abdulhusan shaabanالمقدّمة: يشغل موضوع الهوّية والمواطنة حيّزاً غير قليل في الثقافة والفكر وفي دراسات علوم السياسة والقانون والاجتماع، خصوصاً في ظل الجدل الذي ارتفعت وتيرته منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان، سواءً على المستوى الداخلي أو الدولي، في إطار مجتمعات متعدّدة التكوينات والهوّيات أو في إطار احتدامات لمصالح دولية وإقليمية.

وكان لانهيار الأنظمة الشمولية، وبخاصة في أوروبا الشرقية أثره الكبير في احتدام الصراع بين "هوّيات كبرى وصغرى"، وهوّيات "تابعة ومتبوعة" وهوّيات "عليا ودنيا"، وهوّيات "قوية وضعيفة"، رغم ميلي إلى تسميتها "هوّيات فرعية" أي خاصة، وهوّيات "كلية" بمعنى عامة أو شاملة، الأمر الذي عرّض بعض الكيانات الكبرى (الدول المتعدّدة التكوينات) إلى التصدّع والتآكل، خصوصاً بتبلور بعض خصوصيات الهوّيات الفرعية، التي وجدت الفرصة مناسبة للتعبير عن كيانياتها بعد طول انتظار وكبت وشعور بالغبن والحرمان، ناهيك عن ضعف المواطنة بسبب سياسات الإقصاء والتمييز والتهميش.

وأدّى هذا المتغيَّر إلى انقسام دول وانفصال كيانات ظلّت " متّحدة" لسنوات طويلة أو هكذا بدت الصورة، ولعبت العولمة دوراً مهماً في تشجيع ذلك، وبخاصة إذا كانت الكيانات الكبرى عامل تحدٍّ للقوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، وهو ما وفّر ظروفاً موضوعية، وإنْ كانت لأغراض خاصة، لبروز الهوّيات الفرعية، وخصوصاً في ظل ارتفاع رصيد فكرة حقوق الإنسان ومبادئ المواطنة والمساواة، وهو ما كان غائباً في ظل الأنظمة الشمولية والاستبدادية.

وأصبح الإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والقومي والديني واحترام حقوق الهوّيات الفرعية وخصوصياتها مسألة كونية، شجّعت "الأقليات" ونقصد بذلك المجموعات الثقافية في مجتمعات متعددة التكوينات الدينية والإثنية، على المطالبة بحقوقها وكيانياتها الخاصة، من خلال بيئة دولية داعمة وظروف مناسبة موضوعياً وذاتياً، ولذلك فإن جدل الهوّيات وصراعها أحياناً، ارتقى إلى مصاف نزاعات كبرى وحروب أهلية، وترك ندوباً وجراحات وحواجز تاريخية ونفسية، ازدادت حدّة وتنافراً في السنوات الأخيرة، على الرغم من وجودها في السابق، إلاّ أنها كانت غير منظورة في ظل الدولة المركزية "الصارمة" والنظام الشمولي، العمودي، ذو الصلاحيات التي تكاد تكون مطلقة، فالاتحاد السوفييتي السابق وحده إنقسم إلى 15 جمهورية لا تزال تداعياتها وآثارها تبرز بين الحين والآخر، ولعل الأزمة الأوكرانية حالياً ومشكلة جزيرة القرم ذات الكثافة السكانية من أصول روسية، ليست بعيدة عنها، إضافة إلى حروب جورجيا وجمهوريات آسيا السوفيتية السابقة.

أما يوغسلافيا السابقة فقد تمزّقت إلى 6 كيانات وجرت بينها حروب وصراعات وعمليات إبادة بعضها لم يندمل على صعيد العلاقات التاريخية بين مكوّناتها الدينية والإثنية والاجتماعية، أو تداخلاتها الدولية،ناهيك عن هدر حقوق الإنسان كما حصل في كوسوفو، إضافة إلى البوسنة والهرسك. وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى كيانين بطريقة مخملية، هما جمهورية التشيك (تشيخيا) وجمهورية سلوفاكيا)، والسودان انفصل جنوبه باستفتاء شعبي العام 2010 بعد احترابات طويلة استنزفت موارد البلد وطاقاته منذ العام 1956 حين نال السودان استقلاله، وتشكّل إقليم تيمور الشرقية بقرار دولي بانفصاله عن أندونيسيا لاعتبارات تتعلق بالهوّية أيضاً وارتباطها بالمواطنة وهكذا .

ولعلّ الحديث عن أكثر من "عراق" أصبح مبحثاً يكاد يكون دائماً على طاولة التشريح الدولي منذ عقود من الزمان، سواءً بحكم الأمر الواقع في إطار مشاريع جديدة، كان قد جرى تسويقها تحت عناوين مختلفة، أو امتداداً لمشاريع قديمة، وهذه وتلك اتخذت مبرّرات جديدة باسم " الواقعية السياسية" أو لإنهاء العنف، أو مبرّرات سياسية قومية أو طائفية.

وتستهدف جميع تلك المشاريع إلى تقريب فكرة التقسيم حتى من خلال رسم صورة متخيّلة عن الوضع العراقي أمنياً، سواءً للتخلص من النظام السابق أو ما بعد الإطاحة به، مثل مشروع جوزيف بايدن، (نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما) أو قبله تساؤل غراهام فولر (من مؤسسة راند Rand الأمريكية المقرّبة من الـCIA) حول: هل يبقى العراق موحداً حتى العام 2002؟ أو قبلها ما تم ترويجه خلال الحرب العراقية- الإيرانية، لاسيّما في سنواتها الأخيرة حول تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية، وهو ما راود بعض السياسيين الطموحين، ولكن القصيري النظر لاحقاً، والذي جاء دور الحديث عنها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 ويتجدد الأمر على نحو كثيف منذ احتلال تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" للموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014 وتمدّدها لعدد من المحافظات، بحيث سيطرت على نحو ثلث الأراضي العراقية، إضافة إلى ما يزيد عن ثلث الأراضي السورية.

إن ما طرحه فولر من تساؤل بعد غزو الكويت وفرض الحصار الدولي على العراق منذ العام 1992 له أكثر من دلالة، لاسيّما بعد احتلال العراق، ومن ثم انفجار العنف والتطهير الطائفي والمذهبي والإثني، الأمر الذي انعكس على الهوّية والمواطنة في العراق، خصوصاً بعد احتدام المشهد السياسي عقب تفجيرات مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء العام 2006.

والأمر مطروح اليوم بحدّة في سوريا من جانب الأوساط الدولية المتنفّذة بغض النظر عن أهداف حركة الاحتجاج والمطالب الشعبية العادلة والمشروعة التي ابتدأت سلمية في 15 آذار (مارس) العام 2011، والتي دخلت عليها عناصر مختلفة، بما فيها قوى إرهابية مثل "تنظيم القاعدة" وأخواتها، سواءً تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بحيث تحوّل الصراع عنفياً ودموياً، وبدت الحرب التي تستمر منذ ذلك التاريخ وحتى كتابة هذا البحث وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية، لا تنتهي الاّ بمقتل أحد الفريقين المتصارعين، ووصل الآخر درجة من الإعياء تقترب من الموت.

يستهدف الباحث من مناقشة هذه الإشكاليات الفكرية والسياسية تقريبها إلى الواقع، بعيداً عن الأدلجة والنظرة المسبقة، وسيقسّم البحث إلى قسمين الأول يبحث في الهوّية والثاني سيبحث في المواطنة.

 

القسم الأول – في الهوّية

1- الهوّية والثقافة

تعتبر الهوّية موضوع جدل في الأدب السياسي، خصوصاً بجانبه الفكري والاجتماعي والثقافي [1]، وقد احتدم هذا الجدل إلى حدود كبيرة بعد انهيار النظام الاشتراكي العالمي وتحلّل المنظومة السوفيتية، الأمر الذي دفع شعوباً وأمما وجماعات لتخوض صراعاً حاداً باسم الدين أحياناً وباسم القومية أو اللغة في أحيان أخرى، وفي كل الأحوال كانت الخصوصية أمراً ملازماً لكل حديث عن الهوّية، إذْ سرعان ما طفحت كيانات وكتل على السطح بعد طول كبت وشعور بالتمييز، في مجتمعات كانت الصورة الواحدية تطغى عليها.

لعلّ واحداً من أسباب "انتعاش" مسألة الهوّية إذا جاز التعبير هو تفكّك الأنظمة الشمولية، وشعور بعض الكيانات الخاصة "بالانعتاق" وتطلّعها ليكون لها شكلاً من أشكال الاستقلالية والخصوصية التي تجمعها وتعطيها كيانها الخاص، لاسيّما بعد تهميش وإلغاء ومحاولات صهر بمزاعم شتى، الأمر الذي قد يكون وراء اندفاع الكيانات والهوّيات الفرعية، الجزئية، في البحث عن طريق جديدة لتحقيق ذاتها والتشبّث بخصوصياتها بعد طول "عداء" أو شعور "بالاستصغار" أو "فوقية" و"استعلاء" عانت منه، وقد تسبّب الفعل ومن ثم ردّ الفعل، في خلق فتن ونشوب حروب أهلية وتهجير قسري وإبادات، تارة بحجة الحفاظ على الهوّية التي يُراد اختراقها، لاسيّما الهوّيات الكبرى، وتارة بزعم تحقيق الهوّية والتمسّك بها، لاسيّما للهوّيات الفرعية، التي يراد تذويبها أو إخضاعها![2]

وإذا كانت تحدّيات الهوّية داخلياً أساساً مستمراً لاحتدام الجدال والسجال والصراع، فإن التحدّيات الخارجية لم تكن بعيدة عن ذلك، خصوصاً تداخلاتها وتأثيراتها المختلفة، حيث ظلّ الموقف من الحقوق والحريات، وبخاصة من مبدأ المساواة التامة والمواطنة الكاملة، وهما ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية، هو العامل الحاسم في الاحتدام والصراع والتناحر أحياناً، وذلك ما استثمره العنصر الخارجي في إثارة النعرات وتأليب البعض على البعض الآخر، والتدخّل بحجة حماية هذا الفريق أو ذاك، لاسيّما للكيانات الفرعية، خصوصاً إذا شكّلت الكيانات الأساسية ذات الصفات العامة، عنصر تحدٍّ للقوى المتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، التي بإمكانها التأثير عليها، وذلك بالعزف على هذا الوتر الحسّاس للهوّيات الفرعية، التي ستضعف الكيانات الكبرى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه " كلام حق يراد به باطل"!، لاسيّما إذا تعرّضت وحدة الدولة للتمزّق والمجتمع للتشظي!.[3]

ولكن هل يمكن الحديث عن هوية ثابتة أو متكاملة أو دون تغيير، باعتبارها معطىً ساكناً وسرمدياً، حتى وإن كانت بعض عناصر الهوّية قابلة للثبات مثل الدين أو اللغة؟ أم أن الهوّية بشكل عام تخضع لنوع من التغيير في الفهم أولاً وفي التفسير ثانياً، وحتى لو بقيت الأصول قائمة، فان بعض عناصر الهوّية مثل العادات والفنون، فإنها تتطوّر وتكون أكثر عرضة للتغيير حذفاً أو إضافة، لاسيّما علاقتها مع الثقافات والهوّيات الأخرى، تأصيلاً أو استعارة، وهذه لا تأتي دفعة واحدة بالطبع، بل تتم عملية التحوّل بصورة تدرّجية، تراكمية، طويلة الأمد، والأمر ينطبق على تفاعل وتداخل الهوّيات، خصوصاً من خلال عناصر التأثير القوية سياسياً وثقافياً واقتصادياً.

لقد ازداد جدل وصراع الهوّيات، في زمن العولمة، لاسيّما بعد انتهاء الحرب الباردة وهيمنة لاعب أساسي في العلاقات الدولية، ولعلّ الشعور بالاستهداف كان فادحاً، من جانب الهوّيات الفرعية أو الصغرى، في حين شعرت بعض الهوّيات الكبرى، العامة، وكأن هيبتها بدأت تتصدع بحكم الثقافة الاستعلائية السائدة، أو من حاول توظيفها لخدمة أغراضه السياسية الفوقية، سواءً كانت دينية أو اثنية أو طائفية أو غير ذلك، الأمر الذي ساعد على الانكفاء من جهة والتشرنق أو التعصب والانغلاق وضيق الأفق من جهة أخرى، إزاء الآخر، خصوصاً بتفكك الدولة أو هشاشة وحدتها الوطنية في ظل المعادلات الجديدة، وبخاصة للتكوينات المختلفة.

وبدلاً من طلب الاستكانة أو الخضوع أو محاولة التسيّد من جانب الهوّيات الكبرى أو من يدعي تمثيلها من الفئات المهيمنة على الهوّيات الفرعية، الذي كان ناجماً عن الشعور بالتفوق أو الأغلبية أو ادعاء الأفضليات، فإن نزعات رفض التعايش وعدم الرغبة في التواصل كانت قد تمت بالمقابل، جرّاء سياسة عدم الإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وتتجه مثل هذه السياسة وردود أفعالها صوب العزلة والقطيعة، بدلاً من التعايش والمشترك الإنساني.

الثقافة هي الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهوّية، وهي التي تعبّر عن الشعور بالانتماء، فالثقافة هي توالف بين القيم المتراكبة والمتفاعلة مع الآخر أيضاً، لاسيّما إنسانياً، ومع التقاليد والعادات، التي تعكس سلوك وحياة الناس،[4]

كما أنها مثل الكائن الحي الذي يخضع لقوانين التطوّر الحياتية ذاتها، وهي تمثّل رؤية شاملة للعالم تتجلى أو تتجسّد فردياً أو مجتمعياً في المفاهيم والقيم وظواهر السلوك والممارسات المعنوية والعملية والحياتية، توحّدها اللغة، وإن تنوّعت تنوّع فئات المجتمع من حيث مواقفها الاجتماعية والفكرية، بما يشكل الخصوصية الثقافية والقومية العامة في المجتمع[5].

 بهذا المعنى فالثقافة هي مجمل أساليب المعيشة في حياة الشعب اليومية، التي تشمل عناصرها المترابطة في نسيج متكامل، الرؤية العامة، والقيم والمبادئ، والمفاهيم، والتقاليد، والعادات، والمعتقدات، والمقاييس والمعايير، والممارسات ، والأعراف، والقوانين، والأمثال، والمروّيات، والمناقب الأخلاقية، والقواعد السلوكية اليومية[6].

 قد يكون الاهتمام بالهوّية في ربع القرن الماضي ناجماً من تراجع دور الآيديولوجيات، لاسيّما بعد انخفاض منسوب الصراع الآيديولوجي منذ نهاية عهد الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، أو تحوّله من شكل إلى شكل آخر، خصوصاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وصعود الإسلام كعدو تقليدي للغرب بعد سيادة عهد "الليبرالية" الجديدة سياسياً واقتصادياً، التي ارتبطت موجتها الجديدة بظاهرة العولمة، لاسيّما في ظل الثورة العلمية- التقنية، خصوصاً في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات، وسعت للهيمنة على السوق الدولية على مستوى الكرة الأرضية.

ولعلّ هذا التوّجه ارتبط بفكرة النظام العالمي الجديد، الذي اتّسم بمنطق السوق وتسليع مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية ، وإزالة الحواجز أمام انتقال رؤوس الأموال والسلع وخصخصة المؤسسات الاقتصادية وإلغاء ملكية الدولة لها، وتحكّم الشركات " فوق القومية" في السياسة الاقتصادية الدولية، وسعي المحافظون الجدد في الولايات المتحدة إلى جعل سلطة السوق مقدسة، وتحطيم كل العوائق التي تعترض طريقها، سواء كانت دولاً أم حكومات، مجتمعاً مدنياً ومنظمات غير حكومية، أو غيرها [7] .

 وهكذا أخذ دور الثقافة يتعاظم سواءً على الفرد أو الشعب أو الأمة أو الدولة، ويزداد تأثيرها على السياسة والاقتصاد على حد سواء، خصوصاً بعد أن سعت العولمة لتسليع الثقافة بهدف تحطيم منظومة القيم الخاصة ب الهوّيات الأصغر الفرعية، بعد سيادة الهوّيات الكبرى أو الهوّية الأكبر من خلال تعميم نمط الاستهلاك والفردانية، خصوصاً العلاقة بين القوى المتسيّدة والنافذة في العلاقات الدولية وبين الأمم والشعوب والدول الصغيرة.

 

2- الهوّية والعولمة!

 ربّ سائل يسأل، كيف تتشكّل الهوّية؟ هل هي ثابتة وكاملة وبالتالي مقفلة غير قابلة للتطور أم متغيّرة ومتحوّلة ومفتوحة وقابلة للإضافة والحذف!؟ واستكمالاً لهذا السؤال يلوح دور الارادة للفعل أو للمعطى التاريخي الذي يقبل التطور والتراكم والتفاعل مع غيره، حيث تتمثل الهوّية في عناصر معرفية ونسق معتقدات وقيم ومعايير، وعلى الرغم من محاولات العولمة تحويل الثقافة إلى سلعة يتم تداولها على نطاق واسع، وخاضعة لسوق العرض والطلب والاحتكار، فإنه يمكن القول أن هناك ثلاث مستويات لتشكيل الهوّية، فهناك المستوى الأول- الفردي، فلكل فرد هوّيته وخصوصيته، وهناك المستوى الثاني- الجماعي أو المجتمعي أو الجمعي "الجمعوي" كما تسمى مغاربياً، وهي تمثّل المشترك للجماعة الإنسانية، أما على المستوى الثالث فهو المستوى الوطني والقومي، وفي كل الأحوال فان هذه المستويات الثلاث تتحدّد بنوع المواجهة، اتفاقا أو اختلافاً مع الآخر، لاسيّما الذي تواجهه قرباً أو بعداً، وهو ما يذهب إليه محمد عابد الجابري [8] .

نجم صراع الهوّيات عن نزاعات اجتماعية- اقتصادية، لاسيّما في إطار العلاقات الدولية، خصوصاً علاقة البلدان المتقدمة صناعياً بالدول النامية، حيث تحاول الأولى ترويضها وتطويعها ونهب مواردها، وأحياناً يتخذ احتدام الهوّيات شكل صراع متنوّع، فيما يتعلق بنمط الحياة والسلوك ومنظومة القيم، حتى وإنْ اتّخذ شكلاً دينياً أو لغوياً أو قومياً، لكنه يُمثّل من حيث الجوهر محاولات لفرض الاستتباع وإملاء الإرادة من جانب القوى الكبرى، ومقاومة وممانعة من القوى الصغرى.

 وهناك نوع آخر من الاحتدام في الهوّيات، ينجم عن نزاعات إثنية أو دينية، وأحياناً تتداخل هذه النزاعات التي تكاد تكون سائدة حالياً في المجتمعات المتخلفة أو البلدان النامية أو ما يمكن أن يطلق عليه مجتمعات الأطراف أو بلدان الجنوب الفقير، بسبب ضعف الدولة المركزية من جهة وشحّ الحقوق والحريات وعدم تحقيق المساواة التامة والمواطنة الكاملة من جهة أخرى، لاسيّما في دول متعددة الأعراق والقوميات والإثنيات والأديان والطوائف، فسرعان ما تندلع الصراعات بين من يدعي تمثيل القومية الكبرى أو الدين السائد أو النافذ أو الطائفة الأكبر من موقع السلطة ومن خارجها أحياناً، وبين أقليات أو فئات مُستبعدة أو مهمّشة، فيستعين كل طرف بثقافته السائدة، عندها يندلع العنف ويحتدم الصراع وتتباعد الكيانات وتكبر الهوّيات.

 يمكن القول بأن الصراع بين الهوّيات يكاد يختفي في المجتمعات المتقدمة، وخصوصاً الذي اتّخذ بُعداً (استئصالياً واقصائياً) عنفياً وعسكرياً ومسلحاً، حتى لو بقيت بعض ظلاله أو استحضر تاريخه، فإنما يتم ذلك على صعيد الفكرة والسياسة والتاريخ والمصالح الاقتصادية، لاسيّما بعد إسدال الستار على جوانبه المأسوية، حيث شهدت أوروبا، اتحاداً متميزاً ونافذاً أساسه المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة وثقافة التسامح والتعايش والتعاون، بعد اعتماد مبادئ المواطنة واحترام حقوق الإنسان، لكن هذا الصراع ما زال مستمراً ومتصاعداً في البلدان النامية، وبعض بلدان الكتلة الاشتراكية سابقاً، دون أن يعني إلغاء أشكال جديدة له في الدول الرأسمالية المتقدّمة.

إن المجتمعات اللاّديمقراطية وبخاصة في البلدان النامية شهدت احتدامات حادة ومعارك كبرى تحت راية الهوّية وهو ما حدث في أمريكا اللاتينية ويحدث في آسيا وأفريقيا، واستمر على نحو حاد في العراق والسودان والصومال وأفغانستان ولبنان حيث تتقدم الهوّيات الفرعية على الهوّية الجامعة، وقد استشرى الأمر في العراق بعد الاحتلال، رغم الدثار السميك من القوة والقمع الذي تغلّف به في السابق، لكنه سرعان ما انفجر، وبخاصة عند إقرار القسمة الطائفية- الإثنية التي كرّسها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد أيار (مايو) 2003.

وباستثناء ما حصل من معارك البوسنة والهرسك والصراع بين الصرب والكروات والمسلمين والمسيحيين، وما حصل بين روسيا والشيشان وفي جورجيا وألبانيا وهي كلها خرجت من عباءة الأنظمة الشمولية، فإن تعايش الهوّيات أمرٌ معترف به ومصان قانوناً وممارسة، وأخذ يشكل جزءًا من الثقافة المشتركة ذات الأبعاد الإنسانية، وبخاصة فيما بينها، حتى أن انفصالاً مخملياً كان قد حصل بين التشيك والسلوفاك، بعد وحدة أو اتحاد دام عقوداً من الزمان، وذلك باتفاق الطرفين في 1 كانون الثاني (يناير) العام 1993 بعد أكثر من 3 سنوات من انهيار النظام الشمولي الاشتراكي السابق.

 الهوّية إذاً وعي الإنسان وإحساسه بذاته وانتمائه إلى جماعة بشرية قومية أو دينية، مجتمعاً أو أمة أو طائفة أو جماعة في إطار الانتماء الإنساني العام، وحسب حليم بركات "إنها معرفتنا.. بما ، وأين، ونحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نمضي، وبما نريد لأنفسنا وللآخرين، وبموقفنا في خريطة العلاقات والتناقضات والصراعات القائمة"!؟ [9].

 الهوّية بهذا المعنى هي مجموعة السمات الثقافية التي تمثّل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يُعرفون ويتميّزون بصفاتهم تلك عما سواهم من أفراد الأمم والجماعات الأخرى. وقد تتطور الهوّية بالانفتاح على الغير، وقد تنكمش، تتحدد أو تتقلص، تنحصر أو تنتشر، لكنها دون أدنى شك تغتني بتجارب الناس ومعاناتهم وانتصاراتهم وآمالهم، وهذه المسألة تتأثر سلباً وإيجاباً بالعلاقة مع الآخر [10].

 الهوّية بهذا المعنى ليست معطىً جاهزاً ونهائياً، وإنما هي عمل يجب إكماله دائماً[11]، والتغيير هو الذي يطبع الهوّية وليس الثبات، والتفاعل بحكم علاقة الإنسان بالآخر، وليس الانعزال، ولا يتعلّق الأمر بالقضايا السياسية حسب، بما فيها المواطنة وحقوقها، بل إن المسألة تمسّ بالصميم الجانب الثقافي، وهذا الأخير بقدر كونه معطىً مرتبطاً بالماضي والمستقبل، فإن الجانب السياسي له علاقة بالحاضر، الراهن، القائم، أما جوانب الهوّية الخصوصية الثلاث فلها علاقة بالأرض والتاريخ والجغرافيا (الزمان والمكان) مثل علاقتها بالثقافة المشتركة السائدة في الأمة، وأخيراً علاقتها بالكيان القانوني لوحدة الوطن والأمة (اتحادهما في دولة مثلاً).

 وفي كتابه" الثقافة العربية والعولمة" يعرض الدكتور محمد البرغثي تعريفات وتفصيلات عن الهوّية والعولمة والثقافة، فيتوصل إلى أن الهوّية لا تعدّ منجزاً مكتملاً، أي أنه ينزع عنها صفة التقديس، لاسيّما حين يضعها في حالة من التطوّر والتغيير، خصوصاً بالتفاعل مع الآخر، معتبراً مثل تلك العلاقة التفاعلية – التبادلية مع الغير إثراءً للهوية، وليس إلغاءً لها. [12] وهو ما يذهب إليه هول ستيوارت الذي يعتبر الهوّية في حالة تحوّل دائم، فهي ليست معطىً منجزاً متكاملاً لا ينتهي [13].

إن جدل الهوّيات لا يعني بالضرورة الصراع بينها، بقدر ما هو حالة صراع واتحاد، احتدام واحتواء، وعلاقة تمثل وتعلّم، رغم المغايرة وعدم التجانس والاختلاف، إنها حالة نفور وتكامل أحياناً، ومثل هذا التنوّع في العلاقة، لاسيّما الاختلاف، يؤكد التلازم بين الثقافة من جهة، والتعددية والتنوّع من جهة أخرى. فهوّية طالبان مثلاً وفقاً لمنطقه حسب أدونيس: ليس إمكاناً وإنّما هي المتحقق، وهي جاهزة مسبقاً، مكتملة، ومغلقة، كأنها شيء بين الأشياء: حجر، أو فأس أو سيف ... هكذا تريد القوى المتعصّبة أن تضع هوّية الإنسان وراءه وليس أمامه، هوّية مغلقة وليست مفتوحة، متكوّنة وكاملة، وليست قابلة للإضافة والحذف، أي أنها أقرب إلى الثبات وعدم التغيير، فلا وجود للتراكم والتطور ووفقاً لهذا المنطق، فإن الآخر لا وجود له، غائب، عدو[14].

 لعلّ السؤال الذي يواجه البشر منذ الخليقة فردياً وجماعياً: من أنا أو من نحن؟ ثم يستكمل هذا السؤال من خلال أسئلة أخرى تتعلق بالعمل والمشروع، الذي يمثله الإنسان، نشأة وانتماءً كمعطى أول، وفيما بعد عملاً وصيرورة، كمعطىً ثاني الأول سيكون معطىً دون خيار، أما الثاني فهو خيار أي أنه تفضيل بين خيارات، وبالتالي سيكون خياراً واعياً ومكتسباً، من خلال وعي وعملية خلق. وإذا كان الأول طبيعياً، فإن الثاني يعبّر عن الإرادة البشرية والتدخّل الإنساني لإكساب الهوّية شكلاً جديداً مفتوحاً قابلاً للتطور[15].

وبهذا المعنى فالهوّية لا تتكون بمجرد النشأة والانتماء، وهما موروثان طبيعيان، بل تتكون من خلال عملية الخلق والعمل والصيرورة، وهي عملية إبداعية مستمرة ومفتوحة.

وكلّما كانت هوّية " الأنا" غير ملتبسة، كلما استطاع الدخول في حوار متكافئ مع الآخر على المستوى الثقافي، أما إذا كانت الهوّية محطّ إشكاليات، فإنها ستكون معلّقة أو مرجأة أو متأرجحة حسب تعبير أدونيس الذي يقول: إنه لا يستطيع أن يعطيها وصفاً: الولادة، المواطنة، الجنسية، اللغة، الإبداع والتميّز، فردياً أو جماعياً.

 الهوّية الفردانية حتى وان كان يُنظر إليها بارتياب في عالمنا العربي باعتبارها مصدر شك، حيث يتقدم عليها ويلغيها أحياناً الهوّية الأساس، كما تسمّى ونعني بها "هوّية الأمة" كما يقال، وعلى هذا المعيار الكلاّني الشمولي، يُنظر إلى "الأقليات" في دولة متعدّدة القوميات أو الأديان، بتخطّي وتجاوز أي حديث عن الخصوصية، التي ستعني حسب هذا المنطق، المساس بهوّية الأمة، الجماعة البشرية السائدة.

وقد تختلف أولويات هذه الجماعة باختلاف الآيديولوجيات والأفضليات، فتارة باسم القومية وأخرى باسم الدين وثالثة باسم المذهب ورابعة باسم الآيديولوجيا، وهكذا، فالمختلف لا يستحق سوى الإبعاد والإقصاء والنبذ، وما عليه الاّ الرضوخ والاستكانة وقبول حكم الأغلبية أو الجهة المهيمنة، وحسب أدونيس، فالأمر ليس نفياً للآخر بقدر ما هو نفي للذات في الآن، وبقدر انفتاح الذات على الآخر، فإن الهوّية تزداد غنىً، وبقدر ما تنكمش الذات وتتقلص في انتمائيتها، نشأة ومواطنة، تزداد فقراً، ولا يمكن طمس التغاير والتنوّع والتعدّد جزئياً أو كلياً.

 يمكن القول إن لا ذات بلا آخر، فلا ذات دون تأثير وتأثّر، وحين تكون الهوّية من القوة والفاعلية تكون أكثر ثقة بالنفس، وأكثر استعداداً للانفتاح على الآخر وأكثر حيوية في التعاطي والتلاقح معه [16].

الثقافة تشمل طريقة حياتنا كلّها، وأخلاقنا، ومؤسساتنا، وأساليب عيشنا، وتقاليدنا، حيث لا حدود لتفسير العالم، وإنما سعي لإعطائه شكلاً خاصاً به[17] .

العالم، لاسيّما في ظل العولمة أرخبيل مفتوح تتلاقى فيه الشعوب وتتمازج، فمثلاً رغم السمة الغالبة للمجتمع العربي لغوياً وإثنياً ودينياً (العربية- الإسلامية) لكنه كان ملتقى القوميات والإثنيات والثقافات مثل: البابلية، والأشورية، والفينيقية، والفارسية، والهندية، والتركية، والكردية والزنجية، وإضافة إلى الإسلام هناك المسيحية واليهودية، وتمازجت هذه الثقافات والأديان المتنوّعة في كلِّ إنساني وثقافي واحد، لكنه متعدّد، وتآخت اللغة العربية مع اللغات الأخرى وتفاعلت واقتبست منها، فناً وأدباً وفكراً، إذ كان " العقل اليوناني" أحد مرتكزات الفكر الفلسفي العربي زائداً "النقل الإسلامي"، ولعبت الترجمة دوراً مهماً في توسيع دائرة الثقافة العربية، المتعدّدة، محل الواحدية، وكانت الأندلس امتداداً خلاّقاً لبغداد[18].

لقد تغيّرت خصائص الثقافة اليوم بفعل المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خصوصاً في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فالتلفزيون والكومبيوتر والإنترنيت ساهمت مساهمة كبيرة في هذا التغيير، ولعلّه بقدر التقارب الذي أحدثه، فقد جعلت التمايز والخصوصيات، سمة مميزة للهوّيات والثقافات المختلفة، حيث تسعى الشعوب لاكتشاف أساطيرها ورموزها وترسيخ ذاكرتها وتعزيز لغتها الخاصة، وبالخصوص عندما تخشى من التذويب أو الإقصاء، وقد حفّزت العولمة مثل هذا التهديد، خصوصاً عندما جعلت العالم كله "قرية واحدة" هي أقرب إلى "سوق" واحدة، فالهوّيات الطرفية (العالمثالثية) وقفت ضد هوّيات الهيمنة، والهوّيات الفرعية في الدولة الواحدة، سعت للتشبّث بخصوصياتها إزاء محاولات الإقصاء والتهميش.

يتعذّر الحفاظ على الهوّية بأساليب القمع والطغيان والانعزال، فهذه الممارسات تؤدي إلى تصحير الهوّيات، وبدلاً من الانفتاح والتواصل والتعدّد، تؤدي إلى الانغلاق والانكفاء والتقوقع، ومثلما لكل إنسان لغته، فله هوّيته التي تتعزّز بالانفتاح مع الآخر، فرداً أو جماعة، وقد يكون الإنسان يحمل أكثر من هوّية، بمعنى أنه عربي أو كردي أو تركماني ، مسلم أو مسيحي أو غير ذلك، لكن هوّيته العامة عراقية، وكذا الحال لمن عاش في المنفى، فرغم احتفاظه بهوّيته، فقد يكون قد أضاف إليها هوّية مكتسبة.

وكنت قد أجبت على سؤال بخصوص الهوّية الذي كان محاوري قد وجّهه إليّ عندما قال: إن سؤال الهوّية يلحّ عليك دائماً.. أين أنت؟ فأجبت: هل يكفي رفع شعار الحفاظ على الهوّية في المنفى لكي نتمسك بالهوّية؟ أليس ثمة همّ إنساني يتشكّل بمعزل عن الإرادة وبخاصة للجيل الثاني؟؟ ونقلتُ حواراً أداره المنتدى الأورومتوسطي حول الشمال والجنوب في الرباط، في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2000 وحضرته نخبة متميزة من المثقفين، حين قال أسامة الشربيني في معرض معالجته لظاهرة الازدواجية في الهوّية: حين أكون في المغرب أشعر بأنني مغربي عربي ومسلم، وحين أكون في بلجيكا أشعر بأنني بلجيكي وجزء من المجتمع الأوروبي، وهنا يُثار تساؤل مشروع: وهل المكان هو الذي يحدد الهوّية؟ أم أن الهوّية التي تكوّنت وترسّخت واكتسبت كيانية مستقرة تظهر على نحو جلي في بيئتها الحقيقية، حيث المكان والاستمرار والتفاعل حيث اللغة والدين وغيرها من العناصر التي هي أقرب إلى الثبات، في حين أن العناصر الأخرى تتعزز وتغتني باستمرار بالإضافة والحذف والتواصل بين الحضارات والتلاقح بين الثقافات فردياً أو مجتمعياً!

وإذا كان مثل هذا الأمر يواجه النخبة، خصوصاً من تكوّن وترعرع ثم انتقل ليواصل ويندمج في مجتمع جديد، فالأمر مختلف باختلاف درجة الوعي والنضج والمعرفة والاستعداد للتكيّف والاندماج وبالتالي حمل الثقافتين ومواصلة الاستفادة من النبع الأول، بالقدر الذي تتم فيه الاستفادة من المصادر الجديدة، المضافة.

وإذا أردت أن أتحدث عن تجربتي الشخصية، فأنني كنت أواجه بشكل شبه يومي ومنذ ما يزيد عن ربع قرن حالات تعدّ بالآلآف بخصوص المهاجرين والمنفيين واللاجئين العراقيين والعرب، ناهيكم عن ذلك فقد عشت تجربة النفي لعقدين كاملين من الزمان وإنْ كنتُ على اتصال مستمر بالوطن وضمن الفسح والمساحات المتاحة سواءً في الماضي أو الحاضر، فإنني أدرك إشكاليات الهوّية، وبخاصة في أوضاع المنفى واضطرابها فيما يتعلّق بالأسباب السياسية أو الآيديولوجية أو الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو الاجتماعية أو غيرها، التي تكاد تطغى أحياناً، مسببة نوعاً من الالتباس.[19]

الثقافة العليا التي تمحو الثقافات الأدنى أو تهّمشها هي ثقافات غير إنسانية، ولا هوّية خارج الإنسان، حيث يتحدّد أفق الهوّية بالانفتاح والتقدّم بلا حدود أو نهايات، وهو أفقٌ مفتوح للتحرّر من قيود الواقع، وهو أفقٌ رمزي، يوحّد بين البشر، على أساس المشترك الإنساني.

وإذا كان الإلحاح على الهوّية العمودية في ظروف تاريخية معيّنة أمراً مشروعاً، وضمن حدود التحرّر من الإستعمار والهمينة الخارجية، إلاّ أن الاستمرار في هذا الإلحاح خارج تلك الظروف، يصبح خطراً على الهوّية ذاتها، حيث يؤدي إلى الانكماش والانكفاء والانزواء، فالتعدّدية والتآلف من سمات الهوّيات المفتوحة التي ترفض الصهر والاستتباع مثلما ترفض الهيمنة والتسيّد، وتتشبث بالمعرفة وليس الهيمنة، بالموضوعية والعقلانية ، وليس الانعزالية والانغلاقية، هي التي ينبغي أن تطبع سجال الهوّيات وهو ما استهدفه الباحث عندما شرع بكتابة كتابه " جدل الهوّيات في العراق"[20]، حيث وضع الواقع أمامه وحاول نقدياً ومن خلال قراءة جدلية للمكوّنات والكيانات الموحدة، المتعددة، العامة والفرعية، صياغة علاقة أساسها المشترك الإنساني، باقتراح حلول حقوقية- إنسانية، من خلال فكرة المواطنة ونبذ الطائفية .

 

د. عبد الحسين شعبان

 

abdullah badrhskandarالتدافع المستمد من إلحاق المعاني المثالية بغاياتها المحمولة قد لا يظهر النتائج المطلوبة كما هي ومن هنا فقد عمد المحققون إلى البحث في الجزئيات ظناً منهم أن هذا الفعل قد يجدد لديهم القدرة على فهم المشتركات الواردة في كتاب الله تعالى، وبالتالي فإن وصولهم إلى معرفة الحقائق سوف يكون أقرب إلى فهم التفاصيل المتباينة في السياقات القرآنية، وأنت خبير بأن هذا الفعل لا يخرج عن كونه تحصيل للحاصل ومن الأمثلة على ذلك تفسير الإمامة وإرجاعها إلى علة استثنائية في اختيار الأنبياء قياساً إلى قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة 24. وكذا قوله: (إني جاعلك للناس إماماً) البقرة 124. علما أن الإمامة المشار إليها في الآيتين لم تكن سابقة للنبوة وإنما مكملة لها وهذا الأمر قد يصل بالباحث إلى حقيقة لا مراء فيها وهي أن النبوة لا تأتي على ضوء الخصائص الأثرية التي نشأ فيها الإنسان أو المؤهلات السابقة وذلك بسبب توفر تلك الخصائص لدى جم غفير من الناس.

 وعند دراسة هذا الأمر دراسة فعلية نرى أن لهذه الخصائص أنماطاً أخرى ورتباً رفيعة قد تجتمع في أشخاص هم أجدر للقيام بالمهمات من غيرهم إذا ما حصل لديهم الاستعداد المناسب لذلك، وكما ترى فإن هذا الفعل قد يكون مهيئاً لأناس كان لديهم السبق في الوصول إلى أرفع الدرجات على الوجه الظاهر دون الدخول إلى الاختصاص الأسمى الذي لا يستطيع أصحاب الخبرة أن يصلوا إلى تمييز مشتركاته الظنية أو اتخاذ النسب المتفاوتة في التعرف على مكوناته الأساسية من جهة أو جعلها تحت تصرف من هو أهلاً لها من جهة أخرى وذلك لترادف الصفات أو تناقض بعضها مع بعض، ومن هنا وجب على المكلف أن يلجأ إلى التسليم المطلق للاختيار الإلهي، وهذا ما نستشفه من خلال الاطلاع على السمات المعروضة سلفاً في تأريخ الرسالات التي جاء بها الأنبياء على الرغم من تفضيل بعضهم على بعض.

فإن قيل: هل أن هذا التفضيل يلحق بالاختيار المشار إليه أم أن له مسوغات أخرى؟ أقول: التفضيل هو أحد أجزاء الاختيار إذا ما جمعنا معاني الاستئثار التي ليس لها منشأ عقلي أو نقلي يمكن الاعتماد عليه، ولهذا كان من الضروري إرجاع علة ذلك إلى الشواهد القرآنية الكفيلة بمعرفة أسباب الاختيار، كما في قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام 124. وكذا قوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) القصص 68. وقوله جل شأنه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) الأحزاب 36. وقوله سبحانه: (وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم... أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) الزخرف 31- 32.

من هنا يظهر أن الاختيار لا يقتصر على شخص النبي أو البيئة التي ينتمي إليها وإنما يمتد ليشمل أجزاء أخرى ترتبط جميعها بالمستحقات الإنسانية التي يمكن بواسطتها فهم المبادئ الأولية لجهة الاختيار كما هو الحال في اختيار الوقت والمكان أو ما يلحق بهما من أسباب التفاعل الخاص بالأقوام المرسل إليهم علماً أن الإنسان ليس لديه القدرة على فهم الخصائص المتعلقة بهذا الأمر وذلك لعدم اطلاعه المسبق على ما تقتضيه المصالح المرتبطة به، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) البقرة 105. وسيمر عليك تفصيل هذا المعنى في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) البقرة 105. الخطاب موجه للمؤمنين أي أن الله تعالى يحذرهم من حسد أهل الكتاب ومن يلحق بهم من المشركين، بمعنى أن لهؤلاء صفات ذميمة لا يمكن أن تصلوا لمعرفتها إلا من خلال القرآن الذي فيه تبيان لما يبدر منهم، ولذا فهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، ومن مصاديق الخير القرآن والنبوة حيث يجتمع في الأول الهدى التام والآيات البينة التي تثبت صدق رسالتكم، وفي الثاني ما يفسر لكم شأن تلك الرسالة والتخلص من العادات الجاهلية والنزعات المتأصلة في نفوسكم، وكما تعلم فإن هذه المعاني كفيلة بأن تجعل أهل الكتاب في الطرف المقابل الذي يريد إبطال هذه القيم والإبقاء على الأعراف المتأصلة التي كانت مرافقة للعرب قبل الإسلام.

ويقول محمد حسين فضل الله في تفسير آية البحث: المسألة لم تنطلق لديهم من حسابات فكرية دقيقة ولا من شبهات معقدة، ولا من موقع يوحي بالرفض، بل كانت منطلقة من عقدة مرضية مستعصية لأنهم اتخذوا منكم موقف العداء، الأمر الذي جعلهم يحسدونكم على ما أنعم الله به عليكم من رسالته التي أنزلها على رسوله ليبلغها لكم (والله يختص برحمته من يشاء) فهو يملك العطاء والمنع وهو يعلم مصالح عباده في ما يعطيهم أو يمنعهم ويطلع على خصائص أوضاعهم الداخلية والخارجية فيصطفي من رسله من يشاء وينزل رسالته على من يشاء تفضلاً منه وكرماً في خط الحكمة الإلهية التي يختص بها عباده.  

ومن وحي الآية في حركة الحاضر والمستقبل يقول فضل الله: إذا كان لنا استيحاء شيء من هذه الآية يتصل بحياتنا العملية في الحاضر والمستقبل، فقد نجد أن بإمكاننا الانطلاق إلى الواقع الذي يواجهه المسلمون في كل زمان ومكان في صراعهم مع الفئات الأخرى ممن ينتمون إلى الأديان الأخرى أو إلى المبادئ الكافرة الملحدة، فنلاحظ أن علينا النفاذ إلى الأعماق في دراستنا للحالة النفسية التي يعيشونها تجاهنا، ومدى ما تمثله من مواقف عملية في السر والعلن مما يدخل في عداد المخططات التي تعد ضد تقدم المسلمين وتطورهم وامتدادهم في الآفاق الواسعة الصاعدة في الحياة، وبذلك نستطيع الوصول إلى النتائج الملموسة التي توضح لنا كيف يشعر الآخرون بالخطورة من قوة الإسلام والمسلمين لما في ذلك من انعكاسات خطيرة على موقعهم الفكري والسياسي وعلى النطاق الحضاري بشكل عام، تماماً كما هي الحال في الكفار القدامى من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يخافون من قوة النبي محمد (ص) وتعاظم الإسلام على امتيازاتهم الذاتية والطبقية ومواقعهم الفكرية. انتهى.. ومن أراد المزيد فليراجع تفسير من وحي القرآن.

فإن قيل: الآية صريحة في جعل أهل الكتاب أحد مصاديق الذين كفروا  كما هو الحال في المشركين فكيف تصح هذه النسبة؟ أقول: يرجع السبب في ذلك إلى عدم تصديقهم بالنبي (ص) وهذا يؤول بهم إلى تكذيب كتاب الله تعالى ما يؤدي إلى حسد المؤمنين كما بينا.

فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما تشير إليه آية البحث وبين قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) البينة 1. أقول: ليس في الآيتين تناقض بل فيهما تطابق من جميع الوجوه يبين أصل الاتجاه الذي هم عليه، فكأن الحق سبحانه قد نقل الأقوال التي كان أهل الكتاب يستفتحون بها على المشركين وما قابل ذلك من رد عليهم، ومن هنا كان الجمع ظاهراً في سياق الآيتين أقصد آية البحث وآية سورة البينة، وبهذا تظهر النتيجة في قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) البينة 4. فتأمل ذلك بلطف.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

abdulhusan shaabanرابعاً - من الدولة الفاشلة إلى الدولة الرخوة: إذا كانت مظاهر الدولة الفاشلة قد تجسّدت في عدم قدرتها على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي وعجزها عن تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وخصوصاً في ظلّ شحّ المشاركة السياسية الحقيقية باستمرار الظاهرة الطائفية، وكذلك عدم التمكّن من إنجاز المصالحة الوطنية الحقيقية فإن هذه الدولة أخذت تنحدر تدريجياً من الدولة الفاشلة إلى الدولة الرخوة والكيان الهش المعرّض للتفتت.

نقول إن العراق دولة رخوة وكيان هش وبدأ يتحلّل بشكل خاص منذ الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988، حين بدأت بعض الإرهاصات الطائفية تأخذ طريقها إلى الممارسة السياسية بتهجير عشرات الآلاف من العوائل العراقية إلى إيران بحجة التبعية الإيرانية وضعف الولاء للدولة العراقية، وزاد تدهور الدولة بعد غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990 وحرب قوات التحالف ضد العراق العام 1991، وقاد الأمر إلى ضعف الشعور بالمواطنة وارتفعت موجات التمييز، وتدريجياً بدأت الدولة بالتراجع، حتى أن إقليم كردستان أصبح خارج سيطرتها منذ أواخر العام 1991، ثم وقع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 في حرب محسومة النتائج سلفاً، وبعد حصار دولي دمّر النسيج العراقي دام نحو 13 عاماً، خصوصاً وأن دخول العراق في حروب لا معنى لها قد أضعف من مكانة الدولة العراقية، ولاسيما بعد غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990.

ولا يقلّ العجز السياسي عن العجز الاقتصادي، بل إن كليهما يثبت هشاشة ورخاوة وعجز الدولة، ذلك أن عدم التمكّن من تحقيق الاستقلال الوطني، قاد إلى عدم التمكّن من تحقيق الاستقلال الاقتصادي في ظلّ تخبّطات عرفتها الدولة وسياساتها المالية والاقتصادية وغياب الحوكمة، وقد ارتبط العجز في مجال التنمية وتدهور مستوى الخدمات إلى عجز مماثل في ميدان العدالة، اجتماعياً وقانونياً، مدنياً ودينياً، وبسبب ذلك أيضاً تعرّض مسيحيون وإيزيديون وصابئة وأبناء طوائف أخرى إلى سلسلة من عمليات القمع والإرهاب والتنكيل وغير ذلك.

وجعل العجز في الحقول الثلاثة، الدولة العراقية قابلة للاختراق من الخارج، مثلما عرّض المجتمع العراقي والمواطن العراقي إلى امتحانات شديدة القسوة بسبب ذلك، خصوصاً بضعف الحصانة وشعور فئات واسعة من السكان بالتمييز والتهميش ، والأمر له علاقة بغياب المشاركة السياسية الضرورية وتسلّط نخب تجهل آليات عمل الدولة وأجهزتها، فضلاً عن انخراطها في عمليات الفساد المالي والإداري.

لا يمكننا فقط التركيز على الوضع الذي وصلت إليه البلاد على العامل الدولي ونقصد بذلك الاحتلال، وإنْ كان أساسياً، لكن العامل الإقليمي مهم جداً بوضع مثل العراق، فلإيران مشروعها السياسي القومي المذهبي الآيديولوجي، ولتركيا مشروعها السياسي القومي المذهبي الآيديولوجي، أما العراق فقد انقسم إلى طوائف وإثنيات وكتل وجماعات متناحرة متضاربة لا يجمعها جامع يمثّل الحد الآن من الانتماء إلى الوطن وإلى حمل صفة المواطنة، وقد يكون مناسباً في هذا المقام استعادة مذكّرة الملك فيصل الأول العام 1933، بخصوص غياب المواطنة العراقية، وذلك بعد أكثر من 12 عاماً على حكم البلاد، التي وجدها مقسّمة طائفياً وإثنياً  بين مللٍ ونحلٍ وطوائف وعشائر لا يجمعها جامع.

إن عدم وجود مشروع عراقي موحّد أو مشروع عربي جامع للعب دور توازن مع المشروعين الإيراني والتركي، إضافة إلى المشروع الصهيوني الذي له يد طويلة في الامتداد والاختراق، ولعب دور التنفير والتوتير بين دول المنطقة وشعوبها ولدى كل دولة في الوقت نفسه، أقول أن غياب هذا المشروع يعني أن العراق الذي نعرفه قد يتعرّض كيانه للتفتيت أو للتجزئة، وذلك سيناريو محتمل بسبب استفحال الأزمة وإمكانية  تفاقمها في المستقبل لأسباب داخلية أو خارجية. وإذا ما تحقق مثل هذا السيناريو فسيكون أول المسلسل للدول العربية، فقد تلحقه سوريا واليمن وليبيا، وهناك إشارات إلى بعض دول الخليج، خصوصاً في ظل التداخل الإقليمي.

 

خامساً - من الدولة العميقة إلى الدولة الغنائمية

ما كادت البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبياً تتنفّس الصعداء بعد تبلور مطالب شعوبها باتجاه التغيير، حتى بدأت معاناة  أخرى ومن نوع جديد تواجهها، والأمر لا يتعلّق بصميم ما سعت إليه ورفعته من شعارات ذات طبيعة قيمية، مثل المطالبة بالحرّيات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وغيرها، بل بصراعات واحتدامات جديدة سرعان ما أخذت طريقها إلى المسرح السياسي، خصوصاً ما رافقها من عنف وفوضى وتفتت مؤسسات الدولة وانحلال بعضها.

والأمر لا يتعلق بالشرعيات القديمة التي انهارت أو تآكلت أو ضعف دورها، بقدر ما له علاقة بطبيعة التغييرات الحاصلة والحواضين الاجتماعية لها، والمرحلة الانتقالية التي تمرّ بها ودور الدولة العميقة في مواجهتها والتحديات التي اعترضت طريقها، والقوى التي حاولت تجيير عملية التغيير لصالحها، والتطورات الجديدة وغير المتوقعة التي أعقبتها.

وإذا كانت الشرعيات القديمة قد أصبحت ماضياً ولا يمكن إعادته أو العودة إليه، إلى أن المسألة في وجهها الآخر ترتبط بعدم ولادة شرعية جديدة وتوافقات تستجيب لمطامح التغيير وتطلّعاته، وخصوصاً باللحظة الثورية التي اتحدت فيها العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، بالنسبة للشباب.

وإذا كان القديم قد انهار أو تفكّك أو تذرّر، لكن الجديد لم يولد بعد وحتى ولادته كانت قيصرية أحياناً، وسرعان ما تعرّض المولود الجديد إلى التهابات حادة وأعيد إلى حاضنته، فضلاً عن كوابح وعراقيل بدأت مع أولى محاولات البناء، سواء من جانب القوى المخلوعة أو من جانب قوى وجدت مصلحتها في الماضي، أو أرادت أن تكون هي بديلاً عنه، وهكذا تبدّدت فرص التغيير، وأصيب البعض بالخذلان والخيبة، بل وُجد هناك من اعتبر التغيير كارثة، والربيع أصبح بعرفه خريفاً، لأن البديل كان ملتبساً، حيث استشرت الفوضى وعمّ العنف وتفشي الإرهاب على نحو مريع، بل إن الدولة الوطنية أصبحت عرضة للتمزّق والتآكل والتفتت وتم العبث بوحدتها وهيبتها ومرجعيتها.

وإذا كانت حركة الاحتجاج استهدفت استعادة الحقوق المفقودة والمستلبة، فإن العواصف والتقلّبات والانقسامات التي شهدتها البلدان التي عرفت التغيير، دفعت أوساطاً غير قليلة إلى القنوط لدرجة اليأس، خصوصاً بصعود نجم الجماعات الإرهابية، سواء تنظيم القاعدة أو ربيباته: تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها، إضافة إلى قوى محافظة أحياناً قد تكون أبعد عن الحداثة من القوى الاستبدادية التي حكمت البلاد.

ولأن البلدان التي واجهت حركة الاحتجاج والتمرّد انزلقت إلى حروب أهلية أو هدّدتها العمليات الإرهابية وتزايد أعداد المتطرفين والانتحاريين، كانت تعيش في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإن أزماتها وهي تعيش مرحلة انتقالية، ازدادت حدة وعنفاً، كانت حادة وعنيفة على إن الاستثناء هو تونس في المحيط العربي لأنها لم تنزلق في حروب دموية، مع ارتفاع منسوب الاغتيالات السياسية، ومصر التي استعادت الدولة مكانتها بعد استبعاد الأخوان المسيلمين من الحكم، لكن حركة التمدين السياسي والمشروع الديمقراطي المدني لا يزال متعثراً أو إنه يسير الهوينا، ناهيك عن حجم العنف الذي ضرب ليبيا واليمن وسوريا، حيث عانت هذه البلدان من تدخلات خارجية دولية وتداخلات إقليمية، واندلاع حروب دموية وضعت مسار الدولة ومؤسساتها جميعها في حالة لا تُحسد عليها.

ولأن الحقوق الأساسية ظلّت مستلبة، لاسيّما الحق في الحرية، فقد وجدت عقبات جديدة أمام حرية التعبير والضمير بفعل صعود تيار إسلاموي متطرّف، فضلاً عن بعض نزعات طائفية ومذهبية طغت على السياسة، تلك التي اعتمدت ثقافة الحشود مذكرة بعصر المداخن الذي تلى الثورة الصناعية، وأريد بها بديلاً عن المعرفة والاحتكام إلى المعايير الديمقراطية والحقوق الأساسية التي اندلعت الثورات والانتفاضات من أجلها.

للأسف الشديد فإن الطبقة السياسية التي تصدّرت المشهد عقب أنظمة الاستبداد التي أطيح بها والتي زعمت أنها كانت السبب وراء معوّقات التطور الديمقراطي، وقفت هي الأخرى بسبب صراعها على السلطة ومراكز النفوذ وبفعل الفساد المالي والإداري والتذرّر الطائفي والمذهبي بوجه علميات التحوّل الديمقراطي، لاسيّما في ظل استشراء العنف والإرهاب، ولذلك ضاعت الحقوق التي ناضلت من أجلها الشعوب وحركات الاصلاح والتمدين ومن أهمها "الحق في الحق" وأساسه الحق في التمثيل السياسي والحق في الأمن والحق في السلام والحق في التنمية والحق في الحرية والحق في الكرامة والحق في السكن والعمل والضمان الاجتماعي والحق في العلاج وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك من مستلزمات دولة الحق والقانون، خصوصاً باعتماد حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات والإقرار بالتنوّع والتعددية وحق الشعب في اختيار من يمثله وحقه في عزله، على أساس التداولية السلمية للسلطات.

واستبدلت الطبقة السياسية بعد الإطاحة بالأنظمة السابقة، مفهوم الدولة الاستبدادية ليحلّ محله مفهوم الدولة الغنائمية والمحاصصة الطائفية والحزبية، وولدت وتكاثرت بسرعة خارقة لوبيات فاسدة وفئوية ولصوصية، فضلاً عن غياب رجال دولة حقيقيين، فالطاقم السياسي بشكل عام جاء في غالبيته من المعارضات، التي ليس لها خبرة أو معرفة بالدولة ودواوينتها وآليات عملها، وبسبب ضعف الرقابة وتفكك أجهزة الدولة ومحاولة الكسب غير المشروع والسريع استشرى الفساد المالي والإداري على نحو لم يسبق له مثيل، بل إنه شكّل ظاهرة صارخة في أوضاع ما بعد الربيع العربي.

لو راجعنا تقارير البنك الدولي والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية المعتمدة مثل منظمة الشفافية العالمية، لاكتشفنا إن بلدان ما بعد الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية، سواء التي وصلت فيها النخب الحاكمة بعد الاحتلال مثل أفغانستان والعراق، أو بالتدخل الخارجي كما هو في ليبيا واليمن، هي الأكثر فساداً، بل إن بلداً مثل العراق وصلت وارداته النفطية خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 700 مليار دولار، لكنه لا يزال يعيش على الحافة، وترتفع نسبة من هم دون خط الفقر لتصل إلى أكثر من 8 مليون إنسان في بلد عدد سكانه نحو 30 مليون، وتزداد نسبة البطالة وتتفشى الأمية فيه، ولاسيّما بين النساء، ناهيك عن الإرهاب والعنف والطائفية والمحاصصة والفساد، وهو من أغنى بلدان العالم.وهكذا كانت المعادلة أغنى بلد لأفقر شعب.

وإذا كانت أنواع الفساد الكبير معروفة، فإن أنواع الفساد الصغير الذي قوامه الغش والرشا والمحسوبية والوظائف والعقود الوهمية والتهرّب من الضرائب وتجنب الغرامات المالية والشراكة مع رجال الأعمال وهروب العديد من الفاسدين أصبحت سائدة، وأصبح الفساد بحد ذاته مؤسسة من المؤسسات التي يصعب اختراقها بحكم نظام المحاصصة الوظيفي وبحكم المصالح التي ترتبت للطبقة السياسية وأعوانها.

ومن النتائج الكارثية الجانبية لحركات التغيير صعود ظاهرة الإسلام الجهادي، في تونس وليبيا وسوريا ومصر والعراق، خصوصاً بين أوساط المهمشين والمنحرفين والمجرمين والفئات الأقل تعلماً تلك التي تبنّت آيديولوجية داعش، التي تمدّدت ليشمل نشاطها قارات وبلدان بعيدة مجندة آلاف الشباب بما فيه الأوروبي والغربي للالتحاق بها.

إذا كانت الدولة العميقة قد انهارت سريعاً، لكن تأثيراتها لم تنتهِ ولا تزال قائمة وقوية، وقد استعادت بعض مواقعها، ولكن تحت عناوين اقتسام الغنائم والحصص وتوزيع الفوائد على القوى المتنفذة، مهما اتخذت من أسماء وصفات.

والأمر لا يتعلق بنفوذها الداخلي فحسب، بل إنها عقدت شراكات مع الخارج بما فيها الدول والشركات العابرة للقارات والحدود التي زعمت إنها تقف مع التغيير.

 

تحدّيات داخلية وخارجية

إن التحدّيات التي تواجه استمرار العراق كدولة قائمة هي:

1- تحدّيات سياسية خارجية، إضافة إلى تحدّيات اقتصادية دولية بسبب شروط التبادل التجاري واستيراد الغذاء وانخفاض أسعار النفط واستيراد السلاح والمديونية، الأمر الذي يجعل البلاد أكثر خضوعاً للهيمنة الخارجية، وخصوصاً في ظل وجود النفط، وذلك يطرح تحدّيات جيوسياسية من خلال روابط التبعية، ولا تأتي هذه فقط من الغرب الإمبريالي، بل من إيران وتركيا و"إسرائيل"، سواء باستخدام القوة العسكرية أو لاقتطاع الأراضي، أو لإجبار العراق على توقيع اتفاقيات "سلام" استسلامية مع "إسرائيل" وإنهاء كل علاقة بقضية العرب المركزية " فلسطين" وفتح أسواقها للصناعات والتكنولوجيا "الإسرائيلية"، وكذلك لإحداث المزيد من التصدّع داخل المجتمع العراقي.

2- تحدّيات داخلية، وأولها وأهمها وأخطرها هو الاحتراب الطائفي المعلن والمستتر، وهيمنة الطائفية السياسية على مقاليد الدولة وأجهزتها وممارستها للتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني. يضاف ذلك عدم الإقرار بالتنوّع الثقافي، ولاسيّما وإن مشاكل الإثنيات والأديان والطوائف أخذت بالظهور على نحو شديد بعد الاحتلال، أما بسبب كبت طويل الأمد واضطهاد وعدم مساواة، أو بسبب رغبة في التعبير عن هوّية فرعية وخصوصية جرى طمسها أو تغييبها خلال مسار الدولة العراقية. والمسألة تتعلّق بالكرد والتركمان والآشوريين والكلدان والسريان كتعبيرات قومية وإثنية، وبالأديان مثل المسيحية والإيزيدية والصابئة وغيرهم، وفي إطار الأديان بما فيه الإسلام والمسيحية وطوائفهما، وبالطبع فإن نهج الاستعلاء والإقصاء والتهميش الذي عانت منه هذه المجموعات  الثقافية على مرور تاريخ الدولة العراقية دفعها للتعبير عن نفسها وهوّيتها الفرعية وفي بعض الأحيان بانغلاقها وضيق أفقها بسبب ما عانت منه.

وتبقى المسألة الأساسية هي التحدّي الطائفي المحتدم والمصحوب بالكثير من عناصر الكراهية والحقد والبغضاء، لاسيّما التي يقوم أمراء الطوائف والمستفيدون من الانشطار الطائفي بتغذيتها، ولاسيّما علاقة الشيعة بالسنّة، حيث أدى هذا الإنقسام إلى احترابات وتكفير خصوصاً، وإن دعاة الطائفية هم في الغالب الأعم " طائفيون بلا دين" على حد تعبير عالم الاجتماع علي الوردي واستخدموا الطوائف بما يسيء إلى الدين، بتقديم ذلك على مبادئ الوطنية والمواطنة، وليس ذلك بعيداً عن التداخل الخارجي الإقليمي والدولي.

إن التحدّي الديني وفروعه الطائفية قاد إلى موجات مختلفة من التعصّب والتطرّف والإرهاب والعنف، وانتشار ما سمي بالحركات الأصولية " الإرهابية" سواء اتخذت اسم جماعات القاعدة أو جبهة النصرة أو داعش أو جماعات مسلحة خارج دائرة القانون سنّية أو شيعية، ولاحظنا كيف اهترأت دولة مثل العراق واقتطع جزء عزيز منها هو الموصل، بكل تلك الخفّة واللاّمسؤولية، والأمر ذاته في سوريا، حيث لا تزال الرقة ونحو ثلث الأراضي السورية تحت هيمنة داعش. وللإرهاب أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مثل الفقر والأمية والتخلف وعملية غسل الأدمغة التي تقوم بها الجماعات الإرهابية والتفسيرات الخاطئة للدين وغير ذلك.

 

الأزمة العراقية والسيناريوهات المحتملة

وضعت الأزمة العراقية الأخيرة، الدولة ومستقبلها على بساط البحث، فهل سيتعرّض العراق إلى التفتيت؟ ثم ما هي السيناريوهات؟ وإذا كان هذا السيناريو محتملاً بفعل استفحال الأزمة العراقية وعدم وجود حلول جذرية لإعادة لحمة الدولة باستمرار الطائفية السياسية التي تمثّل جوهر الأزمة ، فالدراسات المستقبلية تضع سيناريوهين آخرين لأزمة الدولة، أولهما سيناريو استمرار الحال على ما هو عليه أو تفاقمه، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى احتمالات أخرى، وثانيهما سيناريو التوحيد وخصوصاً إذا ما توفرت إرادة سياسية موحدة وظرف موضوعي وذاتي مناسب. ما الذي يمكن أن يحصل؟ وأي السيناريوهات المستقبلية سيكون أقرب إلى الواقع؟

 

أولاً- سيناريو التفتّت

1- التفتّت الواقعي Defacto fragmentation، وذلك بتحوّل الدولة إلى كانتونات أو فيدراليات أو دوقيات أو مناطقيات لا يربطها رابط وثيق فيما بينها سواءً كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر  الدولة تدريجياً.

2- التفتّت الرسمي (الفعلي) Dejure Fragmentation وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك عن امتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.

3- الانضمام والإلحاق،   Joining and Annexوهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح  المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك،  وأعتقد إن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، خصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.

ومن العوامل التي تساهم في تزايد التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الارهاب وأعمال التفجير والمفخخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد،  وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية بما فيها المصالحة والتخلّي عن مساعي الانتقام والثأر ومحاولة كسر شوكة الآخر، ناهيك عن شحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.

 

ثانياً- سيناريو استمرار الحال

وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للاصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، خصوصاً وأن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرّأ العبادي  (وإنْ كان تحت الضغط الشعبي) على إعلان ذلك  استنفر جميع الفرقاء (من الفاسدين) لوقف هذا المسلسل. وإذا توقّف ولم يستطع الاستمرار فعلاً، فإن ذلك  سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وإن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها.

ومن احتمالاته عدم بقاء رئيس الوزراء في موقعه، وانفتاح الأزمة على مصراعيها، فالأمر لا يتعلّق بالعبادي، بل بمستقبل الدولة العراقية ومسألة مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين: فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

هل سنذهب إلى انتخابات مبكرة؟ أم إن العبادي سيستخدم "صلاحياته" أو يتجاوزها بفعل الخطر الذي يتهدد الدولة العراقية بإعلان حالة الطوارئ وتعليق الدستور وحلّ البرلمان وتشكيل حكومة إنقاذ وطني جديدة انتقالية من كفاءات عراقية تحدّد بعد سنتين مثلاً الذهاب إلى انتخابات؟

إن استمرار الحال لم يعدْ ممكناً، وفي أحسن تقدير : أما الإطاحة بالعبادي، لاسيّما إذا بقيت الاصلاحات فوقية، وهو ما يذكّر برغبة الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في العام  1956 بإجراء إصلاحات لمعالجة آثار الحقبة الستالينية، لكن طاقم ستالين وجهازه ظلّ هو الحاكم والمتنفذ. وتدريجياً عادت الأمور كما كانت إلى حدود غير قليلة، وفي نهاية المطاف أزيح خروتشوف عن موقعه وحلّ ليونيد بريجينف محلّه وحكم بالبيروقراطية الاستبدادية ذاتها لعشرين عاماً.

ثم جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في العام 1985 فأعلن عن رغبته في إجراء إصلاحات جذرية، أطلق عليها " البريسترويكا والغلاسنوست" أي "إعادة البناء والشفافية"، لكنه واجه مشكلات جمّة، فلم يكن لديه أدوات للاصلاح والتغيير، وكان جهاز الدولة منخوراً والحزب مترهّلاً، ناهيك عن إنه لم يلتجئ إلى خطوات متدرّجة وتراكمية وطويلة الأمد، ولهذه الأسباب لم يكن بإمكانه الاحتفاظ بالسلطة، ولكن هذه المرّة لم يزاح هو فحسب، بل أطيح بالاتحاد السوفييتي في العام 1991، بعد إسقاط الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية بانهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 .

صحيح أن العبادي ليس خروتشوف ولا غورباتشوف ولا يمكن مقارنته بأي منهما، كما أن العراق ليس الاتحاد السوفييتي، لكن هذا الاستطراد مع الفارق في التشبيه والحالة والزمان والمكان، يستهدف إلفات النظر إلى أن أمام العبادي طريق واحد للاستمرار أو أنه إمّا أن ينحر أو ينتحر وقد يطاح بالعراق، إنْ لم يتّخذ خطوات عاجلة وسريعة لتدارك ذلك، ببناء تحالفات جديدة خارج الطاقم الحاكم، لأن أعداءه يمثّلون حيتان كبيرة من داخل حزبه ومن خارجه ، وليس معه أحد، لا السنّية السياسية ولا الكرد، وحتى الحشد الشعبي فإن ولاءه الأساسي ليس له. وإنْ لم يستطع العبادي الإطاحة سريعاً برؤوس الفساد، فسيطاح برأسه وقد تنهار الدولة العراقية.

 

ثالثا- سيناريو التوحيد

إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية  لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً،  فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب بشأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزء من أسباب الخراب التي تعاني منها البلاد.

إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومستلبة وملحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلاّ ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي " القابلية على الاستعمار"، لاسيّما وأن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزء منها والنفوذ وأحياناً معها ميليشيات وبعض دول الجوار أو القوى الدولية،  ولذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.

كما إن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير  تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع الكثير من أن المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولاسيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل وتضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.

وهذه القوى هي: جماعات المصالح الاقتصادية والأحزاب والقوى السياسية المهمّشة من داخل العملية السياسية أو من خارجها، إضافة إلى المجموعات الثقافية المتنوّعة والتي تشعر بالغبن بسبب الإقصاء أو العزل أو التهميش أو حتى احتساب بعضها على النظام السابق، فجرى اجتثاثها، وبعضها  من أصحاب الكفاءات والخبرات التي لا يستهان بها. يضاف إلى ذلك مؤسسات المجتمع المدني من داخل وخارج العملية السياسية، ومراكز الأبحاث والدراسات والجامعات، فضلاً عن أن البيئة الدولية والإقليمية قد تكون مشجّعة للتوحيد لأسباب تتعلق بالخوف من انتقال عدوى التفتيت إليها، ناهيك عن فايروس الإرهاب.

وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين دوراً مهماً على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللامركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ودون صفقات سياسية  باعتبارها  نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما  لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.

يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن التجاوز عليها، وأولها الحرية وثانيها المساواة وثالثها العدالة، ولاسيما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكل جوهر الهوّية الجامعة ، مع احترام الهوّيات الخصوصية.

 

 خاتمة

بين الطائفية والمواطنة فرق كبير وشاسع، والمواطنة ليست طائفية حتى وإن انتمى المواطن إلى طائفة، إلاّ أن الأساس الذي يربطه بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية، المتكافئة، والمشترك الإنساني في إطار سيادة القانون، وإذا ما أقرّ الجميع ذلك وفق دستور ينظّم علاقة المواطن بالدولة، فالأمر يقتضي أن تكون هي المرجعية وليس غيرها، وهو ما يتطلب التصدّي لمرتكبي الطائفية، طبقاً لقانون يحظرها ويعاقب من يدعو أو يروّج أو يتستر عليها، أو يتهاون في مكافحتها أو يخفي معلومات عنها، وذلك بهدف تعزيز المواطنة وتعميق أواصر اللحمة الوطنية والوحدة الكيانية للمجتمع والدولة.

وإذا ما اقترنت الطائفية والتمذهب بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى انقسام في المجتمع ونشر الفوضى والاضطراب، واستخدام العنف والقوة والتمرّد، وقد تقود إلى حرب أهلية، فإن ذلك يرتقي إلى مصاف جرائم أمن الدولة الكبرى، بما فيها جرائم الإرهاب، وقد تصل إلى جرائم الخيانة العظمى إذا ما ترافقت مع تحريضات لجهات خارجية وفقاً لأجندات أجنبية، خصوصاً في ظل استفزاز المشاعر الخاصة، ودفعها باتجاه عدواني ضد الآخر، الأمر الذي قد يصل إلى ما لا يُحمد عقباه!!

ولتعزيز قيم المساواة والمواطنة وتطويق الطائفية سياسياً واجتماعياً بعد تحريمها قانونياً، ينبغي حظر العمل والنشاط السياسي، وتحت أية واجهات حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو نقابية أو ما شابه ذلك، إذا كانت تسعى لنشر الطائفية أو المذهبية (التمييز الطائفي أو المذهبي)، بصورة علنية أو مستترة، خصوصاً بحصر الانتساب إلى ذلك المجتمع أو المنظمة أو الجمعية أو تلك، بفئة معينة، بادعاء تمثيلها أو النطق باسمها أو التعبير عنها.

كما لا بدّ من منع استغلال المناسبات الدينية للترويج للطائفية أو المذهبية، بغية إثارة النعرات والعنعنات بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية والهوّية الجامعة المانعة، التي أساسها الوطن والإنسان، ويقتضي ذلك أيضاً منع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية بما يسيء إلى الطوائف الأخرى، خصوصاً من خلال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والألكتروني، الأمر الذي يتطلّب على نحو مُلح إبعاد الجيش والمؤسسات الأمنية ومرافق الدولة العامة عن أية إنحيازات أو تخندقات طائفية بشكل خاص وسياسية بشكل عام، وقد يحتاج الأمر إلى إعادة التجنيد الإلزامي لجميع العراقيين.

وإذا أردنا وضع اليد على الجرح فلا بدّ من حظر استخدام الفتاوى الدينية لأغراض سياسية، لاسيّما انخراط رجال الدين فيها، خصوصاً إذا كانت تتعلق بالشأن العام السياسي، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الجامعات والمراكز المهنية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية والأدبية والثقافية، التي ينبغي أن تكون بعيدة عن أية اصطفافات طائفية أو مذهبية.

إن بناء دولة دستورية عصرية واحترام حقوق المواطنة كاملة، يقتضي وضع حد للطائفية السياسية تمهيداً لتحريمها ومعاقبة القائمين عليها أو الداعين لها أو المتسترين عليها، وهي الطريق الأمثل للوحدة الوطنية والهوية الجامعة- المانعة.

ومثلما بدأنا في المقدمة بالحديث عن الطائفية ودورها في الأزمة الراهنة، فإننا نختتم هذا الموضوع بإعادة نشر اقتراحنا لمشروع قانون تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق الذي سبق وأن عرضناه على العديد من الجهات في العام 2008 . وندرج هنا نص المشروع كملحق لهذه الدراسة.

 

د. عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكر – نائب رئيس جامعة اللاّعنف

وحقوق الإنسان "أونور"- بيروت

..........................

ملحق: مشروع قانـون تحريم الطائفيــة وتعزيز المواطنة في العراق

د. عبد الحسين شعبان

 

مشروع قانون أعدّهُ الباحث واقترحه على الفاعليات والأنشطة السياسية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني للمناقشة وابداء الرأي، وقد تجاوب معه عدد من الحقوقيين والمحامين والأكاديميين والباحثين ونخبة من المثقفين وأبدوا ملاحظات حول المشروع، بهدف تكييفه ليصبح أمر تشريعه يسيراً لاحقاً، علماً بأن الصيغة الاولى للمشروع نشرت ضمن كتاب للباحث بعنوان "جدل الهوّيات في العراق – الدولة والمواطنة" الصادر عن الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009. وقد تم إعداد المشروع لاحقاً وفقاً للقوانين العراقية النافذة، وقد ورد فيه ما يفضي إلى عقوبة الإعدام التي يعارضها الباحث، بل ويدعو إلى إلغائها! الأمر الذي رغب في تثبيته كملاحظة مرافقة لمشروع القانون، الذي يدعو إلى تحريم وتجريم الطائفية وفي الوقت نفسه تعزيز وتوثيق المواطنة.

 

المادة الاولى: تعريف الجرائم الطائفية

الفقرة (1) - كل فعل أو سلوك إجرامي يهدف إلى إثارة حرب أهلية أو اقتتال طائفي، وذلك بتسليح المواطنين أو حملهم على التسلّح أو حثّهم على القتال أو تأجيج الفتنة الطائفية أو استخدام العنف أو زعزعة الأمن الداخلي والوطني أو المساس بالوحدة الوطنية أو تدمير الثروات البشرية والمادية والمشاريع والممتلكات العامة والخاصة.

الفقرة (2)- تعتبر الطائفية جريمة بحق الشعب والوطن، ويعاقب بأشد العقوبات من يرتكبها بالدعوة إليها أو ترويجها أو التستّر عليها أو التهاون في مكافحتها أو إخفاء معلومات عنها، لاسيما اذا ما اقترنت بأفعال وأنشطة من شأنها أن تؤدي إلى اضطراب وفوضى في المجتمع، خصوصاً إذا استخدمت العنف والقوة والتمرّد على السلطات العامة أو أدّت الى حرب أهلية.

 

المادة الثانية: تجريم الطائفية

تعتبر الأعمال الآتية جرائم طائفية:

الفقرة (1)- العمل والنشاط السياسي تحت أية واجهة سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو مهنية أو ما شابه ذلك، لغرض نشر الطائفية أو ممارسة التمييز الطائفي، بصورة علنية أو مستترة، لاسيما إذا حصرت انتساب أعضائها بفئة طائفية محدّدة أو ادّعت تمثيلها أو تأييدها ويحظر ذلك حظراً كاملاً.

الفقرة (2) - استغلال المناسبات الدينية في الترويج للطائفية أو المذهبية بغية إثارة النعرات والكراهية بين الطوائف وإضعاف مبادئ الوحدة الوطنية و الهوّية الوطنية العراقية. ويمنع استخدام الطقوس والشعائر والرموز الدينية لأهداف طائفية أو مذهبية منعاً باتاً.

الفقرة (3) - استخدام وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية والألكترونية في الترويج لأي غرض طائفي أو مذهبي، بغض النظر عن الأسباب والمبررات.

الفقرة (4) - التصنيفات والتقسيمات الطائفية والمذهبية في الجيش والقوات المسلحة والشرطة  وقوى الامن الداخلي والمخابرات وجميع دوائر الدولة ومرافقها.

الفقرة (5) - فتاوى رجال الدين التي تتعلق بالشأن العام، لاسيما ذات الطابع السياسي الطائفي، وكذلك خطابات أئمة الجوامع ، ذات الصلة بالحضّ على الطائفية والمذهبية، ويمنع منعاً باتاً اعتلاء المنابر وإلقاء الخطب للترويج والدعاية للتوجهات الطائفية والمذهبية المؤدية إلى إثارة الاضطراب والفوضى في المجتمع  وتهييج المشاعر والعواطف.

الفقرة (6)- استخدام الشعارات الدينية الطائفية والمذهبية في الجامعات والمعاهد العليا وفي المدارس الثانوية والابتدائية، وفي مراحل التعليم كافة. ويحظر تقسيم المناصب التعليمية والتربوية وفقاً لاعتبارات مذهبية وطائفية. ويُعاد النظر بصياغة المناهج التعليمية والتربوية بهدف إبعادها عن أية تصينفات أو توجهّات طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو مناطقية تضرُّ بالوحدة الوطنية وبمعايير العلم والتقدم. ولا يعترف بشهادات المدارس الدينية الاّ إذا كانت برامجها مقبولة ومعتمدة لرقابة حكومية وتوافقت مع البرامج والمناهج التعليمية المعتمدة في الدولة. ويُحظر على المدارس الدينية حصر القبول على أساس طائفي أو مذهبي، وعليها أن تقدّم كشف حساب سنوي من مدقق حسابات معترف به رسمياً وفقاً للأنظمة المالية والمحاسبية المعتمدة في الدولة وتتعرض للمساءلة والملاحقة القضائية إذا أخفت أية معلومات ضرورية.

الفقرة (7)- نشر أو عرض أو تداول أو ترويج أو تشجيع أو التستر على أي عمل فني أو ثقافي أو فكري أو سياسي يهدف الدعاية الطائفية والمذهبية بما يضعف روح المواطنة والتعايش السلمي بين تكوينات المجتمع العراقي بما في ذلك الصحافة والاعلام والكتب والعروض المسرحية والسينمائية والغناء والموسيقى والأناشيد  والفنون التشكيلية وانواع الفنون والآداب الأخرى. ويُمنع ذلك منعاً باتاً.

الفقرة (8)- طبع أو نشر أو استيراد أو بيع أو تداول أية كتب أو مطبوعات أو أفلام أو ألعاب أو وسائل إيضاح للأطفال والناشئة من شأنها تكريس روح الطائفية والمذهبية وكره الآخر وازدراء المذاهب الأخرى. ويُمنع ذلك منعاً باتاً.

 

المادة الثالثة: تعتبر بوجه خاص الافعال الاتية من جرائم امن الدولة

الفقرة (1)-  توزيع أو اقتسام المناصب الحكومية أو غير الحكومية على أساس الانتماء الطائفي والمذهبي.

الفقرة (2)- الترشّح في أية انتخابات برلمانية أو مجالس المحافظات أو الادارة المحلية أو البلدية، استناداً إلى أي معيار طائفي أو مذهبي.

الفقرة (3)-  تقسيم الوظائف القضائية بكل درجاتها وأصنافها وفق لأي اعتبارات طائفية او مذهبية.

الفقرة (4)- ادارة العتبات المقدسة والأوقاف ووفقاً القسمة الطائفية والمذهبية، وبما يضرّ بالوحدة الوطنية.

الفقرة (5) - برامج المدارس الدينية على أساس طائفي، وكذلك القبول على أساس طائفي أو مذهبي في كافة المراحل الدراسية .

الفقرة (6) - برامج الانتساب إلى الأندية الرياضية والمنتديات الشبابية والجمعيات الاجتماعية والتعاونية والأدبية والخيرية ومنظمات المجتمع المدني كافة، إذا اعتمدت على أية اعتبارات دينية أو طائفية أو مذهبية.

الفقرة (7) - ادارة المستشفيات أو المستوصفات أو الرعاية الصحية أو دور العجزة أو الصيدليات أو المختبرات وجميع الطواقم الطبية والصحية وفقاً لأي اعتبار ديني أو طائفي أو مذهبي .

 

المادة الرابعة: العقوبات

الفقرة (1)-  يعاقب بالاعدام كل من ارتكب – بصفته فاعلاً أصلياً أو شريكاً أياً من الأفعال الجرمية والطائفية الواردة بالمادتين الثانية والثالثة من هذا القانون، ويعاقب المحرّض والمخطّط والمموّل، وكل من مكّن المرتكبين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الأصلي .

الفقرة (2)- يعاقب بالسجن المؤبد من أخفى عن عمد أي ارتكاب جرمي أو تستر على المرتكبين أو قام بتضليل العدالة .

 

المادة الخامسة: الظروف القضائية المخففة

الفقرة (1) - يعفى من العقوبات الواردة في هذا القانون كلّ من قام بإخبار

السلطات المختصة قبل اكتشاف الجريمة أو عند التخطيط لها ، أو ساهم اخباره في القبض على الجناة أو حال دون تنفيذ الفعل .

الفقرة (2)-  يعدّ عذراً مخففاً من العقوبة في الجرائم المنصوص عليها، في المادتين الثانية والثالثة من هذا القانون لكل من قدّم معلومات بصورة طوعية للسلطات المختصة بعد وقوع أو اكتشاف الجريمة من قبل السلطات وقبل القبض عليه، وأدّت معلوماته إلى التمكّن من القبض على المرتكبين الاخرين وتكون العقوبة السجن، وفقاً لقانون العقوبات البغدادي.

 

المادة السادسة: الاحكام الختامية

الفقرة (1) - تعدّ الجرائم في هذا القانون من الجرائم العادية المخلّة بالشرف .

الفقرة (2)-  تصادر جميع الاموال والمواد المضبوطة والمبرزات الجرمية او المهيئة لتنفيذ العمل الاجرامي .

الفقرة (3) - تطبّق أحكام قانون العقوبات النافذ بكل ما يرد به نص في هذا القانون .

الفقرة (4) - ينفّذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .

الفقرة (5) - للسلطات ذات الصلاحية حق إصدار قرارات وأنظمة وتعليمات لتسهيل تنفيذ أحكام هذا القانون، وتُلغى جميع القرارات، والقوانين واللوائح التي تتعارض مع نصوصه.

 

الأسباب الموجبة

لمّا كانت المحاصصات والتقسيمات الطائفية قد أسهمت في تفتيت المجتمع العراقي وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية باعتمادها قاعدة المحاصصة، ونظراً لجسامة الأضرار وفداحة الخسائر الناجمة عن الجرائم الطائفية التي أصبحت تهدّد الوحدة الوطنية واستقرار النظام والأمن العام، وبهدف تعزيز الوحدة الوطنية وتعميق  الهوّية العراقية الجامعة على أساس مبادئ الدولة الديمقراطية العصرية القائمة على المساواة واحترام حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وواجباتها الكاملة،  لذا بات من الضروري إصدار تشريع من شأنه الحدّ من هذه الظاهرة تمهيداً للقضاء عليها وذلك بتحريمها وتعزيز المواطنة.

ولهذه الأسباب شرّع هذا القانون.

 

د. عبد الحسين شعبان

* مفكّر وأكاديمي عراقي- له العديد من المؤلفات في الفكر والقانون والسياسة والأديان، إضافة إلى المجتمع المدني وحقوق الإنسان والثقافة والأدب. مستشار في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الانسان/ بيروت.

نشرت في International journal of Contemporary Iraqi Studies, Vol. 10, No. 1 & 2, 2016 .

 

abdulhusan shaabanمقدمة: أعادت الأزمة الراهنة الإشكاليات الأساسية التي عانت منها الدولة العراقية منذ الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق العام 2003، وخصوصاً موضوع الطائفية السياسية التي أصبحت ظاهرة متفشّية في مفاصل الدولة العراقية وأروقتها، بل إن التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني أصبح السمة الأبرز للحكم ما بعد الاحتلال.

ولم تستطع الدولة على الرغم من مرور 13 عاماً على الاحتلال من حلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية، وما يتعلق بالبطالة والضمان الاجتماعي والمتقاعدين، بل إن هذه المعضلات تفاقمت على نحو شديد، وازدادت تعقيداً ممّا عمّق  الأزمة السياسية، وأضفى عليها بُعداً شعبياً أخذ بالاتّساع، خصوصاً وقد ترافق ذلك باستمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وعدم حلّ مشكلة المياه التي أخذت بالتفاقم، مما سبّب أمراضاً وأوبئة عديدة، ومنها انتشار مرض الكوليرا.

لقد قامت العملية السياسية على صيغة المحاصصة الطائفية- الإثنية، التي وجدت ضالّتها في تأسيس مجلس الحكم الانتقالي في تموز (يوليو) العام 2003، خصوصاً بتخصيص 13 عضواً منه لما سمّي بالشيعة و5 أعضاء لما سمّي بالسنّة و5 أعضاء لممثلي الكرد وعضو واحد لمن اختير ممثلاً عن التركمان وعضو واحد باسم الكلدو آشوريين. وعرفت الدولة الجديدة التي تأسست على أنقاض الدولة القديمة التي قامت في عشرينيات القرن الماضي، باسم "دولة المكوّنات"، التي ورد ذكرها ثمان مرّات في الدستور. أما "دولة المواطنة" التي كان العراقيون يتطلّعون إليها  بعد انقضاء حقبة الحكم الشمولي، فقد اختفت مدلولاتها وتضبّبت معانيها، لاسيّما بعد تأسيس نظام المحاصصة.

إن ذلك يمثّل جوهر الأزمة بجميع فروعها وأجنحتها. وإذا كان الاحتلال صائراً إلى زوال مثلما كان متوقّعاً، فإن خطر الطائفية ظلّ ينخر في جسم الدولة العراقية، ويحفر في كيانها بمعول مسموم، وإذا ما استمرّ على هذا المنوال فإن عملية الهدم والتآكل ستصل إلى أساساتها، وبالتالي ستؤدي إلى انهيارها.

كان الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) الذي صدر في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 أيار/مايو 2003 - 28 حزيران (يونيو) 2004) في 8 آذار (مارس) العام 2004، تكريساً وانعكاساً للصيغة الجديدة لتوازن القوى وقد قام نوح فيلدمان القانوني الأمريكي المناصر لإسرائيل بإعداد صيغته الأولى، مثلما عمل الخبير الأمريكي بيتر غالبرايت في وقت لاحق على صياغة بعض المواد ذات الطبيعة الإشكالية، والتي اعتبرت ألغاماً قابلة للانفجار في أية لحظة، لأنها تشكّل مصدر خلاف واختلاف وليس مصدر اتفاق وتوافق.

وبدلاً من أن يكون الدستور القاسم المشترك الأعظم الذي تلتقي عنده الإرادات المختلفة للقوى والأحزاب والمنظمات السياسية والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المصالح المتنوّعة، فإذا به يصبح هو بالذات تعبيراً عن الإشكاليات والصراعات التي عانت منها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وهذه كلّها تنطلق وتصبّ في صيغة المحاصصة التي اعتمدتها، وفي النزاع حول تمثيل هذه الجماعة أو تلك لتتحدث نيابة عن هذه الطائفة أو تلك أو تمثل جزءًا منها، وذلك عبر الإستقواء بالمحتل والحصول على الامتيازات، خصوصاً من جانب أمراء الطوائف، وليس بوسائل إقناع أو بنفوذ حقيقي سياسي أو فكري أو اجتماعي.

ولم يتورّع هؤلاء من استخدام العنف والحشود الجماهيرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن في فترة الثورة الصناعية في أوروبا، بهدف كسر إرادة الآخر وفرض نمط ديني أو مذهبي على الحياة العامة وعلى المجتمع ككل. وبالطبع فإن مثل هذا الأمر لم ينشأ في فراغ، فقد كان له ردود فعل أقسى وأشدّ أحياناً، وهكذا أخذت دائرة العنف تتّسع لتشمل الجميع، وخصوصاً بانتعاش بؤر للإرهاب، التي تغذّت بتفاعلها مع جهات خارجية إقليمية ودولية ولأهداف مختلفة.

ولكي يتم تمويل عمليات الإرهاب والعنف، لجأت الكثير من القوى إلى استخدام موارد الدولة لمصالحها الخاصة، الشخصية والحزبية، سواء عبر سرقات منظمة أو هدر المال العام أو توظيفه في غير مواقع التنمية، ناهيك عن أصحاب الحظوة من الأبناء والأصهار والشركاء في إطار عمل غير مشروع.

وهكذا أصبح الفساد مؤسسة قائمة بذاتها وتستطيع تحريك الوضع السياسي سلباً أو إيجاباً طالما هي تتحكّم بالملايين من البشر الذين يعانون من البطالة وشظف العيش والأميّة والتخلّف مع ضخّ الكثير من الأوهام الطائفية ضد الآخر، الغريب المُريب، الخصم والعدو الذي يستحق الاستئصال. وبالطبع فالفساد لا يقتصر على شأن معين، بل يشمل الإدارة السياسية والاقتصاد والاجتماع والثقافة والمجتمع المدني وتزوير الشهادات والاحتيال والرشا وغير ذلك، لدرجة زكّمت الأنوف.

ولم يستثنِ الفساد أحداً، بل حاول لفّ الجميع بشرنقته، خصوصاً وأن المال السائب يغري بالسرقة كما يُقال، لاسيّما في ظل اخترام مؤسسات الدولة وحلّ الجيش والأجهزة الأمنية وعدم وجود مساءلة أو محاسبة إزاء هدر المال العام أو التلاعب فيه.

ويعتبر الفساد الوجه الآخر للإرهاب، كما أنه ليس بعيداً عن مخرجات الطائفية والتقاسم المذهبي- الإثني، وقد أغرى الفساد جميع الكتل والأحزاب والقوى على الانخراط فيه، والتستّر على منتسبيها وأتباعها، ولهذا فإن خطره امتدّ إلى أجهزة الدولة بكاملها والعديد من المنظمات والهيئات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، التي هي الأخرى ضعفت يقظتها إزاء غول الفساد ومخالبه.

ومن المظاهر الأخرى للأزمة العراقية وخلفياتها، هو ضعف الشعور العام بالمواطنة والعودة في الكثير من الأحيان إلى صيغ ما قبل الدولة، سواءً الطائفة، أو الجماعة الإثنية، أو الدين أو العشيرة أو الجهة أو المنطقة، وذلك للاحتماء بها والاختباء خلفها، طالما لا تستطيع الدولة حمايتها وتأمين الحدّ الأدنى من وظيفتها في ضبط الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وتلك هي الوظائف الأولى والأساسية للدولة، وأية دولة لا تستطيع القيام بذلك، فلماذا إذاً هي دولة!؟.

لقد ساهمت الطائفية السياسية في انهيار هيبة الدولة ومعنوياتها، لاسيّما وأن بعض الأطروحات والتوجّهات السياسية وضعت "المرجعية" الدينية المذهبية، فوق الولاء للدولة، بما فيها تداخلاتها الخارجية، والأمر لم يقتصر على المؤيدين لهذه "المرجعية" وهي تمثّل مجموعة من رجال الدين المتنفذين في النجف وأتباعهم الذين يسائلون ولا يُسألون، بل شمل خصومهم أيضاً، الذين يتسابقون معهم أحياناً في الحصول على صكوك المباركة لوظائفهم أو مواقعهم أو امتيازاتهم.

إن ذلك يعني إخضاع مرجعية الدولة لمرجعية غير دستورية، في حين إن جميع المرجعيات سواءً كانت دينية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو عشائرية ينبغي أن تخضع إلى الدولة التي لها صفة العلوية والسمو على غيرها من المرجعيات، بما فيها حق احتكار واستخدام السلاح والفصل في الحكم بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، وبدون إخضاع المرجعيات الأخرى إليها فلا تصبح والحالة هذه دولة.

وإذا كان الدستور ملغوماً وفيه الكثير من العيوب والمثالب التي تستوجب تعديل نصوصه أو إلغائه  لسنّ دستور أفضل، لكن ذلك لا يلغي وجوده القانوني وعلويته والاحتكام إليه وفقاً للنظام السائد، حتى تتوفر فرصة مناسبة، يتمكّن فيها الشعب العراقي من اختيار ممثليه في أوضاع سلمية وطبيعية وآمنة، وخصوصاً بوضع حدٍّ لظاهرة الإرهاب والعنف والفساد.

 

الأزمة وسياقاتها

ثلاث دوائر تتحرك في إطارها الأزمة العراقية الراهنة، فالدائرة الأولى تتمثّل  في حركة الاحتجاج الأخيرة ومطالبها، سواءً الآنية العاجلة أو المستقبلية الآجلة والتي تتجسّد بمآلات حركة الاحتجاج وسقفها ومدى تحقق أهدافها ، لاسيّما البعيدة .

وإذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر الماركسي غرامشي، فإن الواقع لا زال يشي بالتشاؤم، على الرغم من إن التململ أخذ يكبر وهاجس التغيير ازداد عمقاً، خصوصاً وإن كتلاً بشرية ضخمة أخذت تنضم إلى المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات اليسارية واليمينية، الدينية والعلمانية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، والذين تجمعهم أهداف ومطالب مشتركة، لاسيّما حياة الناس وحاجتهم الماسّة والضرورية إلى الخدمات ومكافحة الفساد والمفسدين، فلم يعد السكوت عنها ممكناً.

نقول ذلك، مع أن الواقع لا زال يشي بالتشاؤم بفعل عقبات كبرى وكوابح كثيرة قد تؤدي إلى احتواء حركة الاحتجاج أو إجهاضها أو شقّها وبالتالي تشتّتها، خصوصاً وإن بعض الأطراف تريد الانفراد في قيادتها كما حصل في مرّات سابقة، بغض النظر عن استجابة رئيس الوزراء لمطالب الإصلاح، لكنها ظلّت حتى الآن فوقية ولم تمس جوهر المشكلة، لاسيّما إعادة الخدمات على جناح السرعة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وردّ الاعتبار للدولة ومؤسساتها ووضع حدّ للطائفية والتقاسم الوظيفي، علماً بأن حيدر العبادي بلا حلفاء أو أصدقاء، حتى وإن كان جمهوراً واسعاً يؤيد عملية الإصلاح، لكن أعداء الإصلاح والفاسدين يشكلون جبهة قويّة، حتى وإنْ اختلفت مصالحهم.

 

أولاً - حركة الاحتجاج ومآلاتها

إذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق، سنلاحظ أنها تلتقي حول أهداف مشتركة، وهذه تتلخص بـ :

1- تحسين الخدمات ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولاسيّما الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة وتلك أمور آنية ومستعجلة. وقد عانى العراقيون من تفاقمها، وشبعوا من الوعود بتحسينها، الأمر الذي دفعهم إلى النزول إلى الشوارع التي لم يبارحوها مطالبين بتحسين الخدمات وبالإصلاح حتى بعد إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن تبنيه خطة للاصلاح.

والوجه الآخر لحركة الاحتجاج الواسعة هو الدعوة إلى مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، وتقديم هؤلاء إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بما فيهم المقصّرين وعديمي الشعور بالمسؤولية والمستهترين بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، خصوصاً بعد أن أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي هو الأساس في الحصول على المناصب العليا في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني، بعيداً عن الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقد أثّر ذلك على نحو شديد في فاعلية وأداء أجهزة الدولة وكفاءتها ودورها، حتى إن إحدى الجماعات السياسية وأعني بها " جماعة السيد مقتدى الصدر" احتجزت أحد أعضائها خلافاً للقانون، والمقصود به هو بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء السابق، لمدة ثلاثة أشهر كما أعلنت. ودعت المواطنين، الذين يتهمونه بالفساد، التقدّم إلى جماعته السياسية للتحقيق فيها، ولعلّ ذلك أحد مظاهر تدهور مقوّمات الدولة وانحلال مؤسساتها، خصوصاً القضائية.

2-  مواجهة مظاهر تفكّك الدولة، خصوصاً تحديد المسؤوليات لسقوط الموصل بيد داعش في 10 حزيران (يونيو) 2014 واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل وتمدّدها إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية وتهديدها العاصمة بغداد.

صحيح أن نفوذها تقلّص إلى حدود معيّنة ونسبياً، لكن استمرارها يمثل فضيحة للدولة العراقية أو لما تبقّى منها، وهي مهدّدة بالتقسيم الفعلي بفعل غياب إرادة سياسية للوحدة الوطنية وانعدام الثقة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة – المؤتلفة، الأعداء- الأصدقاء " الأعدقاء"، إضافة إلى فهم مغلوط وناقص لفكرة الفيدرالية التي جاء بها الدستور، خصوصاً محاولات تفسيره وتأويله، ناهيك عن الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر عند كل منعطف، في ظل انعدام الثقة بين الأطراف السياسية وتربّصها الواحد بالآخر، بما فيها الكتل المؤتلفة.

3- نبذ الطائفية وردّ الاعتبار لمرجعية الدولة وهيبتها ومكانتها، واعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا وإلغاء التمييز الطائفي والإثني والديني والعشائري ومناطقي وغير ذلك. وبسبب فشل محاولات تديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات لقيام الدولة المدنية.

قد تكون الدعوة إلى قيام دولة مدنية (الآن)، من باب التعبئة السياسية، إذْ يعتقد الباحث من موقعه كمراقب ومحلل للأحداث، أنها غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر بسبب اختلال موازين القوى، أي أنه ليس مطلباً راهنياً، أي قابلاً للتطبيق، بل هو طموح بعيد المنال، حتى وإن كان هدفاً منشوداً، لكن مفرداته تبقى مهمة، لاسيّما بفكّ الارتباط بين الدين والدولة وبين السياسة والدين، وعدم إخضاع الأخيرة لرجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم، ولاسيّما الطائفية والمذهبية التي هي عامل تفريق وتنافر وحساسية.

وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع لدرجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتى، ناهيكم عن تجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. ولذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها لقيام دولة مدنية، ولاسيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً "سلمية .. سلمية.. دولة دولة مدنية".

إن أهمية تلك الشعارات والدعوات تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطأون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم "كمرجعية" لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم وعاظ أو مرشدين جامعين وغير مفرّقين، لاسيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة، فالمصلحة الوطنية والولاء للوطن هي التي ينبغي أن تتقدّم على جميع الولاءات الدينية والإثنية والمذهبية والسلالية واللغوية والعشائرية والمناطقية، مثلما يكون الاحتكام إلى القانون والخضوع لسيادته هو الأساس، باعتباره المرجعية التي تفصل علاقات الناس ببعضهم ومع الدولة، وليس لأي قواعد أو أنظمة أخرى دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو غيرها.

لا يمنع الدستور أو قانون الانتخابات من انخراط رجل الدين في السياسة، ولكن السياسة كما نعلم تحتمل الكثير من المراوغة والتدليس والتجاوز على الحقيقة وتقديم المصالح الأنانية الضيقة  على حساب القضايا الوطنية والإنسانية  العامة، ومثل ذلك لا يليق برجال الدين، الذين عليهم أن ينأوا بأنفسهم عن ذلك لأن وظيفتهم تفترض العكس، أو أن عليهم أن يكفّوا عن كونهم رجال دين، وبالتالي لا اعتراض على حقهم في مزاولة العمل السياسي.

المهم أيضاً التقدّم بخطوات على طريق بناء الدولة العصرية الدستورية، بغضّ النظر عن تسميتها، وهذه الخطوات مهما كانت بسيطة لكنها تراكمية وتدرّجية وطويلة الأمد ، خصوصاً بإعلاء شأن المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتحريم الطائفية وإعلاء سيادة القانون واستقلال القضاء وتأكيد حق المشاركة والتداولية والانتخابات الدورية وحرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق المشاركة وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وتلك كلها تؤدي إلى فضاء يستطيع فيه المواطن الفرد والجماعة التعبير عن ذاتهما بشكل حر ومستقل، بما فيها الدعوة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن دولة الحماية التي نفتقر إليها لم تعد كافية على النطاق العالمي، خصوصاً وإن دولة الرعاية، بل والرفاهية، أخذت تشمل الميادين المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلّق بالقضايا التنموية، فما بالك حين نعجز عن الوصول إلى دولة الحماية، لتأمين الحد الأدنى للمواطن في أمنه وحياته وممتلكاته، فضلاً عن ضبط النظام والأمن العام.

 

ثانياً- الفيدرالية والأقاليم: معنًى ومبنًى

الفيدرالية حسب الدستور العراقي، جاءت موسّعة وصلاحياتها كبيرة ومفتوحة، على عكس صلاحيات السلطة الاتحادية التي جاءت مقتصرة على أبواب محدّدة، وفيما لو حصل خلاف بين الدستور الاتحادي والدستور الإقليمي، فإن الأول يخضع للثاني وليس العكس، كما هي الغالبية الساحقة من  فيدراليات العالم، وليس بمستطاع قيادة الجيش بما فيه القائد العام للقوات المسلحة نقل أو تحريك قطعات عسكرية من وإلى الأقاليم، إلاّ بموافقتها. وحسب الدستور يحقّ للأقاليم فتح ممثليات لها في السفارات العراقية في الخارج لمتابعة القضايا الإنمائية والثقافية والاجتماعية.

وبالقراءة القانونية فإن مثل هذا الوضع سيكون نواة لدويلة داخل دويلة بغض النظر عن النوايا، طالما ستكون هناك امتيازات وصلاحيات فلا يمكن والحال هذه إلاّ التمسك بها لأنها ستكون " حقوقاً " مكتسبة، خصوصاً وقد تضمنها الدستور، وليس بعيداً عن ذلك "العلاقات الخارجية" و"الاقتصادية" وإشكالات النفط وتوابعه، من الإنتاج إلى التصدير، ومن التعاقد إلى التوزيع، وعلاقة السلطة الاتحادية بالسلطة الإقليمية، سواء بالتنسيق أو بالإشراف أو الموافقة. وقد انفجرت هذه الأزمة منذ سنوات بين الحكومة الاتحادية وبين إقليم كردستان، ولم تجد طريقها إلى الحل لحد الآن، على الرغم من محاولات نزع فتيل الأزمة. وأعتقد أن سبب هذه الإشكالية في الدستور هي في المادتين  111 و112، اللتان تنصّان على:

مادة 111- النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كلّ الأقاليم والمحافظات .

مادة 112- أولاً : - تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المُستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المُنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصّة لمدّة محدّدة للأقاليم المتضرّرة، والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضرّرت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.

ثانياً : - تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار .

وإذا كانت الحكومة الاتحادية تدير النفط والغاز من الحقول الحالية، فإن النفط والغاز غير المستخرج تتم إدارته من جانب الأقاليم بالتنسيق والتعاون مع الحكومة الاتحادية، ومثل هذه النصوص كانت وراء تفسيرات وتأويلات مختلفة ومتنوّعة، بل ومتناقضة ولإقليم كردستان تفسيراته، مثلما للحكومة الاتحادية تفسيراتها.

إن تلك الإشكاليات جعلت من مبدأ الفيدرالية  أو " الأقاليم" إمّا وسيلة للتحلّل من الهيمنة المركزية للدولة  وذكرياتها المؤلمة، وخصوصاً للكرد، لاسيّما في فترة النظام الاستبدادي السابق، ولكنها قد تؤدي بالواقع العملي إلى إضعاف الدولة وسلطتها الاتحادية لحساب الأقاليم، أو اعتبار الفيدرالية بعبعاً مخيفاً، باعتباره طريقاً للانفصال والإنقسام، الأمر الذي سيبقي على المركزية الشديدة الصارمة، وهو ما سارت عليه الدولة منذ تأسيسها، ولاسيّما خلال فترة النظام السابق، بل إن هذا الاتجاه يعتبر أي حديث عن الفيدرالية إنما يصبّ في تقسيم العراق وقد يكون موحى به أو مدفوع الثمن من جهات خارجية مشبوهة. وهكذا يتعامل الفرقاء مع الفيدرالية حسب أهوائهم التي تتراوح بين المقدّس والمدنّس.

وكلا الشعورين ينمّان عن عدم ثقة وعدم وجود فهم مشترك وقناعات موحّدة حول الفكرة الفيدرالية معنًى (أي مضموناً) ومبنًى (أي صياغة)، وترتفع درجة الشكوك في ظلّ وجود هيمنة طائفية وتمييز وتهميش، ناهيك عن الرغبة في الحصول على المزيد من المكاسب على حساب الآخر وتحت تبريرات مختلفة.

الفيدرالية التي رفعت شعارها الحركة الكردية منذ أوائل التسعينيات وأيّدتها قوى يسارية وليبرالية ووطنية بشكل عام، كانت تطويراً لشعار الحركة الوطنية القديم منذ أوائل الستينيات " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" ، وذلك في إطار دعوة صريحة إلى تمثيل الشعب الكردي وتمكينه من تقرير مصيره  في إطار الوحدة الوطنية العراقية كما اختارها، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، وظهرت مشكلات قديمة وجديدة، بعضها عويص، خصوصاً ما يتعلق بكركوك أو بما سمّي المناطق المتنازع عليها، والتي ورد ذكرها في المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو المادة 140 من الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005، وأجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.

وكان الدستور الدائم امتداداً لقانون إدارة الدولة التي صدر في عهد بريمر، وقد نُقلت الكثير من مواد الأخير وأحكامه إلى الدستور الدائم، الذي جاء مليئاً بالألغام، بحيث لم يشعر أي طرف بالارتياح، في حين إن الدستور هو تعبير عن الواقع السياسي والاقتصادي ودرجة التطور الاجتماعي ويعكس المصالح والأهداف المشتركة للفئات الاجتماعية المختلفة، لكن الأمر في الدستور العراقي اتخذ منحًى مختلفاً. ولذلك وفي أكثر الأحيان يوضع الدستور على الرف ويتم الحديث عن التوافق والديمقراطية التوافقية خارج اللعبة الانتخابية (كقدر دائم لا مردّ له)، ولكن ما أن تدبّ الخلافات فيتذكّر كل طرف الدستور حتى وإن كان يتعارض تماماً مع ما يقول، لكنه يحاول الاستناد إليه من باب الزعم بتمسّكه باعتباره  "أبو القوانين"، حتى وإن كان الأمر شكلياً، ثم يُصار بعد ذلك للعودة لما يسمى بالتوافق دون أي اعتبار لصندوق الانتخاب وإرادة الناخبين.

إذا كانت الفيدرالية الكردية  تعبيراً عن حقوق قومية مشروعة ولها ما يبرّرها، وإن النظام الفيدرالي هو صيغة متطورة أخذت بها نحو 40% من سكان الكرة الأرضية، وشملت أكثر من 30 دولة، وأصبحت جزءًا من تطور النظام السياسي العالمي، فإن تطبيقاته في العراق وبصيغته الملتبسة أوجدت تعارضات شديدة بين الفرقاء السياسيين من المشاركين بالعملية السياسية ومن خارجها وعزّزت الشكوك بينهم، خصوصاً وإن العراق عانى من مركزية صارمة وشديدة المراس، وبحاجة اليوم إلى لا مركزية وتوزيع الصلاحيات، لكن تفسيرات وتطبيقات وتأويلات هذه الفيدرالية جاءت متناقضة وملتبسة من جانب العديد من الجماعات السياسية.

فالقوى التي رفضت التصويت على الدستور لأنه يتضمّن مبدأ الفيدرالية، عادت واندفعت لقيامها تحت حجة عدم استفراد القوى الشيعية بالحكم وعزل وتهميش السنّة، وتلك واحدة من مفارقات الحياة السياسية العراقية ما بعد الاحتلال، وفكرة الأقاليم بما فيها " الإقليم السنّي" التي عارضتها وتحفّظت عليها الكثير من القوى، بدت وكأنها " مقبولة" ، حيث أعيد طرحها بعد احتلال داعش الموصل وخصوصاً بعد تشكيل الحشد الشعبي ودخوله المناطق ذات الأغلبية السنّية وما ترك ذلك من اتهامات له بانتهاكات وردود أفعال ومخاوف بشأن مستقبل هذه المناطق.

والقوى الشيعية التي كانت متحمّسة للفيدرالية بعد الاحتلال، بدأت تتحفّظ عليها لا في المبدأ فحسب، بل في التطبيق أيضاً، ولذلك وجدنا كيف تعامل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بقسوة مع المناطق الغربية والشمالية ذات الأغلبية العربية السنية المطالبة بالفيدرالية، وكيف كانت النتائج: هيمنة داعش وجزع فئات واسعة من السكان دفعها لعدم اتخاذ موقف من استيلاء داعش على الموصل وكأن الأمر لا يعنيها، ولكن بعد حين شعرت هذه الفئات بخذلانها، إثر هيمنة داعش وفرضها نظاماً سياسياً واجتماعياً ودينياً متشدداً ومتعصباً خاصاً بها وخارج سياق التطور التاريخي.

أما الكرد فإنهم ينتظرون الفرصة السانحة للتعبير عن كيانيتهم المستقلة، ويريدون قبل ذلك تحقيق أكبر المكاسب تمهيداً لإعلانهم، خصوصاً إذا ما توفّرت اللحظة المناسبة، وحصلوا على تأييد دولي وموافقة إقليمية ضمنية بعدم معارضة ذلك، علماً بأن مبدأ حق تقرير المصير يشكّل المنطلق القانوني والدولي لمشروعهم التاريخي.

وإذا كانت دولة ما قبل الاحتلال تتّسم بالشمولية والواحدية والإطلاقية واحتكار الحقيقة وتمجيد الفردية ونهج التسلّط، فإن دولة ما بعد الاحتلال انتقلت من التعثر في وحدتها إلى استفحال الأزمة  بخصوص حاضرها ومستقبلها، لاسيّما في ظل الارتفاع السريع في وتيرة عوامل التفكيك والتشظي والتفتّت.

وشهدت البلاد احترابات داخلية وإرهاب وعنف منفلت من عقاله، ناهيك عن استمرار النفوذ الخارجي، سواء على شكل اتفاقية للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2008، مع إن محاولات إبرام اتفاقية أمنية جديدة بعد نفاذ الاتفاقية الأولى في نهاية العام 2011 باءت بالفشل، الاّ أن النفوذ الأمريكي لا يزال واسعاً ومتحكّماً ويظهر دوره في الأزمات والمنعطفات التي تمرّ بها البلاد، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية مجحفة وغير متكافئة بين بغداد وواشنطن حسب اتفاقية فيينا حول " قانون المعاهدات " لعام 1969، حيث تم تغيير صفة الاحتلال، من الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي.

يضاف إلى ذلك النفوذ الإيراني القوي والمؤثّر، سواء على صعيد الحكم رسمياً أو على صعيد العلاقة مع قوى أساسية في الحكم، وهذا النفوذ لم يعدّ خافياً أو مستتراً لا من جانب بعض القوى العراقية، ولا من جانب إيران،، فخط دفاع طهران كانت بغداد منذ احتلال العراق العام 2003، وإيران كانت ولا تزال تلعب دوراً إقليمياً كبيراً في العراق ولدى بعض دول المنطقة، وقد يتعاظم هذا الدور بعد التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني بعد مفاوضات دامت 12 عاماً وعرفت باسم (5+1)، على الرغم  من محاولة تطويقه عربياً ودولياً من جانب بعض دول الخليج العربي والولايات المتحدة والغرب عموماً.

 

ثالثاً- الدولة الفاشلة: ماذا تعني؟

من مظاهر أزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، هو عجزها عن حماية الاستقلال الوطني للبلاد، أو استعادته كاملاً وغير منقوص، وذلك بالاضطرار إلى التوقيع على اتفاقيات مجحفة ومذلّة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وذلك بالضد من اتفاقية فيينا حول " قانون المعاهدات" لعام 1969 التي تفترض التكافؤ والمساواة وعدم الإكراه أو الإرغام عند عقد أية اتفاقية، وإلاّ ستكون مثل هذه الاتفاقية مخالفة لقواعد القانون الدولي، وذلك لأنها ستكون مشوبة بأحد عيوب الرضا التي تُبطلها قانونياً وشرعياً.

وبسبب ضعف العراق، اضطرّ للسكوت عن تدخّلات وتجاوزات لحدوده وأراضيه واختراق سيادته في أكثر من موضع ومجال، وهو الأمر الذي يحصل مع إيران الذي لها اليد الطولى ،ومع تركيا يومياً بزعم ملاحقة حزب العمال الكردستاني التركي، وذلك إحدى مظاهر أزمته.

كذلك عجزها عن تحقيق التنمية المستدامة المستقلة بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية وغيرها، ولعلّ التظاهرات المندلعة منذ أسابيع وتطالب بمساءلة الفاسدين وتحسين الخدمات وغيرها من المطالب، خير دليل على فشل الدولة، فضلاً عن هدر أكثر من 700 مليار دولار هي واردات النفط خلال الفترة المنصرمة منذ الاحتلال ولحدّ الآن دون أية منجزات تُذكر، بل ذهبت جميعها تقريباً هباءً منثوراً، بسبب سوء الإدارة وهدر المال العام وعدم الشعور بالمسؤولية واستشراء الفساد المالي والإداري، المتمثّل بالسرقات وعمليات التزوير والامتيازات غير المشروعة وغير ذلك. ولا يزال العراق منذ 13 عاماً يصنّف من جانب منظمة الشفافية العالمية، باعتباره في أسفل سلّم الهرم بالنسبة للفساد المالي والإداري.

من مظاهر الأزمة أيضاً عدم إحراز أي تقدّم في ميدان العدالة الاجتماعية، حيث ازداد التفاوت الطبقي والاجتماعي على نحو شديد وارتفعت نسبة الفئات الفقيرة التي زادت فقراً، ويوجد نحو 8 مليون إنسان دون خط الفقر في بلد من أغنى بلدان العالم، ولكن شعبه يعيش بحالة مدقعة من الفقر، بل إن هناك بلدان فقيرة يعيش سكانها بطريقة أفضل من العراق بسبب نسبة قليلة من الإدارة الرشيدة والوحدة الوطنية.

ومن مظاهر الأزمة الأخرى هو تقليص دائرة المشاركة السياسية والشعبية وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، على الرغم من المشاريع الكثيرة الفاشلة، والسبب يعود إلى عدم توفّر إرادة سياسية، فالكل يعلن عن رغبته في التوافق، لكن التوافق الذي يفهمه لا يعني سوى الامتثال إلى رأيه لدى أي خلاف، ومثل هذا الأمر زعزع الثقة الهشّة والتفاهم المهلهل أصلاً وقاد إلى المزيد من التباعد والتمترس، خصوصاً في ظل ارتفاع نزعات الهيمنة والثأر والكيدية والانتقام، ليس ضد النظام السابق وكبار موظفيه فحسب، بل ضد القوى المشاركة بالعملية السياسية بعضها ضد البعض الآخر، حيث يتم اقتناص الفرص لإيقاع كل فريق بالآخر.

أما المظهر الأخطر للأزمة، فهو حالة التفتيت والانشطار العمودي التي تعيشها الدولة منذ الاحتلال وحتى الآن،والتي تنذر بعواقب وخيمة ليس بعيداً عنها مشروع جو بايدن لعام 2007 لتقسيم العراق إلى 3 دويلات (تحت عناوين فيدراليات) ووضع نقاط تفتيش Check point بينها وتخصيص 300 ألف جندي لمراقبة حدودها وإصدار هوّيات Identity أقرب إلى جوازات سفر للتمييز بين أبناء المناطق المختلفة حسب سكنهم والأماكن التي يقطنونها.

وسيكون ذلك جزءًا من تطهير طائفي وإثني جديد، خصوصاً وأن هناك مناطق يستعصي تجييرها لطائفة أو مجموعة طائفية كبغداد العاصمة على سبيل المثال، على الرغم من التطهير الطائفي الذي تعرّضت له منذ الاحتلال ولحد الآن، وباختصار فإن الزعم بأن التقسيم سيكون حلاًّ أو حتى آخر الحلول السيئة ليس سوى محاولة لفرض الأمر الواقع على العراقيين ليصبح ذلك واقعاً في المستقبل.

التقسيم سيكون كارثة جديدة على العراق الذي سيختفي من الخارطة السياسية، خصوصاً إذا ما استمر الاحتراب والصراع، بل إن صراعه سيكون مصارعة على الطريقة الرومانية، حيث سينهك الجميع ويصلون إلى حافة الموت.

ويذكّرنا مشروع جو بايدن بسؤال طرحه غراهام فولر الدبلوماسي والسياسي في مؤسسة راند Rand الأمريكية (المقرّبة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA)هل سيبقى العراق موحداً العام 2002 ؟ وعاد وكتب دراسة في العام 2002 عنوانها "العام الأخير لصدام حسين"! ، وكان ذلك تمهيداً لاحتلال العراق، وجزء من نظرية التفتيت التي اشتغلت عليها مؤسسات الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام، وتروست الأدمغة ومجمّع العقول لصالح المجمّع العسكري والصناعي، منذ اندلاع الحرب العراقية –الإيرانية، باعتبار الصراع في المنطقة هو بين سنّة وشيعة، وبين فرس وعرب وبين دولتين نفطيتين، وليس القضية الفلسطينية هي المسألة المركزية  وإن الصراع العربي – الإسرائيلي هو الصراع الأساسي في المنطقة، وهو ما أريد الترويج له والعمل على أساسه لتفتيت دول المنطقة ، والعراق كان بروفتها الأولى.

لعلّ غراهام أي فولر لم يكن خيالياً عندما كتب " هل سيبقى العراق لغاية العام 2002" خصوصاً باستمر الحصار والنظام حينها!؟ ننقل هذه الفقرة الجوهرية التي يريد الوصول اليها: دولة على درجة عالية من الاستبداد للحيلولة دون التفسخ، ولكن من شأن هذه الدولة الاستبدادية، أن تحرم البلاد من الاستقرار السياسي والمرونة اللازمة، الأمر الذي يغرق البلاد بالمقاومة الداخلية وعمليات التمرد والتدخلات الخارجية، وربما يغريها للسعي للمقاومة الخارجية للتعويض عن ضغطها الداخلي.

وضمن هذا السيناريو يمضي فولر: لقد شهدنا بالفعل تلك التجربة عندما شنّ العراق حربين ضد جيرانه خلال عقد واحد من الزمن. ثم يواصل فولر حبكته الدرامية بالاستنتاج التالي" ومما يدعو للمفارقة ان التدخل الخارجي ربما يكون السبيل الوحيد لانقاذ وحدة العراق، لأن استمرار نظام الحكم البعثي، سيؤدي بالتأكيد الى تعميق الخلافات الطائفية والدينية القائمة والتي يصعب التوفيق بينها داخل العراق."

ويفصح اكثر وعلى نحو لا لبس فيه ولا غموض عن ستراتيجيته الولايات المتحدة إزاء العراق، التي عبّر عنها أكثر من مرّة الرئيس كلينتون وآل غور نائبه وكريستوفر وليك وإضرابهم بالقول " فالسياسة الامريكية تجاه العراق تنطوي على مسائل تتجاوز كثيراً مصير دولة معتدية لحقت بها الهزيمة، بل إنها تشمل على العديد من القضايا ذات الاهتمام الدولي. ويعددها على النحو التالي:

1- يعتبر العراق واحداً من أخطر منتهكي الحظر على انتشار الأسلحة التدميرية وهو " مصدر قلق"!

2- العراق هو الدولة الأولى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي تم دحرها وترويضها عسكرياً بموجب النظام العالمي الجديد(الدور الجديد للأمم المتحدة)

3- ستظل "الوحدة الاقليمية " للعراق ليس موضع شك حسب، بل ربما يتقرر استمرار وحدتها جزئيا بسياسات المجتمع الدولي. (انظر غراهام. أي فولر- العراق  في العقد القادم: هل سيبقى العراق لغاية العام 2002؟ مؤسسة Rand، منشورات الملف العراقي، لندن، 1993، ص 7 و15 و 64).

وإذا كان كريستوفر قد صرّح بما يلي" إني قلق بشأن الذين سيخلفون (الرئيس) صدام حسين بقدر قلقي منه... فإن العامل الخارجي الذي يبرر التآكل التدريجي للدولة العراقية، يلتقي مع العوامل الداخلية، التي تؤدي الى ذبولها إذا جاز التعبير وبالتالي انهيارها.

(انظر كتابنا، عاصفة على بلاد الشمس، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994، ص 178)

ولكي نتعرف على طبيعة الدولة العراقية وقيام مؤسسات المجتمع المدني لا بدّ من العودة ولو بصورة سريعة الى قراءة بعض عناوين ومحطات قيام هذه الدولة وما وصلت اليه البلاد في الوقت الراهن.

لقد عانت الدولة العراقية منذ تأسيسها في 23 آب (أغسطس) 1921 من أزمة حادة، استفحلت مع مرور الايام بوجود " حكم أقلي" وابتعاد القاعدة الاجتماعية الواسعة عن المشاركة في إدارة الشؤون العامة وبالتالي تقليص دائرة الحكم، ليستقر في دولة يعبّر رئيسها الحالي عن استهزائه بالقانون والتشريع بالقول أن بضعة أسطر نحن نسنّها، فما بالك بالتطبيق. (انظر كتابنا: المحاكمة – المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد ، لندن ، 1992).

لقد أقيم العراق الحديث بلبنته الاولى في اتفاقية سايكس –بيكو السرّية عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا. وضم هذا البلد خليطاً من قوميات وعناصر متنوعة. وإذا كان العنصر العربي الأساس في المجتمع العراقي، خصوصاً في الوسط والجنوب وغرب البلاد وجزء من شمالها وبمحيطه العربي الأوسع، فإن العنصر الكردي تفوّق في كردستان (شمال العراق)، إضافة إلى وجود تركمان وآشوريين ويزيديين وأرمن وصابئة وغيرهم.

وضمّ العراق المتنوع قومياً، تنوّعاً دينياً، فإضافة الى المسلمين بطائفتيهم الرئيسيتين الشيعة والسنّة، هناك أقليات دينية متعايشة، خصوصاً المسيحيين بطوائفهم وصابئة وإيزيديين وغيرهم. والجميع يؤلفون نسيج الوحدة الوطنية العراقية بفسيفسائها وتمايز ألوانها.

وإذا كان التنوّع من خلال التعايش والوحدة الوطنية دليل قوة، إلاّ أنه لم يكن كذلك في منظور بيرسي كوكس – مس بيل بعد قيام ثورة العشرين (1920). فلم يكن من وجهة نظرهم ومصالحهم، سوى نوعاً من التناقض والصراع، الذي ينبغي أن يُحل لمصلحة بريطانيا بإحداث التعارض بين القاعدة العريضة وقمة الهرم التي كانت تضيق باستمرار.

ومع أن الملك فيصل الأول حاول تشخيص هذا الوضع قبل ما يزيد على بضعة عقود من الزمان وبعد خبرة في الحكم دامت نحو 12 عاماً حين دعا في مذكرته الشهيرة، التي وجهها قبل وفاته بفترة قصيرة (1932) إلى تقديم أولوية الانتماء إلى الوطن بدلاً من الطائفة والعرق، بسبب نهح لم يعتمد المساواة بين المواطنين أساساً للحكم، وخصوصاً فيما يتعلق بقانون الجنسية رقم 42 العام 1924، الذي قسّم العراقيين إلى فئة أ و فئة ب فيما يتعلق بشهادة الجنسية العراقية، وعلى أساسه والقوانين اللاحقة جرى تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين بحجة التبعية الإيرانية وإنسابهم إلى الفئة ب، في حين أن الفئة أ نسبت إلى التبعية العثمانية وبالتالي إلى التبعية العراقية (بالتأسيس).

وإذا كان هذا موقف رأس الدولة في العام 1932 الذي صاغه على نحو جريء وصريح محللاً حقيقة أزمة الدولة العراقية، فما بالك بما يجري في الواقع الفعلي، وهو ما أثار تداعيات وتساؤلات كثيرة بصدد تجليات الأزمة، وذلك من خلال معرفة الخلفيات وإجراء مقارنات ضرورية، كلما تطلب الأمر. (انظر عبد الكريم الأزري، مشكلة الحكم في العراق، طبعة خاصة، لندن، 1991) . انظر كذلك : عبد الكريم الأزري ، تاريخ في ذكريات العراق 1930-1958، طبعة خاصة، 1982).

الدولة حسب ابن خلدون تبدأ من " الرأس فما تحت" وهي بحاجة الى سلطة رادعة (وازع) وقائد عصبية أو تضامن من شعب يتحد معه لتنظيم أمور المجتمع. ويرى الدكتور علي الوردي الباحث والمفكر الاجتماعي: إن فكرة الدولة هي الاساس في نظرية ابن خلدون الاجتماعية وهو ما ذهب اليه الدكتور طه حسين، حين ركّز على موضوع القيم الحضرية.

أما ساطع الحصري فقد ركّز على موضوع العصبية، أي أنه أعار اهتماماً كبيراً لموضوع " القيم البدوية" في المنهج الخلدوني، كما يحلّل الاستاذ وليد نويهض. (انظر: صحيفة الحياة، 19 أيلول (سبتمبر) 1996، العدد 12260)

وحسب هوبز ولوك وسبينوزا وروسو تنشأ الدولة بموجب " عقد اجتماعي" بين الحكام والمحكومين (وإن اختلفت شروطه). أما عند كارل ماركس ولينين فالدولة أداة قمع للسيادة الطبقية، فهي والحالة هذه أداة لتنظيم سيادة طبقة على أخرى.

وإذا كان الاجبار سمة من سمات الدولة حسب ابن خلدون، لتأتي بعدها المظالم، فالدولة أيضاً نتاج تحريضي لما يحدث بين الناس من إكراه على التعاون في سبيل الانتاج الحضاري.

(انظر: علي الوردي، منطق ابن خلدون، طبعة جديدة، ص 251)

 

الدولة سواء ابتدأت من "رأس " أو كانت بموجب " عقد" أو "تخويل"  أو "سيادة لطبقة" فلا بدّ من قوانين تنظيم شؤون البلاد والعباد وفقاً لدرجة التطور الاجتماعي. وإذا كان العراق بعد احراز استقلاله السياسي، يمرّ بمرحلة انتقالية، فإن انتماءه الى المجتمع الدولي، كدولة ذات سيادة " عصبة الامم عام 1932" ودخوله الامم المتحدة، كعضو مؤسس وموّقع على الميثاق عام 1945، قد جعلت مكانت الاقليمية والدولية تكبر، خصوصاً ما يمثله من موقع ستراتيجي وموارد هائلة وخيرات ومعادن وتاريخه الحضاري العريق.

وشهدت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، استقراراً نسبياً وعمراناً تجسّد بمشاريع تنموية كبرى وسعياً لتحديث الادارة وبناء مؤسسات ومرافق اقتصادية، ورغم ربط العراق بمشاريع دولية للهيمنة وفي إطار الصراع السياسي والآيديولوجي، فترة " الحرب الباردة" كحلف بغداد عام 1955 وغيرها، الاّ أن القاعدة ظلّت بعيدة عن المشاركة في اتخاذ القرار، بل بينها وبين مركز القرار هوّة سحيقة، كانت تتسع باستمرار لدرجة لم يعد بالامكان ردمها الاّ بعملية قيصيرة بإعادة بناء الدولة العراقية على أسس جديدة وفي إطار المساواة وعدم التمييز، بما يعالج الفجوة الكبيرة والهائلة بين قاعدة الدولة وقمة الهرم.

لقد استهدفت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 معالجة موضوع اختلال التوازن في الدولة العراقية، خصوصاً نهج العزل والتمييز واللّامساواة، بالسعي لتوسيع قاعدة الحكم وتحرير الارادة الشعبية والتخلص من النفوذ الاجنبي الاستعماري ومن مظاهر تزييف الحياة البرلمانية وقيود العشائرية والمحسوبية والمنسوبية والاضطهاد الشوفيني، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، أكثر ضيقاً وتدريجياً بدأت ملامح الحكم العسكري تحكم قبضتها على البلاد وتفرض نوعاً جديداً أشد قسوة من الهيمنة ومصادرة حق الآخر والتدخل بشؤون المجتمع المدني والاستحواذ على مؤسساته، لدرجة أن البلاد دخلت دوامة الانقلابات العسكرية المتكررة ودارت في حلقة الانظمة الشمولية التوتاليتارية المتعاقبة، حيث تمت السيطرة على الحياة العامة وأُخضعت الأنشطة والفاعليات السياسية والنقابية والمهنية والاجتماعية للدولة، التي ألحق بهها كل شيء، فانقطع خط التطور التدريجي وازدادت قمة الهرم ضيقاً وتباعدت عن قاعدته الاجتماعية.

أما الدولة بعد الاحتلال الأمريكي وبموجب صيغة بول بريمر- زلماي خليل زاده،  فإنها توزّعت على ثلاث كيانيات سمّيت مكوّنات، هي الشيعة والسنّة والكرد، وفقاً لهذا النظام تمت المحاصصات الطائفية والإثنية وسارت على هذا الطريق من الناحية العملية منذ العام 2003 ولحدّ الآن، ويبدو إنها أصبحت مرتهنة إليه وأسيرة له، بل إن شرنقة تكاد تلف هذه الصيغة على نحو شديد لا يستطيع أحد الفكاك منها.

ومن مظاهر الأزمة الراهنة هو: غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني حول الوحدة الوطنية قاد إلى رؤية متناقضة للجماعات السياسية والطائفية، وهذه الرؤية تزداد تعقيداً بفعل اشتباك المصالح وتضاربها وبحكم التداخلات الإقليمية والدولية، يضاف إلى ذلك سعي أمراء الطوائف في الحصول على المزيد من الامتيازات لشحن أبناء طوائفهم ضد الآخر بزعم الخطر القادم.

فالشيعية السياسية، وخصوصاً الجماعات المسلّحة، سواء في السابق أو في الوقت الحاضر وتحت تسميات "الحشد الشعبي" الذي هو جيش موازي للجيش النظامي من الناحية العملية وإن كان خاضعاً رسمياً لرئاسة الوزراء ومرتبطاً برئيس الوزراء، نقول إن الشيعية السياسية ولاسيّما المسلحة تطمح إلى دور أكبر بعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على داعش.

ويضم الحشد الشعبي  الذي يرأسه هادي العامري، لواء بدر الذي كان تحت إمرته، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وجيش المهدي المرتبط بمقتدى الصدر وكتائب حزب الله وهي من التنظيمات التي قاومت الاحتلال، وجماعة المجلس الإسلامي  الأعلى بقيادة عمار الحكيم ومجموعة من حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي.

إن نشاط هذه المجموعات الشيعية، السياسي والعسكري، يستند إلى ركيزتين أساسيتين: الأولى هي التحالف مع إيران والترجيب بالدور الإيراني الذي تقوم به في العراق، سواء في مواجهة داعش أو في دعم العمليات السياسية، أما الركيزة الثانية فهي وقوفها بقوة ضد عودة القديم إلى قدمه، أي الحيلولة دون محاولات عودة أتباع النظام السابق، وهو الأمر الذي يجعل من موضوع المصالحة الوطنية مجرد شعار ترويجي ليس للتطبيق بحكم المخاوف المزروعة والمستمرة بين الأطراف المختلفة، خصوصاً باستمرار قانون المساءلة والعدالة الذي هو امتداد لقانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، العام 2003، وهاتان الركيزتان الاستراتيجيتان تعمل عليهما القوى الشيعية وكذلك إيران على نحو تكاملي ومتداخل، وقد تكون ضمن برنامج تدرّجي وبعيد المدى.

أما السنّية السياسية المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة فهي تخيف أبناء المناطق الغربية من الخطر الشيعي ومن تدخّلات إيران والتمدّد الصفوي بهدف التعبئة ضد خصومها من الشيعية السياسية، ولذلك وتحت ضغط الواقع والشعور بالتمييز والتهميش تضطر أحياناً إلى قبول فكرة الإقليم السنّي للحدّ من نفوذ الشيعية السياسية، كما إنها تسعى للحصول على دعم إقليمي ولاسيّما من دول الخليج العربي، وتركيا بهدف التوازن مع الدعم الإيراني للشيعية السياسية كما تبرّر، وهكذا فإن مثل هذا التجاذب يستمر، بل يتصاعد، وما لقاءات الدوحة (أيلول/سبتمبر/2015)  إلاّ تعبيراً عن المخاوف إزاء تطور الأوضاع الراهنة في العراق، وخصوصاً في المناطق الغربية من العراق.

ويعبّر الكرد عن مشروعهم الموسوم بقيام كيان خاص بهم " دولة" بمناسبة أو غير مناسبة، وهم أكثر وضوحاً وشفافية، استناداً إلى تمسّكهم بمبدأ حق تقرير المصير الذي أقرته المعارضة العراقية منذ العام 1992 في مؤتمر فيينا وصلاح الدين. ومع إن مشكلات تعترضهم على هذا الصعيد، بسبب الخلافات الداخلية والمنافسات السياسية والحزبية الحادة، فإن هناك تحفظات إقليمية ودولية بهذا الخصوص وهو ما لوحظ بشكل خاص بعد زيارة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني لواشنطن الأخيرة 3/5/2015.

وعلى أي حال فالمشروع الكردي بإقامة كيان خاص " دولة" في طريقه للتحقّق إن آجلاً أو عاجلاً، ولكنه يحتاج إلى وقت وقد يتم بالتدريج وعلى مراحل، خصوصاً وأن غالبية الشعب الكردي حسبما بيّنت الاستفتاءات تؤيد ذلك وتبقى مسألة التوقيت تحتاج إلى ظرف مناسب، وإلاّ فإن إجهاضها سيوجه ضربة جديدة لآمال الحركة الكردية. أما التركمان فهم يشعرون بالغبن لعدم تمكّنهم من إقامة كيان خاص بهم، ناهيك عن وقوعهم في منطقة حساسة لتضارب المصالح، ولا زال المسيحيون ( الكلدان والآشوريون والسريان) في حال شديد البأس والخطورة، بسبب إجلائهم  من مناطقهم في الموصل وبعض قرى وقصبات سهل نينوى وترتفع نسبة الهجرة في أوساطهم.

وهكذا فإن الدولة تسير بخطوات حثيثة نحو المزيد من الاصطفاف الاصطفائي والتباعد العملي الذي سيزيد من عوامل الانشطار والتمزّق.

 

2: 3 الطاعة: نسف الثقافة الجاهليّة: "يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"  يحقّ للقارئ أن يسأل في ضرورةِ إيراد هذه الآية في سياق الكلام على "غزوة أحد"، إلا أنّ السياق الحافل بالعتاب واللوم يبرر هذه الآية ضمناً، بخاصةٍ إذا عرفنا أنّ السبب الأوّلَ للهزيمة في "أحُد" كامن في العقليّة الجاهليّة التي جاء الإسلام بمواجهتها، وقد كان بعض المسلمين لمّا يتخلّصوا منها ومن منعكساتها في سلوكهم، وهي الجشع والطمع، فقد روي أنّ الرماة كان قد مَوضعَهم الرسول(ص) في موضعٍ ما من أرض المعركة، على أن لا يدَعوا هذا الموضع مهما حصل؛ وما إن رأى هؤلاء الرماة المسلمين قد مالت دفة المعركة لصالحهم، تركوا مواضعهم طمعاً بالغنائم "أخطأ رماة المسلمين خطأ لا يغتفر في مخالفتهم لأوامر الرسول صلى االله عليه وسلم الصريحة الجازمة، وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم، ولولا انسحابهم هذا، لما استطاع خالد بن الوليد ضـرب مـؤخرة المسلمين، ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين وتكبيدهم سبعين من الشهداء" . إذن، معصية الرسول(ص) كانت سببا في الهزيمة، وما كانت معصية الرسول لتكون لولا تمكّن العقليّةِ الربويّة الجاهليّة منهم، فهي التي غلبت إيمانهم، وثقتهم بالله، وهي التي أعمتهم وأنستهم واجباتهم القتالية." كان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة"  فقد أنزلتهم هذه العقليّة الربوية، وهم المؤمنون، منزلةَ الكافرين الذين يتنادون إلى القتال في سبيل المغانم والمكاسب، وفي سبيل الحفاظ على مصالحهم في الربا وغيره من أكل حقوق الناس في الباطل، لذلك دعاهم النصّ إلى التقوى "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" والتقوى هي الحذر والحرص والحماية، فأن يتقوا الله يعني أن يمتثلوا لأوامره ونواهيه، خَشيةً وإجلالاً، وبهذا يمكنكم توقع الفلاح.

"وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ"  ويأتي في مستهل هذه الآية عطف الفعل "اتقوا" الواقع على النار، على الفعل "اتقوا" الواقع على "الله"  جلّ وعلا، ففي الآية الأولى أخذت التقوى دلالتها من حاجة المؤمنين إلى الفلاح، فكانت تنبيها وإلفاتاً إلى خشية الله وإجلاله، وذلك من خلال التوافق بين ما تؤمنون به وما تسلكونه في الحياة الدنيا. أما الآية التالية فالتقوى تعدّت إلى النار، كما لو أنها تحيل على مؤجّل العذاب الذي أعدَّ للكافرين، وأنتم لستم كافرين، فلن يستقيم إيمانكم بالله، وتقواكم في الوقت الذي ما زالت عقلية الكافرين، الذين يصرون على جاهليّتهم، تدفعكم مثلهم في سلوك قائم على الطمع بالمغانم والمكاسب.

"وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"  وعطفاً على التقوى يأتي الفعل "أطيعوا"، ليأخذَ أبعادَه الدلاليّة من معاني الفعل "اتقوا" في سياق التوجيه إلى رصد مكامن الهزيمة في السلوك الشخصيّ مع الذات ومع القائد في سوح القتال. وإذا كانت تقوى الله تتغيا الفلاح؛ فإنّ طاعة الله والرسول تتغيا الرحمة، وكلا الأمرين يحيل على الْتماس ما يقتضيهما في سياق الواقع "الأُحُديّ" .

لم تكن الهزيمة التي مني بها المسلمون في "أحد" هينةً على الرسول ومن تبعه، فقد خسرت الدعوة سبعين رجلاً من النخبة العزيزة، وقد كان لهم في قلب رسول الله مرتبةٌ رفيعة، أودعهم ذلك " الجبل الداكن الجاثم حول "يثرب"، أودع "محمد" صلى االله عليه وسلم أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل االله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقـت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختط لها القدر مثواها الأخير في هـذا الجبـل الأشم، فتوسدت ثراه راضية مرضية"  . كما أن تداعيات هذه الهزيمة على المدينة كانت خطيرة جدّاً" فقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة وانتهاب خيرها"  وكان لهذا الأمر أثر كبيرٌ في الغزو والخسائر الملحقة بخسائر "أحد"؛ غير أنّ الرسولَ(ص) أصرّ على رفع معنويات المسلمين، فراح يجهز الدعاة والغزاة، وبدأت الأزمات تتراكم، والإصرار على النصر يتنامى، والمسلمون مستويات مختلفة، منهم من يضعف، ومنهم من يستشهد في سبيل الله وهو يقول: "فزت وربّ الكعبة"، ومنهم من يتقاعس عن طاعة الرسول، ومنهم من يُقْدم بلا وجل، وهكذا حتى بات الظفر مرجوّاً بتقوى الله، وكذلك الرقة والرأفة والرحمة مرجوّةً بطاعة الله ورسوله .

إذن، تقوى الله في هذا السياق، تعني طاعة الله ورسوله، ولا يمكن الفصل بين طاعة الله وطاعة الرسول؛ فإذا كانت طاعةُ الله هنا تعني الثبات على الإيمان، فالرسول (ص) يترجم ذلك بالأمر والنهي والإيفاد وتجهيز الغزاة والدعاة والقرّاء، وعلى القوم الامتثال لأوامره ونواهيه بوصفه قائداً للجمع المؤمن في الدفاع عن المدينة، وفي الدعوة إلى الله.

 

2: 4 الطاعة: أمرٌ بالاستقامة

تتماسك سورة المائدة في سياقٍ يتوخى تعديلَ سلوك "الذين آمنوا " باتجاه الوفاء بالعقود، وقد استهلت هذه السورةُ بالنداء يا أيها الذين آمنوا، مايعني أنها حمولةُ خطابٍ موجّهٍ إلى المختصين بالإيمان، وأنهم الذين آمنوا فذاك يعني أنهم لم يكونوا مؤمنين، وقد حصل إيمانٌ منهم بالله والكتاب والنبيّ، وهذا يتطلب أن ينعكس سلوكاً في العلاقة مع الآخر، ومع الذات. وقد تكّرَر خطاب الذين آمنوا وفق أسلوب النداء 16مرّة في سورة المائدة وحدها، ما يعني أنّ تنبيه الذين آمنوا هدف هذه السورة؛ فلا يكون نداء إلا لطلبٍ يقع على المنادى سواء كان أمراً أو نهياً، والذين آمنوا أقل رتبةً من المؤمنين، فهم لا يزال الإيمانُ عندهم فعلاً ربما يتوقف، أما المؤمنون، فالإيمان عندهم اسمٌ ثابتٌ لهم كالطول للطويل، والقصر للقصير. وهي آخر ما نزل على رسول الله (ص) في المدينة بعد حجة الوداع. وقد انطوت على العديد من الأحكام: أحكام العقود، الذبائح، الصيد، الإحرام، نكاح الكتابيات، الردة، الطهارة، السرقة، والبغي،، والإفساد في ألأرض، الخمر والميسر، وكفارة اليمين، الصيد في الإحرام، الوصية، .... وقد سيق في غضون هذه الأحكام آيةٌ تنطوي على طلب الطاعة "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا "  وقد سُبقت بآياتٍ من شأنها أن تشحن طلب الطاعةِ بمدلولات يقتضيها واقعها ﴿ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلٰوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ* وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾  بعد أسلوب النداء هذا، نلحظُ إسنادَ مفردة "رجس" إلى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فالخمر مربكٌ للعقل يلبس الأمور والفهوم، لما لأثره في الدماغ من خدَرٍ ممتع، يطلبه المرء ولا يأبه لآثاره السلبيّة، والمؤمن حقاً يعرف ما يقتضيه الإيمان بالله من حرصٍ على الوعيِ والفهم، ويعرف حقاً أنه مكلّفٌ لا يجوز له أنْ يغفل عن واجبه الدنيوي، أما الذي آمن فقد يتهاون في هذه المسألة ويتراخى في واجباته الدنيوية. والميسر أيضاً فيه من متعة الأمل بحلّ المشاكل الماديّةِ ما يغري الذي آمن بتعاطيه، ويغفل عن سلبياته التي أقلُّها أن الربح لا يكون إلا بخسارة الآخر، وهذا ما لا يقبله المؤمن، فهو مؤمن بأنه يجب أن يسعى في مناكبها طلباً للعيش الكريم والسعة في الرزق، وليس عن طريق خسارة الآخرين. أما الأنصاب فهي الحجارة التي دأب الجاهليون أن يذبحوا ذبائحهم عندها أو لها، وجعلوها شريكة لله في ملكه وتدبيره لمعايش الخلق، ولا يمكن لمؤمنٍ أنْ يقبل هذا، ولكن الذي آمن قد يكون لهذا النصب أو ذاك شأنٌ كبيرٌ عالقٌ في نفسه ووجدانه؛ فيعمد إليه جرياً على ما كان عليه قبل حصول فعل الإيمان عنده. وكذلك الأزلام وهي قداح ثلاثة أحدها "نعم" والثاني "لا" والثالث "غفل"، يلقيها حتى تكون "لا" أو "نعم"   فيتوهّم بها الفلاح، وهذا ما لا يقبله المؤمن؛ إذ يعرف أن ليس للإنسان إلا ماسعى. أمّا الذي آمن قد يتوهم أنّ الفلاح يكون له بسبب هذا أو ذاك.

وكما بدا لنا، فهذه الأمور الأربعة أُسند إليها الرجس ليكون حُكماً عليها، والرجس في مقاييس اللغة" الراء والجيم والسين أصلٌ يدلُّ على اختلاطٍ. يقال هُمْ في مَرْجُوسَةٍ مِن أمرِهم، أي اختِلاط، والرَّجْس صوت الرَّعد، وذلك أنه يتردَّد. وكذلك هَدِيرُ البعيرِ رَجْسٌ. وسَحابٌ رَجّاسٌ، وبعيرٌ رَجّاس. ومن الباب الرِّجْس: القَذَر؛ لأنّه لَطْخٌ وخَلْط"  . فعرفنا الخمر كيف يكون رجساً وكذلك الميسر والأنصاب والأزلام. ولكن النصّ اشتمل عليها بهذا الإسناد في أسلوب القصر بالأداة "إنما" ليكون هذا الحكم هو الملائم لها دون سواه، والقصر بـ"إنما" أثبتُ دلالةً من القصر بـ" ما ..إلاّ" وذلك لإفادة التأكيد بـ"إنّ". ويكون النص بهذا الأسلوب قد قدّمَ الحكمَ على الطلب، من باب تقديم بيان أسباب الطلب على الطلب " فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"؛ كما أنّ الطلب اجتنبوه سيق إذْ يُرجى الفلاح. والاجتناب مسنداً إلى واوا الجماعة كنايةً عن "الذين آمنوا"، يأخذُ دلالته ومداه الظرفيّ من ظروف هؤلاء التي تحُول دون الرقيّ، إذْ يتسبب الاختلاط الذهني المتأتي من الخمر والميسر بالعداوة والبغضاء فتستيقظ فيهم الشحناء والكراهية، وهذا ما ينحّي إمكانيةَ الفلاح، لأن الشيطانَ ينشطُ أكثر ما ينشط في طريق الله، وقد فهمنا أنّ الإيمان هو أن يكون الله في ذات الإنسان فيرقى في الحياة بمقدار ذكر الله لأنه بالذِّكر يرقى، بهذا النشاط الذهنيّ يموضع نفسه في الوجود، وهذه رياضةٌ يمارسها يومياً في سعيه لفهم الكون ومعرفته، وكلما ازداد ذكراً لله ازداد اندفاعاً في سبيل الله، وهل من سبيلٍ أمام العاقل سوى المعرفة، وفي هذا السبيل يأخذ الشيطان كمائنه فيترصّد الهمّة الإنسانية المشحوذة، ليزيّن لها الانزلاق إلى الشهوات فيطيش العمل. ولا يكتفي الشيطان من جرّاء الخمر والميسر بالصدّ عن ذكر الله   بل يتعدى إلى الصلاة. والصلاة هي الاستقامة في كلّ عمل هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي أن يكون المرء موصول الشعور والوجدان بالله، في كل حركة أو سكنة من حركاته أو سكناته. وإذا انصرف الإنسان إلى الملاهي بعيداً من الاستقامة بسبب اختلاط ذهنه، فأيّ صلةٍ بينه وبين الله! ويأتي الطلب بالانتهاء عن معاقرة الرجس بصيغة الاستفهام ترفقاً وتلطفاً، فلو أنه قال ولم يقل: "الخمر والميسر مرتع الشيطان في عقولكم، يفعلان بكم كذا وكذا فانتهوا عنهما"؛ لكان الأمر دفعاً لهم باتجاه الانتهاء بوصفه إرادة الله لهم بمواجهة إرادة الشيطان؛ وهذا ما لا تريده الآيةُ الكريمة؛ بل يريد الله لهم الانتهاء بإرادتهم، فلذلك حرك أذهانهم باتجاه الإجابة عن السؤال بـ"هل" وبعد أنْ بيّن لهم مقاصد الشيطان العظيمة في ضلالهم وغيهم وانزلاقاتهم الشهوانيّة مع الخمر والميسر.

وفي هذا السياق يأتي أمر الله إلى الذين آمنوا ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ فما هو المعنى الذي منحته الآيات السابقات للفعل أطيعوا واقعاً على لفظ الجلالة مرةً ومرّةً على الرسول؟

تبيّنَ لنا أنّ النداء بـ" يا أيها الذين آمنوا" هو نداء مباشر من الله إلى هذه الفئة، وبما توافر لديّ من إمكاناتٍ؛ تبينتُ أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، حتى يصبح ذلك السلوكُ الملائم سجيّةً تحققت لهم بكفاحهم ضدّ النفس الأمارة بالسوء، وضدّ عمل الشيطان بالإغواء والتضليل. وفهمت من هذه الآيات أيضاً أن سبيل الفلاح في الدنيا يكون بمقدار ما يتحقق من الاستقامة المعبَّر عنها بذكر الله والصلاة. إذن الطاعة هي الامتثال لأوامر الله ونواهيه، ويكون ذلك بتعديل السلوك ليتحول الذي آمن إلى مؤمن، وطاعة الرسول كذلك امتثال لأوامره ونواهيه، فهو رسول الله يأمر بما أمر الله وينهى عمّا نهى، وهو مكلَّف بتبليغ الرسالة، أوامر الله ونواهيه تتجاوز الظرف الزمني؛ فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!!

 

2: 5 الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين

عندما نعرف أن الكلمة تأخذ أبعادها الدلالية من ورودها في سياق، فإنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً، وبالتالي يكون المعنى الذي تأخذه الكلمة الموضوع  مقيّداً بما اقتضى السياق، وهذا يلزمنا بتوضيح وجهة نظرنا في هذه المسألة، فنقول: إنّ قدسيّة النص لا علاقة لها بالقيد التاريخي، ولا بعدمه، بل لها علاقةٌ بكونه نصاً إلهيّاً، وليس شرطاً ليكون النص إلهياً أن يكون فوق التاريخ، ولا يعني ذلك أننا لا يمكننا رصد مقاصده واستثمارها في أيّ زمانٍ ومكان.

وإذْ نقول :" إنّ السياق الذي وردت فيه له ما يقتضيه حتماً" لا يعني أننا سنذهب باتجاه سرد أسباب النزول، بل نعني أن الأسلوبَ سيكون مرآةً تظهر فيها صورة ما يقتضيه على هذا النحو دون سواه. فإذا توقفنا عند أسباب توالي التأكيد بـ"إنّ" ثلاث مرّات في آية سبقت آيةَ الطاعة؛ فهذا سيدفعنا إلى تقدير الأسباب في واقع المخاطبين سواء كانت في سلوكهم أو في أفكارهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾

 يستوقفنا في هذا الأسلوب الاستهلالُ بالتوكيد، ما يُلزم بالسؤال عن الضرورة التي أوجبت ذلك، وبتقديرنا ما كان النص يلجأ إلى التوكيد لولا أنّ سلوكهم اقتضى ذلك؛ فالموضوع هو أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل بين الناس، واستعمال "إنّ" يشير إلى أنّ المخاطبينَ لا يقومون بذلك أو أنّ نفوسهم تحدثهم بالتحفظ على الأمانات، وبالجور في الحكم بين الناس. ولو أنّ العبارة كانت" يأمركم الله أن...." لكان الاعتناء بالفعل مسنداً إلى الله واقعاً عليهم، مجرّدَ إخبارٍ يفترضُ أنّهم خلاة الذهن منه. ولا يعني ذلك أنَّ اضطراباً ما يعتري علاقتهم بالأمانة. وكذلك لو أنّ الآية كانت " الله يأمركم" لأوحى ذلك بأنهم يتلكأون في أداء الأمانة؛ ما اقتضى تقديم لفظ الجلالة لتحريض مكمن المهابة والإجلال عندهم دون استبطاء. أمّا وقد استخدم "إنّ" وتقديمَ لفظ الجلالة، فهو يرمي إلى دفعهم نحو تعديل مواجدهم بما يتناسب مع علاقتهم بالآمر، ولهذا أثر بالغٌ في رفع مكانتهم في الحياة لكونهم يمتثلون للأمر بوصفه أمراً إلهياً، ولكون المأمور به هو علاقتهم بالناس مؤتمنين على أشيائهم، وحاكمين بينهم فيما هم فيه يختلفون.

  مرّةً أخرى يستخدم النصُّ "إنّ" لتؤكّد نسبة الوعظ إلى الله عزّ وجلّ، في الآية نفسها "إنّ اللهَ نعمّا يعظكم به" .فما الضرورة التي اقتضت أنْ يؤكّد بـ"إنّ" مرّة أخرى؟

ورد في المعاجم أنّ الوعظَ هو النصح والتذكير بالعواقب، وقال الخليل إنّ الوعظ هو التذكير بالخير. ولكن لم يردْ أنّ الوعظَ هو الأمر، فالتأكيد الوارد سابقاً، أكّد نسبةَ الأمر برد الأمانات إلى أهلها وبالحكم بالعدل إلى الله، وفهمنا وفق أسلوبيّةِ التعبير أن ذلك في صالح الاجتماع الإنساني، وإنْ كان المخاطبون هم الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمّدٍ رسولاً ونبيا، وبالقرآن الكريم كتابا، وذلك أنهم - كما ينبغي -  يعرفون الحق ولا يحقُّ لهم الانحراف أو الذهول عنه. وعليه يكون الأمر بصيغة المضارع فيه وصف لعلاقة الله بهم، وليس أمراً مباشراً لهم، وذلك ليكون علّةَ اندفاعهم باتجاه الخير. وقد أسلفنا أنّ تقديم  لفظِ الجلالة من شأنه أن يؤدي هذه الدلالة.

وهنا أيضاً يقدّم لفظ الجلالة، مسنداً إليه فعل الوعظ واقعاً على المخاطبين، ما ينزل الأمر "يأمركم" منزلة الوعظ، لتحريض الهمم باتجاه الخير، فالتقديم هذا، من شأنه أن يرقى بأذهانهم في تقدير الواعظ الأعظم، فلا يتراخون في أوامر الله ونواهيه. وبخاصةٍ أن النص يخص ما يعظهم به بالمدح "نعمّا".

ونلاحظُ أيضاً أن رد الأمانات ليس مظروفاً فيما الحكم بالعدل مظروف بظرف لما يستقبل من الزمان يتضمّن معنى الشرط "إذا"؛ فهل لذلك من دلالة؟

أنْ لا يكون ردّ الأمانةِ إلى أهلها مظروفاً؛ فذلك لأنّ الأمانة في المبدأ ينبغي أن تكون سجيّةً في النفس سواء كان هناك ما تؤتمنُ عليه النفس أو لم يكن، ومهما تكن الظروف. أمّا الحكم بين الناس فهو يقتضي وجود خصومة، لذا؛ كان ردّ الأمانة أمراً يتغيّا تأسيسَ مبدأ في الذين آمنوا، وأمر الحكم بالعدل يتغيّا تأسيس سلوكٍ في ظرف التنازع والخصومة.

وتختتم الآيةُ بالتأكيد ثالثةً، "إنّ اللهَ كانَ سميعاً بصيرا".

فالتأكيد هنا ليس لمجرد نسبة السمع والبصر إلى الله، ولو أنّ الأمر كذلك؛ لكان يكفي أن يقولَ :"إنّ الله سميعٌ بصير" ولكنّ استخدام كان في هذا السياق من شأنه أنّ يجعلَ السمع والبصر في حال الدوام والاستمرار، والذي يقتضي إظهار ذلك، كونُ المرءِ كثيراً ما تحدثه نفسه ألا يردّ الأمانة إلى أهلها، وأن لا يعدل في فض الخصومات والمنازعات، فالأمانة تحت سمع الله وبصره، وكذلك العدل؛ فهما يحدثان في وجدان المرء أولا، فالوجدانُ يشهدُ صراعاً حاداً بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوّامة، فإذا درى المرء أنّ الله سميع يغلب النفس اللوّامة، فيكون مظهره في السلوك مشهداً مستقيماً يحرص المرء على استقامته أكثر إذا كان يعلم أن الله بصير. والذي يؤكّد ما ذهبنا إليه، أن المسندَين إلى لفظ الجلالة سيقا على وزن فعيل الذي للمبالغة، ما يعني أن الله ليس فقط سامعاً ومبصرا؛ يحصل عنده السمع والبصر بالتزامن مع الأحداث، بل هو سميع بصير، ما يعني أنّ السمع والبصر شأنان من شؤونه الملازمة له سواء كان مسموعٌ أو لم يكن، وسواء كان مشهودٌ أو لم يكن. ومن شأن التأكيد هنا، أن يبيّن مدى الحاجة لأن يكون المرء أميناً بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخرين، ولأن يكون عادلاً في ظرف الحكومة بين الناس.

ويردف النصّ بعد هذه الآية بنداء الذين آمنوا، ليأمرهم بالطاعة، طاعة الله، وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم؛ فأيّ معنى للطاعةِ يمكن أن تكونَ الآيةُ السابقةُ قد شحنتها به؟

إذا صحّ فهمنا للآية السابقة، فهذا يعني أنّ أمر الله يستهدف طويّة المخاطبين، فليعملوا على تنقيتها من سوء النيّة وإنْ عبرت في الخاطر. سواء كان ذلك في ردّ الأمانة إلى أهلها، أو في العدل أثناء الحكومة في الخصومات. إذن؛ تأخذ الطاعة أبعادها الدلاليّةَ هنا من هذه الأوامر، فهي باختصار تعني تنقية النفس، وهذا يتأتى من الالتزام بما عرفوا من أوامر الله، ومن الالتزام بالكيفية التي يطبق الرسولُ الكريمُ تلك الأوامر، وكذلك أولو الأمر. فطاعة الله مطلوبة، لكونها توفر المعرفةَ للذين آمنوا، وطاعة الرسولِ كذلك، لكونها تبيّن مظهر تلك الأوامر الإلهية في علاقته مع نفسه ومع الآخرين. لذلك كرّرَ النصّ لفظ الطاعة بصيغة الأمر ليجعل مسؤولية الذين آمنوا مسؤوليةً معرفيّةً إذْ يعرفون ماذا يأمر الله، ويجعل مسؤوليتهم سلوكيةK إذْ يعرفون كيف يريدهم الرسولُ (ص). وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الرأي في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل . وحيث العدلُ فثَمَّ شرع الله.

ثمّ يعقب النصّ في هذه الآيةِ الكريمة بواسطة الفاء التي للتعقيب والترتيب" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" ليبيّن لهم مسالك الطاعة في التنازع ما بين الذين آمنوا، أو بين الذين آمنوا وولاة الأمور في تطبيق أداء الأمانات أو الحكم بين الناس، فيأتي الأمر "ردّوه" في جواب الشرط "إن تنازعتم في شيء".

الاشتراط بـ"إنْ" يحيل على احتمالات النزاع بين الحصول وعدمه، ما يعني أنّهم في واقع يتماسكون فيه حول ولاة أمورهم، لأنّهم كانوا سبباً في حصول فعل الإيمان لديهم، والخطاب لهم من باب التحرّز مما يفسد إيمانهم، واحتمال التنازع بينهم قائم. فيأتي الجواب "ردّوه إلى الله والرسول" وما غياب العلامة أولي الأمر هنا؛ إلا علامة على احتمال التنازع معهم. وعندها عليهم وولاة الأمر أن يُرجعوا ما اختلفوا فيه إلى الله والرسول، أيضاً بشرط استمرار إيمانكم بالله واليوم الآخر.  كيف يمكن إرجاع المختَلَفِ فيه إلى الله والرسول؟ ولماذا لم يقل:"إنْ كنتم تؤمنون بالله والرسول"؟

بما أنّ الإيمان عندهم فعل حاصل، وليس اسماً ملازماً لهم، فاحتمال التنازع قائم في كلّ حين، وهم بحاجةٍ ماسّة إلى مرجعيّةٍ يرجعون إليها، وبما أنّ العقيدة الإيمانية قد وصلت إليهم عن طريق الدعاة أو عن طريق الرسولِ نفسه، فإنّ معرفتهم بالله تتأتّى لهم عن طريق الرسول  أو عن طريق الدعاة، وبما أنّ ذلك يقتضي سلوكاً بتأثيرٍ من تلك المعرفةِ الأوّليّة، فإنّ سلوكهم بحاجةٍ إلى رعايةٍ مستمرّةٍ من ولاة أمرهم ومن أنفسهم، وبخاصّةٍ أنهم يواجهون في حياتهم، وبكثافة ما يعترض سلوكهم؛ فقد تسوء علاقتهم بأصدقائهم، أوبالغرباء عنهم، وقد يحصل من جرّاء ذلك ما يوقعهم في التردد والحيرة والاعتراض أو في الخطأ بعامّة. ولكونهم عرفوا الله؛ فأثر هذه المعرفة سيكون إجلال الله وخشيته، وتحسباً ليوم الحساب. إذن رُدّوا المتنازع فيه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فلو قال بالله والرسول، لكان قرَّ في ذهن المخاطبِ أنّ الرسولَ مجرّدَ قائدٍ ينبغي الرجوع إليه في تصويب السلوك، ولكنه قال:" واليوم الآخر" علامةً على أنّ الرسول(ص) رسول الله إليكم، ليستقيم أمركم، ويثبّت إيمانكم، وليكون سلوككم في هذه الحياة، بتأثيرٍ من الإيمان بأنّ الله خالق كل شيء، وبأنّكم وأعمالَكم ستُعرضون عليه أخيراً، ويفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. 

 

3: الخلاصة:  

أضع الآن القلم، بعد أن عشت في رحاب القرآن الكريم، قارئاً باحثاً عن أمر محدود، هو معنى الطاعة، وذلك بهدف إعادة النظر باتباعيتنا، وإعادة صياغة حياتنا وفق حاجاتنا إلى العيش بكرامة بين الأمم، وحرصاً على هويّتنا وانتشالها مما يعيق إبداعها، فكانت النتيجة أن الطاعة تفترض وجود طرفين أحدهما يطلب(أمراً أو نهياً) والآخر يطيع ويمتثل، ولكون الأمر والنهي يرتبطان بالوقائع، فإن الامتثال والطاعة ينبغي أن يكونا بالتزامن مع تلك الوقائع؛ لذا، كان الأمر بطاعة الرسول أمراً إلهيا للجماعة التي زامنت الرسول في واقعهما المشترك وفي التأسيس لأمة مبدعة خلاقة. وقد تبيّنَ لي من خلال معاينة تلك الآيات الكريمات أنّ مفردة الطاعة كانت تختلف دلالاتها من آية لأخرى فهي تعني:

- قبول القسمة بعد معركة "بدر"، طاعة الله والرسول أخذت كلّ أبعادها الدلالية من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي:الأنفال لله والرسول./اتقوا الله./أصلحوا ذات بينكم./أطيعوا الله ورسوله.

- موافقة السلوك للمعتقد، فقد ورد الفعل "أطيعوا" في سورة آل عمران، "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ"  ضمن سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون، ويسلكون في حياتهم بخلاف ما يؤمنون به.

- نسف الثقافة الجاهليّة، فقد كانت معصيته في "أحد" سبباً لهزيمة كارثية، إذْ إنّ الجشع والطمع اللذين أنزلا الرماة للمشاركة في الغنائم، كانا امتداداً للعقلية الربوية الجاهلية، فالأمر بالطاعة هنا يتغيّا نسف الثقافة الجاهلية، كما يتغيا الالتزام بالأمر العسكري.

- الطاعة: أمرٌ بالاستقامة. تبيّنَ لنا أنّ الآياتِ بأوامرها ونواهيها تتوخى تعديل سلوك الذين آمنوا بما يتلاءم مع فعل الإيمان الذي هم عليه، فالاستقامة ليست مقيدة بظرف. بينما أوامر الرسول ونواهيه مقيدة بالظرف وناسه لكونهم المتلقي الذي له سلوكٌ ينافي الاستقامة وينبغي تعديلُه كما بدا للرسول الكريم في ذلك الواقع، وأنّ الواقع يتغيّر والناس مختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان، فمدلول الاستقامة والرقي الإنساني سيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وعليه لا يمكننا أن نفهمَ أمرَ الله بطاعةِ الرسول (ص) يشمل كل الخلق في كل مكانٍ وزمان، بل هو خاص بالمعنيين في ذلك الزمان. وتكرير فعل الطاعة هنا يأتي ليجعل طاعة الرسول طاعة أوامره ونواهيه وقد كانت تختلف من رجل لآخر، وهي طاعة مختلفة عن طاعة الله العابرة للأزمنة والأمكنة. فهل نفهم من ذلك أي إشارة إلى السنّة؟!!!!

- الطاعة: تنقية النفس في العلاقة مع الآخرين، وأن يقع فعل الطاعة على الرسولِ وأولي الأمر مسنداً إلى المخاطبين بأمر من الله، فذلك يجعلُ قادة الأمر في منزلة الرسولِ لجهة العلاقة مع الذين آمنوا. فهل يُفهمُ من ذلك أنّ الأمر بالطاعة تعني اتِّباع سنَّة الرسول وأولي الأمر على مدى الأزمان، أم أنه مقيّدٌ بزمن الرسول؟ بل يعني هذا أنّ طاعة أولياء الأمور واجبة في كل قطاع، وفي كلّ زمان ومكان. وهم ملزمون في تنقية طويتهم بما يرضي الله ورسوله، ولا يمكن أن تكون مرضاة الرسول إلا بتوخي ردّ الأمانة إلى أهلها وبالعدل . و"حيث العدلُ فثَمَّ شرع الله".

تأسيساً على هذه الخلاصة، وتحت رعاية المجلس الأعلى للثقافة، أقترح ما يأتي :

1. انبثاق لجنة من هذا المؤتمر تأخذ على عاتقها تحديد المواضيع التي ينبغي إعادة النظر فيها بناء على رصدها في القرآن الكريم وفق قراءات ذكيّةٍ وعلمية جديدة.

2. عقد مؤتمرات تتلاقح فيها القراءات الجديدة المختلفة. وتتولى هذه اللجنة بالاتفاق مع المجلس الأعلى للثقافة تعيين الموضوعات، وتوجيه الدعوات.

3. اتخاذ موقع على الشبكة العنكبوتية يتولى نشر الأبحاث والمقالات والإعلام، بإشراف المجلس الأعلى للثقافة.

4. وأخيراً إنّ ما توصلت إليه في معاينتي للآيات التي تناولت مفهوم الطاعة، لا تمثل قراءة نهائية بل تتحمل النقد وربما النقض، والتصويب وغير ذلك.

ولكم جزيل الشكر

 

الدكتور سعد كموني

الجامعة اللبنانية/كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الرابع.

 

 

كانت مفردة ثقافة في العصر الجاهليّ تدل على إعداد الآلة الحربية إعداداً كافياً لتؤدي وظيفتها في توفير الأمن الشخصيّ أو الجمعي. وكان يعاوَدُ إعداد الآلة الحربيّة كلما صامت عن وظيفتها بتأثير من التقادم، أو بتأثيرٍ استهلاكها. غير أنّ أولئك العرب، قد تغيّرت حياتهم كلياً مع دخول القرآن الكريم في حياتهم، وقد منح الحياة معنى مغايرا لما كانت عليه، كما منح المفردات اللغويّةَ معاني جديدة لم تكن لها. تغيرت معاني الأمن، والشخص والمجتمع. وصارت العلاقات بين الأفراد والجماعات على نحو جديد، تحدده مرجعيّة عقديّة أسس لها القرآن الكريم. وهكذا بات الأمن يتوافر تأسيساً على مدى البعد أو القرب من القرآن الكريم، وبالتالي صار مفهوم الثقافة يعني إعداد الآلة اللازمة في تمكين الفرد من إنجاز علاقاته بنفسه وبالطبيعة وبالزمان، وهذا النشاط المستمر في إعداد عقله يأتي على تغيّر في عاداته وتقاليده وأعرافه وقيمه ورموزه وتعبيراته.... فباتت له هوية جعلته فوق مستوى الكائنات كلها، ومكنته من المضيّ في الحياة مؤثراً ومتأثراً. أنتج حضارياً وبات التجديد في حياته متوسلاً تجديد فهمه للكون، ولنفسه والآخرين. وكما كل شيء له بداية له نهاية؛ كذلك هذا النشاط، لفظ أنفاسه بالتدريج هبوطا إلى هاوية العطالة الحضارية شبه الكليّة. ولكنّ الحقيقةَ أيضاً تشير إلى أنّ الأمم لا تنسحب من حقول الإنتاج الثقافيّ نهائياً؛ إلا إذا تقادمت واستعصت على الضرورة التي تملي تجديدَ الوسائل والآلات التي استخدمتها في الانتقال من حالٍ إلى حال. فكما كان المحارب يثقّف سيفه كلما مرّ عليه الزمن أو الاستهلاك، وكما بات في العصور الإسلامية يثقف ذهنه بمستجدات الفهم والتكيّف مع تغيّر الواقع وطبيعةِ الوقائع. بات لزاماً عليه أن يعيد النظر بآلية عمل ذهنه بعدما تقادمت واستهلكت.

ظلت هذه الأمّة إلى يومنا هذا، تمارس حياتها كما كانت تمارسها زمن التأسيس، فهي لا تشعر بحاجتها للآخرين، وكذلك لا يشعر الآخرون بحاجتهم إليها. ستُترك تعيد إنتاج عيوبها إلى أمدٍ بعيد، وكلما تقادمت الأفكار والأحداث، اكتسبت صفة القداسة ؛ الأمر الذي يحول دون نقدها بموضوعية، ودون تجاوزها بما يؤهلها للعودة إلى المساهمة في صناعة التاريخ من موقع سياديّ وحر. وبلا شك،يمكنها أن تعود وبقوّة إذا جددت وسائلها الإنتاجية، وأولى هذه الوسائل هي النقد بوصفه عملا تحليليا وتعليليا وتأويليا. وهذا لا يكون مجدياً ما لم يكن مقتضى الحاجة الملحّة، والشعور بهذه الحاجة هو العتبة الطبيعية لمغالبة الانسداد الحضاري.

رمت هذه الورقة إلى المساهمة في مؤتمر تجديد الخطاب الثقافي العربيّ من خلال رصد المكوّنات الأساسيّة للثقافة العربية، فقد شكل الإسلام ممَثّلاً بالقرآن وبالحديث والسنّة مرجعاً مقدّساً للسلوك الذهني والحركيّ،غير أنّ الغلبة للحديث والسيرة والسنة، ما جعل الحياة  في زمن من الأزمنة هي النموذج المثالي الذي يجب أن يستمر، وباتت الثقافةُ العربيّة مصادرةً لذلك الزمن، وتعاند المتغيرات في حركة التاريخ الطبيعية، فيتجلى ذلك في المأكل والمشرب والمسكن وفي التعبيرات والإبداعات والرموز وكل شيء. والحجّة في ذلك أنّ القرآن الكريم يقول أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.

تأسيساً على ذلك رصدت الآيات التي طالبت الذين آمنوا بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر منكم، وعاينت مفردة الطاعة في سياقاتها، وتوصلت إلى الدلالات التي منحتها إياها هذه السياقات. 

 

كيف يمكن للقرآن الكريم، أن يأخذَ على العرب اتّباعَهم ما ألفَوا عليه آباءهم دون تبصرٍ منهم فيما لو كان هؤلاء الآباء يعقلون أو لا يعقلون، يهتدون أو لا يهتدون! وفي الوقت نفسه، يؤسَّس لاتباعيّةٍ يكون فيها الآباءُ الرسولَ وصحبَه وآلَ بيته والتابعين وتابعي التابعين؟

تشكّل الآيات القرآنية التي تحضّ على اعتماد العقل في التعامل مع الآباء، نقطة ارتكازٍ أساسيّة في الدعوة إلى الله، لا لأنّ هذه الدعوة تُناقض ما كان عليه الآباء، بل لأنّ الدعوةَ إلى الجديد يقتضي تقبّلها موقفاً من القديم، وإلاّ، لماذا الجديد! " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ"  و"اتَّبَعَ القرآنَ: ائْتَمَّ به وعَمِلَ بما فيه".  السياق هنا سياق المتلقي الاتباعيّ المطمئن لآلية التفكير الموروثةِ باعتبارها مأمونة وبدهية غير قابلة للشك، فاتّباع الآباء فيه برّ ووفاء، تطمئنّ له النفس الإنسانية وتسكن بإزاء هذا التصرّف؛ غير أن السياق القرآنيّ هو سياق دعوة إلى الهدى باعتباره آليّةَ التفكير السائدةَ آليةً فاسدة؛ لكونها مطمئنةً وهادئةً في ميراثها الرؤيوي والعقديّ، الأمر المعطِّلُ أو المعرقلُ للتطوّر والتقدّم، فيدعوهم للائتمام بالقرآن الكريم، والتجرؤ على آبائهم؛ فاتباع الآباء فيه فاعليّة آليةٌ تلقائيّة بلا مراجعة، والشاهد على فساده قائمٌ في واقع الحال، من جهلٍ، وركود حضاريّ، وعزلة إلى حدّ الانتحار الجماعي، بينما الاتّباع المطلوب، هو اتباع القرآن والائتمام به، وهذا يحتاج إلى إرادة وفاعلية جديدة، تقتضي المغامرة الفكرية، والتمرّد على الركود والطمأنينة. إذن؛ اتباع الآباء تخلّف حضاري هانئ، بينما اتباع القرآن الكريم عمل نهضويّ شاق ذهنياً وسلوكيّاً.

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" 

" وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ"  وهنا في هذه الآية الكريمة، نجدنا أمام فئةٍ من فئات المجتمع، لها مصلحة في التمسّك بالآباء والأجداد، لكونهما يمنحانها القدرةَ على التسلط، وهي فئة "المُتْرَفين" وقد ورد في اللسان" المتْرَف: الذي أبطرتْه النعمةُ وسعةُ العيش..... وقوله تعالى: إلا قال مُتْرَفُوها؛ أَي أُولو التُّرفةِ وأَراد رؤساءَها وقادةَ الشرّ منها"  . وفي الصحاح: أترفته النعمة: أطغته"  تجدر الإشارة هنا إلى فاعليّة الطغيان في تأبيد الماضي لكونه يمكّنهم من القدرة على رقاب الناس الذين لا يملكون ما يملك المترفون من أسباب التسلط.

..........

فهمت من القرآن الكريم في هذه الآيات البيّنات، أنّ شروط التقدّم البشري تتوافر تأسيساً على النقد والتبصّرِ في ما سبق، وفي ما هو سائدٌ، كلما حزَب الأمر واشتدت الشدائد، وكلما تفاقمت التناقضات في الواقع. وهذا لا يتفق مع الحديث المنسوب إلى رسول الله (ص) "اتَّقوا اللَّهَ، وعليكم بالسَّمعِ والطَّاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًّا، وإنَّهُ مَن يعِش منكُم بعدي فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ من بَعدي الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومحدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ" .  وقد شيدت الثقافةُ في المجتمعاتِ الإسلاميّةِ كما نلحظ على هذا الحديث وأشباهه، لا على الآيات القرآنية التي تحرِّض دائما على إعمال الذهن في ما يدّخر "أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ"  " وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ "  كما تحرّض على إعمال الذهن في ما هو خارجه"أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ "  " يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " . "كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون" .

مع أن سياق الحديث يتعلّق بالسياسة لجهة العلاقةِ بين المحكوم والحاكم، لا بالدين ناظماً للعلاقةِ بين الإنسان والخالق، أو بين الإنسان والوجود، فيما الآيات الكريمات تتغيّا التأسيس بهذا الدين لمناهج النظر والعمل في سبيل البناء الحضاري الإنسانيّ الذي يوفر السعادةَ في الدارين. إذْ إنّ التعثر الحضاري لا يكون إلا من جهل القوانين والنواميس الناظمة لعلاقة الإنسان بالإنسان، وبالزمان والمكان.

أرى أن الحديث الذي ذكرنا وأشباهه تُساق بهدفٍ يختلف عن مقاصد القرآن الكريم. ولا أقصد بقولي هذا، التصدّي للحديث والسنة؛ فأنا لست متخصصا بالحديث والسنة، ولا ينبغي لي أن أصحّحَ أو أحسِّن أو أضعف أو أردّ، ولا علم لي بالرجال الثقات منهم وغير الثقات؛ إنما أقصد الفهم الذي يصح السكوت عليه في ما يتعلّق بمعنى الدين ومدى الحاجة إليه، من خلال التعامل مع القرآن والحديث.

 

1. الدين، والدين والإسلام

عندما يخاطب القرآن الكريم الإنسان، يرمي إلى رفعه فوق مستوى المخلوقات وذلك ابتداء بإقناعه عن طريق التوجيه النظري باتجاه الكون ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وباتجاه النفس ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾  أو الجسد ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾، وباتجاه الموجودات بعامة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وليستدل من خلال التعمق بالنظر إليها، والتأمل فيها فيعرف أنّ ما في الوجود وكما يبدو للإنسان، ينبغي التعامل معه على أنّه آيات تدلّ على خالق عظيم، لا يجوز من أي باب كان، أن يدين الإنسان لهذه الموجودات، بل ينبغي أن يكون الإنسان أرقى منها رتبة، لكونه يعقلها، وإذْ يعقلها يعني هو أعظم منها، فالإنسان يدين لما هو أعظم منه قوة وقدرة وشأنا، فلن يدين لحجارة نحتها بيديه، أو لنجوم وكواكب يستطيع رصد حركتها ومواقيتها، أو لبشر ليس لهم من القوة والقدرة والشأن إلا ما تتيح لهم الإمكانات الممنوحة لهم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾  فلا يجوز أن يدين الإنسان إلا للقوة المطلقة التي لا يمكنه أن يدرك كنهها. عليه أن يقرّ بها إيماناً واحتساباً لأن العقل من دونها؛ فلن يحيط العقل إلا بما هو ضمن الكون. وهذا ينبغي أن ينعكس سلوكا نظرياً وعملياً في الحياة، يتغير هذا السلوك من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، لكون النظر يتغير والمنظور ما عاد يبدو كما كان يبدو. لذا؛ فالقرآن الكريم "هدىً للناس، وبينات من الهدى، والفرقان"  هو لأجل الهدى، فالهدى علة نزوله وتنزّله، لكون الضلال قائما بالدين/الخضوع للموجودات والغرائز والشهوات، والضلال قد يكون ضياعاً بين طريقين ما يقتضي بينات/ علامات، أو التباسا يحول دون التعيين لتشابهٍ أو لتبرّج المزاعم؛ ما يقتضي فرقانا، أوعلامات تكون فرقانا. فلا ضير في أن أعتمد اليوم طريقاً، أو شعبةً من طريقٍ كنت أحسبُني البارحةَ على ضلال لو كنت اعتمدتها، والعكس صحيح؛ فالمعلومات التي كانت تبدو لي البارحة؛ كانت قاصرة، وقد ظننتها نهائيّة، قد بدت لي اليوم على نحوٍ آخر.

بينما الحديث المذكور أعلاه يطلب من مخاطبيه أنْ يدينوا لغير الله في السمع والطاعة، ويعدّ ذلك التزاماً بسنَّة الرسول عليه السلام. علماً أن القرآن الكريم لم يذكر سنّةً للرسول على أنها واجبة السمع والطاعة، فالسنّة الواردة في القرآن ليست سوى سنّة الله "سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" .

 

2. الطاعة وطاعة الرسول في القرآن الكريم

2: 1 الطاعة قبول القسمة

وقد يحتج الذين يلتزمون السنّةَ النبويّة أنَّ القرآن الكريم يطالب الناس ويأمرهم بطاعة الرسول وأولي الأمر، إذ يقول جل وعلا :"أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ" .

ولو أننا قرأنا "الطاعة" داخل هذه الآية الكريمةِ، بوصفها بيئةً لفظيةً لتخلُّق المعاني من التضامّ بين كلماتها وجُملها التي لم يكن منها التضامّ إلا لأداء معنى دون سواه؛ لوجدنا تلك البيئة تمنح الفعل "أطيعوا" معنى تقتضيه الضرورةُ في ظرفٍ معيّن " يوم بدر" . فالفعل "أطيعوا" مطلوبا إنجازه؛ يحيلُ على النقيض منجزاً في الواقع، وبخاصّة أنّ هذا النقيض يتجلّى في السياق أكثر؛ إذْ يُعطف على الطاعة المطلوبة، منجَزٌ يُطلب تعطيله بواسطة "لا" الناهية، "ولا تَوَلُّوا"، ما يعني أنّ الطاعة معطلةٌ في الوقت الذي يجب أن تكون فيه محقَّقة، والتولّي محقّقٌ في الوقت الذي يجب أن يكون فيه معطّلاً. فما هو هذا الوقت الذي انقلبت فيه تصرفات المسند إليه المكنى عنه بـ"واو الجماعة" في "أطيعوا" و"لا تولّوا"؟.

لو تابعنا القراءَة، سنجد أنّ الآيةَ تختتم بـبيان الهيئة التي هم عليها في الوقت الذي شهد انقلاب التصرفات"وأنتم تسمعون"، فالجملةُ الحاليةُ هذه، يأتي المسند فيها حكماً على المخاطبين جملةً مضارعيّة يحاصرها الزمن الحاضر ليكون إطاراً زمانيا حاليا يُطلب فيه إنجاز فعل الطاعة المسند إلى الجماعة، كما يطلب فيه تعطيل فعل التولّي، ناهيك بالسماع الذي لا يمكن أن يكون إلا بالتزامن مع الحدث الصوتي. فأي حجّة بعد هذا تَنقلُ الطاعة من كونها آنيّةً في زمن السماع، إلى أجيال متعاقبة لا ينبغي لها أن تسمع الرسول الكريم!!!

أضف إلى ذلك، إنّ الآيةَ الكريمة هذه، اكتنفتها سورة الأنفال، وقد استُهلَّت بقوله تعالى"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" إذن؛ طاعة الله والرسول هنا تأخذ كلّ أبعادها من كونها عنصراً من أربعة عناصر تشكل إجابةً عن سؤالهم عن الأنفال، وهي:

 

1. الأنفال لله والرسول

2. اتقوا الله.

3. أصلحوا ذات بينكم.

4. أطيعوا الله ورسوله.

وكلها مقول فعل القول بصيغة الطلب "قل".

بعد هذا، لا يمكنني أن أفهمَ الفعل أطيعوا إلا طلباً تعدّى إلى المؤمنين الذين يسألون محمّداً (ص) عن الأنفال، إذْ خلا ذهنُهم من صوابيّة تعيين مستَحِقِّها، وقد خالفوا تقوى الله، أو ضلّوا سبيلها، وأفسدوا ذات بينهم، حتى بات سلوكهم ملتبسا بين الإيمان والكفر، فالطاعة واقعة في محل جواب الشرط المقدّم " إنْ كنتم مؤمنين" ويؤتى بـ"إن" أداة للشرط إيحاء بالاحتمالية، فالطاعة تكون من المؤمنين بلا أدنى شك، ومن غير المؤمنين بتردد أو لا تكون. إذن الطاعة هنا تعني القبول بالقسمة التي قسمها الرسول(ص). وهذه بلا شك قسمة خاصة بمعركة بدر، ولكل ظرفٍ طريقتُه في القسمة لاختلاف المظروف. فهل يمكن أن تكون طاعة الرسول الواجبة في "الأنفال"، والمتلازمة مع طاعة الله حجّةً لأي حاكم، سواء كان من الراشدين المهديين أو من الجبريين، وله علينا واجب الطاعة؟!!!! 

 

2: 2،الطاعة موافقة السلوك للمعتقد 

أما الأمر "أطيعوا" في سورة آل عمران، "قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ"  فقد جاء في سلسلة من الآيات متعانقة بإحكام لتوجيه الرسول (ص) في مخاطبة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، باعتبارهم مؤمنين بالله جلَّ وعلا، ويعرفون نمط الخطاب الإلهي ومع ذلك يتولى فريق منهم وهم معرضون" أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ"  ويتذرعون بذرائع شتى لتبرير سلوكهم المناقض لما يجب أن يكونوا عليه بموجب إيمانهم، إلا أنهم يفترون على الله الكذب، ويأخذهم الغرور بذلك، مع علمهم أنه افتراء؛ فيأتي النص القرآني ليضع أمام الرسول جملة من الحقائق الإيمانية. وما الصيغة الاستفهاميّة الإنكارية "ألم ترَ إلى"، إلا من باب التنبيه إلى أهميّة عدم الاستخفاف بذلك السلوك الإعراضيّ، فالنص القرآنيّ يؤدّب الرسولَ(ص) بمناهجَ مبنية على الرؤية الثاقبة، حتى تكون أحكامُه مبنيةً على أسس سليمة.

من الحقائق الإيمانية التي ينبغي أن تحضر في خاطر الرسول إذْ يتوجه إليهم بالدعوة القرآنية، أنهم مجموعون ليوم لا ريب فيه. هو يوم القسط والعدل، وعندها يأخذ كل ذي حق حقّه، فلا يُظلمون. وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأسلوب الاستفهام، متوسلاً الأداة "كيف" ليفتح آفاق التخيل على الهيئة التي سيكونون فيها ذلك اليوم بالتناسب مع قولهم "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات "ذَ‌ ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَ‌ ٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ "  فالاستفهام بـ" كيف" لا ينتظر جواباً بل يطلق المِخيال في مدى عميق بعيد؛ كي تُنسج الكيفية التي يكون عليها الذي يفتري كذبا، ويأخذه الغرور بما افترى، لا بالدين." فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "  يحدث في ذلك اليوم حدثان، الأول "وُفِّيت" وصيغ للمفعول كي تنصرف الأذهانُ إلى تقدير التوفية، لا إلى معرفة الموفّي؛ والفعل هنا يتعدى إلى مفعولين، الأول "كلُّ نفسٍ" وقد ناب عن الفاعل في الدلالة على حصول الفعل، والثاني " ما كسبت" وقع عليه الفعل، وقد دلَّ ذلك على أمرٍ له شأنٌ كبيرٌ في هذا السياق، إذْ إنه سياقٌ دلاليٌ يُتَوَقَّع منه أن يبيِّن عقوبة المفتري على الله كذباً، غير أننا نرى في توصيل أثر فعل"التوفية" إلى "كلّ نفس" وإلى " ما كسبت" يشمل كل الخلق من بني الإنسان، من افترى ومن لم يفترِ، من آمن ومن كفر، من عملَ صالحاً ومن لم يعمل، ومن عمل سوءاً و من لم يعمل؛ وهذا يبين ميزة ذلك اليوم، أما الذي يبيّنُ عقوبة المفترين فهو لا يتجاوز تقديره ما يبديه ميزان العرض على العدل، فتكون الهيئة التي تناسبهم هي الهيئة نفسها التي تناسب كلّ الخلق، ويدل على ذلك المركّبُ الإسناديّ "وهم لا يظْلَمون" وهذا ما يرجوه كل المؤمنين. نفي الظلم مسنداً إلى ضمير الغائبين، لا ينفي قسوة العقوبة، بل ينفي أن تكون مستهجنة، أو أن لا تكون متناسبة مع حجم الذنب، فكما أن الصالح المصلحَ لا يمكن أن يُظلم في ذلك اليوم، كذلك المفتري على الله لا يُظلم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الفعل "وفّيَت" معطوفاً على الفعل "جمعناهم" يمنح الظرف "إذا" بعداً إنذارياً، فالظرف "إذا" أصلاً، لكونه اسماً لما يستقبل من الزمان، ويتضمن معنى الشرط ؛ يدلّ على يقينية الحدوث. وكون المضاف إليه "جمعناهم" والمعطوف عليه" وفِّيت" بصيغة الماضي فذلك لتأكيد تلك اليقينية؛ إذْ ينزل المضارع منزلة الماضي؛ يحيل على تصور ما سيحدث بصيغة ما حصل. واستخدام حرف الجرّ "اللام" كي يوصل أثر "الجمع" إلى "يوم لا ريب فيه" نفهمه من خلال قِصَر الزمن الصوتي لـ"اللام" بالمقايسة مع الزمن الصوتي لـ"إلى" فندرك أنه يقرّب ذلك اليوم، ويكون لذلك وقع رهيب في النفس، بينما لو قال ـ ولم يقل ـ :" فكيف إذا جمعناهم إلى يوم لا ريب فيه"؛ لتذرّعت النفس ببعد ذلك اليوم، وتساهلَت مع إلحاح النفس اللوامة، فاندفعت في غيّها مراهنة على إمكان التراجع مع تراخي الزمن؛ فـ"اللام" منعت ذلك. إذن، نحن أمام سياق له دلالة إنذارية.

ومن التوجيهات التي تضمنتها هذه السلسلة المتماسكة من الخطط الدعويّة، والحجاجية التي ينبغي للرسول الكريم(ص) أن يتزوّد بها، في حضرة المؤمنين، المدّعين والمفترين، ولا يوفّون إيمانهم حقَّه، آيتان انطوتا على بيان يقدّم سنّةَ الله في خلقه وقد سيق في أسلوب إنشائيّ من شأنه الترفع عن مجادلة هؤلاء بشكلٍ مباشر حول حقيقة السنن الإلهية كما يقرّها القرآن، وكما أقرها التوراة والإنجيل من قبل." قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿26﴾تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴿27﴾ "  قل ـ يا محمّد في حضرتهم ـ اللهم مالكَ الملك.... هم يفترون على الله ويعطون لأنفسهم رخصةً بمخالفةِ ما يعرفونه حقاً، والنصّ القرآنيّ يطلب من محمّد أن يبيّن ما يؤمن به وما يدعو إليه، فالنداء هنا يحيل على تجاوز مزاعمهم إلى حقيقة المسألة، فهو لم يقل يا محمد قل لهم لا تزعموا ما تزعمون، ولا تفتروا على الله كذبا، لم يقل له جادلهم فيما يزعمون ويفترون، بل قال له توجه إلى الله، وتقرّب إليه بواسطة النداء، وبذكْرِ اسمٍ من أسمائه الحسنى "مالك الملك" ليكون ذلك صدمة لهم، فالله خالق كل شيء وفوق كل شيء، وإذْ ينادي مالكَ الملك، فيه إشارة بالغةُ الأهميّة إلى أنّ لازم هذا النداء يكمنُ في ما تخبئه أنفسُهم من شهوة التسلّط على الناس بمزاعمهم، وقد أدمنوا ذلك فظنوا أنهم بما كسبوا من ولاء الناس لهم؛ قد تغيرت الحقيقة، وصار الملْك بيدهم، وهم مالكو الملك؛ فيكون النداء هنا أسلوباً صادماً لكونه يفضح خبايا نفوسهم أمام نفوسهم، ثم بعد هذه الصدمة أسندْ ـ يا محمد ـ إلى الله أفعالاً مضارعة تدلُّ على المداومة والتكرار، حتى لا يخطر في بالهم أن فعل الملْك الإلهي، كان ذات يوم ولن يكون في يومٍ آخر، هم يعرفون أن مالك الملك ليس اسماً راهناً بل هو شأن ملازم له سبحانه، فما كان منه من قدرة هي منه وبيده أنّى يشاء " تُؤْتِى، تشاء(4 مرات)، تنزع، تعزّ، تذلّ". هذه الأفعال هي من مظاهر مالكية الله الملْكَ إلى ما شاء الله، وكانوا يعتقدون أنّ فعلَي الإيتاء والإعزاز واقعان عليهم على الدوام، ويعتقدون أيضاً أنّ هذه الأفعالَ مسندةٌ إليهم فقد نسوا الله. ولكن إسناد فعل إيتاء الملك إلى الله جعلهم في واقع يعرفون حقيقته؛ إلا أنهم زهوا بما هم فيه فباؤوا بفشلٍ عظيم.

(تؤتي/ تنزع/ تعزّ / تذلّ) تلك شبكة من الأفعال ينبغي أن يؤسس المؤمن بالله سلوكه على معرفتها، فهي مسندة إلى الله، وتقع في دائرة مشيئة الله. "بيدك الخير" تعني الإسلام. فالإقرار بأنّ الله وحده يملك الخِيار في الإيتاء والنزع، وفي الإعزاز والإذلال، هو الإسلام، وهذا لا يجوز أن يبقى في إطار الإقرار اللفظي على أهميته؛ بل ينبغي أن يتعداه إلى الإسلام الفعلي، إلى التقوى، إلى الصدق، إلى الاتجاه بالكلية صوب الحق، فليس للمؤمن ما يبيح له معرفةَ الحق والسلوكَ في ما يناقضه. تزعمون أنكم أحباب الله ولا تعرفون أن محمّداً رسول الله!!! ولا تقرون بأنه وحده يملك الخيرَ! ويأتي تقديم الخبر "بيدك" على المبتدأ " الخير" دلالةً على الوحدانية. لذا؛ لا يجوز لهم الظنّ بأنّ الخير بيدهم لكونهم أبناء دين يؤمن بالتوحيد، وأبناء قوم كثر فيهم الأنبياء والأحبار، وقد كبر عندهم أنّ الرسول من سواهم.

تلك مأساة من مآسي النخبة الثقافية في المجتمعات الآيلةِ إلى السقوط الحضاريّ، فهؤلاء ورثوا رسالة إلهيةً عن آبائهم، وكان لآبائهم سلطان على الناس بما علموا من الحقائق التي بيّنها الله لهم، وكان ذلك السلطان بمقتضى ضرورات التأسيس، حيث تبدو السلطة المعرفية بمسيس الحاجةِ إلى السلطةِ الأبوية/ الحَبريّة، بهدف ترسيخ ثقافة جديدة وفاق التعاليم الجديدة. أما الورَثة فقد غرّتهم الرتبة الموروثة في المجتمع، وانصرفوا بغرورهم يمارسون تسلطهم على الناس حراسا لتخلفهم وتقديسا لولائهم باعتبار ذلك مسوّغاً لتسلطهم. فانتفى لازم السلطان وبقي السلطان معانداً لحركة التاريخ.

ثم يختتم الآية بـ " إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" تأكيداً للتفرّد بالقدرة، والمفردة الدالة على القدرة هنا جاءت بصيغة "فعيل" التي هي للمبالغة وذلك لإشهار الإقرار بمعرفة الله بهذا الشأن الملازم له جلّ وعلا. وأن يتقدّم معمول الاسم المشتق"كلّ شيء" على الاسم المشتق "قدير"؛ فذاك لتخصيص كل شيء تحت هذه القدرة، ولحرف الجر"على" دلالة سلطوية إلهية فوقية تتناسب مع "بيدك الخير" التي قلنا إنها تعني من جملة ما تعني القدرة، إذ تحيل مفردة اليد على القدرة الاستعلائيّة أيضا" يد الله فوق أيديهم" قدرة الله فوق قدرتهم. فلا يحق لهم وهم يسمعون الرسول ممتثلا لأمر الله ويقول دعاءه اللهم مالك الملك...... ويختتم بالتأكيد" " إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" لا يحقّ لهم أن يصمّوا آذانهم بعد، ويعرضون عن هذه الدعوة إلى الحق. ولكن ؛ هيهات.

إلى هذه الأفعال الأربعة التي جعلها الله من ملفوظات التقرّب إليه، في سياق نداء يأتي مقول قولٍ مطلوب، في حضرة مؤمنين معرضين عن الإقرار بالإسلام إلى الله، تندرج في الآية التالية أفعال أخرى يمكن أن تكون ملحوظةً لكل ذي عينين، "تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ "  فالليل والنهار، من علامات الزمن، والحي والميّت والرزق من مظاهر مرور الزمن وفاعليته في الإنسان والكائنات الحيّة.

اليهود والنصارى وسائر العرب، رهائن الليل والنهار وكـرّهما بالوعد والوعيد الغامضَين المثيرَين لشتى التخيلات وشتى التصورات، كما تبدو بحسب طبيعةِ الخوف أو القبول الإنساني لهذا المشهد أوذاك. وأن يستدعى الإنسان لملاحظة ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل، فذاك استدعاء للارتقاء بالإنسان فوق الزمن تأسيساً على معرفة علاماته أو بعضها، وأن يتم التعبير عن ذلك بأسلوب النداء الذي رأينا فيه التقرّب إلى الله باسم من أسمائه، إذْ يردُ الفعل "تولج" في سياق الإقرار بالإسلام للمنادى "مالك الملك"، سيد الأمكنة والأزمنة، وأن يردَ بصيغة المضارع؛ فيه وصف لشأنٍ من شؤون مالك الملك مع الزمن وعلاماته، كما يدل على دوام الحدوث واستمراره.

وأن يستدعى الإنسان ليلحظ مشهداً آخر من مشاهد مالكية الملك" وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ" فذاك يحيل على تحريض الذهن للتأمل في الثنائيّة الضدّيّة "الحياة/ الموت" وكيف يتعاضد عنصراها في إنتاج الوجود باستمرار. فخروج الحياة من الموت، يعني خروج الإيجابيّة من السلبيّة، أمر عظيم، وكذلك خروج الموت من الحياة، أي خروج السلبيّة من الإيجابية. ويمكن أن يلحظ هذا في أبسط المحسوسات، ويمكن أن نتعمق أكثر فنلحظه في أعمق الأسئلة، أليس الكون مجازا رؤيويا ليس له معنى سوى ما يتجاوب مع أسئلتنا؟ فالكون ميت، والكون حيّ.

الكون ميت لا يقول أي شيء، إلا ما نريده أن يقوله، وهذا يتحوّل مع مرور الوقت. فالصحارى ميتة، وظلت تواصل موتها إلى أن تم استخراج النفط من جوفها، فقالت حياة مختلفة. وكذلك البحار والسماء والأشياء. كيف تقول الجبال عظمتها؟ وكيف تقول البحار والصحاري والسحب أبعادها المتصلة بحياة الإنسان وموته؟ نحن من نقول بحسب درجة الحاجة.

الكون موجود لأنه موجود، أما الحياة والموت فهي تسمياتنا لبعض مظاهر وجوده.ماذا يعني أن يموت إنسان/ حيوان/ شجرة؟ أليس يعني تحولا في أسلوب الوجود، نحن نقول مات، أما الشيء فموجود. إذن يسند النص إلى الله، فعل الإخراج واقعاً على الحي مرّة وعلى الميّت مرّة أخرى، ليقول لنا إنّ مظهرَيْ الوجود هما بيد مالك الملك الذي بيده الخير. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تفترون على الله وتجعلون الخيار بأيديكم.

أمّا الرزق، فهو ـ أيضاً ـ بيد الله مالك الملك، وهو العطاء الجاري. وإذْ يطلب الله جلّ وعلا من محمّد(ص) أن يتقرب بإسناد فعل الرزق إليه " وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ" فذاك ليُظهر أمام المؤمنين الضالين قدرة الله التي تشمل كل شيء، كأنما يذكّرهم بذلك؛ حيث إنهم في غيهم وبغيهم ابتعدوا عن معرفة الناموس الذي خلق الله الكون وفقه، وسيّر كل شيءٍ وفقه. وفعل الرزق بصيغة المضارع، إلى كونها تدل على فعل مستمرّ، تدلّ إيضاً على وصف لشأنٍ من شؤون الله مع عباده. ويقع هذا الفعل على "من تشاء" إشارة إلى جانب أساسيٍّ من القدرة المطلقة، وهو أنّ كلّ شيء في الحياة وفق مشيئته، وإلا سيكون هناك خلل كبير في الإسلام لمالك الملك، إذْ كيف يكون المؤمن مؤمناً بقدرة الله المطلقة، وفي الوقت نفسه يعتقد أنّ رزقه وفق مشيئته هو، فهذا لا يستقيم.

وهنا يلحّ سؤال مفاده، طالما أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، لماذا نعمل إذن؟

أرى أنّ ذلك الإظهار لقدرة الله الباهرة، وبعطف الرزق بغير حسابٍ على مظاهر القدرة، لهو أمرٌ عظيم الشأن في تأسيس موقف مختلف من الزمان، ومن الحياة والموت، ومن أسباب البقاء. فالبناء الحضاريّ، وإعمار الأرض يتطلب عملاً مؤسسا على معرفة؛ فهل نعزف عن النظر في الليل والنهار، والتفكّر فيهما، واستثمارهما؛ إذا عرفنا أنّ الله عزّ وجلّ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل! وإذا عرفنا أن الله عزّ وجل يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ نعزف عن النظر في الحياة والموت واستثمارهما! وإذا عرفنا أن الله يرزق من يشاء بغير حساب هل نعزف عن النظر والفهم؟!!! صحيح أن النص أورد ذلك في سياق مقول القول ليبيّن حقيقةَ الإسلام لله، ولكن الصحيح أيضاً أنه في سياق الدعوة بهذا الأسلوب البياني الراقي؛ لا يدعوهم ليعطّل فاعليتهم الحضارية، بل ليصوّبها بتسديد خطاها على قاعدة معرفيّة يجب ألا تغيب عن الأذهان، وهي المعنى الحقيقيّ للصلاة، وإلاّ فتصبح معرفةُ الزمان، والحياة، والموت، والأرزاق، وسيلةً للقهر والاستبداد. فهذا يحدد مواقيت النوم والنهوض والحضور والغياب والعطل والدوام تبعاً لمصالحه، فيتوهّم أنه هو من يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فيقهر ويستبد ويرتّب المرتبات. وذاك يزعم أنّ الحياة والموت بيده، فيقتل ويغتال ويعتقل ويطلق يد زبانيته والعسس؛ فيتوهم أنه يحيي ويميت. وذاك يستتبع الخلق لأنّه عرف كيف يذلّهم بلقمة عيشهم، وتأمين فرص عمل بعضهم، وحرمان آخرين. فالنصّ هنا يدعو الإنسان إلى التأمل والتبصّر والتدبّر، ليقول له إنك قادر على كل شيء أيها المخلوق العظيم، ولكن يجب أن لا تبعد منك حقيقة الأمور وهي أنّ الله مالك الملك. قد يسقي الصحارى، ويصحّر المروج، و قد وقد، تلك مشيئته، ولكنه أمر الخلق بالسعي في مناكبها،" هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ"، "وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ" .

سيقت هذه العلامات اللغوية الدالّةُ على قدرة الله الباهرة، لتنبيه المؤمنين الضالين، وقد وفِّقَ الزمخشري في قوله : "ذكر قدرته الباهرة، فذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم " .     

وقد ظهرت الحقائق وحججها؛ فيواصل النص القرآني الكريم إحراجَ المفترين بما يعرفون فيكون الخطاب إلى محمدّ(ص) ليشهر تلك الحقائقَ والبدائهَ أمامهم، فيقول جلّ وعلا:"لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَ‌لِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ "  ..أرى أنه بعدما أظهر مستلزمات الإسلام لمالك الملك، عمدَ إلى إظهار منعكسات ذلك في السلوك. لقد ظهرت الحقائق التي يبني عليها المسلم إسلامه، وتزعمون أنكم مسلمون، ولا تنكرون مالكية الله الملك ولا قدراته التي ذكر بعضها في ما سبق، ولا ينبغي لكم أن تنكروها، فقد جاء بها إبراهيمُ، وموسى، وعيسى وسائر النبيين، إلا أنّ سلوككم المكنون والظاهرَ يتنافى مع هذه الحقائق. لقد أخرجت قريشٌ محمّداً (ص) من مكةَ بسبب هذه الدعوة، وها أنتم تنتصرون لقريشٍ ضدّ محمّد(ص)، فجاء النهي القرآنيّ لعموم المؤمنين أنْ لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فالخطاب للمعنيين بهذا الأمر مباشرة، ولكنه جاء بصيغةٍ تعني العموم ليكون هذا الخطاب قاعدة مُلزمة لكلّ صاحب قناعة متيقنٍ من ثبوتها؛ أن لا يسلك في الحياة مسلكاً يخالف فيه قناعاته. فالنهي عن هذا السلوك لكونه يتعارض مع العقيدة المؤسَّسة على معرفة الناموس الإلهي في تدبير مظاهر الزمان، والحياة والموت، والرزق بغير حساب.

قد تناول المفسرون هذه الآية بوصفها قاعدة للمعاملات من بيع وشراء وتزاوج وما شاكل ذلك، مع أنّ السياق ينطوي على بيان قدرات الله والإيمان بها، وما يستلزم ذلك من سلوكٍ في واقع الدعوة إلى الله، والمواجهة مع الطغاة، وتصويب سلوك المؤمنين الضالين.

ما زالت الآيات تتماسك لإنتاج مرجعيّة منهجيّة للموقف القولي اللازم، في مواجهةِ النخبة المؤمنة التي أعرضت عن محمّد(ص) ودعوته، وقد أضمروا في نفوسهم ما أضمروا مما يوحي بأنهم قد ضلوا سبيل الله، فاعتقدوا ما يتنافى مع ما يعلمون من الحق، فتأتي الآيةُ القرآنية هنا بالطلب إلى محمّد(ص) أنْ يقول لهم وبشكلٍ مباشر ما يذكّرهم بما يجب "قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَ‌ ٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ" .

 لازم هذا الإشهار قائمٌ في سلوك مَن كان يتوقّع الرسولُ أنهم سيرغبون إليه، لكونه يعزّز ويؤكّد ما في التوراة والإنجيل من الهدى، والدعوة إلى الهدى، ولكن تبيّن أنهم باتوا في غرورٍ كبير؛ فالمرتبة الاجتماعيّة التي لهم بسبب علمهم المزعوم بالكتاب، أعمَتهم عن حقيقة ما في الكتاب، فهم يكتفون بادّعائهم القربَ من الله، ويسلكون في الحياة وبين الناس بما ينافي ذلك. فيعلنون عكس ما يسرّون، تماما كالذي لا يعتقد بأن الله يعلم السرّ وأخفى، بل ويعلم ما في السماوات وما في الأرض. هذا سياق الآيات التي جاءت مقول القول، إظهارٌ للقدرة المطلقة، لتكون في أذهان المؤمنين بها مرجعيّة السلوك القويم ذهنياً وحركيّاً. ولم يقف القول هنا، بل تواصلُ الآياتُ إظهارَ هذه القدرة على كلّ شيء "يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ " يقدّر أهل العربيّة  أنّ "يومَ" منصوبٌ بفعل محذوف هو "اذكر"، وتأتي قيمة الذِّكر هنا من كونها تحيل على متلقيين، إذا كانت العلامة اللغويّةُ "قل" تُسْندُ طلباً إلى محمّد (ص) بوصفه رسول الله جلّ وعلا إلى الناس، فمقول القول معنيٌّ به من تستهدفه الرسالةُ بحمولتها الدعويّة، وهم من يعرفون الله مالك الملك ويعرضون عمّا تقتضيه معرفتهم ذلك. أمّا العلامة المحذوفة هنا والمقدّرة "اذكر"، فإنها تستهدف الرسول إلى الذين استهدفتهم الآياتُ المستهَلَّةُ بـ"قلْ". فما الذي ينبغي أنْ يذكره الرسول(ص) مع إلفاته الآخرين إلى الصراط المستقيم.؟

اذكر أيها الرسول يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت، لأنّه إذْ يسلكُ الإنسان في الحياة سلوكاً في رحاب ذكره المصير والمآل الحتمي في يوم يجد فيه عمله محضراً، فإنّه حتماً سيحرص كلّ الحرص على الصواب؛ والدعوة لاستحضار هذا اليوم بوصفه سياقاً مرجعياً لأيّ سلوك أو قول أو فعل، لا يعني فقط الذين يخالفون معتقداتهم في العلاقة مع الرسول ودعوته، بل يعني ـ أيضاًـ الرسول نفسه، وفي هذا نمذجةٌ سيكون لها أثرها في نفس كل داعية إلى الخير والحق والسلام، فالله يؤدّب رسوله في الوقت الذي يوجهه لتأديب الآخرين.

يقدّمُ النص هذا اليوم بأسلوب كنائيّ يتوخّى التأثير في نفس المتلقّي، فهو ذو وقعٍ في النفس مهوّل. كنايةً عن الموقف الإنساني، يسوق واقعةً لغويّةً تقتضيها أعمال النفس الإنسانيّة من جرّاء ذكر هذا اليوم" تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً " فالنفس عند ذكر هول ذلك اليوم، وهو هولٌ فضائحي، إذْ تُستعرض فيه ما كانت النفس قد عملته من خيرٍ أو شرٍ قلَّ أو كثرَ، فأفضل ما يمكن أن يتمناه المرء، أن يكون بينه وبين هذا الظرف مسافةٌ بعيدة في الزمان أو المكان أو في كليهما، وقد أوقع الفعل "تودّ" على هذه الأمنية "لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً". فالفعل "تودّ" مسنداً إلى "كلّ نفس" يحيل على موقفٍ وجداني تشكّلُه تلك الأمنية في ذلك الظرف العصيب. والحب هو شعورٌ أو انفعال نفسي بإزاء أمرٍ ما، أمّا الودّ فهو مظهرُ هذا الشعور فلو أنك أحببت أحداً؛ فإنّ ذاك الحبّ يكمن، يضمحلّ أو يزدهرُ في النفس، بينما لو تبسمتَ له من جرّاء ذاك الحب؛ فذاك منك الودّ. فالودّ سلوك المحب تجاه محبوبه. فأيّ محبوبٍ سيعلو تلك الأمنية في ذلك اليوم الموعود؟ لذا سيظهر هذا الحبّ في قسمات الوجه، وأثر الفرَق. ويظهر الودّ في سلوك وجدانيّ وحرَكيٍّ يكون البعد من ذلك اليوم أشهى ما تصبو إليه النفس البشريّة.

وإذْ يحذر الله المؤمنين المخاطبين، فذلك منه رأفةً بهم.

نحن بهذا الأسلوب أمام مشهدٍ يكون فيه المرء معلقاً بالفرار، بينما الأصل أن يكون مستبشراً مقبلاً على الله. فكم سيكون فظيعاً أن تجعل أعمالُك يوم لقاء الله يوماً مردودا، وتودّ بعده! فالله يرأف بكم إذْ يحذركم نفسه، فالتحذير هو رأفة بالعباد. 

"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"  ما زالت لائحة التوجيه الرسوليّ تقوم على تحديدِ سلوك الرسول مع أولئك الذين افتروا على الله، ويزعمون أن الله يحبهم ويحبونه، ولن تمسهم النار إلا أياماً معدودات، فيأتي مقول القول هنا: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه" لتحدد العلاقة المباشرة بين الرسول(ص) وبينهم.

إنّ العناصر المكوّنةَ لهذه الآية تستدعينا لإمعان النظرِ والتدقيق فيها. فأسلوبُ الشرط بذاته، لا يشكّلُ ظاهرةً أسلوبيةً ينبغي الوقوفُ عندها؛ غير أنّ الذي يستوقفنا هنا كونُ، فعل الشرطِ وجوابه قد حلّ محلّهما جملتان تنهضان بالمعنى المُراد،في سياق من شأنه تسفيه زعمهم بأنهم يحبون الله ويحبهم، فالشرطُ يقوم، إلى الأداة، بفعلين يتعطل أحدهما بتعطل الآخر ويتحقق بتحققه، فالأداة هنا "إنْ" تثير الشك، فهي لا توفّر المناخ الملائم لليقين في العلاقة بين المسند والمسند إليه في الجملتين اللتين تشكلان أسلوب الشرط هنا. فإسناد الحب إلى هذه الجماعة غير يقيني. وقد دخلت "كنتم " بعد "إنْ" لتشير إلى أن الحبّ المزعوم ليس حادثاً عندهم بل هو عريق. فلو قال إنْ تحبوا الله، لفهمنا أن فعل الحب حادث، وعندها سيتغيّر المعنى كلياً. فهم يزعمون أنهم يحبون الله قبل أن يأتي الرسولُ برسالته، إذن ينبغي أن يكونوا قد عرفوا الله، وأحبوه، واهتدوا بهديه، وامتثلوا لأوامره ونواهيه، وأسلموا له بإقرارهم أنه مالك الملك، وبأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع، ويولج، وبيده الخير، وكان ينبغي أن يتموضعوا مع المؤمنين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق.....فهم لا يسلكون مع الرسول(ص) بما يستوجبه الإسلام لله. لذلك؛ حلّ محلّ الجزاء فعل الطلب "اتبعوني"، فالرسول يدعو إلى الإسلام، فكيف تكونون مسلمين، ومحبين لله ولا تتبعون الرسول، وتناهضونه وتناهضون دعوته؟!!!! فالأصل المنطقي يقتضي إنْ تحبوا الله يحببكم، ولكن هذا المنطق لا يتناسب مع واقعهم، فالدليل على حبكم لله الذي يبادله الله بحبه؛ هو اتباع الرسول. واتباع الرسول هنا تعني قبول القرآن الكريم كتاباً من عند الله، وتعني الالتزام بأوامره ونواهيه. حبكم لله يقتضي اتباع الرسول، وحب الله لكم، يتجلّى أولاً في إرشادكم إلى السبيل الذي يؤدي إلى حبه، وثانيا يغفر لكم "وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" والغفران هو السّتر، وهذا فعل المحبين ولله المثل الأعلى، فأنْ يسترَ ذنوبكم معطوفاً على يحببكم فتلك رحمة من الله، وكيف لا؟ " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فغفور على وزن فعول من صيغ المبالغة، فهي تعني أن الله ليس غافراً للذنب فحسب، بل هو أصل المغفرة ومادتها الأولى، وكل ما يكون للمبالغة على وزن فعول، يكون بهذه الدلالة. فهو بهذا الاسم من أسماء الله الحسنى مع محبيه فذاك أنّه رحيم.

"قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" .وهكذا، تختتمُ هذه السلسلة المتماسكة من الآيات الدالات على السلوك الدعويّ مع الذين يؤمنون بالله، ولا يقوّم الإيمان سلوكهم في العلاقة مع المؤمنين والذين يتربصون بالمؤمنين كلّ شر، ويزعمون مع هذا أنهم يحبون الله والله يحبهم؛ فيأتي الطلب "قل" وقد حذف ما يوصل أثر القول إليهم "لهم" ليدخل مقول القولِ في العموم، فلو أنه قال:" قل لهم" لكان القول خاصاً بهم دون سواهم، أمّا وقد حذف "لهم" فهذا يعني لهم ولسواهم. فما هو مقول القول؟

"أطيعوا الله والرسول" لكونهم يزعمون أن علاقتهم بالله خاصة، أكد القرآنُ الكريم الفعل "فاتبعوني" بالفعل "أطيعوا". يطلبُ الرسولُ إسناد الفعل " اتبعوني" أمراً إلى المعنيين بالخطاب المباشر، واقعاً عليه، وجواب الطلبِ "يحببكم الله". أما "أطيعوا" فيطلب الرسولُ إسناده إلى الجماعة نفسها، إلا أنه يعدي إلى الله والرسول، وفي ذلك تأكيدٌ لبطلان زعمهم بأن علاقتهم بالله لا تقتضي اتباع الرسول. علماً أن الرسول لم يأت سوى بالإسلام الذي جاء به النبيون من قبل، الإسلامُ لمالك الملك. فالإسلام لله لا يستقيم مع الإعراض عمّا جاء به الرسول، فلو أنه قال في هذا السياق أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، لكنّا سنسألُ ما الذي نطيع به الرسول(ص) غير مقول الفعل"قل" السابق ذكره في هذه السلسلة، ولم يرد سوى ما يبيّن قدرة القادر على كلّ شيء، والرسول الكريم مظهرٌ من مظاهر هذه القدرة الباهرة." فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" . وتقدير الكلام هنا:" فإنْ تولَّوا فلا يحبّهم" وعلة التولّي عندهم ليس جهلهم بالله وكتابه ورسوله، بل إنهم كفروا  علمهم بالافتراء والعلو والغرور. والنتيجة إنّ الله لا يحبّ الكافرين.

تأسيساً على قراءتنا لهذه الآيات؛ نفهم أنّ مدلول الطاعة هنا قائمٌ في الموافقة بين المعتقد والسلوك.وهذا لا يختصّ بمن يخاطبهم النبيّ في ذلك الظرف التأسيسي، بل يشمل كل مؤمنٍ بالله ويسلك في حياته بما يتنافى مع هذا الإيمان، وقد نقيس عليه فنقول من يعتقد بصحة معلومة أو قانونٍ أو قاعدة، فلا يحقّ له أن يدير ظهره ويتولى عمّن ينهض بها وينافح عنها، ويدعو لها بموجب صدقها وصوابها. 

 

ezzeddine  anayaأمْلت التحولات التي شهدها العالم في التاريخ الحديث دورا مغايرا للمرأة في الساحة الاجتماعية. وكانت المرأة سواء المسلمة أو المسيحية أو اليهودية الأبرز من حيث التأثر بهذا المناخ الجديد. فقد شهد الواقع الذي تسود فيه الأديان الثلاثة تبدلات عميقة تجلّت في تشكّلِ ثقافة مغايرة، طرحت رؤى جديدة انعكست على دور المرأة وعلى حضورها في المجتمع، وبالمثل على مساهمتها الحضارية بشكل عام. فما عادت المرأة المتأتية من الثقافة الإسلامية أو الثقافة اليهودية-المسيحية تلك المرأة المنزوية والسلبية، المنفعِلة بالأحداث والتغيرات دون مساهمة فيها أو صنعها، بل باتت شريكا فاعلا في التحولات الكبرى. وصحيح أن المرأة في التقليد الإبراهيمي عامة تتماثل من حيث بعض السّمات والرؤى والمعتقدات، ولكنها تتغاير من واقع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. فالواقع الغربي المسيحي قد شهد تحولا فاق ما عليه الحال في الواقع الإسلامي، وهو ما انعكس على دور المرأة وكيانها. حيث اكتسبت المرأة الغربية جملة من الحقوق رفعتها إلى مصاف الرجل، بما خلّف تبدلات عميقة داخل الأسرة وداخل المجتمع، انعكست سلبا وإيجابا على الوئام الاجتماعي، لعل أبرز السلبيات الحاصلة في ذلك التحول ما تشهده الأسرة في الغرب من هشاشة ومن تحلّل باتا يهددان تلك المؤسسة العريقة بالانخرام؛ وأبرز تلك الإيجابيات الحاصلة تتمثّل في تعويل المرأة على ذاتها في تدبير شؤون حياتها وفي تخلّيها عن تلك السلبية التي لازمتها، باعتبار الرجل راعيا وحاميا لها. وبما يوازي ذلك التحول خطت المرأة في الواقع الإسلامي خطوات جبارة في العقود الأخيرة، من حيث التحرر من سلطة المجتمع البطرياركي، ومن حيث الانطلاق في تحقيق كيانها كعنصر فاعل وإيجابي في المجتمع بعد أن كانت عبئا على الرجل، أو بالأحرى أُريد لها أن تكون غائبة ومحصورة في الشأن المنزلي دون مساهمة تُذكَر خارجه على المستويين المعرفي والفاعلي. ولعل الخطوة الكبرى التي خطتها المرأة المسلمة وهي خروجها لطلب العلم والمعرفة ومن ثمة الانخراط في سوق العمل، وإن لا يزال حضورها المباشر في الفعل الاجتماعي وفي التعويل على ذاتها منقوصا أو دون ما هو مطلوب1

 

المرأة المؤمنة في زمن التحولات

ذلك بشكل عام، ولكن لو دققنا النظر في التحديات التي تواجه المرأة المؤمنة، أو بالأحرى المرأة المتديّنة والملتزمة بتعاليم دينها، أي التي لها مرجعية إيمانية في نشاطها وفي حضورها. نجد أن هذه المرأة علاوة على ما تجابهه من تحدّ من المجتمع الحاضن، من حيث تحديد دورها أو الضغط على حرية نشاطها، تواجه تحديا آخر متأتيا من رفيقتها المرأة التي باتت لا تشاركها تلك المرجعية الإيمانية التي تنطلق منها. فالمرأة في الغرب على سبيل المثال تشهد خصومة مع المرجعية الدينية لا سيما المرجعية المؤسساتية الكَنَسية. يتجلى ذلك في محاولة التخلص من سلطان الكنيسة الذي لا زال يحضر بقوة في التشريعات المتعلقة بالزواج والطلاق والإجهاض ويتحكم في بنية الأسرة عامة. فقد تركّز الخصام بين المرأة والكنيسة في الغرب حول العديد من المسائل، ويتجلى ذلك في الدول التي لا تزال فيها هيمنة الرؤى الكنسيّة الكاثوليكية حاضرة في التعليم وفي الشأن الأسري، لا سيما في جنوب القارة في إيطاليا وفي إسبانيا، فعلى سبيل المثال لم تنل المرأة الإيطالية حق الطلاق سوى مع قانون "فورتونا باسليني" 1970، وهو حق طبيعي لم تفتكه سوى أخيرا. فالتقليد الكاثوليكي يَعدّ الطلاق عامة ولا يزال إثما وخطيئة بناء على ما يرد في الكتاب المقدس، "فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً؟ إذاً ليسا بعد اثنان، بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. وجاء في إنجيل متى (9: 19) "فسألوه: لماذا أوصى موسى بأن تُعطى الزوجة كتاب طلاق فتطلّق؟ أجاب: بسبب قساوة قلوبكم سمح لكم موسى بتطليق زوجاتكم. ولكن الأمر لم يكن هكذا منذ البدء. ولكني أقول لكم: إن الذي يطلق امرأته لغير علة الزنى ويتزوج بغيرها فإنه يرتكب الزنى، والذي يتزوج بمطلقة يرتكب الزنى". بناء على أن ما جُمِع في الأرض لا يفرق إلا في السماء. ما انجر عن إلغاء هذا الحق الطبيعي أو تعطيله إفساد من نوع آخر للحياة الأسرية وللعائلة. إذ صحيح أن الطلاق هو مضرة ولكن منع الطلاق أحيانا يغدو مفسدة أشد وأقوى.

ضمن تلك التحولات في الغرب ظهر اللاّهوت النّسوي خلال العقود الأخيرة، بوصفه تأملا لنساء مسيحيات في سياق الدين والحياة على ضوء الإنجيل2 ، وكان من أبرز المداخل المعرفية الناشطة لاختراق الضّيق الذي حُصرت فيه المرأة. فبعد حضور دوني للمرأة في الكنيسة امتدّ قرونا، لم تسنح الفرصة للتنديد بحياة القهر التي ترزح تحت وطأتها المرأة، سوى إبان حقبة الستّينيات. حيث شكّل كتاب فاليريا غولدستاين 1960، "أنا مرأة وأدرُس اللاّهوت"، قطعا مع اللاّهوت الرّجالي وتدشينا لمرحلة جديدة عُرِفت باسم اللاّهوت النّسوي. رَوَت الكاتبة في مؤلفها ملحمة دونية المرأة داخل بنية الكنيسة وتعرّضت لوضعها كامرأة مؤمنة تعيش قهرا مسلَّطا عليها من قِبل مؤمنين، حينا بوعي وآخر بلا وعي. والحقيقة أن الحركة النّقدية للكتاب المقدّس قد لفتت النّظر نحو المسألة النّسوية وقضاياها، منذ ما يزيد عن القرن، ولكن ما كانت بذلك الإصرار والتركيز والوضوح، فقد نُشِر سنة 1895 مؤلَّف نسويّ جماعي برعاية إليزابيث ستانتون بعنوان: "الكتاب المقدّس النّسوي" وهو عبارة عن شروحات لنصوص متفرقة من الأسفار المقدّسة متعلّقة بالمرأة. لكن مع توالي السنين بات اللاهوت النسوي حائزا على اعتراف في أوساط الدراسات الدينية، بوصفه خطا متميز على غرار "اللاهوت الأسود" و"لاهوت التحرر".

ولئن كان اللاّهوت الأسود -Black theology – مع جايمس كوين قد دفع قُدما، على ضوء رسالة العدالة والتحرّر الإنجيلية، بالوعي بكرامة الشعوب الملونّة وقضاياها، التي لا تزال عرضة لأشكال شتى من التمييز، بما يتلخّص بالأساس في روايات أزمنة العبودية الوافرة، المعبَّر عنها في لغة الأسلاف الأفارقة3 ؛ فإن اللاّهوت النّسوي لم يطالب فحسب بالتساوي التام والشامل بين الرجل والمرأة، بل نادى بإلغاء الأحكام الجنسانية في الحياة الاجتماعية المدنية وفي الحياة الكنسية أيضا. يرْشَح هذا الوعي دائما من تطلّع إلى تحوير جذري للأسس اللاّهوتية للوجود المسيحي، بدءا من صورة الله، التي لا تزال رهينة الثقافة الذكورية4 ، مع أن الآية التوراتية جلية "لأنه هكذا قال الرب. ها أنذا أدير عليها سلاما كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضعون وعلى الأيدي تُحمَلون وعلى الركبتين تُدلَّلون. كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا" (إشعياء 66: 13).

ذلك أن مطلب العودة إلى لغة استيعابية، تُوظَّف في الكتاب المقدّس وفي اللّيتورجيا، يهدف أساسا إلى الإسهام في إلغاء ذلك التمييز الجنساني، ويتطلع إلى الإيحاء بأصالة تلك المطالب وثرائها. وهو ما ينبغي ألاّ يطمس جدّية المطالب وأشكال العنف الحاصل، وبالمثل الدوافعَ الإيجابيةَ للإلهام الدّيني والرّوحي في جوانب كبرى من تلك المقاربات. فكل تلك القضايا حاضرة، حين يغوص الفكر في قراءة مستجدّة للذّاكرة داخل التاريخ الرّسمي، المدوَّن من قِبل المنتصرين، الرّجال. حيث يلوح سعيٌ إلى كشف الواقع المطموس والمقموع للطّرف الأنثوي. ذلك أن الأنساق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي تطوّرت عبر الزمن، قد رهنت المرأة داخل حالة من الخضوع والاستغلال، سُخِّرت فيها لحاجات الذَّكَر ورغباته. لذلك يظهر اللاّهوت النسوي بمثابة نظرية نقدية تحرّرية للجموع البشرية وليس للشقّ الأنثوي فحسب. يسعى وبشكل جاد إلى إصلاح صورة الألوهية الذّكورية، ويتطلع أيضا إلى مقصد إعانة الذّكر، على هدى المسيح، للإقرار بالمكوّنات الأنثوية في كيانه، حتى تعبّر المرأة عن ذاتها كشخص، لأن كلاهما إنسان بحسب صورة الله المتجلّية فيهما، وهو ما يجد دعمًا في سفر التكوين. والواقع أن ثورة المرأة على الكنيسة في الغرب قد تأتّت ضمن ثورة اجتماعية أشمل، بلغت مداها في ما عُرف بانتفاضة 1968 في فرنسا، التي للأسف انحرفت نحو المناداة بثورة جنسية مستهترة تسقط بموجبها كافة الحصون الأخلاقية من أجل حرية متهتكة.

من جانب آخر وعلى مستوى تشريعي تبقى المرأة المسلمة في عيش حياتها الطبيعية والتزامها بدينها الأقرب للاعتدال والانتظام وفق ما هو طبيعي، فهي قادرة على أن تبني أسرة وفي الآن قادرة على أن تعيش حياتها الدينية وخياراتها الروحية، في خلو تام من التناقض بين ما هو طبيعي وما هو اجتماعي وما هو ديني، فالخيار الاجتماعي الأسري الذي تسلكه المرأة المسلمة لا يمنعها ولا يحدّ من خياراتها الدينية والروحية، وبالعكس أيضا، لا تحول خياراتها الدينية دون تحقيق كيانها الاجتماعي الطبيعي. بخلاف ذلك نجد المرأة في بعض التقاليد المسيحية، على غرار الكاثوليكية، تعجز عن الجمع بين حياة اجتماعية أسرية طبيعية وحياة روحية رهبانية، فهي أمام خيارين وأمام سبيلين، إما أن تكون مرأة علمانية أو مرأة دينية، مرأة مجتمع أو مرأة كنيسة. وهو في الحقيقة مأزق ليس هينا وليس أصيلا في المسيحية بل طارئا، عرفه هذا الدين مع القرون الوسطى. منذ أن بدت العزوبة شرطا لازما للاندماج في سلك الرهبنة، لكن هذا التقليد الإلزامي للمرأة لاختيار أحد النهجين، العزوبي أو الأسري، لاقى معارضة قوية منذ ظهور الإصلاح البروتستانتي مع مارتن لوثر (1483-1546م) الذي أبى إلاّ أن يثور على التقليد السائد وقرّر الزواج بعد تكريسه من الراهبة كاثرين دي بورا التي أنجبت له ستة أبناء، وذلك بعد أنكر الطابع السائد لخيار الرهبنة، وعدَّ نموذج الحياة المسيحية الأمثل مجسَّدا في العائلة لا في العزوبة القسرية. لقد كانت الثورة البروتستانتية في الحقيقة، في جانب منها، ثورة على مفهوم الرهبنة الذي أملته كنيسة روما. حيث سمح ذلك التحول للمرأة وبالمثل للرجل أن يقوم كلاهما بالدورين الكنسي والاجتماعي، سعيا من وراء ذلك إلى خلق توازن في المكوَّن الأسري، أي في النواة الأساسية في المجتمع.

هذا المطلب لإعادة الدور للمرأة والحضور في مجتمع الكنيسة لا تزال المرأة الكاثوليكية الراهبة دون بلوغه، مع أن هناك إلحاحا من جانب العديد من اللاهوتيين واللاهوتيات في هذا المسار. ولا يزال مفهوم النسوية مصطلحا محرِجا في الأوساط الدينية لما يستبطنه من مراجعات ودلالات عميقة توحي بالرفض والنقد والتصحيح والثورة أحيانا، ثورة من جانب المرأة في مقابل الرجل، وثورة للمرأة على المفاهيم الدينية التي سادت وباتت واقعا مترسخا. لكن النسوية المؤمنة هي بالحقيقة وعي ذاتي جديد يشمل كل ما يتعلق بالمرأة، وقد ولّدت تلك الحاجة تطورات حصلت في الاجتماع الحديث هدفت إلى مراجعة أنظمة السلطة التقليدية، لا سيما منها السلطة الدينية التي تبقى مقاليدها بحوزة إكليروس ذكوري متمثل في الكنيسة، وسائرة وفق رؤى ذكورية متمثلة في اللاهوت، بات كلاهما يزعج المرأة كشريك في الدين وفي الوجود.

 

سعيا لتأصيل النسوية المؤمنة

لم تنشأ النسوية المؤمنة في جانبها المسيحي من عدم، بل وجدت في التراث الديني سندا ودعما وبالمثل أيضا خذلانا وعائقا، لذلك وجبت قراءة أنثروبولوجية متأنّية تقطع مع القراءة الأيديولوجية بغرض بناء رؤية نقدية ما بعد أيديولوجية5 . إذ بالتمعن في التجربة المسيحية المبكرة للمسيح (ع) مع المرأة، نلحظ تطويرا وتجديدا متمثلا في رد اعتبار للمرأة والتعاطي معها ككيان حر ومكرَّم بعد أن كانت مبعَدة عن المعبد أو في عداد الكائنات النجسة، وهو ما استلهمه المسيح من روح الناموس القديم الذي يضع المرأة جنب الرجل في تلقي رسالة الروح القدس وفي تولي مهمّة البشارة والدعوة والرسالة، إلى حدّ الحديث عن المرأة الحَوارية على غرار الرجل الحَواري، أو بتعبير مسيحي "رسولة" على غرار (يونياس) الوارد ذكرها في الرسالة إلى مؤمني روما (16: 7). لكن ذلك الموسم الإيجابي في تاريخ المرأة المسيحية كان خاطفا، سرعان ما عادت إثره المرأة إلى رهن المجتمع بغياب المسيح. إذ يبدو ذلك التحول قد وقع الانثناء عليه والتنكر له بمجرد رحيل المعلم الأول للمسيحية. ففي الرسالة الأولى إلى مؤمني كورنثوس (14: 34) إعلان فجّ بشأن حضور المرأة، يأتي بشكل صارم ليحدّد حضورها، يأمر بمقتضاه النساء أن يخرسن في الكنائس، فليس مسموحا لهن أن يتكلمن، بل عليهن أن يكنّ خاضعات. والأمر ذاته يتكرر في الرسالة إلى مؤمني أفسس (5: 22-23) "أيتها الزوجات اخضعن لأزواجكن كما للرب، فإن الزوج هو رأس الزوجة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة".

والجلي ضمن قراءة مقارنة للتراثين المسيحي والإسلامي أن ليست الرؤية الفقهية الإسلامية  التقليدية فحسب في أزمة، بل اللاهوت التقليدي المسيحي أيضا في أزمة تجاه المرأة وتجاه تناول قضاياها. إذ تتوجه انتقادات سواء من النسوية الإسلامية أو من النسوية المسيحية إلى كون الفقه واللاهوت كلاهما قد كُتِب من وجهة نظر ذكورية حازت فيهما المرأة موضعا ثانيا، رغم أن المرأة تماثل الرجل وتضاهيه في النصوص المقدسة المرجعية. وصحيح ضمن هذه الأوضاع أن الأمر قد يبدو متماثلا، لكنه في واقع الأمر متغاير من حيث الإجحاف. فالدونية التي لحقت المرأة المسلمة عبر التاريخ غالبا ما كانت مأتية جراء الواقع الاجتماعي الذي أملى على المرأة أوضاعا دونية ولفّها بتصورات حالت دون انطلاقتها الحرة، ولربما ما كان الفقه الإسلامي في مدارسه الكبرى بتلك السمة المجحفة التي ميزت اللاهوت المسيحي، وذلك لكون الفقيه المسلم هو بشر يجتهد، وليس وصيا على قوله تعالى أو ناطقا باسمه، على خلاف الدور الذي يحوزه البابا والإكليروس في المسيحية بوصفهم يمثلون ظل الله في الأرض وما يحيط بقولهم من قداسة وشرعية.

وفي عصرنا الراهن تبدو المطالبات من المرأة -والرجل أيضا- سواء داخل التراث الإسلامي أو داخل التراث اليهودي المسيحي بإعادة النظر في الرؤى الفقهية واللاهوتية القديمة مدعاة لجدل واسع6 . وأحيانا يُفسَّر هذا الجدل خطأ كونه تنكرا للدين وابتعادا عن التعاليم الصحيحة، والواقع أن هذا الجدل يندرج ضمن التصحيح للتصورات الذكورية والتصويب للدور الرجالي، ولذلك ليست النسوية الكتابية داخل الأديان الإبراهيمية نسوية خصيمة للربوبية أو الدين، بل هي نسوية إصلاحية للذكورية الدينية التي احتكرت الدين وانحرفت بتأويلاته. من هنا ينبغي تحديد جوهر قضايا النسوية الكتابية بوصفها نسوية مؤمنة لا كما يجري نعتها أحيانا بوصفها نسوية متمردة أو خصيمة للمقدّس. ومن هذا المأتى يتوجب على المؤمن عامة داخل التراث الإبراهيمي أن يعي قضايا المرأة اليوم بوصفها قضايا تصحيح، لا بوصفها قضايا إهانة أو تسلّط مقلوب تمارسه المرأة، مدفوعة بذاكرة جريحة وتراث مشحون بالتجاوزات.

والجلي أنه عادة ما يُختزل دور المرأة في البيت ويُترك باقي المجتمع إلى الرجل، لكن التحولات الحديثة فرضت إعادة تقسيم للأدوار والفضاءات مع مراعاة طبيعة كل منهما. ولم يعد الفاصل بينهما ما يُسمّى بطبيعة الأشياء، بعد أن تسربت لتلك الطبيعة العديد من الانتقادات، بل بات الصواب في تقاسم الأدوار وِفق الوِفاق والوئام والشراكة. فالمرأة شريك فاعل في البيت والمجتمع بعيدا عن التقسيمات الكلاسيكية، وهو ما دفع إلى ندية وتماثل مع الرجل ويقود في الآن إلى مساواة كانت مطموسة في ما سبق. وهذه المساواة هي مساواة حضَّ عليها الدين وآزرها وألحّ عليها، لكنها بقيت غير مفعَّلة أو مؤوَّلة بطريقة مغلوطة، ولذلك تقود النسوية الإيمانية تحولا من داخل الحضن الإيماني لتصحيح المفاهيم الخاطئة.

وإن يكن ثمة مراجعات قوية، وأحيانا غير معهودة، مطروحة داخل النسوية المؤمنة تصل إلى أعلى درجات الجرأة، يتوجب الإصغاء إليها اليوم كونها نسوية مسؤولة وتنطلق من أرضية إيمانية. ففي الجانب المسيحي كانت المرأة ولا تزال خارج نطاق التحكم بتسيير الكنيسة لاهوتيا. فهي مكمِّلة لدور الرجل وأحيانا مجبَرة على الصمت والانزواء. ولذلك ضمن مسار التحولات التي شهدها الغرب،لم يكن خروج المرأة في تلك المجتمعات بقيادة الفكر الديني، بل بقيادة الفكر العلماني اللاديني الذي تنبّه إلى الحصر التاريخي للمرأة. ومن هذا الباب نشأت خصومة كبيرة في الغرب بين المرأة والدين. فكان لتحقيق المرأة كيانها متوجَّب عليها الخروج والثورة على الدين وعلى ممثلي الدين حتى باتت المرأة عنوان التحرر من الكنيسة، نجد ذلك في شعار الثورة الفرنسية وفي تحرر الفن من طابع الحشمة والحياء، وهي عملية رد فعل رمزية شهدها الغرب الثائر على ممثلي الدين. بخلاف ذلك جاءت النداءات الأولى لتحرير المرأة في الثقافة الإسلامية من أوساط مؤمنة ومشبَعة بالتراث الديني وهو ما مثّله قاسم أمين في مصر والطاهر الحداد في تونس.

 

رؤية نقدية في قراءة التراث

صحيح أن الفقه الإسلامي الحديث قد شهد تطورات كبيرة في الموقف من المرأة، لكن يبدو الأمر في الغرب ولا سيما في الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم حاضرا ضمن باراديغمات القرون الوسطى من حيث التنكر والتعاطي مع موضوع المرأة. فقد شنّ المفكر اللاهوتي السويسري هانس كونغ حملة شرسة على خيارات الكنيسة القروسطية تجاه المرأة السائدة حتى اليوم، واعتبر أزمة المسيحية في خضوعها إلى باراديغم مسيحية القرون الوسطى، سواء في الممارسة الكهنوتية المتجلّية في الموقف الدوني من المرأة، أو في الإصرار على الإلزام العزوبي، الذي يمثّل شرطا لازما لرجال الدين وللراهبات، إضافة إلى الإقرار بعصمة رأس الكنيسة. فهذه العناصر الثلاثة: دونية المرأة وعزوبة الإكليروس وعصمة البابا، هي المفاتيح الرئيسية التي تميز مسيحية القرون الوسطى7 . ولعل التناقض الصارخ لكنيسة روما مع المرأة متجل اليوم في الموقف من المرأة داخل الكنيسة، حيث يتواصل حرمانها من الرواتب ومن منحة التقاعد التي يتمتّع بها الكهنة ورجال الدين الذكور فحسب ومن الترقي الكهنوتي على غرار الرجال8 . وكذلك في الموقف من المرأة خارج الكنيسة حيث لا يزال الإصرار على مصادَرة حريتها في تقرير مصيرها من حيث خيارات الطلاق والإجهاض واستعمال موانع الحمل وتنفيرها منها، فضلا عن كبح حريتها في تشكيل عائلتها على هواها. وهي عناصر لم تسوَّ بعدُ ولا تزال تخيّمُ على علاقة الكنيسة بالمرأة في الغرب. لذلك نجد المرأة الغربية وإن تقترب روحيا من المسيحية، فهي تبتعد لاهوتيا من الكنيسة، والأمر ناتج عن خلاف بين الطرفين يمتدّ إلى المسائل التشريعية والثقافية.

في ما يتعلق بالجانب اليهودي، بعد انطلاق حركة الاستنارة الإصلاحية (الأفكلارونغ) التي تُعرف بالهسكلاه أيضا، والتي نادت صريحا على لسان مؤسّسها موسى مندلسون (1729-1786م) بضرورة تبني الثّقافة العلمانية كسبيل للاندماج، إلى جانب الدعوة إلى تحطيم المنبذ العقلي -الغيتو- الذي ضربه اليهود حول أنفسهم، إضافة إلى المنبذ السياسي الذي فُرض عليهم، شهدت أوضاع اليهودية تحولات من حيث النظر إلى الذات وإلى العالم. فقد حصلت جرأة في التعاطي مع التراث، وهو بالواقع موقف شبيه بما حصل في الجانب الإسلامي، إذ يشكّلُ ثقل تراث الأحبار وطأة وعائقا. حيث جاءت الاستنارة اليهودية في شكلها النسوي خروجا من الغيتو الأكبر ألا وهو الغيتو التراثي المفروض على المرأة من الرؤى المحافظة والتقليدية، وقد مثّلت المصلِحة راكيل فرناغن (1771-1833م) هذا الوجه التحرري للمرأة اليهودية بالمناداة بتحرّر اجتماعي من الغيتو الداخلي المضروب على المرأة9 . كما شهد الواقع اليهودي تحولا ثانيا كبيرا، لحقت آثاره المرأة انطلق مع مؤسسة "التحالف الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israelite Universelle) بما قامت به من تثوير للنظام التعليمي اليهودي التقليدي، الذي كان يحاكي نظام الكتاتيب المنتشر في بلاد المغرب، بإنشاء المؤسسة معاهد تدريس مختلطة تعتمد أنظمة تربوية غربية وعصرية أولت اهتماما كبيرا للغات الأجنبية. وازداد سحب البساط من التعليم التقليدي اليهودي بإغراء الخريجين والخريجات بالاندماج في سوق الشغل، ناهيك عن تكثف دمج المرأة ضمن دائرة الثقافة الغربية حتى بلغ تغريب الشخصية اليهودية مستويات تضاهي ما عليه المرأة الغربية. وفي أعقاب التحولين البارزين اللذين طرآ على أوضاع المرأة اليهودية، نرصد تحولا ثالثا شهدته المرأة اليهودية مع فترة الستينيات من القرن الماضي، حيث بدأنا نشهد إعادة قراءة نسوية للكتاب المقدس اليهودي لا سيما في الولايات المتحدة، حصل ذلك تحت تأثير النسوية المسيحية، نجد فيها قراءات معاصرة تقطع مع القراءات التقليدية للنص المقدس في شكلها المحابي للرجل10 . استعادت بواسطتها النسوية اليهودية نماذج عالية من التحرر في التراث اليهودي، عُدّت مثالا للمرأة اليهودية المضاهية للرجل في المجالين الديني والدنيوي. ومن هذه الرموز ما تعلق بمجال النبوة التي تخلصت من بعدها الذكوري وشملت النساء أيضا كما يورد ذلك العهد القديم مع النبية دبورة والنبية خَلْدة الوارد ذكرها في سفر الملوك الثاني (22: 14)، وكذلك مع السياسية إستير التي خلّصت شعبها من مخاطر الإبادة (سفر أستير: 4-7).

لعل الأمر الغائب اليوم بين مختلف أشكال النسوية المؤمنة وهو التنسيق بين مختلف هذه المداخل. فلا شك أن المجتمع الحديث اليوم يفرض على المرأة في سائر التقاليد الدينية الإبراهيمية تحديات متنوعة باتت تهدد كيانها كمرأة مؤمنة ومتدينة، ما يتوجب معالجة الأمور معا وبروح منفتحة على قضايا العصر. وصحيح أن المرأة داخل التراث الإبراهيمي قد قطعت شوطا في مراجعة تراثها، وفي الحصول على حقوقها، ولكن يبقى عليها اليوم العمل جاهدة على المحافظة على خصوصيتها كمرأة مؤمنة برغم ما يشهده العالم من مظاهر زحف أشكال اللاإيمان واللادين.

 

عزالدّين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما

.......................

هوامش

   1-Nibras Breigheche, La donna nel corano e nella tradizione islamica. Al di  là dei pregiudizi, in Donne e religioni. Il valore della differenza, a cura di stefano Allievi, EMI, Bologna 2002, pp. 59-68.

  2- Marga Bührig, Donne invisibili e dio patriarcale. Introduzione alla teologia femminista, Claudiana, torino 1989, p. 36.

  3- Cummings, G.C., Hopkins, D.N, Cut loose your stammering. Black theology in the slave narratives, Maryknoll, N. Y., 1991.

  4- Johnson, E., She who is: the mystery of God in feminist theology discourse, New York 1992.

  5- Adriana Valerio, Le ribelli di Dio. Donne bibbia tra mito e storia, Feltrinelli, Milano 2014.

 6 - أُبعد اللاّهوتي الهولاندي جون وينغارد (John Wijngaards) عن الكنيسة، لما يراه من تنكّر لتراث المسيحية البدئية التي بلغت فيها المرأة رتبة الشماسة، مع أن الرجل يُعدّ من أبرز المختصّين في الكهانة النّسويّة.

  7- Hans Küng, Conservare la speranza, Rizzoli, Milano 1990, p. 205.

. 8- Curzio Maltese, La questua. Quanto costa la chiesa agli italiani, La Feltrinelli, Roma 2008, p. 53.

9- Laura Voghera Luzzatto, La donna nella storia e nella tradizione ebraica , in Donne e religioni. Il valore della differenza, a cura di Stefano Allievi, EMI, Bologna 2002, pp. 87.

  10- Ibid, pp. 69-97

 

ibrahim telbasilkha(عالم اللغة الانجليزى فيرث): قدم فيرث رؤية فلسفية رائعة لتلك الجهود القيمة التي بذلها كثير من الفلاسفة والعلماء في دراستهم للغة منذ مرحلة الحضارات الشرقية القديمة مرورًا بالمرحلة الوسطى وحتى عصرنا.. وأعلن في البداية أن أصحاب النظريات اللغوية استمدوا آرائهم بخصوص اللغة من مجتمعهم وإرثهم الثقافي، ومن دينهم على وجه الخصوص، فكل واحد منهم له تصوره المتميز. لهذا فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون دراسة ما الذي فكر فيه هؤلاء الناس العظام الذين بنوا الحضارة الأوربية، بخصوص المنطوق utterance والكتابة، الكلام واللغة. ولا يمكن ذلك ورؤية الفروع العديدة لعلم اللغة بدقة وبمنظور ملائمين بدون نوع ما أساسي من فلسفة اللغة philosophy of language([i]).

فالنا، كما يرى فيرث، مخلوقات متميزة، غير عادية، وهم يعلمون ذلك، ويدركون المسافة الكبيرة التي تفصلهم عما يسمونه الحيوانات العجماوات، وبناء على قوة الكلام عندهم رفعوا أنفسهم إلى السماء. ووصل هذا العمل الخاص بالكلام الخاص إلى رؤسهم، فآمنوا بقوة الكلمات. واعتقدوا أن الإله خلقهم على صورته ومنحهم بنفسه الصوت في العالم، والصوت، والكلمة، وفاك vak هي مصدر الحكمة wisdom والقوة والإبداع([ii]).

ويرى فيرث أننا إذا رجعنا إلى المعتقدات والتأملات الأقدم بخصوص الكلام والكتابة، فإننا سنجد تعبيرات expressions أخاذة للاعتقاد في القوة الإبداعية وسحر الكلمات، ما هو فوق طاقة البشر، ما هو خاص بالسوبر بشر، القوة الماورائية، القوة الربانية، قوة الإله([iii]).

وقدم فيرث تصوره لهذه المعتقدات ولدراسة اللغة بين القديم والحديث كما يلي:

 

1- المصريون القدماء: The Ancient Egyptians

أشار فيرث إلى الأساطير القديمة التي تنسب اللغة إلى إله من آلهتها، أو قوة عليا خارقة، فبدأ بتقديم احترامه الشديد لأنبل الآلهة القديمة الإله توت Thoth إله المصريين. ورأى أن هذا الإله كان يمثل قلب ولسان رع Ra والوسيلة التي كانت تعلن بها مشيئة الإله وبإعلانها تصبح فعالة في عملية الخلق. كان توت هو قوة الاسم، ولم يكن من الممكن التحدث عن أي مخلوق سواء أكان حيًا أم ميتًا إلا حينما يتم المناداة باسمه. إنه نطق بالكلمات التي أوجدت عالمنا. وكان هو إله القمر و"راوي قصة" الشهور بالحفاظ على تسجيل الوقت، فهو المسجل، والمحاسب، والحاكم، والمانح للكلمات والمخطوطات. وهو إله الكلام الساحر، إله الكتابة المقدسة، إله ورق البردي، صانع لوحة ألوان الرسم وآنية الحبر، وإله الكتب، الإله الحافظ للكتب، للمؤلفين. وكثيرًا ما كانت معه سيشت seshet إلهة الكتابة، وربما كانت هي سكرتيرته المثالية فهي التي تساعد الملك على رؤية وضع الأسس بشكل جيد وفعلي. ولم يكن توت مجرد متكلم، أو معلن، بل كان متحكمًا في عملية "التسجيل" و"الرواية" و"التهجئة"([iv]).

وكان عند البابلتيين Bablonians أسطورة تقول إن أول ساكن في بابليونيا كان Oannes، وهو وحش نصف رجل، ونصف سمكة، وهو الذي قام بالسباحة في الخليج الفارسي وعلمهم استخدام الكتابة والفنون الأخرى([v]). ولدينا نماذج من نصوص قواعدية قديمة من بلاد بابل ترجع لحوالي عام 1600 ق. م. وما بعده، ومكتوبة على ألواح بالخط المسماري الذي نظم بطريقة تظهر تصريفات الضمائر والأفعال، والأنواع الأخرى للكلمات السومرية مع مقابلاتها في اللغة الأكاديمية (البابلية). وكان الغرض من هذا العمل هو الاحتفاظ بمعرفة اللغة السومرية التي كانت في طريقها للزوال، ولكنها كانت اللغة التي كتب بها كثير من بواكير الأدب البابلي([vi]).

 

2- الصينيون: The chinese

يوجد عند الصينيين قصص عن "فرس – النهر" المرسل من السماء، أو السلحفاة، الذي خرج من النهر قبل الامبراطورية الأسطورية. ولم تتحدث تلك السلحفاة اللغة الصينية. فهي لم تكن تحمل موهبة الكتابة في فمها، كانت تملكها في صورة تصميم، أو مجموعة من الضربات على ظهرها. وحينئذ تم كتابة القوانين. وكان الناس يزداد احترامهم لعظمتها السماوية حينما يرونها تستمع للطيور، وتقوم في صمت، حينما تطير تلك الطيور بعيدًا، بطباعة العلامات التي تركتها آثار أقدامها الرقيق في الرمل الخفيف. وأنتج الصينيون منذ ألف عام قواميس dictionaries ممتازة، ورتبوا الكلمات أيديولوجيًا ideologically وفي بعض الأحيان تبعًا لأصواتها لتوضيح الرنين (الصوت) والقافية. واخترعوا كذلك فن طباعة الحروف بواسطة قوالب متحركة"([vii]).

 

3- الهندوس: The Hindus

ربما كان من أكثر المعتقدات القديمة أهمية وأيضًا أكثر التأملات خطورة بخصوص الكلام واللغة هي الخاصة بالهندوس، حيث يرجع تاريخهم لستمائة أو سبعمائة عام قبل الميلاد. فقلد أوضحت الدراسات الأوربية الحالية بشكل مثير للدهشة القليل من التقدم بعد ألفي عام([viii]).

ففي الكتابات الهندية القديمة تم تشخيص الكلام بوصفه إلهة goddess فاك Vak أو vegdevi وتم اعتباره كمثال لفراهما Frahma أو للإله. وفاك المقدسة ليس لها بداية ولا نهاية، لكنها مماثلة للإله والإنسان. تلك هي القوة الإبداعية لبراهما Brahma ويعتقد السيد games geans أكثر علماء الطبيعة رومانسية في وقتنا الحالي أن الإله عالم رياض متميز أو سوبر رياض. وبالنسبة للهندوس القدماء خلق العالم بمعنى "الوجود الفعلي" بواسطة قوة فاك لبناء العالم... كانت الكلمات الإلهية تصنع المعجزات بمجرد نطقها. فالإله خلق الأرض بقوله Bhu. ومن خلال طريقة فاك، خلق الإله الأعظم كل شيء. وهكذا فإنه على الرغم من أن فاك تابعة للإله فهي الأولى في ترتيب الخلق([ix]).

و"توت" و"فاك"يذكروننا بكتاب "النشأة"حيث قال الإله: دع هناك ضوءًا فأصبح هناك ضوء. والآيات القليلة الأولى من الإنجيل تبعًا للسيدجون gohn تقول: "في البداية كانت الكلمة والكلمة كانت مع الإله، والكلمة كانت الأله"([x]).

ولاحظ الهندوس العديد من أنواع فاك، فالآلهة خلقت الأنواع العديدة من الكلام الذي تتحدث به الحيوانات. وكلام الإنسان أعطاه قوة خاصة في القيام بالتضحيات وفي قراءة mantras أو أشكال ثابتة وموضوعة للغة أو تعويذات يصاحبها تأملات. mantras فإن معنى كل الكلام وأيضًا mantras هو "قوته" السحرية. إن العلاقة بين الفعل الكلامي التام ومعناه مثل العلاقة بين mantra والألوهية أو القوة الخاصة التي تنقله. Mantra رمز حي للألوهية، ومعناها هي قوتها. بطريقة أخرى، فإن معنى الإله هو قوة اسمه. وهناك بعض الإصرار على أن مثل تلك الكلمات يجب أداؤها، كشفها واستخدامها مع وجود أولوية حاسمة وتصحيح. وهكذا أثبت الآلهة أنها أقوياء للغاية ويستطيعون تحقيق الرغبات الأرضية والسماوية([xi]).

 

4- اليونانيون والرومانيون: The Greeks and Romans

يشيد فيرث بإسهامات اليونانيين في حقل الدراسات اللغوية فيرى أن عبقرية اليونانيين وشغفهم ترك شكلاً ثابتًا للاتجاهات اللغوية والمنطقية التي يطبقها معظم الغربيين في مدارسهم اليوم. فما زالت آراء الغرب اليوم حول علم القواعد وآليات العلم اللغوي الصوري يونانية بشكل كبير، حيث اقتبسه اللاتينيون وتم الحفاظ عليه وإبقاؤه في أوربا الوسطى ومدارس علم القواعد في العصور الحديثة([xii]).

وكان من أوائل التأملات اليونانية حول اللغة محاورة أفلاطون المعروفة باسم "كراتيليوس cratylus"، التي سخر فيها من علماء القواعد والاشتقاق في عصره. وعلماء الاشتقاق يستحقون دائمًا ما ينالون. الملاحظات التي بدأها أفلاطون في محاورته ذات أهمية كبرى في رؤية المطالبين بالرجوع إلى علم اللغة العملي والموضوعي في عالمنا المتغير. فلقد ناقش مسألة ما إذا كان الكلام عبارة عن فعل أم لا؟ وهل هو نوع من الفعل يتعلق بالأشياء؟ ورأى أن العديد من الناس الذين يقومون بعمل ضوضاء Noise يقومون بعمل حركات بدون هدف كما لو كانوا يضربون قدرًا نحاسيًا. ولكن على وجه العموم فإن الكلام يعد أداة مفيدة وعملية لتلبية الاحتياجات البشرية. لقد ذكر فقط المانح الرسم للأشياء، مانح اللغة، لكن فقط ليثير التساؤل ثم يتركه. وقام باستخدام تلقائي ممتاز للآلهة هيرميس Hermes, وبان Pan، وكل منهما عنده الكثير ليقوم به مع الكلام. وهيرميس هو الرسول والمترجم الذهبي للصوت، مراوغ، مقنع، خادع. وكان زئبقيًا يطير عبر الهواء بأطراف أجنحة، لكنه يمتلك مواهب عظيمة. ويتمتع ببصيرة وحكمة عملية جعلته يخترع القيثارة والموسيقى، الأعداد وحروف الهجاء، وكان مناصرًا لكل التدريبات الجسمانية. وكسفير/ رسول للآلهة فإنه لم يكن فقط إله البلاغية لكن أيضًا للعناية والمهارة في الكلمة والوثيقة وحتى للخداع والحنث والسرقة. إنه لم يكن فقط صوت منذر، لكنه شيء ما عملي جدًا، يقوم بأشياء بين الناس، أشياء جيدة وأشياء بارعة على مدى الحياة. وبان Pan ذو الأطراف المليئة بالشعر هو مخترع المزامير، والجميع يعرفون ألحانه، وحينما يدب برجله في غابة، فإنهم يسمعونه ويرتجفون([xiii]).

ولا مغالاة أبدًا في تقدير إسهامات أرسطو لدراسة اللغة فكل قاعدة نحوية موجودة الآن تدين له بالفضل. ففي كتابه "الشعر" poetics عرض لأقسام الكلام مثل الاسم Noun والفعل Verb، ويظهر فهمه للاتصال الوثيق بين اللغة والطبيعة البشرية واضحًا في كتابه "فن الخطابة" Art of Rhetoric ويجب على كل دارس للغة الطبيعة البشرية أن يقرأه. لقد وضع الأساس لما يجب أن يكون الأوضح بدلاً من أن يكون الأكثر غموضًا في العلوم. واستمر عمله بواسطة الرواقيين والمدارس المتأخرة في الإسكندرية([xiv]).

كان رواد علم اللغة، سواء أكانوا محليين أم أجانب، الذين حددوا لأنفسهم مهمة الفهم التام للغة، دائمًا من النخب elite الثقافية الناجحة ذات الوضع الاجتماعي الكبير، أو من اللغويين العظام الذين رجعوا للغتهم الخاصة على اعتبار أنهم وحدهم يملكون معرفة دقيقة مفصلة، بناءً على المعلومات الداخلية والخارجية([xv]).

وكان أول علم قواعده مقروء لليونانيين هو عمل ديونيسيوس Dionysiusالثراكسي الذي ولد في الإسكندرية عام 100 ق. م. ثم عمل بعد ذلك في ردويس Rhodes وروما. وكان له تأثير كبير على الأعمال التالية، واتخذه علماء القواعد اليونانيين نموذجًا لهم. وولد بريسكيان Priscian في القرن السادس ق. م. في caesarea في موريتانيا (شمال أفريقيا)، وكتب علم القواعد اللاتيني الشهير، وكانت توجد منه نسخة باقية، وكانت شائعة جدًا في بريطانيا في القرن الثامن([xvi]).

والمدرس الروماني للغة الأكثر تأثيرًا والذي يجب ذكره هنا هو كونتليان Quintilian. كان اهتمام كونتليان باللغة عمليًا ووظيفيًا أيضًا، ليس في تعلم كيفية الكلام بالطبع، لكن في كيفية القيام بصور الكلام الجيدة. ومازال له الكثير من التابعيين في مدارس الكلام الأمريكية. لقد تطرق للعديد من الموضوعات الدائمة والمهمة، ون باستخدامConsuetudo كمتحكم مضمون في الكلام. فاللغة تعد عملة يتم صكها بوجه عام، ويمثل استخدامها طريقة للحياة way of life . وفصل أيضًا الكلام في الكتابة وانتقد التمحك الزائد جدًا في علم الأصوات، وعلم النحو، وعلم الاشتقاق etymology. فهو يقول: "إن تلك الدراسات تشوه العقل"([xvii]). ويؤكد كونتليان على وجود مستويات لغوية للكلام فيقول: "إن القدرة على التحدث باللغة شيء والقدرة على التحدث بها مع مراعاة الأصول شيء آخر"([xviii]).

كما كان البراهمانيون Brahmins واليونانيين القدماء من النخب الثقافية المتغيرة. وكانوا أقل اهتمامًا بلغات الآخرين من لغاتهم الخاصة. وكما قال، بعد ذلك آلان جاردنر Dr. Alan Gardiner في كتابه الأخير عن نظرية الكلام واللغة "أن كل شخص بالغ كان ينظر إليه على أنه المخزن الحي للمعرفة اللغوية العميقة. ولذلك كان هناك كنز هائل من الدليل المتاح لبناء نسيج متماسك للنظرية اللغوية". والبراهمانيون كانوا يقصرون أنفسهم بشكل شديد على المخزن الحي للمعرفة العميقة. وتعمقوا بشكل أكثر في لغتهم. اللغة السنسكريتية، في كل من الآلية والنظرية، أكثر من أي شعب قديم آخر. وغالبية العلماء يعترفون بالتأثير الباقي لعلم اللغة اليوناني على معظم الأعمال اللغوية للأوربيين اليوم. وإذا كان هناك أمثلة حديثة مطلوبة أكثر، فإن هرمانبول Hermannpaul ودارمستير Farmester اعتمدا بشكل أكثر وأكثر على لغتهما الأصلية كأساس لنظريتهما اللغوية([xix]).

ويرى فيرث أنه إذا كانت النخب اليونانية والبراهمانية قد اكتفت بدراسة لغتها الأصلية وتمييزها عن غيرها، فإن الدارسين المسيحيين في العصور الوسطى حاولوا أن يجمعوا لغات العالم كلها([xx]).

 

5- اليهود والكنيسة المسيحية:

The jews and Crristian church

اتخذت الدراسات اللغوية في أوربا المسيحية، خاصة الأزمنة الحديثة، شكل فقه اللغة المقارن Comparative philology، ومهمته دراسة العلاقات اللغوية دراسة تاريخية مقارنة([xxi]).

والعديد من الناس لديهم انطباع بأن فقه اللغة أصبح علمًا مقارنًا تحت تأثير مثل تلك العلوم الحديثة كعلم التشريح المقارن، وأن تركيزه على التطوير يعد نتيجة للنظريات الحديثة للتقدم البيولوجي. وبدون شك، فإن للعلوم الحديثة تأثيرًا على فقه اللغة، لكن خواصها الرئيسية، مثل تلك الموجودة بكثرة في الثقافة الغربية، تم تحديدها بواسطة تقارب القوى شديدة التنوع، ومعظمها قديم جدًا. والأيديولوجيا الأساسية لفقه اللغة المقارن هي التحويل اليهودي- المسيحي للإرث الخاص باليونان والرومان الذي تم توضيحه بواسطة تأثير السنسكريتية عند نهاية القرن الثامن عشر، في مجال رد الفعل الرومانسي، والنزعة التطورية لكنه أكثر سامية من أي شيء آخر([xxii]).

ويوضح فيرث ذلك على النحو التالي:

1- فكرة اللغة الأصلية أو اللغة الأم:

يرى كثير من الباحثين في الغرب أن اللغة العبرية هي اللغة الأولى التي تحدثها الناس على الأرض، وهي اللغة التي تحدث بها آدم بوصفها منحة من الرب. وقد آمن كثير من الناس بهذا الرأي في أثناء القرون الأولى للمسيحية، واستمر هذا مقبولاً لعدة قرون... ويرى فيرث أن فكرة اللغة الأم مهمة جدًا بالنسبة لعلم اللغة التقليدي. فوفقًا لقصص الكتاب المقدس فإن آباءنا الأوائل تحدثوا باللغة العبرية وهي لغة اليهود والقواعديون اليهود الأوائل – الحاخامات- كانوا يستخدمون المنهج المقارن والكتب المقدسة لإثبات ذلك، وتمسك أغلب الدارسين والمسيحيين بهذا الاعتقاد حتى القرن الثامن عشر. وكان اكتشاف لغات أخرى وخاصة اللغة السنسكريتية – يعني السقوط المفاجئ لفكرة اللغة العبرية الأم"([xxiii]).

ولذلك وبالرجوع لعلماء القواعد اليهود الأوائل في العصور الوسطى فإننا نجد طابورًا طويلاً من الحاخامات المثقفين أمثال ابن قريش Ibn Kuraish، ياهودا حيوج Judah Hayyug، ابن عزرا Ibn Ezra، عاش بعضهم في شمال أفريقيا والبعض الآخر في أسبانيا تحت حكم المسلمين المتحدثين باللغة العربية، كل هؤلاء كانوا في موقع جيد مكنهم من المقارنة بين العبرية والآرامية والعربية لمعرفة العلاقات الوثيقة بينها. ويمكن تحديد مثل تلك العلاقة بناء على الأشكال الأرثوذكسية بافتراض أن اللغة العبرية هي اللغة الأم. ويقول Ibn Kuraish "إن لغاته الثلاث قد تم صياغتها بشكل طبيعي في صورة واحدة". ويقول ابن عزرا إن العبرية "شكلت لغة واحدة مع الآرامية والعربية"، حيث تتفق بشكل كبير مع تعبيرات فقه اللغة الفرنسي المعاصر([xxiv]).

وبتأثرهم بالفكرة اللاهوتية عن الوحدة الرئيسية في اللغة الأم، قارن هؤلاء اليهود الأوائل لغاتهم بثلاث طرق لتصبح عائلية بوجه عام في العصور التالية وما زالت تستخدم عمومًا، ولعل من أهم إسهاماتهم هنا:

1- أنهم لاحظوا وجود تطابقات (تشابهات) معتادة بين الأصوات في العديد من الكلمات المترابطة في العبرية والعربية. وهذا ما يسمى الآن بقوانين الصوت.

2- أنهم وسعوا مقارناتهم لتشمل الخصائص والعمليات النحوية، وأيضًا المفردات.

3- استخدموا معرفتهم بالأدب العربي والكتابات الآرامية اليهودية كوسيلة مساعدة لتوضيح الكلمات الصعبة في النصوص العبرية. ويمكن تسمية هؤلاء الحاخامات بـ"آباء فقه اللغة السامي المقارن" وفي الحقيقة لكل فقه اللغة المقارنة([xxv]).

ويجب ألا ننسى أبدًا ما للكتاب المقدس واليهود من تأثيرات مهمة على الحضارة الأوربية، وأن معرفة اللغات السامية كانت هي الامتداد الأول للتجربة اللغوية خارج اللاتينية واليونانية. وبعكس البراهمانيين القدماء واليونانيين، عاش اليهود في عبودية وأسر وتحدثوا عن تاريخ المعاناة تحت سيطرة الإمبراطوريات الأجنبية وزيارات الإله المنتقم والغاضب([xxvi]).

والإنسان، الصورة التي خلفها الإله، أخذ من الجنة الأرضية، وعقب مرة أخرى بالفيضان. لكنه ما زال "ذا لغة واحدة وحديث واحد". وقد عملت الملائكة التي هبطت على الأرض بنجاح حيث قامت ببناء مدن وأبراج تصل للسماء ولم يبق أي شيء منها سوى في الخيال. ودمرت روعة البابلتيين. لهذا "فإن اسمها كان بابل، ونشر الإله اللغة على الأرض كلها"([xxvii]).

 

2- الأخوة الإنسانية:

ويزعم فيرث أن الإله أرسل فيما بعد ابنه المخلص أو المفتدي، وكان الناس أخوة، ذوي عقيدة واحدة، وكلمة واحدة. ومن أسماء المسيح Jesus اسم الإله الكلمة. واتخذت أوربا خطوة عظيمة تجاه الكون، حيث قامت بنوع من الأخوة brothershood حينما سمي الأوربيون أنفسهم بالرومان، وبخطوة أكبر بكثير حينما سموا أنفسهم بالكاثوليك. ولم يفقد الإيمان بالعالمية، بالإخوة وكمال الطبيعة البشرية في أوربا. فلقد حاول اللغويون اختراق بابل بإنشاء وحدات فيلولوجي وباختراع لغات عالمية، وكان الأساس فيها وأكثرها نجاحًا، عمل اليهودي الحزين، والذي سمي (اسبرانتو Esperanto أو لغة عالمية) لكن فوق كل ذلك بترجمة الكتاب المقدس. إن اللغات وحروف الهجاء متعددة ولكن "الكلمة واحدة"([xxviii]).

علاوة على ذلك فإن القوة الأكبر في بناء أوربا في العصور الوسطى وفي بداية العصر الحديث كانت دخول الإسلام Islam. وبذلك فإننا نرجع مرة أخرى لمدة سلطان الخبرة كنتيجة للاتصال المتجدد باللغة العربية والعبرية العالم السلامي semitic world([xxix]).

وكان هناك دائمًا عدد قليل من المفكرين أمثالVossious و Scaligers قد سخروا من الاعتقاد بأن اللغة العبرية هي اللغة الأم وقللوا من أهمية قصص الكتاب المقدس وتدريس الكنيسة، لكن الغالبية من الدارسين الأوربيين الغربيين صدقوا تلك الاعتقادات، ومن أشهرهم في تاريخ الدراسات السامية: على سبيل المثال John Buxtorf (1564- 1629) و Job ludlf (1624- 1704) الذي وهب نفسه للأثيوبية Ethiopic ووجد أنها ابنة اللغة العربية وابنة اللغة العبرية بدورها. ومن أحد العلامات في تاريخ علم اللغة العام في إنجلترا كان مجلة Johnchamberlayne للآيات لمجمعة لـ (Iord's prayer) مشتملاً إسهامات ليبنتز Lebiniz و Lacroze ومقالة William wootoon عن "فوضى اللغات(1715) وحيث وافق على اعتقادBuxtorf بأن العبرية هي اللغة الأم. وأكدت كتابات جون ولكنز John Williams، قبل ذلك في عام 1668، أن اللغة العبرية تعد الوحيدة من اللغات الأم، على الرغم من أنه اتفق مع الرأي الخاص، في حالة الكتابة، بأن للأبجدية العبرية الأولوية على أي لغة أخرى معروفة([xxx]).

وعمل الكنيسة المسيحية في العالم الموروث من الرومان لم ينشأ فقط اللغة اللاتينية للعصور الوسطى، لكنه أبقى أيضًا على بعض الاهتمام باللغة اليونانية وأكد على الارتباط باللغة العربية والعبرية. وحيث إن أهمية هذا الدين في تاريخ علم اللغة الغربي، خاصة خلال آخر ثلاثة أو أربع آلاف عام، لا يمكن المبالغة في تقييمها، فدعونا ندرس ثلاثة اقتباسات (تعليقات): الأول من عمل شهير (1668) بواسطة الانجليكاني العظيم جون ولكنز John wilkins أسقف chester والثاني هو واحد من علامات القرن الثامن عشر بواسطة Augustinian Friar و Antonio Georgi خطاب (His Holiness رئيس (بابا المؤتمر العلمي الثالث لعلم اللغة المقام في روما في سبتمبر 1933([xxxi]).

قال ولكنز Wilkins في عام 1668، "بأنه نادراً ما يكون هناك أي موضوع يتم دراسته ومناقشته تمامًا بين المتعلمين، أكثر من أصل اللغات والحروف". ويعد هذا دليلاً كافيًا بأنه ليس هناك أي لغة تعتبر طبيعية للجنس البشري، ولأنه من المثير للعجب بشكل كبير، أن الوثني القديم، الذي لا يعلم أي شيء عن ظهور الكتاب المقدس، يجب جذبه ليصدق أن اللغة والناس كانوا خالدين، أو أنه إذا كان هناك أي وقت محدد حينما ظهر الناس على الأرض، وبعد أن سكنوا بمفردهم وفي الأشجار والأوراق متفرقين، ولم يكن عندهم في البداية أي صوت، لكن فقط مثل تلك الأصوات الفظة مثل أصوات الوحوش، حتى فيما بعد حينما زادت عائلات معينة، أو ارتبطت عائلات متعددة من أجل الأمان والدفاع المتبادل فيما بينها، تحت مجتمعات الحكومة، لقد بدءوا بالتدريج التدريب الطويل للاتفاق على أصوات نطق معينة، يستطيعون بواسطتها توصيل أفكارهم، التي تشكل لغات متعددة في دول مختلفة وتبعًا لتلك الموجودة في الشعر([xxxii]).

لكن بالنسبة لنا، حيث لدينا تفسير للكتاب المقدس، فإن هذه الأنواع من التبسيطات والتخمينات قد تم ذكرها بشكل كاف. وهذا يعتبر دليلاً كافيًا على أن اللغة الأولى ظهرت مع ظهور آبائنا الأوائل، لقد فهموا بسرعة صوت الإله الذي كان يتحدث إليهم في الجنة. وكيفية تضاعف اللغات تعتبر طريقة مماثلة لتوضيحها في قصة "فوضى بابل"([xxxiii]).

وكان التخمين/ الاستنتاج الأكثر تقبلاً هو أن لغات الفوضى كانت تبعًا للأسر العديدة من نوح Noah، التي كانت عبارة عن سبعين أو اثنتين وسبعين أسرة، وإن كان من المحتمل أيضًا إنها لم تقسم بهذا الشكل([xxxiv]).

 

3- عن التبشير بالإيمان:

ويرى فيرث أنه بعد ذلك قام الراهب الأوغسطيني Antonio Georgi بمساعدة درجته الكهنوتية والبابا بالإشادة في منشور رسمي عن التبشير بالإيمان Propaganda fide (1762) بمطالبة الأحبار الرومان بتحسين اللغات الغربية: "منذ زمن طويل مضي حينما كان الإله شديد الغضب، كان الاختلاف المحير للغات هو المصدر الرئيسي لتلك الفوضى وللانسجام الذي نشر البشر من برج بابل إلى جميع أنحاء العالم. والآن مـن خلال المسيـح يجب تجميع هذه التقسيمات. لقد أرسل الأب الرحيم ابنه للعالم ليتم توحيد الجنس البشري الذي تم تقسيمه إلى كتل، وأن العديد من اللغات التي كانت سببًا للألم وعقابًا للمجد الزائف والإثم أصبحت الآن هي أم للسلام والتوافق المباركين، ووسيلة للأوامر السماوية، الرابط التوحيدي وهدية الروح المقدسة Holy spirit"([xxxv]).

والبابا في حديثه في المؤتمر العالمي الثالث لعلم اللغة في سبتمبر 1933، ذكر الطلبة المجتمعين من المركز الكاثوليكي بذلك، حيث بدأ بالآية الرابعة من الفصل الثاني عن أعمال الحواريين: "وقد كانوا ممتلئين جميعًا بالروح المقدسة، وبدءوا في الحديث بلغات أخرى، حيث منحتهم الروح القدرة على النطق". ثم استمر قائلاً: "إن الإصلاح الكلي كان بواسطة" الكلمة" وأكد الارتباط الوثيق بين الرسل وعلم اللغة منذ أيام القديس francis Xavierإلى pater Schmidtومثل Georgi الذي كان قبله، فإنه كان يصلي من أجل تحقيق الإصلاح لكل الأعراق والشعوب الذين كانوا لا يزالون غير مؤمنين، وبارك العلماء اللغويين في أوربا، لأن عملهم كان لإنقاذ الجنس البشري سواء أتم ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر عن طريق المخلصين"([xxxvi]).

وبالفعل فإنه من الصعب تخيل الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه معرفتنا الحالية باللغات الغربية دون وجود الكتب الناتجة عن أعمال أجيال من المبشرين، كاثوليك وبروتوستانت([xxxvii]).

 

6- المودستيون في العصور الوسطى:

تحدث فيرث عن المودستين modistae (أصحاب القواعد التأملية الذين يمثلون المرحلة العليا من الفلسفة السكولاستية scholasticism) أو الذين يمثلون العصر الذهبي للسكولاستية بما قدموه من نظريات ورؤى تحليلية أو لغة شارحة – meta language للغة وما تتضمنه من- الوصف اللغوي وعناصره وتعقيداته في العصور الوسطى([xxxviii]).

ولتوضيح ذلك يمكننا الإشارة إلى عدة أفكار مهمة كما يلي:

1- إنه من الخطر والخطأ لحد ما تصنيف كل النظرية النحوية grammatical theory من خلال خصائص معينة مستخدمة في وصف بعض الفصائل. وحقيقي أن المودستيين وضعوا الأجزاء التصريفية على أساس المفاهيم المستعارة من فلسفة الحقيقة، لكنهم لم يهتموا بوصف كل مصطلحاتهم وخواصها النحوية ومن المهم تذكر أن علم المصطلحات أصبح ضروريًا بواسطة نظام التفكير وأنه بدأ من مقدمتهم المعرفية، حيث توجد هناك درجة واضحة من ضرورة علم المصطلحات المودستي Modisticterminology. إذا كنا سنستبعد النظريات النحوية للمودستين، حيث إننا يجب أن نقوم بذلك فعلاً، لأننا يجب أن نرفض النظام الكلي للتفكير خلف نظرياتهم. وللقيام بذلك، فإننا نستجيب لقول فيرث إن أنظمة التفكير اللغوي مع مصطلحاتهم تقوم كلها بعمل إسهامات لسيمانطقيا العلم اللغوي"([xxxix]).

ومن المهم بشكل مكافئ، كما أشار فيرث مرة أخرى، تطبيق آليات السيمانطيقا على دراسة اللغة الفنية للعلم اللغوي أو العلم النحوي. ومن إحدى مشاكل دراسة شكل المذهب اللغوي، بغض النظر عن مدى كون متماسكًا حينما يتم استخدامه بفعالية، وغالبًا ما يكون من الصعب تمامًا إدراك الاستخدام الدقيق للمصطلحات الفنية لمثل اللغة الشارحة. لقد أصبحت أكثر صعوبة حينما تم استخدام المصطلحات الرئيسية بشكل مكثف ومن المحتمل بأكثر من طريقة. وازدادت الصعوبة بشكل أبكر حينما تم اتخاذ المصطلحات المدروسة من نظام واحد وتطبيقها بدون تفسير واضح، على الرغم من أنها غير مميزة بأي صورة عن نظام آخر. لقد أشار هاليدايHalliday للعلاقات المختلفة للمشاركين بكتابة نص في موقف لغوي. لقد واجهتنا هنا مجموعتان من العلاقات مثل دارس علم القواعد في العصور الوسطى ودارس علم اللغة الحديث([xl]).

وما زال هناك تعقيدًا آخر من خلال تفسير نية المؤلف في عمل تأكيدات معينة واستخدام مصطلحات فنية معينة. أشار هاليداي إلى أنه حينما يتم توضيح النص على ورقة فإن التأثير الإبداعي للكاتب ينتج من العلاقات المبينة بين "النص" و"القارئ" لكن ذلك هو ما يجب تجنبه في الدراسة النقدية للنظرية النحوية، خاصة تلك التي نتجت منذ عدة قرون مضت، ويجب ألا يكون هناك أي تساؤل عن المشاركة، ولكننا يجب علينا بدلاً من ذلك السعي لمعرفة نية المؤلف في استخدام المصطلحات الفنية([xli]).

لقد رجعنا مرة أخرى لرأي فيرث، وهو أن علم المصطلحات أصبح ضروريًا بواسطة نظام التفكير. وكيف يستطيع الدارس وضع نية المؤلف حينما يكون مسموحًا له بالوصول إلى الهيكل المجرد للنص وحينما يكون بحكم الظروف غير مدرك لأي من مقومات سياق الحال؟ كيف يقوم الدارس بتحليل معاني هذه المفردات الفنية حينما يواجه ارتباكًا واضحًا وزيادة الاستخدام؟ ومن أحد طرق تحليل المشكلة هو تطبيق ما يمكن أن يسمى "اختبار المصاحبة" collocation test. لقد أشار روبنز Robinsبشكل صحيح إلى المصاحبة ليست مستوى عملي للتحليل بكل الكلمات، لكن الذي اتضح من خلال دراسة أي نص مودستي هو أن مصاحبة هذه المصطلحات الفنية يمثل سلاسل منظمة من الكلمات. وفيرث يشير إلى المصاحبة في سلاسل مرتبة تمثل إجراءً مهمًا جدًا في التحليل اللغوي والحجة هنا هي أن تلك المقومات تعد جزءًا مهمًا متساويًا في دراسة لغة الوصف اللغوي. ومن مشاكل ابتكار لغة فنية للوصف اللغوي هو تجنب ربط المصطلح بمعناه في لغة يومية. ويمكن أن يتحول هذا إلى فائدة للمحلل حينما يدرس لغة فنية لعالم قواعد آخر. والمعنى بواسطة المصاحبة يفرض من خلال التعريف أنه لن يكون هناك أي ملجأ للمصطلحات المتحولة. إن استخدام المودستين لمفرداتهم الفنية يمكن شرحه وفهمه بواسطة دراسة التنظيمات الضيقة والواسعة لهذه المصطلحات([xlii]).

كان المودستيون أكثر من كونهم متأثرين سطحيًا بالاتجاهات الفكرية المعاصرة، فهم لم يطبقوا فقط على نظرياتهم النحوية اللغة الفنية الخاصة بميتافيزيقا ومنطقmetaphysics and logic العصور الوسطى لكن أيضًا مكونات ومفاهيم هذه الفلسفة. على الرغم من حقيقة أن المودستيين أصروا على الفصل الضروري للنحو والمنطق، فكان ضروريًا من حقيقة كونهم مناطقة وعلماء قواعد، أن يكون هناك درجة ملحوظة لتدعيم هذه الأنظمة"([xliii]).

أكدت ميتافيزيقا العصور الوسطى الارتباط الوثيق بين حقيقة الأشياء وإدراكها بالعقل. وهكذا فإن علم القواعد أصبح دراسة لتكوين هذه المفاهيم. لقد احتفظ المودستيون بنظام فئات الكلمةword-classesمثل ذلك الذي تم تطويره بواسطة بريسكيان Priscian ودوناتوس donatus وسعوا لإعادة وضع إطار لتعريفاتهم لهذه الفئات من الكلمة في ضوء اتجاهات ميتافيزيقا العصور الوسطى. وتم وضع عنصرين رئيسيين خلال عالم الأشياء وهما الاستمرار والملاءمة، واستخدم النحوي هذين العنصرين كوسائل لبناء nomen (وهو قسم دال على الكلام بواسطة شكل الكائن بدون خصائص مميزة) و verbum وهو قسم دال من الكلام بواسطة شكل العملية الزمنية، ومنفصل عن المادة التي يستند إليها) وparticipium (وهو قسم دال من الكلام بواسطة شكل العملية الزمنية، وغير منفصل عن المادة التي يعزي إليها). وبهذه الوسائل، فإنه تم تقسيم نظام فئات- الكلمة في اللغة اللاتينية، من خلال استخدام معايير ميتافيزيقية في هذه الفئات الخاصة بالكلمة التي مثلت المادة([xliv]).

ومع هذا، لجأ المودستيون إلى مصطلحات نظرية الفلسفة المادية للعصور الوسطى لوضع منهج ومصطلحات فنية ملائمة لتمييز الاسمNoun والضمير pronoun والفعل verb واسم المفعول (الفاعل). وليس هناك حاجة للإسهاب في الكتابة عن استخدام الفرق بين المادة matter والصورة from، الفعل والأداء بواسطة فلاسفة العصور الوسطى في تأكيداتهم بخصوص الجواهر substances، بين الاسم والضمير وأيضًا بين الفعل والضمير. لا يجب أن نتخيل أن المودستيين كانوا أغبياء أو على درجة عالية من السذاجة في أن يساووا المادة كأداة اصطلاحية بالمادة الأولى كمفهوم ميتافيزيقي. فاللغوي، كما أشار فيرث، دائمًا ما يوجه مشكلة استخدام أداة غير ملائمة مثل اللغة لتتكلم عن نفسها. ومن غير المعقول توقع أن الموستيين بنوا أفكارهم على أساس أن منطق الفصائل النحوية الصورية لبريسكيان لكي تكون ثابتة، أن تكون متضمنة لاستخدام المصطلحات الفنية للمنطق([xlv]).

2- المودستيون استخدموا آليات الوصف اللغوي وفسروها في مواضع عدة عبر مؤلفاتهم. ونذكر هنا أن نظريتهم النحوية اعتمدت على دراسة الكلمات وخصائصها كعلامات (رموز) للأشياء القادرة على الإشارة العملية. وتم ذكر هذه الإشارة نحويًا بواسطة أقسام الكلام التي تتضمن فهم الشيء والتعبير عنه، والإشارة إليه، لكن الأداة النحوية الفعلية كانت تحليل أقسام الكلام إلى أشكال إشارية رئيسية عرضية([xlvi])

وكان هناك اعتماد كامل في هذه النظرية بين بنية الواقع وعمليات العقل، ولهذا فإن أقسام الكلام أصبحت الصيغة اللغوية لهذه المفاهيم. إن وضع أشكال للإشارة كان مرحلة مهمة في الإجراء النحوي المودستي. وعلى الرغم من أن المودستيين كانوا مقتصدين في استخدامهم الفعلي للجوهر والعرض كمصطلحات فنية، فإنهم تأثروا بوضوح بالتقسيم الذي تم التعبير عنه في مقولات أرسطو، وقسموا أشكال الإشارة إلى حقيقية وعرضية. ويجب أن نذكر هنا أن أحد المودستيين وهو سيجردي كوراترايSiger de courtriaاستخدم هذا الفرق بطريقة مماثلة لتمييز الاسم والصفة، والاسم والفعل([xlvii]).

والتمييز بين الجوهر والعرض يستلزم التمييز بين act و potentiality الذي يحمل معه تمييز المادة والصورة. ولن ندرس التضمينات الفلسفية لهذه المصطلحات هنا، ويكفي القول أن تل المصطلحات استخدمها المودستيون كجزء من خطتهم الوصفية، رغم أن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يحملون دائمًا معهم مفاهيمهم الميتافيزيقية([xlviii]).

3- هناك مشكلة موجودة دائمًا في تكوين النظرية اللغوية، مثل تلك الخاصة بعلم المصطلحات الفني، حيث إن كلمات معينة تكتسب قيمة فنية معينة حينما يتم استخدامها في سياق معين، وحتى على الرغم من أنها يمكن أن تمتلك طائفة من المعاني المختلفة في لغة الحياة اليومية. وبالتعامل مع موضوعات المصطلحات الفنية الحديثة لعلم اللغة، فإن المشكلة ليست واضحة مثلما يحدث حينما ندرس اللغة الفنية في الاتجاهات النظرية اللغوية لمدة طويلة في الماضي. إن كل أنواع الصعوبات نشأت بواسطة المودستين ومازالت موجودة حتى اليوم. والمثال الممتاز هو ذلك الخاص بـ"التوضيح" الذي استخدمه المدستيون بطريقة مختلفة تمامًا عن تلك المستخدمة حاليًا. ونشأت صعوبات أخرى من حقيقة أن المودستين كانوا نحويين تمامًا لكنهم في الوقت نفسه كانوا منطقيين وفلاسفة([xlix]).

وتنشأ صعوبة أخرى من الحقيقة الخاصة بالزمن؛ فالمودستيون استخدموا مصطلحات معينة بشكل كبير وأخرى بشكل غير متكرر أو في سياقات معرفة بسهولة. والأولى تمثل الصعوبات بالنسبة لدارسي النظرية النحوية المودستية. والدارس الحديث مشارك بشكل كبير في سياق الحال مثل الدارسين المودستين. ولكن لأن ظروف الحال مختلفة، وبسبب العديد من الأشكال الغامضة خلال السياق، فإن هذه المصطلحات غالبًا ما تكون صعبة جدًا وفي معظم الأحيان من المستحيل تفسيرها. ولفهم تلك المصطلحات، فإن الدارس الحديث عليه أن يلجأ للأداة اللغوية للمعنى بواسطة التنظيم. والفائدة العظيمة لهذه الطريقة هي بالطبع أن المناهج اللغوية والأدوات المستخدمة تحدد معنى هذه المصطلحات اللغوية([l]).

يمكن رؤية قيمة اختبار المصاحبة بشكل أفضل بواسطة دراسة مختصرة للمعنى. وهي وظيفة ثلاثة مصطلحات فنية؛ ratio و consignificatio. المصطلحان الأوليان يحدثان بشكل أكثر تكرارًا ويمثلان مشكلة للدارس المطمئن حينما يستخدم نصه الأول مرة (النص الخاص به). والمصطلح الأخير يعد الأكثر أهمية، حيث إن وظيفة التخصيص كانت كرابط ضروري بين صنف الكلمة ودورها السياقي([li]).

المصطلح ratio يحدث بشكل أكثر تكرارًا في نوعين رئيسيين من المصاحبة يمكن استخدامه في مكان آخر بدون أي استخدام فني محدد. لقد استخدم المودستيون ratio كمصطلح فني من خلال اللغة الشارحة وعلى المستوى السياقي للحديث اللغوي. واستخدام المصطلح من خلال اللغة الشارحة يتضمن أيضًا استخدامه في وصف فئات الكلمة، لذلك فهناك درجة فعلية للتماثل في استخدامها في مراحل فئة الكلمة والسياق([lii]). ومعالجة توماس الإرفرتي Thomas of Erfurtللنحو يمكن إيجازها إيجازًا شديدًا بوصفها مثالاً للنظرية المودستية: الجملة المقبولة تقوم على ثلاثة أسس تشبه العلل الأرسطية الأربع:

الأساس المادي: وهو الكلمات بوصفها أعضاء للأقسام القواعدية.

الأساس الشكلي: وهو اتحادها في تراكيب مختلفة.

أساس الكفاية: وهو العلاقة القواعدية بين أقسام الكلام المختلفة الظاهرة في الصيغ التصريفية التي يستخدمها التركيب، ويفرضها عقل المتكلم.

الأساس الأخير: هو التعبير عن فكرة تامة([liii]).

 

7- عصر الآلة:The Machine age

يرى فيرث أنه يوجد ميل متزايد في عصر الآلة لاعتبار الإنسان مع الحيوانات الأخرى كآلة حساسة، ولشرح الجوانب المتعددة لسلوكه اللغوي على أنه آلية، آلية المنطوق، آليات علم القواعد والتأليف Composition. إننا ندرس عمل الأنواع المتعددة لطريقة السلوك الكلامي على أنها آليات فردية واجتماعية في المواقف المتكررة([liv]).

وعلى الرغم من أننا اعتبرنا أنفسنا أدنى بشكل ضئيل من الملائكة، فإننا لا زلنا نعاني من محاولات إثبات علاقة أصلنا بالقرود، ودائمًا ما نهتم بطبيعتنا الحيوانية. إن علم الاستجابات الانعكاسية reflexology الحديث يشرح آليات هذه الطبيعة الحيوانية. ونتذكر بافلوف Pavlov وكلابه... إلخ. وهكذا فهناك كم كبير من هذه الأشياء في آليات اللغة([lv]).

ومع ذلك يقول فيرث: "يجب ألا نعتقد أن كل الأفكار القديمة عن اللغة قد تغيرت الآن، بل على العكس، فإن بعض الأفكار الموجودة الآن بنفس قدم توت بالنسبة للمصريين"([lvi]). واستعرض فيرث مجموعة من الأفكار القديمة التي لا تزال موجودة في عصرنا.

 

8- الأفكار القديمة ما زالت مفيدة:

أ- السحر: Magic

يتعلم كل الأطفال من أجل الكلام في جو من السحر. فحينما تصل الاضطرابات الجسمانية لطفل إلى أذن المحيطين به، تتجه كل أنواع المشاعر نحوه وتكون في خدمته؛ قلق الأم، كبرياء الأب وتعهدات الخدم والجيران. وحينما يتكلم الطفل يحدث سحر في الهواء. وبهذا السحر الصوتي يتحرك الناس وتحدث أمور عدة، يتعلم أن له صوتًا في العالم وأنه يصنع به العجائب. وليس من المدهش أن يدرب نفسه على تلك الحرفة، على عملية البكاء ليحرك الآخرين ليعملوا في دائرته السحرية. ولا مجال للاندهاش من الإيمان بأن صرخات الإنسان تبتكر، وقد "ابتكرت" ولا عجب أنه يبتهج بما ينجز. ولا شك أن تلك القوة الخاصة بالكلام تنقل مشاعر قوية، وأضرارًا عامة، ورغبات عامة، ومخاوف عامة، وكل قوى الرأي العام. يمكن للكلام أن يطلق جيشًا من الشرور، وأن يخلق فوضى. إنه يتحكم أيضًا في القوى الكبرى، والاتحادات الكبرى، وفي الكتابة من خلال ما يحققه من فتوحات تخلق عالمًا جديدًا للإنسان. "فالكلام" أداة اجتماعية سواء أكان له معنى أم لا، وفي مجال اللعب أو العمل فهو عمل، ومنتج، وخلاق([lvii]).

 

ب- الكلام واللغة واللباقة:

كان لتمييز دي سوسير بين "اللغة" و"الكلام" أثر على معظم من جاء بعده من اللغويين الذين اتخذوا في تحليلهم للغة هذه الثنائية حتى ولو بمصطلحات أخرى ولكن لها نفس الدلالة التي تضمنها تقسيم سوسير، ومن ذلك تقسيم هلمسيلف للغة إلى "النظام" System و"النص" Text "وتقسيم تشومسكي للغة إلى "الكفاءة" Competence و"الأداء Performance، وتقسيم ياكبسون للغة إلى "النمط" Code و"الرسالة" Masaege وتقسيم سايبر للغة إلى "الأنموذج" pattern والواقع الكلامي Reality.... ولذلك يقول فيرث: "إن الفرق بين "اللغة" و"الكلام" يعد شيئًا مألوفًا في الكتب الحديثة عن علم اللغة، وقد أثبت ملاءمته عمليًا بأشكال مختلفة"([lviii]).

واستخدم الهنود القدماء أيضًا فكرة متشابهة، حيث قالوا: إن الإنسان إذا كان يحتاج لشيء واحد لكي يتكلم فإنه يحتاج لأشياء كثيرة لمعرفة ما يقوله وكذلك القدرة على كتابته. وعلق أحد الكتاب من الهنود القدماء قائلاً: "إذا كانت الحروف ليس لها أجزاء، فهكذا لا يكون هناك حروف في الكلمة ولا يصبح للكلمة وجود وتكون منعزلة عن العبارة.. والكلام الجاد، أن المنهج النحوي لتحليل العبارة إلى أجزاء لا يعد شيئًا لكنه إجراء غريب. إنه يعد المصدر الفعلي لكل المعرفة، حيث إنه أدى لاختراع الكتابة". لقد أكد الهندوس الاختلاف الكبير بين "الكلام" و"معرفة الكلام" أو "اللغة المحللة"، بإرجاع التحليل الأول للكلام ومن ثم أساس الكتابة للإله إندرا Indra. "حاول إندرا استجابة لمطالبة الآلهة القيام بتقسيم الكلام ولأول مرة إلى عناصره التكوينية". وأمكن اعتبار ذلك فيما بعد كصورة للغة. وبشكل مماثل لحد ما، فإن أفلاطون ربط الكلام بعطارد، الدائم الحركة، ولدراسة شيء لم يتم إدراكه أو التقاطه أبدًا وإمساكه ما زال مستحيلاً. فكان هناك فلاسفة تعلموا أن كل شيء كان متغيرًا ومتقلبًا، وغير ثابت وظل الأمر كذلك لفترة طويلة. وقد تساءل أفلاطون على لسان سقراط: "كيف حينئذ يمكن أن يكون ذلك الذي لن يكون في نفس الحالة أبدًا، أن يكون أي شيء؟ من المؤكد أن ليس هناك معرفة تدرك ما ليس في تلك الحالة... ومن المؤكد أنه لايوجد شخص عنده إدراك يستطيع أن يؤمن بأن كل الأشياء تتدفق مثل القدور الناضجة الإيمان بأن كل الأشياء مثل الناس بالضبط المصابين بالزكام ويسرعون طيلة الوقت"([lix]).

وكحالة من الضرورة العملية نجد سقراط نوى القيا بما قام به إندرا مع الهندوس "أدرك كل تلك الحالات بواسطة المهارة العملية، قسمها لأجزاء (مثل الكلام) ولاحظ ما إذا كانت الكلمات قد تم توضيحها بشكل منظم حيث إنه إذا تم ترتيبها بشكل متناسق مع بعضها، فإن ذلك يكون أداء غير منهي". فكل منا يعلم أن الكلام ليس مجرد إثارة للضوضاء عشوائية. إننا نعتبر جميعًا كمتلقين لما نسميه اللغة، ونحن نعتبر بشكل مانحين للغة لهؤلاء الذين يتابعوننا([lx]).

والأسئلة الخاصة"بالتقلب" و"الثبات" ظهر دوريًا لألفى عام. وفي عام 1619 ظهرت المحاضرات الشهيرة لدي سوسير التي أبرزت الاختلاف بين "الكلام" و"اللغة". فلقد رأى أن الكلام يتلاشى في الهواء إذا تم تجاهل العلامات الواضحة في شكل صور بارزة. وأكد أن المادة الوحيدة الباقية لدراسة اللغة يجب أن تكون في الكتابة([lxi]).

 

ج- الكتابة واللغة الثابتة:

يرى فيرث أنه يستحيل دراسة الكلام بدون تحليل وتسجيل. ولذلك فإن أهمية التمييز بين أي جزء من الكلام الفعلي، لثانية واحدة في الهواء والتسجيل المحلل له بشكل دائم على الورق، متكونًا من حروف وكلمات، بتفكيكهم وتجميعهم معًا، يمكن تسميتها لغة يد وعين. وكما قال الهندوس، لقد كان الناس لديهم دائمًا موهبة الكلام، لكن هذا جعل الإله يحلله ويمنحه لهم في صورة لغة مكتوبة، حيث يمكنهم دراستها وحفظها. ولم تكن اللغة ثابتة فقط فترات زمنية معينة، حيث تصبح "قانونية". فليس الكلام هو المقدس، لكن الكتب هي المقدسة والكتاب المقدس هو الموحى به"([lxii]).

ويلخص فيرث ذلك فيقول: إن أي شيء تقوله أو تكتبه كفرد في موقف معين عن حالة خاصة هو الكلام. والكلام هو نشاط شخصيPersonal activity يتفاعل مع قوى أخرى في موقف معين. إنه ديناميكي dynamic. واللغة هل كل الخلفية النموذجية لعلم القواعد والمعاجم والاستخدام. وحينما تتعلم الكتابة فإنك يجب أن تتعلم ما يتعلق بالكلمات والجمل و"البناء". واللغة هي علم رموز العناصر العامة في كلامك، وكلامي، الأمس، واليوم، والغد. فهي: على نحو ما، ثابتة (سكونية) لفترات محددة من الزمن"([lxiii]).

ويضيف فيرث "اللباقة" لهذين المجالين. ويعني "باللباقة" تعقيد الأساليب التي تحدد استخدام صور ملائمة من اللغة كعناصر وظيفية للموقف الاجتماعي. ومثل اللغة، فإنه يمكن ملاحظة اللباقة في العمل المثالي الطبيعي للكلام من خلال علاقته بالعوامل الأخرى في الموقف. وتم الإشارة على أحد جوانبها في بعض الأحيان على أنها "عبقرية اللغة"Genius of language. وبعض الناس يفضلون التفكير في اللغة واللباقة على أنها خلفية الذاكرة بالنسبة للكلام، حيث تجد المميزات الداخلية للعقل نفسها تشترك في الكلام الفعال. وفكرة "التنسيق" تساعد أيضًا على فهم تلك الطريقة الخاصة بدراسة أنماط اللغة واللباقة. وعلى الجانب الآخر فإن فعل الكلام يعد دائمًا مكونًا ديناميكيًا dynamic component في سياق معين([lxiv]).

 

د- الكلام المعياري "الفصيح":

إن ما قيل عن الموهبة القديمة والمقدسات للكتابة أو اللغة "القانونية"، يمكن تطبيقه جزئيًا على تلك الصور الخاصة بالكلام المرتبط بالقيم الاجتماعية social values. وقد تم حمل مثل تلك الصور الخاصة بالكلام بواسطة مجموعة أو نخبة elite وتم إعطاؤها الناس. وتعتبر إذاعة B. B. C. من خلال وجهة النظر هذه "مانحة للغة"([lxv]).

ففي اللغة كما في الأشياء الأخرى يجب أن يكون للناس آلهة، وأن يعتمدوا على السلطات. لقد نما علم الأصوات نفسه لخدمة لغتين مقدستين كلاسيكيتين، السنسكريتية والعربية. حتى في انجلترا فإنه صحح الطريقة القديمة في التهجئة من خلال مخطوطاته، وقدم صورة من الكلام تم استخدامها بفخر في أنحاء العالم([lxvi]).

إن اللغات المعيارية كانت توجد لدى النخب وتمنح لعامة الناس من خلالهم. لهذا، فليس من المدهش أن يسميها الأستاذ دانييل جونزDaniel Jones "النطق المتلقي"([lxvii]).

 

..........................

الهوامش

 

([i]) Firth, J. R, the Tongues of ,en and speech, London, Oxford university

press, 1964, P. 3.

([ii]) loc- cit.

([iii]) loc- cit.

([iv]) Ibid, PP-3-4.

([v]) loc- cit.

([vi]) Robins, R. H: A short History of linguistics, P- 12.

([vii]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, PP- 4-5.

([viii]) loc- cit.

([ix]) loc- cit.

([x]) loc- cit.

([xi]) Ibid, PP- 5-6.

([xii]) loc- cit.

([xiii]) Ibid, PP- 6-7.

([xiv]) loc- cit.

([xv]) loc- cit.

([xvi]) loc- cit.

([xvii]) loc- cit.

([xviii]) Sausseurr, F. F, course in general linguistics, Translated by wade Buskin, London, 1966, P. 12.

([xix]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, P-8.

([xx]) loc- cit.

([xxi]) loc- cit.

([xxii]) Ibid, P-g.

([xxiii]) loc- cit.

([xxiv]) loc- cit.

([xxv]) Ibid, P- 10.

([xxvi]) loc- cit.

([xxvii]) loc- cit.

([xxviii]) Ibid, PP- 10-11.

([xxix]) loc- cit.

([xxx]) loc- cit.

([xxxi]) Ibid, PP- 11-12.

([xxxii]) loc- cit.

([xxxiii]) loc- cit.

([xxxiv]) loc- cit.

([xxxv]) Ibid, PP- 12-13.

([xxxvi]) loc- cit.

([xxxvii]) loc- cit.

([xxxviii]) BURsill- Hall, G. L, "Nots on the semantics of linguistic Description" in "memory of J. R. Frith" ed by C. E. Bazell and othirs, Longmans, 1966 PP- 40- 41.

([xxxix]) loc- cit.

([xl]) loc- cit.

([xli]) Ibid, PP- 41-42.

([xlii]) loc- cit.

([xliii]) loc- cit.

([xliv]) Ibid, P- 43.

([xlv]) loc- cit.

([xlvi]) loc- cit.

([xlvii]) Ibid, PP- 43-44.

([xlviii]) Ibid, PP- 44-45.

([xlix]) Ibid, P- 46.

([l]) Ibid, PP- 46-47.

([li]) loc- cit.

([lii]) loc- cit.

([liii]) Robins, R. H: A short History of linguistics, PP-43- 44.

([liv]) Firth, J. E, The Tongues of men and speech, PP – 13-14.

([lv]) loc- cit.

([lvi]) loc- cit.

([lvii]) loc- cit.

([lviii]) Ibid, P- 15.

([lix]) loc- cit.

([lx]) Ibid, PP- 15-16.

([lxi]) loc- cit.

([lxii]) loc- cit.

([lxiii]) loc- cit.

([lxiv]) loc- cit.

([lxv]) Ibid, P- 17.

([lxvi]) loc- cit.

([lxvii]) Ibid, P- 18.

 

abdullah badrhskandarالمفاهيم الأولية لبناء الكلام الثابت لا يمكن استعمالها دون النظر إلى ما تؤول إليه المصطلحات الموضوعة لها، أما ما نلاحظه لدى مجموعة كبيرة من المحققين الذين ذهبوا إلى إرجاع الألفاظ إلى معان مشتركة فهذا وإن كان مرتبطاً في أصل التقسيمات المتواضع عليها، إلا أن دأبهم في ذلك أصبح من المسلمات التي جعلوها خاضعة للسانهم دون دراية أو تمحيص لما يتبادر منهم، علماً أن بعضهم كان يظن أن هذا الفعل لا يعد من الأفعال الداخلة في الحسابات المعقدة لأصل الوضع، وانت خبير بأن الله تعالى قد جعل لكل شيء حجراً محجوراً لا يمكن اجتيازه إلى العبث من الناحية التشريعية على أقل تقدير، ولهذا نجد الغرابة ظاهرة على ألسنة المجرمين عند وضع الكتاب أمامهم يوم القيامة ليروا أعمالهم مجسدة دون أن يغفل ذلك الكتاب أي جزء منها وإن كان صغيراً، وقد أشار الحق سبحانه إلى هذا المعنى بقوله: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) الكهف 49. وكذا قوله: (وكل شيء فعلوه في الزبر... وكل صغير وكبير مستطر) القمر 52- 53. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) يونس 61. وقريب منه سبأ 3.

من هنا يظهر أن الإنسان لا يستطيع أن يتخلص من العبء الناتج عن استعمال الألفاظ إذا وضعت في غير أماكنها وإن كان لا يحسب لذلك حساباً، فالكلمة لها وقع على النفس فلا يحق للإنسان التفريط بها أو نسبة معناها إلى اتجاهات عرضية لا تمت لها بصلة، ومن الأمثلة على ذلك ما نشاهده اليوم من الوضع المتردي والضياع الذي وصلت إليه الأمة بسبب الاستعمال غير السليم للمصطلحات ووضعها في أماكن لم تكن مخصصة لها كما هو الحال في مصطلح الجهاد الذي أصبح يطلق على سفك الدماء، أو وصف المجرمين بالمسلمين وهلم جراً، وهذا يجعلنا وجهاً لوجه أمام الألفاظ التي تأخذ أبعاداً لا تتقارب مع المقاصد الصحيحة ما يؤدي إلى دخولها في مرحلة لغو الكلام المجانب للتشريع الإلهي الذي يضع كل لفظ في مكانه المقرر له لئلا يستغل من قبل أصحاب النفوس المريضة الذين يبذلون جهداً كبيراً في جعل الكلام متطابقاً مع ما يتناسب وأغراضهم الدنيئة.

 وبناءً على ما تقدم نرى أن الله تعالى قد نهى المؤمنين عن استعمال الكلمات التي توحي إلى معان أخرى لدى اليهود، كما هو الحال في كلمة: (راعنا) التي كان يُقصد منها معنى الرعونة أو أي معنى آخر يحمل الإساءة الخفية للرسول (ص) عند خطابهم له، ولذلك بدل الله تعالى هذا اللفظ إلى لفظ آخر يوحي إلى نفس المعنى المراد استعماله لدى المؤمنين، ومن هنا فقد أمرهم أن يقولوا: (انظرنا) من أجل المفارقة بين المعنيين في التعبير من جهة، ومن جهة أخرى يجعل الأبواب مفتحة أمامهم للابتعاد عن الألفاظ التي توحي بالمشتركات العرضية التي يجد فيها بعض الناس ما يحقق رغباتهم كما مر عليك في سياق البحث، وسيتضح هذا المعنى بصورة أكثر جلاءً في المساحة المخصصة للتفسير.

تفسير آية البحث:

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) البقرة 104. المقطع الأول من الآية أقصد قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) ورد في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن الكريم، وهذا التعبير سواء كان بنحو الخطاب أو بنحو آخر فهو لا يخرج عن مراده الموضوع له وهو الإشارة إلى هذه الأمة، باعتبار أن الأمم السابقة لا يعبر عنهم بهذا المعنى بل يعبر عنهم بالقوم أو الأصحاب أو بالبنوة، كما في قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود) ق 12. وكذا قوله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) البقرة 40- 47- 122. أو يأتي بلفظ إخوان كما في قوله تعالى: (وعاد وفرعون وإخوان لوط) ق 13. ولا يخفى على المتأمل أن المراد من التعبير هو التشريف الجزئي لا غير، وذلك لإخراج النسبة العددية الكبرى من الخطاب إذا لم يكن التوبيخ ظاهراً فيه ومن هنا نجد أن هذا التعبير قد وردت فيه الإشارة إلى الأمم السابقة من باب التجوز دون الخطاب، كما في قوله تعالى حكاية عن نوح: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم) هود 29. وبهذا تظهر النكتة في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً) النساء 137.

أما المقطع الثاني من الآية وهو قوله تعالى: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) ففيه مجموعة من الأقوال ذكرها الفخر الرازي في التفسير الكبير أشير إلى بعض منها بتصرف:

أولاً: نهى الله تعالى المؤمنين عن قول: (راعنا) وبدله بقوله: (انظرنا) لاشتمال الأول على معنى آخر كان متداولاً لدى اليهود وفيه إشارة إلى كلمة عبرانية كانوا يتسابون فيها وهي كلمة: (راعينا) ومعناها اسمع لا سمعت ومن هنا كان النهي، ويدل على صحة هذا المذهب قوله تعالى: (ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين) النساء 46.

ثانياً: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يتطرقون إليها إلا عند السخرية فلا جرم نهى الله تعالى عنها.

ثالثاً: إن معنى: (راعنا) مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وشدد على ضرورة تعظيم الرسول (ص) في المخاطبة، كما في قوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) النور 63.

رابعاً: إن قوله: (راعنا) خطاب مع الاستعلاء، كأنه يقول راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره وليس في قوله: (انظرنا) إلا معنى الانتظار.

خامساً: إن قوله: (راعنا) على وزن عاطنا من المعاطاة ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة، فالراعن اسم فاعل من الرعونة، ويحتمل أنهم أرادوا به المصدر، كقولهم: عياذاً بك أي أعوذ عياذاً بك.

أما قوله تعالى: (وقولوا انظرنا) ففيه وجوه أهمها:

الأول: من النظر الذي يأتي بمعنى الإمهال، كما في قوله تعالى: (انظرونا نقتبس من نوركم) الحديد 13. أي أمرهم تعالى أن يسألوه الإمهال.

الثاني: قوله تعالى: (انظرنا) معناه انظر إلينا أي من النظر المتعارف عليه إلا أنه حذف حرف الجر كما في قوله: (واختار موسى قومه) الأعراف 155. والمعنى من قومه، وكذا قوله: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) القصص 58. أي بطرت في معيشتها.

قوله تعالى: (واسمعوا) فيه مجموعة من الوجوه أهمها:

أولاً: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي (ص) دون اللجوء إلى الإعادة.

ثانياً: اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكون سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: (سمعنا وعصينا) البقرة 93. النساء 46.

ثالثاً: اسمعوا ما أمرتم به دون الرجوع إلى ما نهيتم عنه.

ثم ختم الله تعالى الآية بقوله: (وللكافرين عذاب أليم) أي إذا لم يتبعوا الرسول (ص) في أقواله وأفعاله.

 

 من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن 

     عبدالله بدر اسكندر  

 

في لغة النص هناك ثمة خلل مفهومي نجده واضحاً، وأكثر ما يكون ذلك في التعريفات التي نلتقي بها وفي المفردات التي يغلب عليها الطابع العرفي في الإستعمال، والخلل المقصود: هو في تحميل الألفاظ معاني ليست لها، كقولهم إن القلب هو العقل أو هو مكاناً للعقل!، مع إن العقل في اللسان العربي يدل على – الثبات والإستقرار واليقين – في العادة .

ونفس الخلل نواجهه في لغة المتكلمين في قولهم عن - العقل والروح، ولأن هذه المفردات مثيرة للجدل ومثيرة للفضول، لذلك لا أجد من يحدد طبيعة العقل والروح الواحدة .

إن مقولة: القلب هو العقل أو إنه مركز العقل -، هي مقولة شائعة ومَّردها لبعض نصوص تبدو في ظاهرها كذلك أو هكذا فُهمت، كما في قوله تعالى: - نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين - الشعراء 194، وظاهر النص يبدو فيه وكأن المتلقي الأول للوحي هو القلب، مع إن الوحي يُخاطب في الإنسان روحه فهي المستهدفة، أعني إن أساس العلاقة بين الوحي والإنسان لازمها - الوعي والثبات والإيمان وعدم القلق -، وهذه ليست من صفات القلب والذي: هو عبارة عن تحويل للشيء وتقلبه، أي صرفه من وجه إلى أخر .

والقلب هو مضخة للدم، وسُمي كذلك من التقلب وعدم الثبات والإستقرار، [وصفة التقلب هي صفة سلب]، ولا يجوز إطلاق هذه الصفة على العقل ولا أن تكون لازمة من لوازمه وخواصه، ولهذا وصف الله المنافقين بأنهم متقلبين وغير ثابتين على دين ومبدأ، قال: - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ - البقرة:10، وهكذا قال عنهم: - خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - البقرة:7، ولفظ ختم لا يتعلق بالتكوين بل بطبيعة العمل وكيفيته المؤدية للإضطراب وعدم الرؤية الطبيعية، و ذلك يكون مع تعطيل أدوات المعرفة المعتمدة، قال تعالى: - أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ - الحج:44، وهذا تأكيد مضاف على أهمية حصول الإنسان على الإدراك الواعي الثابت المستقر الغير قلق، وأما دلالة قولهم: - قلب عاقل أو قلب يعقل –، فهي دلالة للتثبت من الأشياء وفهمها فهماً دقيقاً، ولا يتم ذلك من دون إستقرار نفسي وروحي، إذ بذلك يتم التدبر والوعي - .

وأما العقل: فهو الإمساك والمنع وذلك بحسب جذره اللغوي، وقد أختلف في صفته بين أسم و فعل، وأصله من عقال الناقة ذلك الحبل الذي يربط به ذراعها .

وقيل: وبه يمكن التمييز بين الحسُن و القبح، وهو جوهر غير مفارق للمادة وبهذا الإعتبار يكون بمعنى الروح، والروح تتشكل من ثنائية الخلق والأمر،قال تعالى: – يسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي – الإسراء 85 أي إنها من عالم الأمر الذي هو عالم مادي، مرتبط بالخلق والأمر في الفعل والطبيعة .

وقد ورد تعريفها في - كتابنا إشكالية الخطاب في القراءة التاريخية لوقعة كربلاء، بأنها: - دم القلب -، وبما إن الدم مادة فكذلك تكون الروح مادة، وذلك بإعتبار طبيعتها الموافقة لما ورد في 85 من الإسراء و 54 من الأعراف على بعض تفصيل، والروح في الطبيعة: هي كل فاعل ومتحرك ومؤثر في جسم الكائن الحي، وبذلك تكون كل العمليات التي تحدث هي ضمن عالم الروح، وكل الوسائل في جسم الكائن الحي هي أدوات في خدمة الروح، وهذا الكلام يتعلق بالوظيفة الطبيعية التي تؤديها أدوات الروح في الجسم، والتي تتصل بعلاقة طبيعية مع ما هو محسوس وغير محسوس، من أحلام ورغبات وطموحات وآمال وشهوات:

إن من الواجب رفض قولهم: في تسمية القلب بأسم العقل وبالعكس، لأن هذه التسميات مجازية لا يصح تعميمها في المجال البحثي والعلمي، وذلك لأن القلب والعقل هي أدوات للروح ليس إلاَّ، وقولنا: هذا بإعتبار كون الروح هي الفاعل الأول والرئيسي في حياة الكائن الحي، والتفريق بين الأداة ومن يتحكم بها لازم وواجب، وأما التعبير عن الأفعال والأفكار بأنها عاقلة أو غير عاقلة، فهو تعبير مجازي عرفي ساد بفضل كثرة الإستعمال للفظ، و العقل: من حيث هو وسيلة إدراك مفترضة، جُعلت لتؤدي وظيفة معينة ما في هذا الشأن أو ذاك، يقودنا ذلك الإفتراض لجعل العقل هو المتحكم بعملية الإيمان، وهذا بإعتبار قدرته المفترضة على فهم المعاني [والمقصود بذلك هو قدرة الروح على تحريك أدواتها]، ولهذا نقول: إن الصحيح بمن يتحكم بعملية الإدراك هي الروح، والإشارة للعقل في هذا السياق تأتي من جهة الإعتبار وليس من جهة الإرتباط بالفهم، الذي يحصل عبر التحقيق من خلال جملة الأدوات، وما يُطلق عليه - بالتعقل – هو أسم فعل، صفته تكون في إدراك المعاني: - صفة وعي -، حينما تعمل كل الأدوات بشكل يؤدي الغرض المطلوب، ومادمنا نبحث عن هوية الروح وطبيعتها وماهيتها، وهل هي مادة أو لا ؟ .

نقول: - إن الروح هي الفاعل الذي يُحرك كل شيء في جسم الكائن الحي -، وكل كائن حي هو عاقل بالضرورة، والفصل ممنوع هنا: فكل ما يحصل للكائن الحي يكون بأثر الروح وتأثيرها، وهذا القول: يتعلق بالوظيفة الطبيعية التي تؤديها أدوات الروح لدى الكائن الحي .

ولايذهبن بنا الخيال إلى غير ذلك المعنى، حتى حينما يقول الله لنا في صيغة الفعل - تعقلون أو يعقلون -، فهو يقول الفعل بصيغة الفعل اللازم الذي لا يتعدى المعنى الذي ذهبنا إليه في: إن معنى العقل هو الروح، وكل الأدوات المستخدمة في الحس والشعور والفهم والإدراك - التعقل – هي وسائل لخدمة الروح أو إنها تؤدي الغرض الذي تريده الروح منها،

قال تعالى: - كذلك يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون - البقرة: 242، ولفظة – تعقلون – تدل على التثبت واليقين، والتثبت لازمه إستخدام لوسائل المعرفة الصحيحة لكي نحصل على حالة العقل، إذن فنحن - نعقل الآيات - بإستخدامنا لوسائل المعرفة الصحيحة، وإن من يُحرك هذه الأدوات هي الروح، ولذلك لكي تدرك المعنى وتتعقله -،

قال تعالى: - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - البقرة: 171، وهذا النص جاء بأدوات التعقل المحسوسة التي لا تعمل بشكل جيد، مما يؤدي إلى عدم الفهم والإدراك الصحيح، وجملة - فهم لا يعقلون -، جملة سببيه تنسب – عدم التعقل - لتعطل أدوات الفهم عن أداء واجبها .

قال تعالى: - ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ... - الأعراف: 179، والفقه لفظة بمعنى الفهم، وقيل هو العلم بالمُراد، والتفريق بين العلم والفهم لازم من لوازم المعرفة الصحيحة، و الفقه اصطلاحاً: هو العلم بالأحكام الشرعية، المستنبطة من الدليل الشرعي الوحيد وهو - كتاب الله المجيد -، وأما كلمة – لا يفقهون – فتعني - لا يفهمون -، ولكن لماذا لا يفهمون ؟ أو ماهو الشيء الذي لا يفهمونه ؟، وقد علل - عدم الفهم - بقوله: لأن قلوبهم قلقة وغير مستقرة، وأما الشيء الذي لا يفهمونه فهو الحق وآياته، وهذا بسبب قلقهم وعدم ثباتهم لذلك فهم لا يستطيعون الفهم – الفقه - بشكل صحيح، وصفة التقلب وعدم الإستقرار في المطلق لا تساعد على الفهم والتعقل، وهذا الوصف ظاهره مجازي ولكنه حقيقي، والمجاز فيه هو تقريب المعنى للذهن من خلال الأدوات المعروفة، وقد أكثر الكتاب المجيد من هذا الوصف، وفي التقابل المنطقي يكون: - الثبات والإستقرار - سبب على العلم والفهم والإدراك ودليل عليه .

وأما الفؤاد: فهو من: - فد بمعنى فائدة - وأما معنى أفئدة فهو فوائد، قال تعالى: - ما نثبت به فؤادك - هود 120، أي إن الذي نوحيه إليك - فائدته - تعطيك الثبات واليقين، وهذا رد منا على ما ذهب إليه أبن منظور بقوله: إن القَلْبَ أَخَصُّ من الفؤَاد في الاستعمال، لأنه في ذلك يكون قد حسب الفؤاد جهازاً أو اداةً من الأدوات والأجهزة وهذا ليس صحيحاً، بل الفؤاد هو الشيء المجرد الذي نحصل عليه من خلال أفعالنا أو هو نتيجة فعل نحسه ونشعر به .

قال تعالى: - ولتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالْآخِرَةِ - الأنعام 113، ولو حذفنا لفظ – أفئدة – من النص يكون عندنا قوله: - ولتصغي إليه الذين لا يؤمنون بالآخرة - أي إن الذين لا يؤمنون بالآخرة لو أنتبهوا إليه وأصغوا - وهذه إستعارة مجازية – قال: لحصلوا على فوائد كثيرة، إذ إنه بالإصغاء - يحصلون على فوائد كثيرة -، ويكون لفظ – أفئدة – بمعنى [فوائد] في صيغة الجمع، وكأن الإشارة تذهب إلى القول إن من لا يؤمن بالآخرة لا يحصل على فائدة من عمله، ونفس الشيء نقوله في النص التالي قوله: - وكلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بهِ فُؤَادَكَ - ١٢٠ هود -

أي إن الذي نقصه عليك من أنباء الرسل هو بمثابة اليقين الذي تحصل عليه، وحصول اليقين هو - الفائدة - المرجوة من بعثة الرسل والرسالات، وفي نفس السياق يكون عليه الحال في قوله تعالى: - فاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم، وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ - ٣٧ ابراهيم، هذه دعوة لتحريك الناس بإتجاه الرسل، وبإتجاه المكان الذي يكون أمناً وجمعاً للناس، وفي ذلك تكون - الفائدة - من هذا التجمع وهذا اللقاء في هذا المقام،

وقال تعالى: - كذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - ٣٢ الفرقان -، والكلام هنا عن الكتاب المجيد الذي به تحصل - الفائدة - للمرء من خلال الثبات واليقين ودفع القلق والإضطراب، والترتيل لغة: هو الترتيب أو هو الصف بنسق دقيق، وفي هذا الترتيب يتم البناء والقوة، والكلام فيه عن موضوعاته المُرتبة بشكل يتحصل منها الفائدة والثقة واليقين .

وخلاصة الكلام فيما تقدم نقول: إن ما يُطلق عليه في لسان العرف - بالعقل - هو التعبير الدقيق عن معنى الروح، والتي هي المحرك والفاعل الرئيسي، وإن كل الأدوات في جسم الكائن الحي إنما تتحرك بفعل منها أو بسببها ولأجلها، ولا يختلف الأمر بين مفهومنا عن التفكير وبين مفهومنا للغريزة والشهوة، فكل ذلك يكون بفعل الروح، وليس بفعل القلب أو العقل، لأن هذه أدوات أو عناصر فعل في خدمتها، والروح: هي النفخة التي تهب للحياة معناها و بدونها لا يكون لها معنى، وأما العقل: فهو توصيف لحال وطبيعة الفعل وليس هو جوهر مستقل بذاته كما يظن بعض الفلاسفة، أعني أن ليس هناك ثمة شيء أسمه - عقل مستقل -، وما يُقال عنه في هذا الصدد، فهو يعني - الروح - التي هي الجوهر المادي المستقل والفاعل والذي يحرك كل شيء، أعني كل كائن حي، وأما دعوى إن الإنسان هو فقط من له عقل، فهذه دعوى عقيمة إذ إن جميع الحيوانات لها ذلك، والعقل ليس جهة إختصاص بقدر مايكون جهة وصف وتوصيف للفعل، وفي ذلك يشترك الجميع بذلك، وحسب الغايات والمصالح التي تكبر تارةً وتقل أخرى، ولا ينصرف الكلام عن الحيوان هاهنا، فالشهوة والغريزة كما الخوف وغيره من الصفات هي صفات للروح، ولهذا أقول إن الذي يحرك الكائن الحي هو الروح، والتي يطلق عليها تجوزاً - بالعقل - كما هو القلب والفؤاد والسمع والبصر وكل الجوارح، والتي هي وسائل في خدمة الروح وعملها، والخلل في النهاية خلل مفاهيمي غطت عليه إستعمالات العرب العرفية، فكان الخلط وكان الترادف وكان للفظ أكثر من معنى، وفيه ضاعت الحقيقة واندثرت ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

ridowan alrokbiظاهرة التأويل من الظواهر اللغوية التي لها أهميتها في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، بل وتاريخ الفكر الديني منذ أن حاول الناس تفهم الكتب السماوية، وقد كان لهذه الظاهرة دورها البالغ في كل البيئات الإسلامية على اختلاف مقوماتها في الفكر والثقافة، وذلك لارتباطها أساسا بالدلالة الأسلوبية، ومحاولة التوصل إلى الغاية المقصودة.

والتأويل بارتباطه بدراسة المعاني العميقة في الخطاب، جعل الأصوليين يحددون له ضوابط لتعلق خطابهم بالنص القرآني، ولذلك نراهم يركزون في تحليلاتهم على ضرورة الاستدلال وإيراد الدليل المناسب لحجية الاستنباط ، ومن ثمة اعتبروا التأويل آلية استدلالية؛ الهدف منها الكشف عن المقصدية في الخطاب، موظفين في ذلك مختلف الآليات التي تمكنهم من الوصول إلى هذه المقصدية. ومن ذلك مراعاة الشروط التداولية للخطاب، التي تقتضي ضرورة وضع الخطاب في سياقه التداولي.

 

1- التأويل والاجتهاد:

التأويل ضرب من ضروب الاجتهاد، وذلك بصرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، يقول الزركشي: " والرابع ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، فالمفسر ناقل والمؤول مستنبط."[1]

فالألفاظ تخضع لعملية التفسير في ألفاظها، بينما تخضع لعملية التأويل في معانيها، وقد اهتم بهذه الظاهرة كثيرا الأصوليون، انطلاقا من تعاملهم مع النص القرآني الذي يقتضي في بعض الأحوال " صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة "[2] من أجل استنباط الأحكام، فمجال التأويل يبدو محصورا " في صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله موافقا للكتاب والسنة."[3] وهو حمل " الظاهر على المحتمل المرجوح، فان حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا وليس بدليل في الواقع ففاسد، ولا شيء فلعب لا تأويل."[4]

وعلى هذا الأساس يكون التأويل الصحيح محتاجا إلى دليل يحتمل صرف اللفظ عن معناه الظاهر، وعليه فالمتأول مطالب بأمرين:الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى انه المراد. والثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح و إلا كان تأويلا فاسدا. " فالمؤول للمعاني يتعامل مع مجموعة تراتبية من المعاني القريبة والبعيدة لاستنباط المرجع الموافق للدليل."21 فمتى أمكنه حمل الشيء على ظاهره كان أولى " إذ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر إنما يمكن لمرجع."22

فإذا كان التأويل آلية من آليات الفهم واستنباط الأحكام، وضبط المعاني المرجوحة، فإن الحفاظ على سلامة الخطاب يقتضي أن يكون الدليل قويا في صرف الكلام عن الظاهر، حتى لا يكون التأويل فاسدا، أو يكون تعارضا، وذلك عندما يستوي المؤول وما قوي التأويل به. وعلى هذا الأساس نجد التأويل باعتباره آلية استدلالية لغوية يتعامل مع معاني النص من خلال مستويين:

 

1-  انفتاح النص واحتماله أكثر من معنى:

إن العلاقة " الباطنية بين الدال والمدلول وما يعرف بالمرجع يدفع إلى تصور يقوم على التأويل بسبب التصارع الداخلي بين قدرة الأداء، وقدرة الكلمات، حيث يكون المضمر أو المسكوت عنه له حضور داخل النص، لهذا تكون هذه المرحلة بالنسبة للمؤول أو المفسر مرحلة من التأمل في المعاني والمقارنات الترجيحية التي يستعمل فيها الإجراءات الاستدلالية والمنطقية، وجميع القرائن التي يسعى من خلاله إلى إغلاق النص المفتوح دلاليا، وذاك بسبر دلالاته الممكنة وحصرها، وتسمى هذه المرحلة أيضا بمرحلة الملاحظة، والنظر في الشاهد قبل تفسيره".23

ومن هنا فالمتلقي للخطاب تتواتر عليه معاني متعددة ومنفتحة، بقدر درجة انفتاح النص، فالمعاني الموجودة في الكلام مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياق العام للنص، وبالمجال التداولي له، وبإرادة المتكلم. وقد ضرب الأستاذ أحمد كروم مثالا لهذه المرحلة التأويلية في انفتاح النص دلاليا واحتماله أكثر من دلالة، بالمثال التالي: " يقول تعالى: } وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى{24  قائلا : " فنحن نجد في المثال القرآني التركيبة التالية :

كل                    يجري          إلى                 أجل

لفظ العموم          الفعل       الرابط                 المحل

فالناظر المؤول للمثال القرآني يعمد إلى تحديد الربط الايصالي بين " يجري " و " اجل مسمى " وفق المقرنة والأقيسة. فيتحقق ما يأتي:

* مقايسة المثال بالمثال

- " يجري إلى أجل مسمى "

-  " يجري لأجل مسمى "25

* مقارنة الغرض الملائم لمعنى الحرف الرابط

إلى / اللام

التوجيه :       إلى               الانتهاء

اللام                          للاختصاص

التأويل : " يجري إلى أجل مسمى " : يبلغه وينتهي إليه

" يجري لأجل مسمى " : الجري مختص بادراك أجل معين.

فيكون توجيه معنى الحرف متحكما في تقييد النص وتأويله بمعناه، وان كل واحد من معنى الحرفين صالح ملائم لصحة الغرض"26

2- غموض النص وخفاء مفاهيمه:

اهتم القدامى في مادة النصوص وتحليلها بظاهرة الالتباس في معاني الألفاظ، مستعملين في ذلك طرق البحث والتأمل في تحديد ماهية المعنى المختص بأداء اللفظ، حتى غدت لبعضهم نماذج خاصة في تحليل المعاني وتأويلها واستقرائها، مثل الزمخشري. فقد تناول الأصوليون ظاهرة الالتباس والخفاء، أو ما يعرف في الدراسات الحديثة بالالتباس، وهو كون الجملة يحتمل معناها أكثر من معنى ودلالة.

إن إبهام " العلاقات اللغوية يظهر من خلال أشياء بعضها له ارتباط مباشر بالنحو، وبعضها ليس له ذلك الارتباط المباشر عند بعضهم، ذلك أن صاحب النص أحيانا يعدل عن قاعدة نحوية معينة فيكون هذا العدول أو الانحراف سببا أو مظهرا لإبهام علاقة لغوية ما في النص، وأحيانا ينحرف عن طريق تركيب تعبيري مألوفة أو عن طريق توظيف لعناصر شكلية أو دلالية مقتادة، فيكون الانحراف أيضا سببا للانحراف العلائقي اللغوي ومظهرا له في الوقت نفسه."27

ولأهمية ظاهرة اللبس في معاني الألفاظ اللغوية، لخص ابن هشام الوجوه التي ينبغي أن يفهم منها المعنى ويؤول، كما نبه على أمور اشتبهت بين المعربين والصواب خلافها. كما ناقش الاعتراض الذي يخالف به المعرب هذه القوانين التي عرضها في باب المنصوبات المتشابهة، وذكر ظواهر قابلة للاحتمال.28

فالاجتهاد بما هو منهجية  تستند على آليات استدلالية، وطرق لتأويل النص واستنباط الأحكام الشرعية المضمرة في بنية الخطاب، في هي تحتاج إلى الإلمام بكل العناصر الموصلة إلى فهم الدلالة العميقة، بما في ذلك الاسترشاد بالبنية الحرفية الظاهرية للنص، كمنطلق لتشكيل رؤية أولية، تكون أساس الانطلاق لاستنباط الأحكام، ومراعية في ذلك كله لمختلف شروط الإمكان؛ من سياق تخاطبي ومقامي، وأحوال المخاطبين، وتعلق النص بنصوص أخرى ومحاورتها...الخ.

 

2- التأويل والاستدلال:

تحدث الأصوليون عن الاستدلال بما هو آلية من آليات استنباط الأحكام، وعرفوه بأنه " طلب الدليل وإيراده، وقد يراد به الدليل كذلك، فحينما يتعلق الأمر بطلب الدليل، فإن الطلب يقع على فعل السائل، وهو مطالبته المسؤول بإقامة الدليل، ويقع على المسؤول لأنه يطلب الدليل من الاصول"29، وعرفوا الدليل بأنه "هو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح"30.

ويلاحظ أن هذا التعريف مطابق للمعنى اللغوي الذي يجعل الدليل بمعنى المرشد والهادي. ويجعل ابن تيمية الضابط لكون الدليل دليلا هو استلزامه للمدلول عليه، ثم ينظر في قوة اللزوم بينهما، فان كان قطعيا اعتبر الدليل قطعيا، وان كان ظاهرا مع جواز تخلفه أحيانا اعتبر الدليل ظنيا، وكون الدليل مقيدا للعلم بالمدلول لدى المستدل يحتاج إلى أمرين: أولا: صحة النظر فيه. ثانيا:إفادة الدليل العلم بنفسه.

فالناظر في الدليل يشترط فيه أن يكون صحيح النظر، إذ وجود المانع الصارف عن الحق تنتفي معه الاستفادة من الدليل. فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لغشي في بصره وكذلك أعمى القلب."31 "ويقسم ابن تيمية النظر"32 "بما هو آلية من آليات استنباط الأحكام إلى قسمين:

vالنظر الاستدلالي: وهو نظر في الدليل، فإذا تصوره وتصور استلزامه للحكم على الحكم، كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم، فهذا لا ينافي العلم بل يوجبه.

vالنظر الطلبي: وهو نظر المطلوب حكمه، وهذا قد يحصل معه العلم وقد لا يحصل، لأنه قد يظفر بدليل يدله على الحكم وقد لا يظفر، كمن ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث.33

إن النصوص التي تعتبر أدلة شرعية منها ما هو نقلي، ومنها ما هو عقلي. والاستدلال هو دليل عقلي. فهو عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا،34 وهذه القسمة للأدلة الشرعية التي قسمها الأصوليون، صالحة بالنسبة لأصول الأدلة، وإلا فكل ضرب من هذين الضربين محتاج للآخر، لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر  شرعا إلا إذا استند إلى النقل،35 فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال، ويلحق بكل واحد منهما وجوه، إما باتفاق و إما باختلاف، فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا، لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف النظر فيه لأحد. ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة،إن قلنا أنها راجعة إلى أمر نظري، وقد يرجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العموميات المعنوية.36

فإذا كان الاستدلال وفق التحديد الذي حدده له الأصوليون، هو دليل من الأدلة العقلية التي يشتغل بها المجتهد، فإن هذا النوع من الاجتهاد " يعتبر مناسبة تظهر من خلالها آليات أصولية اجتهادية في استنباط الأحكام وتخريج الفروع من الأصول. ووفق هذا المفهوم يعتبر الاستدلال طريقا موصلا إلى معرفة الأحكام بقواعد عقلية مبنية على براهين وحجج مؤيدة يجتمع فيها المنقول والمعقول، وهذه الطريقة تعتبر من وسائل الإقناع التي تعتمد دراسة الألفاظ الاستدلالية الموصلة إلى القرائن الترجيحية، التي تحتاج إليها في ضبط القواعد الأصولية أو اللغوية أو المنطقية.

ونجد هذه الطريقة الاستدلالية واضحة في التدليل على الاعتقاد الحق المعتمد النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله عزوجل".37على اعتبار أن العقل الشرعي لا يناقض العقل الاستدلالي، لأن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه كما يقول ابن رشد " وكما انه لا ينبغي أن تتضارب الأدلة القطعية لكل من العقلين فيما بينهما. غير أن هذه الموافقة بين أدلة العقل الشرعي وأدلة العقل الاستدلالي تقتضي التمييز في دليل العقل الاستدلالي بين الدليل الصحيح والدليل غير الصحيح".38

وموضوع الدليل هم أغلب علماء الإسلام من بلاغيين ونحويين وأصوليين... ما دام الاستدلال هو الحقيقة وأصل أصول المنهجية، وما دامت أغلب العلوم الإسلامية لاسيما منها علم الكلام وعلم الأصول وعلم البلاغة، اشتغلت بالمنهجية،  إن وصفا أو تحليلا أو بناء، كما انه لابد أن تؤثر هذه العلوم بعضها في بعض، فتنتقل على سبيل المثال أوصاف الدليل من المنطق إلى علم الكلام ثم منها إلى علم الأصول ثم إلى علم البلاغة، فتتلون هذه الأوصاف بلون كل علم من هذه العلوم، ثم تنتقل هذه الأوصاف بألوانها المختلفة من علم إلى آخر... وما هذا وذاك إلا أن التراث الإسلامي العربي ينزع نزعة تكاملية.39

والاستدلال بما يحمله من منهجية في النظر والتفكر، وبما هو آلية من آليات العملية التأويلية المبنية على ضوابط عقلية و نقلية محددة " ينبني على شبكة من العلاقات المعقدة التي تؤسس خطابه فلا يمكن تصور استدلال بدون خطاب؛ يعبر عنه ويناصره، ولا بد له أيضا من الموضوع الملفوظ."40

وإذا كان الاستدلال آلية من آليات الاجتهاد بالرأي في استنباط الأحكام، فهو أيضا منهج مشتق من البحث عن مراد الشارع، كما يعتبر معيارا للبحث فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه، وهذا المنهج هو" منهج الغائية في استنباط الأحكام الذي رسمه الأصوليون، أو بعبارة أخرى على أساس المصلحة المعتبرة شرعا."41

فحين يربط الشاطبي الاجتهاد بالمصالح العامة للعباد، فهو ينظر نظرة شاملة في تحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي تنطلق من المنقول لتوافق المعقول، فمن" تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد إن عرف بان هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن في ذلك نص، ولا اجتماع ولا قياس خاص، فان فهم نفس الشرع يوجب ذلك."42

فكل اجتهاد يعتمد على الاستدلال مبني على جلب المصلحة، وهذه الأخيرة يظهر أثرها على مستوى التطبيق الذي يتجسد فيه المعنى أو الخطاب، ومن ذلك يظهر مآل الأفعال التي تتحقق من نتائج مقدمتين تحدث عنهما الشاطبي، سماهما بالمقدمة النظرية والمقدمة النقلية، وهو يقصد بالأولى التي تثبت بالاستدلال والنظر والتدبر، وهي ترجع إلى تحقيق مناط الحكم، ويقصد بالثانية التي ترجع إلى نفس الحكم، مع تأكيده على التداخل بينهما لأن كلا منهما راجع إلى المطالب الشرعية."43

 

1-  قوانين التأويل عند الإمام الشاطبي:

اعتمادا على العقليات القطعية والنقلية المعقولة والمواصفات الملائمة للعقل، اجتهد أبو إسحاق الشاطبي في أن يقدم بعض المبادئ والقواعد والضوابط التأويلية الخاصة بالتأويل العربي الإسلامي، ولعل المبدأ العام الذي ينطلق منه الشاطبي، هو ما يمكن أن نسميه بمراعاة المجال التداولي للنص المؤول، وبناء على هذا المبدأ العام الذي يؤطر العملية التأويلية العربية، يمكن أن نفرعه إلى عدة قواعد تكون بمثابة ضوابط لهذه العملية التأويلية، حتى لا تخرج عن جادة الصواب.وهي على الشكل التالي:

 

1-3- قاعدة الخطاب المؤول:

إن النص المؤول في الثقافة الإسلامية ليس على مستوى واحد، و إنما هو ثلاثة أصناف حسب ما ذهب إليه الطبري قائلا: " وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة :

-   الوجه الاول: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله في كتابه أنها كائنة مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور وما أشبه ذلك.

-   والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.

-   الوجه الثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.44

ويقسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أوجه: " وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ".45 وهو في ذلك يستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: " أنزل القرآن على أربعة أوجه : حلال وحرام؛ لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب."46

فالنص المؤول إذن ليس على مستوى واحد، و إنما هو مستويات حسب طبيعة هذا النص. وإذا شئنا أن نحصر أوجه تأويل النص في الثقافة الإسلامية، فإنها لن تخرج عن أربعة أوجه كما ذهب إلى ذلك ابن عباس.

ما يجب تأويله.

ما لا يجب تأويله.

ما يميل إلى جانب عدم التأويل.

ما يميل إلي جانب وجوب التأويل.

فما لا يجب تأويله هي النصوص المتواترة التي لا تحتمل التأويل،47 وكذلك المتشابه الحقيقي الذي هو غير لازم تأويله.48 وأن ما يجب تأويله؛ فما لا يقبل معناه الحرفي كالأساليب التشبيهية والاستعارية، على أن هناك مرتبة وسطا بين هذين الطرفين وهي : ما يلزم تأويله إذا تعين الدليل عليه، مثل المتشابه الإضافي. و ما يميل إلى جانب عدم التأويل، أي ما لا يلزم تأويله مثل المحكم الإضافي.

 

2-3  - قاعدة وضع المؤول :

إن وضع المؤول – حسب الشاطبي -هو أن يكون من السلف، وممن يسير على سنن السلف من الراسخين في العلم وخواص العلماء، لا أن يكون من غير الراسخين في العلم ومن غير خواص العلماء كالظاهرية والباطنية ... وعلى هذا الأساس فإن الراسخين في العلم لدى الشاطبي هم من اتبع سلف الأمة واقتدى بهم في أفعاله وأقواله، لأنه بمثابة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا بلغ الإنسان مبلغا، فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم  في التعليم و الفتيا، والحكم بما أراد الله."49

فالصفة الحقيقية " التي تؤهل صاحبها لأن ينوب عن غيره ويتكلم باسمه هي أن يكون عارفا خبيرا بمقاصده، على الجملة والتفصيل، وأما ما عدا ذلك فأمور مساعدة، فالمجتهد الذي يحكم ويفتي باسم الشارع، لا بد أن يكون عالما تمام العلم بمقاصده العامة، وأن يكون عالما بمقاصده في المسألة التي يجتهد فيها ويحكم عليها."50

ويعيب الشاطبي على من يرون أنفسهم أهلا للاجتهاد في الدين، فيتجؤون على أحكامه وشريعته حتى لتجد أحدهم " آخذا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا راجع رجوع الافتقار إليها... ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة وتوهمه مرتبة الاجتهاد."51

3-3-قاعدة مراعاة المؤول لمقتضيات الأحوال ومجاري عادات العرب :

لقد خص الشاطبي هذه القاعدة بعناية خاصة، ووضع لها بعض الضوابط التي ينبغي أن يتخذها المؤول الراسخ هادية له، وهي عبارة عن عدة معارف :

1-: معرفة لسان العرب: مفردات وتراكيب ومعاني: فهذه " الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية. "52 فالشاطبي لا يريد بهذا التطرق إلى مسألة ما إذا كان في القرآن ألفاظا ذات أصول أعجمية، و إنما " البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ... فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة."53

من هنا يجب أن ينظر إلي العملية التأويلية في ضوء اللغة العربية، باعتبارها بابا أساسا لولوج عالم النص وفهم أغواره، وسبر مدلولاته، وعلى ضوء المعهود من أساليب العرب، ومن ذلك أن العرب " في ما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، و آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم الواحد، وكل ذلك معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها، فإن كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب."54

فالأصوليون يكثرون من التأكيد على أهمية احترام والتزام حدود قواعد اللغة العربية؛ في فهم مقاصد النصوص، ويتعرضون لهذه الفكرة كلما وجدوا لذلك مناسبة لأن " لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع." 55 ومن هنا فالشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا " من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم  العربية، فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فمتوسط في فهم الشريعة ." 56

وهكذا كلما كان المجتهد أمكن في اللغة العربية، كان أقدر على إدراك مقاصد الشرع إدراكا سليما، فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن ويستخرج معانيه ومقاصده على أن يسلك في " الاستنباط والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها و منازعها، في أنواع مخاطباتها خاصة. فإن كثيرا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل منها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصد الشارع."57

2-   معرفة أسباب التنزيل ومقتضيات الأحوال.

3- معرفة علم القراءات والناسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه، التي تتحدث عن المبين والمؤول والمقيد والمتشابه والظاهر والعام والمطلق ...

4-3- قاعدة تماسك النص واتساقه وانسجامه.

بناء على هذه القاعدة يرى الإمام الشاطبي أن الخطاب القرآني متعالق الأجزاء، مترابطها يدور حول محاور محددة، فإذا أوهمت بعض الآيات بالتعارض أو التقابل أو بالتناقض، فإن ما أوهمت به ليس بالتعارض ولا بالتناقض، إذ يمكن ترجيح الأدلة العامة على الخاصة، أو أحد النقيضين على الآخر، فمدار الغلط وسوء فهم الشريعة إنما هو ناتج عن " الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض، فان مآخذ الأدلة عن الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المترتب على خاصها، أو مطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين استنبطت."58

ويشبه أبو إسحاق الشاطبي انسجام الخطاب القرآني بالإنسان الصحيح السوي قائلا: " فكأن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي لها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها،لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال."59

فالمؤول الراسخ شأنه تصور الشريعة صورة واحدة،  يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، "وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه".60

إن المتأمل في كتابي الشاطبي الموافقات والاعتصام، يلاحظ أن الرجل يستعين ويوظف كذلك قواعد تاويلية كونية -كما سنلاحظ عن ابن رشد فيما سيلي - مبنية على أسس منطقية واستدلالية، وقواعد تأويل عربية، على أن تلك المبادئ والقواعد التي صاغها الشاطبي لا تعتبر قطعية وجامعة ومانعة، و إنما هي مبادئ تأطيرية، تضبط العملية التأويلية وتمنعها من الزيغ والانحراف.

وعلى هذا الأساس قسم الشاطبي التأويل باعتباره عملية اجتهادية استدلالية في استنباط الأحكام إلى قسمين: تأويل صحيح، وتأويل فاسد. فأما الصحيح فما كان منضبطا للقوانين العربية غير مخالف لما عليه السلف، لأنه إن كان كذلك فهو الضلال بعينه.61 مثل تأويل النصوص تأويلا بعيدا أو باطلا. وأما الفاسد فهو كل تأويل مخالف لما عليه سلف الأمة، وغير منضبط للقوانين المحددة سلفا.

هكذا اجتهد الإمام الشاطبي في أن يدافع عن اتساق النصوص القرآنية وانسجامها، وفي أن يقدم مبادئ وقواعد للتأويل، وفي أن يتحدث عما يؤول منها وما لا يؤول، وعمن يقوم بالتأويل وعمن يجوز له أن يطلع على التأويل وعمن لا يجوز له، وكل هذا المجهود الذي بدله أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات والاعتصام يهدف الى "تعزيز وحدة الأمة ".62

وإذا كان الشاطبي من الراسخين في العلم وخواص العلماء، فانه يأخذ بقسط وافر من الفلسفة ويوظف التأويل، فقد وظف المنطق لبناء أحكام شرعية، ووظف التأويل لأنه يقرر بأن في القرآن ظاهرا وباطنا، أي ما يجب أن ينظر إلى ظاهره وما يجب أن يؤول حتى تدرك معانيه. يقول " لأن من فهم باطن ما خوطب به لم يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقع مع مجرد الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة... وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب، فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه."63

4- معايير القراءة التأويلية

4-1- معيار التناظر وناطقية النص :

هذه الطريقة المنهجية التي يمثلها التأويل باعتباره منهج استنطاق، تحصن عملية البحث في النص من الثغرات التي يمكن أن  تتسلل عبرها أهواء الباحث بهذه الطريقة، ليتضح " أن ليس للباحث نصيب منها إلا بمقدار التعقب والتتبع والإصغاء للقرآن الناطق ليكون الحكم لله."

إن قراءة القرآن بعض في بعض، تمكن نصه من التعبير التلقائي عن ذاته، في عملية فيها يوظف الفقيه ليكون في خدمة النص، لا الفقيه يوظف النص ليخدم ميولاته الذاتية والشخصية، وذلك يتم بأن يعتبر الفقيه/ المستنبط أداة تنفيذية، يخضع فيها لتوجيهات النص القرآني في نقله آية من مكان لتكمل آية في مكان آخر، أو تبديل آية بأخرى، ولن يكون النص الناتج في هذه الحالة خارج عن الدائرة القرآنية، بدليل أن المادة التي تتـألف منها هي مادة قرآنية، والتغيرات التي طرأت على النص وحولته إلى نص جديد، إنما حدتث بناء على توجيهات وأوامر قرآنية أملتها نصوص قرآنية معينة" فالتأويل قادر على إعادة بناء امتدادات النص القرآني بإعادة تشكيل العلاقات القائمة بين الآيات، بتحريك تلك المكونات في عملية اتصال وانفصال لا حصر لها، دون أن يؤدي ذلك إلى تناقض واختلاف في التشكيلات البنائية المستحدثة".

وهذا ما جعل المفسرين يؤكدون على ضرورة حوارية النصوص لبعضها البعض، أي أن الآية في القران تفسر بمجموع منطوق الآيات التي توائمها في سياقاتها.

 

4-2- معيار التصديق المتبادل بين أي القران:

إن معيارية مصادقة القرآن على الآيات القرآنية الناتجة تأويلا، تعني أن الفكرة التي تحملها تلك الآيات القرآنية لا يمكن أن يوجد في القرآن ما يناقضها، بل يوجد فيه ما يصادق عليها ويعززها، وفي ظل هذا الضابط تصبح كل عملية إبدال مستندة إلى ضوابط العملية التأويلية، يوجد ما يصادق عليها ويقويها.

إن عملية تأويل الآيات تستهدف تأليف ونظم آيات لها وجوه جديدة وهي عملية خاضعة لدلالة التناظر والتشابه في القرآن، في إطار الاستقراء والتتبع، وفي إطار المقايسة والمقارنة التفسيرية، مما يعني أن حركة التأويل الابدالية في القرآن وآياته، منضبطة بضابط التشابه والتناظر المحدد لمسار الاستقراء والفارض لصيغة العلاقة التفسيرية بين الآية والآية.

إلا أن استقراء التناظر لا ينبغي أن يتم بصورة عشوائية، بل لا بد من ترشيد الاستقراء للوصول إلى أهدافه، وذلك بأن يكون تعقب التناظر يهدف إلى إلحاق الآية بالآية النظيرة المحكمة للمعنى في الموضوع المبحوث من خلال عملية منظمة في الانتقال من النظير الأقرب فالأقرب."84

وبناء عليه فإذا كان القران الكريم كلا منسجما لا يناقض بعضه بعضا، فان مهمة المؤول هو أن يوازن بين المستويات الدلالية والسياقية والتخاطبية للآيات، ليؤلف نصا آخر مبني على مجموع نصوص الوحي/ القران والسنة، والذي هو بمثابة تأويل واستنباط لمنطوق الوحي، وليس هوىً يحقق رغبة وحاجة المؤول، لتبرير موقف معين، أو إرضاء اتجاه سياسي أو فكري. وطبعا هذه الجمع لا يمكن أن يتحقق إلا بتمتع المؤول بمجوعة من الآليات الاستدلالية واللغوية التي تمكنه من الجمع بين نصوص الوحي في قراءة تكاملية منسجمة، هذه الأدوات الاستنباطية حددها الأصوليون والفقهاء في مؤلفاتهم، ودققوا فيها، حتى لا يتطاول المتأولون على النصوص لتحقيق أغراضهم الضيقة.

 

د. رضوان الرقبي - المغرب

........................

1- البرهان في علوم القرآن: 2/149، الزركشي.

2- وهو تعريف للكوشي: الإتقان في علوم القرآن 2/180 السيوطي.

3- التعريفات 52 الجرجاني.

4- جمع الجوامع : 2/53 ابن السبكي.

21الاستدلال في معاني الحروف : 245 احمد كروم.

22ينظر البحر المحيط 1/308. وقد عرض اللغويون لهذا الغرض من ضروب تحصيل المعاني وترجيحها في مناسبات متفرقة منها ما نص عليه السيوطي بقوله " قال أبو حيان : التأويل إنما يصوغ إذا كانت الجارة على الشيء ثم جاء يخالف الجارة فيتأول، أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم يتكلم فلا بها فلا تأويل " الاقتراح .29.

23الاستدلال في معاني الحروف 246 احمد كروم

24سورة لقمان الآية 29

25سورة الرعد : الآية 2

26الاستدلال في معاني الحروف. ص 247. احمد كروم

27الإبهام في شعر الحداثة. ص 262 عالم المعرفة

28المغني اللبيب : 2/527. ابن هشام

29شرح اللمع 2/156

30الرد على المنطقين.165 ابن تيمية ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان

31نقد المنطق:34.ابن تيمية، حققه وصححه محمد حامد الفقي وآخرون، مكتبة السنة المحمدية، القاهرة.

32 والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه وهو طريق آبى معرفة الأحكام إذا وجد بشروطه، وهذه الشروط هي ثلاثة: أحدها أن يكون الناظر كامل الآلة، والثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة، والثالث أن يستوفي الدليل ويرتبه على حقه، فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره. اللمع في أصول الفقه ص 5

33الرد على المنطقيين : 352-353.

34إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول : 219 الشوكاني. دار الفكر

35ينظر الرسالة ص: 19-25. الشافعي. وقد أثبت مجموعة من الآيات مشروعية الاستدلال منها بقوله تعالى: " فاعتبروا يا أولي الألباب" الحشر الآية2 وقوله تعالى " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء " الأعراف الآية 184.

36الموافقات: 3/41. الشاطبي

37الاستدلال في معاني الحروف .ص: 51 - احمد كروم.

38تجديد المنهج ص: 377. طه عبد الرحمان.

39ينظر اللسان والميزان أو التكوثر العقلي.ص 131. طه عبد الرحمان

40الاستدلال في معاني الحروف ص 52. احمد كروم

41المناهج الأصولية 31.

42قواعد الأحكام 2/160

43ينظر الموافقات 3/47 الشاطبي

44تفسير الطبري : 1/41

45نفسه 1/34

46 نفسه

47الموافقات. 2/49. الشاطبي

48 نفسه. 3/98

49 نفسه : 4/106-107

50نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي : ص 331 احمد الريسوني الطبعة الأولى 1991 دار الأمان الرباط. تحدث ابن السبكي عن العلوم التي تلزم المجتهد ثم نقل عن أبيه تعريف المجتهد " وقال الشيخ الإمام هو من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع؛ ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع " جمع الجوامع 2/383.

51الموافقات : 4/174 -175 الشاطبي

52الموافقات : 2/65

53نفسه : 2/66

54 نفسه : 2/65/66

55الموافقات 4/324

56نفسه 4/304

57نفسه : 1/77

58الاعتصام 1/166. الشاطبي. تحقيق خالد عبد الفتاح. الطبعة الأولى 1996 مؤسسة الكتب الثقافية. بيروت

59 الاعتصام 1/166. الشاطبي

60 نفسه.

61 الموافقات 3/73 الشاطبي

62التلقي والتأويل. 138 محمد مفتاح.

63 الموافقات : 3/390

84التأويل منهج الاستنباط في الإسلام. 470. احمد البحراني

 

afaf almouhdiتستند الديانة اليهوديّة على مرجعين أساسيين: التوراة أو ما يسمى بالتاناخ والتلمود ومعناه التعاليم أو الهدي والإرشاد، إذ يشتمل على مجموعة من التفاسير والشروح للقسم الأول من العهد القديم وضعها مجموعة من العلماء والحاخامون وأحبار يهود مشافهة تبعها التدوين اكتسبت بمرور الزمن طابع القداسة وشرعيّة.

كما يتضمن السفران الأخيران سفر العدد (الذّي يتضمن إحصاءات تتعلق بالشعب المختار) وسفر التثنيّة أو ما يسمى كذلك بتثنية الإشتراع (الذي يمثل تتمّة لشريعة موسى) على وصف للفتح الذّي تمّ على يد موسى في الجانب الشرقي من الأردن وكيفية توزيع الأراضي التي غنموها من الحرب أو ما يسمونهم في شروحهم بالوثنييّن الأغيار أو "الجوييم" ومعناها باللّغة العربيّة (قوم أو شعب) كما كان يطلق هذا اللّفظ على مدينة في كنعان، وقد استخدمت هذه الكلمة للتفريق بين اليهود وبقية الشعوب الأخرى.

فكل إنسان لا يتبع الديانة اليهوديّة يعتبر من الأغيار، ثم مع التطور التاريخي للمفهوم تطور معنى هذه الكلمة في العقيدة اليهوديّة من الإشارة إلى الأمم الأخرى إلى استخدامه في الذّم والقدح في الغير الخارج عن المنظومة الإيديولوجيّة اليهوديّة ، وقد استخدمها المفسرون اليهود في عدة استخدامات في بادئ الأمر، كتسميّة لعبّاد الأوثان، وفي (الجرييم) أي المجاورين لليهود، إلى أن استخدمت في الإشارة إلى النصارى والمسلمين.

وتأسيسًا على العوامل التي ذكرتها آنفا من الممكن القول بأن للنّص الديني علاقة كبرى في تبلور فكر العنف بشرط وجود سياق اجتماعي يحتويه وعلى سلطة سياسيّة أو عسكريّة وقبليّة تحتكره باسم الدين والمقدّس والحق الإلهي والأمر الإلهي والمبررات لذلك كثيرة تختلف وتتنوع في الزمان والمكان وباختلاف النصّ المؤسس لها.

إذ ليس النصّ الديني بحدّ ذاته مسؤولًا مسؤوليّة مباشرة عن العنف بقدر دخول الذّات من خلال الأشكال المتعددة للتدّين للتفاعل مع هذا النّص من خلال أدوات بشرية تفسيريّة وتحليليّة واعتقاديه وحتى تحريفية بنوعيها المعنوي واللّفظي، فعندما يتم تبني النصّ كمقدّس تتبنى الذّات الوثوقيّة كموقف لها يقوم على التنظيم الإجباري والإكراه التعسفي لمحاولة السيطرة واخضاع المجموعات البشرية تحت منظومة واحدة تعتقد في قداستها وسمو حقيقتها، ولن نعدم في ذلك صورًا عديدة من الممارسات الوحشية التي تتم تحت شعار حماية المقدّس، وباسم المقدّس،و إن حضور عدة مفاهيم لاإنسانيّة في الذهنيّة اليهوديّة "كشعب الله المختار" و"التفوّق الجنسي" و"أبناء الله" ومنطق "الوعد الإلهي لبني إسرائيل بامتلاك الأرض الموعودة " وجعلهم أسياد عليها ومنطق "الاستعلاء" سيساهم في إعطاء حق الغلبة والسيطرة لشعب على حساب شعوب أخرى باسم المقدّس. فهل العنف التوراتيّ هو وليد أوضاع تاريخيّة واجتماعيّة وسياسيّة أم هو عنف مقدّس؟

إنّ الوقوف على التعاليم التوراتيّة اليهوديّة تبين أنّ إلههم" يهوه" يعلّم شعبه المختار العداء لبقيّة الشعوب ويثير فيهم كل أشكال العنصريّة والعصبيّة والاستعلاء والكراهيّة والتطرّف الذي هو سبيل من سبل العنف. لتبلغ الدّعوة التوراتيّة ذروة التطرّف والعنف حين تحض على استباحة دم الأمم والشعوب واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم وأطفالهم وشيوخهم وحتى دوابهم إذ يخاطب الرّب شعبه اليهودي على لسان نبيّه صموئيل الأول 15/3 :" فأذهب الآن وهاجم عماليق واقض على كلّ ماله. لا تعف عن أحد منهم بل اقتلهم جميعا رجالا ونساء وأطفالا ورضّعا، بقرا وغنما، جمالا وحميرا."

فالنصوص التوراتيّة حافلة بالشواهد التي تؤكد على التربيّة العدوانيّة التي ترتكز على فعل العنف والقتل والترهيب بمعنى الإرهاب الذي يتحول بفعل هذه التعاليم إلى طقوس وشعائر دينيّة مقدّسة يمارس بها ومن خلالها اليهود فعل تطرفهم وعدوانيتهم تجاه الأمم الأخرى بأمر من الرّب أو بتكليف منه لقوله في كتاب صموئيل الأول 15/18:" وكلّفك بمحاربة عماليق والقضاء عليه قضاء مبرما."

و أمّا ما ورد في رسالة النبي إشعياء 48/22:" أما الأشرار فلا سلام لهم يقول الرّب."إذ تستخدم هذه النصوص كما لو أنها صكّ ملكيّة شرعية" صادرة عن يهوه صاحب الوحي الإلهي عند اليهود لأنهم الأولى بهذا التكليف وفقا للوعد المبرم مع النبي إبراهيم لتصفية الأغيار "الجوييم" وتنقيّة الأرض من فسادهم الذي أغضب الرّب إلههم من جهة ومن جهة أخرى محاولة ضمان المصالحة من جديد مع الرّب إلههم ورتق الفتق الذي أحدثه أبا الخليقة الأول مع زوجه حواء. أي شرعية أو شرْعنَةٍ يتحصن بها فعل العنف في العهد القديم؟ مع تعدد التفاسير والمبررات التي أوجدها أحبارهم ومفسريهم لتلك الأفعال الوحشيّة الدمويّة أخذت النزعة الإرهابيّة وإيديولوجيا العنف والعدوان تجاه الأخر تتأصل فيهم وتنضج وتتجه نحو التصلّب لتصبح جزءًا من النسيج التكويني والمعرفي للشخصيّة اليهوديّة.

فتعددت بذلك السرديات التوراتيّة لقصص الحروب التي خاضها اليهود تجاه الأمم عبر الأزمان وعن كيفيّة الاستيلاء على المدن وأسلوب التعامل مع أهل المدن والبلدان الذي يطغى عليه منطق "التحريم" وهو المصطلح التوراتيّ المعرّب والذي يعني الإبادة والهلاك كما ورد في سفر التثنية أو ما يسمى أيضا بتثنية الإشتراع الاصحاح 13 العددين 16-17 يقول فيه:" واجمعوا كلّ أمتعتها وكوّموها في وسط ساحتها وأحرقوا المدينة مع كل أمتعتها كاملة، انتقاما للرّب فتصبح تلاّ خرابا إلى الأبد لا تبنى بعد ولا يعلق شيء بأيديكم ممّا هو محرّم منها ليخمد الرّب من احتدم غضبه ويمنحكم رحمة." ولكن أي رحمة تعطى ملوثة بالدماء الأنفس البشريّة نساء وأطفالا شيوخا وشبابا مرضى وأصحاء؟ أي ذنب اقترفوه؟ لم قتل موسى ويشوع وصاموئيل وداوود أهل كنعان حسب ما جاء في توراتهم؟

ذنبهم الوحيد أنهم استقبلوهم بعد أن تاهوا في الأرض هاربين من عذاب فرعون ذنبهم الوحيد حسب الفكر اليهودي أنهم لم يخلقوا أبناء يهوه ذنبهم الوحيد أنهم أغيار حرموا بتكليف من يهوه اليهود على يد قوم ناقمين.

استعمل لفظ التحريم وفق درجات متفاوتة في كتاب يشوع المتضمن للإبادة الجماعيّة التي أمر بها الله قائده العسكري والروحي يشوع خليفة موسى ليقوم بها في عدة جماعات وقرى ومدن وبلدان لتطهير الارض منهم ولتربيتهم. ومن تلك المدن الذي أنزل بها الفساد مدينة اريحا كما ورد ذكرها في كتاب يشوع 4/13 يقول :" فكانوا نحو ألف جنديّ متجرّدين للقتال عبروا أمام الرّبّ للحرب إلى سهول أريحا.

ولم تسلم منهم مدينة عاي كما ورد في الإصحاح (6: 17-21) "اجعلوا المدينة وكل ما فيها محرّم للرّبّ (...) ودمّروا المدينة وقضوا بحدّ السّيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ حتّى البقر والغنم والحمير." وكذلك يشوع (8:24) "ثمّ أتيت بكم إلى أرض الأموريين المقيمين شرقّي نهر الأردن فحاربوكم، غير أنّي أسلمتهم إليكم فامتلكتم أرضهم وأبدتهم من أمامكم." إضافة إلى مجموعة من المدن والقرى الأخرى التي استولى عليها يشوع وأقام فيها إبادة جماعيّة كما ورد في الإصحاح 10: 28 /41 (أنظر الكتاب المقدس ص 290-291) وبلدة حاصور (الإصحاح 11: 20)" لأنّ الرّب نفسه هو الذّي قسّى قلوبهم لخوض الحرب ضدّ إسرائيل ليدمرهم الإسرائيليّون ويفنوهم من غير رأفة كما أمر الرّب موسى." أما ما فعله في العناقيون ومدنهم فكان الإصحاح 21 العدد10/ 11 شاهد على ذلك في قوله."أخذ أبناء هارون من عشائر القهاتيّين اللاّويّين قرية أربع أبي عناق المعروفة بحبرون في جبل يهوذا مع مراعيها المحيطة بها".

هكذا طبق يشوع بن نون أوامر الرّبّ يهوه في حق الشعوب الأخرى دون أن تأخذه بهم رأفة ولا رحمّة هم أنبيّاء القدوّة والقوّة لبني إسرائيل والقادة العسكريّين ورموز البطولات العسكريّة إذ أنّ عبارات القتل والإفناء والاستئصال تتكرر بصفة عادية داخل الأسفار التوراتيّة عند كل سرد لوقيعة أو احتلال لمدينة إذ يعدد عهدهم- العهد القديم- عدد الملوك الذين قتلهم يشوع بن نون وأباد شعوﺑﻬم فيقول في إصحاحه 12/24 "جميع الملوك واحد وثلاثون." لكل من بلاد الحثّيّين والأمورييّن والكنعانيّين والفرزيّين والحّوّيّين واليبوسيّين (أنظر يشوع 12/8).

هذا التراث التوراتيّ الحافل بكل أشكال العنف والكراهيّة يشرع إلى العنف والتطهير إذ يطوّب كل من يفعل هذا بأمر الرّب كما ورد في مزمور 137/9 :" طوبى لمن يمسك صغارك ويضرب بهم الصّخرة."و ملعون كل من أمسك يده عن الدّم والسيف كما ورد في كتاب ارميا48/10:" ملعون من يقوم بعمل الرّب متهاونا وملعون من حظر على سيفه الدّم." فماهي العلاقة التي يؤسس لها الفرد المُعْتَقِدْ بين العنف والمُعْتَقَدْ؟

إنّ ما اتخذته الجماعة اليهوديّة من أعمال وحشيّة في أحلك أيامها وأقساها تجاه الإنسان تعتبر من الأعمال التطهيريّة ذات طابع قدسي في مرجعيتها الفكريّة والإيديولوجيّة لأن لها مبرراتها وغاياتها الشرعيّة التي شرعت لها القيام به ألا وهو التقرّب إلى يهوه زلفة ودرء غضبه ونصرته على القوم الوثنييّن، وفقا لما ورد في سفر التكوين أو ما يسمى أيضا بسفر الخليقة والذي أخبر فيه يهوه نبيّه إبراهيم أنّ نسله سيبقى أربع مئة سنة في أرض غريبة وبعدها سيعودون إلى أرض كنعان لأن شرّ الأموريّين والكنعانيّين لم يكتمل بعد (أنظر التكوين15: 13/15)7 .

تعددت الآيات المحرضة على العنف في العهد القديم بدءً من سفر التكوين 16: 12 (وَ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا يُعَادِي الجَمِيعَ والجَمِيعَ يُعَادُونَهُ، ويَعِيشُ مُسْتَوْحِشًا مُتَحَدِيًا كُلَ إِخْوَتِهِ)8 وما ورد في سفراللاويين (20/9)9 وسفر العدد(31- 2) والكلام هنا موجه إلى موسى بإنتقام :" قَالَ آلرَّبُّ لِمُوسَى اِنْتَقِمْ مِنْ المَدْيَانِيّينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ."10 وسفر التثنية (11/23،14/2) وما ورد في كتاب يشوع بن نون الإصحاح (11: 10-12) "وَ قضوا فيها على كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. فلَمْ تيبْقَ حيًّ. وَأَحْرَقَوها بِالنَّارِ. واسْتَوْلَى يَشُوعُ كُلَّ مُدُنِ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ وَجَمِيعَ مُلُوكِهَا وَضَرَبَهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمَهُمْ كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ11 .

وكذلك سفر صموئيل الأول الإصحاح (15- 3) " فَاذْهَبْ الأن وهاجم عَمَالِيقَ وآقض عَلَى كُلِ مَالِهِ ولاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً طِفْلاً وَرَضِيعاً، بَقَراً وَغَنَماً، جَمَلاً وَحِمَاراً وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيّا، وحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ12 " وفي دائما في نفس السفر يحرض الرّب إلههم على القتل ويستجيب بني اسرائيل للأمر كما ورد في الإصحاح 15 العدد20:" فَأَجَابَ شَاوُلْ قَدْ أَطَعْتُ أَمْرَ آلرَّبْ ونَفَذْتُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ بِهِ وأَسَرْتُ أُجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وقَضَيْتُ عَلَى شَعْبِهِ."13 وسفره الثاني(12/31) وسفر النبي المتأخر عزرا (269) وفي كتاب النبي إشعياء (66/16، 48/22) والنبي ارميا (48/10) وفي سفر النبي حزقيال9:5-7 قال" أُعْبُرُوا فِي المَدِينَةِ خَلْفَهُ وآقْتُلُوا لاَ تُتَرَأَفْ عُيُونُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ, وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَـابْتَدَأُوا بِـالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ. وَقَالَ لَهُمْ: نَجِّسُوا الْبَيْتَ, وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا. فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ".14

و ما ورد أيضا في سفر المزامير، المزمور 137: 8-9" يَا بِنْتَ بَابِلَ الْمُحَتَمِ خَاراَبُهَا طُوبَى لِمَنْ يُجَازِيكِ جَزَاءَكِ الَّذِي جَازَيْتِنَا، طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ صِغَارَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ."15 وفي سفر أخبار الأيام الأول (20: 2-3) وسَلَبَ أَيْضًا غَنِائِمَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ الوَفِيرَةِ وأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِينَ بِهَا وَنَشَرَهُمْ بِمَنَاشِيرِ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسٍ. وَهكَذَا صَنَعَ دَاوُدُ لِكُلِّ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وكُلُّ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ."16 يا لبساطة هذا العمل وإنسانيّته ،أخرجهم ثم نشرهم ثم قطعهم كلهم وكل مدن بنى عمون ثم عاد أدراجه لأورشليم. وانتهاء بكتاب النبي المتأخر هوشع (13/16)

يعتقد اليهود اليوم بجميع أطيافهم أنّ موسى قد وضع لهم أسس التقاليد العسكريّة الإسرائيليّة التي سار عليها فيما بعد بقية الأنبياء الأول كيشوع بن نون وصموئيل والأنبياء المتأخرين كإشعياء وإرميا وحزقيال ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجاي وزكريا وملاخي. وإن هذه الفكرة التي يعيشها اليهودي اليوم ويرتكب من أجلها العنف والفساد في الأرض من إزهاق للأرواح البشرية التي كان ثمنها الموت كعقوبة لكل نفس أزهقت باطلا في جميع الأديان السماوية كما ورد في مزمور داود 5/6 :" وتهلك الناطقين بالكذب لأنك تمقت سافك الدّماء والماكر".

كما تكلّم أيضا سليمان الحكيم حول الأمور التي يبغضها الرّب ومن تلك الأمور القتل لذلك أوصى "لا تقتل" (أنظر سفر الخروج 20/13). كما أدانه يهوه منذ البداية في سفر التكوين ووصف كيفية تردي حال الإنسان على أرض الخطيئة فيقول في سفر التكوين الإصحاح 6 العدد 5 ورأى الرّبّ أنّ شرّ الإنسان قد كثر في الأرض وأنّ كلّ تصوّر فكر قلبه يتّسم دائما بالإثم." لذلك يتضح بأن العنف والقساوة هما من حقائق الروح البشريّة ودواخلها النفسيّة العدوانيّة فهي روح طواقة للعنف منذ بداية سقوطها على الأرض (قتل قايين هابيل). لقد كوّن سفر يشوع العقليّة اليهوديّة المعاصرة هذا النصّ المؤسس الحاضر بكل تفاصيله في الذهنيّة اليهوديّة يلعب دورا حاسما كوحي في قيادة غريزة العنف لديه نحو الآخر المختلف دينيَّا وعقديَّا وجغرافيَّا وتاريخيَّا.

إنّ محاولة استنطاقنا للنّص التوراتي الذي تحوّل إلى ثقافة تشرعن للعنف إذ لم تكن اليهود في حاجة إلى تطويع النصّ وتأويله في مستوى التعامل مع الآخر إذ لا يمكن لأي نصّ توراتي أن يفصل عن معناه الحرفي لأنه واضح جليّ في اعتقادهم ليس في حاجة إلى تفسير.

فالعنف عندهم وفي كتابهم قد انطلقت شرارته منذ لحظة الخلق عندهم كما جاء في سفر التكوين تبدأ بعنف حين وجه العنف ضد آدم هوعنف الإمتحان الذي لحقه الفشل ثم قوّة العقاب ثم التصعيد في الموقف بالطرد والحرمان من جنات الخلد ثم بعد ذلك تتالى سلسلة العنف مع أبنائه بدءا من قايين وهابيل، ثم عنف التمييّز الإلهي بين أبناء آدم إلى أي حد يمكن للنصّ التوراتي أن يتمادى في الشرعنة الإلهيّة للعنف المخلوق للعنف الإلهي لما تحمل رفقة قبل الولادة يبشرها الربّ بأن يكون هناك شعبين الواحد عبدا (عيسو ويعقوب) سفر التكوين العدد 24 للآخر هذا الحكم الإلهي الذي لا ردّ فيه في الإعتقاد اليهودي أيديولوجيا العنف المشرعنّة ربانيا هذا التمييّز يتحوّل إلى ايديولوجيا عنصرية ضد الأخر في نبؤة الربّ لها في كما ورد في سفر التكوين الإصحاح 25 العدد 23" فقال لها الرّب: " في أحشائك أمتّان، يتفرع منهما شعبان. شعب يستقوي على شعب، وكبير يُسْتَعْبَدُ لصغير." هذه إجابة الرّب على صلاة رفقة: نبوة تقول بأن يعقوب (معناه المتعقّب) أو إسرائيل سيسود على توأمه عيسو(معناه أشعر أو المكسو شعرا)17 .

والصراع بين يعقوب وعيسو منذ أن كانا في البطن والذي استمر بعد ذلك بينهما وبين نسلهما يفسره بعض الآباء على أنه صورة لذاك الصراع المستمر بين قوى الشرّ وقوى الخير في العالم، أو الصراع القائم بين نسل المرأة ونسل الحيّة. وأي اعتقاد أسطوري يرى مثل هذه التصورات لذلك تواصلت صوره مع العهد الجديد حينما قال"ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا"(متى 34:10) ويلقي نارًا (لوقا 49:12).

حكم على عيسو قبل أن يظهر إلى العالم أن يكون في المخيّلة اليهوديّة رمزا للعبوديّة وتوّج يعقوب من الربّ بأن يكون دائما له الحكم والملك وأن يكون نسله المختار" هذه العبارة كما وصفها الدكتور عبد الوهاب المسيري هي شعلة العنف النظري الذي تشكل في المخيّلة القوميّة لليهود. " ففي البداية كان ثمّة قتل تأسيسي، كانت هناك ضحيّة مثّلت أداة ناجعة لمخادَعة العنف ومخاتلته من أجل تحييده. يتعلّق الأمر بحلٍّ مكّن من الخروج من دائرة العنف المدمّر. كان لابدّ إذن من تكرار ذلك الفعل أي القتل التأسيسي الأوّل وبالتالي تكرار فعل التضحيّة."18 عبر التاريخ.

إنّ عودتنا إلى النّص التوراتيّ ليست الغاية منها الهجاء أو تأويل ما ورد في العهد القديم أو فك رموز مبهمة ولا هو محاولة لإلقاء درسا في اللاهوت بل هو بحثاً عن الأسباب التاريخيّة لظاهرة العنف المؤصل في العهد القديم تجاه الإله وتجاه الأنبياء وتجاه الإنسان. فهذا العمل لا يمكن اعتباره تفسيراً للظاهرة بقدر ما يمكننا اعتباره بحث في الأصول التبريرية التي يستند إليها اليهودي في فعل القتل بغض النظر عن مشكلات التحريف والإضافة في صلب النصّ المؤسس بالصيغة الشفويّة أو كتابيّة منها. كما أنّ أنثروبولوجيا المقدّس التي تنطلق من مسلّمات أو من افتراضات مسبّقة حول الإنسان: وإعطاء تحديدات في كينونته على أساس أنه كائن أومخلوق شرّير وسيّء الطبيعة ومنحرف وفاسد وليس العنف المسلّط منه إلاّ مظهراً تتجلّى من خلاله تلك الطبيعة العدوانيّة. إذا كان العنف قد ميّز العلاقات بين الربّ والإنسان منذ البدء فقد تحدّدت تبعا لذلك علاقة أنبياء اليهود ببقية جنسهم إذ مارسوا العنف" موسى في مصر والمديانيين ثم يشوع في غزواته ومساندته للرّب في السيطرة وتنفيذ حكم القصاص من الوثنيين الجبابرة"

قد أضحى قَدَراً وأمرا محتّماً على شعب بني إسرائيل إلى أن غدا" العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلوليّة الوثنيّة مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا الشعب اليهوديّ في نشأته جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيهـا "رايات اليهـود مرتفعـة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهوديّ بهما يوم السبت.

هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك لأجدادنا الأوائل... إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر." 19

 

خاتمة

أليس من الضروري اليوم والعالم يعجّ بالعنف ولم يعد للإنسان القدرة الكافيّة للسيطرة عليه أمام تعدد أشكاله وأسبابه وحتى نتائجه. إذ غدا كما ما يمكن أن نطلق عليه بالقوّة الظلاميّة التي لا يمكن ردعها والسيطرة عليها بسهولة. فهو كالوباء المتفشي في جسد دون مناعة أو لنقل أغتيلت من طرفه دون مقاومة. كما أغتيل الشعب العربي" في مذبحة دير ياسين عام 1948 20 وكفر قاسم وبحر البقر وأبو زعبل وداعل وصبرا وشاتيلافي بيروت عام 1982 ومجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل ومجزرة المسجد الأقصى في القدس ومجزرة قانا وتدمير مدينة القنطرة المصريّة والقنيطرة السوريّة و450 قرية ومدينة فلسطينية"21 .

هذا ما فعلته قبلهم الجماعات اليهودية كما أخبر عنها ألبيرتو دانزول" هناك أربعة مجموعات عشائرية في أصول الاتحاد العبراني هذه المجموعات الأربعة تتعلق بالآباء الاربعة: ابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف/ اسرائيل استقروا تدريجيا في كنعان. فالمجموعة المتحدرة من ابراهيم سكنت جبل يهوذا غير بعيد عن حبرون والمجموعة المتحدّرة من يعقوب وتعود أصولها إلى شمال الرّافدين لم تدخل كنعان تماما إلاّ في القرن الثّالث عشر قبل عصرنا، لتستقرّ في منطقة مدينة زيشم حيث ذبحوا أهاليها."22

كأن التاريخ يعيد نفسه من القرن الثالث عشر إلى مذبحة دير ياسين وهو أيضا بمثابة الدرس التطبيقي على العرب لما ورد في العهد القديم اليهوديّ. ولأن "خلف الأسباب الدّينيّة للإبادة ، تختفي دوافع أكثر دناءة وماديّة وربّما هي الوحيدة الحقيقيّة لكن لا يعترف بها فهي مقنّعة بتبريرات كبيرة وذات مستوى عال. إنها دوافع تذّكرنا بالدّوافع الاعتياديّة للغزو والنهب الأجنبي بالعنف."23 فالله قد تكلم لصالح الابادة الجماعية للأجناس ولصالح القتل. لكنه قد قال أيضا في سفر الخروج 20/13 لن تغتال ابدا. فعهدهم المقدّس لا تمنع التمويت إنما تمنع الاغتيال/ القتل، الفرق مهم لأن الشريعة تحدده إذ هي التي تحدد الحدود بين الفعلين، الجندي يميت أما المجرم فيغتال فالشريعة تغفر أو تدين تحرر أو تسجن الضمير وهكذا فإن يهوه لم يقتل الأطفال الوليدين في مصر بل أمهاتهم. فموسى لم يقتل ثلاثة ألاف اسرائيلي خونة ليهوه إنما أماتهم... فلا يقتلون لا ساحرة ولا شاذ جنسيا ولا كنعانيا ملعون دون ذنب إنما أماتوهم فالاختلاف الديني والجنسي والإثني والثقافي يبرّر الإعدام باسم الشريعة."24

أما آن الأوان بعد؟ إلى أن يعيد اليهودي قراءة موروثه الدينيّ وإعادة قراءته في العمق ونقد كل زاوية فيه علّه يظفر اليوم بالمشترك الإنساني بينه وبين جميع الأفراد من حوله، ويتخلى عن نزعته المتعاليّة والفردانية المرضية، من خلال قراءة أنثروبولوجية فلسفيّة تتماشى وروح العصر وتقدم العلوم وحاجة الإنسان إلى السلام الروحي والمعنوي على الأرض. هي قراءة تنطلق من حدود بسيطة لماهيّة الإنسان على اعتباره كائنا مدنيا له حقوق وعليه واجبات تجاه نفسه وتجاه الآخر. كائن ذو قيمة ووجوده في حدّ ذاته قيمة على اعتبارها معطى وهبة إلهيّة؟

 

عفاف المحضي

............................

هوامش

1- أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ، ابن منظور: لسان العرب، الجزء العاشر، حرف العين دار صادر سنة النشر 2003 م ص303-304

2 - أدونيس العكرة: الموسوعة الفلسفية الجزء 2 ص 625

3- حسن حنفي: الموسوعة الفلسفية الجزء 2 ص 773

4- المصدر اليهوي: والذي يسمى فيه الله (يهوه) منذ العصور الاولى للبشرية قبل ان يكشفها لموسى وقد ظهر في مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها اورشليم القدس اليوم وهو يختص في رواية القصص الواردة في سفر التكوين وسفر العدد وسفر الخروج والتثنية كما أنه يمثل وجهة نظر دينية تجاه الله إذ يصوّره في صورة حسية كأنه انسان فهو يمشي ويندم ويأكل ويزور(3-7) والتكوين (7-16) وكثيرا ما يذكر هذا المصدر البركات واللعنات حتى اصبحت من سماته كبركة ابراهيم ولعن كنعان ويرجع مصدره ربما الى نهاية القرن العاشر وبداية القرن التاسع قبل الميلاد.

5- المصدر الأيلوهيمي: سمي كذلك لأنه يسمي الله (ايلوهيم) إلى أن تمّ كشف اسمه لموسى في سيناء على أساس انه (يهوه) كما ورد في سفر الخروج (3-15) ويرجع هذا المصدر تاريخيا الى القرن الثامن قبل الميلاد أي متأخر تاريخيا عن المصدر السابق رغم اشتراكه معه في ميزة القص إلا أنه يختلف معه في مسألة تشبيه الله فهذا المصدر يعتبر الله ذات مفارقة غير مرئية ولا مدركة وإنما يتواصل معه بالملائكة التي ترسل الوحي للأنبياء. كما يهتم هذا المصدر ببعض المسائل الأخلاقية كتأدية العبادة وطاعة الله.

 

6- أنظر القلقشندي : الصبح الأعشى في صناعة الإنشاء دار الكتب المصرية 1922م.

7- الكتاب المقدّس: كتاب الحياة ترجمة تفسيرية :الطبعة الرابعة مصر الجديدة – القاهرة تم جمعه في جي-سي سنتر 1992: ص 17

8- ن.م : ص 18

9- ن.م : ص 156

10- ن.م : ص 218

11- ن.م : ص 292

12- ن.م : ص 372

13- ن.م : ص 372

14- ن.م : ص 981

15- ن.م : ص 868

16 - ن.م : ص 549

17- الكتاب المقدّس : سفر التكوين الإصحاح 25 " مولد عيسو ويعقوب" العدد 23-26 ص 31

18 - المقدّس والعنف: منوبي غبّاش، مجلة يتفكرون العدد الخامس خريف 2015 العنف والمقدّس وأنظمة الحقيقة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود ص 97

19- اليهود واليهودية والصهيونيّة : عبد الوهاب المسيري : العنف والرؤية الصهيونية للواقع أنظر http://www.elmessiri.com/encyclopedia/JEWISH/ENCYCLOPID/START/INDEX7_3.HTM

20 - كما فعل نبي بني إسرائيل داوود في القصة التي وردت على لسان صاموئيل الأول 27/ 9" وضرب داوود الأرض ولم يستبق رجلا ولا إمرأة."

21- العنصريّة والإبادة الجماعيّة في الفكر والممارسة الصهيونيّة: غازي حسين ، منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2002 ص 17

22- اليهودية والغيرية ص 41

23 - ن.م : ص 63

24 - ألبيرتو دانزول : اليهودية والغيرية ص 65

 

قائمة المصادر والمراجع

قائمة المصادر:

- الكتاب المقدّس: كتاب الحياة ترجمة تفسيريّة :الطبعة الرابعة مصر الجديدة – القاهرة تم جمعه في جي-سي سنتر 1992

قائمة المراجع:

- ألبيرتو دانزول : اليهودية والغيرية ترجمة ماري شهرستان، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية سورية- دمشق الطبعة الأولى 2004

- أبو العباس القلقشندي: الصبح الأعشى في صناعة الإنشاء دار الكتب المصرية 1922م

- عبد الوهاب المسيري: اليهود واليهودية والصهيونيّة، العنف والرؤية الصهيونية

- غازي حسين ،العنصريّة والإبادة الجماعيّة في الفكر والممارسة الصهيونيّة: منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2002 ص 17

- منوبي غبّاش: المقدّس والعنف، مجلة يتفكرون العدد الخامس خريف 2015 العنف والمقدّس وأنظمة الحقيقة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود ص 97

 

قائمة المعاجم:

أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ، ابن منظور: لسان العرب، الجزء العاشر، حرف العين دار صادر سنة النشر 2003

 

afaf almouhdiالمقدمة: حظِيت ظاهرة العنف في الفكر الديني منذ البدءْ بعناية كبرى، ذلك أنّ مسألة العنف كانت تلعب دوارا حاسما في الشرائع والأديان وفي التاريخ على مستوى تنظيم العلاقات الاجتماعيّة وتوزيع الخبرات الإنسانيّة وتحديد الأدوار السياسيّة والتجاريّة لارتباها من جهة بحياة الإنسان وصيرورة العلاقة بين المجموعات البشريّة وبعلاقة الإنسان بألهته في أيام الحرب والسلم من جهة أخرى. محاولين قدر المستطاع رفع الغموض الواقع على مصطلحي العنف والمقدّس من خلال الإشارة إلى الترتيب التفاضلي والأسبقيّة المرحليّة للعنف على المقدّس. والإجابة على سؤال لِمَ العنف أولاً وكيف صار هذا العنف فعلا مقدسا؟ وتبين آثاره على الأمم عبر التاريخ من خلال ما ورد في إصحاحات العهد القديم المشحونة بالعنف، بمعنى كيف تتحول الكلمة إلى فعل مقدّس في التاريخ؟ وكيف يبرر له عقائديا؟

 

1. تحديد المصطلحات

كأي دراسة أو بحث لا بد أولا من ضرورة تحديد المصطلح أو المفهوم وتقريبه إلى الحدّ الذي يفهم من سياق البحث في معناه. وبما أن هذا البحث تتحدد ملامحه وأهم مفاهيمه الكبرى حول مصطلح العنف ومصطلح ثان هو المقدس. فماهو مفهوم العنف؟ وماهو مفهوم المقدس؟و كيف فهم فعل العنف في إطار المقدّس؟ ما العلاقة بين العنف والمقدّس في العهد القديم؟ كيف نرى العالم اليوم في ظل هذا المفهوم؟

تثير كل من الكلمات التالية معنًّا ما في الذهن عند سماعها أي التصوّر الذهنيّ لتلك المفردة أو اللّفظ ثم تتوضح العبارة لغويا وهو المعنى الذي يكتسبه بحكم الوضع اللّغوي القديم في اللّسان العربي الفصيح كما ورد في لسان العرب:

أ‌. العُنْفُ: La violenceهو الخرق بالأمر وقلّة الرّفق به، وهو ضدّ الرفق. عَنُفَ به وعليه يَعْنُفُ عُنْفًا وعَنَافَةً وأَعْنَفَهُ وعَنَّفَهُ تَعْنِيفًا، وهو عَنِيفٌ إذا لم يكن رفيقا في أمره 1 . أما من جهة دلالته الاصطلاحيّة: فهي متعددة، ومنها: الانتهاك والتعدي على الغير وإلحاق الضرر به، باليد أو باللسان أو بالفعل ،" وهو فعل يعمد صاحبه إلى اغتصاب شخصية الآخر وذلك باقتحامها إلى العمق ويرغمها في أفعالها وفي مصيرها منتزعا حقوقها أو ممتلكاتها أو الاثنين معا. وينطبق هذا المفهوم على جميع أنواع الكائنات ودرجاتها نزولا من الإنسان إلى الحيوان إلى الأشياء، غير أنّ الأرجحية في قراءة ظاهرة العنف الحقيقي تكون أجدى بقصره على المجال الإنساني حيث يكون آذاك معنيا بضمير الانسان إرادته ومسؤوليته، يعني الأسس التي تعطي للفعل- فعل العنف – معناه."2 في شكل أعمال منافيّة لأحكام نظام التعايش والذي تتخذ منه وعبره مجموعة من الأشخاص أو الجماعات كانت قد أضافت إلى عقائدئها الدينية أكثر مما تحتمل مشافهة أو كتابة ، وسارت وفقها وبمقتضاها تصديقا لها في أحقيتها وسلامة منبعها المقدّس عبر التاريخ وتصرفوا وفقها وعبر أليّات وأقبية العنف، ليتحول الدين إلى مطيّة لممارساتهم العنيفة تجاه غيرهم ومكتسب للشرعية.

ب‌. المُقدَّس Le sacré: فقد ورد في معجم «العين» للفراهيدي (ت175هـ) الذي يعتبرأول المصادر اللّغوية التاريخيّة التي تشير إلى اكتمال هذا مفهوم. إذ يقول في تعريفه له:(قدس: القُدْسُ تنزيهُ الله، وهو القُدّوس والمُقدَّس والمُتَقَّدِّس). لم يتجاوز هذا المفهوم عند العرب والمسلمين دائرته الدلاليّة اللّغوية.

و لكن نجد لهذا المفهوم دلالات مفاهيمية أخرى في المنظومة الفكريّة الغربيّة الحديثة فقد ارتبط تحديد المفاهيم بنوعيّة القراءة التي تناولت دراسة هذا المفهوم إذ يتسع مفهوم المقدّس ليشمل العديد من المعاني وتتنوع تعريفاته مع تنّوع المجالات والتخصصات التي تدرسه على نحو يعسر تحديد مصطلح دقيق له لأن مثل هذا المفهوم يدخل ضمن شبكة مفهوميّة واسعة ويتغلغل في صلب نظّام معّقد من المراجع والإحالات المتكوّنة من أحكام قيميّة وفلسفيّة.

إذ يمكن أن نعرف المقدّس بحسب التعريفات البسيطة " بأنه في مقابل الدنيوي، أو ما يمكن أن يتخذ شكلا مقابلا للمدنّس" كما يمكننا أن نطلق عليه تعريفًّا أكثر دقّة مما سبق ذكره وهو تعريف من صلب علم الاجتماع كما عرفه تالكوت بارسونز Talcott Parsons عندما أراد إعادة صياغة نظريّة دوركهايم David Émile Durkheim في كتاباته الخاصة إذ قام باستبدال مفهوم المقدّس بمفهوم جديد حدده بلفظ "الخارق للطبيعة" في مقابل القراءة التي قدمها مرسيا إلياده Mircea Eliade ذات البعد الفلسفي والتاريخي للدين فهو يرى"أن المُقدَّس هو عنصر من عناصر بنيّة الوعي تنتشل الإنسان من الفوضى إلى التنظيم عبر استجلاء المقدّس في الحياة البشرية ".

فتطورت دلالة هذا المفهوم "المُقدَّس" المرحليّة في العقل الجمعي لتمكنته من أن يكتسب عدة دلالات ومفاهيم جديدة ووفق مراحل من تطوّر العلوم والمعارف وتعدد الدراسات التحليليّة والتفسيريّة الثيولوجيّة والسوسيولوجيّة والايديولوجيّة والتاريخيّة والفلسفيّة للظاهرة الدينيّة وتنّوع حقولها المفهوميّة التي تعبّر عن هذا المفرد في أفكاره المهمة "التي يقوم عليها كل دين فكرة القداسة أو الإحترام أو الاجلال التي يعلقها الإنسان على بعض الأشخاص أو الأمكنة أو الأشياء المادية. وهو كل ما لا يمكن تلويثه أو تدنيسه، ومن هنا يأتي معنى المقدس والرجيم والملعون. وهو ماله طابع من القوة الغامضة التي تجذب أحيانا وتنفر أحيانا وفي الأحيان الأخرى تجذب وتنفر معا. وهو ما يثير في النفوس الخوف والرهبة والاحترام والخشوع الذي يبعدنا عنه ويرغبنا فيه في نفس الوقت وهو ينتج عن مجموعة من المشاعر المختلطة والمرتبطة من إندهاش والرغبة والانجذاب والفضول والتحفظ والقلق والفزع والخوف مما يجعلنا نحبه ولا نجرؤ على تناوله في نفس الوقت."3 وما يهمنا هنا من بين تلك الدراسات المختلفة والثريّة ما أثارته النصوص التأسيسيّة التوراتيّة حول مسألة عنف اللّفظ الذي يبدأ بكلمة ثم ينتهي بفعل هو "القتل" وما حملّته إياه من أبعاد مختلفة مع التطوّر الذهني والفكري للإنسان وما تمليه عليه الظروف من تجدد وتبدّل في التفسيرات والمضامين والأبعاد وجهات النظر حول المقدّس. وإنّ تطور تلك المفاهيم خاضع لتطور المجموعة البشريّة في أنماط عيشها وتفكيرها ودرجات الوصل والفصل بينها وبين المتعالي وعمق ارتباطها به واختلاف نظرتها إلى ذاك المقدّس الذي تلجأ إليه في محنها وتبرير أفعالها باخضاعها لسلطة المتعالTransversale ، الذي هو ما يحن وينجذب إليه الإنسان وينشغل به إلى أقصى حدّ ويعرّف بأنه ما يرتبط بالدين ورموزه وتعبيراته. وهو أيضا ما يقال في تعريفه بأنه مقابل كل ماهو الطبيعي أو اليومي أو العادي أو دنيويّ كما يمكن أن يستوعب المقدّس شيئا من عناصر الفضاء الدنيويّ، حين يتمدد في لحظة ما فيدمج مساحات أخرى من العناصر الدنيويّة العاديّة إليه لتشكل القالب النهائي له ليخرج في التاريخ وعبر التاريخ.

يرتبط المقدّس أو الدينّي في الكثير من نماذجه وحقوله بمجالات خارج دائرته المتداول والمتعارف عليها. لأن الفضاء المقدّس هو فضاء مفتوح وليس مغلقا يمكن أن يستوعب أشياء كثيرة من العالم الخارجي العالم السفلي الذي يعتبر عالما مقابلا ومفارقا له لارتبط العالم الثاني بكل ماهو طبيعي ومادي مدنّس وارتباط الأول إلى عالم مفارق أكثر طهرا وصفاء من عالمنا.

نعود لنبيّن العلاقة الرابطة بين مصطلحي العنف والمقدّس الوارد آنفا هو ارتباط "تفاضلي" المقصود منها تفضيل الإنسان للهجمة العدوانيّة أولا على الطرف المقابل قبل العودة إلى حكم المقدّس فيها لأنه سيبرره في مرحلة أو مستوى ثان دينيًا وبذلك يعطي للنصّ المقدّس المنزلة الثانيّة ليحوّله إلى أداة لإضفاء الشرعيّة والقداسة وينزع عنه صفة الحكم الإلهي الذي ينظم حدود هذا الفعل ويجرّمه. ولفك لغزّ التعالق الحاصل بين العنف المؤسس كفعل إجرامي بوصفه الأصل والأساس والبداية وكيفيّات نشوء المقدّس في أحضانه، محاولين تعليل مبررات هاته النشأة وأثرها على حياة الجماعات الإنسانيّة في التاريخ.

فالمقدّس داخل المنظومات الفكريّة التوحيديّة يسمى مقدّسا لارتباطه بالعلّي ولرمزيته عليه وإنّ لكل مجتمع مقدساته ولا يوجد ولا يمكن أن يوجد مجتمع من غير مقدّسات مهما كانت درجة علمانيّته (مجتمع نفاتي) لابد وأن تكون له مرجعيّة تأسيسيّة لفكره والتي تمثل إطارا يتكلم باسم المطلق وكل ماهو مقدّس مفارق. يتبين مما سلف أنّ أيّة محاولة للتعريف بهذا المصطلح المفهومي ، لا ينبغي أن تتجاهل العلاقة الوثيقة على مرّ التاريخ الإنساني، بين العنف والتمثلات أو التصورات المحيطة به، فالنقاشات الدائرة حوله سرعانما تجد مبرراتها في غياب الاتفاق الصريح والواضح حول مفهوم محدد للعنف، أو على الأقل في طابعه الإشكالي.

فالتفكير في ظاهرة العنف لا يمكن أن ينفصل البتّة عن خمس زوايا هامة تتمثل في أشكال مظاهره وحدود شروطه وغاياته التي يطمح فاعل العنف الظفر بها، وعن المواقف التي يتطلبها والإجابات التي يستدعيها، فكل تعريف يلائم سلماً من القيم والمعايير الثقافية، وينطلق من سلوكات سائدة مقبولة أو مرفوضة اجتماعياً وثقافياً.

هذا الطابع الإشكالي الذي يدعونا إلى تحديد مجال مساهمتنا من خلال تعيين وضعيّة العنف من داخل المقدّس"العهد القديم" والتي نسعى إلى تحديد منابعها والأسس التي انبنت عليها بمختلف تجلياته وأبعاده، لدى فئة اتخذت من العنف سبيلا وأداة للإستيطان بين الشعوب والأمم وهي فئة اليهود بني إسرائيل.

 

2. عنف تجاه يهوه4 أو إيلوهيم5 :

يحدد العهد القديم جملة من الأعمال والأقوال التي تنسب إلى الله منها:

• التشابه بين الله والإنسان في الصورة والشكل: ما ورد في سفر التكوين الإصحاح الأول العدد 26 : نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. وفيه أن الله قد صوّر الإنسان على صورته كمثاله فهو شبيهه في الخلقة والشكل أو المظهر وحاشى أن يتشبه الخالق بالمخلوق في الصفات

• الله ينهكه العمل في خلق السماوات فيتعب ويرتاح أو يأخذ وقتا من الراحة ليستعيد نشاطه من جديد كما ورد في سفر التكوين 2:2 وانتهى الله في اليوم السابع من عمله الذي عمله في اليوم السابع من كل عمل الذي عمله

• الله يمشي كالإنسان فيسمع وقع خطاه في الجنة كما ورد في سفر التكوين3: 8-10 أيضا:"فسمعا وقع خطى الرّب الإله وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار فاختبأ الإنسان وإمرأته من وجه الرّب الإله فيما بين اشجار الجنة فنادى الرّب الإنسان وقال له أين أنت قال إني سمعت وقع خطاك في الجنة فخفت لأني عريان فاختبأت." (وهنا كانت اللّحظة القادحة في التاريخ السقوط لحظة معرفة آدم أنه عريان ولحظة معرفة الله أنّ آدم أصبح يمتلك المعرفة بعد أن أكل من شجرة المعرفة وكأن الله لا يعلم شيئا إلا بعض الاشياء أو المعرفة عن طريق الصدفة أو الإعلام من الغير)

• الله يخدم سيدنا نوح فيغلق عليهم باب السفينة التكوين7: 16: والداخلون دخلوا ذكورا وإناثا من كل ذي جسد كما أمر الله نوحا وأغلق الرب عليه باب الفلك (الرّب هنا يقوم بدور الخدمة لنوح ويغلق الباب عليه في السفينة)

• الله ينعم بالرضى من الإنسان كما جاء في التكوين 7 : 21 : فتنسم الرب رائحة الرضى (هل الله يرضى عن نفسه أم الله الذي يرضى على عباده)

• الله لا يعلم صنع الإنسان: التكوين 11 : 5 فنزل الرب ليرى المدينة والبرج اللذين بناهما بنو آدم (مدينة بابل وبرجها)

• الله لا يستطيع التمييز بين بيوت بني اسرائل وبيوت المصريين فيأمرهم أن يمييزوا بيوتهم بعلامة من الدم كما ورد في سفر الخروج الإصحاح 12 العدد 21-23 : فدعا موسى جميع شيوخ اسرائيل وقال لهم : اقطعوا وخذوا لكم غنما بحسب عشائركم واذبحوا الفصح ثم تأخذون باقة زوفى وتغمسونها في الدم الذي في الطست وتمسون عارضة الباب القائمتيه بالدم الذي في الطست ولا يخرج أحد منكم من باب منزله."

• تشبيه صورة الله بقرون الجاموس والأسد واللّبوة: سفر العدد 24: 8-9 :" إنّ الله الذي من مصر يخرجه هوكقرون الجاموس له جثث أعدائه يفترس عظامهم ويحطّم وبسهامه يضرب جثم وربض كالأسد وكلبوة فمن ذا يقيمه."

• مخادع يتحيّل على شعبه: كما ورد في ارميا 4 :10 " فقلت أه يا سيدي الرب حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب ."

• يسكن في الضباب مرة ومرة أخرى في جبل صهيون قرب القدس: (الملوك الأول 8 : 12/13) كما ورد على لسان النبي سليمان وقال الرب إنه يسكن في الضباب إني قد بنيت لك بيت سكنى مكانا لسكناك إلى الأبد." وما ورد في يوئيل 3/21 " رب يسكن في صهيون."

• يُسْمَعُ صوت زفير أحشائه كما ورد في سفر النبي إشعياء 63/15 قال :" زفير أحشائك ومراحمك نحوي امتنعت."

• إله يعقوب ينزل ويصعد معه من إلى مصر: أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أصعدك أيضا." كما ورد في سفر التكوين 46/4

• تشبيهه ببعض الحيوان خاصة في مستوى الأفعال الوحشية التي تنسب إليه كفعل وحشي ملتصق به كما ورد في سفر هوشع الاصحاح 13 العدد 7/8 :" فأكون لهم كالأسد أرصد الطريق كنمر أصدمهم كدبة وآكلهم هناك كلبوة."

• إلههم لا يعلم إلا بالتجربة: التكوين 1/31 : إلههم لم يكن يعلم نتيجة ما يعمل ويخلق والدليل على ذلك ورود " إذا " الفجائية فقد تفاجئ من النتيجة التي حصل عليها اثر عملية الخلق

• إله بني اسرائيل لا يعقل خلقه وهو ضعيف مهزوم أمام عبده يعقوب عند مصارعته فنيئيل (معناه وجه الله) كما قصها سفر التكوين الاصحاح 32: 24/28" وبقي وحده صارعه إنسان حتى مطلع الفجر وعندما رأى أّنّه لم يتغلّب على يعقوب ضربه على حُقِّ فخذه، فانخلع مفصل فخذ يعقوب في مصارعته معه فقال "أطلقني لقد طلع الفجر" فأجابه يعقوب "لا أطلقك حتّى تباركني" فسأله ما اسمك؟ فأجاب يعقوب." وكأننا بقصة خيالية الله يهزم أمام عبده ولا يعرف اسمه ويستنجده ليطلق صراحه قبل بزوغ الفجر فهو لا حول له ولا قوة على تخليص نفسه من بين يدي يعقوب العبد النبيّء فكيف سخلص عباده المؤمنين بخلاصهم على يديه من الخطيئة. قصص غريبة تمس بقدسية الله ولا تحترم ذاته وتلصق به التهم والتشابيه التي ليست من ذاته ولا صفاته فهو الذي يقتل ولدي هارون الكاهن لأنهما قدما بخورا على نار غريبة وشتت شعبا أراد أن يبني برجا ومحتاج إلى سياف حارس يحرس له طريق الجنة خوفا من خيانة عبد آدم الذي أصبح ممتلكا للمعرفة بعد أكله من شجرة المعرفة ويشتكي إلى صاموئيل لأن شعب اسرائيل يريد أن يكون له الملك والحكم ويعتبر ذلك تحديا له. وهو محتاج إلى النصيحة من النبيء موسى لكبح غضبه والعدول عن الانتقام وضبط النفس كما قصه سفر الخروج 32: 10/14 " والأن دعني وغضبي المحتدم فأفنيهم، ثمّ اجعلك أنت شعبا عظيما." فابتهل موسى إلى الرّب وقال لماذا يحتدم غضبك على شعبك الذي أخرجته من ديار مصر بقوّة عظيمة وذراع مقتدرة؟ لماذا يشمت فينا المصريين قائلين" لقد احتال عليهم الههم فآخرجهم من ههنا ليهلكهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. فارجع عن حموّ غضبك ولا توقع هذا العقاب بشعبك... فتراءف الرّب ولم يوقع العقاب الذي توعّد به." إن كان هذا حال فعلهم وقولهم تجاه الخالق فكيف هو حال أنبيائهم ومرسليهم؟

 

3. عنف ضد الأنبياء:

شوهت بني اسرائيل صور أنبياء الله وسيرتهم بأفعال ليست من أفعال الأنبياء والصديقين فألحقت بهم كل فعل نجس دنس والصقت بهم كل صفات الشرور والاحقاد والمكر على الله وعلى بني جنسهم من ذلك:

أ‌. نوح : التكوين 9: 20/27 : شرب من الخمر فسكر وتعرى فأبصر حام أبو كنعان عورة ابيه وأخبر اخويه خارجا... فلما استيقظ نوح من خمره ... قال ملعون كنعان." كيف يلعن كنعان وهو الذي لم يبصره ولم يخلق في ذاك الوقت ومن أبصره هوابو كنعان حام وهو مازال صغيرا وقتها وما هذا التلاعب بالأسماء واللعن الذي وجه إلى كنعان هو حقد دفين على أبو العرب قبل أن يخلق لكي يكون مبررا لقتلهم فاختاروا ان يكون اللاعن الأول لهم نوح عليه السلام.

ب‌. لوط : اتهموه بالسكر والزنا بابنتيه كما ورد في سفر التكوين قصة خطيئة لوط وابنتيه (19: 30-37) اللتين اسكرتاه واضطجعتا معه فولدت الكبرى من اباها ولدا دعته موأب ومعناه من الاب وهو ابو الموأبيين الى اليوم أما الصغرى فولدت ابنا ودعته بن عمي ومعناه ابن قومي وهو أبو بني عمون الى اليوم.

ت‌. هارون : اتهموه بالشرك وصناعة العجل (الخروج 32: 21/29) وخيانة الرب(التثنية 32/51)

ث‌. موسى : جعلوه قاتلا للناس (التثنية 20/1) و(العدد 31: 17/18) ومستعبدا لهم (التثنية 20: 10/11) كما جعلوه في قصصهم مغضوب عليه من الله وهم الذين غضب الله عليهم وهو الضالين كما ورد في (التثنية 32: 51)

ج‌. داود : جعلوه كالنبي موسى قاتلا مستحلا للدماء كما ورد في أخبار الأيام الأول 28: 3/6 وما فعله من تنكيل ومجازر ببني عمون كما ورد في صاموئيل الثاني 12/31 حتى أنّ الله لم يقبل منه مهمة أن يبني هيكله بل أوكلها إلى ابنه سليمان لأن الله غاضب عليه كما غضب على النبي موسى كما ورد على لسان النبي صموئيل الثاني العدد 12: 10/13 كما رجموه بتهمة الزنى مع جارته صاموئيل الثاني 11 وأبناءه ايضا زناة فهاهو أبشالوم يزنى بأخته ثامارا (صاموئيل الثاني 13) واتهموا زوجته بعبادة الأصنام (صاموئيل الأول 19/13) .

اتهامات متعددة موجهة للنبيّ داود وأهل بيته من قتل وزنى وزنى المحارم وعبادة للأصنام. فالعنف المسلّط تجاه عنفان عنف الفعل وعنف القول. فهذه العنصريّة القوليةوالفعلية بصفتها عقيدة من البديهي أن تصبح ايديولوجيا لها جذور وتحارب فئة من اليهود بها ومن أجل تطبيق شريعتها الأمم الأخرى على اعتبارها عقيدة مقدّسة وسليمة من سير الأنبياء في العهد القديم إذ أننا قد بينا أنّ أنبياؤهم قد عبروا عدة مرات في نصوص العهد القديم عن رغبة وحشية في الإفناء بعض المجموعات البشرية افناء مرعبا دون أن تأخذهم بهم رحمة على اختلاف فئاتهم العمرية رضعا وأطفالا شيبا أم شبابا شيوخا أم نساء. فالارتباط الأمم بهذه الأيديولوجيات العرقيّة منها أو الدينيّة، إنما هي تضع نفسها في مقام المحكوم عليه شرطيا والخاضع إلزاميا بأن يكون مرتبطة بسرديات كبرى تختلف حدودها الزمنيّة إما تقاربا أو تباعدا تعاضدا أو تقابلا بحسب اختلف غايات وعقول وأفكار أحبارها القريبة والبعيدة والتي ساهمت في تحوير وتوظيف النصّ المؤسس حسب ما تقتضيه الحاجيات الزمنيّة والأغراض التاريخيّة والحضارية لها. لترتبط عبر الزمن بالمقدّس وتصبح نصّا مؤسسا لقوانينها وشرائعها وتعدّها من مكونات هويتها الخاصّة، وإنّ كلّ مساس بهذه الهويّة الدينيّة سيؤدّي ضرورة إلى تغذية تلك المجموعة الإنسانيّة التي تشترك أو تنضوي تحت هذه الدائرة أو المجموعة الدينيّة الواحد بالعنف تجاه الأخر، هو عنف يتفجر عند أول اختبار أو مواجهة من أجل إثبات ملكيّة أو انتماء دنيويّ(الأرض مثلا).

يضاف إلى كل ذلك بعض التفسيرات الضيّقة للدين التي تشحن الشخص التوراتي بفكرة رفض الآخر المختلف عقائدياً، اذ توهم أتباعها بالتفوق وتتهم الآخرين بالدونيّة والأنيّة العنصرية المرضية المبطنة بدوافع الحقد والكراهيةتجاه الآخر، باسم القانون الإلهي المقدّس أو بآسم التفوّق والنقاء العرقي (أبناء الله، شعب الله المختار وفق العهد الذي أعطاه يهوه إليهم) انتهكت بعض الجماعات الأصليّة، ودنّست وسلبت منها خصوصياتها وهوياتها وجرحت كرامتها الجوّانية، وتزعزعت العلاقات بينها وبين المنتهك باسم الرّب وبذريعة الأحقيّة الشرعيّة في الملكيّة وفي البقاء الإنساني دون سواء من الجماعات الإنسانيّة.

فالحضارات الأولى البدائيّة قد اكتنزت كمّاً هائلاً من الممارسات العنيفة التي هبّت كالأعاصير المدّمرة ضدّ الجماعات والشعوب الأخرى باسم الغزو من أجل الإيمان، تلك الحوادث التاريخيّة هي حوادث دينيّة بالأساس أو حوادث ذات مرجعيّة دينيّة بغض الطرف عن موقعها في الزمان والمكان وعن خصوصياتها بأي أمة ارتبطت وتجاه من كانت؟. فالسؤال هنا أي إيمان ينشره الغاصب القاتل: إيمان السيف أم إيمان الوحي؟ عن أي مرجعيّة إلهيّة ينتمي؟ وعن أي إله مساند له يبرر أفعاله وعنصريته؟

فالعنف تلك الطاقة الداخليّة الحبيسة في عمق النفس البشريّة. والتي إتخذت لها مُغَذْياتُ شخصيّة أو نفسيّة أو سياسيّة أو التاريخيّة أو دينيّة، وحينما تتفجر تكون ممارسة عميّاء المشحونة بالكراهية والغيرة العمياء تندفع بقوة عنيفة لتحرق كل ما يعترضها لأن العنف لا يمكن أن ينتج سوى طلاق متماد بين القيّم الأخويّة الإنسانيّة وبين منتوجات الإنسان الأنانيّة. فالكائن البشري منذ بدء الخليقة كما ليس طيبا ولا شريرا يتقلب بين هذا وذاك ، إنه متناقض فهو الإثنان معا، حمل في طيات نفسه ثنائيات متناقضة من الكراهيّة والحب، الغيرة والأنانيّة فهو لا يمكنه أن يكون طيبا إلا بفضل التربيّة وبفضل مكتسبات الحضارة.

العنف لم يتأتى من فراغ تاريخي أو زمني بل هو نتيجة تراكمات من الفعل البشريّ في الحياة الدنيا. وجوده كان نتيجة مسألة تأسيسيّة كبرى جعلت من هذا الفعل " العنف " سيرورة تاريخيّة تجسدت بصفة رسميّة وتشريعيّة في القانون الإلهيّ والأنظمة المذهبيّة واللاّهوتيّة الدينيّة عبر التاريخ.

لذلك كان هاجس الإنسان الأساس وسعيه الدؤوب منذ لحظة سقوطه على وجه الأرض تحقيق أعلى درجة من الاطمئنان والسكينة الجسديّة والروحيّة، فكان محور تقليده هو الحفاظ على ذاته من الهلاك ومن العوامل الخارجيّة التي تتهدده من الطبيعة بمختلف مركباتها وعناصرها المادية. إضافة إلى تلك التراكمات المعرفيّة والمنهجيّة حول هذا المفهوم الذي ارتبط إرتباط وثيقا بالوجود الإنساني.

فالتاريخ أعظم سجل قد دوّن للإنسانيّة على صفحاته أغرب أساليب العنف والعدوان والتعسف الفردي والجماعي تجاه الأفراد والجماعات الأخرى، والشعوب والأمم. فعل دموّي اقترفته المجموعات المتطرفة أو التي آمنت بسلوك العنف كموصل لأهدافها وتحقيق مبتغاها. إلا أننا سنحاول جاهدين دراسة العنف كظاهرة من الظواهر التي برزت على مسرح الحياة بشكل فج يستحق البحث من مختلف التخصصات.

 

4. العنف ضد الأمم الأخرى:

لئن أفتتح التاريخ البشري بالطرد من العالم العلويّ إلاّ أنّ أوّل حادث تاريخيّ يشهده بني آدم في الأرض هو الموت أو القتل. ففي نوبة من الغيرة تدفعها مشاعر الكراهيّة، قتل قايين أخاه هابيل. فالعنف حدّ الموت يمثل عمليّة من عمليات كتابة التاريخ، وهو بصورة من الصور عمليّة لتوقيع الغائب في التاريخ، وجعله حدثًا تاريخيًا يصل مرتبة القداسة في بعض الأحيان.

فالغياب الجسدي للفقيد دائما ما يجعل الإنسان الذي يبحث فيه حاضرا معه وفيه داخليًا رغم أنّ الموت قد أقام فارقا بين العالمين العلوي والسفلي. إلّا أننا دائما ما نطلب من الدين أنْ يؤل لنا ذلك الفعل التاريخي البشري ولكن بصياغة أو أسلوب فني يلعب دور المعزي لكل الآلام التاريخيّة.

فالعنف على اعتباره أول فعل أو حدث تاريخيّ وقع بعد حادثة الطرد أو سقوط آدم وزوجه "حواء" قام به الإنسان تجاه أخيه الإنسان قام به قايين Cain تجاه أخيه قابيل Abel إلا انه اكتسب صفة القداسة من القراءات والتفسيرات الدينيّة المغرقة في الغيبيات إذ ارتبط هذا الحدث العنيف بين الأخوين بالمقدّس لاعتباره الدافع الرئيسيّ التي تمّ من أجله هذا الفعل وهو التقرّب لله عن طريق (القرابين الإلهيّة)، كما ورد في سفر الخليقة الإصحاح 4: "وَحَدَثَ بَعْدَ مُرُورِ أَيَّامٍ أَنْ قَدَّمَ قَايِينُ مِنْ ثِمَارِ الأَرْضِ قُرْبَاناً لِلرَّبِّ، (4) وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضاً مِنْ خَيْرَةِ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَأَسْمَنِهَا. فَتَقَبَّلَ الرَّبُّ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَرَضِيَ عَنْهُ.(5) لَكِنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ قَايِينَ وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَتَجَهَّمَ وَجْهُهُ كَمَداً.(6) فَسَأَلَ الرَّبُّ قَايِينَ:« لِمَاذَا اغْتَظْتَ؟ لماذا تجهّم وجهك؟

هذه البداية التي ستكون بداية تراكم قوى الحقد والكره والتفكير في الانتقام في نفس قايين تجاه أخيه هابيل. اللّحظة القادحة لفعل العنف في الحياة البشرية والذي سيقودها منذ فجر بزوغها إلى سلسلة من أفعال العنف والقتل منذ لحظة قتل هابيل إلى ما لا نهاية و- أقصد بها اللحظة الراهنة التي تعاش أما المستقبل لعلّ الله يحدث فيه أمرا- . إذ أخذت بعدها النزعة الإرهابيّة وإيديولوجيّا العنف والعدوان تجاه الأخر تتأصل في الإنسان وتصوّغ لها المبررات الدينيّة والسياسيّة رغم أن بديتها هي حرب أهليّة بين أفراد الأسرة أو العشيرة الواحدة إلى أن نضجت واتسعت عبر الزمن واتخذت اشكال وطرق مختلفة.

هذا الاقتتال الأهلي اتجه نحو التصلّب والتطرّف ليصبح جزءًا من النسيج التكوينيّ والمعرفيّ والدينيّ للشخصيّة الإنسانيّة لأنه حدث تاريخي مشترك بين جميع البشر على اختلافهم العرقي والإيديولوجي في توظيف أحادي وقراءة سطحية للنصّ رغم أنّ الإسلام قد حرّم قتل النفس كما نزّل في قرآنه الكريم في سورة المائدة الآية 32 :" مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا."

لهذا الدافع وغيره أثرنا الوقوف عند بعض التعاليم التوراتيّة التي تبيّن الإله في صورة مختلفة تماما لما أشرنا إليه وهي صورة الإله الذي يعلّم شعبه من بني إسرائيل، العداء للشعوب الأخرى ويثير فيهم كل أشكال العنصريّة والعصبيّة والكراهيّة وتبلغ هذه الدّعوة التوراتيّة ذروة التطرّف والعنف حين تحض باسم الربّ على استباحة واستحلال النساء والأموال والأعراض ودماء الأمم والشعوب.

بدأ النصّ التوراتي يلعب دوره في تسيير الأفعال في التاريخ ، تاريخ اليهود الممتد لأكثر من أربعة ألاف سنة والحافل بالشواهد والبراهين التي تؤكد على التربيّة التوراتيّة العدوانيّة لليهود تجاه الأخر الذي هو بصورة أخرى "الأنا" الخارج عن منظومتهم العقدية والفكريّة، التي تتحول بفعل هذه التعاليم ودائما عبر التاريخ إلى طقوس وشعائر يتعبد فيها ويمارس اليهود من خلالها فعل تطرفهم وعدوانيتهم تجاه الشعوب الأخرى المؤمنة بالله الذي هو إلههم وإلهي وإلهك وإله كل إنسان الخالق الأول الواحد الأحد كما ورد في سفر التثنية 11: 23 /25 " يطرد الرّب جميع تلك الأمم من أمامكم فترثون شعوبا أكبر وأعظم منكم وكل موضع تطأه أقدامكم يصبح لكم فتكون حدودكم من الصحراء في الجنوب إلى لبنان ومن نهر الفرات إلى البخر الأبيض المتوسط غربا ولا يجرؤ انسان على مقاومتكم. لأن الرّب إلهكم يجعل الخوف والرعب منكم يسودان على كل الأرض"...

هل هذه الصورة التي يريد اليهود أن يضفوا عليها نزعة القداسة منذ لحظة إنبعاثها في المخيّلة العقديّة اليهوديّة هي انعكاس لمرارة العذبات التي تجرعتها الأقليّات الدينيّة اليهوديّة في الحقبة التاريخيّة الفرعونيّة ولازالت تعتبر مرضا مزمنا لا يمكن التخلّص منه في ذاكرة كل يهودي أضف الى ذلك الاضطهادات التي شهدتها عبر التاريخ بقديمه ووسيطه؟ 6

يتبع

 

عفاف المحضي

 

في لقاء جمعني بأستاذ فاضل كنتُ قد أهديته نسخة من كتابي إعادة كتابة التاريخ، الغزو المغولي للعراق أنموذجاً الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الوسط في لندن سنة 2009م(1)؛ وصدرت طبعته الثانية عنالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي مقره في طهران، سنة 2012م. وهو الكتاب الذي ناقشت فيه بالتفصيل مجموعة مؤلفين كتبوا في واقعة الغزو المغولي لوطننا، وما في بعض تلك البحوث من ضعف وأغلاط، ثم أثنيت على بحوث أخرى واقتطفت منها مقاطع تثبت علمية كاتبيها. قال لي هذا الأستاذ: يبدو أن كتابك لم يصل بعدُ إلى أيدي أساتذة الجامعات عندنا برغم نفاد الطبعة الأولى والثانية منه؛ وحين سألته: وكيف ذلك؟ ناولني مقالاً تحت عنوان احتلال بغداد (656هـ/ 1258م)، نُشِرَ في مجلة المورد التراثية في  الموضوع نفسه الذي تناولته في كتابي؛ وكان المقال بقلم أستاذينِ جامعيين هما الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود، الأستاذان في قسم التاريخ بكلية التربية الأساسية في الجامعة المستنصرية، وقد نُشِرَ في العدد الأول لسنة 2013.

كان أبرز ما يبدو واضحاً للعيان في مقال هذين الأستاذين الكريمين، أنهما استندا بكثرة إلى مراجع معاصرة وأهملا ـ بصورة أَخلَّت بمصداقية بحثهما ـ المصادرَ الأصيلة. وهذا أمر ما كنا نتوقع صدوره من أستاذين يعيشان حقاً ثورة المعلوماتية حيث يمكنهما معرفة أحدث الإصدارات في الموضوع الذي يكتبان فيه، فضلاً عن أن بعض تلك المصادر قد أغار عليها قراصنة الإنترنت فنشروها بنظام الـ (PDF)، وبإمكان الأستاذين أن يستنسخا ما هو متوفر منها بهذا النظام. بل إننا وجدنا بحثهما لم يستفد حتى من ميزة جهاز الحاسوب التي يساعد فيها على ترتيب المصادر والمراجع ترتيباً ألفبائياً (مع بعض التعديلات)، لذا فقد كتبا قائمة المصادر والمراجع في آخر بحثهما كيفما اتفق، حيث نجد مثلاً ابن واصل قبل ابن الأثير، وابن الفوطي قبل ابن العبري، وأبا العينين بعد القزاز...، وهكذا بقية القائمة. 

لقد تركَ الباحثان الكريمان التنقيب في مصادر تتبادر أسماؤها إلى الذهن حين التفكير في بحث كهذا، ونعني بذلك ما دأب كاتب هذه السطور على تسميته كتابات (المثلث الذهبي لمؤرخي بغداد)، الذين شكَّلوا ما سمَّيناه (الرواية البغدادية عن الغزو المغولي للعراق)، وهي الرواية الحقيقية التي رأى مؤرخوها الوقائع رأي العين واكتووا بنارها، وأردنا بهذه التسمية أن نميِّزها عن (الرواية الشامية/ المصرية) الزائفة التي استندت إلى الإشاعات وكُتبت بأقلام مؤرخين جاؤوا بعد الغزو المغولي للعراق بعقود، وبعضهم وُلِدَ بعده بقرون، بل لم يصلوا إلى بغداد أمثال الذهبي وابن كثير وابن شاكر والسبكي وابن تغري بردي...، ممن كتبوا حقاً أشياء مضحكة حول الغزو المغولي للعراق.

 

المثلث الذهبي لمؤرِّخي بغداد

هم ثلاثة من المؤرخين البغداديين المتعاصرين المرتبطين بروابط الرواية عن بعضهم والعمل، ويمكن أن ندعوهم بحقّ جيل عمالقة مؤرخي بغداد، وقد هُيِّئ لهم من ظروف الكتابة في المجال التأريخي ما نَدَرَ أن يُهَيَّأ لغيرهم؛ وُلِدوا في بغداد حاضرة الخلافة العباسية وعاشوا في ظل حكوماتها التي حاقت بها الأهوال، وكانوا فيها ساعة اقتحام المغول لمدينتهم ورأوا فظائع ما فعلوه فيها؛ ثم عاشوا في ظل الحكم المغولي، وماتوا ودُفنوا في أرض بغداد، بل إن أحدهم (ابن الفوطي) وقع في أسر المغول هو وأخوه خلال الواقعة؛ وهؤلاء هم:

 علي بن أنجب المعروف بابن الساعي البغدادي الشافعي (593 ـ 674هـ).

 ظهير الدين علي بن محمد البغدادي المعروف بابن الكازروني الشافعي (611 ـ 697هـ).

 عبد الرزاق بن أحمد لمعروف بابن الفوطي الشيباني البغدادي الحنبلي (محرَّم 642 ـ محرَّم 723هـ).

 لقد وفَّر لنا هذا (الثالوث التاريخي) فرصة ذهبية نادرة لمعرفة حقيقة ما جرى في تلك السنوات السُّود، برغم ضياع أغلب مؤلفاتهم وامتناع كثير من المؤرخين المتأخرين عن النقل مما كان بين أيديهم من آثارهم، حين اكتشفوا أن ما فيها لا يتفق والرؤية التقليدية التي توارثوها ودأبوا على استنساخها وتَكرارها. لكن المعثور عليه من مؤلفاتهم، والشذرات الباقية المتناثرة منها في المصادر، كان كافياً ليقدَّم لنا رواية جديدة متماسكة تنير الكثير من زوايا ظلَّت مظلمة قروناً عديدة بشأن واقعة الاحتلال المغولي لبغداد.

إن البحث عن النصوص التي كتبها هؤلاء بحاجة إلى بحث وتنقيب مما يستغرق بعض الوقت، وهذا عمل لا يروق لكثير من الكتَّاب مِمَّن يجعل همَّه في أن ينجز مقالة حول هذه الواقعة بأن يمد يده إلى أقرب المصادر كالذهبي وابن كثير وابن شاكر والصفدي الذين تناقلوا رواية واحدة من بعضهم البعض أو استنسخوها، بل كان بعضهم يحذف ما يشاء منها أو يزيد فيها على هواه مما فصَّلنا نماذج منه في كتابنا إعادة كتابة التاريخ، وظلت هي الرواية الرسمية حتى يومنا هذا برغم تهافتها.

 

سلمان التكريتي وبؤس الكتابة التاريخية

 من أهم المراجع التي استند إليها كاتبانا الفاضلان، كتاب لمؤلف عراقي هو السيِّد سلمان التكريتي، عنوانه بغداد مدينة السلام وغزو المغول، وتحته عنوان فرعي طويل هو: دراسة تاريخية تحليلية للصراع السياسي لاحتلال بغداد وإسقاط الخلافة العباسية وإزالة السيادة العربية وقمع الحضارة الإسلامية، وأضواء على خيانة ابن العَلْقَمِيّ.  وهو كتاب صدر سنة 1988م، أي السنة الأخيرة من الحرب الإيرانية/ العراقية، وكانت وسائل الإعلام الرسمية منهمكة بتوفير الدعم والدعاية لتلك الحرب التي دمرت البلاد وأهلكت العباد؛ ولذا جاء هذا الكتاب مشحوناً بالهتافات، وصبِّ اللعنات، والاتهام بالخيانة لهذا الطرف أو ذاك، مع أن هذا الكاتب ـ وهو يبحث الغزو المغولي للعراق بقيادة هولاكو ـ لم يكن يعرف مَن هو هولاكو ولا الزمنَ الذي عاش فيه؛ وكان ينقل من كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني، وهو لا يعلم مَن هو رشيد الدين ولا الزمنَ الذي عاش فيه؛ بينما كانت هذه المعلومات البديهية مما ينبغي لهذا الكاتب وغيره أن يعلمها.

الأستاذ التكريتي لا يعرف مثلاً أن هولاكو هو حفيد جنكيز خان (وهو هولاكو بن تولي (طولي) بن جنكيز خان)، فقد تصوَّرَه مرَّةً  أنه نجل جنكيز خان فقال: (بدأ الزحف المغولي منذ احتلال ما وراء النهر وإقامة جنكيز خان سنة 606هـ في همذان(2)، ومن بعد وصول هولاكو إلى سُدَّة السلطنة المغولية التترية بعد وفاة والده جنكيز خان) (ص 123)، و أخرى من ذُرِّيَّته من غير تحديد فقال: (هولاكو وهو من ذرية جنكيز خان) (ص 146)، ثم عاد ليقول إنه ابنه: (جنكيز خان ومن بعده ابنه هولاكو) (ص 148)، وقال: (جنكيز خان وابنه هولاكو) (ص 169). مع أنه نقل نصاً من القلقشندي كان فيه اسم هولاكو ونسبه صحيحاً (هولاكو بن طولي بن جنكيزخان) (ص 180)، لكنه نقله وغفل عنه.

أما معلوماته عن مؤلف جامع التواريخ رشيد الدين الهمذاني (648 ـ 718هـ)، فهي مغلوطة أيضاً، حيث تصوَّر أنه عاش في عصر جنكيز خان (حَكَمَ خلال السنوات 600 ـ 624هـ)، وابنه هولاكو بن جنكيز خان (!!)، فلنقرأ كلامه:

قال: (رشيد الدين الهمداني وزير هولاكو ومؤرخ تاريخ المغول) ص 128). وقال أيضاً: (عاش (أي رشيد الدين) في ظلال حكومة جنكيز خان وابنه هولاكو) (ص 169). وقال: (هو أيضاً مرافق هولاكو ووزيره ورئيس حكومته، وكاتبه أيضاً ومؤرخ تاريخ حملته) (ص 169). وقال: (رشيد الدين الهمذاني مرافق هولاكو ومؤرخ رحلته الغازية) (ص 188). كما اعتقد أن رشيد الدين كان على علاقة بالوزير ابن العَلْقَمِيّ الذي كان يفشي له بعض أسرار الدولة فيدوِّنها في تأريخه، فقال عن أحد الحوارات: (معرفة هذا المؤرخ الهمذاني أسرار هذا الحوار المهم حول خلع الخليفة ومكاتبة هولاكو، إذ إما أن يكون قد عرف ذلك من ابن العَلْقَمِيّ بالذات، وبذلك يكون ابن العَلْقَمِيّ قد خان الخليفة والأمانة...) (ص 187).

  والحقيقة التي لم يعرفها هذا الكاتب أن رشيد الدين لم يَعِشْ في عهد جنكيز خان ولا في عهد هولاكو وبالتالي لم تكن له صلة بهما، كما لم تكن له صلة بالوزير ابن العَلْقَمِيّ ولا بالخليفة المستعصم بالله الذي كان ابن العَلْقَمِيّ وزيراً لديه؛ إذ الصواب ـ كما أسلفنا ـ أن رشيد الدين كان وزيراً لدى السلطان محمود غازان (حكم في السنوات 694 ـ 703هـ) الذي هو ابن حفيد هولاكو. فلنضع بين يدي القراء التواريخ التالية:

ولد جنكيز خان سنة 549هـ، ومات سنة 624هـ(3).

ولد الوزير ابن العلقمي سنة 593هـ، ومات سنة 656هـ.

ولد هولاكو سنة615هـ، ومات سنة 663هـ(4).

وُلد السلطان محمود غازان سنة 670هـ، وتوفي سنة 703هـ(5).

وُلد المؤرخ والوزير والطبيب رشيد الدين الهمذاني سنة 648هـ، وقُتل سنة 718هـ.

يلاحظ القارئ أن رشيد الدين له علاقة فقط بمحمود غازان زمنياً، أما ما قاله الأستاذ التكريتي فقائم على عدم معرفته بالتاريخين المغولي والإسلامي وقلة مطالعاته في هذا المضمار، وبذلك فإن ما كتبه يمثل أعلى درجات البؤس في الكتابة التاريخية.

 

من هو الوزير ابن العلقمي؟

كان همُّ الأستاذ التكريتي أن يكرِّر بأن الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي كان خائناً، وأنه كان فارسياً، ولقد كرَّر مسألة كونه فارسياً حاقداً (يتذكر السيادة الفارسية الزائلة، ويرى بأم عينيه السيادة العربية الناشرة جناحيها على العالم)(6)، وظل بين صفحة وأخرى يذكِّر قراءه بأن هذا الوزير كان فارسياً بصورة ملفتة للنظر(7)؛ لكننا نعلم علم اليقين أن ابن العلقمي ليس فارسياً، بل هو عربيٌّ صليبةً، والغريب أن التكريتي استفاد من كتاب الفخري لابن الطقطقى الذي ترجمَ الوزير ابن العلقمي لكنه تغاضى عن ترجمته وذهب ينقلها من مؤلفات كتَّاب متأخرين عن زمن الغزو المغولي.

يقول ابن الطقطقى في ترجمته: (هو أَسَدِيٌّ من النيل، وقيل لجده العَلْقَميّ لأنه حَفَرَ النهرَ المسمَّى بالعَلْقَميّ)(8). فهو من قبيلة بني أسد العربية في انتمائه العشائري، فضلاً عن إضافة نسبة العلقمي إليه؛ وإنَّ تمسك أُسرته بهذا اللقب (العلقمي) لأنَّ حَفْرَ جَدِّهم لهذا النهر هو أمر يَتشرَّف به الأولاد والأحفاد حين ينتسبون إلى مَن أجرى ماء هذا النهر للوافدين إلى زيارة الإمام الحسين (ع) في كربلاء. كما كان باقي أفراد أسرته يحملون لقب الأَسَديّ أيضاً نسبةً إلى قبيلة بني أَسَد ـ التي ما زال كثير من أبنائها يقيمون في هذه المنطقة وما جاورها حتى يومنا هذا ـ وكان من مدينة النِّيل وهي (بُليدة في سواد الكوفة قرب الحلة)(9)، وهو من أسرة شيعية إمامية المذهب. وصف معاصره ابن الفوطي أُسرتَه بأنها (بيت الولاية والوزارة والرياسة، والتقدم والسياسة)(10). وأورد ابن الفوطي أيضاً واقعة تدل على تواضعه واهتمامه بمشاعر الآخرين(11). وكان شقيقه علم الدين (جليلَ القدر، نبيهَ الذِّكر، كثيرَ الخيرات، دارَّ الصِّلات)(12).وكان نجله عز الدين أديباً شاعراً و(كاتباً منشئاً بليغاً)(13)، ومن شعره أبياته الرقيقة في رثاء أستاذه عالم اللغة الشهير الصغاني العُمَري الحنفي (577 ـ 650هـ)، الذي حين توفي تولى تجهيزه ودفنه أصحاب الوزير ابن العلقمي(14). ويقول الأشرف الغساني الذي دأب على النقل من مؤرخ العراق ابن الساعي وهو يختصر أخلاق الوزير ابن العلقمي: (كان عالماً أديباً حَسَنَ المحاضرة، دمثَ الأخلاق، كريم الطباع، خيِّرَ النفس، كارهاً للظلم، خبيراً بتدبير المُلْك، لم يباشر قلعَ بيتٍ ولا استئصالَ مالٍ)(15).

 كما وصفه معاصرُه العالِم والمؤرخ سبطَ ابنِ الجوزي الحنبلي ثم الحنفي (465 ـ 654هـ) ـ وقد لازمه خلال زيارته لبغداد التي امتدت من شهر رمضان سنة 644 حتى صفر 645، أي ما يزيد على خمسة أشهر ولم يذكر ما يشين شخصَه ـ بقوله: (كان رجلاً فاضلاً صالحاً عفيفاً ديِّناً قارئاً للقرآن)(16)، وأضاف: (وما زلتُ مع وزير الخليفة أدام الله سعدَه حتى خرجنا من بغداد في صفر سنة 645)(17).

وقال ابن الطِّقْطَقَى بعد أن تحدث عن أمانته: (كان مؤيد الدين الوزير عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية، متنزِّهاً مترفعاً)، ثم أورد قصة تعزز قوله في أمانته ونزاهته عن قبول هديَّة كان أرسلها إليه بدر الدين لؤلؤ ملك الموصل، وحين قَبِلَها أرسلَ بإزائها إلى بدر الدين أضعافاً مضاعفةً من الأموال والهدايا (والتمس منه أن لا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك)(18).

بل إن التكريتي حين وجد شخصاً باسم مؤيد الدين في إحدى قلاع الإسماعيلية، تصور على الفور أنه الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، وأنه قد (خرج سراً من بغداد ذاهباً مع خورشاه ونصير الدين الطوسي إلى قلعة ألموت (19) لتقديم فروض الطاعة وأخذ الأمان، ثم أطمعه باحتلال بغداد وإسقاط الخلافة العباسية)(20). وهذا كله هراء لا علاقة له بالتاريخ، فابن العلقمي لم يغادر بغداد ولم يلتقِ نصير الدين الطوسي. وإن مؤيد الدين المذكور هو وزير لدى الملك الإسماعيلي، وقد وجدنا اسمه لدى الدكتور فرهاد دفتري بصيغة (المؤيد في الدين)(21)، وهو الصحيح.

ومن دلائل قلة معرفة التكريتي قوله بهامش ص 91: (الإسماعيلية: فرقة باطنية من غلاة الشيعة الاثني عشرية، تقول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وهم يؤلِّهون الأئمة ويعصمونهم عن الخطأ؛ وقد ظهرت في بلاد الفرس منذ بدايتها، ووقفوا ضد اللغة العربية...).

 ولا ندري كيف يكونون شيعة إسماعيلية (ويقال لهم السَّبْعيَّة أيضاً) واثني عشرية في آن واحد؟

ومن مصائبه ما كتبه في هامش ص 196 من كتابه وقال فيه: (يقول ابن الفوطي في معجم الآداب في معجم الأسماء والألقاب: كان رشيد الدين يدمن شرب الخمور ويتفلسف ولا يعترف بالشريعة المحمدية وبذلك فارق أباه قاضي إيج، واتُّهمَ باعتقاده. والمعروف أن ابن الفوطي كان أسير المغول بعد واقعة بغداد، وأن الطوسي تشفَّع لإطلاق سراحه، فسمع من الطوسي عن وزير هولاكو رشيد الدين، واستقى منه هذه المعلومات. فهي دقيقة وصحيحة)(22).

نذكِّرْ أن عنوان كتاب ابن الفوطي ليس هذا الذي كتبه السيِّد التكريتي، كما أن كلام ابن الفوطي لم يكن بحق المؤرخ رشيد الدين، بل كان بحق العالم الشهير عضد الدين الإيجي. ولما كان ممن يجالس الوزير رشيد الدين فقد أساء إلى سمعة الوزير، يقول ابن الفوطي عن الإيجي: (كان يدمن شرب الخمر ويتفلسف ولا يقول بالشريعة المحمدية، وبذلك فارق أباه قاضي إيج، واشتهر بالفجور وشرب الخمور وفارق اعتقاد الجمهور. واتُّهم رشيد الدين بذلك ونُسب إلى اعتقاده فنفاه إلى كرمان ليسلم من كلام الناس، وهيهات)(23). ولا يُشَك في أن ابن الفوطي كان يردد إشاعات قيلت بحق الإيجي(24).

نكتفي بهذا القدر في التعريف بكتاب السيِّد سلمان التكريتي، فقد ناقشناه في كتابنا إعادة كتابة التاريخ.

من كتاب التكريتي البائس شكلاً ومضموناً هذا، اتَّخَذَ الأستاذان الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود، مرجعاً مهماً يستندان إليه في سرد الوقائع التاريخية؛ وبذلك انتقلت كوارث السيِّد التكريتي إلى مقالة هذين الأستاذين الفاضلين.

نُقُول وذُحُول

 أول شيء حرص عليه كاتبانا الفاضلان أنهما اتَّبعا التكريتي حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، حيث نجدهما ـ كما كان السيد التكريتي ـ يقولان مثلاً: (وزير الدولة العباسية الفارسي مؤيد الدين بن العلقمي) (ص 55)، وفي الصفحة نفسها (الوزير الفارسي ابن العلقمي)، (الوزير ابن العلقمي ورجال الخليفة جميعاً يجتمعون ويتشاورون في أمور الخلافة وشؤون الدولة وزحف هولاكو وجيشه، وإن الوزير والدويدار وأمراء الجيش كلهم من غير العرب، الأعاجم الفرس والعلماء التركمان) (ص 56)، ولا نعلم ما علاقة (العلماء التركمان) بالدسيسة التي قيل إن الدويدار الصغير ـ وهو تركي حقاً ـ كان يعدّ العدة لتنفيذها لخلع الخليفة؟.

كان كاتبانا الفاضلان ينقلان من كتاب التكريتي باطمئنان وكأنهما ينقلان من شاهد عيان على الوقائع، فنقلا قوله مثلاً (الوزير ابن العلقمي يمهِّد للانقلاب، لهذا التدهور والتذمر والافتتان، حتى يسهِّل تمرير المؤامرة لإزالة السيادة العربية وإسقاط الخلافة العباسية) (ص54 من مقالهما). والحقيقة هي أن ابن العلقمي هو الذي نبَّه الخليفة على وجود دسيسة لعزله سيقوم بها قائد الجيش الدويدار الصغير، مما أهاج الدويدار وجعل العلاقة بينه وبين ابن العلقمي تزداد توتراً، وهي أمور وردت في كتاب الحوادث، وفصَّلها أيضاً المؤرخ رشيد الدين.

ومما ردَّده الأستاذان الكريمان من غير أن يتثبتا منه وهو قولهما: (كان الوزير مؤيد الدين بن العلقمي يتصل بالمغول ويدعوهم للقضاء على الخلافة، ويمهِّد الطريق لهم بتسريح الجيوش وكَتْم أنبائهم عن الخليفة والتقليل من شأنهم) (ص 55). وقد كُرِّر طبع هذا المقطع مرة ثانية في الصفحة نفسها ولا ندري السبب في ذلك. ومهما يكن فإن مسألة (تسريح الجنود أو إخفائهم)، أمر جدير بالبحث وتقوم على حكاية كتبتها أقلام تصورت قرَّاءها صبياناً سيصدقون بحكاياتهم الخرافية، ويبدو أن الكاتبين الفاضلين لم يطَّلعا على أصل الخبر وإنما وجداه في كتاب التكريتي فنقلاه، أي أنهما لم يعرفا الكيفية التي سُرِّح بها أولئك المقاتلون المغاوير؛ حيث تقول هذه الحكاية/ الأسطورة:

إن ابن العَلْقَميّ كاتَبَ هولاكو وقال له: (تعال إلى بغداد وأنا أسلِّمها لك)(25). فأرسل هولاكو جواباً إلى ابن العلقمي، قال فيه: (إن عساكر بغداد كثيرة، فإن كنتَ صادقاً فيما قلتَه إلينا وداخلاً تحتَ طاعتنا، فَفَرِّقْ العساكرَ، فإذا عملتَ ذلك حَضَرْنا.

 فلما وصل كتابُه إلى الوزير، دخل إلى المستعصم وقال له: إنَّ جندك كثيرون، وعليك كِلَفٌ كثيرةٌ، والعدوُّ قد رجع من بلاد العجم، وعندي من الرأي أنك تعطي دستوراً(26) لخمسة عشر ألف فارس من عسكرك وتوفِّرْ معلومَهم(27)؛ فأجابه الخليفةُ إلى ذلك.

 فخرج الوزير وعَرَضَ العسكرَ وانتقى منهم خمسة عشر ألف فارس نقاوةَ العسكر(28)، وأعطاهم دستوراً ومنعهم من الإقامة ببغداد وأعمالها، وأخرجَ لهم أوراق الدستور، فتفرَّقوا في البلاد.

 ثم إن الوزير المذكور عليه لعنة الله أتى الخليفةَ بعد أشهر وعمل مثلَ ما عمل أولاً وأعطى دستوراً لعشرين ألف فارس، وكانوا (كذا) هؤلاء الخمسة والثلاثون ألفاً مقوَّمين بمئتي ألف فارس(29). فلما فَعَلَ ذلك كتب إلى الملك هولاكو بما فعله. فركب هولاكو وقصدَ بغداد إلى أن نَزَلَ عليها...)(30).

وقد كرَّر ابن تغري بردي وكذلك المؤرخ الإيراني حافظ أبرو والديار بكري رواية تشتيت ابن العلقمي لهذه الآلاف المؤلَّفة من العساكر(31).

ويبدو أن السبب في القول إن هؤلاء الخمسة وثلاثين ألفاً يعادلون  مئتي ألف من حيث الكفاءة القتالية، هو أن هولاكو سيجيء عند قدومه لغزو العراق بمئتي ألف مقاتل. وعليه فسيُقال إنه لولا إخفاء هؤلاء الجنود الخمسة وثلاثين ألفاً لكانوا وقفوا بوجه المئتي ألف من المقاتلين المغول ولما احتُلَّ العراق.

وهي رواية لا تحترم عقول قُرَّائها: شخص واحد هو الوزير ابن العلقمي الذي لم يكن لديه من الجنود سوى قوة حماية صغيرة  من الأتراك كانوا ـ حين يحدث توتر بينه وبين الدويدار الصغير ـ يتخلَّون عنه وينضمُّون إلى زملائهم الأتراك ممَّن مع الدويدار الصغير(32)، هذا الشخص الواحد تمكن لوحده(33) من إلقاء القبض على آلاف الجنود (من قوات النخبة أو المغاوير) وأخفاهم أو فرَّقهم، وكأنهم دجاج يُجمع في أقفاص في أماكن سِرِّيٍّة ومجهولة خارج بغداد، فلا يعلم بهم أحدٌ بل ولم تقع عليهم عينُ أحد من أهل بغداد لدى إلقاء القبض عليهم وإخراجهم من المدينة، بل إن هذه الرواية تجعل جميع أولئك الذين ألقى ابن العَلْقَمِيّ القبضَ عليهم ـ وهم ألوف ـ مصابين بالشلل والخرس، حيث لم يكن أيُّ واحد منهم يحتج أو يقاوم بسيفه أو لسانه. ثم إنَّ هذه الرواية لا تفسِّر لنا لماذا سكت مناوئو ابن العَلْقَمِيّ على عمليات تخفيض الجند التي كانت ستؤدي حتماً إلى ترك البلاد مكشوفة من غير حماية، لماذا لم يتحرك الدُّوَيْدار الصغير (مقدم جيوش العراق)، أي القائد العام للقوات المسلَّحة ـ وهو ألد مناوئي ابن العَلْقَمِيّ ـ  ويخبر الخليفة بما يقوم به ابن العَلْقَمِيّ، مما سيفضح هذا الوزير ويسقطه نهائياً.

أُقيم بنيان هذه الرواية على قصة إخفاء الخمسة والثلاثين ألف ضابط وجندي الذين هم من أكفأ الضباط والجنود (قوات النخبة أو المغاوير) حيث كان الوزيرُ ابنُ العلقمي حين يلقي عليهم القبضَ ـ وهو موظف مدنيّ ليس لديه سوى عدد ضئيل من الخدم الأتراك غير الموالين له ـ يستسلمون له بصمت وهدوء، ثم يبعث بهم في منافي الأرض، فلا يعترض منهم معترض على هذا الإجراء أو يقاوم بلسانٍ ولا سيف، بل ولا يشتكي فردٌ واحدٌ منهم إلى أيِّ مسؤول في الدولة، ويضيع خبرهم وإلى الأبد؛ 35 ألف جندي وضابط أخرس ومشلول أُلقي عليهم القبض وهم صامتون ساكنون (وقد قيل لنا إنهم قوات النخبة أو المغاوير)، ولم يذهب أيٌّ منهم إلى الدويدار الصغير الحنبلي قائد الجيش ليخبرَه بهذا السلوك المضر بالبلاد والعباد، إذ كانت العلاقة متوترة بينه وبين الوزير، وستكون فرصة مناسبة لفضح مخطط الوزير المدمِّر للجيش بين الناس ولدى الخليفة.

ولم يسمع بذلك أستاذ دار الخلافة وهو محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، الذي (كان عدوَّ الوزير ابن العلقمي)(34).

 كما لم يسمع بهذا الإجراء خطباءُ الجوامع الذين كانوا يشكِّلون المنابر الإعلامية القادرة حتى على إسقاط العروش، فما بالُك بوزير ضعيف ليس له من الوزارة سوى مظاهرها وتشريفاتها. ونخص بالذكر هنا القوة الهائلة للحنابلة الذين كانوا جماهير غفيرة في الجانب الشرقي من العاصمة بغداد، فضلاً عن وجود أئمة الجوامع وخطبائها الذين كان أغلبهم حنابلة(35) ولهم نفوذ هائل في التأثير في الشارع البغدادي، وكان الدويدار الصغير حنبلياً أيضاً وبنى مدرسة وَقَفَها على الحنابلة(36)، وبإمكانه الاستفادة من هؤلاء الخطباء في الإعلان على جميع منابر بغداد عن أي تصرف مضرٍّ بمقدَّرات البلاد والعباد سواء أكان صادراً من الوزير أم من غيره؛وسيؤدي ذلك إلى إثارة الرأي العام صاحب القوة الضاغطة المخيفة آنذاك، إذ كان بإمكان أي قوة من هذه القوى إخبار الاتصال بالخليفة وإخباره بما كان الوزير ابن العلقمي يحاول إخفاءه عنه، أو أن يتصلوا بواحد أو اثنين من أولئك الضباط والجنود الخمسة والثلاثين ألفاً الذين قيل إن ابن العلقمي كان ينوي إخفاءهم لكي يذهبوا به إلى الخليفة ليخبره، أو يأخذوه إلى أي منبر من منابر العاصمة ليرتقيه ويفضح تلك المؤامرة، وكانوا قادرين كذلك على إفشال أي تحرك ينوي الوزير القيام به مما لا يتفق ومصلحة الدولة.كما كان الدويدار الصغير قادراً على لقاء الخليفة في أي وقت يشاء وإبلاغه بأي خبر، وكان الخليفة يخاف منه.

ثم إن إلقاء القبض على هذا العدد الهائل من قوات المغاوير، كان سيحتاج إلى ما لا يقل عن بضعة آلاف من الجنود والضباط ممن يعادلونهم في الكفاءة القتالية لتنفيذ عملية إلقاء القبض والنفي الكبرى تلك؛ إذ ربما اندلع قتالٌ جراء امتناع أيِّ عسكري من تنفيذ أمر الوزير الجائر؛ وهذا أمر لم يكن ميسوراً للوزير، فالمعتقَد وبشكل جازم أن الوزير لم يكن لديه حتى ولا أقل من عُشر العدد الذي تتطلبه إجراءات كهذه.

هذه هي خرافة تسريح الوزير ابن العلقمي المزعوم للجنود التي قرأها الأستاذان الفاضلان الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود فصدَّقا بها وأشارا إليها، ولا ندري لِمَ لَمْ ينقلاها، وهي موجودة في كتاب السيد التكريتي(37) الذي نقل نصوصها من مؤرخين متأخرين من أمثال اليونيني الحنبلي (640 ـ 726هـ)، وابن كثير الشافعي (701 ـ 774هـ)، والمقريزي الشافعي (766 ـ 845هـ)، وابن خلدون المالكي (732 ـ 808هـ)، والقلقشندي الشافعي (756 ـ 821هـ)، وابن الوردي الشافعي (691 ـ 749هـ)، وابن شاكر الشافعي (681 ـ 764هـ)، وأبي الفداء الشافعي (672 ـ 732هـ)، وليس فيهم من عاش في بغداد سواء في ظل الخلافة العباسية أم كان فيها ساعة دخول المغول إليها، بل إن أغلبهم ولدته أمه بعد احتلال العراق بعقود بل بقرن أو أكثر من الزمان؟ ولعل السبب في ذلك هو أن الأستاذين الفاضلين لم يراجعا المصادر التاريخية بل وجدا ما كتبه الأستاذ التكريتي فنقلاه. وإلاَّ أيوجد عاقل يصدِّق بهذه الترَّهات؟

لقد وَصَفَ العلاَّمة الراحل الدكتور مصطفى جواد رواية اتِّهام ابن العلقمي بالخيانة بأنها (التهمة التي ألصقها به (بابن العَلْقَميّ) مؤرخو مصر ومؤرخو الشام والعوام من القدماء)(38). وأضاف: (إنما اتُّهمَ بذلك لأنه كان شيعياً، ولو كان غيرَ شيعيّ ما اتَّهمه أحدٌ)(39). ولقد رأينا أن جميع أولئك المؤرخين يختلفون مع الوزير ابن العلقمي (الشيعي الإمامي الاثني عشري) في انتمائهم العقائدي:

لو أخذنا مثلاً اثنين مِمَّن يُعدُّون في عِداد كبار المؤرخين كالذهبي الشافعي (673 ـ 748هـ) وابن كثير الشافعي (701 ـ 774هـ) ـ وكانا مِن بين مَن  ألصق تهمة الخيانة بهذا الوزير البريء ـ هما مِن بين حواريي الشيخ ابن تيمية وهو ناصبيّ معروف، ومعلوم موقفه من الشيعة الإمامية بل من كل من يوالي آل بيت رسول الله (ص)، بل ومعروف موقفه ممن يختلف معه في الرأي من أهل السنة والجماعة أيضا ـ فالذهبي (كان حنبلي العقيدة، قد أثَّرت فيه البيئةُ الدمشقية، وصحبتُه لشيخ الإسلام ابن تيمية)(40). وكان الذهبي شيخاً لابن كثير(41) الذي يقول عنه: (شيخنا أبو عبد الله الذهبي، وكان يُقرِئ الفقه على مذهب الشافعي بجامع دمشق، وكان من أئمة المذهب)(42)؛ كما كان (أي ابن كثير) تلميذاً لابن تيمية وكان يجلُّه كثيراً ويقول عنه: (شيخنا الإمام العلاَّمة أبو العباس ابن تيمية)(43). وقد دأبَ هؤلاء جميعاً على النقل من بعضهم، وبذلك نعرف السرَّ في الموقف العدائي الذي اتَّخذاه من الوزير الشيعي الإمامي ابن العلقمي.

لقد وَصَفَ الباحث المعاصر الدكتور سعد الغامدي الذين اتهموا الوزير بتهمة الخيانة أنهم (كانوا مؤرخين سُنِّيين متطرِّفين وجَّهوا إليه تلك التُّهم أصلاً بدافع من التعصب المذهبي، تمليه حوافز عدوانية وعواطف تحاملية يكنُّونها تجاه هذا الوزير المسلم الشيعي المذهب. لهذا فإن المرء ليقف عند روايات من هذا القبيل موقفَ الشك، هذا إذا لم يرفضها رفضاً قاطعاً؛ وإن ما أورده أولئك المؤرخون في تقاريرهم حولَ هذا الشأن لا يقوم على أساس علمي دقيق ومحقَّق)(44).

قبل ختام هذا القسم، أقول: لما كان الأستاذان الفاضلان الدكتور محمد حسن سهيل والأستاذ محمود محسن داود يفضلان الرجوع إلى المراجع بدل المصادر الأصيلة، فقد كان بين أيديهما بحث  بلغ درجة الامتياز، وقد استفادا منه، وكان الأفضل لهما أن يعرفا قيمته فيتمسكان به ويتوسعان في الاستفادة منه، ويطرحان جانباً أوهام سلمان التكريتي وأغلاطه الفاحشة، ونعني بذلك البحث الرصين الذي كتبه الدكتور رشيد عبد الله الجميلي الأستاذ بكلية الآداب في جامعة بغداد الذي عنوانه حملة هولاكو على بغداد 656هـ، الذي نشره في مجلة المورد في المجلد الثامن، العدد الرابع، السنة 1979م، الصفحات 60 ـ 64. وهو بحث متوازن لم ينزلق إلى خرافات المؤرخين الشاميين/ المصريين، واستند إلى مصادر أصيلة عاصرت الوقائع أو استندت إلى المصادر المعاصرة لها، مثل مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي الحنبلي ثم الحنفي (581 ـ 654هـ)، وتاريخ جهانكشاي للجويني (623 ـ 681هـ)، والحوادث الجامعة المنسوب غلطاً لابن الفوطي وهو ليس له جزماً، وجامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني الشافعي (648ـ 718هـ)، والفخري لابن الطقطقى الإمامي (المتوفى حوالي سنة 720هـ)....

 فهلاَّ كانا استفادا من مرجع رصين مثل بحث الدكتور الجميلي، وجنَّبا نفسيهما ما أوقع بحثيهما في مهاوي الخلل والنقصان؟

وهلاَّ استعانا مثلأً من كتابات الأكاديمي البارز الدكتور جعفر خصباك الذي أصدر كتابه العلمي العراق في عهد المغول الإيلخانيين سنة 1968م، وهو متوفر في المكتبات، حيث خصَّص مؤلفه 64 صفحة في بداية الكتاب للكلام على الاحتلال المغولي للعراق ووقائعه.

ونشير إلى أن كتاب تاريخ جهانكشاي قد تُرجم إلى العربية منذ سنوات، وهو الكتاب المعوَّل عليه على مر القرون في معرفة تفاصيل الإعداد للهجوم المغولي على قلاع الإسماعيلية في إيران والهجوم على العراق، وعنوان الترجمة العربية هو تاريخ فاتح العالم، وأنجز ترجمته الدكتور محمد ألتونجي وصدرت طبعته الأولى في سوريا سنة 1985.

للبحث صلة

 

 بقلم يوسف الهادي

 

 

 

 

 

 

 

                 

 

 

 

 

(1) كان عنوانه في الطبعة الأولى هو إعادة كتابة التأريخ، إسقاط الخلافة العباسية أنموذجاً.

(2) هذا وهْمٌ من الأستاذ سلمان، ذلك أن أولى حملات جنكيز خان انطلقت سنة 615هـ للانتقام من ملك خوارزم الذي أمر بقتل التجار القادمين من بلاد جنكيز خان.

(3) عن مولده ووفاته، انظر: رشيد الدين، جامع التواريخ، 1/231، 233، 387 ـ 388؛ ابن الفوطي، تلخيص مجمع الآداب، 4(2)/556 (ط جواد).

(4) استندنا في تحديد مولده إلى رشيد الدين (جامع التواريخ، 2/736)، الذي قال إن عمره كان 48 سنة حين وفاته.

(5) استندنا في تحديد مولده إلى رشيد الدين (جامع التواريخ، 2/842)، الذي ذكره باليوم والشهر.

(6) التكريتي، بغداد مدينة السلام...، 165 ـ 166.

(7) المصدر نفسه، انظر مثلاً الصفحات: 128، 130، 132، 165، 166، 167، 171، 178، 183، 188، 190، 192...

(8) ابن الطِّقْطَقَى، الفخري، 337.

(9) ياقوت، معجم البلدان، 4/861. وهي ناحية ما تزال تحمل الاسم نفسه، تقع إلى الشمال من مدينة الحلة وتابعة لها إدارياً.

(10) ابن الفوطي، تلخيص مجمع الآداب، 4(4)/812، الترجمة 3099 (ط جواد).

(11) المصدر نفسه، 868، الترجمة 1996 (ط القاسمي).

(12) المصدر نفسه، 4(1)/560، الترجمة 814 (ط جواد).

(13) الذهبي، تأريخ الإسلام، 48/292.

(14) مجهول، كتاب الحوادث، 307.

(15) الأشرف الغساني، العسجد المسبوك، 640.

(16) سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 8/747.

(17) المصدر نفسه، 8/762.  

(18) ابن الطِّقْطَقَى، الفخري، 338.

(19) الصواب هو أن القلعة كانت ميمون دز، وليست ألموت.

(20) التكريتي، بغداد مدينة السلام...، 170.

(21) دفتري، الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم، 620.

(22) التكريتي، بغداد مدينة السلام...، 170.

(23) ابن الفوطي، تلخيص مجمع الآداب، 4(1)/444 (ط جواد)، 1/411 ــ 412(ط الكاظم). وهو أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي الفارسي الشافعي، يُعرَف بالمطرزي المتوفى سنة 756هـ.

(24) قدم الدكتور عاشق حسين في مقدمته للفوائد الغياثية ما يكفي من الأدلة على عدم صحة ما قيل بشأن شرب الإيجي للخمر وتهاونه بأمور الدين (انظر ص 35 من مقدمته للكتاب).

(25) سنترك إلى القسم الثاني من بحثنا هذا مناقشة الكيفية التي زُعِمَ أن ابن العلقمي اتَّصل بها بهولاكو.

(26) الدستور: الأمر أو المرسوم.

(27) معلومهم: رواتبهم.

(28) نقاوة العسكر: قوات النخبة في الجيش.

(29) أي أنهم كانوا يعادلون من حيث الكفاءة القتالية مئتي ألف فارس.

(30) ابن دقماق، الجوهر الثمين، 1/220 ــ 221، نزهة الأنام، 234.

(31) ابن تغري بردي، مورد اللطافة، 1/232؛ حافظ أبرو، الجغرافيا، 2/62 ــ 63؛ الديار بكري، الخميس في أحوال أنفس نفيس، 2/420.

(32) مجهول، كتاب الحوادث، 347.

(33) إنما قلنا ذلك لأن أفراد الحماية الذين يحمون الوزير كانوا من الأتراك، والذين يُفترض أنه أُلقي القبض عليهم كانوا أتراكاً أيضاً، لذا كانوا سيتمردون حتماً لو أمرهم الوزير بإلقاء القبض على أبناء جلدتهم. فلم يبق إلاَّ أن يباشر الوزير بنفسه إلقاء القبض على 35 ألف جدي وضابط من أفراد قوة المغاوير تلك.

(34) كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية، 13/236.

(35) مجهول، كتاب الحوادث، 157. 

(36) عن أسماء بعض هؤلاء الوعاظ الحنابلة في زمن الخليفة المستعصم، انظر مثلاً: الأشرف الغساني، العسجد المسبوك، 551؛ مجهول، كتاب الحوادث، 463؛ البغدادي، هدية العارفين، 1/573 حيث نجد عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش الحنبلي المعروف بخطيب قطفتا (593 ــ 676هـ)، الذي شغل منصب خازن الديوان في ظل الحكم المغولي سنة 656هـ، ثم أُعيد إلى مسجد قُمْريَّة وأضيف إليه الخطابة بجامع الخليفة (انظر: مجهول، كتاب الحوادث،362، 433). 

(37) التكريتي، بغداد مدينة السلام...، 138 ـ 143. 

(38) جواد، في التراث العربي، 1/589.

(39) جواد، (السلك الناظم)، الجزء الثاني من قسم الكاظمين، 323.

(40) الدكتور بشار عواد معروف، مقدمته لتأريخ الإسلام للذهبي، 1/61، 207.

(41) ابن كثير، البداية والنهاية، 2/290؛ السيوطي، ما رواه الواعون في الطاعون، الورقة 25أ.

(42) ابن كثير، طبقات الفقهاء الشافعيين، الورقة 65أ.

(43) ابن كثير، البداية والنهاية، 2/178.

(44) الغامدي، سقوط الدولة العباسية، 342.

 

mustafa alghorafiيمثل المشروع الفكري الذي وطد أركانه المفكر المغربي عبد الله العروي في مؤلفات عديدة ومتنوعة لحظة متميزة في سياق الثقافة العربية الحديثة. فقد اتسم جهده الفكري بكثير من الغنى النظري والتماسك المنهجي. الأمر الذي أهله للخوض في إشكالات الفكر العربي المعاصر بكثير من الكفاءة والفاعلية. إذ ما فتئ العروي يلفت الانتباه، منذ صدور كتابه المهم ''الإيديولوجيا العربية المعاصرة''، بقدرته الفائقة على تجديد السؤال الفلسفي وتطوير وسائل التحليل المنهجي. لقد دشنت كتابات هذا المفكر عهدا جديدا في الفكر العربي المعاصر لما قدمته من معالم وإرهاصات تؤذن بميلاد مشروع ثقافي مختلف يتأسس على اختيارات فكرية وفلسفية واضحة تتوخى مساعدة المجتمعات العربية على تمثل أسس الحداثة واستيعاب أصول المعاصرة استنادا إلى وعي تاريخي منفتح تتجاوب فيه أسئلة الواقع مع معطيات التاريخ. فما هي أبرز ملامح المشروع الحداثي عند عبد الله العروي؟ وما هي أهم أسسه الفكرية ومنطلقاته التنظيرية؟

 

I- دفاع عن الحداثة:

تكشف المعاينة الدقيقة لأعمال عبد الله العروي أنه ظل يتحرك ضمن أفق فكري محدد تجسد في واقع التأخر العربي الذي احتل مكانة مركزية في مؤلفات هذا المفكر الذي سخر مجمل إنتاجه الفكري من أجل بناء ممكنات الحداثة ورسم سبل التحديث في الوطن العربي. يقول ''إن ما كتبت إلى الآن يمثل فصولا من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة''[1]. ولذلك مثلت الحداثة فكرة محورية عند العروي. فقد أقر بأنه صدر في جميع مؤلفاته عن فكرة أساس تمثلت في "تحديث الفكر والمجتمع العربيين"[2].

يتحدد مفهوم الحداثة عند العروي بأنه قطيعة مع طريقة التفكير الموروثة عن القرون الوسطى. ذلك أن المبادئ والمنطلقات المؤسسة لفكرة الحداثة تختلف بشكل كلي عن الخلفيات المرجعية الناظمة لمختلف أنماط التفكير السلفي التي أخضعها العروي للتحليل المنهجي بغرض الوقوف على أهم أسباب انتشار الفكر التقليدي وتحديد وسائل مقاومته. وقد استلزم ذلك أن يوجه العروي جهوده الفكرية إلى نقد الأصول المعرفية المؤسسة لمرجعية التفكير التقليدي من جهة، والعمل على تحديد معالم المشروع الحداثي الذي يمثل بالنسبة إليه مقترحا فكريا وسياسيا بديلا يتيح للمجتمعات العربية تجاوز حالة التأخر الحضاري، والانخراط في حركة التاريخ الكوني. وقد مثلت الدعوة إلى القطيعة المنهجية مع التراث ونقد منظومة التفكير السلفي مدخلا ملائما لتحقيق هذه الغاية.

 

1- ضرورة القطيعة مع التراث:

يمكن اعتبار كتاب ''مفهوم العقل، مقالة في المفارقات'' محاولة نقدية لبعض صور التفكير التراثي، الذي يحتمي أصحابه بالماضي هروبا من مواجهة الأسئلة المحرجة التي يطرحها الحاضر. وقد اختار العروي مساجلة أصحاب هذا التوجه بطريقة تقوم على النقد المؤسس على الحجج والبراهين التي تتساند فيما بينها وتتعاضد في تركيب استدلالي يتيح الكشف عن محدودية العقل الإسلامي الذي تستند إليه أطروحات الفكر السلفي. فقد لحظ العروي أننا ما فتئنا، من جهة أولى، ''نقول ونكرر منذ عقود أن الفكر الذي ورثناه عن السلف – ما يسميه البعض التراث- يدور كله حول العقل''[3] وأننا ''نؤمن ونقول منذ قرون إن الموروث من ثقافتنا مبني على العقل إطلاقا''[4]. لكن حياتنا اليومية، من جهة ثانية، مليئة بصنوف عديدة من اللامعقول، مما يدفع إلى طرح سؤال إشكالي يكشف بوضوح مفارقة العقل الإسلامي: ''أولا يكون العقل الموروث الذي نتصوره ونرثه ونعتز به هو بالذات أصل الإحباط؟''[5].

مثلت البرهنة على ضرورة القطع مع التراث فكرة مركزية في كتاب "مفهوم العقل" فهي تخترقه من بدايته إلى نهايته[6]. فقد أرجع الباحث مظاهر التأخر التاريخي والحضاري، التي لازمت المجتمعات العربية، إلى العقل التراثي الذي ظل منطقا مضمرا يوجه عملية التعقل والتفكير في سياق الثقافة العربية: "ما كنت لأكتب في الموضوع لو عدنا نعني بالعقل في آن ما نعتقد ونقول. ما نفعل وننجز. كان ذلك حلم زعماء الإصلاح ولا يزال إلى يومنا هذا حلما غير محقق"[7].

إن الثقافة الإسلامية، من وجهة نظر العروي، لا تتحدد بوصفها ثقافة عقل، لأن ''العقل الذي تحتفل به مفهوم ملتصق بها ومفارق لما يعرف بنفس الاسم في المجتمع المعاصر''[8]؛ فالعقل بمفهومه الحديث لم يعد نظرا أو استدلالا كما كان الشأن بالنسبة إلى العقل بمفهومه التقليدي، ولكنه تحول إلى عمل وإنجاز وسلوك. لقد تميز العقل في سياق الثقافة الإسلامية لأنه ظل محدودا بـ ''عقل أعلى'' هو العلم المطلق المؤدي إلى اليقين والذي ينتفي معه كل إعمال لقدرات العقل من فحص وتأمل وحيرة وتردد، لأن ''اليقين حاصل قبل النظر''[9] مما يجعل العقل يتحدد حسب هذا التصور، باعتباره'' تأويلا'' أي عودة إلى ''الأول''[10]إنه ''عقل النص''[11]. هذه هي مفارقة العقل في الثقافة الإسلامية، فنحن ما نفتأ نردد أن ديننا هو دين العقل، لكن الفهم التراثي ربط العقل بالمطلق وحصره في التأمل والنظر ومنعه من العمل والإنجاز، في حين يعترف المسيحيون بأن دينهم لا يقوم على العقل ومع ذلك تمكنوا من استيعاب مكاسب الحداثة وحققوا التقدم المنشود: "المجتمع الأبعد عن العقل؛ أي أوربا الغربية هو الذي تمكن من تحقيق الممكن، في حين أن المجتمع الأقرب إلى العقل نظريا، أي الإسلامي، هو الذي توقف عند آخر عقبة كانت تفصله عن اكتشاف عالم جديد. أو ليست هذه مفارقة؟''[12]. إنها مفارقة محمد عبده التي نجمت عن ''الحصر الذي جعله ينفي الزمان ويظل وفيا للذهنية الكلامية التقليدية''[13].

لقد مثلث هذه المفارقة باعثا على فحص منظومة التفكير التراثي من خلال التناول الإشكالي والنقدي لمفهوم العقل بغرض نزع صفة البداهة عنه: ''ما دفعني إلى التساؤل حول مفهوم العقل هو أني أخذت المفارقة (مفارقة عبده أولا، وثانيا تلك التي يعيشها يوميا كل واحد منا) مأخذ الجد''[14]. ولذلك تركز جهد العروي في كتابه ''مفهوم العقل'' على فحص المرجعيات المؤسسة لخطابات الإصلاح التي يدعو أصحابها إلى التجديد انطلاقا من التراث. لقد أعاد ترتيب عناصر الفكر الإسلامي مما أتاح له الكشف عن محدودية الدعوة إلى استعادة منظومة التفكير التراثي، لأن العقل الموروث في نظره هو بالذات أصل الإحباط[15]. ولذلك قرر أن الطريق إلى الحداثة رهين بتجاوز العقل التراثي أسوة بالشعوب الأخرى التي قطعت أشواطا كبيرة في مسار الحداثة والتحديث. ''إن الحسم الذي نتكلم عنه قد وقع بالفعل في جميع الثقافات المعروفة لدينا ابتداء من القرن 16 م إلى يومنا هذا''[16]. المطلوب إذا القطع مع منظومة التفكير التراثي التي تشتغل وفق قواعد ''المنطق الموروث، منطق القول والكون، منطق العقل بإطلاق''[17]. ذلك أن تحديث المجتمع وعقلنة الفكر لا يمكن أن يتحققا إلا "بالاختيار والحسم؛ أي اتخاذ القرار بالسير في طريق ''ما ليس منه بد'' حسب عبارة إمبراطور اليابان بعد هزيمة 1945''[18].

بهذا الانحياز الصريح إلى قيم المعاصرة والتحديث حسم العروي موقفه من مفارقة الشيخ محمد عبده ومعه جميع التراثيين الذين يصدرون عن مواقف انتقائية توفيقية تؤدي في نهاية المطاف إلى بروز هوة شاسعة بين العدة الذهنية والواقع الاجتماعي[19]، حيث قرر العروي بشكل قاطع أن كل من يتعامل مع التراث بمنطق القدامى ومفاهيمهم يكون قد ''خرج من زمانه إلى زمان آخر"[20].

لقد أوضح العروي أن المنهجية الكلامية التقليدية عملت على حصر فاعليه العقل في "عقل النص" الذي يمثل الأصل الناظم لمرجعية التفكير السلفي بمختلف أشكاله وصوره؛ فالنصيتحدد في المرجعية التقليدية بأنه ''كلام وبيان. بل هو الكلام، الكون، والقول، والحق، والعلم، والعقل''[21]. النص بعبارة جامعة ''مرآة العقل والكون معا''[22]. وبذلك تم حصر العقل بمفهومه التراثي في "النص". وقد نجم عن ذلك أن "المعقول" في الثقافة العربية الإسلامية أصبح يتشكل من الخبر والحكمة والسنة أو التقليد أو سر الإمام. وتلتقي هذه الأسماء جميعها في أنها تسعى إلى العقل المطلق؛ ''العقل هو ما يعقل العقل ويحده، وما يعقل العقل ويؤسسه كعقل هو المطلق الذي هو علم مطلق''[23].

لقد ترتب عن سيادة ''العقل المطلق'' الذي يتفوق على العقل البشري "المجتهد" أنه ''كيف عقل العقل، أي فهم المنطق بطريقة جعلت ذهن المسلم لا يلتفت إلى الطبيعة وإن اختار المسلك الاستقرائي، لأنه يطبقه على نصوص وأقوال لا على أعراض وأحوال الطبيعة''[24]. ولذلك ظل العقل الإسلامي عقلا تأمليا فرديا، يتحدد بوصفه ''مفهوما نظريا''[25] ولم يستطع تجاوز النظر إلى العمل. وبالتالي ظل عاجزا عن ''عقل الزمان''[26]؛ أي إدراك واستيعاب مبادئ التطور وشروط التغير. والنتيجة المترتبة عن ذلك افتقار العقل في السياق الإسلامي إلى أبرز مقومات الحداثة. يتعلق الأمر بالتجريب (العلم الصناعي أو التكنولوجيا). وبذلك تحققت "القطيعة الجوهرية بين القديم والحديث''[27].

رفض العروي منهجية التفكير التراثي التي تقوم على الفصل بين الموقف الحياتي والموقف المعرفي انطلاقا من تصور فكري يرى أن مطلب الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالقطع نهائيا مع قواعد ومبادئ العقل التراثي. فقد قرر أن ''امتلاك بداهة جديدة لا يكون إلا بالقفز فوق حاجز معرفي. حاجز تراكم المعلومات التقليدية. لا يفيد أبدا النقد الجزئي. بل ما يفيد هو طي الصفحة (...) وهذا ما أسميته ولا أزال أسميه بالقطيعة المنهجية''[28]. وقد جاء موقف العروي الداعي إلى القطيعة مع التراث نتيجة الاهتمام المتزايد الذي لقيته الظاهرة التراثية عند بعض المعاصرين الذين عملوا على استعادة مقولات الماضي من أجل توظيفها سياسيا في معارك الحاضر: ''إن التراث تحميه اليوم مؤسسة لا تترك لأحد حرية التأويل ومن أراد أن يحيي كلام البعض من مفكري الماضي، فإنه لا محالة مدفوع إلى إحياء الكل. وهذا هو سر موقف المؤسسة التقليدية عندما تصفق لإحياء كل قسم من التراث القديم مهما كانت الأغراض والظروف، لأنها تعلم أن النتيجة العامة ستكون في صالحها''[29].

ومن أجل البرهنة على ضرورة القطع مع التراث توقف العروي عند واحدة من مفارقات الوعي العربي المعاصر جسدتها تصورات ومقترحات الشيخ محمد عبده الذي اتخذ العروي من فكره حالة تمثيلية نموذجية توخى من تفكيك عناصرها الاستدلال على محدودية المرجعيات الفكرية التي يصدر عنها المنادون بالتجديد انطلاقا من منظومة التراث.

 

2- نقد منظومة التفكير السلفي:

يندرج خطاب عبد الله العروي في سياق فكري وثقافي تميز بتنامي المواقف التراثية التي اتسمت بنزعة توفيقية جديدة توخت الدفاع عن اختيارات بعينها في السياسة والثقافة والمجتمع استنادا إلى منطق التراث ومرجعياته الفكرية والثقافية. وهو ما شكل من وجهة نظر العروي تراجعا عن منجزات الفكر الحداثي الذي يقوم على أسس مغايرة تماما لمختلف صور التفكير التراث. ولذلك اعتبر العروي صاحب الأطروحة الأكثر جذرية في مجال نقد الفكر السلفي، الذي يصدر عن مرجعية تقليدية تراثية. فقد ذكر أن مناقشته لأصحاب الفكر السلفي جعلته يستخلص أن ''الرجوع إلى نظريات الماضي والحفاظ على أصالة فارغة وهم يعوق التطور''[30] كما أعلن داعية التاريخانية أن ''الأهمية التي تعطى للتقليد باعتباره قيمة تبدو مقلقة''[31]، لأن ''الماضي لا يمكن أن يخدمنا في حل مشكلتنا''[32].ولا ينبغي أن نفهم من هذا القول أن العروي يدعو إلى الانصراف كلية عن الاشتغال بالتراث؛ فالموقف السلبي من المتن التراثي لا يتعارض مع دراسته وفق رؤية أكاديمية صرف: ''لست أنكر التقليد بوصفه حدثا، فأنا أدرسه كظاهرة ولكني أنكره كقيمة''[33].

إن ما يرفضه العروي هو رأي التقليديين الذين يقررون أن ''التقليد أحسن حل لمشاكل الحاضر''[34] فهذه الفكرة غير واردة تماما عند العروي الذي يصر على ضرورة ''طي الصفحة''[35] بصورة نهائية، لأن القطيعة المنهجية مع مضمون التراث ومنطق التقليد تمثل شرطا ضروريا لكل تحول تاريخي مرتقب ''لابد من الاختيار، من الفصل والحسم والجزم. إذ في الجزم [لعله يقصد الحسم] يكون رفض كل ما هو تقليد من جميع النواحي''[36].

لقد توخى العروي من نقد منظومة التفكر السلفي ''دفع الحاجز الذهني الذي كان يمنع من وزن الأفكار حسب حاجتنا التاريخية إليها''[37]. ولذلك قدم نقدا عميقا ودقيقا للخلفية الفكرية التي يتأسس عليها منطق وخطاب دعاة التجديد السلفي. الأمر الذي مكنه من وضع اليد على كثير من مفارقات الوعي العربي في الوقت الراهن. فقد اتخذ العروي من الشيخ، الذي وجه إليه سهام نقده، رمزا لجميع محاولات الإصلاح التي تلجأ إلى الماضي بحثا عن أجوبة لأسئلة الحاضر، حيث التجديد في تصورهم "إحياء القديم الأصيل''[38].

وقد بين العروي أن مفارقة عبده تجسدت بشكل أساس في البحث عن أجوبة لأسئلة الحاضر في التراث. مما أدى إلى خلق هوة بين ''الملاحظ والمروي، ما نجربه يوميا ونقول به (غير المعقول) وما نرويه من تراث الماضي ونقول عنه (كله معقول)''[39]. وهذه المفارقة ليست خاصة بعبده، ولكنها تشمل كل التراثيين الذين يرون في الماضي الحقيقة المطلقة والمغلقة. إذ يتولد عن ذلك ''عملية متواصلة من التماهي تجعل اللاحق يظن أنه يفهم السابق لأنه يتمثل مسبقا موقفه المعرفي فيمحي من ذهنه كل ما يميزه عما يدرس تاريخيا واجتماعيا''[40]؛ فالحق في منهجية التفكير التراثي واحد وثابت لا يتغير ولا يتبدل. ولذلك غلب على أصحاب الفكر التراثي الميل إلى استدعاء أقوال المتقدمين والنظر إليها باعتبارها حجة تحسم كل خلاف يعرض للناس في سائر العصور والبيئات. ويترتب عن ذلك انفصال الموقف الفكري عن الموقف الحياتي عند أصحاب هذا الفكر الذين ينطلقون من أن كل سلوك يوافق العقل والفطرة كان موجودا ''في زمن ما في الماضي وسيحصل في زمن ما من المستقبل، ولكنه غير حاصل في الحاضر. وهكذا يكون الفصل بين ما هو كائن وما يجب أن يكون هو بالضبط ما يضمن الربط بينهما في الماضي والمستقبل''[41].

لقد كشفت لحظة محمد عبده عن مفارقة الوعي العربي المعاصر. وقد توخى العروي من التوقف عند أفكاره إبراز مظاهر القصور في المشروع السلفي برمته، متخذا من تصور الشيخ حالة تمثيلية نموذجية مكنته من تشخيص محدودية الخلفية الفكرية الناظمة للذهنية التقليدية بشكل عام. فقد أوضح أن عديدا من المثقفين التراثيين المعاصرين، الذين يستعيدون لحظة محمد عبده، لا يدركون طبيعة منظومة التفكير التي يعملون على إحياء بعض عناصرها من أجل مواجهة إحراجات اللحظة الراهنة. وإذا كنا نسلم بأن لمنظومة التفكير التراثي حدودها ومستوياتها التي تجعل من بعض جوانبها لحظة امتياز في سياق عقلانية العصور الوسطى، فإنه ينبغي الإقرار كذلك بأن العودة إلى الماضي والاحتماء بمرجعياته سيؤديان حتما إلى استمرار لحظة التأخر التاريخي ومضاعفة آثاره، لأن الإطار المعرفي للحداثة كما بلوره الفكر الغربي المعاصر يقطع تماما مع جميع طرائق التفكير الموروثة التي يجري النظر إليها باعتبارها لحظات معرفية تكرارية مغلقة على تاريخ معين. وتستوجب هذه النظرة القطع مع الفكر التراثي بجميع أشكاله وصوره من أجل تجنب المفارقات التي تطرحها الدعوة إلى التحديث من منطلق الإحياء والتجديد من الداخل.

لقد فحص العروي أفكار الشيخ الإصلاحية التي دعا فيها إلى بعث وتجديد الإسلام انطلاقا من منظور سلفي يستند إلى عقلانية اسمية نصية ومتعالية. وقد مثلت مقدمات العروي المنهجية ومراجعاته النقدية منطلقا للتفكير في قضية الحداثة والتحديث في الوطن العربي، حيث تتقاطع في أبحاث العروي إشكالات التأخر بمسائل الإصلاح ومطالب التحديث. ومن هنا اتخذ تفكيره وجهة أساسا تمثلت في الدفاع عن الحداثة والفكر التاريخي والعمل على ترسيخ مبادئهما من أجل الانخراط في حركية التاريخ الكوني: ''لكي نعمل ونعمل بجد، لا مفر إذن من اعتناق النظرة التاريخية. لنظرة السلف، أما نبقى أوفياء في العمق لنظرة السلف ونأمل مع ذلك تغيير معنى واتجاه وقائع الماضي التي لم تكن في صالحنا. فهذا كلام بدون محتوى''[42].

يتميز التفكير السلفي بكونه يبتعد كثيرا عن قواعد وشروط التفكير العلمي ومنطلقاته النظرية المنحازة لقيم العقلانية والنسبية والتاريخانية، حيث يتحدد منهج السلفيين بأنه ''اللجوء إلى ضمانة الماضي لإنجاز إصلاحات فرضها الحاضر''[43]. وقد مثل الاعتراف بالتأخر والدعوة إلى تجاوزه بالعودة إلى التراث الفكرة المركزية الناظمة للذهنية السلفية المؤسسة على مرجعية فكرية تقليدية مهما تخفت وراء مصطلحات ومفاهيم محدثة، لأن ''التقليد يعادي دائما التجديد فيجد دائما داخل المجتمع الذي لا يزال مكبلا بقيد الماضي من يدافع عنه بوسائل الوقت، وسائل تجديدية في الظاهرة، تقليدية في الباطن، ما كان يقال أمس بأسلوب الأزهر يقال اليوم بأسلوب السوربون وأوكسفورد''[44].

لقد تمكن العروي من تشخيص مفارقة التفكير السلفي من خلال تحليل وتفكيك عناصر المنظومة المرجعية التي يستند إليها المثقف التقليدي من أجل مواجهة الأسئلة المربكة التي يطرحها عليه الواقع الجديد، حيث بين أن مفارقة الشيخ عبده، وهي مفارقة جميع التراثيين، تكمن في أنه ''استنجد بالعقل المطلق"[45] مما أدى إلى العجز عن ''عقل الزمان''[46] أي التطور والتغير الحاصلين في فكر الإنسان. لقد توقف عبده عند لحظة ظهور الإسلام مع أن الزمن لم يتوقف. وبذلك بقيت تصوراته الثقافية ومقترحاته الإصلاحية وفية لنظام الفكر الذي حكم الذهنية الكلامية التقليدية.

 

II- عناصر المشروع الحداثي:

تندرج أعمال عبد الله العروي في سياق الجدل الإيديولوجي الذي ساد الفكر العربي المعاصر بين دعاة الإصلاح السلفي وبين ممثلي الاتجاه الليبرالي القومي. وقد تركز الجدال بين أصحاب هذه المشاريع الفكرية حول قضية مركزية تمثلت في تشخيص وضعية التأخر التاريخي والتفكير في سبل تجاوزها. في هذا السياق الذي غلب عليه السجال الإيديولوجي تبلور خطاب العروي بوصفه جزءا من الإصلاحية العربية التي كانت تتفاعل في المشرق والمغرب على حد سواء في هذه الفترة. وقد شكل الوعي بتخلف المجتمع حافزا قويا عند العروي على بحث أسبابه وتقصي أشكاله ومظاهره. ولذلك مثلت الدعوة إلى الأخذ بأسباب الحداثة وضرورة الانخراط في سيرورة التطوير والتحديث مرتكزا مهما من مرتكزات البرنامج الإصلاحي الذي اقترحه العروي: ''لم يستوعب الفكر العربي مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وفعالية وإنسية، لكن هذا الاستيعاب. مهما تأخر، سيبقى في جدول الأعمال. كلما تأخر، كلما تشابكت الأوضاع وضعفت فعالية المجتمع العربي ككل، وليس ترديد الدعوة اليوم عنوان الرجوع إلى فترة سابقة بقدر ما هو وعي بنقص خطير ومحاولة استدراكه بأسرع ما يمكن''[47].

لقد انتقد العروي الأفكار الإصلاحية التي دعا إليها أصحاب المشروع السلفي كما أبرز مظاهر القصور في الاقتراحات التي طرحها دعاة الاختيار الليبرالي، ليقدم بدلا من ذلك مشروعا فكريا واضح المعالم توخى من خلاله أن يقدم التحليل المعقول لماضي وحاضر ومستقبل العرب، حيث أكد العروي أن الاستيعاب الدقيق لعناصر المشروع في أبعاده الفلسفية والسياسية والتاريخية من شأنه أن يقود إلى التغلب على النزعة السلفية والاختيار الانتقائي معا[48]. وقد شيد العروي مشروعه الفكري على جملة من الأسس والمرتكزات أهمها الثورة الثقافية والفكر التاريخي والماركسية الموضوعية والبعد الكوني للحداثة.

 

1- الثورة الثقافية:

افتتح العروي معركته الإيديولوجية مع ممثلي الثقافة العربية بكتابه ''الإيديولوجيا العربية المعاصرة'' لتتولى أعماله اللاحقة توضيح معالم المشروع الثقافي الذي يقترحه بديلا فكريا وسياسيا يتيح للعرب امتلاك أسس الحداثة وتمثل أصول المعاصرة. وقد اتخذت المعركة الإيديولوجيا صورة أكثر راديكالية في كتابه الأشهر ''العرب والفكر التاريخي'' الذي شيد العروي من خلاله خطابا برهانيا متماسكا وإن غلب عليه الطابع السجالي الذي يمثل عنصرا ملازما لكل دعوة إيديولوجية تتوخى المساهمة في تحقيق ثورة ثقافية حقيقية. حدد العروي في ''الإيديولوجية العربية المعاصرة'' النماذج التي تمثل الثقافة العربية المعاصرة فحصرهم في ثلاثة؛ الشيخ، والسياسي الليبرالي، وداعية التقنية[49]، لكنه ما لبث أن راجع هذا التقسيم في كتابه ''العرب والفكر التاريخي'' حيث اعتمد نمذجة ثنائية ينقسم بموجبها المثقفون إلى صنفين اثنين؛ أغلبية تفكر حسب مبادئ المنطق السلفي وأقلية تفكر بمنطق ليبرالي انتقائي[50].

بعد مناقشة تفصيلية لأفكار ومقترحات ممثلي الإيديولوجيا العربية المعاصرة أعلن العروي فشل هؤلاء جميعا في تحقيق التحول التاريخي المنشود؛ فالشيخ الذي يرمز به العروي للمثقف السلفي يؤمن إيمانا راسخا بأن التراث يمثل ''نظاما عقائديا كافيا وشافيا قادرا على تزويدنا بكل ما نحتاج إليه من حلول لكل مشكلات العصر''[51]. غير أن السلفي عندما يقدس الماضي ويدافع عن الحقيقة الكلية المتعالية يجعلنا ''نعيش بأجسامنا في قرن وبأفكارنا وشعورنا في قرن سابق''[52]. أما المثقف الليبرالي الانتقائي فمأساته أعمق، لأنه يكتفي بالمواكبة السطحية لإنجازات الحضارة الغربية، فيقع نتيجة لذلك ضحية استلاب وتبعية غير واعية للغرب المتقدم ''هؤلاء هم ضحية إغراء الغرب حسب تعبير مالرو. تنعكس اللبرالية الأوربية في أذهانهم انعكاسا تماما في الوقت الذي تواجه تلك الليبرالية في أوربا ذاتها هجومات من كل جانب. تتشابه سيرهم مهما تباعدت أوطانهم. يساهمون في البداية ولمدة قصيرة في الحياة السياسية، ثم يتفرغون للعمل التربوي. تخونهم الظروف. وضمن المجابهة الكبرى، بسبب تغاير الليبرالية لمجتمع لم تنشأ فيه، نرى بعضهم ينساق إلى اليأس وينعكف نحو قيم التقليد''[53].

لقد مثل النهوض الثقافي، بالنسبة إلى العروي، مدخلا ضروريا لكل تحول تاريخي مرتقب: ''إذا أردنا أن نعطي فعالية لعملنا الجماعي وإبداعية حقيقية لممارستنا السياسية والثقافية فلا بد من ثورة ثقافية تعم المجتمع بجميع فئاته وتقلب المنهج الحديث في الصورة التي ظهر بها في بقعة معينة من العالم لا في ثوب مستعار من الماضي. هذه الثورة الثقافية مازالت في جدول الأعمال''[54]. ولا يمكن إنجاز ثورة ثقافية في نظر العروي إلا من خلال حرب إيديولوجية متواصلة، حيث يتوجب على المثقف ''أن ينفذ إلى الجذور ويتصدى لحرب إيديولوجية لا هوادة فيها. كانت الواجهة الثقافية الإيديولوجية دائما هادئة لأنها ميدان تعايش على أساس عبادة المطلقات. هذا الهدوء يجب أن ينتهي ويخلفه صراع متواصل''[55].

ومن أجل بلوغ هذه الغاية يطلب العروي من المثقف الجديد (التاريخاني) أن يقوم بدوره في تحديث المجتمع ومساعدته على تجاوز التأخر الحضاري. وذلك بالانخراط في سجال فكري حاد ومتواصل يتيح البرهنة على فساد أفكار وأطروحات الإيديولوجيات السائدة التي ترفض الديمقراطية وتعادي النزعة التاريخانية: ''لكي يكون التاريخ ميدان جد ومسؤولية لابد من اعتبار الحقيقة المطلقة كحركة وكصيرورة. عندما يصف المؤرخ حدثا ما و يريد أن يعطيه وزنا وقوة تأثير، يلزمه حتما ألا يكون مقتنعا بقيمته أو بتفاهته مسبقا. يجب أن يفترض أن مغزاه سيظهر تدريجيا يوما بعد يوم وعملا بعد عمل وحكما بعد حكم. بدون أن يأمل أن يرسم صورته الكاملة القارة. كل عمل تاريخي ناقص بدون معرفة نتائجه. وهذه تتشعب وتتوالى إلى ما لا نهاية. وكل حكم في التاريخ قابل للاستئناف للسبب ذاته. وهذا المبدأ هو في آن واحد أساس النزعة التاريخية والديمقراطية والعلم الحديث''[56].

ينبني المشروع الثقافي البديل الذي يقترحه العروي على أساس فكري تاريخاني يؤمن بقدرة الإنسان على الفعل والإنجاز بما يقود إلى إغناء وتطوير مكاسب الحداثة كما بلورها الغرب الحديث والمعاصر. ذلك أن تجربة التحديث التي يتعين على المجتمعات العربية أن تخوضها ينبغي أن تقطع مع منطق التقليد الذي يتشكل باعتباره لحظة تكرارية تتوخى استعادة أمجاد الماضي (المشروع السلفي) أو تطمح إلى التطابق مع منجزات الحداثة الغربية (الاختيار الليبرالي). فقد أوجز العروي عناصر الأنموذج المثالي الذي يشكل ظاهرة الحداثة فحددها في الطبيعة والعقل والفرد والحرية، فالحداثة ''تنطلق من الطبيعة معتمدة على العقل في صالح الفرد لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية''[57].

وقد حدد العروي شروطا ثلاثة من أجل بلوغ هذه الغاية[58]:

1- معرفة معطيات الثقافة الحديثة.

2- معرفة تجربتنا التاريخية في كل مظاهرها.

3- إذكاء الوعي.

لذلك وصف العروي مشروعه الثقافي بأنه ''نقد إيديولوجي للإيديولوجية العربية (...) كتمهيد للعمل على تغيير الهياكل الاجتماعية. نقد موجه أساسا للناحية المثقفة في مرحلة انتقالها فرضتها إخفاقات الماضي وانحرافات الحاضر حتى نتهيأ لمرحلة لاحقة قد يعيننا على كسب معاركها التوضيح الإيديولوجي المتبوع بالتزام سياسي''[59].

وما من شك أن استخدام العروي لمفاهيم تعود إلى حقل الفلسفة التاريخية ("الإيديولوجية العربية المعاصرة" و"العرب والفكر التاريخي") ثم تدعيم ذلك بدراسات معمقة تمحورت حول مفاهيم بعينها (الدولة والحرية والإيديولوجية والتاريخ والعقل) قد أسهم في توضيح وترسيخ القناعات الفكرية والاختيارات الإيديولوجية التي اعتنقها ودافع من أجل التأسيس لفعل ثقافي أكثر نضجا وممارسة سياسية أكثر واقعية ومردودية. فقد ارتبط عمل العروي في تدقيق المفاهيم بمشروع تحديث المجتمع وتطويره. يقول: ''إننا لا نبحث في مفاهيم مجردة لا يجدها زمان ولا مكان. بل نبحث في مفاهيم تستعملها جماعة قومية معاصرة هي الجماعة العربية. إننا نحلل تلك المفاهيم ونناقشها لا لنتوصل إلى صفاء الذهن ودقة التعبير وحسب. بل إننا نعتقد أن شجاعة العمل العربي مشروطة بتلك الدقة وذلك الصفاء''[60]. ولذلك أدرج العروي سلسلة كتب المفاهيم التي أنجزها ضمن غاية كبرى تمثلت في تحديد ''منطق الحداثة''[61] الذي شكل مفهوما مؤطرا ومهيمنا صيغت في ضوئه مفاهيم السلسة ككل[62]. فقد أوضح العروي أن موضوع سلسلة المفاهيم "مرتبط بالوضع الذي نعيشه منذ قرنين، حيث انقطعت الصلة بيننا وبين وإنجازات ومنطق تراثنا الثقافي''[63].

لقد وضع العروي الأسس الأولية لمشروع ثقافي طموح توخى من خلاله الإسهام في تغيير الذهنيات وأنماط السلوك باعتبارها خطوة ممهدة تقود إلى تحقيق ثورة ثقافية تمكن من توطيد دعائم الحداثة وترسيخ مبادئ المعاصرة في المجتمعات العربية انطلاقا من وعي فكري تاريخاني.

 

2- الفكر التاريخي:

يرجع العروي فشل المشروع الإصلاحي الذي دعا إليه ممثلو الإيديولوجية العربية إلى غياب الوعي التاريخي؛ فالأفكار التي اقترحها الاتجاهان الرئيسان في الإصلاحية العربية (السلفي والليبرالي) من أجل مواجهة مشكلة التأخر العربي لا تستحضر معطيات التاريخ ولا تعتد بدروسه؛ السلفي منشغل بالدفاع عن هويته مطلقة ومغلقة تحت ذريعة المحافظ على المقومات الذات الحضارية أمام تهديدات الآخر الأجنبي. أما الليبرالي فغارق في منجزات الحضارة الغربية دون أن يتسلح بوعي نقدي يتيح له استيعاب متطلبات اللحظة التاريخية التي ينتمي إليها. مما يجعله يسقط في الاستلاب الثقافي والحضاري. وهي النتيجة الحتمية لكل تقليد أعمى يتجاهل معطيات الواقع ولا يتجاوب مع دروس التاريخ.

إن غياب الوعي التاريخي لدى ممثلي الإيديولوجية العربية المعاصرة جعل مشاريعهم الإصلاحية منفصلة تماما عن الواقع، فالسلفي يطمح إلى استعادة أمجاد الماضي التي تتردد في وجدانه في صورة "حنين رومانسي''[64] لينتهي به الأمر بأن "ينحل في شخصيات السلف الصالح''[65]. أما الليبرالي فيلقي بنفسه في تيار الحداثة الغربية ليعيش حلم التقدم الذي لا يعدو أن يكون، في الحقيقة، وهما أو طوبى متخيلة. وفي جميع الأحوال يعيش رواد الإصلاحية العربية انفصاما رهيبا يجعلهم لا يرون ما يقع أمامهم: "إذا ربطنا الأصالة بإنجازات الماضي فقد تاه كلامنا عن المقاصد، لأنه يشير إلى تاريخ بائد. وإذا ربطناها بالإنجازات الحالية كان كلامنا فارغا، لأن ثقافتنا الحالية مقتبسة في جل مظاهرها باتفاق الجميع''[66].

ولذلك انتقد العروي بحدة البرنامج السلفي والاختيار الليبرالي على حد سواء؛ فكلاهما لم ينجح في تقديم مشروع إصلاحي حقيقي يمكن من تجاوز حالة التأخر التاريخي: ''يوجد على الساحة العربية برنامجا يتفقان في الهدف؟ محو التخلف، ويفترقان في الغاية: الأصالة بالمحافظة على الموروث، أم النبوغ في إطار التراث الإنساني المشترك. الواقع أن كل برنامج بقي حتى اليوم مجرد دعوى. ولم يخرج أي منهما إلى حيز الوجود''[67]. والنتيجة المترتبة عن غياب الوعي التاريخي، عند الإصلاحيين العرب بمختلف أصنافهم، هي 'التبعية وعلى كل المستويات؛ فـ "فمن طبيعة الانتقائية أن تفتح الباب لكل المؤثرات الخارجية. والفكر التقليدي لا يقل عنها خضوعا''[68].

تتحدد التبعية عند العروي باعتبارها مظهرا من مظاهر الاستلاب الثقافي والحضاري: ''السلفي يظن أنه حر في فكره، لكنه في الواقع لا يفكر باللغة العتيقة وفي نطاق التراث بل إن اللغة والتراث هما اللذان يفكران من خلال فكره. أما الانتقائي فإنه غالبا ما يفكر في نطاق الثقافة التي استقى منها معلوماته وباللغة التي استعملها لذلك. فتغيب عنه تماما مشكلات اللغة العربية والثقافة التقليدية''[69].

وينجم عن التبعية، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، العجز عن إدراك الواقع كما هو. مما يؤدي إلى تعميق مظاهر التأخر ومضاعفة مستوياته: ''التبعية الظاهرة والخفية لا تعني فقط عدم الاستقلال والاستغلال، بل تعني كذلك تعميق واستمرار التأخر التاريخي''[70]. يؤكد ذلك واقع بعض الدول التي أرادت الخروج من شرنقة التخلف عبر التعاون مع الغرب. وقد كانت نتيجة ذلك ارتفاع معدلات الإنتاج والدخل ظاهريا، لكن التخلف ظل واقعا على المستوى الإنساني والاجتماعي والفكري. وما يزيد في تعميق الأزمة أن ''السلفي الانتقائي لا يعيان حتى التبعية التي يعيش فيها ويمهدان لها الطريق على الدوام''[71].

يبدو العروي مقتنعا بفساد أطروحات المشروع الإصلاحي الذي يتبناه ويدافع عنه كل من المثقف السلفي والمثقف الانتقائي. ولذلك دعا إلى ''إبداع اتجاه ثالث مبني على التجربة والمخاطرة. لكن يجب ألا ينحصر هذا الاتجاه في البحث عن خاصيات قوميتنا والتعبير عنها لأن ذلك انزواء وفلكلورية. الخاصية ليس معناها حتما الرفض والمغايرة. ليس من الضروري أن نبدأ برفض أشكال الثقافة المعاصرة بل يمكن ويجب أن ننطلق منها محاولين تعميقها وتوسيع نطاقها مظهرين أن هذه الثقافة التي تدعي العالمية ليست عالمية تماما. تنقصها تجربة هي تجربتنا التي إن نجحنا في تشكيلها ستكسب مدلولا عاما''[72].

يحتاج توطين الحداثة في المجتمعات العربية إلى ثورة شاملة تمكن العرب من تجاوز النظرة المسحورة إلى العالم والتسلح بدلا من ذلك بالوعي التاريخي؛ فهو "مقياس المعاصرة''[73] والأداة التي تساعد على منجزات الحداثة واستيعاب مكتسباتها. وإذا لم يتحقق ذلك فليس أمام العرب سوى استمرار الهزائم والنكسات التي من شأنها تعميق مظاهر التأخر الحضاري ''قد يتقدم المجتمع العربي بصورة ما. قد يحرز بعض الانتصارات حتى لو استرسل في طريقة الحالي، إلا أنه سيقتحم الحاضر والمستقبل ظهريا مدفوعا مرغما وأعينه محدقة في الأصل المتباعد تحت قيادة القوى المسيطرة حاليا، فيعيش حياة ازدواج وانفصام دائمة في ظل نكسات متوقعة''[74].

لقد مثل الفكر التاريخي مدخلا ملائما لإنجاز التحول المرتقب وتجاوز مظاهر التأخر التاريخي: ''علينا أن نقول بكل صراحة إن المجتمع الذي يتمشى على ضوء النظرة التاريخانية يسود العالم. ولم يستطع أي مجتمع كان المحافظة على مقامه وحقوقه إلا بالخضوع للمنطق الجديد. أما الوفاء لرؤية خصوصية بدون أدنى أمل في تعميقها وفرضها على الغير فإنه لا يؤدي إلا إلى كلام غير مسموع. الوعي التاريخي هو منطق العمل والإنجاز''[75].

وقد اعتبر العروي أن اكتساب وعي تاريخي وحده كفيل بتحرير الفرد العربي من الضياع في المطلقات والذوبان في التراث. هذا هو المدخل الضروري لكل إصلاح حقيقي: "إذا انطلقنا من الشعور الملح والمؤلم بالإصلاح؛ أي التجديد حقا؛ أي الهدم والبدء مجددا، فإننا نخضع لما هو مبطن في المفهوم من إبداع وإنشاء، من مبادرة وإقدام. ننطلق مرغمين من قضايا ملموسة، قضايا الحرب والاقتصاد والتربية والأسرة والسياسة. وهي كلها مكونات لمفهوم أعم هو مفهوم التاريخ''[76].

إن التوجه إلى الماضي يجعل المثقف منفصلا عن مشكلات الواقع وأسئلة الحاضر، لأن الفكر التقليدي ''لا يتحدد بأحكامه العينية بقدر ما يعرف بمنهجه المبني على أن الحقيقة موجودة كاملة في مكان ما وفي زمن ما. يكشف عنها من حين إلى حين ودفعة واحدة''[77]. ويترتب عن ذلك أن المثقف التقليدي ينفصل عن محيطه ولا يكون له تأثير في مجتمعه: "المثقف عندنا لا يتحرر فعلا، فلا يعين مجتمعه على التحرر لأنه ينفصل دائما عن المحيط الذي يعيش فيه وينتقل إلى عالم ماض يجعل منه الحقيقة المطلقة''[78].

في مقابل ذلك يدرك الفرد، الذي اكتسب وعيا تاريخيا، أن الإنسان هو صانع التاريخ كما يقتنع بأن التطور التاريخي يسير في اتجاه واحد (من الماضي إلى المستقبل). وبذلك يصبح الفكر التاريخي أداة للتقدم والتطور (طفرة واقتصاد الزمن) لأنه يعطي للعمل منطقا ومفعولية، لأن ''الفكر التاريخي هو الذي يحرر المرء من الأوهام ويوجهه نحو الواقع والإنجاز''[79].

لقد مثل الفكر التاريخي بالنسبة إلى العروي ''مقياس المعاصرة''[80] لأن التحرر من أوزار الماضي لن يتحقق إلا إذا اكتسب العرب وعيا تاريخيا ومن دونه ''تغرق كل فكرة في بحر الحاضر الدائم، أي ترجع إلى أرضية الفكر السلفي''[81]. ولذلك نظر العروي إلى التاريخانية بوصفها الوسيلة المثلى التي تمكن العرب من تجاوز حالة التأخر الحضاري، فقد ظل السؤال الأهم بالنسبة إليه هو ''كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات اللبرالية قبل (وبدون أن يعيش مرحلة اللبرالية)"[82]. وقد أكد داعية التاريخانية أن استيعاب مكتسبات الحداثة كما بلورها الغرب الحديث سيظل على رأس جدول أعمال الفكر العربي المعاصر مهما طال الزمان[83].

 

3- الماركسية الموضوعية:

يتميز العروي، بين أقرانه من المفكرين العرب المعاصرين، بامتلاكه شجاعة الاختيار والحسم. فقد اختار الماركسية الموضوعية باعتبارها نظاما فكريا متكاملا مثل بالنسبة إليه أداة استراتيجية ضمن برنامج إصلاحي مرحلي يتيح للعرب تمثل أصول الحداثة واستيعاب أسس المعاصرة. فقد قرر العروي أن تأمل واقع المثقفين في العالم الثالث من شأنه أن يجعلنا نقر بأن ''النزعة التاريخية (أو التاريخانية بتعبير أدق) أي فرضية التاريخ كاتجاه واحد وكمعنى هي التجربة الأولية في ذهن المثقف العالم الثالث، رغم كل ما يدعيه هو ورغم ما يقال عنه، فلا يظهر وعي ونشاط وحيوية في مجتمع مغلوب على أمره ومسيطر عليه أو على أقل تقدير محتقر ومهمل، إلا وظهرت النزعة التاريخانية. بدونها يهيمن الخضوع ويبرز الاستسلام''[84].

لقد أعلن العروي هذا الاختيار ودافع عنه في مواضع عديدة من مصنفاته. يقول: ''لا أقول إن الماركسية التاريخانية هي لب الماركسية وحقيقتها المكونة، وإنما أكتفي بتسجيل واقع والتقيد به. وهو أن الأمة العربية محتاجة في ظروفها الحالية إلى تلك الماركسية بالذات لتكوّن نخبة مثقفة قادرة على تحديثها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، ثم بعد تشييد القاعدة الاقتصادية يتقوى الفكر العصري ويغذي نفسه بنفسه''[85].

تمثل الماركسية اختيارا استراتيجيا على مستوى الواجهة الثقافية، لأنها تجسد البعد الإرادي في الفلسفة التاريخانية (فكر وعمل). وهو البعد الذي يلح على ضرورة نقل الفكرة من مجرد القناعة الفلسفية العامة إلى مستوى الانخراط الفعلي في العمل والانجاز. ولن يتأتى ذلك في نظر العروي بالنقل المقلد للنظرية الماركسية بل يتعين تعريب أفكارها: ''لن تكون الماركسية معربة إلا إذا طبقت كمنطق ضمني في أبحاث وتحليلات جديدة وجدية حول ماضينا وحاضرنا (...) وتكثر هذه الأبحاث إلى حد يستوعب المجتمع العربي المنطق العربي المنطق الماركسي كأداة فعالة في توضيح ماضيه وحاضره''[86].

يرفض العروي النقل المقلد للماركسية ويدعو بدلا من ذلك إلى تعريبها لغويا وثقافيا ''إن الماركسية أو بعبارة أدق الإيديولوجيا القومية المعاصرة للأحوال العالمية، التي لا تختصر في مبادئها المبسطة بل تنحل في منطق أبحاث تاريخية واجتماعية كبرى، ستذيع في المجتمع العربي، عن طريق الأبحاث، مفاهيم النفعية والليبرالية والتاريخانية. وستشارك في ذلك بأوفر قسط في بعث منطق سياسي في بلادنا. ومن هنا ضرورة تعريب الماركسية لغويا وثقافيا''[87]. ولذلك كانت الماركسية، التي يدعو العروي إلى اعتناقها، هي التي ''تنشأ وتتلون بأوضاع الأمة العربية''[88].

ينظر العروي إلى الماركسية باعتبارها نظاما فكريا عاما يمتلك القدرة على تحديث ذهنية الأفراد بما يقود إلى تنوير وترشيد العمل السياسي وبالتالي تغيير وتطوير المجتمع، لأن فكر الحداثة يتركز بشكل أساس على قيمة الحرية والاستخدام الأقصى للعقل بمفهومه النقدي ومنح الفرد مكانة متميزة داخل المجتمع في إطار دولة حديثة تشكل نظاما عقلانيا يتولى تدبير الشأن العام استنادا إلى مشروعية أرضية تمثيلية. ذلك أن ''الديمقراطية كنظام مدني تقتضي أن لا أحد في المجتمع يملك الحقيقة السياسية (أي ما يصلح وما لا يصلح لخير وسعادة ونمو المجتمع) بل إن تلك الحقيقة تتكون شيئا فشيئا عن طريق المناقشة المتواصلة ومحاولات إقناع البعض الآخر. وأخيرا الاقتراع كوسيلة لإثبات حقيقة توافقية يصطلح عليها مؤقتا في انتظار نتائج التجربة وتغيير الأوضاع''[89].

تشكل الماركسية، في نظر العروي، مدرسة للفكر التاريخي الذي يرسخ الوعي بنسبية التأخر ويغذي التفاؤل بإمكانية تغييره وتجاوزه. ويتيح ذلك للفرد العربي الاقتناع بقدرته على الفعل وإمكانية ممارسة التأثير الايجابي في محيطه وواقعه، حيث يترسخ في فكره ووجدانه أن الماركسية ''نظام فكري عام لتحديث ذهنيتنا وبالتالي عملنا السياسي وبالتالي مجتمعنا''[90]. ولذلك دعا العروي إلى ''ضرورة تبني الماركسية التاريخانية لخلق مجال ثقافي تتوحد فيه جماعة تكون فيما بعد نواة حركة تحديثية جديدة في المجتمع العربي''[91]. وبذلك تغدو الماركسية أداة لتحقيق التحول السياسي والاجتماعي المرتقب. إنها ''النظام المنشود''[92] الذي يتيح للعرب فهم منطق العالم الحديث وتمثل بنيته الكامنة مجسدة في المنطق الديمقراطي الليبرالي. ومن دون ذلك سنظل ''تلاميذ بلا نباهة (في) عالم شيد بجوارنا وربما على أرضنا نستلذ به ولا نتوصل إلى نواميسه''[93].

لقد مثل القول بـ "ضرورة اللجوء إلى الماركسية كمتطلب ذهني عمومي''[94] أساس الدعوة الإيديولوجية التي عمل العروي على ترويجها والدفاع عنها. إنها البديل الفكري المقترح الذي يمكن المجتمعات العربية من تجاوز حالة التأخر التاريخي: ''إن التجارب بدأت على أساس فهم تاريخاني للماركسية. وتمكنت من خلق نخبة مثقفة ثورية أي متحررة من أوهام الماضي، ثم كونت تقليدا ثوريا قوميا تتلمذت عليه جماعات إثر جماعات. تفرقت بعد ذلك في مختلف دروب الحياة وعملت في ميادين متعددة على نشر أشكال الذهنية العقلانية. ونجحت أخيرا في دفع مجتمعها عن طريق ثورة ثقافية إلى أبواب العصر الحديث''[95].

من الواضح أن العروي يصدر عن وعي ثقافي يؤمن بواحدية التاريخ البشري وكونيته. ولذلك اعتنق التاريخانية من أجل تجنب المأزق الذي سقط فيه بعض الحداثين العرب الذين رفعوا شعار العقلانية ونادوا بضرورة تجاوزها في ذات الوقت. ومن هنا مثلت الماركسية بالنسبة إليه ''النظام المنشود الذي يزودنا بمنطق العالم، لأننا نعيش أطوار العالم الحديث المتتابعة ولم نستوعب بنيته الكامنة (أي المنطق الديمقراطي الليبرالي)''[96]. وقد ذكر العروي أن دعوته إلى اعتناق الماركسية قامت ''على أساس المنفعة لا عن طريق التعليل المجرد''[97]، كما أقر بأن حماسه للماركسية يصدر عن نزعة براغماتية تعود إلى تصور خاص لمنطق العمل والتصرف مقابل منطق التأمل[98]. ويظهر ذلك بشكل واضح في تسمية العروي لماركس الذي يستلهم تراثه بـ "ماركس النافع"[99].

 

4- البعد الكوني للحداثة:

يتطلب توطين الحداثة في المجتمعات العربية الاستفادة من نتائج التحديث التي راكمتها الإنسانية في كفاحها ضد التخلف. وهو ما أطلق عليه العروي ''المتاح للبشرية''[100] الذي يتحدد عنده باعتباره الأفق المستقبلي والأنموذج الكوني الذي يتعين على المجتمعات العربية احتذاءه والسير في اتجاهه. فقد تشكل المشروع الإصلاحي الذي بلوره العروي من تنظير فلسفي بني على المبادئ الأربعة الآتية[101]:

1- ثبوت قوانين التطور التاريخي.

2- وحدة الاتجاه.

3- إمكانية اقتباس الثقافة.

4- إيجابية المثقف والسياسي.

استنادا إلى هذه المبادئ وفي إطارها فكر العروي في واقع التأخر العربي وقدم مقترحاته التي تساعد من وجهة نظره على تخطي عوائق الحداثة: ''الدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي شيدت على ضوئها السياسات الثورية الرامية إلى إخراج البلاد. غير الأوربية من أوضاع وسطوية مترهلة إلى أوضاع صناعية حديثة''[102]. ولذلك دعا العروي إلى الاستفادة من دروس الحداثة الغربية رغم السلبيات التي يمكن أن يطرحها هذا الإجراء: ''المطلوب من المثقف أن يرفع في وجه ممثل الثقافة الأصيلة وما يترتب عنها من أنظمة وهياكل اجتماعية وسلوك، راية الثقافة التي تفتح أبواب التقدم رغم ما فيها أيضا من سلبيات، لأن التشبث بمقولة الأصالة نكاية في الغرب الامبريالي يعني في الظروف القائمة تعاميا عن الواقع وتنكرا للمستقبل''[103].

يؤمن العروي بواحدية التاريخ البشري. ولذلك لم يتردد في الدعوة إلى التعلم من دروس الحداثة الغربية ''ذات يوم خرجت أوربا البشرية من أوربا الجغرافية واستولت تدريجيا على سائر البسيطة. ليس في هذا الأمر ما يدعو إلى الدهشة إذ سبقت شعوب أوربا في هذا الميدان شعوب كثيرة في القارات الأخرى (...) ثم تحولت صورة السيطرة الأوربية مع اكتمال الثورة الصناعية في أواسط القرن الماضي. حدت الأرض باكتشاف جميع أطرافها وتقاسمتها الدول الأوربية. حينئذ تكلمت أوروبا عن آسيا النائمة والشرق المحنط وتركيا المريضة وتلوثت علاقات أوربا بغيرها بلون خاص يمتزج فيه العنف والإقناع والتهديد وتتلمذت الشعوب تباعا لأوربا''[104].

لقد اقتنع العروي بأنه يتوجب على العرب استيعاب مبادئ الحداثة الغربية وتمثل مكتسباتها في الفكر والعمل لكي يتمكنوا من المساهمة في إغناء وتطوير الحضارة الإنسانية. ومن هنا قوة وأهمية الدعوة الإيديولوجية التي بلورها العروي ومثلت بالنسبة إليه خطوة ضرورية في درب التحول التاريخي. فقد لحظ كمال عبد اللطيف أن أهمية المشروع الفكري لعبد الله العروي ''تأتي من البعد الراديكالي الذي يروم بلوغه بدفاعه عن ضرورة التعلم من دروس الحداثة الغربية. إنه لا يهادن وهو يدعو في نصوصه إلى التخلص من أوزار الماضي العقائدية والفكرية لمصلحة حضارة يعتقد بمكوناتها المستقبلية بناء على حسابات ومؤشرات واقعية"[105].

لقد برز العروي بوصفه واحدا من أهم المفكرين الذين عبروا بوضوح عن حاجة المجتمعات العربية المعاصرة إلى العقلانية بقطع النظر عن الانتقادات التي وجهت إليها في الغرب: ''لا يجب تحديد العقلانية بكيفية مجردة فلسفية (...) بل يجب استقراؤها من التطور التاريخي، من الظروف الواقعية التي تمكنت فيها مجتمعات معينة من التقدم والازدهار''[106].

وقد بنى العروي دعوته الإيديولوجية على أساس تصور محدد للتاريخ الذي جعل من أوربا المركز الأقوى والمسيطر بعد أن حققت ثورتها السياسية والصناعية ووضعت أسس العلم الحديث.

 

خلاصات وآفاق:

1-  إن عودتنا، في هذه الدراسة، إلى أعمال عبد الله العروي لم تتم بغرض الإحاطة الشاملة بعناصر مشروعه الفكري بقدر ما توخينا إعادة بناء وتركيب أهم الإشكالات التي خاض فيها من أجل لفت الانتباه إلى أطروحاته المؤسسة على المستوى النظري والتنظيري. وذلك في أفق الدعوة إلى فتح نقاش واسع حول مجمل الآراء التي قدمها هذا المفكر في دراساته وأبحاثه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن محاورة أفكار ومقترحات العروي ينبغي أن تكون بعيدة عن التناول التبجيلي، لأن خير تقدير لجهوده الفكرية، القراءة النقدية الواعية لأعماله من أجل اختبار مدى سلامة إجاباته عن الأسئلة المربكة التي تطرحها اللحظة المغربية والعربية الراهنة. فقد مثلت مؤلفات العروي، من هذه الناحية، جهدا فكريا متميزا أسهم بصورة فعالة في صياغة الملامح البارزة لنظرية الإصلاح ومشاريع التطوير والتحديث في الوطن العربي.

2-  لقد توخت هذه الدراسة مساءلة المنجز الفكري الذي بلوره عبد الله العروي خلال مسار ثقافي حافل. وذلك بغرض تقديم الخطوط العريضة لمشروعه الثقافي بما يمكن من إعادة بناء أطروحته المركزية ممثلة في الكشف عن أسباب التأخر التاريخي الذي ظل سمة ملازمة لواقع المجتمعات العربية ومساعدتها على الانخراط في حركة التاريخ الكوني. ولذلك مثل سؤال الحداثة وسبل التحديث الخلفية الناظمة باجتهادات العروي التي انتظمت في صيغة تركيب منهجي رسم خلاله العروي الخطوط العريضة لمشروع فكري طموح أراد له صاحبه أن يكون بمثابة حافز على التفكير في موجبات الإصلاح السياسي والثقافي بوصفه المدخل الملائم لاستيعاب أصول الحداثة وتمثل أسس المعاصرة.

3-  تميز مشروع العروي بجرأته في الدعوة إلى اجتثاث الفكر السلفي والمنزع التوفيقي من محيطنا الثقافي. وذلك ضمن خطة تروم تشخيص مفارقات الوعي العربي من خلال نقد الأطروحات الإيديولوجية العربية المعاصرة باعتبارها خطوة ضرورية لانطلاق تحديث المشروع المجتمعي الذي دعا إليه العروي وصاغ ملامحه الرئيسة انطلاقا من رؤية فكرية تأخذ بعين الاعتبار معطيات الواقع ووقائع التاريخ، حيث تظهر المعاينة الدقيقة لكتابات العروي أنه يوظف أدوات منهجية وإجرائية تعود إلى حقول معرفية متنوعة ساعدته على صياغة خطاب استدلالي متماسك حول حاضر العرب ومستقبلهم، حيث يتداخل في دراسات العروي ''البحث التاريخي'' و''التحليل السياسي الاجتماعي'' و''التوضيح الإيديولوجي''[107]. وقد مكنته هذه المنهجية التحليلية من تشخيص مفارقات الوعي العربي التي مثلت، بالنسبة إليه، حاجزا معرفيا يحول دون تحقيق النهضة الحضارية المنشودة.وقد شكلت هذه الغاية البعيدة عصب المشروع الفكري الذي بلوره العروي لكي يمثل مقترحا بديلا للمشاريع التي أنتجها دعاة الإيديولوجيا الإصلاحية في الوطن العربي. ومن هنا مثلت أعمال العروي لحظة تدشين وانطلاق التفكير النقدي العميق الذي يشتبك مع الواقع ويدعو إلى تغييره وتطويره من خلل الدفاع عن قيم الحداثة والعمل على تأصيلها في المجتمعات العربية انطلاقا من مرجعية فكرية تتجه إلى بلورة تصورات جديدة فيما يخص إصلاح المجال السياسي وتطوير الحقل الثقافي.

 

د. مصطفى الغرافي - باحث من المغرب

...............................

[1]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط1 - 1996 ص: 14.

[2]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، البيضاء،ط 5- 2006 ص: 70

[3] -  عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 357.

[4]-  نفسه، ص: 364.

[5]-  نفسه، ص: 357.

[6]- - "الكتاب بني كله على واقع القطيعة وقبولها كمسلمة" - مفهوم العقل ص: 358

[7]- عبد الله العروي، مفهوم العقل ص: 19

[8] - نفسه، ص: 163.

9 -  نفسه، ص: 360.

10-  نفسه، ص: 359.

11-  نفسه، ص: 361

[12]- نفسه ص: 56

[13]- نفسه ص: 102

[14]- نفسه، ص: 69.

[15]- نفسه ص: 358.

[16]- نفسه ص: 363.

[17]- نفسه ص: 364.

[18]- نفسه ص: 363.

[19]- نفسه ص: 362.

[20]- نفسه، ص:17

[21]- نفسه، ص: 152.

[22]- نفسه، ص: 152.

[23]- نفسه، ص: 97.

[24]- نفسه، ص: 164.

[25]- نفسه، ص: 358.

[26] - نفسه، ص: 101.

[27]- نفسه، ص: 358.

[28]- نفسه، ص: 10.

[29]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 22.

[30]- نفسه، ص: 63.

[31]- عن التقليد والتخلف التاريخي، حوار العروي وعبد العزيز بلال ومحمد جسوس، مجلة لاماليف ع: 64 – 1974 نقله إلى العربية محمد بولعيش ومصطفى المسناوي، نشر في بيت الحكمة ع:1- 1986 ص: 167.

[32]- نفسه، ص: 142.

[33]- نفسه، ص: 163.

[34]- نفسه، ص: 163.

[35]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 10.

[36]- من التاريخ إلى الحب، حوار أجراه محمد الداهي مع عبد الله العروي، كتاب مجلة الدوحة ع 73 - 2013 الكتاب رقم 29، وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر ص: 68.

[37]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 62.

[38]-  عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 363.

[39]- نفسه، ص: 66.

[40]- نفسه، ص: 67.

[41]- نفسه، ص: 67.

[42]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 95.

[43]- نفسه، ص: 20.

[44]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 25.

[45]- نفسه، ص: 102.

[46]- نفسه، ص: 101.

[47]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 17.

[48]- نفسه، ص: 220.

[49]- عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، البيضاء ط 2- 1999 ص:39

[50] - عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 205.

[51]-  نفسه، ص: 59.

[52] -  نفسه، ص: 61.

[53]- عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط 6- 2002ص: 161.

[54]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 43.

[55]- نفسه، ص: 224.

[56]- نفسه، ص: 93.

[57]- نفسه، ص: 108.

[58]- نفسه، ص: 114.

[59]- نفسه، ص: 18.

[60]- عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط6- 1998 ص: 5.

[61]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 15.

[62]- نفسه، ص: 15.

[63]- نفسه، ص: 12.

[64]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 61.

[65]- العرب نفسه، ص : 207.

[66]- ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص: 199.

[67]- عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص: 202.

[68]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 206.

[69]- نفسه، ص: 208.

[70]- نفسه، ص: 206.

[71]- نفسه، ص: 207.

[72]- نفسه ص: 114.

[73]-  نفسه، ص: 68.

[74]-  نفسه، ص: 25.

[75]- نفسه، ص: 61.

[76]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 361.

[77]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 42.

[78]- نفسه، ص: 68.

[79]- نفسه، ص: 207.

[80]- نفسه، ص: 68.

[81]- نفسه، ص: 68.

[82]- نفسه، ص: 45.

[83]- نفسه، ص: 17.

[84]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 174.

[85]- نفسه، ص: 68.

[86]- نفسه، ص: 161.

[87]- نفسه، ص: 166.

[88]- نفسه، ص: 66.

[89]-  نفسه، ص: 94.

[90]-  نفسه، ص :76.

[91]- نفسه، ص: 69.

[92]- نفسه، ص: 63.

[93]-  نفسه، ص: 63.

[94]- نفسه، ص: 73.

[95]- نفسه، ص: 73.

[96]- نفسه، ص: 63.

[97]- نفسه، ص: 63.

[98]- عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، ط2- 1999 هامش48 الصفحة 168

[99]-  التحديث والديمقراطية، حوار العروي مع مجلة آفاق المغربية، ع 3- 4، 1992صص: 157

[100]- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص: 70.

[101]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 260.

[102]- عبد الله العروي، مفهوم الايدولوجيا، المركز الثقافي، البيضاء، ط 5 – 1993، ص: 125.

[103]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ص: 22.

[104]- عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص: 155.

[105]- كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، إفريقيا الشرق- المغرب 2003، ص:147.

[106]- عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، هامش الصفحة 18

[107]- التحديث والديمقراطية، حوار العروي مع مجلة آفاق المغربية، ع 3- 4، 1992ص: 149.

 

abdullah badrhskandarالطرح الجزئي لمسلمات الدين والابتعاد عن التصديق بتفاصيلها يفضي بالناس إلى إنكار جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم وأرشدهم إليها عن طريق الأنبياء والرسل، ولذلك نرى أن الحق سبحانه جعل الأجزاء التي يتكون منها المنهج الإلهي يعضد بعضها بعضاً، فإن حدث ما يتسبب في ترك نسبة قليلة من تلك الأجزاء فبلا أدنى ريب سيكون هذا الترك مشتملاً على المنهج بأسره، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في كثير من متفرقاته فتارة يربط قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً، كما في قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) المائدة 32. وتارة يجعل عدم التصديق بالملاك الديني مرتبطاً بترك مسلمة من مسلماته، كما في قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 85. من هنا نرى أن الطريق الموصل إلى استزلال الشيطان لبعض الناس لا يخرج عن هذه الدائرة، ولذلك نجد أن الكسب الناتج عن أعمالهم السيئة قد جعلهم في موقع متأرجح بين اتخاذ السبيل القويم وبين الميل عنه وأنت خبير بأن عدم استقرار الإنسان في الجانب الإيجابي يجعله عرضة لتأثير الشيطان وذلك بسبب كسبه لقليل من الإثم، وهذا ما بينه الله تعالى في قوله: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) آل عمران 155.

وبناء على ما تقدم يظهر أن القرآن الكريم يجعل الإيمان ببعض الرسل ونبذ بعضهم أقرب إلى الكفر وإن شئت فقل هو الكفر بعينه، فما قيمة الإيمان بموسى والكفر بعيسى أو محمد، علماً أن الله تعالى قد بين أن هذا السبيل لا يمكن أن يكون هو السبيل المعتمد في الوصول إلى حقيقة الدين إذ لا سبيل إليه سبحانه إلا عن طريق الإيمان به وبجميع رسله، مع ملاحظة أن الرسول بما أنه رسول ليس له من الأمر شيء فالإيمان به إيمان بالله والكفر به كفر بالله، وقد بين تعالى هذا المعنى بقوله: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً... أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) النساء 150- 151. ولأهمية هذا الأمر ذكر الحق سبحانه ما يقابل أولئك الناس من المؤمنين الذين لا يفرقون بين الرسل، وكيف أعد لهم أجورهم دون أن يبخس حقاً من حقوقهم، فقال عز من قائل: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً) النساء 152. من هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون) المائدة 49.

من بعد هذه المقدمة نصل إلى أن فريقاً من بني إسرائيل قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وسيظهر هذا المعنى من خلال تفصيل الآيات التي أشارت إلى نبذهم كتاب الله في المساحة المخصصة للتفسير، وكذلك سيظهر أن المقصود من نبذهم للكتاب لا يراد منه جميع ما في الكتاب وإنما المقصود أنهم طرحوا الجزء الذي يتضمن الإشارة إلى صفات النبي (ص) والبشارة به إضافة إلى الأمر الموجه إليهم باتباعه والسير على نهجه، ومما يؤسف له أن القوم قد نبذوا جميع هذه التوجيهات واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان كما بينا.

تفسير آيات البحث:

قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) البقرة 101. تصديق الرسول لما معهم يشتمل على قولين:

الأول: تصديق البشرى التي نصت عليها التوراة والمتمثلة بمجيء الرسول الخاتم.

الثاني: تصديقه بنبوة موسى وبالتعاليم والتشريعات التي وردت في كتاب التوراة.

والقول الأول أرجح لأنه يمثل الجزء المنبوذ من قبل اليهود، ولذا جاء التعبير متناسباً مع ما يطرح وراء الظهور، والمراد من هذا المعنى لا يتعدى حدود الكناية، وكما علمت فإن الجزء إذا ترك وأهمل يعد تركاً لجميع ما في الكتاب كما قدمنا، ومن للتبعيض وذلك لإخراج بعضهم من الآية، وقيل في الذين أوتوا الكتاب رأيين:

أحدهما: المقصود من عنده علم الكتاب، ولهذا قرعهم في ختام الآية بقوله: (كأنهم لا يعلمون) من سياق البحث.

وثانيهما: إشارة إلى الذين يدعون أنهم من الخاصة، سواء كان لديهم علم بالكتاب أم لم يكن، وهذا أقرب لما نشاهده اليوم من حال المسلمين الذين يزعمون أنهم من أهل القرآن وخاصته، إلا أن أعمالهم لا تنسجم مع المبادئ والقيم التي نزل بها القرآن الكريم، والمراد من (كتاب الله) في الآية هو التوراة وليس القرآن.

فإن قيل: كيف يصح منهم نبذ الكتاب الذي يتمسكون به؟ أقول: نبذهم للبشارة بالنبي محمد (ص) وصفاته ونعته يعد نبذاً لجميع ما في التوراة، وقد بينا هذا في مطلع بحثنا علماً أن موضوع الآيات لا يخرج عن هذا الجانب فتأمل.

قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة 102. لما تحدث الحق سبحانه عن نبذهم الكتاب وراء ظهورهم أتى ههنا بما يقابل هذا النبذ وهو الاتباع، فهم قد نبذوا الكتاب من جهة واتبعوا ما تتلوا الشياطين على عهد سليمان من جهة أخرى، أي جعلوا طريق الشياطين هو نفس الطريق المتبع لديهم، ويجب أن نلاحظ دقة التعبير في هذا السياق، فالله تعالى لم يقل واتبعوا ما تلته الشياطين بل قال: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) من سياق البحث. وفي هذا التعبير ما يدل على أن اتباعهم للشياطين لا يمكن أن يحد بزمان دون غيره فهو لا يزال إلى اليوم والآية تثبت براءة سليمان (عليه السلام) من الكفر الذي كان منتشراً بين الناس بسبب فعل الشياطين، وهذا ما بينه سبحانه بقوله: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) من سياق البحث. وملخص موضوع الآية أن اليهود لما نبذوا عهد الله تعالى أرادوا أن يأتوا بما يقابل ذلك، وكأنهم يريدون أن يبينوا للناس أن سليمان لم يحصل على النبوة والملك إلا بواسطة السحر الذي انتشر بين الناس عن طريق الشياطين.

هذا من جهة ومن جهة أخرى أرادوا اتباع طريقاً آخر للسحر وهو ما كان يروج له بعض الناس من أن هاروت وماروت كانا هما السبب في ذلك، وكما ترى فإن العكس هو الصحيح، لأن الله تعالى أرسل هاروت وماروت لأجل تعليم الناس طريقة إبطال السحر دون العمل به، وذلك لأنه كان منتشراً بين الناس بسبب تعليم الشياطين إياهم جميع الطرق التي تجعله علماً من العلوم المعتمدة لديهم، ولا يمكن إبطاله إلا بتعليمه أولاً، ولهذا تراهم يقولون: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) من سياق البحث.

قوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) البقرة 103. يظهر من سياق الآية أن الذين دعاهم الله تعالى إلى الإيمان والتقوى والرجوع إليه جل شأنه، هم من ورد ذكرهم في سياق البحث من الذين كانوا يتعلمون السحر من الملكين هاروت وماروت ببابل دون استعماله للأغراض السلمية وكذلك في الآية إشارة إلى الذين يتبعون ما تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، وبهذا تظهر النتيجة أن المراد من هذا المجموع هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فتأمل.  

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

    عبدالله بدر اسكندر  

 

إشكالية – الترادف – في اللغة هي إشكالية مبنائية، لأنها تمس وحدة المعنى، وقد قلنا في مناسبات عديدة: - إن لغة الكتاب المجيد لا تستوعب الترادف ولا تستوعب التبعثر في المعاني، لأن لغة الكتاب تبحث عن معنى محدد في اللفظ - وهو معنى مستقل بذاته وليس محتاجاً لغيره، وهذا القول يعني إن للفظ في لغة الكتاب معناً خاصاً به يريده ويقصده ويعنيه، ولهذا فكل لفظ في الكتاب المجيد له دلالة معينة ومحددة، وقيد التعيين والتحديد في لغة الكتاب يكون من أجل ضبط المعاني، وعدم التسامح في التسلل والسيولة والإختراق فيه .

نعم يكثر التماهي في المعاني لدى الشعراء مما يؤدي إلى فقدان اللفظ معناه الحقيقي، وهذا هو المرفوض والممتنع في لغة الكتاب المجيد التي تبحث عن الضبط والربط في المعاني، وأما ما يُنسب إلى الإمام علي في هذا المجال، فهو ليس عندنا بشيء من جهة الدلالة ومن جهة الموافقة لكتاب الله .

ونعود لنقول: - إن معنى لفظ - أب - في الكتاب المجيد لا يعني الوالد مطلقاً، لأن مفهوم - الوالد - في لغة الكتاب ذات دلالة معينة محددة في الإنجاب والتكاثر، قال تعالى: - ووالد وما ولد – البلد 3، وهي صيغة حصرية في هذا المعنى، وأما - الأب - فيعني المُربي أو المُعلم أو الراعي أو المُوجه أو القائم بالأمر، ومصدر اللفظ واحد من – أب - وهو الرجوع، وهذا ما تقوله المعاجم، ولفظ - أب - يأتي مفرداً تارةً وجمعاً أخرى، والأبوة: هي الرعاية وهي التربية وهي التعليم .

قال تعالى: - [قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل] – البقرة 133، ولفظ – آباءك – الذي ورد في صيغة الجمع المُخاطب لا يعني – والديك -، بل يعني القوم الذين كانوا يعبدون الإله الواحد الذي كان يعبده إبراهيم وإسماعيل، واللفظ ورد في [صيغة الحكاية] .

ونفس الصيغة وردت في معنى قوله تعالى: - [قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا] – 170 البقرة، والخطاب كما هو واضح للمعلوم، وهو لا يدل على – الوالدين - إنما هي إشارة - بمفهوم التبعية - للذين علمونا أو ربونا .

و نفس المعنى نقرئه في سياق لفظ الجمع الغائب عندما قال: -[أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون] – البقرة 170، فهو يتحدث أو يُشير إلى - آباؤهم - الذين لا يعقلون، أي الذين لا يتدبرون، أو الذين لا يفكرون، أوالذين لا يتعلمون، وصفة التعليم ونوعيته هي من تقود إما للنجاح وإما للهلاك، والتعبير بفعل – لا يهتدون - إنما جاء بمعنى: - الذين لا يعرفون الطريق أو الذين لا يستدلون عليه .

ولا يختلف معنى – الأب - في باب الميراث عنه في المعنى الذي ذهبنا إليه، قال تعالى: - [فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث] – النساء 11، وصيغة - أبوآه - وردت بمعنى مُربيه أو مُعلميه أو القائمين بأمره وُرعاته، وقال: -[ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد] - النساء 11، وهذا واضح فيما ذكرنا .

ويتكرر المعنى في سورة المائدة 104، في صيغة خطاب الجمع .

ويتجلى أكثر في قصة [إبراهيم مع أبيه آزر]، التي وردت في سورة الأنعام، قوله تعالى: -[وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة] - الأنعام 74، ومعلوم إن - آزر - ليس والد إبراهيم البايولوجي أو الوالد الصُلبي، وقد أكدت على ذلك المدونات التاريخية القديمة إذ جاء في سفر التكوين، ما نصه: [وولد – لتارح، - إبرام - وناحور وهاران، وقد عاش - تارح - نحو سبعين سنة] - سفر التكوين 11: 26 -، وأما - آزر - فهو المربي الذي تولى أمر رعاية إبراهيم وتعليمه .

و قال تعالى: -[يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة] – الأعراف 27، وهذا إستغراق في خطاب الجنس وليس في النوع، وهو إرشاد - من باب توخي الحيطة والحذر، ومُراده معلوم في عدم الوقوع بالخطيئة تلك اللتي وقع فيها آباءنا الأقدمون .

ونفس المعنى نقرئه في النصوص التالية: 28 و70 و71 و95 و173، من سورة الأعراف .

وفي سورة التوبة ورد النهي من إتخاذ المربين أو المعلمين أولياء من دون الله، قال تعالى: - لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء – 23 .

ويتحدث النص في سورة هود ويقول: - ونادى نوح ربه فقال رب إن أبني من أهلي ...فقال في الجواب: - قال يانوح، إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح .. - هود 45 و46، والكلام في النص واضح ففي قول نوح – إن أبني من أهلي - هو يعني إنه قد تربى في بيتي ولا يعني إنه ولدي، ولهذا جاء النفي في نفس السياق بقوله - إنه ليس من أهلك –، لأن الأهل في لغة الكتاب المجيد تعني حصراً – الزوجة – وليس الأبناء، وكلام النص هو توجيه من باب التعريف ورفع للإشكالية التي قرئها نوحا نوح وهو يعني إنه قد تربى وعاش في بيتنا، فكان الجواب: في التأكيد على معنى - الأهل - وبأنه صفة خاصة تطلق على الزوجة، وليس على مطلق من في البيت، وأطلق صفة - الأهل - وردت في لسان نوح من باب التساهل العرفي الإعتباري الذي رده الكتاب المجيد، مؤكداً على المعنى الحقيقي وليس على كل من عاش أو تربى في البيت، فهذا لا يُعد من الأهل .

من هذا الإستعراض الوجيز للنصوص يتضح لنا، إن هناك ثمة خلط بين مفهوم ومعنى - الخصوص والعموم من وجه -، في معنى لفظ - أب - الذي غُلب فيه الإستخدام العرفي على المعنى الحقيقي، وأياً كان فاللفظ في عموم معناه - أسماً أو صفةً -، إنما ورد في سياق واحد، يدل على التربية والتعليم والرعاية، وهذا معناه الحقيقي الذي أستخدم فيه ووظف، قال أهل البيان: - ولا يصح إطلاق صفة الأب على الوالد -، وهم يعنون بعدم الصحة ما يكون موضوعياً وفي الخارج .

ولهذا نفى النص أن يكون محمداً - أبا أحد من رجالكم -، وهو نفي متعلق بصفته - النبوية والرسولية – وليس بصفته الإنسانية [وهذا القيد قيد إشتراط]، وهو يعني نفي لمعنى - الأبوة - في المعنى الخاص، أي إنه ليس مُعلماً خاصاً أو مُربياً خاصاً، وإنما هو معلما للجميع ومُربيا للجميع، بإعتباره - رسولاً ونبياً - وهذه متعلقها العموم وليس الخصوص، كما وإن النص لا يريد التذكير بأن محمداً ليس والداً لزيد فهذا معلوم لدى القوم، وإن ما ذهب إليه بعض المفسرين في هذا الشأن ليس ذي بال، لأن متعلقه عندهم معلوم .

وأما - سبب النزول - فقد ثبت بطلانه عندنا في نصوص الكتاب، [صحيح إن صفة - النبوة أو الرسالة - هي صفة متعلقة بجميع الناس، ولهذا فلا شأنية خاصة فيها ولا متعلق خاص بها]، ومحمد من حيث كونه - نبياً ورسولاً - قد خرج من دائرة الخصوصية البيئية أو المحلية أو القبلية أو الشخصية، ودخل في الدائرة العامة لجميع الناس في تربيتهم وتعليمهم، أي إنه قد خرج من الطابع الضيق في علاقاته مع الأخرين، وصار ملكاً لرسالته التي هي - بيان وهدى للناس جميعا - .

والكلام في - سبب النزول -: يستوجب التعريف به وبماهيته وبطبيعته، وهذا الشيء قد أخترعه لنا أصحاب القصص والخيال من - الصحابة ومن التابعين - ولهذا نقول: إن - سبب النزول - أو - شأن النزول أو مناسبة النزول - على رأي الزركشي في البرهان، هي مقولة جاءتنا من خلال أقوال تُنسب إلى بعض صحابة رسول الله، وقد ألف فيها جماعة من العلماء، وكان الأشهر من بين هؤلاء أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، والذي يُعد كتابه - أسباب النزول - الأوسع شهرةً من بين الكتب والمؤلفات الأخرى في هذا الفن بحسب شهادة جلال الدين السيوطي في ذلك .

يقول الواحدي: - فآل الأمر بنا إلى إفادة المبتدئين المتسترين بعلوم الكتاب، إبانة ما أنزل فيه من الأسباب، إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها - .

ويؤيده في ذلك ابن تيمية بقوله: - إن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآيات، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب - .

ولكن الزركشي في كتابه البرهان: - لم يقتنع بالسبب فقال بالمناسبة - نقرأ ذلك بقوله: - قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع -، وعبارة الزركشي هذه إشارة إلى ما يُنسب إلى الإمام علي في قوله - مناسبات النزول - لا أسباب النزول -، والفرق بين المناسبة والسبب فرق واضح لا يخفى على أهله ولمن أحاط بعلوم اللغة ودلالتها .

وجدلية القول بوجود السبب للنزول لازمها أو تابعها هو: أن لا يتم النزول ضرورة إلا بوجود ذلك السبب !!، وهذا القول أو هذا الإلزام: هو من قبيل إساءة الظن بالله ونسبة الجهل إليه - نعوذ بالله -، ففي الغالب يكون السبب المذكور مخالفا للعقل وللمنطق ومستلزم لنفي العقيدة الصحيحة للإسلام، ومن أجل بيان تهافت القول - بسبب النزول -، نورد لكم بعض النصوص لا على التعيين لترون بأنفسكم نوع وطبيعة هذا التهافت وهذا الجهل، الذي أستشرى وساد في أوساط كتب المفسرين والفقهاء والمحدثين، ومنه سوف تعلمون كذلك كم نحن بحاجة إلى مراعاة الدقة في قراءة النصوص والأحكام قبل الإنسياق في دهاليز البحث والتفسير .

 

النص الأول:

هو ما أدعاه بعض المفسرين حول جملة - غير أولي الضرر - الواردة في قوله تعالى: - لا يستوي القاعدون من المؤمنين (غير أولي الضرر) والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم – النساء 95، والتي قالوا عنها إنها لم تكن موجودة في كتاب الله مع هذا النص ثم جاءت أو نزلت لا حقاً وعلى نحو مستقل ومنفصل، ومن ثم أدمجت مع هذا النص .

وقالوا في تعليل سبب نزولها: إن – عبدالله بن أم مكتوم - استغاث بالله وتضرع إليه قائلاً: - اللهم إني ضرير فرخص - فأنزل الله قوله - غير أولي الضرر -، فهم قالوا إن قوله: - لا يستوي القاعدون من المؤمنين .. - لم يستثن العاجزين من الجهاد، وإن النص أعطى الفضل وعلى نحو مطلق للمجاهدين على القاعدين، فقال أبن أم مكتوم لرسول الله: يا رسول الله مالي رخصةٌ ؟ قال: لا، قال: أبن أم مكتوم - اللهم إني ضرير فرخص – فأنزل الله (غير أولي الضرر) وأمر رسول الله الكاتب فكتبها - تفسير الطبري ج5 ص 228 و229 -، والحق إن النص 95 من سورة النساء يتحدث عن القاعد من غير سبب وليس القاعد بعذر، وأما أهل السبب فمرخص لهم القعود عن الجهاد وعن القتال، ولو أخذنا بما يقولونه عن سبب نزول هذا النص، فإن ذلك يستلزم القول أو نسبة الجهل إلى الله، أي إن الله وهو يضع أحكامه إنما يضعها من غير علم أي إن الله يفوته الكثير من الاحكام حتى يذكَره الناس !!!!!! وهذه مغالطة واضحة فالله حينما يضع أحكامه يضعها شاملة كاملة تامة ليس فيها نقص أو نسيان، وبالتالي فهي لا تحتاج إلى تذكير من أحد فيما يجب وفيما لا يجب، والنص كما هو لا يحتاج إلى كل هذا التكلف، وهذا التعقيد بحيث يتعذر على الله إيجاد عذر شرعي لمن به علة وعجز بالفعل، يدعوه ذلك العجز لترك الجهاد والقعود عنه، ويكأن الله ينتظر من يذكَره بما عليه فعله !!!!!، وهذا كما ترون قول مخالف للعقل وللمنطق، لأن ذلك المفهوم يولد الكثير من التوالي والتوابع الفاسدة، والتي تستلزم جهل الله بأحكامه وقوانينه للحياة .

 

النص الثاني:

روى البخاري عن عبدالله بن عمر في سبب نزول قوله تعالى: - ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره - التوبة 84 .

قال أبن عمر: لما توفي عبدالله بن أبي، جاء أبنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يُصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال: تُصلي عليه وهو منافق !!!، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟، قال: إنما خيرني الله فقال: - أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم -، فقال: سأزيده على سبعين، قال: فصلى عليه رسول الله وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه: - ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون - صحيح البخاري ج4 ص86 - .

ونحن نرى إن في سبب النزول هذا تهافت واضح ومنه ما يلي:

أولاً: للوهلة الأولى يظهر لنا في هذه الرواية وكأن عمر بن الخطاب أعلم من رسول الله بأحكام الله ونصوصه، ذلك إن عمر بن الخطاب منع أو أعترض على رسول الله في أن يُصلي على المنافقين، معتبراً صلاة النبي بمثابة المخالفة لحكم الله وقانونه !!!! .

وثانياً: تقول الرواية: إن رسول الله قال لعمر إن الله خيرني في المنافقين - أستغفر لهم أو لا أستغفر لهم - وتلا قوله: - أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم - التوبة 80، في حين إن المعنى في هذا النص دال على إن الإستغفار أو عدم الإستغفار سواء عند الله بالنسبة للمنافقين - أعني إن الإستغفار للمنافقين أو عدم الإستغفار للمنافقين لا معنى له -، وذكر[العدد سبعين في البين إنما جاء على نحو المبالغة والكثرة لا الحصر العددي]، ومعنى هذا إن رسول الله ليس مخيراً في الإستغفار للمنافقين بل هو منهي عن ذلك، وأما قول أبن عمر أو ما يُنسب إليه، فلا زمه أن يكون رسول الله جاهلاً بكلام العرب ودلالته، وبالتالي فهو لا يعلم معاني الكتاب المجيد وماجاء فيه - نعوذ بالله من ذلك - .

وثالثاً: والرواية تريد القول: أن لو أستغفرت لهم - سبعين مرة - يا رسول الله فلن يغفر الله لهم، وكأن - السبعين - هذه هي الحد - بين قبول الإستغفار وعدمه - !! مع إن كلمة - سبعين - وردت هنا كناية عن الكثرة، لا دليلاً على العدد المعين المحسوب، ومعناه: إن الإستغفار للمنافقين لا معنى له وإن كثُر وزاد .

 

النص الثالث:

وأيضاً روى البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه في سبب نزول قوله تعالى: - ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبين لهم إنهم أصحاب الجحيم - التوبة 113 .

روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت - أبا طالب - الوفاة دخل عليه النبي وعنده أبو جهل وعبدالله بن أبي أميه، فقال النبي: أي عم قل: لا إله إلاّ الله، أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أميه: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب ؟ فقال النبي: لأستغفرن لك مالم أُنه عنه، فنزلت: - ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم - صحيح البخاري ج8 ص 87، ويكأن - شأن النزول - هذا يريد أو يقصد معنا معين ألاّ وهو - موت أبو طالب مشركاً ومن أهل الجحيم - !! هذا هو المقصود وهذا هو المُراد، ونقول: إن هذا القول باطل من الأساس بدليل:

أولاً: إن هذا النص نزل في السنة التاسعة للهجرة، وأما وفاة - أبو طالب - فكانت في السنة الثالثة قبل الهجرة - أنظر سيرة أبن هشام ج1 ص 416 -، أي إن وفاة أبو طالب كانت قبل نزول هذا النص بأثني عشر سنة، وفي هذه الحالة لا تصح المقارنة إذ لا مناسبة بينهما .

وثانياً: إن - أبا طالب - كان يعتقد بنبوة محمد وبرسالته وكان مؤمناً بذلك، وقد مات على هذا الإيمان وعلى هذا الإعتقاد، بدليل إن أبن هشام في سيرته في الجزء الأول ص 247 يورد أشعارا لأبي طالب يقول فيها:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خُط في أول الكتب

وكذلك لو لم يكن - أبو طالب - مؤمناً بالإسلام ومعتقداً به، لما قال لأبنه علياً وهو يحثه على السير خلف رسول الله: - إنه لم يدعك إلاّ إلى خير فالزمه - سيرة أبن هشام ج1 ص 352 -، إذن فنحن نرى في - شأن النزول - هذا النص سوء الققصد والدس والغمز المقصود للحط من شأن الإمام علي من خلال والده، وذلك حينما عجزوا أن يجدوا في الإمام علي نقصاً أو مثلبه، فمالوا هذا الميل وهو من عمل السياسة بكل تأكيد .

 

النص الرابع:

يقول الطبري إنه لما نزل قوله تعالى: - وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود - ولم ينزل معها قوله - من الفجر -، فكان رجال من المؤمنين إذا أرادو الصيام ربط أحدهم في رجله اليمنى الخيط الابيض وفي الاخرى الخيط الاسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، قال: فأنزل الله - من الفجر - فعلموا إنما يعني الليل والنهار - تفسير الطبري ج3 ص172

- مع إن مفهوم - الخيط الابيض - هو كناية عن معنى (الفجر الصادق) وهذا واضح في لسان العرب، ولا يعني الخيط الابيض بمفهومه الدارج، ومن قال بان جملة - من الفجر - لم تكن موجودة في النص، فهذا القول لازمه نسبة الجهل إلى الله، لأنه ووفق مقولتهم تلك يستدعي ان الله لم يكن يعلم بأهمية قوله - من الفجر - ولا يعلم كذلك إن عدم ذكر ذلك سيستدعي الشك والإشتباه لدى السذج من الناس فيضيعون ويحيرون في كيف وماذا يفعلون ؟ !!، أعني لا يعلمون الوقت الذي فيه ينتهون عن الأكل والشرب في ليالي رمضان، وهذا كما ترى قول مردود، إذ إن كلمة - من الفجر - نزلت مع النص لم تتأخر عنه، أعني إنها جزء من النص ولتدل فيه على وجوب ان يكون الفعل منتظماً وغير مضطرباً، ونحن هنا إنما نرد قول الصحابي ومذهبه الذي أعتمده المفسرون في تلفيق - شأن النزول - دون مراعاة للدقة والعلم والكيفية، نعم إن التلاعب بالوحي وبمراد الله هو تضييع للناس عن الغاية من سر البعثة والنبوة، ولذلك نقول: إن مقولة - أسباب النزول في الكتاب المجيد - هي مقولة سالبة بإنتفاء موضوعها، ولأنها كذلك تُخالف الأصول الصحيحة للإسلام وعقيدته، بل وهي كذلك مخالفة للمبادئ العقلية وللفطرة وللطبيعة، وهي أي مقولة أسباب النزول إنما أبتدعتها السياسة والسياسيين تبعاً لأغراضهم ونواياهم .

 

النص الخامس:

ما رواه الطبراني عن أبي رافع، قوله: جاء جبريل إلى النبي فاستأذن عليه، فأذن له، فأبطأ، فأخذ رداءه فخرج إليه، وهو قائم بالباب،

فقال: - قد أذنا لك.

قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، فأمر أبا رافع أن لا تدع كلباً في المدينة إلا قتلته، فأتاه ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فنزلت: - يسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ - المائدة 4.

قال المفسرون: - جلس رسول الله يوماً، فذكر الناس ووصف القيامة، ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مضر، واتفقوا على أن يصوموا الليل ويقوموا النهار، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك، ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله، فجمعهم فقال: ألم أنبأكم أنكم اتفقتم على كذا وكذا فقالوا بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ثم خرج إلى الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتها الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ - المائدة 90.

ونلاحظ فيما رواه الطبراني أمور منها ما يلي:

أولاً: قوله أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب !!، وهذا القول فيه وهم وتناقض مع كتاب الله وذلك أولاً، ومع رحلت جبرئيل مع النبي عبر سنيين بعثته من مكة وإلى يوم نزول هذا النص في المدينة، إذ ليس هذه هي المرة الأولى التي ينزل بها جبرئيل عليه فيصطدم من الوضع، ومعلوم إن سورة المائدة هي سورة مدنية بإجماع، ولا يعقل أن لا يصادف جبريل كلباً ولا صورة ولا تمثالاً على مدى أعوام رحلته مع النبي كل هذه السنيين وهذا ثانياً كما قلنا .

و ثانياً: إن رواية الطبراني فيها إطلاق في الكلام عن الجرو - وهو صغير الكلب - في البيت، والإطلاق في الرواية واضح بعدم تحديدها لنا في أي بيت من بيوت المسلمين هذا البيت الذي كان فيه الجرو !!! ؟، ومعلوم من المفهوم العام للرواية إن الجرو لم يكن في بيت رسول الله، وإذا كان ذلك كذلك فلا ضير من نزول الملائكة وجبريل على النبي .

و ثالثاً: ورد في الرواية أعلاه إن النبي أمر بقتل كل الكلاب ومن ضمنها كلب المرأة التي جعلته لحراستها، وهذا الأمر مخالف للفتوى وللحكم في صحة إقتناء كلب الصيد وكلب الحراسة، وهذا ما عليه المشهور من فتوى الأصحاب ودليلهم قصة أصحاب الكهف .

ورابعاً: وهذه الرواية تتعارض مع النص الصريح الذي اجاز أكل اللحوم التي تصيدها الكلاب المُعلمه، فكيف يأمر الله بشيء وينه عنه النبي ؟ !! .

يقول الواحدي في أسباب النزول ص4: … ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب، إلا بالرواية والسماع ممن شهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلب، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار، في هذا العلم بالنار، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال، قال رسول الله: - اتقوا الحديث إلا ما علمتم فإنه من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار - .

ويورد السيوطي في كتابه - أسباب النزول” ص 155 نزول قوله تعالى: - أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ - البقرة 187 قال:

روي عن ابي هريره أن عمر بن الخطاب أفطر ليلة ونام، فانتبه من النوم ووقعت عيناه على امرأته بغير إزار، فأستحسنها وغلبته الشهوة فواقعها، فلما فرغ ندم واغتسل فصلى وبكى إلى الصباح، ثم ابتكر إلى رسول الله فأخبره بالقصة، فاغتم بذلك رسول الله فقال: ما كنت جديراً بهذا يا عمر، فنزل جبرائيل عليه السلام بهذه الآية فقال أقرأ يا محمد: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.. كرامةً لعمر ورخصةً لأمة محمد، - علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم - يعني عمر بن الخطاب، فتاب عليكم يعني على عمر بن الخطاب، والآن باشروهن وخاطبه بلفظ الجماعة إكراماً له فهي إباحة بصورة الأمر - تفسير ابن كثير ج1 ص 220 – .

ولذلك قيل: في - شأن نزول - هذا النص إنه جاء تحليلاً للجماع في ليلة الصيام، روي هذا عن أبن أبي ليلى – الدر المنثور ج1 ص 198 -، وفي ذلك يرى البراء بن عازب إن الجماع في ليلة الصيام كان محرماً بعد النوم أو بعد صلاة العشاء، وقيل إن سبب تكرار الخبر أربع مرات عن، - أبي هريره وعن أبن أبي ليلى وعن معاذ بن جبل عن البراء بن عازب -، إنما كان كرامة لعمر، وإن الله خاطبه بلفظ الجماعة تكريماً وتعظيماً له، [وتلك لعمري أسخف الطرق لترسيخ فضل عمر على غيره من الصحابة في أذهان الناس]، في زمن كانت حرب التفضيل على أشدها بين الطوائف.

ونفينا لسبب النزول في الكتاب المجيد مرتبط بنوعية هذا الكتاب ومفهومه، فهو كتاب متألف من قسمين واحد للنبوة وقضاياها، وواحد أخر للرسالة وقضاياها، فالنبوة فيه: تعني القرآن العظيم، والذي هو قوانين للكون وللغيب وللخلق، وهكذا من الأشياء العلمية والفكرية الخالصة، وأما الرسالة فهي: عبارة عن الأشياء التي ترتبط بحركة الناس اليومية وفيها من الأمر والنهي الشيء الكثير، وهذا التمييز بينهما هو بيان لدور ومهمة كل طرف منهما، بيان يحدد الكيفية والطريقية التي يجب ان نتعامل بها معهما ونحكم على الاشياء بعد ذلك .

ولهذه العلة الموضوعية لا يحق لنا إعتبار موضوعات القرآن نزلت لسبب ما أو بسبب ما، لأنها موضوعات تتجاوز المعنى الضيق أو الخطاب المعين مفهوماً في الزمان والمكان، والصورة التي يعرضها القرآن لموضوعاته لا ترتبط بشخص النبي الإنسان، بل ترتبط به بعنوان النبوة الممتدة في عمق الزمن، والنظر إلى هذه الصورة يجب أن يكون من وحي كل المشهد لا بعضه، ولكن عرض الصورة في الرسالة يجعل منها تخضع في الذهن وليس في الواقع لمفهوم المتحرك الأول أو المُصداق الأول والذي هو - المناسبة الأولى -، من حيث إعتبار ذلك المصداق ليس بعنوان المُصداق النهائي التام ولا المناسبة النهائية، الذي ينتهي من أجله النص ويزول تأثيره وأثره ومعناه معه، وهذا القلق في وصف العناوين جعل من بعض الأصوليين يخلط في المفاهيم والمصاديق بين ما للنبوة وبين ما للرسالة، وغاية كل النصوص هو في تقريب الذهن إلى المعنى والحكم، وليس معناه قصر المشهد على هذه الصورة وهذا المصداق وهذه المناسبة على نحو خاص ومعين .

ولو سلمنا بما قاله المفسرون بخصوص - سبب النزول -، للزم ذلك إنتفاء صلاحية النص لكل زمان ومكان، وإذا ثبت هذا سقطت أكثر النصوص من الإعتبار بداعي - سبب نزولها -، وهنا أُشير إلى القول التالي: - [وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله، وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه .... إلى قوله: - فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ...] - الأحزاب 37، ولم أجد أسخف من سبب نزول هذا النص، لأنه إن تأملناه جيداً سنجده يُسيء إلى النبي كثيراً، وبحسب رواية الطبري وغيره من المفسرين الذين قالوا: [إن رسول الله رآى زينب بنت جحش فأعجبته، وهي في حبال مولاه - زيد بن حارثة -، فألقى الله في نفس زيد كراهتها، لما علم الله مما وقع في نفس نبيه ما وقع !!!!، فأراد - زيد - فراقها، فقال الرسول: - أمسك عليك زوجك -، وهو يحب - أي النبي يحب - أن تكون قد بانت منه لينكحها !!!!!، (وتخفي في نفسك ما الله مُبديه)، أي وتُخفي في نفسك محبة فراقه إياها لتتزوجها إن هو فارقها] !!!! .

سبب النزول هذا يتنافى مع أبسط القيم لدى الإنسان الشريف، فما بالك بمقام النبوة والرسالة التي جاء القول فيها - وإنك لعلى خلق عظيم -، إن هذا السبب الذي تخيله القوم وتصوروه ما هو إلاَّ الغش والمخاتلة والخداع والحيلة، وهذه الصفات ليست من مقام النبوة والرسالة بشيء، بل إنها تحَطُ من منزلة رسولة الله في أعين الناس، وتجعل منه ذلك الشخص الذي يحاول الإيقاع بالأخرين، بل ويعشق أزواجهم بالخفاء، وهذا المعنى ذكره الطبري في تفسيره والفيروزآبادي وأبن الجوزي والخازن والزمخشري، وهو السائد بين جمهور المفسرين وعامتهم، والأمر فيه واضح، وأما ما ورد في تفسير البحر المحيط ومثله في مجمع البيان فهو تبريراً للفعل وليس تأويلاً له:

قال صاحب المجمع: - إن الذي أخفاه في نفسه هو [إن طلقها زيدٌ، وتزوجها خشي لا ئمة الناس، في أن يقولوا أمره بطلاقها فتزوجها، وذلك في معنى قوله - وتخفي في نفسك ما الله مُبديه ..]، - مجمع البيان .

وقال ابن حيان: إن الذي أخفاه في نفسه هو إن الله سبحانه أعلمه إنها ستكون من أزواجه، وإن زيداً سيطلقها، البحر المحيط ...

وهذا التبرير للفعل ليس حلاً للمشكل، حتى وإن نسبوه للإمام زين العابدين، لأن معنى الإخفاء في لغة العرب: يدل على الستر وعدم الإظهار .

وهو إصطلاحاً: يعني ذلك الشيء الذي يُخشى منه أو يُستحى منه، كإخفاء العيوب خوفاً من العار أو خشية التشهير من الغير، والإخفاء لا يصح في الأشياء المباحة، وإنما يكون فيما هو ممتنع وممنوع، والنبي والرسول لا يخفيان شيئاً، يكون في أصله مباحاً وغير ممنوع، والزواج والنكاح من المباحات التي لا تحتاج إلى إخفاء أو خشية، والتحجج ببنوة زيد في هذا المقام ليست على ما ينبغي، لأن الله كان قد سبق في حكمه إلى ذلك في هذه المسألة .

قال تعالى: - .... وما جعل أدعياءكم أبنائكم - نافياً هنا - .

ثم قال: أدعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله - الأحزاب 3 و4 وموجهاً هنا .

وقضية البنوة وحكمها ومعناها واضح للنبي، وبالتالي فهو لا يخفي شيئاً قد أباحه الله له، إلاّ إذا كان هو يضمر شيئاً غير هذا، أو إنه يتحين الفرص في الإيقاع بزيد وزوجته، وهذا كلام باطل وقد رددناه على قائليه .

ومن أجل الوقوف عند أصل الإشكالية، وفي معرض ردنا على ماذهب إليه الفقهاء من منع وتحريم التبني نقول:

إن فقهاء المسلمين لم يفرقوا في المعنى بين مفهوم - الوالد ومفهوم الأب -، ولهذا جاءت الفتوى عندهم مطلقة من غير قيود او بيان: فالتبني بحسب الإعتبار الذي أقمناه وبحسب التفريق الذي أعتمدناه - جائز ولا إشكال فيه -، والإعتماد منهم على ماورد في النص التالي: [ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ] الأحزاب 4، ليس على ما ينبغي ذلك لأن الكلام في هذا النص عام، ولم يتحدث عن الوالد البايولوجي و- الأب - فيه هنا إشارة لمن يُربي ويقوم بالرعاية وليس الإشارة فيه - للوالد -، ولا دليل دال على ذلك ولا قرينة تبين وتوضح المُراد، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز القول بأن الإسلام قد أبطل التبني وجعله محرما، هذا من جهة، وأما من جهة الأخبار فهي ليست حجة على النص إنما هي حكاية قوم، ودليلنا ماورد عن: - سعد بن أبي وقاص - قوله: أن رسول الله، قال: من ادعى إلى غير أبيه .. الخ، فهذا الخبر يقع في خانة الأخبار التي لم تُفرق بين معنى - الأب – ومعنى - الوالد -، وأما جعل الكلام في معنى الأب دال على الوالد، فلا يستقيم مع لغة العرب ومضمون النصوص في كتاب الله، وهذا الخبر مطعون بصحته لأنه يتعارض مع صريح الكتاب، وهو يتساوى في ذلك مثله مثل الأخبار التي تقع في نفس الإشكالية المفهومية والدلالية، وتلك التي أعتمدها الألوسي صاحب روح المعاني في تفسيره، وكذا ابن كثير في تفسيره .

نعم لا مانع عندنا من التبني، وفي أن يَضُمَّ الإنسان إليه غير ولده ويرعاه ويربيه ويعلمه، فهذا عمل جائز، لأن التبنّي ليس إقراراً بالنسب، بل هو فعل يكون التبني لمن هو بحاجة إليه كمجهول النسب أو الذي لا يُعرف والداه، وللتبني شروط معتبرة مذكورة في هذا الباب، ولهذا لم يرد في الكتاب المجيد ما يمنع من التبني، وما ورد في سورة الأحزاب موضع البحث فلا تتحدث إلاَّ عن المُربي والمُعلم والراعي، ونسبة المنع فيها متعلقة بمحمد الرسول وبمحمد النبي وليس بمحمد الإنسان، وكما بينا الفرق بين الأب والوالد، كذلك نبين الفرق بين التبني وبين الإقرار بالنسب البايولوجي، إذ إن التبنّي: هو ادِّعاء نسب لا وجود له في الواقع، وأما الإقرار بالنسب: فهو ادِّعاء نسب واقع فعلاً، إذن فالتبني المشروع والذي لا مانع منه هو الذي يقع ضمن شروط معينة محددة، وأما دعوى التحريم فلا ملاك لها ولا مناط، والإحتجاج بنفي بنوة زيد من قبل النبي لا محل لها في هذا المقام، لأن النفي أو النهي ورد في سياق الكلام عن مقامه الرسولي والنبوي، وليس من حيث هو إنسان كامل الأهلية والصلاحية في الرعاية والتربية، وقد فصلنا في هذا الأمر فلا نعيد .

ونعود لمعنى قوله: - وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه -: - إن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته في إمرأة أو غيرها، غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً، وهو خطبة زينب ونكاحها من إستنزال زيد عنها ولا طلب إليه -، أبن حيان في البحر المحيط نقلاً عن الزمخشري، [وهذا الكلام مردود على قائليه، إذ إن الإشكال ليس في أصل الإشتهاء المرتبط بالغريزة البشرية الخالصة، بل من حيث نسبته للنبي والرسول، الذي هو مُنزه عندنا عن كل ما يخل بنبوته ورسالته]، ويستكمل الزمخشري حكايته بالقول: لم يكن ذلك مستنكراً عندهم، أن ينزل الرجل منهم عن إمرأته لصديقه !!، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة أستهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له إمرأتان، نزل عن أحدهما وأنكحها المهاجر !!!!!!، [هذه المقاربة في صورة العلاقة مع المرأة لا يليق بإن يُوصف بها النبي والرسول من كل وجه، وليس من المنطق تبرير الفعل القبيح ليكون حسناً، وإن صح كلام الزمخشري هذا في النبي، صح إذن معه فعل داعش تجاه النساء ونكاح الجهاد] .

ومن أجل دفع شبهة الإخفاء السيء التي روج لها المفسرين، نقول: إننا لا بد أن نعترف بوجود – التحريف – في كتاب الله وبشكل واضح، وسبب التحريف هو ماقام به - عثمان بن عفان - بالفعل حينما أحرق المصاحف جميعها، وقيامه بعملية جمع جديد للمصحف وعلى يد لجنة برئاسة معاوية بن أبي سفيان، وهذه العملية التحويلية قد أخلت بوحدة النص، وبوحدة موضوعه ونسقه المعرفي والمعنوي، الذي يبدو فيه النبي يُخفي أمراً يريد فيه مصلحته الخاصة، وهذا دس معلوم وهدفه سياسي بإمتياز من الفئة التي خسرت رهان السلطة والزعامة في زمن النبي .

إن إظهار النبي والرسول بشخصية المغامر، الذي يدبر ويضمرويتحايل من أجل تحقيق ما يرغب، عمل مقصود من فئة معلومة، والقول - بالتحريف - ليس بدعاً من الكلام، بل هو المشهور والمتفق عليه بين العلماء جميعهم، والقول بتحريف الكتاب في مقامنا هذا هو تنزيه للنبي والرسول من كل ما يخدش أو يخل في قيمه، تلك القيم التي ورد الذكر فيها والحث على التأسي بها، في قوله: - ولكم في رسول الله أسوة حسنة - .

    [نقول: إنه ولهذه الأسباب لا يجوز الإعتماد في تحليل النصوص وشرحها على - أسباب النزول - مطلقاً، وذلك لأن نصوص الكتاب هي مواد وعناصر مستقلة في ذاتها، ومعنى الإستقلالية المقصودة هو في قدرتها على تأدية الدور المطلوب منها في كل زمان وكل مكان، وهذا القيد ينفي حاجة النصوص للفهم التاريخي أو الفهم المُغيئ، وخير مثال على ذلك قوله تعالى - ما كان محمد أبا أحدا من رجالكم -، فالصورة الأولى التي يعرضها النص هو في نفي المعنى الخاص للأبوة، وربط علاقة الأبوة في الرسالة وفي النبوة، وهذه التي لا يجوز الإنفكاك عنها، وتبقى - إشكالية - سبب النزول التي عرضناها في قضية زواج النبي - بزينب بنت جحش – إشكالية مفهومية ولغوية بدرجة كبيرة، والتعميم الدارج قد أخل في المضمون القيمي والروحي لمقام النبوة والرسالة، وعلينا ومن أجل إستقامة النصوص طرح موضوع أسباب النزول جانباً، والإعتماد على مآلات النصوص في الزمان والمكان الحضوريين، أي في البناء للمعلوم والتعامل مع النص كوحدة مستقلة بذاتها، خاصة مع وجود شبهة التحريف التي تظهر بين الحين والأخر فتخل بوحدة المضمون، وتزيد في الغبن المعلوماتي لدى الفقهاء والمفسرين ومن بحكمهم، من الذين قالوا: -إن الأباء – هم الوالدان أو إن – الأمهات هي الوالدات -، ومن دون ذكر للقرينة المقالية الدالة على ذلك .

 

وخلاصة القول: إن الألفاظ في لغة العرب كما هي في لغة الكتاب المجيد، قد وضعت لمعنى محدد ومعين، ولا يجوز تجاوزه إلى غيره من المعاني، ومن هذه الألفاظ لفظ – الأب - الذي أعتبره المفسرين بمعنى الوالد -، وهو تعويم للفظ في معناً مغايراً له، ومن ذلك يتضح: - إن محمد النبي أو محمد الرسول - ليس له أبناء خاصين، بل إن علاقته بالجميع واحدة من خلال أحكام الرسالة والنبوة، والذي نقصده في هذا المعنى يكون من جهة التربية الخاصة أو التعليم الخاص، وهذا يقودنا للقول: - إن جميع أبناء المؤمنين به هم أبناءه – على نحو الإعتبار والمجاز، يجرنا هذا للقول بنفي معنى الخصوص في لفظ أبناءنا في النص 61 من سورة آل عمران – ... تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم فنبتهل .. –

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

نتيجة للألتباس المفهومي لمعاني الكفر والأيمان، ولما جنينا من جراء تفاسيرها، ومن إنعكاساتها في الأنماط السلوكية والأحكام السلبية المشينة المجرمة بحق كرامة وحرية الإنسان ومعتقده من عدمه. والسبب نعزوه هو أن تلكم المفاهيم السائدة قد خالفت مفهومها القرآني الحق، كما فصله الله جلياً في آياته. هذا ماسنبينه للقاريء دون أي تكلف.

لذا وددت البحث في مفاهيم الكفر والإيمان، للفت النظر الى حقيقة معانيها من خلال آيات القرآن، أي بما يرشحه القرآن لنا من معنى دون توسل معانيها من كتب التفاسير أوالفتاوى التكفيرية للفقهاء ظناً منهم أن لها في القرآن أساس. تلكم الفتاوي ورثها الناس جيل بعد جيل وهي أساس الخراب الإنساني اليوم. كما لاأرى من الضرورة بمكان ما أن أدرجها لآنها سيدة الساحة في العالم أجمع، كالشمس في رابعة النهار. لذا سيقتصر بحثي على مفهوم الكفر والإيمان من خلال إسقاطاتي العقليه وفهمي لها كما جاءت في كتاب الله، وأبقى إنسان يخطيء ويصيب .

 

تمهيد

من سورة النساء آية 87 يقول القرآن ـ ومن أصدق من الله حديثاً. ثم في نفس السورة يكرر ويقول في آية 122 ومن أصدق من الله قيلا.

مقدمة

التبشير بالدين الاسلامي هو لهداية الناس من الظلمات الى النور، وكل الأديان بشَّرت، بتعاليم أديانها النازلة من عند الله. (ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن أعبدوا الله وإحتنبوا الطاغوت) النحل 36، (إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر 24).

فالهداية إذن هو إنتشالٌ الإنسان من الضلالة الى الهدى، وليس من الكفر إلى الإيمان ! لآن صفة الكافر تطلق على من علم بالحق، فلم يهتدي، وجحد، فكفر . وأمرُ هدايته يعود له بسعيه وبتوفيق من الله تعالى وحده . والسؤال هو كم من الناس من الأديان الأخرى علموا او يعلمون اليوم علم اليقين بصدق نبوة ورسالة محمد، من خلال كتبهم التي يعدها القرآن وقاطبة المسلمين كتباً محرفة؟ حقيقةً لا أعرف كيف يريد الله منهم أن يستندوا الى صدق رسالته وهو يعترف أنها كتبٌ محرفة؟ فالله يقول في سورة المائدة 13 عن البعض منهم، أنهم (يحرفون الكلم عن مواضعه). الله هو الحافظ لكلماته في كل كتبه السماوية فعنده هو الحفظ فقط (وما كان ربك نسيا) مريم 64.، فالإنسان لايحفظها ولايمنعه شيء من تحريفها لفظاً ومعنى، فالله يصف الأنسان ـ(وكان الإنسان كفورا) الإسراء 67.

إذن معنى أنهم يحرفون الكلم (الكلام) عن مواضه هو في المعنى في نطقهم له أو تفسيرهم له أو حتى لفظاً، ثم نسخوه لاحقاً للأجيال القادمة، لآننا لم نعثر بعد على النسخة الأصل سوى ترجمات يقال انها عن نسخ التوراة والأنجيل ألأصلية، لكن في الحقيقة لاتوجد نسخ أصلية، كما لا توجد مخطوطة واحدة أو سطرٍ واحد لوصايا موسى أي كلام الله له، و الأنجيل كذلك . بل حتى أننا لانعرف الى هذا اليوم بأي لغة كتبت وصايا موسى وما هي لغته؟ لغياب الأصل. والتحريف حاصل اليوم معنىً حتى في القرآن ولهذا نجد هذا التزاحم في الخلاف الفقهي بالرغم من كل الضوابط والعلوم الأصولية الفقهية المنطقية التي وضعوها لحفظه وصيانته من التحريف المعنوي ولضبط صحة طرائق الإستنباط والإستدلال.

الله عندما أنزل القرآن على الأميين من العرب الضالين ـ سواء كانوا حقاً أميين أو القصد أن أميتهم هي لغياب أي كتاب سماوي فيهم ـ لم يُسمِّهِم كفاراً، وإنما أشارالى أنهم في ضلالة الجهل من أمر رسالته كما هو حكم القرآن . وهذا ما دعى اليه إبراهيم ربه من أجلهم حين قال : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) 128 البقرة. ثم قال داعياً الله في الأيات الاحقة من سورة البقرة، أن يبعث في ذريته العرب رسولاً منهم (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ) ثم أوصى إيراهيم (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله إصطفى لكم الدين فلاتموتن إلا وانتم مسلمون) 132البقرة. ويعقوب بن إٍسحاق بن إبراهيم، وهو إسرائيل كما يعتقد وعليه أيضاً خلاف.

ثم يحضر يعقوب الموت فيوصي بذات الوصية (إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي قالوا نعبد الهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون) 133 البقرة.

سورة السجدة آية. 3

القصص آية…… 46

وسبأ آية………. 44

كلها أجمعت في القرآن على معنى واحد يؤكد ضلالة العرب وأميتهم. نأخذ منها ماجاء في سورة سبأ آية 44 (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ).

والله يقول للرسول عن العرب ألأميين وأهل الكتاب:ـ

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ آية 20. آل عمران.

قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 32. آل عمران

إذن العرب كانت أمة ضالة والرسول منهم وفيهم فهداهم الله بنذير ورسالة وكتاب مبين، سماها ألإسلام كدين (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. آل عمران (19).

وهذا الإسلام مقصده كلام الله، وهو إمتداد لكلام الله الى إبراهيم وإسحاق، كإمتداد التنزيل للتعاليم الإلهية بصورها ومسمياتها المتعددة من التوراة والإنجيل ثم ختاماً بالقرآن.

إذن فكل كتب الله وتعاليمه التي أنزلها الله كأجزاء من توراة وأنجيل..الخ ختمها الله بجزئها الأخير لها من كتابه الموسوعي الشامل، ألا وهو القرآن. نعم كلها قرآن منفصل ومتواصل واقعة ضمن مسمى واحد سماها الله تعاليم الإسلام. والنتيجة كلنا مسلمون إن أسملنا وإلا فحن غير مؤمنين.

(وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 .

إذن:ـ

الكفر هو تغطية الحق الذي انزله الله في كتابهم ولهذا يعِد إدعائهم هذا كفراً صريحاً. ولكن هذا لا يعني أن كل المسيحيين بالإطلاق قالوا أن الله هو المسيح، لآن الله قال خصَّ كفر بعضهم وهذا واضح من قوله (لقد كفر الذين قالوا) والذين لاتفيد الإطلاق!.

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. المائدة 47.

الله يخاطب كل ملة وطائفة لا تتبع تعاليمه السابقة أو الأخيره في القرآن بالفاسقين أو الكافرين أو الظالمين لآن تعاليمه مصدرها واحد وهو ..(هو).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

ثم يأتي الخطاب الخاص (بولاية) الظالمين ـ البعض ـ وليس الإطلاق لكل أقوام اليهود والنصارى وأولادهم وأحفادهم الى يوم يبعثون، وإنما تحذير من إتباع الذين لايحكمون بما أنزل اليهم ولا بما أنزل اليك ولهذا هم ظالمون، كما هوالمسلم الذي ينافق هو فاسد وكافر وظالم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (أَوْلِيَاء) بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن (يَتَوَلَّهُم) مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

ياتي التوضيح حول فسق البعض من اليهود والنصارى وليس الإطلاق في الأية التالية:ـ

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ. المائدة 59

وكذلك قال الله عن المؤمنين كافة دون تخصيص في دين ما (وما يؤمن أكثرهم بالله إلآ وهم مشركون) يوسف 106

وكذلك تحدث عن كفر (البعض من الذين قالوا إن الله هو المسيح):

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا . 17 المائدة.

فالأمر ليس بعداء أو حب وكره بين الله وخلقه أو لفئة دون أخرى.

ولو كان الله يعني الإطلاق لما أنزل على أقوامهم كتبه ورسله ولما خاطبهم. الله قال عن الأنسان ذات ككل (وكان الإنسان كفورا) الإسراء 67.

وعن الأعراب قال مايفيد في الوهلة الأولى إنه أيضاً يقصد الإطلاق على الجنس بقوله (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {التوبة: 97.

ولكنه قال أيضاً (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ {التوبة: 99}.

ومن هذه الأية نفهم أن الحديث عن الكفر عام لكل الناس وليس لفئة دون أخرى

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. المائدة 36 .

ويفهم من هذا، أن من جاءهم الموت ولازالوا كفاراً أي ظالمين للناس بأفعالهم وأنفسهم. ولكن من أراد التوبة والرجوع للحق فباب التوبة مفتوح وبالمطلق لكل الناس لقوله تعالى:ـ

فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. المائدة 39.

في الختام نفهم أن لاكفر إلآ بعد معرفة وإيمان وهذا ماسيتطرق له البحث بالتفصيل أدناه.

 

نستهل البحث بالسؤال:

هل من هم خارج الدين الأسلامي من اليهود، والمسيحيين، والبوذيين، أو الذين لم يؤمنوا بالدين الأسلامي، كفاراً ومشركين أم… لا ؟ هذا ماسيحدده البحث من خلال بحث معنى الكفر والأيمان وضلالة الرسول في القرآن.

والجواب سيصدمك أيها القاريء، فستستدل عليه بنفسك من القرآن في هذا البحث فكن متابعاً جيداً وصبورا . أوليس القرآن أصدق حديثا؟

الكفر في اللغة في لسان إبن منظور:ـ يُعنى به الستر والتغطية للشيء وكفر الفلاح للحب ..الخ

يقول الله تعالى:ـ

فلما جاءهم ما عرفوا (كفروا) به . البقرة/89

وقال تعالى ـ وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . البقرة :146

في المعنى الأصطلاحي الشائع للكفر ـ وهو الذي نحرص عليه ـ هو نقيض الأيمان، فمن عرض عليه الأسلام بشكله الصحيح ورفضه يُعد كافراً، وبالمختصر من لم يؤمن بالإسلام بعد العلم والإطلاع عليه هو كافر، وهذا ما لا أساس إستدلالي له في القرآن كما تؤكده الآيات أعلاه وماسنذكر منها لاحقاً.

مفهوم الكفر الشائع لايميز بين من هم ليسوا بمؤمنين بما أُنزِل الى الرسول محمد، وبين من كفروا به من بعد أن تبين لهم الحق فيه، كما يشير اليهم القرآن، وهؤلاء (من هم ليسوا بمؤمنين أو مقتنعين) هم في الحقيقة في عداد الضالين في المنطق المخالف للمهتدين المؤمنين وليسوا كفاراً كما يظن خطأً الأخرون، لآنهم كما ذكرت أنهم ليسوا من الذين عرفوا الحق فنكروه وإنما لم يقتنعوا أو يهتدوا كما لم ينكروا أو يكذبوا الرسول. وهذا فرق جلي بين كافر وضال. *ذلك بأنهم قوم لايعلمون* ـ التوبة 6.

الكفر للناس لايتحقق إلا بإيمانهم أولاً، فليس عدم الأيمان يعني تغطية الحق أي بمعنى عرفوا الحق فنكروه ليساوي الكفر بالمعنى، بل هم فقط غير مؤمنين ضالين كضلالة الرسول قبل التنزيل . فأمر الأيمان والكفر لايقطع إلآ بالمعرفة من عدمها وبالنية.

ويؤكد إستدلالي هذا القرآن. إذ يقول الله للرسول:ـ (وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 أي غير مقتنعين فهم في النتيجة ضالين.

النفاق والكذب عدها القرآن أيضا كفراً، فأنت مؤمن حتى وإن لم تؤمن بالله. إن كنت صادقاً عادلاً لاتنافق أو تستر الحق بشهادة الناس، فليس الله لذاته يُعنى بِه الأيمان، وانما خلاصته في السلوك والمعاملة الأنسانية والأخلاقية بما شرعها الله حقاً لخلقه من الناس. لآن الإمتثال للحق والعدل هو جوهر الإيمان ومفهوم الله .

ولهذا يقول الله تعالى.. (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). سورة يوسف 106 وهذا يعني كافرون ومشركون بالرغم من إيمانهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم.

ويؤكد هذا المعنى حديث المفلس للرسول كشاهد يوافق ماجاء به القرآن في سورة يوسف أعلاه آية 106.

يقول الرسول:ـ

أتدرون ما المفلسُ؟" قالوا":المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:" إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهُ قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار" رواه مسلم [347].

ولتبيان أن الهداية هي جوهر الأيمان، ولا إيمان دونها َنذكُر قول الله تعالى، ثم نُعرِّج على مفهوم الإيمان :ـ

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا البقرة /137 . والسؤال عن ماذا يطالب الله بالأمتثال له في دينه الجديد؟

الجواب:ـ

الأيمان لغةً :ـ هو الأعتقاد بشيء.

المعنى الأصطلاحي:ـ هو الأيمان والتصديق بالله الخالق ورسله وشرائعه وباليوم الأخر.

أما جوهر الأيمان فيتمثل بسلوك المؤمن وإمتثاله لآوامر الله في العامل مع الأخر.

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا البقرة /137 .

أي يمتثلوا بما إنزل اليك ويؤمنوا به مصدقين له في أعمالهم.

ومن هذا نفهم أن الآية التي ذكرناها سلفاً أن موضوعها هو جوهر الإيمان وهو الهداية، وهو المطلوب.

أن من لم يتمسك بجسد الدين، لم يؤمن، وليس بمهتدي، فالمراد من الدين هداية الناس الى طريق يحقق العدل بين الناس . فالهداية عند الله لاتعني الأيمان الشكلي أو لمجرد الإعتقاد بالله ورسوله كذات ومسمى، وإنما بجوهر الأيمان . (فإن أمنوا بمثل ما أمنتم به فقد إهتدوا). وهو المقصدود به جوهر الأيمان.

وفي أمر الهداية والضلالة حتى الرسول كان ضالاً أي جاهلاً لايعلم الحق من الباطل من الله، وهذا هو حال من ليس اليوم بمؤمناً، لكنه أيضاً ليس بكافراً، فلم يصف الله ضلالة الرسول قبل أن يوحي اليه الدين بالكفر، أو وصفه بكافراً، وكذلك نقيس عليه ولانعد الضال بكافراً.

ويؤكد إستدلالي هذا قول الله في القرآن أصدق الحديث:ـ

إذ قال الله للرسول مخاطباً في سورة الضحى أية ((ووجدك ضالاً فهدى))

والضلالة في القرآن هو الحيود على الحق بجهل أو سهو عن معرفة وكلاهما ليس عمداً.

كما ضلالة موسى في الشعراء أية 20 ((فعلتها إذاً وانا من الضالين)). والضلالة بمعنى السهو، جلية في أية 282 سورة البقرة ((وإن تظل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)).

يخاطب الله الرسول في سورة الشورى آية 52 بقوله:ـ

((وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا)).

أي لم تكن مؤمن ولامهتدي، كما ولم تكن كافراً بل كنت ضالاً جاهلاً.

لآنه بماذا كفر وهو جاهل لا يعلم بَعد، الرشد من الغي، أو حتى لم يتم له التصديق والأيمان بما جاء به الرسول، فبماذا؟ وماذا سيغطي ويستر ليعد فعله كفراً ويصبح كافراً حكماً؟ كما وأمر الهداية القلبية من الله، إذ يقول الله في القرآن مخاطباً الرسول : (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ) القصص 56 . ولاتعارض مع (وإنك لتهدي الى صراط مستقيم) الشورى 52. لأن أمر الهداية هنا خاص متعلق فقط بالمخاطب اليهم، وهم الذين آمنوا وليس غيرهم ممن لم يؤمن من الناس. أكرر أن الخطاب للرسول حول أنك لاتهدي من أحببت هو خاص بمن آمن ولم يتهدي وليس بالكفار او الغير مؤمنين!

يؤكد تفسيري هذا قوله تعالى وخطابه لهم بـ ـ يا أيها الذين أمنوا:ـ (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ..) آل عمران: 103

فالهداية هي التقوى وهو خطاب للذين آمنوا أن يتقوا ويهتدوا ويعتصموا بالله، وهم المقصودون، بأن الرسول لايمكنه أن يهديهم بعد أن آمنوا، وإن أحب ورغب بذلك. ولنتذكر قول الله حتى وان كررناه عدة مرات ولكن للضرورة أحكام يقول الله فيمن أمن ولكنه لم يؤمن (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).

الهداية إذن هي جوهر الإيمان والصراط المستقيم. كما يقول الله (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) البقرة 137

. فأن تقول أمنت لاتكفي كما قالت الأعراب :ـ

(قالت الأعراب أمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا..) الحجرات 14.

ومن هنا نفهم حقيقة خصوصية الهداية في الذين امنوا ولذلك قال الله للرسول عنهم : (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ) القصص 56 . فهذا رسول الله حقاً غير قادر على فعله، فهداية الإنسان المؤمن تحكمها صدق النية في القلب وإرادته الحرة ولايمكن تحقيقها بالإكراه .

يقول تعالى:ـ في خطابه للذين أمنوا ..نعم فقط للذين أمنوا...يقول

(وكيف تكفرون و أنتم تتلى عليكم آيات الله و فيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا): آل عمران: 103

وقوله ولاتموتن وانتم مسلمون أي مؤمنون بجوهر الأيمان. للتوضيح والتبسيط أكثر يقول الرسول :ـ أني أنا الرسول أعلم أنكم قد أمنتم بي وبما أنزل الي من ربي، ولكن ماتقومون به خرج من بوابة الأيمان الحقيقي الى بوابة الكفر فأنتم مؤمنون غير مهتدون .

الخطاب للذين آمنوا..

يا أيها الذين آمنوا…….!..

سواء كان سبب النزول للآية 103من سورة آل عمران، هو لعودة تقاتل الأوس والخزرج بالرغم من إيمانهما بالرسول أو لآمر آخر، فهذا لايعنينا إطلاقاً وإنما جوهر المعنى في الخطاب.

القرآن لغويا هو خطاب بين المرسل والمرسل اليه، ولايعنينا لآ أوس ولاخزرج ولا أي فئة أو عشيرة أو قبيلة من الناس، لآن الخطاب يحمل ضمير أنتم أي هم المقصودون بالخطاب وأمرهم، فهل الضمير ـ هم ـ يعود على المؤمنين أم لا؟ ولو لم يكونوا مؤمنين لمَا كان الخطاب اليهم يبتدأ بالتعجب من فعلهم بقول الله : ـ وكيف تكفرون ـ ...الخ الأية.

فحثهم الرسول على الرجوع الى رشدهم والى التقوى بالحق، ومن هذا التعجب في الخطاب يٌفهم أنهم زاغوا عن حق قد آمنوا به، ولهذا بزيغهم قد كفروا أي نكروا الحق بما علموا، وتلبسوا بالباطل، فهم بفعلهم هذا كفار نسبة الى مافعلوا، حكم عليهم الرسول لفظاً ومعنى بالكفر فأصبحوا كفاراً.

أراد الله بخطابه التعجبي لهم بقوله ـ وكيف تكفرون ـ أن يعيدهم الى جوهر إلأيمان، لارسمه، ولا إنتمائهم اليه شكلاً.

إن الذين قالوا ربنا الله ثم ــ استقاموا ــ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" 30 فصلت.

فليس كل من آمن بالله هو مؤمن مستقيم الإيمان حقاً! فالأستقامة هي الهدى وجوهر الإيمان.

و أية 82 من سورة الأنعام يقول الله

(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

و قال تعالى في خطابه أيضاً للمؤمنين: «وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» الأنعام: 153

في آية المجادلة نلمس بوضوح الخطاب التحذيري التذكيري الموجه للمؤمنين فقط من عدم كفرهم بما آمنوا به، قولاً وفعلاً.

يقول تعالى:ـ

«يا أيها الذين ـ آمنوا ـ إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم و العدوان و معصية الرسول و تناجوا بالبر و التقوى»: الآية المجادلة: 9.

نُذَّكِر بمعنى التناجي من قاموس المعاني:ـ

وهو كالتالي: (تناجى الشَّخصان أفضى كلّ منهما إلى الآخر بما يخصّه به).

وفي سورة محمد يقول تعالى:ـ

إن الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله (أي زاغوا عنه بعد أن آمنوا به) و شاقوا الرسول ـ من بعد ما تبين لهم الهدى ـ لن يضروا الله شيئا و سيحبط أعمالهم يا أيها الذين ـ آمنوا ـ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و لا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله ثم ماتوا و هم كفار فلن يغفر الله لهم): محمد: 34

فمن هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وبطلت أعمالهم؟ لآن الأعمال والأقوال هي أفعال تترجم حقيقة وجوهر الأيمان..

الجواب:ـ

هم المؤمنين الذين كفروا وصدواعن سبيله، إذ لايخاطب الله أحداً من الناس بقوله ـ كفروا أو ـ وصدوا عن سبيل الله وبطلت أعمالهم ـ لأنهم خارج حقل الأيمان ولاعلم لهم به.

ثم يقول تعالى:ـ

نذكر أولاً بمعنى المشاققة في الأية...

من قاموس المعاني

يشاقق بمعنى يخالف.

ويشاقق الرسول يخالفه بالحق الذي جاء به...كما يقول تعالى...((يَا أَيُّهَا ـ النَّاسُ ـ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ ـ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ـ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ ـ تَكْفُرُوا ـ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) النساء.

وهنا في الآية 170 من سورة النساء أعلاه، هو الكفر من بعد إيمان، لأنه قال ـ قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ـ أي بما كنتم على دراية من أمر نبوته في نبوءاتكم.

ومن سورة آل عمران 72 :ـ (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أٌنزل على الذين أمنوا وجه النهار وأكفروا آخره لعلهم يرجعون). فواضح أمر معنى الكفر والإيمان هنا وكيفية وقوعهما.

فهل حقا كان الله يخاطب من لهم دراية وسابق معرفة بأمر نبوته؟

يقول الله في سورة الأعراف 157

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل).

وفي سورة الأنعام 20 :ـ(الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لايؤمنون.

وفي الأعراف 71:ـ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون. الشعراء 197:ـ أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل.

فالحق عند الله معلوم مشهود عليه عند أهل الكتاب ـ(كأحبار ورهبان وليس عامة الناس منهم)، أنزله على رسوله ليبلغه لمن جهله، وخطابه بثبات أمر الحق، هو بشهادة أهل الكتاب، إذ لايمكن أن يخاطب الناس بأمر الحق وهم غافلون عنه لاشاهد ولادليل عليه.

ومن خلال الأيات الدالة على ذلك نستنتج أن لاكفر إلآ بعد رسوخٍ بإيمان تصديقي معرفي، ولايمكن مخاطبة احد أو وصفه بكافراً، أو يحذره من الكفر وهو لم يؤمن بما أنزل أن قد كان من عند الله حقاً .

يقول الله تعالى مقدماً الإيمان على الكفر :

ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ـــ إيمانكم ــ كفاراً. البقرة 109

نستطرد ونعود...

هذه الأية أعلاه وأمثالها في القرآن، ربما لها أثر بالغ من حيث المقابلة اللفظية بين كافر ومؤمن، ولهذا أظن أن الأحكام بإما كافر أو مؤمن هي مما رشحه العقل الباطن فظن بها حقيقة. وإلا فمن إرتد فلن يضر الله شيئاً حسب قول الله، لأن القناعة ليست لحظات تزول بلحظة كما هو الإيمان. فمن حق الجديد في الأيمان الرسوخ فيه، أو ربما عدمه. وخلال هذه الفترة قد يتبين للأنسان الرشد من الغي حسب فهمه وعقله وكيفية إستيعابه للدين ككل، كما ودين الإسلام ليس بوابة سجن من دخلها لايخرج.

نعود..

ثم يؤخر الأيمان على الكفر ليبين أن لاكفر قبل إيمان.

ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل 108 البقرة.

أي من يجحد بآيات الله وتعاليمه (يكفر).

يؤكد إستدلالي هذا الآية 6 من سورة التوبة

:ـ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ ـــ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ــــ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66). التوبة. كما هي الأية 103 من سورة آل عمران والتي بدأت بـ (وكيف تكفرون..).

كما ولا إكره على إيمان فالإكراه ظلم وبحد ذاته فعل لايعد حق أي فعل باطل ومايبطله الله هو الكفر لآنه غطى الحق. كمايقول الله مخاطباً الرسول :ـ

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . يونس ـ 99.

وهنا المعنى جلي أن الغاية من الأيمان هي إحقاق الحق في المعاملة مع الأخر إذ لادين ولاقرآن ينزل إلآ لغاية وهدف يتم تحقيقه بين فاعل ومفعول به. فلايعقل أن ينزل الله أو الخالق دين لآجل عبادته هو لذاته، أي يخلق الخلق لآنه محتاج لآن يُعرف ولعبادة مخلوقه وصلاته وصيامه وحجه وزكاته وقتاله في سبيله وكأنه عاجز محتاج لمن يعينه على مخلوقاته الشريرة وأًصنامهم التي تؤرقه عبادتها ليل نهار .

لايحتاج المخلوق الوحيد في هذه الدنيا الى أي قرآن أو أي كتاب سماوي أو حتى معرفة الخالق أو الجنة والنار، إلآ بوجود إنسان آخر يستطيع التعامل معه. بإعتبار أن الدين معاملة ولابد من طرفان لأتمام المعاملة. ومنه ليتحقق العمل في سبيل الله، فلاعبادة لله ولاسبيل اليه يتم بمخلوق واحد في الكون. فالله والدين يغيب عن الوجود بغياب الطرف الأخر، وجملة في سبيل الله هي جملة مجردة تعني في سبيل الطرف الآخر أو الناس فإن حضر الأخر تحقق سبيل الله وبالعكس. فالسبيل هو طريق الله الذي أنزله على خلقه من خلال كتبه ورسله، فهو نظام الله في كيفية تعبيد طرائق التعامل بين الأنسان وأخيه.

نوِّد أن أن نَفْهَمْ ونُفهِّمْ أن دين الله الإنساني هو قانونه العادل، الذي أناط إدارته الإيمانية الى إرادة البشر الحرة، سعياً لتنظيم حياتهم ورقي إنسانيتهم في التعامل فيما بينهم. ومنه لتحقيق وتجلي هوية جنس البشر. فطرائقه وشرائعه التعبدية الروحية والسلوكية هي لإيصال شعلة الإنسانية الى ذروتها في كيفية التعايش، وتعامل الناس مع بعضهم البعض. وهذه هي العبادة، وهو ذاته في جوهره معنى الأية : (وماخلقت الأنس والجن إلآ ليَعْبُدون) الذاريات 56 ـ أي ليُعَبِّدون طرائع وشرائع هذا الدين في أنفسهم وفيما بينهم.

نعود الى موضوع الكفر والأيمان.

يؤكد الله تعالى مراراً وتكراراً، أن الكفر والشرك بعد الأيمان، وليس قبله، أي لمن عَلِمَ وآمَنَ بالحق، ثم رغب عنه بعد أن تبين له، وأتبع طريقاً أو سبيلاً آخر، يظن أن فيه الحق ليقيمه، فيعد عند أن قد كفر وأشرك، ويقول الله لهم…لقد تبين لكم الرشد من الغي وعلمتم بأحقيته ولكنكم سترتم هذا الحق الذي هو نظام خالقكم. أي فأبيتم إتباعه ـ فـيا رسول الله قل لهم ـ (يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين). أي لكم نظام تُعَبِّدون به طرائق التواصل والتفاعل والتعامل فيما بينكم. ويؤكد إستدلالي هذا القرآن ذاته.

القرآن يخاطب المؤمنين وليس غيرهم:ـ

و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين» 115.

إن الله لا يغفر ـ أن يُشرك به ـ (لاحظ أن الآية تربط الشرك بمن رغب عن دين الحق عند الرسول وإتبع غيره من بعد ما تبين له الحق، وليس قبله والمقصود تبيان الحق وليس مسمى الدين لذاته فالدين ملتبس بالحق كإلتباس اللفظ بالمعنى، ولهذا يقول الله متمما الآية :ـ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) النساء.

إذن، فالخروج عن طاعة الله والرسول هي بعد الدخول فيها أولاً إيماناً حقاً، إذ لاخروج قبل دخول، فهنا تتم المعصية وإلآ لامعصية أو كفر دون الأيمان أولاً. ولذا يذكر القرآن بأن من تبين له الحق وعصي ربه وإتبع سبلاً أخرى فقد اشرك بالله، لأنَّ الصد عن سبيل الله، هو الصد عن الحق الى ُسبُلٌ آخرى له لمشرعٍ آخر، يعد شركاً ولذلك يقول الله لاأغفر له أبدا وأغفر مادونه، فالمراد إقامة الحق من شرائعه هو والمتمثل جوهرها بقتل عبادة الأنا الى عبادة نحن بأسم يرمز الى لفظ الله، أي الى نظام التكافل والأيثار الإجتماعي المتمثل بعبادة نحن برمزية الله. لذا قال الله (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فليس إقامة الدين كحج وصلاة وزكاة وقول لا إلله إلا الله كما ليس مقصده تحطيم الحجر بل تحطيم حجر أو صنم ألأنا. فساحة الإيمان هي ساحة التعامل مع الأخر.

ومن سورة التوبة نلمس التوضيح حول حقيقة معنى الكفر وكيفية حصوله.

أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ . 73 التوبة عن أي كفار يتحدث الله؟

يجيب الله في الاية التي بعدها أن الكفر حصل بعد أن اسلموا أولاً! أي آمنوا وصدقوا بما إنزل اليه.

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ . 74 التوبة.

ثم الجهاد ضد من إعتدى منهم وليس لمجرد أنهم كفروا لآن الله يقول عن كفرهم ولن يضروا الله والأيات كثير تؤكد هذا ومنها قوله:ـ ولايحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً. 176 البقرة.

وقال إن الذين إشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً. 177 البقرة.

فمن سورة الأنعام نستدل على هذا بقوله تعالى:ـ

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89).

فالقرأن يؤكد أن قتال الكفار من بعد ما آمنوا فكفروا ثم إعتدوا، إذ لا يصح إطلاق صفة الكفر عليهم قبل إيمانهم، كما وليس قتالهم لأرغامهم على الدين أو للتخلص من كل من كفر، فمن الأية نفهم المعنى إذ يقول تعالى:ـ

وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين. البقرة 190

كما قال تعالى أيضاً:ـ

كتب عليكم القتال وهو كرهاً لكم. البقرة 216

(لاينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 08

إذن نخلص الى أن القرآن يوضح أن الكفر بالشيء يحصل بعد الإطلاع عليه وهذا هو المنطق ودونه لا! إذ لايمكن حصول كفر دون تسليم بإيمان. ولهذا فمن لم يقتنع من أي دين كان أو لم يكن فلايحق لأحد وبسند قول الله في القرآن أن يوصف بالكفر أو كافراً، سوى بحكم غير مؤمن أي غير مقتنع والله لا يحب الأكراه إذ لا إكراه في الدين وهذا ليس رأيي بل قول الله ووصفه لهم إذ قال (وما أكثر الناس لو حرصت بمؤمنين). سورة يوسف 03 .

فالحكم الوحيد هو وفق الإعتبارات القرآنية (ضال ضلالة الجهالة التي كانت عند العرب والرسول قبل الأسلام سواء) لأن الله أوحى للرسول، وما كان يدري ما الكتاب فصدق بمشقةٍ من أن هذا وحي من الله حقاً، وليس شيئاً أخر فكيف بغيره من الناس الذين لم يوحي الله اليهم؟ لذا من الصعب عقلاً ومنطقاً أن تتم القناعة بما أقتنع الرسول، كما لايصح أن يٌكره الناس على التصديق دون الأيمان والقناعة الذاتية من خلال الشواهد القرآنية، وعليه لايمكن وصف جهل الغير مؤمن وضالته بالكفر أو بكافر! بل بغير مؤمن أصح لآن هذا حكم ووصف خالق الأنسان ومرسل الرسل الله تبارك وتعالى. فمن أصدق من الله قيلا ؟.

لو ورث الإنسان الدين والإسلام لايرث الهدى بالضرورة، وهو جوهر الإيمان ومعنى الدين. ولهذا لاتلومن الناس لو صاروا منافقين، فالتمثيل الإيماني أو الإسلامي بوابة للنفاق وضياع للخلق الإنساني. فإختار أيها القاريء المسلم، بين أن تكون في الدرك الأسفل من النار كمنافق تمثل الإسلام والإيمان، أو في الجنه كمؤمن مهتدي صادق لم تكره على إيمان، ولم تكره أحداً عليه . فَضالاً جاهلاً أفضل وأشرف وأطهر من مسلماً منافقاً ظالماً تمثل الإيمان وتُسوِّد وجه دين الإسلام، كما يمثله ويسوده اليوم كل الأسلاميين السياسيين، وغيرهم من الكثير، من بعض فقهاء الدين، ومن عامة الناس * المتأسلمين* أجمعين.

 

الكاتب والباحث

علاء هاشم الحكيم

 

في بحثنا هذا سنتناول بالدرس والتحليل مفهوم - نظرية الحكم في الإسلام -، وهل لها وجود في الواقع أم لا؟ وعلى أي شيء تقوم؟ وماهي مؤوسساتها؟، هذه الأسئلة إشكالية مفاهيمية واجهتنا ونحن نبحث في أصل النظرية، التي يزعم البعض إنها موجودة بالفعل، وأصل الزعم هذا عدم التمييز في الطبيعة بين الحكم وبين الدليل عليه، فالحكم قضية مستقلة بذاتها وحين تُنسب إلى الدين نحتاج للدليل على صحة هذه النسبة ودقتها، وبين الدين والسياسة فارق مفاهيمي وقيمي، والجمع بينهما مشكلٌ في حد ذاته، ولكن بعض القوم دمجوا بين المتناقضات في طريقة دوغمائية، كتلك التي نقرئها في تلابيب هذا الخبر المجهول والقائل إن: - الخلفاء أو الأئمة من قريش – مسند أحمد ج4، هؤلاء القوم بنوا على هذا الخبر مشروعية حكمهم على العباد، وتلك إشكالية معرفية ومعلوماتية لأنها تعبر [عن مجموعة مشاكل تدخل في معنى الحكم وماهيته وكيفيته]، وبحسب ماهو مُتاح ومتوفر لدينا من أدلة وبيانات، تُثبت إن ليس في الإسلام نظرية حكم محددة ومعلومة المعالم، وقولنا: هذا مُبتني في الأساس على الكتاب المجيد، ومافيه من نصوص دالةٌ على ما نقول في هذا الباب، نعم هناك إجتهادات قال بها نفر من المتأخرين أدعوا فيها وجود نظرية حكم مستقلة، و هذه الإجتهادات في مجملها تقوم على أخبار وروايات ضعيفة الإسناد ضعيفة الدلالة، ولذلك فهي لا تصمد أمام النقد والتحليل الموضوعي، وهنا نُشير إلى ماورد في كتاب المارودي - الأحكام السلطانية -، والتي بدى فيها واضحاً الدور التاريخي للخلفاء في تأسيس مفهوم - الحكم الإسلامي -، وحينما نقول إن هناك إشكالية حكم في الإسلام، فإننا نعني بها ذلك – الإلتباس - الموجود في ذهن المسلم عن معنى الحكم ومتعلقاته وأسسه التي قام عليها .

إن القدر المتيقن الذي نعرفه عن طبيعة الحكم في الإسلام لا يتعدى من كونه يمثل سطوة - القبيلة وحاكميتها والتي جرى تقليدها في زعامة المسلمين -، والذي دعى لهذه السطوة هو - رغبة البعض في السيادة والحكم -، ولكي تكون الحاكمية ممكنة جرى تقديمها من خلال وضع أخبار في هذا المجال توحي بذلك، كالخبر الذي ذكرناه آنفاً بقولهم: - [الأئمة من قريش] - !!، ولا ندري لماذا حصر الإمامة بقريش دوناً عن العالمين؟ ولماذا هذا الإحتكار للسلطة في قوم وقبيلة معينة؟، والحق إن هذا الخبر ومثيلاته يتعارض صراحةً مع نصوص الكتاب المجيد وإفاداته، النصوص الدالة على إختيار الإنسان الصالح من دون قيد قومي أو قبلي أو فئوي .

وخبر - الأئمة من قريش - ليس مُعارضاً لنصوص الكتاب وحسب، بل هو مخالف للعقل المستقل الصريح، ودعوى الإحتجاج في صحته من قبل أبي بكر في مواجهة الأنصار دعوىً لا يُعتد بها ولا يعتمد عليها، لأنها تعبر عن موقف سياسي محض، [ومعلوم بالضرورة إن السياسة لا تكون حاكمة على الدين]، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإمام علي قد نقض هذا الخبر حينما رد على أبي بكر بقوله لقد: - تمسكتم بالشجرة وأضعتم الثمرة -، وهو يعني نفسه وقرابته القريبة من رسول الله من الجهتين [البيت والعشيرة]، و في باب التعارض يسقط الخبر مع عدم وجود الدليل الدال المستقل عليه .

والكتاب المجيد لم يُحدد لنا شكل ونوع - الحكم في الإسلام - ولا كيف يكون؟ ولم تحدد لنا النصوص الواردة في هذا السياق صفة الحكم بشكل محدد، وما بين أيدينا من نصوص في هذا الباب فهي ليست سوى إرشادات ولنقل هي - نصوص فضفاضة عامة - أشهرها قوله تعالى: - [إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل] النساء 58، وقوله تعالى: - [وأمرهم شورى بينهم] - الشورى 38 -، وقوله: - [ومن لم يحكم بما أنزل الله ...] - المائدة 44 و 45 و47 -، [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] - النساء 59 .

والنص الأول: يتحدث عن القضاء بين الناس بشكل عام مطلق، ويدعونا لمُراعاة العدل في ذلك – وهذا توجيه إرشادي -، يبين لنا مدى أهمية العدل في الأحكام، أي إن مُراعاة العدالة ضرورية لمن يتصدون لمقام القضاء بين الناس، ومعلوم: إن العدل والعدالة هي من المفاهيم النسبية، ولكي يكون المرء عادلاً فهذا يعني إفتراضاً إنه لا يظلم احداً، وهذا الإفتراض ظني ونسبي، ويجري في كل الأشياء الأخرى كجريانه في نسبية العلم والكفاءة والدراية والنزاهة، والقدر المتيقن في النص يُركز على تحصيل العدل في الحكم، و جعل المتصدين لهذا الأمر يُراعون ذلك قدر ما يستطيعون، والعدل قيمة مستقلة لا دخل لها بالإنتماء القبلي أو الطائفي للفرد الحاكم، وهذا يعني كون المناط المعتبر في العدل مناطاً موضوعياً، والنص لم يذكر لنا قريش من قريب أوبعيد .

وأما في النص الثاني: فالكلام عن - الشورى - على نحو مطلق، هو كلام إستحساني في ضرورة التشاور مع من هم أهل لذلك، وفي المسائل التي تتطلب أو تستوجب ذلك، والأمر فيه إرشادي كذلك، وأما في معنى المشاورة فهناك شروط موضوعية تجب بمن نتشاور معهم، وهي شروط عامة ونسبية، ولا دخل لها في كون المُتشاور معه قرشياً أم لا، كما إن القرب والبعد من محمد بن عبدالله النبي والرسول ليس قرباً نسبياً، إنما هو قرب إنتماء وولاء وإلتزام بالأوامر وإمتناع عن النواهي، وفي ذلك يتساوى الجميع ومن أي الأقوام والشعوب، ولا خصوصية لطرف على أخر ولا لرجل على أخر في ذلك، والأمرعند الله يرتبط بشروط موضوعية نسبية، وجاء الأمر بالشورى لتكون بمثابة الحل في الأمور المتنازع فيها، وأما معنى الشورى في النص: فهو معناً عام يشمل كل ما يمكنه منع الإلتباس في الأمر ذات الصلة، وبما إننا نبحث في مسألة - الحكم - كنوع من هذا الملتبس فيه، لذلك تجب الشورى لكي تكون بمثابة الفعل الذي يساهم في تكوين العقل السياسي، وبدلاً من التمسك به كمشروع عمل، جرى نزوع لدى بعض الفقهاء في صُنع بدائل، تُعطي لتابعيهم الحق أو التفويض في الحكم و في أن يكونوا حكاماً .

هذا الأمر بدى واضحاً في الخبر الذي نسبوه عنوةً لرسول الله: - الأئمة من قريش -، وهم يعنون بذلك وجوب كون - الحكام الخلفاء من قريش حصراً -، وقد جهد الإلباني كعادته في إثبات صحة إسناد هذا الخبر، ليقول لنا إنه خبر صحيح الإسناد ولذلك يجب التمسك به: [والحق إن مسألة السند الروائي هي بحد ذاتها إشكالية تحكمت في سير الأخبار ودقتها، ولهذا نحن نتمسك بالمبدأ القائل: - إن الأصل في صحة الخبر أو لا هو في موافقته لكتاب الله وفي مخالفته له -، فما وافق الكتاب المجيد أخذنا به وأعتمدناه وما خالفه رددناه وضربنا به عرض الجدار، وتلك هي القاعدة التي نعتمدها في قراءتنا للأخبار، ويعني ذلك التدقيق في مضمون الخبر ومعناه وليس في صحة أسانيده ورواته، لأن السند الروائي لا يعني شيئاً عندنا، لأننا نؤمن بأن: – الحكمة ضآلة المؤمن إينما وجدها إلتقطها - وفي ذلك نبتعد عن السند الروائي وتعقيداته وتقسيماته التي تكون بحسب الإنتماءات والولاءات المذهبية والطائفية، فالرواي الصدوق عند قوم هو ما يكون على مذهبهم، ويكون كذاباً يضع الحديث أو لا يُعتد به أو هو مجهول الحال لا نعرفه بكتب الرجال إذا كان على مذهب المُخالف، ومن هنا فالسند الروائي مرتبط بالقرب والبعد من الدائرة التي ينتمي إليها، ولذلك فمن يريد الحيادية والموضوعية عليه ترك مشقة السند الروائي جانباً والتمسك بما وافق أو بما خالف الكتاب المجيد]، ولهذا فالمشكلة التي لم يلتفت إليها هو أوغيره إن هذا الخبر يتعارض مع نصوص الكتاب المجيد، تلك النصوص التي قدمت لنا شروطاً موضوعية يجب توفرها بمن يتقدم الناس ويتولى شأن أمرهم، وفي هذا المجال لا يجوز تحميل النصوص ما لا تحتمل، وماهو معلوم بالضرورة: - إن قريشاً ليست السبب الذي من أجله نزلت رسالة السماء -، كما وإنها ليست المدار الذي من خلاله تدورفي فلكها أحكام رسالة السماء أو تتعين:

إن – إشكالية الحكم في الإسلام - صنعتها العصبية القبلية التي أنتشرت بعد وفاة النبي، وأول من تبنى ذلك أبي بكر الذي كان سياسياً بإمتياز، وظف الخطاب الديني لخدمة السياسة، وهذا ما تنبه إليه عمر بن الخطاب عندما قال: كانت خلافته [فلتة وقى الله شرها] يعني إن خلافة أبي بكر قامت في الأساس على خطأ مفاهيمي، إن أحقية الخلافة في قريش هي أحقية مُدعاة، وقدر ردها علي بن أبي طالب في قوله السابق لقد: – تمسكتم بالشجرة وأضعتم الثمرة - .

إن - إشكالية الحكم في الإسلام -، بدأت حين بدأت في غياب النص الصريح في الكتاب المجيد عليها، ويعني هذا إن شأن الحكم هو شأن إنساني ولا دخل فيه للدين أو للنصوص الدينية في ذلك، ومن ذلك نفهم لماذا ترك الله الناس أحراراً فيما يختارون وفيما يرونه صالحاً لهم؟، نعم لم يترك الله الأمر على نحو سائب، بل قدم للناس جملة محددات وشروط موضوعية أعتبرها لازمة بمن يتولى أمر الحكم والقيادة .

و الإختيار: هو مفهوم يرتبط بالإرادة والحرية، وهوالشرط الموضوعي اللازم في هذه العملية، ومن ينتخبه الناس يكون لهم خليفة وإماما، والشروط الموضوعية بالمطلق هي - مفاهيم نسبية -، والنسبية فيها تكون بحسب الإعتبار، فهي مُلزمة ولكنها ليست صحيحة في المطلق، [والإلزام نعني به وجوب طاعة المنتخب مادام ذلك تم بإرادة وحرية تامين]، وهي ليست صحيحة - لجهة عدم إنطباق المفاهيم والشروط عليها بالواقع - وعلى نحو، والإختيار لايكون حقيقياً، بمعنى إستحالة تحقق جميع الصفات الواجبة وعلى نحو تام لدى من أُنتخب، إنما القدر المتيقن يكون - من جهة إنتخاب الأكثرية له -، وهذا الذي يُطلق عليه أصولياً - بالإجماع المُحصل -، والذي يكون حجة إن حصل في هذه المسألة، أو مادامه سارياً ووفقاً لرأي الجماعة - الأكثرية - .

إذن [فالملاك في تولي هذا الأمر يعود لرأي الناس]، ويعود لجهة إنتخابهم لمن يرونه صالحاً لهذا المقام، وهذا ما نفهمه من معنى - رأي الناس -، والذي هو الحجة الوحيدة في هذا الشأن - ولا حجة سوآه -، ويعني هذا إن ما قاله أبي بكر يوم السقيفة في: تقديم القرشي على غيره في الحكم، ليس على ما ينبغي شرعاً وعقلاً، ولو تأملناه جيداً لوجدناه ليس سوى باب سياسي فتحه أبي بكر لطرد الأنصار من التنافس على السلطة، أو قل هو عودة لحكم القبيلة الذي كان سائداً في الجاهلية وقبيل عهد النبوة والرسالة .

[ومعلوم إن الكتاب المجيد قدم لنا محمد بن عبدالله بصفته كنبي وكرسول وحدد له مهام أشهرها أن يكون – بشيراً ونذيراً -، وقد دعاه الكتاب المجيد ليمارس دوره في ذلك من خلال - الأمر والنهي - و بحسب الممكن والمستطاع إذ - لا يُكلف الله نفساً إلاَّ وسعها -، وفي دورة حياة الرسول: - لم يقل لمن حوله إني حاكم عليكم -، بل تمسك بما دعت إليه الرسالة في نفي الإكراه والجبر في كل شيء، والرسول صفة لا يمكن توريثها لمن يحب أو يرغب لأنها ترتبط بالوحي، وهذه الصفة لا تخرج الرسول من آدميته و طبيعته الإنسانية، ولا تميزه عن الناس ولهذا قالت الرسالة: – وما محمد إلاَّ رسول .. - ولم تقل وما محمد إلاَّ حاكماً، لأن هذه الصفة لا تستوجب الحكومة ولا تستلزمه من حيث هي، واكثر ما تدل عليه هو الإرشاد والهداية والتربية والتعليم، وأحكام الرسالة في غالبها إرشادي، ولذلك فحين تقول الرسالة - أفإن مات إنقلبتم على أعقابكم - فهي إشارة إلى ما كان يُعلمه الرسول لأتباعه، وليس ما كان يحكم به الرسول أتباعه، ولأنه في صفته الرسولية هو معلم للجميع، وفي رسوليته لا خصوصية لأحد أو لقبيلة بعينها، وهذا المعنى رد لفكرة التوارث السلطانية في الحكم الديني، ورد للخبر القائل: - الخلفاء أو الأئمة من قريش -، ورد للخبر القائل: - الخلفاء من بعدي أثني عشر -، وهذا الرد لا يعني الإنتقاص أو التقليل من شأن أحد، بل هو للتأكيد على أن الأصل في الإسلام، إن يكون الحاكم هو للناس من بينهم ومنهم، لأنه المنتخب منهم، وهم المسؤولون عن إختياره وإنتخابه]، وذلك الذي نفهمه من معنى قوله - وأولي الأمر منكم -، الواردة في صيغة من تنتخبون بدليل قوله - منكم -، و ليس مفروضاً عليكم بل أنتم من تنتخبونه، هو منكم من وسطكم وهذا الإتجاه قد عممه الكتاب المجيد حتى في إختياره للأنبياء والرسل كما في قوله: [لقد جاءكم رسول من أنفسكم] - التوبة 128 - وقوله: - [هو الذي بعث في الأميين رسول منهم] - الجمعة 2 - .

إن - إشكالية الحكم في الإسلام – بدأت حينما أستُبدلت نصوص الكتاب المجيد بمجموعة أخبار وضعها رواة أشتغلوا في خدمة الخليفة والسلطان، ومن أجل تبرير هذا الإستبدال قالوا بالنسخ - أي بنسخ نصوص الكتاب المجيد بالأخبار - وإلى ذلك ذهب فقهاء مشهورين، حين جعلوا من الأخبار حاكمة على نصوص كتاب الله، وهذا الجعل كان من أجل تمرير بعض الخطابات التي ينتفع بها الحكام الخلفاء، وفي دوام حكمهم .

نعم لا توجد نظرية حكم في الإسلام، وذلك لأن الإسلام دين قيم وأخلاق والسياسة ليس فيها شيء من ذلك، ولو أفترضنا جدلاً وجود نظرية حكم في الإسلام، فهذا يقتضي أن تكون تلك النظرية – دكتاتورية - لأن الحاكم من خلالها يكون حاكماً بأسم الله أو يكون ظلاً لله وهذا ممنوع ومرفوض، والحكم في طبيعته الموضوعية المجردة وكما توحي به المدوناة القديمة، إنما هو عبارة: عن ممارسة يقوم بها الإنسان ضمن ضوابط وشروط، تقوم على الإختيار والتبادل السلمي للسلطة من دون تفضيل أو أحقيات، والحاكم الفعلي فيها هو الشعب صاحب الإرادة في الإختيار وفي التقديم والتأخير ....

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

abduljabar alobaydiقرأت مصادفةً مقالأ مختصرا للكاتب المعروف خضير طاهر بعنوان سر الأسرار .. من خلق الله؟ الذي اعتدنا عليه في نشر غرائب المقالات بهذا العنوان طارحا أسئلة عديدة ومحيرة في الأجابة عليها.

وقرأت في جريدة الديار اللندنية عنوانا لقصيدة بعنوان ...من هو الله؟ واستجابة لهذه الأسئلة التي تدور في خواطر الكتاب ولا تجد لها جوابا مقنعا، أعيد نشر هذا المقال؟

من وجهة نظري ليست غريبة ولا محيرة هذه الأسئلة، ومن حق السائل ان يسألها لأن الطابع الفلسفي العميق يكتنفه الغموض دون تقييم . ان ما يعتقد به الكاتب المحترم ليس ألحاداً كما يعتقد البعض، لكنه من وجهة نظري هو قارىء رأسي لا يؤمن بسطحيات التفسير او التأويل الفكري، بل يريد جوابا لكل سؤال يستند على المنطق والقبول، فالدليل بنظره هو الحجة وهي نظرية الامام علي (ع) في تثبيت النص (نهج البلاغة)، وهذا من حقه ونحن نعيش اليوم في عصرنة الثقافة بعيدا عن التفسيرات الميثيولوجية التي ما نفعت ابدا عبر العصور والتي تركت لنا كل هذا التخلف الفكري الى اليوم .

يقول الكاتب :من خلق الله؟ وتقول الشاعرة الامريكية من هو الله؟ والسؤلان متشابهان من حيث الدلالة، وهي معرفة من أو كيف خلق الله نفسه؟ ولماذا الأديان نزلت متعددة؟ ولماذا الفارق بين الناس مادام الخالق واحدا؟ ولماذا العدل والظلم مختلف بين البشر؟ ولماذا الغنى المفرط والفقر المدقع بين الناس في الدولة الواحدة الغنية؟ وامور اخرى كثيرة يطرحها الكاتب بحاجة الى الاجابة عليها.

أعتقد ان المرجعيات الدينية التي تزعمت قيادات الفكر الجمعي في المجتمعات التي تخضع للقاعدة الدينية، هي الأولىَ التي يجب ان تجيب على الاسئلة المطروحة بتفسيرات مقنعة وعلى مثل هذه الاسئلة الصعبة، حتى لو أستندت الى الغيبيات التي لا يقتنع بها الكاتب والشاعرة الامريكية ومثلهم كثير. لكن الصمت الذي يلازمها كما اعتقد لم يكن منطلقا من فتنة او ردة دينية كما تُصور للعامة، بقدر ما هي ضعف في القدرة على الاجابة المقنعة للناس، وقد طرحت مثل هذه الأسئلة على رجال الدين المسيحي في العصورالوسطى فتبين أفلاسهم تماما في الرد المنطقي والأجابات المقنعة عليها (انظر كتاب دارون وكيف يُجيب). من هنا كانت الثورة على الكنيسة التي قادها لوثر وقتل من أجلها، وتلتها ثورة القس كالفن والتي أدت فيما بعد الى انفصال الكنيسة وتوجهاتها الدينية عن السياسة والذي تولد منها كل هذه النهضة الفكرية والعلمية والتكنولوجيا في اوربا .

من هنا بدأ العالم يتجه بأتجاهين:الاول نحو العلمانية البحتة التي اتخذت من الثورة العلمية طريقا لها في التقدم وفي الحقوق والواجبات كما في آوربا.وعالم اخر ظل باقيا ومرتبطا بالدين والسياسة معا وهو الثاني.، مما جعل المرجعيات الدينية تسيطر على فكر العامة وتوجه الدولة بتوجهاتها المنغلقة والتي أدت الى تطبيق الفلسفة المثالية بعيدا علن الفلسفة المنطقية العلمية في التطبيق.

اذا دخلنا في التفاسير الدينية وما يطرحه رجال الدين من تصورات سطحية فلا نصل الى نتيجة تذكر، بل سنخوص في بحر الظلمات والاقاويل المفبركة دون نتيجة تقال كما نراهم اليوم في العالم

الاسلامي المنغلق فكرياً تحت سيطرت الخرافات والاساطير وتفسيرات الفقهاء الترادفية التي جاءت ناقصة المعنى والدلالة اللغوية، ولسوف نخسر الوقت والسؤال معا، لأن ليس لديهم من علم منطقي يفلسفون به فلسفة الحياة والموت والخلق سوى قولهم: (هذا ما اجمع عليه العلماء وقال به رجال السلف ولا دليل، ولا ندري من هم العلماء ومن هم رجال السلف المعتمدين عندهم)؟ في الوقت الذي لم يفرقوا بين العلم والفقه، وبين العلماء والفقهاء، حتى عدوا كل من دخل الميدان الديني سموه عالماً، وهذا الخطأ المميت يجب ان تتنبه أليه المؤسسة الدينية لأصلاحه. وينسحب على ذلك ايضاً عدم التفريق بين التأويل والتفسير الترادفي الخاطىء فأوقعونا في خطأ التقدير.

الكاتب يحاول ومنذ فترة ان يقدم نظرة جديدة للأسلام، وقوفا على النظرة الفلسفية والمعرفية للعصر الحديث.ويحاول ان يدخل في قوانين الصيرورة(التطور) وقوانين التغيير، لوضع منهج جديد يستطيع من خلاله تخليص البشرية من ظلم رجال الدين وسيطرتهم على أفكار المواطنين، وتخلف المجتمعات التي لازالت تحت رحمتهم في الاعتقاد والتنفيذ. يريدها معتقدات قائمة على البينات المادية التي زخر بها القرآن العظيم، ويريد ان يُفهم الناس - وهذا من حقه – ان حرية التعبير والرأي وحرية الاختياروتحديد سلطة الدولة عن حقوق الناس بين المعتقد من عدمه، هما اساس الحياة الأنسانية حتى في مجمع الأديان نفسها. وهذا ما أقره الاسلام كما في قول الحق :(لكم دينكم ولي دين).وكما جاء في نص وثيقة المدينة للرسول (ص) الحرية الفكرية هي الاساس، أنظر نص الوثيقة في مكتبة المتحف البريطاني في لندن، تحقيق احمد حميد الله).

قبل ان نقول :من خلق الله؟ يجب علينا ان نقول: من خلق الكون؟اعتقد انا شخصيا ان النظرية العلمية القائلة، ان ظهور الكون كان نتيجة الأنفجار الكوني الهائل الذي أدى الى تغير طبيعة المادة الحالية هو أقرب الى القبول، ولربما يحصل الانفجار الأخر الذي سيؤدي الى تغيير طبيعة المادة وقد يهلك الكون الحالي ليحل بدلا منه الكون الأخر الجديد بقوانين جديدة للمادة تنهي صراع المتناقضات ليحل بدله صراع الخلود.فالحياة الدنيا متاع والاخرة هي دار القرار، غافر39) .وهذا ما أعتاد ان يسميه علماء الدين والكثير من المفسرين بقيام الساعة ويوم الحساب. وهو نتيجة حتمية لصراع المتناقضات في طبيعة المادة الكونية الأولى والثانية..ولكن بحسب النظريات العلمية الحديثة ان هذا القانون- صراع المتناقضات – حتمي لا راد له.

ولو تتبعنا الآيات القرآنية من الانعام (1) الى البقرة (117)الى فاطر (1)، يتبين لنا ان الخلق والخالق ليس له من سابق،  وان قول الخالق عز وجل بموجب الآية (7)من سورة هود: (وكان عرشه على الماء) اي على العنصرالمكون للوجود وهو الهيدروجين بأعتبار ان الماء هو الهيدروجين والاوكسجين 2/1. وتستمر المتناقضات بالتغيير مع بعضها البعض الى ان يحدث التغيير الثاني، وهذا ما جاء في الآية 104 من سورة الأنبياء التي تقول: (كما بدأنا اول خلق نعيده) .فمن هو الخالق الذي خلق الكون وسيعيده مرة اخرى؟ هنا تسكت المصادر سوى تكهنات الفلاسفة المتطرفين الذين ينكرون وجود الله . ونحن نقول هو الله ولا جواب اخر، لجهلنا به ولعدم وجود نص يعتمد عليه في الثبت والتحقيق..

واذا تتبعنا الآيات القرآنية الكريمة في تغير الصيرورة فلا نجد من حالة الاستمرار الا عمل قوانين جديدة في كون مادي أخر.وبين الحدث المفاجىء (صرخة الصور) وبالهدوء يحصل الحساب السريع، فيقول الحق: (ويوم تقوم الساعة يُقسم المُجرمون ما لبثوا غير ساعة (الروم55). من هنا نستنتج ان

كل ما كتبه وألفهُ الفقهاء وكرادلة الدين محض هباء لا يستند على واقع ابداً، أبتداءٍ من الحساب السريع الى عذابات القبر وفبركة القصص الخيالية التي بها أخضعوا الرقاب لنظرية الخوف والخضوع لأفكارهم الطوباوية التي ليس لها من وجود؟.، فالحجة هي الدليل، فأين دليلهم؟

اعتقد بموجب النص ان قيام الساعة لا يعني انتهاء الحياة على الأرض بل ستكون هناك حياة اخرى تستعيد مشوار الحياة الأولى كما في قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فأذا هم قيام ينظرون، الزمر 68). فالشمس سوف لن تنطفأ بهذه السرعة لتستمر مع الحياة الجديدة، والا سوف لن يبقَ للخالق من اهمية الوجود بلا حياة ومجتمعات تعيش.

اسرار وأقاويل كلها يتداولها الناس ونحن نسمعها منذ الصغر دون نظرية من منطق ثبت وحقيقة مادية ثابتة تمكن للخُرافة من ان تنتقل الى حقيقة في رؤوس الناس دون دليل، وهذا نقص في موسوعة الأديان أو قل هم لا يريدون التحقيق.فالكثير من الحقائق عند الناس بحسب التفسيرات الميثيولوجية لا زالت وهماًً دون اثبات، ومسألة الجنة والنار والمتناقضات بحاجة الى فلسفة وتثبيت، فتأويلها ليست بالصيغة البسيطة التي يفلسفها رجال الدين، مع ايماننا بكل ما جاء في القرآن الكريم صحيح. فهل الخوض في اثبات حقائق طرحها القرآن فيها ضيرُ على الناس؟ اعتقد انها منفعة للعلم والناس معاً.لكن المشكلة على من يعلمها بصحيح وحقيق.

ان نظرية التشابه التي وردت في سورة البقرة آية(25) تعني ثبات الشكل وتغير المحتوى، وهذا دليل مادي أخر على ان الآيات القرآنية قابلة للتآويل عبر الزمن بأراء وأفكار مختلفة رغم ثبات النص، وقد أثبتت الاحداث عبر الزمن ان بعض الآيات القرآنية اصبحت اليوم تاريخ كما في آيات حقوق المرأة والآماء وما ملكت ايمانهم وما في الأرحام .

ولأن الفقهاء ليس بمقدورهم تآويل القرآن فقد بقي القرآن الكريم دون تحقيق، مما ألحق بالمسلمين كل هذا الظلم والتفاوت الأجتماعي والتخلف الحضاري الذي اراد له القرآن ان لا يكون. وقد ادرك الرسول (ص) بعلمه اللدني هذه الحقيقة حين قال عند دخوله مكة محررا في سنة (11للهجرة) : ايها الناس لا تنقلوا عني غير القرآن حتى لايختلط كلامي بكلام القرآن، تاركاً القرآن لتاأويل العلماء مجتمعين لا منفردين (الآية 7 من سورة آل عمران) وتبقى السُنة النبوية المتداولة حالياً بحاجة الى تفسير، بعد ان حرفها أبن هشام (218للهجرة) عن مقاصدها خدمة للسلطان .

 ان تفسيرات معنى العدالة في المجتمعات الأنسانية، بأعتبار ان العدل يمثل احد أساسيات القرآن الزامية التحقيق، ويتحمل وزر هذا التصرف الخاطىء بالأنفراد في التفسير الترادفي لمعاني النص القرآني من وجهة نظري الشخصية هم فقهاء السلطة لا فقهاء الدين، فجاء ناقصا ومبهما في اكثر جوانبه المعرفية، بعد ان أقر القرآن الكريم في سورة آل عمران آية(7) عجزهم عن التآويل، (وما يعلم تأويله الا الله والرسخون في العلم) والرسول الكريم سلمه للناس قبل وفاته دون تأويل. فتلاقفته الفِرق والفقهاء بالتفسير بالجرح دون التعديل.ولنبقى نحن نبحث في الميثيولوجيا دون ان نتنبه الى الخطر المحدق بنا في الداخل والخارج دون تفكير.

 يبقى السؤال الذي طرحه الكاتب من خلق الله ؟ والشاعرة الامريكية اين الله ...؟ ولماذا هذه الفِرق المختلفة المتقاتلة بين البشر؟، ومن اباح لها الاستحواذ على حقوق الأخرين في الأعتقاد والتفكير؟ ولماذا الفرض الجبري على الناس والقرآن يرفض الجبرية في الاعتقاد بالدين؟ ولماذا الغنى المفرط والفقر المدقع بين الناس؟ فتلك مسألة لا يدخل فيها الا التجريد المعمق الذي لا يخشى لومة لائم في قول الحقيقة من أحد ونحن منه اليوم لا زلنا بُعاد.

تبقى ملاحظة هامة نقولها: لوكان النص القرآني المكتوب بين ايدينا هو عين كلام الله فهذا يعني ان الله له جنس عربي او اخر، وانه يقوم على علاقة الدال بالمدلول ولكن بما انه احادي في الكيف: (قل هو الله احد، الأخلاص 1) وواحد في الكم: (قل انما هو اله واحد، الانعام 19) لذا نقول ان الله هو الحق والوجود الموضوعي له خارج الوعي الانساني وضمن المدرك الالهي وخارج المدرك الأنساني (لا تدركه الأبصار)، لذا يبقى فهمنا للحقيقة الالهية المطلقة وهي الوجود ونواميسه العامة قاصرة ونسبية علينا لمعرفة الذات الآلهية وتاريخ وجودها وكيفية الخلق؟، فليس من واجب طالب المدرسة الأبتدائية ان يعرف نظرية أنشتاين في الرياضيات وهو لازال مبتدئً في العلم والمعرفة، وهذا التشبيه ينطبق على رجال الدين .

ان رجال الفلسفة هم أولى بأعطائنا المزيد من القناعات الاخرى ان هم يملكونها .ولكن لا أعتقد يستطيعون، فذاك مُدرك بعيد عن قدرتهم الفلسفية والعلمية الأنسانية كما في قوله تعالى (وليس كمثله شيء)..

اعتقد على الكاتب السيد خضير طاهر والشاعرة الامريكية الناقصة الأدراك، ان يكفوا نهائيا عن الكتابة في هذه الطوبائيات التي يتلقفوها من الكُتاب الاوربيين الملحدين والتي ما قرأنا لهم واستفدنا منهم قدر أنملة في هذا المجال سوى ادخال الشك في الخالق العظيم، وأنما كل ما كتبوا ما هي الا سفسطائيات لا معنى لها غرضها الطعن في الدين الاسلامي وشخصية الرسول (ص) التي لا زالت لم تدرس من قبل علمائنا دراسة حقيقية خارج نطاق الدين والتقديس، ولكثرة ما ألصقنا به من أحاديث على الخالي والمليان حتى جعلناه موضع شك لا يقين...لذا علينا ان نتجه الى مقالات التوعية الفكرية لمجتمعنا الغارق في الخرافات والترهات الفكرية اليوم والذي اصبح اشبه بالطبل الفارغ الذي لا تسمع منه الا الرنين.

 وعليهم ايضاً ان يتنبهوا الى ضرورة الألتفات الى أصلاح المنهج الدراسي الحالي في المدرسة العربية الذي هو بحاجة ماسة الى أدخال نظرية عناصر المعرفة الأنسانية ونظرية الجدل والمجادلة في عنصري الرحمن والشيطان ومعرفة الأسس التي وردت في كل الديانات وليس في الأسلام فقط، مادامت الديانات كلها من خاق واحد، يقول الحق: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان أكثرَشيء جدلا، الكهف 54). ليتبين لنا من الأمور ما زلنا نجهلها.ساعتها سنبتعد عن نظرية الحلال والحرام والفتوى والألزام التي قررت علينا دون قانون، ليحل مكانها الدستور والقانون والحرية وهما المنقذ للخروج من الأنغلاقية الفكرية الحالية التي مزقت المجتمع الأسلامي والعراقي

بشكل خاص لصالح الاخرين، واشاعت الفرقة بين افراده وسيدت الفكرالديني المنغلق على اهله وعلمائه. وسودت علينا حكم المساتير في الألزام والتطبيق...؟                              

نحن اليوم بحاجة ماسة الى احلال نظرية المعرفة الانسانية، والمقصود بها :هي فك الالتباس بين الحقيقة والوهم أي بين (الحق والباطل).ان المعرفة الأنسانية تبدأ بالمشخص الجزئي وتنتهي بالمجرد العقلي، اي نحن بحاجة الى قوانين القوننة الألزامية في العدالة الأجتماعية بين الناس كما أقرت في أوربا وأمريكا. وهي نظرية موضوعية لوجود التلازم المُحكم بين الصوَر الموجودة في الأذهان ومطابقتها للأشياء الموجودة في الاعيان في خارج الوعي الأدراكي للأنسان .لذا يجب أدراك الالتباس بين التصديق والتصور.فالاسلام لم يكن دينا تقليديا كما يتصوره البعض من جهلة الأديان، بل هو نظرية علمية آيديولوجية متكاملة ملزمة التنفيذ أبعدها عنا الفقهاء ورجال الدين .مع الأسف حين وقعت بعد وفاة صاحب الرسالة (ص) بأيدي لم تستطع تطبيقها لعدم معرفتهم في تأويلها وتطبيقها على الناس، فلا زال ديننا اليوم هو دين الفقهاء والمعممين،

ويا ويلنا من مثل هذا الدين؟

 نحن نأمل ان تسود العدالة المجتمعات العربية الاسلامية وتتخلص من عقد الماضي البغيض،

 وتنتقل آيديولوجية الأسلام الى علمائها المتخصصين مجتمعين لا منفردين كما أرادها القرآن العظيم، لنلحق بركب الحضارة وحقوق الشعوب والتحرر من سيطرة فقهاء السلطة، كما في آوربا وأمريكا اليوم، فلا فرق بين ابيض واسود وبين مذهب واخر، او قل لا مذاهب في الاسلام ولا رجال دين، فهم أمم مختلفة في أمة واحدة، ونحن امة واحدة في أمم مختلفة (انظر مقررات مجلس القمة الخائب) ولتكن الحقوق والواجبات مكفولة بالقانون كتابة وتطبيقا على الجميع دون تمييز، فالمذاهب في الاسلام ليس لها من أصل سوى اجتهادات شخصية انتهى زمانها وأصبحت تاريخ..ولكن من يستطيع ان يقولها والسلطة دوما بيد رجال الدين وتوابعهم من المنافقين؟

الطائفية والعنصرية والأثنية وفكرة تقديس القائد الضرورة الممارسة اليوم في مجتمعاتنا المتخلفة هي التي أوصلتنا الى هذا المنحدر السحيق والتي أضاعت حتى شخصيتنا الأنسانية والوطنية بين الشعوب المتحضرة، واصبحنا دُمى نتحرك حول المصالح الخاصة متناسين العزة والكرامة، وبدأنا نتصرف وكأن لا اسلام جاء ولا دين نزل، والاسلام منها براء، فاضعفتنا الى درجة الخنوع للأخرين والافلاس المؤسسي التام بعد ان اصبح المنصب والمال الحرام هو الهدف، واذا لم يكن المنصب لمن يستحقة لا لمن يملكه، والنائب يعمل لمنتخبيه لا لمصالحه الخاصة ومتعه الشخصية التي فاقت كل تقدير. لا فائدة مما نحن فيه اليوم. أما ان يكون النائب نائبا وهو يجلس في عمان او دبي او اربيل، فرواتبة ومخصصاته وجراياته حرام مثل دم الخنزير. هؤلاء ليسوا نوابا منتخبين وأنما هم بلطجية القرن الحادي والعشرين .فدمهم حرام والساكت عنهم شيطان اخرس في نظر المجتمع والقانون.

 ولم تمت المسائلة بعد هذا فلا احد يجرأ على تحدي القانون بعد ان يتحول الى عقيدة ملزمة عند الجميع، ولكن من يحاسبهم والكل في الهوى سوى امام فقدان الضمير، والاتفاق على بيع الوطن للاخرين .لذا لا يمكن للمجتمع ان يُصلَحَ الا اذا وعي ذاته ولم يعطَِ صوته في الانتخابات الا للمخلصين للوطن والشعب وينزع من شخصيته الآزدواجية والمصلحية المقيتة وكلمة (أني شعليه)، وهي الطريقة الوحيدة لنزع السلطة من مغتصبيها لأسترداد الحقوق .فنحن اليوم بحاجة خلق نظرية الوعي الجماهيري للمطالبة بالحقوق وليس بحاجة الى النقد السلبي الذي يشحن البغضاء والتباعد بين الناس، فلا تناقشوهم في السرقات، بل ناقشوهم في اختراق الدستورالعراقي في المادة 18 فقرة 4 التي لا تجيز لهم المناصب السيادية في التعيين لكونهم من مزدوجي الجنسية، فهي حطب جهنم سيحترقون بها في الدنيا قبل الأخرة ويكفيهم عارا ان الناس تنظر اليهم على أنهم سراق وطن ومخترقي قانون ودستور..ان الدولة بحاجة الى بناء المؤسسات الكبرى وليس بحاجة الى الوزارات ليتمكن المواطن من معرفة حقوقه وواجباته دون عناء.

نحن العرب المسلمون اخر من يحق له القول في السؤال عن الله بعد ان اضعنا الغاية والدراية منه، وبعد ان خرجنا عن كل ما قاله الله لنا وللبشرية،  ونقلناها الى احاديث وقصص خرافية ليس لها من اصل في عالم الله والوجود، فهل يحق لنا اليوم ان نتكلم ونسئل من هو الله...؟.

ساعتها لم يبقَ لنا من أهمية في الدخول في أسئلة لاهوتية لا نفع منها ولا ضرر معتقدين فيها أظهار المواهب لا غير، كما في سؤال الكاتب والشاعرة الامريكية :

من خلق الله ......... أو من هو الله؟.

لا تحدثني اخي عن الله والدين، فذاك موجود في اللوح المحفوظ ... وفي خلقك وفكرك وتكوينك العجيب ... ولكن حدثني في بلادي عن القانون.. ومن أخترق القانون .؟

 

د.عبد الجبار العبيدي