين من لحوم مذكّاة وفق هذه الطرائق -سواء المستوردة أو المحلية- هي لحوم مشكوك في حِلِّيتها، ولمّا أصبح هناك شبه يقين، بل يقين عند المسلمين أنَّ جميع ما تقدمه مطاعمهم من لحوم هي لحوم مذكاة بهذه الطرائق، فهل قاعدة (سوق المسلمين) لا زالت عاملة في الوقت المعاصر؟؟ سؤال أوجهه لذوي الاختصاص من مدرسة أهل البيت (عليه السلام) لاسيما ما يخص سوق المسلمين من المذاهب الأخرى؛ لأنَّ أسواقهم ومطاعمهم مملوءة بهذه الأنواع من اللحوم، وقد ثبت أنهم يجوّزون ذبح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فضلًا عن أنّهم أنفسهم لا يستقبلون القبلة بذبائحهم، ومنهم من يستحل أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.

 

د. حميدة الأعرجي

..........................

الهوامش

[1]- الشيخ الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي (ت:329هـ)/الكافي-باب الأطعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية– إيران، حيدري، ط5، 6/242 ، الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ)/علل الشرائع، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها-النجف الأشرف، 1966م، 2/484.

[2]- البقرة/172.

[3]- البقرة/168.

[4]- البقرة/173.

[5]- الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي (ت:370هـ)/أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية–بيروت، 1994م ، 1/130.

[6]- الأنعام/145.

*- الكَلَب -بالتحريك- العطش والحرص والشدة، والأكل الكثير بلا شبع، وجنون الكلاب المعتري من لحم الإنسان، وقيل هو داء يعرض للإنسان شبه الجنون. الفيروز آبادي (ت: 817هـ)/القاموس المحيط، مادة (كَلَبَ).

[7]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/243 ، الشيخ الصدوق/من لا يحضره الفقيه، 3/347 .

[8]- الشيخ الصدوق/عيون أخبار الرضا ، 1/104.

[9]- ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ت:711هـ)/لسان العرب، نشر أدب الحوزة–قم، 1405هـ، مادة (ذكا)، 14/288.

[10]- المائدة/3.

[11]- ظ: المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، انتشارات استقلال–طهران، أمير–قم، ط2، 1409ه، 4/739 ، الشهيد الثاني: زين الدين بن علي العاملي (ت: 966هـ)/مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدسة، پاسدار إسلام، ط1، 1417هـ، 11/شرح473.

[12]- محمد حسن البجنوردي/القواعد الفقهية، تحقيق: محمد المهريزي، محمد حسن الدرايتي، دار الهادي، ط1، 1419هـ، 6/386.

[13]- م. ن.

[14]- روح الله الموسوي/كتاب الطهارة، مطبعة الآداب-النجف الأشرف، 1389ه، 3/525 ، وأيضًا في كتابه الرسائل، مؤسسة اسماعيليان، 1385ه، 1/144.

[15] - أحمد فتح الله/معجم الفاظ الفقه الجعفري، مطابع المدوخل-الدمام، ط1، 1995م، ص97.

[16]- أبو بكر محمد بن عبد الله بن احمد المعافري/أحكام القرآن، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الفكر-لبنان، 2/27.

[17]- خليل بن إسحاق الجندي (ت: 767هـ)/مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1، 1995م، ص77.

* - أي ابن المسلم الذي لم يبلغ بعد، فهو بحكم المسلم.

[18]- ظ: الشيخ الطوسي(ت: 460هـ)/الخلاف، مؤسسة النشر الإسلامي- -قم المشرفة، 1407هـ، ، 6/24 ، ابن إدريس الحلي: أبو جعفر محمد بن منصور (ت: 598هـ)/السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1410هـ ، 3/106 ، المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، انتشارات استقلال-طهران، ط2، 1409هـ، 4/729 ، الخوئي: السيد أبو القاسم الموسوي (ت: 1413هـ)/منهاج الصالحين، مهر-قم المشرفة، ط28، 1410هـ، 2/335... وغيرهم.

[19]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/237.

[20]- ظ: العلّامة الحلي: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (ت: 726هـ)/مختلف الشيعة، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1413هـ، 8/295.

[21]- الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي/المقنع، مؤسسة الإمام الهادي  -قم المقدسة، اعتماد (1415هـ)، ص417 ، الروحاني: السيد محمد صادق الحسيني/فقه الصادق، مؤسسة دار الكتاب–قم المقدسة، العلمية، ط3 ، 1414هـ، 24/شرح 9-23 ، وأيضًا في كتابه المسائل المستحدثة، مؤسسة دار الكتاب-قم المقدسة، فروردين،، ط4، 1414هـ، ص133.

* - المروة: الحجر الأبيض الحاد الذي يقدح النار.

[22]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[23]- الشيخ الطوسي/الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط4، 4/80.

[24]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[25]- ظ: الشهيد الثاني: زين الدين الجبعي العاملي (ت: 965هـ)/شرح اللمعة الدمشقية، جامعة النجف الدينية، ط1، 1386هـ، 7/شرح215 ، الجواهري: الشيخ محمد حسن النجفي (ت: 1266هـ)/جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيقق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط2، 36/110 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134... وغيرهم.

[26]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[27]- م. ن. ،6/233.

[28]- الأنعام/118.

[29]- الأنعام/121.

[30]- ظ: الجواهري/جواهر الكلام، 36/113 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134 ... وغيرهم.

[31]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233

[32]- م. ن. 6/234.

[33]- ظ: الإمام مالك (ت: 179هـ)/الموطّأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي–بيروت، 1985م، 2/49 ، علاء الدين السمرقندي–الحنفي- (ت: 539هـ)/تحفة الفقهاء، دار الكتب العلمية–بيروت، ط2، 1993م، 3/68 ، الإمام أحمد المرتضى: أحمد بن عبد الله الجنداري الزيدي- (ت: 840هـ)/شرح الأزهار، مكتبة غمضان–صنعاء، 4/80 ... وغيرهم.

[34]- الشيخ الطوسي/الاستبصار، 4/80 .

*- التسمية من السنّة –مستحبة- وليست شرطًا عند الشافعية. ظ: الإمام الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت: 204هـ)/الأُم، دار الفكر-بيروت، ط2، 1980م، 2/257.

[35]- ظ: السرخسي: محمد بن أبي سهل الحنفي (ت: 483هـ)/المبسوط، دار المعرفة-بيروت، 11/227 ، عبد الله بن قدامة الحنبلي (ت: 620هـ)/المغني، 11/43 ، محي الدين النووي الشافعي (ت:676هـ)/المجموع-شرح المهذب، دار الفكر، 9/81 ، أحمد المرتضى/شرح الأزهار، 4/81... وغيرهم.

ويعلِّل النووي حرمة التذكية بهما؛ لأنَّ السِّن عظم، ولا يجوز تنجيسه بالدم، لما نُهي عن تنجيس العظام؛ لكونها زاد الجن، وأما الظفر، فمُدَى الحبشة [أي أنهم يستخدموه كسكّين للذبح]، وهم كفار، وقد نُهي عن التشبه بالكفار. المجموع، 9/81.

[36]- مسلم: أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: 261هـ)/الجامع الصحيح، دار الفكر–بيروت، 6/78.

[37]- ظ: السرخسي/المبسوط، 12/5 ، ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)/بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر-بيروت، 1995م، 1/361 ، محي الدين النووي/المجموع، 8/358 ، الحطاب الرعيني: أبو عبد الله محمد بن محمد المغربي المالكي (ت:954هـ)/مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1 (1995م)، 4/280... وغيرهم.

[38]- وَهْبَة الزُّحَيْلِي/الفقه الإسلامي وأدلَّته، دار الفكر–سوريَّة، ط4، 4/306 (كتاب الكتروني-الموسوعة الشاملة islamport.com www.)

[39]- المائدة/5.

[40]- ظ: ابن رشد الحفيد/بداية المجتهد، 1/361-362 ، الحطاب الرعيني/مواهب الجليل، 4/313 ، الشربيني: محمد بن أحمد الشافعي (ت: 977هـ)/ مغني المحتاج، دار إحياء التراث العربي-بيروت، 1958م، 4/266 .

[41]- أبو بكر الكاشاني: علاء الدين بن مسعود الحنفي (ت: 587هـ)/بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المكتبة الحبيبية–باكستان، ط1، 1989م، 5/45.

[42]- البخاري: أبو عبد الله محمد بن اسماعيل (ت: 256هـ)/صحيح البخاري، دار الفكر-بيروت، 1981م، 3/141 ، و ظ: مسلم/الجامع الصحيح، 7/14.

[43]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/حكم الذبائح المستوردة، ع6، 1402هـ، فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن أكل اللحم الوارد من الخارج، ص186، منشورة على موقع دار الإفتاء السعودية www.alifta.net.

[44]- الإمام الشافعي/الأم، 2/254-255.

[45]- الدسوقي/حاشية الدسوقي، 2/101.

[46]- المائدة/3.

[47]- عادل البعداني/أحكام الذبائح واللحوم المستوردة، بحث منشور على موقع جامعة الإيمان الإلكتروني www.jameataleman.org .

[48]- ظ: الشهيد الثاني/مسالك الأفهام، 11/شرح486-491 ، الجواهري/جواهر الكلام، 36/134- 138 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/342-343 ، الروحاني/فقه الصادق ، 24/44 . وأيضًا ظ: السرخسي/المبسوط، 11/226 ، الشربيني/مغني المحتاج، 4/272 ، عبد الرحمن بن قدامه (ت: 682هـ)/الشرح الكبير، دار الكتاب العربي-بيروت، 11/60-61... وغيرهم.

[49]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[50]- مسلم/الجامع الصحيح، 6/72.

[51]- أحمد بن حنبل/مسند أحمد، 2/108.

[52]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، والذبح الغربي وخفاياه، بحث مقدم إلى "مؤتمر الخليج الأول لصــــناعة الحـلال وخدماته"، الكويت، 2011م، ص8-10، البحث منشور على الموقع الالكتروني www.barazifamily.net .

[53]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[54]- الشيخ الصدوق/من لا يحظره الفقيه، 3/328.

[55]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/60.

[56]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/236.

[57]- م. ن. 6/229.

[58]- ظ: الگلپايگاني: السيد محمد رضا الموسوي (ت: 1414هـ)/إرشاد السائل، دار الصفوة-بيروت، ط1، 1993م، ص130 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ، حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246، مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، مجلة المجمع-(ع 10، ج ص)، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ص229 ... وغيرهم.

[59]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار–مبعوث هيئة رئاسة الإفتاء السعودية إلى لندن، ع6، ص170 ، علاء الدين محمد علي مرشدي (الدكتور)/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، دار المريخ-الرياض، 1999م، ص97 ،، محمد فؤاد البرازي (الدكتور)/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3-4.

[60]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[61]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص97.

[62]- مجلة البحوث الإسلامية، تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار، ص170.

[63]- م. ن. ص171، وأيضًا: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3.

[64]- دار الإفتاء المصرية/الذبح الآلي، استفتاء مقدم إلى الدار من قبل صاحب المجزرة الأوتوماتيكية، 2005م، منشور على موقع الدار www.dar-alifta.org.

[65]- مجلة البحوث الإسلامية/تقرير من الشيخ عبد الله بن علي الغضيه، ص161.

[66]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص99.

[67]- ظ: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[68]- م. ن. ص16.

[69]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ،

[70]- ظ: الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139 ، محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، بحث منشور في مجلة فقه أهل البيت (ع)، ع1، 1417هـ-1995م، ط3 ،ص30-75.

[71]- المائدة/3.

[72]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/235.

[73] - م. ن. ، 6/228.

[74]- ظ: م. ن. ، 6/234.

[75]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص131-132.

[76]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص31.

[77]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139، ظ: الخوئي/منهاج الصالحين، 2/335.

[78]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص62.

[79]- ظ: م. ن.

[80]- م. ن. ص33.

[81]- محمد حسين علي الصغير/فقه الحضارة في ضوء فتاوى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، دار المؤرخ العربي-بيروت، ص162.

[82]- الأنعام/118.

[83]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134.

[84]- ظ: المسائل المستحدثة، ص136.

[85]-ظ: الشيخ الطوسي/المبسوط، 1/390 ، المحقق الحلي/شرائع الإسلام، 4/741 ، الجواهري/جواهر الكلام،36/141 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/339 ... وغيرهم.

[86]- المسائل المستحدثة، ص137 .

[87]- المائدة/3.

*- وهي التي تنتطحها بهيمة فتموت

**- وهي التي تتردى من سطح أو تسقط في بئر أو هوّة فتموت

[88]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[89]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233.

[90]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 . علمًا أنَّ رأيه في كتابه (منهاج الصالحين)، أن لا يترك الاحتياط في هذه المسألة، ظ: 2/372.

[91]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص7.

[92]- حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246-247.

[93]- ظ: الشيخ الكليني/الكافي، 6/233 ، الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[94]- مجلة مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات المجمع، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ع 10، ص228-229.

[95]- دار الإفتاء المصرية/حكم الذبح بالصعق الكهربائي، إجابة أ.د. علي جمعة محمد عن الاستفتاء (المقيد برقم 1521 لسنة 2005م) المقدم إلى الدار، منشور على www.dar-alifta.org .

[96]- المصدر السابق.

[97]- دار الإفتاء المصرية/الذبح عن طريق الماكينة، www.dar-alifta.org .

[98]- عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وآخرون/فتاوى إسلامية، تحقيق: محمد بن عبد العزيز المسند، 3/555، كتاب الكتروني منشور على الموقع www.ahlalhdeeth.com،.

[99]- م. ن. ، 3/556.

[100]- نشرت في جريدة (المسلمون)، ع 14 في 21/ 8/ 1405هـ..

[101]- المصدر السابق ،3/558.

[102]- مجلة البحوث الإسلامية/أبحاث هيئة كبار العلماء، تقرير: أحمد بن صالح محايري عن اللحوم المستوردة من البرازيل- مقدم إلى الشيخ عبد العزيز بن باز 1398هـ-1997م، ع6، 1402هـ، ص157-158.

[103]- ظ: فيلم فيديو، مجازر الذبح الحلال في الدانمارك، منشور على موقع اليوتيوب www.yuotube.com .

[104]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[105]- ظ: مجلة فقه أهل البيت/الذبح بالمكائن الحديثة، ص

[106]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 24/4/2012م.

[107]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 28/4/2012م.

[108]- جواهر الكلام، 36/150.

[109]- الشيخ الطوسي/تهذيب الحكام، 9/58.

[110]- الجواهري/جواهر الكلام، 36/150

 

 

خلاصة البحث:

1- لا يحل لحم الحيوان البرّي إلّا إذا تمت تذكيته بطريقة خاصة وشرائط معينة نصَّ الشارع المقدس عليها.

2- تباينت آراء فقهاء المسلمين في الشرائط المعتبرة لتذكية الحيوان البري، فذهب الامامية الى اعتبار (إسلام في الذابح، وأن تكون آلة الذبح من الحديد، وأن يُستقبل بالحيوان القبلة، والتلفظ بالتسمية المقصودة، وفري الأوداج الاربعة)، في حين لم يشترط فقهاء المذاهب الأخرى إسلام الذابح، واستقبال القبلة، و الحديد في آلة الذبح.

3- اتفق جميع فقهاء المسلمين المعاصرين على حلية التذكية بالطرائق الحديثة إذا ما تحققت فيها شرائط الذبح المعتبرة، وكل بحسب ما اعتبره من شرائط.

 

Summary

1- It is not permissible to eat wild animal meat unless slaughtered in a special way and certain conditions legislator Bible text on them.

2- Muslim jurists were varied views him of considered conditions for the slaughter of wild animals, Imami went to be regarded as (Islam of the slaughterer, and be machine slaughter of iron, and animals must be to the point of the Kaaba, and uttering the name of God, and cut the four members), while the other of doctrines jurists not required Islam of the slaughterer, the point of the Kaaba, and iron in the slaughter machine.

3- All contemporary Muslim jurists agreed on the permissibility of slaughter by modern machines if the requirement achieved of the prestigious slaughter.

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد المرسلين أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد..

فإنَّ أوامر السماء ونواهيها صادرة عن ذاتٍ محيطة عالمة بما تُحِلّ وتحرِّم على الإنسان من طعام وشراب وفق ما تقتضيه مصلحته ودوام بقائه على هذه البسيطة، فمن المعلوم أنَّ الطعام والشراب فيهما قوام بدن الإنسان واستمراريته، وشحنة نشاطه وطاقته، وفي الوقت نفسه فإنَّ هذا البدن له ارتباط قوي الصلة بالنفس؛ ولذا فلا ريب أنَّ الجسد إذا ما بُني على الحلال الطيب من الطعام فسيكون له التأثير الطيب على النفس وفعالياتها الأخلاقية، والعكس بالعكس.

قال الإمام الصادق ع(: «...إنَّ اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى... خَلَقَ الْخَلْقَ وعَلِمَ عَزَّ وجَلَّ مَا تَقُومُ بِه أَبْدَانُهُمْ ومَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّه لَهُمْ وأَبَاحَه تَفَضُّلاً مِنْه عَلَيْهِمْ بِه تَبَارَكَ وتَعَالَى لِمَصْلَحَتِهِمْ وعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْه وحَرَّمَه...»1، ومن هنا فالشريعة المقدسة لم تُحِلّ ولم تحرِّم أصنافًا من الطعام والشراب جزافًا أو من غير عِلّة؛ وإنما لما لها من أثر إيجابي أو سلبي على صحة الإنسان وخُلُقه، ولعل هذا الأثر يستشعره الإنسان المؤمن ويتلمّس وجوده في بدنه ونفسه أكثر من غيره. فهو يشعر بالسعادة والنشوة النفسية إذا ما تناول الطعام الطيّب المعروف المصدر والمكسب، على عكس ما لو عَلِم بحرمة مصدر الطعام ومكسبه، فستراه منقبض الشهية مكتئب النفس لا يستلذ بما يأكل، ولعل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2 فيه إشارة إلى ذلك؛ لعلمه -سبحانه- بأثر الطعام الطيّب على نفوس المؤمنين، بل بأثره على الناس كافة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)3 إذ الأمر موجّه للناس كافة بأكل الطيّب من الطعام، الذي تستلذه النفس ولا تتنغّص به.

لم يحرّم القرآن الكريم من الأطعمة، إلّا الميتة ولحم الخنزير والدم، ولحوم الحيوانات غير المذكّاة أو ما أُهِلَّ به لغير الله، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ...)4 فظاهر الآية عام بتحريم الميتة سواء من الحيوان مأكول اللحم أو من غيره، وسواء ميتة البر أو ميتة البحر. قال الجصاص: «الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكّى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له»(5) وتعليل التحريم يأتي في آية أخرى- في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ...)6 إذ وصف -سبحانه- هذه الأصناف المحرّمة بأنها رجس وفسق؛ لما فيها من أضرار مادية تؤثر في صحة بدن الإنسان وروحه، أولاً؛ لكونها تكتنز كثيراً من الأمراض، وثانياً؛ لأنَّ فيها جانب معنوي يؤثر في الإنسان من الناحية الأخلاقية، ويؤيده ما جاء في إجابة الإمام الصادق (ع) حينما سُئل عن عِلّة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فقال: «...أمَّا الْمَيْتَةُ فَإِنَّه لَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُه ونَحَلَ جِسْمُه وذَهَبَتْ قُوَّتُه وانْقَطَعَ نَسْلُه ولَا يَمُوتُ آكِلُ الْمَيْتَةِ إِلَّا فَجْأَةً وأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّه يُورِثُ آكِلَه الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبْخِرُ الْفَمَ ويُنَتِّنُ الرِّيحَ ويُسِيءُ الْخُلُقَ ويُورِثُ الْكَلَبَ(*)والْقَسْوَةَ فِي الْقَلْبِ وقِلَّةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَه ووَالِدَيْه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى حَمِيمِه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى مَنْ يَصْحَبُه...»7، ومثله روي عن الإمام الرضا (ع) قول: «... وحُرّمت الميتة؛ لما فيها من فساد الأبدان والآفة، ولما أراد الله عز وجل أن يجعل تسميته سبباً للتحليل وفرقاً بين الحلال والحرام. وحَرّم الله عز وجل الدم كتحريم الميتة؛ لما فيه من فساد الأبدان، ولأنه يُورِثُ الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبخر الفم ويُنتن الريح ويُسيء الخُلُق ويُورِث القسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يُؤمَن أنْ يقتل والده وصاحبه»8.

ومن هنا كانت غايتي في اختيار موضوع البحث، للوقوف على مصادر اللحوم المجمّدة التي غرقت بها أسواق المسلمين، والتي يشوبها الشك والشبهة من حيث طريقة تذكيتها ومدى تحقق الشروط الشرعية المعتبرة فيها، فانتظم في مبحثين، خُصّص الأول منها للتعريف بالتذكية الشرعية وبيان شروطها وأحكامها، وخُصّص الآخر لعرض طرائق التذكية الحديثة وآراء فقهاء المسلمين فيها، ثم خرج البحث بخاتمة تضمنت أهم ما رشح عنه من نتائج.

التذكية لغةً واصطلاحًا

أولًا: التذكية لغة: الذكاء في الشيء، إتمامه، ومنه الذكاء في الفهم: أن يكون فهمًا تامًّا سريع القبول، وكذا في السِّن والذبح، فهو تمام السِّن والذبح. وكل ذبح ذكاة، وتذكية الحيوان البرِّي أن تدركه وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدركت ذكاته9، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...10. والذي يظهر من المعنى اللغوي أنَّ الذكاةَ ذبحٌ مخصوص، لا كلَّ ذبحٍ، فهو خاص بطريقة معينة للحيوان البرّي الحي، فلا يُعد ذبح الحيوان الميّت –بأي سبب من الأسباب- أو نجس العين، ذكاةً، وإنْ كان بالطريقة المنصوص عليها شرعًا.

 ثانيًا: التذكية اصطلاحًا

اختلفت تعريفات فقهاء المسلمين للتذكية الشرعية؛ تبعًا لمبانيهم الفقهية في كيفية الذبح وشروطه، ومن هذه التعريفات:

1- التذكية عند فقهاء الإمامية

لم أجد تعريفًا منطقيًا للتذكية عند متقدمي فقهاء الإمامية، ولكن الذي يُستشف من فتاويهم، والمنسوب إلى مشهورهم، أنّ التذكية عبارة عن فري -قطع- المسلم بآلة من حديد للأعضاء الأربعة، والأعضاء الأربعة، هي: الحلقوم، وهو مجرى النفس دخولًا وخروجًا، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، ويقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج11.

أمّا من المعاصرين فقد عرّفها السيد البجنوردي (ت: 1395هـ) بأنها: «عبارة عن فري الأوداج الأربعة من مسلم بآلةٍ من حديدٍ مُسمِّيًا موجِّهًا إلى القبلة»12 ثم بيّن أنَّ «أثرها في الحيوان المحلَّل الأكل، أمران: طهارة أجزائه، وحِلِّية أكله، وفي الحيوان المحرَّم الأكل، طهارة بدنه وأجزائه فقط، وأما حرمة أكله فذاتية لا تزول، وأما الحيوان نجس العين كالكلب والخنزير البرّيان فالمحل غير قابل للتذكية»13.

وعرّفها السيد الخميني (ت: 1410ه)، بأنها عبارة عن: «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع، أي فري المسلم الأوداج الأربعة متوجّهًا بالحيوان إلى القبلة، ذاكرًا عليه اسم الله، مع قابلية الحيوان لها»14، وكان من الممكن أن يكتفي السيد بذكر عبارة «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع» لكنه بيّن أنَّ هذه الكيفية الخاصة تتحقق بالشروط الشرعية المنصوص عليها، إضافة إلى قابلية المحل.

وعرّفها الدكتور فتح الله، بـ : السبب (الشرعي) لحلِّية أكل لحم الحيوان المأكول اللحم15 .

2- التذكية عند فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

عرّفها ابن العربي (ت: 543هـ)، بأنها: «عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه، مقرونًا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه»16. ويَرِد عليه أنه تعريف غير جامع وغير مانع، إذ لم يحدد نوع الحيوان المراد تذكيته، ولا أهلية الذابح، كما أنَّ شروط الكيفية ناقصة.

وعرّفها خليل الجندي (ت: 767هـ) بـ : «قطع مُميِّزٍ يُناكِح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بِلا رفعٍ قبل التمام»17. ولا يخفى ما في هذا التعريف من قصور عن الجمع والمنع أيضًا، فهو وإنْ حدّد الذابح بالمميِّز وأخرج غيره من الأهلية، إلّا أنه لم يبين نوع الحيوان المذبوح، ولا تمام شروط الكيفية.

أمّا أرجَحُ التعريفات السابقة، فيبدو أنّ تعريف الدكتور أحمد فتح الله أرجحها إذا ما أضيف له (والانتفاع بأجزاء غير مأكول اللحم إلّا الكلب والخنزير)؛ لأنّ قوله: (السبب الشرعي) شامل لجميع شروط التذكية الشرعية، وإن اختلفت مباني الفقهاء، ومن كِلا الفريقين.

شروط التذكيـة الشرعيــة

حدد فقهاء المسلمين –ومن كلا الفريقين- شروطًا معينة للتذكية الشرعية بناءً على ما جاء من نصوص قرآنية، أو مما رُوي عن المعصوم ع، فإنْ لم تتحقق هذه الشروط –ولو شرطًا واحدًا- حَرُمت الذبيحة، ولا يجوز أكلها. ولأجل معرفة مدى تحقق هذه الشروط على الذبح بالطرق الحديثة أو عدم تحققها، لابدّ من ذكرها والوقوف على آراء فقهاء المسلمين فيها.

أولًا: عند فقهاء الإمامية

اتفق فقهاء الإمامية على شروط عامة أوجبوا تحصيلها في تحقق التذكية الشرعية، مستندين في ذلك إلى سنّة المعصوم ع المبيِّنة والمفصِّلة لأحكام القرآنن الكريم.

 أما الشروط التي استخلصوها من الروايات فهي:

1- إسلام الذابح: إذ ذهب مشهور فقهائهم –لاسيما المتأخرين منهم- إلى اشتراط الإسلام أو حُكمه(*) في الذابح، فلا يتولاه الوثني والكافر، وإن كان من كفار المسلمين كالمرتد والغالي والناصبي –الذي ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام-، وكذلك أهل الكتاب18. ومستندهم في ذلك ما روي عن المعصومين عليهم السلام، منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ والْمَرْأَةِ هَلْ تُؤْكَلُ فَقَالَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً وذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى ذَبِيحَتِهَا حَلَّتْ ذَبِيحَتُهَا وكَذَلِكَ الْغُلَامُ إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا وذَلِكَ إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا»(19) إذ اشترط الإسلام في المرأة، ولا ريب أنَّ اشتراطه في الرجل أولى؛ لأنّ الأصل في تولي هذا العمل مُوكلٌ إليه.

غير أنَّ ابن أبي عُقَيل (ت: 267هـ)، وابن الجُنيد (ت: 381هـ) شذّا في عدم اعتبار هذا الشرط، وقالا بحِلّية ذبائح أهل الكتاب مطلقًا(20)، في حين قيّدها الشيخ الصدوق (ت: 383هـ) بسماع التسمية منهم أثناء الذبح، وهو ما ذهب إليه السيد الروحاني -من المعاصرين- أيضًا، بعد أن أفاض البحث في الأدلة عليه(21).

2- أن تكون آلة الذبح من الحديد، ولا خلاف بين الإمامية في ذلك، فلا تصح التذكية إلّا به مع التمكن منه، لما جاء في صحيحة حسن بن مسلم «سألت أبا جعفر ع عن الذبيحة بالليطة والمروة(*)، فقال: لا ذكاة إلّا بحديد»22، وصحيحة حسن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) «سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي ع: لا يصلح إلّا بحديدة»23... وغيرها من الأحاديث. أما إذا تعذّر وجود الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بأي شيء يفري أعضاء الذبيحة، لما ورد عن زيد الشحّام: «سألت أبا عبد الله ع عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِه سِكِّينٌ أيَذْبَحُ بِقَصَبَةٍ فَقَالَ اذْبَحْ بِالْقَصَبَةِ وبِالْحَجَرِ وبِالْعَظْمِ وبِالْعُودِ إِذَا لَمْ تُصِبِ الْحَدِيدَةَ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وخَرَجَ الدَّمُ فَلَا بَأْسَ»24.

3- أن يُستقبَل بالحيوان القبلة حين الذبح، بحيث يكون مقاديم بدنه -نحره وبطنه- مستقبل القبلة مع الإمكان إلّا إذا كان الذابح ناسيًا أو جاهلًا، ومع عدم التمكن –لتردّي الحيوان او استعصائه- يكفي صدق الاستقبال ولو كان الحيوان واقفًا ويكون رأسه ومقاديم بدنه إلى القبلة؛ لمقتضى إطلاق النصوص25، منها ما جاء عن محمد بن مسلم، أنه سأل الإمام الباقر ع عنن الذبيحة، فقال: «استقبل بذبيحتك القبلة...»26، وعن الحلبي أنَّ الإمام أبي عبد الله الصادق (ع): «سُئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمّد...»27.

4- التسمية المقصودة من الذابح، أي يعمد إلى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أثناء الذبح، فلا تجزي التسمية الاتفاقية؛ لما ثبت بالنص القرآني، وتأكّد بقول المعصوم (ع)، قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...)28، وقال: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ...)29، فإنْ تعمّد الذابح تركها حَرُمت الذبيحة، فإنْ لم يكن ملتفتًا ونسى ذكرها لم تحرم30، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله(ع)، أنه سُئل: «...عن الرجل يذبح فينسى أنْ يسمِّي، أتؤكل ذبيحته؟ فقال: نعم إذا كان لا يُتّهم، وكان يحسن الذبح...»31، وعن محمد بن مسلم قال: «...وسألته عن رجل ذبح ولم يُسمِّ، فقال: إن كان ناسيًا فليُسمِّ حين يذكر، ويقول: بسم الله على أوله وعلى آخره»32.

5- فري الأوداج الأربعة، وهي: (الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم، والودجان، وهما عرقان كبيرانن أمام العنق في طرفيه محيطان بالحلقوم والمريء). وتحديد الفري بهذه الأعضاء متفق عليه بين المسلمين33؛ لما ورد من أخبار عن المعصوم(ع)، منها: عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت أبا إبراهيم (ع)عن المروة والقصبة والعود يُذبح بهن إذا لم يجدوا سكينًا؟ قال: إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك»34.

ثانيًا: عند المذاهب الإسلامية الأخرى

يتفق فقهاء المذاهب الإسلامية مع فقهاء الإمامية في وجوب إحراز تذكية الحيوان البرّي مأكول اللحم بفري أوداجه الأربعة، مصحوب بنيَّة القصد إليه، والتسمية(*). إلّا أنهم اختلفوا معهم في آلة الذبح، واستقبال القبلة، وأهلية الذابح. فقالوا:

1- يشترط أن تكون آلة الذبح حادة، قاطعة بحدِّها لا بثقلها، سواءً كانت حديدًا، أم حجرًا، أم خشبًا، أم زجاجة...إلخ، إلّا السِّن والظفر، فإن ذُبِح بهما حرمت الذبيحة، ودليلهم فيه عموم حديث رافع بن خديج، بجواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلّا السِّن والظفر35، قال: «قلت يا رسول الله أنّا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدًى، قال صلى الله عليه وسلم: أعجِل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السِّن والظفر، وسأحدثك: أما السِّن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة...»36.

2- توجّه الذابح والذبيحة نحو القبلة من سُنن الذبح -أي من المستحبات- ، لاسيما في التضحية37؛ «لأنَّ القبلة جهة معظّمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحّى، وجَّه أضحيته إلى القبلة، فإن لم يستقبل ساهيًا أو لعذر، أُكِلت»38.

3- أمّا الذابح، فيجب أن يكون مميزًا عاقلًا، مسلمًا، أو كتابيًا-ذميًا أو حربيًا أو من نصارى بني تغلب- قاصدًا التذكية، ولو كان مكرهًا على الذبح، ذكرًا أو أنثى. فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، ودليلهم في حلّية ذبائح أهل الكتاب عموم قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ...)39؛ لأنهم فسّروا طعام أهل الكتاب بـ (ذبائحهم)40، وعلّله بعض الأحناف بأنه «لو لم يكن المراد ذلك، لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى؛ لأنَّ غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأنَّ مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام»41.

كما استدل بعض المعاصرين على الحِلِّية بحديث (الشاة المسمومة) المروي في الصحاح عن أنس بن مالك: «أنَّ يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها فقيل: ألَا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم»42. بدعوى أنه لو لم يحل أكل ذبائح أهل الكتاب، لما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الشاة43.. ولا ريب أنَّ هذا الاستدلال يكون قويًا وواردًا فيما لو كانت الرواية صحيحة ومتفق عليها بين الفريقين، ولكن هذا الأمر غير متحقق.

تجدر الإشارة إلى أنَّ فقهاء المذاهب الإسلامية وإن أحلّوا ذبائح أهل الكتاب بالعنوان العام، إلّا أنهم اختلفوا في تفاصيل شروط الحلِّية، ومن ثم تخصيص عموم آية الحل، وهو ما يصلح للرد على مَن يُشكل عليهم بأنَّ من طعام أهل الكتاب ما هو محرّم في الإسلام كالخنزير، والميتة ...وغيره. ومنه قولهم:

أ‌-  إن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله تعالى مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى، لم يحل هذا من ذبائحهم؛ لأنَّ الشيء قد يُباح مطلقًا وإنما يُراد بعضه دون بعض44.

ب‌- ألّا يغيب الكتابي حال ذبحها عن المسلم، فإن غاب لم تؤكل، قال ابن راشد: القياس أنه إذا كان يستحل الميتة لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها؛ لأنَّ الذكاة لابدّ فيها من النيّة، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة؟45، أي أنه لا يؤمَن منه صدق النيّة، ولا صدق قوله، فقد يكون قد قتل الحيوان ومن ثم ذبحه.

ت‌- ألّا يكون ما ذبحه الكتابي مما حرّمه الله على المسلمين بعينه كالخنزير، أو أنَّ الكتابي أزهق روح الحيوان بطريقة غير شرعية كالخنق، والضرب، وما في معناه لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...4647.

آداب الذبـــــــــــــح

 الآداب التي أوصت الشريعة بمراعاتها في الذبح، منها ما هو مستحب ومنها ما هو مكروه، يمكن إجمال بعضها في النقطتين الآتيتين48:

- النقطة الأولى: مستحبات الذبح

1- يستحب في ذبح الغنم أن تربط يداه ورجل واحدة، ويمسك صوفه أو شعره حتى يبرد، وفي ذبح البقر أن تعقل يداه ورجلاه ويطلق الذنب، وفي الإبل أن تربط أخفافها إلى آباطها وتطلق رجلاها هذا إذا نحرت باركة أما إذا نحرت قائمة فينبغي أن تكون يدها اليسرى معقولة، وفي الطير يستحب أن يرسل بعد الذباحة. ومستنده ما ورد في الروايات، منها: حسنة حمران بن أعين، عن أبي عبد الله ع، قال: «سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتّف، ولا تقلب السكين لتدخلها من تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والإرسال للطير خاصة... وإن كان شيء من الغنم فأمسك صوفه أو شعره، ولا تمسكن يدًا ولا رجلًا، وأما البقر فأعقلها وأطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى آباطه وأطلق رجليه...»49 .

2- تحديد الشفرة، وسرعة القطع، وألّا يُري الشفرة للحيوان، ويمر السكين بقوة وتحامل ذهابًا وعودًا، ويجدّ في الإسراع؛ ليكون أرخى وأسهل، لرواية شداد بن أويس، قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته»50. ولرواية سالم بن عبد الله عن أبيه، أن النبي (صلى الله عليه وآله) «أمر بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم فليُجهِز»51.

يشار إلى أنَّ الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت أنَّ طريقة الذبح اليهودية والإسلامية هي أسرع في إماتة الحيوان وخروج روحه، ومن ثم لا تُحدِث أيَّ تأثير من القسوة؛ لأنَّ السكّين الحاد وسرعته، والقطع يُؤدّى بمهارةِ رجلٍ مدَرَّب، يتسببان بإحداث نزيف شديد بعد قطع الأوعية السباتية (بالرقبة)، الأمر الذي يتبعه هبوط سريع جداً في ضغط الدم بشرايين المخ؛ ولهذا يحدث نقص الأوكسجين نتيجة قلة الإمداد من الدم إلى أنسجة المخ، فيحدث فَقد الوعي في الحال.. وقد أثبتت دراسة أجريت بجامعة هانوفر، ونشرت بمجلة الطب البيطري الألمانية عدد فبراير سنة 1984م، أنَّ رسم المخ المقام لأعداد مختلفة من العجول والخراف يتوقف -أي فقدان الوعي تمامًا- بعد الذبح الحلال بـ (4-6 ثوان) فقط، و لا ألم بعد ذلك. في حين لا تثبت النتائج نفسها عند استخدام المسدس، إذ يبقى الألم و يستمر فترة أطول إلى ما بعد الذبح. كما أوضح العالم الألماني (البروفيسور شولتز) أن طريقة الذبح الحلال الإسلامي أو اليهودي، غير مؤلمة للحيوان إذا تمت بطريقة صحيحة، وقد ثبت أنه لا علاقة مطلقاً بين حركة الحيوان العنيفة بعد الذبح وبين إحساس الحيوان بالألم إذا كانت السكين المستخدمة حادة، إذ أنها مثل أن يُجرح إنسان بسكين مطبخ فلا يشعر بهذا الجرح إلّا بعد حين52.

3- أن يستقبل الذابح القبلة، وأن يُساق الحيوان إلى الذبح برفق، وأن يُضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح. وألّا يحركه إلّا بعد الذبح، ولا يجرّه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح.

النقطة الثانية: مكروهات الذبح

1- نخع الذبيحة، وهو أن يبلغ بالسكين النُخاع -الخيط الأبيض وسط الفقار- فيقطعه، أو يقطعه قبل موتها. لرواية محمد الحلبي، عن أبي عبد الله(ع) قوله: «لا تنخع الذبيحة حتى تموت، فإذا ماتت فانخعها»53، وعنه –الحلبي- عن الإمام الصادق(ع) أنه سئل «عن رجل ذبح طيرًا فقطع رأسه، أيؤكل منه؟ قال(ع): نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه»54.

2-إيقاع الذبح ليلًا؛ لما روي أنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن الذبح ليلًا؛ ولرواية أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: «كان علي بن الحسين (ع) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع الفجر، ويقول: إنَّ الله تعالى جعل الليل سكنًا لكل شيء، قلت: جعلت فداك فإن خفنا؟ قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح»55.

3- إيقاعه يوم الجمعة إلى الزوال، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله ع قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره الذبح وإراقة الدم يوم الجمعة قبلل الصلاة إلّا عند الضرورة»56.

4-أن يذبح الحيوان صبرًا، وهو أن يذبحه وحيوان آخر ينظر إليه، لرواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(ع): «أنَّ أمير المؤمنين(ع) قال: لا تذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه»57.

 

د. حميدة الأعرجي

 

 

المقدمة: لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها وترسيخها بين افراد المجتمع بشكل عام وفي جميع المجالات، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد، وتظهر أهمية التربية الوطنية في كونها تسعى لإعداد الإنسان للعيش في وطنه، وتكيفه تكيفاً سليماً مع قوانينه، حيث تقدم للفرد المرتكزات والأسس التي تحقق ذلك، كما تعزز في الأفراد حب الوطن وروح الاعتزاز والانتماء اليه، وشحذ الفكر والعاطفة، والعمل للنهوض به، وتجعل الفرد يشعر بقيمة حياته من خلال ما يقدمه لوطنه وأمته، ان البحث الحالي يهدف الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وجاء البحث في ثلاثة فصول، تناول الفصل الاول مشكلة البحث واهميته وهدف البحث وحدوده، ومنهجيته، وتحديد المصطلحات، وتضمن الفصل الثاني ثلاثة مباحث، حيث تناول المبحث الاول مفهوم التربية الوطنية، اما المبحث الثاني فقد تضمن نبذة عن نشأة التربية الوطنية وتطورها، اما المبحث الثالث فقد تناول مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وتم في الفصل الثالث تبني الاستنتاجات والتوصيات والمقترحات، ومن تلك الاستنتاجات:

1- ان التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

3- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

واوصى الباحث بعدة توصيات منها:

1- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

2- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

ومن مقترحات الباحث:

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

 

 

اولا: مشكلة البحث

لقد شهدت السنوات الاخيرة أحداثاً متلاحقة وتطورات سريعة جعلت عملية التغيير أمراً حتمياً في معظم دول العالم، وقد انتاب القلق بعض المجتمعات من هذا التغير السريع، ومنها العربية والإسلامية التي تخشى أن تؤدي هذه التحولات الاجتماعية المتسارعة والمرتبطة بالتطور العلمي السريع إلى التأثير على قيمها ومبادئها والتربية بشكل عام وتربيتها الوطنية على وجه التحديد بفعل الهالة الإعلامية الغربية.

ان مفهوم التربية الوطنية يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد من خلاله بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه، وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الإيجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي (إسماعيل، 1998م، ص 43).

ومعنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقاً من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة، فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى جماعة أو لدولة معينة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.(جرار، 2008، ص44).

 لذلك نحن حينما نطالع التاريخ الإنساني للشعوب والمجتمعات، نجد في صميم ثقافتها وآدابها مساحة واسعة عبرت من خلالها تلك الشعوب والمجتمعات عن حبها وعشقها لبلدانها وأوطانها، وعن تعلقها بتراب الأرض الذي نشأوا منه وتربوا فيه، (البستاني، 1993، ص477).

وقد أشار عبدالتواب إلى مفهومي الانتماء والولاء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمِّل له، فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، والولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، أما الانتماء فقد لا يتضمن بالضرورة الولاء، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله (عبدالتواب، 1993، ص 108).

والولاء هو صدق الانتماء، وهو لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء "الوطني" من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل (السليمان، 1998، ص 196).

لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها بين افراد المجتمع وترسيخ هذه التربية لدى الشباب وفي المناهج الدراسية، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا، بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد حيث نجد هجرة العديد الى الخارج ومحاولات الحصول على جنسية اخرى غير جنسية البلد، كذلك غياب فرص العمل وتولد قناعة لدى الكثير بان المستقبل الامن والسعيد ليس في حدود البلد بل في الخارج، حتى المؤتمرات التي عقدت بهذا الخصوص والبحوث والدراسات المقدمة لتعزيز التربية الوطنية قليلة ونادرة في ظل هجمات اعلامية وافكار عالمية هدفها تمزيق النسيج الاجتماعي واضعاف وقتل الروح الوطنية لابناء البلد، ان مشكلة الدراسة تطرح السؤال التالي

ماهو مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي ؟.

 

ثانيا:اهمية البحث

تعد التربية ركن من اركان الحياة الرئيسة، فهي عملية اساسية في تقدم الشعوب ونهضة الامم، اذ تتأثر بالعوامل الثقافية السائدة في المجتمع الذي يتبنى نمط تلك العملية التي تقوم باعداد الافراد في زمان ومكان معينين حتى يستطيعوا اكتساب المهارات وانماط السلوك المتنوعة التي تجعلهم قادرين على التفاعل مع بيئاتهم لذلك ينزع كل مجتمع الى الاستمرار والبقاء في تجاه الارتقاء والتطور اخذا الماضي بمحمل الجد وينقل للناشئين ارثه الحضاري (التميمي، 2007، ص7).

ان التربية دعوة للحياة، والحياة في جوهرها هي السلام مع الذات ومع الآخرين ومع البيئة المادية، ومن هنا فإن التربية الصحيحة تحقق السلام وتتراوح في مداها للسلام بين الدول والشعوب إلى الأفراد داخل الأسرة أو الجماعة وأخيراً إلى الإنسان نفسه، والسلام مطلب إنساني بدونه يعيش الإنسان في فزع وخوف يفقده اتزانه ويجعله يتعامل مع من حوله على أساس أنهم أعداء ويفقده صداقة الناس واحترامهم لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فإذا فشل في التكيف، فإنه يفقد سلامه الاجتماعي ويشعر بالعزلة والتقوقع حول الذات (عزيز، 1998، ص18).

ان الدور التربوي للقران شيء عظيم وجليل فتأثيره في المسلم فوق كل تأثير اذ يعد الأطار المرجعي لشؤون الحياة الإسلامية كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وفيه بيان لكافة شؤون حياة الأنسان وأحوالها، وأشواقه وتطلعاتها وبدايته ونهايته وفيه العبرة، وبصفة عامة فهو المبدأ والأساس للفكر التربوي العربي الإسلامي.(أبوالعينين، 1983، ص33).

لم يجعل الإسلام مفهوم الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدوداً، وقد كان الرّسول عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ عن محبته له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا "، (الترمذي، 2000، ج2، ص666) .

فانتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه ويذود عن بيضته، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض .ان تصرف الأنسان في أطار دين الإسلام يدعوه الى الألتزام بمباديء الأيمان والتقوى والتوحيد والكرامة والحقوق والواجبات والتعايم الحسنة والعيش في وفاق وانسجام وهذا يأتي بفضل قيم ومعايير إسلامية موحدة توجه الفرد وتؤهله الى تلك المنزلة الرفيعة التي خلق ليعبد ربه سبحانه وتعالى الذي استخلفه في الأرض (الجسماني، 1984، ص226).

والوطنية تعرف بأنها تعبير يعني حب الفرد وأخلاصه لوطنه الذي يشمل الأنتماء الى ألأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة. (منشد، 2014، ص281).

تعتبر الوطنية بأنها الشعور الجمعي الذي يربط أبناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة . ان صفة الوطنية أكثر عمقا من صفة المواطنة، فالفرد لايكتسب صفة الوطنية الا بالعمل والفعل الصالح الى هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة .(خير، 1998، ص3).

ان التربية الوطنية التي هي جزء اساسي من العملية التربوية تنمي وتقوي الولاء للوطن الذي يعيش فيه الفرد حيث ان الولاء للوطن يعد مهما في الحياة وعنصرا اساسيا في نمو شخصية الفرد بجوانبها الاخلاقية والسلوكية والعاطفية والنفسية، حيث توفر قاعدة وجدانية تحقق الامن والاطمئنان النفسي والاتزان الانفعالي والتفاؤل وحب الحياة وعدم النظرة اليها نظرة تشاؤمية، وتأكيد الهوية لما يوفره الاحساس الوطني من الشعور بالسعادة والرضا والقناعة والايمان ويخفف من وطاة الكوارث والازمات التي تعترض طريق الفرد، فيشعر الفرد بالاطمئنان وعدم الخوف او التشاؤم من المستقبل، من خلال اطار علاقة الانسان بوطنه التي تعد موجها لسلوكه في شتى مناحي الحياة، وفي كل مرحلة عمرية من حياة الانسان.(الحديبي، 2008، ص7).

وتأسيسا على ماتقدم يمكن ان نجمل اهمية الدراسة الحالية بالاتي

1- تعزيز وتقوية مفهوم التربية الوطنية في المجتمع وكذلك في المناهج الدراسية.

2- ان الدراسة الحالية تبرز الدور الكبير والمهم للتربية الوطنية وفق رؤية إسلامية باعتبارها ركيزة اساسية للحفاظ على البلد ولاسيما بعد بروز هيمنة العولمة والتي تتقدم بشكل كبير مستهدفة المجتمع بشكل عام وشريحة الشباب على وجه التحديد.

3- يمكن ان تفيد هذه الدراسة خصوصا اصحاب الاختصاص لتعزيز وابراز اهمية التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي وجعلها مقرر مهم في مختلف المراحل الدراسية.

4- تنمية الوعي بالحقوق والواجبات الوطنية وفقاً لمباديء الإسلام والأوضاع السائدة في المجتمع.

ثالثا: هدف البحث

يرمي البحث الحالي الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

رابعا: منهجية البحث

استعمل الباحث منهج بحث وصفي تحليلي

خامسا: حدود البحث

يتحدد البحث في معرفة مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

سادسا : مصطلحات البحث

تعريف المصطلحات

اولا:تعريف المفهوم:

يعريف سلامه المفهوم :بأنه فكره تختص بظاهرة معينه أو علاقة أو استنتاج عقلي يعبر عنها عادة بواسطة كلمه من الكلمات أو مصطلح معين (سلامة، 2004، ص53 ).

 

ثانيا : تعريف التربية:

لغة

التربية في معاجم اللغة العربية ترجع الى ثلاثة أصول لغوية هي: الأصل الأول ربا يربو بمعنى زاد ونما، الأصل الثاني ربي يربي ومعناها نشأ وترعرع، الأصل الثالث رب يرب بمعنى أصلحه، وتولى أمره وساسه وقام عليه ورعاه (الأزهري، 2001، ص196).

اصطلاحا:

هي تنشئة الفرد على الأيمان بالله ووحدانيته وتنشئته تبلغ أقصى ماتسمح به امكانياته وطاقاته حتى يصبح في الدنيا قادرا على فعل الخير لنفسه ولأمته وعلى الخلافة في الأرض وجديرا بالاخرة برضا الله تعالى وثوابه ( الأهدل، 2007، ص27).

ثالثا تعريف الوطن :

تعرفه آمنة حجازي بأنه بشكل عام قطعة الأرض التي تعمرها الأمة، وبشكل خاص هو المسكن فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن (حجازي، 2000، ص 80).

رابعا: تعريف الوطنية

يعرفها اسماعيل: بانها الشعور الجمعي الذي يربط بين ابناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة، والأستعداد لبذل اقصى الجهد في سبيل بنائهما، والأستعداد للموت دفاعا عنهما(اسماعيل، 1998، ص41).

خامسا :تعريف التربية الوطنية

عرفها المعيقل: هي ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بموجبه بصفة المواطنة ويحققها فيه وهي ايضا تعني تزويد الطالب بالمعلومات التي تشمل القيم والمباديء والاتجاهات الحسنة وتربيته انسانيا ليصبح مواطنا صالحا ويتحلى في سلوكه بالأخلاق الحسنة ويملك من المعرفة القدر الذي يمكنه من تحمل مسؤولية خدمة دينه ووطنه ومجتمعه. ( المعيقل، 2004، ص79).

 سادسا : تعريف الفكر

يعرفه جعفر ياسين :بأنه العمل على مواجهة الحقائق والامور الواقعة للوصول الى الحلول المناسبة والملائمة لها.(ياسين1978، ص208).

ويعرفه السعيدي بأنه : حركة عقلية وقوة مدركة , يكتشف الانسان عن طريقها القضايا المجهولة لديه والتي يبحث عنها فتنمو معارفه وافكاره في الحياة.(السعيدي 2005، ص19)

سابعا: تعريف الفكر التربوي

يعرفه العمري: هو فلسفة قبل ان يكون اي شيء اخر، يتكون من افتراضات اساسية تلقي الضوء على انشطة الانسان العقلية وطبيعته الفطرية والبيئية، تتمخض عنها الأطروحات التربوية والمنطلقات التعليمية (العمري، 1992، ص81).

 

المبحث الاول: مفهوم التربية الوطنية

تنوعت محاولات تحديد مفهوم التربية الوطنية، لتشعب مجالاتها واتساع مضمونها، ومن هذه المحاولات ما يربط بين التربية الوطنية والعلوم السياسية، ومنها ما يربطها بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، كما أن منها ما يركز بصفة خاصة على محددات العلاقة بين المواطن وبيئته، سواء كانت محددات نظامية قانونية أم اجتماعية، وبصرف النظر عن المحاولات المتنوعة لتحديد المفهوم، فالتربية الوطنية إطار مهم للتربية الرسمية في أي مجتمع من المجتمعات، ويركز هذا الإطار على إحداث الشعور العام بعضوية الفرد في الجماعة وانتمائه إليها، ودوره الفاعل تأثيراً وتأثراً بها، مما يدفع بالمواطن نحوالعمل الإيجابي المستنير من أجل الجماعة، وذلك فالتربية الوطنية إطار تربوي يهتم بمساعدة النشيء على اكتساب المفاهيم والمهارات والاتجاهات الضرورية للحياة الفاعلة في ربوع هذا الوطن ولاءا وانتماءا . (الزيد، 1996، ص75).

أن مفهوم التربية الوطنية يشير ايضا إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الايجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي  (اسماعيل، 1998، ص43).

تعرف التربية الوطنية بأنها عملية غرس مجموعة من القيم والمباديء والمعارف لدى الأفراد لتساعدهم على ان يكونوا صالحين قادرين على المشاركة النشطة في كافة قضايا الوطن ومشكلاته .(اللقاني، الجمل، 1999، ص37).

ويعرفها الجوهري بأنها نوع من التربية يستهدف تزويد الناشئة بمجموعة من المعارف والقيم والتوجهات السلوكية التي تمثل مباديء ضرورية لحياته وتواجده وعضويته في الجماعة التي ينتمي اليهم ويعيش معهم على ارض محددة التي تسمى بالوطن، وتحرص على اكسابهم الثقافة السياسية والمدنية للدولة من خلال احتكاكهم بالأنشطة التعليمية التي تتناول الجانب المعرفي والوجداني والمهاري والسلوكي للمتعلم، والتربية الوطنية تشمل تنمية كل هذه الجوانب من خلال اكساب النشيء المعارف والاتجاهات الضرورية للمواطنة الصالحة، وللتعليم دور مهم من خلال عملية التدريس والتعلم والخبرات في التربية الوطنية، وان الهدف الرئيس للتربية الوطنية هو اعداد مواطنين صالحين مسؤولين ومنتمين لمجتمعهم، قادرين على المشاركة الفعالة والنشطة في قضاياه وحل مشكلاته .(الجوهري، 2001، ص37).

وإذا كانت التربية بوجه عام، و التربية الاجتماعية بوجه خاص تشكل الحجر الأساس في بناء المواطن، فإن التربية الوطنية في الألفية الثالثة ينبغي أن تبنى على مبادئ عامة للحقوق والواجبات التي تمارس في إطار ديمقراطي شامل تتجسد في علاقة المواطن مع وطنه من جهة ودولته من جهة أخرى، بالإضافة إلى العمل على تشكيل الفرد الإنساني القادر على مواجهة الاجتياح العالمي والتكيف مع المجتمع الدولي والمشاركة في إرساء السلام العالمي. (حجازي، 2000، ص80).

إن التربية الوطنية مسلك مهم من مسالك البناء، فهي تزرع في نفوس الصغار كيف أن عزتهم وكرامتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بعزة الوطن وإعلاء شأنه، ولذلك فإنها في المؤسسات التربوية تعد عاملاً مصيرياً ترتبط به المسيرة التنموية حاضراً ومستقبلاً، فعندما يتعلم الناشئة قيمة الوطن تعلو في نفوسهم قيمتهم، فالمواطن نواة الوطن، والوطن حصاد المواطن، ومن هنا تأتي أهمية التربية الوطنية التي هي عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالواجب تجاه المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، وتعريف المتعلمين بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، وأنها لم تأتِ مصادفة بل ثمرة عمل دؤوب وكفاح مرير، ولذا من واجبهم احترامها ومراعاتها. (الصائغ، 2002، ص214) .

 

نبذة عن التربية الوطنية وتطورها 

تلازم مبدأ التربية الوطنية بحركة نضال التاريخ الأنساني من اجل العدل والمساواة والأنصاف، وكان ذلك قبل أن يستقر مصطلح التربية الوطنية، وأخذ شكل الحركات الأجتماعية منذ قيام المجتمعات الزراعية في وادي الرافدين مرورا بحضارة سومر واشور وبابل وحضارات وادي النيل والصين والهند وفارس وحضارة الفينيقيين والكنعانيين وقد اسهمت تلك الحضارات وما انبثق عنها من ايديولوجيات سياسية في وضع أسس للحرية المساواة تجاوزت ارادة الحكام، فاتحة بذلك افاقا رحبة لسعي الأنسان لتأكيد فطرته، واثبات ذاته وحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات، وتحديد الخيارات ن الأمر الذي فسح المجال للفكر السياسي الأغريقي ومن بعده الروماني ليضع كل منهما أسس مفهومة للوطنية.(الدجاني، 1999، ص5).

ان نشأة وتطور التربية الوطنية مر بمراحل واذا ما أردنا الحديث عن هذه المراحل فلابد ان ينطلق الحديث من تأملنا للتطور التاريخي، لحصول الفرد على حقوقه في حريته الفكرية والدينية والعقائدية والسياسية، وعلى هذا الأساس فأن الباحث سوف يتناول التطور التاريخي للتربية الوطنية لبعض الحضارات كالاتي:

 

1- التربية الوطنية في وادي الرافدين:

تعد حضارة وادي الرافدين خير مرجع للباحثين في أصل النظام السياسي وتطوره التاريخي، حيث انفردت باول ظهور لنظام دولة المدينة على أنه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري، وظهرت في المدينة كلمة المواطن والمواطنة، فكانت المدينة أكثر من كونها تجمعا سكنيا أو قبليا. (باقر، 1986، ص326).

ان الاشوريين وفي مدارس اشور بنيبال تأثروا بوصايا أحيقار الفيلسوف العراقي، الذي كان حكيما وعنده اراء شبيهة بأراء لقمان الحكيم، لكن تعاقب الحروب أدى الى فقدان الكثير من التعاليم الاخلاقية. وقد دل مسح النصوص التي يمكن إرجاعها للألف الثالث قبل الميلاد إلى وجود مدارس رسمية في وادي الرافدين في فترة تسبق ظهور الأزمنة البابلية القديمة , كما ظهرت في عصر حمورابي مدارس لنسخ الكتب وتعليم الناشئة , ولقد أسست أول مدرسة في العالم في بلاد ما بين النهرين وغدا التعليم نظامياً في بلاد سومر حيث كان الطلاب يتعلمون مختلف العلوم كما كانوا يتلقون تربية تزرع في نفوسهم حب بلادهم والدفاع عنها. (رشيد، 2006، ص67).

 2- التربية الوطنية عند الفرس:

اقام الفرس أمبراطورية واسعة الأرجاء وحضارة راسخة شاطرت الروم في حكم الشرق، فقد أزدهرت حضارتهم في زمن الدولة الساسانية، منذ منتصف القرن الثالث قبل الميلاد.(شلبي، 2004، ص69).

كانت التربية الوطنية الفارسية تبدأ بالأسرة، وكان الأب له السلطة المطلقة في الأسرة الفارسية، وهو السيد المطاع، الذي يدرب أبناءه على الفضيلة وحب البلاد والاخلاص للأمبراطورية،، وأن يجعل منهم خدما نافعين للدولة، وأنهم كانوا يعلمون أبناءهم أمور منها حب الأمبراطوية الفارسية وركوب الخيل ورمي السهام وقول الحق، وكانوا يتعهدون فيه جملة من الصفات الخلقية الحميدة، كالطاعة، ومحبة الاباء، والعدل والشجاعة، والتعلق بالشرف، وكان أبناء الفقراء لايتلقون الا تربية محدودة جدا، وكان التعليم النظامي يبدأ في سن السابعة، ولم يكن منهج الدراسة واحدا للجميع، فمنهاج المحاربين يضم الدين والقراءة والكتابة والتربية البدنية والتضحية من أجل الوطن بنحو اخص، ومع ذلك استطاعت تلك التربية ان تحقق نتائج قيمة، فعرفت فارس العديد من الكتاب والشعراء الكبار على مر العصور، كما استطاعت أن تكون قوة عسكرية ذاع صيتها، ومكنت للأمبراطورية الفارسية ووسعت حدودها. (أبوخليل، 2002، ص54).

3- التربية الوطنية عند الرومان

تعد الحضارة الرومانية من أعظم حضارات أوربا بعد الحضارة اليونانية، وقد عرفت هذه الحضارة نظما ادارية، ومدنية جديدة على البشرية، أن الرومان كانوا يقرون باليونان بنوعية فكرهم واسلوبهم وفي التربية الخلقية كذلك، بل ينظر أليهما انهم قادة التربية الرومانية، كان جوهر التعليم عندهم البحث عن الفضيلة، وكانت تربية نفعية خالصة، وواقعية تهدف الى دمج الفرد بمجتمعه، والى تكوينه كمواطن صالح يتمتع بالروح الوطنية، والاخلاص لعادات الاجداد وتقاليدهم.(السرجاني، 2010، ص299).

ان التربية الوطنية والمواطنة منحت للمواطنين الرومان امتيازات قانونية على درجة عالية من الاهمية، منها اختصاص المحاكم الوطنية في روما وحدها بمحاكمة المواطن الروماني وعدم احقية المحاكم في اية مدينة اخرى بمحاكمته، وفي هذه المرحلة اتصفت الوطنية او المواطنة بعدم المساواة بين افراد الشعب الواحد في المدينة . اما في المرحلة الثانية فقد أصبح معيار الولاء وليس السكن، هو الاساس في اتصاف الفرد بالوطنية، فأصبح كل ابناء الشعوب الخاضعة للامبراطورية الرومانية مواطنين فيها وأختفى التمييز بين الروماني وغيره من سكان الاقاليم المفتوحة. وبأعتقاد بعضهم ان السبب في هذا يعود الى رغبة السلطة في تعزيز الولاء لروما، اذ ان مفهوم الوطنية لم يعد ارتباطا بالمشاركة السياسية، كما هو الحال في دول المدن اليونانية، وانما ارتبط بالواجب العام ن والوطنية بهذا المعنى تحدد عملية الحياة الجادة وتسعى للافضل للكائن البشري الذي يطمع الى النبل والكمال.(كليفورد، 1984، ص103)

4- التربية الوطنية في العصور الوسطى:

لقد شهدت هذه الفترة ظهور صراع بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، كماتميزت هذه الفترة بسلطة رجال الدين المسيحي التي احدث تغيراً واضحاً في الحياة الاجتماعية في أوربا وقد تبع هذا التغيير تغير في النظرة التربوية الوطنية وأهدافها، حيث تميزت التربية المسيحية في البدء بنظام رهباني صارم يشتمل على قدر من العلم والعمل اليدوي وكانت تتبع كل دير تقريباً مدرسة تقبل الأطفال في سن العاشرة وتستمر الدراسة فيها ثمان سنوات، يتعلم التلاميذ أثناءها القراءة والكتابة وبعض المبادئ البسيطة في حب المواطنة وكذلك تعلم شيء من النحو والمنطق والبلاغة والحساب والهندسة والفلك والموسيقى، ومن ابرز اهداف التربية المسيحية إعداد الفرد المسيحي لمعرفة الرب و تدعيم المثل الإنسانية.(الأسمر، 1997، ص104).

لقد تراجعت التربية الوطنية من الناحية التطبيقية خلال العصور الوسطى في اوربا، ويعود هذا التراجع الى أمور معينة منها هيمنة الجانب الديني المتمثل بالكنيسة على تقاليد السياسة خلافا للعصور السابقة، اذ أرتبطت التربية الوطنية بالمسالة الدينية، فتميزت هذه الحقبة بالصراع القائم بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، لقد كانت الكنيسة مستقلة عن النظام السياسي ولم يعد الدين في خدمة الدولة بل أصبح له طموح في قيادة المجتمع ومنافسة الدولة في تشكيلة ادارة شؤونه . وبعد اعتناق الأمبراطور قسطنطين المسيحية لاول مرة ظهر مايعرف (بابوية القيصر) التي تعني دمج الدين بالدولة.(ارنبيرغ، 2007، ص12)

بعد ان أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي وطبقا لذلك فأن مفهوم التربية الوطنية شهد تطورا من ناحية الكم في حين أنحسر من جانب اخر في بداية الأمر، اذ ارتبط المفهوم بالمسألة الدينية، فالمسيحي هو المواطن من دون غيره من أبناء المدن والأمبراطوريات ذوي الأنتماءات الدينية الأخرى كاليهود، وحصرت الحقوق والأمتيازات بالمسيحيين دون غيرهم.(عاقل، 1978، ص133).

وبهذا فأن مفهوم التربية الوطنية في العصور الوسطى ظل يعكس النظرة الضيقة للأنسان من خلال اعتماد معايير المشاركة السياسية أو الانتماء الديني او الاقتصاد باستثناء مرحلة معينة من تاريخ الامبراطورية، فقد أصبح المفهوم سياسيا وأتسع لكل من يدين بالولاء لهذه الدولة من خلال الخضوع لأقليم تابع لها.( الصاوي، 1999، ص240).

 

مفهوم التربية الوطنية في الإسلام

التربية الوطنية من وجهة نظر الإسلام هي عبارة عن نوع مـن التربيـة يهـتم بتوعية المواطن المسلم بحقوقه وواجباته تجاه الاخرين وتبصيره بحدود وطبيعة علاقته معهم والقائمة على أساس حب الوطن والانتماء إليه والتضحية من أجله. (القبانجي، 1997، ص32).

تستمد التربية الوطنية الإسلامية توجهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية، سواء كان في اطارها النظري أم في تطبيقاتها العملية، فهي تربية هادفة لاعداد المواطنين في الأمة الإسلامية، سواء تمت في مؤسسات نظامية كالمدارس والجامعات أم غير نظامية كالمنزل ووسائل الأعلام . (النقيب، 1997، ص184).

أما التعريف الإسلامي للمواطنة فينطلق من خلال القواعد والأسس التي تنبني عليها الرؤية الإسلامية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهة أخرى. وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي وطن الإسلام وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغيرهم (هويدي، 1995، ص 13).

تهدف التربية الوطنية الإسلامية الى تقوية الروابط والعلاقات بين المواطنين المنضوين الى الإسلام، على أسس العدل ورفع الظلم، وتحقيق المصالح العامة أولا، وبذل الجهد في أتباع تعليمات السلامة العامة والحفاظ على الأمن والأستقرار والتطور للمجتمع الإسلامي في سائر الأوطان الإسلامية عامة، فالإسلام يدعو الى التناصر بين المواطنين، بعيدا عن تناصر الجاهلية العمياء التي تقوم على العنصرية والعصبية للقبيلة او الدم او الفئة. (الغزالي، 1986، ص168).

ويمكن تحديد اهداف التربية الوطنية الإسلامية بما يأتي:

1- اكساب المتعلم مبادئ الوطنية الفاعلة، حتى يتمكن من المشاركة والأسهام الجاد في خدمة مجتمعه وأمته الإسلامية.

2- تبصير المتعلم بالمفهوم الإيجابي للوطنية المنطلقة من التصور الإسلامي، بعيـداً عـن المفاهيم الجاهلية القائمة على العصبيية. والطائفية المقيتة.

3- تعزيز مفهوم الانتماء الصادق للوطن لدى المتعلم بما لا يتنـاقض مـع ولاءه وانتسابه للإسلام.

4- توعية المتعلم بطبيعة علاقته مع الآخرين من حوله وتدريبه على الوفاء بمتطلباتها فـي ضوء مبادئ الإسلام وقيمه النبيلة.

5- تبصير المتعلم بحقوقه وواجباته تجاه وطنه.(ابودف، 2004، ص252).

 لقد ظهر الدين الإسلامي بمثابة منظومة فكرية سماوية شاملة ورحمة للبشرية بأمانة المبلغين وقادة رسالته على مدى القرون التي خلت. (بكر، 1983، ص61).

شكل ظهور الإسلام تحولا لمفهوم الوطنية الذي أرتبط بمجموعة من المفاهيم الأساسية في النظام الإسلامي تمثلت بالحرية والمساواة والعدل، بين أفراد الجنس البشري، وتكمن الوطنية في الإسلام بعلاقتين أساسيتين تتناسب تناسبا طرديا، حيث علاقة الأنسان بالخالق تعالى وعلاقة الأنسان بأخيه الأنسان، وجاء الإسلام بقيم ومفاهيم عن الحياة والأنسان والعلاقات الأجتماعية، وعد الإسلام التقوى في ميزان التفاضل بين الناس فالإسلام يقوم على الأخوة الدينية، فالمسلم يرتبط مع أخيه المسلم بروابط فوق الزمان والمكان.(الصدر، 2014، ط2، ص209).

لم يجعل الإسلام مفهوم التربية الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدداً،، وقد كان الرّسول الكريم(ص) مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا " (البخاري، 2012، ج2، ص666).

والتربية الإسلامية تتعامل مع المسلم باعتباره صاحب عقيدة ومؤمن برسالتها، اينما وجد هذا المسلم فالمباديء الإسلامية لاتعمل في فراغ، بل انها تتفاعل مع ماغرسه تعالى من فطرة في طبيعة الأنسان، والتربية الإسلامية عملية تفاعلية، لأن الوجود الذي يمارس فيه الفرد نشاطه حقيقة تفاعلية موضوعية لا فكرة خيالية مجردة.(حسونة، 2007، ص139).

تكمن اهمية التربية الوطنية في الإسلام في أنها عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالأنتماء للوطن والأعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، والشعور بالواجبات تجاه الوطن وتعريف الأفراد بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، ومن واجبهم احترامها ومراعاتها، كما أن أهداف التربية الوطنية لاتتحقق بمجرد تسطيرها وادراجها في الوثائق الرسمية، بل ان تحقيق الأهداف يتطلب ترجمتها الى اجراءات عملية وتضمينها المناهج والمقررات الدراسية.(حسن، 2013، ص44).

 ان انتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه في الشدائد، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته في ايام واوقات راحته وصعابه، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض . (الحمصي، 2010، ص103)

ان التربية الوطنية في الإسلام تهتم بتنمية اسس التعاون والمشاركة وعدم الاضرار بالغير، او التعدي عليه او على ممتلكاته، حتى يصبحوا كالجسد الواحد ن كما ورد في حديث الرسول الشريف (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (مسلم، 1991، ح2586، ص481).

كما أن الشريعة الإسلامية الغراء بصلاحيتها لكل زمان ومكان وبمعالجتها كافة القضايا في مختلف المجالات، جاءت لتقرر مفهوم الوطنية والمواطنة الذي يعيش تحت سقفه الجميع من كل الملل والنحل، وتؤكد ان الإسلام دين للعالمين جميعا، يمكن تحت ظل دولته ان يعيش الناس في مواطنة يعتزون بها، أساسها التقوى والعدل والأمن والأحترام المتبادل بين جميع المواطنين، وخير انموذج لهذه الدولة هو ذلك المجتمع الإسلامي.(الحمصي، 2010، ص105).

لقد أعتنى الإسلام بجميع شروط ومباديء الوطنية الكاملة بصورة واضحة، شملت الحقوق والواجبات لكل من المواطن والمجتمع والدولة، حيث تم تأكيد المحافظة عليها، وحرم الاعتداء عليها في ضؤ الأدلة العقلية والنقلية وقد اكد الإسلام على كرامة الأنسان من خلال تقديس حقوقه، عندما عدت ضرورات، ومن ثم أدخلها في أطار الواجبات، فلا سبيل لحياة الأنسان من دونها، فأقام دعائمها وبين أركانها وأسسها، كما حدد أهميتها وأهدافها في جميع مجالات الحياة المختلفة، ويقرر الإسلام ان العواطف والمشاعر والاحاسيس نحو امر ما يعد فطريا وغريزيا لاتعارضه العقيدة الإسلامية الصحيحة، فالعلاقة بين الإسلام والوطنية هي علاقة ارتباط وامتزاج ووئام، بل تعد ضرورة، لأن الدين الحنيف لايقوم الا على أرض او وطن. (عمارة، 2005، ص164).

ان الإسلام نهى عن العصبيّة والقبليّة ودعوى الجاهليّة، فقد كان الكفّار في الجاهليّة يفتخرون بقبائلهم وأنسابهم وربما حصلت بينهم الحروب الضروس لأجل ذلك، وعندما تداعى الأوس والخزرج وافتخر كلّ منهم بنسبه وحاله حتى كاد الشيطان يوقع بينهم البغضاء، نهاهم الرّسول صلّى الله عليه واله وسلّم عن ذلك مبيناً أنّ ذلك من دعوى الجاهلية ونتنها، فلا فضل في الإسلام لغني على فقير أو عربي على أعجمي، فقد صهر الإسلام الجميع في بوتقة المحبّة و المساواة و الوئام و بيّن أنّ معيار المفاضلة بين البشر هو معيار التّقوى و الإيمان في قلوبهم. (الغزالي، 1986، ص169).

ويدعو الدين الإسلامي الى محاسن الأخلاق، بل أقر الأخلاق الرفيعة والكريمة في الجاهلية، وهذا يدل على ان نظرة الإسلام لبقاء الامم وأزدهار حضارتها ومنعتها يكمن في مدى تمسك مواطنيها في كافة شؤونهم الحياتية بأتباع الاخلاق الكريمة التي تعكس السلوك الحضاري للشعوب، فأن سقطت أو أنحرفت هذه الأخلاق فأن الدول ستتجه للسقوط والتفكك. (موسى، 2005، ص34).

لقد جعل الإسلام للمواطن الصالح و الفاعل سمات لأن مجرد ولادة أي شخص في وطن ما ونشأته بين سكانه وحمله لجنسيته لا يكفـي لجعل ذلك الشخص مواطناً صالحاً، بل إن المواطنة الصالحة، تقتضي أن يتحلى المـواطن بمجموعة من الصفات التي تجعله منتجاً فعالاً صالحاً لخدمة وطنه في حدود إمكاناته وقدراته الخاصة . (الشيباني، ١٩٩١، ص ٣٥).

 تقوم الرؤية الإسلامية على أن الأمة جماعة متوحدة فكريا وسلوكا، والأمة أشارة الى أنتماء حيث تؤكد الايات الكريمة ان العلاقة بين ابناء الوطن الواحد قائمة على قيم التعاون والعدل والتناصح وحب الخير للاخرين وكل سلوك يرضي الله تعالى، وهكذا يقرر القران الكريم دستور الإسلام الذي ينص على ان البشرية من اصل واحد تجمعهم اخوة الأصل الواحد، وهذا يستدعي التراحم والحب والتعايش على البر والتقوى، ولو فهم الناس هذا وعملوا به لاختفت العصبية الجاهلية والتمايز الجنسي واللوني والعرقي، واتحدت البشرية في وحدة واحدة، وحدة انسانية متعاونة متعايشة متالفة تبنى لصالح الانسان، وترتكز هذه العلاقة على قاعدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين والفاسقين، ولوحظ كذلك في القران الكريم ان خطاب الرسول(ص) لم يوجه لقوم بعينهم كما لم ينسب نفسه الى قوم ما وأنما كان موجها للناس جميعا كما بين تعالى في قوله الكريم (قل يا أيها الناس انما انا لكم نذير مبين).(الحج49). فارسل الى الناس كافة ليخرج عباد الله جميعا من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ومن هنا لم يكن خطابه لأمة دون أمة ووطن دون اخر ولكن كان موجها للنفس البشرية.(الندوي، 1990، ص118-119).

 

اولا: الاستنتاجات:

في ضوء عرض مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تم التوصل الى:

1- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي هدفها بناء مواطن سليم وبالتالي بناء مجتمع متحاب ومتعاون.

3- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

4- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

5- ان الفكر العربي الإسلامي قدم لنا قواعد واسس قوية لتربية وطنية سليمة.

6- ان التربية الوطنية السليمة تزيد من قدرة الفرد على تقدير القانون واحترامه والالتزام به.

7- تساعد التربية الوطنية على غرس حب الوطن في نفوس الناشئة والشباب ليزدادوا اعتزازاً بوطنهم مع العمل من أجل تقدمه وإعلاء شأنه والذود عن حياضه

ثانيا:التوصيات :

بناء على ماتوصل اليه الباحث من استنتاجات فأنه يوصي:

1- من المهم والضروري جدا ان تقوم وزارة التربية بتضمين اسس ومباديء التربية الوطنية في مناهج الدراسة ولكافة المراحل.

2- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

3- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

4- تكثيف الدعوات وعقد المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية حول اهمية التربية الوطنية ودورها في بناء المجتمع.

5- الانتباه الى ان التربية الوطنية ضرورة ملحة للوطن في ظرفه الحالي لذلك يجب عدم اهمالها .

5- الرجوع الى القران الكريم والسنة النبوية الكريمة وائمة اهل البيت عليهم السلام والصحابة المنتجبين رضوان الله عليهم والاخذ بالمبادي وقيم التربية الوطنية السليمة التي جاءت بها هذه المصادر الفاضلة

ثالثا:المقترحات :

يقترح الباحث ما ياتي :

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

  

د. قاسم بلشان كاظم التميمي

 

التعلق اليقيني بالكتب السماوية يحتاج إلى مدخل يتطابق في تراكيبه مع التلاوة الصحيحة التي تقوم أركانها على مقدمات أساسية بعيدة عن السطحية، أما إذا اتخذ الإنسان ما يخالف هذا النهج فمن الطبيعي أن يجانب الثوابت المثالية التي يتطلع من خلالها إلى معرفة الكليات البديهية المحتواة في الكتب المنزلة من الله تعالى، وههنا تحدث الإشكالية المنسوبة لتلك الكتب والتي يتحدد على ضوئها المقدار الخاطئ الملازم للبراهين الجزئية التي تمهد السبيل لتدبر الأحكام المتفرقة في الكتب المشار إليها، وتأسيساً على ذلك يمكن تقسيم الذين يتلون كتاب الله إلى قسمين، يختص الأول في التلاوة الخالية من العمق المعرفي المحيط بالألفاظ المبينة للمعاني، ولا يخفى على المتلقي أن هذا النهج سوف يؤول بأصحابه إلى الكفر والإعراض عن المفاهيم السليمة، أو أن يبقى أتباع هذا القسم في دائرة الشك وذلك أضعف الإيمان، ومن هنا يتسلل إلى قلوبهم التفريق بين المعطيات الإلهية وما دونها من المعطيات السلبية وبالتالي يصل كل واحد منهم إلى مرحلة عدم البيان في الاعتقاد الذي كان يأمل في الحصول عليه من خلال التلاوة، وكما ترى فإن هذا المطاف يمكن أن يؤدي به إلى الهلاك بدلاً من السير في الطريق الموصل إلى الهدى.

أما القسم الثاني فهؤلاء هم الذين يتلون الكتاب وفق أسس علمية رصينة ما يجعلهم أقرب إلى فهم الحقيقة الكلامية المنزلة من الله جل شأنه، وقد تتفرع على هذين القسمين مجموعات أخرى منهم من التزم الأخذ بالمصاديق دون إرجاعها إلى المفاهيم العامة وإن شئت فقل دون إرجاعها إلى الكبرى من حيث الفهم التدريجي ومنهم من اتخذ العكس، وقياساً إلى هذين الاتجاهين نستطيع أن نجعل التعليلات آيلة إلى أحد أمرين أولاهما ناشئ عن عدم الإيمان بالمعارف اليقينية للتلاوة، أو الاعتماد الموافق للبلاغة وكذا ما يتفرع على الكتاب من المواقف العلمية المثيرة التي لا تخرج عن المفهوم النظري للألفاظ دون المعاني ما يجعل الأغراض المتخذة من قبل أصحاب هذا الأمر في منأى عن التجديد، وبهذا تقع الأعباء على فهم الكتاب ظاهراً دون الحقيقة التي ترد إلى أصل الحجب الخارجية التي تحول بين القارئ والمراعاة المنهجية للتلاوة، وبهذا القدر يمكن القول إن من كان هذا ديدنه فمن الضروري أن يتم إدخاله ضمن أولئك الناس الذين أدت بهم التلاوة إلى الكفر بدلاً من الإيمان، وثانيهما يرجع إلى معنى التلاوة الحقة التي تأخذ بأيدي مريديها إلى بر الأمان بعيداً عن الفئة الأولى، كون الذين اعتمدوها أقروا بمبادئ الفهم الإيماني دون تعصب أو تعقيد.

من هنا نعلم أن كلا القسمين قد اعتمد الدخول إلى أصل الكتاب إلا أن التباين قد حدث في نوعية الحجب التي ابتلي بها كل فريق منهما، وبناءً على هذا المفهوم نستطيع إبعاد الصنف الأول الذي لم ينتفع بالتلاوة ونجعل اهتمامنا منصباً على الصنف الثاني، وبذلك يمكن تقسيم هذا الصنف إلى مجموعات كثيرة تتفاوت لديهم المعرفة بين التلاوة اليقينية وما دونها من التلاوات التي لا تقف على وجه تطبيقي، ونظراً لهذا التباين نرى أن التقسيم قد آل إلى الاعتقاد الراسخ لدى الإنسان الذي يعمل جهده من أجل الوصول إلى ما يروم إليه من الإيمان الناتج جراء تلاوته إذا ما علمنا أن فقده لأسس المعرفة يحول دون مبتغاه، وعند وصوله إلى هذه المرحلة يصبح مأموراً بالفقرات الاستطاعية التي من أهم مصاديقها تيسير القرآن عند التلاوة كما في قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر 17. مع تكرار الآية عدة مرات في نفس السورة. ومن تلك المجموعات تتفرع مجموعات أخرى من القراء الذين تصعب عليهم التلاوة لأعذار معاشية أو مرضية وكذا من يقاتل في سبيل الله، وقد خاطب سبحانه هؤلاء بقوله: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه) المزمل 20.

وبناء على ما ذكرنا يمكن أن نجعل جميع الأقسام مندرجة تحت أصل المفهوم الذاتي للاستطاعة والذي قد تتطابق أغراضه بالتلازم مع الواجبات المفروضة على الإنسان، ومن هنا يمكن تقسيم تلك الواجبات إلى قسمين، يتمثل أولهما في التقوى المستطاعة وإن كان ملاكها الضعف، أما الثاني فيأخذ الجانب الأقوى منها ويشهد للأول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) التغابن 16. ويشهد للثاني قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102. ويتناسب هذا المعنى مع التصورات الفلسفية التي تبين للإنسان معنى الجهاد في سبيل الله تعالى وبنفس القدرة المفروضة في التقوى وكذا ما يرجع إليها من أقسام، ولهذا خاطب الحق سبحانه القسم الأول بقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) الأنفال 60. أما القسم الثاني فقد خاطبهم بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده) الحج 78.

من ذلك نستطيع القول إن للتلاوة درجات تعتمد في مدلولها على التدبر المناسب لمعاني كتاب الله تعالى من أجل الوصول إلى مقومات الإيمان الأساسية، ما يجعل الإنسان يسير في الاتجاه الصحيح للعقيدة السليمة دون الاعتماد على الفهم السطحي الناتج عن قواعد التجويد، كون للتأمل الصادق وجوهاً أخرى خارجة عن المدلول اللفظي الذي لا يتعدى حدود الأساليب المتعارف عليها، وبهذا نعلم أن التلاوة تتضمن معنى الفهم الحقيقي الذي يدعو إلى الإيمان إذا علمنا أن ليس هناك ما يفرق بين تلاوة القرآن والكتب الأخرى التي لم يطالها التحريف، وقد تطرق الحق سبحانه إلى وصف تلك الكتب بأبلغ الأوصاف كما في قوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) المائدة 44. وكذا قوله: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) المائدة 46. وقد ذكر تعالى تصديق القرآن الكريم لتلك الكتب بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48.

من هنا نستشف معنى زيادة الإيمان الناتجة عن التلاوة الصحيحة سواء قام بها الإنسان بنفسه أو إذا تليت عليه، وهذا ما يفهم من منطوق قوله سبحانه: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) الأنفال 2. ويقابل هذا المعنى قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) آل عمران 101. وبالتلازم مع ما قدمنا نلاحظ أن القرآن الكريم قد أثنى على أهل الكتاب الذين يتلون آيات الله حق تلاوتها، وذلك في قوله عز من قائل: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون... يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين... وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) آل عمران 113- 115. وقد قابل تعالى هذا الصنف المحق بصنف آخر وذلك في قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) الحج 72. وسيتضح الفرق بين الفريقين من خلال تفسير آية البحث.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) البقرة 121.

الكتاب: اسم جنس يقع على الواحد والجمع، وقد ذكر في القرآن الكريم على وجوه أهمها:

أولاً: الفرض: كما في قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء 103.

ثانياً: الأجل: كما في قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) الحجر 4.

ثالثاً: الحجة والبرهان: كما في قوله تعالى: (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) الصافات 157.

أما الكتاب بمعنى القرآن فقد ورد في مواضع كثيرة منها عطف العام على الخاص أو العكس، إلا أن أظهرها ما ذكره تعالى بقوله: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين... قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) الأحقاف 29- 30. وبهذا يظهر زيف من أراد التفريق بين معنى الكتاب والقرآن.

أما التلاوة فلها معنيان:

الأول: القراءة: كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (فالتاليات ذكراً) الصافات 3. وكذا في الآيات التي مرت عليك في معرض حديثنا قبل الدخول إلى تفسير آية البحث.

الثاني: الاتباع: كما في قوله تعالى: (والقمر إذا تلاها) الشمس 2.

من هنا نفهم أن آية البحث تشير إلى أهل الكتاب من اليهود والنصاري، وقد تحدثت عن قسمين:

القسم الأول: الذين يتلون الكتاب حق تلاوته: أي تلاوة تتسامى فيها المعاني دون الألفاظ، وبهذا يصلون إلى التفريق بين الحق والباطل أو الحلال والحرام وكذا الوصول إلى الدلائل التي تميز لديهم العام من الخاص أو المطلق من المقيد وكذا المحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ وما إلى ذلك، أما إذا حملنا الآية على ما في كتبهم فالضمائر لا تقبل الانطباق إلا على شخص النبي (ص) والمعنى الأول أظهر بشهادة السياق، وبناء على ما قدمنا تكون التلاوة الحقة قد أخذت بأيديهم إلى الإيمان بالكتاب المتلو أي المقروء.

القسم الثاني: هم الذين لم تنفعهم التلاوة: ويمكن معرفة هذا المعنى من خلال مفهوم الآية إذا أخذنا بقاعدة الاحتباك، وذلك لاهتمامهم بالتلاوة الشكلية التي تعتمد على الحفظ وما يؤول إليه من قواعد القراءة، وأنت خبير بأن هذا العمل قد لاقى انتشاراً واسعاً لدى فئات كثيرة من المسلمين الذين يبذلون أموالاً طائلة من أجل فتح المدارس التي تعنى بهذا الشأن، دون مبالاة بالتفاصيل المنهجية التي يحث عليها الكتاب، وبهذا يكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً... فتأمل ذلك بلطف. 

 

 من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر   

 

 

 

 

ماذا نعرف عن لغات العالم؟

هناك إحدى عشرة لغة شائعة لدى ٧٨٪ من سكّان العالم في كافّة وسائل التواصل والاتّصال واللّغات هذه هي: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والصينية والروسية والعربية والهندية والهولندية والبرتغالية.

غنيّ عن التبيين أنّ هذه الأرقام في واقع الأمر، هي تخمينية، إذ أنّنا ما زلنا بعيدين جدًّا عن مرحلة معرفة حقيقية ودقيقة لعدد قلبل حتى من لغات العالم، حوالي سبعة آلاف لغة. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلاً، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلّت عام 1975 وفيها حوالي أربعة ملايين من السكّان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالِم اللّغوي المعاصر عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معيّنة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة “البريتون” في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن، بعد قرن من الزمان، ٱنخفض العدد إلى رُبع مليون نتيجة إحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللّغة (Golson, 1966). من ناحية أخرى، نرى أنّ الوضع اللّغوي في آيسلندا مثلاً أكثر أمانًا وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللّغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حيّة وعفوية والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للغة الفنلندية التي يتكلّمها قرابة الستّة ملايين إنسان.

 

بنيةُ اللّغات النحويةُ

من الملاحظ أنّ القسم الأكبر من لغات العالَم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. في بعض اللّغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أنّ تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللّهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقدِ اعْتُقِد في البحث اللّغوي المقارن أنّه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللّغويين المعاصرين من يعتقد أنّ موجة ٱلانقراض اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللّغات الأكثر تعقيدًا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أنّ هذه اللّغات ذات السمات الخاصّة والمعقّدة شبيهة باللّغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. في المقابل، يمكن القول إنّ اللّغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدّثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة، تتّسم بالبساطة واليُسر في نحوها وصرفها (Seely, 2013).

 

عمّا يتمخّض اندثار اللّغة؟

ظاهرة اندثار لغة بشرية ما، لا تعني زوالَ مفردات قليلة أو كثيرة، جزلة أو عادية وصيغ متباينة وتراكيب وأنماط نحوية خاصّة فحسب، بل وفي الأساس تراث ثقافي معين وفلسفة حياة وتاريخ مدوّن وغير مدوّن. إنّ ضياع لغة ما يعني ضياع نافذة معيّنة على العقل البشري وزوال التعدّد اللّغوي يؤول إلى زوال التعدد العقلي إذ إنّ الثقافة تتأثّر باللّغة وتؤثّر في التفكير. وهناك من اللّغويين من يذهب إلى أنّ اللّغة عبارة عن “وسيط بين الفكر والصوت وذلك عبر شروطٍ ما” (ده سوسُّر، ١٩٨٤، ص. ١٣٨). نعم، اندثار لغة ما يعني اندثار فكر وانتماء قومي وروحي وتضعضع هُوية راسخة لدى الفرد والجماعة على حدّ سواء وفقدان الشعور بالقيمة الذاتية (Sapir, 1949, pp. 207-220; Edwards, 1985). إذ أنّ وراء قبيلة صغيرة مثلاً هناك تاريخ طويل حافل بالتراث، يمتدّ لآلاف السنين من التكيّف للمنطقة التي كانت تعيش فيها بخصوص الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية (Woodbury, 1993; Harrison, 2007; Evans 2009). في أستراليا مثلا توجد قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينات من القرن العشرين من التعرّف على أسماء ما يربو عن 600 صنف من النباتات، في حين أنّ هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور (Schmidt, 1990)). وإذا قارنّا الوضع في أيامنا هذه لدى أبناء المدن، بخاصّة في الدول العربية، فقد لا يعرف العربي العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.

السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللّغة، هل اندثار اللّغة يؤدّي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال وليم شكسبير (1564-1616)؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس يسيرًا  فاللّغة، أية لغة آدمية طبيعية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها، وفي كلّ ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللّغة. في العديد من اللّغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنّف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيّرة وغير متغيّرة، أي بين الثابت والمتغيّر. في ولاية هاواي في غرب الولايات المتّحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيّرة في حين أنّ الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفّر إمكانية الاختيار. هذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلّل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. في الوقت الراهن حيث لا يعرف الجيل الجديد لغته حقَّ المعرفة نرى أنّ الناس قد نسوا أيّة أمور تندرج تحت “المتغير” وأيّها تحت “الثابت”. ما يبقى، في الواقع، ما هو إلّا ظلال باهتة لتلك اللّغة والثقافة في غابر الأيام. في اللّغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيثُ (وهناك التخنيث، إن جاز التعبير هنا، بمعنى مذكّر ومؤنّث) ومن حيثُ العاقلُ وغير العاقل في حين أنّ هذه اللّغة تقسِّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع جموع وأقسام).

 

هيمنة لغة أم تعدّد اللّغات في عصر العولمة

في البداية، كانت هناك لغات لا حصرَ لها، وهيمنة اللّغة الواحدة تاريخيًّا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أنّ اندثار اللّغات ليس أمرًا مُقلقًا إذ أنّ انتشار اللّغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه، باعتبار أنّه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلّما تزايد عدد اللّغات المحكية كلّما صعُب على الإنسان فهمُ أخيه الإنسان وغدا العالَمُ أقلَّ تناسقًا وتناغمًا. على ضوء قصّة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدًا ذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء، وأغضبوا الخالق بذلك، وعليه عاقبهم الربّ قائلاً “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11). بعبارة ثانية، إنّ لغات العالَم هي نتيجة عقاب الله هذا (Harris & Taylor, 1989, pp. 35-45). ويرى علم اللّغة الحديث في النظرية القائلة بأنّ العالَم القديم كان أحاديَّ اللّغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدّد الألسن منذ البدء. في مقدور العقل البشري السيطرة وبيُسر على أربع لغات أو خمس إذا تعلّمها منذ نعومة أظفار الطفل، حيث يكون النظام اللغوي في المخ الأقوى في السنوات القليلة الأولى من حياته.

يبدو أنّ المكان الأمثل لبحث التعددية اللّغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مِساحة فرنسا بقليل وعدد سكّانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلّمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الغالبية الساحقة من هذه اللّغات جدّ مغمورة إذ إنّ لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدّد اللّغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، ويتسنّى للطفل سماعُ خمس أو ستّ لغات وتعلّمها شرطَ أن يكون مصدرُ كلّ واحدة منها ثابتًا. كما وتلعب اللّغات في پاپوا غينيا الجديدة دَورًا جتماعيًّا هامًّّا، فاللّغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته، ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانياتٍ اقتصادية وعسكرية وشخصيةً أيضًا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معيّنة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنّه في منطقة ثنائية اللّغة (bilingualism) تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة واحدة على الأخرى، وهكذا نمت وعظُمت هذه اللّغة المنتقاة وٱحتلت مكان اللّغة الثانية في آخر المشوار. في الوقت نفسه، تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معيّنة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللّغات على حاله تقريبًا، وهذا ما يدعوه اللّغويون بـ “التوازن اللّغوي” (linguistic balance) الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضًا. يُذكر أنّ الجنس البشريَّ في مراحله التاريخية الأولى كان متعدّد اللّغات، أمّا الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا، حيث يتكلّم الناس لغة واحدة فقط، فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.

قد يكون مفيدًا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في آسيا 2197، في إفريقيا 2058، في منطقة المحيط الهادىء 1311، في أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللّغات الميّتة تقريبًا الآن حيث عدد المتكلّمين بها جدّ قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أنّ عدد اللّغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة. ويُذكر أنّ نيويورك ذات أعلى كثافة لغوية في العالم إذ أنّها مركز لعدد كبير من المهاجرين إليها من مختلف أنحاء المعمور (Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007; Moseley, 2012).

 

مصير العربية المعيارية الحديثة

أوّلاً ينبغي التمييز بين أنماط العربية المختلفة عند الحديث عن هذه اللّغة كما أسلفنا. يا تُرى ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic, MSA) في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث والنقاش فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة؟ هل العربية هذه في أزمة حقيقية وما كنهها؟ كانت منظّمة اليونيسكو قد أكّدت أنّ العربية ستكون ضمن اللّغات المرشّحة للانقراض في خلال القرن الراهن. تواجه العربية المعيارية خطرًا حقيقيًّا من مصدرين، من الخارج أي اللّغات الأجنبية لا سيّما الإنجليزية والفرنسية والعبرية ومن الداخل أي اللّهجات المحكية التي لا حصر لها. لا شكّ أنّ الاعتقاد الشائع بأنّ العربية لا يمكن أن تندثر لأنّها لغةُ القرآن الكريم، فهي خالدة (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٧٣-١٧٦) وقد ورد فيه في سورة الحجر، الآية التاسعة "إنا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون" وهذا يحتمل أكثر من معنىً لغويًا وتفسيريًا.

تاريخيًا أمامَنا مثَل جليّ لموت أو سبات لغة طوال سبعةَ عشرَ قرنًا من الزمان تقريبًا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي مقدّس لدى أصحاب تلك اللّغة. هذه اللّغة فريدة في نوعها في تاريخ اللّغات، إذ أنّها أُعيدت للحياة قبل زهاء قرن من الزمان، منذ بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة تضافر عدّة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حيّة تدرّس فيها كلُّ المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنّها العبرية الحديثة التي انبثقت عن عبرية العهد القديم (Biblical Hebrew) التي يرجع تاريخها الأقدم إلى أكثرَ من ثلاثة آلاف عام ومن لغة التوراة الشفوية، المشناة والتلمود (Fellman, 1973; Harshav, 1993, pp. 81-88). المألوف كما هو معروف في علم اللّغة هو تطوّر لهجة محكية في ظروف معيّنة إلى لغة مكتوبة، أما العكس، أي "إحياء" (revival) لغة مكتوبة لتصبح محكيةً فنادر جدًّا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش في إنجلترا التي بُعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد منكلّميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق، قد تنقرض اللّغة، بمعنى أنّها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية في أيّامنا أيضًا (Hinton  & Halle,  2001; Fishman, 2001).

ثم يجب التذكير مثلا أنّ عبرية العهد القديم لا تحتوي على أكثرَ من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون القرن الماضي دخلت واشتُقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. ومن ناحية أخرى، ما في القرآن الكريم، لا يمثّل إلاّ أقلّ من ثُلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيبَ ومعانٍ، كما ذكر مؤخّرًا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، في مؤتمر في القاهرة. يبدو أنّ القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معيّنة يرجع بالأساس إلى أبناء هذه اللّغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى. يعتقد العلماء أنّ أحد السبل لإبعاد شبح الاندثار بالنسبة للّغات هي مواقع التواصل الاجتماعي العاملة بنشاط في عصرنا (Fishman, 1991;  Lenore & Lindsay, 2006). كما وتجدر هنا الإشارة إلى المساهمة الهامّة التي يقدّمها غوغل في هذا الصدد

(http://google-arabia.blogspot.fi/2012/06/blog-; post_25.html)

 وقل الأمر ذاته بالنسبة لدور الشابكة (الشبكة العنكبوتية).

في هذا السياق الراهن للّغة العربية المعيارية الحديثة (MSA) ثمّة عوامل ودلائل غير مشجّعة بالنسبة لمستقبلها، نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدّىان في الغالب الأعم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبًا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، إذ لا إرادة سياسية مستقلّة لهم حتّى الآن وبعد ما سمّي بالربيع العربي الذي سرعان ما انقلب خريفًا أو شتاءً، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كلّ شيء كما قال ابن خلدون (تونس 1382-مصر 1406) “إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء” وقال أيضا “إن غلبة اللّغة بغلبة أهلها، وإنّ منزلتها بين اللّغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”. ينظر بعض العرب إلى لغتهم بازدراء ما معتبرين إيّاها منحطّة ولذلك يؤثرون استخدام غيرها من اللّغات، الإنجليزية، الفرنسية، العبرية؛ أو في أحسن الأحوال يُقحمون دون مسوّغ الكثير من المفردات والتعابير الأجنبية في كلامهم. من الواضح أنّ ذلك الاحتقار أو النفور لا ينجم من فراغ، إذ أنّ المعلمين والمؤسّسات الرسمية لا تحترم العربية (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٦٤-١٦٦). من المعروف أنّ المواضيع العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء إلخ. تُدرَّس في الكثير من المدارس وفي كلّ الجامعات العربية تقريبًا باللّغات الأجنبية أما العربية فتُسمع في حصص التاريخ والجغرافية والعربية وغيرها بالعامية حتّى، وليس بالفصحى إلا لمامًا. والطامة الكبرى أنّ التلميذ العربي منذ المرحلة الابتدائية عليه أنّ يفهم ما يسمع بالعامية أوّلاً وعليه التعبير عن ذلك في الدرس وفي الامتحان بالفصحى وهيهات أن يتسنّى ذلك، في الغالب الأعمّ، لمعلم العربية! أهناك أغرب من هذه الحالة المعروفة جيّدًا ولم تلق الحلّ بعد! هذا الوضع يؤدّي إلى ازدهار ظاهرة الحفظ غيبًا “البصم” سيّئة الصيت والاهتمام الزائد بالمبنى على حساب المعنى (التويجري، ٢٠٠٤).

العربية المعيارية لغة رسمية في خمس وعشرين دولة، اثنتين وعشرين دولة عربية وثلاث دول هي إسرائيل وإريتريا وتشاد ولكن من حيث الشكلُ فقط، إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين وآليات لتنفيذ المكتوب، رغم أنّ أغلب الدول المتقدّمة تتدخّل سياسيًا في مجال اللّغة والتخطيط لها؛ هوّة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامّيات (diglossia) عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في لغات أخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة جدّ جدّ نادرة فيه، ولا يفوتنا ما قيل بأنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين، حيث معدّل ما يقرأه الفرد سنويًا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابًا وفي إسرائيل مثلاً أربعون، أمّا عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكلّ ثمانين فردًا! أي أنّ نسبة ما يقرأه العربي هو واحد على ثمانين من كتاب ما سنويًا. الميل للتحدّث بالإنجليزية والفرنسية وفي الديار المقدسة بالعبرية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارسَ أجنبية أو مدارس خاصّة ونصيب العربية فيها فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يُقدّمون أُنموذجًا حسنًا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظّمة الأمم المتّحدة وفي محافل دولية أخرى لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للّغة العربية؟ متى يُعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية العربية السورية مثلاً؟ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشياًً مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطوّر دائم وضرورة استخدام التقنيات الحديثة؛ لا بدّ من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها (functional grammar) والابتعاد عن التقعرّ والتعليلات التي تعلّ قلوب الطلاب وعقولهم؛ افتقار شديد لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللّغوية الفادحة في الصحافة الإلكترونية بخاصّة والورقية بعامّة؛ مكانة أستاذ اللّغة العربية بحاجة ماسّة للدعم معنويًا وماديًا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ غياب المدقّق اللّغوي في دور النشر؛ محاولة تقليص نسبة الأمية لا سيّما عند النساء في العالم العربي فهنّ عماد التربية؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدّسة في أعناق وزارات التربية والتعليم وربما المثقّفين أوّلاً. نقول كلّ هذا بالرغم من أنّ العربية تعتبر واحدة من خمس لغات حملت مخزونًا ثقافيًا هامّا جدًّا وهي اللّغات الكلاسيكية: الصينية والسنسكريتية واليونانية واللاتينية (Sapir, 1949, p. 194).

أحيانًا، قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمّل، أهناك أمّة لا تحترم فعلاً لغتَها مثل العرب؟ الصين وكوريا الجنوبية واليابان وغيرها من الدول أمثلة يُحتذى بها في هذا الصدد. حافظتِ اليابان على تراثها اللّغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميّزة ولم تهرول وتلهث لإعلاء شأن اللّغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستُسمع وستُقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلاّت على أنواعها، العشرات من محطّات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال، أربع وعشرون محطّة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخّرًا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو: ماذا سيكون جوهر اللّغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالَم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يُضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمّى بالإرهاب الأصولي الإسلامي من “قاعدة” و”داعش” و “دا” وما يدور في فلكهما في العالَم أو تفاقمه؟ مثقّفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء وأكاديميين وباحثين سيستمرّون في حمل مشعل سلامة اللّغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء وظروف ليست سهلة على العموم. إنّهم سيستمرّون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء كليًّا.

 

 

أصبح الدرس النقدي المعاصر يولي اهتماما متزايدا للخطاب المقدماتي تنظيرا وتجريبا، فقد "صار للمقدمة ـ بوصفها نصا موازيا (paratexte) ـ حيز هام في مجال اشتغال النقد الأدبي"[1]. ولعل من مبررات هذا الاهتمام، ما لحق هذا العنصر التأليفي من إجحاف وإهمال، إذ إن "الدراسات حول النقد القديم غالبا ما اكتفت بمتون المؤلفات النقدية القديمة وتجاوزت مقدماتها، أو جعلتها تنصهر في إطار دراسة المتن برمته في حين أن هذه المقدمات هي مفتاح هذه المؤلفات"[2].

1 – في تعريف المقدمة:

ورد في "لسان العرب"، مادة (قدم)، ما يلي: "قدم: في أسماء الله تعالى المقدَّم: هو الذي يُقدم الأشياء ويضعها في مواضعها، فمن استحق التقديم قدّمه... والقدمُ والقُدْمَة: السابقة في الأمر... ومقدِّمة العسكر وقادمتُهم وقُدامهُم: مقدِّمُوهُم"[3].

بينما يقول الفيروزآبادي: "... مقدمة الجيش، وعن ثعلب فتحُ داله: متقدِّموه، وكذا قادمتُه وقداماهُ، ومن الإبل: أول ما تُنتَج وتُلْقَح، ومن كلِّ شيء: أوّلُه، والناصيةُ، والجبهة"[4].

أما الرازي فيرى أن: "... (المقَدَّم) ضدُّ المؤخَّر، يقال: ضرب مقدَّم وجهه، و(مقدِّمَة) الجيش بكسر الدال أوَّلُه"[5].

تتفق المعاجم الثلاثة على اعتبار المقدمة هي أول كل شيء ومفتتحه، وتأتي نقيضا للمؤخّر كما هو مثبت عند الرازي، ويبدو أن موقع المقدمة أهلها لأن توصف بالوصف السالف الذكر، إذ "تقوم المقدمة على مفارقة غريبة قد لا تتسم بها غيرها من النصوص، ذلك أنها على مستوى المكان تعتبر أول مكتوب، لكنها على المستوى الزمني تكون آخر ما يكتب"[6].

كما تسعى المقدمة إلى تحقيق الوظائف الآتية[7]:

1 – السعي إلى تنبيه القارئ و توجيهه وإخباره بأصل الكتاب وظروفه ومراحل تأليفه ومقصد مؤلفه وهذا ما يمكن ان نصطلح عليه باستراتيجية البوح و الاعتراف ويمكن اعتبارها الوظيفة المركزية  .

2 – أن المقدمة من خلال هذه الاستراتيجية تسعى إلى توجيه القراءة و تنظيمها ، كما تسعى إلى تهيىء القارئ لاستقبال مشروع قيد التحقق سيكون مجاله متن الكتاب  .

3 – قد تتحول المقدمة إلى نوع من الميتالغة للنص المقدم له ، تختزله وتكثفه دون أن أن يعني ذلك أن قراءتها قد تغني عن قراءة المتن ، بل إن قراءة المتن تصير مشروطة بقراءة المقدمة  .

4 – في بعض الأحيان تسعى المقدمة إلى مصادرة الانتقادات التي قد تمس الكتاب وبذلك تتحول إلى خطاب دفاعي حجاجي  .

5 – وفي بعض الأحيان تتحول إلى شرح وتحليل مطولين للعنوان  .

 ومن مسوغات إفراد المقدمة بجزء من البحث والدراسة، ما لهذا الخطاب من أهمية بحكم ارتباطه بمتن الكتاب من جهة، إضافة إلى إسهامه في توضيح جوانب مهمة تضيء للباحث سُبُل التعامل مع المادة المبثوثة بين دفتي الكتاب. ويمكن حصر العناصر السالفة في المركبات القاعدية التالية[8]

ـ الاعتبار التصديري والافتتاحي الذي تمتلكه المقدمة، وهو اعتبار يمنحها سلطة توجيه القراءة.

ـ احتواء المقدمة (وهذا هو المأمول فيها تدقيقا) على تصور المؤلف للكتابة وغايته من التأليف، وتلك سمة مميزة تعين شكل الأطروحة التي تبرزها محتويات نص الكتاب.

ـ انطلاق المقدمة في عرضها لمنهج المؤلف في الدراسة وتحديد أدواته الإجرائية في تمظهرات اصطلاحية لها أهميتها الخاصة في القراءة والتحليل.

ـ تشكل دراسة المقدمة منحى آخر في قراءة العمل الأدبي نفسه، انطلاقا من العلائق الجدلية التي تربط المقدمة بالعمل.

ـ اعتبارا لأهمية الأسئلة التي تبرزها المقدمة، وهي أسئلة عادة ما تلامس جملة من القضايا المرتبطة بتصور الأدب والنقد على حد سواء، ولذلك فإن أسئلة المقدمة وتساؤلاتها الظاهرة منها والضمنية، هي المصدر المنهجي الكامن وراء الهدف من التأليف، ومن ثم فإن الوقوف عند طرائق صوغها أمر أساسي.

 

2 – التعريف بصاحب المقدمة:

لم تعن المصادر بترجمة ابن بسام الشنتريني، فـ"شهرته تغني عن ذكره"[9] كما يقول المقري (1041هـ)، إلا أن إحسان عباس يرى أن ابن بسام "لم يكتب هو ترجمة لنفسه في كتاب "الذخيرة" على عادة بعض مؤلفي كتب التراجم، ولهذا ظلت أخباره وتفصيلاتها غير متيسرة للدارسين"[10]. وعلى الرغم من ذلك سنورد بعض المعلومات التي بإمكانها جلاء الغامض عن حياة ابن بسام.

ورد في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي: "أبو الحسن من أهل الأندلس، له كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ـ يعني جزيرة الأندلس ـ في سبعة أسفار"[11]. وقال عنه صاحب "الأعلام": "علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، أبو الحسن: أديب، من الكتاب الوزراء، نسبة إلى سنترين (المسماة اليوم: santarén) في البرتغال، اشتهر بكتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"... وهو في ثمانية مجلدات، تشتمل على 154 ترجمة مسهبة لأعيان الأدب والسياسة ممن عاصرهم أو تقدموه قليلا"[12].

انطلاقا مما سبق، فإن أبا الحسن علي بن بسام، من أهل شنترين في غرب الأندلس. وقد امتطى صهوة الأدب والتاريخ، فهو "أديب من الكتاب الوزراء"[13] عند صاحب "الأعلام"، وقد "كان ناقدا أديبا متمكنا"[14] في منظور محمد بن عبود، وهو "مؤرخ متزن"[15] عند حسن أحمد النوشي.

أما ما يتعلق بفضائله الخلقية، فإن أول ما يظهر منها ـ حسب منظور حسين خريوش ـ هو "إعراضه عما يخدش الحياء، ويشين الأخلاق، وقد تمثل ذلك في بعض ألوان من الشعر، كان قد استبعدها من كتابه كالهجاء"[16]. وقد أنسانا هذا الكلام تلك الصورة الظالمة التي رسمها آنخل بالنثيا لابن بسام، إذ قال: "ومضى (ابن بسام) يدبج التراجم ويكيل المديح لمن يجزيه عنه بالمال، وكان ذلك أمرا شائعا صنعه ابن خاقان أيضا"[17].

وقد عرف عن ابن بسام كذلك روح الدعابة، وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال هذا النص الوارد في كتاب "الذخيرة"، من خلال حديثه عن الخلط الذي وقع لمعاصريه، بينه وبين علي بن بسام البغدادي، إذ قيل له (ابن بسام الشنتريني): "أنت عليُّ بن بسام حقا؟ قلت: نعم، قال: أو تهجو حتى الآن أباك أبا جعفر وأخاك جعفرا ؟ فقلت له: أنت أيضا عبد المجيد؟ (عبد المجيد بن عبدون) قال: أجل، قلت: وحتى الآن فيك ابن مناذر يتغزل؟ فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر"[18].

وقد توفي ابن بسام بقرطبة، إذ "تأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة  "[19].

 

3 – قضايا التأليف انطلاقا من مقدمة الكتاب:  

3 . 1 -  الديبـاجــة:

تعتبر البسملة والحمدلة والصلاة على النبي أهم العناصر المقررة في التأليف في حضارة الإسلام، بشكل عام. وتتشكل منها في العادة ديباجة الكتاب[20]. وقد أوردها ابن بسام في مقدمة كتابه "الذخيرة" بالترتيب السابق، إذ يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم... أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله "[21].

3 . 2 ـ البعدية: يتجلى دور البعدية في الفصل "بين الديباجة وباقي المقدمة... ب: "أما بعد" أو "بعد"، وهما عبارتان معدتان للانتقال وتؤذنان به إلى الغرض المقصود، ولذلك سميت: "أما بعد" بفصل الخطاب لفصلها الكلام الثاني عن الأول".[22] وللبرهنة على ذلك، يقول ابن بسام في مقدمة "الذخيرة": " أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله"[23].

3 . 3 ـ موضوع الكتاب: يجمع الباحثون على أن موضوع "الذخيرة" لابن بسام، يعد مصدرا لا بديل عنه لمن أراد أن يطلع على أدب المائة الخامسة ويكون على بينة منه، إذ "يتجلى له القرن الخامس الهجري، على نحو واضح من خلال نتاج أهل الأندلس في العلم والأدب"[24]. وقد ترجم محمد رضوان الداية إعجابه بكتاب الذخيرة بقوله: "إنه أهم كتاب أندلسي في تاريخ الأدب على الإطلاق"[25].

بينما يصرح ابن بسام بموضوع كتابه قائلا: " وقد أودعت هذا الديوان... من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم، ما هو أحلى من مناجاة الأحبة بين التمنع والرقبة، وأشهى من معاطاة العقار على نغمات المثالت والأزيار، لأن أهل هذه الجزيرة ـ مذ كانوا ـ رؤساء خطابة، ورؤوس شعر و كتابة"[26].

3 . 4 ـ التصريح بعنوان الكتاب:

تنامى الاهتمام بالعنوان، باعتباره عتبة من العتبات، إذ "لا يمكن الولوج إلى عالم النص، إلا بعد اجتياز هذه العتبة، إنها تمفصل حاسم في التفاعل مع النص"[27]. وقد صرح ابن بسام بعنوان كتابه قائلا: "وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته بـ "كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" من عجائب علمهم وغرائب نثرهم ونظمهم"[28].

فالذخيرة مأخوذة من الجذر (ذخر) ف " اذخره: اختاره، أو اتخذه. والذخيرة: ما اذخر"[29]. فالكتاب إذن، عبارة عن مختارات اذخرها الكاتب لكي يطلع عليها القراء والمهتمون .

وقد وصف ابن بسام كتابه بأوصاف أخرى ، ورد أغلبها في المقدمة، و هي:

* المجموع: مثل قوله: "وعدت أن ألمع في هذا المجموع، بلمع من ذكر البديع"[30].

* الكتاب: نحو: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء"[31].

* الديوان:مثل قوله: "وهذا الديوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل ، وأمنية لم يكن منها حول ولا حوال"[32].

* التصنيف: مثل قوله: "وسينخرط في سلك ما أوشح به هذا التصنيف، من تلخيص التعريف بأخبار ملوك الجزيرة، وسرد قصصهم المأثورة"[33].

3 . 5 ـ تصميم الكتاب:

يشمل التصميم "بيان كيفية الكتاب من التبويب والتفصيل"[34] إذ قسم ابن بسام كتابه إلى أربعة أقسام هي:

* القسم الأول: خصه: "لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد متوسطة الأندلس"[35].

* القسم الثاني: أفرده ابن بسام "لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي"[36].

* القسم الثالث: يقول ابن بسام متحدثا عن هذا القسم: "ذكرت فيه أهل الجانب الشرقي من الأندلس، ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك"[37].

* القسم الرابع: يقول صاحب " الذخيرة": "والقسم الرابع أفردته لمن طرأ على هذه الجزيرة في المدة المؤرخة (المائة الخامسة) من أديب شاعر،و آوى إلى ظلها من كاتب ماهر، واتسع فيها مجاله، وحفظت في ملوكها أقواله، ووصلت بهم ذكر طائفة من مشهوري أهل تلك الآفاق، ممن نجم في عصرنا بأفريقية والشام والعراق"[38].

3 . 6 ـ تسمية المؤلف:

إن التصريح باسم المؤلف يعد محمدة ومكسبا للتأليف والتحقيق معا ، فقد تساءل الأستاذ عباس ارحيلة قائلا: "كيف يمكن الأخذ من كتاب يجهل مؤلفه؟"[39]. وهو تساؤل مشروع، لأن التصريح باسم المؤلف يضفي الشرعية على الكتاب، وقد سار ابن بسام في هذا الاتجاه فقال في مقدمة كتابه: "قال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، رحمه الله"[40].

3 . 7 ـ الأعمال السابقة في الموضوع:

تبرز شخصية ابن بسام، حين لا يجد حرجا في التصريح بمن سبقه إلى التأليف في موضوع الترجمة لأهل أفقه، فقال: "إذ كان ابن فرج الجياني  قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي من الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه " كتاب الحدائق" معارضا لـ "كتاب الزهرة" للأصبهاني ، فأضربت أنا عما ألف ولم أعرض لشيء، مما صنف"[41].

وعلى الرغم من اعتراف ابن بسام بريادة ابن فرج الجياني وسبقه في قوله: "وابن فرج هذا ممن تقدمني في نشر محاسن أهل هذه الجزيرة، وإظهار خبايا فضائلهم المشهورة"[42].

إلا أنه أضرب عما ألف ابن فرج في كتابه المذكور، مما جعل أحد الباحثين يعتبر كتاب "الذخيرة" لابن بسام كالذيل على كتاب "الحدائق" لابن فرج"[43]. وهو الرأي نفسه في مقدمة التحقيق، حيث يقول إحسان عباس: "وهو (ابن بسام) لا يزمع أن يكرر ما احتواه كتاب "الحدائق" لابن فرج الجياني، وإنما يريد أن يجعل كتابه ذيلا للحدائق"[44].

3 . 8 ـ الأمانة العلمية: التوثيق والعزو:

يروم هذا المحور الحديث عن المصادر التي اعتمدها ابن بسام أثناء تأليفه كتاب "الذخيرة"، وهي مصادر متنوعة ومتعددة ؛ متنوعة من حيث توزيعها الجغرافي: (مشرقية، أندلسية...)، ومتعددة كذلك من حيث طبيعتها: (رواية، حفظ...).

أ ـ التوزيع الجغرافي للمصادر:

اعتمد ابن بسام مثل غيره من اللاحقين على أدب السابقين من المشارقة، فقد أبرز تحقيق إحسان عباس عددا منها مثل: "أخبار بغداد لابن طاهر طيفور، ومؤلفات ابن قتيبة، وأخبار أبي تمام للصولي... وفي هذه الناحية يتجلى اعتماده على ما حفظه من شعر المتنبي والمعري وأبي تمام والصنوبري وغيرهم"[45].

أما المصادر الأندلسية، فتشمل: "الحدائق لابن فرج... وكتاب الهادي إلى النسب العبادي للفضل بن علي بن حزم وحديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح للوزير أبي عامر بن مسلمة والبديع في فصل الربيع لحبيب، والحديقة لأبي عامر بن مسلمة، وديوان المعتضد بن عباد..."[46].

ومن نماذج تصريح ابن بسام بمصادره، قوله: "قال أبو علي بن رشيق في كتاب "العمدة"..."[47]. وقوله: "ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر... ككتابه المترجم ب"العمدة" و"كتاب الأنموذج" إلى عدة رسائل رائقة وبدائع فائقة"[48].

وقد عول ابن بسام على تاريخ ابن حيان(469هـ) أثناء استحضار الأحداث والوقائع، ويتضح ذلك من خلال قوله: "وعوَّلتُ... على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصوله ونقلتُ جُمَلُه وتفاصيله"[49].

ب ـ طبيعة المصادر:

تتحدد طبيعة هذه المصادر في الإملاءات التي أملاها عليه بعض الأدباء أو مراسلاتهم، أو ما استعاره من عندهم من مسودات وتعاليق ورقاع، أو ما قيّده من روايات أناس يثق فيهم... وغيرها[50].

وسنعرض نماذج لهذه المصادر كما يأتي:

* الحفظ: مثل قوله: "فإذا أعوزني كلامه، وعزّني سرده ونظامه، عكفتُ على طللي البائد، وضربتُ في حد يدي البارد على حفظ قد تشعّب وحظٍّ من الدنيا قد ذهب"[51]. أو قوله: "وأنا أنشد في هذا الموضوع بعض ما تعلق من ذلك بحفظي، ووقع في شرك صدري"[52].

* الرواية: مثل قوله: "أخبرني الفقيه أبو بكر بن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال..."[53]. أو قوله: "حدثني من أثق بخبره"[54].

* الإنشاد: نحو قوله: "أنشدني (المنيشي الإشبيلي) لنفسه من جملة قصيدة"[55].

* الرقاع: مثل قوله عن ابن دراج: "فصل له من رقعة"[56].

لا جرم أن متصفح هذا المحور سيعترض علينا، لأن أغلب النصوص المستشهد بها، هي من داخل المتن وليس من المقدمة، ولعل ما يبرر هذا الخرق المنهجي هو كون العلاقة بين المقدمة والمتن علاقة وطيدة، فموقعها يؤهلها لنسج علاقة خاصة مع المتن فقد يلخص فيها المؤلف ما بسطه في المتن أو قد يصيرها تنظيرا والمتن تطبيقا.

3 . 9 ـ المنهــج:

يلعب المنهج دورا حاسما في فك معمّى النص أو النصوص، لذا "يتولى المؤلف بيان منهجه، فيكون ذلك هو المدخل السليم لقراءة الكتاب، ووضعه في إطاره الصحيح"[57]. ويتفرع المنهج عند ابن بسام إلى مناهج متعددة هي:

 أ ـ تقسيم الكتاب:

أشرنا آنفا إلى أن ابن بسام قسم كتابه إلى أربعة أقسام، تبعا للمناطق الجغرافية، ويكون بذلك قد "اصطنع المنهج الإقليمي في كتابه "الذخيرة" مقتفيا طريقة الثعالبي في كتابه "يتيمة الدهر" الذي قسمه إلى أربعة أقسام"[58].

وقد صرح ابن بسام بمعارضته لمنهج الثعالبي في قوله: "وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور، في تأليفه المشهور، المترجم ب"يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر""[59]. إلا أن هذا الائتساء بأبي منصور الثعالبي ـ كما يقول حسين خريوش ـ لم يجعل ابن بسام صورة من صور الثعالبي، فابن بسام كان قوي الشعور بشخصيته، وأنه كان له مزاياه في التأليف، ومنهجه في الاستقلال، فهو وإن كان حاكى الثعالبي في منهجه، لم يبقه على صورته، كما وضع الثعالبي أصوله الأولى، بل استطاع أن يتجاوز أفق الثعالبي ومنهجه[60].

ولعل هذا ما عناه ابن بسام بقوله: "وقد أثبت أيضا آخر هذا القسم طرفا من كلام أهل المشرق، وإن كانوا لم يطرأوا على هذا الأفق، حذو أبي منصور الثعالبي؛ فإنه ذكر في يتيمته نفرا من أهل الأندلس فعارضته أو ناقضته، والأدب ميدان يليق به المِتاح، ويستحسن فيه الجِماح"[61].

ب ـ الفترة الزمنية:

يقول ابن بسام متحدثا عن الفترة الزمنية للمترجم لهم: "ولا تعدّيتُ أهل عصري، ممن شاهدته بعُمري، أو لحِقه بعض أهل دهري"[62]. وقد وصل ما انقطع من كلامه بقوله: "وتخللتُ ما ضمنتُه من الرسائل والأشعار، بما اتصلَتْ به أو قيلتْ فيه من الوقائع والأخبار، واعتمدتُ المائة الخامسة من الهجرة"[63]. ويقول في مقام آخر: "وقد كتبتُ لأربابِ هذا الشأن، من أهل الوقت والزمان، محاسن تبهرُ الألباب، وتسحَرُ الشعراء والكتّاب، ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية"[64].

يتضح من خلال النصوص السالفة أن ابن بسام ألف كتابه ليجعله خاصا بأدباء عصره، فلا يذكر منهم إلا من أدركه بنفسه أو أدركه بعض معاصريه[65]. إضافة إلى أنه ضمّن كتابه: "محاسن أدباء الأندلس من بُعيد الدولة المروانية إلى عصره، فهو صلة لكتب سلفت في الدولتين المروانية والعامرية"[66].

ج ـ منهجه في التعامل مع الأخبار والأشعار:

يقول ابن بسام: "وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور، لا ميدانُ بيان وتفسير، أوردُ الأخبارَ والأشعارَ لا أفكُّ معمَّاهَا، في شيء من لفظها ولا معناها؛ لكن ربما ألممت ببعض القول، بين ذكر أُجريه، ووجه عذر أريه"[67].

3 . 10 ـ بواعـث التـأليف:

تتحدد بواعث تأليف كتاب "الذخيرة" في مجموعة من العناصر، منها ما هو أدبي، ومنها ما هو جغرافي، ومنها ما هو خلقي كذلك.

أ ـ الباعث الأدبي:

فالباعث الأدبي يتجلى في رغبة ابن بسام تخليد آثار أهل أفقه. يقول معبرا عن هذه الرغبة: "وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القَصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيبَ مكاسر وصفاءَ جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعبَ الدُّجى بجفون المؤِرّق، وحدوا بفنون السّحر المنمَّق، حداء الأعشى ببنات المحلّق؛ فصبوا على قوالب النّجوم، غرائب المنثور والمنظوم؛ وباهَوْا غُرَر الضُّحى والأصائل، بعجائِب الأشعار والرّسائل"[68].

ب ـ الباعث الجغرافي:

أما الباعث الجغرافي فيتمثل في معاتبة أهل الأندلس، لارتمائهم في أحضان أدب الشرق، وإهمال ما لديهم من غُرر تضاهي ذلك الأدب. يقول ابن بسام: "إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنَّ بأقصى الشام والعراق ذُباب، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما.. فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمع ما وجدتُ من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري... وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخصّ أهل المشرق بالإحسان؟"[69].

لا جرم أن هذا الكلام يقدم دليلا على تحكم النزعة الأندلسية في منظور ابن بسام للأدب.

ج ـ الباعث الخلقي:

يشكل الباعث الخلقي جانبا من جوانب قوة المعيار الخلقي في النقد عند ابن بسام، إذ يقول: "وما قصدت به (كتاب الذخيرة) ـ علم الله ـ الطعن على فاضل، ولا التعصب لقائل على قائل، لأن من طلب عيبا وجده، وكلٌّ يعمل باقتداره، وبجهد اختياره، وما أُغفل أكثرُ مما كتب وحصِّل، والأفكار مُزن لا تنضبُ ونجوم لا تغرُب"[70].

3 . 11 ـ معاناة التأليف:

إن التأليف ـ وما يتعلق به ـ لا يخلو من صعوبات جمّة، سواء قبل التأليف أو بعده، ولعل من أشكال هذه الصعوبات، صعوبات الذات والمكان والزمان وغيرها.

يقول ابن بسام متحدِّثا  عن صعوبات الذات والزمكان: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامِد الذكاء، بين دهر متلون تلوّن الحرباء، وقيمة كل أحد ما لَهُ، وأسوة كل بلد جُهاله"[71]. كما أشار ابن بسام إلى ما عاناه أثناء جمع تفاريق الكتاب، منبها إلى ما قد يشوب تأليفه من سهو أو زيغ، فقال: "ولعلَّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرتُ خاملا وتركتُ مشهورا، وعلى رسله فإنما جمعته بين صعب قد ذل، وغرب قد فلّ، ونشاط قد قلّ، وشباب ودّع فاستقلّ، من تفاريق كالقرون الخالية، وتعاليق كالأطلال البالية، بخط جُهال كخطوط الرّاح، أو مدارج النّمل بين مهاب الرياح، ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف..."[72]. إلى أن يقول: "على أن عامة من ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارا موضوعة، ولا أشعارا مجموعة، تفسح لي في طريق الاختيار منها، إنما انتقدتُ ما وجدتُ، وخالستُ في ذلك الخمول، ومارستُ هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل"[73].

3 . 12 ـ حضور المتلقي/ القارئ:

يهدف كل كاتب إلى إبرام نوع من التعاقد الصريح أو الضمني مع قارئه أو متلقي خطابه[74] . فالمقدمة خطاب موجه إلى القارئ، خطاب يستحضر هذا المتلقي، خطاب توجيهي تربوي... ويسعى المؤلف، من خلال المقدمة أن يدخل في حوار مع القارئ، ينصحه وينبهه ويوجهه... وقد يدعو القارئ إلى أن ينظر بعين الرضا ويتجاوز عن الخطأ والنسيان[75]. يستحضر ابن بسام المتلقي/ القارئ في قوله: "ولعلّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرت خاملا وتركت مشهورا، وعلى رِسلِه، فإنما جمعتُه بين صعب قد ذل وغرب قد فلّ"[76]. ولعل فعل "التصفح" كاف للدلالة على عمق رؤية ابن بسام النقدية للطرف الثالث للعملية الإبداعية / التأليفية، كما نلمح حضور المتلقي في قول صاحب "الذخيرة": "وأغنيتُ عن الغائب بالشاهد، وتغلغلتُ بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النَّور والزَّهر"[77].

3 . 13 ـ الإهداء:

يوجه ابن بسام الخطاب إلى المهدى له بقوله: "إلى أن طلع على أرضها شهابُ سَعدها وتمكينها، وهبّت لها ريحُ دنياها ودينها، ونفخ فيها روح تأميلها وتأمينها، ملك أملاكها، وجديل حكّاكها، وأسعدُ نجوم أفلاكها؛ "فلان" ثمال المظلوم، ومالُ السائل والمحروم؛ ومحيي العلم، ومربعُ ذويه وحامليه، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه..."[78].

ومما يلاحظ بخصوص هذا الإهداء، عدم تصريح ابن بسام باسم المُهدى له، بل اكتفى بالإشارة إليه بكلمة "فلان". وقد علق محقق الكتاب على هذا المنحى بقوله: "لم يسمه هنا، ولعله سير بن أبي بكر الذي تولى إشبيلية في فترة تأليف الذخيرة، أو لعله أبهم اسمه ليتمكن من تقديم كتابه إلى غير واحد من أمراء عصره، فيثبت في كل نسخة اسما غير الذي أثبته في الأخرى"[79].

يبدو أن المحقق قد غالى كثيرا في تقدير سبب عدم التصريح باسم المُهدى له، إذ إنه لم يعرف عن ابن بسام أنه خدم أحدا من أمراء عصره، أو تطفل على موائدهم أسوة بمعظم زملائه من كُتَّاب العصر وأدبائه.

  1. 14 ـ دعاء الاختتام:

يرى الأستاذ عباس ارحيلة أن دعاء الاختتام "قد يرد في بداية الكتاب... وقد يرد في وسط المقدمة، ولكن الدعاء عادة ما يرتبط بنهاية المقدمة في التصانيف"[80].

فقد ورد دعاء الاختتام في نهاية مقدمة كتاب "الذخيرة" بهذه الصيغة: "وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل لا إله سواه"[81].

  

د. محمد أبحير - باحث في أدب الغرب الإسلامي

..................

لائحة المصادر و المراجع :

  • الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980 .
  • ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984 .
  • تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بالنثيا ،ترجمه: حسين مؤنس، ط1، 1955 .
  • تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ، مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981 .
  • ترتيب مختار الصحاح، الرازي، حققه: شهاب الدين أبي عمر، دار الفكر، بيروت، 1992 .
  • التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992 .
  • الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني، محمد بنعبود ، ضمن معرض مثلث الأندلس، مؤسسة التراث الأندلسي، غرناطة، 2003 ـ 2004 .
  • الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، الجزء: 47 / المجلد: 12، 2003 .
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني ، حققه: إحسان عباس، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 .
  • فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين، د. مصطفى الزباخ ، ط:1، الدار العالمية للكتاب، الدار البيضاء، الدار العالمية للطباعة والنشر، بيروت، 1987 .
  • القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ضبطه وحققه: يرسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت .
  • لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر/ دار صادر، بيروت
  • مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 .
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون .
  • مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، الجزء: 2/المجلد: 1، 1999 .
  • مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط: 1،2003 .
  • من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ الجزء:35/ المجلد:1، ـ2004 .
  • نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط: 5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986 .
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968 .

  

 هوامش

[1]  الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، ج: 47 / مج: 12، 2003م، ص: 626.

[2]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، ج: 2/مج: 1، 1999م، ص: 358.

[3]  لسان العرب ، 12 / 465 و468.

[4]  القاموس المحيط ، ص: 1034.

[5]  ترتيب مختار الصحاح ، ص: 632 و633.

[6]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم ، ص: 358.

[7]  مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 ، ص : 51 و 52

[8]  عتبات النص: البنية والدلالة، عبد الفتاح الحجمري ،  ط1، منشورات الرابطة، 1996م، ص: 40  و 41.

[9]  نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968م، 3 / 485.

[10]  الذخيرة ، مقدمة التحقيق، ص: 5.

[11]  معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون، 12 / 275.

[12]  الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980م، 4 / 266.

[13] الأعلام ، 4 / 266.

[14]  الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني ، ص : 45.

[15]  التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص: 48.

[16]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984م، ص: 11.

[17]  تاريخ الفكر الأندلسي: ص: 289.

[18]  الذخيرة، 1 / 119 و 120.

[19]  نفح الطيب، 3 / 458.

 [20] مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط : 1،2003، ص : 83.

[21]  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، 1/19.

[22]  مقدمة الكتاب، ص:101.

[23]  الذخيرة ، 1/19.

[24]  ابن بسام وكتابه الذخيرة ، ص:252.

[25]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ،  مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981م ، ص:390.

[26]  الذخيرة ، 1/21.

[27]  من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ ج:35/ مج:1، ـ2004م ، ص:408.

[28] الذخيرة ، 1/21.

[29]  القاموس المحيط ،  ص:357.

[30]  الذخيرة  ، 1/24.

[31]  نفسه ، 1/ 24.

[32]  نفسه ، 1/ 25.

[33]  نفسه ،1 / 38.

[34]  مقدمة الكتاب ، ص : 109.

[35]  الذخيرة ، 1 / 27.

[36]  نفسه ، 1 / 29.

[37]  نفسه ، 1 / 31.

 [38] نفسه ، 1 /  32 و 33.

[39]  مقدمة الكتاب ، ص: 116.

[40]  الذخيرة ، 1 / 19

[41]  نفسه ، 1 / 20

[42]  نفسه ، 2 / 113.

[43]  تاريخ آداب العرب ، 3 / 299.

[44]  الذخيرة، مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[45]  نفسه، ص: 9.

[46]  نفسه، ص: 8

[47]  الذخيرة، 6 / 642.

[48]   نفسه، 8 / 381.

[49] نفسه ، 1 / 24.

[50]  انظر مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[51]  الذخيرة، 1 / 24.

[52]  نفسه، 2 / 603.

[53]  نفسه، 2 / 470.

[54] نفسه، 3 / 209.

[55]  نفسه، 3 / 115.

[56]  نفسه، 1 / 58.

[57]  مقدمة الكتاب، ص: 126.

[58]  : فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين ، ص: 335.

[59]  الذخيرة، 1 / 34.

[60]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، ص: 279.

[61]  الذخيرة، 7 / 9  و 10.

[62]  نفسه  ، 1 / 20.

[63]  نفسه، 1 / 23 و 24.

[64]  نفسه، 1 / 20.

[65]  انظر: نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986م، ص: 119 و 200.

[66]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس، ص: 372.

[67]  الذخيرة، 1 / 23.

[68]  الذخيرة، 1 / 19.

[69]  نفسه، 1 / 19 و20.

[70] الذخيرة، 1 / 22 ، 23.

[71]  نفسه، 1 / 24.

[72]  نفسه، 1 / 22.

[73]  نفسه، 1 / 22.

[74]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم، ص: 364.

[75]  انظر: مقدمة الكتاب ، ص: 155 وما بعدها.

[76]  الذخيرة، 1 / 22.

[77]  نفسه، 1 / 23.

[78]  نفسه، 1 / 25 و 26.

[79]  نفسه، 1 / 26، الهامش رقم: 2.

[80]  مقدمة الكتاب ، ص : 113.

[81]  الذخيرة ، 1 / 35.

 

 

ملخّص: هذه محاولة لتسليط الضوء على ظاهرة قديمة وحديثة اسمها انقراض (اندثار، موت) اللّغات ونادرًا ما يعرف المثقّف العربي عنها شيئًا ذا بال. يعود اهتمامي بهذا الموضوع إلى عقد من الزمان تقريبًا، إثر مطالعتي لمقالة قصيرة بالفنلندية. شهدت نهاية القرن الماضي اهتمامًا عالميًا ملحوظًا بهذه الظاهرة نتيجةً لوتيرة متسارعة في عملية اندثار اللّغات، موت لغة كل أسبوعين. هذا يعني أن نصف لغات العالم، ٣٥٠٠ لغة، ستندثر حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.

طُرحت في هذه المقالة مجموعة من الأسئلة والمواضيع ونوقشت في خلال فترات متنوّعة بناءً على مصادرَ أجنبية بمعظمها ذُكرت في النهاية لمن يودّ الاستزادة والتعمق في هذا المجال. هذا الموضوع لم يحظ حتى الآن بما يستحقّه من بحث وتحليل باللّغة العربية. ما تعريف اللّغة المنقرضة؟ ما هي العوامل الداخلية والخارجية المؤدية في آخر المطاف إلى هذا الانقراض؟ قد يكون لهذا الانقراض نفس نتيجة الانتحار أو القتل وهو بمثابة إفقار حضارة عمرها قرون من الزمان (Denison, 1977، المسدي، ٢٠١١).

من المحزن التنويه بأنّ هذا الانقراض يحدث عادة للشعوب الفقيرة والنامية، والتي تكون بالطبع في أمسّ الحاجة لمواردها الثقافية وعلى رأسها اللّغة من أجل البقاء. أتينا بقائمة مختارة من اللّغات المحتضرة في مناطقَ مختلفة في العالَم. لماذا يتوقّف استعمال لغة معيّنة أو لماذا يهجرها متحدّثوها الأصليون ويتحدّثون بلغة أخرى؟ كما هي الحال لدى معظم العرب الفلسطينيين في إسرائيل. أين يكمن التهديد الشديد بالاندثار؟ما العمل من أجل الحفاظ على هذه اللّغات؟ هل إحياء اللّغة ممكن وكيف؟ ما دَور نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية في غضون القرون الماضية؟ أهناك علاقة بين اندثار لغة ما وبنيتها النحوية _ فاعل ففعل فمفعول به؛ فاعل فمفعول به ففعل؛ فعل فمفعول به ففاعل؛ ومفعول به ففاعل ففعل؟ أو هل ثمّة صلة بين التعقيد اللغوي والانقراض؟ ما المقصود بالتوازن اللغوي؟ ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic = MSA)، مثلاً بعد نضوب النفط العربي؟كيف ستكون طبيعة العربية الفلسطينية في إسرائيل في نهاية هذا القرن فيما إذا استمرّت موجة العبرنة والتعبرن وتفاقمت؟ بعض الاقتراحات والتوصيات من أجل الحفاظ على العربية في الديار المقدّسة بخاصّة (مواسي، ٢٠١٣؛ عطالله، ٢٠٠٤).

 

اللّغة عامّة واللّغة المنقرضة

إن أوضحَ ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللّغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ابن رشد، ١٩٩٤، ص. ٩٢, Firth, 1966, pp. 19-23). من قبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر ما بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغةُ أروع أداة ٱخترعها الإنسان (Pinker, 1994) وهناك من يذهب إلى أن اللّغة من صنع إلاهي، إلهام لا اصطلاح (ابن جني، ١٩٥٢، ص. ٤٠-٤٧) قبل مليون سنة تقريبا وبُدِیء بالكتابة بها قبل خمسة آلاف عام (الكك وعلي، ١٩٧٢، ص. ٢٨-٣٠, Harald, 2004). يُعرِّف اللغويون عادة "اللّغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقلُّ من ألف إنسان (Denison, 1977; Brenzinger, 1992; Dorian, 1981; Dixon, 1997; 2002; Crystal, 2002; Harrison, 2007; Kaaro, 2009; Harrison, 1977; Crystal, 2002 ;Brenzinger, 1992). تواجه معظمُ لغات العالم في عصر العولمة ضغطًا شديدًا بسبب هيمنة العولمة واللّغات العالمية الأساسية، الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية (Crawford ed., 1992;  Crawford, 1992).

97% من سكّان العالم الموزّعين على أكثرَ من مائتي دولة مستقلة يتكلّمون 4% فقط من اللّغات و96% منها لا يتكلّمها سوى 3% من سكّان المعمور. كلّ أسبوعين تندثر لغة وذلك إثر فترة من الذبول جرّاء وفاة آخر ناطقيها (Evans, 2001). في غضون القرون الخمسة الأخيرة اختفى نصف لغات العالم. وبموت اللّغة يموت نمط معين من الثقافة وفهم للعالم كان قد تبلور عبر القرون (Dalby, 2003). هذا الموت قد يحدث تدريجيًّا، أو من أسفل إلى أعلى أي انحطاط اللّغة لدى ناطقيها أو بالعكس من أعلى إلى أسفل أي جرّاء سياسة حكومية وقوانين دولة، وقد يكون الموت راديكاليًّا، أي إثر عملية تطهير عرقي (Denison, 1977). أكثر حالات الموت اللغوي شيوعّا هي عندما يصبح شعب ما ثنائيَّ اللّغة (bilingual) ويفضّل استعمال لغة الحاكم متأثرًا بثقافته ثم يُهمل بالتدريج لغة أمّه. بعبارة وجيزة، أية لغة يهجرها اللّسان مصيرها إلى الزوال. يُجمع معظم اللغويين أنه بانقضاء القرن الحادي والعشرين سيندثر قرابة نصف لغات العالم. الإنسان، سيّد اللّغة، لا يفقد لغته لأنّ الآخرين ينتزعونها منه، بل لأنه ينقطع عن الاهتمام بها، أي عدم استعمالها وتطويرها وتكييفها مع مستجدّات العصر. في اللّغة أكثرُ مما يستطيع الإنسان استعمالَه، ولذلك لها حياتها وفيها ارتفاع وهبوط، مدّ وجزر، دون انقطاع.

تعود بدابة الاهتمام البحثي بظاهرة انقراض اللّغات إلى بداية تسعينات القرن الماضي. ظاهرة اندثار لغات الأقليات تثير قلقًا ملحوظًا ليس في أوساط اللّغويين وعلماء الإنسان فحسب بل ولدى كلّ من يهتمّ بحقوق الإنسان وبالهُوية الثقافية للشعوب في خضمّ تبلور ثقافة معولمة (Nettle & Romaine , 2000).

 

لمحة عن لغات في العالم

يُقدَّر عدد اللّغات في العالَم بقرابة سبعة آلاف (Ethnologue. Retrieved, 22.03.2012 12-03-22) وهي موزّعة بالنِّسَب التالية: في آسيا 32%، في إفريقيا 30%، في المحيط الهاديء 19%، في الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4% (Asher & Moseley, 2007). تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيثُ عددُ الناطقين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يُدهَش القارىء العربي لغياب اللّغة العربية عن هذه اللائحة، إذا علمنا بأنّ عدد العرب يصل اليوم إلى 400 مليون تقريبًا، وعليه فالعربية يجب أن تتبوّأ المرتبة الثانية قبل الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلاً بشأن المقصود من لفظة “العربية”، أهي العربية الحديثة المعيارية (MSA) أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية الحديثة التي هي، في الواقع، لغةُ الأم بالنسبة للعرب. العربية المعيارية المعاصرة، كما هو معروف للجميع، ليست لغةَ أمّ طبيعية بالمفهوم العادي للمصطلح بالنسبة لأي إنسان عربي، والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني والسوداني إلخ. لا بدَّ من التنويه بأنّه لا ذِكرَ للفظة “عربي" في جوازات السفر أو الهويّات الشخصية العربية، اللهمّ، على الأقل، باستثناء هويّات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية المليون ونصف الملبون نسمة حتى السنوات الأخيرة الماضية.

ثمّة ألفاظ فضفاضة لا طائلَ تحتها مثل "اللّغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللّغة وما قد يوحّدُ بعضَهم لغويًّا هو ما يُسمّى بلغة بين بين، اللّغة الوسطى، اللّغة المشتركة، لغة المثقفين. ولا توجد إحصائيات دقيقة يعوَّل عليها بالنسبة لعدد أو نسبة المسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي، الذي هو بدوره، لا يمكن تسميتُه بلغة أمّ عادية (فريحة، ١٩٥٩، إبراهيم، ١٩٧٠؛ شاهين، ١٩٨٨، ص. ٢١٥-٢٣٠).

قبل أكثر من عقد من السنين نشرت منظمة اليونسكو، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO = The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation) بحثًا من تسعين صفحة بعنوان ”أطلس لغات العالم الموجودة في خطر الاندثار” وتأتي في المقدمة لغات في القارتين، أمريكا وأستراليا ( Uhlenbeck, 1991; Wurm, 1996; Moseley, 2012).

مما يجدُر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدًّا من اللّغات، أقلّ من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلاً معيّنًا على الشبكة العنكبوتية. تتصدّر الإنكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدًّا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أمّا العربية فمرتبُتها أقلُّ من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أنّ نسبة عدد العرب تصل إلى حوالي 4.5% من سكّان العالم.

 

أزمة ثقافية

هنالك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أنّ نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في حالة تهديد حقيقي للاندثار، لأنّ عددََ الأولاد المتحدّثين بتلك اللّغات في تناقص شديد ومستمرّ، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللّغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللّغة هو moribund المأخوذ من اللّغة اللاتينية moribundus من الفعل mori

أي “يموت” (http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=mori&searchmode=none).

نعم، تطوّر اللّغات المستمرّ هو أمر حتمي وطبيعي وغالبًا ما نجهل كنهَه اجتماعيًا ونفسيًا، بل وبعضها ينقرض أحيانًا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحيّة كحيوانات وطيور قدِ انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات، إلّا أنّها، في واقع الأمر، عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلّم وسلوكه ولا وجودَ لجينات في اللّغة. ومن هذه الكائنات الحيّة طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، لكنّه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر، ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كلّ منهما أربع أصابع، كان قد ٱنقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. تُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية المستمدّة من البرتغالية doudo بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، “دقّة قديمة” http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=dodo&searchmode=none).

في البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمرّ حتى العام 1822، أما في المكسيك، متعدّدة اللّغات والثقافات، فقد بلغ عدد "الوفيّات اللّغوية" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً.

 

فذلكة حول لغات منقرضة

المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللّغات السامية التي تُعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها، الأشوري والبابلي، والأوغاريتية، وجيعز-جئز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية وابنتها البونيقية والأمورية ولغات أخرى كالغوطية والإتروسكانية والإيبيرية والسومرية والحتية والهيروغليفة. وذاك المصير ينسحب أيضًا على لغات في عصرنا هذا، مثل بعض اللّغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللّغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا (Krauss, 1992).

ثمّة من يعتقد أن اللّغة اللاتينية قد لفظت أنفاسها الأخيرة لأنIها غيرُ محكية حاليًّا، إلّا أنّها في الواقع، لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، فكلّها متحدّرة من اللاتينية الأمّ. أضف إلى ذلك أنّها موثّقة جيّدًا. يحلو لبعض الباحثين تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها رغم الاختلاف الجوهري بينهما؛ فللعربية المعيارية المعاصرة مكانتها ومجالاتها وللهجات استعمالاتها اليومية. من اللّغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة تتار القرم المسلمين ولغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تشكّل إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا (Edwards, 1998). يقدّر عدد الناطقين بهذه اللّغة اليوم كلغة أمّ بحوالي خمسمائة من المسنّين، في حين أن عددَهم في مستهلّ القرن العشرين قد تراوح ما بين خمسين ألفًا وخمسة وسبعين ألفًا.

يُشار إلى أنّه في عام 1890 قُدّم اقتراحٌ في البرلمان الكندي يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت، تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغاتٍ اسكتلندية قديمة (Dorian, 1981). هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللّغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللّغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارسَ فقط تعلّم اللغةَ المذكورة فيها كمادّة ٱختيارية وهناك إمكانية لتعلّمها على الشبكة العنكبوتية. من اللّغات العربية الجنوبية القديمة الآيلة للانقراض نشير إلى البطحرية (٢٠٠ متحدّث بها) والحرسوسية (٦٠٠ متحدّث) والسقطرية (٥٠ ألف متحدّث) والشحرية (٢٥ ألف متحدّث) والمهرية (٢٠ ألف متحدّث) والهبيوتية (١٠٠ متحدّث). من الفوارق النحوية البارزة مثلاً بين العربية والمهرية نشير إلى أسلوب النفي، ففي العربية نقول مثلاً “أنا لا أعرف” أما في المهرية فيقولون “اغُورْب لا”، أي أنّ أداة النفي ترد في آخر الجملة ومعجميًا “قال” العربية تقابلها “آمور” في المهرية (http://i-cias.com/e.o/arabian_south_l.htm).

 

لغات ولّت في العقود الأخيرة

 

في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللّغة Ubykhin في تركيا وهو السيّد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخرُ متكلمة باللّغة Kamassin وهي السيّدة Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى السيد Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يَعرف، إلى حدّ ما، اللّغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيّدة ماري من ألاسْكا، (Marie Smith, 1918-2008)، ولغتها Eyakintiaani (http://news.bbc.co.uk/today/hi/today/newsid_8311000/8311069.stm)، والسيّدة Elizabeth Gravelle من جنوب غرب كندا ولغتها Ktunaxa التي تحتوي على أصوات حلقية (gutturals). وفي أفغانستان لغة Tirahi يتحدّثها مائة شخص فقط، وفي وسط سيبيريا لغة باسم Ket وهي في طور الاحتضار وتعتبر قواعدها من أعقد قواعد اللّغات التي وثّقها اللّغويون، وفي أرمينيا Lomavren التي يتكلّمها خمسون شخصًا فقط ولغة شاميكورو/شاميكولو في منطقة لاغوناس في دولة پيرو يتحدّثها ثمانية أشخاص. يذكر أن ٢٨٪ من لغات العالم يتكلّم بكل واحدة منها أقلّ من ألف شخص (لغة_بائدة /http://ar.wikipedia.org/wiki).

وللراغب في المزيد حول اللّغات المهدّدة بالانقراض تصفّح أطلس اللّغات الذي نشرته منظّمة اليونسكو. وفي سيبريا ومنغوليا لغة “توفان” يستخدمها البدو هناك وهي مهدّدة بالاندثار (Harrison, 2007; Moseley, 2012; Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007).

ويشارإلى أنّ مواطني ألاسكا قد تحدّثوا بأكثرَ من عشرين لغة، واليومَ يتعلّم الأطفال اثنتين فقط. وفي ولاية مونتانا الأمريكية لغة باسم “جروس فينتري” وعدد متحدّثيها عشرة من المسنّين فقط، ولغة “مينوموتي” في ولاية ويسكونسين يتحدّثها خمسة وثلاثون شخصًا (Mithun, 1999; Campbell  & Mithun, 1979). وهناك لغة تُعرَف باسم “نوشو”، لغة النساء الوحيدة في العالم، كانت قد انقرضت مؤخّرًا في أعقاب وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين السيّدة يانغ هوآنيي، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللّغة كان مصيره الحرق تمشيًا مع عقيدة تلك الجماعة

 (http://taher-mss.net/v.b/showthread.php?t=2104).

والملاحظ من هذا كلّه انعدام أيّ قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كلّ واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن موطن الآخر. وبالرغم من كلّ هذا، يمكن القول إنّ القاسم المشترك الوحيدَ الذي يجمعهم هو اندثارُ لغاتهم ثم ثقافتهم وتراثهم بعد رحيلهم عن هذه الفانية، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعًا. نذكر من ناحية أخرى، أنّ هناك بعض المحاولات أحيانًا للحفاظ على لغات معيّنة مثل “ليفونيان” في لاتڤيا, حيث يقوم الشباب بجهود ملحوظة بهذا المجال وقل الأمر نفسه بالنسبة للوضع اللّغوي في كندا (Edwards, 1998).

 

أسباب موت اللّغات

كيف من الممكن للغة بشرية ما أن تموت؟، فالبشر لا ينقطعون عن الكلام طالما بقوا أحياء، إلّا أنّ السؤال الجوهري: الكلام بأيّة لغة؟ من عوامل اندثار اللّغات حروب إبادة  وهجرات قسرية وصراعات عرقية وكوارث طبيعية كما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد زمن الرحّالة الإيطالي، كريستوفر كولومبس (1451-1506م)، وإبادة قبائل في الهند وإندونيسيا وتايلاند وسريلانكا في أعقاب إعصار تسونامي عام ٢٠٠٤؛ غير أنّ مثل هذه الحالات تكون نادرة (Skutnabb-Kangas, 2000). وهكذا في إثر اندحار العرب في الأنّدلس بعد قرابة ثمانية قرون من الحُكم، انقرضت عربيتُهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية “جوبا” وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. كان لدى الهنود الحمر في القرن السادس عشر مثلاً أكثر من خمسمائة لغة ولم يبق منها اليوم سوى مائتين.

وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محلّ الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدّد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادةً ما يكون سبب الموت ناتجًا عن عواملَ داخلية أو خارجية، احتلال أو حلول لغة ما تدريجيًّا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو نفسية (Wurm, 1991; Brenzinger, 1992; Sasse, 1992; Woodbury, 1993; Nettle & Romaine, 2000; Crystal, 2002; Harrison, 2007; http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_languages_by_time_of_extinction). مثال على ذلك لغة “كشوا” في أمريكا الجنوبية التي يتحدّثها نحو ثمانية ملايين نسمة، وبالرغم من ذلك فهي مرشّحة للانقراض بعد بضعة عقود، لأنّ الأطفال يتكلّمون الإسبانية عوضًا عنها (http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=149720).

وعندما نتحدّث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت ووهنت وهوت أرضًا جرّاء عمرها المديد، إذ أنّ الموت قد يحلّ بلغة حديثة العهد أيضًا، كما هي الحال بالنسبة للبشر. إنّ اندثار اللّغات في كلّ الحالات يحدُث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ، سياسيًا وٱجتماعيًا وٱقتصاديًا، مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يُذكر في مراجعَ معيّنة، إما انتحارًا وإما قتلاً، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين ٱختلافهما. في الواقع، لا خطَّ واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس(Denison, 1977).

 

سمات وأماكن اللّغات المنقرضة

إنّ العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثّل في أنّ مصير اللّغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا (Crawford, 2000). لا بد من التنويه بميزة معيّنة بالنسبة للغة “أوبيخ” في تركيا التي رحلت مع رحيل السيّد توفيق إسينش المذكور سابقًا عام ١٩٩٢ وهي كثرة الأصوات الصامتة (consonants) مقارنة بالصائتة (vowels)، يصل عدد الأولى إلى؛ أمّا الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وُجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. وممّا يجدُر ذكرُه أنّ نحو 80% من لغات هذه القارّة هي محكية فقط (http://ajrasalhurriya.net/ar/news_view_17508.html). وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، ففي ساحل العاج مثلاً سبعون لغة وطنية ونيّف تعيش حالةَ صراع كهذه (Brenzinger, 1992). في المقابل، هناك لغات تضمّ عددًا ضئيلاً جدًّا من الأصوات كما هي الحال في بابوا-غينيا الجديدة ذات أكبر عدد من اللّغات في العالم، قرابة 820 لغة، حيث نجد فيها لغة فيها خمسُ حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللّغات معرّضة للاندثار (Foley, 1986).

يتوقّع انقراضُ قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين كما أسلفنا، وعليه فباحثو اللّغات على اختلاف تخصّصاتهم ومدارسهم في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد خصائص تلك اللّغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلاً، كانت قد شهدت في فترة زمنية معيّنة، قبل الاحتلال البريطاني عام ١٧٨٨، حوالي 250 لغة أصلية واليوم بقيت منها عشرون لغة، ومن المحتمل مستقبلاً اندثار 90% منها خلال هذا القرن و”الحبل على الجرّار”، (Dixon, 1980; McConvell  & Thieberger  2001 & 2006) إن لم تتمّ إجراءات عاجلة وفعّالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. لذلك هنالك مثلاً “اليوم العالمي للغة الأم” المصادف في الحادي والعشرين من شباط من كلّ عام، حيث تقام فعاليّات مختلفة ترمي إلى لفت النظر إلى أهمية لغة الأم وسُبل الحفاظ عليها وتطويرها؛ إلا أنّ ذلك اليوم العالمي غير كاف بالمرّة (Fishman, 1991). وفي هذه القارّة بعض اللّغات التي لا يتكلّمها أكثرُ من مائة شخص. وتحتلّ القارّة الأمريكية الشماليةُ المركزَ الثاني من حيثُ عددُ اللّغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الأفول فالزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر في أمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغةً بقي منها عشرون لغة فقط. ولم يبق منها، في الواقع، سوى خمس لغات يصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط (Campbell, 1997). أمّا في كندا فالوضع لا يختلف كثيرًا، إذ أنّه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حيّة تُرزق (Edwards, 1998). أما في القارّة السوداء فيصل عدد اللّغات التي ولّت أربعًا وخمسين وعدد التي في دائرة خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أنّ اللغاتِ المهدّدةَ بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها وبخاصّة إذ ما أخذنا بالحسبان أنّ 40% من المؤلَّفات المترجمة في العالم هي من اللّغة الإنجليزية الأمريكية (Steiner, 1977, pp. 1-48; Ladefoged, 1992; Hale et alia, 1992; Haboud & Ostler 2011). وصف الكثيرون القرن المنصرم بـ “القرن الأمريكي” وكلّ الدلائل الراهنة تشير إلى استمراره حتّى يوم الناس هذا. والجدير بالذكر أنّ ظاهرة الاندثار اللّغوي تحدث عادة لدى شعوب فقيرة وغير متقدّمة وهي بأمسّ حاجة لمواردها الثقافية للبقاء وعلى رأسها اللّغة الوطنيّة.

 

ذهب أتباع التفسير الحرفي إلى إبعاد المسار القرآني عن وجهه الحقيقي فتراهم تارة ينسبون الآيات التي توجه الأنبياء نحو السلوك القويم أو تلومهم إلى قاعدة إياك أعني واسمعي يا جارة، وتارة أخرى يوهمون الآخرين بأن للقرآن باطن لا يعلم به إلا الله والراسخون في العلم حسب ظنهم، وبذلك يكون اللوم الموجه للأنبياء قد وقع تحت هذا المسمى وظلت العصمة على ما هي عليه دون أن يطرأ عليها ما يشوبها من الإضافات اللاحقة، وربما يكون هذا الصنف أقل تأثيراً من الصنف الآخر الذي أراد أن يفرق أتباعه بين مقام النبوة ومقام الرسالة من أجل القدح بشخص النبي، ونظراً إلى ما ذهبوا إليه تظل الرسالة بعيدة عن اللوم أو التوجيه دون أن يأتي هؤلاء بحجة بينة تدل على شرعية المنحى الجديد الذي ساروا عليه والحقيقة التي لا تقبل اللبس أن المقامين لا يختلفان فهما بنفس المنزلة، وكما وقع اللوم في مقام النبوة نراه سارباً في مقام الرسالة، ومن الأمثلة على ما نحن فيه قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) المائدة 67. والآية تبين واجب الرسول في التبليغ ولا يخفى ما فيها من الحدة والتهديد، وتؤكد أن عدم التبليغ في هذه المرحلة يؤدي إلى إلغاء الرسالة من أولها إلى وقت نزول هذه الآية الواقعة في سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم، ويعضد هذا المعنى قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة 41.

فإن قيل: لحن الآية الثانية لا يرتبط بالتهديد المباشر كما في الآية الأولى فكيف الجمع؟ أقول: سواء ارتبط المعنى الوارد في الآية الثانية بالتهديد أم لم يرتبط، فإن النكتة ظاهرة في ما خفي على النبي من أفعال أهل الكتاب وهذا ظاهر في مقام الرسالة كما في الآية الأولى، وأنت خبير بأن تعريف العصمة لدى من ادعى التفريق بين المقامين يأبى الانطباق على ما ذكر في الآيتين، سواء أكان السياق الأول الذي يشير إلى التهديد أو السياق الثاني الذي يبين ما خفي على النبي من أفعال أهل الكتاب كما قدمنا، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم) المؤمنون 51. وكما ترى فإن الآية قد أخذت بالترقي من الأمر الصادر بالأكل من الطيبات وهو امتنان من الله تعالى عليهم إلى توجيههم بأن يعملوا صالحاً ثم ختمت بالتحذير من مخالفة أمره جل شأنه، وذلك في قوله: (إني بما تعملون عليم) المؤمنون 51. ومما تقدم يظهر أن مقام الرسالة قابل للتهديد والتوجيه كما هو الحال في مقام النبوة دون فرق يذكر، وهذا المفهوم يلزم القائلين بالتفريق أن يعودوا إلى نبع القرآن الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخفى على المتأمل أن ما ذهب إليه أولئك الناس لا يخرج عن مسمى القدح بشخص النبي (ص) وبالتالي يسري هذا المعنى على جميع الأنبياء لأجل تبديل كلمات الله تعالى وأنى لهم تغطية الشمس.

من هنا نستطيع القول إن النبي معصوم في شخصه وفي رسالته بلا أدنى ريب، وأما النهي الصادر إليه من الحق سبحانه عن اتباع الهوى فليس فيه ما يقتضي إسقاط التكليف عنه كون العصمة لا توجب سلب اختياره وعدم الأخذ بهذا الاتجاه يجعل الفرق ظاهراً بين المعصوم وغيره من حيث تحقق الواجب وبذلك تصبح الطاعة كالمعصية، وهذا المفهوم يتفرق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ليشمل جميع الرسل بعد أن علمت أن ليس هناك ما يدعو إلى التفريق بين الرسالة والنبوة، ومن مصاديق ذلك قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ص 26. ومنه خطابه جلت قدرته إلى موسى في قوله: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) طه 16. وفي هذه الآية نكتة عظيمة في توجيه موسى إلى عدم السير خلف من لا يؤمن بالساعة واتبع هواه، ثم بعد ذلك يتفرع المعنى على أمر الرسالة في الآية اللاحقة وما يليها ابتداء من قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) طه 17. وبناء على ما قدمنا يظهر السر في قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) الأنعام 150. وكذا قوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) الجاثية 18.

وبهذا نعلم أن آية البحث التي سنتعرض إلى تفسيرها لا تختلف في مفهومها عن الآيات السابقة التي أشرنا إليها، وليس فيها ما يقدح بعصمة النبي (ص) سواء في مقام النبوة أو مقام الرسالة لمن يود التفريق بين المقامين، وسيمر عليك هذا المعنى بصورة أكثر جلاء.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) البقرة 120. يتفق جميع أهل الباطل في دعوة الأنبياء إلى اتباع ملتهم، وتكون الدعوة مصحوبة بالتهديد المتفرع على الرجم أو إخراجهم من ديارهم إن لم يستجيبوا لدعوتهم، واجتمع الأمران في شعيب كما يظهر ذلك من قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) هود 91. وكذا قوله: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين) الأعراف 88. وفي نوح قال تعالى حكاية عن قومه: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) الشعراء 116.

والآيات آنفة الذكر تفيد أن عدم استجابة المرسل إليهم للرسل يجعل الأمر مهيئاً للنبي (ص) في ما يصدر إليه من تهديد سواء كان من المشركين أو أهل الكتاب لأجل أن يتجنب اتباع أهواءهم، ويلاحظ في الآية اختفاء أثر المشركين من السياق والاهتمام بأمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك كون تأثيرهم السلبي في رسالة النبي يأخذ الطابع التعصبي لملتهم الباطلة، ومن هنا نرى كيف فصل القرآن الكريم بين الفريقين بـ (ولا) وهذا يدل على أن كل طائفة كانت تدعو الرسول (ص) إلى اتباع ملتهم والإعراض عن ملة الطائفة الأخرى، وهذا الغرور السافر أدى بكل طائفة منهم أن تنسب نفسها للأنبياء أو تجعل الأنبياء أتباع لهم دون وجه حق، وقد أشار سبحانه إلى هذه الفرية بقوله: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 140. وهذا التوبيخ يفيد أن جميع الأنبياء الذين ذكروا في الآية كانوا على ملة الحق ولم يكونوا يهوداً أو نصارى، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) آل عمران 65. ثم بعد ذلك أظهر تعالى النتيجة بقوله: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) آل عمران 67.

ونرى في آية البحث كيف أمر الله تعالى نبيه (ص) بالرد عليهم بقوله: (قل إن هدى الله هو الهدى) وهذا هو السبيل القويم الذي يجب أن يتبع كون لا هدى إلا هداه سبحانه، ثم ختم آية البحث بقوله: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) وفي الآية دليل على أن عدم تحقق العصيان لا يمنع من الخطاب بالوعيد كما أسلفنا، وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) الزمر 65.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر

 

كيف تعرف ان الله عزوجل راض عنك؟

في البدء لابد من توضيح وجهة النظر الخاصة القائلة بان القران الكريم ليس بحاجة دائمة الى رجال الدين او المؤسسات الدينية حصرا، من اجل معرفة التفسيرات والتأويلات المتجددة او العصرية، اي تلك الوظائف التخصصية المهتمة بالمعارف او الدراسات التراثية والتاريخية، لتحديد اسباب واماكن نزول الآيات القرآنية وتأويلاتها، هذه المجالات لها مؤسساتها ورجال الاختصاص المعنية بها، بل نحن ننظر الى التفسير من ابواب المعرفة الاكاديمية العلمية الفطرية الحديثة للآيات القرآنية الواضحة، والا يمكن للمسلم وفقا لنظرية التفسير المؤسساتي او الحوزوي ان يجعل من بعض آيات القران غير مهمة (التي تسمى بالمنسوخة)، مع ان هذا الباب استخدم من قبل الجماعات السلفية الارهابية لتبرير جرائمها، أي انها رجعت للتراث الاسلامي فعادت لتفسير تلك الآيات (وبالأخص الآيات التي تحدثت عن الحدود والكفر والشرك) بطريقة ساذجة متخلفة وشيطانية، الا ان هذا النهج الخاطئ لايمنع ان تخرج في المقابل مدرسة قرآنية نقيض المدرسة الشيطانية، بمعنى انها لا تأخذ من القران الا تفاسير الخير، وما يتوافق مع الفطرة البشرية السليمة، اذ لايوجد التباس لدى عقلاء البشرية ان الجرائم سواء ارتكبت باسم الدين، او بثقافة الكراهية او المصالح هي جريمة وعمل شيطاني،

لهذا يمكن اعتباران اي تفسير يخدم الجمال الكوني والحياة الفطرية السليمة هو عمل خير، لابد ان يتم تشجيعه والحث عليه، من هنا نقول ان لكل مسلم الحق في فهم الخير القراني، ورب سائل وهل هناك فهم او ذكر للشر في القران، نقول نعم لكن ليس في ذات القران ومحتواه وتأويلاته (اي ان القران لايدعو للشر كما يفعل الارهابيون الدواعش انما حث على الابتعاد عنه تجنبا لما قد يصيب الجاحد والمفسد والمسرف شرا يوم القيامة، وهي عقوبة نار جهنم)، وانما من يقوم بتفسير القران لأغراض وافعال الشر، واستنباط التأويلات الخاطئة في تنفيذ العقوبات والحدود والتعامل مع الاخر غير المسلم كما قلنا (او اغتصاب النساء بحجة زنى جهاد النكاح)، هي المفسدة والجريمة الكبرى التي يتعرض له الدين الاسلامي اليوم،

الله عزوجل ذكر الخير والشر في القران كذكره الجنة والنار، وفيها نوافذ للفهم الشيطاني (للمنافقين والمنحرفين ومن في قلوبهم مرض الكراهية والحقد والشر)، فيأتي المنحرفون فيأخذون كل اية ذكرت بأنها ستوصل صاحبها الى نار جهنم ويطبقونها على بني البشر، وكأنهم وكلاء لخالق السماوات والارض، بينما شأن البشرية كما ورد في القران العمل الصالح فقط.، هذا المدخل الذي نتمنى ان يأخذ حيزا فيه الفهم الحديث لمعرفة رضا الله من سخطه، واعتبرهما جزأ من منظومة المدرسة الاخلاقية الالهية، التي جاءت في عدة مواضع من القران الكريم بعيدا عن الاركان الاسلامية الخمس، كالعمل الصالح، والحسنات، والصدقات، وكف الاذى عن البشر والكون كله، الخ.......

نعود الى صلب البحث الذي يهتم بفهم الانسان للقران الكريم بشكل طبيعي ودون تدخل من علماء التفسير، لاننا نؤكد على ان الحديث لايختص بالاسباب وازمنة او امكنة النزول (مكية او مدنية)، انما دراسة الاسباب والقواعد الالهية التي نستطيع ان نفهمها اليوم وليس قبل اربعة عشر قرن، بعبارة اخرى الانسان مجبر على فهم القران في عصره وزمانه وليس كما نزل قبل قرون، لماذا؟

 لان الادوات المعرفية التي يمتلكها قد تغيرت بفعل ارادة الله سبحانه وتعالى، وليس بفعل البشر كما يدعي المتشددون......

تقاس درجات ايمان المسلم عند العامة من الناس بالمظاهر المتزمتة لممارسة العبادات والمعاملات، وبالأساليب المتشددة المفرطة في اجتناب مايسمى المحرمات، لكن تلك الاشياء او هذه الامور تبقى مجرد تصور ظاهري لمن يرون او من هم يدعون هذا الايمان، لعل بعض الاشخاص بالفعل لديهم حالة ايمانية نقية وصافية، حيث تصبح جوارح وحواس الانسان معتادة على الصمود امام مغريات الحياة، لكنها قواعد فردية لايعول على صحتها الا في حالات الاختبارات الصعبة التي قد تؤذي صاحبها احيانا او توصله الى الشهادة في سبيل الله عز وجل، كمعارضة الانظمة الفاسدة ومواجهة الطغاة،

اذن هل يمكن اعتبار تلك المعايير الخاصة بتمييز المسلم العادي عن المؤمن، هي كلمة الفصل في حالة التفكير والتفسير والتحليل الشخصي لمعرفة موقع العبد عند ربه عزوجل، او للوصول الى نسبة مقبولة من القناعة بأن الله سبحانه وتعالى راض عن اعمالنا وافعالنا وتصرفاتنا،

نعتقد ان الله عزوجل لم يسن ويشرع القوانين والالتزامات والممارسات العبادية من اجل معرفة طاعة العبد وايمانه به فقط، انما هي وسيلة واسلوب وطريقة التخاطب مع الله سبحانه وتعالى، حددت بطريقة الهية لغايات وحاجات بشرية فطرية، مع ان الله سبحانه وتعالى يذكر ان الكون والمخلوقات كلها تسبح بحمده لكنها لم تكن عاقلة كالانسان، ولهذا شعرت البشرية بالفرق في ضرورة ارسال وبعث الانبياء والرسل اليهم، وضرورة ايجاد الاديان لإشباع الروح الانسانية الضعيفة امام حقيقة الكون واسراره والماهيات الاخرى،

قال تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ . وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . (الصف1)

هذه الآية اعلاه تؤكد ان المخلوقات والكون تمتلك حواس وحركات وظروف ومتغيرات وطبيعة خاصة تختلف عن حواسنا نحن البشر.

نعتقد ان درجات ايمان المسلم لاتكتمل الا باجتناب كبائر المحرمات (وهذه رؤية فلسفية اسلامية خاصة تميز بين انواع المحرمات تبعا لحجم اثارها)،

هناك ثلاثة معايير او اسس وقواعد ايمانية مهمة وصعبة في نفس الوقت، يستطيع المسلم ان يعرف على اقل تقدير ان الله عزوجل راض عنه ام لا،

هناك آيات توضح تلك الحقائق منها قوله تعالى:

 [ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] (التوبة: 100

وقال عزوجل في مورد الرضا ايضا

[لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] [المجادلة: 22

وذكر الله سبحانه وتعالى في القران الكريم ايات كثيرة حول رضاه عن عباده منها:

 (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (التوبة: 21)

 (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16

 (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ال عمران 162

 (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴿٢٦٥ البقرة﴾

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾ [14آل عمران:

[أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }التوبة109

[ (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }آل عمران174

في جميع ايات الرضا التي ذكرها الله عزوجل في القران الكريم لم تتطرق الى علاقة الصوم او الصلاة او الزكاة او العبادات عموما (بل وحتى العمل الصالح) برضاه سبحانه وتعالى، انما جعلها اساس الدرجات الخاصة بمعرفة المؤمنين، الذين اكتملت عندهم الخصائص الشرعية للإسلام مسبقا، وهي كما قلنا سابقا العبادات والمعاملات والاعمال الصالحة، بحيث تكون بمثابة الطريق الصحيح للوصول الى اولى خطوات درجات الايمان، اما الدرجات القريبة من الايمان، تلك التي تجعل من الانسان المسلم ان يقتنع جزئيا على اقل تقديرمن ان الله راض عنه، وتمنع عنه ايضا المخاوف والشكوك والتساؤلات المتكررة عند اشتداد الازمات النفسية حول مسألة رضا الله اوسخطه عليه، نجدها بينة عبر المقارنة بين تلك الحالتين، اي بين حالة السخط والغضب التي وردت في القران الكريم مع حالة الرضا، وهي بالطبع تعطي انطباعا واقعيا عن حجم ومساحة الفرق بينهما عند الله سبحانه وتعالى،

نذكر بعض من الآيات القرآنية التي تحدثت عن سخط الله عزوجل منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿١٣ الممتحنة﴾

[ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ] (سورة البقرة 176

 (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦ النحل﴾

 (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا ﴿٨ الجاثية﴾

 (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ﴿٦٠ المائدة﴾

في الامثلة القرآنية السابقة تصبح الامور الى حد ما واضحة، لمعرفة طرق رضا الله عزوجل من سخطه، اي ليس بالعبادات والمعاملات الظاهرية فقط، يمكننا معرفة الخير والشر، إنما ببعض الامور التي تجعل الله عزوجل راض او ساخط على الانسان، وقد وقع اغلب المسلمين في شراك الشيطان منذ العهد الاموي حتى يومنا هذا، ولعل ماحصل في عهد النظام البعثي البائد في العراق، وتعامل المجتمع مع النظام المنحرف على انه نظام دولة شرعي، على الرغم من ان حجم الظلم والاستبداد كان كارثيا، بطبيعة تعامله الشيطاني الوحشي مع الناس، واساليبه القمعية، وتصرفاته البعيدة عن الله سبحانه وتعالى في التعامل مع المؤمنين والعامة كانت جلية علنية، الا ان المجتمع اختلطت عليه مفاهيم الرضا والسخط، اي الخير والشر، فصار البعض منهم مطية للشيطان.

اذ اننا نعتقد ان المحرمات العظيمة هي ثلاث المال الحرام والزنى والاكل الحرام وشرب الخمور، ويمكن اضافة القتل العمد، لكننا نستثني حالة القتل العمد على اعتبار انها ليست عملا شهوانيا مهما، يمكن ان تدفع الانسان ليقع فريسة لهأُ، انما هي جزء من الحرام الاكبر اي جمع المال (اغلب جرائم القتل والافساد تكون من اجل المال)، فصورة عظمة (المسماة اعظم الكبائر) المحرمات الثلاث تظهرمن خلال طبيعتها الشهوانية، اي تكمن في انها تمتلك الحالات الشهوانية العظمى المتنازع عليها من قبل الانسان، والمنتشرة بصورة متوارثة على مستوى البشرية جمعاء، ولهذا يعد الانسان المسلم الذي يتجنب تلك الاعمدة الشيطانية الثلاث، قريبا من الشعور بحالة الاطمئنان النفسي النسبي بأن الله راض عنه،

هذه الحالة تؤكدها مسألة النفاق المنتشر بين المسلمين في عهد النبي محمد ص، والانحراف الذي حصل بعد وفاته ص من اجل المال والشهوات الاخرى، وصولا حتى يومنا هذا، (التي لازالت بعض الانظمة العربية المسلمة الشكلية، تمارس عمليات الاستبداد، والعمالة للأجنبي وبيع الكرامة، ودفع الرشاوى وقمع المؤمنين والبسطاء من الناس، ونهب منظم مستمر لثروات الشعوب المسلمة من اجل نزواتها وشهواتها الحيوانية المفرطة، بل سقطت اغلب الحركات الاسلامية ورجال الدين في شراك الفتنة الارهابية الداعشية بعد 2003 طمعا بالمال والجاه والسلطة)،

على الرغم من ان ظاهرهم الاسلام (اي المنافقين)، ويعدهم غالبية المسلمين اليوم من صحابة الرسول ص، الا ان الله سبحانه وتعالى حشرهم في القران الكريم في خانة الكافرين،

وهناك آيات قرآنية كثيرة تحدثت على وجه الخصوص في نفاق بعض المسلمين في عهد النبي ص منها، ...

قال تعالى في سورة النساء: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، (67التوبة)

[يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] (73التوبة) المائدة

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ] (91) (المائدة)

ماحصل في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وبداية نشوء مقومات اركان الدولة الاموية، ومن ثم مجيء العهد العباسي، كانت مقدمات الكوارث التي انتجت التطرف والارهاب والتشدد والتخلف والتقوقع او الانكماش المعرفي للمسلمين، كلها كانت ترفع شعار الاسلام والايمان وتطبيق الشريعة، الا انها كانت دول استبدادية ظاهرها الاسلام، وباطنها دول شيطانية دموية فاسدة، لايمكن ان يرضى الله سبحانه وتعالى عنها (لهذا بدأنا نسمع بعض الاصوات الباحثة عن الاسلام المحمدي الاصيل بأدانتها لتلك الحقب السيئة، ومن انها لم تعد تحترم الموروثات والاساليب التاريخية الممجدة للفتوحات الاسلامية، واعتبارها جزءا من شهوات السلطة والمال والجنس)، انما منها تأسس وقام عليها مفهوم اسلامي خطير هي دولة الخلافة، التي ظهرت بعد اربعة عشر قرنا في دول الارهاب البربرية المتوحشة الداعشية،

ونجد ان هؤلاء ادعياء التشدد الاسلامي، ينتهكون قدسية الاسلام بتجاوز المحرمات العظمى الثلاث، فمارسوا عملية سرقة الاموال، وممارسة الزنى (جهاد النكاح)، والاكل الحرام اضافة الى عمليات القتل الوحشي العمد.

يظهرعظم ضرر تلك المحرمات من خلال الايات القرانية العديدة، التي ذكرت شهوة حب المال وكنز الذهب والفضة، حيث قال الله عزوجل في هذه الابواب..قال تعالى :

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الانفال28))

 (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة:34-35

هناك بالطبع ايات قرانية كثيرة تتحدث عن درجات الحرام المختلفة، فحرام شرب الخمر ليس كحرام القتل العمد، وحرام سرقة دولار واحد، ليست كحرام سرقة ملايين او مليارات الدولارات، تترتب عليها اثار كبيرة وخطيرة منها مرض وجوع الالاف من الايتام والفقراء وكبار السن، فنجد ان الله سبحانه وتعالى عندما اراد ان يتحدث عن حالة تجنب الوقوع في الزنى، ذكر لنا احسن القصص، هي قصة نبي الله يوسف ع، حيث قال رب السموات والارض

، (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24سورة يوسف)

الله عزوجل يقول لعباده ان تلك الشهوة المحرمة خارج اطارها الشرعي، هي ليست سهلة لكنها دليل بين عن ايمان المسلم، واخلاصه لله سبحانه وتعالى باجتنابها،

 

خلاصة البحث المختصر:

يمكن ايجازه بعدة نقاط مهمة منها

اولا: ان الحرام درجات هي جميعا من الكبائر، لكن لابد التمييز والتفريق بين حرام يمكن ان يغفره الله، واخر لايمكن ان يسامح به بسهولة كاقتراب المسلم من حالة النفاق، او حالة عدم الرضا، او عدم المغفرة والتسامح مطلقا وهي تخص الكفار والمشركين والمنافقين والمسرفين في الالحاد والعداوة وعبور حدود الله عزوجل...

ثانيا:ان رضا الله عزوجل دليل على ايمان المسلم، ومنها اجتناب المحرمات العظيمة الشهوة (المال –والزنى- والاكل والشرب الحرام كلحم الخنزير وشرب الخمور والقتل العمد)، هذه المحرمات ليست سهلة الاجتناب، فهي اكبر الشهوات التي تتقاتل عليها البشرية منذ الازل،

ولنضرب مثلا على ذلك، اشتهرت في الآونة الاخيرة موائد رمضانية لإفطار الصائمين، يقوم بها اما بعض الراقصات او التجار والموظفين والمسؤولين والحكام الفاسدين، هؤلاء يعتقدون ان تكفير الذنوب بتزكية المال الحرام والتصدق به، يمكن ان يكون كفارة عن اصل الحرام، التي جاءت منه تلك الاموال (علما ان قسم من هؤلاء يمارسون الطقوس او العبادات الاسلامية كالصلاة والصوم والحج، الخ.)

وهذا هو احد الامثلة الذي يحدد قدرة الشهوات الكبيرة القوية على محاربة ومواجهة واختراق القدرات النفسية او الايمانية للمسلم، فيضطر ان يمارس الحرام، ومع هذا يعمل كل شيء من اجل كسب رضا الله عز وجل، معادلة صعبة متناقضة لايمكن قبولها...

ثالثا: الاطمئنان النفسي يمكن معرفته بالحصول على نسبة كبيرة من درجات الايمان للمسلم في اجتناب المحرمات الكبيرة، التي تمس جوهر حياته اليومية، فما يحصل من انهيار خطير في ايمان المسلمين، لاسيما فساد النخب الاسلامية وكوادرها المتقدمة من اجل المال الحرام، لهو مؤشر خطير على وجود حالة شيطانية متوارثة منذ عهد الخلفاء الراشدين، وهي حالة عدم الاكتراث لسخط الله وغضبه، او اهمالهم بمسألة الاهتمام بتقدير نسبة ايمانهم ما داموا يقومون بالعبادات كاملة كما يعتقدون، فالبعض يعتقد انه يمارس العبادات الاسلامية بشكل صحيح ومتقن (كرجال الدين المنحرفين اخلاقيا لسرقتهم اموال العامة، والعمل بتجارة بيع الفتاوى الكاذبة، كتكفير الشيعة)، وكأنه مجرد واجب الهي جامد لاحياة فيه، بينما نعتقد ان تلك العبادات او اركان الاسلام الخمس هي الوسيلة الوحيدة الممكنة لمعرفة طريق الايمان، ورضا الله عزوجل، وهي من الواجبات والتمارين النفسية للمسلم الملتزم بتطبيق الشريعة وممارسة العبادات والمعاملات الحسنة اليومية، اذ ليس سهلا ان يجتنب المسلم تلك الشهوات العظيمة السوء، التي يذبح من اجلها احيانا ملايين الابرياء، من قبل الملوك والامراء والرؤساء وزعماء العالم، وكذلك عصابات الجريمة المنظمة والتجار والاغنياء (الخ.)،

ولا يلتفت هؤلاء لإعمالهم ولمن حولهم، وما يفعل يوميا من اعمال تغضب الله وتزيد في سخطه علينا وفقا لما جاء في القران الكريم.

في العراق وبعض الدول العربية، انتشرت ظاهرة الاسلام السياسي، وتصاعدت حدة التطرف والتشدد والفساد المالي والرشوة، وزادت كارثة الجرائم الارهابية بحجة التدين والالتزام بالشريعة، الا ان الفساد المالي والاداري والاخلاقي تصاعد ايضا بشكل خطير، في بلادنا انحرف عشرات الالاف من الشباب والشابات بعد زيادة حالة الاحباط واليأس والفقر، التي انتشرت بين السياسيين الحاكمين في البلاد، يحمل هؤلاء في جعبتهم كتب الحلال والحرام، والحيل الشرعية كمفتاح للجنة، اذ اصبحوا يحللون الحرام، ويحرمون الحلال وفقا لرغباتهم وشهواتهم،

هؤلاء يحاربون الله والقران والسنة النبوية وعباد الله ليل نهار، انما نجد في المقابل ان اصحاب الخير، ممن يتجنب تلك المحرمات هم من الفقراء والمساكين والمؤمنين وحتى المسلمين العاديين، الذين لا تستهويهم مظاهر الشهوات كثيرا، من الذين يرضون بقسمة الله سبحانه وتعالى ورزقة.

 

نتيجة البحث:

يتضح من خلال البحث المختصر ان كل الازمات النفسية، وسوء عاقبة المسلم، هي مس من الشيطان ممكن ان تدفع بالإنسان عموما، والمسلم على وجه الخصوص نحو الهاوية، او تدفع به في طريق حب الشهوات والتطرف في استخدام شتى الوسائل والطرق والاساليب الدنيئة للحصول عليها..قال تعالى في تلك الحالات.

 ([وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) (الأعراف 200 ـ)]

[وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) (ص)].

نعتقد ان كل مرض نفسي، وفساد اخلاقي، سببه الشيطان ولهذه لايوجد علاجا له سوى في القران الكريم..

والله عزوجل اعلم.

 

مهدي الصافي

........................

بحث فلسفي اسلامي مختصر يتحدث عن احتمالية معرفة الانسان درجات الايمان ورضا الله عن عباده،، فالفلسة التي نتحدث عنها هي فك الرموز الغائبة عن الوعي الجمعي....احيانا قد يكون عصارة البحث سطرا من نتاج التجربة المعرفية الشخصية في الاستنتاج من لفكر والتفكر والتأمل، ولكل انسان فلسفة وفكر ووعي ورأي الا انها تختلف في النتائج، ونسبة التفاوت، بين الخير والشر، او الصح والخطأ

 

الأثر المترتب على تبليغ الرسالة الإلهية من قبل الأنبياء لا يخرج عن التسمية الوظيفية المتضمنة للإنذار والتبشير، أما ما يجانب هذا الاتجاه من حيث الموازنة الفعلية لشخص النبي فهو وإن كان في معزل عن الأحكام التشريعية إلا أنه لا يكون مذموماً إذا ما نظرنا إلى القياسات الطبيعية للنفس التي لم تنقاد إلى القوانين والنظم المفارقة للسمات البشرية، ومن هنا نرى أن التقديرات الشخصية للأنبياء لا يمكن أن تعزز التجاذبات الدفاعية عن المكلفين بالشرع الملقى على عاتقهم، أو ما ينسجم مع الاتجاهات العرفية التي تلقي بظلالها على مسيرتهم العامة، سواء كانت الاعتقادات السائدة لديهم ناتجة عن جهد النبي أو ملازمة للطبيعة الفطرية، وتعليلاً لهذا النهج نرى أن الصفات الإنسانية قد تتغلب على الأحكام التشريعية التي ألزم الله تعالى بها أنبيائه، وبالتالي يحتاج هذا المنحى إلى مقررات أخرى تساعد على إرجاع الأنبياء إلى الأحكام الإلهية التي تحدد العواطف الفطرية الظاهرة في سلوكهم، أما إذا ظهر ما يخالف ذلك فلا محيص من أن تظل الاعتقادات الراسخة في مخيلتهم حبيسة الخلجات النفسية التي تحيط بأفكارهم، وتأسيساً على ما سلف يمكن القول إن النظام الإلهي ما جاء إلا ليبعد الشبهات المثيرة عن القلوب الطاهرة ويركز على الأسس القانونية وإن كانت لا تتفق مع الفطرة السليمة التي يمتاز بها الأنبياء، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده تلك الواقعة الشهيرة التي حصلت لقوم لوط والتي كان لها الأثر الفاعل في دفاع إبراهيم عنهم والتوسل إلى الملائكة مبدياً الأعذار التي يظن أنها تشفع لهم عند الله تعالى، ولكن الله غالب على أمره.

وقد صور القرآن الكريم هذه الحادثة بأروع الصور حيث قال سبحانه فيها: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين... قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) العنكبوت 31- 32. فإن قيل: يظهر من الآيتين أن إبراهيم كان يدافع عن لوط دون قومه وهذا لا يتفق مع الطرح المقدم؟ أقول: إبراهيم لا يجهل أن الله تعالى سوف ينقذ لوطاً وأهله من العذاب ولكن أراد أن يجعل من ذلك وسيلة خفية لأجل صرف العذاب عن أهل القرية، "ولا يرد علينا بأن الغاية لا تبرر الوسيلة لأن القاعدة لا تحمل على عمومها في جميع الحالات هذا على فرض صحتها" ويعضد ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط... إن إبراهيم لحليم أواه منيب... يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) هود 74- 76. ومما تقدم يظهر أن الآيات صريحة في دفاع إبراهيم عن قوم لوط لا عن لوط، والنكتة ظاهرة في قوله: (يجادلنا في قوم لوط) هود 74. وهذا الأمر يختص برحمة الأنبياء الفطرية التي لا تخضع للتحليلات الدخيلة إلا بتوجيه من الحق سبحانه، فتأمل هذا المعنى بلطف وسوف يدلك على أسرار القرآن الكريم.

من هنا نعلم أن قيادة الأمة لا يكتب لها البقاء إلا إذا كان العامل الماثل فيها متفرعاً على شخص القائد ومدى حرصه على رعيته، وأنت خبير بأن هذا الفعل قد يكون بمنأى عن الحكام الذين لا يراعون حرمات الله تعالى، وبذلك يظهر الفرق بين القيادة الأرضية التي لا يحافظ أصحابها على الأصل الثابت في النفس البشرية، وبين أولئك الذين جعلوا من أنفسهم معبراً لأقوامهم حتى وصل بهم الأمر إلى الهلاك من أجل هداية الناس والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان، وخير مثال على ذلك هو ما نجده متجسداً في السبيل القويم الذي اتبعه النبي (ص) من أجل هداية أهل مكة، وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع متفرقة من القرآن الكريم كقوله جل شأنه: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) الكهف 6. وكذا قوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) الشعراء 3. وكذلك قوله سبحانه: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) فاطر 8. وجميع هذه الآيات تهدف إلى تسلية النبي وإذهاب الحزن والأسى عنه، وتبين له أن الأمر لا يحتاج إلى إهلاك نفسه، كون مهمته مع قومه تنتهي عند الإنذار لمن خالف التعاليم التي أمر الله تعالى بها دون سلب الاختيار عن المعارضين للرسالة.

وبناءً على ذلك نلاحظ مدى تكرار الحق سبحانه للمفاهيم التي تدلل على عدم سلب الاختيار عن المرسل إليهم، وكما ترى فإن مخالفة هذا النهج لا تتناسب مع الدعوة الإيمانية علماً أن الله تعالى لديه القدرة على إخضاع الناس للعبادة القسرية، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في كثير من الآيات كقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) الشعراء 4. وكذا قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99. وقوله تعالى: (أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً) الرعد 31. ولذلك جعل الحق سبحانه جميع الأبواب مفتحة لما يختاره الناس كما في قوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) النبأ 39. وكذا قوله: (لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير 28. وقوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) المزمل 19. وكذلك قوله: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً) الكهف 29. وهنالك آيات أخرى بهذا الشأن، ومن هنا يتضح أن الإيمان أو الكفر المشار إليهما في الآية الأخيرة لا يعززان القدرة الإلزامية على استيعاب المعاني المتفرعة منهما دون الوقوع في التبريرات الضاغطة على السلوك الشخصي للاتجاهات الاختيارية التي يتخذها الإنسان إذا ما علمنا أن الآية بعيدة عن التوبيخ، وقياساً لذلك تظهر النكتة في آية البحث التي بين تعالى من خلالها عدم مسؤولية النبي عن أصحاب الجحيم من الأحياء دون السؤال عن حال أبويه كما ذهب إلى ذلك قليلي الخبرة من المفسرين، وكما ترى فإن الفعل يتعلق بالله سبحانه دون النبي وهذا ظاهر.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) البقرة 119. الآية تبين أن مهمة النبي تنتهي عند التبشير والإنذار، ويظهر في منطوقها تبرئته (ص) عن الاتجاهات السلبية المتخذة من قبل قومه كونه غير مسؤول عنها، والجزء الأول من الآية أعني قوله: (إنا أرسلناك بالحق) يحتمل مجموعة من الوجوه التي يشهد لها القرآن الكريم أهمها:

أولاً: المراد من إرساله بالحق أي بالصدق، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) يونس 53.

ثانياً: المراد من إرساله بالحق أي إرساله بالقرآن، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) ق 5.

ثالثاً: المراد بالحق الإسلام، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) الإسراء 81.

رابعاً: الحق الذي يقابل الباطل، ويشهد لهذا الوجه قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) الأحقاف 3.

وأرجح الاحتمالات هو الاحتمال الثاني نظراً لما يفيده السياق... فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر

 

abdulhusan shaaban (الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد) .. ابن عربي

ما الذي تبقّى من المثقف اليساري في مجتمعاتنا؟ فهل انقرض أم خفّ وزنه أم ضَعُف تأثيره، وشغلته ظروف الحياة ومشكلاتها عن أحلامه وطموحاته، أم أنه يمكن أن يستعيد دوره وموقعه وألقه؟ أتراه أصبح جزءًا من الماضي وتراثه، ومجرّد ذكريات يحنّ إليها بعضنا بين الفينة والأخرى، أم أن حضوره الحالي والمستقبلي، على الرغم من محدوديّـته، هو جزء من معركته بشكل خاصّ لإثبات وجوده وتأكيد استمراره، وكذلك جزء من معركة اليسار بشكل عامّ، الذي ما بات يعاني من حالة انحسار وانكماش بسبب أزمته الخاصّة وأزمة الحركة اليسارية والتحرّرية بشكل عام؟

يمكن هنا تسليط الضوء على ما ذهب إليه "ميشيل فوكو"، وخصوصاً في مقالته التي تحمل عنوان "المهمّة السياسية للمثقّف" ردّاً على سؤال وجِّه له: "هل بوسع المثقف اليساري أن يفعل شيئاً بوصفه فاعلاً، وبوصفه الوحيد القادر على الفعل داخل حراك اجتماعي؟"، وكان جوابه: "إنّ الرأي الذي يقول إنّ تدخّل المثقّف بوصفه مُعلّماً أو صاحب رأي، لا أتبنّاه... لأنني أعتقد أن الناس ناضجون بما يكفي كي يقرّروا...".

ولعلّ نظرة مثل هذه، تشكّل خروجاً على الفكرة التبشيرية لدور المثقف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تلك التي كانت تعطيه دوراً ريادياً في تبصير الناس وتنويرهم وتوجيههم نحو التحرّر.

لقد أعلن فوكو بذلك "نهاية المثقّف"، خصوصاً عندما اعتبر مفهوم المثقف ذاته غامضاً وعائماً، فالمثقف مذنبٌ حين يصمت وحين يتكلّم وحين يكتب وحين يستقيل، لأن وظيفته الجديدة، بحسب فوكو، هي النّضال ضد مسلّماته، فهو إما أن يكون ملتزماً أو مزيفاً، وهو ليس وسيطاً عقارياً بين آيديولوجيات، لأنه ينبغي أن يكون صوت المظلومين والصامتين والمهمّشين.

وقد كان "أنطونيو غرامشي" صاحب فكرة "المثقف العضوي"، وهي المقولة الأثيرة التي ظلّ أصحابنا الماركسيون واليساريون يستخدمونها بمناسبة ومن دون مناسبة، وقد عني بها الاقتراب من الجماهير، والعمل وسط المواقع الدقيقة للحركات الاجتماعية، بل التماهي معها.

لا يتحدّث بعض مثقفي اليسار، ولا سيّما العربي في الكثير من الأحيان، عن الحاضر أو المستقبل، لكنه يغوص في الماضي ويستغرق فيه مستذكراً بشغف أيّامه الجميلة كما يسمّيها أحياناً، يوم كان دوره مؤثّراً وصوته هادراً وإبداعه راقياً. ربما يجد في تلك النستولوجيا "الحنين إلى الماضي" تعويضاً عن حاضر باهت ومستقبل مجهول وأحلام مُنكسرة، وقد يرجع ذلك إلى شعوره بأنّ الماضي معروف، وهو يستحضر جزءه المشرق، أما الحاضر فلا يزال ملتبساً والمستقبل لا يُبشّر بالخير حسب معطياته.

في نبرة المثقف اليساري تشعر أن ثقته بالمستقبل ضعيفة، بحكم موقعه المتواضع والتابع أحياناً، لذلك يتشبّث بالتاريخ وبالماضي، كجزء من محاولة البقاء، وهي سمة عامة لنا نحن العرب، الذين نتحدّث عن ماضينا "التليد"، أكثر ممّا نتحدّث عن حاضرنا ومستقبلنا.

وبالطّبع تختلف مهمّات المثقف اليساري الراهنة عن مهماته السابقة، وكذلك وسائل وأساليب تحقيق أهدافه، ناهيك بأدواته، وهي أمور لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند تناول دور المثقف وأفقه المستقبلي في ظلّ الأزمة الراهنة وسُبل الخروج منها.

صحيح أن التراجع والانكسار والخذلان والخيبة هيمنت على المثقف اليساري، أو مثقف التحرّر الوطني، كما يطلق عليه بعضهم، باستثناء قلّة ظلّت متشبّثة بممانعتها ومقاومتها ورفضها لمشاريع ومخطّطات تريد فرض الأمر الواقع على شعوبنا وبلداننا، وعلى الثقافة والمثقفين من جانب جهات متسيّدة ومتنفّذة خارجية وداخلية، لكن حتى بعض هذه القلّة يعيش هو الآخر في الماضي، ولا يريد تطوير أدواته لمواجهة الحاضر واستشراف المستقبل. والبقية الباقية ليس لديها الوسائل والمستلزمات الكافية للمواجهة بسبب اختلال موازين القوى وتشتّتها "شيعاً وأحزاباً"، لكنها ظلّت حريصة على أن يبقى صوتها مستقلاً ونقدها مستمراً.

تحاول الجهات المتنفّذة على الثقافة والمثقفين فرض منهجها، تارةً باسم "العولمة" وتارةً أخرى باسم "التغيير والدمقرطة"، وفي تارة ثالثة تحت عنوان "مواجهة التغريب والاستكبار" ولكن من موقع السلفية والماضوية، وبين هذا وذاك من المشاريع الكبرى، يتم إلغاء أو تحجيم فردانية المثقف، وتحويل إبداعه إلى مجرّد دعاية وترويج لمصلحة الحاكم أو صاحب القرار أو السياسي المتسلّط، بما فيها في المعارضات أحياناً، سواء بزعم مواجهة العدوّ الخارجي والخطر الأجنبي الداهم، وأخرى باسم المصلحة الوطنية العليا وأهداف الثورة، وثالثة باسم الدّين، أو باسم المذهب أو غير ذلك من التبريرات التي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة.

وإذا كان النضال ضدّ الإمبريالية وربيبتها الصهيونية، ومن أجل الاستقلال والانعتاق والتحرّر الوطني والوحدة الكيانية العربية والعدالة الاجتماعية، هي الأساس الذي اعتمده المثقف اليساري في مرحلة التحرّر الوطني في الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت وما بعدهما، فإن هذا النضال اتّخذ أشكالاً جديدة، وإنْ كانت محدودة، لكن مرجعيتها الفكرية أخذت بالاتّساع والعمق، ويمكن أن تكون نواة أوّلية لما أسماه "أنطونيو غرامشي" بـ"الكتلة التاريخية" التي تحتاج إلى جهود جبّارة من المثقفين للوصول إليها في إطار أجواء حوار ومصالحة بعد مصارحة بين التيارات المختلفة.

- II -

أهي نهاية المثقّف العضوي؟

نعود إلى السؤال: أين المثقف اليساري، الماركسي والقومي العربي والليبرالي الوطني؟ وكيف يمكن توظيف إبداعه ليستعيد دوره؟ ومن حقنا، بعد الارتكاس والتقهقر الذي تعرّض له المثقف، أن نصوغ السؤال الملغوم: أهي نهاية للمثقف العضوي بحسب غرامشي؟ وهل بإمكان "تفاؤل الإرادة" تغيير "تشاؤم الواقع"، أم ثمة عوامل ينبغي استكمالها لتحقيق ذلك؟ وهل صعود مثقف العولمة والمثقف النيوليبرالي هي نهاية للمثقف اليساري؟ أم ثمة دور يمكن أن يضطّلع به المثقف اليساري في إطار مشروع نهضوي عربي جديد، يقوم على مرتكزات أساسية هي الاستقلال السياسي والاقتصادي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والوحدة العربية والتجدد والانبعاث الحضاري، ومرّة أخرى أين رمزية مثقف الأربعينات والخمسينات وكارزميته من رمزية مثقف اليوم؟

لقد أسهمت الحقبة البترودولارية في إضعاف المثقف اليساري ومحاصرته، وأدّت تدريجياً إلى نكوص دوره أو انكفائه أو شعوره بالانكسار والخذلان في ظل توازن قوى ليس لمصلحته، وخصوصاً فشل المشروع الاشتراكي واليساري والتحرري عموماً، وانهيار النموذج "البلدان الاشتراكية" التي يمكن أن نطلق عليها "أنظمة الأصل"، وتقهقر بلدان التحرّر الوطني أي "أنظمة الفرع".

الأمر لا يعود إلى هشاشة أو ضعف مناعة بعض المثقفين اليساريين فقط، وإنما ينبغي التوقف عند الدور التدميري الخطر الذي لعبه مثقف العولمة في تدهور مكانة الثقافة والمثقف بشكل عام، وخصوصاً إزاء محاولة تزييف الوعي وتزيين الواقع ورسم صور وردية، عن النظام العالمي الجديد، والتبشير بقيمه تحت عناوين الدور الريادي لليبرالية الجديدة، وهو ما دعا إليه "فرانسيس فوكوياما" في نظريته "نهاية التاريخ" وصموئيل هنتنغتون في أطروحته "صدام الحضارات".

لقد حاول "إدوارد سعيد" أن يفحص بدقّة الدور المتغيّر للمثقف العربي، من خلال مقاومة إغراءات الجبروت والمال، وفي تعريفه للمثقف يقول: "هو شخص يواجه القوة بخطاب الحق"، ويصرّ على أن وظيفته هي أن يُخبر مريديه ونفسه بالحقيقة، وقد جمع بذلك عمق معرفته، وصرامة أدواته البحثية، وأخلاقية ما يقوم به من أفعال سياسية.

وفي ظل الصراع الآيديولوجي العالمي، استُخدمت وسائل متعدّدة من الدعاية البيضاء والسوداء للتأثير على المثقف وجرّه إلى حلبة الصراع، وخصوصاً أن وتيرته الدعائية كانت تسير بكثافة وسرعة لامتناهية. وتعرّض الكثير من المثقفين، في فترة الحرب الباردة، في كلا المعسكرَين المتصارعَين، إلى التنكيل والتهميش إن لم ينصاعوا إلى الإرادات السياسية، وكان بعضهم بين مطرقة الغرب وسندان الشرق.

وهكذا كان المثقف عموماً، واليساري خصوصاً، عرضةً للتجاذب بين الاعتراض والمقاومة والممانعة وبين الخضوع والاستسلام والمُسايرة. وحين انهارت الكتلة الاشتراكية، تبدَّل كثير من خرائط بعض المثقفين اليساريين، فوجدوا في العولمة والخصخصة وازدراء الاشتراكية واعتبار الليبرالية "الجديدة" مفتاح الحلول في العالم المعقّد!

كيف تمكّنت القوى العولمية، باسم الحداثة وما بعد الحداثة، من إقناع المثقف اليساري الذي كان يعتبر الإمبريالية والصهيونية العدوّ رقم واحد للشعوب، بأنها "مُحرّر الشعوب" وفاعل الخير المخلّص والمُنقذ من أنياب الدكتاتوريات والأنظمة المستبدّة، لبناء مجتمع الخير والرفاه والوفرة والحرّيات والمساواة، أي مجتمع الحليب والعسل والرفاه، كما هو "العالم الحرّ"؟!

وأخيراً، ما هو السبيل لاستعادة دور المثقف، باعتباره فاعلاً ومؤثراً، وليس تابعاً أو مُلحقاً أو مُستزلماً وخانِعاً؟ وما هي الوسائل الجديدة لمجابهة ثقافة العولمة، وخصوصاً في ظلّ واحدية إطلاقية تكاد تكون شاملة في الميادين المختلفة؟ هل الاكتفاء بالشعارات والصّيغ القديمة، كفيل بمواجهة العولمة بوجهها المتوحّش، أم لا بدّ من وسائل جديدة تستند بالدرجة الأساسية إلى العِلم واستثماراته، وخصوصاً في جيل الشباب، لتنمية العقول والمدارك، واستيعاب مُنجزات الثورة العلمية – التقنية بما فيها من تكنولوجيا الإعلام والمواصلات والاتصالات والطفرة الرقمية "الديجيتل"؟.

والأمر يتعلّق بضرورة مراجعة المثقف اليساري لتجربته، ونقدها، والتخلّص من الجمود التي صاحبها، وخصوصاً التجارب الشمولية التي قادت إلى الإقصاء والتهميش والانتقاص من قيمة الحرّية والفرد والفردانية، على حساب الشعارات الكبرى ذات الرنين العالي، كالمساواة، وإن كانت ذات طابع شكلي، والعدالة التي كانت ناقصة ومبتورة في ظلّ شحّ الحرّيات، علماً بأن واقع الأمر كان يسير في اتجاه آخر.

ويحتاج الأمر كذلك إلى وضع قضية الحرّيات في موقعها الصحيح، ولا سيّما حرّية التعبير وحرّية الاعتقاد والحق في تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، والحق في الشراكة في الوطن الواحد والمُشاركة بتولّي المناصب العليا في الدولة والمجتمع من دون تمييز لأي سبب كان، سواء إثنياً أو دينياً أو طائفياً أو بسبب الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي. فالتحوّل الديمقراطي المنشود لن يتمّ من دون تأمين مستلزمات احترام سيادة القانون واستقلال القضاء وتداول السلطة سِلمياً، وتلك من واجبات المثقف بشكل عام، والمثقف اليساري بشكل خاص.

ولا بدّ للمثقف أن يعمل على إعادة تفعيل دور الجامعات، وإعادة النظر بالمناهج التربوية ومؤسسات البحث العلمي، وتجسير الفجوة بين المثقف وصاحب القرار، أي أن يمارس دوره كقوّة اقتراح وليس كقوّة احتجاج فحسب، فضلاً عن مطالباته بتحسين الخدمات الصحية والتربوية والبلدية، وجعلها في خدمة الجميع، وكذلك تحسين أوضاع الناس وتقليص الفجوة بين المتخومين والمحرومين، وبين مَن يملكون ومن لا يملكون، ولن يتم ذلك سوى بنضال سلمي مدني طويل الأمد، يلعب فيه مثقف اليسار، الماركسي والقومي، دوراً مهماً في المُمانعة وفي مواجهة تغوّل القوى الدولية والمحلية وهضمها للحقوق والحرّيات الديمقراطية، ومحاولاتها فرض الاستتباع عليه بالوعد أو الوعيد، بالترغيب أو بالترهيب، خصوصاً بتجديد منهجه وأساليب عمله، مستفيداً من الإعلام ومستخدماً إياه، إلى جانب الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني على هذا الصعيد.

- III -

بين أُمميَّـتَيْن

إن المثقف اليساري في المرحلة الجديدة، هو أقرب إلى المثقف الكوني، فالحدود أمامه مفتوحة، والجسور موصولة، وجميع وسائل الاتصال والتكنولوجيا يمكنه استخدامها للتواصل مع مثقفي العالم من موقع التضامن والتساند والأهداف المُشتركة والطرق المختلفة لتحقيق تلك الأهداف لكل منهما، بحسب ظروف كل بلد وخصائصه وتطوّره ودور اليسار فيه، وتلك النظرة الأممية الجديدة مختلفة عن الأممية الشيوعية أو الاشتراكية السابقة، التي قامت على وجود مركز مقرّر وفروع تابعة له.

هل نحن أمام أمميّة جديدة؟ وما الفرق بينها وبني الأمميّة القديمة؟ ثمّة أممية جديدة في طور الإنشاء أو في مخاض للتأسيس، وخصوصاً في جانبنا الفكري والثقافي، وصولاً إلى أممية ثقافية كونية طوعية واختيارية، قائمة على أساس التفاهم والتضامن والمساواة، ومن دون قسر أو إكراه أو إملاء للإرادة، فالمثقف اليساري اليوم، لا يستطيع تحقيق أهدافه العامة والخاصة، من دون انخراط في حركة واسعة ومرنة لليسار العالمي، وخصوصاً لمواجهة التغوّل الإمبريالي العولمي وذيوله المحلية.

وإذا كانت هذه نظرتنا إلى مثقف اليسار، وما تبقى منه، وصولاً إلى المثقف الكوني، كأحد عناصر المُجابهة لتحقيق التنمية والرفاه والتقدّم، فهي رؤية عدد من المثقفين اليساريين الآخرين، بلورها "إدوارد سعيد"، الذي شكّل الصورة الحضارية للمثقف الفلسطيني في أفضل رموزه، باعتباره مثقفاً كونياً مُنحازاً للإنسانية، يعيش عصره على نحو جدلي، ويحلّل الظّواهر بعقل معرفي ومنهجية فكرية أساسها النقد، وهو معني بكشف هذه الظواهر وتحليلها وتفكيكها واستنطاقها، مثلما فعل "هابرماز"، و"دريدا"، و"تودروف"، و"آلن تورين" وغيرهم، وتتجلّى مرجعيّـته الأساسية الموجِّهة لعمله في الممارسة النقدية التي تتعرّض لفكّ التداخل بين الظواهر التي يدرسها.

في كتابه "الاستشراق" لم يتّهم إدوارد سعيد مثقف السلطة فحسب، بل السلطة ذاتها التي تقولب "المثقفين"، ولكنه دافع عن المثقف وعن الاختلاف والمُغايرة، وذلك ما بحثه تفصيلياً في كتابه "الثقافة والإمبريالية"، مُعتبراً الثقافات والحضارات تتلاقح وتعيش بعضها على بعض، وبخصوص الهويّة، فقد عبّر سعيد عن ازدواجيتها، فمن جهة هي هويّة مختلفة، ومن جهة أخرى هي هويّة مؤتلِفة.

إن كتاب "خارج المكان" هو محاولة لإحياء الذاكرة، أي إبقائها حيّة، والبحث في التفاصيل الصغيرة، التي تشكّل عوالمها مهمّة أساسية يستعيدها المنفيّون واللاّجئون. وهو بهذا المعنى بحث في الهويّة، على الرغم من العواصف، والتنقّلات والهجرات والثقافات. فالهويّة ظلّت تشكّل الهاجس الذي يطلّ برأسه ويلوح بصورة عفوية، من دون استحضار مسبق. وقد سبق لـ"أمين معلوف"، الروائي اللبناني العالمي الذي مُنح أعلى وسام فرنسي، أن تحدّث عن موضوع الهوّية في كتابه "الهوّيات القاتلة"؛ وقد مثّل هو شخصياً هذا البُعد المُتحرّك في الهويّة، بحمله الثقافتين العربية والفرنسية، وقدرته في أن يكون جسراً للتواصل، من دون أن يعني ذلك تجاوز المعاناة الإنسانية الفائقة، ولا سيّما في التعبير عن تلك الهويّات المزدوجة، بل المتعدّدة والمتنوّعة.

أما "أدونيس"، ففي كتابه "موسيقى الحوت الأزرق" يُناقش فكرة الهويّة، ويستهلّ حديثه بالعبارة القرآنية التي تضيء، بقِدَمِها نفسه، حداثتنا نفسَها على حدّ تعبيره، وأعني بها التعارف، أي الحركة بين الانفصال والاتصال في آن، من خلال "رؤية الذّات، خارج الأهواء"، ومنها بخاصة الآيديولوجية، ويمكن أن نضيف إليها الدينية والقومية وغيرها، بمعايشة الآخر داخل حركته العقلية ذاتها، في لغته وإبداعاته وحياته اليومية.

وتستند هذه الرؤية إلى إحلال الفكر النقدي التساؤلي، محلّ الفكر التبشيري - الدّعائي، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة، التي هي على طول الخط تاريخية ونسبية، وصولاً يُشارك فيها الجميع، على الرّغم من تبايناتهم إلى درجة التناقض أحياناً، وهذا يعمّق الخروج إلى فضاء الإنسان بوصفه أولاً، إنساناً، ويدفع الذات إلى ابتكار أشكال جديدة لفهم الآخر. ثانياً وثالثاً يكشف لنا أن الهوّية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، وإنما هي تحمل عناصر بعضها مُتحرّكة ومُتحوّلة على الصعيد الفردي والعام، وهو ما يجب إكماله واستكماله دائماً في إطار مُنفتح بقبول التفاعل مع الآخر. وإذا كانت ثمّة تحوّلات تجري على الهويّة على صعيد المكان - الوطن، فالأمر سيكون أكثر عرضة للتغيير بفعل المنفى وعامل الزمن وتأثير الغربة والاغتراب.

وكان إدوارد سعيد قد قال بعدم وجود هويّة صافية، وإنما الهويّات جميعها مُركّبة من عناصر مختلفة وتراثات متنوّعة، وعليه فالهويّة كما يقول أدونيس: ليست بركة مُغلقة، وإنما هي أرخبيل مفتوح، أي أنها، بحسب سعيد، ليست ثابتة أو جامدة أو نهائية. إنها حيوية وديناميكية تغتني باستمرار مع عناصر ثقافية متجدّدة، وهذه هي شخصية سعيد ذاته، فهو فلسطيني أمريكي الجنسية، يرى ذاته في الآخر، ويرى الآخر في ذاته، من دون أي وقوع في التبسيط أو السذاجة.

ولذلك يقول سعيد في كتابه "خارج المكان" إنه "عربي أدّت ثقافته الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصوله العربية، وأن تلك الثقافة، إذْ تلقي ظلال الشكّ على الفكرة القائلة بالهويّة الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات".

وفي آخر حوار معه أجرته صحيفة "الرأي العام" الكويتية في 27 سبتمبر/أيلول العام 2003 قال: "هناك تهديد للمشروع الحضاري العربي، وللأسف يُسهم العرب في هذا التهديد. ثمّة نوع من الانتحارية العربية تنعكس في السياسة العربية، وهي لا تؤدي إلى مستقبل إيجابي، وهناك تغييب في المفاهيم العربية، وأنا شخصياً أعاني من ذلك في الغرب"، وقصد سعيد من ذلك الدعوة للحوار والتسلّح بالحضارة والعِلم والتعليم.

 

من هو المثقف الكوني؟

ونعرض هنا وجهتَي نظر متميّزتَين لمثقفَين يساريين، الأولى لمثقف يساري اشتراكي حاول تقديم قراءة جديدة ونقدية بجرأة وشجاعة للتراث العربي – الإسلامي، من خلال مفهوم  مُستحدث للمثقف الكوني، ونعني به الباحث العراقي "هادي العلوي"، والثانية لمثقف يساري واشتراكي أيضاً، قرأ التطوّرات الجديدة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية من زاوية نقدية، وعمل على المشاركة في تقديم تصوّر حقوقي لمواجهة تداعيات مثقف التحرّر الوطني وتصدّعاته، وذلك بطرح مفهوم المثقف الكوني، ونقصد بذلك الباحث المصري المجدّد "محمد السيد سعيد".

- IV -

المثقف الكوني، بحسب هادي العلوي، هو "المتصوّف أو التاوي"، الذي يتميّز "بالتجرّد الكامل واللاّتشخّص واللاّحدود واللاّتناهي". ويقيم على الوحدة المطلقة "بإلغاء المسافة بين الخلق والخالق والتوحّد معهما". ويضيف العلوي صفات أخرى إلى "المثقف الكوني" الذي يُفترض فيه "عمق الوعي" المعرفي والاجتماعي معاً، و"عمق الروحانية" (السلوك الروحاني وليس الفكر الروحاني "الغيبي")، وهذه الصفات هي: القوّة أمام مطالِب الجسد والترفّع عن الخساسات الثلاث السلطة والمال والجنس.

إنّ نموذج المثقف الكوني هو أقرب إلى التماهي مع أهل الحق في الإسلام "فقهاء القرن الأول والمتكلّمون والأحبار المستقلّون المعدودون في الطّور قبل الصوفي، ثم المتصوّفة أقطابهم من دون صغارهم..." ويمثّل "التاوي" و"المسيح"، كما ورد في كتابه "المرئي واللاّمرئي في الأدب والسياسة": التماهي مع روح الخالق، بعيداً عن السلطة والتعفّف عن المال، مردّداً قول السيّد المسيح حين دعا إلى إخراج الأغنياء من ملكوت الله. ويمنح العلوي مثقفه الكوني: هوّية مُعارضة، أي لقاحية، كما يسمّيها، لمواجهة التشخّص والمحدودية والتناهي. وبذلك يفسح في المجال أمامه لاختيار الطريق للوصول إلى الله/ الحق، والانحياز ضدّ مركزية الدولة والدّين المُمأسَس والأغنياء.

من "تكوينات المثقف" الكوني لدى العلوي: "التعالي على اللذائذ"، بحيث يأخذ من الحياة ما يفرضه دوامها، فيأكل عند الحاجة، وينام عندما يغلبه النوم، "ولا يملك شيئاً لئلاّ يملكه شيء، وهو كبير وقوي وحاكم" (المقصود حرّ وغير خاضع لسلطة)، وليس صغيراً أو ضعيفاً أو محكوماً. ويوجّه العلوي نقداً للمثقفين المعاصرين العرب، ولا يستثني أحداً، وذلك وفقاً لقياساته المسطرية حين يقول: "المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاث ويجعلونها من صميم العمل الثقافي". ويمضي إلى القول "لقد سبقني إلى مُعاداة المثقف شيخنا فلاديمير لينين، حين اتّهمهم بالرخاوة والروح البرجوازية".

لقد أطلق عليهم العلوي اسم "شيوعية الأفندية" (الأفندي السيد الكبير باللغة التركية) وقَصد بذلك نمطاً من الشيوعية يقوم على الآيديولوجيا الصّرفة المُجرّدة من اليوتوبيا المقطوعة عن ساحة الصراع الطبقي. ويعتبر هؤلاء "مثقفين وشيوعيين يحاربون الشيوعية"، وهو ما سمّيناه في كتابنا "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" الماركسلوجيا مثلما هناك "إسلاميون يحاربون الإسلام".

ويعتبر هادي العلوي أن المثقف الصوفي ومَن حكمه متروحِنْ بعلاقة مزدوجة مع الروح الكونية، التي يسميها الباري أو الحق أو التاو، مع الخَلق في آن واحد.

وبتلك "الرَوْحنة" يكتسب المثقف، بحسب العلوي، الطاقة الاستثنائية التي تضعه في مواجهة السلطات الثلاث: سلطة الدولة وسلطة الدين وسلطة المال. وفي هذا الطّور الأعلى من الاستقطاب، يتخلى المثقف الكوني عن "اللذائذية"، باختلافه عن عـالم الدين وربما عالم الطبيعة. إنه بذلك يعّبر عن نكران ذاته وتخلّيه عن حقوقه لمصلحة الإنسان (الآخر)، وهو يردّد قول عبد القادر الجيلي "أفضل الأعمال إطعام الجياع"، حين يتمنّى أن يملك الدنيا ليوزّعها على الفقراء، فتلك كانت رؤيـة العلوي الحقيقية إزاء الفقراء، فقد كان لا يريد بقاء الامتيازات محاصصة – بين "أهل الدولة" و"أهل الدين"، بل تساوياً مع العامة.

ووضع العلوي أعداء المثقف الكوني في دوائر أربع سمّاهم "الأغيار الأربعة" وهم: الحاكم والمثقفون والرأسمالية والاستعمار، معبّراً في بياناته المشاعية وعلاقاته الروحانية عن تحدّيهم، وخصوصاً أنه كان يعيش بفكره مع شيوخ الصوفية الذي يقول عنهم : "أنا أعيش بينهم وأكلّمهم، وأنا دائم الحديث مع النّفس في الخلوات... من لاوتسه إلى ابن عربي".

وإذا كان العلوي لا يعتبر "التملّك" غريزة لدى الإنسان، بل صفة مكتسبة، فإنه بحسب تقديري، رغبة منه في النزوع إلى الحق المطلق "المثالي" والوقوف ضدّ الاستغلال من زاوية إنسانية "مطلقة"، ولكنني أعتقد أن الرغبة في التملّك متأصّلة في الإنسان وفي النفس البشرية، فضلاً عن أنها حق شخصي للإنسان، ولذلك ورد ذكرها في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الصادر عام 1948 (المادة السابعة عشرة) التي نصّت على: "أن لكل شخص حق التملّك ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسّفاً".

وعندي أن ذلك أقرب إلى طبيعة النفس البشرية على مرّ التاريخ، ولهذا السبب انشغل علماء الاجتماع والقانون والاقتصاد والسياسة في بلورة الآراء والتوجّهات بخصوص تنظيم الملكية، في بحث مستديم عن العدالة الاجتماعية، الهاجس الذي يبحث عنه بنو البشر على مرّ العهود. كما كرّست الدساتير والقوانين والأنظمة على مرّ العصور الكثير من حقولها لتنظيم الملكية وتحديد وظيفتها، سواءً الملكية الفردية أم الاجتماعية، بحيث تعود بالخير على المجتمع ككل، وكان هذا جوهر الصراع أيضاً بين المدارس الفكرية والفلسفية، المثالية والمادية.

أما "الجنس" الذي يعتبره العلوي غريزة يتساوى في طلبها المثقف الشرقي مع الحاكم الشرقي، فمن خصائص المثقف الكوني، بحسب العلوي، الابتعاد عنه، لأنه من الخساسات الثلاث، أو طلب القليل منه والاكتفاء بحدود الوظيفة، في حين أن الحاكم لا يرتضي بالكثير، بينما لا يطلب مثقفه الكوني سوى القليل.

وهنا أيضاً أجد اختلافاً مع الطبيعة البشرية، فالجنس حاجة إنسانية يتساوى في طلبها المثقف والحاكم، وإشباع هذه الحاجة يتساوى فيها الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والمثقف مع غير المثقف. صحيح أن الظروف الاجتماعية ودرجة التطوّر والوعي والوفرة المالية، قد تحدّ أو تزيد من مدى إشباع هذه الغريزة أو الرغبة، لكن الأساس فيها يبقى هو الحاجة الإنسانية، بغض النظر عن عناصر الاختلاف الأخرى.

أخيراً، أقول إذا كانت نزعة التصوّف قد استوطنت العلوي واحتلّته احتلالاً، فإنه استحلاها واستطيَبها، وعاش معها ليؤنس، "الإله" في ذاته المغتربة عن العالم.

- V -

مثقف التحرّر الشامل

أما "محمّد سيّد سعيد"، فإنه يتناول بزوغ ظاهرة "المثقف الكوني" أو "الكوكبي" الذي من خصائصه الأداء الداخلي الناجح في مجالات النمو (التنمية) والتقدّم كافة، وكل إنجاز داخلي في ميادين "الصحة" و"التعليم" و"التكنولوجيا" و"الثقافة" و"الاقتصاد" يصبّ في هذا الاتجاه، وخصوصاً باختلاف المضمون الحقيقي لمشروع التحرّر الوطني، فلم يعد هذا المشروع ينهض على الصّدام مع الغرب (الاستعمار والإمبريالية سابقاً)، بل عملية تحرّر عملاقة من علاقة الضدّية الحاكمة (على نحو عكسي) بين تجربة وطنية ما من ناحية، والغرب من ناحية أخرى.

يقول سيد سعيد في مقالة بعنوان "نهاية مثقف التحرر الوطني" (جريدة الحياة 3/9/1994): "يستحيل أن تُستكمل عملية التحرّر هذه بالعودة إلى المنطق الطبيعي لأي اختيار، أي قياس عائد وتكلفة أي اختيار، ومدى اقترابه أو ابتعاده من قيَم سامية لعموم الإنسانية. ويدعو سيد سعيد إلى ولادة عربي جديد "مثقف التحرّر الشامل" الذي هو "مثقف كوني" بالضرورة، لأنه يُدرك أن عملية التحرّر هي فعل عالمي، وهو بالتالي "يتصوّر فاعليته في إطار تحالف عالمي، فضفاض نسبياً، من أجل السلام والمساواة والرفاه للعالم كله". ويعرّف محمد السيّد سعيد مثقف التحرّر الوطني، بأنه ذلك الكائن الذي تفتَّح وعيه الكوني على صدمة الاستعمار والهيمنة الغربية على عالَمه القومي.

بهذا المعنى، فإن مثقف التحرّر الوطني يقف ضدّ التجزئة، ويناضل لبناء دولة الوحدة وليس تحقيق "الاستقلال الوطني". إنّ مثقف التحرّر الوطني هو وليد "اتفاقية سايكس بيكو" العام 1916، وأضيف إليها منذ العام 1948 بُعد جديد جوهري، هو نشوء "الدولة العبرية" واغتصاب أرض فلسطين، فلم يعد نضاله يقتصر بحسب سيد سعيد على قيام دولة الوحدة وضدّ التجزئة، بل يناضل (بالضرورة) ضدّ المشروع الصهيوني الاغتصابي - التوسعي. وهو بالطّبع نضال ضدّ الغرب الداعم لقيام إسرائيل.

ويصل السيد سعيد إلى استنتاجات مثيرة، منها أن المثقف العربي سجن نفسه في الإطار التكنوقراطي البحت، الأمر الذي أدّى إلى تعقيم (من العُقم) طاقاته الفكرية والإبداعية وأفقده الخيال الجسور، بحيث انهمك في تحسين أداء ما هو قائم ولترقيع ما هو مهترئ ومختوم. (وهو يقصد بذلك مثقف السبعينات والثمانينات وما بعدها، علماً بأن مثقف الأربعينات والخمسينات ولغاية الستينات كان دوره مختلفاً وريادياً).

لقد أصبحت للغرب دعامتان أساسيتان في المنطقة: الأولى – "ضمان تدفّق النفط" بأرخص الأسعار والثانية – "ضمان أمن إسرائيل" ودعم مشاريعها التوسعية والعدوانية. وأصبح مثقف التحرّر الوطني نفسه، أسيراً لشعارات الصراع الآيديولوجي القديمة ولفترة الحرب الباردة، فأصبح دعم الاتحاد السوفييتي "ضرورة تأريخية"، بغضّ النظر عن التعقيد الجديد في تلك العلاقة، بما فيها نخبة مثقفي التحرّر الوطني والشعارات التي كانت ترفعها "القوى الاشتراكية" التي تُبشّر بأفول النظام الرأسمالي، بسذاجة عالية ودعائية تبسيطية "غير علمية"، بحسب تعبير السيد سعيد، وكانت تلك أحد مصادر أزمة المثقف العربي في فترة ترييع الاقتصاد وصعود عنصر النفط، وتجديد الرأسمالية خلاياها وتجاوز بعضها أزماتها. كما يذهب إلى ذلك المفكر المصري "محمود عبد الفضيل" في كتاب جماعي "المثقف العربي – همومه وعطاؤه" (من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية).

لقد أبدى مثقف التحرّر الوطني إعجاباً شديداً بالنموذج الاشتراكي، ودعا إلى تقليده، وخصوصاً بعد إسهام الاتحاد السوفييتي في القضاء على الفاشية، وغضّ الطرف عن النظام الشمولي، وعدم الإقرار بالتعددي، وإهدار الحقوق والحريات، ولذلك وقف مذهولاً عند الأزمة الطاحنة التي عاشها النموذج الاشتراكي في مطلع الثمانينات، حتى أطيح به في أواخرها، وانهار الاتحاد السوفييتي في العام 1991، لدرجة أن "إيمانيته" العمياء تلك أوقعته ضحية، وهو الأمر الذي دفع الخطاب التقليدي المُنتَج في نهاية الحرب العالمية الثانية في أزمة حقيقية، سواء على الصعيد النظري أم على الصعيد العملي، وازداد الأمر تعقيداً في ظلّ العولمة والثورة العلمية التقنية والاتصالات والمواصلات، لدرجة أن إشكالية "الأصالة والمعاصرة" تعقّدت في جدول أعمال المثقف العربي منذ ربع قرن من الزمان، دون حل مرضٍ.

ولم يكتمل مسار التطوّر الفكري والثقافي، وظلّ يعاني من عدم استقرار ويفتقد في الكثير من الأحيان إلى الحيوية والدينامية. ومع ذلك، وبحسب" محمود عبد الفضيل"، فقد كانت هناك مشاريع فكرية جادة سبحت ضدّ التيار، منها كما يذكر:

1.      ثلاثية محمد عابد الجابري (المغرب) حول بنية العقل العربي .

2.      ثلاثية جمال حمدان (مصر) حول عبقرية المكان وأبعاده الاستراتيجية .

3.      دراسة طارق البشري (مصر) حول إشكالية "الوافد" والموروث.

4.      دراسة حسين مروّة (لبنان) عن النزعات المادية في الإسلام .

5.      مشروع محمد سلمان حسن (العراق) في إعادة بناء الاقتصاد السياسي في ظل أطروحات أوسكار لانكه وكاليستكي.

6.      ثلاثية محمد حسنين هيكل (مصر) عن حروب 1956، 1967، 1973.

ويمكن إضافة مشروع "علي الوردي" (العراق) في دراسة المجتمع العراقي وطبيعة الشخصية العراقية، ومشروع "هادي العلوي" في دراسة التراث ومخالفة ما هو سائد في الكثير من الأحيان، وهناك حقول مهمّة في الأدب والرواية والشعر والفن والعمران، أسهمت في تقديم رؤية للمثقف العربي.

انحسار دور المثقف

لقد انحسر دور المثقف العضوي بحسب مفهوم غرامشي، وهو المثقف الذي يعبّر عن هموم الناس ووجدانهم وحلمهم، والحلاّل لمشاكلاتهم، وسواء أكان مثقفاً يسارياً أو مثقفاً للتحرّر الوطني، فإن المثقف الراهن، توقّف عن إنتاج المعرفة، بل أصبح جلّ همّه هو إعادة توزيعها ترجمةً أو تأليفاً.

وكان المثقف العضوي أو المثقف اليساري والعروبي يدافع عن قيَم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتحرير الشعوب والوحدة الكيانية العربية والتنمية المستقلة، فإذا به الآن يتحوّل إلى قطري، وفي بعض الأحيان محلّي، وخصوصاً في ظلّ مواصفات ما قبل الدولة الطائفية والإثنية والعشائرية والجهوية والمناطقية، ويؤيد التطبيع بحجة الواقعية السياسية، ولا يرى الخطر في الصهيونية والإمبريالية.

هكذا يحاول بعض المثقفين اليساريين تمييع الفروق وإضاعتها. وبحجة فشل القطاع العام وسياسة التخطيط السابقة، يستمرىء البعض الدعوة للخصخصة وبيع القطاع العام، وهكذا بدأت صورته تهتز عند الناس، وخصوصاً بدعوة البعض للتدخل الأجنبي أو التعاطي معه، كما حصل في احتلال العراق، حيث عمل بعض المثقفين مستشارين لقوات الاحتلال، وتعاقد بعضهم الآخر مع البنتاغون، وبرّر آخرون مثل هذه المواقف بحجة وجود نظام دكتاتوري قمعي.

وبقدر ما كان المثقف اليساري أحياناً يدافع عن الدكتاتوريات ويبرّر ممارساتها القمعية، بزعم مصلحة الاشتراكية أو الثورة، فإنه اندفع بعد الانكسارات والتراجعات إلى الدفاع عن التدخّل الخارجي وتبيض صفحة الإمبريالية باعتبارها قادرة على الإطاحة بالدكتاتوريات وتحقيق التغيير المنشود، وخصوصاً بانسداد الآفاق، وتحت حجة الواقعية السياسية والعولمة وغيرها.

وبعد كل ذلك فهل سيتمكّن المثقف اليساري استعادة الدور الريادي والطليعي الذي كان يمثله ويلتحم بالأحداث بقلبه وعقله ووسيلته الإبداعية، أم يبقى ملحقاً بالسياسي وتابعاً له ويبرّر خطابه ويزّين مشروعه ويؤدلج سياساته ويدافع عن انتهاكاته؟

خللان رئيسان ألمّا بدور المثقف اليساري أو مثقف التحرّر الوطني وسلوكه وإنتاجه الفكري، الخلل الأول: هو توجّهه نحو التكنوقراطية والزعم بالحيادية والانصراف عن الشأن السياسي أو الشأن العام، لذلك هَزُلَ منجزه وحيويته وقوته ولونه الخاص، وبعضه صار جزءًا من تزويق الخطاب السياسي الرسمي للحاكم أو للسياسي المتنفّذ، وأحياناً لامتدادات خارجية تحت باب "الدّمقرطة" و"اللّبرلة".

أما الخلل الثاني: فإن الدعاية والتحريض أصبحا جزءًا من الخطاب السائد على حساب المُنتج الفكري والثقافي العميق، واستُخدم ذلك في الصراع السياسي، سواءً للتيارات الدينية والسياسية من جانب المثقف الممالىء للسلطة، أو بما يتوافق مع الجهات المتنفّذة في المعارضة، وهكذا انحسر دور المثقف العضوي أو دور الطليعة الثقافية وخرج من دائرة التأثير والفعل، إلى التبرير والتسويغ، سواء عبر تطويعه بالقمع السياسي البوليسي أم بالقمع الآيديولوجي الفكري لتبنّي خطاب السلطة أو المعارضة السائد بحيث يكون بوقاً لهما.

الجدب وشحّ الإنتاج

لذلك، فإن الجدب وشحّ الإنتاج شمل الكثير من المثقفين، بحيث إننا لم نشهد نشوء مدارس فكرية جديدة، كتلك التي نشأت في الأربعينات والخمسينات مثلاً في الشعر الحديث والأدب والفن والمسرح والسينما والفن التشكيلي والنحت والموسيقى والغناء وغيرها، فضلاً عن الإنتاج الفكري.

وعاش الكثير من المثقفين عزلتهم الفردية أو عملوا في إطار دكاكين ثقافية، ومن ضمن جماعات صغيرة، في حين كان مثقفو السلطة يتبخترون، حتى دون منجز ثقافي، وهكذا كان حصاد الفكر خلال العقود الخمسة الماضية محدوداً، مثلما هو في الجانب الأكاديمي والجامعي، الأمر الذي أوقع الثقافة وإنتاجها في أزمة عميقة، وحلّ محل أصحاب الإبداع الحقيقي بعض المقاولين والسماسرة الفكريين الذي يملكون الصحف والمجلات ووكالات الأنباء والإذاعات والمحطات الفضائية ومراكز الأبحاث والدراسات، يساراً ويميناً، وبعضها أنشئ بدعم خارجي بهدف تقديم خدمات للجهات المموّلة. ولم تنحسر الفجوة بين صاحب القرار والمثقف، بل ازدادت هوّة وعمقاً، واضطرّت أعداد من المثقفين إلى الهجرة.

وإذا كان، بحسب المفكر والباحث المغربي "علي أومليل" من يتأسّف لعدم الاعتراف بدور المثقف العربي الريادي الذي يطمح إليه، فإن فكرة أخرى انتشرت في السبعينات عن الدور السلبي لسلطان المثقفين في الغرب. فقد راجت فكرة تضخّم سلطة المثقفين، وخصوصاً صنّاع الآيديولوجيات، لكن الأمر ليس موحّداً، فهناك أيضاً من يتحدّث في الغرب عن فقدان العرش الذي كان يتربّع عليه المثقفون منذ قرنَين من الزمان بصعود الحركة التنويرية. (كتابه "السلطة الثقافية والسلطة السياسية").

إذا كان لا بدّ من دور ريادي للمثقف اليساري، فلا بدّ أن يؤكد المثقف أنه يستحقه وجدير به، وخصوصاً بانحيازه لقيم الحرية والديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان والسلام والخير والجمال.

 

أكاديمي ومفكر عراقي – نائب رئيس جامعة اللاّعنف.

 

afaf almouhdiالقسم الأول من مشاركة طالبة الدكتوراه عفاف المحضي في الندوة العلمية الدوليّة حول التسامح الدينيّ وثقافة الاختلاف - مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، مدينة سوسة – تونس، يوم 5 – 10 – 2016م. بعنوان: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي. وقد نالت على بحثها شهادة تقدير من إدارة الندوة العالمية.

 afaf1

مقدمة: الإنسان هو من يعيش فنّ الحياة. من يبتكر لنفسه قارب نجاة وطريق حياة مشتركة. الإنسان هو من يحيا ليحيا الإنسان معه وليس من يحيا لينفي غيره .. هو من يرسم فن الوجود بكل سماته ووأبعاده الإنسانية والأخلاقيّة التي تعتبر بوابة للتسامح ومبدأ فلسفة التعايش الإنساني في الكون.

 

 ماهو التسامح ؟و كيف نفهمه؟

1. تعريف التسامح لغة واصطلاحا:

لغة: تأتي كلمة التسامح من جذر (س.م.ح) سَمَحَ – سَمْحًا وسَمَاحًا وسَمَاحَةً: فلاَنَ وسَهُلَ ويقال سَمَحَ العودُ وتجرَّدَ من العُقَدِ وانقاد بعد استعصابٍ وفلان: بذل في العسر واليسر عن كرمٍ وسخاءٍ ويقال سمح له بحاجة يسَّرها له. و(سَمُحَ) سَمَاحَةً وسُمُوحَةً صار من أهل السّماحة فهو سَمْحٌ وسَمِيحٌ. وسَامَحَهُ بكذا وفيه أي وافقه على مطلوبه. [1]

مرّ التشكل المفهومي لهذا المصطلح بمرحلتين: تمثلت مرحلته الأولى في الجانب اللّغوي لهذا المفهوم ثمّ اكتسب في مرحلة ثانية بعدًا اصطلاحيا مع التنظير الفلسفي له في البيئة الغربيّة. ويمكن تحديد الفترة التاريخيّة لبروز هذا المصطلح وتشكله في الفكر الغربي منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ففكرة التسامح الغربيّة الحديثة قد ارتبطت في بدايات تشكلها بالمسألة اللاّهوتيّة مع الفيلسوف والمفكر جون لوك "الذي كان ينظر إليها بوصفها "الحلّ العقلاني" لمشكلة الخلافات التي نشأت داخل المسيحيّة أنذاك".[2] ابان العصور الوسطى ولتفادي تلك التداعيات والصراعات المذهبية والطائفيّة والأنساق الفلسفيّة من أجل التوصل الى اتفاق وتوافق بين هذه الصيغ المختلفة والمتعارضة ورتق الفتق الحاصل بينها.

 لا بد من تشكل صيغ جديدة تضمن الوفاق والتسامح بين هذه الاتجاهات المتصارعة تضمن حقوق الإنسان وحرية التعبير لكل الأفراد على السواسيّة دون قيود أو تقديم تنازلات، إلى أن أصبح هذا المفهوم "التسامح" من المفاهيم الأساسية والمركزية في مواثيق حقوق الإنسان، مع صدورإعلان سنة 1948 والذي تَمَّ بموجبه التنصيص على حرية المعتقد والرأي والتعبير، كما بدأ العمل لتفعيله في المنظمات الدولية، إذ أصدرت منظمة اليونيسكو إعلان مبادئ التسامح لسنة 1995 وتبنَّته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتاريخ 16 نوفمبر 1995 بباريس.[3]

 

2. موقف الأديان من التسامح:

"نسمع أصواتا قوية منذ قرن من أهل الغيرة على الإسلام في شتى أقطاره، وتنادي لنعد إلى الإسلام وهي صيحة كريمة جديرة بالاستماع، وإنها لتنتشر وتشتد على مرّ السنين من الغيورين والمتظاهرين بالغيرة على الإسلام ولعل هناك صيحة أجدر منها بالاستماع هي لِنُعِدْ إلينا الإسلام وبين الصيحتين فرق يفقهه من قدر عليه"[4] ولابراز البناء الصحيح للإسلام لابد من أن ننزع عنه الطبقة المتحجرة الخبيثة التي رنت على أسسه بنوع من التغييب للأصل وتغيير حقائقه من رفق وحلم وعفو رحمة وتعايش سلمي وتسامح وتكافل وغيرها من السمات الإنسانيّة والأخلاقيّة...

 فالخواء الروحي ليطبق على العالم في عنف والأمم تضطرب في كل مكان والنظم القديمة كلها تتصدع عن قصد وعن غير قصد وأصحابها يخربونها بأيديهم وبأيدي غيرهم ويظهر أنّ البشرية تتقارب وتتجه نحو الوحدة العامة.. فما لم تتقدم رسالة روحيّة من الرسالات القديمة لسدّ هذا الخواء متحفظة بجوهرها الصحيح الملائم للفطرة الإنسانية منسلخة من قشورها وأعراضها البالية ولن تكون هذه الرسالة إلا الإسلام – فلابد من ميلاد رسالة جديدة تلائم الوحدة العالمية المنتظرة، وإنها لعلى الأبواب فما هذه الاضطرابات من حروب ونحوها إلّا أعراض حمل الإنسانيّة لهذه الرسالة وإنّ تتبعها المحموم لأظهر أعراض المخاض وما أسرع الطلق فيخرج الوليد الموعود."[5] لتاريخنا المعاصر الذي شهد ويشهد تغيرات شتى ومستجدات عدة متسارعة النسق مضطربة ومتخبطة المسار.

 إنه إشكال التجديد، أمام ما يشهد به العالم اليوم من مظاهرَ للعنف والاحتراب الذي يستدعي منا جميعا ضرورة العودةَ إلى الذّات لمراجعتها ونقدها في أسسها وثوابتها الداخليّة، والوقوف على مواضع الخلّل فيها لتقويمها وتصحيحها ومعالجتها، ثم الارتكاز إلى قيّم جديدة تستبعد بعض مظاهر الكراهيّة والشرور النفسيّة المتفشية بين الجماعات الإنسانيّة وبين الأمم والشعوب، لتنفتح على قيّم أخرى إنسانيّة والدينيّة كونيّة. وإنّ هذا الغرض والغاية لبلوغها ونيل شرف مرتبتها وقطف طيب ثمارها قد يتطلب منا وجميعا على حد سواء الغوص في أعماق فكرنا وعقيدتنا بحثًا عن الجذور المشكلة بيننا كإنسان.

 إذ لم يعد أمام الشعوب الإسلاميّة خيارٌ للحدِّ من هذه العدوانيّة، عدوانية ثقافة الموت والاحتراب والعداء والإقصاء المتفشيّة في كلِّ مكان في الأمصار العربيّة الإسلاميّة سوى خيار وحيد هو تبنِّي قيّم التسامح والعفو والتصالح والمغفرة والرحمّة والأخوّة والسلام، فعمق الحاجة إلية اليوم مع تصاعد وتيرة العنف والإرهاب أصبح مطلبا ملحا لتأخذ فيما بعد وبصفة تدريجيّة أشكال الدعوة إلية صورا مختلفة من التساوق وحوار الحضارات والثقافات وتواصل الأديان "لنزع فتيل التوتر وتحويل نقاط الخلاف إلى مساحة للحوار والتفاهم، بدل الاقتتال والتناحر. وهو عمل صعب يستدعي جهودًا يتضافر فيها الخطابُ الإعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي، ويتطلب تعاوُنَ الفرد مع المجتمع، والشعب مع القانون، والدولة مع الدستور.

 إنه عمل جذري يستهدف البُنى الفكرية والعقائديّة والثوابت والأعراف للمجتمع، لإعادة صياغتها صياغة عقليّة تضع أمامها الأولويات والوعي، وتقديم فهم عصريٍّ للدين والرسالة والهدف الأسمى تحقيقه، دونما أن تتجاهل الجانب النقدي المهم والبناء للمفاهيم والقيم والسلوك البشري، لرسم مستقبل أفضل ونوعي لفرد جديد والشعب متكافل مترابط الأوصال والوطن مزدهر ينعم بالسلام. قراءة متفهمّة للتراث ومستوعبة لأدق تفاصيل التاريخ، وعودة إلى القرآن والعقل، لتحقيق فهم آخر للحياة والعمل الإنساني

فالتسامح ليس نسقا فكريا مجتمعي بل هو نسق فكري وثقافي وعقيدي. فالتسامح ليس مجرد مفهوم يراد استنباته ضمن النسق القيّمي للمجتمع وإنما هو نسق ثقافي وعقيدي مغاير له أليته في العمل وأسلوبه في التأثير ومنهجه في التفكير وطريقته في الاشتغال فلا يمكن سيادة قيّم التسامح ما لم تكتمل جميع مقدماته.[6]

بالتركيز على الدين الإسلامي كمرجع في صياغة انساق التسامح محاولة لاستنطاق النّص المؤسس والنصوص الحواف في جهودها التفسيريّة مع مراعات المرحليّة التاريخية والظروف الحافة بها عبر التاريخ. كما أراد من خلاله ماجد الغرباوي أن يسافر عبر حقبات التاريخ مع النصّ والتفاسير التي تعاقبت عليه بنوعيها الحرفيّة منها والتجديديّة العقليّة من أجل التوّصل إلى منظومة مفاهيميّة يمكن توظيفها في صياغة النسق الفكري والعقيدي للتسامح الإنساني على إختلاف أجناسه وأطيافه المكوّنة له. فالتسامح لا يمكن أن يكون إلا قيمة دينيّة قبل أن يكون قيمة أو سمّة إنسانيّة.

 الدراسة ركز صاحبها فيها على أهم أسباب وأشكال التعصّب ومنابع اللاتسامح العقدي والسياسي والطائفي والقبلي في المجتمع وقد اعتمد العراق كنموذج للتعدد القومي والديني والمذهبي والطائفي والعِرْقِيّ. محاولة أو أملا في البحث عن صيغ جديدة وأطر جديدة للتعايش المجتمعي تستوعب تلك التناقضات وهذا التنّوع.

 إننا اليوم أمام إشكال كيف ننقي هذه القيمة الدينيّة من الشوائب الثقافيّة التي فرضتها التراكمات من المواقف الشخصيّة أحيانا عبر التاريخ من اجتهادات شخصيّة وحماية لمصالح استبداديّة سياسيّة التي تحولت مع مرور الزمن إلى أنساق عقائدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم في سلوكات الأفراد والجماعات.

لابد لنا اليوم من التركيز أساسا على أهمية دور المراجعة وإعادة قراءة تراثنا ومعارفنا لإكتشاف مراكز القوة ومواطن الضعف والخوّر بعيدا عن القراءات الأحادية للنّص المؤسس والحذر من القراءات التي تنادي بالوسطيّة ظاهرا والتعصب باطنا والمتجذرة في العقل الفقهي أساسا فهل يمكن للعقل الفقهي أن يكون وسطيا موضوعيا بالشكل السوي للمفهوم؟

"على هذا فإن الوسطيّة التي يدّعيها بعض فقهاء العصر كالقرضاوي لا صلّة لها بمفهوم التسامح والاعتدال المتداول في الحقل الدلالي لأدبيات عصرنا الراهن والحديث فكريا وثقافيا وسياسيا بل هي "وسطية" الوقوف في الوسط بين الاعتدال والتطرّف أي النوسان بينهما وفق المصلحة التكتيكية و(الأهواء والمصالح السياسيّة)، مصلحة اللّحظة الراهنة والموقع فيتخطّر بين الضفتين فإذا كان وضع الحركة الإسلاميّة لا يسمح باستخدام سيف العنف فإنه يلجأ إلى استخدام سيف التسامح وهو في كلتا الحالتين لا يتجاوز "حدّ مفهوم السيف" فكلاهما غزو في الخطاب الفقهي العنف والتسامح أو الحب والسيف بحسب حسن البنا، فإذا كان الوضع يتطلّب التسامح فإن الأمر في غاية البساطة إذ ما علينا سوى أن ننبش في كيس التراث حتى نستحضر ما تيسر لنا من محفوظات مناسبة لحالة التسامح. ففي السنّة النبويّة يواجهونك مباشرة بذلك الأعرابي الذي بال في المسجد وهمّ به أصحاب النبيّ ليمنعوه فأمرهم أن لا يقطعوا عليه بولته وأن يصبوا عليه ذنوبا من ماء قائلا: "إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسرين."

 تواجهك هذه الواقعة عشرات المرات في كتب القرضاوي (خطابنا الإسلامي في عصر العولمة ص 143) وآلاف المرات في كتب الفقه (ككلمات في الوسطية الإسلاميّة ومعالمها وكتابه الإسلام والعنف، نظرات تأصيليّة) التي تنقل عن بعضها لبعض حتى يكاد أن يكون هذا الأعرابي أشهر "بوّال" في التاريخ."[7] وكأن بهذه الحادثة قد مثلت أفضل أنواع التسامح وأشرفها في التاريخ الإسلامي. أمام هذه المغالطات لابد لنا اليوم من أن نعي جيد أنّ علم الأصول يستدعي الانطلاق من القرآن نحو السنة وليس العكس لتقديم وعي جديد للحقيقة الدينية وللأسس الأخلاقيّة الإسلامية.

 afaf2

3. أسس التسامح وأثرها في التعايش الإنساني:

التسامح سلم من الدرجات المتنوعة يبدأ من الديني ثم السياسي ليتشكل في مظهر اجتماعي بين الأفراد والمجموعات والأمم التي تحترم حقوق المواطنة وتضمن سيادة القانون والإعتراف بالتعددية المرجعيّة من أجل إعادة تشكيل قيم التفاضل بينها إن وجد خلل فيها حسبما تقتضيه الحاجة الإنسانيّة لمبدأ التعايش في الوجود، ولأن الوعي بسياسة العنف التي هي سبيل لخلق اللاتسامح والتعصّب القبلي أو السياسي في المجتمع ليكون العنف كعقل وخطاب وثقافة داخل مجتمع ما.

 لهذا قدّم الغرباوي طرحا جديدا للمسألة يقوم على ضرورة التحوّل في مفاهيم القيّم وطرح التفكير كبديل للتكفير، بوضع استفهامات ضرورية لتجاوز هذه الأحداث والظواهر التي فتكت بالمجتمعات الإنسانيّة. هو سؤال كيف نجتث ثقافة العنف؟ تكون بعدة أشكال منها: الولاء للوطن بمعنى الاخلاص الشامل. أما سؤال كيف يعاد تشكيل العقل الإنساني بشكل يرفض فيه العنف فإن جوابه يتطلب الحاجة إلى "منظومة قيميّة تحلّ محلّ النسق القيّمي القديم السائد". الذي ولّد خطر أن يتحول العنف إلى منهج في تفسير التاريخ وقراءة الأحداث وبذلك يتحوّل إلى عامل ضروري وأساسي في صناعة التاريخ وأسلوبا فريدا في حل الأزمات و تسوية الخلافات. وإنّ واجب المثقف النوعي وعلماء الأمة الأكفاء اليوم أن يولوا وجوههم تجاه البحث عن أصول العلاقات التي ترتبط الظواهر التاريخيّة للعنف بالتسامح وتجديد القراءات وتفسيرات لقيم الدين التي تشرع ممارسة العنف ضد الآخر.

لقد كشفت رؤية الغرباوي النقدية حجم المعاناة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية. مما استوجب في نظره تقديم قراءة متأنيّة وجذريّة لأسس التسامح السائدة في واقعنا العربي المتورّم .. قراءة مبنية متماسكة الجوانب تقوم على دراسة شاملة لتشكل قفزة نوعيّة في محاولة منه لإخراج المجتمع العربي الإسلامي من أزماته ونكباته المُتراكمة المتتاليّة. وهذه الموقف ليس بالجديد عليه إذ دعا في بحوثه ولقاءاته الصحفية المنشورة في المواقع والصحف الإلكترونية وبصفة خاصة كتابه الذي نتناوله بالشرح والتعليق في بعض مسائله إلى ضرورة فهم الظواهر التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأنساق الفكريّة المتأزمة ومربكة لإستقرار اللأرضيّة العربيّة، كاشفا من خلاله محاولاته لتفسيرها والوقوف على أهم أسبابها وظروف تشكلها في الواقع والتراث محاولا قدر المستطاع تبيّن موطن الداء وخلق الترياق المناسب لمعالجتها معالجة شاملة بوسائل ومناهج قانونيّة دستوريّة شرعيّة بالمعنى السياسي لا بالمعنى الفقهي الشرعي وبما يتلائم مع الأعراف الاجتماعيّة العامّة والخاصة، التي لا تتعارض وسماحة قيّم الإسلام، لايجاد حلول لمشكلات حياة الإنسان والمجتمع العربي وانتشاله من سقط الواقع المتأزم الذي يعيشه.

كما دعا أيضا إلى ضرورة الإستفادة من التجارب البشريّة المتنوّعة عبر التاريخ، وتحري الموضوعيّة والمصداقيّة في البحث عن وسائط وأنساق جديدة بديلة ترفع من مستواه السلوكي في مستوى الكم والنوع، وهو ما سيساعد على تطوّر فكره الاجتماعي وتنمي شعوره الديني والمذهبي نحو أفق أشمل وأوسع هو أفق الكونيّة الأرحب لتزيد من نسب التعايش كأفراد مختلفين في مجتمع ورقعة جغرافية واحدة كان التاريخ عاملا في استمرارية تلك الوحدة التي يتوق اللإنسان إلى أن تكون أكثر صلابة واصرارا على اعتناقها وكسب ملكيتها. من خلال بلورة حديثة لتلك الأسس الرخوة وإعادة بنائها بانسجام وحذر لتساهم في خلق مجتمع أكثر تناغم وتعايش، يحتقر ماضيه في زواياه المظلمة ويداوي جراحه بعقاقير ملائمة لأورام زمانه ويلملم شتاته بهمَّة وعقلانيّة، ليتطلع بثبات نحو مستقبل أفضل وإنهاء موجبات العنف والاقصاء والهيمنة والقوّة المباشرة وغير المباشرة. لخلق تصوّر صحيح عن أسباب القريبة والبعيدة لظاهرة اللاتسامح.

 "فما يعيشه العالم العربي من انفجار لهوياته الفرعيّة وتشظيه بعناوين طائفية ومذهبية وقبلية وجهوية، هو نتاج طبيعي لبعض الخيارات السياسية والاجتماعية التي سادت في العالم العربي، وعملت عبر وسائل قهرية لتغييب حقيقة التعدديّة الموجودة في المنطقة العربيّة..."[8] "فالذي يفجر الكنائس في العراق أو مصر أو أي بلد عربي آخر، ليس هو الأجنبي، وإنما هو التيار العنفي – التكفيري الذي بدأ بالبروز في العالم العربي" وإن اختلفت حقيقة الأيادي التي تقف وراءه وتحركه نحو أهدافها العدوانيّة المرضيّة."[9] رغم أنّ البحث في الأسس الأولى للمناهج الثقافية والدينية التي خلقت هذه الظاهرة "الهجينة" وأقول هجينة لأنها لا ترتبط بأسس دينيّة عقيديّة صحيحة بل هي وليدة تفسيرات وتحليلات دينيّة تاريخيّة تساير السياسات التي كفلت مشروعيتها التي عملت في مشروعها على تغييب واقصاء ثنائية : "نحن وهم"

حقيقة لا مناص منها أنّ واقع المجتمعات العربيّة اليوم لا زال مفتقرا إلى المعرفة الدقيقة والواقعيّة لمصطلح أو مفردة التسامح رغم أنّها دُشِّنَت في مطلع هذا القرن في السجال الذي حصل بين فرح أنطون ومحمدعبده، في المعارك الفكريّة والسياسيّة التي تطالب اليوم وأكثر من أي وقت مضى بفتح باب الاجتهاد، في مجال دراسة الموروث الديني والثقافي، فهل نستطيع القول اليوم إنّ هذه المعركة التي لابد منها لم تعد قابلة للتأجيل أو التأخير أو محاولات الطمس والتغييب على العقل العربي؟ مع أنّ معطيات متعددة في الواقع العربي الراهن تقتضي منّا بلورة اجتهادات جديدة تمكِّننا من إعادة استثمار الدلالة الجامدة والسطحيّة السابقة بدلالة رمزيّة ومفتوحة للمفهوم؟

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يوجد في عالمنا تسامح لننظّم له ملتقانا الفكري أم أنّ غيابه اليوم يدعونا لتنظيم ندوات علميّة للتذكير بجوهر مبادئه في بعض السطور المكتوبة لتلقى في ندواتنا ومؤتمراتنا وملتقياتنا وتنسى أو تنتهي بانتهائها أم أنّ الوعي بخطورة الوضع العالمي اليوم تحتم علينا ضرورة مراجعة ذواتنا ومعاملاتنا تجاه أنفسنا وتجاه الأخر في نطاق مبادئنا الصحيحة التي وضعها لنا الإسلام الأول وأقصد بمصطلح الإسلام الأول الإسلام الذي دعا إليه سيد الخلق سيدنا محمّد صلّ الله عليه وسلّم وليس إسلام التأويلات والقراءات الذي تعيشه بعض الفئات المتطرفة دينيا في العراق وسوريا وليبيا والتي أحدثت في الأرض فسادا عميقا نسأل الله السلامة من شرّ ما يحدثون.

التسامح ومنابع اللاتسامح، الضد النوعي للاستبداد، تحديات العنف، وغيرها، بحوث جلها إنبثقت ضمن مشروع وهدف أعمق وأبعد هناك تخطيط واضح في الأفق تلحقه محاولات للتأسيس، هناك هدف أكبر وأسمى من المفكر العراقي ماجد الغرباوي وسعي حثيث وملموس لمشروع ثقافيّ حضاريّ مؤسس. أي أن هناك شيئا لا يستطيع القارئ معرفة ماهيته تحديداً، أكثر من كونه حتى يأخذ مكانه التربوي في الساحة الإجتماعية والوطنيّة ودوره الطبيعي في مجالس العلم وساحات الفكر والمعرفة ليساهم من قريب أو بعيد إن قليلا أو كثيرا في خلق تطوّر ثقافي جديد جميع المجالات الوطنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة.

يتبع القسم الثاني

 afaf5

husny ibrahimabduladimيتردد بين الناس في عالمنا العربي دائما مقولة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، ودائما ما ترد هذه العبارة في سياق التقليل من شأن المرأة والحط من قيمتها الإنسانية، وإثبات تبعيتها للرجل وخضوعها له، باعتبارها قد خلقت من جزء منه، وللأسف الشديد فإن ترديد هذه المقولة لا يقتصر فقط على عوام الناس، وإنما يرددها بلا تمحيص كثير من أعضاء النخبة المثقفة.

ويظن كثير من الناس أن الإسلام هو من أسس لهذه الفكرة وروج لها، ولكن الحقيقة التي يجب أن توضح في هذا السياق هي أن الإسلام - ممثلا في قرآنه الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحة – لم ينص مطلقا على أن المرأة خلقت من ضلع آدم - سواء أكان هذا الضلع أعوجا أم مستقيما - بل أنه يؤكد على أن المرأة قد خلقت بشكل مستقل مثل آدم تماما، وفي هذا تكريم للمرأة وإعلاء من شأنها، وحرص على استقلال شخصيتها، وهذا ما سنوضحه بالتفصيل بعد قليل.

والواقع أن البحث المدقق لهذه القضية يكشف عن أن فكرة خلق حواء من ضلع آدم عليهما السلام لها جذورا عميقة في ميثولوجيا الفكر الإنساني تمتد لآلاف السنين قبل ظهور الإسلام، ثم انتقلت الفكرة بعد ذلك للعهد القديم في الكتاب المقدس، إذ يعتقد كثير من الباحثين – ومن أبرزهم عالم الآثار الكبير صمويل نوح كريمر في كتابيه من ألواح سومر والأساطير السومرية - أن أصل فكرة خلق حواء من ضلع من آدم أو من أحد أجزائه يعود إلى ميثولوجيا بعض الحضارات الشرقية القديمة، ففي إحدى أساطير السومريين، وهي من أقدم الأساطير المدونة التي وصلتنا، يذكر بأن المرأة قد خلقت من ضلع الرجل، حيث تحكي الأسطورة أن الإبن الإلهي (آنكي) أبو البشر أصيب بمرض شديد فى أحد اضلاعه كاد يقضى عليه، فأسرعت الإلهة الأم (نن هورساج) NIN HURSAG وخلقت له إلهة أنثى من ذلك الضلع بإسم (نن تي Nin Ti) مهمتها علاجه وتمريضه، واسم الإلهة (نن تي) مكون من مقطعين نن بمعنى سيدة أو ربة و(تي) بمعنى الضلع فيكون اسمها سيدة الضلع، وهي التى احيت آنكي بعدما اشرف على الموت.

وثمة اعتقاد في الديانات الهندية القديمة – الفيدية والبراهمية والبوذية – أقرب لتلك الفكرة وهو أن المبدع الإلهي حين خلق المرأة خلقها من قصاصات وجذاذات المواد الصلبة التي زادت لديه بعد عملية خلق الرجل. وأوجبت تلك الديانات - استنادا لذلك التصور - على الزوجة أن تخدم سيدها (زوجها) كما لو كان إلها.

ويبدو - كما يرى كثير من الباحثين - أن اليهود الذين عاشوا فترة من الزمن في بابل هي سنوات الأسر البابلي قد اقتبسوا تلك الفكرة من السومريين، وهم أصحاب الحضارة السابقة على البابليين، وأدخلوا عليها بعض التعديلات التي تلائم معتقداتهم، ثم سطروها في كتابهم المقدس، فقد ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين ما يلي: فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه و ملأ مكانها لحما، و بنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت.(سفر التكوين: الإصحاح الثاني 21-23)

يوضح النص السابق بوضوح شديد وبتفصيل بين لا لبس فيه فكرة خلق المرأة من أحد أضلاع آدم، واللافت في النص أنه يؤكد أن الرب قد وضع مكان ضلع آدم لحما وهو ما يعني من الناحية التشريحية أن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة بضلع واحد، بيد أن علم التشريح الحديث ينفي تلك الفكرة نفيا مطلقا. حيث أن عدد أضلاع الرجل يساوي تماما عدد أضلاع المرأة وهي إثنا عشر ضلعا في كل جانب.

وشبيه بهذا الخطأ الوارد في العهد القديم الخطأ – أو بالأحرى الأخطاء- التي وقع فيها أرسطو عندما قال إن عدد أضلاع الرجل أقل من عدد أضلاع المرأة، حيث ظن أن للرجل ثمانية أضلاع فقط في كل جهة، وأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل، وأن مخ الرجل أكثر تعقيدا من مخ المرأة، وظلت تلك الأخطاء سائدة لفترة طويلة؛ نظرا لدرجة القداسة التي بلغتها أفكار أرسطو واعتماد الكنيسة الكاثوليكية لهذه الأفكار، واعتبار أن من يأتي بكلام يخالف ما ذهب إليه أرسطو يعد مهرطقا وخارجا على العقيدة الكاثوليكية.

والحقيقة أن فكرة خلق المرأة من ضلع آدم قد تسربت للفكر الإسلامي من ذلك المصدر التوراتي، حيث دخل العديد من الأفكار التوراتية – سواء أكانت بشكل مقصود أم غير مقصود – لهذا الفكر منذ القرون الأولى لظهور الإسلام، ويطلق المفكرون المسلمون على هذه الظاهرة مصطلح (الإسرائيليات). ونتيجة لمرور فترات طويلة دون نقد وتمحيص للتراث الإسلامي، خاصة في مراحل تدهور الحضارة الإسلامية، ترسخت تلك الفكرة في التراث، واعتبرها الكثيرون جزءا من الفكر الإسلامي، ومن ثم قبل كثير من العلماء القدامى - من المؤرخين والمفسرين - تلك الفكرة وبنوا عليها العديد من النتائح التي أسهمت في تدني النظرة للمرأة واقصائها عن العديد من الفضاءات الاجتماعية والفكرية، بل وأعطت فرصة ذهبية للمتربصين بالإسلام - وهم كُثيرون - للهجوم عليه واتهامة بالتحيز ضد المرأة وقهرها والنيل من استقلال شخصيتها.

وإذا نظرنا للقرآن الكريم – باعتباره المصدر الرئيسي للتشريع في الإسلام - نجد أنه لم يشر مطلقا إلى فكرة أن المرأة خلقت من أحد أضلاع آدم، فيقول الله تعالى في بداية سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ويقول أيضا في سورة الأعراف 189 ﴿ ُهوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فهاتان الآيتان الكريمتان لم تشيرا على الإطلاق إلى لفظ الضلع، ولذلك فقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بقوله تعالى (خلق منها زوجها) و(جعل منها زوجها) أي من جنسها أو نوعها وهو النوع الإنساني.

من أهم المفسرين القدامى الذين ذهبوا هذا المذهب، ابن بحر، وأبو مسلم الأصفهاني، ويقدمان عدة حجج وبراهين على أن حواء خلقت من جنس آدم لا من جسده:

أ‌- أن معنى (منها) في آية النساء، أي من جنسها، وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: 72].

ب‌- أن الله تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداءً، فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزءٍ من أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظمٍ واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء؟ فأي فائدة في خلقها من ضلعه؟

ج ‌- ومما يُحتجُّ به لهذا القول هو إنّ الإشارة إلى الشيء قد تكون بحسب نوعه، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به " وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع، والمراد في الآية: أنه خَلَق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله.

ويذهب العديد من العلماء المعاصرين إلى رفض فكرة خلق المرأة من ضلع آدم، يقول الشيخ رشيد رضا صاحب المنار في تفسير آية الأعراف " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" أي: خلقكم من جنس واحد أو حقيقة واحدة ، صورها بشرا سويا وجعل منها زوجها ليسكن إليها سكونا زوجيا، أي: جعل لها زوجا من جنسها فكانا زوجين ذكرا وأنثى كما قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، كما أنه خلق من كل جنس وكل نوع من الأحياء زوجين اثنين ، قال عز وجل : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون، وإننا نشاهد أن كل خلية من الخلايا التي ينمى بها الجسم الحي تنطوي على نويتين ذكر وأنثى ، يقترنان فيولد بينهما خلية أخرى ، وهلم جرا.

ويرى الشيخ رشيد رضا أن الآية تدل على أن آدم كان له زوج (أي امرأة) ، وليس ما في القرآن مثل ما في التوراة من أن الله تعالى ألقى على آدم سباتاً انتزع في أثنائه ضلعاً من اضلاعه فخلق له منه حواء ، وأنها سميت (امرأة) لأنها من (امرئ) أخذت !! وما روي في هذا المعنى فهو مأخوذ من الاسرائليات.

ولا يتردد الأستاذ الشهيد سيد قطب مع حرصه الشديد على التزام المنهج السلفي في تفسيره، بالتأكيد على نفس الاتجاه في هذه القضية، يقول: كل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلع آدم مشوبة بالاسرائيليات، ولا نملك أن نعتمد عليها ! والذي يمكن الجزم به فحسب أن الله تعالى خلق له زوجاً من جنسه فصارا زوجين اثنين، والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية : "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون".هي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة، وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم .

بل الأكثر من ذلك والأجدر بالملاحظة أن بعض كبار العلماء اعتبر أن النفس الواحدة هي حواء وليست آدم، فالإمام محمد عبده يرى أن النص القرآني لاينفي أن تكون النفس الواحدة هي حواء وليس آدم، إذ يقول: وإن في النفس الواحدة وجها آخر وهي أنها الأنثى، ولذلك أنثها حيث وردت وذكر زوجها الذي خلق منها في سورة الأعراف فقال ليسكن إليها. وعليه يظهر افتتاح السورة بها ووجه تسميتها بالنساء أكثر.

لقد كان الشيخ محمد عبده يجتهد من أجل تحرير النص القرآني حول مسألة أصل الجنس البشري من التراث الأسطوري والديني الذي سبق الإسلام، والذي كان له تأثيره الواضح على كثير من رجال الفكر الإسلامي في فهمهم للنص القرآني، ولم ينته الأستاذ الإمام في تفسير النفس الواحدة التي أشار إليها النص القرآني إلا لدحض كل تأويل ثبوتي للنص فاتحا بذلك مجالا واسعا من حرية البحث والتفكي أمام العقل والتطور العلمي على النحو الذي لا يوقع المتدين في الحرج والجمود.

الخلاصة مما سبق أن القرآن الكريم لم ينص صراحة على خلق المرأة من ضلع آدم، وما ذهب إليه بعض علمائنا الأوائل في هذا الشأن، إنما جاء نتيجة دخول بعض الأفكار التوراتية للتراث الإسلامي، وقد صحح العديد من العلماء القدامى والمحدثين هذه الفكرة وأكدوا أن القرآن الكريم يشير إلى خلق المرأة من نفس جنس الرجل، وبالتالي فهي لها من المكانة والتقدير مثل ما للرجل تماما.

أما الأحاديث النبوية التي أشارت إلى خلق المرأة من ضلع أعوج، ففيها كلام كثير، فقد أثبت العديد من المحدثين ضعف أسانيد بعضها، فنجد أن إمام المحدثين المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني(1914 – 1999) يؤكد في سلسة الأحاديث الضعيفة أن هناك الكثير من الأحاديث الضعيفة المتعلقة بخلق حواء من ضلع آدم، حيث يذكر على سبيل المثال في المجلد الثالث عشر من تلك السلسلة الحديث رقم 6499 ونصه إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم عليه السلام مسح ظهره فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة وانتزع ضلعا من أضلاعه فخلق منه حواء على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، ووصفه بأنه منكر جدا. وعلق الشيخ الألباني على فكرة خلق حواء من ضلع آدم قائلا الراجح عندي أنه استعارة وتشبيه لا حقيقة، وذلك لأمرين:الأول أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم.

والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ : "إن المرأة كالضلع، وهذا ماسنتناوله بالشرح الآن.

   ففيما يتعلق بالأحاديث التي ثبتت صحتها في البخاري ومسلم وورد فيها لفظ الضلع، فقد فسر العلماء تلك الأحاديث على أنها تتحدث عن الضلع مجازا وليس حقيقة، فالحديث الأول الذي ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة كالضلع، إذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها وفيها عوج.

إن النظرة الفاحصة لهذا الحديث تكشف الملاحظات التالية:

- أنه قد جاء في سياق الوصية بالنساء، فهو لايتناول قضية خلق المرأة.

- أنه لم يقل ضلع آدم، وإنما قال الضلع، والضلع في اللغة هو كل منحنى ويتسم دائما بالضعف والرقة.

- أن الحديث يشَبّه المرأة بالضلع، ولم يقل أنها خلقت منه، ومن سمات الضلع هشاشته وضعفه، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه المرأة في ضعفها ورقتها بالضلع، وفي ذلك توجيه للرجال بحسن معاملتها وعدم القسوة عليها، فالقسوة تؤدي لانكسارها، تماما مثلما تؤدي الشدة إللى كسر الضلع. وقد جرت عادة العرب في التمثيل وتقريب المعاني المجردة على صياغتها في صور حسية.

أما الحديث الثاني فقد ورد في الصحيحين أيضا وجاء فيه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته(وفي رواية مسلم وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها) وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا.

والحقيقة أن المتأمل في هذا الحديث - والحديث الذي سبقه أيضا - لا يجد فيهما ما يستدل به من قريب أو بعيد على تأييد ما ورد في العهد القديم من أن حواء خلقت من ضلع آدم، بل كل ما تضمنته توجيهات تربوية للرجال في التعامل مع النساء بالرفق والمودة بعيدا عن العنف والعجرفة، مما يستبعد معه أن يكون موضوع الحديث هو المسألة العضوية أو التشريحية بقدر ما هو حديث عن سيكولوجية المرأة، وتوجيه نبوي كريم إلى ضرورة الرفق في التعامل معها وتجنب الشدة حيالها، ومصداق ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر عن النساء أنه ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم. وقوله في حجة الوداع أوصيكم بالنساء خيرا، إن موضوع تلك الأحاديث هو توجيهات نبوية في المجال الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وليست محاضرات في العلوم الطبيعية والبيولوجية.

وتأكيدا لذلك يرى الشيخ راشد الغنوشي أن عبارة خلقت من ضلع التي وردت في الأحاديث الصحيحة ينبغي فهمها على سبيل المجاز مثل قوله تعالى خلق الإنسان من عجل، إي أن الإنسان من طبعه الاستعجال في الأمور، وغاية الحديث هو الأمر بمعاملة النساء بالحسنى والنهي عن معاملتهن بالشدة.

إن سياق أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تشجيع الرجال على حُسن معاملة النساء ويضرب لهم مثلاً بطبيعة المرأة لا بمادة خلقها، بمعنى أنها رقيقة الخلقة لا تتحمل قسوة المعاملة وشدتها، وإنما يجب أن تعامل برقة ولطف. فلم يكن موضوع الحديث هو المادة التي خلقت منها حواء، وإنما الغرض هو التوصية بمعاملتها برفق ولين نظرا لطبيعتها الهشة الرقيقة التي تشبه الضلع الذي يكسر إذا تم التعامل معه بشدة.

وفي النهاية فثمة سؤال قد يطرح في هذا السياق ما المشكلة إذا كانت المرأة مخلوقة من ضلع آدم أم مخلوقة بشكل مستقل طالما أن الله تعالى هو من خلقها في كلتا الحالتين؟ الحقيقة أن ثمة نتائج خطيرة تترتب على كلا التأولين، ألمحنا إلى بعض منها في صدر المقال، عندما قلنا إنه دائما ما ترد هذه العبارة (خلقت المرأة من ضلع آدم) في سياق التقليل من شأن المرأة والحط من قيمتها الإنسانية، وإثبات تبعيتها للرجل وخضوعها له.

ويؤكد الغنوشي ذلك المعنى حيث يقول إن الإلحاح وبدون دليل حاسم على فكرة خلق المرأة من ضلع آدم يحمل في ثناياه – بشكل واع أو غيرواع – تكريس تبعية المرأة للرجل على الصعيد الاجتماعي، وانمحاء شخصيتها وذوبانه في شخصيته، وتكريس التمييز والتفاضل على أساس الجنس مما يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية. في حين ان التأويل الثاني فضلا عن أدلته اللغوية الرصينة، واتساقه مع جملة النصوص القرآنية والنبوية، هو تأصيل لمفهوم إسلامي وإنساني أساسي ناضلت الحركة النسوية المعاصرة طويلا من أجل إنجازه، وهو تحقيق استقلال شخصية المرأة وتحملها مسئولية وجودها ومصيرها كاملا. والقضاء على أول وأقدم اضطهاد للإنسان لأخيه الإنسان على أساس الفوارق الجسدية كخطوة أولى أساسية للقضاء على كل تمييز يقوم على أساس العرق والعنصرية، فيقوم على أساس المساواة والأخوة بدون أدنى تفاضل إلا على أساس العمل الصالح (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) وهو مقصد أساسي للشريعة الإسلامية، ولنضال الشعوب والطبقات المضطهدة منذ آلاف السنين.

الخلاصة إذن أن المرأة وفق التصور الإسلامي قد خلقت خلقا مستقلا مثل آدم تماما، ولم تخلق من ضلعه مطلقا، وبالتي فهي لاتقل عنه قيمة وتقديرا واعتبارا، واستنادا لهذا التصور فقد حرر الإسلام المرأة من كثير من التصورات والأفكار الخاطئة التي ارتبطت بها وجاءت من ميثولوجيا الحضارات والديانات السابقة.

 

...........................

لمزيد من المعلومات يمكن الرجوع لما يلي:

- حسني إبراهيم عبد العظيم، الجسد الأنثوي بين المعتقد الشعبي والمعتقد الديني، الحوار المتمدن، العدد 3614 بتاريخ21/1/2012.

- راشد الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين، المركز المغاربي للبحوث والترجمة، لندن،2000.

- سيد القمني، الأسطورة والتراث. المركز المصري لبحوث الحضارة، القاهرة، 1999.

- محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق،2000.

- محمد عبده ومحمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار المنار، القاهرة، 1947.

- محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة.

- وول ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة السادسة،1988.

- يونس عبد الرب فاضل الطلول، خلق حواء عليها السلام في ضوء النصوص الشرعية، موقع جامعة الإيمان.

 

إن الحداثة نمط عيش وعمل وتفكير، ظهرت بأوربا، تتميز بخصائص جعلت منها إله العصر. فقد تشكل المجتمع الحديث بفضل التقدم التكنولوجي والتصنيع، وبروز كثير من القيم كالديمقراطية والعلمنة والرأسمالية والعقلانية والفردية والكونية وغير ذلك. لكن أين هو الإنسان؟ أين هي حقوقه الروحية؟ أين هي القيم المؤطرة للعلاقات الإنسانية؟

 

1- القرآن مرجع الحوار ومنطلقه

إن الإنسان اليوم لا وقت لديه للتفكير في الدين والقضايا الدينية، فحياته كلها محاطة بالماديات، والهم الأكبر بالنسبة إليه هو أن يعيش أكثر. إنه، في نظر الإمام ياسين رحمه الله، لا جواب له عما سيصير إليه بعد الموت وأنه سيكافأ بعد وفاته عن حياته هاته أو سيعاقب. إنه لا يدري أن هناك رسلا أرسلهم الله لتنبيهه وتوجيهه وليستعد لما بعد الموت... هذه هي القضايا المعلقة عند الحداثة، وهي التي ينبغي أن تكون محل حوار وسؤال في نظر الإمام رحمه الله.

إن الجواب عن هذه الأسئلة يوجد في القرآن وحده. لكن، لماذا يعتبر المرجع الوحيد للإجابة؟

للإجابة عن هذا السؤال يحدد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للقرآن ثلاث صفات أساسية:

 

- القرآن فرقان

ويعني هذا أن الفيصل بين إيمان الناس وكفرهم هو موقفهم من القرآن، وبه يفرق بين الحق والباطل، ومن لا يدخل تحت راية القرآن فهو تابع للباطل، وليس للحق. وإن كون القرآن فرقانا يعني أن يسود سيادة مطلقة. وقد استنتج هذه المعاني من قوله تعالى: ﴿تَبَارَ‌كَالَّذِي نَزَّلَ الْفُرْ‌قَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرً‌ا﴾ (الفرقان: 1).

وهذا التوصيف نجد له سندا في آراء المفسرين، القدامى منهم والمحدثين، كما عند ابن كثير رحمه الله، الذي وضح معنى الفرقان كونه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام.

 

- القرآن برهان

ومعنى كون القرآن برهانا "أن نحكم بكلام الله الأزلي على عقل البشر المخلوق العبد الخاضع لتطورات الزمان والمكان. معناه أن يجلس العقل مجلس التلميذ يستهدي الوحي ويستنير به. ومعنى كونه نورا مبينا، أن كلام الله هو المرجع، به يبرهن على الهدى والضلالة، على الصلاح والفساد، على إصابة العقل وخطئه، على سلامة الفهم وعلته"[1].

إن وصف القرآن بالبرهان تدل عليه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْ‌هَانٌ مِّن رَّ‌بِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورً‌ا مُّبِينًا﴾(النساء: 174).

وينتقد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله دعوة الحداثيين إلى قراءة جديدة للقرآن الكريم بمناهج بشرية حديثة، فيخلص إلى أنهم ينزلون بالقرآن من مستوى ربانيته وقداسته إلى مستوى التفكير البشري، والرد على هؤلاء إنما يكون بالقرآن نفسه، لأنه هو البرهان على الخطأ والضلال.

 

- القرآن إحسان

يعني كون القرآن إحسانا "الاهتداء بالقرآن والاسترحام به والاستدلالبآياته الحكيمة وآيات الله في الكون لا يحق لنا منه نصيب إلا بمقدار مامعنا من إحسان. أي من تعلق بالله جل جلاله واستماع لكلامه مستحضرين منيخاطبنا وما يريد منا وما يريد بنا وإلى أي مصير يصيرنا. وبهذا يكون محورحياتنا هذا الموقف الإحساني، وتكون قبلتَنا الله جلت عظمته..."[2]. وهذا ما يُستنتج من قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِهُدًى وَرَ‌حْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان: 2-3).

 

2- أسلمة الحداثة غاية الحوار

ربما كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أول من استعمل عبارة "أسلمة الحداثة" في السبعينيات، وبعده انتشرت واستعملت من قبل آخرين. فماذا تعني؟

إن أسلمة الحداثة عند الإمام ياسين رحمه الله تعني أولا وقبل كل شيء تصحيح الفطرة التي انحرفت وشوهت بسبب المادية والجاهلية، هذه الفطرة التي عناها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (سورةالروم:30  ) كما عناها النبي  صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِه"[3].

لكن، للأسف، فالحداثة مؤسسة على العقلانية والإنسانوية والمسلمة الدوابية، وبالتالي صار الإنسان الحديث واثقا كل الثقة في قدرة العقل على الحكم والقيادة. إنه يعتقد في نفسه فقط، ولا يؤمن إلا بنفسه وبما هو مادي تجريبي، ونتيجة لذلك، فهو لا يعرف من خلقه، بل تقنعه المسلمة الدوابية أنه خلق بالصدفة.

إن قضية تشويه الفطرة شكلت هدفا أساسيا لحوار الحداثة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. والفطرة "كلمة قرآنية تدل على الأرضية النفسية للكائن البشري. هذه الفطرة، هذه الأنا الباطنية والطبيعة الأولية القبلية الكامنة في أعماق كل واحد منا، هي موطن الإيمان والثقة بالله. لكن إذا ما شوهها المحيط العائلي والبيئة الثقافية فلن تستعيد عافيتها إلا بالمبادرة الحانية لعمار المسجد"[4].

وتصحيح الفطرة يعني أن نبين للإنسان الحديث الطريقَ إلى الله خالقِه، ونقول له إن هناك حياة بعد الموت حيث سيجازى الجميع. وللقيام بهذا فقد دلنا الله تعالى على منهاج يقودنا إلى المقصدين الأعظمين: العدل والإحسان اللذين نجدهما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).

 

- العدل

وهو إعطاء الحق لصاحبه.. وهو ضد الجور. وقد بينت مجموعة من الآيات أقسام العدل وفصلت مجالاته... وهو من أهم وظائف النبوة التي يمثلها قول الله عز وجل ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ( الشورى:15)، فهذه الآية تمثل أساس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو إقامة العدل بين الناس في شتى المجالات لما كانوا يعيشونه من ظلم وفساد. وجميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إنما جاءت لأجل تحقيق العدل.

  

- الإحسان

والإحسان هو الإتقان. ويشمل كذلك مجالات مختلفة، غير أننا نستطيع أن نحدد أعلى هذه المجالات وأصلها الذي عنه تتفرع المجالات الأخرى في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان في الحديث: ''الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". وأدنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ أن امرأة بغيا رأت كلبا يلهث من العطش يأكل الثرى، فنزعت خفها وأدلته في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها .

هذه المعاني والمراتب تعطينا في مجموعها مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس، وحتى بالأشياء…

وعندما يسود الإحسان، فإن ذلك ضمان للمجتمع من مجموعة من الشرور والفتن، ذلك أن الإحسان، بما هو فضل وزيادة ومرتبة عليا في الدين والتقوى، معنى زائد على العدل، بل قد يحتويه.

  

3- التربية منهاج الحوار

يصف الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بالتربية بالحرفة فيقول: "حرفتنا التربية، هي وسيلتنا لتغيير الإنسان حتى يتبنى موقفا ونظرة وإرادة تتعالى على الظرفيات التاريخية، وتتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة التي تحيطنا بها سياسة المنزل الإقليمي الصغير، وذهنية الهوية التجزيئية"[5].

هذه التربية تبدأ من صحبة روحية؛ ذلك أن "الصحبة مفهوم مركزي في الإسلام ، والمسجد أمثل مكان للعثور على الصحبة المثلى"[6]. وهذه الصحبة يجمعها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الحجرات: 9).

إنهم جسم واحد جمعهم الإيمان؛ ذاك الإيمان الذي يعرفه الحديث الشريف "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ".وتبدو قيمة الإيمان الاجتماعية التواصلية في حديثه صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه"[7].

بالإضافة إلى الإيمان لا تتحقق التربية بدون علم، لأن العلم يحرس الإيمان ويحفظه. والعلم المطلوب أولا هو العلم بالله مصداقا لقوله تعال: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّـهُ ﴾ (محمد: 19). وهو أول حق ينبغي تلبيته للإنسان في زمن الحداثة. يقول الإمام رحمه الله: "أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه، أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور. لذلك يجب أولا على كل مسلم يعيش في مجتمع مسلم أن يدعم هذا الحق"[8]. وهذا ما تفتقده الحداثة حتى ضاع الإنسان.

على العقل أن يجالس القرآن والداعيَ ويتلمذ له و"يسمع". فالسماع بهذا المعنى القرآني "هو مصدر العلم. ثم يتسرب الإيمان للقلب، ويتسع القلب ليكون وعاء صالحا لاستيعاب القرآن ورسالة القرآن". وبهذا يرتفع العقلاني من حضيض الغفلة إلى نور القرآن وإحسانه.

وخلاصة القول: إن حوار الحداثة عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ليس حوارا سياسيا، وإن كان يتضمنه، وليس حوارا فكريا، وإن كان يتضمنه، ولكنه حوار عام شامل ينصب بالأساس حول الإنسان الذي ذهبت الفلسفات المعاصرة إلى القول إنه ضاع.

 

........................

[1]-عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة ص 19.

[2]- نفسه ص 25.

[3]- رواه مسلم.

[4]- عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة ص 203.

[5]- نفسه ص 325.

[6]- نفسه ص 241.

[7]- متفق عليه.

[8]- الإسلام والحداثة ص 238.

 

ezzeddine  anayaما المراد بلاهوت التحرير؟ بالأساس هو خطّ ديني مسيحي يستلهم رؤاه من جملة من الكتابات ذات منحى لاهوتي نضالي، تم تأليفها منذ العام 1971 من قِبل مجموعة من رجال الدين المسيحيين، على غرار غوستافو غوتيراز من البيرو، وروبيم آلفز وهوغو آسمان وكارلوس ميستر والأخوين ليوناردو وكلودوفيس بوف من البرازيل، وجون سوبرينو وإغناسيو إيلاكوريا من السلفادور، وسغوندو غاليليا ورونالدو مونز من الشيلي، وبابلو ريتشارد من كوستاريكا، وجوزي ميغيل بونينو وخوان كارلوس سكانوني من الأرجنتين، وإنريك دوسيل من المكسيك، وخوان لويس سغوندو من الأوروغواي، لِنورد أسماء العناصر الأكثر شهرة من بين رموز هذا التوجه.

ذلك ليس مصادفة أن تظهر هذه الحركة في أمريكا اللاتينية، في جنوب القارة التي تفشّى فيها التباين الاجتماعي بشكل صارخ، وأين توالت، منذ تفجر الثورة الكوبية سنة 1959، نضالات اجتماعية تطلعت إلى إرساء العدالة، دعمتها حركات ثورية بشكل متلاحق.

ولئن برزت اختلافات جمّة بين آراء مجمل هؤلاء اللاهوتيين، فإننا نجد، في سائر أعمالهم، العديد من المحاور الرئيسية التي شكلت أرضية مشتركة ومنطلقا جذريا نابعا من المعتقد التقليدي، كما أرسته الكنائس المسيحية، سواء منها الكاثوليكية أو البروتستانتية:

1- تقريع أخلاقي واجتماعي للرأسمالية باعتبارها نظام حيف وجور، وبوصفها شكلا من أشكال الخطيئة البنيوية.

2- توظيف أدوات التحليل الماركسية بقصد تفهم دواعي الفقر، والإحاطة بتناقضات الرأسمالية وبمختلف أشكال الصراع الطبقي.

3- خيار موالاة الفقراء ومناصرة نضالاتهم في التحرر الاجتماعي الذاتي، والسعي الجاد من أجل إرساء العدالة الاجتماعية.

4- العمل على النهوض بالشرائح المسيحية المعدمة في أوساط الفقراء، كشكل جديد من جمهور الكنيسة، والبحث عن نمط بديل لحياة الفردانية التي أملاها النظام الرأسمالي.

5- قراءة مستجدّة للكتاب المقدس، تحوم أساسا حول جملة من الإصحاحات الواردة في سفر الخروج التوراتي، كنبراس للنضال من أجل التحرر لشعب يرزح تحت نير الاستعباد.

6- مجابهة الوثنية، لا الإلحاد، باعتبارها العدو الرئيس للدين – أي مناهضة أوثان الموت الجديدة المعبودة من قبل الفراعنة الجدد، ومن قبل القياصرة الجدد والهيرودسات الجدد (نسبة إلى هيرودس حاكم الجليل في عهد المسيح): مامون*، والثروة، والقوة، والأمن الوطني، والدولة، والقوة العسكرية، و"الحضارة المسيحية الغربية".

7- نقد الثنائية اللاهوتية التقليدية باعتبارها نتاجا للفلسفة الأفلاطونية الإغريقية، وبوصفها لا تمتّ بصلة للتراث الكتابي التوراتي، الذي يتميز فيه التاريخ البشري عن المسار الإلهي ولا ينفصلان.

أولا: المنشأ الاجتماعي للاهوت التحرير

كما سبق أن أعلن ذلك اللاهوتي البرازيلي ليوناردو بوف، ان لاهوت التحرير هو في الآن انعكاس لفعل سابق وتأمّل في دلالاته. أو بشكل أدق، هو تعبير عن حركة اجتماعية واسعة، ظهرت في البدء مطلع الستينيات من القرن الماضي -بشكل سبق الأعمال اللاهوتية الجديدة. حيث تضم هذه الحركة قطاعات معتبرة من جمهور الكنيسة، المتشكل من طوائف الرهبان، والتنظيمات الدينية، والأساقفة والحركات الدينية اللائكية، على غرار تجمعات العمل الكاثوليكي، والشبيبة الطلابية المسيحية، والشبيبة العمالية المسيحية؛ واللجان الكنسية الراعوية ذات الطابع الشعبي، مثل التكتلات الراعوية العمالية، والتكتلات الراعوية العاملة في مجال الزراعة، والتكتلات الراعوية الحضرية والشرائح الكنسية المعوزة. فبدون إيلاء اهتمام لمختلف الأنشطة العملية لهذه الحركات الاجتماعية –وهو ما يمكن أن نطلق عليه مسيحية التحرير- يتعذّر علينا فهْم ظواهر اجتماعية وتاريخية مهمة في أمريكا اللاتينية، برزتْ خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، على غرار المدّ الثوري في أمريكا الوسطى، في كل من نيكارغوا والسلفادور، أو كذلك بروز حركة عمالية وفلاحية جديدة في البرازيل.

لم تؤثّر مسيحية التحرير بخطّها اللاهوتي سوى في مجموعة ضئيلة من كنائس أمريكا اللاتينية: حيث بقي التوجه السائد -في الغالب الأعم- إمّا محافظا أو معتدلا. لكن تأثير تلك المسيحية ما كان هيّنا أو عرضا، لا سيما في البرازيل أين رفض المؤتمر الأسقفي (CNBB)، برغم الضغوطات القوية المتأتية من حاضرة الفاتيكان وبشكل متكرر، إدانة لاهوت التحرير. ومن بين الأساقفة والكرادلة الأكثر شهرة في هذا التنظيم، نجد هلدر كامارا من البرازيل، وباولو أرنز من البرازيل أيضا، والمونسنيور روميرو من السلفادور، والمونسنيور مندز أرسيو من المكسيك، والمونسنيور صامويل رويز من المكسيك أيضا.

ذلك أن مسار التأصيل اللاهوتي في الثقافة الكاثوليكية، في أمريكا اللاتينية، وهو ما سيقود إلى بروز لاهوت التحرير، لم ينطلق من قمة الكنيسة ليسير نحو القاعدة، ولا من القاعدة الشعبية باتجاه القمة، ولكن من الهامش باتجاه المركز. فالشرائح أو القطاعات الاجتماعية، في الحقل الديني الكنسي، التي ستغدو المحرك الفاعل في عملية التجدد، كلها ذات طابع هامشي أو متحدرة من الأطراف بالنسبة إلى المؤسسة: الجهاز الكنسي اللائكي* وأعوانه، والخبراء اللائكيون، والكهنة الأجانب، والتنظيمات الدينية. ففي بعض الحالات استولت الحركات على "المركز" وأثّرت على المؤتمرات الأسقفية (لا سيما في البرازيل)، وفي حالات أخرى بقيت معزولةً على "هامش" المؤسسة.

ليس في البرازيل وفي الشيلي فحسب، حيث شاهدنا على مدار الستينيات من القرن الماضي سياقا من التأصيل اللاهوتي في بعض الأوساط المسيحية (مسّ طائفة الإكليروس أو طائفة اللائكيين)؛ بل وتحت أشكال مغايرة، نشبت أحداث مماثلة في بلدان أخرى: الأكثر شهرة من بينها حالة كاميلو توريس، فبعد إنشائه حركة شعبية مناضلة، انخرط في صفوف جيش التحرير الوطني (ELN) سنة 1965، وهو جيش متشكّل من متمردين كولومبيين من أتباع فيديل كاسترو؛ لقي توريس حتفه في مواجهة مع الجيش سنة 1966، وقد كان لرحيله دور بارز في تأجيج الحماس السياسي في صفوف المسيحيين في أمريكا اللاتينية.

لقد جاء كلّ هذا الغليان، ضمن سياق من التجديد، في أعقاب نتائج مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965م)، وهو ما انتهى بزعزعة مجمل أركان كنيسة القارة. فأثناء انعقاد مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية في مدلين خلال العام 1968، تم تبني قرارات جديدة، وحدثَ للمرة الأولى، ليس فحسب التنديد بالبنى السائدة الداعمة للجور، والظلم الاجتماعي، وانتهاك حقوق الشعوب وممارسة "العنف الممنهج"؛ بل أيضا جرى الاعتراف (في بعض الحالات) بمشروعية العمل الثوري، علاوة على التضامن مع تطلعات الشعوب "للتحرر من كافة أشكال القهر".

ضمن هذا السياق جاء ميلاد لاهوت التحرير. بدأ موضوع التحرر يشغل لاهوتيي أمريكا اللاتينية الأكثر تقدما -غير مقتنعين "بلاهوت التنمية" الرائج في جنوب القارة- منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. وعلى سبيل الذكر نورد حالة اللاهوتي البرازيلي هوغو آسمان، الذي سبق أن تلقى تعليمه في فرانكفورت. فقد لعب دورا بارزا، منذ سنة 1970، في حشد أولى العناصر لبلورة نقد مسيحي ذي طابع لاهوتي تحريري للتنمية الاقتصادية المستدامة. لكن بحلول العام 1971، ومع صدور مؤلف غوستافو غوتيراز – اليسوعي البيروفي، الذي أنهى تحصيله العلمي في جامعتي لوفان وليون الكاثوليكيتين- كان المولد الفعلي للاهوت التحرير. ففي مؤلفه المعنون بـ"لاهوت التحرير - السياقات"، سيطرح غوتيراز جملة من الأفكار الاحتجاجية، ستكون مدعاة لإثارة بلبلة في التصورات اللاهوتية داخل الكنيسة. في مستوى أول، ألحّ على ضرورة تهشيم الثنائية المتوارثة عن الفكر الإغريقي: فلا وجود لواقعين، أحدهما "زمني" والآخر "روحي"؛ أو تاريخين، أحدهما "مقدّس" والآخر "مدنّس". هناك تاريخ موحَّد فحسب، وفي حضن هذا التاريخ الإنساني والزمني ينبغي أن تتحقق العدالة الاجتماعية، والخلاص، ومملكة الرب. لا يتعلّق الأمر بترقّب الخلاص من أعلى: فالخروج التوراتي يبيّن لنا بشكل لا لبس فيه "أن بناء الإنسان عمل من صنعه، يتأتى تبعاً لنضاله السياسي التاريخي". كما أن مسار الخلاص يغدو مسارا جماعيا و"شاملا" بعد أن كان خيارا فرديا وخاصا، حيث لا يتمثل الرهان في أن ينجو المرء بنفسه، بل في خلاص وتحرر شعب بأسره يرزح رهن الاستعباد. فليس الفقراء، ضمن هذه السياق، مجرد موضوع للشفقة أو هدفا للإحسان، لكنهم على غرار سائر المستضعَفين من بني إسرائيل، صنّاع تحررهم. وفي ما يتعلّق بالكنيسة، ينبغي أن تكفّ عن لعبها دور الشريك في جهاز السيطرة: متبعة التراث العظيم لأنبياء التوراة والنموذج الشخصي للمسيح، وأن تواجه الجبابرة وتندد بالظلم الاجتماعي.

 

ثانيا: إعمار الكون وتحديات الوثنية الجديدة

خلال العقود الأخيرة، دشّن لاهوت التحرير ورشات عمل جديدة، بتناوله بالتحليل مظاهر اضطهاد المرأة، وأشكال العسف والميز المسلَّطة على تجمعات الزنوج، والسكان الأصليين؛ كما ضمّ إلى تلك المسائل تحديات التنوّع الثقافي والتعددية الدينية والحوار بين سائر المعتقدات، فضلا عن المسألة البيئية. مستهلا عمله، بوضع الليبرالية الجديدة محل نقد لاهوتي وسياسي، باعتبارها الشكل الجديد الرائج في أمريكا اللاتينية لنظام مضطرب داخليا ألا وهو الرأسمالية.

حيث لم يقتصر النقد، الذي وجهه لاهوتيو التحرير إلى نظام السيطرة السائد على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية؛ بل شمل أيضا المجال اللاهوتي. فقد بدت الرأسمالية، ولا سيما في شكلها الليبرالي الجديد، من منظورهم، شكلا من أشكال الوثنية. سوف تتلخص هذه المقاربة، وللمرة الأولى، في مصنّف من إعداد "قسم الأبحاث المسكونية" (D.E.I.) التابع لِسان خوسيه بكوستاريكا، والمنشور تحت عنوان: "نضال الأرباب. أوثان القهر والبحث عن الإله المحرِّر"، الذي سيلاقي صدى واسعا. ظهر المؤلف سنة 1980، وجرت ترجمته إلى ثماني لغات. وجهة النظر المشتركة التي تقاسمها الكتّاب الخمسة –هوغو آسمان، وفرانز هينكيلامار، وجورج بيكسلي، وبابلو ريتشارد، وجون سوبرينو- تم عرضها في المقدّمة. يتعلق الأمر بقطيعة جذرية مع التراث المحافظ والرجعي للكنيسة، ذلك التراث الذي عرض "الإلحاد"، منذ قرون، -وهو ما كانت الماركسية الشكل الحديث من ضمنه- بمثابة العدو الأكبر للمسيحية:

"فليست المسألة المحورية المطروحة اليوم في أمريكا اللاتينية الإلحاد، أي المسألة الأنطولوجية التي تطرح وجود الله (...)؛ بل تتمثل المسألة في الوثنية، في عبادة الآلهة المزيفة لنظام الاستغلال. (...) حيث يتميز كل نظام من أنظمة الاستغلال بهذا الشكل تحديدا، أنه يخلق آلهة وأوثانا تضفي قدسية على الاضطهاد وتناصب الحياة العداء. (...) فعملية البحث عن الإله الحقيقي في هذه المعركة للآلهة، تقودنا إلى رؤية للأشياء تنزع نحو الصدام مع الوثنية، والرفض للآلهة المزيفة، والأوثان المميتة، وأسلحتها الدينية التي تروّج للموت. فالإيمان بالله المحرّر، ذلك الذي يكشف عن سرّه في نضالات الفقراء ضد القهر، هو ما يكتمل بشكل حاسم بنفيِ الآلهة الزائفة... فيغدو الإيمان من هذا الباب نقيضا للوثنية".

سوف تكون هذه الإشكالية موضوع تحليل معمَّق ومستحدَث في الكتاب المشترك والمميز لكل من هوغو آسمان وفرانز هينكيلامار المعنون بـ"وثنية السوق. أبحاث في الاقتصاد واللاهوت" (1989). هذا الطرح الهام هو الأول من نوعه، في تاريخ لاهوت التحرير، المنحاز ضمنيا إلى معركة مناهضة النظام الرأسمالي، المصنَّف في عداد الوثنيات. ذلك أن العقيدة الاجتماعية للكنائس لم تمارس، في مجمل الأوقات، سوى نقد أخلاقي للاقتصاد "الليبرالي"، أي الرأسمالي؛ في وقت يملي أيضا، بحسب تأكيد هوغو آسمان، توفّر نقد لاهوتي صرف، يفضح الرأسمالية باعتبارها دينا زائفا. ولكن في ما تتمثل الروح الوثنية في السوق؟ وفق هوغو آسمان، تبرز في اللاهوت المتلحف بالمعيار الاقتصادي ذاته، وفي الممارسة التقوية الوثنية اليومية أين يتجلى "الدين الاقتصادي" الرأسمالي. كما تبرز في المفاهيم ذات الطابع الديني، التي نصادفها في أدبيات "مسيحية السوق" -مثلا في خطاب رونالد ريغن، وفي كتابات التيارات الدينية للمحافظين الجدد، أو كذلك في مؤلفات "لاهوتيي المؤسسات" -مثل مايكل نوفاك- التي لها وظيفة تكميلية. فلاهوت السوق، منذ مالتيس وحتى آخر وثيقة صادرة عن البنك الدولي، هو لاهوت أضحوي متعسّف: يقتضي من الفقراء أن يضحّوا بحيواتهم على مذبح الأوثان الرأسمالية.

كان لأعمال "قسم الأبحاث المسكونية" التابع لِسان خوسيه بكوستاريكا، تأثير فاعل على المسيحيين الذين يشغلهم الهمّ الاجتماعي، حيث ألهمت جيلا جديدا من لاهوتيي التحرير. مثلا، يعرض رجل اللاهوت الشاب، جونغ مو سونغ، وهو برازيلي من أصل كوري، في كتابه: "وثنية رأس المال وهلاك الفقراء" (1989)، رؤيةً نقدية جذرية من منظور أخلاقي ديني للنظام الرأسمالي العالمي، حيث تجبر مؤسسات -مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- ، بموجب الدَّيْن الخارجي المشطّ، ملايين الفقراء في العالم الثالث للتضحية بحيواتهم على مذبح "السوق العالمية"، الذي بات بمثابة الإله الجديد. وبما لا يتسرب إليه شك، كما يؤكد سونغ في كتابه التالي: "اللاهوت والاقتصاد" (1994)، لا يتعلق الأمر كما هو الشأن في الوثنيات القديمة، بمذبح مرئي، بل بنظام يقتضي تضحيات بشرية باسم الإكراهات "العينية"، و"العلمية"، المدنسة، وعلى ما يبدو غير الدينية.

على مدى السنوات الأخيرة تضافرت الأعمال النقدية لليبرالية الجديدة، في الأوساط الدينية للاهوت التحرير، مع انتقادات المسألة البيئية. كان رجل الدين ليوناردو بوف الرائد في هذا المجال. وكما نعلم، فقد أُنهك الرجل بالموانع التي تَسلّطت عليه من روما، أكان عبر الطرد أو بموجب ما لحقه من حرمان، مما أجبره على مغادرة التنظيم الفرنشيسكاني وهجران الكنيسة، لكن ذلك لم يحل دون متابعة نشاطه كلاهوتي كاثوليكي.

غير أنه مع مطلع العام 1990، ستشهد مسائل البيئة اهتماما متطورا لديه، وسيطرح ذلك ضمن روح صوفية ذات منزع فرانشيسكاني، وضمن سياق نقدي جذري للنظام الرأسمالي. سوف يكون ذلك موضوع مؤلفه: "كرامة الأرض. البيئة بين صرخة الأرض وصراخ الفقراء"[1]، وموضوع العديد من الأبحاث الفلسفية، والأخلاقية، واللاهوتية. وِفق ليوناردو بوف، لقاء لاهوت التحرير مع قضايا البيئة هو نتاج معاينة، تتمثل في أن "نظام الهيمنة الذي يعتمد تكديس الثروة والتنظيم الاجتماعي هو المنطق نفسه الذي يقود إلى استغلال الطبقة العاملة، وإلى نهب الدول أيضا، وبالتالي إلى تدهور الطبيعة". وبهذا يأمل لاهوت التحرير في بلوغ قطيعة مع منطق سير هذا النظام، وهي قطيعة جذرية ترمي "إلى تحرير الفقراء، المضطهَدين والمنبوذين، ضحايا شره تكديس الثروة الموزعة بطريقة غير عادلة؛ وإلى تحرير الأرض، المتضررة الكبرى جراء النهب المنظَّم لثرواتها، وهو ما يهدّد التوازن المادي والكيميائي والبيولوجي للكون بأسره". تنطبق ثنائية الاضطهاد/التحرير على الطبقات الواقعة رهن السيطرة والاستغلال، وعلى الأرض والكائنات الحية في آن واحد.

في مؤلفه "أخلاق الحياة" الصادر سنة (2000)، يرصد ليوناردو بوف توازيا بين كافة أشكال الظلم، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فهي جميعا متأتية جراء العنف المسلَّط على العمال وعلى الطبقات المحرومة، وجراء الإجحاف الحاصل في الوسط البيئي، والذي هو عنف ضد الطبيعة، ضد الهواء، ضد الماء، بما يهدّد بإتلاف سائر الكائنات الحية. المصدر المشترك لذلك الحيف وهو البراديغم الرأسمالي الغربي، الذي يجد تعبيره الحالي في الليبرالية الجديدة وفي "دِين رأس المال"، دِين إضفاء الطابع الوثني على البضاعة، مع معابدها (البنوك)، وإكليروسها (الممولون)، وعقائدها ولاهوتها (المتكون من رجالات الاقتصاد). البديل هو عالم بيئي اجتماعي، والذي كان شيكو ماندس –مؤسس تحالف شعوب غابة الأمازون، الذي اغتيل من قبل كبار الملاكين سنة 1987- أحد رواده. فقد أدرك أن العنف الاجتماعي المسلَّط على الأهليين والمزارعين، والعنف البيئي الموجَّه نحو الغابة، يخضع كلاهما إلى الدوافع نفسها، ذلك العائد إلى التطور الرأسمالي المفرط. فالمعيار الجديد للحضارة ينبغي أن يتأسس على أخلاق الحياة وعلى التضامن الكوني.

نجد مقترحات مماثلة في أعمال جونغ مو سونغ أيضا، تذهب إلى أن "النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي ليس فقط ظالما، بل اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا لا يُطاق". فإتلاف أنواع بأسرها وهلاك ملايين من البشر في الدول الفقيرة، هو بالنسبة للإيديولوجيات المهيمنة، "ضريبة إلزامية للتطور الاقتصادي الذي يسمح بتحقيق شره الاستهلاك اللامحدود". وبالتالي، فمهمّة اللاهوت هي في نقد وثنية السوق وفي فضح أسطورة التقدم، التي تفضي في الآن إلى التضحية بالحياة البشرية وإلى تبرير ما يحصل من ضرر بالوسط الطبيعي.

 

ثالثا: مسيحية التحرير والالتحام بهموم الناس

ليس لاهوت التحرير مجرد مجموعة من النصوص فحسب، بل هو أيضا ممارسة نضالية من أجل العدالة الاجتماعية، في أوساط الطبقات المحرومة، من داخل الشعوب المضطهَدة.

مثالٌ لافتٌ للانتباه متمثل في دور إحدى الكنائس المقرّبة من لاهوت التحرير في تشياباس في المكسيك، في الوعي بالمشاكل الاجتماعية للسكان الأصليين. وكما نعرِف، نشب خلال شهر يناير من العام 1994 تمرد مسلّح لألوف من الهنود الحمر، بقيادة منظمة لا تزال غير معروفة إلى حدّ الآن، أُطلق عليها اسم جيش زاباتيستا للتحرير الوطني (EZLN). تم وصف المتمردين من قبل وسائل الإعلام والحكومة المكسيكية بالتحريريين، على اعتبار أنهم استلهموا رؤاهم من لاهوت التحرير، (أو مخترَقون من قبل اليسوعيين)، في الوقت الذي جرى فيه نعت المونسنيور صامويل رويز، أسقف سان كريستوبال دي لا كاساس في تشياباس، بأنه "متمرد باسم الرب". كلا الاتهامين مجاف للصواب. فما هو الدور الحقيقي للكنيسة التقدمية في تشياباس في نشأة حركة زاباتيستا؟

المونسنيور صامويل رويز، الذي سبق أن تابع تعليمه في الغريغورية في روما، الجامعة البابوية الشهيرة، كان قد حلّ بتشياباس ليتولى مهام أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس في مطلع الستينيات من القرن الماضي. بعد مشاركته في مؤتمر مادلين سنة 1968، شغل طيلة سنوات مهمة المكلّف بقسم الإرساليات لكونفدراليات أساقفة أمريكا اللاتينية (CELAM). وتحت تأثير لاهوت التحرير، نشر خلال العام 1975 كتابا بعنوان "اللاهوت الكتابي للتحرير"، خلع فيه على السيد المسيح لقب النبي الثائر. أُتيحت لي فرصة اللقاء بالمونسنيور رويز في مطلع الألفية الثانية وطرحتُ عليه السؤال التالي: "هل كنتم من أتباع لاهوت التحرير؟"، كان جوابه: "أجل، بالطبع. لكن المهم بالنسبة لي ليس اللاهوت بل التحرير...".

وبمساعدة اليسوعيين، والدومينيكان، وبعض التنظيمات الدينية النسوية، خاض المونسنيور صامويل رويز، على مدى سنوات، عملا تربويا مثابرا وضع نصب عينيه الشرائح الشعبية. عبر توظيف شبكة واسعة من المربين الدينيين من السكان الأصليين، بلغت أعدادها 7.800 نفرا و 2.600 جماعة محلية تم إنشاؤها. ساهمت بقوة في توعية الأهالي، من خلال مساعدتهم في التعرف على حقوقهم والعمل من أجل الدفاع عنها. خلال العام 1974 نظم المونسنيور رويز، بمناسبة ذكرى مرور خمسة قرون على ميلاد برتولومي دي لاس كاساس، فعاليات المؤتمر الأول للسكان الأصليين في تشياباس، شارك فيه ألفان من ممثلي الهنود الحمر. شكّل المؤتمر نقطة انطلاق لمسار طويل من التنظم الذاتي لتجمعات المايا: لم تكن هناك منظمة شعبية في تشياباس، حتى تسعينيات القرن الماضي، لا تقر بانتسابها لتلك الحركة المتولدة عن ذلك المؤتمر.

أثارت تلك الأنشطة انتقادات حادة للمونسنيور رويز من قبل الجمعيات المحلية لكبار الملاكين والمربين، والحكومة المكسيكية، والسفير البابوي. وأثناء زيارة البابا إلى المكسيك، سنة 1993، شُنّت حملة قوية لطرد "مثيري الشغب" وأَعلن الفاتيكان نيته في حلّ هذه المسألة. بُعيد ذلك بقليل (يناير من العام 1994) اندلعت انتفاضة حركة زاباتيستا والحكومة المكسيكية، لكن الحكومة فشلت في إخماد تلك الانتفاضة، ما أجبرها على إرسال دعوة إلى المونسنيور رويز للتوسط في المفاوضات مع جيش زاباتيستا للتحرير الوطني.

المونسنيور رويز رجل مسالم لم يدع يوما إلى التمرد. ومن الجلي أنه لم يكن هو، ولا أصدقاؤه أيضا، من اليسوعيين أو الدومينيكان، ممن نظموا الانتفاضة. بل تولى مناضلون ماركسيون، ما كانت خلفيتهم مسيحية بل ثقافة المايا، إنشاء جيش زاباتيستا للتحرير الوطني. لكن ليس من الصواب أيضا الادعاء أن عمل التربية، والتسيير الذاتي، والتوعية، الذي تولاه الأعوان الراعويون، والمربون من الهنود الأصليين، في أبرشية سان كريستوبال دي لاس كاساس هو ما هيأ الأجواء المناسبة لظهور حركة زاباتيستا، التي يتحدر كثير من مناضليها من الجماعات المسيحية المعدمة.ينطبق الأمر نفسه على انتفاضة أخرى للسكان الأهليين، عرفت حضورا أقل على المستوى الإعلامي لكنها مهمة، حدثت في الإكوادور خلال شهر يونيو من العام 1994. فعلى مرّ السنوات، عمل التيار التقدّمي في الكنيسة، ممثلا في المونسنيور ليونيداس بروآنو، أسقف ريوبامبا (تشيمبورازو) –المعروف باسم أسقف الهنود الحمر- بالتضامن مع جماعات الكتشوا. وبمعاضدة 1.300 عون من رجال الدين، شكّل شبكة نشيطة من الرابطات الأهلية، والمدارس، والفرق الطبية، والمراكز الثقافية، مع دعم تكوين حركة هنود تشيمبورازو (MICH)، خلال العام 1982،وفي مرحلة لاحقة الفيدرالية الوطنية لهنود الإكوادور (CONAIE). رفض المونسنيور بروآنو وأتباعه النموذج الرأسمالي للتنمية، جراء ما يُلحِقه من ضرر بالثقافة وبمجتمعات الأهليين؛ وقد ساهمت تلك الأنشطة في بث الوعي بين جماعات الكتشوا، وفي تشجيعهم على المطالبة بحقوقهم، ناهيك عن بث الحماس في أوساطهم من أجل الدفاع عن أراضيهم.

خلال شهر يونيو من العام 1994 سنّت الحكومة الإكوادورية قانونا فلاحيا ليبراليا، منحت بمقتضاه ضمانات مشطّة لأصحاب الملكية الخاصة، وألغت أي توزيع محتمَل للأراضي في المستقبل؛ كما انساقت الحكومة باتجاه التفريط في الأراضي العمومية فضلا عن خصخصة المياه. تحركت الحركتان الأهليتان -MICH و CONAIE- جنب تعاضديات ونقابات المزارعين الصغار، ضد هذا القانون، ولقيت مساندة من قبل المونسنيور فيكتور كورال (خليفة المونسنيور بروآنو) وكذلك من قبل "كنيسة الفقراء".

على مدى أسبوعين، عاشت المناطق الريفية في الإكوادور أجواء من الانتفاضة: قطع الطرق، واجتياح القرى، وتواصل الاحتجاجات. حاول الجيش عبثا اجتثاث الحركة بإيقاف قادتها، وغلق محطة راديو الكنيسة التي تدعم الأهليين، وإرسال وحدات لفتح الطرقات. لكن أمام حركة الاحتجاج الواسعة أُجبِرت الحكومة على التراجع وأدرجت تحويرات جوهرية على القانون الفلاحي.

من الخطأ الادعاء أن ثورة الهنود الحمر كان يقودها رجال دين، أو هي من تدبير الكنيسة التقدمية، لكنه من الصواب القول إن مسيحية لاهوت التحرير –ممثلة في المونسنيور بروآنو، وخلفه، ورجالات من الكنيسة- كانت عاملا فعالا في تبلور وعي جديد وفي ظهور رغبة في التنظم الذاتي بين جماعات الكتشوا.

أثناء فترة اعتلاء البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية ثم خلفه البابا بنيدكتوس السادس عشر (راتسينغر)، شهد لاهوت التحرير حملات قمع ومنع وإبعاد. عانى كذلك من المنافسة، في أوساط الشرائح الفقيرة، من كنائس بنتكوستالية جديدة (خمسينية)، أحيانا محافظة، استلهمت "لاهوت الرخاء" المناصر للرأسمالية. أجل تراجع تأثيره في بعض البلدان، مع ذلك في بلدان أخرى مثل البرازيل، لا يزال يحافظ على وجود مهمّ. ففي أحضان هذه الحركة الاجتماعية الدينية الواسعة التي نستطيع أن نطلق عليها "مسيحية التحرير"، التي تستوعب في أحضانها الشرائح الدنيا، ورجال الدين الشعبيين، والحركات اللائكية (JUC, JOC) أو كذلك شبكات على غرار "الإيمان والسياسة"، بقيادة اللاهوتي الدومينيكاني فراي بيتو، الذي يحشد آلاف الأتباع في شتى أرجاء البلاد. أو كذلك كونفدرالية أساقفة البرازيل النافذة (CNBB)، المعنية بالدفاع عن مجال الأخلاق الجنسية (موانع الحمل، الطلاق، الإجهاض) ضمن خط محافظ، والتي تتّخذ أحيانا مواقف جد متقدمة بشأن المسائل الاجتماعية، كما الشأن في ما يتعلق بالإصلاح الزراعي، وضبط الأجر الأدنى، ورفض اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تسديد الدين الخارجي؛ حول كل هذه المسائل، فهي تتموضع بشكل جلي على يسار الحكومة التي يقودها حزب العمّال...

ومن ناحية أخرى، يُعَدّ المسيحيون الذين لهم التزامات اجتماعية أكثر التشكيلات نشاطا والأبرز حضورا في الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية في البرازيل، البلد الذي استضاف في مطلع العام 2000، الاجتماعات الأولى للمنتدى الاجتماعي العالمي، ولكن ليس في البرازيل فحسب. أحد الوجوه الناشطة في المنتدى الاجتماعي العالمي شيكو ويتاكر، هو عضو في لجنة العدالة والسلام في المؤتمر الوطني لأساقفة البرازيل (CNBB) وهو من المنتمين إلى هذه الحركة، كذلك القس البلجيكي فرانسوا هوتار –صديق وأستاذ كاميلو توريس- هو أحد الوجوه الفكرية المؤثرة في المنتدى أيضا.

كما يعدّ رجلا الدين البارزان في لاهوت التحرير، ليوناردو بوف وفراي بيتو، وكلاهما من البرازيل، من بين الرواد والملهِمين للحركة المناهضة للعولمة الليبرالية؛ حيث يشارك الرجلان بشكل نشيط، عبر الكتابة والخطب، في تنشيط "حركة الحركات" وفي لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي. فعلاوة على تأثيرهما القوي في البرازيل، حيث كثير من مناضلي الحركات الاجتماعية -النقابات، مزارعون بدون أراض (MST)، الحركات النسوية- هم متحدرون من جماعات كنسية شعبية (CEBs) تقر بانتمائها إلى لاهوت التحرير، فإن كتاباتهما تجد رواجا لدى مسيحيين في بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية وفي العالم.

تيارات المناضلين المسيحيين التي تشارك في الحركة المناهضة للعولمة شديدة التنوع -منظمات غير حكومية، مناضلون في نقابات أو في أحزاب يسارية، تنظيمات مقرّبة من الكنيسة- ولا تتقاسم الخيارات السياسية ذاتها. مع ذلك فإنّ مجملها تشترك في الخطوط الكبرى للاهوت التحرير –كما تبلور مع رجال الدين ليوناردو بوف وفراي بيتو وهوغو آسمان، بل أيضا كما يُمارس من قبل أساقفة مثل توماس بلدوينو وهيلدر كامار، وبيدرو كزالداليغا وغيرهم ذائعي الشهرة أو معروفين بدرجة أقل- وتساهم في النقد الأخلاقي والاجتماعي والبيئي للرأسمالية بقصد العمل لأجل تحرير الفقراء.

انتخاب البابا فرانسيس (برغوليو) من أمريكا اللاتينية ربما سيمهّد الطريق لخلق ظروف ملائمة، في حضن الكنيسة الكاثوليكية، لتطوّر لاهوت التحرير. فالدعوة الموجهة لغوستافو غوتيراز للالتقاء مع البابا فرانسيس في الفاتيكان يمكن أن تكون بادرة لطيّ صفحة الماضي وتدشين مرحلة جديدة[2].

 

نص: ميكائيل لوفي - عالم اجتماع برازيلي فرنسي

ترجمة: عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بروما

.................................

*في الآرامية بمعنى مال الظلم، ووردت في الترجمة العربية للإنجيل "لا تقدروا أن تخدموا الله والمال (مامون)" متى6: 24، لوقا16: 13 (المترجم).

*خطّ مدني في خدمة الكنيسة، يمثل همزة الوصل بين المؤسسة الدينية والمجتمع المدني، الغرض منه التحكّم بمفاصل المجتمع (المترجم).

 [1]. Leonardo Boff, Dignitas Terrae. Ecologie: cri de la Terre, cri des pauvres, S. Paulo, Atica 1995.

 [2]. تم اللقاء بدعوة من البابا في الحادي عشر من سبتمبر من العام 2015 (المترجم).

 

abdullah badrhskandarالتفتيش عن الذرائع لا يتماثل مع الأسس الثابتة التي يتفرع منها البحث عن البينات كون طلب أصحاب الثانية يؤول إلى الاطمئنان الناتج عن اليقين الراسخ لديهم دون أن يضطرهم ذلك الطلب إلى الكفر، ولو نظرنا إلى أسباب هذا النهج نجد أنها لا تفارق الاستقرار الملازم لنفوسهم وما جبلوا عليه من الاستعدادات التكوينية التي اتخذت من أفعالهم الاختيارية موئلاً يرجعون إليه عند الاستفهام عن المقاصد اليقينية التي يكون مردها إلى العلم بقدرة الله تعالى المطلقة، أما في حال حدوث ما يعكر صفوهم الإيماني أو ما يتخلل قلوبهم من شك فههنا تستيقظ عندهم المحصلات الأولية والرغبات الأساسية التي تصلح ضمائرهم وتطهر ساحتهم القدسية لأجل أن يكونوا في منأى عن الشك التقليدي الذي مني به جمع من الناس الذين لا يملكون القدرة على الرجوع إلى الحق المبين، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة 259.

وكما ترى فإن هذا الفعل لا يتأتى إلا لنبي مقرب أو لأحد الصلحاء الذين دأبوا على استقبال الآيات الكونية على ما هي عليه، وقياساً لذلك نعلم أن ما حدّث به نفسه لا يعدو كونه أمراً طبيعياً يبين مرحلة من مراحل الاعتقاد السائد لدى الإنسان العالم الذي يريد أن يقف على حقيقة الإحياء بعد الإماتة، ولهذا قابله الحق سبحانه بهذه النتائج الباهرة التي جعلته يزداد إيماناً مع إيمانه، وإنزاله تعالى لهذا الكلام الممدوح في آخر القصة يظهر أن صاحبها من المقربين كما أسلفنا، ولذلك هيأ سبحانه له كل أسباب المعرفة اليقينية كما في الآية، وإن كان جل شأنه قد أبهم شخصية هذا النبي أو العبد الصالح فإنه لم يبهم شخصية النبي إبراهيم في القصة التي تلتها، وذلك في قوله: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) البقرة 260. والآية صريحة بأن استفهام إبراهيم كان عن خصوصية وجود الشيء لا عن أصل وجوده كون الأصل مفروغاً عنه، وهذا هو الفرق بين من يسأل لأجل الرؤية والكيفية الناتجة عن الإحياء والإعادة وبين من يسأل لأجل الحصول على الذرائع أو الاحتجاج.

من ذلك يظهر أن طلبات المشركين لم تكن مماثلة لطلبات الأنبياء أو الصالحين كون تحققها في الخارج يستلزم الاستحالة إذا ما سلمنا جدلاً بصحة مواقفهم، ومن هنا نلاحظ أن رغباتهم السلبية قد أدت بهم إلى طلب تكليم الله لهم أو إيتائهم مثل ما أوتي رسل الله، كما في قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) الأنعام 124. والقصد من هذا الطلب لا يخلو من إشعار بالاستهزاء لأنهم أرادوا الحصول على النبوة حتى يؤتوا مثل ما أوتي رسل الله، ولذا فصل تعالى قولهم بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام 124. ولا يخفى على المتلقي أن لهذا الاستهزاء نظائر، كما في قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف 31. وكذا قوله: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) الفرقان 7. وقوله سبحانه: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) الحجر 6.

وبناءً على ما تقدم نعلم أن طلبات المشركين لا تخرج عن كونها طلبات تعجيزية يصاحبها الاستهزاء ولا يمكن تحقيق تلك الطلبات نظراً لضعف القابل دون الفاعل، وقد أشار تعالى إلى استحالة تحقيق هذه التعجيزات في كثير من متفرقات القرآن الكريم، كما في قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) الأنعام 111. ويضاف إلى سبب امتناع القابل سبب تكذيبهم بالآيات التي يرسلها الحق سبحانه، كما حدث لأقوام الأنبياء السابقين على مر الأعصار، ويمكن معرفة ذلك السبب من خلال قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) الإسراء 59. ثم تدرج القرآن الكريم في ذكر طلبات المشركين المشابهة لما كان يطلبه الأولون، كما في قوله سبحانه: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً... أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً... أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً... أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً) الإسراء 90- 93.

وهذه الطلبات التعجيزية التي اقترحها المشركون تكاد تكون متقاربة مع ما كان يطلبه أهل الكتاب الذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، كما في قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) النساء 153. وقد ذكّرهم الله سبحانه بهذا الموقف في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) البقرة 55. وقد مر عليك تفسير الآية الأخيرة في كتابنا هذا.

 

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون) البقرة 118.

لولا تستعمل على وجهين:

الأول: امتناع شيء لوجود غيره، كما في قوله تعالى: (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم) القلم 49. وكذا قوله: (يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين) سبأ 31.

الثاني: للتحضيض بمعنى هلا وتختص بالدخول على الأفعال، كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) طه 133. وكذلك قوله: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) الفرقان 32. وهناك شواهد أخرى لكلا الوجهين.

وعند تأمل منطوق الأية يظهر أن مشركي العرب اعترضوا على النبي (ص) وأرادوا أن يكلمهم الله تعالى أو تأتيهم آية، أما مفهومها فيشير إلى نبذهم القرآن كونه لا يفي بالغرض الدلالي حسب اعتقادهم وإن شئت فقل حسب تعنتهم ولجاجهم، ولو كانت طلباتهم لا تجانب الحق لكان القرآن هو الدليل لذلك وهذا ما يقرر المعنى على أتم وجوهه، ومن هنا نرى أن الله تعالى لم يستجب لمقترحاتهم لأن مجيء الآيات سيكون سبباً لترغيبهم بطلب المزيد وبالتالي يحق عليهم القول ونزول العذاب، أضف إلى ذلك أن كلامهم كان موجهاً للنبي (ص) وهذا الأمر لا يدخل في مهمته الرسالية بل هو من الأمور التي اختص بها الله تعالى، وبهذا تظهر النكتة في قوله جل شأنه: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين... أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) العنكبوت 50- 51.

فإن قيل: ما معنى تشابه قلوبهم مع أهل الكتاب الذين أشار إليهم تعالى بقوله: (الذين من قبلهم) من آية البحث؟ أقول: تشابه القلوب يرجع إلى سوء النظر الحاصل لدى الطرفين، إضافة إلى ما رسخ في عقولهم من الجهل الذي أدى إلى انحرافهم، ولهذا علل تعالى المقام بقوله: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبد الله بدر اسكندر