abdullah badrhskandarقيام الإنسان بعمل لا يحقق الغرض المطلوب يجعله خارج زمرة العقلاء لا سيما إذا كان العمل المقصود لا يتناسب مع الإطار القانوني الذي تبنى عليه الأسس السليمة، وإذا عد هذا العمل من اللعب المجرد أو اللهو الدخيل فإن الذي يأتي به يكون من باب أولى قد ابتعد عن الموازين الكلية التي سخرها الله تعالى للإنسان بما هو إنسان  بغض النظر عن الانتماء اللاحق الذي يضاف إليه، ومن هنا يمكن تطبيق هذا المثال على الأمر العجيب الذي تم بموجبه خلق السماوات والأرض، أي كيف يكون الوصف الذي يؤول إليه الخلق إذا كان الفعل متماثلاً مع العبثية التي لا تنسجم مع النظم اليقينية التي نشاهدها أو تلك التي لم تصل إليها المعرفة الإنسانية، ولذلك أشار الحق سبحانه إلى تنزيه نفسه عن تلك السنخية بمجموعة من الآيات منها قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) الأنبياء 17. وكذا قوله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) الدخان 38. وقوله: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) الأحقاف 3.

مما تقدم نعلم كيف ظهرت المديات البعيدة التي ساعدت على تنظيم التراتبية المسخرة لهذا الكون، وكيف تم إخراجه بهذا الشكل البديع الذي لولا الدأب وتكرار المشاهدة لأصبح الحديث عن كل ذرة من ذراته يحتاج إلى تصنيف مطابق للآيات الباهرة التي يتساوى فيها الجزء مع الكل، لأن النظام المشاهد الدال على وجود الخالق جل شأنه لا يختلف في تركيبه سواء في الخلق والإيجاد أو الفناء والعدم، بمعنى أن كل شيء يدل على وجود إرادة خالقة لهذا الكون ابتداءً من أصغر الأشياء إلى أكبرها، ولا فرق في ذلك بين القرآن الكريم أو كتاب أصل الأنواع فكلاهما يدل على عظيم صنع الله في هذا الكون، وكذا لا فرق بين ناقة صالح وعصا موسى في قبال النياق أو العصي الأخرى، وكذلك لا فرق بين تسبيح الحصى في يد النبي (ص) أو في يد إنسان آخر مهما كانت درجة إيمانه متدنية، لأن كل ما ذكر هو من صنع الله تعالى الذي خلق كل شيء سواء كان بواسطة أو من دون واسطة، وقد بين سبحانه هذا المعنى بقوله: (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) النمل 88.

فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فلمَ أنزل الله آيات إعجازية مع الأنبياء كالتي ذكرتها دون أن تفرق بين مميزاتها؟ أقول: الآيات الإعجازية التي جاء بها الأنبياء لا تثبت وجود الخالق كون هذا الأمر ليس من اختصاصها، وإنما كان الهدف منها هو تأييد الأنبياء في صحة نبوتهم وصدق دعواهم، ولذا أطلق عليها بعض العلماء تسمية المعجزات للتفريق بينها وبين الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وهو وصف صائب وإن أنكره بعضهم ظناً منهم أن القرآن لم يأت به وأنت خبير أن هذا لا يتنافى مع إيجاد المصطلحات التي تحقق الغرض المطلوب من المعنى، وبهذا نعلم أن الله تعالى لا يحتاج إلى معجزة تثبت وجوده فهو ظاهر في الفطرة الإنسانية وإن جحد به الجاحدون، وقد مثل سبحانه لهذا المعنى بقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) العنكبوت 61. وكذا قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) الزخرف 9. وهناك آيات أخرى بهذا المعنى.

فإن قيل: إذا ثبتت هذه الدعوى فما سبب الإشارة إلى الآيات التي يفرق القرآن في بيان نوع القوة التلازمية لكل واحدة منها؟ أقول: القرآن يراعي النظر الساذج في طرحه لمنهجيته المعرفية وذلك كون التكرار الملازم للإنسان قد يطغى في جميع الحالات على مسيرته الحياتية، وبهذا يبتعد شيئاً فشيئاً عن مشاهدة الأدلة الحسية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، ولذلك نرى أن القرآن الكريم يريد أن يلفت انتباه الإنسان إلى صنع الله تعالى ومن هنا كان التفريق بين صغر الآيات وكبرها، أما الأمر في حقيقته فليس فيه هذا البعد كون الآية ظاهرة في الحجر الصغير وفي الجبل العظيم على حد سواء، وتعليلاً لهذا المعنى نلاحظ مدى التفريق في نوع الآيات، كما في قوله تعالى: ( لنريك من آياتنا الكبرى) طه 23. وكذا قوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) الزخرف 48. وقوله سبحانه: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم 18. وكذلك قوله: (فأراه الآية الكبرى) النازعات 20.

إذا علمنا هذا يكون الأمر قد أخذ مساراً آخر في التفريع وكيف أن الله تعالى قد جعل في كل جزء من أجزاء الكون ما لا يحصى من الآيات وإن شئت فقل كل شيء آية، ولندع الكون وما به من عجائب ولنأخذ الإنسان وليكن هو حسبنا في هذا السرد ولنطرح السؤال الذي يفرض نفسه، وهو هل من الطبيعي أن يترك هذا المخلوق سدى وهو يبصر الآيات في كل حين لا سيما تلك التي ترافقه في تكوينه بل وفي جميع الأعمال التي يقوم بها سواء المادية منها أو المعنوية، وههنا نلاحظ أن الحق سبحانه قد تحدث عن الآيات المصاحبة له وذلك في قوله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات 21. أي إن الآيات التي يصعب عليكم اكتشاف مكوناتها لا تزال تتكاثر وتنتج كل يوم ما هو أعجب وأغرب وذلك لتفرقها في البدن أو ما يختلج النفس من مشاعر وأفكار، وقد يطلع الإنسان على بعضها في كل لحظة تمر به ليدرك الكيفية التي تتكون منها هيئته المادية وصولاً إلى ما يظهر أمامه من أفعال متفرعة عن الملكات الناطقة أو الحواس المشاركة في التمييز الذي يصنف لديه الخير من الشر أو الحسن من القبح وما إلى ذلك، وهذا التفريق بحد ذاته يعد من أعظم الآيات إذا ما جمع في غاية واحدة دالة على خالق واحد لا شريك له، ثم إذا أمعن النظر إلى ما وراء التركيبات المادية فسوف يرى أن هناك ما هو أبعد منها، كالقوى التي يمتاز بعضها عن بعض وما يلحق بها من تفريعات، ولو شاهد هذه الآيات التي اجتمعت في بناء كيانه لعلم أن جميع ما وجد في نظام الكون قد وجد في شخصه، وهنا تجدر الإشارة إلى ذكر قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) القيامة 36. بمعنى كيف يخلق الله سبحانه هذا العالم بما فيه من غرائب الصنعة التي يكون الإنسان على رأسها وبالتالي يترك وشأنه ليلعب ويلهو ويفعل ما يشاء دون حساب يذكر، وعند تأمل هذا الوجه نرى عدم تناسب المبررات إذا ما وجد بهذا الشكل.

وخلاصة لما سبق يمكن القول إن الله تعالى قد ألزم هذا المخلوق بالعبادة التي تمثل روح الحياة، دون العبادة التي يفهمها القابعون في الظلام والذين لا يريدون التحرر من الأخطاء التي ورثوها عن سلفهم كون المعنى الحقيقي للعبادة يتجسد في إثراء الحياة بما يتناسب مع العيش الكريم في هذه الأرض بعيداً عن الاجتماع الفاحش الذي نشاهده لدى جم غفير من الناس عند استصغارهم لعظائم الأشياء ظناً منهم أن هذا من اللمم الذي لا يحاسب على فعله الإنسان، وهذا تفسير يخالف الواقع بكل مجرياته، كون الخالق جل شأنه لا يرضى لعباده السير في طريق الضلال، وإن كان ما يترتب على ذلك لا يتعدى إلى أكثر من كلمة يلفظها الإنسان أو شق كلمة، وكما ترى فإن كثيراً من الناس لا يهمهم سوى القول الذي لا يثمر عطاءً ولا يقدم منفعة، فهم يأتون المجالس صفاً حديثهم الدنيا وهمهم الدنيا، ولذلك أصبح دينهم أقرب إلى اللهو واللعب، علماً أن الله تعالى قد تعبدنا بذكره في كل عمل نقوم به، ولهذا قيل إن كل أمر لا يبدأ بذكر الله فهو أبتر وروي هذا الحديث بطرق مختلفة، ومن هنا يجب أن نقارن بين أولئك الناس الذين تعرضنا لذكرهم، وبين الناس الذين لا يفارقهم ذكر الله تعالى في جميع الأعمال التي يمارسونها وقد ضرب الحق سبحانه لهؤلاء الناس أروع الأمثلة بإبراهيم وإسماعيل عند رفعهم القواعد من البيت، وذلك في قوله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) البقرة 127.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر  

 

hamza alshafiملخص الكتاب: يدرس كتاب علم النفس الاجتماعي: مقاربات تجريبية ونقدية للكاتبة البريطانية Wendy Stainton  Rogers  مقاربتين مختلفتين في علم النفس الاجتماعي وهما المقاربة التجريبية والمقاربة النقدية. وتنطلق الكاتبة من فكرة أساسية مفادها وجود صراع حد التضارب بين المقاربتين. وقد تم تشبيههما بحالة "معسكرين" أو "قبيلتين" أو "قطبين" في حرب طاحنة نظرا لاختلاف منطلقاتهما ومرجعياتهما الإبستمولوجية والأنطولوجية. لذلك، فالكتاب ومن خلال تناوله للمقاربة التجريبية والمقاربة النقدية لا يسعى إلى إيجاد وصفة أو صيغة يتم بموجبها دمجintegration  المقاربتين في إطار مقاربة واحدة وإنما غايته هي الكشف وتعرية إيجابيات ومكامن ضعف كل واحدة منهما. ومثل هذه المقارنة الواردة في الكتاب تساعد القارئ على اكتساب تقنيات مهمة ومهارات متنوعة فيما يخص التحليل النقديcritical  والمقارن comparative  في مجال علم النفس النقدي.

كما يعرض هذا الكتاب تاريخ وأصول علم النفس الاجتماعي، ويحاول تشخيص حاضره في ظل المستجدات المعرفية  cognitive والمنهجيةmethodological  والموضوعاتيةthematic  التي تعرفها العلوم الإنسانية عموما ومجال علم النفس خصوصا. إلى جانب ذلك، يطرح تساؤلا استشرافيا حول مستقبل ومآل علم النفس الاجتماعي في ظل التجاذبات والصراعات المحتدمة بين مكوناته ومقارباته وأقطابه المهيمنة والصاعدة مثل المقاربة التجريبية والمقاربة النقدية. ويحتوي الكتاب على جزأين رئيسيين. فالجزء الأول يعرض نقط انطلاق الكاتبة في دراستها للمقاربتين السالفتين حيث تحاول الإجابة عن سؤال حول م هية علم النفس الاجتماعي. كما تعرض في هذا الجزء الأسس الفلسفية لكل مقاربة على حدة وذلك بتقصي منطلقاتها الإبستمولوجية  والأنطولوجية وكذلك الطرق والمناهج الموظفة في كل مقاربة. أما الجزء الثاني من الكتاب فيتوغل في أعماق علم النفس الاجتماعي عن طريق كشف موضوعاته المحورية كالتواصل communication  واللغة language والتمثلات representations  والمواقف attitudes  وآليات بناء وتشكل العالم الاجتماعيsocial world  لدى الأفراد والجماعات من وجهة نظر المقاربة التجريبية والمقاربة النقدية .

مقدمة:

يتناول كتاب علم النفس الاجتماعي: مقاربات تجريبية ونقدية للكاتبة البريطانيةWendy Stainton Rogers  الصادر عن مطبعة الجامعة المفتوحة بمدينة (Berkshire)  Maidenhead  البريطانية عام 2003 مقاربتين مهمتين في علم النفس الاجتماعي وهما المقاربة التجريبية والمقاربة النقدية. وتحاول الكاتبة باعتبارها متخصصة في علم النفس الصحي وعلم النفس الاجتماعي النقدي تسليط الضوء على جوانب مهمة من المقاربتين التجريبية والنقدية لتغطية حاجيات الطلاب والمهتمين حول علم النفس الاجتماعي، مع التعريف بالمقاربة  النقدية التي تعتبر مقاربة صاعدة وجديدة. كما تسعى من خلال ذلك إلى إقامة توازن بين المقاربتين قصد الربط بينهما، وتحديد مكامن الالتقاء دون دمجهما نظرا لاستحالة تحقيق وضعية توافقية واندماجية مريحة بين المقاربتين. وهذا يعزى بدوره إلى اختلاف وتضارب مرجعياتهما الإبيستمولوجية والأنطولوجية.

حرر الكتاب باللغة الانجليزية  من طرف كاتبة  متخصصة في  علم النفس الصحي وعلم النفس الاجتماعي النقدي. ويعرض الكتاب خلاصة أبحاث الكاتبة حول أصول علم النفس الاجتماعي التجريبي وأفاق علم النفس الاجتماعي النقدي كمجال بحثي  جديد وصاعد وواعد. يقع الكتاب في ثلاثمائة وأربع وتسعين صفحة من الحجم المتوسط ويبدأ بمقدمة عامة وينتهي بقائمة كلمات لها صلة بموضوع الكتاب، مصحوبة بشرح ولائحة المراجع المعتمدة وفهرس. ويشتمل على جزأين  أساسين حيث يتناول الجزء الأول بفصوله الثلاثة نقط انطلاق الكاتبة أتناء عرض الاختلافات بين  المقاربتين التجريبية والنقدية. بينما يتناول الجزء الثاني بفصوله السبعة مواضيع في غاية الأهمية في علم النفس الاجتماعي.

يحمل الجزء الأول من هذا الكتاب اسم "نقط الانطلاق"، وينقسم إلى ثلاث فصول تنقسم بدورها إلى أقسام مختلفة. يجيب القسم الأول من الفصل الأول "ما هو علم النفس الاجتماعي؟" عن سؤال جوهري حول ماهية طبيعة الصراع بين علم النفس الاجتماعي التجريبي وعلم النفس الاجتماعي النقدي. وتعزى أسباب هدا الصراع أو الخلاف بين "المعسكرين" أو "القبلتين" حسب الكاتبة إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي:  العلم science  والايديولوجياideology  وطبيعة العالم الاجتماعيthe social world.

فبالنسبة إلى علم النفس الاجتماعي التجريبي، فالمنهج العلمي هو الوسيلة الوحيدة للحصول على معرفة صالحة وفعالة حول  الظواهر والسيرورات والأحداث الاجتماعية، كما أن المعرفة تبقى محايدة إيديولوجيا، وأن العالم الاجتماعي منعزل ومنفصل مع الأفراد الموجودين في نطاقه. بخصوص علم النفس الاجتماعي النقدي، فيرى أن المنهجية العلمية ليست السبيل الوحيد للحصول على المعرفة وأن هذه المنهجية لا تناسب كثيرا علم النفس الاجتماعي.  كما أن المعرفة بما في ذلك المعرفة المبنية على علم النفس الاجتماعي التجريبي لا يمكن فصلها عن الايديولوجيا وأن العالم الاجتماعي نتاج التفاعل بين الناس.

يتناول القسم الثاني من هذا الفصل جذور علم النفس الاجتماعي. وفقا لذلك، فقد بدأت العلوم  الاجتماعية كما نعرفها اليوم في التشكل في أواخر القرن ١٩ وبداية القرن العشرين. في خضم  ذلك، جاء تطور علم النفس بشكل عام  متأخرا بعد محاولات عسيرة في إيجاد مكان له بين باقي العلوم الإنسانية.  وقد وصف Murphy    (1929 :3) وضعية علم النفس كشخص متشرد يطرق باب  الفسيولوجيا تارةً وباب علم الأخلاق (الإيتيقا) تارةً وباب الإبيستمولوجيا تارةً أخرى. ويرى McDougall    (1919 :3) William أن علم النفس الاجتماعي يجب أن يدرس كمجال مستقل، وأن  لا يقبل وصاية السوسيولوجيا والانثروبولوجيا لان دوره يكمن في دراسة منابع الفعل الإنساني والدوافع والمحفزات التي تدعم النشاط الذهني والجسمي  وتنظيم السلوك. وقد انتقد علماء النفس الاجتماعي علم النفس أنداك باعتباره منحصراً فقط على العمليات المعرفية الذهنية على مستوى الفرد، مدافعين عن ضرورة تبني مقاربة علمية في دراسة الظواهر النفسية وكذلك اثر السيرورات الاجتماعية مثل سيرورة انتقال المجتمع من البدائية إلى التحضر. وتعتبر أولوية الغريزة فكرة محورية في نظرية McDougall. فبالنسبة إليه، فالطبيعة الإنسانية  كنتاج لسلسلة من الميولات الغريزية (الدوافع البدائية) هي  الأسس الأولى للسلوك لكن يمكن تغييرها عن طريق العادات الاجتماعية والمعايير الأخلاقية عبر القوة الحضاريةthe civilizing force ، ودور الحضارة الأساسي في الانتقال من المجتمعات المتوحشة والبدائية إلى متحضرة وحديثة ليجعل بذلك من علم النفس التطوري أساس نظريته.

إذا كان  McDougall يرى الأشخاص كنتاج لغرائزهم ولدوافعهم الداخلية والبيولوجية والتي تخضع لعملية  قولبةmoulding  بواسطة القوى الاجتماعية والثقافية لتجعل منهم أفرادا متحضرين فإن   (1907) William James  يرى أن الشخص  كذات  مدركة وواعية ذات إرادة وعزيمة تعطي المعنى للعالم بنشاط وقصدية  intentionalityوبطريقة مترابطة ما يجعلها تتمتع بإرادة حرة.  بمعنى فعلم النفس الاجتماعي لديه ينظر إلى الأشخاص كفاعلين أساسيين وليس كلعبة تتحكم فيها العوامل الاجتماعية والبيولوجية والنفسية.

ظهرت البوادر والتيارات الأولى لعلم النفس الاجتماعي في ظل طموحاته الساعية إلى استرداد جانبه الاجتماعي من علم الاجتماع وأبعاده الثقافية من الانثروبولوجيا. كما أن له جذور في حركتين ظهرتا في أوروبا  والتي سبقتا أعمال  McDougall و William  James   ويتعلق الأمر كل من  علم النفس الشعبي1  Völkerpsychologie في ألمانيا وعلم نفس الحشد  crowd psychology في كل من إيطاليا وفرنسا. وحسب علم النفس الشعبي فالأشخاص الذين ينتمون لمجموعة اجتماعية معينة يميلون إلى التفكير بطريقة جماعية : حمل نفس الآراء والمعتقدات والاشتراك في القيم والافتقار إلى الحكم المستقل كما هو الشأن بالنسبة الطوائف الدينية كجماعة طالبان ، أو المجموعات السياسية ذات قضية معينة كالدفاع عن حقوق الحيوان. ويعتبر كل من Steinthal و Lazarus ابرز مؤسسيه سنة  1900، كما يعد Wilhelm Wundt مؤسس علم النفس التجريبي أحد أبرز مناصريه.  في ما يخص علم نفس الحشد/ الجمهور ، فيبحث في فهم كيف ولماذا حينما تتصرف الجماهير الكبيرة من الناس معا، نجد أنها تشتغل  ككيان موحدentity . وقد جاءت كاستجابة لاهتمامات الثورة  الاجتماعية والسياسية في أوربا مثل الثورة الفرنسية. ويعد المنظر الفرنسي  Gustave Le Bon أكبر مناصري هدا التيار ويتجلى ذلك في كتابه سيكولوجية الحشد المنشور سنة 1895. ويتفق علم نفس الحشد مع تصورات علم النفس الشعبي في مسالة "العقل الجمعي" .the collective mind  فحسب Le Bon، فان الجمهور أو الحشد يتعرض  لإثارة وغضب أو جنون جمعي collective madness يصل مستوى "الوحشية" حينما يتصرف ككلية واحدة وبدائية  بحيث تكون سلوكيات وتصرفات  أفرادها في تنافي تام مع منزلتهم  الأخلاقية ومستواهم الفكري.

يتناول القسم الثالث من هذا الفصل جذور علم النفس الاجتماعي التجريبي. وتعود أول تجربة في علم النفس الاجتماعي إلى Norman Triplett   (1898)  أي قبل  صدور كتاب  مقدمة في علم النفس الاجتماعي لصاحبه McDougall )1909  ( عندما لاحظ نتائج سباق الدرجات  المنظم من طرف الرابطة الأمريكية للدراجين سنة 1897.  وقد لاحظ أن النتائج والتوقيت المسجلة في السباق من طرف الدراجٍين تكون أسرع عندما يكونون في سباق مع بعضهم البعض عكس ما يحرزونه خلال السباقات الفردية. الأمر الذي دفعه إلى افتراض وجود "قوة طاقية/نشاطية" energizing force وهي عبارة عن "محرك نفسي" يتولد أتناء المنافسة، ومن خلال ذلك كون فرضية عامة مفادها أن وجود الآخرين يخلق "تأثيرا منتج للقوة والطاقة" dynamogenic influence ينعكس على سلوك الفرد  ما ينتج عنه تحسين الأداء/الإنجاز. كما تم التطرق في هذا القسم إلى المدارس والنظريات التالية:

- السلوكية :Behaviourism ظهرت السلوكية في أرويا لكنها لقيت انتشارا كبيرا في الجامعات  الأمريكية (حوالي 31  جامعة أبرزها جامعة ميشيغان). والسلوكية في جوهرها تؤمن بأن كل السلوكيات ناتجة عن دوافع غريزية وأن تعلمها يخضع لمنطق التحفيز/ التشجيع أو القمع/ المعاقبة.

- نظرية التعلم الاجتماعي  :Social Learning Theoryالعنصر الأساس في عملية التعلم في هذه النظرية هو "الدافع الاجتماعي" عكس السلوكية التي يرتكز فيها التعلم على "الدافع الغريزي". فبفضل الدوافع الاجتماعية، يتمكن الأفراد من خلق ظروف للتعلم والتصرف وفق سلوكيات محددة. وتتحدد الدوافع الاجتماعية في الرغبة في الاستقلالية والإنجاز والعدوانية، التفوق، الاندماج الخ. عكس الدوافع الغريزية التي تتسم بالوحدة والشمولية، تختلف الدوافع الاجتماعية من مجموعة بشرية إلى أخرى وبواسطتها يصبح الأطفال كائنات اجتماعية بناء على الدوافع والتنشئة الاجتماعية للمجموعة التي ينتمون إليها.

- علم النفس الجشطالتي :Gestalt Psychology أسست الجشطالتية سنة  من طرف     .(1912)  Wertheime  وحسب مدرسة الجشطالت، فإن السياق والتجارب الشخصية يلعبان دور الدافع المهم في طريقة فهم الناس للأشياء.

- علم النفس الاجتماعي التجريبي :Experimental Social Psychology  عموما، يعد  Lewinالأب المؤسس  لعلم النفس الاجتماعي التجريبي وقد اهتم بتأثيرات المجموعات الاجتماعية ودينامياتها وتغيراتها وأسس حقله النظري على مبادئ الجشطالتية. ويرى أن السلوك يتأثر ب "الحقل النفسي" أو "الحقل الاجتماعي".

يتحدث القسم الأخير من هذا الفصل عن جذور علم النفس الاجتماعي النقدي .ففي السبعينات والثمانينات، بدأ عدد من علماء النفس أمثال  Kenneth Gergen وRom Harré و Jonathan  Potter و Margaret Wetherellو Ian Parker في إدخال  نظريات جديدة إلى علم النفس الاجتماعي وتحديدا نظرية البنائية الاجتماعية وتحليل الخطاب وماا بعد الحداثة ليضعوا بذلك أسس ومنطلقات ما تسميه الكاتبة Wendy Stainton Rogers في هذا الكتاب ب"علم النفس الاجتماعي النقدي". وبخصوص مسألتي الحداثة وما بعد الحداثة،  فالحداثة تعني مجموعة من المعتقدات النظرية والأخلاقية والقيم والممارسات والمساعي، التي تم تطويرها في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة تاريخية من عصر الأنوار في القرن الثامن عشر. وتستند الحداثة على أربعة مبادئ رئيسية هي الديمقراطية والفردية الليبرالية والإنسانية الليبرالية والعلوم. وبخصوص ما بعد الحداثة، فقد أثرت بشكل كبير على علم النفس الاجتماعي. ومن منظورها، فإن المعرفة يتم بناءها بدل اكتشفها وأنها متعددة وليست مفردة وأنها الوسيلة اللاتي تمارس بها السلطة.

ترجمة : حمزة الشافعي - المغرب

ماجستير في الدراسات المقارنة (تخصص لغة انجليزية)

...................

- تتم ترجمته كذلك بعلم نفس الإنسان العادي     .(psychology of ordinary people)

- ترجمة مختصرة لكتاب:

Social Psychology

Experimental and Critical Approaches

)Wendy Stainton Rogers, 2003(

رابط الكتاب باللغة الانجليزية:

http://www.imd.inder.cu/adjuntos/article/546/Social%20Psychology.pdf>

 

ahmad alkinaniابتدأ سروش مقالته الثانية من نظريته "احلام نبوية " تحت عنوان جامع هو "خواب احمد خواب انبياست" مما يعني ان حلم النبي ورؤياه هي احلام بقية الانبياء ايضا، وكأنها مرآة عاكسة لاحلام الانبياء السابقين .. ولم تقتصر رؤيا النبي على تجربته الروحانية فقط وانما اتسعت لتشمل تجارب بقية الانبياء السابقين، وكأن محمدا حاضر مع موسى حال نطق الشجرة بالالوهية " فلما اتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة ان يا موسى اني انا الله"، وكان مع اليسوع في مشاهدة ساحة الاعدام "وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم "، وكان مع ابراهيم عندما قدم فلذة كبده قربانا للاله " فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين "، وكان مع يونس عندما غضب من الله ثم تاب واناب "وذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين "، وبالنهاية كان مع الانبياء جميعا عندما كذبهم قومهم فنصرهم الله عليهم " حتى اذا استياس الرسل وظنوا انهم كذبوا جاءهم نصرنا " .

هكذا انعكس تاريخ الانبياء في رؤياه ومشاهداته، ونقل الينا ان نوحا لبث في قومه يدعوهم الى الله الف سنة الا خمسين عاما الى ان اغرقهم الطوفان، وان بعض اليهود لعصيانهم اوامر الاله مسخوا قردة وخنازير، وان عزير اماته الله مائة عام ثم بعثه للحياة من جديد، وان نهر النيل انشق نصفين وابتلع المصريين وفرعونهم، وان عصى موسى تحولت الى ثعبان مبين ...

كيف يمكن تفسير تحول الانسان الى قرد او خنزير، او عودة عزير الى الحياة بعد مماته وكذلك انشقاق البحر .. اليس كل ذلك بحاجة الى ان يفسر بلغة الاحلام واذ لا يخلو من التكلَف الكبير اذا ما فسر على اساس الواقع، وها هي كتب المفسرين القدامى تعج بالخرافات والتاويلات والاحاديث المتعارضة لتصحيح قصة مسخ اليهود الى قردة وخنازير، اما المعاصرين منهم فقد بحثوا في الجينات والخلايا وشاهدوا التشابه الكبير بين الانسان والقرد والخنزير فاثبتوا المسوخ لبعض الجنس البشري المتمثل باليهود !!

يقول سروش بل الامر يتعدى ذلك لدرجة ان النبي في رؤياه مع ذاته احيانا ينوب مناب الانبياء ويتحدث بالنيابة عنهم، وتجربته الباطنية تتحول الى تجربة لبقية الانبياء، بل يمكن القول بان اسم احمد يصبح اسم لكل الانبياء، فعندما يرى النبي محمد ابراهيم في المنام ويطلب من الرب كيفية احياءه الموتى للمزيد من اليقين والاطمئنان فياتي الجواب ان يذبح اربعة من الطيور ويجعل على كل جبل جزا منها ثم يدعو الطيور المذبوحة فيأتين اليه سعيا ...هذه القصة تظهر مكنون ما في نفس النبي من طلب الاطمئنان حول احياء الاموات لكنها ظهرت على شكل سؤال ابراهيم لربه وجواب الرب لابراهيم في حوارية الطير والجبل الخيالية، وكذلك رحلة الشك الابراهيمية بين القمر والشمس وافولهما الى اليقين بان الله فاطر السموات والارض هي تجربة محمدية بلباس ابراهيمي .

ذلك لان الرؤيا مقولة اللايقال ووصف لما لا يوصف تماما كالشعر الاصيل والادب الرصين، فالحقيقة المكتومة التي لا مجال لها في الواقع تخرج احيانا الى فضاء الشعر والادب للافصاح عن مكنون بداخله بلغة الشعر ورؤيا الحديث، الرؤيا والواقع، النوم واليقضة امران متعاضدان، عندما تضعف لغة اليقضة عن البيان تفصح عنها لغة الخيال لتقول ما لا يقال وتوصف مالا يوصف . الانبياء ابطال عالم الخيال عندما تضيق الطبيعة عن بيان مكشوفاتهم .

نعم لدينا احلام سفيهة واضغاث احلام رخيصة كاشعارنا الهابطة احيانا، لكن بين هذا وذاك تتوافر لدينا احلام متعالية تفصح عما لا يمكن الافصاح عنه في اليقضة، احلام الانبياء من هذا النوع ومن النوع المتعالي جدا تتسامى لاعالي السماء اللامتناهية

 

للحديث بقية ..

 

abdullah badrhskandarيرتبط الكدح في الحياة الدنيا بمجموعة من الطرق منها ما يكون أقرب إلى الهدى ومنها ما يلازم العكس وهنالك طرق أخرى تتشعب في الاتجاهات بحيث تصبح مجانبة لكل من الطريقين الرئيسين، وبالتالي يبتعد أصحاب هذه الطرق عن جميع الغايات المقررة في السلوك المماثل للطرق الأولى، وبتعبير آخر نستطيع القول إن حياتهم ستكون في منأى عن الإبداع، وبهذا القدر يفقد هؤلاء الشرعية الأرضية كون الإنسان الذي سار في هذا النهج لم يحصل على مقتضيات السعادة الدنيوية فضلاً عن السعادة الأبدية التي هي مبتغى كل ذي عقل، وبهذا يطمئن إلى ما هو فيه من العيش ثم يلجأ إلى الاستقلال الذي يغنيه عن اتباع الحق سواء علم به أم لم يعلم، وبذلك يكون مصداقاً لقوله تعالى: ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف 179.

من هنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يسعى لطلب العاجلة والإنسان الذي يريد العاجلة كذلك إلا أن سعيه لم يكن على سبيل الاستقلال وإنما يأخذ بالأسباب المؤدية إلى طريق الله تعالى، وبهذا يكون الذم قد وقع على الأول حتى لو كان من الذين وهبهم الله تعالى جميع ما يدعون في هذه الدنيا، علماً أن هذا الصنف من الناس لا يعتمد على الأسباب وإن كانت بين يديه، وذلك كون الحكمة الإلهية تقتضي أن تكون هناك مسوغات آنية قابلة للتجزئة التي تستند على الإرادة المحضة دون العطاء الجزافي الذي يتغير نظراً للاعتبارات التي تسير بموجبها القواعد الأساسية للبناء المادي، وإن كان مبتغى الإنسان بل ومبلغه من العلم هو الوصول إلى النتائج المرادة له بغض النظر عن اقتران الغايات بمسبباتها، وقد بين تعالى الغاية التي يطمح إليها هذا الصنف من الناس بقوله عز من قائل: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا... ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) النجم 29- 30.

وكما ترى فإن الآية قد بينت للمخاطب علة الإعراض عن هؤلاء وذلك بسبب وقوعهم في الضلال والوقوف عند هذا الحد دون البحث عما هو أرقى من هذا المبلغ الذي لا يريدون الخروج منه، وبهذا تكون الدنيا هي أقصى غاياتهم علماً أنهم لا يملكون الاستقلال المطلق الذي يمكنهم من الحصول على كل شيء كون الإرادة الإلهية هي التي تتحكم في البسط والتقدير حسب المنافع التي يعلمها الله تعالى والتي ذكرها بقوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير) الشورى 27. والمعنى ظاهر في منطوق الآية أي لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، بما في كلمة البغي من مصاديق متفرعة عن أنواع الفساد، ولهذا السبب قيد تعالى الرزق بالمشيئة الإلهية التي فرعها على المنافع العامة، وقد أشار سبحانه إلى العلة من ذلك في قوله: (كلا إن الإنسان ليطغى... أن رآه استغنى) العلق 6- 7.

فإن قيل: وماذا عن الناس الذين يتمتعون بشتى أنواع الرزق إلا أن أعمالهم لا تنسجم مع المصلحة التي بينتها؟ أقول: للسنن الإلهية سنن أخرى حاكمة عليها إذا علمنا أن هذا الفعل لا يتطابق مع العبثية كون العامل فيه يرد إلى الابتلاء والاختبار لأجل أن تتم الحجة على الناس من خلال ما يسبغ عليهم سبحانه من النعم الظاهرة، وقد ذكر تعالى إحدى هذه السنن بقوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) التغابن 15. وبالإضافة إلى هذه السنة هناك سنة أخرى وهي سنة الاستدراج التي تحيق بصنف من الناس، دون أن يشعروا بالنتائج الخافية عليهم جراء ما يملكون من أموال، وقد أشار تعالى إلى هؤلاء بقوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) التوبة 55. وكما ترى فإن الأموال لا ترافقهم إلا لأجل مسمى وذلك نظراً إلى سوء اختيارهم ومن هنا وجه تعالى المخاطب إلى عدم مد عينيه إلى ما متع به هؤلاء من النعم، كما في قوله: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) طه 131. وقريب منه الحجر 88. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد... متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) آل عمران 196- 197.

وتأسيساً على ما تقدم نعلم أن الإرادة الإلهية قد تحول بين الإنسان وبين الحصول على النعم التي يسعى إليها وإن وجدت تلك النعم بطريق أو بآخر فإن مصيرها إلى الهلاك المتفرع عن الاستدراج، وهذا ما يستشف من التقييد الظاهر في قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا) الإسراء 18. ثم قابل سبحانه هذا الصنف من الناس بأولئك الذين شكر سعيهم وذلك في قوله: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) الإسراء 19. فالآية الأولى قيدها تعالى بقوله: (لمن نريد) أما الثانية فقيدها بقوله: (وهو مؤمن) فتأمل الفرق.

من ذلك نفهم أن نعم الله تعالى لا تقتصر على المؤمن بل تمتد لتشمل الكافر إلا أن ما يتمتع به الأخير لا يعد إلا من المتاع القليل قياساً إلى ما يتمتع به المؤمن في الآخرة، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) النساء 77. وكذا قوله: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) التوبة 38. وفي الآيتين ما يدل على أن النعم التي أسبغها الله تعالى على الكافر لا قيمة لها وذلك لقصر المدة التي يتمتع بها، ولولا انتشار الكفر وميل ضعيفي الإيمان إليه لوهب الله تعالى للكافر جميع أنواع النعم التي تفيض عن حاجته، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون... ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون... وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) الزخرف 33- 35. ومن هنا يجب ملاحظة الفرق بين الفريقين حيث إن انتفاع المؤمن بنعم الدنيا لا يقتصر على الاستقلال فيها وإنما يمتد ليتصل بنعيم الآخرة، أما تمتع الكافر فلا يخرج عن حدود الحياة الدنيا إذا علمنا أن الله تعالى سوف يضطره إلى عذاب النار.

وبناء على هذا الوجه نرى كيف أراد إبراهيم (عليه السلام) اقتصار الرزق على المؤمنين من أهل مكة إلا أن الله تعالى أجابه بما هو أعم من ذلك، أي إن عدل الله تعالى سوف يشمل المؤمن والكافر مع بعض التقييد الذي سنبينه في تفسير آية البحث.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) البقرة 126. يظهر من سياق الآية أن إبراهيم خص بدعائه المؤمنين ولكن الله تعالى أجابه بأن رزقه يشمل المؤمن والكافر إلا أن رزق الكافر مقيد بالمدة التي يعيشها في الأرض ولذا وصفه سبحانه بالمتاع القليل، والدليل على اقتصار إبراهيم في دعائه على المؤمنين يرجع إلى أمرين:

الأول: يتعلق بالعلم المسبق الذي يدل عليه قوله تعالى: (قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة 124. والإمامة من مصاديق الرزق المعنوي، ولهذا كان دعاؤه لا يتعدى إلى غير المؤمنين.

الثاني: لا يليق به الدعاء للكافر بأن يوسع الله سبحانه عليه بالرزق، بعد أن تبرأ من عمه عند علمه بكفره وقد بين تعالى هذا الوجه بقوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) التوبة 114.

فإن قيل: ما وجه الجمع بين قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) إبراهيم 35. الذي ورد فيه البلد بصيغة المعرفة وبين آية البحث التي نكر تعالى فيها البلد؟ أقول: الدعاء الوارد في آية البحث كان قبل السكن أما في آية سورة إبراهيم فكان بعد السكن، فتأمل ذلك بلطف. 

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر  

ahmad alkinaniمن جملة الادلة التي يتكئ عليها سروش في اثبات مدعاه من ان لغة القرأن تنتمي الى عالم الرؤيا هي تلك النصوص التي تتحدث عن عالم الغيب والشهادة، عن عالم اللامحسوس والمحسوس، نصوص تصف الملائكة والقيامة والجن والعرش والميزان ... واخرى تأمر وتنهى وتشرع احكاما وقضاءا وعقوبات .. هذا يجعل القارئ للقرأن امام نوعين من القراءة، قراءة يشوبها الخيال والرؤيا واخرى تعلوها الواقعية واليقضة، وكأن العين التي قد غشيها النوم وهي ترى مخلوقات كأن رؤوسها طلع الشياطين قد استيقضت لتشرع احكاما وقوانين .

يقول سروش برغم هذين النحوين من القراءة نحو ينتمي الى عالم الاحلام والاخر الى عالم اليقضة لكن يمكننا القول ان للقرأن لغة واحدة هي لغة الاحلام، وذلك لان الفضاء الذي تتحرك به لغة الوحي هو فضاء خيالي ومنبع الوحي هو التصورات والانكشافات .

من هنا يفهم الخطأ الذي وقع به المفسرون حيث ابتدأوا قراءتهم للنصوص من عالم الشهادة وغرَتهم الاحكام والتشريعات وانتهوا بعالم الغيب  فوقعوا في ورطة حل طلاسم ذاك العالم المجهول، بل حتى عالم التشريعات والاحكام هذا يعلوه لون الغيب بدرجة اندماج لغة الغيب بلغة التشريعات .

هذا يقودنا الى التصور الذهني عن الله والناتج عن اندكاك عالم الغيب بعالم الحضور، اتصال الخالق بالخلق وتصور الاله بشكله المادي البشري، فيتصور الذهن ان الله جالس على العرش كالملك المقتدر المهيمن حيث يدور حوله ملائكة غلاظ هناك في  السماء السابعة وبيده الرمونت كنترول وعن بعد يرسل اوامره لعباده يحركهم ذات اليمين وذات الشمال، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم،يدعوهم الى السلم تارة والى الحرب تارة اخرى بل يقاتل معهم ويمدهم بألف من الملائكة مردفين ...

اندكاك الخالق بمخلوقاته وحضوره فيهم اهم شئ ممكن تصوره في الانكشاف الروحي الحاصل للنبي حيث انعكس على جملة من النصوص فكان يرى ويسمع المخلوقات تسبح بحمده،وما من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ..، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ... وتنسب كل الافعال اليه وحده فهو يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، ويريهم البرق خوفا وطمعا، وينزل من السماء ماء طهورا، وهو معكم اينما كانتم، وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى، افارايتم ما تحرثون اانتم تزرعونه ام نحن الزارعون  .

هذا الموضوع استهوى الفلاسفة المسلمين فأفردوا له بابا في ابحاثهم اسموه التوحيد الافعالي ثم تطور اكثر فأكثر حتى وصل الى الحلول او وحدة الوجود، وساقوا اليه عشرات البراهين الفلسفية لاثباته ودعموه بمئات التجارب القدسية والعرفانية، ولعل الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي المعروف بصدر المتألهين في رسالة خلق الاعمال خير كتاب يمكن الرجوع اليه لمعرفة دقائق الامور، وكيف آلَت الامور الى هذا المستوى من التعقيد الفلسفي الذي لا طائل تحته سوى رموز ومصطلحات قد اخطئت طريقها واضلَت سالكيها ... هناك في الفصل الرابع يقول صدر المتألهين "يهات ان الحالَية والمحلَية مما يقتضيان الاثنينية ... فظهر ان لا ثاني في الوجود وان ليس في الدار غيره ديَار" . فانتهت الحال بالمتألهين ان يتصوروا ان الوجود لله فقط ولا وجود لغيره .

والتوحيد الافعالي هذا يعتبر من اكثر المباحث الفلسفية والكلامية اثارة للسخرية والاستهزاء بالعقل والارادة، لانه قائم على سلسلة مقدمات خاطئة مستفادة من النصوص اوصلت مفسريها الى نتائج كارثية على الفكر الفلسفي والتصوف الاسلامي، وكان لابد من التأمل في قراءة النصوص غير الواقعية والتي تنتمي الى عالم الخيال وحلَها هناك في عالمها الخيالي، ومن الخطأ الفادح حمل تلكم النصوص على الواقعية والقول بان الافعال مستندة الى الله وحده . 

من تلك النصوص النص القائل "وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى "الانفال 17 او " افأرايتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه ام نحن الزارعون " الواقعة 64

يمكننا ادراك نسبة الرعد والمطر والزلازل الى الله باعتبارها مجهولة الاسباب زمن نزول تلك النصوص، اما نسبة رمية الرمح الى الله وتغافل دور الرامي وكذلك دور الفلاح في حراثة ارضه ونسبتهما الى الله فهذا امر يصعب ادراكه  !!

بالطبع هناك توضيح ساذج لما قد يقال من اللوازم المحذورة على هكذا تصور كالغاء قانون العلية وتخلف العلة عن معلولها ... بأن الفاعل الحقيقي هو الاله وتدَخل المخلوقات في انشاء الفعل هو بالواسطة وبالعرض، او ان الفعل ينسب اليهما معا فهو فعل الانسان وفي الوقت ذاته هو فعل الله .. لكن الفلاسفة والعرفانيين قد ذهبوا بعيدا في نسبة الافعال الى الله فقالوا بالحلول وبوحدة الوجود وما الى ذلك ... حتى ادعى صدر المتألهين ان الفلاسفة متحدون في القول بأن وجود المخلوقات او ما يسميه بالممكنات بالنسبة الى وجود الله وجود رابطي، وعبارته في كتابه الاسفار 1/329 تنص على " الممكنات طرا مادياتها في عالم الشهادة مفارقاتها في عالم الغيب، موجودات لا لذواتها بل لغيرها الذي هو فوق الجميع ووراء الجملة وهو الواجب تعالى"  .

ولندع نتاجات الفلاسفة جانبا والرجوع الى موضوعة الرمزية في احلام الانبياء، وهو عنوان المقال القادم .

للحديث تتمة ...

 

abdullah badrhskandarعدم رؤية الأشياء بصورتها المتكاملة في هذه النشأة يرجع إلى التكوين الجزئي الذي استقرت عليه إذا علمنا أن الظهور الفعلي لهذه المسلمة لا يمكن أن يصل إلى ذروته النهائية، وهذا ما يشهد به الفرق بين النشأة الأولى وما يقابلها من النشأة الأخرى التي يرد فيها كل شيء إلى نسبته، وقد يتضح هذا المعنى من خلال الآيات التي تبين النوعية المثالية لجميع ما هو مشاهد في الآخرة أو يعلم بالضرورة، كمعرفة الله تعالى التي تتجلى يومئذ دون الرؤية البصرية التي تنسب إليه زوراً وبهتاناً، ولا يخفى أن هذا الأمر يعد من أعظم الأمور التي بينها سبحانه في كتابه المجيد، كما في قوله: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق 22. والآية تبين مدى تقطع الأسباب في هذه النشأة ورجوعها في الآخرة إلى الحق سبحانه أي بعد انقضاء أمدها وتعلق الإنسان بها علماً أن وجودها لا يتقارب مع الظهور النهائي لفاعليتها المرئية، ولهذا تكون النشأة الآخرة كاشفة لأصلها وإن شئت فقل مرجعة إياها إلى مسببها الأول الذي نشأت منه، ومن هنا ظهرت نتائجها النهائية للإنسان في يوم البعث وما وراء ذلك اليوم كون الأمر لم يقتصر على علم الإنسان وإنما يرجع إلى مسبب الأسباب مع تجرد الأول عن هذا الملاك، وهذا ما بينه تعالى بقوله: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) الانفطار 19. وكذا قوله: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) غافر 16.

من هنا نعلم أن هناك حقيقة أخرى تكمن في تكامل الأشياء في هذه النشأة إلا أن الغفلة الإنسانية قد حالت بينها وبين الوصول إلى معرفتها، وهذا ما يفهم من معنى الغطاء إذا علمنا أن المصطلح لا يتطابق إلا مع الأشياء الظاهرة بالفعل، ومنطوق الآية يشهد بهذا الوصف إذا أضيف إلى المفهوم المحض المستخلص من السياق، وقد يؤيد هذا المعنى بقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون) السجدة 12. وفي الآية ما يدل على ظهور الملكات على وجهها دون لبس أو شك، ويمكن أن يرد هذا المفهوم إلى قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون... لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) المؤمنون 99- 100. وفي المنطوق ما يدل على أن الحقائق بدأت تظهر للإنسان عند مقاربة الموت وقبل الدخول الفعلي إلى عالم البرزخ، وقد يعضد هذا المعنى بقوله سبحانه: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) الأنعام 27. وبهذا تظهر النكتة في الآية اللاحقة أي في قوله تعالى: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) الأنعام 28.

وتأسيساً على ما تقدم نعلم أن جميع الأشياء سوف تظهر على حقيقتها التي لم يصل الإنسان إلى اكتشافها نظراً إلى ما ران على قلبه من الآثام إذا ما استثنينا الأوحدي من الناس، ومن الشواهد على ما نحن فيه قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) الأعراف 172. وعند تأمل هذا التفصيل نعلم أن الإنسان لا يزال قاصراً عن الوصول إلى معرفة الظهور الكلي للأشياء ابتداء من يوم ولادته وحتى خروجه من هذه الدنيا، ولهذا نسبه تعالى إلى عدم الإدراك وذلك في قوله: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) النحل 78. ولما يبلغ الإنسان مبلغاً من العلم نلاحظ أن الحق سبحانه يوجهه إلى قصور آخر يظهر من خلاله عدم علمه بحقيقة الأشياء، كما في قوله جل شأنه: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) الروم 7.

وعند تأمل هذا الوجه نفهم أن الإنسان لم يصل إلى التكامل المطلق في هذه النشأة ما يجعلنا على يقين بأن وجوده في هذه الأرض لم يكن على حقيقته التي هي عند الله تعالى، ومن هنا كان نسيانه يرجع إلى عدم تحقق العلم لديه بالأصول الثابتة وذلك نسبة إلى تراكم الأحداث التي تظهر أمامه في هذه النشأة، أما ما يقاس إلى دوره في التكليف بناء على العهد الذي تقدم ذكره فهذا من المحال إذا رجعنا إلى الهيئة التكوينية التي نشأ بواسطتها، ومن هنا يمكن ملاحظة الفرق بين التكليف المطلق وبين الحجج التي بينها سبحانه في آية الذر آنفة الذكر، هذا من جهة التكوين البدائي دون جهة الإنزال التي ذكرها تعالى بقوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) الحجر 21. ومن بين تلك الأشياء تظهر حقيقة النسب الإلهية التي أودعها سبحانه في هذه الأرض وتعبدنا بها، علماً أن ما ينزل من الخزائن إلى الأرض ما هو إلا أحد الأجزاء التي ادخرها تعالى عنده ثم جعل إنزالها متفرعاً عن موجودات أعظم وأقدس، وهذا ما بينه بقوله: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل 96. ومن أجل الأشياء تجسيداً لهذا الإنزال هو بيت الله تعالى الذي يمتد أصله إلى البيت المعمور، وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير آية البحث:

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) البقرة 125. ذكرنا في بحثنا أن جميع الأشياء في هذا العالم ما هي إلا أمثلة لأشياء أجل وأقدس منها بل هي الفرع المقابل للأصل الذي تتنزل منه، وقد دلت الآية 21. من سورة الحجر آنفة الذكر على ذلك، وبناء على هذا يتحصل أن كل ما نشاهده في عالم المادة لا يخرج عن كونه علامة ظاهرة على وجود الخالق سبحانه الذي يتجلى لخلقه بخلقه ولهذا قيل إن لكل جزء من أجزاء الكعبة وأركانها أصلاً ثابتاً عند الله تعالى، وقد بينا ذلك في الآية 96. من سورة النحل التي أوردناها في بحثنا والتي فيها دلالة على بقاء الأشياء عند الله تعالى ونفادها عما سواه، ومن هنا تترتب على جلالة الأشياء المقدسة هذه الأهمية التي نشاهدها في هذا العالم، وما بيت الله الحرام إلا أحد هذه المقدسات المتجسدة في عالم المادة، ولهذا السبب جعله سبحانه مثابة للناس وأمناً، ولأجل هذا تكون العلاقة بين البيتين أي البيت المعمور وبيت الله تعالى الذي في الأرض كالعلاقة بين الأصل والفرع، ولذلك بوأ الله تعالى لإبراهيم مكان البيت وعرفه إياه وفي هذا دلالة على أن الموضع المشار إليه لم يكن تعيينه وليد اللحظة، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) الحج 26. والآية تثبت أصل البيت ومكانه المقرر قبل البناء المادي.

(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) من آية البحث. (وإذ) ظرفية أي اذكروا وقت جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، وبهذا يكون التقدير مشتملاً على كثير من المعاني المحذوفة والتي يستدل عليها بلفظة (وإذ) ومنها فرض الحج وفعل ما هو مقرر من المناسك، ثم عطف تعالى على هذا الجعل اتخاذ مقام إبراهيم للصلاة كما في قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) من آية البحث.

والبيت يعني المرجع الذي يجتمع فيه أهله، والمصطلح يعطي هذا المعنى بجميع أبعاده وصولاً إلى بيت الشعر الذي تجتمع فيه الحروف والكلمات، وإذا أطلق في القرآن الكريم فلا يراد منه إلا بيت الله، وهناك إضافات أخرى يفهم معناها بواسطة الدلالة الإلزامية، كالإضافة إلى ياء المتكلم أو إلى أوصاف أخرى كالحرام والمحرم والعتيق، كما في قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) المائدة 2. وكذا قوله: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) إبراهيم 37. وقوله سبحانه: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) الحج 29.

أما معنى مثابة أي مرجع والمراد ههنا الرجوع المتكرر إلى البيت وثاب أي رجع، ويستعمل المصطلح في الخير والشر، ومن الأول ما ذكر في آية البحث ومن الثاني قوله تعالى: (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) المطففين 36. أوردت اسم السورة على الحكاية، ومنه قوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل) المائدة 60. والباقي ظاهر.

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

 

عبدالله بدر اسكندر  

لا تحتوي لغة الاحلام على المجازات والاستعارات والكنايات، بمعنى ان التصورات التي يراها الحالم في منامه لا تحمُل الا على معانيها الحقيقية، وليست بحاجة الى مراجعة القواميس اللغوية للوقوف على معاني الالفاظ ودلالاتها،ولعل مفسري الاحلام هم القادرون على فهم دلالاتها، والحالم برؤية الشمس والقمر عند نقله لرؤيته لتلك الاجرام للاخرين فهو ينقل مشاهدة الشمس والقمر حقيقة لا شئ اخر، فلغة الاحلام هذه تختلف عن لغة الادب، مثلا الشاعر حينما يضَمن ابياته الفاظا كالشمس والقمر فهو يرمز الى محبوبته بالشمس اوالقمر ولا يقصد القمر بذاته لوجه شبه ما يجمعهما كالجمال مثلا ...

وحينئذ عندما نقرأ الأيه " وكان عرشه على الماء " هود 7  لا يعني ذلك ان للعرش معنى مغاير عن العرش المتعارف عليه وان الماء شئ اخر غيرما نعرفه عن الماء، فالاية ليست خبرا منقولا وانما هي مشاهدات ومكاشفات منقولة بمعانيها الحقيقية ومن دون المجازات والاستعارات، ولو اريد لنا تفسير هذه الاية لابد من الالتزام بالمعنى الحقيقي للعرش والماء وان عرش الله على الماء، هكذا رأها النبي ونقلها لمخاطبيه، لكن فهمها يتوقف على انها رؤيا، وانها ترمز الى شئ ما في الواقع، وهي بحاجة الى مفسري الاحلام اكثر من حاجتها الى مفسري القران .

هكذا يقرر الدكتور سروش اذ لامعنى للمجازات والاستعارات في هذه الاية وامثالها، وهذه قضية في غاية التعقيد لان مفسري القرأن عند الوصول الى مثل هذه الايات تصيبهم الحيرة فيلتجئوا الى قاعدة قرروها في علوم القران اسموها المحكمات والمتشابهات استنادا الى صريح القران القائل ان فيه ايات محكمات واخر متشابهات، والمتشابهات هذه لا يعلمها الا الله فلنرجئ امرها الى الله، وعرش الله على الماء قالوا انها تصب في خانة المتشابهات !

وليس بعيدا عن هذه النقطة بالذات ابداعهم علما من علوم القرأن اسموه " علم الوجوه والنظائر " وقالوا في هذا العلم ان الفاظ القرأن لا يؤخذ معانيها من المعاجم اللغوية اخذا مجردا، اذ لكل لفظ قالب تصويري مجرد للمعنى، ولا يستقل التفسير بأحد المعاني الواقعية التي يحتملها اللفظ الا بالسياق وهو وجود اللفظ ضمن تركيب جملة ذات معنى، فالسياق هو الذي يقرر المعنى . فلفظة الماء الواردة في مجموعة من الايات تعني المائع وليس معناه الماء المتعارف، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الماء الذي يطفو عليه عرش الله، لان السياق دال على ان عرش الله على الماء كان قبل خلق السموات والارض " هو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ".فلا يستقيم معنى المائع هنا وعن اي مائع يتحدثون لان السماوات والارض بعد لم يخلقا بحسب سياق الاية، والنتيجة اذن هي من المتشابهات التي لا تصل عقولنا الى ادراكها . وهذه احدى المغالطات التي وقع بها المفسرون نتيجة الخلط بين الحقيقة والمجاز وكان قد اشاراليها سروش فيما مضى .

وليست هذه الاية الوحيدة التي لا يمكن فهمها على اساس انها اخبار عن الله،ولا يتيسر فهمها الا على القول بانها لغة حلام ومكاشفات، حالها حال الايات التي تتحدث عن الشهاب الثاقب واحراقه للشياطين والمردة الذين يسترقون السمع من الملأ الاعلى : " انا زينا السماء الدنا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون الى الملأ الاعلى ويقذفون من كل جانب.  فالايات تشير الى ان السماء مليئة بالملائكة الذين يقومون بدور الحراس فاذا اقترب شيطان مارد ليسترق السمع الى الوحي ليقفل به راجعا الى الارض سيتعرض الى قصف من الشهب ويتم احراقه في الحال ...

هذه الايات وغيرها اوقعت المفسرين في مغالطات غريبة عجيبة حتى بعضهم حاول ايجاد مخرجا لها يتناسب مع معطيات العلم الحديث، اذ حتى طلاب المدارس الصغار صاروا يعلمون ان السماء التي تتحدث عنها الايات ليست هي السماء التي اقرتها بديهيات علم الفلك،و كيف يعقل ان الكون بحسب الفهم الحديث له ان يكون مسرحا وصراعا بين الملائكة و الشياطين تستخدم بها الاسلحة الفتاكة والحارقة المتمثلة بالشهب، لكن هذا البعض من المفسرين اوقع نفسه في متاهات لا داعي لها، من هؤلاء المفسرين محمد حسين الطباطبائي.

السيد الطباطبائي والشهب:

وكمثال لمغالطات المفسرين يتعرض سروش الى البحث الذي ذكره السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان حول رؤيته العلمية للشهاب الثاقب الحارق للشياطين  و رده للمفسرين حول كيفية تصويرهم لاستراق السمع من الشياطين ورميهم بالشهب... يتلخص اعتراض صاحب الميزان على من سبقه: بأن تصوراتهم مبتنية على ما يسبق الى الذهن من ظاهر الايات، و بأن هناك افلاكا محيطة بالارض تسكنها جماعات من الملائكة ولها ابواب لا يدخلها الا واحد منهم ويحملون بأيديهم شهبا ويرصدون المسترقين للسمع من الشياطين فيقذونهم بالشهب وينهونهم عن بكرة ابيهم .

يقول الطباطبائي: هذه الايات من قبيل الامثال المضروبة التي تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من الحس، فيكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا افق اعلى نسبته الى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة باجرامها الى الارض، والمراد باقتراب الشياطين من السماء واستراقهم السمع وقذفهم بالشهب اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على السرارالخلقة والحوادث المستقبلية ورميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت ...تفسير الميزان ج17 تفسير سورة يس 66

يقول سروش في رد هذا الكلام: كيف يعقل لشياطين غير محسوسة وما وراء الطبيعة ان تحرق بشهب محسوسة ومن ضمن الطبيعة، لكن الطباطبائي لو تنبه الى ان رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج الى كل تلك التأويلات، ولذهب الى عالم بالاحلام والانثربولوجيا ليدله على معنى: شخص في تاريخ وجغرافية الحجاز ومن ثقافة تلك الحقبة يرى في المنام ان الشياطين تقذف بالشهب .

طبعا الطباطبائي يتكلم عن عالم الشياطين والشهب فيما وراء الطبيعة وفي عالم الملكوت ولهذا استبدل لفظة الشهب بنور الملكوت، لكن يبقى اعتراض سروش في محله بناء على متبنياته .

للحديث تتمة ...

 

احمد الكناني

 

 

التعريف الغامض للمصطلح قد يؤدي إلى فقدان التوازن المثالي للسان المبين، وهذا من الأمور التي تثير الغرابة لدى العارفين بهذا المقام إذا ما علمنا يقيناً أن النهج الجزافي المتبع عنوة في هذا العصر لا يزال يلقي بظلاله على المفاهيم التطبيقية من أجل أن يباعد بينها وبين الأسس الموضوعة لها، بمعنى أن اجتياز البنى اللغوية يجعل القول السديد يأخذ بالانحدار إلى الدركات السفلى وبالتالي يتلاشى بريقه شيئاً فشيئاً وههنا تكون النهاية قد كتبت بأيدي من كان يظن أنه المخلص الفعلي للملكات اللسانية، وتعليلاً لذلك نرى أن كثيراً من المصطلحات قد صدفت عن رسم الصور البيانية التي تعمل على تغطية الألفاظ المقررة للمعاني، ومن الأمثلة على ما نحن بصدده مصطلح الإمامة الذي أشكل على جم غفير من العاملين في مقامات العلوم الشرعية، كون المصطلح يرمز للتبعية المكملة للنبوة، ولذلك ذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى أن الإمامة هي الزعامة أي الرئاسة العامة وما يتفرع منها على خلافة الأمة سواء تم ذلك بالإجماع أو عن طريق آخر، وأنت خبير بأن الطريق الآخر الذي التزموه لم يكن مستنداً إلى نص يثبت دلالته الشرعية، وبطبيعة الحال فإن الذين ذهبوا إلى هذا الاتجاه لا يهمهم الارتقاء بالزعامة بقدر ما كان مرادهم هو التخلص من التقارب الحاصل بين المنزلتين.

وبناء على ما ذكرنا يكون هذا المنحى هو أقصر الطرق التي تؤدي إلى الحلول الصحيحة حسب اعتقاد الأعلام الذين أشرنا إليهم، وعند الرجوع إلى متفرقات القرآن الكريم الخاصة بالإمامة نلاحظ أنها فعلاً تعني الزعامة ولكن ليست الزعامة السياسية وإنما الزعامة الدينية، وإن كانت بعض مصاديق الكبرى لا تخرج عن هذا المعنى عند التطبيق الملازم للأسوة الحسنة التي لا تتخلف في سلوكياتها المستمدة أمرها من أمر الله تعالى، وعند الأخذ بهذا الوجه نصل إلى معرفة الحقائق التي تتجسد معطياتها في التطابق التام بين الأصل والتبع، بمعنى أن الإمام يكون بمنزلة الوسيط بين الحق سبحانه وبين المأموم، وهذه المكانة لا تتأتى لجميع الصلحاء من الناس وإنما تكون مصاديقها متمثلة في أولئك الذين نالتهم مرتبة الأمر الإلهي، وقد يعزز هذا المعنى بمجموعة من الآيات كقوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة 24. وكذا قوله: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) الأنبياء 73.

وتأسيساً على ما قدمنا يظهر أن الإمامة بمفهومها العام تتضمن معنى الزعامة الروحية المؤيدة بالرسالة الإلهية وإن شئت فقل الزعامة المكملة للتأييد الروحي الذي أرسل به الأنبياء، وبهذه النتيجة تكون الكبرى قد استقلت بمعنى الطريق الموصل إلى النهاية دون انقطاع مهما اختلفت المناسبات كون الزعامة البشرية لا تخرج عن الأمر الإلهي كما قدمنا وكما أشارت إلى ذلك الآيات التي ذكرناها بهذا الصدد، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وإنهما لبإمام مبين) الحجر 79. أي إن آثار قرى قوم لوط والأيكة لبإمام مبين أي طريق واضح وقاصد لا ينقطع سبيله سواء في المشاهدة المادية أو الاعتبار المعنوي، ونظراً لهذا التجانس نلاحظ أن المصطلح لا يزال يعطي نفس المعنى في جميع السياقات التي ورد فيها وإن اختلفت المصاديق كما في قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة) هود 17. ولا يخفى أن الكتاب يصل بأتباعه إلى السبيل المقصود.

 فإن قيل: ما وجه الجمع بين ما تقدم وبين قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) القصص 41. وقريب من هذا المعنى ما ورد في الآية 12. من سورة التوبة؟ أقول: المصطلح يعطي نفس المعنى الذي يشير إلى الطريق القاصد، كون المراد من الاقتداء هو الوصول إلى النتيجة على الرغم من اختلاف السبل، ولذلك عبر القرآن الكريم بالإمام بناء على اتحاد النتائج دون التفريق بين المفهوم العام وما يتفرع عنه من مصاديق ولهذا تم الحفاظ على الأصل المراد من المسمى، ويشهد لما نحن فيه قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) يس 12. أي الإمام الذي أحصى سبحانه فيه علم كل شيء، وبهذا تظهر النكتة في قوله جل شأنه: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) الإسراء 71. وسيتضح المعنى المراد من الإمامة التي جعلها الله تعالى لإبراهيم (عليه السلام) في المساحة المخصصة لتفسير آية البحث.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة 124. هذا هو الموضع الأول في القرآن الكريم الذي يذكر فيه إبراهيم، والشروع ههنا بذكره فيه تمهيد لبيان التشريع الأهم في حياة المسلمين، سواء ما سيتضح من أمر القبلة أو بناء البيت أو ما يختص ببعض الفقرات الأساسية في مسيرة إبراهيم الخاصة وهذه جميعها لا تخلو من غايات جامعة للمسلمين وأهل الكتاب على حد سواء، ولا يخفى أن المهمة التي كلف بها إبراهيم لا تعطى جزافاً إلا لمن أتم الشروط واجتاز الاختبار كما سيمر عليك، هذا من جهة ومن جهة أخرى نلاحظ أن لذكر إبراهيم في هذا الموضع أسباباً أخرى من بينها العطف البياني على ما تطرق إليه الحق سبحانه من القصص المثيرة التي تحدثت عن بني إسرائيل، من أجل أن يكون في ذكره ما يدفعهم إلى الاقتداء به ونبذ العداء المرافق لنفوسهم المريضة، وبهذا يكون الادعاء الذي ناشدوا به المسلمين قد أخذ مجراه المناسب لتحقيق غاياته إن كان في قلوبهم ما يرمز للصدق الذي يجأرون به في كل مرة، أما بخلاف هذا الاتجاه فإن السرد قد يأخذ منحى آخر لا يخرج عن معنى التوبيخ أو التعريض، بتعبير آخر كأن الحق يقول لهم إن كانت لكم روابط نسبية بإبراهيم فما هو المانع الذي يحول دون تفعيل تلك الروابط، ولا يخفى أن لهذا التعريض مساحة كبيرة في كتاب الله تعالى كون الوصف المثالي لإبراهيم لا يتطابق مع الأغراض الباطلة التي كان اليهود يروجون لها.

قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) من آية البحث. الابتلاء هو الاختبار الذي أشار إليه تعالى من خلال المراحل التي اجتازها إبراهيم بنجاح والآية لم تشر إلى معنى الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم، ولكن المواضع الأخرى في القرآن الكريم تبين أن هذه الكلمات لا تخرج عن المهام الملقاة على عاتقه والتي تعرض بسببها لأقسى أنواع العذاب النفسي، ومن بين تلك المهام:

أولاً: الإلقاء في النار التي أنجاه تعالى منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً.

ثانياً: تحطيم الأصنام التي كانت عبادتها سائدة في عصره.

ثالثاً: إسكان ذريته بواد غير ذي زرع.

رابعاً: استعداده التام لذبح ابنه إسماعيل.

والقضية الرابعة من أكثر المهام وضوحاً، كون البلاء ورد في تفصيلها بصورة لا تقبل اللبس وذلك في قوله تعالى: (فبشرناه بغلام حليم... فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) الصافات 101- 102. وقبل ختام الموقف قال سبحانه: (إن هذا لهو البلاء المبين) الصافات 106. وفي هذا التفسير ما يحقق المراد دون الخوض في الآراء التي لم نجد ما يبرر صحتها.

ثم بعد ذلك أشارت الآية إلى المقام الرفيع الذي ناله إبراهيم (عليه السلام) بسبب إتمام الكلمات التي ابتلي بها وهو مقام الإمامة، كما في قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماماً) من آية البحث. والمراد من الإمامة ههنا (الولاية الدينية) وليست الولاية السياسية، كما بينا ذلك من خلال حديثنا قبل الشروع في تفسير آية البحث، ولهذا أراد إبراهيم أن تمتد تلك الإمامة في ذريته، إلا أنه خلص إلى إجابة الحق سبحانه بأن هذا المقام الرفيع لا يتأتى لجميع الذرية بل يعطى لمن كان لديه الاستعداد كما حصل لإبراهيم نفسه، كون الظلم يرافق الذرية سواء في أول حياتهم أو في آخرها أو في أي فترة منها، ولا يستثنى من هؤلاء أو أولئك إلا من رحم الله، ولذلك ختم سبحانه المقام بقوله: (قال لا ينال عهدي الظالمين) من آية البحث. حيث أنزل العهد منزلة الفاعل فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر  

 

 

 

مشاهد وقوع الواقعة وما حدث للارض والجبال ثم انقسام الناس الى فئتين اصحاب المشأمة واصحاب الميمنة حيث يطوف عليهم الولدان المخلدون بأكواب واباريق وكأس من معين، تلك المشاهد تبرز تساؤل عن كيفية حصولها واين حصلت؟

يمكن القول بان حصولها كان من سنخ الرؤيا او المكاشفة او الخيال، ولا يتورع الكاتب من اطلاق صفة الرؤيا عن تلك المشاهدات، لاسباب اهمها :

الحذرمن الابهام الذي قد يشوش ذهن القاري جراء الاستفادة من المصطلحات القديمة والفلسفية والميتافيزيقية احيانا .

وكذلك لانها مرتبطة بتجرية نبوية اكثر وضوحا، اذ لا يوجد انسان لم ير مناما يعكس حالات معينة في حياته حلوها ومرها، فكيف بالنبي او العارف والصوفي حيث تحصل لهم في مناماتهم حالات من المكاشفة والعيش في عالم المثل .

وكثيرا ما تجد في كتب العرفاء والمتصوفة عبارة " الكشف المحمدي التام " للاشارة الى حصول الاشراق والمعرفة فوق الحسية .

بالاضافة الى الحديث المروي في البخاري برقم 6989 والذي يوصف الاحلام الصادقة او الصالحة بأنها جزء من ستة واربعين جزءا من النبوة، وفي الرقم 46 ذكرهناك كلام طويل عريض بينهم لا فائدة مرجوة من الدخول فيه سوى انهم ذكروا ان الله اوحى الى نبيه في المنام ستة اشهر، ثم اوحى اليه بعد ذلك  في اليقضة بقية مدة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة واربعين جزءا، لانه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة .

وفيما يرتبط بقصة الاسراء والمعراج وبالمراجعة الى كتب المفسرين تجد انهم تحدثوا عن معراج النبي بأنه معراج روحي وليس جسدي، وهذا يعني انه معراج سماوي ومشاهدات غير حسية  في عالم الرؤيا، ومن هؤلاء المفسرين محمد حسين الطباطبائي في كتابه الميزان.

والمأثور التاريخي يحدثنا عن حالة من النوم العميق والتعرق الشديد المصاحب لنزول الوحي الامر الذي جعل بعض معاصريه يتهمه بالجنون او الصرع ...

كل تلك الشواهد وغيرها جعلت الدكتور سروش يطلق على الوحي بأنه من سنخ الاحلام النبوية .

رسالة الاحلام:

بعد تلك المقدمات التي اوردها سروش كنماذج للوحي وشواهد على ان النبي كان ناقلا لمشاهد رأها في عالم الرؤيا، يفتح نافذة جديدة لفهم الوحي من خلال ما ورد في القران، فيقول ان القاري للقران يتناسى انه يواجه " رسالة احلام " او "كتاب احلام" وان اللغة المستعملة في تصوير المشاهد هي ليست لغة اليقضة وانما هي في الحقيقة لغة احلام، نعم هي لغة بشرية عذبة لكنها في الوقت ذاته هي لغة احلام .

ومن هنا يدعي سروش ان هناك مغالطة كبرى حصلت للمفسرين للقران حيث جعلوا لغة القران معادلة للغة اليقضة وهي ليست كذلك، ومن الاخطاء المهلكة التي وقع بها المفسرون هي الخلط بين الحقيقة والمجاز واستنتاج الوجوب من الحال " بايد" از "است "

وهذا الاستنتاج مرتبط بمعادلة منطقية يعتبرها الدكتور سروش مقدمة غير منتجة وكان قد بحثها بشكل تفصيلي في كتابه " دانش وارزش " ومن غير المناسب الدخول في هذا المبحث لان فيه خروج عن الموضوع .

وبناء على ما تقدم فلفظة النار والشمس والغضب والرحمة والماء والميزان وما الى ذلك مما ورد في القران اصطلاحات معروفة لدينا لكن هذه الاصطلاحات شوهدت في عالم الرؤيا والخيال فكانت لغة ورمزا لاشياء بعيدة كل البعد وغريبة عن لغة اليقضة .

وحينئذ نقرا اذا الشمس كورت ونفسرها بذات الشمس الموجودة في السماء  ونقول يأتي يوما وهو يوم القيامة يحصل للشمس كسوفا وكذا يحصل لذات النجوم وللجبال والبحار ... ومن المفترض ان تفسر كل تلك الاجرام وما يحدث لها في عالم الرؤيا بما ترمز اليه في اليقضة، تماما كما حصل للشمس والقمر التي رأها يوسف في منامه حيث فسرسجودهما اليه بلقاءه بابويه واخوته، وكذلك الاحلام التي كانت تروى ليوسف وتفسيرها بالواقع برموز واشارات لتلك التي حدثت في عالم الرؤيا كسبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات، حيث فسرت بسنين القحط التي اجتاحت مصر وكيفية التخطيط للخروج من ازمة القحط هذه بأقل الخسائر .

هكذا يصور الدكتور سروش القرأن ويصفه بانه " كتاب الاحلام " واللغة التي تصور مشاهده لغة احلام ومن غير المنطقي تفسير لغة الاحلام بلغة اليقضة اذ لا سنخية بين اللغتين وانما هي رموز واشارات الى الواقع .

هذه النقطة بالذات اجد من الضروري الوقوف عليها مليا لانها بحاجة الى استقصاء تلك المشاهدات وكيفية تفسيرها بالطريقة الرمزية المتوقفة على اختلاف اللغين، ولعل المقارنة بين رمزية احلام يوسف ورمزية احلام محمد قد لا تكون من سنخية واحدة وقد تصدق هناك ولا تصدق هنا، ولعلها تصدق في موارد ولا تصدق في موارد اخرى .

ومن المحتمل جدا ان تكون لغة التهويل والترهيب هو الدافع لتصوير مشاهد الرعب في القيامة حتى وان خالفت المرتكزات العقلية، وهذا الاحتمال قد يبعد حالة الرمزية في تفسير الوقائع بين لغة الخيال ولغة اليقضة، ولو كان كسوف الشمس في القيامة حالة رمزية اذن ماهو المشار اليه في الواقع والى ماذا يرمز، وما الى ذلك من الاحتمالات ...

ثم ينتقل الدكتور سروش الى الحالة الرمزية ويشير الى انها اكثر ثراءا في القصص والامثال، وقصص القران ليست ببعيدة عن تلك الرمزية، كما في قصة الخلق المذكورة في التوراة والقرأن المتمثلة بالثلاثي ابطال القصة ادم وحواء والشيطان المشابهة برمزيتها بقصة الملك والجارية المذكورة في مثنوي جلال الدين الرومي والتي ترمز الى العقل والشهوة، والمشابهة ايضا للالفاظ التي جاء على ذكرها الشاعر حافظ الشيرازي مي وجنك ورباب والحاجب والزلف اذ كل ذلك انها كنايات واستعارات لحقائق مختلفة، فالحاجب كما قيل هو كناية عن صفات الحق، وكذلك الحال في معاني الالفاظ مثل الميزان والقلم فهي غير منحصرة بالمصاديق المتبادرة الى اذهاننا للوهلة الاولى، والحالة نفسها تنطبق على بعض الاخلاقيات والمناسك كالذبح في مراسم الحج فهي تعبيرات مجازية وكنايات واستعارات ...

نعم قد لا تشبه لغة الاحلام لكنها بالتأكيد ليست هي ذاتها الموجودة في الواقع .

للحديث تتمة ...

 

احمد الكناني

فهم معضلة الوحي اخذت من الدكتور عبد الكريم سروش سنين عمره ابتدأها بالتجربة النبوية واظن انها لن تنتهي باحلام نبوية، وانما هي سلسلة حلقات للوصول الى فهم ذاك الطلسم المقدس،  وكيفية وصول الخطاب الالهي الى الناس ... تلك الحالة التي قد تسالمت عليها اجيال المؤمنين واعتبروها من البساطة بالدرجة التي لا تستحق معها كل تلك الابحاث،  لكنها ليست كذلك بل هي المعضلة الكبرى التي تكسرت عليها اسنة الفلاسفة والمفسرين بين المحاذير الفلسفية وظواهر الخطاب الالهي في القرآن وعلى الخصوص تلك النصوص التي تتحدث عن المعاد الجسماني وصور الحياة ما بعد الموت من نعيم الجنة وعذاب جهنم ...

هذا المقال يتضمن قراءة لنظرية سروش بشقيها التجربة النبوية واحلام نبوية مع الاشارة الى بعض النقاط الغامضة في النظرية،  لكن المتسالم عليه انها تكشف عن بعض الضبابية في الرؤية الى الوحي الالهي بالنسبة الى القرآن

التجربة النبوية

يضرب سروش الامثال في كل ما يكتبه لقراءه او يلقيه على مستمعيه في بيان ان النص القرآني انما هو انعكاس لواقع الجزيرة وتلخيص للتجربة الروحية والاجتماعية للنبي،  وان هنالك احكاما تضمنها القرآن جاءت كرد فعل لبعض الظواهر الجتماعية الخاطئة التي كانت تمارس من قبل سكان الجزيرة كقتلهم لاولادهم خشية الفقرمثلا...،  او انها احكاما تناسب المجتمع الرجولي وما تضفيه من امتيازات تفرضها الحالة الاقتصادية السائدة انذاك ..فبعض تلك الاحكام تشكلت واتخذت ابعادها بفعل التاريخ والثقافة،  وقد تفقد تلك الاحكام موضوعاتها ولم تعد الحاجة اليها في مجتمع ذات طابع ثقافي اخر .

 وهذا يفسر القول بأن الدين حالة بشرية بمعنى ان النبي يبعث الى الناس ويتحرك مع حركتهم فتارة يأخذهم الى هذه الجهة وتارة الى الجهة الاخرى .. مرة الى الحرب واخرى الى الصلح وبحسب الشرائط التي تقتضيها كل مرحلة . والدين هو مجموع تلك الحركات والمواقف التاريخية التي تدور حول المحور الذي يمثله االنبي .

اذ ان القرآن لم ينزل دفعة واحدة والى الابد ليخبر النبي ان اذهب الى قومك بهذا الكتاب ونذرهم عذاب بوم شديد ليذكروا ويهتدوا...وانما نزل تدريحيا وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما وخلال تلك الفترة اكتملت قواعد الدين ووعى المسلمون التجربة واصبح النبي اكثر تجربة في ادارة شؤون المسلمين،  واكثر نبوة من ذي قبل،  فاصبح نزول الوحي هينا بعد ما كانت تصاحبه حالات من الاعياء والاغماء،  وهوما يفسرنزول السور القصار في مكة ونزولها طويلة في المدينة،  وكذلك حدث لموسى (ع) عندما فزع من عصاه حين تحولت الى ثعبان في بداية بعثته،  وهذا يحدث للشعراء والخطباء وبقية الاختصاصات ايضا عندما يصبحوا اكثر شاعرية واكثر خطابية اثناء تجربتهم الشعرية او الخطابية ...

مثال ذلك: ان الاستاذ في قاعة الدرس يعلم اجمالا ما يريد القاءه على تلاميذه من افكار ابتداءا .. لكن وخلال الفترة الزمنية للدرس قد تحدث امور غير متوقعة وغير محسوبة سلفا من قبل الاستاذ لكنها تصب في النهاية في مصلحة الجميع كنوع الاسئلة التي تطرح من قبل التلاميذ مما يساعدهم على ادراك اعمق لما يريده الاستاذ كما ان الاستاذ تتفتح عنده افاق قد تكون خافية عنه ومن خلالها ايضا يميز الاستاذ من بين تلاميذه الجاد من المغالط والصالح من الطالح،  ويكون مهيأ للمواجهة ايضا .

فالعلاقة بين الاستاذ وتلاميذه ليست على نحو الالقاء والتلقين وانما هي عملية تفاعل وتلاقح للافكار واستنتاجها وصياغتها بما يخدم العملية التعليمية ككل.

فهناك اسئلة واشكاليات تطرح من هنا وهناك لاحراج النبي والقرآن يجيب عنها بأسهاب ويخبر عن وقائع الامم السالفة وينتقد ظواهر اجتماعية معينة في الجزيرة وينقل احداث كثيرة وقعت ... كل ذلك تجد صداه في القرآن،  ولو ان النبي عمر اكثر من ذلك لنعكس صدى تلك الاحداث في القرآن ايضا،  ولو ان واقعة الاحزاب لم تحدث لم نجد لسورة الاحزاب من اثرفي الكتاب،  ولو ان زوجة ابي لهب لم تحمل الحطب لايقاده بوجه النبي وصحبه لم نجد اثر لسورة تب في القرآن الكريم ...

يقول الدكتور سروش ان هنالك طريقان لنقل الرسالة: الطريقة الببغاوية المتمثلة بنقل الرسالة كما هي ومن دون ادخال تعديل عليها،  والطريقة النحلية المتمثلة بتلقي الرحيق ثم صياغته على شكل عسل لذيذ فيه شفاء للناس ... والنبي {على خلاف ما تذكره الروايات} لم يكن مجرد ناقلا للوحي الى مستمعيه من الناس وانما كان له دور محوري في صياغة الوحي .

و بناءا على ذلك يدعو الدكتور سروش من خلال قراءته هذه الى التعامل مع النص القرآني على اساس فهم جوهر وروح الرسالة التي يحتويها من دون التقيد بالالفاظ والاصرار على ان القرآن كلام غير مخلوق وانه كتاب الله الخالد.

ومما تقدم يتضح الفرق بين مقولة ان القرآن من ابداعاته (ص) او اعانه عليه بعض اهل الكتاب ممن التقاهم في سفره وحضره فهو كلام محمد وليس كلام الله،  وبين مقولة ان الوحي هو اختزال للتجربة الداخلية والخارجية للنبي (ص)فهو سهيم في صياغة النص،  والنص انعكاس لحالاته خلال فترة بعثته(ص).انما نوهت لهذه المفارقة لان هناك من فهم من عبارات الدكتور سروش انها تكرار لما قيل ويقال من ان القرآن هو كلام محمد (ص) اذ المناط في كلا المقولتين متحد وهو ان الاسلوب البلاغي لم يجر على نسق واحد.

والملاحظ من خلال قراءة النصوص القرآنية ان هناك نصوصا على مستو عال من البلاغة ونصوص اخرى ليست كذلك وهذا التفاوت يعكس الحالات البشرية للنبي والتي بدورها تنعكس على النصوص وبهذا القدر من الاختلاف .

ثم ان النصوص التي تتحدث عن بدء الخلق والافلاك تعكس ايضا الطبيعة المحدودة والتصورات السائدة في تلك الفترة،  وهذا الامر نجده في بقية الكتب المقدسة ايضا،  ومن هنا نشأ التصادم بين الايمان والعلم ثم استقرت الامور على الاعتقاد بأن النظريات العلمية التي تتضارب مع النصوص المقدسة ما هي الا فرضيات يحتمل فيها الخطأ والصواب وان صحت فلابد من حمل النصوص على غير معانيها التي استنبطناها من قبل،  حيث كان الاعتقاد سائد حتى القرن التاسع عشر بعلم الهيئة البطليموسية لتفسير السموات السبع ثم بعد ذلك اتجه المفسرون لتاويل تلك الايات لرفع التهافت بين النصوص المقدسة والنظريات العلمية .

طبعا هذا الامر لا يخل بنبوة النبي اذ من غير المتوقع ان يكون النبي محيطا بجميع العلوم حتى الفلكية منها مما لا مدخلية له في الهدف من البعثة وهو هداية الناس .

هذا تلخيص لما استفدته من مجموع مقالات الاستاذ عبد الكريم سروش المجموعة في كتابه "بسط تجربه نبوي " الذي تكلم فيه بأسهاب عن نظريته حول الوحي والتجربة النبوية .ومن خلال مجموع محاضراته

و لقاءاته الاعلامية ايضا . وحرصت على قرائتها او الاستماع اليها بلغتها الاصلية اعني الفارسية،  ومن دون المراجعة الى الترجمة العربية للنصوص المستعارة للدكتور سروش من قبل الكتاب العرب اثناء دراستهم لاراءه في مجال الوحي والنبوة،  ولم اعتن كثيرا بخطاباته بالانكليزية في الموضوع ذاته لسبب بسيط وهو اني وجدت مجموع مقالات الدكتور سروش يعلوها الطابع الادبي والعبارات الانشائية.

وغالبا ما يقرن استنتاجاته بشواهد من المثنوي لجلال الدين الرومي مما يجعل بعض العبارات عائمة ولم تعط للمعنى الدقيق حقه من اللفظ كما ينبغي في مثل هذه الموضوعات الحساسة التي تقتضي اللغة العلمية لا الادبية .

بأستثناء المقابلة التي اجراها معه ميشيل هوبينك من الاذاعة الهولندية ونشرت ترجمتها الفارسية باسم "كلام محمد"،  والتي اثارت لغطا واسعا في ايران . ابتدئها بقوله ان الوحي هو ذات الالهام الذي يحصل للشعراء والعرفاء الا انه يحصل للانبياء بمرتبة اعلى .. فالنبي يشعركالشاعر بقوة خارجية ملهمة وفي ذات الوقت يكون هو المنتج والصائغ لهذا الالهام فتكون ذاته الهية كما ان كل واحد منا له ذات الهية لكن النبي يشعراكثر من غيره بهذه الذات الالهية،  وما يتلقاه من الله هو جوهر القرآن ولا يمكن نقل الجوهر للناس كما هو،  لانه ليس من سنخ التوصل الانساني فلابد من صبه في قالب الالفاظ وعلى شكل اللغة التي يعرفها ويفهمها الناس ايضا،  وبهذا تكون لشخصيته مدخلية في اسلوب الطرح ولمزاجه ايضا،  فاحيانا يكون حاد المزاج بليغ اللسان واحيانا اخرى يصيبه الملل ويقل حماسه .. كل هذا له مدخلية في تشكيل القرآن،  وهذا هو الجانب الانساني في الوحي،  والنبي كان يتكلم بلغة عصره ولم يكن يعرف اكثر من معاصريه عن علم الفلك او الوراثة او غيرها من العلوم لانه نبي وليس فلكيا .

والجديد في هذه المقابلة هو الوضوح نوعا ما في بعض ما كان قد طرحه سابقا ...

لكن بالاجمال تبقى أراء الاستاذ عبد الكريم سروش في باب الوحي والنبوة تحيطها الضبابية والغموض،  رغم انه ذكر غير مره ان نقاشاته في الوحي كانت مطروحة سابقا وعلى اشدها زمن الصراع الفكري بين الاشاعرة والمعتزلة في مسألة خلق القرآن وكذلك مفكري القرون الوسطى لكن طروحاتهم كانت تفتقر الى المنهجية والسلاسة في التعبير وكانت افكارهم مختبئة تحت الالفاظ خوفا من التشويش على الناس . لكن الدكتور وقع فيما فر منه وكانت افكاره ايضا مختبئة تحت الالفاظ يظهرها تارة عندما تخفت اصوات المحافظين ويخفيها تارة اخرى عندما ترتفع اصواتهم .

ويظهر ايضا ان الامر لم يكن جليا عند سروش ايضا لفهم واقع الوحي رغم انه تقدم خطوة مهمة على طريق الفهم،  ومن هنا خرج لنا بنظرية مكملة للتجربة النبوية ادعي فيها التوفيق بين ما توصل اليه الفلاسفة المسلمين كصدر المتألهين وبين المفسرين المتمسكين بظواهر القران تلك هي نظرية احلام نبوية

احلام نبوية

الطامة الكبرى في قضية فهم الوحي تكمن في لغة القرآن ذاتها وانها من سنخ لغة البشر او من سنخية اخرى بأعتبار ان البشر يمتلكون ادوات اللغة واللسان والحلق والذان والامواج الصوتية وما الى ذلك من الادوات التي تشكل الاصوات ومن خلالها يتم التعبير عن المراد،  فهل لغة الله مع الملائكة او مع الانبياء من هذا النوع او لا !

من الواضح ان لغة القرآن بشرية وتعكس تجربة النبي ولغته وبيانه والتي اصبحت بالتدريج اكثر نبوية واكثر بيانا، ولو طال به العمر لكانت اكثر من ذلك " ربي زدني علما " طه 114

اذن لغة القرآن عربية عرفية بشرية ومنشؤها ضمير النبي وقدسيته وتجربته،  وهذا يعني ان الله لم يقل خطابا ولم يكتب كتابا،  بل الانسان التاريخي تكلم وكتب بالنيابة عنه .

لكن هذا لا يكفي لفهم لغة الوحي اذ ان هنالك نافذة كبيرة لفهم الوحي لازالت مغلقة .

ولفتح تلك النافذة لابد من ضم ضميمة اخرى لما تقدم علها تشكل مفتاحا لفهم لغة الوحي .

النبي راو

ختام القصيدة بالمطلع ...تلك هي النتيجة التي خرج بها الدكتور سروش من نظريته التي نشرها بالفارسية تحت عنوان " محمد راوي رؤياي رسولانه " فالنبي غير مخاطب وليس بمخبر وانما هو راو لتجارب وناظر لمناظر شاهدها ...

وفرق عظيم بين ناظر ومشاهد ثم راو لتلك المشاهدات،  وبين كونه مخاطب ومرسل وناقل للرسالة كماهي .

فعلى سبيل المثال وصف الخمرة التي تقدْم لنزْال الجنة بمواصفات شيقة ليس بالامرالذي يخبر عنه ملك مرسل من قبل الله وانما هو اشبه بالامر المتخيل والمشاهد:

يطاف عليهم بكأس من معين  الصافات 45

يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم  الطور 23

بيضاء لذة للشاربين

لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون

لا يصدعون عنها ولا ينزفون  الواقعة 19

 اذ لا يوجد هناك اخبار بأن المؤمنين في جنان الخلد يتعاطون الخمرة المعتقة ذات المذاق اللذيذ واللون الشفاف والخالصة من الشوائب الموجعة للرأس والمذهبة للعقل كما فسرت لفظة " ينزفون " الواردة في الاية ... انما هي نقل لاوصاف تخيلية تشويقية للخمرة .

وكذلك في الجانب الاخر من ذلك العالم هناك رواية لتلك المشاهد المروعة لاناس يعذبون بطريقة تخيلية ايضا:

كلما نضجت جلودهم بدلناها جلودا غيرها  النساء 56

اذن لا خبر ولا مخبر ولا كلام ولا متكلم وانما هي تقارير وروايات لوقائع ومشاهدات وقعت،  وهي كثيرة جدا ومبثوثة بين دفتي القرأن كقصص الانبياء السالفين الى نزول الملائكة ليلة القدر والى جلوس الرب على العرش وغير ذلك من الايات ...

انا انزلناه في ليلة القدر ... تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل امر القدر 1-4

واذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم  محمد 47

فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم  مريم 37

الرحمن على العرش استوى  طه 5

حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمأة  الكهف 86

 وكذلك الايات التي تروي واقعة عروج النبي الى السماء المعروفة بقصة الاسراء والمعراج،  وكذا ما نقله الرواة كالبخاري وغيره برواية انس بن مالك عن ابي ذر وغيره حكاية النبي اثناء رحلته متنقلا بين طبقات السماوات ولقاءه بالانبياء ومشاهداته لاناس يذوقون سوء العذاب:

سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا الاسراء 1

وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين او ادنى * فأوحى الى عبده ما اوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * افتمارونه على ما يرى * ولقد راه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * اذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد راى من ايات ربه الكبرى النجم 7-18

هذه الايات والروايات المفصلة لحادثة الاسراء الغير منطقية عقلا تعد من ابرز مصاديق الرؤيا والاقرب الى لغة الاحلام منها الى لغة الواقع .

 وتفسرعدم عقلانيتها من قبل المفسرين والمتكلمين ووعاظ المنابر بانها من سنخ المعجزات مما لا مدخلية للعقل في فهم كنهها .

اقول نعم ولكن لماذا ليلا والناس نيام .

وليس بالبعيد عن لغة الاحلام تلك الايات التي تتحدث عن المعاد،  وهنا نتحدث عما يقارب 1200 آية وهو ما يساوى ثلث آيات القران تقريبا،  اذ لا تخلو صفحة من صفحات القران الا وجاءت على ذكر المعاد واهوال يوم القيامة،  وكأنك تقف امام مسرح من الاحداث العجيبة الغريبة والمشاهد المروعة والمناظر التي لا تجد شبيه لها الا في الاحلام،  اذ ترى الناس سكارى وماهم بسكارى،  وترى كل ذات حمل تسقط جنينها...والبحار تسجر والوحوش تحشر،  وهذه الصور المهولة من نسج الخيال،  اذ ليس من الواقع بحال ان البحار تشتعل والوحوش تحشر والحوامل ايضا في عرصات المحشر وهن حبلى ليضعن اطفالهن من شدة الخوف،  والا كيف يعقل ان تقوم المرأة من القبر مع جنينها ثم يتصور انها تسقطه من هول المطلع !!

والكلام عن المعاد الجسماني الذي هو ظاهر الايات القرانية اوقع الفلاسفة في ورطة كبيرة،  وقد وقف عنده الدكتور سروش طويلا وادعى ان مقولته بالرؤيا النبوية قد تحل بعضا من ذلك التهافت الحاصل،  لكني ارجئ قراءة ومناقشة هذه الفقرة الى مناسبة اخرى لاهميتها القصوى

اذن الاستفادة المفرطة للمجازات والاستعارات والتشبيهات في عالم الاخرة  لا يصلح تفسيرها بلغة اليقضة وانما هي لغة المنام فلابد من تفسيرها بطريقة مختلفة عما جاءت به ظواهر القرآن . تماما كما حصل للنبي يوسف،  هذه الفقرة بالذات تحتاج الى مزيد من الايضاح ..ياتي الحديث عنها .

ولتوضيح نظريته حول الاحلام النبوية يستشهد الدكتور سروش بثلاثة نماذج من الايات سأستعرضها كماهي ثم ساناقش النتيجة التي سيخرج بها من خلال قراءته لتلك النماذج:

 الاول:

اذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ...قال عيسى بن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا واخرنا واية منك وارزقنا وانت خير الرازقين * قال الله اني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فأني اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين .. المائدة 112-115

الثاني:

ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون * واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ... وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين الزمر 68-74

الثالث:

اذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة ...الى اخر سورة الواقعة

 في الحوارية التي دارت بين الحواريين واليسوع حول المائدة وطلب اليسوع من الله انزالها من السماء وشرط الوعد والوعيد من الله بأن يعذبهم عذابا لا يعذب احدا من العالمين بمثله ان بقوا على شكهم،  الى اخر الحوار ...يلاحظ غياب تام للخطاب الالهي في هذه المحاورة،  والملاحظ هوالناقل والراوي لذلك الحوار،  وكأن محمدا حاضر وشاهد لحوار الله مع اليسوع وناقل وراو لذلك الحوار،  اذ لم نجد الله يقول " قلت لعيسى كذا ...وقال لي كذا وكذا " . وهنالك اشارات لطيفة لسيد قطب في هذه الحوارية في التصوير الفني للقرأن.

وكذلك رواية المشهد العظيم والحوارية بين الملائكة واهل الجحيم وبينهم وبين اهل الجنان وروايتها بأفعال الماضي وكأنها امر قد قضى وانتهى،  هذه ايضا نقلت برواية راو ...

لكن المفسرين وفي غفلة منهم فسروا تلك الوقائع على انها احداث مستقبلية واخبار من قبل الله بان ياتي يوم يكون الانبياء والشهداء حاضرين وقائع يوم القيامة فأبدلوا افعال الماضي الى افعال مضارعة،  لا لشي سوى يأييد فرضية وجود متكلم يقوم مقام الله في الخطاب .

وعللوا ذلك بالبلاغة المتعالية في القرآن من استخدامه افعالا ماضية لاحداث مستقبلية للدلالة على وقوعها لا محالة،  وقالوا بحتمية وقوع اهوال يوم القيامة بدلالة ذكرها بصيغة الماضي .

لكن صدر المتألهين الشيرازي وبأستشعاره رائحة السرد والرواية للنبي لم يقل ببلاغة افعال الماضي ودلالتها على حتمية وقوعها في المستقبل،  وانما ذكر بصراحة تامة في تفسيره للاية " إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ " ان واقعة القيامة قد وقعت بالفعل . وهناك بعض المفسرين من قال بهذه المقولة ايضا مثل جار الله الزمخشري في الكشاف .

اما الانموذج الثالت ووقوع الواقعة وما حدث للارض والجبال و... ثم انقسام الناس الى فئتين اصحاب المشئمة واصحاب الميمنة وما ادراك ما اصحاب الميمنه حيث يطوف عليهم الولدان المخلدون ...الى اخر الايات،  هنا تبرز علامة استفهام كبيرة .

السؤال: اين حصلت كل تلك المشاهد ؟

ويجيب الدكتور سروش ببساطة:

في المنام .

للحديث تتمة ...

 

 

 

 

على سبيل التمهيد: في الواقع، لا يمكن أن يجادل اثنان في أن قضية التربية بصفة عامة كانت تحتل مكانة كبرى عند المسلمين قديما. وهكذا فإنه "لم يفت علماء التربية المسلمين الاشتغال على مناهج البيداغوجيا، فقد ألقوا بسهامهم في الموضوع وكانوا على موعد مع التاريخ حين استجابتهم لطرق هذا الأخير، وتطعيم النظريات التربوية التعليمية التعلمية تماشيا مع متغيرات الزمان ومستجداته. والدارس لتراثهم التربوي يجد لمساتهم بارزة بقوة في هذا الشأن بما يسجل دون شك سبق بصمتهم وإبداعهم المنقطع النظير على المستويين المنهجي والعملي. أقصد الكيف المنهجي والكم الذهني الواجب مراعاته في إطار العلاقة التعاقدية الضمنية بين المكونات الثلاثة: المدرس والمتعلم والمادة موضوع التدريس. وهي علاقة تخضع للمد والجزر، والبسط والغل وفق ما يقتضيه المقام" (1). ولا نتعجب من ذلك ما دام الإسلام قد قدس العلم والعلماء وسما بالعلم إلى درجة العبادة وعني بالتربية الروحية والدينية والدنيوية والخلقية للإنسان.

لقد أدرك المسلمون الأوائل أن التربية هي أداة الحضارة ووسيلتها في تخليد ذاتها وضمان انسيابها وتناقلها عبر الأجيال. "و يكون فعل التربية في الحضارة هو رسم هذا الفعل وتحديد مداه والتأثير في سلوك الفرد الإنساني حتى ينسجم مع الأنماط الاجتماعية السائدة" (2). وهذا ما أدركه أيضا الصينيون القدماء والإسبرطيون والآثينيون بخصوص أهمية التربية في تحديد سلوك حضارتهم.

إطلالة على بعض أعلام التربية المسلمين:

بدأ الاهتمام بالتربية الإسلامية عند علماء المسلمين كعلم له خصوصياته منذ فترة مبكرة في عهد الدولة الإسلامية. واحتلت نظريات التربية جانبا مهما من كتب ومصنفات كبار هؤلاء العلماء المسلمين، بالإضافة إلى اهتماماتهم ببقية فروع المعرفة من علوم دينية وتاريخ وفلك وكيمياء ورياضيات وغيرها. ومن هؤلاء الأعلام نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ أسد بن الفرات بن سنان (ت 213 هـ) وهو الأمير القاضي السمح تلميذ مالك بأنس.

2ـ ابن مسكويه (ت 241هـ/ 855م) الشيخ أبو علي أحمد بن محمد.

3 ـ ابن سحنون (ت 256هـ/ 869م) محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي.

4 ـ القابسي (ت 324هـ/ 935م) أبو الحسن علي بن محمد المعافري وهو تلميذ ابن سحنون.

5ـ ابن جماعة (ت 373هـ/ 983م) عاش معظم عمره في الأندلس.

6 ـ ابن سينا (ت 370هـ/ 980م) الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا                    .

7 ـ الغزالي (ت 505هـ/ 1111م) الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الفيلسوف المتصوف.

8 ـ ابن خلدون (ت 809هـ/ 1406م) الوزير، السفير، القاضي عبدالرحمن بن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة ومؤسس علم الاجتماع الحديث.

وقفة مع القابسي:

هو أبوح الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بالقابسي نسبة إلى قرية قابس بالقرب من القيروان حيث ولد سنة 324 للهجرة. مالكي المذهب. وحسب السيوطي فإن القابسي كان حافظا للحديث، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، ورأسا في الفقه ضريرا زاهدا ورعا.

أهم مؤلفاته:

- الممهد في الفقه وأحكام الديانة.

- ملخص الموطأ.

- كتاب الاعتقادات.

- كتاب الذكر والدعاء.

- الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.

تصوراته في ميدان التربية:

ا- الغرض من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملا وتعليم الدين لا يتيسر إلا بمعرفة المبادئ التي تكتسب بالتعليم كالقرآن والكتابة. ومن هنا اتصل التعليم عند القابسي بالدين اتصال الوسيلة بالغرض.

ب- نادى بإلزامية التعليم أخذا بالحديث النبوي "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (رواه البخاري) وساعده في ذلك تطوع الأمراء والأغنياء في زمانه بالإنفاق على الكتاتيب وإجراء الأموال عليها لتستمر في الحياة.

ج- وجوب التعليم للجميع (أولاد وبنات) لأن المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعا بنص القرآن.

د- عدم الجمع بين البنين والبنات في فصل واحد "من صلاحهم ومن حسن النظر لهم لا يخلط بين الذكور والإناث". وهو بذلك متأثر بأستاذه سحنون الذي قال أكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن".

هـ- التعطيل يوم الجمعة والأعياد: إن إجازة الأولاد يوم الجمعة أمر مستحب لأن ذلك سنة المعلمين منذ كانوا. أما بطالة الأولاد يوم الخميس فهذا بعيد. وكذلك بطالة الأعياد على العرف المشتهر المتواطأ عليه ثلاثة أيام في الفطر وخمسة أيام في الأضحى.

و- عقاب التلميذ: يرى القابسي أن الضرب إنما يكون من المعلم الجافي الجاهل وهو ينهى عن الضرب والمعلم غضبان. والضرب على التعليم إنما هو عن كثرة الخطأ من الصبيان.

استنتاج:

استنادا إلى ما سبق، نخلص إلى أن أبا الحسن القابسي حصر الغرض من التعليم في معرفة الدين علما وعملا دون النظر إلى النواحي المعيشة. وهذا ما يتعذر قبوله في الوقت الحاضر، حيث هذا الكم الهائل من المعرفة التي تتضاعف كل فترة وهذه الأدوات والآلات التي تشاركنا حياتنا ومعاشنا بل تشاركنا أجسادنا احيانا؛ مما يتوجب معه الإلمام بكل الوسائل والتقنيات التي نحيا بفضلها. هذا مع العلم أنه قد أصبح يُنظر للتربية على أنها عملية استثمارية ذات مردود؛ فمع ارتفاع تكاليف التعليم ينظر أولوا الأمر إلى استرداد هذه الأموال من عائدات ونتائج هذا التعليم.

و نلاحظ أخيرا أن القابسي أجاز الضرب في بعض الحالات التي يتمادى فيها المتعلم ولا يتعظ مثلا. وهذا إجراء بيداغوجي تقليدي رغم أننا بدأنا نُسجل عودة بعض الأنظمة المتقدمة في التعليم إلى تطبيقه كما هو الحال في إنجلترا. ويبدو أن ما يسمى بالعقوبات البديلة اليوم لم تعد تؤتي أكلها في ظل استقالة الأسرة من تربية أبنائها وتراخي الأساتذة وتعسف القوانين ضدهم والتزايد الفطري للجمعيات الحقوقية التي تركب غالبيتها على جانبيات المواضيع فتأخذ بالقشور وتعرض صفحا عن جواهر المواضيع. وكانت النتيجة هي الفوضى في المدارس المغربية. لهذا نادينا ذات يوم بالعودة إلى بيداغوجيا "الفلاقة" (3) بمعناها العام من أجل الضبط والانضباط لأنه بدونهما لا يمكن أن تتقدم المدرسة المغربية.

وقفة مع ابن سينا:

هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا. وهو واحد من العلماء والأطباء، والفلاسفة المسلمين من منطقة بخارى وتحديداً من بلدة أفشنة الأوزباكستانيّة التي ولد فيها عام 370 هجرية/ 980 ميلاديّة. كان يلقّب قديماً بالشيخ الرئيس. وقام الغربيّون بمنحه ألقاباً متعددة كأمير الطب وأبو الطب الحديث وكان ذلك خلال العصور الوسطى. كان متبحراً في العديد من أصناف العلوم المختلفة. ولذلك يوجد ما يقارب 200 ألف كتاب له وتتناول هذه الكتب مواضيع متعددة. وكانت تتمحور غالبيتها حول الطب والفلسفة. وبالرغم من اتّباعه طرق وأساليب أبقراط وجالينوس إلّا أنّه يعتبر أول من قام بعمليّة التدوين في مجال الطب. ويعدّ كتاب القانون في الطب الأشهر من أعماله؛ وذلك لأنّه كان مرجعاً أساسيّاً في الطبّ لمدّة كبيرة قدرت بسبعة قرون. ومن أهمّ الأعمال التي قام بها في الطبّ أنّه قام بتشخيص مرض التهاب السحايا وفق منهج علميّ وبأسلوب دقيق ووضّح الأسباب والاحتمالات التي قد تؤدّي إلى اليرقان وأعراض حصى المثانة وقدّم معلومات وفيرة حول طرق العلاج النفسيّ وأثره في العلاج والشفاء منه.

كان والده ذا ديانة شيعيّة إسماعيليّة. وكان هو يهتم بالاستماع إلى اجتماعات والده التي تقام بالسرّ والتي كان أغلبها يقام في بيتهم. وكانت هذه الاجتماعات لها دور كبير في تكوّين مجموعة من الاتّجاهات والمواقف لديه. وقام بعدها بالارتحال إلى مدينة بخارى الذي تولى فيها القيام بواجب متابعة الأعمال الماليّة المتعلقة بالسلطان بأمرٍ من السلطان نوح بن منصور الساماني. ثم بدأ يتعلم مختلف العلوم. وعندما كان في سنّ العاشرة كان يحفظ القرآن الكريم بجميع أجزائه وآياته. ثم بدأ بعمليّة تعلّم الفقه والأدب والفلسفة والطبّ.

و طلب والده من أحد المتخصّصين بعلم المنطق والفلسفة بأن يعلّم ابن سينا هذا القليل من علومه. واستجاب لرغبة والده وعلمه المنطق. وقد اندهش معلمه من الأداء الذي أثبت له، حيث أنّه كان يمتلك القدرة على الإجابة بأسلوب منطقيّ عن الأسئلة المحوريّة التي كان يطرحها عليه، ووصفت بأنها لم تخطر على بال معلمه. وكانت إنجازاته تثمر وهو صغير. فقد استطاع وهو في سنّ الثامنة عشر من عمره أن يقدّم العلاج للسلطان. وتعتبر هذه الفرصة ذهبيّة لأنّها كللت مساهمته الناجحة بحجز مكتبة السلطان الخاصةِ تحت إدارة وإشراف ابن سينا. كان ابن سينا متميّزاً جداً فكانت له العديد من الأقوال المهمّة والتي لها معاني كثير كقوله "المستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه" و"الوهم نصف الداء" و"الاطمئنان نصف الدواء" و"الصبر أوّل خطوات الشفاء". وفي اليوم العاشر من شهر ديسمبر من عام 1037 ميلاديّة (الموافق ل سنة 470 ه) ارتحل ابن سينا عن هذه الحياة ودفن في مدينة همدان الإيرانيّة.

أهم مؤلفاته:

- كتاب القانون في الطبّ، الذي كتبه عام 1030 م.

- كتاب الإشارات والتنبيهات.

- كتاب الشفاء.

- كتاب النجاة في المنطق والإلاهيات.

- كتاب الأدوية القلبية.

- كتاب دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانيّة.

- كتاب القولنج.

- رسالة في سياسة البدن وفضائل الشراب.

- رسالة في تشريح الأعضاء.

- رسالة في الفصد.

- رسالة في الأغذية والأدوية.

- أرجوزة في التشريح.

- أرجوزة المجربات في الطب.

- كتاب الألفية الطبيّة.

- كتاب مختصر إقليدس.

- كتاب مختصر المجسطي.

- كتاب مختصر علم الهيئة.

- كتاب مختصر الأرتماطيقي.

- رسالة الزاوية.

- رسالة في بيان علّة قيام الأرض وسط السماء.

- رسالة في إبطال أحكام النجوم.

- رسالة في الأجرام العلوية وأسباب البرق والرعد.

- رسالة في الفضاء.

- رسالة في النبات والحيوان.

- كتاب قانون الحركة الأول.

- ديوان ابن سينا - في الشّعر.

- مقالة في جوامع علم الموسيقى.

- مقالة في الموسيقى .

تصوراته في ميدان التربية:

ا- لا بد من أن يكون التعليم جماعيا في المدارس لا فرديا: لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما. ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو منه آخذ وبه آنس، ولأن التعليم الجماعي من أسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة.

ب- تبدأ تربية الصبي منذ نعومة أظفاره: إذا فطم من الرضاع بُدِئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة.

ج- أول ما يتعلم الصبي إذا اشتدت مفاصله واستوى لسانه وتهيأ للتلقين: القرآن الكريم لما فيه من صور الحروف ومعالم الدين والقصص الخلقية والأحكام.

د- مسايرة ميول الصبي وتوجيهه إلى الصناعة والمهنة التي تتفق مع ميوله: "ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك". وهذا ما يعمل في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حيث تجرى للأولاد اختبارات الذكاء واختبارات الميول والقدرات وحسب احتياجات الدولة من مهنيين وفنيين وفق خطط مرسومة مدروسة.

هـ - مبدأ الثواب والعقاب: ويكون ذلك بالترغيب والترهيب والإيناس والإيحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة أخرى، والضرب بعد الترهيب.

و- ينبغي أن يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق، صادقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، لبيبا قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي، ذا مروءة ونظافة ونزاهة، فالمؤدب قدوة يقتدى به.

استنتاج:

بناء عليه، لا يمكننا إلا أن نُؤكد وجاهة تصورات ابن سينا بصفة خاصة وباقي العلماء المسلمين بصفة عامة فيما يتصل بحقل التربية إذ يملكون فيه قصب السبق حقيقة. ويصدمنا ابن سينا كثيرا عندما يتحدث مبكرا عن ربط التعليم بما هو مهني اقتصادي وحديثه عن اتجاهات المتعلمين حتى نكاد نجازف بالقول إن بعض أفكار البيداغوجيين الغربيين إن لم نقل جلها مقتبسة أو مسروقة من ابن سينا وباقي علماء المسلمين. وأفكار هؤلاء الغربيين تبدو جديدة للبعض في ثقافتنا العربية دائما وحتى الغربية أحيانا نتيجة الجهل بأصولها وجذورها ولحلاوة وطلاوة اللغات الأجنبية الحية التي دُبِّجت بها لا غير. فمتى نعود إلى تراثنا وإرثنا الثقافي والحضاري ونقتبس منه ما يفيدنا في ديننا ودنيانا؟ (4).

على سبيل الختم:

من خلال ما تقدم وبالنظر إلى كل التصورات التربوية الغربية سواء القديمة أو الحديثة التي تعرفنا عليها من خلال معاشرتنا المتواضعة لفلسفة التربية نجمع القول فنقول إن "سلف الأمة المسلم قد خلف لنا ثروة علمية بيداغوجية مطمورة في ثنايا شتيت من المصنفات تنتظر من يعقد العزم على مدارستها واستنباش دفائنها ومكنوناتها" (5). لقد طرق هؤلاء غالبية الموضوعات التي تشكل جوهر الفعل التربوي في العالم المعاصر (6). فعندما نقرأ لعلماء مسلمين آخرين من قبيل الماوردي والغزالي مثلا فإننا نحس تماما وكأننا نقرأ لهوارد غاردينر أو جون ديوي أو مونتسوري. يقول الماوردي حول الفروق الفردية: "و ينبغي للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم". ويؤكد الغزالي ذلك أيضا في "الإحياء" عندما يشير إلى أن من وظائف المعلم "أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، أو يخلط عليه عقله... ولا يبث إليه الحقيقة إلا إذا علم أنه يستقل بفهمها، وقد قال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره: {إن هنا لَعُلُومًا جمة لو وجدت لها حملة (...) فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد، وهذا إذا كان يفهمه المتعلم، ولم يكن أهلا للانتفاع به، فكيف فيما لا يفهمه (...) ولذلك قيل: كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، وقد قال تعالى: "و لا تؤتوا السفهاء أموالكم" تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق".

و هذا السبق المعرفي في مجال التربية وغيرها من المجالات انتقل إلى الغرب بطريقة من الطرق منذ القرن الثاني عشر عبر قناة الترجمة والاستعراب والاستشراق فيما بعد وما وازاه من دخول العرب في سُبَاتٍ عميق إبان ما درجنا على الاصطلاح عليه بعصر الانحطاط. وهذه القطيعة جعلت الأجيال العربية الإسلامية الحديثة تنبهر بالثقافة الغربية أيما انبهار متناسية أن تلك الثقافة مدينة في جزء كبير منها لشمس الحضارة العربية الإسلامية التي أشرقت على الغرب كما تذهب إلى ذلك المثقفة الألمانية سيجريد هونكه.

إن عرضنا المتواضع هذا نبغيه بدايةً للتفكير في ضرورة تعميق النظر في الفكر التربوي العربي الإسلامي ومقارنة نتائج ذلك بما يوجد في الثقافة الغربية لكي نستمد منه ما يمكن أن ينفعنا في إنارة الطريق لنا مستقبلا لإخراج المنظومة التربوية المغربية من الفوضى العارمة التي أمست تتخبط فيها وتميل حيثما مال بعض سماسرة البيداغوجيا منذ حوالي 30 سنة من الإصلاحات المعطوبة التي ما أنتجت عموما سوى عقولٍ مثقوبة (7). فمتى نرعوي؟! والله من وراء القصد.

 

بقلم: الدكتور لحسن الكيري – كاتب ومترجم

........................

هوامش البحث:

(1) - عباسي، عبد العالي: إسهامات علماء التربية المسلمين في حقل البيداغوجيا، مقالة مهمة جدا منشورة بموقع تربويات بتاريخ 8 غشت 2015. وهذا رابطها الإلكتروني:             http://www.tarbawiyat.net/news11394.html

(2) - بهجت سكيك، بهيج: الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل، مقالة منشورة بموقع قصة الإسلام، بتاريخ 05 ماي 2011. وهذار رابطها الإلكتروني:

http://www.islamstory.com/- %D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9- %D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85- %D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF- %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86- %D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84&page=1

(3) - الكيري، لحسن: مدخل إلى بيداغوجيا الفلاقة، مقالة منشورة على موقع ثقافات بتاريخ 13/07/2016 وهذا رابطها الإلكتروني:             http://thaqafat.com/2016/07/32129/

(4) - حلايقة، غادة: أهمية دراسة الفكر التربوي، مقالة منشورة بتاريخ 05 يوليوز 2015 بموقع "موضوع". وهذا رابطها الإلكتروني:

(5) - الكيري، لحسن: الإصلاحات المعطوبة والعقول المثقوبة، مقالة منشورة بموقع أبناء آيير الجميلة وذلك بتاريخ 02/10/2015. وهذا رابطها الإلكتروني: http://les- ayiriens.over- blog.com/2015/10/560ec078- ab2e.html

(6) - لغلى، بوزيد: الفكر التربوي التراثي: الخطيب البغدادي أنموذجا، منشورات نادي تراث الإمارات، الطبعة الأولى، سنة 2012.

(7) - الكيري، لحسن:Funciones de la traducción en la didáctica de las lenguas extranjeras: el caso del árabe para los hispanófonos.، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في ديداكتيك اللغات مرقونة بكلية آداب الرباط ومناقشة بتاريخ 15 أبريل 2016. أشرف عليها الدكتور عبد اللطيف الإمامي ونال عليها الباحث درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا. ينظر تعريف التربية في الفصل الأول من القسم الثاني المخصص للوضع الراهن للغة العربية للأجانب. الصفحة 134.

 

 

 

القسم الثاني من مشاركة طالبة الدكتوراه عفاف المحضي في الندوة العلمية الدوليّة حول التسامح الدينيّ و ثقافة الاختلاف - مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، مدينة سوسة – تونس، يوم 5 – 10 – 2016م. بعنوان: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي. وقد نالت على بحثها شهادة تقدير من إدارة الندوة العالمية.

  

 

 معالم المشروع الاصلاحي لماجد الغرباوي

إنّ أفكار الكتاب كما هو واضح من موضوعه تحمل مضامين إصلاحية، وتعكس وجهة نظر نقديّة ورؤية إستشرافية مستقبلية للعالم العربي في حاضره ومستقبله وما ينطوي بينهما من أحداث سياسيّة ودينيّة وثقافيّة. إنّ مشروع الغرباوي الإصلاحي هو معالجة عملية فكرية للمشاكل التي تحيط بالمجتمع العراقي كأنموذج والمجتمع العربي بشكل عام. مشروع يؤسس لثقافة:

- العيش داخل مجتمع تعدّدي

- الموائمة بين القيّم الدينيّة والقيّم الإنسانيّة

- نقد التراث الإجتهادي وخلق بديل مع المحافظة على الجوانب العقلية القوية منه والتي لا تتعارض وروح العصر ومتطلبات الإنسان اليوم الخميني الشيعي والإخواني السني.

- نقد العقل الإسلامي الإجتهادي الذي يكرر ذاته لسنوات والذي أفرغ النصّ القرآني من أبعاده الدينيّة وتوجيهه الوجهة الفقهيّة التقنينيّة منذ عصر الشافعي إلى اليوم العقل الإجتهادي يكرر نفسه.

- إخراج الإنسان المسلم من فهم ماضوي ضيّق للإسلام، فهم قد غدا عالة عليهم لم يعد قادرا على الإستجابة لروح العصر والحداثة وهذا ما خلق الصراع بيننا وبين العالم

- التفرقة الواعيّة بين الدين وبين الفهم الذي نشكله عنه

- الخروج من المنظور المذهبي الضيق الذي يدعي كل منها اكتساب الحقيقة وما تنجر عنه من تبعات تكفيرية واقصائية كردّ فعل مضاد حماية لتلك القشور التي شوهت مقاصد الدين العالميّة من تسامح وكونيّة وتعايش ومحبة ورحمة وعفو عند المقدرة والصفح والغفران ...عبر التاريخ. فالقرآن يحتوي آيات غاية في التسامح والمحبّة والانفتاح على الأخر ولكن التفسيرات التاريخيّة المسيّسة والخاضعة للظروف هي التي جعلت منه متقلبا بين الانفتاح والانغلاق حسب ما تقتضيه الحاجة التاريخية والمصالح السياسيّة.

- كسر قيد الوضع القاهر الذي يتحكم فينا وفي مجتمعاتنا العربيّة" إن لم تكن معي وتنضوي تحت منظومتي الفكرية فأنت ضدي واجب وحق شرعي تصفيتك الجسديّة."

لكن يبقى السؤال المتكررة في ذهنيّة كل مفكر أو مصلح أو فرد واع بالواقع اليوم هو ما مدى مشروعية البحث عن أرضيّة للتسامح في التأويل النّصي؟ ما مدى وعينا بهذا المفهوم؟ أليس من الضروري اعادة ابتكار لمفهوم التسامح وقولبته وفق متطلبات العصر المتجددة؟

"هناك فارق كبير بين قبول الآخر والاعتراف به فالحالة الأولى يفرضها الواقع والمصالح المشتركة بينما الحالة الثانية تعبّر عن وعي لا تخالطه نوازع التعالي الناشئ عن عقيدة التفوّق العنصري أو الاجتماعي أو الديني أو المذهبي أو الثقافي. ولا تلامسه مشاعر الفوقية والتفوّق. ولا تنطلي عليه أوهام صحة ونهائية وجزمية الأفكار والمعتقدات في مقابل خطأ الأخر مطلقا. كما لا تخالجه التفرّد بالدين."[10] والتأصيل لإطار وطني يستوعب التعدد القومي العربي والأصولي الديني وشيوعيّة واشتراكية عربيّة وطوائفية وشعبوية داخل شرعيته. والتأسيس للتسامح أخلاقيا ولغويا، دينيا ومدنيا.

لأن "التسامح نسق قيمي تتوقف فاعليته على وجود أرضية صالحة وأجواء سليمة تساعد على تفاعل قيّمه لذا يشترط أولا ايقاف نزيف الكراهية والحقد وقطع مصادر العنف والاحتراب وتجفيف منابع اللاتسامح والارهاب والحيلولة دون تدفقها لا على مستوى الممارسة فقط وإنما اجتثاثها كثقافة وعقل ومنهج."[11]" فلأحقاب طويلة من الزمن وقع تجاهل الكلمة، وقع تجاوزها أو على الأصح اكتفى بمجرد النظر إليها على أنها من نافل القول ... كما أن الكلمة لم تكن تعبر في الحقيقة عن شيء محسوس. بقي التسامح طوال قرون متتالية مجرد فكرة مجرد فرضية ضمنية تتحدث عن طبيعة الحياة عامة والعلاقات البشرية وقد كان مصير التسامح في الفكر الديني (الذي يجب تمييزه عن الدين) مصيرا متناقضا.

فالتصوّر الإنساني المتعلق بالدين قد أنتج مدارس ومذاهب كانت سببا في اثراء هذا الفكر ولكنها كانت سببا في فتن مزّقت أوصال المجتمعات التي تدين بالديانات السماوية على وجه الخصوص." [12] لذلك لابد من التأكيد ضرورة قصوى على أهميّة الثقافة النقديّة في "النفوذ إلى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفيّة القديمة وتأهيلها لاستقبال نمط فكري وثقافي جديد يعمل في إطار قيّم التسامح. ويجب ان يطال الخطاب النقدي جميع المستويات وينفذ إلى كل الحقول. ولا يتوقف عند مساحة دون أخرى. فيبدأ بالفرد والأسرة لينتهي بأعلى سلطة فكرية واجتماعية مرورا بقيّم النظّم القبليّة والحزبيّة والدينية والنقابيّة والسياسية."[13]

بتفكيك سلسلة قيّما ومفاهيمها القديمة والتحرر من ربقة نمطها الاستبدادي من خلال نقد الخطاب الديني (هنا يجب أن نفهم الفرق بين النّص والخطاب الديني[14]) عند سيد قطب في قوله إن هذا الخطاب الديني لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل العكس سينتج حركات إسلاميّة متطرّفة تستبيح قتل المسلمين قبل غيرهم ."[15] وهذ ا ما يشهده عالمنا العربي اليوم من قبل الجماعات المتطرّفة. لذلك لابد من تفكيك الخطاب الذي تتبناه هذه الجمعات وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءات وبيان تهافتها ونقاط ضعفها لتفادي تنامي هذه القراءات ويتفاقم هذا الفهم ويتجذر داخل الفكر الديني إلى درجة يصبح فيها الفكر الأخر المضاد فكرا منحرفا وكافرا من وجهة نظره ومن زوايا فهمه وقراءاته وتفاسيره. فكيف يمكن حينها أن نتعايش مع الأفكار والأديان والعقائد المختلفة من حولنا؟

إنّ قضية الفكر ليست قضية الذّات بل هي قضية نتاجها المعنوي تماما كما هو النتاج المادي فنحن نرفض النتاج في عناصره ونحترم المنتج في انسانيته بمعنى لو أسقطنا الفكر لا نسقط صاحبه بل نحترمه كذات إنسانية نشترك معها في هذه الخاصيّة الإنسانيّة. إذ " ليس هناك صحيح مطلق وخطأ مطلق وإنما الفكر أيا كان انتماؤه انتاج بشري واجتهاد شخصي قد يصيب وقد يخطأ يتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتؤثر فيه القبليات المعرفية والأنماط الثقافية والاحداث السياسية والصراعات الطائفية والمستوى العلمي وأفاق الوعي السياسي والاجتماعي والديني." [16]

كما أكدّ على أهمية الدور الذي تلعبه الأسس المنهجيّة في ثقافة الحوار مع الأخر في مسائل منها الفرق بين الهداية الإنسانية والهداية الالهيّة التي "عمل الأنبياء على تجذيره وتعميقه في النفوس المؤمنة" كما أكدّ أيضا على دور القانون الذي يكمن دوره في فاعليته الكبرى في حسم النزاعات وإعادة الأمور إلى نصابها الأول وقمع الفقاعات الطائفية والمذهبية أو العنصرية أو الدينية في مهدها وحماية الصيغ التوافقية بين المواطني الشعب الواحد.

تحطيم الثوابت الغائرة والمتخفية في اللاّشعور خاصة في مفهوم الهداية رغم الحوار الذي لم يتجاوز في نظره داخل الذهنيّة العربية الإسلامية منطق التكفير والإكراه خاصة اذا ارتبطت بالأخر الخارج عن المنظومة العقائدية للأنا المؤمنة لذلك لابد للغرباوي هنا من تقديم البديل عن هذه الرؤيةباعطاء مفهوم جديد لهذا المصطلح في قوله:" الهداية هبّة ربّانيّة لا يمنحها إلاّ لمن يستحقها. وموضوعها العقيدة الإلهيّة وليست الشريعة وأحكامها، والعقيدة قناعة ذاتيّة لا تخضع لوسائل العنف والإكراه. وتحديد الهداية وضدها النوعي الذي هو الضلال مرتبط بالله تعالى ولا تتحدد بالسلوك الخارجي. فربما شخص يمارس الشعائر تحت ضغط الواقع... فالحوار معه على أساس هدايته باعتباره ضالا أمرا غير مبرر ولا مستساغ. وإنما يجب الحوار معه على أساس المثاقفة والتكامل باعتباره يمتلك رؤية وفكرا وثقافة وأدلة على أساسها اكتملت قناعته."[17]

هي " إرادة لا تعترف سوى بتبعية الذّات وامتثالها القسري والإكراهي لنموذج النسق الثقافي الذي يرهن أفق الإنسان ضمن منظور اختزالي لا يرده إلى ماهيته الجوهرية التى تؤسسها الحرية، وإنما إلى أصول ميتافيزيقية وأسس ثقافية شكلها الإنسان ذاته عبر تاريخه."[18]

كما أكدّ على ضرورة الفهم لصحيح لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو موضوع قيمي أخلاقي بالأساس وليس عقدي ديني. لإنّ مأزقنا اليوم المعاصر حسب رؤية الغرباوي النقدية للواقع المعاصر تتلخص في أن العقل العربي الإسلامي لا زال يكرّر ذاتَه باستمرار عود على بد من الألف إلى الياء وهذا ما قاله أيضا طه عبد الرحمان وأكد عليه في أنّ العالم العربي الإسلامي، لا وجود لإمكانيات البناء والتجديد عنده بل يستنسخ ما قاله السلف.

 قواعدهم وعباراتهم ومصطلحاتهم وآراءهم هي ذاتها لا تبديل ولا تحويل، وإن وجدت بعض المحاولات الخجولة التي لا تخرج عن منظومة النسَجَ على ذات المنوال إلاّ في حدود بيان بعض القواعد وشروحات لبعض العبارات، إن لم تكن شرح على شرح، وبعض الحواشي أو تعليقات عليها، ومحاولات توضيح المراد منها واستخلاص المضمون. وكأن الأول لم يترك للآخر شيئا وأضحى تفكيرنا مقيدا لا يخرج على المستوى الذي فكروا فيه.

 لا يسمح لنا بصياغة قواعد بديلة لتفكيرنا الديني نابعة من خضم مشكلات واشكاليات عصرنا ورهاناته، وتقدم العلوم والمعارف المستجدة في عصرنا. ينبغي علينا اليوم أن لاّ نفتقر للحسّ النقد التاريخي والتدقيق في دراسة موروثنا من الخطاب الديني كنصّ قابل للنقد وتجديد بنيانه الذي أصبح اليوم عاجزا عن الوفاء بمتطلبات روح العصر وحاجات العقل الإسلامي اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونستبصر أو نستشرف متطلبات مستقبلنا.

 لقد شدد الغرباوي على ضرورة الخروج عن المناهج التقليدية في الاجتهاد والتفكير وأهمية بعث أسس وأدوات نظر معاصرة عقليّة نقديّة للموروث الخطابي الدينيّ، وتخطي تلك النظرة التقليديّة التي حرمت لقرون طويلة المساس بحرمة وقدسيّة الخطاب الديني على وصفه "نساقاً مقدسا وعميقاً" وحداً نهائياً، قادر على انتاج الأسئلة والأجوبة لكل زمان ومكان. خطابات في نظره قد ساهمت في تعطيل العقل العربي الإسلامي، عود على بدء بدايتها نهاية ونهايتها نقطة. كتاب أراد صاحبه من خلاله أن يتخطى ما هو مكرر في الكتابات الإسلاميّة المماثلة (حسن البنا، يوسف القرضاوي، محمد عبده...) وغيرهم إن من حيث عنوانه، أو مضامينه، أو عناوين مباحثه (الاستبداد العربي، الجهاد والاجتهاد في الإسلام، مشروع تحرير المرأة) وجرأة محتواه وأهدافه في الكشف عن حدود حقل فاعليات الدين وآثاره الايجابيّة البناءة. مقدما بذلك مشروعه الاصلاحي الجديد من صلب التجربة العراقية المتنوعة والمتمثل في جملة من التنبيهات والمحاولات الاصلاحية أهمها:

- صيانة قيم العدالة والمساواة في مجتمعاتنا العربيّة وتجريم الممارسات التي تفرق بين أفراد المجتمع الواحد جغرافيا أو تاريخيا أو دينيا أو ثقافيا.

- محاصرة كل أنواع الخطابات وأشكال الممارسات المتطرفة.

- ضرورة الوعي الحضاري للتاريخ وأحداثه وتطوراته الذي يؤهلنا لاستيعاب النقاط الإيجابية من تاريخنا.

- حاجة المسلم اليوم إلى رؤية دينيّة تؤهله للعيش وفق قواعد إلتزاماته الدينية المتوافقة مع مستجدات زمانه وتطوراته المتلاحقة.

- ضبط سلوك الإنسان والعمل على تهذيبه والإعلاء من شأن الاعتبارات الدينيّة والأخلاقيّة التي تسيّره.

- محاولة استئصال القيّم الجامدة واستبدالها بقيم جديدة والترويج لقيم المحبّة والسلام والتسامح بين الأنا والآخر.

- تقديم رؤية للظواهر ضمن إطارها التاريخي وأنساقها المعرفية والثقافية التي تأسست في خضمها.

- تقديم اجراءات من الواقع بعيدا عن التنظير والمثل.

- تفكيك مصادر الخطاب والإشارة إلى الوجدان المتورم وإلى العاطفة الوجدانيّة الجارفة التي حولت العقل الديني إلى عقل أزمة أو عقل مونولوج وتيار شعور ساهم في تحوّله إلى خطاب حركي خطير.

- تقديم فهمً جديدًا للحياة، للفرد وللشعب والوطن بعيدا عن العصبيّة القبلية.

- الدعوة إلى ضرورة سدّ الثغرة الراهنة في المجتمع عن طريق الإصلاح والتغيير الخطاب الديني القديم في بعض جوانبه وتكييّفه بما ينسجم مع تحديات العصر بفهم جديد ليس هو التغريب وليس هو التأويل المخل الذي يصطدم مع النصوص الشرعيّة الصريحة والذي يجعل منها ذات دورا ثانويا أمام متطلبات العصر ووقائعه وحاجاته وإنما هو التجديد الذي يعود بنا إلى النصّ الأصليّ و إلى الأصول الإسلاميّة الأولى الصحيحة. فالمجتمع المسلم مأمور بتجديد إيمانه من كل ما علق به من أسباب الضعف والبلى والخضوع والانحراف.

- صدّ كل أشكال العنف السائدة في المجتمع بالتسامح لأن أرضية التسامح هي معارك حرية التفكير والتعبير والعقيدة الدينية.

الإعتراف بالآخر الذي هو أصل التسامح وجوهره.

- لا بد من تحديد التمايز الحاصل بين الدين بصفته مصدرا والخطاب الديني بصفته تمظهرا.

- تحديد مفهوم التجديد وآلياته، كالاجتهاد ودوره في التجديد.

- تحديث الخطاب الديني وتجديده بما يتناسب ومعطيات الحضارة المعاصرة

- تخطي الحلول الجاهزة التي ارتضاها المسلمون نتيجة ظروف ومعطيات تاريخية وحضارية وسياسيّة قد تجاوزها الزمن والركب الحضاري المعاصر

- التنبيه إلى ضرورة عودة المسلم إلى القرآن ليستمد منه القواعد الصحيحة للسلوك السوي في جميع مجالات الحياة.

- ضرورة التنبه والوعي التام بالحقائق الأساسية ذات الأولوية في حياتنا كمسلمين من حقوق المواطنة وسيادة القانون وتعدد المرجعيات ومراجعة الأنساق التي تحكمنا وتسيطر على تركيباتنا الذهنية في التفكير

- الوعي بأن الحلول في هذا الميدان لا تكون إلا في نطاق الواقعية والممارسة الحرّة بعيدا عن التنظير والمثالية لأن هذا الوعي الثقافي لا يمكن أن يلامس الواقع إلا في إطار تلاقح الأفكار وخلق فضاءات أرحب للحوار بعيدا عن منطق الهدي والارشاد الذي تمتهنه بعض الجماعات والجمعيات.

 

خاتمة

وفق منظور ماجد الغرباوي تتأسس ايتيقا الأنا من خلال اللقاء المتكامل بالآخر وبهذا المعنى فهو تعبير عن تجل لوجود خاص من أجل وجود عام، لا يكتسب تحديداته الجوهرية الخاص، التي يصبح عبرها نوعا، لا امتدادا إلا في علاقته بالآخر، الذي يكون وجوده سابقا وكائنا على وجود أية ذاتية، فالأنا الذاتي لا يتحدد إلا إذا كان هناك آخر ذاتي يسبقها في الزمن داخل زمانية التفاعل الإنساني، هذا الذي يضمن شرط انفتاح الذاتيّة على الغيرية ويجعل أفق الكونية ممكن موافقة وتوافقا عبر سمّة التسامح مع الآخر.[19] فأخلاق التسامح والتفاعلية هي مبدأ اعلاء من قيمة الحياة والإبداع التي تقوم على الإلتحام بالوجود والآخر" واحترام خياراته وأسلوبه في اغناء تجربة الحياة المشتركة، وكل حياة مشتركة خلاقة."[20] رغم يقيننا بأن التسامح لابد وأن يحمل قسطا من الشّر معنى ذلك أنّ التسامح لا يمكن أن يكون قيمة مطلقة، أي أنّه مكره بفعل مشيئة كل فرد على الفعل وفق القواعد الكونيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة والقانونيّة والأعراف الإجتماعيّة والقبليّة المترسخة في ذهنيّة الفرد من الناحيتين النظريّة والعمليّة. لكن مطلب الحياة يبقى غاية الإنسان الحقّ والمؤمن بأن الله وحده هو الذي يستحق أن يحيا اللإنسان ويموت في سبيله وهذا لا يتحقق إلا في صلب مجتمع مثالي يتعايش فيه وبسماحة كل إنسان مسلم مؤمن وأناس غير مسلمين، وهذا المجتمع لا يكون غير المجتمع الإسلامي الحق الذي يقبل ان يكون بين أفراده يهودا ومسيحيين وفئات لا تؤمن بنبيّ ولا كتاب. أليس هذا هو الوجه المثالي للتسامح الحق؟

لقد رفض الغرباوي في كتابه التسامح على أساس المنة والتفضل ودعا الى قيام التسامح على أساس مشاركة الآخر لنا بالحقيقة، ولو بجزئها، وحينئذ لا توجد منه ولا يوجد تفضل، بل هو شريك حقيقي لنا.

 

عفاف المحضي: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي (1-2)

 

 عفاف المحضي – طالبة كتوراه / تونس

...............................

قائمة المصادر والمراجع

I.قائمة المصادر:

- القرآن الكريم

- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاتسامح (فرص التعايش بين الأديان والثقافات) مؤسسة العارف للمطبوعات الطبعة الأولى بيروت- لبنان 2008

II.قائمة المراجع:

- جون لوك: رسالة في التسامح: ترجمة منّة ابو سنّة، تقديم ومراجعة مراد وهبّه المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة- 1997

- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013

- عبد الرزاق عيد : سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت، رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى، سبتمبر 2005

- محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي التسامح في الإسلام: الأسس النفسيّة والاجتماعيّة في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي

- ناجي البكوش : دراسات في التسامح، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الإنسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995

- يوسف القرضاوي: كلمات في الوسطيّة الإسلاميّة ومعالمها، دار الشروق- القاهرة الطبعة الثالثة سنة 2008

- -----------------: الإسلام والعنف نظرات تأصيليّة دار الشروق– القاهرة 2010

 

III.قائمة المقالات الإلكترونية:

- محمد محفوظ : التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

- لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي

- فؤاد عاقل : تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"- مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

- موقع منظمة اليونسكو www.unesco.org

 

الهوامش

[1]- المعجم الوسيط: ج1 ابراهيم المصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر محمد علي النجار: المكتبة الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع اسطنبول- تركيا (د.ت) باب السين مادة (سمح) ص 447

[2]- انظر كتاب رسالة في التسامح: جون لوك، المجلس الأعلى للثقافة 1997

[3]- موقع منظمة اليونسكو: www.unesco.org

[4]- التسامح في الإسلام: محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي: الأسس النفسية والاجتماعية في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي ص 29

[5]- ن.م: ص 50

[6]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 16

[7]- عبد الرزاق عيد: سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى، سبتمبر 2005 ص 210

8- محمد محفوظ: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

[9]- ن.م: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني

[10]- ماجدالغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 70

[11]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح، ص 69

[12]- دراسات في التسامح: ناجي البكوش، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الانسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995 ص 9-10

[13]- ن،م: ص 70

[14]- النصّ الديني والخطاب الديني: النصّ هو كل ما ثبت وروده عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله صلّ الله عليه وسلم، وهو فوق المحاسبة أو الإتهام، ويعتبر أصلا لا يمكن المساس به، فهو نص مقدس معجز صالح لكل زمان ومكان، مرتبط بالوحي، يأتي في مقدمة الأدلة الشرعية والحجج الدينية التي لا يمكن دحضها والمنزهة عن كل تحريف وشبهة. لهذا يشكل النص الديني الشكل الثابت الذي يمثل أساس الدين وكنهه سواء كان متعلقا بالعقائد أو بالعبادات أو بالمعاملات أو بالأخلاق. أما الخطاب الديني هو الخطاب الذي ينطلق من الرؤية الدينية مرجعا، فهو ما يستبطنه ويفهمه ويفسره الفقهاء والعلماء من النص الديني أو مصادر الاجتهاد. وهو الواسطة بين الناس وبين القرآن والسنة والتي توضح الإسلام وما فيه من أحكام، فهو طريقة ومنهاج في التفكير والتصور وفي التعبير عن الأفكار والتصورات. وما يميز الخطاب الديني هو معيار الثابت والمتغير ويحكم هذا التمايز كيفية فهمه واعتباره سواء من قبل منتج الخطاب أم من لدن متلقيه، ذلك أنه لا يكتسب من موضوعه -الدين- قداسته وإطلاقه. لا بد من التمييز والفصل بين الدين والفكر الديني، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة-واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد-إلى بيئة في إطار بعينه، وأن تتعدد الاجتهادات بنفس القدر من مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة. آنظر مقال بعنوان "تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي - فؤاد عاقل - مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

[15]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح ص 74

[16]- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاّتسامح: ص 100

[17]- ن.م: ص 109-110

[18]- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013 ص 66

[19]- انظر كتاب مبادئ فلسفة التعايش، لعبد العزيز بو مسهولي ص 188

[20]- ن.م: ص 190

 

 

النداء القاصر الذي يلهج به أعداء الدين لا يحتاج إلى إظهار مسبباته بالقدر التكليفي المتخذ سلفاً على عامة الناس، وذلك كون أصحاب الدعوة لا يهدفون من خلال أفعالهم إلا إلى إبعاد أتباعهم عن الطريق الموصل إلى الحق سبحانه، ولهذا نرى أن تطبيقات أقوالهم قد تخرج عن المألوف في كثير من الأحيان بذريعة ما ينسب إلى الله تعالى من الامتنان الجزافي في تعداد النعم حسب ما يؤول إليه ظنهم، ولكي نبين حصيلة أخطاء هؤلاء الناس يجب أن نجعل القيود التطبيقية تأخذ مجراها الحقيقي من بين الحيثيات المتفرقة التي يتعرض إليها القرآن الكريم، علماً أن هذا الأمر لم يكن بدعاً في الترغيب المقصود من شكر النعم أو الترهيب الذي يرافق الكفر بها، إذا علمنا يقيناً أن القلوب قد يصيبها الصدأ إن لم يطرأ عليها التذكير الموافق لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبهذا ينتفي أصل النداء الذي أرادوا تصنيفه ضمن المداخل العلمية أو الفضائل التي تم وضعها في غير أماكنها لأجل إبطال الحق، ومن هنا نجد أن جميع السبل المتبعة عنوة بهذا الاتجاه لا تقوم مقام المدار الإيماني المتكفل بإظهار النعم على الوجه المقرر في كتاب الله تعالى.

وتأسيساً على ما قدمنا نستطيع القول إن الأحداث البيانية التي أشار إليها الحق سبحانه هي الأصل في ذكر الأسباب المباشرة لتعداد النعم التي تطرق إليها القرآن الكريم مع ملاحظة عدم الأخذ بالآراء السقيمة التي تصل إلينا عن طريق المصادر البعيدة عن الصواب، وبهذا نعلم أن اتباع الضوابط الشرعية يقتضي التذكير بنعم الله جل شأنه دون الاعتماد على الأحاديث الواهية أو الأفكار الباطلة التي ينشرها بعض الناس، وخلاصة الأمر أن التذكير بالنعم لا يخرج عن كونه من السنن الإلهية التي أشار إليها القرآن الكريم وقد ورد تفصيلها على لسان مجموعة من الأنبياء، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره سبحانه حكاية عن موسى في قوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) المائدة 20. وكذا ما ورد على لسان هود في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) الأعراف 69. وكذلك نجد هذا التذكير على لسان صالح في قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) الأعراف 74.

ومن مجموع الآيات نستخلص مدى أهمية التوجيه الملازم للأقوام الذين أرسل الله تعالى إليهم الأنبياء ما يجعل تذكيرهم بالنعم هو السبيل إلى تخويفهم من الأخطار القادمة إليهم جراء كفرهم بتلك النعم، وهذا أقرب إلى التحذير المرحلي المصاحب للإنذار الموجه إليهم، ومن هنا نعلم أن ذكر النعمة والإشارة إليها بمختلف الوسائل يمهد الطريق لشكرها، لأجل أن يظل الإنسان سائراً في صحبة دين الحق، ومنقطعاً بين الرجاء والخوف، وهذا ما يستنتج من الأغراض الأساسية التي جعلها الله تعالى تحاكي واقع الأمم عبر التأريخ لكي تضمن رجوعها إلى الحق جل شأنه من خلال الترغيب والترهيب كون الإنسان إذا ترك  وشأنه فربما ينسى أو يتناسى نعم الله تعالى، وبالتالي فقد يلجأ إلى قوته الوهمية ويؤمن باستقلالها عن القوة المطلقة التي ترفده في جميع حالاته واتجاهاته، ولذلك فهو ينزع إلى الاستكبار والاستعلاء، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوساً) الإسراء 83. وكما ترى فإن هذا الصنف من الناس سوف يؤدي بهم الإعراض إلى تغيير ما بأنفسهم نحو الأسوأ، كما في قوله عز من قائل: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال 53. وقد يرد هذا البيان إلى الكبرى الكلية التي ذكرها تعالى بقوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد 11.

من هنا نرى أن للنعمة مجموعة من المصاديق ترد إلى المفهوم العام وقد تتفرق في تطبيقاتها، فتارة نلاحظ أن الحق سبحانه يذكر المؤمنين بدفع الأخطار عنهم، وتارة يشير إلى نعمة التأليف بين قلوبهم، ويشهد للمصداق الأول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) المائدة 11. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً) الأحزاب 9. وكما ترى فإن مقتضى السياق اللفظي في الآيتين يبين مدى تفضل الحق سبحانه على المؤمنين بنعمة دفع الأخطار عنهم لأجل أن يشكروا الله تعالى، وهذا هو المغزى الفعلي الناتج عن التذكير بالنعم لكي يستقر الإيمان في القلوب الطاهرة، ما يؤدي إلى إظهار دين الله في الأرض وعدم الالتفات إلى ما كان يلهج به أصحاب النداء القاصر الذين أشرنا إليهم في أول البحث.

ويشهد للمصداق الثاني قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) آل عمران 103. وكذا قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) الأنفال 26. وقوله تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين... وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) الأنفال 62- 63. وكما ترى فإن المشهد البياني الذي ورد في الآيات يذكر المؤمنين بأكبر نعم الله تعالى، وأنت خبير بأن هذه النعم قد تفوق النعم المادية إذا ما نظرنا إلى استضعافهم في الأرض وما يلحق بهم من تفرق القلوب وعدم إيجاد السبيل الأمثل للتأليف بينها، كل ذلك يجعل المؤمنين في شقاق لا تنفك لوازمه، وبالتالي تكون أمة الرسالة قد اتبعت السبل التي تباعد بينها وبين سبيل الله تعالى، ومن هنا ذكرهم الحق سبحانه بنعمه عليهم من أجل أن يتوبوا ويرجعوا إليه جل شأنه، وإذا ما تم هذا الأمر فبلا أدنى ريب ستكون أمة الرسالة هي أفضل الأمم، وبالتالي يصدق عليها قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) آل عمران 110. ولو تأملنا في الآيات التي تذكر المؤمنين بنعم الله تعالى عليهم نجدها تتطابق فعلياً مع النعم التي امتن بها سبحانه على بني إسرائيل، وسنتعرض لهذا المعنى في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آيتي البحث:

قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين... واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) البقرة 122- 123. نلاحظ في الآيتين إرجاع الكلام إلى الخطاب الأول الذي وجهه تعالى لبني إسرائيل والذي ذكرهم من خلاله بالنعم التي تفضل بها عليهم، لا سيما نعمة تفضيلهم على عالمي زمانهم، ومن مصاديق تفضيله تعالى إياهم بأن جعل فيهم النبوة والحكم وأنزل إليهم الكتب كما في صريح القرآن الكريم، ثم أشار سبحانه إلى اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً وهو يوم القيامة، وكذا لا يقبل منها عدل أي فدية ولا تنفعها شفاعة إلا بإذن الله تعالى، وتذكيرهم بيوم القيامة وعطفه على النعم التي أنعمها سبحانه عليهم لا يراد منه إلا إلزامهم بالشكر والرجوع إلى الله تعالى بعد ظهور الانحراف السافر في معتقداتهم، وقد مر عليك تفصيل هذا المعنى في تفسير الآيتين 47- 48. من السورة نفسها، ومن أراد المزيد فليراجع.

 

من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر  

 

 

 

التذكية بالطرائق الحديثة وأحكامها: هناك طرائق عدة استحدثها الإنسان المعاصر لذبح الحيوانات بكميات كبيرة؛ كي يلبي حاجة الناس المتزايدة إليه جرّاء النمو السكاني وارتفاع المستوى المعاشي. ومن هذه الطرائق ما هو آلي ومنها ما هو يدوي ولكن بمساعدة الآلات الحديثة. ولأجل الشبهة الحاصلة من هذه الطرائق في مدى تحقيق التذكية الشرعية من عدمها، ازدادت استفتاءات المسلمين –ومن كلا الفريقين- إلى الفقهاء لمعرفة الرأي الشرعي في تذكية الذبائح بهذه الطرائق، فانبرى فقهاء المسلمين للفتوى والبحث وإبداء آرائهم فيها.

ومن أجل الوقوف على جملة من هذه الآراء، سيتناولها البحث في المطلبين الآتيين:

الذبح الآلي وأحكامه

تقدم في المبحث الأول ذكر ضوابط وشروط التذكية الشرعية، فاتفق مشهور فقهاء الإمامية على وجوب تحققها في حلّية الذبيحة، وهي: (كون الذابح مسلمًا، وكون الذبح بالحديد مع إمكانه، وكون الحيوان مستقبل القبلة حين الذبح، والتسمية من الذابح، وفري الأوداج الأربعة)، فإذا ما تحققت هذه الشروط في التذكية بالطرائق الحديثة، فلا ريب أنَّ التذكية تكون شرعية، ويحل أكل الذبيحة، وهذا ما أفتى به فقهاء المذاهب الإسلامية[58].

وفيما يأتي ذكر بعض طرائق الذبح الآلي المستخدمة في دول العالم ومدى مطابقتها مع التذكية الشرعية، أو عدمها، ورأي الفقهاء فيها:

 أولًا: الذبح الآلي للمواشي.

الذبح الآلي الافتراضي، هو أن تذبح مجموعة من الحيوانات ببتر رؤوسها مرة واحدة بآلة حادة، بعد أن توضع هذه الحيوانات بوضعية معينة، كأن تكون واقفة على أرجلها، أو معلقة منها بشكل منكوس، من دون تسليط أي مؤثر خارجي من شأنه أن يفقدها الوعي، أو أن يشل حركتها.

ولكن نظرًا للدعوات المنادية بالرفق بالحيوان أثناء ذبحه، اخترعت بعض الدول الغربية وسائل من شأنها إفقاد الحيوان لوعيه (أو شلّه عن الحركة) قبل تقديمه للذبح، منها:

1- صعق الحيوان قبل الذبح: وهي على طرائق عدة، منها[59]:

أ‌- الصعق الكهربائي: وتتم بوضع الحيوان في مكان مخصص، ومن ثم يقوم رجل بإيصال صدمة كهربائية بواسطة آلة خاصة أشبه بالمقص توضع على مقدمة رأس الحيوان، مما يجعله يفقد حواسه ويسقط على الأرض. وإذا لم تتم عملية التدويخ الكهربائي بالدقة المطلوبة فإنها تؤدي إلى شللٍ كاملٍ للذبيحة مع وجود الوعي على حالته. وتعرف علميًا بالصـــدمة الضـــــائعة أو التائهة (Missed chock) وتكمن ديناميكية هذه الطريقة في تنبيه خلايا المخ بصورة غير طبيعية، ولا متفقة، مما ينجم عنه تشـــوه في خلايا المخ، وحالة من عدم التمييز(Confusional state) .

ب‌-المطرقة الحديدية: إذ تضرب جبهة الحيوان بمسدس يتعلق بفوهته قطعة حديدية مثل الرصاص، فتُحدث بالحيوان ارتجاجاً شديداً في مخّه، وأحيانًا يتهشم مكان الإصابة من جبهته، ثم يخر صريعاً على الأرض. وهذه الطريقة أقل تأثيراً على الحيوان من المسدس الواقذ، ونسبة الوفيات منه أقل مما هي في المسدس الواقذ. والحيوان المصعوق بهذه الطريقة يبدأ بتحريك يديه ورجليه بعد حوالي (5 ــ 6) دقائق.

ث‌- القذيفة النارية: وتطلق من مسدس خاص يسمى، المسدس الواقذ ذو الطلقة المسترجعة (Captive Bolt Pistol): إذ يوّجه إلى جبهة الحيوان في موضع محدد -يختلف تبعًا لنوع الحيوان- وعند الضغط على الزناد تنطلق خرطوشة فارغة من المسدس لتوجِّه مسماراً غليظاً إلى داخل الجمجمة ونسيج المخ، ويظل المسمار الغليظ المدبب من الأمام متصلاً بالمسدس يعود إليه آليا بواسطة نابض مرتبط طرفه الأول بالمسدس، والثاني بالمسمار، بحيث يسمح هذا الوضع باستعماله دائمًا. وباستخدام هذه الطريقة يستمر القلب في الخفقان لفترة يسيرة، وتتهتك أنسجة المخ. وبهذا لا يدوخ الحيوان فقط، بل يموت أيضاً.

 

2- تخدير الحيوان قبل الذبح، وهو بوسائل عدة أيضًا، منها:

أ‌- التخدير بثاني أوكسيد الكربون: وتعد هذه الطريقة -عندهم- من أحدث الطرائق وأنظفها، وقد استخدمت لأول مرة في أحد مصانع اللحوم المعلبة بأمريكا عام (1950م)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الدانمارك وغيرها. إذ شاع استعمالها في كثير من مجازر أوربا؛ لرخص ثمن الغاز، وسهولة العملية مقارنة بالتدويخ الكهربائي. وعلى الرغم من أن تركيز 65ــ70 % من ثاني أوكســيد الكربون في الهواء يعد كافيًا لإحداث التخدير قبل الذبح، إلّا أنَّ النســبة المســـــتعملة في المسالخ عادة لا تقل عن 70% في الهواء الذي لا يحوي أكثر من 70% أوكســـجين، الأمر الذي يؤدي إلى حـــالة شــــــديدة من الاختناق، أو ما يسمى علميًا بنقص الأوكسجين. وعلى الرغم من إشارة البعض إلى عدم تأثر اللحم بهذه الطريقة، إلّا أنه مما لا شك فيه أن صوف الغنم المخدر بهذه الطريقة يمتص جزءًا كبيراً من غاز ثاني أوكسيد الكربون من الهواء المحيط، وعادة ما يتأثر الأُس الهيدروجيني للحم، وتقل صلاحيته للحفظ والاستهلاك الآدمي[60].

ب‌-طعن النخاع الشوكي خلف الرقبة، ما بين الجمجمة والفقرة الأولى بعد خفض رقبة الحيوان إلى الأسفل بقوة، ما يؤدي إلى قطع الحبل الشوكي وبالتالي التخدير (الشلل التام) للحيوان[61]. وبعد أن يغشى على الحيوان بأي طريقة من هذه الطرائق، يعلّق منكوسًا برافعة، ويصفّى دمه إما بواسطة الذبح الأوتوماتيكي، أو من قبل جزّار يقوم بقطع الأوداج -إذا كان الجزار مسلمًا-، أو بغرس سكين في الوريد -إذا كان غير مسلم- وإخراجه بقوة؛ ليسيل الدم[62].

 ثانيًا: الذبح الآلي للدجاج

تستخدم طرائق الصعق الكهربائي وغيره في الذبح الآلي للدجاج أيضًا على اختلاف الأغراض منه، فمنهم من يعتبره من باب الرفق بالحيوان، ومنهم من يعتبره وسيلة للسيطرة على الحيوان أثناء الذبح بعد أن تشل حركته بالصعق.

ومن هذه الطرائق:

أ‌- الصعق الكهربائي، إذ يتم تعليق الدجاج من أرجله منكوسًا، ثم يعرّض لصدمة كهربائية من (50، 70، 90 فولت، أي 100، 200، 250 ملي أمبير)) كصدمة متوسطة، إما باليد، أو بواســـــــــطة صدمة (400-1000 فولت) في أقفاص موصلة بالكهرباء تصيب الطير في أي مكان، أو بصعقها عبر أحواض فيها مياه مكهربة تغطّس فيها الدواجن المعلّقة من أرجلها بواسطة شريطط متحرّك، فتفقد الوعي وتشل حركتها، بعدها يتم جرح رقابها بسكين حادد أوتوماتيكيًا، ليخرج منه الدم، إلى أن تتم المراحل الباقية من النتف والتصفية والتعليب[63]. وتستخدم تقنية الحوض المكهرب في بعض الدول العربية والإسلامية أيضًا، مع إضافة جهاز على ماكينة الذبح الآلي، مسجّل عليه "بسم الله-الله أكبر" عدة مرات[64].

ب‌-الصعق بالهواء المنفجر، فبعد أن يعلّق الدجاج من أرجله، يتم إمراره –أوتوماتيكيًا- بآلة مستديرة تنفتح إلى النصف -مكتوب عليه الذبح بطريقة التدويخ-، فيدخل رأس الدجاج فيها ويعرّض للضرب بهواء شديد الانفجار، ما يؤدي إلى فقدانها الوعي وشل حركتها، ثم تمر بجهاز آخر يقطر فيه الدم أو غيره من السوائل، وبعده تمر على جهاز يعمل بالبخار، أو الماء الحار جدًا، وتخرج منه لأجهزة النتف والتنظيف إلى أن تخرج لأكياس النايلون ثم للكرتون الذي كتب عليه باللغة العربية (ذبح على الطريقة الإسلامية)([65]).

 ثالثًا: الآثار السلبية للصعق والتخدير

من أهم الآثار الطبية المترتبة على صعق الحيوان أو تخديره قبل الذبح، السلبيات الآتية:

1- أنَّ الحيوان إذا ما فقد الوعي بواسطة المؤثرات على الجهاز العصبي -سواء بالصعق أو بالتخدير- سيؤدي ذلك إلى شلل الجهاز العصبي، وبالتالي ارتخاء القلب والعضلات، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء كمية كبيرة من الدم داخل جسم الحيوان بعد ذبحه؛ لضعف القلب والعضلات عن الانقباض والضغط على الأوردة والشرايين المؤديان إلى خروج أكبر كمية ممكنة من الدم بعد قطع الودجين[66].

2- إنَّ الوسائل المستخدمة في الصعق والتخدير قد لا تؤدي الغرض المرجو منها، وهو إراحة الحيوان وإفقاده الإحساس بألم الذبح. إذ أشارت البحوث الحديثة إلى أنَّ استجابة الحيوانات للصعق الكهربائي تختلف بعضها عن بعض، فعند تمرير التيار في رأس الخروف –مثلًا- تنقبض كل أرجله الأربعة، ويغلق عينيه لبضع ثوانٍ، ثم يفرد رجليه الخلفيتين، وبعد حوالي عشر ثوانٍ يُلاحَظ ارتخاء بالعضلات مع حركات مشي وهمية بالخلفيتين، وأثناءها تُفتح العينان، ويتجه البؤبؤ إلى الأعلى حيث يظهر بياض المقلتين فقط. وعلى هذا فلم يُتأكّد إلى اليوم أنَّ الأغنام تفقد وعيها لفترة كافية بعد تدويخها بالصدمة الكهربائية. وكذا في الأبقار لم يتأكد بعد من صلاحية التدويخ بهذه الطريقة[67]. ما يعني أنَّ الحيوان يبقى يشعر بألم الذبح، فضلًا عن ألم الصعق.

3- قد يؤدي الصعق إلى موت نسبة عالية من الحيوانات قبل ذبحها؛ لاسيما الأبقار المصعوقة بالمسدس الواقذ، إذ يؤدي استعماله إلى قتل الحيوان باعتراف مصنعيه أنفسهم[68].

 رابعًا: أحكام الذبح الآلي الشرعية

 تباينت آراء فقهاء المذاهب الإسلامية في شرعية الذبح الآلي من حيث كونه واجدًا لشروط التذكية المنصوص عليها أم لا، فمنهم من ذهب إلى حِلِّية ذبيحته مطلقًا، ومنهم مَن فصّل في الحكم.. وفيما يأتي الوقوف على رأي فقهاء الإمامية المعاصرين، وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى.

1- رأي فقهاء الإمامية

فيما تقدّم ذكر صورتين للذبح الآلي، الأولى: أن يذبح الحيوان آليًا وهو بكامل وعيه، والثانية: أن يذبح بعد تعريضه لمؤثرات خارجية من شأنها أن تفقده الوعي وتشل حركته، كالصعق أو التخدير.. ولكل من الصورتين رأي عند الفقهاء، يمكن إجمالها بالآتي:

- حكم الصورة الأولى: أفتى بعض الفقهاء المعاصرين بصحة الذبح الآلي، وحِلِّية أكل ذبيحته إذا روعي فيه شرائط الذبح المعتبرة، أو المنصوص عليها، من حيث كون المتصدي للذبح -أو مشغّل الآلة- مسلمًا، ويذكر اسم الله تعالى على الذبيحة -أو الذبائح-، ويستقبل بها القبلة، وأنَّ آلة الذبح من حديد، وتقطع الأوداج الأربعة[69].

ولكن هناك من الفقهاء مّن أثار بعض الإشكالات التي من شأنها أن توهم بعدم حِلَّية الذبيحة المذكّاة آليًا؛ لعدم تحقق الشرائط الشرعية المعتبرة فيها. وفيما يأتي ذكر لأهم هذه الإشكالات، مع أجوبة المجوّزين للذبح الآلي عنها([70]):

أ‌- انتساب الذبح للآلة، لا للإنسان: وهو مخالف لما نصّت عليه آية تحريم الأطعمة، في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...([71])، إذ نسب التذكية في (ذَكَّيْتُمْ) إلى مباشرة الإنسان لها. إضافة إلى أنَّ الروايات قد دلّت على أنّ التذكية لا تصدق بفعل غير الإنسان، كما لو أزهق الحيوان روحه من قبل نفسه، أو بفعل حيوان آخر ولو بقطع مذبحه وأوداجه ما لم يدركه الإنسان فيذكيه. منها: عن الإمام الصادق  قال: «لا تأكل منن فريسة السبع ولا الموقوذة ولا المتردّية إلاّ أن تدركها حية فتذكّيها»[72].

وجوابه: إنَّ التذكية المذكورة في الآية الكريمة، عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة الوارد على المحل القابل، لا أنها مستندة إلى المكلَّف. إذ لا شبهة في أنها فعل المكلَّف، سواء أكانت عبارة عن المسبب، أو نفس الأفعال الخاصة، غاية الأمر على الأول تكون فعله التسبيبي، وعلى الثاني تكون فعله المباشري. ويؤيده جملة من النصوص التي رتبت الحلية على نفس الأفعال، كما في خبر زيد الشحام عن الإمام الصادق(ع): «...إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس به»[73]، أضف إلى ذلك أنه ورد في جملة من النصوص أنَّ ذكاة الجنين ذكاة أمّه[74]، ولو كانت التذكية اسمًا للمسبب؛ لما صح هذا الإطلاق[75]. إذ «يكفي في إنتساب فعل أو نتيجته إلى الفاعل المختار أن لا يتخلل بين عمله وبين حصول تلك النتيجة إرادة أخرى، بحيث‏ يكون حصول تلك النتيجة بفعله قهريًّا وترتبه عليه طبيعيًّا، وإنْ تأخّر عنه زمانًا أو كان بينه وبين تلك النتيجة وسائط تكوينية. ومن هنا لا يستشكل أحد في صدق القتل وانتسابه إلى الإنسان إذا ما قتل شخصًا آخر بالآلة»[76].

 

ب- إنَّ الذبيحة لا تكون مستقبلة للقبلة؛ لعدم كون منحرها وبطنها إليها. وقد نصّت الروايات، وأجمع الفقهاء -كما في الجواهر وغيره من الكتب- على مراعاة هذا الشرط، إلّا في حالة النسيان أو الجهل بالحكم، أو الخطأ في جهة القبلة، أو عدم التمكن من الحيوان؛ لاستعصائه، أو لتردِّيه ...

وأجابه السيد الروحاني: بأنَّ مقتضى إطلاق النصوص كفاية الاستقبال بالذبيحة بأي نحو كان في الحِلِّية، ولا تعتبر فيه كيفية خاصة، فلو أوقف الحيوان إلى القبلة بأن كان رأسه إليها -كهيئة الإنسان في حال الركوع والسجود، والإبل في حال النحر إذا كانت قائمة- يصدق أنه مستقبل للقبلة[77]. بل يكون الاستقبال محفوظًا أيضًا، إذا كان الذبح بشكل عمودي كما في ذبح الدجاجة بالماكينة وهي معلّقة من رجليها على رأي السيد محمود الهاشمي[78]. أضف إلى هذا فإنَّ السيد الهاشمي لم يعتبر الاستقبال في حِلِّية الذبيحة، بعد أن أطال البحث في هذا الشرط، وخلص إلى أنَّ مقتضى الدليل الاجتهادي.. حصول التذكية بغيره، إذا تحققت‏ سائر الشرائط المعتبرة؛ لما دلّت عليه عمومات التذكية في الكتاب الكريم والروايات، كما ذهب إلى إمكانية التخلّص من مشكلة الاستقبال بجعل من لا يرى وجوب الاستقبال عليها من سائر المذاهب الإسلامية، فتكون الذبيحة محللة؛ إذ لا شك في حِلِّية ذبيحتهم عند الإمامية[79].

تعقيب: يبدو في ما قاله السيد الهاشمي نظر.. إذ الظاهر من فتاوى الفقهاء أنَّ حِلِّية ذبائح المذاهب الأخرى من حيث اعتقادهم بالإسلام، لا أنهاا تحلُّ وإن أخلّ الذابح بالشرائط المعتبرة عند الإمامية مع حصول القطع بذلك الخلل بالنسبة للمكلَّف. ولا أدل على اعتبار حيثية المعتقد من أنَّ الكتابي –أو غيره من الكفار- لو جاء بجميع ما يعتبره الإمامية من شرائط في التذكية لما حلّت ذبيحته.

ج‌- عدم تحقّق التسمية من الذابح؛ إمّا لحصول الفاصل بين ذبح الحيوان وفري أوداجه الأربعة وبين زمان تشغيل الماكينة، أو ربط الحيوان بها من قبل الإنسان المستخدم لها أولًا، وإمّا أنه يسمّي تسمية واحدة للذبائح المتعددة ثانيًا.

وجواب الأول: أنه يمكن تلافي حصول الفاصل الزمني بين التسمية والذبح، بـ[80]:

1- افتراض تكرار الذابح -وهو المحرِّك للآلة أو الذي يربط الحيوانات بها للذبح- للتسمية إلى زمان حصول الذبح بها. وذهب السيد علي السيستاني إلى تكرار التسمية ما دام الجهاز مشتغلًا بالذبح، أما مع الشك في حلية الذبيحة من جهة الشك في وقوع التسمية، فإنها تعتبر طاهرة ويحلّ أكلها[81].

2- أنَّ الفاصل الزماني إذا كان قصيرًا بحيث ‏يُعَد عرفًا بحكم المتصل بزمان الذبح، شمله إطلاق ذكر اسم الله في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...[82]، وكذا إطلاق الروايات.

3- إنَّ زمان‏ الذبح بكل شيء يكون بحسبه، فإذا كان الذبح باليد فزمانه مثلًا زمان وضع السكين على مذبح الحيوان للفري، وأما إذا كان بالآلة فزمانه زمان تشغيلها وتوجيهها على الحيوان بحيث‏ يتحقق الذبح ويترتب عليه قهرًا. وهذا نظير التسمية في الصيد، حيث ‏يتحقق عنوان الصيد من حين رمي السهم أو إرسال الكلب، ولهذا يجب التسمية عنده، وإن كانت إصابة الحيوان الذي يُراد صيده بالسهم أو بالكلب المعلَّم متأخرًا زمانًا.

أما جواب الثاني: ففيه تفصيل، فإنْ كان الذبح تدريجيا –أي حيوان بعد آخر- لم يكفِ تسمية واحدة؛ لأنه حين ذبح الثاني لم يُسمِّ، والتسمية الأولى منفصلة عن هذا الذبح، في حين أنَّ الأمر يوجب التسمية عند الذبح. وإنْ كان الذبح دفعيًا –أي تذبح الحيوانات جميعًا مرة واحدة- كفت التسمية الواحدة لجميعها؛ ودليله مقتضى إطلاق الآيات القرآنية هو الاكتفاء في الحل بذكر اسم الله على الذبيحة، وفي الفرض يصدق أنه ذكر اسم الله على الذبائح، كما أنَّ الفقهاء قد أفتوا بأنه إذا أرسل الصائد كلبًا معلَّمًا أو رمى سهمًا وذكر اسم الله فصاد الكلب صيدًا آخر أو أصاب السهم حيوانًا آخر حلَّا معًا، مع أنَّ المفروض أنه لم يُسمِّ إلّا واحدة، وهذا العنوان يصدق في المقام[83].

 د‌- إبانة -قطع- رأس الذبيحة عمدًا، وقد نُهي عنه، والنهي يعني حرمة الذبيحة.

وجوابه: هناك اختلاف بين الفقهاء في إفادة النهي للحرمة، إذ ذهب بعضهم إلى عدم إبانة الرأس قبل أن تبرد الذبيحة، وذهب آخرون إلى حرمة الإبانة وعدم محرّميتها للذبيحة. أما المشهور بين الفقهاء فهو الكراهة، وهي الأظهر عند السيد الروحاني، ودليله على جواز الإبانة إطلاق الأدلة، سواء القرآنية أو الحديثية([84]).

ه‌- تذبح الذبيحة من القفا، وهو مستلزم لإبانة الرأس الموجِب للحرمة، كما أنَّ مشهور الفقهاء يشترط استقرار الحياة في الحيوان بعد قطع الرقبةة وقبل قطع الحلقوم، أي أنه يمكن لمثله أنْ يعيش اليوم والأيام، فلو كانت الحياة غير مستقرة فيه فهو بمنزلة الميتة ولا يحِلّ بالذباحة[85]،

وأجابه السيد الروحاني: «ولكن: الحق تبعًا لأكثر القدماء والمتأخرين عدم اعتبار استقرار الحياة، بل عن الشيخ يحيى بن سعيد، إنَّ اعتبار استقرار الحياة ليس من المذهب، بل المعتبر أصل الحياة المستكشفة بالحركة بعد الذبح ولو كانت جزئية يسيرة، أو خروج الدم المعتدل»[86]، وقد استدل في عدم اعتبار استقرار الحياة بالاستثناء بـ (إلّا) في قوله تعالى ...إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...[87] من النطيحة(*)، والمتردية(**)، وما أكل السبع.. وفي صحيح زرارة عن الإمام الباقر  قال: «كُلْ كُلَّ شيء من الحيوان غير الخنزير والنطيحة والمتردية وما أكل السبع، وهو قول الله (إلّا ما ذكيتم) فإن أدركت شيئًا منها وعينهه تطرف، أو قائمة تركض، أو ذَنَب يمصع، فقد أدركت ذكاته فكُلْه...»[88] وصحيح الحلبي عن الإمام الصادق(ع) «...إذا تحرك الذَنَب أو الطرف أو الإذن فهو ذكي»[89] ...إضافة إلى كثير من النصوص التي استدل بها، ومنها خلص إلى القول بـ «عدم اعتبار استقرار الحياة، بل المعتبر أصل الحياة، وعليه فالذبح من القفا لا إشكال فيه، إن كان الحيوان حيًّا قبل أن يفري الأوداج ومات بعد تمامية الفري»[90].

تعقيب: يبدو لي أنَّ رأي السيد بحاجة إلى وقفة؛ لأنَّه ثبت في علم الطب أنَّ قطع النخاع الشــــوكي يحدث صدمة عصبية في الحيوان، ومنها تحدث الوفاة بسرعة، «وهو ما يحدث في حالة الشـــنق عند فصل الرأس عن الجسم، بتعليق ثقل الأخير على الوصلة بين الفقرة العنقية الأولى والجمجمة، وهي بالفصل أسرع طريقة للموت»[91]. وعلى فرض بقاء الحيوان حيًّا للحظات فإنَّ قطع النخاع يتسبب في حدوث الشلل التام ومن ثم لا يخرج الدم بشكل متعارف -وهو المعتبر شرعًا-؛ لأنه سيظل حبيسًا بين العضلات والأحشاء ولا يجد ما يضغط عليه للخروج منها.

حكم الصورة الثانية:

الحكم في هذه الصورة مبني على رأي أهل الاختصاص –من أطباء، وأطباء بيطريين...وغيرهم- وفيه وجهان[92]:

الوجه الأول: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق الكهربائي أو استنشاق غاز ثاني أوكسيد الكربون، أو أي طريقة أخرى تؤدي إلى موت بعض الحيوانات، فحينئذذ يحصل علم إجمالي بموت بعضها قبل إجراء التذكية لها، وبهذا لا يمكن الحكم بحلّ أي ذبيحة من هذه الحيوانات؛ لأنَّ الشبهة محصورة فيها.. وكذا إذا كانت الذبائح المعلّقة على الشريط الدوّار ليست كلّها على نسق واحد من ناحية الطول، وحينئذ فقد تضرب الآلة الحادّة موضع الذبح وقد تضرب الرأس نفسه أو الصدر، وبه لا تكون كل الحيوانات مذكّاة؛ لحصول علم إجمالي بقتل بعضه بما ليس ذبحاً شرعياً، ومن هنا لا يمكن الحكم بحِلِّ هذه الطريقة إلاّ إذا تم التأكّد من أنّ الحيوان الذي صُعق بالكهرباء لم يمت، وأن الآلة الحادة قد ذبحته في موضع التذكية.

الوجه الثاني: إذا ثبت عندهم أنَّ الصعق والتخدير يؤديان إلى فقدان الحيوان لوعيه فقط، وأنه سيعود إليه بعد مدّة معينة، فيكفي في هذه الحالة إجراء التذكية على الحيوان لحِلِّيته، ويكفي خروج الدم المتعارف في أمثال هذه الحيوانات المدوّخة وإنْ كان زمن النزف فيه أطول من الوقت المعتاد بدون التدويخ. وأمّا إذا شُكَّ في حياة الحيوان بعد التدويخ، فيكفي للحكم بالحياة حركته بعد التذكية (كحركة الذَنَب والاُذن)؛ وذلك للروايات الصحيحة: منها صحيحتي زرارة والحلبي المتقدمتي الذكر[93]. وعلى هذا فمن الطبيعي حرمة الحيوان المشكوك حياته إذا اُجريت عليه التذكية ولم يتحرك منه شيء.

تعقيب: الاستدلال بهاتين الروايتين فيه تأمّل، إذ لسان حالهما إعطاء الحكم في الحيوان مشكوك الحياة بسبب طبيعي، كأن يكون مصاب بمرض، أوو نطحه حيوان آخر، أو تردّى، أو أكله السبع...إلخ وأدركه الإنسان، فله أن يذكّيه ويأكله؛ لئلّا يذهب لحمه وماليّته هدرًا، لا أنَّ الإنسان نفسه هو الذي يتعمّد إلى جعل الحيوان بحالة تشبه هذه الحالات وهو في غنًى عنها!.

2- رأي فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

سأذكر أهم آرائهم في الوقت المعاصر، المتمثل بمجمع الفقه الإسلامي، وداري الإفتاء (المصرية، والسعودية).

أ‌- مجمع الفقه الإسلامي.

 قرر (مجلس مجمع الفقه الإسلامي) المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدّة -السعودية- خلال الفترة (28/6–3/7/1997م)، وبعد اطلاعه على البحوث المقدمة إلى المجمع في موضوع الذبائح، واستماعه للمناقشات التي دارت بمشاركة الفقهاء والأطباء وخبراء الأغذية، ما يأتي[94]:

- حكم الذبح الآلي:

الأصل أن تتم التذكية في الدواجن وغيرها بيد المذكّي، ولا بأس باستخدام الآلات الميكانيكية في تذكية الدواجن ما دامت شروط التذكية الشرعية قد توافرت، وتجزئ التسمية على كل مجموعة يتواصل ذبحها، فإن انقطعت أعيدت التسمية.

أن يكون المذكّي بالغًا أو مميزًا، مسلمًا أو كتابيًا.

 أن يكون الذبح بآلة حادة تقطع وتفري بحدِّها، سواء كانت من الحديد أم من غيره مما ينهر الدم.

أن يذكر المذكّي اسم الله تعالى عند التذكية. ولا يكتفي باستعمال آلة تسجيل لذكر التسمية، إلّا أنَّ من ترك التسمية ناسيًا فذبيحته حلال.

 حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

 الأصل في التذكية الشرعية أن تكون بدون تدويخ للحيوان، لأنَّ طريقة الذبح الإسلامية بشروطها وآدابها هي الأمثل، رحمة بالحيوان وإحسانًا لذبحته وتقليلًا من معاناته، ويطلب من الجهات القائمة بالذبح أن تطور وسائل ذبحها بالنسبة للحيوانات الكبيرة الحجم، بحيث تحقق هذا الأصل في الذبح على الوجه الأكمل.

والحيوانات التي تذكّى بعد التدويخ فذكاتها شرعية، ويحِلّ أكلها إذا توافرت الشروط الفنية التي يتأكد بها عدم موت الذبيحة قبل تذكيتها، وقد حددها الخبراء بـ : (أن يتم تطبيق القطبين الكهربائيين على الصدغين أو في الاتجاه الجبهي-القذالي (القفوي)، وأن يتراوح الفولطاج ما بين (100-400 فولط)، وأن تتراوح شدة التيار ما بين (750-1 أمبير) بالنسبة للغنم، وما بين (2-2,5 أمبير) بالنسبة للبقر. وأن يجري تطبيق التيار الكهربائي في مدة تتراوح ما بين (3-6 ثوان).

 لا يجوز تدويخ الحيوان المراد تذكيته باستعمال المسدس ذي الإبرة الواقذة أو بالبلطة أو بالمطرقة، ولا بالنفخ على الطريقة الإنجليزية.

 لا يجوز تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، لما ثبت بالتجربة من إفضاء ذلك إلى موت نسبة غير قليلة منها قبل التذكية.

 لا يحرم ما ذكّي من الحيوانات بعد تدويخه باستعمال مزيج ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأوكسجين أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي بصورة لا تؤدي إلى موته قبل تذكيته.

 ب‌- دار الإفتاء المصرية

- حكم الذبح الآلي:

أفتوا بصحة الذبح الآلي إذا تطابق مع شروط التذكية عندهم، من حيث كون الذابح –مشغل الماكينة- مسلمًا أو كتابيًا، ويذكر التسمية أثناء التشغيل أو أنها تُذكر من خلال جهاز التسجيل -ولا بأس إنْ لم تذكر أصلًا على رأي المذهب الشافعي- ، كما اشترطوا أن يكون الذبح بحدِّ الآلة لا بشيء آخر.. والفتوى هي: «إذا كانت آلة الذبح تقتل بحدِّها لا بأي طريقة أخرى، وكان من يقوم بتشغيلها مسلمًا أو كتابيًّا، وكان المذبوح مأكول اللحم –فإن أكله حينئذٍ حلال... والتسمية عليه عند ذبحه –بعد ذلك كله– سُنَّةٌ لا يضر تركها كما هو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة»[95].

- حكم الذبح بعد الصعق الكهربائي:

أناطوا الحكم في هذه الصورة بأهل الاختصاص أيضًا، واشترطوا في صحته استقرار الحياة في الحيوان بعد الصعق أو التخدير، والفتوى هي: «إذا ثبت طبيًّا وعلميًّا أنَّ استخدام طريقة ما للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه يترتب عليها خروج الحيوان من الحياة المستقرة إلى موت أو إلى حركة مذبوح لا يتحرك بالإرادة -مما يتعارض مع شروط الذبح المقررة في الفقه الإسلامي– فإن هذه الطريقة لا تجوز شرعًا، أما إذا اقتصرت آثارها على إضعاف المقاومة أو تخفيف الألم فقط -وبحيث لو ترك دون ذبح لعاد إلى حياته الطبيعية– فإنه يجوز استخدام هذه الطريقة للسيطرة على الحيوان قبل ذبحه في هذه الحالة؛ لأنه لا يتعارض مع القواعد الشرعية في ذبح الحيوان»[96].

ولمزيد من التوضيح أنقل استفتاء آخر، جاء فيه:

 «اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1401 لسنة 2005م، المتضمن ما يأتي: ... قامت شركتنا بالاتصال بمعظم الشركات الأجنبية المتخصصة في إنشاء المجازر الآلية وأفادت جميعها بالآتي:

أنه من المعروف في جميع المجازر الآلية أن الدجاجة عند تعليقها في السير العلوي تمهيدا لذبحها فإنها تُعَلق من رجليها، ورأسها إلى أسفل وبالتالي فإنها تتحرك بصفة مستمرة خاصة أجنحتها ورأسها. أن نظام الذبح الأوتوماتيكي عبارة عن عدد 2 ماكينة: الأولى تقوم بتهدئة الدجاجة قبل دخولها إلى الماكينة الثانية وهي الذبح الآلي، وهذه التهدئة تتم عن طريق مرور تيار كهربائي في حوض به ماء، ثم دخول الدجاجة أوتوماتيكيًّا إلى هذا الحوض لمدة ثوان، مما يؤدي إلى شل حركتها تمامًا الرأس والأجنحة، وليس خنقها أو موتها؛ وذلك تمهيدًا لدخولها إلى ماكينة الذبح الآلي المركب عليها سكاكين حادة للغاية تقوم بذبح الدواجن آليًّا دون فصل الرأس.

سيتم تركيب جهاز تسجيل على ماكينة الذبح الآلي مسجّل عليه "باسم الله – الله أكبر" عدة مرات. والمرجو من سيادتكم التكرم بالإفادة عن حكم الشريعة الإسلامية فيما سبق ذكره، وهل هذا الذبح بهذه الطريقة مطابق للشريعة؟

الـجـــواب: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

الذي جرى عليه جمهور الفقهاء أنَّ كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فهو آلة للذبح –ما عدا الظفر والسن... وعليه وفي واقعة السؤال: فإذا كان الحال كما ورد بالسؤال وأن الدجاج سوف يذبح بطريقة آلية في مرحلتين: الأولى: الغرض منها إضعاف مقاومة الحيوان؛ ليسهل التحكم فيه والسيطرة عليه ولا تؤدي إلى موته، بمعنى أنه لو تُرِكَ بعد مروره بالتيار الكهربائي دون ذبح عاد إلى حياته الطبيعية جاز استخدام هذه الطريقة وحل أكل هذا الحيوان بعد ذبحه ذبحًا شرعيًّا. أما إذا كان مرور الدجاج بالتيار الكهربائي يؤثر على حياة الحيوان بحيث لو تُرِكَ بعد التخدير دون ذبح فإنه يفقد حياته فإن الذبح حينئذٍ يكون قد ورد على ميتة، فلا يحل أكلها في الإسلام. وبناءً عليه: إذا تأكد أهل الاختصاص أن مرور الحيوان بماء به تيار كهربائي -كما وُصِفَ بالسؤال- لا يؤثر على حياة الحيوان أو خروج الدم منه، ثم إنه يذبح بالمرحلة الثانية الموصوفة بالسؤال، فيكون الذبح حلالا ولا غبار عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم«[97].

ج‌- دار الإفتاء السعودية

أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بانَّ «الذبح بالآلات التي تقطع ما شرع قطعه من الحيوانات المأكولة اللحم على الطريقة الشرعية لا يختلف عن الذبح بالسكين، فإذا قصد الذبح من حرّك الآلة بأي وسيلة، وذكر أسم الله وحده، حين ذاك أكلت ذبيحته إذا كان مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، لأن كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فهو حلال أكله، إلّا السن والظفر»[98]..

وأجاب الشيخ ابن باز عن استفتاء يُسأل فيه عن حلّيِة أكل ذبائح النصارى في الزمن الحاضر، مع العلم بتعدد طرائق الذبح لديهم كاستخدام الماكينات والمواد المخدرة في عملية الذبح، فأجاب: «يجوز أكل ذبائحهم ما لم يعلم أنها ذبحت بغير الوجه الشرعي، لأن الأصل حلها كذبيحة المسلم لقول الله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم"»[99].

وعقّب على فتوى الشيخ يوسف القرضاوي[100] التي يقول فيها: «اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظ مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه حِلٌّ لنا ما داموا يعتبرون هذا حلالاً مذكّى...»، أنَّ هذه الفتوى فيها تفصيل مع العلم بأن الكتاب والسنة قد دلّا على حل ذبيحة أهل الكتاب، وعلى تحريم ذبائح غيرهم من الكفار، وأما ما ذُبِح على غير الوجه الشرعي، كالحيوان الذي علمنا أنه مات بالصعق أو بالخنق ونحوهما، فهو يعتبر من الموقوذة أو المنخنقة حسب الواقع سواء كان ذلك من عمل أهل الكتاب أو عمل المسلمين، أما كون اليهود أو النصارى يستجيزون المقتولة بالخنق أو الصعق فليس ذلك يجيز لنا أكلهما كما لو استجازه بعض المسلمين، وإنما الاعتبار بما أحلَّه الشرع المطهر أو حرّمه، وكون الآية الكريمة قد أجملت طعامهم لا يجوز أنْ يؤخذ من ذلك حِلُّ ما نصّت الآية الأخرى على تحريمه من المنخنقة والموقوذة ونحوهما، بل يجب حمل المجمل على المبين كما هي القاعدة الشرعية المقررة في الأصول[101]. ولا ريب انّ رأيه يوافق رأي مشهور الفقهاء.

المطلب الثاني: الذبح المشترك (الآلي- اليدوي) وأحكامه

بعد أنْ تحرّت الدول الإسلامية عن اللحوم المورَّدة من الدول الغربية، وعرفت طرائق الذبح فيها، وجدتها لا تتماشى والشريعة الإسلامية؛ لما يعتري طرائق الذبح هذه من شبهات، فعزفت عن استيراد هذه اللحوم أو قللت منها. الأمر الذي جعل بعض الدول الغربية تبادر إلى إنشاء مجازر الذبح الحلال –كما يطلقون عليها- التي يكون الذبح فيها يدويًا -ولكن بمساعدة الآلات- دون أن يسبقه صعق أو تخدير للحيوانات. وصورة هذه الطريقة هي:

أولًا: في ذبح الأبقار والأغنام

تذبح الأبقار بعد أن تساق فرادى إلى مكان ضيق، ثم يغلق عليها بطريقة لا تستطيع الخلاص منه، ثم يقوم أحدهم بمطرقة في يده بضرب رأس الحيوان ضربة غير مميتة بقصد أن يغيب عن وعيه ليمكن السيطرة عليه أثناء الذبح، وفعلًا يسقط الحيوان على الأرض، ثم تتناول قدمه مباشرة رافعة ترفعها –أوتوماتيكيًا- إلى الأعلى ورأسه منكس إلى الأسفل، فيتولى الذابح قطع الأوداج بسكين يدوي، أما الأغنام فتعلّق بواسطة آلة أيضًا -دون أن تضرب بمطرقة- ثم تذبح يدويًا بقطع الأوداج بسكين حاد[102]..

ثانيًا: في ذبح الدجاج: إذ يتم تعليقها مباشرة من أرجلها منكوسة الرأس –أيضًا- على آلة متحركة -شريط سيّار- تسوقها إلى مكان وجود قرص حاد دوار يقوم بذبح الدجاجات الواحدة تلو الأخرى وعلى بعد أقل من متر -والدجاج لا يزال على الشريط نفسه- يوجد ذابح بيده سكين يتابع ويتمم ذبح ما لم يتم ذبحه بواسطة القرص، مع ترديده للتسمية، ومن ثم فالآلة نفسها تسوق الطير المعلق بعد عملية الذبح إلى مكان فيه ماء ساخن لتغمسه فيه كي يتم نتفه وتنظيفه، ومن ثم يساق إلى مكان التعبئة بالأكياس النيلون وبعدها إلى مكان مبرّ ّد مخصص للتخزين[103].

والمؤاخذ على هذه الطريقة، أنها:

1- لا يعرف فيها هوية الذابح.

2- لا يراعى فيها مسألة استقبال القبلة.

3- لا يتحقق فيها قطع الوريدين غالباً، وعندما تصل الدجاجة غير المذبوحة إلى مكان الذابح تصل وهي مختنقة بفعل ضغط القرص من غير ذبح، فيبادر إلى ذبحها وهي ميتة غالبًا. كما أنَّ الدجاج المذبوح يغمس في الماء المغلي بعد مدة وجيزة من الذبح قد لا يكون الطير خلالها قد فارق الحياة.

وعلى الرغم من أنَّ المذاهب الإسلامية الأخرى تجيز ذبح الكتابي (اليهودي، أو النصراني) وتجيز الذبح الآلي، إلّا أنَّ بعض دول الخليج والدول الإسلامية اتفقت مع بعض المجازر الغربية على أن يكون الإشراف على الذبح اليدوي بنفسها، كما أنَّ بعضها أنشأت مجازر خاصة بها في تلك الدول لتقوم بعملية التذكية بنفسها.

ولأنَّ شروط التذكية عند الإمامية تختلف عن شروط المذاهب الأخرى وبالتالي لا يمكن عد تذكيتها تذكية شرعية، بادرت مؤسسة (الكفيل) التابعة إلى العتبة العباسية المقدسة في العام (2008م) إلى الاتفاق مع بعض المجازر البرازيلية على أن تكون تذكية الدجاج تتم تحت إشرافها لضمان تحقق شروط التذكية عند الإمامية، والتي تشترط أن يكون الذابح مسلمًا وأن يُستقبل بالحيوان القبلة وأن تذكر التسمية على كل حيوان على حدة. كما أنَّ الذبح في هذه المجازر يتم يدويًا بسكين حاد. ومن ثم تبعتها مؤسسات أخرى إلى التوجّه نفسه، كما في دجاج (باب المراد) الذي تتولى الإشراف على تذكيته العتبة الكاظمية المقدسة، وكذلك دجاج (الأمير)، ودجاج (الهدى) برعاية مؤسسات دينية في النجف الأشرف..

وحسب ما يشاع أنَّ هذه العلامات التجارية مزكّاة من قبل المرجعيات الدينية في النجف الأشرف.. ولكن لم يتسنى لي العثور على هذه التزكيات سواء عن طريق فتوى أو عن طريق منشور، ولكني وجدت فتوى خطية للشيخ محمد إسحاق الفياض منشورة على أحد المواقع الألكترونية تشير إلى تزكيته لماركة دجاج الكفيل، ولا أعلم مدى صحتها، وهذه صورتها:

 الحكم الشرعي للذبح المشترك

لا ريب أنَّ هذا النوع من الذبح هو ذبح شرعي صحيح لايشوبه شائبة إنْ اتصف بما يشاع عنه؛ على اعتبار أنَّ الذبيحة مذكّاة وفق الشروط المعتبرة عند الإمامية، إلّا أنه قد توجّه إليه بعض إشكالات تتعلّق بأمرين، بعد فرض صحة التذكية، هما:

1- أنَّ الذبيحة وإن كان رأسها ومذبحها موجّهان نحو القبلة، إلّا أنهما بهيئة منكوسة؛ لأنها معلّقة من أرجلها ورأسها إلى الأسفل، وسبق وأن تقدم في بعض الروايات أنها أمرت بتوجيه مقاديم الذبيحة ومنحرها نحو القبلة، فذهب فقهاء إلى اعتبار إضجاع الذبيحة على جهتها اليمنى أو اليسرى وهي بهذه الكيفية، وذهب آخرون إلى أنه يكفي توجيه الرأس والمقاديم وإن كان الحيوان في حالة الوقوف أي بشكل عمودي.

2- أنَّ الدجاج يغمس بالماء الحار لنتف ريشه وتنظيفه بعد الذبح بقليل، وغالبًا ما يكون بعضه لم يمت بعد و يتم موته خنقًا بالماء، وهو يتنافى مع رواية حمران بن أعين عن أبي عبد الله (ع) في قوله: «إذا ذبحت فأرسل ولا تكتف... فإن تردّى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكلهُ، ولا تُطعِمه، فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح...»[104].

واُجيبَ عن الأول: بأنَّ الاستقبال المتيقن هو مطلق الاستقبال، ولا إشكال في كون الذبيحة منكوسة الرأس، أو بأي كيفية كانت، إنما يكفي أن يكون مذبحها إلى القبلة. وهو ما ذهب إليه كل من السيد محمود الهاشمي[105]، والسيد علي الخامنئي[106]، والسيد كمال الحيدري[107].

أما الثاني فيمكن إجابته بما قاله الشيخ الجواهري بـ: «ضرورة اقتضاء الأدلة كون ذبح الحي سببًا في الحل وإن حصل سبب آخر بعد الذبح»[108] واستدل عليه بصحيحة زرار ة عن الإمام أبي جعفر(ع)، قال: «وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء أو من فوق بيتك إذا كنت قد أجدت الذبح فكل»[109]، ثم عقّب بالقول: «ولا ينافي ذلك خبر حمران عنه(ع) أيضًا، "...فإنك لا تدري التردي قتله أو الذبح" بعد أن لم نجد العامل به ممن يعتد بقوله»[110] .

 تعقيب: ومما سبق من القرائن يُفترض القول بصحة التذكية اليدوية بهذه الطريقة، اللهم إلّا إذا حصل الشك وعدم اطمئنان عند المكلَّف في نفس تحقق شرائط التذكية في الخارج، كونه لم يقف عليه بنفسه، أو لم يطمئن لما يخبر عنه، فالأمر حينئذ عائد إليه، والاحتياط حسَنٌ عقلاً.

 الخاتمة والنتائج

بعد استقراء البحث لطرائق التذكية المستخدمة في الوقت المعاصر، وآراء الفقهاء فيها، خرج بالنتائج الآتية:

1- يتفق الفقهاء المعاصرون –ومن كلا الفريقين- على أنَّ الذبح الآلي إذا تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة شرعًا فهو ذبح صحيح ويحل أكل ذبيحته. ولا يخفى أنَّ رأي الفقيه هنا هو بيان الحكم فقط، أمّا مدى تحقق موضوعه في الخارج فلا علاقة له بذلك، وإنما الأمر موكول إلى المكلّف نفسه في التحقق منه.

2- الذبح الآلي وإن تحققت فيه شروط التذكية المعتبرة، فإنه محفوف بحكم المكروه وتفويت المستحب، إذ في الغالب يؤدي إلى إبانة الرأس، والذبح من القفا، وذبح الحيوانات بمرأى ومسمع بعضها من بعض، كما لا يفرِّق بين الذبح إن وقع في الليل أو في النهار، في يوم الجمعة أو غيره من الأيام، بيد الذابح المتدين أو الفاسق.. إلى غيرها من الآداب التي اعتبرتها الشريعة فأمرت ببعضها ونهت عن أخرى، ولو لم يكن لها تأثير وضعي على الذبيحة ولحمها ومنه على الإنسان لما ورد حكم الكراهة، كما لا ريب أنَّ حكمي المكروه والمستحب من أحكام الله تعالى وهو أعلم بما فيهما من مصلحة ومفسدة، فينبغي للعاقل الامتثال لهما لتحصيل المصلحة والنأي عن المفسدة.

3- إنَّ أغلب ما يوجد اليوم في سوق المسلمين من لحوم مذكّاة وفق هذه الطرائق -سواء المستوردة أو المحلية- هي لحوم مشكوك في حِلِّيتها، ولمّا أصبح هناك شبه يقين، بل يقين عند المسلمين أنَّ جميع ما تقدمه مطاعمهم من لحوم هي لحوم مذكاة بهذه الطرائق، فهل قاعدة (سوق المسلمين) لا زالت عاملة في الوقت المعاصر؟؟ سؤال أوجهه لذوي الاختصاص من مدرسة أهل البيت (عليه السلام) لاسيما ما يخص سوق المسلمين من المذاهب الأخرى؛ لأنَّ أسواقهم ومطاعمهم مملوءة بهذه الأنواع من اللحوم، وقد ثبت أنهم يجوّزون ذبح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فضلًا عن أنّهم أنفسهم لا يستقبلون القبلة بذبائحهم، ومنهم من يستحل أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.

 

د. حميدة الأعرجي

..........................

الهوامش

[1]- الشيخ الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي (ت:329هـ)/الكافي-باب الأطعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية– إيران، حيدري، ط5، 6/242 ، الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ)/علل الشرائع، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها-النجف الأشرف، 1966م، 2/484.

[2]- البقرة/172.

[3]- البقرة/168.

[4]- البقرة/173.

[5]- الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي (ت:370هـ)/أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية–بيروت، 1994م ، 1/130.

[6]- الأنعام/145.

*- الكَلَب -بالتحريك- العطش والحرص والشدة، والأكل الكثير بلا شبع، وجنون الكلاب المعتري من لحم الإنسان، وقيل هو داء يعرض للإنسان شبه الجنون. الفيروز آبادي (ت: 817هـ)/القاموس المحيط، مادة (كَلَبَ).

[7]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/243 ، الشيخ الصدوق/من لا يحضره الفقيه، 3/347 .

[8]- الشيخ الصدوق/عيون أخبار الرضا ، 1/104.

[9]- ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ت:711هـ)/لسان العرب، نشر أدب الحوزة–قم، 1405هـ، مادة (ذكا)، 14/288.

[10]- المائدة/3.

[11]- ظ: المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، انتشارات استقلال–طهران، أمير–قم، ط2، 1409ه، 4/739 ، الشهيد الثاني: زين الدين بن علي العاملي (ت: 966هـ)/مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، مؤسسة المعارف الإسلامية قم المقدسة، پاسدار إسلام، ط1، 1417هـ، 11/شرح473.

[12]- محمد حسن البجنوردي/القواعد الفقهية، تحقيق: محمد المهريزي، محمد حسن الدرايتي، دار الهادي، ط1، 1419هـ، 6/386.

[13]- م. ن.

[14]- روح الله الموسوي/كتاب الطهارة، مطبعة الآداب-النجف الأشرف، 1389ه، 3/525 ، وأيضًا في كتابه الرسائل، مؤسسة اسماعيليان، 1385ه، 1/144.

[15] - أحمد فتح الله/معجم الفاظ الفقه الجعفري، مطابع المدوخل-الدمام، ط1، 1995م، ص97.

[16]- أبو بكر محمد بن عبد الله بن احمد المعافري/أحكام القرآن، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الفكر-لبنان، 2/27.

[17]- خليل بن إسحاق الجندي (ت: 767هـ)/مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1، 1995م، ص77.

* - أي ابن المسلم الذي لم يبلغ بعد، فهو بحكم المسلم.

[18]- ظ: الشيخ الطوسي(ت: 460هـ)/الخلاف، مؤسسة النشر الإسلامي- -قم المشرفة، 1407هـ، ، 6/24 ، ابن إدريس الحلي: أبو جعفر محمد بن منصور (ت: 598هـ)/السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1410هـ ، 3/106 ، المحقق الحلي: أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن (ت: 676هـ)/شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، انتشارات استقلال-طهران، ط2، 1409هـ، 4/729 ، الخوئي: السيد أبو القاسم الموسوي (ت: 1413هـ)/منهاج الصالحين، مهر-قم المشرفة، ط28، 1410هـ، 2/335... وغيرهم.

[19]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/237.

[20]- ظ: العلّامة الحلي: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (ت: 726هـ)/مختلف الشيعة، مؤسسة النشر الإسلامي-قم المشرفة، ط2، 1413هـ، 8/295.

[21]- الشيخ الصدوق: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي/المقنع، مؤسسة الإمام الهادي  -قم المقدسة، اعتماد (1415هـ)، ص417 ، الروحاني: السيد محمد صادق الحسيني/فقه الصادق، مؤسسة دار الكتاب–قم المقدسة، العلمية، ط3 ، 1414هـ، 24/شرح 9-23 ، وأيضًا في كتابه المسائل المستحدثة، مؤسسة دار الكتاب-قم المقدسة، فروردين،، ط4، 1414هـ، ص133.

* - المروة: الحجر الأبيض الحاد الذي يقدح النار.

[22]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[23]- الشيخ الطوسي/الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تحقيق وتعليق: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط4، 4/80.

[24]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/228.

[25]- ظ: الشهيد الثاني: زين الدين الجبعي العاملي (ت: 965هـ)/شرح اللمعة الدمشقية، جامعة النجف الدينية، ط1، 1386هـ، 7/شرح215 ، الجواهري: الشيخ محمد حسن النجفي (ت: 1266هـ)/جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيقق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، دار الكتب الإسلامية–طهران، خورشيد، ط2، 36/110 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134... وغيرهم.

[26]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[27]- م. ن. ،6/233.

[28]- الأنعام/118.

[29]- الأنعام/121.

[30]- ظ: الجواهري/جواهر الكلام، 36/113 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/338 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134 ... وغيرهم.

[31]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233

[32]- م. ن. 6/234.

[33]- ظ: الإمام مالك (ت: 179هـ)/الموطّأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي–بيروت، 1985م، 2/49 ، علاء الدين السمرقندي–الحنفي- (ت: 539هـ)/تحفة الفقهاء، دار الكتب العلمية–بيروت، ط2، 1993م، 3/68 ، الإمام أحمد المرتضى: أحمد بن عبد الله الجنداري الزيدي- (ت: 840هـ)/شرح الأزهار، مكتبة غمضان–صنعاء، 4/80 ... وغيرهم.

[34]- الشيخ الطوسي/الاستبصار، 4/80 .

*- التسمية من السنّة –مستحبة- وليست شرطًا عند الشافعية. ظ: الإمام الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت: 204هـ)/الأُم، دار الفكر-بيروت، ط2، 1980م، 2/257.

[35]- ظ: السرخسي: محمد بن أبي سهل الحنفي (ت: 483هـ)/المبسوط، دار المعرفة-بيروت، 11/227 ، عبد الله بن قدامة الحنبلي (ت: 620هـ)/المغني، 11/43 ، محي الدين النووي الشافعي (ت:676هـ)/المجموع-شرح المهذب، دار الفكر، 9/81 ، أحمد المرتضى/شرح الأزهار، 4/81... وغيرهم.

ويعلِّل النووي حرمة التذكية بهما؛ لأنَّ السِّن عظم، ولا يجوز تنجيسه بالدم، لما نُهي عن تنجيس العظام؛ لكونها زاد الجن، وأما الظفر، فمُدَى الحبشة [أي أنهم يستخدموه كسكّين للذبح]، وهم كفار، وقد نُهي عن التشبه بالكفار. المجموع، 9/81.

[36]- مسلم: أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت: 261هـ)/الجامع الصحيح، دار الفكر–بيروت، 6/78.

[37]- ظ: السرخسي/المبسوط، 12/5 ، ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)/بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر-بيروت، 1995م، 1/361 ، محي الدين النووي/المجموع، 8/358 ، الحطاب الرعيني: أبو عبد الله محمد بن محمد المغربي المالكي (ت:954هـ)/مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1 (1995م)، 4/280... وغيرهم.

[38]- وَهْبَة الزُّحَيْلِي/الفقه الإسلامي وأدلَّته، دار الفكر–سوريَّة، ط4، 4/306 (كتاب الكتروني-الموسوعة الشاملة islamport.com www.)

[39]- المائدة/5.

[40]- ظ: ابن رشد الحفيد/بداية المجتهد، 1/361-362 ، الحطاب الرعيني/مواهب الجليل، 4/313 ، الشربيني: محمد بن أحمد الشافعي (ت: 977هـ)/ مغني المحتاج، دار إحياء التراث العربي-بيروت، 1958م، 4/266 .

[41]- أبو بكر الكاشاني: علاء الدين بن مسعود الحنفي (ت: 587هـ)/بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المكتبة الحبيبية–باكستان، ط1، 1989م، 5/45.

[42]- البخاري: أبو عبد الله محمد بن اسماعيل (ت: 256هـ)/صحيح البخاري، دار الفكر-بيروت، 1981م، 3/141 ، و ظ: مسلم/الجامع الصحيح، 7/14.

[43]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/حكم الذبائح المستوردة، ع6، 1402هـ، فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن أكل اللحم الوارد من الخارج، ص186، منشورة على موقع دار الإفتاء السعودية www.alifta.net.

[44]- الإمام الشافعي/الأم، 2/254-255.

[45]- الدسوقي/حاشية الدسوقي، 2/101.

[46]- المائدة/3.

[47]- عادل البعداني/أحكام الذبائح واللحوم المستوردة، بحث منشور على موقع جامعة الإيمان الإلكتروني www.jameataleman.org .

[48]- ظ: الشهيد الثاني/مسالك الأفهام، 11/شرح486-491 ، الجواهري/جواهر الكلام، 36/134- 138 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/342-343 ، الروحاني/فقه الصادق ، 24/44 . وأيضًا ظ: السرخسي/المبسوط، 11/226 ، الشربيني/مغني المحتاج، 4/272 ، عبد الرحمن بن قدامه (ت: 682هـ)/الشرح الكبير، دار الكتاب العربي-بيروت، 11/60-61... وغيرهم.

[49]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[50]- مسلم/الجامع الصحيح، 6/72.

[51]- أحمد بن حنبل/مسند أحمد، 2/108.

[52]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، والذبح الغربي وخفاياه، بحث مقدم إلى "مؤتمر الخليج الأول لصــــناعة الحـلال وخدماته"، الكويت، 2011م، ص8-10، البحث منشور على الموقع الالكتروني www.barazifamily.net .

[53]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[54]- الشيخ الصدوق/من لا يحظره الفقيه، 3/328.

[55]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/60.

[56]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/236.

[57]- م. ن. 6/229.

[58]- ظ: الگلپايگاني: السيد محمد رضا الموسوي (ت: 1414هـ)/إرشاد السائل، دار الصفوة-بيروت، ط1، 1993م، ص130 ، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ، حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246، مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، مجلة المجمع-(ع 10، ج ص)، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ص229 ... وغيرهم.

[59]- ظ: مجلة البحوث الإسلامية/تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار–مبعوث هيئة رئاسة الإفتاء السعودية إلى لندن، ع6، ص170 ، علاء الدين محمد علي مرشدي (الدكتور)/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، دار المريخ-الرياض، 1999م، ص97 ،، محمد فؤاد البرازي (الدكتور)/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3-4.

[60]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[61]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص97.

[62]- مجلة البحوث الإسلامية، تقرير الشيخ صهيب حسن عبد الغفار، ص170.

[63]- م. ن. ص171، وأيضًا: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص3.

[64]- دار الإفتاء المصرية/الذبح الآلي، استفتاء مقدم إلى الدار من قبل صاحب المجزرة الأوتوماتيكية، 2005م، منشور على موقع الدار www.dar-alifta.org.

[65]- مجلة البحوث الإسلامية/تقرير من الشيخ عبد الله بن علي الغضيه، ص161.

[66]- علاء الدين محمد علي مرشدي/الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، ص99.

[67]- ظ: محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص4.

[68]- م. ن. ص16.

[69]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 ،

[70]- ظ: الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139 ، محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، بحث منشور في مجلة فقه أهل البيت (ع)، ع1، 1417هـ-1995م، ط3 ،ص30-75.

[71]- المائدة/3.

[72]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/235.

[73] - م. ن. ، 6/228.

[74]- ظ: م. ن. ، 6/234.

[75]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص131-132.

[76]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص31.

[77]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص139، ظ: الخوئي/منهاج الصالحين، 2/335.

[78]- محمود الهاشمي/الذبح بالمكائن الحديثة، ص62.

[79]- ظ: م. ن.

[80]- م. ن. ص33.

[81]- محمد حسين علي الصغير/فقه الحضارة في ضوء فتاوى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)، دار المؤرخ العربي-بيروت، ص162.

[82]- الأنعام/118.

[83]- ظ: الگلپايگاني/إرشاد السائل، ص130، الروحاني/المسائل المستحدثة، ص134.

[84]- ظ: المسائل المستحدثة، ص136.

[85]-ظ: الشيخ الطوسي/المبسوط، 1/390 ، المحقق الحلي/شرائع الإسلام، 4/741 ، الجواهري/جواهر الكلام،36/141 ، الخوئي/منهاج الصالحين، 2/339 ... وغيرهم.

[86]- المسائل المستحدثة، ص137 .

[87]- المائدة/3.

*- وهي التي تنتطحها بهيمة فتموت

**- وهي التي تتردى من سطح أو تسقط في بئر أو هوّة فتموت

[88]- الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[89]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/233.

[90]- الروحاني/المسائل المستحدثة، ص138 . علمًا أنَّ رأيه في كتابه (منهاج الصالحين)، أن لا يترك الاحتياط في هذه المسألة، ظ: 2/372.

[91]- محمد فؤاد البرازي/الذبح الإسلامي ومزاياه، ص7.

[92]- حسن الجواهري/بحوث في الفقه المعاصر، 2/246-247.

[93]- ظ: الشيخ الكليني/الكافي، 6/233 ، الشيخ الطوسي/تهذيب الأحكام، 9/58.

[94]- مجلة مجمع الفقه الإسلامي/قرارات وتوصيات المجمع، قرار رقم: 94 (3/10) بشأن الذبائح، ع 10، ص228-229.

[95]- دار الإفتاء المصرية/حكم الذبح بالصعق الكهربائي، إجابة أ.د. علي جمعة محمد عن الاستفتاء (المقيد برقم 1521 لسنة 2005م) المقدم إلى الدار، منشور على www.dar-alifta.org .

[96]- المصدر السابق.

[97]- دار الإفتاء المصرية/الذبح عن طريق الماكينة، www.dar-alifta.org .

[98]- عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وآخرون/فتاوى إسلامية، تحقيق: محمد بن عبد العزيز المسند، 3/555، كتاب الكتروني منشور على الموقع www.ahlalhdeeth.com،.

[99]- م. ن. ، 3/556.

[100]- نشرت في جريدة (المسلمون)، ع 14 في 21/ 8/ 1405هـ..

[101]- المصدر السابق ،3/558.

[102]- مجلة البحوث الإسلامية/أبحاث هيئة كبار العلماء، تقرير: أحمد بن صالح محايري عن اللحوم المستوردة من البرازيل- مقدم إلى الشيخ عبد العزيز بن باز 1398هـ-1997م، ع6، 1402هـ، ص157-158.

[103]- ظ: فيلم فيديو، مجازر الذبح الحلال في الدانمارك، منشور على موقع اليوتيوب www.yuotube.com .

[104]- الشيخ الكليني/الكافي، 6/229.

[105]- ظ: مجلة فقه أهل البيت/الذبح بالمكائن الحديثة، ص

[106]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 24/4/2012م.

[107]- إجابة على استفتاء وجهته إلى سماحته عبر البريد الألكتروني في 28/4/2012م.

[108]- جواهر الكلام، 36/150.

[109]- الشيخ الطوسي/تهذيب الحكام، 9/58.

[110]- الجواهري/جواهر الكلام، 36/150

 

 

خلاصة البحث:

1- لا يحل لحم الحيوان البرّي إلّا إذا تمت تذكيته بطريقة خاصة وشرائط معينة نصَّ الشارع المقدس عليها.

2- تباينت آراء فقهاء المسلمين في الشرائط المعتبرة لتذكية الحيوان البري، فذهب الامامية الى اعتبار (إسلام في الذابح، وأن تكون آلة الذبح من الحديد، وأن يُستقبل بالحيوان القبلة، والتلفظ بالتسمية المقصودة، وفري الأوداج الاربعة)، في حين لم يشترط فقهاء المذاهب الأخرى إسلام الذابح، واستقبال القبلة، و الحديد في آلة الذبح.

3- اتفق جميع فقهاء المسلمين المعاصرين على حلية التذكية بالطرائق الحديثة إذا ما تحققت فيها شرائط الذبح المعتبرة، وكل بحسب ما اعتبره من شرائط.

 

Summary

1- It is not permissible to eat wild animal meat unless slaughtered in a special way and certain conditions legislator Bible text on them.

2- Muslim jurists were varied views him of considered conditions for the slaughter of wild animals, Imami went to be regarded as (Islam of the slaughterer, and be machine slaughter of iron, and animals must be to the point of the Kaaba, and uttering the name of God, and cut the four members), while the other of doctrines jurists not required Islam of the slaughterer, the point of the Kaaba, and iron in the slaughter machine.

3- All contemporary Muslim jurists agreed on the permissibility of slaughter by modern machines if the requirement achieved of the prestigious slaughter.

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد المرسلين أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد..

فإنَّ أوامر السماء ونواهيها صادرة عن ذاتٍ محيطة عالمة بما تُحِلّ وتحرِّم على الإنسان من طعام وشراب وفق ما تقتضيه مصلحته ودوام بقائه على هذه البسيطة، فمن المعلوم أنَّ الطعام والشراب فيهما قوام بدن الإنسان واستمراريته، وشحنة نشاطه وطاقته، وفي الوقت نفسه فإنَّ هذا البدن له ارتباط قوي الصلة بالنفس؛ ولذا فلا ريب أنَّ الجسد إذا ما بُني على الحلال الطيب من الطعام فسيكون له التأثير الطيب على النفس وفعالياتها الأخلاقية، والعكس بالعكس.

قال الإمام الصادق ع(: «...إنَّ اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى... خَلَقَ الْخَلْقَ وعَلِمَ عَزَّ وجَلَّ مَا تَقُومُ بِه أَبْدَانُهُمْ ومَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّه لَهُمْ وأَبَاحَه تَفَضُّلاً مِنْه عَلَيْهِمْ بِه تَبَارَكَ وتَعَالَى لِمَصْلَحَتِهِمْ وعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْه وحَرَّمَه...»1، ومن هنا فالشريعة المقدسة لم تُحِلّ ولم تحرِّم أصنافًا من الطعام والشراب جزافًا أو من غير عِلّة؛ وإنما لما لها من أثر إيجابي أو سلبي على صحة الإنسان وخُلُقه، ولعل هذا الأثر يستشعره الإنسان المؤمن ويتلمّس وجوده في بدنه ونفسه أكثر من غيره. فهو يشعر بالسعادة والنشوة النفسية إذا ما تناول الطعام الطيّب المعروف المصدر والمكسب، على عكس ما لو عَلِم بحرمة مصدر الطعام ومكسبه، فستراه منقبض الشهية مكتئب النفس لا يستلذ بما يأكل، ولعل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)2 فيه إشارة إلى ذلك؛ لعلمه -سبحانه- بأثر الطعام الطيّب على نفوس المؤمنين، بل بأثره على الناس كافة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)3 إذ الأمر موجّه للناس كافة بأكل الطيّب من الطعام، الذي تستلذه النفس ولا تتنغّص به.

لم يحرّم القرآن الكريم من الأطعمة، إلّا الميتة ولحم الخنزير والدم، ولحوم الحيوانات غير المذكّاة أو ما أُهِلَّ به لغير الله، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ...)4 فظاهر الآية عام بتحريم الميتة سواء من الحيوان مأكول اللحم أو من غيره، وسواء ميتة البر أو ميتة البحر. قال الجصاص: «الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكّى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له»(5) وتعليل التحريم يأتي في آية أخرى- في قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ...)6 إذ وصف -سبحانه- هذه الأصناف المحرّمة بأنها رجس وفسق؛ لما فيها من أضرار مادية تؤثر في صحة بدن الإنسان وروحه، أولاً؛ لكونها تكتنز كثيراً من الأمراض، وثانياً؛ لأنَّ فيها جانب معنوي يؤثر في الإنسان من الناحية الأخلاقية، ويؤيده ما جاء في إجابة الإمام الصادق (ع) حينما سُئل عن عِلّة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فقال: «...أمَّا الْمَيْتَةُ فَإِنَّه لَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُه ونَحَلَ جِسْمُه وذَهَبَتْ قُوَّتُه وانْقَطَعَ نَسْلُه ولَا يَمُوتُ آكِلُ الْمَيْتَةِ إِلَّا فَجْأَةً وأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّه يُورِثُ آكِلَه الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبْخِرُ الْفَمَ ويُنَتِّنُ الرِّيحَ ويُسِيءُ الْخُلُقَ ويُورِثُ الْكَلَبَ(*)والْقَسْوَةَ فِي الْقَلْبِ وقِلَّةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَه ووَالِدَيْه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى حَمِيمِه ولَا يُؤْمَنَ عَلَى مَنْ يَصْحَبُه...»7، ومثله روي عن الإمام الرضا (ع) قول: «... وحُرّمت الميتة؛ لما فيها من فساد الأبدان والآفة، ولما أراد الله عز وجل أن يجعل تسميته سبباً للتحليل وفرقاً بين الحلال والحرام. وحَرّم الله عز وجل الدم كتحريم الميتة؛ لما فيه من فساد الأبدان، ولأنه يُورِثُ الْمَاءَ الأَصْفَرَ ويُبخر الفم ويُنتن الريح ويُسيء الخُلُق ويُورِث القسوة للقلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يُؤمَن أنْ يقتل والده وصاحبه»8.

ومن هنا كانت غايتي في اختيار موضوع البحث، للوقوف على مصادر اللحوم المجمّدة التي غرقت بها أسواق المسلمين، والتي يشوبها الشك والشبهة من حيث طريقة تذكيتها ومدى تحقق الشروط الشرعية المعتبرة فيها، فانتظم في مبحثين، خُصّص الأول منها للتعريف بالتذكية الشرعية وبيان شروطها وأحكامها، وخُصّص الآخر لعرض طرائق التذكية الحديثة وآراء فقهاء المسلمين فيها، ثم خرج البحث بخاتمة تضمنت أهم ما رشح عنه من نتائج.

التذكية لغةً واصطلاحًا

أولًا: التذكية لغة: الذكاء في الشيء، إتمامه، ومنه الذكاء في الفهم: أن يكون فهمًا تامًّا سريع القبول، وكذا في السِّن والذبح، فهو تمام السِّن والذبح. وكل ذبح ذكاة، وتذكية الحيوان البرِّي أن تدركه وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدركت ذكاته9، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ...10. والذي يظهر من المعنى اللغوي أنَّ الذكاةَ ذبحٌ مخصوص، لا كلَّ ذبحٍ، فهو خاص بطريقة معينة للحيوان البرّي الحي، فلا يُعد ذبح الحيوان الميّت –بأي سبب من الأسباب- أو نجس العين، ذكاةً، وإنْ كان بالطريقة المنصوص عليها شرعًا.

 ثانيًا: التذكية اصطلاحًا

اختلفت تعريفات فقهاء المسلمين للتذكية الشرعية؛ تبعًا لمبانيهم الفقهية في كيفية الذبح وشروطه، ومن هذه التعريفات:

1- التذكية عند فقهاء الإمامية

لم أجد تعريفًا منطقيًا للتذكية عند متقدمي فقهاء الإمامية، ولكن الذي يُستشف من فتاويهم، والمنسوب إلى مشهورهم، أنّ التذكية عبارة عن فري -قطع- المسلم بآلة من حديد للأعضاء الأربعة، والأعضاء الأربعة، هي: الحلقوم، وهو مجرى النفس دخولًا وخروجًا، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم، ويقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج11.

أمّا من المعاصرين فقد عرّفها السيد البجنوردي (ت: 1395هـ) بأنها: «عبارة عن فري الأوداج الأربعة من مسلم بآلةٍ من حديدٍ مُسمِّيًا موجِّهًا إلى القبلة»12 ثم بيّن أنَّ «أثرها في الحيوان المحلَّل الأكل، أمران: طهارة أجزائه، وحِلِّية أكله، وفي الحيوان المحرَّم الأكل، طهارة بدنه وأجزائه فقط، وأما حرمة أكله فذاتية لا تزول، وأما الحيوان نجس العين كالكلب والخنزير البرّيان فالمحل غير قابل للتذكية»13.

وعرّفها السيد الخميني (ت: 1410ه)، بأنها عبارة عن: «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع، أي فري المسلم الأوداج الأربعة متوجّهًا بالحيوان إلى القبلة، ذاكرًا عليه اسم الله، مع قابلية الحيوان لها»14، وكان من الممكن أن يكتفي السيد بذكر عبارة «إزهاق الروح بكيفية خاصة معتبرة في الشرع» لكنه بيّن أنَّ هذه الكيفية الخاصة تتحقق بالشروط الشرعية المنصوص عليها، إضافة إلى قابلية المحل.

وعرّفها الدكتور فتح الله، بـ : السبب (الشرعي) لحلِّية أكل لحم الحيوان المأكول اللحم15 .

2- التذكية عند فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى

عرّفها ابن العربي (ت: 543هـ)، بأنها: «عبارة عن إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه، مقرونًا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله تعالى عليه»16. ويَرِد عليه أنه تعريف غير جامع وغير مانع، إذ لم يحدد نوع الحيوان المراد تذكيته، ولا أهلية الذابح، كما أنَّ شروط الكيفية ناقصة.

وعرّفها خليل الجندي (ت: 767هـ) بـ : «قطع مُميِّزٍ يُناكِح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بِلا رفعٍ قبل التمام»17. ولا يخفى ما في هذا التعريف من قصور عن الجمع والمنع أيضًا، فهو وإنْ حدّد الذابح بالمميِّز وأخرج غيره من الأهلية، إلّا أنه لم يبين نوع الحيوان المذبوح، ولا تمام شروط الكيفية.

أمّا أرجَحُ التعريفات السابقة، فيبدو أنّ تعريف الدكتور أحمد فتح الله أرجحها إذا ما أضيف له (والانتفاع بأجزاء غير مأكول اللحم إلّا الكلب والخنزير)؛ لأنّ قوله: (السبب الشرعي) شامل لجميع شروط التذكية الشرعية، وإن اختلفت مباني الفقهاء، ومن كِلا الفريقين.

شروط التذكيـة الشرعيــة

حدد فقهاء المسلمين –ومن كلا الفريقين- شروطًا معينة للتذكية الشرعية بناءً على ما جاء من نصوص قرآنية، أو مما رُوي عن المعصوم ع، فإنْ لم تتحقق هذه الشروط –ولو شرطًا واحدًا- حَرُمت الذبيحة، ولا يجوز أكلها. ولأجل معرفة مدى تحقق هذه الشروط على الذبح بالطرق الحديثة أو عدم تحققها، لابدّ من ذكرها والوقوف على آراء فقهاء المسلمين فيها.

أولًا: عند فقهاء الإمامية

اتفق فقهاء الإمامية على شروط عامة أوجبوا تحصيلها في تحقق التذكية الشرعية، مستندين في ذلك إلى سنّة المعصوم ع المبيِّنة والمفصِّلة لأحكام القرآنن الكريم.

 أما الشروط التي استخلصوها من الروايات فهي:

1- إسلام الذابح: إذ ذهب مشهور فقهائهم –لاسيما المتأخرين منهم- إلى اشتراط الإسلام أو حُكمه(*) في الذابح، فلا يتولاه الوثني والكافر، وإن كان من كفار المسلمين كالمرتد والغالي والناصبي –الذي ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام-، وكذلك أهل الكتاب18. ومستندهم في ذلك ما روي عن المعصومين عليهم السلام، منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ ذَبِيحَةِ الْغُلَامِ والْمَرْأَةِ هَلْ تُؤْكَلُ فَقَالَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً وذَكَرَتِ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى ذَبِيحَتِهَا حَلَّتْ ذَبِيحَتُهَا وكَذَلِكَ الْغُلَامُ إِذَا قَوِيَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ اسْمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا وذَلِكَ إِذَا خِيفَ فَوْتُ الذَّبِيحَةِ ولَمْ يُوجَدْ مَنْ يَذْبَحُ غَيْرُهُمَا»(19) إذ اشترط الإسلام في المرأة، ولا ريب أنَّ اشتراطه في الرجل أولى؛ لأنّ الأصل في تولي هذا العمل مُوكلٌ إليه.

غير أنَّ ابن أبي عُقَيل (ت: 267هـ)، وابن الجُنيد (ت: 381هـ) شذّا في عدم اعتبار هذا الشرط، وقالا بحِلّية ذبائح أهل الكتاب مطلقًا(20)، في حين قيّدها الشيخ الصدوق (ت: 383هـ) بسماع التسمية منهم أثناء الذبح، وهو ما ذهب إليه السيد الروحاني -من المعاصرين- أيضًا، بعد أن أفاض البحث في الأدلة عليه(21).

2- أن تكون آلة الذبح من الحديد، ولا خلاف بين الإمامية في ذلك، فلا تصح التذكية إلّا به مع التمكن منه، لما جاء في صحيحة حسن بن مسلم «سألت أبا جعفر ع عن الذبيحة بالليطة والمروة(*)، فقال: لا ذكاة إلّا بحديد»22، وصحيحة حسن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) «سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي ع: لا يصلح إلّا بحديدة»23... وغيرها من الأحاديث. أما إذا تعذّر وجود الحديد وخيف فوت الذبيحة جاز بأي شيء يفري أعضاء الذبيحة، لما ورد عن زيد الشحّام: «سألت أبا عبد الله ع عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِه سِكِّينٌ أيَذْبَحُ بِقَصَبَةٍ فَقَالَ اذْبَحْ بِالْقَصَبَةِ وبِالْحَجَرِ وبِالْعَظْمِ وبِالْعُودِ إِذَا لَمْ تُصِبِ الْحَدِيدَةَ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وخَرَجَ الدَّمُ فَلَا بَأْسَ»24.

3- أن يُستقبَل بالحيوان القبلة حين الذبح، بحيث يكون مقاديم بدنه -نحره وبطنه- مستقبل القبلة مع الإمكان إلّا إذا كان الذابح ناسيًا أو جاهلًا، ومع عدم التمكن –لتردّي الحيوان او استعصائه- يكفي صدق الاستقبال ولو كان الحيوان واقفًا ويكون رأسه ومقاديم بدنه إلى القبلة؛ لمقتضى إطلاق النصوص25، منها ما جاء عن محمد بن مسلم، أنه سأل الإمام الباقر ع عنن الذبيحة، فقال: «استقبل بذبيحتك القبلة...»26، وعن الحلبي أنَّ الإمام أبي عبد الله الصادق (ع): «سُئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، قال: لا بأس إذا لم يتعمّد...»27.

4- التسمية المقصودة من الذابح، أي يعمد إلى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة أثناء الذبح، فلا تجزي التسمية الاتفاقية؛ لما ثبت بالنص القرآني، وتأكّد بقول المعصوم (ع)، قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ...)28، وقال: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ...)29، فإنْ تعمّد الذابح تركها حَرُمت الذبيحة، فإنْ لم يكن ملتفتًا ونسى ذكرها لم تحرم30، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله(ع)، أنه سُئل: «...عن الرجل يذبح فينسى أنْ يسمِّي، أتؤكل ذبيحته؟ فقال: نعم إذا كان لا يُتّهم، وكان يحسن الذبح...»31، وعن محمد بن مسلم قال: «...وسألته عن رجل ذبح ولم يُسمِّ، فقال: إن كان ناسيًا فليُسمِّ حين يذكر، ويقول: بسم الله على أوله وعلى آخره»32.

5- فري الأوداج الأربعة، وهي: (الحلقوم، وهو مجرى النفس، والمريء، وهو مجرى الطعام والشراب ومحله تحت الحلقوم، والودجان، وهما عرقان كبيرانن أمام العنق في طرفيه محيطان بالحلقوم والمريء). وتحديد الفري بهذه الأعضاء متفق عليه بين المسلمين33؛ لما ورد من أخبار عن المعصوم(ع)، منها: عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سألت أبا إبراهيم (ع)عن المروة والقصبة والعود يُذبح بهن إذا لم يجدوا سكينًا؟ قال: إذا فرى الأوداج فلا بأس بذلك»34.

ثانيًا: عند المذاهب الإسلامية الأخرى

يتفق فقهاء المذاهب الإسلامية مع فقهاء الإمامية في وجوب إحراز تذكية الحيوان البرّي مأكول اللحم بفري أوداجه الأربعة، مصحوب بنيَّة القصد إليه، والتسمية(*). إلّا أنهم اختلفوا معهم في آلة الذبح، واستقبال القبلة، وأهلية الذابح. فقالوا:

1- يشترط أن تكون آلة الذبح حادة، قاطعة بحدِّها لا بثقلها، سواءً كانت حديدًا، أم حجرًا، أم خشبًا، أم زجاجة...إلخ، إلّا السِّن والظفر، فإن ذُبِح بهما حرمت الذبيحة، ودليلهم فيه عموم حديث رافع بن خديج، بجواز التذكية بكل ما أنهر الدم إلّا السِّن والظفر35، قال: «قلت يا رسول الله أنّا لاقوا العدو غدًا وليست معنا مُدًى، قال صلى الله عليه وسلم: أعجِل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السِّن والظفر، وسأحدثك: أما السِّن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة...»36.

2- توجّه الذابح والذبيحة نحو القبلة من سُنن الذبح -أي من المستحبات- ، لاسيما في التضحية37؛ «لأنَّ القبلة جهة معظّمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأنَّ النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضحّى، وجَّه أضحيته إلى القبلة، فإن لم يستقبل ساهيًا أو لعذر، أُكِلت»38.

3- أمّا الذابح، فيجب أن يكون مميزًا عاقلًا، مسلمًا، أو كتابيًا-ذميًا أو حربيًا أو من نصارى بني تغلب- قاصدًا التذكية، ولو كان مكرهًا على الذبح، ذكرًا أو أنثى. فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، ودليلهم في حلّية ذبائح أهل الكتاب عموم قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ...)39؛ لأنهم فسّروا طعام أهل الكتاب بـ (ذبائحهم)40، وعلّله بعض الأحناف بأنه «لو لم يكن المراد ذلك، لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى؛ لأنَّ غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأنَّ مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام»41.

كما استدل بعض المعاصرين على الحِلِّية بحديث (الشاة المسمومة) المروي في الصحاح عن أنس بن مالك: «أنَّ يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها فقيل: ألَا نقتلها؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم»42. بدعوى أنه لو لم يحل أكل ذبائح أهل الكتاب، لما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الشاة43.. ولا ريب أنَّ هذا الاستدلال يكون قويًا وواردًا فيما لو كانت الرواية صحيحة ومتفق عليها بين الفريقين، ولكن هذا الأمر غير متحقق.

تجدر الإشارة إلى أنَّ فقهاء المذاهب الإسلامية وإن أحلّوا ذبائح أهل الكتاب بالعنوان العام، إلّا أنهم اختلفوا في تفاصيل شروط الحلِّية، ومن ثم تخصيص عموم آية الحل، وهو ما يصلح للرد على مَن يُشكل عليهم بأنَّ من طعام أهل الكتاب ما هو محرّم في الإسلام كالخنزير، والميتة ...وغيره. ومنه قولهم:

أ‌-  إن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله تعالى مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى، لم يحل هذا من ذبائحهم؛ لأنَّ الشيء قد يُباح مطلقًا وإنما يُراد بعضه دون بعض44.

ب‌- ألّا يغيب الكتابي حال ذبحها عن المسلم، فإن غاب لم تؤكل، قال ابن راشد: القياس أنه إذا كان يستحل الميتة لم تؤكل ذبيحته، ولو لم يغب عليها؛ لأنَّ الذكاة لابدّ فيها من النيّة، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة؟45، أي أنه لا يؤمَن منه صدق النيّة، ولا صدق قوله، فقد يكون قد قتل الحيوان ومن ثم ذبحه.

ت‌- ألّا يكون ما ذبحه الكتابي مما حرّمه الله على المسلمين بعينه كالخنزير، أو أنَّ الكتابي أزهق روح الحيوان بطريقة غير شرعية كالخنق، والضرب، وما في معناه لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...4647.

آداب الذبـــــــــــــح

 الآداب التي أوصت الشريعة بمراعاتها في الذبح، منها ما هو مستحب ومنها ما هو مكروه، يمكن إجمال بعضها في النقطتين الآتيتين48:

- النقطة الأولى: مستحبات الذبح

1- يستحب في ذبح الغنم أن تربط يداه ورجل واحدة، ويمسك صوفه أو شعره حتى يبرد، وفي ذبح البقر أن تعقل يداه ورجلاه ويطلق الذنب، وفي الإبل أن تربط أخفافها إلى آباطها وتطلق رجلاها هذا إذا نحرت باركة أما إذا نحرت قائمة فينبغي أن تكون يدها اليسرى معقولة، وفي الطير يستحب أن يرسل بعد الذباحة. ومستنده ما ورد في الروايات، منها: حسنة حمران بن أعين، عن أبي عبد الله ع، قال: «سألته عن الذبح، فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتّف، ولا تقلب السكين لتدخلها من تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق، والإرسال للطير خاصة... وإن كان شيء من الغنم فأمسك صوفه أو شعره، ولا تمسكن يدًا ولا رجلًا، وأما البقر فأعقلها وأطلق الذنب، وأما البعير فشد أخفافه إلى آباطه وأطلق رجليه...»49 .

2- تحديد الشفرة، وسرعة القطع، وألّا يُري الشفرة للحيوان، ويمر السكين بقوة وتحامل ذهابًا وعودًا، ويجدّ في الإسراع؛ ليكون أرخى وأسهل، لرواية شداد بن أويس، قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته»50. ولرواية سالم بن عبد الله عن أبيه، أن النبي (صلى الله عليه وآله) «أمر بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وإذا ذبح أحدكم فليُجهِز»51.

يشار إلى أنَّ الأبحاث الطبية الحديثة أثبتت أنَّ طريقة الذبح اليهودية والإسلامية هي أسرع في إماتة الحيوان وخروج روحه، ومن ثم لا تُحدِث أيَّ تأثير من القسوة؛ لأنَّ السكّين الحاد وسرعته، والقطع يُؤدّى بمهارةِ رجلٍ مدَرَّب، يتسببان بإحداث نزيف شديد بعد قطع الأوعية السباتية (بالرقبة)، الأمر الذي يتبعه هبوط سريع جداً في ضغط الدم بشرايين المخ؛ ولهذا يحدث نقص الأوكسجين نتيجة قلة الإمداد من الدم إلى أنسجة المخ، فيحدث فَقد الوعي في الحال.. وقد أثبتت دراسة أجريت بجامعة هانوفر، ونشرت بمجلة الطب البيطري الألمانية عدد فبراير سنة 1984م، أنَّ رسم المخ المقام لأعداد مختلفة من العجول والخراف يتوقف -أي فقدان الوعي تمامًا- بعد الذبح الحلال بـ (4-6 ثوان) فقط، و لا ألم بعد ذلك. في حين لا تثبت النتائج نفسها عند استخدام المسدس، إذ يبقى الألم و يستمر فترة أطول إلى ما بعد الذبح. كما أوضح العالم الألماني (البروفيسور شولتز) أن طريقة الذبح الحلال الإسلامي أو اليهودي، غير مؤلمة للحيوان إذا تمت بطريقة صحيحة، وقد ثبت أنه لا علاقة مطلقاً بين حركة الحيوان العنيفة بعد الذبح وبين إحساس الحيوان بالألم إذا كانت السكين المستخدمة حادة، إذ أنها مثل أن يُجرح إنسان بسكين مطبخ فلا يشعر بهذا الجرح إلّا بعد حين52.

3- أن يستقبل الذابح القبلة، وأن يُساق الحيوان إلى الذبح برفق، وأن يُضجع برفق، ويعرض عليه الماء قبل الذبح. وألّا يحركه إلّا بعد الذبح، ولا يجرّه من مكان إلى آخر، بل يتركه إلى أن تفارقه الروح.

النقطة الثانية: مكروهات الذبح

1- نخع الذبيحة، وهو أن يبلغ بالسكين النُخاع -الخيط الأبيض وسط الفقار- فيقطعه، أو يقطعه قبل موتها. لرواية محمد الحلبي، عن أبي عبد الله(ع) قوله: «لا تنخع الذبيحة حتى تموت، فإذا ماتت فانخعها»53، وعنه –الحلبي- عن الإمام الصادق(ع) أنه سئل «عن رجل ذبح طيرًا فقطع رأسه، أيؤكل منه؟ قال(ع): نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه»54.

2-إيقاع الذبح ليلًا؛ لما روي أنه (صلى الله عليه وآله) نهى عن الذبح ليلًا؛ ولرواية أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله(ع)، قال: «كان علي بن الحسين (ع) يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع الفجر، ويقول: إنَّ الله تعالى جعل الليل سكنًا لكل شيء، قلت: جعلت فداك فإن خفنا؟ قال: إن كنت تخاف الموت فاذبح»55.

3- إيقاعه يوم الجمعة إلى الزوال، لرواية الحلبي عن أبي عبد الله ع قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره الذبح وإراقة الدم يوم الجمعة قبلل الصلاة إلّا عند الضرورة»56.

4-أن يذبح الحيوان صبرًا، وهو أن يذبحه وحيوان آخر ينظر إليه، لرواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(ع): «أنَّ أمير المؤمنين(ع) قال: لا تذبح الشاة عند الشاة، ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه»57.

 

د. حميدة الأعرجي

 

 

المقدمة: لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها وترسيخها بين افراد المجتمع بشكل عام وفي جميع المجالات، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد، وتظهر أهمية التربية الوطنية في كونها تسعى لإعداد الإنسان للعيش في وطنه، وتكيفه تكيفاً سليماً مع قوانينه، حيث تقدم للفرد المرتكزات والأسس التي تحقق ذلك، كما تعزز في الأفراد حب الوطن وروح الاعتزاز والانتماء اليه، وشحذ الفكر والعاطفة، والعمل للنهوض به، وتجعل الفرد يشعر بقيمة حياته من خلال ما يقدمه لوطنه وأمته، ان البحث الحالي يهدف الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وجاء البحث في ثلاثة فصول، تناول الفصل الاول مشكلة البحث واهميته وهدف البحث وحدوده، ومنهجيته، وتحديد المصطلحات، وتضمن الفصل الثاني ثلاثة مباحث، حيث تناول المبحث الاول مفهوم التربية الوطنية، اما المبحث الثاني فقد تضمن نبذة عن نشأة التربية الوطنية وتطورها، اما المبحث الثالث فقد تناول مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، وتم في الفصل الثالث تبني الاستنتاجات والتوصيات والمقترحات، ومن تلك الاستنتاجات:

1- ان التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

3- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

واوصى الباحث بعدة توصيات منها:

1- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

2- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

ومن مقترحات الباحث:

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

 

 

اولا: مشكلة البحث

لقد شهدت السنوات الاخيرة أحداثاً متلاحقة وتطورات سريعة جعلت عملية التغيير أمراً حتمياً في معظم دول العالم، وقد انتاب القلق بعض المجتمعات من هذا التغير السريع، ومنها العربية والإسلامية التي تخشى أن تؤدي هذه التحولات الاجتماعية المتسارعة والمرتبطة بالتطور العلمي السريع إلى التأثير على قيمها ومبادئها والتربية بشكل عام وتربيتها الوطنية على وجه التحديد بفعل الهالة الإعلامية الغربية.

ان مفهوم التربية الوطنية يشير إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد من خلاله بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه، وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الإيجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي (إسماعيل، 1998م، ص 43).

ومعنى ذلك أن صفة الوطنية أكثر عمقاً من صفة المواطنة أو أنها أعلى درجات المواطنة، فالفرد يكتسب صفة المواطنة بمجرد انتسابه إلى جماعة أو لدولة معينة، ولكنه لا يكتسب صفة الوطنية إلا بالعمل والفعل لصالح هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة.(جرار، 2008، ص44).

 لذلك نحن حينما نطالع التاريخ الإنساني للشعوب والمجتمعات، نجد في صميم ثقافتها وآدابها مساحة واسعة عبرت من خلالها تلك الشعوب والمجتمعات عن حبها وعشقها لبلدانها وأوطانها، وعن تعلقها بتراب الأرض الذي نشأوا منه وتربوا فيه، (البستاني، 1993، ص477).

وقد أشار عبدالتواب إلى مفهومي الانتماء والولاء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمِّل له، فالانتماء مفهوم أضيق في معناه من الولاء، والولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء، فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، أما الانتماء فقد لا يتضمن بالضرورة الولاء، فقد ينتمي الفرد إلى وطن معين ولكنه يحجم عن العطاء والتضحية من أجله (عبدالتواب، 1993، ص 108).

والولاء هو صدق الانتماء، وهو لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء "الوطني" من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل (السليمان، 1998، ص 196).

لاشك ان التربية الوطنية من المواضيع المهمة التي يجب دراستها وتعزيزها بين افراد المجتمع وترسيخ هذه التربية لدى الشباب وفي المناهج الدراسية، وذلك بعد غياب وضعف الاهتمام بهذا الموضوع خصوصا، بعد الاحداث التي شهدتها وتشهدها البلاد حيث نجد هجرة العديد الى الخارج ومحاولات الحصول على جنسية اخرى غير جنسية البلد، كذلك غياب فرص العمل وتولد قناعة لدى الكثير بان المستقبل الامن والسعيد ليس في حدود البلد بل في الخارج، حتى المؤتمرات التي عقدت بهذا الخصوص والبحوث والدراسات المقدمة لتعزيز التربية الوطنية قليلة ونادرة في ظل هجمات اعلامية وافكار عالمية هدفها تمزيق النسيج الاجتماعي واضعاف وقتل الروح الوطنية لابناء البلد، ان مشكلة الدراسة تطرح السؤال التالي

ماهو مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي ؟.

 

ثانيا:اهمية البحث

تعد التربية ركن من اركان الحياة الرئيسة، فهي عملية اساسية في تقدم الشعوب ونهضة الامم، اذ تتأثر بالعوامل الثقافية السائدة في المجتمع الذي يتبنى نمط تلك العملية التي تقوم باعداد الافراد في زمان ومكان معينين حتى يستطيعوا اكتساب المهارات وانماط السلوك المتنوعة التي تجعلهم قادرين على التفاعل مع بيئاتهم لذلك ينزع كل مجتمع الى الاستمرار والبقاء في تجاه الارتقاء والتطور اخذا الماضي بمحمل الجد وينقل للناشئين ارثه الحضاري (التميمي، 2007، ص7).

ان التربية دعوة للحياة، والحياة في جوهرها هي السلام مع الذات ومع الآخرين ومع البيئة المادية، ومن هنا فإن التربية الصحيحة تحقق السلام وتتراوح في مداها للسلام بين الدول والشعوب إلى الأفراد داخل الأسرة أو الجماعة وأخيراً إلى الإنسان نفسه، والسلام مطلب إنساني بدونه يعيش الإنسان في فزع وخوف يفقده اتزانه ويجعله يتعامل مع من حوله على أساس أنهم أعداء ويفقده صداقة الناس واحترامهم لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فإذا فشل في التكيف، فإنه يفقد سلامه الاجتماعي ويشعر بالعزلة والتقوقع حول الذات (عزيز، 1998، ص18).

ان الدور التربوي للقران شيء عظيم وجليل فتأثيره في المسلم فوق كل تأثير اذ يعد الأطار المرجعي لشؤون الحياة الإسلامية كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وفيه بيان لكافة شؤون حياة الأنسان وأحوالها، وأشواقه وتطلعاتها وبدايته ونهايته وفيه العبرة، وبصفة عامة فهو المبدأ والأساس للفكر التربوي العربي الإسلامي.(أبوالعينين، 1983، ص33).

لم يجعل الإسلام مفهوم الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدوداً، وقد كان الرّسول عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ عن محبته له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا "، (الترمذي، 2000، ج2، ص666) .

فانتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه ويذود عن بيضته، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض .ان تصرف الأنسان في أطار دين الإسلام يدعوه الى الألتزام بمباديء الأيمان والتقوى والتوحيد والكرامة والحقوق والواجبات والتعايم الحسنة والعيش في وفاق وانسجام وهذا يأتي بفضل قيم ومعايير إسلامية موحدة توجه الفرد وتؤهله الى تلك المنزلة الرفيعة التي خلق ليعبد ربه سبحانه وتعالى الذي استخلفه في الأرض (الجسماني، 1984، ص226).

والوطنية تعرف بأنها تعبير يعني حب الفرد وأخلاصه لوطنه الذي يشمل الأنتماء الى ألأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة. (منشد، 2014، ص281).

تعتبر الوطنية بأنها الشعور الجمعي الذي يربط أبناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة . ان صفة الوطنية أكثر عمقا من صفة المواطنة، فالفرد لايكتسب صفة الوطنية الا بالعمل والفعل الصالح الى هذه الجماعة أو الدولة وتصبح المصلحة العامة لديه أهم من مصلحته الخاصة .(خير، 1998، ص3).

ان التربية الوطنية التي هي جزء اساسي من العملية التربوية تنمي وتقوي الولاء للوطن الذي يعيش فيه الفرد حيث ان الولاء للوطن يعد مهما في الحياة وعنصرا اساسيا في نمو شخصية الفرد بجوانبها الاخلاقية والسلوكية والعاطفية والنفسية، حيث توفر قاعدة وجدانية تحقق الامن والاطمئنان النفسي والاتزان الانفعالي والتفاؤل وحب الحياة وعدم النظرة اليها نظرة تشاؤمية، وتأكيد الهوية لما يوفره الاحساس الوطني من الشعور بالسعادة والرضا والقناعة والايمان ويخفف من وطاة الكوارث والازمات التي تعترض طريق الفرد، فيشعر الفرد بالاطمئنان وعدم الخوف او التشاؤم من المستقبل، من خلال اطار علاقة الانسان بوطنه التي تعد موجها لسلوكه في شتى مناحي الحياة، وفي كل مرحلة عمرية من حياة الانسان.(الحديبي، 2008، ص7).

وتأسيسا على ماتقدم يمكن ان نجمل اهمية الدراسة الحالية بالاتي

1- تعزيز وتقوية مفهوم التربية الوطنية في المجتمع وكذلك في المناهج الدراسية.

2- ان الدراسة الحالية تبرز الدور الكبير والمهم للتربية الوطنية وفق رؤية إسلامية باعتبارها ركيزة اساسية للحفاظ على البلد ولاسيما بعد بروز هيمنة العولمة والتي تتقدم بشكل كبير مستهدفة المجتمع بشكل عام وشريحة الشباب على وجه التحديد.

3- يمكن ان تفيد هذه الدراسة خصوصا اصحاب الاختصاص لتعزيز وابراز اهمية التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي وجعلها مقرر مهم في مختلف المراحل الدراسية.

4- تنمية الوعي بالحقوق والواجبات الوطنية وفقاً لمباديء الإسلام والأوضاع السائدة في المجتمع.

ثالثا: هدف البحث

يرمي البحث الحالي الى تعرف مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

رابعا: منهجية البحث

استعمل الباحث منهج بحث وصفي تحليلي

خامسا: حدود البحث

يتحدد البحث في معرفة مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي.

سادسا : مصطلحات البحث

تعريف المصطلحات

اولا:تعريف المفهوم:

يعريف سلامه المفهوم :بأنه فكره تختص بظاهرة معينه أو علاقة أو استنتاج عقلي يعبر عنها عادة بواسطة كلمه من الكلمات أو مصطلح معين (سلامة، 2004، ص53 ).

 

ثانيا : تعريف التربية:

لغة

التربية في معاجم اللغة العربية ترجع الى ثلاثة أصول لغوية هي: الأصل الأول ربا يربو بمعنى زاد ونما، الأصل الثاني ربي يربي ومعناها نشأ وترعرع، الأصل الثالث رب يرب بمعنى أصلحه، وتولى أمره وساسه وقام عليه ورعاه (الأزهري، 2001، ص196).

اصطلاحا:

هي تنشئة الفرد على الأيمان بالله ووحدانيته وتنشئته تبلغ أقصى ماتسمح به امكانياته وطاقاته حتى يصبح في الدنيا قادرا على فعل الخير لنفسه ولأمته وعلى الخلافة في الأرض وجديرا بالاخرة برضا الله تعالى وثوابه ( الأهدل، 2007، ص27).

ثالثا تعريف الوطن :

تعرفه آمنة حجازي بأنه بشكل عام قطعة الأرض التي تعمرها الأمة، وبشكل خاص هو المسكن فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لكونها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن (حجازي، 2000، ص 80).

رابعا: تعريف الوطنية

يعرفها اسماعيل: بانها الشعور الجمعي الذي يربط بين ابناء الجماعة ويملأ قلوبهم بحب الوطن والجماعة، والأستعداد لبذل اقصى الجهد في سبيل بنائهما، والأستعداد للموت دفاعا عنهما(اسماعيل، 1998، ص41).

خامسا :تعريف التربية الوطنية

عرفها المعيقل: هي ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بموجبه بصفة المواطنة ويحققها فيه وهي ايضا تعني تزويد الطالب بالمعلومات التي تشمل القيم والمباديء والاتجاهات الحسنة وتربيته انسانيا ليصبح مواطنا صالحا ويتحلى في سلوكه بالأخلاق الحسنة ويملك من المعرفة القدر الذي يمكنه من تحمل مسؤولية خدمة دينه ووطنه ومجتمعه. ( المعيقل، 2004، ص79).

 سادسا : تعريف الفكر

يعرفه جعفر ياسين :بأنه العمل على مواجهة الحقائق والامور الواقعة للوصول الى الحلول المناسبة والملائمة لها.(ياسين1978، ص208).

ويعرفه السعيدي بأنه : حركة عقلية وقوة مدركة , يكتشف الانسان عن طريقها القضايا المجهولة لديه والتي يبحث عنها فتنمو معارفه وافكاره في الحياة.(السعيدي 2005، ص19)

سابعا: تعريف الفكر التربوي

يعرفه العمري: هو فلسفة قبل ان يكون اي شيء اخر، يتكون من افتراضات اساسية تلقي الضوء على انشطة الانسان العقلية وطبيعته الفطرية والبيئية، تتمخض عنها الأطروحات التربوية والمنطلقات التعليمية (العمري، 1992، ص81).

 

المبحث الاول: مفهوم التربية الوطنية

تنوعت محاولات تحديد مفهوم التربية الوطنية، لتشعب مجالاتها واتساع مضمونها، ومن هذه المحاولات ما يربط بين التربية الوطنية والعلوم السياسية، ومنها ما يربطها بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، كما أن منها ما يركز بصفة خاصة على محددات العلاقة بين المواطن وبيئته، سواء كانت محددات نظامية قانونية أم اجتماعية، وبصرف النظر عن المحاولات المتنوعة لتحديد المفهوم، فالتربية الوطنية إطار مهم للتربية الرسمية في أي مجتمع من المجتمعات، ويركز هذا الإطار على إحداث الشعور العام بعضوية الفرد في الجماعة وانتمائه إليها، ودوره الفاعل تأثيراً وتأثراً بها، مما يدفع بالمواطن نحوالعمل الإيجابي المستنير من أجل الجماعة، وذلك فالتربية الوطنية إطار تربوي يهتم بمساعدة النشيء على اكتساب المفاهيم والمهارات والاتجاهات الضرورية للحياة الفاعلة في ربوع هذا الوطن ولاءا وانتماءا . (الزيد، 1996، ص75).

أن مفهوم التربية الوطنية يشير ايضا إلى ذلك الجانب من التربية الذي يشعر الفرد بصفة المواطنة ويحققها فيه، والتأكيد عليها إلى أن تتحول إلى صفة الوطنية، ذلك أن سعادة الفرد ونجاحه وتقدم الجماعة ورقيها لا يأتي من الشعور والعاطفة إذا لم يقترن ذلك بالعمل الايجابي الذي يقوم على المعرفة بحقائق الأمور والفكر الناقد لمواجهة المواقف ومعالجة المشكلات، فبهذا الجانب العملي تحصل النتائج المادية التي تعود على الفرد بالنفع والارتياح والسعادة، وعلى الجماعة بالتقدم والرقي  (اسماعيل، 1998، ص43).

تعرف التربية الوطنية بأنها عملية غرس مجموعة من القيم والمباديء والمعارف لدى الأفراد لتساعدهم على ان يكونوا صالحين قادرين على المشاركة النشطة في كافة قضايا الوطن ومشكلاته .(اللقاني، الجمل، 1999، ص37).

ويعرفها الجوهري بأنها نوع من التربية يستهدف تزويد الناشئة بمجموعة من المعارف والقيم والتوجهات السلوكية التي تمثل مباديء ضرورية لحياته وتواجده وعضويته في الجماعة التي ينتمي اليهم ويعيش معهم على ارض محددة التي تسمى بالوطن، وتحرص على اكسابهم الثقافة السياسية والمدنية للدولة من خلال احتكاكهم بالأنشطة التعليمية التي تتناول الجانب المعرفي والوجداني والمهاري والسلوكي للمتعلم، والتربية الوطنية تشمل تنمية كل هذه الجوانب من خلال اكساب النشيء المعارف والاتجاهات الضرورية للمواطنة الصالحة، وللتعليم دور مهم من خلال عملية التدريس والتعلم والخبرات في التربية الوطنية، وان الهدف الرئيس للتربية الوطنية هو اعداد مواطنين صالحين مسؤولين ومنتمين لمجتمعهم، قادرين على المشاركة الفعالة والنشطة في قضاياه وحل مشكلاته .(الجوهري، 2001، ص37).

وإذا كانت التربية بوجه عام، و التربية الاجتماعية بوجه خاص تشكل الحجر الأساس في بناء المواطن، فإن التربية الوطنية في الألفية الثالثة ينبغي أن تبنى على مبادئ عامة للحقوق والواجبات التي تمارس في إطار ديمقراطي شامل تتجسد في علاقة المواطن مع وطنه من جهة ودولته من جهة أخرى، بالإضافة إلى العمل على تشكيل الفرد الإنساني القادر على مواجهة الاجتياح العالمي والتكيف مع المجتمع الدولي والمشاركة في إرساء السلام العالمي. (حجازي، 2000، ص80).

إن التربية الوطنية مسلك مهم من مسالك البناء، فهي تزرع في نفوس الصغار كيف أن عزتهم وكرامتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بعزة الوطن وإعلاء شأنه، ولذلك فإنها في المؤسسات التربوية تعد عاملاً مصيرياً ترتبط به المسيرة التنموية حاضراً ومستقبلاً، فعندما يتعلم الناشئة قيمة الوطن تعلو في نفوسهم قيمتهم، فالمواطن نواة الوطن، والوطن حصاد المواطن، ومن هنا تأتي أهمية التربية الوطنية التي هي عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالواجب تجاه المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، وتعريف المتعلمين بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، وأنها لم تأتِ مصادفة بل ثمرة عمل دؤوب وكفاح مرير، ولذا من واجبهم احترامها ومراعاتها. (الصائغ، 2002، ص214) .

 

نبذة عن التربية الوطنية وتطورها 

تلازم مبدأ التربية الوطنية بحركة نضال التاريخ الأنساني من اجل العدل والمساواة والأنصاف، وكان ذلك قبل أن يستقر مصطلح التربية الوطنية، وأخذ شكل الحركات الأجتماعية منذ قيام المجتمعات الزراعية في وادي الرافدين مرورا بحضارة سومر واشور وبابل وحضارات وادي النيل والصين والهند وفارس وحضارة الفينيقيين والكنعانيين وقد اسهمت تلك الحضارات وما انبثق عنها من ايديولوجيات سياسية في وضع أسس للحرية المساواة تجاوزت ارادة الحكام، فاتحة بذلك افاقا رحبة لسعي الأنسان لتأكيد فطرته، واثبات ذاته وحق المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات، وتحديد الخيارات ن الأمر الذي فسح المجال للفكر السياسي الأغريقي ومن بعده الروماني ليضع كل منهما أسس مفهومة للوطنية.(الدجاني، 1999، ص5).

ان نشأة وتطور التربية الوطنية مر بمراحل واذا ما أردنا الحديث عن هذه المراحل فلابد ان ينطلق الحديث من تأملنا للتطور التاريخي، لحصول الفرد على حقوقه في حريته الفكرية والدينية والعقائدية والسياسية، وعلى هذا الأساس فأن الباحث سوف يتناول التطور التاريخي للتربية الوطنية لبعض الحضارات كالاتي:

 

1- التربية الوطنية في وادي الرافدين:

تعد حضارة وادي الرافدين خير مرجع للباحثين في أصل النظام السياسي وتطوره التاريخي، حيث انفردت باول ظهور لنظام دولة المدينة على أنه أول شكل من أشكال الحكم في التاريخ البشري، وظهرت في المدينة كلمة المواطن والمواطنة، فكانت المدينة أكثر من كونها تجمعا سكنيا أو قبليا. (باقر، 1986، ص326).

ان الاشوريين وفي مدارس اشور بنيبال تأثروا بوصايا أحيقار الفيلسوف العراقي، الذي كان حكيما وعنده اراء شبيهة بأراء لقمان الحكيم، لكن تعاقب الحروب أدى الى فقدان الكثير من التعاليم الاخلاقية. وقد دل مسح النصوص التي يمكن إرجاعها للألف الثالث قبل الميلاد إلى وجود مدارس رسمية في وادي الرافدين في فترة تسبق ظهور الأزمنة البابلية القديمة , كما ظهرت في عصر حمورابي مدارس لنسخ الكتب وتعليم الناشئة , ولقد أسست أول مدرسة في العالم في بلاد ما بين النهرين وغدا التعليم نظامياً في بلاد سومر حيث كان الطلاب يتعلمون مختلف العلوم كما كانوا يتلقون تربية تزرع في نفوسهم حب بلادهم والدفاع عنها. (رشيد، 2006، ص67).

 2- التربية الوطنية عند الفرس:

اقام الفرس أمبراطورية واسعة الأرجاء وحضارة راسخة شاطرت الروم في حكم الشرق، فقد أزدهرت حضارتهم في زمن الدولة الساسانية، منذ منتصف القرن الثالث قبل الميلاد.(شلبي، 2004، ص69).

كانت التربية الوطنية الفارسية تبدأ بالأسرة، وكان الأب له السلطة المطلقة في الأسرة الفارسية، وهو السيد المطاع، الذي يدرب أبناءه على الفضيلة وحب البلاد والاخلاص للأمبراطورية،، وأن يجعل منهم خدما نافعين للدولة، وأنهم كانوا يعلمون أبناءهم أمور منها حب الأمبراطوية الفارسية وركوب الخيل ورمي السهام وقول الحق، وكانوا يتعهدون فيه جملة من الصفات الخلقية الحميدة، كالطاعة، ومحبة الاباء، والعدل والشجاعة، والتعلق بالشرف، وكان أبناء الفقراء لايتلقون الا تربية محدودة جدا، وكان التعليم النظامي يبدأ في سن السابعة، ولم يكن منهج الدراسة واحدا للجميع، فمنهاج المحاربين يضم الدين والقراءة والكتابة والتربية البدنية والتضحية من أجل الوطن بنحو اخص، ومع ذلك استطاعت تلك التربية ان تحقق نتائج قيمة، فعرفت فارس العديد من الكتاب والشعراء الكبار على مر العصور، كما استطاعت أن تكون قوة عسكرية ذاع صيتها، ومكنت للأمبراطورية الفارسية ووسعت حدودها. (أبوخليل، 2002، ص54).

3- التربية الوطنية عند الرومان

تعد الحضارة الرومانية من أعظم حضارات أوربا بعد الحضارة اليونانية، وقد عرفت هذه الحضارة نظما ادارية، ومدنية جديدة على البشرية، أن الرومان كانوا يقرون باليونان بنوعية فكرهم واسلوبهم وفي التربية الخلقية كذلك، بل ينظر أليهما انهم قادة التربية الرومانية، كان جوهر التعليم عندهم البحث عن الفضيلة، وكانت تربية نفعية خالصة، وواقعية تهدف الى دمج الفرد بمجتمعه، والى تكوينه كمواطن صالح يتمتع بالروح الوطنية، والاخلاص لعادات الاجداد وتقاليدهم.(السرجاني، 2010، ص299).

ان التربية الوطنية والمواطنة منحت للمواطنين الرومان امتيازات قانونية على درجة عالية من الاهمية، منها اختصاص المحاكم الوطنية في روما وحدها بمحاكمة المواطن الروماني وعدم احقية المحاكم في اية مدينة اخرى بمحاكمته، وفي هذه المرحلة اتصفت الوطنية او المواطنة بعدم المساواة بين افراد الشعب الواحد في المدينة . اما في المرحلة الثانية فقد أصبح معيار الولاء وليس السكن، هو الاساس في اتصاف الفرد بالوطنية، فأصبح كل ابناء الشعوب الخاضعة للامبراطورية الرومانية مواطنين فيها وأختفى التمييز بين الروماني وغيره من سكان الاقاليم المفتوحة. وبأعتقاد بعضهم ان السبب في هذا يعود الى رغبة السلطة في تعزيز الولاء لروما، اذ ان مفهوم الوطنية لم يعد ارتباطا بالمشاركة السياسية، كما هو الحال في دول المدن اليونانية، وانما ارتبط بالواجب العام ن والوطنية بهذا المعنى تحدد عملية الحياة الجادة وتسعى للافضل للكائن البشري الذي يطمع الى النبل والكمال.(كليفورد، 1984، ص103)

4- التربية الوطنية في العصور الوسطى:

لقد شهدت هذه الفترة ظهور صراع بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، كماتميزت هذه الفترة بسلطة رجال الدين المسيحي التي احدث تغيراً واضحاً في الحياة الاجتماعية في أوربا وقد تبع هذا التغيير تغير في النظرة التربوية الوطنية وأهدافها، حيث تميزت التربية المسيحية في البدء بنظام رهباني صارم يشتمل على قدر من العلم والعمل اليدوي وكانت تتبع كل دير تقريباً مدرسة تقبل الأطفال في سن العاشرة وتستمر الدراسة فيها ثمان سنوات، يتعلم التلاميذ أثناءها القراءة والكتابة وبعض المبادئ البسيطة في حب المواطنة وكذلك تعلم شيء من النحو والمنطق والبلاغة والحساب والهندسة والفلك والموسيقى، ومن ابرز اهداف التربية المسيحية إعداد الفرد المسيحي لمعرفة الرب و تدعيم المثل الإنسانية.(الأسمر، 1997، ص104).

لقد تراجعت التربية الوطنية من الناحية التطبيقية خلال العصور الوسطى في اوربا، ويعود هذا التراجع الى أمور معينة منها هيمنة الجانب الديني المتمثل بالكنيسة على تقاليد السياسة خلافا للعصور السابقة، اذ أرتبطت التربية الوطنية بالمسالة الدينية، فتميزت هذه الحقبة بالصراع القائم بين السلطة الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة المدنية المتمثلة بالدولة، لقد كانت الكنيسة مستقلة عن النظام السياسي ولم يعد الدين في خدمة الدولة بل أصبح له طموح في قيادة المجتمع ومنافسة الدولة في تشكيلة ادارة شؤونه . وبعد اعتناق الأمبراطور قسطنطين المسيحية لاول مرة ظهر مايعرف (بابوية القيصر) التي تعني دمج الدين بالدولة.(ارنبيرغ، 2007، ص12)

بعد ان أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي وطبقا لذلك فأن مفهوم التربية الوطنية شهد تطورا من ناحية الكم في حين أنحسر من جانب اخر في بداية الأمر، اذ ارتبط المفهوم بالمسألة الدينية، فالمسيحي هو المواطن من دون غيره من أبناء المدن والأمبراطوريات ذوي الأنتماءات الدينية الأخرى كاليهود، وحصرت الحقوق والأمتيازات بالمسيحيين دون غيرهم.(عاقل، 1978، ص133).

وبهذا فأن مفهوم التربية الوطنية في العصور الوسطى ظل يعكس النظرة الضيقة للأنسان من خلال اعتماد معايير المشاركة السياسية أو الانتماء الديني او الاقتصاد باستثناء مرحلة معينة من تاريخ الامبراطورية، فقد أصبح المفهوم سياسيا وأتسع لكل من يدين بالولاء لهذه الدولة من خلال الخضوع لأقليم تابع لها.( الصاوي، 1999، ص240).

 

مفهوم التربية الوطنية في الإسلام

التربية الوطنية من وجهة نظر الإسلام هي عبارة عن نوع مـن التربيـة يهـتم بتوعية المواطن المسلم بحقوقه وواجباته تجاه الاخرين وتبصيره بحدود وطبيعة علاقته معهم والقائمة على أساس حب الوطن والانتماء إليه والتضحية من أجله. (القبانجي، 1997، ص32).

تستمد التربية الوطنية الإسلامية توجهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية، سواء كان في اطارها النظري أم في تطبيقاتها العملية، فهي تربية هادفة لاعداد المواطنين في الأمة الإسلامية، سواء تمت في مؤسسات نظامية كالمدارس والجامعات أم غير نظامية كالمنزل ووسائل الأعلام . (النقيب، 1997، ص184).

أما التعريف الإسلامي للمواطنة فينطلق من خلال القواعد والأسس التي تنبني عليها الرؤية الإسلامية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهة أخرى. وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي وطن الإسلام وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغيرهم (هويدي، 1995، ص 13).

تهدف التربية الوطنية الإسلامية الى تقوية الروابط والعلاقات بين المواطنين المنضوين الى الإسلام، على أسس العدل ورفع الظلم، وتحقيق المصالح العامة أولا، وبذل الجهد في أتباع تعليمات السلامة العامة والحفاظ على الأمن والأستقرار والتطور للمجتمع الإسلامي في سائر الأوطان الإسلامية عامة، فالإسلام يدعو الى التناصر بين المواطنين، بعيدا عن تناصر الجاهلية العمياء التي تقوم على العنصرية والعصبية للقبيلة او الدم او الفئة. (الغزالي، 1986، ص168).

ويمكن تحديد اهداف التربية الوطنية الإسلامية بما يأتي:

1- اكساب المتعلم مبادئ الوطنية الفاعلة، حتى يتمكن من المشاركة والأسهام الجاد في خدمة مجتمعه وأمته الإسلامية.

2- تبصير المتعلم بالمفهوم الإيجابي للوطنية المنطلقة من التصور الإسلامي، بعيـداً عـن المفاهيم الجاهلية القائمة على العصبيية. والطائفية المقيتة.

3- تعزيز مفهوم الانتماء الصادق للوطن لدى المتعلم بما لا يتنـاقض مـع ولاءه وانتسابه للإسلام.

4- توعية المتعلم بطبيعة علاقته مع الآخرين من حوله وتدريبه على الوفاء بمتطلباتها فـي ضوء مبادئ الإسلام وقيمه النبيلة.

5- تبصير المتعلم بحقوقه وواجباته تجاه وطنه.(ابودف، 2004، ص252).

 لقد ظهر الدين الإسلامي بمثابة منظومة فكرية سماوية شاملة ورحمة للبشرية بأمانة المبلغين وقادة رسالته على مدى القرون التي خلت. (بكر، 1983، ص61).

شكل ظهور الإسلام تحولا لمفهوم الوطنية الذي أرتبط بمجموعة من المفاهيم الأساسية في النظام الإسلامي تمثلت بالحرية والمساواة والعدل، بين أفراد الجنس البشري، وتكمن الوطنية في الإسلام بعلاقتين أساسيتين تتناسب تناسبا طرديا، حيث علاقة الأنسان بالخالق تعالى وعلاقة الأنسان بأخيه الأنسان، وجاء الإسلام بقيم ومفاهيم عن الحياة والأنسان والعلاقات الأجتماعية، وعد الإسلام التقوى في ميزان التفاضل بين الناس فالإسلام يقوم على الأخوة الدينية، فالمسلم يرتبط مع أخيه المسلم بروابط فوق الزمان والمكان.(الصدر، 2014، ط2، ص209).

لم يجعل الإسلام مفهوم التربية الوطنيّة مفهوماً قاصراً محدداً،، وقد كان الرّسول الكريم(ص) مثالاً للمحبّ لوطنه المنتمي له، فقد نادى وطنه معبراً بلسان المحبّ له حين خرج مهاجراً من مكّة فقال " والله إنّك لأحب البقاع إلى الله وأحبّ البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا " (البخاري، 2012، ج2، ص666).

والتربية الإسلامية تتعامل مع المسلم باعتباره صاحب عقيدة ومؤمن برسالتها، اينما وجد هذا المسلم فالمباديء الإسلامية لاتعمل في فراغ، بل انها تتفاعل مع ماغرسه تعالى من فطرة في طبيعة الأنسان، والتربية الإسلامية عملية تفاعلية، لأن الوجود الذي يمارس فيه الفرد نشاطه حقيقة تفاعلية موضوعية لا فكرة خيالية مجردة.(حسونة، 2007، ص139).

تكمن اهمية التربية الوطنية في الإسلام في أنها عملية متواصلة لتعميق الحس والشعور بالأنتماء للوطن والأعتزاز به، وغرس حب النظام والاتجاهات الوطنية، والأخوة والتفاهم والتعاون بين المواطنين، واحترام النظم والتعليمات، والشعور بالواجبات تجاه الوطن وتعريف الأفراد بمؤسسات بلدهم، ومنظماته الحضارية، ومن واجبهم احترامها ومراعاتها، كما أن أهداف التربية الوطنية لاتتحقق بمجرد تسطيرها وادراجها في الوثائق الرسمية، بل ان تحقيق الأهداف يتطلب ترجمتها الى اجراءات عملية وتضمينها المناهج والمقررات الدراسية.(حسن، 2013، ص44).

 ان انتماء المسلم لوطنه مطلوبٌ شرعا، فالمسلم حريصٌ على وطنه أشدّ الحرص فتراه يدافع عنه ضد أعدائه في الشدائد، ويحرص على نظافة طرقه وساحاته في ايام واوقات راحته وصعابه، فالوطنيّة هي مشاعر المحبة والولاء والعطاء التي يحملها الإنسان في قلبه اتجاه وطنه ويترجمها افعالاً واقعةً على الأرض . (الحمصي، 2010، ص103)

ان التربية الوطنية في الإسلام تهتم بتنمية اسس التعاون والمشاركة وعدم الاضرار بالغير، او التعدي عليه او على ممتلكاته، حتى يصبحوا كالجسد الواحد ن كما ورد في حديث الرسول الشريف (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (مسلم، 1991، ح2586، ص481).

كما أن الشريعة الإسلامية الغراء بصلاحيتها لكل زمان ومكان وبمعالجتها كافة القضايا في مختلف المجالات، جاءت لتقرر مفهوم الوطنية والمواطنة الذي يعيش تحت سقفه الجميع من كل الملل والنحل، وتؤكد ان الإسلام دين للعالمين جميعا، يمكن تحت ظل دولته ان يعيش الناس في مواطنة يعتزون بها، أساسها التقوى والعدل والأمن والأحترام المتبادل بين جميع المواطنين، وخير انموذج لهذه الدولة هو ذلك المجتمع الإسلامي.(الحمصي، 2010، ص105).

لقد أعتنى الإسلام بجميع شروط ومباديء الوطنية الكاملة بصورة واضحة، شملت الحقوق والواجبات لكل من المواطن والمجتمع والدولة، حيث تم تأكيد المحافظة عليها، وحرم الاعتداء عليها في ضؤ الأدلة العقلية والنقلية وقد اكد الإسلام على كرامة الأنسان من خلال تقديس حقوقه، عندما عدت ضرورات، ومن ثم أدخلها في أطار الواجبات، فلا سبيل لحياة الأنسان من دونها، فأقام دعائمها وبين أركانها وأسسها، كما حدد أهميتها وأهدافها في جميع مجالات الحياة المختلفة، ويقرر الإسلام ان العواطف والمشاعر والاحاسيس نحو امر ما يعد فطريا وغريزيا لاتعارضه العقيدة الإسلامية الصحيحة، فالعلاقة بين الإسلام والوطنية هي علاقة ارتباط وامتزاج ووئام، بل تعد ضرورة، لأن الدين الحنيف لايقوم الا على أرض او وطن. (عمارة، 2005، ص164).

ان الإسلام نهى عن العصبيّة والقبليّة ودعوى الجاهليّة، فقد كان الكفّار في الجاهليّة يفتخرون بقبائلهم وأنسابهم وربما حصلت بينهم الحروب الضروس لأجل ذلك، وعندما تداعى الأوس والخزرج وافتخر كلّ منهم بنسبه وحاله حتى كاد الشيطان يوقع بينهم البغضاء، نهاهم الرّسول صلّى الله عليه واله وسلّم عن ذلك مبيناً أنّ ذلك من دعوى الجاهلية ونتنها، فلا فضل في الإسلام لغني على فقير أو عربي على أعجمي، فقد صهر الإسلام الجميع في بوتقة المحبّة و المساواة و الوئام و بيّن أنّ معيار المفاضلة بين البشر هو معيار التّقوى و الإيمان في قلوبهم. (الغزالي، 1986، ص169).

ويدعو الدين الإسلامي الى محاسن الأخلاق، بل أقر الأخلاق الرفيعة والكريمة في الجاهلية، وهذا يدل على ان نظرة الإسلام لبقاء الامم وأزدهار حضارتها ومنعتها يكمن في مدى تمسك مواطنيها في كافة شؤونهم الحياتية بأتباع الاخلاق الكريمة التي تعكس السلوك الحضاري للشعوب، فأن سقطت أو أنحرفت هذه الأخلاق فأن الدول ستتجه للسقوط والتفكك. (موسى، 2005، ص34).

لقد جعل الإسلام للمواطن الصالح و الفاعل سمات لأن مجرد ولادة أي شخص في وطن ما ونشأته بين سكانه وحمله لجنسيته لا يكفـي لجعل ذلك الشخص مواطناً صالحاً، بل إن المواطنة الصالحة، تقتضي أن يتحلى المـواطن بمجموعة من الصفات التي تجعله منتجاً فعالاً صالحاً لخدمة وطنه في حدود إمكاناته وقدراته الخاصة . (الشيباني، ١٩٩١، ص ٣٥).

 تقوم الرؤية الإسلامية على أن الأمة جماعة متوحدة فكريا وسلوكا، والأمة أشارة الى أنتماء حيث تؤكد الايات الكريمة ان العلاقة بين ابناء الوطن الواحد قائمة على قيم التعاون والعدل والتناصح وحب الخير للاخرين وكل سلوك يرضي الله تعالى، وهكذا يقرر القران الكريم دستور الإسلام الذي ينص على ان البشرية من اصل واحد تجمعهم اخوة الأصل الواحد، وهذا يستدعي التراحم والحب والتعايش على البر والتقوى، ولو فهم الناس هذا وعملوا به لاختفت العصبية الجاهلية والتمايز الجنسي واللوني والعرقي، واتحدت البشرية في وحدة واحدة، وحدة انسانية متعاونة متعايشة متالفة تبنى لصالح الانسان، وترتكز هذه العلاقة على قاعدة الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين والفاسقين، ولوحظ كذلك في القران الكريم ان خطاب الرسول(ص) لم يوجه لقوم بعينهم كما لم ينسب نفسه الى قوم ما وأنما كان موجها للناس جميعا كما بين تعالى في قوله الكريم (قل يا أيها الناس انما انا لكم نذير مبين).(الحج49). فارسل الى الناس كافة ليخرج عباد الله جميعا من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ومن هنا لم يكن خطابه لأمة دون أمة ووطن دون اخر ولكن كان موجها للنفس البشرية.(الندوي، 1990، ص118-119).

 

اولا: الاستنتاجات:

في ضوء عرض مفهوم التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تم التوصل الى:

1- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تهدف جميع افراد المجتمع دون التمييز بين دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم.

2- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي هدفها بناء مواطن سليم وبالتالي بناء مجتمع متحاب ومتعاون.

3- للتربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي أثر كبير في ارساء السلام والمحبة.

4- التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي تدعو الى احترام الانسان واحترام حقوقه.

5- ان الفكر العربي الإسلامي قدم لنا قواعد واسس قوية لتربية وطنية سليمة.

6- ان التربية الوطنية السليمة تزيد من قدرة الفرد على تقدير القانون واحترامه والالتزام به.

7- تساعد التربية الوطنية على غرس حب الوطن في نفوس الناشئة والشباب ليزدادوا اعتزازاً بوطنهم مع العمل من أجل تقدمه وإعلاء شأنه والذود عن حياضه

ثانيا:التوصيات :

بناء على ماتوصل اليه الباحث من استنتاجات فأنه يوصي:

1- من المهم والضروري جدا ان تقوم وزارة التربية بتضمين اسس ومباديء التربية الوطنية في مناهج الدراسة ولكافة المراحل.

2- ضرورة ان ينتبه القائمون على المناهج الدراسية في العراق الى اهمية وخطورة التربية الوطنية واعطاء أولوية لها، لان التربية الوطنية جوهر ومفتاح اصلاح البلد وفي جميع المجالات.

3- من المهم ان تقوم كل مؤسسات الدولة بوضع خطط وبرامج لزرع ثقافة تربية وطنية سليمة عند المواطن.

4- تكثيف الدعوات وعقد المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية حول اهمية التربية الوطنية ودورها في بناء المجتمع.

5- الانتباه الى ان التربية الوطنية ضرورة ملحة للوطن في ظرفه الحالي لذلك يجب عدم اهمالها .

5- الرجوع الى القران الكريم والسنة النبوية الكريمة وائمة اهل البيت عليهم السلام والصحابة المنتجبين رضوان الله عليهم والاخذ بالمبادي وقيم التربية الوطنية السليمة التي جاءت بها هذه المصادر الفاضلة

ثالثا:المقترحات :

يقترح الباحث ما ياتي :

1- ضرورة القيام بدراسات كثيرة عن التربية الوطنية في الفكر العربي الإسلامي، ومقارنة نتائجها وموازنتها مع الدراسة الحالية.

2- اجراء دراسات وطنية تتناول اعلام الأمة من اجل تحفيز الشباب وتنمية حبهم لوطنهم وامتهم.

  

د. قاسم بلشان كاظم التميمي

 

التعلق اليقيني بالكتب السماوية يحتاج إلى مدخل يتطابق في تراكيبه مع التلاوة الصحيحة التي تقوم أركانها على مقدمات أساسية بعيدة عن السطحية، أما إذا اتخذ الإنسان ما يخالف هذا النهج فمن الطبيعي أن يجانب الثوابت المثالية التي يتطلع من خلالها إلى معرفة الكليات البديهية المحتواة في الكتب المنزلة من الله تعالى، وههنا تحدث الإشكالية المنسوبة لتلك الكتب والتي يتحدد على ضوئها المقدار الخاطئ الملازم للبراهين الجزئية التي تمهد السبيل لتدبر الأحكام المتفرقة في الكتب المشار إليها، وتأسيساً على ذلك يمكن تقسيم الذين يتلون كتاب الله إلى قسمين، يختص الأول في التلاوة الخالية من العمق المعرفي المحيط بالألفاظ المبينة للمعاني، ولا يخفى على المتلقي أن هذا النهج سوف يؤول بأصحابه إلى الكفر والإعراض عن المفاهيم السليمة، أو أن يبقى أتباع هذا القسم في دائرة الشك وذلك أضعف الإيمان، ومن هنا يتسلل إلى قلوبهم التفريق بين المعطيات الإلهية وما دونها من المعطيات السلبية وبالتالي يصل كل واحد منهم إلى مرحلة عدم البيان في الاعتقاد الذي كان يأمل في الحصول عليه من خلال التلاوة، وكما ترى فإن هذا المطاف يمكن أن يؤدي به إلى الهلاك بدلاً من السير في الطريق الموصل إلى الهدى.

أما القسم الثاني فهؤلاء هم الذين يتلون الكتاب وفق أسس علمية رصينة ما يجعلهم أقرب إلى فهم الحقيقة الكلامية المنزلة من الله جل شأنه، وقد تتفرع على هذين القسمين مجموعات أخرى منهم من التزم الأخذ بالمصاديق دون إرجاعها إلى المفاهيم العامة وإن شئت فقل دون إرجاعها إلى الكبرى من حيث الفهم التدريجي ومنهم من اتخذ العكس، وقياساً إلى هذين الاتجاهين نستطيع أن نجعل التعليلات آيلة إلى أحد أمرين أولاهما ناشئ عن عدم الإيمان بالمعارف اليقينية للتلاوة، أو الاعتماد الموافق للبلاغة وكذا ما يتفرع على الكتاب من المواقف العلمية المثيرة التي لا تخرج عن المفهوم النظري للألفاظ دون المعاني ما يجعل الأغراض المتخذة من قبل أصحاب هذا الأمر في منأى عن التجديد، وبهذا تقع الأعباء على فهم الكتاب ظاهراً دون الحقيقة التي ترد إلى أصل الحجب الخارجية التي تحول بين القارئ والمراعاة المنهجية للتلاوة، وبهذا القدر يمكن القول إن من كان هذا ديدنه فمن الضروري أن يتم إدخاله ضمن أولئك الناس الذين أدت بهم التلاوة إلى الكفر بدلاً من الإيمان، وثانيهما يرجع إلى معنى التلاوة الحقة التي تأخذ بأيدي مريديها إلى بر الأمان بعيداً عن الفئة الأولى، كون الذين اعتمدوها أقروا بمبادئ الفهم الإيماني دون تعصب أو تعقيد.

من هنا نعلم أن كلا القسمين قد اعتمد الدخول إلى أصل الكتاب إلا أن التباين قد حدث في نوعية الحجب التي ابتلي بها كل فريق منهما، وبناءً على هذا المفهوم نستطيع إبعاد الصنف الأول الذي لم ينتفع بالتلاوة ونجعل اهتمامنا منصباً على الصنف الثاني، وبذلك يمكن تقسيم هذا الصنف إلى مجموعات كثيرة تتفاوت لديهم المعرفة بين التلاوة اليقينية وما دونها من التلاوات التي لا تقف على وجه تطبيقي، ونظراً لهذا التباين نرى أن التقسيم قد آل إلى الاعتقاد الراسخ لدى الإنسان الذي يعمل جهده من أجل الوصول إلى ما يروم إليه من الإيمان الناتج جراء تلاوته إذا ما علمنا أن فقده لأسس المعرفة يحول دون مبتغاه، وعند وصوله إلى هذه المرحلة يصبح مأموراً بالفقرات الاستطاعية التي من أهم مصاديقها تيسير القرآن عند التلاوة كما في قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر 17. مع تكرار الآية عدة مرات في نفس السورة. ومن تلك المجموعات تتفرع مجموعات أخرى من القراء الذين تصعب عليهم التلاوة لأعذار معاشية أو مرضية وكذا من يقاتل في سبيل الله، وقد خاطب سبحانه هؤلاء بقوله: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه) المزمل 20.

وبناء على ما ذكرنا يمكن أن نجعل جميع الأقسام مندرجة تحت أصل المفهوم الذاتي للاستطاعة والذي قد تتطابق أغراضه بالتلازم مع الواجبات المفروضة على الإنسان، ومن هنا يمكن تقسيم تلك الواجبات إلى قسمين، يتمثل أولهما في التقوى المستطاعة وإن كان ملاكها الضعف، أما الثاني فيأخذ الجانب الأقوى منها ويشهد للأول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) التغابن 16. ويشهد للثاني قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102. ويتناسب هذا المعنى مع التصورات الفلسفية التي تبين للإنسان معنى الجهاد في سبيل الله تعالى وبنفس القدرة المفروضة في التقوى وكذا ما يرجع إليها من أقسام، ولهذا خاطب الحق سبحانه القسم الأول بقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) الأنفال 60. أما القسم الثاني فقد خاطبهم بقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده) الحج 78.

من ذلك نستطيع القول إن للتلاوة درجات تعتمد في مدلولها على التدبر المناسب لمعاني كتاب الله تعالى من أجل الوصول إلى مقومات الإيمان الأساسية، ما يجعل الإنسان يسير في الاتجاه الصحيح للعقيدة السليمة دون الاعتماد على الفهم السطحي الناتج عن قواعد التجويد، كون للتأمل الصادق وجوهاً أخرى خارجة عن المدلول اللفظي الذي لا يتعدى حدود الأساليب المتعارف عليها، وبهذا نعلم أن التلاوة تتضمن معنى الفهم الحقيقي الذي يدعو إلى الإيمان إذا علمنا أن ليس هناك ما يفرق بين تلاوة القرآن والكتب الأخرى التي لم يطالها التحريف، وقد تطرق الحق سبحانه إلى وصف تلك الكتب بأبلغ الأوصاف كما في قوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) المائدة 44. وكذا قوله: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) المائدة 46. وقد ذكر تعالى تصديق القرآن الكريم لتلك الكتب بقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48.

من هنا نستشف معنى زيادة الإيمان الناتجة عن التلاوة الصحيحة سواء قام بها الإنسان بنفسه أو إذا تليت عليه، وهذا ما يفهم من منطوق قوله سبحانه: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) الأنفال 2. ويقابل هذا المعنى قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) آل عمران 101. وبالتلازم مع ما قدمنا نلاحظ أن القرآن الكريم قد أثنى على أهل الكتاب الذين يتلون آيات الله حق تلاوتها، وذلك في قوله عز من قائل: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون... يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين... وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) آل عمران 113- 115. وقد قابل تعالى هذا الصنف المحق بصنف آخر وذلك في قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) الحج 72. وسيتضح الفرق بين الفريقين من خلال تفسير آية البحث.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) البقرة 121.

الكتاب: اسم جنس يقع على الواحد والجمع، وقد ذكر في القرآن الكريم على وجوه أهمها:

أولاً: الفرض: كما في قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء 103.

ثانياً: الأجل: كما في قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) الحجر 4.

ثالثاً: الحجة والبرهان: كما في قوله تعالى: (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) الصافات 157.

أما الكتاب بمعنى القرآن فقد ورد في مواضع كثيرة منها عطف العام على الخاص أو العكس، إلا أن أظهرها ما ذكره تعالى بقوله: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين... قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) الأحقاف 29- 30. وبهذا يظهر زيف من أراد التفريق بين معنى الكتاب والقرآن.

أما التلاوة فلها معنيان:

الأول: القراءة: كما في آية البحث وكما في قوله تعالى: (فالتاليات ذكراً) الصافات 3. وكذا في الآيات التي مرت عليك في معرض حديثنا قبل الدخول إلى تفسير آية البحث.

الثاني: الاتباع: كما في قوله تعالى: (والقمر إذا تلاها) الشمس 2.

من هنا نفهم أن آية البحث تشير إلى أهل الكتاب من اليهود والنصاري، وقد تحدثت عن قسمين:

القسم الأول: الذين يتلون الكتاب حق تلاوته: أي تلاوة تتسامى فيها المعاني دون الألفاظ، وبهذا يصلون إلى التفريق بين الحق والباطل أو الحلال والحرام وكذا الوصول إلى الدلائل التي تميز لديهم العام من الخاص أو المطلق من المقيد وكذا المحكم من المتشابه والناسخ من المنسوخ وما إلى ذلك، أما إذا حملنا الآية على ما في كتبهم فالضمائر لا تقبل الانطباق إلا على شخص النبي (ص) والمعنى الأول أظهر بشهادة السياق، وبناء على ما قدمنا تكون التلاوة الحقة قد أخذت بأيديهم إلى الإيمان بالكتاب المتلو أي المقروء.

القسم الثاني: هم الذين لم تنفعهم التلاوة: ويمكن معرفة هذا المعنى من خلال مفهوم الآية إذا أخذنا بقاعدة الاحتباك، وذلك لاهتمامهم بالتلاوة الشكلية التي تعتمد على الحفظ وما يؤول إليه من قواعد القراءة، وأنت خبير بأن هذا العمل قد لاقى انتشاراً واسعاً لدى فئات كثيرة من المسلمين الذين يبذلون أموالاً طائلة من أجل فتح المدارس التي تعنى بهذا الشأن، دون مبالاة بالتفاصيل المنهجية التي يحث عليها الكتاب، وبهذا يكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً... فتأمل ذلك بلطف. 

 

 من كتابي: السلطان في تفسير القرآن

              عبدالله بدر اسكندر   

 

 

 

 

ماذا نعرف عن لغات العالم؟

هناك إحدى عشرة لغة شائعة لدى ٧٨٪ من سكّان العالم في كافّة وسائل التواصل والاتّصال واللّغات هذه هي: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والصينية والروسية والعربية والهندية والهولندية والبرتغالية.

غنيّ عن التبيين أنّ هذه الأرقام في واقع الأمر، هي تخمينية، إذ أنّنا ما زلنا بعيدين جدًّا عن مرحلة معرفة حقيقية ودقيقة لعدد قلبل حتى من لغات العالم، حوالي سبعة آلاف لغة. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلاً، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلّت عام 1975 وفيها حوالي أربعة ملايين من السكّان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالِم اللّغوي المعاصر عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معيّنة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة “البريتون” في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن، بعد قرن من الزمان، ٱنخفض العدد إلى رُبع مليون نتيجة إحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللّغة (Golson, 1966). من ناحية أخرى، نرى أنّ الوضع اللّغوي في آيسلندا مثلاً أكثر أمانًا وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللّغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حيّة وعفوية والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للغة الفنلندية التي يتكلّمها قرابة الستّة ملايين إنسان.

 

بنيةُ اللّغات النحويةُ

من الملاحظ أنّ القسم الأكبر من لغات العالَم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. في بعض اللّغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أنّ تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللّهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقدِ اعْتُقِد في البحث اللّغوي المقارن أنّه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللّغويين المعاصرين من يعتقد أنّ موجة ٱلانقراض اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللّغات الأكثر تعقيدًا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أنّ هذه اللّغات ذات السمات الخاصّة والمعقّدة شبيهة باللّغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. في المقابل، يمكن القول إنّ اللّغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدّثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة، تتّسم بالبساطة واليُسر في نحوها وصرفها (Seely, 2013).

 

عمّا يتمخّض اندثار اللّغة؟

ظاهرة اندثار لغة بشرية ما، لا تعني زوالَ مفردات قليلة أو كثيرة، جزلة أو عادية وصيغ متباينة وتراكيب وأنماط نحوية خاصّة فحسب، بل وفي الأساس تراث ثقافي معين وفلسفة حياة وتاريخ مدوّن وغير مدوّن. إنّ ضياع لغة ما يعني ضياع نافذة معيّنة على العقل البشري وزوال التعدّد اللّغوي يؤول إلى زوال التعدد العقلي إذ إنّ الثقافة تتأثّر باللّغة وتؤثّر في التفكير. وهناك من اللّغويين من يذهب إلى أنّ اللّغة عبارة عن “وسيط بين الفكر والصوت وذلك عبر شروطٍ ما” (ده سوسُّر، ١٩٨٤، ص. ١٣٨). نعم، اندثار لغة ما يعني اندثار فكر وانتماء قومي وروحي وتضعضع هُوية راسخة لدى الفرد والجماعة على حدّ سواء وفقدان الشعور بالقيمة الذاتية (Sapir, 1949, pp. 207-220; Edwards, 1985). إذ أنّ وراء قبيلة صغيرة مثلاً هناك تاريخ طويل حافل بالتراث، يمتدّ لآلاف السنين من التكيّف للمنطقة التي كانت تعيش فيها بخصوص الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية (Woodbury, 1993; Harrison, 2007; Evans 2009). في أستراليا مثلا توجد قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينات من القرن العشرين من التعرّف على أسماء ما يربو عن 600 صنف من النباتات، في حين أنّ هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور (Schmidt, 1990)). وإذا قارنّا الوضع في أيامنا هذه لدى أبناء المدن، بخاصّة في الدول العربية، فقد لا يعرف العربي العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر ذاته ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.

السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللّغة، هل اندثار اللّغة يؤدّي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال وليم شكسبير (1564-1616)؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس يسيرًا  فاللّغة، أية لغة آدمية طبيعية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها، وفي كلّ ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللّغة. في العديد من اللّغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنّف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيّرة وغير متغيّرة، أي بين الثابت والمتغيّر. في ولاية هاواي في غرب الولايات المتّحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيّرة في حين أنّ الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفّر إمكانية الاختيار. هذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلّل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. في الوقت الراهن حيث لا يعرف الجيل الجديد لغته حقَّ المعرفة نرى أنّ الناس قد نسوا أيّة أمور تندرج تحت “المتغير” وأيّها تحت “الثابت”. ما يبقى، في الواقع، ما هو إلّا ظلال باهتة لتلك اللّغة والثقافة في غابر الأيام. في اللّغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيثُ (وهناك التخنيث، إن جاز التعبير هنا، بمعنى مذكّر ومؤنّث) ومن حيثُ العاقلُ وغير العاقل في حين أنّ هذه اللّغة تقسِّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع جموع وأقسام).

 

هيمنة لغة أم تعدّد اللّغات في عصر العولمة

في البداية، كانت هناك لغات لا حصرَ لها، وهيمنة اللّغة الواحدة تاريخيًّا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أنّ اندثار اللّغات ليس أمرًا مُقلقًا إذ أنّ انتشار اللّغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه، باعتبار أنّه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلّما تزايد عدد اللّغات المحكية كلّما صعُب على الإنسان فهمُ أخيه الإنسان وغدا العالَمُ أقلَّ تناسقًا وتناغمًا. على ضوء قصّة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدًا ذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء، وأغضبوا الخالق بذلك، وعليه عاقبهم الربّ قائلاً “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11). بعبارة ثانية، إنّ لغات العالَم هي نتيجة عقاب الله هذا (Harris & Taylor, 1989, pp. 35-45). ويرى علم اللّغة الحديث في النظرية القائلة بأنّ العالَم القديم كان أحاديَّ اللّغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدّد الألسن منذ البدء. في مقدور العقل البشري السيطرة وبيُسر على أربع لغات أو خمس إذا تعلّمها منذ نعومة أظفار الطفل، حيث يكون النظام اللغوي في المخ الأقوى في السنوات القليلة الأولى من حياته.

يبدو أنّ المكان الأمثل لبحث التعددية اللّغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مِساحة فرنسا بقليل وعدد سكّانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلّمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الغالبية الساحقة من هذه اللّغات جدّ مغمورة إذ إنّ لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدّد اللّغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، ويتسنّى للطفل سماعُ خمس أو ستّ لغات وتعلّمها شرطَ أن يكون مصدرُ كلّ واحدة منها ثابتًا. كما وتلعب اللّغات في پاپوا غينيا الجديدة دَورًا جتماعيًّا هامًّّا، فاللّغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته، ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانياتٍ اقتصادية وعسكرية وشخصيةً أيضًا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معيّنة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنّه في منطقة ثنائية اللّغة (bilingualism) تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة واحدة على الأخرى، وهكذا نمت وعظُمت هذه اللّغة المنتقاة وٱحتلت مكان اللّغة الثانية في آخر المشوار. في الوقت نفسه، تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معيّنة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللّغات على حاله تقريبًا، وهذا ما يدعوه اللّغويون بـ “التوازن اللّغوي” (linguistic balance) الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضًا. يُذكر أنّ الجنس البشريَّ في مراحله التاريخية الأولى كان متعدّد اللّغات، أمّا الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا، حيث يتكلّم الناس لغة واحدة فقط، فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.

قد يكون مفيدًا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في آسيا 2197، في إفريقيا 2058، في منطقة المحيط الهادىء 1311، في أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللّغات الميّتة تقريبًا الآن حيث عدد المتكلّمين بها جدّ قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أنّ عدد اللّغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة. ويُذكر أنّ نيويورك ذات أعلى كثافة لغوية في العالم إذ أنّها مركز لعدد كبير من المهاجرين إليها من مختلف أنحاء المعمور (Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007; Moseley, 2012).

 

مصير العربية المعيارية الحديثة

أوّلاً ينبغي التمييز بين أنماط العربية المختلفة عند الحديث عن هذه اللّغة كما أسلفنا. يا تُرى ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic, MSA) في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث والنقاش فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة؟ هل العربية هذه في أزمة حقيقية وما كنهها؟ كانت منظّمة اليونيسكو قد أكّدت أنّ العربية ستكون ضمن اللّغات المرشّحة للانقراض في خلال القرن الراهن. تواجه العربية المعيارية خطرًا حقيقيًّا من مصدرين، من الخارج أي اللّغات الأجنبية لا سيّما الإنجليزية والفرنسية والعبرية ومن الداخل أي اللّهجات المحكية التي لا حصر لها. لا شكّ أنّ الاعتقاد الشائع بأنّ العربية لا يمكن أن تندثر لأنّها لغةُ القرآن الكريم، فهي خالدة (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٧٣-١٧٦) وقد ورد فيه في سورة الحجر، الآية التاسعة "إنا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون" وهذا يحتمل أكثر من معنىً لغويًا وتفسيريًا.

تاريخيًا أمامَنا مثَل جليّ لموت أو سبات لغة طوال سبعةَ عشرَ قرنًا من الزمان تقريبًا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي مقدّس لدى أصحاب تلك اللّغة. هذه اللّغة فريدة في نوعها في تاريخ اللّغات، إذ أنّها أُعيدت للحياة قبل زهاء قرن من الزمان، منذ بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة تضافر عدّة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حيّة تدرّس فيها كلُّ المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنّها العبرية الحديثة التي انبثقت عن عبرية العهد القديم (Biblical Hebrew) التي يرجع تاريخها الأقدم إلى أكثرَ من ثلاثة آلاف عام ومن لغة التوراة الشفوية، المشناة والتلمود (Fellman, 1973; Harshav, 1993, pp. 81-88). المألوف كما هو معروف في علم اللّغة هو تطوّر لهجة محكية في ظروف معيّنة إلى لغة مكتوبة، أما العكس، أي "إحياء" (revival) لغة مكتوبة لتصبح محكيةً فنادر جدًّا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش في إنجلترا التي بُعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد منكلّميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق، قد تنقرض اللّغة، بمعنى أنّها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية في أيّامنا أيضًا (Hinton  & Halle,  2001; Fishman, 2001).

ثم يجب التذكير مثلا أنّ عبرية العهد القديم لا تحتوي على أكثرَ من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون القرن الماضي دخلت واشتُقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. ومن ناحية أخرى، ما في القرآن الكريم، لا يمثّل إلاّ أقلّ من ثُلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيبَ ومعانٍ، كما ذكر مؤخّرًا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، في مؤتمر في القاهرة. يبدو أنّ القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معيّنة يرجع بالأساس إلى أبناء هذه اللّغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى. يعتقد العلماء أنّ أحد السبل لإبعاد شبح الاندثار بالنسبة للّغات هي مواقع التواصل الاجتماعي العاملة بنشاط في عصرنا (Fishman, 1991;  Lenore & Lindsay, 2006). كما وتجدر هنا الإشارة إلى المساهمة الهامّة التي يقدّمها غوغل في هذا الصدد

(http://google-arabia.blogspot.fi/2012/06/blog-; post_25.html)

 وقل الأمر ذاته بالنسبة لدور الشابكة (الشبكة العنكبوتية).

في هذا السياق الراهن للّغة العربية المعيارية الحديثة (MSA) ثمّة عوامل ودلائل غير مشجّعة بالنسبة لمستقبلها، نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدّىان في الغالب الأعم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبًا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، إذ لا إرادة سياسية مستقلّة لهم حتّى الآن وبعد ما سمّي بالربيع العربي الذي سرعان ما انقلب خريفًا أو شتاءً، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كلّ شيء كما قال ابن خلدون (تونس 1382-مصر 1406) “إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء” وقال أيضا “إن غلبة اللّغة بغلبة أهلها، وإنّ منزلتها بين اللّغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم”. ينظر بعض العرب إلى لغتهم بازدراء ما معتبرين إيّاها منحطّة ولذلك يؤثرون استخدام غيرها من اللّغات، الإنجليزية، الفرنسية، العبرية؛ أو في أحسن الأحوال يُقحمون دون مسوّغ الكثير من المفردات والتعابير الأجنبية في كلامهم. من الواضح أنّ ذلك الاحتقار أو النفور لا ينجم من فراغ، إذ أنّ المعلمين والمؤسّسات الرسمية لا تحترم العربية (محمد، ١٩٨٥، ص. ١٦٤-١٦٦). من المعروف أنّ المواضيع العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء إلخ. تُدرَّس في الكثير من المدارس وفي كلّ الجامعات العربية تقريبًا باللّغات الأجنبية أما العربية فتُسمع في حصص التاريخ والجغرافية والعربية وغيرها بالعامية حتّى، وليس بالفصحى إلا لمامًا. والطامة الكبرى أنّ التلميذ العربي منذ المرحلة الابتدائية عليه أنّ يفهم ما يسمع بالعامية أوّلاً وعليه التعبير عن ذلك في الدرس وفي الامتحان بالفصحى وهيهات أن يتسنّى ذلك، في الغالب الأعمّ، لمعلم العربية! أهناك أغرب من هذه الحالة المعروفة جيّدًا ولم تلق الحلّ بعد! هذا الوضع يؤدّي إلى ازدهار ظاهرة الحفظ غيبًا “البصم” سيّئة الصيت والاهتمام الزائد بالمبنى على حساب المعنى (التويجري، ٢٠٠٤).

العربية المعيارية لغة رسمية في خمس وعشرين دولة، اثنتين وعشرين دولة عربية وثلاث دول هي إسرائيل وإريتريا وتشاد ولكن من حيث الشكلُ فقط، إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين وآليات لتنفيذ المكتوب، رغم أنّ أغلب الدول المتقدّمة تتدخّل سياسيًا في مجال اللّغة والتخطيط لها؛ هوّة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعامّيات (diglossia) عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في لغات أخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة جدّ جدّ نادرة فيه، ولا يفوتنا ما قيل بأنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين، حيث معدّل ما يقرأه الفرد سنويًا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابًا وفي إسرائيل مثلاً أربعون، أمّا عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكلّ ثمانين فردًا! أي أنّ نسبة ما يقرأه العربي هو واحد على ثمانين من كتاب ما سنويًا. الميل للتحدّث بالإنجليزية والفرنسية وفي الديار المقدسة بالعبرية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارسَ أجنبية أو مدارس خاصّة ونصيب العربية فيها فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يُقدّمون أُنموذجًا حسنًا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظّمة الأمم المتّحدة وفي محافل دولية أخرى لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للّغة العربية؟ متى يُعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية العربية السورية مثلاً؟ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشياًً مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطوّر دائم وضرورة استخدام التقنيات الحديثة؛ لا بدّ من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها (functional grammar) والابتعاد عن التقعرّ والتعليلات التي تعلّ قلوب الطلاب وعقولهم؛ افتقار شديد لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللّغوية الفادحة في الصحافة الإلكترونية بخاصّة والورقية بعامّة؛ مكانة أستاذ اللّغة العربية بحاجة ماسّة للدعم معنويًا وماديًا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ غياب المدقّق اللّغوي في دور النشر؛ محاولة تقليص نسبة الأمية لا سيّما عند النساء في العالم العربي فهنّ عماد التربية؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدّسة في أعناق وزارات التربية والتعليم وربما المثقّفين أوّلاً. نقول كلّ هذا بالرغم من أنّ العربية تعتبر واحدة من خمس لغات حملت مخزونًا ثقافيًا هامّا جدًّا وهي اللّغات الكلاسيكية: الصينية والسنسكريتية واليونانية واللاتينية (Sapir, 1949, p. 194).

أحيانًا، قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمّل، أهناك أمّة لا تحترم فعلاً لغتَها مثل العرب؟ الصين وكوريا الجنوبية واليابان وغيرها من الدول أمثلة يُحتذى بها في هذا الصدد. حافظتِ اليابان على تراثها اللّغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميّزة ولم تهرول وتلهث لإعلاء شأن اللّغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستُسمع وستُقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلاّت على أنواعها، العشرات من محطّات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال، أربع وعشرون محطّة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخّرًا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو: ماذا سيكون جوهر اللّغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالَم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يُضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمّى بالإرهاب الأصولي الإسلامي من “قاعدة” و”داعش” و “دا” وما يدور في فلكهما في العالَم أو تفاقمه؟ مثقّفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء وأكاديميين وباحثين سيستمرّون في حمل مشعل سلامة اللّغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء وظروف ليست سهلة على العموم. إنّهم سيستمرّون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء كليًّا.

 

 

أصبح الدرس النقدي المعاصر يولي اهتماما متزايدا للخطاب المقدماتي تنظيرا وتجريبا، فقد "صار للمقدمة ـ بوصفها نصا موازيا (paratexte) ـ حيز هام في مجال اشتغال النقد الأدبي"[1]. ولعل من مبررات هذا الاهتمام، ما لحق هذا العنصر التأليفي من إجحاف وإهمال، إذ إن "الدراسات حول النقد القديم غالبا ما اكتفت بمتون المؤلفات النقدية القديمة وتجاوزت مقدماتها، أو جعلتها تنصهر في إطار دراسة المتن برمته في حين أن هذه المقدمات هي مفتاح هذه المؤلفات"[2].

1 – في تعريف المقدمة:

ورد في "لسان العرب"، مادة (قدم)، ما يلي: "قدم: في أسماء الله تعالى المقدَّم: هو الذي يُقدم الأشياء ويضعها في مواضعها، فمن استحق التقديم قدّمه... والقدمُ والقُدْمَة: السابقة في الأمر... ومقدِّمة العسكر وقادمتُهم وقُدامهُم: مقدِّمُوهُم"[3].

بينما يقول الفيروزآبادي: "... مقدمة الجيش، وعن ثعلب فتحُ داله: متقدِّموه، وكذا قادمتُه وقداماهُ، ومن الإبل: أول ما تُنتَج وتُلْقَح، ومن كلِّ شيء: أوّلُه، والناصيةُ، والجبهة"[4].

أما الرازي فيرى أن: "... (المقَدَّم) ضدُّ المؤخَّر، يقال: ضرب مقدَّم وجهه، و(مقدِّمَة) الجيش بكسر الدال أوَّلُه"[5].

تتفق المعاجم الثلاثة على اعتبار المقدمة هي أول كل شيء ومفتتحه، وتأتي نقيضا للمؤخّر كما هو مثبت عند الرازي، ويبدو أن موقع المقدمة أهلها لأن توصف بالوصف السالف الذكر، إذ "تقوم المقدمة على مفارقة غريبة قد لا تتسم بها غيرها من النصوص، ذلك أنها على مستوى المكان تعتبر أول مكتوب، لكنها على المستوى الزمني تكون آخر ما يكتب"[6].

كما تسعى المقدمة إلى تحقيق الوظائف الآتية[7]:

1 – السعي إلى تنبيه القارئ و توجيهه وإخباره بأصل الكتاب وظروفه ومراحل تأليفه ومقصد مؤلفه وهذا ما يمكن ان نصطلح عليه باستراتيجية البوح و الاعتراف ويمكن اعتبارها الوظيفة المركزية  .

2 – أن المقدمة من خلال هذه الاستراتيجية تسعى إلى توجيه القراءة و تنظيمها ، كما تسعى إلى تهيىء القارئ لاستقبال مشروع قيد التحقق سيكون مجاله متن الكتاب  .

3 – قد تتحول المقدمة إلى نوع من الميتالغة للنص المقدم له ، تختزله وتكثفه دون أن أن يعني ذلك أن قراءتها قد تغني عن قراءة المتن ، بل إن قراءة المتن تصير مشروطة بقراءة المقدمة  .

4 – في بعض الأحيان تسعى المقدمة إلى مصادرة الانتقادات التي قد تمس الكتاب وبذلك تتحول إلى خطاب دفاعي حجاجي  .

5 – وفي بعض الأحيان تتحول إلى شرح وتحليل مطولين للعنوان  .

 ومن مسوغات إفراد المقدمة بجزء من البحث والدراسة، ما لهذا الخطاب من أهمية بحكم ارتباطه بمتن الكتاب من جهة، إضافة إلى إسهامه في توضيح جوانب مهمة تضيء للباحث سُبُل التعامل مع المادة المبثوثة بين دفتي الكتاب. ويمكن حصر العناصر السالفة في المركبات القاعدية التالية[8]

ـ الاعتبار التصديري والافتتاحي الذي تمتلكه المقدمة، وهو اعتبار يمنحها سلطة توجيه القراءة.

ـ احتواء المقدمة (وهذا هو المأمول فيها تدقيقا) على تصور المؤلف للكتابة وغايته من التأليف، وتلك سمة مميزة تعين شكل الأطروحة التي تبرزها محتويات نص الكتاب.

ـ انطلاق المقدمة في عرضها لمنهج المؤلف في الدراسة وتحديد أدواته الإجرائية في تمظهرات اصطلاحية لها أهميتها الخاصة في القراءة والتحليل.

ـ تشكل دراسة المقدمة منحى آخر في قراءة العمل الأدبي نفسه، انطلاقا من العلائق الجدلية التي تربط المقدمة بالعمل.

ـ اعتبارا لأهمية الأسئلة التي تبرزها المقدمة، وهي أسئلة عادة ما تلامس جملة من القضايا المرتبطة بتصور الأدب والنقد على حد سواء، ولذلك فإن أسئلة المقدمة وتساؤلاتها الظاهرة منها والضمنية، هي المصدر المنهجي الكامن وراء الهدف من التأليف، ومن ثم فإن الوقوف عند طرائق صوغها أمر أساسي.

 

2 – التعريف بصاحب المقدمة:

لم تعن المصادر بترجمة ابن بسام الشنتريني، فـ"شهرته تغني عن ذكره"[9] كما يقول المقري (1041هـ)، إلا أن إحسان عباس يرى أن ابن بسام "لم يكتب هو ترجمة لنفسه في كتاب "الذخيرة" على عادة بعض مؤلفي كتب التراجم، ولهذا ظلت أخباره وتفصيلاتها غير متيسرة للدارسين"[10]. وعلى الرغم من ذلك سنورد بعض المعلومات التي بإمكانها جلاء الغامض عن حياة ابن بسام.

ورد في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي: "أبو الحسن من أهل الأندلس، له كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ـ يعني جزيرة الأندلس ـ في سبعة أسفار"[11]. وقال عنه صاحب "الأعلام": "علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، أبو الحسن: أديب، من الكتاب الوزراء، نسبة إلى سنترين (المسماة اليوم: santarén) في البرتغال، اشتهر بكتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"... وهو في ثمانية مجلدات، تشتمل على 154 ترجمة مسهبة لأعيان الأدب والسياسة ممن عاصرهم أو تقدموه قليلا"[12].

انطلاقا مما سبق، فإن أبا الحسن علي بن بسام، من أهل شنترين في غرب الأندلس. وقد امتطى صهوة الأدب والتاريخ، فهو "أديب من الكتاب الوزراء"[13] عند صاحب "الأعلام"، وقد "كان ناقدا أديبا متمكنا"[14] في منظور محمد بن عبود، وهو "مؤرخ متزن"[15] عند حسن أحمد النوشي.

أما ما يتعلق بفضائله الخلقية، فإن أول ما يظهر منها ـ حسب منظور حسين خريوش ـ هو "إعراضه عما يخدش الحياء، ويشين الأخلاق، وقد تمثل ذلك في بعض ألوان من الشعر، كان قد استبعدها من كتابه كالهجاء"[16]. وقد أنسانا هذا الكلام تلك الصورة الظالمة التي رسمها آنخل بالنثيا لابن بسام، إذ قال: "ومضى (ابن بسام) يدبج التراجم ويكيل المديح لمن يجزيه عنه بالمال، وكان ذلك أمرا شائعا صنعه ابن خاقان أيضا"[17].

وقد عرف عن ابن بسام كذلك روح الدعابة، وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال هذا النص الوارد في كتاب "الذخيرة"، من خلال حديثه عن الخلط الذي وقع لمعاصريه، بينه وبين علي بن بسام البغدادي، إذ قيل له (ابن بسام الشنتريني): "أنت عليُّ بن بسام حقا؟ قلت: نعم، قال: أو تهجو حتى الآن أباك أبا جعفر وأخاك جعفرا ؟ فقلت له: أنت أيضا عبد المجيد؟ (عبد المجيد بن عبدون) قال: أجل، قلت: وحتى الآن فيك ابن مناذر يتغزل؟ فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر"[18].

وقد توفي ابن بسام بقرطبة، إذ "تأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة  "[19].

 

3 – قضايا التأليف انطلاقا من مقدمة الكتاب:  

3 . 1 -  الديبـاجــة:

تعتبر البسملة والحمدلة والصلاة على النبي أهم العناصر المقررة في التأليف في حضارة الإسلام، بشكل عام. وتتشكل منها في العادة ديباجة الكتاب[20]. وقد أوردها ابن بسام في مقدمة كتابه "الذخيرة" بالترتيب السابق، إذ يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم... أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله "[21].

3 . 2 ـ البعدية: يتجلى دور البعدية في الفصل "بين الديباجة وباقي المقدمة... ب: "أما بعد" أو "بعد"، وهما عبارتان معدتان للانتقال وتؤذنان به إلى الغرض المقصود، ولذلك سميت: "أما بعد" بفصل الخطاب لفصلها الكلام الثاني عن الأول".[22] وللبرهنة على ذلك، يقول ابن بسام في مقدمة "الذخيرة": " أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله"[23].

3 . 3 ـ موضوع الكتاب: يجمع الباحثون على أن موضوع "الذخيرة" لابن بسام، يعد مصدرا لا بديل عنه لمن أراد أن يطلع على أدب المائة الخامسة ويكون على بينة منه، إذ "يتجلى له القرن الخامس الهجري، على نحو واضح من خلال نتاج أهل الأندلس في العلم والأدب"[24]. وقد ترجم محمد رضوان الداية إعجابه بكتاب الذخيرة بقوله: "إنه أهم كتاب أندلسي في تاريخ الأدب على الإطلاق"[25].

بينما يصرح ابن بسام بموضوع كتابه قائلا: " وقد أودعت هذا الديوان... من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم، ما هو أحلى من مناجاة الأحبة بين التمنع والرقبة، وأشهى من معاطاة العقار على نغمات المثالت والأزيار، لأن أهل هذه الجزيرة ـ مذ كانوا ـ رؤساء خطابة، ورؤوس شعر و كتابة"[26].

3 . 4 ـ التصريح بعنوان الكتاب:

تنامى الاهتمام بالعنوان، باعتباره عتبة من العتبات، إذ "لا يمكن الولوج إلى عالم النص، إلا بعد اجتياز هذه العتبة، إنها تمفصل حاسم في التفاعل مع النص"[27]. وقد صرح ابن بسام بعنوان كتابه قائلا: "وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته بـ "كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" من عجائب علمهم وغرائب نثرهم ونظمهم"[28].

فالذخيرة مأخوذة من الجذر (ذخر) ف " اذخره: اختاره، أو اتخذه. والذخيرة: ما اذخر"[29]. فالكتاب إذن، عبارة عن مختارات اذخرها الكاتب لكي يطلع عليها القراء والمهتمون .

وقد وصف ابن بسام كتابه بأوصاف أخرى ، ورد أغلبها في المقدمة، و هي:

* المجموع: مثل قوله: "وعدت أن ألمع في هذا المجموع، بلمع من ذكر البديع"[30].

* الكتاب: نحو: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء"[31].

* الديوان:مثل قوله: "وهذا الديوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل ، وأمنية لم يكن منها حول ولا حوال"[32].

* التصنيف: مثل قوله: "وسينخرط في سلك ما أوشح به هذا التصنيف، من تلخيص التعريف بأخبار ملوك الجزيرة، وسرد قصصهم المأثورة"[33].

3 . 5 ـ تصميم الكتاب:

يشمل التصميم "بيان كيفية الكتاب من التبويب والتفصيل"[34] إذ قسم ابن بسام كتابه إلى أربعة أقسام هي:

* القسم الأول: خصه: "لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد متوسطة الأندلس"[35].

* القسم الثاني: أفرده ابن بسام "لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي"[36].

* القسم الثالث: يقول ابن بسام متحدثا عن هذا القسم: "ذكرت فيه أهل الجانب الشرقي من الأندلس، ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك"[37].

* القسم الرابع: يقول صاحب " الذخيرة": "والقسم الرابع أفردته لمن طرأ على هذه الجزيرة في المدة المؤرخة (المائة الخامسة) من أديب شاعر،و آوى إلى ظلها من كاتب ماهر، واتسع فيها مجاله، وحفظت في ملوكها أقواله، ووصلت بهم ذكر طائفة من مشهوري أهل تلك الآفاق، ممن نجم في عصرنا بأفريقية والشام والعراق"[38].

3 . 6 ـ تسمية المؤلف:

إن التصريح باسم المؤلف يعد محمدة ومكسبا للتأليف والتحقيق معا ، فقد تساءل الأستاذ عباس ارحيلة قائلا: "كيف يمكن الأخذ من كتاب يجهل مؤلفه؟"[39]. وهو تساؤل مشروع، لأن التصريح باسم المؤلف يضفي الشرعية على الكتاب، وقد سار ابن بسام في هذا الاتجاه فقال في مقدمة كتابه: "قال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي، رحمه الله"[40].

3 . 7 ـ الأعمال السابقة في الموضوع:

تبرز شخصية ابن بسام، حين لا يجد حرجا في التصريح بمن سبقه إلى التأليف في موضوع الترجمة لأهل أفقه، فقال: "إذ كان ابن فرج الجياني  قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي من الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه " كتاب الحدائق" معارضا لـ "كتاب الزهرة" للأصبهاني ، فأضربت أنا عما ألف ولم أعرض لشيء، مما صنف"[41].

وعلى الرغم من اعتراف ابن بسام بريادة ابن فرج الجياني وسبقه في قوله: "وابن فرج هذا ممن تقدمني في نشر محاسن أهل هذه الجزيرة، وإظهار خبايا فضائلهم المشهورة"[42].

إلا أنه أضرب عما ألف ابن فرج في كتابه المذكور، مما جعل أحد الباحثين يعتبر كتاب "الذخيرة" لابن بسام كالذيل على كتاب "الحدائق" لابن فرج"[43]. وهو الرأي نفسه في مقدمة التحقيق، حيث يقول إحسان عباس: "وهو (ابن بسام) لا يزمع أن يكرر ما احتواه كتاب "الحدائق" لابن فرج الجياني، وإنما يريد أن يجعل كتابه ذيلا للحدائق"[44].

3 . 8 ـ الأمانة العلمية: التوثيق والعزو:

يروم هذا المحور الحديث عن المصادر التي اعتمدها ابن بسام أثناء تأليفه كتاب "الذخيرة"، وهي مصادر متنوعة ومتعددة ؛ متنوعة من حيث توزيعها الجغرافي: (مشرقية، أندلسية...)، ومتعددة كذلك من حيث طبيعتها: (رواية، حفظ...).

أ ـ التوزيع الجغرافي للمصادر:

اعتمد ابن بسام مثل غيره من اللاحقين على أدب السابقين من المشارقة، فقد أبرز تحقيق إحسان عباس عددا منها مثل: "أخبار بغداد لابن طاهر طيفور، ومؤلفات ابن قتيبة، وأخبار أبي تمام للصولي... وفي هذه الناحية يتجلى اعتماده على ما حفظه من شعر المتنبي والمعري وأبي تمام والصنوبري وغيرهم"[45].

أما المصادر الأندلسية، فتشمل: "الحدائق لابن فرج... وكتاب الهادي إلى النسب العبادي للفضل بن علي بن حزم وحديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح للوزير أبي عامر بن مسلمة والبديع في فصل الربيع لحبيب، والحديقة لأبي عامر بن مسلمة، وديوان المعتضد بن عباد..."[46].

ومن نماذج تصريح ابن بسام بمصادره، قوله: "قال أبو علي بن رشيق في كتاب "العمدة"..."[47]. وقوله: "ولابن رشيق عدة تواليف في النظم والنثر... ككتابه المترجم ب"العمدة" و"كتاب الأنموذج" إلى عدة رسائل رائقة وبدائع فائقة"[48].

وقد عول ابن بسام على تاريخ ابن حيان(469هـ) أثناء استحضار الأحداث والوقائع، ويتضح ذلك من خلال قوله: "وعوَّلتُ... على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصوله ونقلتُ جُمَلُه وتفاصيله"[49].

ب ـ طبيعة المصادر:

تتحدد طبيعة هذه المصادر في الإملاءات التي أملاها عليه بعض الأدباء أو مراسلاتهم، أو ما استعاره من عندهم من مسودات وتعاليق ورقاع، أو ما قيّده من روايات أناس يثق فيهم... وغيرها[50].

وسنعرض نماذج لهذه المصادر كما يأتي:

* الحفظ: مثل قوله: "فإذا أعوزني كلامه، وعزّني سرده ونظامه، عكفتُ على طللي البائد، وضربتُ في حد يدي البارد على حفظ قد تشعّب وحظٍّ من الدنيا قد ذهب"[51]. أو قوله: "وأنا أنشد في هذا الموضوع بعض ما تعلق من ذلك بحفظي، ووقع في شرك صدري"[52].

* الرواية: مثل قوله: "أخبرني الفقيه أبو بكر بن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال..."[53]. أو قوله: "حدثني من أثق بخبره"[54].

* الإنشاد: نحو قوله: "أنشدني (المنيشي الإشبيلي) لنفسه من جملة قصيدة"[55].

* الرقاع: مثل قوله عن ابن دراج: "فصل له من رقعة"[56].

لا جرم أن متصفح هذا المحور سيعترض علينا، لأن أغلب النصوص المستشهد بها، هي من داخل المتن وليس من المقدمة، ولعل ما يبرر هذا الخرق المنهجي هو كون العلاقة بين المقدمة والمتن علاقة وطيدة، فموقعها يؤهلها لنسج علاقة خاصة مع المتن فقد يلخص فيها المؤلف ما بسطه في المتن أو قد يصيرها تنظيرا والمتن تطبيقا.

3 . 9 ـ المنهــج:

يلعب المنهج دورا حاسما في فك معمّى النص أو النصوص، لذا "يتولى المؤلف بيان منهجه، فيكون ذلك هو المدخل السليم لقراءة الكتاب، ووضعه في إطاره الصحيح"[57]. ويتفرع المنهج عند ابن بسام إلى مناهج متعددة هي:

 أ ـ تقسيم الكتاب:

أشرنا آنفا إلى أن ابن بسام قسم كتابه إلى أربعة أقسام، تبعا للمناطق الجغرافية، ويكون بذلك قد "اصطنع المنهج الإقليمي في كتابه "الذخيرة" مقتفيا طريقة الثعالبي في كتابه "يتيمة الدهر" الذي قسمه إلى أربعة أقسام"[58].

وقد صرح ابن بسام بمعارضته لمنهج الثعالبي في قوله: "وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور، في تأليفه المشهور، المترجم ب"يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر""[59]. إلا أن هذا الائتساء بأبي منصور الثعالبي ـ كما يقول حسين خريوش ـ لم يجعل ابن بسام صورة من صور الثعالبي، فابن بسام كان قوي الشعور بشخصيته، وأنه كان له مزاياه في التأليف، ومنهجه في الاستقلال، فهو وإن كان حاكى الثعالبي في منهجه، لم يبقه على صورته، كما وضع الثعالبي أصوله الأولى، بل استطاع أن يتجاوز أفق الثعالبي ومنهجه[60].

ولعل هذا ما عناه ابن بسام بقوله: "وقد أثبت أيضا آخر هذا القسم طرفا من كلام أهل المشرق، وإن كانوا لم يطرأوا على هذا الأفق، حذو أبي منصور الثعالبي؛ فإنه ذكر في يتيمته نفرا من أهل الأندلس فعارضته أو ناقضته، والأدب ميدان يليق به المِتاح، ويستحسن فيه الجِماح"[61].

ب ـ الفترة الزمنية:

يقول ابن بسام متحدثا عن الفترة الزمنية للمترجم لهم: "ولا تعدّيتُ أهل عصري، ممن شاهدته بعُمري، أو لحِقه بعض أهل دهري"[62]. وقد وصل ما انقطع من كلامه بقوله: "وتخللتُ ما ضمنتُه من الرسائل والأشعار، بما اتصلَتْ به أو قيلتْ فيه من الوقائع والأخبار، واعتمدتُ المائة الخامسة من الهجرة"[63]. ويقول في مقام آخر: "وقد كتبتُ لأربابِ هذا الشأن، من أهل الوقت والزمان، محاسن تبهرُ الألباب، وتسحَرُ الشعراء والكتّاب، ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية"[64].

يتضح من خلال النصوص السالفة أن ابن بسام ألف كتابه ليجعله خاصا بأدباء عصره، فلا يذكر منهم إلا من أدركه بنفسه أو أدركه بعض معاصريه[65]. إضافة إلى أنه ضمّن كتابه: "محاسن أدباء الأندلس من بُعيد الدولة المروانية إلى عصره، فهو صلة لكتب سلفت في الدولتين المروانية والعامرية"[66].

ج ـ منهجه في التعامل مع الأخبار والأشعار:

يقول ابن بسام: "وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور، لا ميدانُ بيان وتفسير، أوردُ الأخبارَ والأشعارَ لا أفكُّ معمَّاهَا، في شيء من لفظها ولا معناها؛ لكن ربما ألممت ببعض القول، بين ذكر أُجريه، ووجه عذر أريه"[67].

3 . 10 ـ بواعـث التـأليف:

تتحدد بواعث تأليف كتاب "الذخيرة" في مجموعة من العناصر، منها ما هو أدبي، ومنها ما هو جغرافي، ومنها ما هو خلقي كذلك.

أ ـ الباعث الأدبي:

فالباعث الأدبي يتجلى في رغبة ابن بسام تخليد آثار أهل أفقه. يقول معبرا عن هذه الرغبة: "وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القَصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيبَ مكاسر وصفاءَ جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعبَ الدُّجى بجفون المؤِرّق، وحدوا بفنون السّحر المنمَّق، حداء الأعشى ببنات المحلّق؛ فصبوا على قوالب النّجوم، غرائب المنثور والمنظوم؛ وباهَوْا غُرَر الضُّحى والأصائل، بعجائِب الأشعار والرّسائل"[68].

ب ـ الباعث الجغرافي:

أما الباعث الجغرافي فيتمثل في معاتبة أهل الأندلس، لارتمائهم في أحضان أدب الشرق، وإهمال ما لديهم من غُرر تضاهي ذلك الأدب. يقول ابن بسام: "إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنَّ بأقصى الشام والعراق ذُباب، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما.. فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمع ما وجدتُ من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري... وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخصّ أهل المشرق بالإحسان؟"[69].

لا جرم أن هذا الكلام يقدم دليلا على تحكم النزعة الأندلسية في منظور ابن بسام للأدب.

ج ـ الباعث الخلقي:

يشكل الباعث الخلقي جانبا من جوانب قوة المعيار الخلقي في النقد عند ابن بسام، إذ يقول: "وما قصدت به (كتاب الذخيرة) ـ علم الله ـ الطعن على فاضل، ولا التعصب لقائل على قائل، لأن من طلب عيبا وجده، وكلٌّ يعمل باقتداره، وبجهد اختياره، وما أُغفل أكثرُ مما كتب وحصِّل، والأفكار مُزن لا تنضبُ ونجوم لا تغرُب"[70].

3 . 11 ـ معاناة التأليف:

إن التأليف ـ وما يتعلق به ـ لا يخلو من صعوبات جمّة، سواء قبل التأليف أو بعده، ولعل من أشكال هذه الصعوبات، صعوبات الذات والمكان والزمان وغيرها.

يقول ابن بسام متحدِّثا  عن صعوبات الذات والزمكان: "وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامِد الذكاء، بين دهر متلون تلوّن الحرباء، وقيمة كل أحد ما لَهُ، وأسوة كل بلد جُهاله"[71]. كما أشار ابن بسام إلى ما عاناه أثناء جمع تفاريق الكتاب، منبها إلى ما قد يشوب تأليفه من سهو أو زيغ، فقال: "ولعلَّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرتُ خاملا وتركتُ مشهورا، وعلى رسله فإنما جمعته بين صعب قد ذل، وغرب قد فلّ، ونشاط قد قلّ، وشباب ودّع فاستقلّ، من تفاريق كالقرون الخالية، وتعاليق كالأطلال البالية، بخط جُهال كخطوط الرّاح، أو مدارج النّمل بين مهاب الرياح، ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف..."[72]. إلى أن يقول: "على أن عامة من ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارا موضوعة، ولا أشعارا مجموعة، تفسح لي في طريق الاختيار منها، إنما انتقدتُ ما وجدتُ، وخالستُ في ذلك الخمول، ومارستُ هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل"[73].

3 . 12 ـ حضور المتلقي/ القارئ:

يهدف كل كاتب إلى إبرام نوع من التعاقد الصريح أو الضمني مع قارئه أو متلقي خطابه[74] . فالمقدمة خطاب موجه إلى القارئ، خطاب يستحضر هذا المتلقي، خطاب توجيهي تربوي... ويسعى المؤلف، من خلال المقدمة أن يدخل في حوار مع القارئ، ينصحه وينبهه ويوجهه... وقد يدعو القارئ إلى أن ينظر بعين الرضا ويتجاوز عن الخطأ والنسيان[75]. يستحضر ابن بسام المتلقي/ القارئ في قوله: "ولعلّ بعض من يتصفحه سيقول: إني أغفلتُ كثيرا، وذكرت خاملا وتركت مشهورا، وعلى رِسلِه، فإنما جمعتُه بين صعب قد ذل وغرب قد فلّ"[76]. ولعل فعل "التصفح" كاف للدلالة على عمق رؤية ابن بسام النقدية للطرف الثالث للعملية الإبداعية / التأليفية، كما نلمح حضور المتلقي في قول صاحب "الذخيرة": "وأغنيتُ عن الغائب بالشاهد، وتغلغلتُ بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النَّور والزَّهر"[77].

3 . 13 ـ الإهداء:

يوجه ابن بسام الخطاب إلى المهدى له بقوله: "إلى أن طلع على أرضها شهابُ سَعدها وتمكينها، وهبّت لها ريحُ دنياها ودينها، ونفخ فيها روح تأميلها وتأمينها، ملك أملاكها، وجديل حكّاكها، وأسعدُ نجوم أفلاكها؛ "فلان" ثمال المظلوم، ومالُ السائل والمحروم؛ ومحيي العلم، ومربعُ ذويه وحامليه، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه..."[78].

ومما يلاحظ بخصوص هذا الإهداء، عدم تصريح ابن بسام باسم المُهدى له، بل اكتفى بالإشارة إليه بكلمة "فلان". وقد علق محقق الكتاب على هذا المنحى بقوله: "لم يسمه هنا، ولعله سير بن أبي بكر الذي تولى إشبيلية في فترة تأليف الذخيرة، أو لعله أبهم اسمه ليتمكن من تقديم كتابه إلى غير واحد من أمراء عصره، فيثبت في كل نسخة اسما غير الذي أثبته في الأخرى"[79].

يبدو أن المحقق قد غالى كثيرا في تقدير سبب عدم التصريح باسم المُهدى له، إذ إنه لم يعرف عن ابن بسام أنه خدم أحدا من أمراء عصره، أو تطفل على موائدهم أسوة بمعظم زملائه من كُتَّاب العصر وأدبائه.

  1. 14 ـ دعاء الاختتام:

يرى الأستاذ عباس ارحيلة أن دعاء الاختتام "قد يرد في بداية الكتاب... وقد يرد في وسط المقدمة، ولكن الدعاء عادة ما يرتبط بنهاية المقدمة في التصانيف"[80].

فقد ورد دعاء الاختتام في نهاية مقدمة كتاب "الذخيرة" بهذه الصيغة: "وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل لا إله سواه"[81].

  

د. محمد أبحير - باحث في أدب الغرب الإسلامي

..................

لائحة المصادر و المراجع :

  • الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980 .
  • ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984 .
  • تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بالنثيا ،ترجمه: حسين مؤنس، ط1، 1955 .
  • تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ، مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981 .
  • ترتيب مختار الصحاح، الرازي، حققه: شهاب الدين أبي عمر، دار الفكر، بيروت، 1992 .
  • التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992 .
  • الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني، محمد بنعبود ، ضمن معرض مثلث الأندلس، مؤسسة التراث الأندلسي، غرناطة، 2003 ـ 2004 .
  • الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، الجزء: 47 / المجلد: 12، 2003 .
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني ، حققه: إحسان عباس، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 .
  • فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين، د. مصطفى الزباخ ، ط:1، الدار العالمية للكتاب، الدار البيضاء، الدار العالمية للطباعة والنشر، بيروت، 1987 .
  • القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ضبطه وحققه: يرسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت .
  • لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر/ دار صادر، بيروت
  • مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 .
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون .
  • مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، الجزء: 2/المجلد: 1، 1999 .
  • مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط: 1،2003 .
  • من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ الجزء:35/ المجلد:1، ـ2004 .
  • نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط: 5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986 .
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968 .

  

 هوامش

[1]  الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر ، ضمن علامات في النقد، ج: 47 / مج: 12، 2003م، ص: 626.

[2]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم،عبد الرزاق بلال ، ضمن جذور، ج: 2/مج: 1، 1999م، ص: 358.

[3]  لسان العرب ، 12 / 465 و468.

[4]  القاموس المحيط ، ص: 1034.

[5]  ترتيب مختار الصحاح ، ص: 632 و633.

[6]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم ، ص: 358.

[7]  مدخل إلى عتبات النص ، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم ، عبد الرزاق بلال ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 2000 ، ص : 51 و 52

[8]  عتبات النص: البنية والدلالة، عبد الفتاح الحجمري ،  ط1، منشورات الرابطة، 1996م، ص: 40  و 41.

[9]  نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، المقري: حققه: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1968م، 3 / 485.

[10]  الذخيرة ، مقدمة التحقيق، ص: 5.

[11]  معجم الأدباء، ياقوت الحموي ، سلسلة الموسوعات العربية، مطبوعات المأمون، 12 / 275.

[12]  الأعلام، خير الدين الزركلي ، ط5، دار العلم للملايين، بيروت، 1980م، 4 / 266.

[13] الأعلام ، 4 / 266.

[14]  الحضارة الأندلسية بين الخصوصية والتراث الإنساني ، ص : 45.

[15]  التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي، د. حسن أحمد النوشي ، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص: 48.

[16]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، د. حسين خريوش، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1984م، ص: 11.

[17]  تاريخ الفكر الأندلسي: ص: 289.

[18]  الذخيرة، 1 / 119 و 120.

[19]  نفح الطيب، 3 / 458.

 [20] مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع ، د عباس ارحيلة: ، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش ـ ط : 1،2003، ص : 83.

[21]  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، 1/19.

[22]  مقدمة الكتاب، ص:101.

[23]  الذخيرة ، 1/19.

[24]  ابن بسام وكتابه الذخيرة ، ص:252.

[25]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس ، د محمد رضوان الداية ،  مؤسسة الرسالة ـ ط:2 ، 1981م ، ص:390.

[26]  الذخيرة ، 1/21.

[27]  من النص إلى العنوان، محمد بوعزة ، ضمن علامات في النقد ـ ج:35/ مج:1، ـ2004م ، ص:408.

[28] الذخيرة ، 1/21.

[29]  القاموس المحيط ،  ص:357.

[30]  الذخيرة  ، 1/24.

[31]  نفسه ، 1/ 24.

[32]  نفسه ، 1/ 25.

[33]  نفسه ،1 / 38.

[34]  مقدمة الكتاب ، ص : 109.

[35]  الذخيرة ، 1 / 27.

[36]  نفسه ، 1 / 29.

[37]  نفسه ، 1 / 31.

 [38] نفسه ، 1 /  32 و 33.

[39]  مقدمة الكتاب ، ص: 116.

[40]  الذخيرة ، 1 / 19

[41]  نفسه ، 1 / 20

[42]  نفسه ، 2 / 113.

[43]  تاريخ آداب العرب ، 3 / 299.

[44]  الذخيرة، مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[45]  نفسه، ص: 9.

[46]  نفسه، ص: 8

[47]  الذخيرة، 6 / 642.

[48]   نفسه، 8 / 381.

[49] نفسه ، 1 / 24.

[50]  انظر مقدمة التحقيق ، ص: 7.

[51]  الذخيرة، 1 / 24.

[52]  نفسه، 2 / 603.

[53]  نفسه، 2 / 470.

[54] نفسه، 3 / 209.

[55]  نفسه، 3 / 115.

[56]  نفسه، 1 / 58.

[57]  مقدمة الكتاب، ص: 126.

[58]  : فنون النثر الأدبي بالأندلس في ظل المرابطين ، ص: 335.

[59]  الذخيرة، 1 / 34.

[60]  ابن بسام وكتابه الذخيرة، ص: 279.

[61]  الذخيرة، 7 / 9  و 10.

[62]  نفسه  ، 1 / 20.

[63]  نفسه، 1 / 23 و 24.

[64]  نفسه، 1 / 20.

[65]  انظر: نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، د. أمجد الطرابلسي ، ط5، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986م، ص: 119 و 200.

[66]  تاريخ النقد الأدبي في الأندلس، ص: 372.

[67]  الذخيرة، 1 / 23.

[68]  الذخيرة، 1 / 19.

[69]  نفسه، 1 / 19 و20.

[70] الذخيرة، 1 / 22 ، 23.

[71]  نفسه، 1 / 24.

[72]  نفسه، 1 / 22.

[73]  نفسه، 1 / 22.

[74]  مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم، ص: 364.

[75]  انظر: مقدمة الكتاب ، ص: 155 وما بعدها.

[76]  الذخيرة، 1 / 22.

[77]  نفسه، 1 / 23.

[78]  نفسه، 1 / 25 و 26.

[79]  نفسه، 1 / 26، الهامش رقم: 2.

[80]  مقدمة الكتاب ، ص : 113.

[81]  الذخيرة ، 1 / 35.

 

 

ملخّص: هذه محاولة لتسليط الضوء على ظاهرة قديمة وحديثة اسمها انقراض (اندثار، موت) اللّغات ونادرًا ما يعرف المثقّف العربي عنها شيئًا ذا بال. يعود اهتمامي بهذا الموضوع إلى عقد من الزمان تقريبًا، إثر مطالعتي لمقالة قصيرة بالفنلندية. شهدت نهاية القرن الماضي اهتمامًا عالميًا ملحوظًا بهذه الظاهرة نتيجةً لوتيرة متسارعة في عملية اندثار اللّغات، موت لغة كل أسبوعين. هذا يعني أن نصف لغات العالم، ٣٥٠٠ لغة، ستندثر حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.

طُرحت في هذه المقالة مجموعة من الأسئلة والمواضيع ونوقشت في خلال فترات متنوّعة بناءً على مصادرَ أجنبية بمعظمها ذُكرت في النهاية لمن يودّ الاستزادة والتعمق في هذا المجال. هذا الموضوع لم يحظ حتى الآن بما يستحقّه من بحث وتحليل باللّغة العربية. ما تعريف اللّغة المنقرضة؟ ما هي العوامل الداخلية والخارجية المؤدية في آخر المطاف إلى هذا الانقراض؟ قد يكون لهذا الانقراض نفس نتيجة الانتحار أو القتل وهو بمثابة إفقار حضارة عمرها قرون من الزمان (Denison, 1977، المسدي، ٢٠١١).

من المحزن التنويه بأنّ هذا الانقراض يحدث عادة للشعوب الفقيرة والنامية، والتي تكون بالطبع في أمسّ الحاجة لمواردها الثقافية وعلى رأسها اللّغة من أجل البقاء. أتينا بقائمة مختارة من اللّغات المحتضرة في مناطقَ مختلفة في العالَم. لماذا يتوقّف استعمال لغة معيّنة أو لماذا يهجرها متحدّثوها الأصليون ويتحدّثون بلغة أخرى؟ كما هي الحال لدى معظم العرب الفلسطينيين في إسرائيل. أين يكمن التهديد الشديد بالاندثار؟ما العمل من أجل الحفاظ على هذه اللّغات؟ هل إحياء اللّغة ممكن وكيف؟ ما دَور نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية في غضون القرون الماضية؟ أهناك علاقة بين اندثار لغة ما وبنيتها النحوية _ فاعل ففعل فمفعول به؛ فاعل فمفعول به ففعل؛ فعل فمفعول به ففاعل؛ ومفعول به ففاعل ففعل؟ أو هل ثمّة صلة بين التعقيد اللغوي والانقراض؟ ما المقصود بالتوازن اللغوي؟ ما مصير اللّغة العربية المعيارية الحديثة (Modern Standard Arabic = MSA)، مثلاً بعد نضوب النفط العربي؟كيف ستكون طبيعة العربية الفلسطينية في إسرائيل في نهاية هذا القرن فيما إذا استمرّت موجة العبرنة والتعبرن وتفاقمت؟ بعض الاقتراحات والتوصيات من أجل الحفاظ على العربية في الديار المقدّسة بخاصّة (مواسي، ٢٠١٣؛ عطالله، ٢٠٠٤).

 

اللّغة عامّة واللّغة المنقرضة

إن أوضحَ ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللّغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ابن رشد، ١٩٩٤، ص. ٩٢, Firth, 1966, pp. 19-23). من قبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر ما بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغةُ أروع أداة ٱخترعها الإنسان (Pinker, 1994) وهناك من يذهب إلى أن اللّغة من صنع إلاهي، إلهام لا اصطلاح (ابن جني، ١٩٥٢، ص. ٤٠-٤٧) قبل مليون سنة تقريبا وبُدِیء بالكتابة بها قبل خمسة آلاف عام (الكك وعلي، ١٩٧٢، ص. ٢٨-٣٠, Harald, 2004). يُعرِّف اللغويون عادة "اللّغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقلُّ من ألف إنسان (Denison, 1977; Brenzinger, 1992; Dorian, 1981; Dixon, 1997; 2002; Crystal, 2002; Harrison, 2007; Kaaro, 2009; Harrison, 1977; Crystal, 2002 ;Brenzinger, 1992). تواجه معظمُ لغات العالم في عصر العولمة ضغطًا شديدًا بسبب هيمنة العولمة واللّغات العالمية الأساسية، الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية (Crawford ed., 1992;  Crawford, 1992).

97% من سكّان العالم الموزّعين على أكثرَ من مائتي دولة مستقلة يتكلّمون 4% فقط من اللّغات و96% منها لا يتكلّمها سوى 3% من سكّان المعمور. كلّ أسبوعين تندثر لغة وذلك إثر فترة من الذبول جرّاء وفاة آخر ناطقيها (Evans, 2001). في غضون القرون الخمسة الأخيرة اختفى نصف لغات العالم. وبموت اللّغة يموت نمط معين من الثقافة وفهم للعالم كان قد تبلور عبر القرون (Dalby, 2003). هذا الموت قد يحدث تدريجيًّا، أو من أسفل إلى أعلى أي انحطاط اللّغة لدى ناطقيها أو بالعكس من أعلى إلى أسفل أي جرّاء سياسة حكومية وقوانين دولة، وقد يكون الموت راديكاليًّا، أي إثر عملية تطهير عرقي (Denison, 1977). أكثر حالات الموت اللغوي شيوعّا هي عندما يصبح شعب ما ثنائيَّ اللّغة (bilingual) ويفضّل استعمال لغة الحاكم متأثرًا بثقافته ثم يُهمل بالتدريج لغة أمّه. بعبارة وجيزة، أية لغة يهجرها اللّسان مصيرها إلى الزوال. يُجمع معظم اللغويين أنه بانقضاء القرن الحادي والعشرين سيندثر قرابة نصف لغات العالم. الإنسان، سيّد اللّغة، لا يفقد لغته لأنّ الآخرين ينتزعونها منه، بل لأنه ينقطع عن الاهتمام بها، أي عدم استعمالها وتطويرها وتكييفها مع مستجدّات العصر. في اللّغة أكثرُ مما يستطيع الإنسان استعمالَه، ولذلك لها حياتها وفيها ارتفاع وهبوط، مدّ وجزر، دون انقطاع.

تعود بدابة الاهتمام البحثي بظاهرة انقراض اللّغات إلى بداية تسعينات القرن الماضي. ظاهرة اندثار لغات الأقليات تثير قلقًا ملحوظًا ليس في أوساط اللّغويين وعلماء الإنسان فحسب بل ولدى كلّ من يهتمّ بحقوق الإنسان وبالهُوية الثقافية للشعوب في خضمّ تبلور ثقافة معولمة (Nettle & Romaine , 2000).

 

لمحة عن لغات في العالم

يُقدَّر عدد اللّغات في العالَم بقرابة سبعة آلاف (Ethnologue. Retrieved, 22.03.2012 12-03-22) وهي موزّعة بالنِّسَب التالية: في آسيا 32%، في إفريقيا 30%، في المحيط الهاديء 19%، في الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4% (Asher & Moseley, 2007). تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيثُ عددُ الناطقين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يُدهَش القارىء العربي لغياب اللّغة العربية عن هذه اللائحة، إذا علمنا بأنّ عدد العرب يصل اليوم إلى 400 مليون تقريبًا، وعليه فالعربية يجب أن تتبوّأ المرتبة الثانية قبل الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلاً بشأن المقصود من لفظة “العربية”، أهي العربية الحديثة المعيارية (MSA) أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية الحديثة التي هي، في الواقع، لغةُ الأم بالنسبة للعرب. العربية المعيارية المعاصرة، كما هو معروف للجميع، ليست لغةَ أمّ طبيعية بالمفهوم العادي للمصطلح بالنسبة لأي إنسان عربي، والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني والسوداني إلخ. لا بدَّ من التنويه بأنّه لا ذِكرَ للفظة “عربي" في جوازات السفر أو الهويّات الشخصية العربية، اللهمّ، على الأقل، باستثناء هويّات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية المليون ونصف الملبون نسمة حتى السنوات الأخيرة الماضية.

ثمّة ألفاظ فضفاضة لا طائلَ تحتها مثل "اللّغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللّغة وما قد يوحّدُ بعضَهم لغويًّا هو ما يُسمّى بلغة بين بين، اللّغة الوسطى، اللّغة المشتركة، لغة المثقفين. ولا توجد إحصائيات دقيقة يعوَّل عليها بالنسبة لعدد أو نسبة المسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي، الذي هو بدوره، لا يمكن تسميتُه بلغة أمّ عادية (فريحة، ١٩٥٩، إبراهيم، ١٩٧٠؛ شاهين، ١٩٨٨، ص. ٢١٥-٢٣٠).

قبل أكثر من عقد من السنين نشرت منظمة اليونسكو، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO = The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation) بحثًا من تسعين صفحة بعنوان ”أطلس لغات العالم الموجودة في خطر الاندثار” وتأتي في المقدمة لغات في القارتين، أمريكا وأستراليا ( Uhlenbeck, 1991; Wurm, 1996; Moseley, 2012).

مما يجدُر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدًّا من اللّغات، أقلّ من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلاً معيّنًا على الشبكة العنكبوتية. تتصدّر الإنكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدًّا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أمّا العربية فمرتبُتها أقلُّ من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أنّ نسبة عدد العرب تصل إلى حوالي 4.5% من سكّان العالم.

 

أزمة ثقافية

هنالك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أنّ نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في حالة تهديد حقيقي للاندثار، لأنّ عددََ الأولاد المتحدّثين بتلك اللّغات في تناقص شديد ومستمرّ، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللّغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللّغة هو moribund المأخوذ من اللّغة اللاتينية moribundus من الفعل mori

أي “يموت” (http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=mori&searchmode=none).

نعم، تطوّر اللّغات المستمرّ هو أمر حتمي وطبيعي وغالبًا ما نجهل كنهَه اجتماعيًا ونفسيًا، بل وبعضها ينقرض أحيانًا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحيّة كحيوانات وطيور قدِ انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات، إلّا أنّها، في واقع الأمر، عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلّم وسلوكه ولا وجودَ لجينات في اللّغة. ومن هذه الكائنات الحيّة طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، لكنّه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر، ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كلّ منهما أربع أصابع، كان قد ٱنقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. تُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية المستمدّة من البرتغالية doudo بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، “دقّة قديمة” http://www.etymonline.com/index.php?allowed_in_frame=0&search=dodo&searchmode=none).

في البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمرّ حتى العام 1822، أما في المكسيك، متعدّدة اللّغات والثقافات، فقد بلغ عدد "الوفيّات اللّغوية" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً.

 

فذلكة حول لغات منقرضة

المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللّغات السامية التي تُعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها، الأشوري والبابلي، والأوغاريتية، وجيعز-جئز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية وابنتها البونيقية والأمورية ولغات أخرى كالغوطية والإتروسكانية والإيبيرية والسومرية والحتية والهيروغليفة. وذاك المصير ينسحب أيضًا على لغات في عصرنا هذا، مثل بعض اللّغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللّغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا (Krauss, 1992).

ثمّة من يعتقد أن اللّغة اللاتينية قد لفظت أنفاسها الأخيرة لأنIها غيرُ محكية حاليًّا، إلّا أنّها في الواقع، لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، فكلّها متحدّرة من اللاتينية الأمّ. أضف إلى ذلك أنّها موثّقة جيّدًا. يحلو لبعض الباحثين تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها رغم الاختلاف الجوهري بينهما؛ فللعربية المعيارية المعاصرة مكانتها ومجالاتها وللهجات استعمالاتها اليومية. من اللّغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة تتار القرم المسلمين ولغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تشكّل إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا (Edwards, 1998). يقدّر عدد الناطقين بهذه اللّغة اليوم كلغة أمّ بحوالي خمسمائة من المسنّين، في حين أن عددَهم في مستهلّ القرن العشرين قد تراوح ما بين خمسين ألفًا وخمسة وسبعين ألفًا.

يُشار إلى أنّه في عام 1890 قُدّم اقتراحٌ في البرلمان الكندي يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت، تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغاتٍ اسكتلندية قديمة (Dorian, 1981). هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللّغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللّغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارسَ فقط تعلّم اللغةَ المذكورة فيها كمادّة ٱختيارية وهناك إمكانية لتعلّمها على الشبكة العنكبوتية. من اللّغات العربية الجنوبية القديمة الآيلة للانقراض نشير إلى البطحرية (٢٠٠ متحدّث بها) والحرسوسية (٦٠٠ متحدّث) والسقطرية (٥٠ ألف متحدّث) والشحرية (٢٥ ألف متحدّث) والمهرية (٢٠ ألف متحدّث) والهبيوتية (١٠٠ متحدّث). من الفوارق النحوية البارزة مثلاً بين العربية والمهرية نشير إلى أسلوب النفي، ففي العربية نقول مثلاً “أنا لا أعرف” أما في المهرية فيقولون “اغُورْب لا”، أي أنّ أداة النفي ترد في آخر الجملة ومعجميًا “قال” العربية تقابلها “آمور” في المهرية (http://i-cias.com/e.o/arabian_south_l.htm).

 

لغات ولّت في العقود الأخيرة

 

في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللّغة Ubykhin في تركيا وهو السيّد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخرُ متكلمة باللّغة Kamassin وهي السيّدة Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى السيد Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يَعرف، إلى حدّ ما، اللّغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيّدة ماري من ألاسْكا، (Marie Smith, 1918-2008)، ولغتها Eyakintiaani (http://news.bbc.co.uk/today/hi/today/newsid_8311000/8311069.stm)، والسيّدة Elizabeth Gravelle من جنوب غرب كندا ولغتها Ktunaxa التي تحتوي على أصوات حلقية (gutturals). وفي أفغانستان لغة Tirahi يتحدّثها مائة شخص فقط، وفي وسط سيبيريا لغة باسم Ket وهي في طور الاحتضار وتعتبر قواعدها من أعقد قواعد اللّغات التي وثّقها اللّغويون، وفي أرمينيا Lomavren التي يتكلّمها خمسون شخصًا فقط ولغة شاميكورو/شاميكولو في منطقة لاغوناس في دولة پيرو يتحدّثها ثمانية أشخاص. يذكر أن ٢٨٪ من لغات العالم يتكلّم بكل واحدة منها أقلّ من ألف شخص (لغة_بائدة /http://ar.wikipedia.org/wiki).

وللراغب في المزيد حول اللّغات المهدّدة بالانقراض تصفّح أطلس اللّغات الذي نشرته منظّمة اليونسكو. وفي سيبريا ومنغوليا لغة “توفان” يستخدمها البدو هناك وهي مهدّدة بالاندثار (Harrison, 2007; Moseley, 2012; Wurm, 1996; Asher & Moseley, 2007).

ويشارإلى أنّ مواطني ألاسكا قد تحدّثوا بأكثرَ من عشرين لغة، واليومَ يتعلّم الأطفال اثنتين فقط. وفي ولاية مونتانا الأمريكية لغة باسم “جروس فينتري” وعدد متحدّثيها عشرة من المسنّين فقط، ولغة “مينوموتي” في ولاية ويسكونسين يتحدّثها خمسة وثلاثون شخصًا (Mithun, 1999; Campbell  & Mithun, 1979). وهناك لغة تُعرَف باسم “نوشو”، لغة النساء الوحيدة في العالم، كانت قد انقرضت مؤخّرًا في أعقاب وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين السيّدة يانغ هوآنيي، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللّغة كان مصيره الحرق تمشيًا مع عقيدة تلك الجماعة

 (http://taher-mss.net/v.b/showthread.php?t=2104).

والملاحظ من هذا كلّه انعدام أيّ قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كلّ واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن موطن الآخر. وبالرغم من كلّ هذا، يمكن القول إنّ القاسم المشترك الوحيدَ الذي يجمعهم هو اندثارُ لغاتهم ثم ثقافتهم وتراثهم بعد رحيلهم عن هذه الفانية، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعًا. نذكر من ناحية أخرى، أنّ هناك بعض المحاولات أحيانًا للحفاظ على لغات معيّنة مثل “ليفونيان” في لاتڤيا, حيث يقوم الشباب بجهود ملحوظة بهذا المجال وقل الأمر نفسه بالنسبة للوضع اللّغوي في كندا (Edwards, 1998).

 

أسباب موت اللّغات

كيف من الممكن للغة بشرية ما أن تموت؟، فالبشر لا ينقطعون عن الكلام طالما بقوا أحياء، إلّا أنّ السؤال الجوهري: الكلام بأيّة لغة؟ من عوامل اندثار اللّغات حروب إبادة  وهجرات قسرية وصراعات عرقية وكوارث طبيعية كما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد زمن الرحّالة الإيطالي، كريستوفر كولومبس (1451-1506م)، وإبادة قبائل في الهند وإندونيسيا وتايلاند وسريلانكا في أعقاب إعصار تسونامي عام ٢٠٠٤؛ غير أنّ مثل هذه الحالات تكون نادرة (Skutnabb-Kangas, 2000). وهكذا في إثر اندحار العرب في الأنّدلس بعد قرابة ثمانية قرون من الحُكم، انقرضت عربيتُهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية “جوبا” وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. كان لدى الهنود الحمر في القرن السادس عشر مثلاً أكثر من خمسمائة لغة ولم يبق منها اليوم سوى مائتين.

وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محلّ الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدّد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادةً ما يكون سبب الموت ناتجًا عن عواملَ داخلية أو خارجية، احتلال أو حلول لغة ما تدريجيًّا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو نفسية (Wurm, 1991; Brenzinger, 1992; Sasse, 1992; Woodbury, 1993; Nettle & Romaine, 2000; Crystal, 2002; Harrison, 2007; http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_languages_by_time_of_extinction). مثال على ذلك لغة “كشوا” في أمريكا الجنوبية التي يتحدّثها نحو ثمانية ملايين نسمة، وبالرغم من ذلك فهي مرشّحة للانقراض بعد بضعة عقود، لأنّ الأطفال يتكلّمون الإسبانية عوضًا عنها (http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=149720).

وعندما نتحدّث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت ووهنت وهوت أرضًا جرّاء عمرها المديد، إذ أنّ الموت قد يحلّ بلغة حديثة العهد أيضًا، كما هي الحال بالنسبة للبشر. إنّ اندثار اللّغات في كلّ الحالات يحدُث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ، سياسيًا وٱجتماعيًا وٱقتصاديًا، مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يُذكر في مراجعَ معيّنة، إما انتحارًا وإما قتلاً، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين ٱختلافهما. في الواقع، لا خطَّ واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس(Denison, 1977).

 

سمات وأماكن اللّغات المنقرضة

إنّ العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثّل في أنّ مصير اللّغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا (Crawford, 2000). لا بد من التنويه بميزة معيّنة بالنسبة للغة “أوبيخ” في تركيا التي رحلت مع رحيل السيّد توفيق إسينش المذكور سابقًا عام ١٩٩٢ وهي كثرة الأصوات الصامتة (consonants) مقارنة بالصائتة (vowels)، يصل عدد الأولى إلى؛ أمّا الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وُجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. وممّا يجدُر ذكرُه أنّ نحو 80% من لغات هذه القارّة هي محكية فقط (http://ajrasalhurriya.net/ar/news_view_17508.html). وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، ففي ساحل العاج مثلاً سبعون لغة وطنية ونيّف تعيش حالةَ صراع كهذه (Brenzinger, 1992). في المقابل، هناك لغات تضمّ عددًا ضئيلاً جدًّا من الأصوات كما هي الحال في بابوا-غينيا الجديدة ذات أكبر عدد من اللّغات في العالم، قرابة 820 لغة، حيث نجد فيها لغة فيها خمسُ حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللّغات معرّضة للاندثار (Foley, 1986).

يتوقّع انقراضُ قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين كما أسلفنا، وعليه فباحثو اللّغات على اختلاف تخصّصاتهم ومدارسهم في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد خصائص تلك اللّغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلاً، كانت قد شهدت في فترة زمنية معيّنة، قبل الاحتلال البريطاني عام ١٧٨٨، حوالي 250 لغة أصلية واليوم بقيت منها عشرون لغة، ومن المحتمل مستقبلاً اندثار 90% منها خلال هذا القرن و”الحبل على الجرّار”، (Dixon, 1980; McConvell  & Thieberger  2001 & 2006) إن لم تتمّ إجراءات عاجلة وفعّالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. لذلك هنالك مثلاً “اليوم العالمي للغة الأم” المصادف في الحادي والعشرين من شباط من كلّ عام، حيث تقام فعاليّات مختلفة ترمي إلى لفت النظر إلى أهمية لغة الأم وسُبل الحفاظ عليها وتطويرها؛ إلا أنّ ذلك اليوم العالمي غير كاف بالمرّة (Fishman, 1991). وفي هذه القارّة بعض اللّغات التي لا يتكلّمها أكثرُ من مائة شخص. وتحتلّ القارّة الأمريكية الشماليةُ المركزَ الثاني من حيثُ عددُ اللّغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الأفول فالزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر في أمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغةً بقي منها عشرون لغة فقط. ولم يبق منها، في الواقع، سوى خمس لغات يصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط (Campbell, 1997). أمّا في كندا فالوضع لا يختلف كثيرًا، إذ أنّه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حيّة تُرزق (Edwards, 1998). أما في القارّة السوداء فيصل عدد اللّغات التي ولّت أربعًا وخمسين وعدد التي في دائرة خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أنّ اللغاتِ المهدّدةَ بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها وبخاصّة إذ ما أخذنا بالحسبان أنّ 40% من المؤلَّفات المترجمة في العالم هي من اللّغة الإنجليزية الأمريكية (Steiner, 1977, pp. 1-48; Ladefoged, 1992; Hale et alia, 1992; Haboud & Ostler 2011). وصف الكثيرون القرن المنصرم بـ “القرن الأمريكي” وكلّ الدلائل الراهنة تشير إلى استمراره حتّى يوم الناس هذا. والجدير بالذكر أنّ ظاهرة الاندثار اللّغوي تحدث عادة لدى شعوب فقيرة وغير متقدّمة وهي بأمسّ حاجة لمواردها الثقافية للبقاء وعلى رأسها اللّغة الوطنيّة.