ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة (على مثال خلافة الراشدين)

لقد واجه عثمان بن عفان موته بلا بطولة ولا فروسية، خاليا من أي تحد أو استعداد للتضحية. فقد كان موته مجرد تجارة صغيرة لا قيمة لها. من هنا لم يكن بإمكانها ألا تكون بضاعة رخيصة بأيدي قوى ارخص منها عندما ننظر إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والمستقبلية. وبالتالي، فإن الأحاديث الموضوعة عن الولاية والغفران الأبدي والشهادة ليست إلا الصيغة الأيديولوجية للغنيمة الأموية. وإلا فإن مجرد كونه "من العشرة المبشرين بالجنة" تكفي بحد ذاتها لكي تكون صك الغفران الأبدي. ومن ثم لا معنى للولاية والشهادة وما شابه ذلك. وذلك لكونه تعارض كان يمكن حله بسفسطة القضاء والقدر اللاهوتية. غير أن للتاريخ منطقه الشديد والواقعي. وحالما يحدث، حينذاك يمكن رفعه بسهولة إلى مصاف الأزل. أما في حالة عثمان، فقد تحولت هذه السهولة الممتعة للعقل البليد إلى معضلة عصية. إذ كيف لمن كان من المبشرين بالجنة أن يقتل بتلك الطريقة الشنيعة على أيد مسلمين مؤمنين شعارهم الحق ورايتهم الاقتصاص لله والأمة من انحراف شخصي وسياسي جلي للحس والعقل والضمير؟

 وقد كان الجواب سهلا مثل حياته وموته: انه الحلقة الثالثة في سلسلة الخلافة الراشدة. ومن ثم فهو من ثالث القوم وثالث الخلفاء الراشدين! لكنها حلقة شكلية، إذ لا مضمون فيها يمكنه الارتقاء إلى مصاف القيمة المتلألئة ما وراء التاريخ الواقعي بالنسبة للوعي التاريخي والضمير الإنساني والعقل النقدي. وذلك لأن الصورة الجليلة تفترض نوعا من الموازاة الممكنة بين الحياة الفعلية ومآثرها التاريخية. فالصورة الجذابة للشخصية التاريخية تتلون بألوان الأشعة الكامنة في تجاربها الفردية ومستوى تمثلها في الأقوال والأعمال، أو في الإبداع الشخصي وخاتمته. وحالما نضع هذه المقدمة في أساس الموقف من شخصية عثمان، فإننا نقف أمام صورة باهتة وشاحبة باستثناء ما كان يتلون به في مظهر لحيته المخضبة بالحناء وأسنانه الذهبية وملابسه المزركشة وطلعته الجميلة وحياءه وأدبه وكرمه. ولا علاقة لهذه الصفات بمكونات الشخصية التاريخية لأنه يمكن العثور عليها بين اشد الشخصيات انحطاطا وجهالة.

وليس مصادفة أن تضع كتب التاريخ والسير "المؤدبة" و"المهذبة" كرمه وبذله الأموال في سبيل الدعوة الإسلامية باعتبارها أعلى فضائله العملية. فقد اشترى بئر رومة في عقيق المدينة من اليهود بعشرين ألف درهم وتصدق بها للمسلمين. كما قام بتجهيز جيش العسرة. إذ جهَّز ثلث الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا‏.‏ وقد كانت تلك بالفعل نفقة لم يقم بها قبله أحد من المسلمين. بل قيل انه جاء بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر النبي محمد، عندها قال النبي:"‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏". وهو سلوك يشير إلى ثروة عثمان الكبيرة وكرمه الفعلي. وقد لازمته هذه الصفات مدى الحياة. بحيث طبعت سلوكه السياسي. بما في ذلك توزيع الأراضي والثروات والمناصب على أقرباءه وأصدقاءه. وهو سلوك لا علاقة له بفكرة الدولة بقدر ما يعّبر عن شخصيته الخاصة وفعل الثروة العميق في بلورة أخلاقه العملية، كما نعثر عليها حتى في موقفه من الأكل. فقد نقل عنه عمرو بن أمية الضُمري القصة الطريفة التالية، قال‏:‏ كنت أتعشى مع عثمان خزيرا (نوع من الطبخ) من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان‏:

- كيف ترى الطعام‏؟

- هذا أطيب ما أكلت قط!

- يرحم الله ابن الخطاب! هل أكلتَ معه هذه الخزيرة‏؟‏

-  نعم! فكادت اللقمة تفرث بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم! وكان أدمها السمن ولا لبن فيها!

- صدقت! إن عمر أتعب والله من تبع أثره!!

ذلك يعني أن عثمان ظل يعيش بمقاييس حياته العادية وليس بمقاييس الخلافة الرشيدة. لهذا كانت ثروته بعد مقتله حوالي ثلاثين ونصف مليون درهم (عند خازنه)، وحوالي مائة ألف دينار (نقدا)، وألف بعير، وصدقات بحوالي عشرة ملايين دينار!! بينما مات أبو بكر وعمر بلا شيء على الإطلاق. فقد تحسس هذا التعارض، لكنه كان عاجزا عن العمل بمقتضاه. مما يعكس اختلاف طبعه وتطبعه من جهة، ونوعية التحول العميق في صيرورة الأفراد والجماعات والعلاقات، الذي استتبع تحول الخلافة إلى إمبراطورية، وارتقاء السلطة الروحية إلى دولة لها "منطقها" الخاص في التطور وإفراز قواها وتياراتها واتجاهاتها المتصارعة، من جهة اخرى. فسيرته الشخصية ما قبل الإسلام لا تتعدى التجارة والمتاجرة. وما بعده لم تحتو على أي قدر من الصفات التي تشير إلى نوعية الشخصية القادرة على مواجهة الصعاب والتحديات. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي هجرته إلى الحبشة. فقد هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجته رقية، فكان أول مهاجر إليها. ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة1‏. ولا يخلو هذا الفعل من بطولة بمعايير ذلك الزمن، لكنها أقرب إلى بطولة الاختباء والهروب. ولم يكن ذلك معزولا عن شخصيته اللينة وهدوءها الباطني وطابعها المسالم. وليس مصادفة أن يكون دوما من المتخلفين أثناء المعارك. فقد تخلف عن غزوة بدر وهرب في معركة احد. بحيث عيّره بها أبو عبيد الجراح أو على الأقل انه قال له في إحدى مشاجراته معه:

-  يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث.

-  وما هن‏؟‏

-   الأولى إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ‏أنت‏.

-  صدقت! أما يوم البيعة فإن رسول الله بعثني في حاجة ومدَّ يده عني‏.‏ وأما يوم بدر فإن رسول الله استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها‏.‏ وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان‏". ثم استشهد بالآية (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم).

‏ لقد جرى تبرير غيابه في بيعة الرضوان ومعركة بدر بصورة مقبولة نسبيا وذلك لتزامنها مع ما كان ينقذه على الأقل أمام الكلمة ومظاهر الأحداث ولحد ما الضمير المتراخي في نعيم الثروة وطيبة القلب. فقد كان تخلّفه عن الاشتراك في معركة بدر مرتبطا بمرض زوجته رقية، حيث أذن له النبي محمد بذلك. وترافق موتها مع انتصار المسلمين في المعركة، فجعله من المشتركين فيها بحيث ضرب له سهمه وأجره فيها، ومن ثم حصوله على حصته من الغنيمة واعتبروه بدريا. وهو فعل يمكن رؤية الأبعاد الرجولية والإنسانية الرقيقة فيه، لكنه فعل بلا فروسية. كما أن تخلّفه عن بيعة الرضوان كانت بطلب من عمر بن الخطاب الذي اقترح إرسال عثمان عوضا عنه إلى مكة لأنه لا ظهير له فيها على عكس عثمان، الذي وجد فيه رجلا مقبولا من جانب قريش بشكل عام وآل سفيان بشكل خاص2 . أما هروبه في معركة احد، فهي المحك الفعلي لشخصيته. بمعنى أنه سلك هنا السلوك الطبيعي المناسب لما في أعماقه وشخصيته. فالرجل لم يكن فارسا ولم يكن شجاعا ولا متمرسا في القتال. وليس من سبب يدعوه لأن يكون مقاتلا وفارسا بالضرورة. غير أن الشجاعة ليست صفة عضلية، بل شخصية ونفسية وذهنية وأخلاقية. من هنا يصبح فقدانها نقصا جوهريا في الرجال وبلأخص زمن رئاسة الدولة. فانعدامها عادة ما يجعل من ضعف الشخصية مرتعا للرذيلة والجبناء، ومن تاريخ الدولة زمن السلطة.

تعكس الصور والحالات المذكورة أعلاه طبيعة ومضمون الصورة الفعلية لعثمان بن عفان وشخصيته، أي الصورة المعبّرة عن تاريخه الواقعي وليس اللاهوتي. وفي الواقع، لا نعثر على تمايز كبير بينهما. والسبب في ذلك يقوم في أن تاريخه الواقعي عادي للغاية، بمعنى أنه تاريخ بلا مآثر بطولية و"معجزات" يمكن أن تلهب العقل والضمير، ومن ثم ضعف قدرتها على شحذ الذاكرة والخيال في إبداع ما يمكنه أن يرتقى إلى مصاف "السماء" و"سر الغيب". وليس اعتباطا أن تسجل في مآثره أيضا زيادته وتوسيعه للمسجد النبوي والمسجد الحرام وكذلك تحويل الساحل الذي اعتاد عليه أهل مكة من منطقة الشعيبة إلى منطقة جدة. وهي إجراءات عادية، لكنها تصبح مقبولة في سلة "المآثر" مازالت المآثر قليلة فعلا.

والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بالأوليات، أي أول ما قام به في تاريخ الخلافة والأمة. حيث أدرج فيها مجموعة من الإجراءات والأحداث قد يكون أهمها من الناحية التاريخية والثقافية هو ما يسمى بجمع الناس على حرف واحد في القراءة. والمقصود بذلك جمع القرآن وقراءته بطريقة موحدة. غير أن هذا الانجاز الهائل لم يكن من إبداعه الشخصي بقدر ما ارتبط بزمنه. بمعنى أنه كان جزء من تاريخ القرآن وتطور الإدراك الذاتي العربي الإسلامي بضرورة جمع القرآن بوصفه "كتاب الله". إذ لم يكن هذا الجمع معزولا من حيث مقدماته وأسلوبه وغاياته عن آلية فعل الدولة المركزية وسعة انتشارها ومتطلبات توحيدها الروحي والعقائدي. أما الانجازات الفعلية التي ارتبطت بإرادته السياسية ورؤيته باعتباره أول من قام بها وادخلها في ذهنية وذوق الدولة والسلطة والأمة فهي "قطع القطائع"، و"نخل الدقيق"، و"رزق المؤذنين"، و"اتخاذ صاحب شرطة"3 . وتعكس هذه المبادرات الأولويات عند عثمان. بمعنى التركيز على توزيع الأرض وشراء ذمم المؤذنين وتوسيع دائرة التجسس والتنظيم الشرعي للمطاردة. ومع أنها جزء من آلية الدولة، إلا أن تراكمها في أولوياته السياسية يكشف عن طبيعة التحول النوعي في الموقف من السلطة.

وحاول توظيف هذا التحول من اجل أن تكون السلطة أداة قائمة بحد ذاتها. مما أدى إلى قلب العلاقة المتراكمة في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب تجاه السلطة من خلال جعل السلطة كيانا قائما بذاته وفوق كل اعتبار آخر. فقد كانت خلافة الصدّيق تجسيدا لمرحلة الانتقال من دولة النبوة إلى الدولة السياسية. من هنا دراما تأويل النص القرآني والسلطة. فقد جعلت هذه العملية الاجتهادية من الوحي مصدرا متساميا وواقعيا. بينما دفعها عمر بن الخطاب إلى الأمام من خلال إعلاء شأن الدولة ومؤسساتها، أي من خلال رفع وحدة الدولة والسلطة إلى مصاف المرجعية التي توازي وحدة الدين والدنيا. وهو استمرار كان يصعب على عثمان تحقيق اليسير منه. من هنا تعاظم التشوه الفعلي في مكونات الدولة والسلطة، والدين والدنيا. بمعنى تعاظم الخلاف والتشوه في الموقف من كمية ونوعية المرجعيات الخفية والعلنية المتراكمة في الوعي السياسي والأخلاقي الإسلامي قبل صعوده إلى سدة الحكم. من هنا بروز أولوية توظيف الوحي (الدين) في كل ما يمكن أن تصل إليه الأيادي وتنطق به الألسن. لاسيما وأن الدولة لم تستطع آنذاك بعد أن تؤسس لقواعد عمل السلطة ونظامها على أسس شرعية وواضحة المعالم.

فقد كانت المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بحيث جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة"! وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله"!!

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"4 ‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.(يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- السيوطي: تاريخ الخلفاء ص120

 2- الذهبي: تاريخ الإسلام، ج1، ص 253. ‏

3- السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص131.

4- ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي 44

يعتبر موضوع (العدل الإلهي) من أهم المواضيع التي انشغل بها الوعي الديني واكثرها تعقيدا، وقد تنوعت الافكار والاراء الفلسفية حول هذا الموضع بشكل كبير في جميع المدارس الإيمانية والاتجاهات الفلسفية.

والعدل في اللغة يعني السوية، والتسوية

وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الآخرين، في مقابل الظلم (الاعتداء على حقوق الآخرين)، وعلى ضوء ذلك يمكننا إعطاء تعريف بسيط وواضح لمصطلح العدل بأنه: (إعطاء كل ذي حق حقه)

الأديان السماوية بشكل عام تؤمن،كلها،بوجود اله خالق للكون، يديره بحكمة، وهذا الاله يكون متصفا بجميع صفات الكمال، فهو كلي القدرة،تام المعرفة، كامل العلم،كله رحمة ومحبة ولطف.... وكذلك عادل بشكل تام ومطلق.

إن الحديث عن مفهوم (العدل الإلهي) يتطلب الفرز بين معنيين اساسيين لهما علاقة مباشرة في تطبيق هذا المفهوم، وهما:

. عدالة الإله الخالق في مجال العلاقة بينه وبين الانسان المخلوق او بينه وبين جميع الخلائق

وهذا سنطلق عليه تسمية مجازية وهي (العلاقة العمودية)

. العدالة الالهية في ما يخص العلاقة بين البشر أنفسهم، وفيما بينهم، وسنسطلح عليه (العدالة الأفقية)، مع الإشارة الى ان الاصطلاح هو لغرض التوضيح فقط.

وفي هذا المقال، سيكون البحث والتركيز حول المعنى الثاني او ما اسميناه (العدالة الافقية)، سنبحث في تصور تحقق العدالة الالهية في مجال العلاقات بين الناس، وننظر الى التطبيقات المتخيلة للعدالة الالهية في مجال الحكم بما يخص الخلافات الناتجة بين الناس في تعاملاتهم و تفاصيل احداث حياتهم.

أن سبب التركيز على المعنى الثاني فقط، لأن تناول مفهوم العدل في اطار هذا المعنى يكون متعلقا باكثر من طرف، حيث يكون هناك الاله (الحاكم او القاضي العادل) ويوجد ايضا طرفان اخران،يتعلق بهما مناط تحقيق العدل، وهما الجاني والمجني عليه.

بينما في مفهوم (العدالة العمودية) يوجد هناك طرفان فقط، وهما الاله الحاكم العادل والإنسان، وتطبيق العدل هنا يتمحور حول العلاقة بين الطرفين فقط، ويمكن للحاكم، حتى وان كان عادلا بشكل مطلق، ان يعفو ويتجاوز عن كل خطيئة او تقصير او ذنب صدر من الانسان في حقه، لأن صاحب الحق في هذا المجال هو الإله نفسه، وصدور قرار الرحمة او الغفران لن يكون متناقضا مع عدالة الحاكم.

اما في مجال (العدالة الافقية) فالامر مختلف تماما، حيث ان مدار تطبيق العدل يكون متمحور حول اصدار قرار جزائي حول خطيئة او ذنب او ربما جريمة صدرت من إنسان بحق انسان اخر، و حول ظلم وقع من إنسان، وكان ضحيته إنسان آخر، حيث يكون الضحية هو صاحب الحق في المقام الأول، وليس الإله الحاكم

وهنا تتطلب العدالة بمفهومها البسيط (اعطاء كل ذي حق حقه) ان تتم معاقبة الظالم وان تعوض الضحية، و لن يكون إصدار قرار بالعفو والغفران عن الجاني من طرف الاله الحاكم،قرارا عادلا، لان فيه تجاوز على صاحب الحق وهو الضحية.

في العقيدة المسيحية، هناك ايمان واضح وصريح بعدالة الاله، كما هو الحال في بقية الأديان، وهناك نصوص و شروحات كثيرة تتحدث عن الرب العادل والمحب والرحيم، وان كان هناك بعض التداخل بين بعض المفاهيم مثل العدل والرحمة والمحبة، يصل احيانا الى درجة التناقض ...كما سنرى لاحقا !

ونجد أيضا في النصوص الدينية المسيحية، تأكيد وحث على وجوب ان يتصف المؤمنين بجميع صفات الخير والصلاح،ونجد التشجيع على فعل الخير والإحسان، وتجنب الوقوع في الخطيئة و المعاصي واقتراف اعمال الشر بحق الاخرين، وهذا الامر كما هو معلوم لا تنفرد به المسيحية،وانما تشترك به مع جميع الاديان الاخرى.

ونحن هنا لسنا بوارد مناقشة (ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن) بحسب النصوص والتعاليم المسيحية، وإنما نناقش ما هو عليه الواقع في الحياة، وتصرفات الناس في إطار العلاقة فيما بينهم سواء كانوا مؤمنين مسيحيين، او من اديان اخرى، او ربما غير مؤمنين باي شئ!

والمسيحية هنا .حالها حال جميع الأديان والمدارس الفكرية والعقدية الانسانية الاخرى، نجد ضمن المنتمين الى دائرتها، جميع اصناف البشر، فهناك الناس الطيبين الاخيار الصالحين، وكذلك نجد الأشرار والظالمين والمجرمين .

ولغرض الاقتراب من الفهم المسيحي لمفهوم العدالة الإلهية، نحتاج اولا الى التطرق الى محورية الإيمان وكذلك محورية عقيدة الفداء ضمن ذلك الإيمان الذي تقوم عليه اساسات العقيدة المسيحية.

الإيمان بالمسيح مخلصا وربا وفاديا، يعتبر شرط رئيسي لنيل الخلاص، والفوز بالحياة الابدية، حسب المعتقد المسيحي، والنصوص حول هذا الامر كثيرة جدا لا مجال لسردها كلها مراعاة للاختصار

(من امن بي ولو مات فسيحيا) يوحنا 11: 25

(آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص انت واهل بيتك) أعمال الرسل 16 :31

(إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ) رومية 3 :28

وهذا الشرط يكاد يجمع عليه المسيحيون من جميع الطوائف،رغم وجود بعض الجدل القديم حول موضوع التبرر بالايمان فقط او بالإيمان والاعمال الصالحة، ومنشأ الجدل هو التناقض بين نصوص العهد الجديد في الرسائل المنسوبة لبولس وبين الرسالة المنسوبة ليعقوب أخو يسوع الناصري !

ان اعتبار (الإيمان) هو بطاقة المرور الى الحياة الابدية، ليس انفرادا للعقيدة المسيحية، فهذا الامر نجده كذلك في اغلب الاديان والمعتقدات، ولكن الخلاف هو حول ما تميزت به العقيدة المسيحية حول اعتبار الإيمان ليس مجرد بطاقة عبور الى الحياة الابدية، وانما ايضا (كارت) حصانة لكل مؤمن مسيحي من المحاسبة والمجازاة والعقوبة حول أي فعل قد يكون ارتكبه في حياته الدنيوية، وإن كان ذلك الفعل سببا لظلم الاخرين وربما معاناتهم والحاق الأذى والضرر بهم، وخصوصا إذا كانوا غير مؤمنين بالمسيح !!

وفي هذا الإطار نحتاج للمرور بشكل سريع حول عقيدة (الفداء) التي تشكل قاعدة أساسية في الإيمان المسيحي، فحسب هذا الإيمان (أنّ الله قرّر، بعمل يسوع المسيح الفدائيّ، دفع فدية بديليّة فعّالة تُخلّص الّذين مات من أجلهم المسيح. وإن كان المسيح قد قدّم لله ذبيحة مقبولة عن خطايا النّاس، فإنّه من المستحيل أن يُعاقِب الله القدّوس الخاطي الّذي دُفِعَ ثمنه بدم المسيح . والعدالة المُنجَزَة تتطلّب إطلاق كلّ سجين دفَعَ المسيح الفدية عنه. ولذلك يكون الخلاص من عبوديّة الخطيّة، المُقدَّم بالفداء، خلاصاً تامّا

فالانسان المسيحي عليه ان يطمئنّ، ويرتاح، ويسعد، وان يكون متأكدا من أنّ ديونه قد سُدِّدت، وذنوبَهُ قد غُفِرت، وأنّهُ صار حرّاً بفدية كاملة فعّالة وكافية دفعها المسيح. وهذا هو هدف عمل الفداء الّذي تمّمه المسيح بموتهِ على الصّليب) !!

وهنا نحتاج ونحن نتناول موضوع العدل الالهي الى التساؤل .. ماذا لو كان ذنب او خطيئة المؤمن المسيحي متعلقة بطرف اخر، بمعنى انها تسببت بضرر او ظلم لانسان اخر ؟!

قبل كتابة ونشر هذا المقال، حرصت على طرح هذا التساؤل على عدد من الاصدقاء والاحبة المسيحيين، العاملين في مجال الكرازة او الاعلام الديني المسيحي، وحرصت على مناقشتهم (شفويا) حول هذه المسألة لغرض الوصول الى اجابة صريحة ومباشرة، بلا مراوغات إنشائية او مخاتلات سردية!

وبعد ان طلبت من اصدقائي الرائعين ان تكون الاجابة بحسب النصوص المقدسة، وليس بحسب الرأي الشخصي او الاعتقاد الخاص بهم، قمت بتوجيه السؤال التالي إليهم :

لو افترضنا ان انسان طيب صالح،لكنه غير مؤمن بالمسيح، هذا الإنسان تم اغتياله غدرا على يد رجل مسيحي، وبعد قتله وسلبه امواله، هرب القاتل،لكنه واجه سيارة مسرعة صدمته، ومات دهسا !

الان اصبح الضحية الغير مسيحي، والجاني المسيحي، بين يدي الرب!

من هو الذي سينال الحياة الابدية، ومن منهما سيذهب الى بحيرة النار والكبريت حيث العذاب الأبدي؟

الجواب بصيغته النهائية وكان واحدا واضحا ومباشرا وهو:

ان الضحية سيهلك لأنه لم يكن مؤمن ولن ينال الخلاص!!!

أما الجاني، فقد دفع المسيح مقدما ثمن خطيئته (جريمته) وبذلك سوف ينال الحياة الابدية !!

هذا الجواب الذي يتضمن انقلاب في مفهوم العدالة الالهية، وضع الاصدقاء المسيحيين، الذين تم توجيه السؤال إليهم في حرج ومأزق، لذلك حاولوا اللف والدوران او المراوغة للخروج من هذا المأزق!!

فبعضهم حاول القول مثلا...ان المسيحي الذي يرتكب مثل هذه الجريمة...لن ينطبق عليه وصف الإيمان المسيحي حتى لو كان مؤمنا بالمسيح !!

وهذا كلام غير صحيح اطلاقا…حيث انه يعتبر من باب (التكفير بالذنب) وهذا امر لا تقول به المسيحية

البعض منهم حاول القول ان فداء المسيح هو للخطايا والذنوب التي تسبق مرحلة القبول به مخلصا فقط!

وهذا الكلام ايضا مردود ولا أصل له !!!...ولا يمكن تطبيقه على الشخص الذي ولد مسيحيا مثلا !

البعض الاخر حاول التهرب من مأزق الجواب من خلال الادعاء بأن الإيمان المسيحي الحقيقي هو الذي ينتج تغييرا حقيقيا في سلوك الانسان،بحيث لا يمكن للمؤمن أن يرتكب ظلما او جريمة

وهذا الكلام -كما اوضحت سابقا- هو من باب (ما ينبغي على المؤمن ان يكون عليه) ولكنه ليس الواقع الذي يحيا به الناس سواء كانوا مسيحيين او غيرهم، فلا يمكن القول ان المسيحي يجب ان يكون معصوما عن الخطأ، ولا يجرؤ احد على هكذا ادعاء عريض !!

ان السؤال المتقدم والجواب الذي قدمه الاخوة المسيحيين الاعزاء،يبين لنا بشكل قاطع خطورة التقاطع بين عقيدة الفداء وبين الاعتقاد بعدالة الاله الخالق، حيث تنسف فكرة الفداء مفهوم العدالة الالهية، بشكل يؤدي الى اختلال صفة الكمال التي يجب ان تتوفر في الاله لكي يستحق العبادة !!

وقد يبدو للبعض ان هذا السؤال هو مجرد سؤال افتراضي، ليس له علاقة بالواقع !

وهنا يجب التنبيه على خطأ هكذا تصور، وعلى خطورته !!...فالإنسان المسيحي يعيش مع غيره من البشر، في مجتمع يضم أناس من مختلف الاديان والمدارس العقائدية،يتعامل معهم بشكل يومي

ان مجريات الحياة بشكل عام، لا تسير في الواقع ضمن سياق عادل او منطقي!!

حيث نجد في أغلب الاحيان، الأشرار من البشر،يملكون القوة والنفوذ، يسيطرون على المال والسلطة، بينما يعاني البسطاء والصالحين في اغلب الاوقات، وغالبا ما يسلب القوي حقوق الضعيف!

ان الشعور بعدم العدالة في هذه الحياة، كان دائما أحد الدوافع الرئيسية، للكثير من الملحدين الى ترك الإيمان وإنكار فكرة وجود اله خالق يدير شؤون الكون!!

وبنفس الوقت، نجد ان الشعور بغياب العدالة في الدنيا، هو احد الاسباب الرئيسية التي تدفع الكثير من المؤمنين إلى التمسك بإيمانهم، لتيقنهم بأن العدالة يجب ان تأخذ مجراها في نهاية المطاف، ان لم يكن ذلك في الدنيا، فإنه سيكون حتما في الحياة الاخرة، وعلى يد اله قادر و عادل

وفي هذا المجال، من المفيد ان نستذكر حادثة من التاريخ المعاصر،لها دلالة مهمة تتعلق بموضوعنا

عام 1960 نجح عملاء الموساد الإسرائيلي في اختطاف القائد النازي (أدولف إيخمان) من الأرجنتين، وكان هذا الضابط الالماني أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث، ورئيس جهاز البوليس السري جيستابو، وأحد المسؤولين عن اعتقال وإبادة الاف المدنيين اليهود في معسكرات الاعتقال .

تمت محاكمة هذا الضابط، وصدر عليه حكم بالاعدام،تم تنفيذه في عام 1962

لقد كان هذا الضابط الألماني انسان مسيحي يؤمن بالله ضمن مواصفات الإيمان المسيحي

والسؤال الذي من المفيد تكرار طرحه هنا، هو :

ما هو حكم الرب على ضحايا هذا المجرم من اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح اصلا؟!!

وما هو حكم الرب على هذا المجرم الذي من المفروض ان المسيح قد دفع بفدائه على الصليب ثمن خطيئته (جريمته ) مقدما !!

فلو توقعنا ان احد الاخوة المسيحيين الطيبين سوف يفترض ان ضحايا هذا المجرم من المدنيين المظلومين سوف يجازيهم الرب على مظلوميتهم ولن يرسلهم لجهنم !!

هنا يكون هذا الافتراض ناسفا لمبدأ الإيمان المسيحي، الذي يشترط القبول(بالمسيح مخلصا والها) كشرط أساسي ورئيسي لنيل الحياة الابدية!

وقد يفترض مسيحي اخر، وبدافع الطيبة والحس الانساني، ان الرب يسوع،سوف يعاقب المجرم، ولن ينفعه ايمانه بالمسيح وقبول كفارته الخلاصية !!

وهذا الافتراض، سوف ينسف مبدأ الاعتقاد بالكفارة، لان كفارة تضحية المسيح، لم تشترط نوعية الخطيئة ولا حجمها، ولا تأثيرها، وإنما اشترطت، فقط، اعتناق فكرة تضحية المسيح،والقبول به مخلصا !!

وختاما،لابد من اعادة التأكيد على اهمية، النظر الى مفهوم العدل الإلهي من جميع الجوانب، وليس فقط من جانب العلاقة بين الاله الخالق وبين الانسان (العدالة العمودية) وإنما كذلك يجب النظر الى جانب (العدالة الافقية) من اجل ان نستطيع إطلاق توصيف (العادل) على ذلك الإله الذي من المفروض ان يكون حاكما وقاضيا بين البشر ضمن منهج رباني عادل بشكل مطلق.

فالقاضي مهما كان رحيما وعطوفا ومحبا لكل الناس، في حال النظر بقضية فيها ضحية وجاني، ظالم ومظلوم، لا يستطيع ابدا ان يصدر حكمه بالعفو عن الجاني الظالم، فقط لانه يحب الجاني او يعطف عليه

حتى لو كان ذلك الجاني قريبه او تربطه علاقة به،او حتى صاحب فضل عليه !!

قد يكون ذلك القاضي له الحق باصدار عفوا عن نفس الشخص الجاني في حال ارتكب ذلك الشخص تقصير او تجاوز او خطأ يتعلق بشخص القاضي، وليس شخص اخر، لانه في هذه الحالة، يكون صاحب الحق هو القاضي نفسه، اما في حال (العدالة الافقية) فإن الحق ليس للقاضي، وانما دور القاضي ينحصر في اصدار مرسوم العدالة الذي يعيد الحق لصاحبه، ويقرر الجزاء على الجاني كنتيجة على فعله.

ان التفكيك بين مفهوم العدالة العمودية والعدالة الافقية، يجعلنا وبكل بساطة نستطيع الوصول الى خطورة فكرة (الفداء) والتي تسلب من الاله الخالق صفة مهمة من صفات الكمال التي يمتاز بها، وهي صفة العدل

لأن عقيدة الفداء والخلاص تجعل مفهوم (الاله) مثل حكومة تقوم بتقديم خدمات للشعب وتحرص على تقدم البلد ورفاهيته وتحب مواطنيها، لكنها بنفس الوقت، في حال حصول اعتداء او ظلم من أحد مواطنيها على مقيم او زائر لذلك البلد، لن تحاسب تلك الحكومة ذلك المواطن، وانما تقوم بطرد الضحية!!

وتبرر ذلك بانها تحب مواطنيها وتحرص على مصلحتهم وتقدم التضحيات من اجل سعادتهم !!

في حالة هكذا مثال توضيحي …لا اعتقد ان هناك عاقل في الدنيا يستطيع وصف هكذا حكومة بأنها عادلة!

و نفس الامر ينطبق على موضوع (العدالة الالهية) حيث لا يمكن توصيف الإله الحاكم،القاضي، الراعي لكل عباده، بالعدل، مالم تكن كل تطبيقات أحكامه وقراراته ضمن إطار الأسس المبدئية للعدالة، وخصوصا فيما يتعلق بالمصير الأبدي للإنسان.

 

د. جعفر الحكيم

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

من المعروف عن الخليفة عمر بن الخطاب كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على أرض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[1]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لإدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[2]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[3]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[4]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على احوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق.  وفيها يكمن تأسيس امكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[5].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جّسد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] الغزالي: التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص115.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هو الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعروف عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لههذ الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشادا للروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى ةصع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابي(على مثال خلافة الراشدين)

تقديم: لقد كانت وما تزال قضية الخلافة مثيرة للتأمل والجدل والخطاب السياسي العملي. وليست بعيدة عن الاذهان حركة "دولة الخلافة"، التي كانت بالفعل اقرب إلى "دولة خرافة" رهيبة. ولكن ليس من حيث قوتها، بل من حيث عقائدها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فقد مثلت وجسّدت الصيغة "الحديثة" والشنيعة للوهابية الأولى. ومن ثم كانت هي بالفعل الصيغة المحدثة للوهابية أو ما يمكن أن نطلق عليه عبارة "الوهابية المحدّثة". والمحدّثة لا حداثة فيها لغير الخرافة والتدمير. واكتفي هنا بمثال واحد فقط، وهو تدمير الآثار التاريخية الثقافية. فإذا كانت أفعال الوهابية الأولى في الجزيرة موجهة اساسا لتدمير "قبور الأولياء" وما شابه ذلك، فلأنه لا آثار مدنية وتاريخية ثقافية وحضارية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن شاهد الدرعية "عرين" الوهابية الأولى في الجزيرة، فإنه يستطيع فهم معنى تدمير "القبور" والآثار. إذ لا شيء فيها على الإطلاق باستثناء بعض البيوت الخربة والأرض القاحلة وواد اتعس. إنها أفقر وأرذل بعشرات، إن لم يكن بمئات المرات من اتعس وأرذل قرية عراقية. بل لا يمكن مقارنتهما على الاطلاق. وبالتالي، فإن عقيدة التدمير فيها بالنسبة إلى نجد آنذاك وما حولها لا تعني شيئا باستثناء "محاربة الوثنية" في ذهنية ونفسية البدو. بينما اتخذت في حالة العراق وسوريا طابعا همجيا لا حدود له، يعكس بقدر واحد كمية ونوعية الجهل والبلادة الذهنية والنفس السيئة لأوباش برابرة. ومع ذلك برعت وأثارت في زوبعتها الرملية تحت غشاء "الخلافة" كل ما تصعب العبارة عن توصيفه.

وهي ليست المرة الأولى التي رافقت المواقف السياسية والفكرية في التاريخ العربي الحديث. ولعل الصراع الذي اشتعل بعد إلغاء "الخلافة العثمانية" في بداية عشرينيات القرن الماضي، احد نماذجها. غير أن الصراع بقي آنذاك ضمن اطار الفكر السياسي والعقائدي والديني. وقد يكون كتاب (الخلافة أو الامامة العظمى) لرشيد رضا، والرد غير المباشر عليه من جانب علي عبد الرازق في كتابه المشهور (الإسلام وأصول الحكم)، احد النماذج الجلية. بمعنى أنها أدت إلى تنشيط الجدل الفكري البحث عن بدائل فكرية وسياسية في ما يخص فكرة الخلافة. وبعد قرن من الزمن تظهر من جديد الدعوة للخلافة العثمانية تحت عنوان "العثمانية الجديدة"، بوصفها ايديولوجية قومية تركية مبطنة. وهي فكرة عقيمة بحد ذاتها في ما يخص فكرة "الخلافة" بالمعنى الإسلامي. وما يقع خارجها، فإنه ليس أفضل من "خلافة" داعش. و"الفضيلة" الوحيدة لحركة داعش هنا في دعوتها "لدولة الخلافة" هو سحبها البساط من تيار وأيديولوجية "العثمانية الجديدة" بصدد الخلافة. مع انه في الواقع لا جديد في الاثنين. فكلاهما يمثلان تقاليد وذهنية ونفسية الخرافة. وكلاهما يظهران بعد قرن من الزمن على زوال "الخلافة" العثمانية. لكنهما التقيا في تخريب العراق وسوريا. وهو امر اقل ما يقال فيه انه مريب للغاية. وهو استنتاج واقعي. إذ كشفت الأحداث والوقائع والوثائق والحقائق، عن أنها مجرد أداة بيد مراكز الكولونياليات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص. من هنا تبخرها السريع، رغم الدعم "العالمي" والمالي الهائل لها من جانب السعودية ودويلات الخليج و"أصدقاء سوريا"، أي كل هذا الكيان الهلامي في الظاهر، والمحدد في الواقع، الذي اشتركت فيه اساسا كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والسعودية وقطر والإمارات، وفرنسا وبريطانيا، وتركيا و"الإخوان المسلمون"! أي مسلمون ونصارى ويهود من طراز خاص. وإذا كان "للنصارى واليهود" أسبابهما الخاصة، فإن تحول "المسلمين" إلى أداة بيد الآخرين والحربة العنيفة والأولية والداعمة العلنية والمستترة، فهو امر اقل ما يقال فيه انه مجاف للعقل والمصلحة. أما في الواقع فإنه احد النماذج الأشد دناءة وقذارة وخيانة للروح الإسلامي والقومي العربي.

فمن الناحية التاريخية هناك خمسة تيارات أو مستويات في تناول قضية الخلافة في تاريخ الإسلام. وهي على التوالي:

الديني العادي

الديني العقائدي (الكلام)

العقائدي السياسي (الفرق الكبرى)

الفلسفي (من الكندي حتى ابن رشد. وبعض الفلاسفة المغمورين)

السياسي الفلسفي الخالص (ابن خلدون وأبو عبد الله بن الازرق)

ولكل منها آراءه ومواقفه المختلفة والمتباينة. لكن أغلبها، باستثناء الصيغة الدينية العادية، تدرك ما دعته تقاليد الإسلام بفكرة وعبارة تحول "الخلافة إلى ملك". ومن ثم تربط فكرة الخلافة بمرحلة الخلفاء الراشدين، وما عداها ملك، منذ الأموية حتى سقوطها. وبالتالي، فإن محاولات إحياؤها من جديدة هو تعبير عن مدى السقوط العقلي وانحطاط الرؤية الواقعية والذوق الفكري في تقاليد الفكرة السياسية الإسلامية المعاصرة. لكننا مع ذلك نعثر على صيغة لها، ولكن من طراز جديد، كما هو الحال في فكرة ونموذج المرشد (عند الإخوان المسلمين) والمرشد الأعلى في إيران، والمرجعية عند الشيعة بشكل عام. وفيها نعثر على صيغة محدّثة "لخلافة الراشد". وبالتالي تحتوي على نقد غير مباشر وتخلي عن بعض المبادئ القديمة التي جرى دمجها في "قواعد" الإمامة (الخلافة)، والمقصود بذلك "قرشية" الخلافة. اما من الناحية التاريخية فهي فكرة أول وضعها في تاريخ الإسلام هم الخوارج. إذ أسسوا لمبدأ انتخاب الخليفة بشرط التمسك بأحكام الإسلام وأمور أخرى عقلية وأخلاقية. ومن ثم يمكن للخليفة أن يكون كل من يتمتع بهذه الصفات بغض النظر عن اصله وجنسيته ولونه.

من هنا أهمية تحليل ونقد فكرة الخلافة الاسلامية في احد نماذجها الرفيعة (خلافة الراشدين) وردها إلى حدودها التاريخية الفعلية. ومن ثم نزع كل هالة التقديس المزيفة حولها وعنها، من اجل توسيع مدى الرؤية الواقعية والتأسيس العقلاني والعلمي لأهمية الدولة الحديثة. بمعنى النظر إليها بوصفها إبداعا سياسيا لا علاقة له بالدين، بل بإدارة شئون الأمة وتنفيذ أحكام الشريعة. وهذه مهمة سياسية اولا وقبل كل شيئ. فالخلافة شكل من أشكال الدولة السياسية في بداية نشوئها. والرشد فيها اشكالية تعكس قضية السياسة والأخلاق. ولكل مرحلة تاريخية ثقافية خصوصيتها بهذا الصدد.

***

خلافة ابو بكر: نهاية الوحي وبداية الخلافة

إن تحول "خلافة الراشدين" إلى فكرة روحية، وأنموذج عملي أعلى، ومثال أخلاقي تام، ومعيار سياسي مطلق، يشير إلى جوهريتها المتسامية في الذاكرة الإسلامية ومكونات وعيها النظري والعملي. بمعنى خروجها على ما هو معتاد ومألوف في تاريخ الدولة والسياسة. وهي رؤية وجدانية ومجردة عن حيثيات التاريخ الفعلي. من هنا مرجعيتها وسموها اللذين لا يخلوان من أوهام التاريخ وكسل الوعي الإيماني. لاسيما وأنه وعي لا مكان فيه لمعايير الرؤية النقدية. وحالما يجري رفع هذه الصورة والمعيار إلى مصاف المرجعية المقدسة، فإنهما يصبحان جزء من معتقدات الإيمان، وقواعد العقائد، وحجج العقل التقليدي. مع ما فيها من حالة متناقضة من حيث أسسها التاريخية ومجراها الفعلي وتأثيرها الواقعي.

فقد كانت بداية "خلافة الراشدين" فعلا تاريخيا، ارتبط بكيفية حسم الصراع الأولي لصالح المهاجرين في شخصية أبي بكر الصديق. وقد كان هذا أساسها. أما في مجراها فقد كانت عملية سياسية مرت بثلاث مراحل أو منعطفات كبرى،

الأولى وهي المرحلة التأسيسية التي مثلها أبو بكر وعمر بن الخطاب، بوصفها بداية الدولة.

والثانية هي المرحلة السياسية التي مثلّها عثمان بن عفان، بوصفها بداية السلطة.

والثالثة هي المرحلة التاريخية التي مثلها علي بن أبي طالب، بوصفها بداية الدولة السياسية، أي بداية الحضارة الإسلامية وصيرورة مكوناتها الثقافية ومرجعياتها الكبرى.

وهي تحولات كبرى حددت بدورها طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف. وشأن كل بداية كبرى، فإنها عادة ما تختزل الصراع بصورة حادة وسريعة وسهلة. وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية لاحقا عبارة "لقد كانت خلافة أبو بكر فلتة". وبغضّ النظر عن الإمكانيات المتنوعة في تأويلها، لكنها تصب في المجرى العام لما يمكن دعوته بالبداية الصعبة. أنها شأن كل ولادة أولى تحتوي بالضرورة على وحدة الإغراء والألم. وفي هذا يكمن سرّ بريقها الباهر في الوعي التاريخي والعقائدي على السواء.

فمن الناحية التاريخية كانت خلافة أبي بكر بداية الدولة، ومن ثم انتهاء الوحي. الأمر الذي جعل من الاجتهاد السياسي بداية الاستقلال الفعلي في تاريخ الأمة بوصفها كينونة جديدة. وهو تحول أعطى للشخصية السياسية أبعادا روحية، كما جعل من الروح أداة التنسيق الدائم للأفعال من خلال رفعها إلى مصاف الصورة المتسامية والمرجعية العملية، كما نعثر عليها في الصيغة المباشرة التي جعلت من تسلسل الأشخاص في الخلافة تسلسلا في الفضائل المجردة والشخصية. وعادة ما تغري هذه الرؤية الوعي الديني والتقليدي، لكنها لا تشفي غليله. ومع كل احتجاج فكري وواقعي عليها تستثار فيه حمية التوكيد و"البرهنة" والبحث عما يمكن توظيفه في سلسلة العقائد.

وهي الصورة التي نعثر عليها فيما يسمى بالمواقف السنّية من شخصية أبي بكر. فجميعها يجمع على أمور عامة مثل كونه أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن بالنبي محمد من الرجال، وأنه من الصحابة الذين رافقوا محمدا منذ بداية الدعوة، وأنه أول من اسلم من أهل قريش، وأنه والد عائشة زوجة الرسول، وأم المؤمنين. وسمي بالصديق لأنه صدّق النبي في خبر الإسراء، وقيل لأنه كان يصدّق النبي في كل خبر يأتيه من السماء. كان يدعى بالعتيق، لأن النبي قال له:"يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار". وقيل لُقّب بـكلمة عتيق لأنه كان جميلا. وقيل كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي! كان سيدا من سادات قريش، وممن حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية. شهد حروب النبي واحتمل الشدائد وبذل الأموال. وكان رفيق النبي في هجرته إلى المدينة. وثاني اثنين في الغار. وكان ممن يفتي على عهد النبي. كما أنه الذي حمل الراية يوم تبوك. وإليه عهد النبي بالناس حين اشتد به المرض. وأنه احد العشرة المبشرين بالجنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبي سنة 11 للهجرة. حارب المرتدين والممتنعين عن أداء الزكاة، وأقام دعائم الإسلام. افتتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق. توفي ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادي الآخرة، بعد أن بلغ من العمر ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر ونصف

[1].

هذه هي الصورة الواقعية والتاريخية المتسامية، أي المجردة من كل حيثيات الحياة البشرية، والتي يمكن رؤية أنموذجها "الروحي" في تصوير أبي نعيم الأصفهاني عندما قال عنه:"أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي في الحضر والأسفار، الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الاعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار"[2]. وهي صورة روحية مصاغة بمعايير الرؤية الصوفية. ومن ثم لا إلزام فيها لغير رفعة المعنى القائم في فكرة الأولياء، إي في سلسلة الروح الإسلامي الممثلة في شخصياته الكبرى. وهي صورة لا إلزام سياسي أو عقائدي فيها على عكس ما هو مميز للتقاليد السنّية المتأخرة التي حاولت أن تجعل من تصوراتها عن فضائله مناقب عقائدية. وليس مصادفة أن نعثر في نماذجها المختلفة على اشتراك دائم لبعض منها، هو "الحد الأدنى" الذي يجعل منه "أولا" في كل شيء بعد النبي محمد! بحيث توصلوا في نهاية المطاف إلى جعل ذروة مناقبه كونه أول الخلفاء الراشدين، ومن ثم فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وخلافته منصوص عليها، وقد أُمر النبي بالاقتداء به، لأنه من أحب الناس إليه بحيث اتخذه أخـا له، وذلك لأن الله زكـاه، بل أنه يدعى من أبواب الجنة كلها![3]

تعكس هذه الصورة المرّكبة تداخل التاريخ والعقائد، لأنها تحتوي على قدر واحد من الواقعية والمزاج المذهبي. ومن ثم فهي الحصيلة المتراكمة في الوعي التاريخي الإسلامي عن دوره الهائل بالنسبة للإسلام من جهة، وعن ضرورة تحصينه من هجوم التيارات التي وجدت في سلوكه السياسي من اجل الاستحواذ على السلطة خروجا على "الوصية النبوية". وفي كلاهما إفراط وتفريط منبعه نمطية الوعي الديني العقائدي. ولكن حالما نضع صيرورته الشخصية ضمن سياقها التاريخي، فإنه يأخذ بتمثيل الوحدة المغرية بين تفاعل القيم النموذجية وتحقيقها الفعلي في شخصيته الواقعية. وهو تفاعل وجد تعبيره في حصوله الأولي على تسمية الصدّيق. وسواء ارتبط ذلك بتصديقه منذ اللقاء الأول بالدعوة الجديدة لمحمد وغايتها المعلنة، أو بيقينه الجازم بأن كل ما يقوله محمد هو صدق، وبالأخص مع فوران الشك العربي الجاهلي بإمكانية الإسراء والمعراج، فإن تفاعل هذه القيم والمواقف في اسمه وسلوكه الشخصي على امتداد الدعوة الإسلامية يكشف عن شخصية متماسكة يرتقي فكرها وتفكيرها إلى مستوى الإيمان، وإيمانها إلى مستوى الفكر والتفكير. بمعنى غياب التجزئة المحتملة في قلوب الشخصيات الكبرى حالما تنتقل من حالة لأخرى، كما هو الحال بالنسبة لعمر بن الخطاب أو معاوية بن أبي سفيان، أي تلك الشخصيات التي لعبت دورا هائلا في بناء أشكال الدولة، بحيث أصبح كل منهما مثالا فاعلا في الوعي الثقافي والصيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية.

فقد جسّد أبو بكر في شخصيته وسلوكه العملي أنموذجا فريدا طبع من حيث الجوهر فكرة الخلافة بوصفها استخلافا لحقيقة الفكرة النبوية. وحقق عبر تنشيط القيم بذاته احد النماذج الراقية في إخلاصها الحي للعقيدة الجديدة، سواء في سلوكه الشخصي أو في مواقفه من السلطة والدولة والقيم والمبادئ العليا كما وضعها الإسلام المحمدي. وبهذا المعنى يكون قد جسّد من الناحية التاريخية ما يمكن دعوته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. ومن هذه الوحدة الجديدة للنهاية والبداية ظهرت للمرة الأولى مقدمات الدراما التاريخية للتأويل والسلطة، أو الأيديولوجية والممارسة العملية.

فالسلطة عروة الأفراح ومأتم الأتراح. وفيها ومنها تفوح كل الروائح الممكنة للنفس والجسد. الأمر الذي نعثر عليه في حصيلة الأفراح المرافقة للأمة الناشئة والأتراح المواكبة لأعدائها من "مرتدة" وقوى خارجية، وعبير الرائحة الزكية في عرف الثقافة وتقاليد الإسلام الدينية والدنيوية. وليس مصادفة أيضا أن يصبح محور الخلاف السياسي العريق للفرق الإسلامية، وبالأخص بين تيارات السنّة والشيعة. وهو خلاف سياسي من حيث الجوهر ارتقى و"تسامي" إلى مصاف الرؤية العقائدية والدينية. مما افسد مضمونه، لكنه ابقى على أبعاد الرؤية السياسية، التي كانت منذ البدء الفاعل والحافز الجوهري في الاختلاف بوصفه اجتهادا ملازما لفكرة الدولة والسلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحوافز ردّ فعله وسلوكه التي يصورها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) بعبارة تقول:"أتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع وقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى السقيفة"[4]. وينمّ هذا السلوك عن رؤية سياسية تدرك أهمية السلطة، ظل يلازم شخصيته حتى مماتها. إذ نعثر عليه في أهم سؤالين من بين ثلاثة أسئلة أراد توجيهها للنبي محمد، وفي أمرين ندم عليهما قبيل موته من بين ثلاثة لهما علاقة بقضايا السلطة. فمن بين الأسئلة الثلاثة التي أسف على عدم استفساره عنها من النبي محمد قبل موته هي: "لمن هذا الأمر من بعده"، و"هل للأنصار فيها من حق". أما الأمور الثلاثة التي ندم على فعلها فاثنين منها وردت على لسانه بالشكل التالي:"ليتني تركت بيت علي، وإن كان أعلن عليّ الحرب"، و"ليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يدي احد الرجلين"، ويقصد بذلك تأييده لأبي عبيدة أو عمر بن الخطاب باستلام الخلافة[5].

غير أن للتاريخ مساره الخاص وحكمه المناسب، الذي جعل من شخصية أبي بكر نموذجا أوليا للخلافة السياسية. ومن ثم بداية الدولة. أما حكمه عليه فيقوم في مأثرته الهائلة التي استطاع أن ينجزها في غضون سنتين وثلاثة أشهر هي مدة خلافته أو رئاسته للسلطة السياسية الجديدة، بوصفها أحدى أهم المراحل العاصفة والهائلة والعصيبة والتأسيسية في فكرة الدولة وتاريخها. وقد أنجزها بنجاح باهر. إذ استطاع القضاء على الخلافات الداخلية وقطع دابر الارتداد الديني، بوصفه الأسلوب المناسب لتوحيد الدولة. ومن ثم توجيه القوى الداخلية المتراكمة وعنفوانها الصاعد صوب تحقيق الحلم المغري للإمبراطورية الإسلامية الجديدة، التي صنعت أيضا وحدة التاريخ والروح في شخصيته المثالية. مع أنها كانت تتسم من الناحية الفعلية بتعقيد كبير، كما أنها لا تخلو من طابع درامي هائل. وليست الأمور الثلاثة التي ندم عليها قبل موته سوى مؤشر على مستوى الملازمة النفسية لإشكاليات السياسة والسلطة والدولة في أخلاقه الباطنية والفردية. ومن الممكن العثور على طبيعة وقسوة هذا الصراع الخفي والعلني أيضا في العبارة والخطابة التي وجدت انعكاسها "الادبي" فيما استجمع لاحقا تحت عنوان "بلاغات النساء". حيث ينقل لنا احمد بن طاهر البغدادي عبارة عائشة في الدفاع عن أبيها تقول فيها:"ذاك والله حصن منيف، وظل مديد، وفيء قريش ناشئا وكهفها كهلا"[6]. بينما ردت عليها فاطمة بنت النبي محمد في مواجهة سلوكه السياسي بسحب ارثها، قائلة "أأبتز ارث أبي، وفي الكتاب أن ترث أباك ولم أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك"[7]. وهي صورة تتمثل في الواقع دور وموقع الشخصيات التاريخية الكبرى، بسبب هول المرحلة وضخامة مهماتها التي تفرز أيضا ظاهرة استصغار الكبار وتكبيرّ الصغار. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

...................

[1] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج3، ص205.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص28.

[3] ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج3، ص64.

[4] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص9

[5] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص 28-29.

[6] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص3.

[7] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص14

 

يسري عبد الغني"إن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي: الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم "  [ بوذا]

إن البوذية تشبه البروتستانتية، في كونها بدأت تعبيرًا عن الاحتجاج على ديانة قائمة، ثم تطورت إلى حركة دينية واسعة قائمة بذاتها اتبعها الملايين من البشر .

والبوذية تشبه البروتستانتية أيضًا في أنها تنقسم إلى عدة مذاهب، يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا كبيرًا، وكلمة بوذا معناها (المتنور)، أما الاسم الحقيقي لبوذا فكانت (سيدهارثا جوتاما) الذي ولد في منطقة (كابيلا فاستو) التي تقع في شمال الهند، وكان ذلك حوالي عام 560 قبل الميلاد .

وعندما بلغ سن التاسعة والعشرين من عمره، كان اهتمامه بما كان يشاهده حوله من مآس تتمثل في المرض، والموت، والفقر، والتعاسة، وقد بلغ حدًا جعله يهجر زوجته وابنه الصغير، ويتحول إلى ناسك يبحث عن الحقيقة، كان أول ما يريده، التوصل إلى إدراك كنه العذاب، الذي خيل إليه أنه جزء لا يتجزأ من الحياة الإنسانية .

وجد بوذا الديانة الهندية السائدة غير مقنعة، وهي ديانة تنتمي إلى تلك المجموعة من الديانات المعروفة باسم الديانات التوحيدية، أو وحدة الروح، وبمقتضاها كان الهنود يرون أنه علاوة على كل ما يوجد حولنا مما نراه، أو نحسه، أو نشمه، أو نسمعه، أو نفكر فيه، توجد حقيقة غير محسوسة، أو عالم الروح، وهو ما يجعل كل شيء مترابطًا حولنا، ويطلق الهنود على هذه الحقيقة اسم (البرهمانا)، وهم يعتقدون أن الروح تولد عدة مرات تلو الأخرى، في مستوى أكثر سموًا أو أكثر انخفاضًا حسب ما تستحقه، إلى أن يأتي الوقت الذي يصل فيه إلى أعلى درجات السمو، فتمتصها البرهمانا، ولا تولد مرة أخرى، وتلك هي درجة النعيم الأبدي الذي يسمونه (النيرفانا) .

ويتمشى نظام المستويات مع تلك التعاليم الدينية، وهو النظام الذي يقول بأن الإنسان بنشأته يتبع إحدى المستويات الأربعة التي تشمل جميع الطبقات، وهي تنبعث أصلاً من جسم البرهمانا، فالكائن البرهمي المقدس يخرج من فم البرهمانا، والمحاربون يخرجون من صدره، والتجار والصناع من الفخذين، أما العبيد فمن أقدامه، ولما كان المركز الاجتماعي في هذه الحياة الأولى يحدد مركزهم في الحياة الأخرى، فإن الكهنة، والأمر كذلك، يتمتعون باحترام خاص .

وقد نبذ بوذا الفكرة البرهمية، كما نبذ فكرة المستويات، وكان يعتقد أن كل إنسان يملك القدرة على أن يحيا حياة قدسية، وأن هذه القدرة ليست مقصورة على المستوى البرهمي، كما أنه كان يعتبر أن النساء أيضًا لهن نفس القدرة، وقد كان مركزهن الاجتماعي في أدنى درجة طبقًا للديانة الهندية الجامدة، والواقع لقد كانت عادة حرق الأرامل من النساء فوق نفس النار التي تحرق فيها جثث الأزواج، من العادات المتبعة لدى بعض الطوائف الهندية إلى عهد قريب لا يتجاوز أكثر من مائة عام .

كان بوذا يعتقد أن الروح بعد وصولها إلى أعلى درجات السمو تنطفئ، ولا تعود مرة ثانية إلى عالم الأرض، ولا يمتصها أي عالم روحاني آخر، والنيرفانا في عرف البوذية هي حالة الانطفاء هذه، وفي الوقت نفسه احتفظ بوذا بالعقيدة الهندية الخاصة بالتقمص أو الكارما، وهذا هو السبب في أن البوذيين الأخيار يكونون دائمًا شديدي الحب والعطف على الحيوانات، ويتجنبون أن يطأوا بأقدامهم حتى أقل الحشرات شأنًا، ويحترمون حق جميع المخلوقات في أن يسلكوا طريقهم على سلم التدرج، إلى أن يصلوا إلى درجة الحياة البشرية، ومنها إلى أعلى درجات القدسية .

ولكننا قد نتساءل عن السبب في أن يكون الهدف من صراعهم هو مجرد الانطفاء الكلي، وفي أن تكون رغبة الفرد هي مجرد التلاشي؟!، إن الإجابة التي يقدمها البوذيون على هذا التساؤل هي: أن الحياة لا تستحق أن تعاش، بل هي لا تعدو أن تكون مجرد رغبة قوية لتحقيق أطماع لم يتم تحقيقها، وهذه الرغبة هي القوة الكامنة وراء عودة الروح، فمتى تعلم الإنسان كيف يكبح جماح رغباته، فإن تلك القوة الكامنة تتلاشى .

والحقائق الأربع النبيلة في العقيدة البوذية هي : أن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي : الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم .

كان الملك (أزوكا) هو الشخصية البارزة في تقدم البوذية، وكان قد أصبح ملكًا على جزء كبير من الهند في حوالي عام 270 قبل الميلاد، فلم يكتف بأن يجعل رعاياه فقط يعتنقون البوذية، ولكنه قام بإرسال بعثات تبشر بالبوذية إلى الأقاليم الأخرى، غير أن البوذية لم يكن مقدرًا لها الازدهار في بلاد الهند، حيث طغت عليها الديانة الهندية، ثم ظهور الإسلام الذي جاء من الغرب، مما جعل البوذية تنتقل شمالاً وجنوبًا .

وفي مدة حكم أزوكا، انقسمت البوذية إلى مجموعتين رئيسيتين هما : الهينايانا أو الناقلة الصغيرة، والماهايانا أو الناقلة الكبيرة، وقد ازدهرت الأولى في الجنوب، وفي سيلان (سيرلانكا)، وبورما (مينيمار)، وتايلاند ، بينما أحرزت الثانية نجاحًا كبيرًا في بلاد الصين، والكوريتين، والتبت، واليابان .

وتعتبر الهينايانا أصفى أشكال البوذية، وأتباعها يعتبرون أن بوذا ليس مجرد رجل وضع بعض قواعد للسلوك، ولكنه ليس إلهًا يعبد، وفي سيرلانكا التي تعتبر مركز الهينايانا، توجد أشهر آثار بوذا وهي إحدى أسنانه .

أما الماهايانا فهي شكل منحرف للبوذية، على حد ما كتبه أهل التخصص في دراسة البوذية، وأتباعها يعتبرون بوذا واحدًا من الكائنات الإلهية العديدة، كما أنهم يعبدون الروح التي ألهمت بوذا، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين، وبعض طوائفهم يؤمنون بوجود الجنة والنار، مؤكدين على أنه من الضروري أن تمر بهما الروح قبل أن تصل إلى مرتبة النيرفانا، وتوجد عدة أشكال للماهايانا، ففي التبت يعتقد النساك أن الصلوات المكتوبة التي توضع في عجلات تصعد إلى بوذا عندما تدور العجلات، وفي اليابان طائفة من البوذيين تسمى (زن)، وهؤلاء يعلقون أهمية كبيرة على التأمل، ولديهم في ذلك وسائل تشبه إلى حد كبير تعاليم اليوجا، والغرض منها المساعدة على التركيز أو الصفاء الروحي .

يقول الباحثون: إن جميع طوائف البوذية من النساك، وذلك لأهمية التأمل العميق الذي لا تعترضه أية مقاطعات، ولديهم نظام للرهبنة والكهانة كجزء من زعامة دينية واسعة النطاق، ويقال : إن المستندات الرئيسية التي تعتمد عليها الهينايانا هي سلال العقيدة الثلاث، أو التيبيتاكا، وقد اعتمدت هذه المستندات في عهد الملك أزوكا، وللماهايانا تفسيرها الخاص للتيبتاكا .

وختامًا نقول : هذا تعريف موجز بالبوذية، تلك العقيدة التي كتب عنها الكثير، فلعلنا نكون قد وفقنا في الإفادة بهذا الموجز .

 

بقلم: د . يسري عبد الغني

 

 

تماضر مرشد آل جعفرتقسيمات المبحث المقارن:

سبق الحديث عن البناء المنهجي والرؤى الفلسفية التي اعتمدها الفيلسوفان صدر الدين الشيرازي وسبينوزا في واحدة من أهم المسائل الفلسفية الصوفية، وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، ومسائل الوجود التي انعكست على تلك المسألة، ضمن الأداة المنتجة لها هي: الروح والعقل. وقد ختمت تلك المنهجية بدراسة مقارنة عامة، تأكيدًا لعنوان البحث: (دراسة مقارنة). ارتأيت فيها أن يُؤخذ كلَّ مفكرٍ منهم بمعزلٍ عن الآخر لأعرض من خلال منهجه، عرضًا فلسفيًا ما يحتويه من طروحات ونظريات وإشكالات ووصايا ونتائج، وصولاً إلى المقارنة، اعتقادًا مني بفائدة هذا الأسلوب**.

أولاً: مقارنة الوسط البيئي للفيلسوفين.

1- أثر البيئة العامة بظروفها السياسية والاقتصادية والثقافية في الفيلسوفين.

2- مسألة العزلة التي عاش فيها كلا الفيلسوفين وأثرها في تكون فكرهما الفلسفي.

3- أثر رجال الدين في فكر الفيلسوفين والنقد الذي تعرضا له.

لِما للأثر النفسي الذي تتركه البيئة على فكر الفلاسفة والمفكرين أبتدي بها، عاش كلٌّ من الشيرازي وسبينوزا وسط عائلتين تميزتا بالثراء والثقافة العلمية، إضافة إلى أنها كانت من الطبقات المقربة للسلطة ورجال الدين، أفاد كلا الفيلسوفين من تلك المكانة في إثراء ثقافتيهما، وسهولة تلقيهما للعلوم، إذ لم يكن للفقراء آنذاك نصيبٌ من ذلك.

انعكست بشكل أو بآخر تلك البيئة الأسرية في اتخاذ الفيلسوفين جانبًا من التحرر، أو كما اعتقدا أنهما سيكونان حرَين في إبداء رأيهما وسط تلك المكانة العائلية.

اصطدم الشيرازي بالوسط الفقهي الذي كان يسود إيران إذ ذاك فرُفِضَت آراؤه، ولم تكن لديه تلك العلمية لمقارعة الفقهاء والمدارس الفقهية والفلسفية التي كانت سائدة في عصره، فاضطر للاعتزال والابتعاد عن المجتمع، ريثما تتكون لديه من القراءات مايوصله إلى دليل يستطيع به الانتصار لرأيه.

كانت لسبينوزا نفس الأوضاع التي عانى منها الشيرازي، والمجابهة التي لقيها من رجال الكنيس اليهودي المسيطرين على قرارات الدولة والحكم، إلا أنَّ ماتعرض له سبينوزا كان أكثر إيلامًا لنفسه ابتداءً من هجرة العائلة بسبب العنصرية، إلى طرده من المجمع الكنسي، ثم تبرؤ العائلة من آرائه، بينما لم يلاقِ الشيرازي هذا الاضطهاد إلا أنه اختار الاعتزال بفكره.

عاد الشيرازي من عزلته بمؤلفاته ناشرًا فكره مستغلاً رضا الشاه عباس عنه وعما ذهب إليه من آراء فقهية وفلسفية، بينما قاوم سبينوزا كل دعوات الأمراء والجامعات التي أرادت الإفادة من فكره، حفاظًا على مبادئه التي آمن بها والتي تخالف مايذهب إليه رجال الدين والأمراء.

الاستنتاج:

بدأ الشيرازي التذمر والتظلم من العيش وسط مجتمع ساده التزمت لرأي الظاهرية والاستخفاف بمنطق العقل، كذلك كان سبينوزا منزعجًا من المجتمع الذي تسلط على قراراته الكهنة ورجال الدين، وبينما وافق الشيرازي على نشر فكره تحت عباءة الشاه عباس، رفض سبينوزا العمل في جامعات رأى أنها ستفرض رأيها عليه، ربما كان ذلك من انعكاس نشأة الشيرازي في بيت وزير في الدولة هو والده، فرأى أنَّ السلطة قادرة على حماية فكره، ولم ير سبينوزا هذا الرأي من أثر الطرد الذي تعرضت له العائلة بسبب التفرقة العنصرية التي سادت بلده وقت ذاك، فما رأى للسطلة من حماية بقدر ما هي ناهضته العداء.

لم يورد أي من الشيرازي وسبينوزا سيرتهما أو الإشارة إليها إلا ما ورد من ذكر الشيرازي للأوضاع التي سادت عصره وكثرة من وصفهم (أهل الأهواء)، مع إشارته لتاريخ ولادته.

بينما استطاع الشيرازي أن يحفل برضا الشاه فيمكنه من فتح مدرسة وجمع تلاميذ ومريدين، لم يستطع سبينوزا إلا أن يقوم بتدريس أفكاره لبعض أصدقائه في عزلته كما أنه لم يتمكن من ذكر اسمه على مؤلفاته إلا الحرف الأول فقط.

وأخيرا لابد من القول بأنَّ تأثير البيئة عليهما كان واضحًا في اختيارهما لمنهجهما العلمي والفلسفي.

ثانيًا: مقارنة المنهج (اعتماد الأدلة والبراهين العقلية والنقلية).

1- الإبداع في برهنة القضايا الفلسفية.

2- الاعتماد على البراهين والحجج في حل إشكالات الفلسفة.

3- الأسس الفلسفية عند الفيلسوفين (اعتماد الهرم الهندسي الرياضي) لفكرة وحدة الوجود.

إنَّ الأساس الذي يقوم عليه أي منهج هو: وجود فكرة، تدفع المفكر والفيلسوف أن يسلك منهجًا محددًا حول تلك الفكرة وحل إشكالياتها، كما أنَّ أية دراسة لأية فكرة لايمكن أن تحقق نتيجة ناجحة ما لم يتم ربطها بالماضي أو الأساس الذي نبعت منه، لذلك اعتمد الشيرازي وسبينوزا منهجًا هندسيًا في تفسير وحدة الوجود اعتمادًا على هندسة الفلاسفة الأوائل الذين خاضوا تلك التجربة، فهما ليسا أول من ربط بين المنهج الهندسي وبين الكتابة الفلسفية، فقد استُخدِم هذا المنهج جزئيًا في العصور القديمة.

المفاهيم التي قامت عليها منهجية الشيرازي هي المفاهيم الإسلامية التي قيدت فكرته ـ في بعض الأحيان ـ كما أنه دار بين العقل والعرفان، وكان الفكر الإشراقي مسيطرًا عليه، ولم يتجاوز الشيرازي في منهجيته تلك دستور الإسلام (القرآن) والأحاديث النبوية، واعتمد التوفيق بين الشريعة الإسلامية، وبين الفلسفة والعرفان، منهجية قائمة على التذوق العرفاني، والبرهان الفلسفي الرياضي، كما سعى الشيرازي لفكرة واحدة في كل كتبه وهي، التطابق بين العقل والنقل، إلا أنَّ غلبة الروح الإشراقية وتأثره بالسُهروردي جعلت حجية العقل ليست الأساس في طروحاته الفلسفية.

من منهجه الرياضي أطلق على أسفاره (الحكمة المتعالية) ليُرتب على أساسها مراتب الوجود عنده "الله تعالى" ثم الطبيعة، والإنسان، كان لهرمه الهندسي أساسًا وضعه أرسطو في تصوره لتركيبة الموجودات، الذي جعل قاعدته (الهيولى) وقمته (الصورة) أو صورة الصور "الله تعالى".

أما بالنسبة لمنهج سبينوزا الهندسي فقد تأثر بالنجاح الهائل للعلوم الرياضية الذي أدى إلى الاقتداء بالدقة الرياضية في صياغة الأفكار الفلسفية، وإلى جعل الرياضة أنموذجًا ومثلاً أعلى للمعرفة البشرية في كافة ميادينها. وإذن فمنهج سبينوزا الهندسي لم يكن بدعة ليست لها سوابق في تاريخ الفكر الفلسفي، لكن كانت له دلالة خاصة تزيد على كونه مجرد اقتداء بمثل أعلى سائد في عصره، فهو يشترط أن يكون العقل الرياضي المجرِب أساسًا لجميع الأبحاث العلمية المدققة.

اتبع سبينوزا المنهج الهندسي، فكان أقرب في شكله لكتب الهندسة منه لكتب الفلسفة، إلا أنَّ مضمونه كان في قمة التجريد الميتافيزيقي وفي البحث عن الغاية الأخلاقية، كما تحدث في هرمه الهندسي عن السطوح والمساحات والخطوط والأجسام الهندسية والبديهيات، فكان يجمع التعريفات والبديهيات والجمل التعليمية مع البراهين ثم يخلص إلى النتائج والأحكام ثم المسلمات، لم يكن سبينوزا مسَلّمًا بقضية إلا بعد البرهنة عليها، فهدم كل المعتقدات التقليدية التي ورثتها أوربا في القرون الوسطى.

76 tamader600

الاستنتاج:

نقاط الاختلاف والالتقاء بين الشيرازي وسبينوزا:

‌أ- الاتفاق: هو أن كلاً منهما اتخذ البرهان طريقًا للوصول إلى مبتغاه، تأثر الفيلسوفان بالمنهج الرياضي والأسلوب الهندسي للوصول إلى نتائج منطقية يرضاها العقل معتمدَين الأدلة والبراهين، وكان "الله تعالى" في قمة الهرم الهندسي لكلا الفيلسوفين، كما أن كلاهما استخدما الأدلة العقلية على آرائهما في وحدة الوجود.

‌ب- الاختلاف: بينما كان العقل قاسمًا مشتركًا بينهما، إلا أنَّ النقل والكتب الدينية كان الفارق، فبينما كان القرآن الكريم والأحاديث النبوية مصدرًا هامًا عند الشيرازي، كان سبينوزا ناقدًا للكتب التي اعتمدها رجال الدين والتي صرح هو بخطأ نسبتها للأنبياء.

قامت منهجية الشيرازي في الاعتقاد بالنظر العرفاني والإيمان بالإشراقات الربانية ـ الروحية ـ القائمة على الرياضات والتجليات النورانية، بينما كان سبينوزا من أشد المخالفين لتلك الأفكار وأنه يراها من الأبواب التي تجلب الإيمان بالخرافات والأساطير، فقد كانت المعرفة الحدسية التي يحققها العقل هي العامل الأساس الذي قامت عليه نظريات سبينوزا وفلسفته.

ثالثًأ: مقارنة مدى تأثر الفيلسوفين بالمصادر والروافد.

1- أثر الفلسفتين اليونانية والإسلامية.

2- دخول الفكر الصوفي والعرفاني إلى فلسفة الشيرازي وسبينوزا.

نهل كل من الشيرازي وسبينوزا من الفكر اليوناني في الإلهيات خاصة، فكان لأرسطو وأفلاطون وتلميذه أفلوطين أثرًا واضحًا في مسائل ترتيب الوجود التي أثرَت فلسفة وحدة الوجود.

أفاد الشيرازي من ترتيب أرسطو للموجودات، وتفسيره العلة والمعلول، كما كان لفكرة الصدور والفيض عن أفلوطين واضحة، وأيضًا كان للترتيب الصعودي والنزولي لأفلوطين أثر في تناسق ارتباط الصدور من العقل الأول إلى الإنسان، ومع تأثره بنظرية المُثل الأفلاطونية ودفاعه عنها، إلا أنَّ الاعتقاد بنظرية التشكيك في الوجود ينقض نظرية المثل، لذلك ترك الشيرازي الباب مفتوحًا لأسئلة عدة حول سبب دفاعه عن مثل أفلاطون، المرفوضة أصلاً من الفكر الإسلامي، كونها تجعل العالم خيالات خارجة عن حقيقتها، كما رُفضَت فكرة وحدة الوجود.

بدت آثار الفارابي في الوجودات الرابطة عند الشيرازي، والقريبة جدًا من فكر الفيوضات، وهي فكرة تفكَّر الشيرازي بها كثيرًا حتى انتهى بها إلى أنﱠ الوجود المفاض ليس إلا تعلقًا وربطًا بالوجود المفيض, وليسا وجودَين، كلٌّ منهما قائم بذاته مستقل بها، ولابن سينا أثره في الجمع بين العقل والإلهام، فقد أخذ منه اعتباراته للماهية ليعكسها على اعتبارات الوجود.

أما تأثر الشيرازي بالفلسفة الإشراقية ممثلة بالسُهروردي، والعرفانية ممثلة بابن عربي، فكان كبيرًا، ألقى بظلاله على فلسفة الشيرازي في وحدة الوجود بشكل كبير، مناقضًا ما أورده هو بأنه لا يؤمن بالحلول والاتحاد الذي يؤمن به كل من السُهروردي وابن عربي، وهذه أيضًا فتحت مجالاً للسؤال عن سبب تلك التناقضات، أراد الشيرازي أن يوفق بين الفلسفة الإشراقية والصوفية وبين الفلسفة المشائية المنطقية من جهة، وبين تعاليم الإسلام من جهة أخرى، ومع تمتع الشيرازي بفكر حر جعل العقل أساسًا لكل ما يذهب إليه الإنسان وما يعتقده، إلا أن نشأته في زحمة الروح الإشراقية ـ التي كانت من أبرز مميزات مجتمعه ـ كونت جزءًا كبيرًا من شخصيته، يقول الشيرازي: إن مجرد المكاشفة غير كافٍ في السلوك من غير برهان كما أن مجرد البحث من غير مكاشفة نقصان عظيم في السير(1).

بدأت فلسفة وحدة الوجود عند اليونان قائمة على أساس وحدة العنصر الطبيعي، كقول طاليس: بالماء أصل الأشياء، فانطلقت الفكرة عند الفلاسفة الطبيعيين في البحث الأونطولوجي، ثم أخذ بتلك المباحث في وحدة الوجود، هيراقليطس وبارمنيدس، ثم تداعت الفلسفة بعدهم لتعود إلى مفاهيم الدين وتقسيم الوجود بين الإله المتعالي وبين الموجودات، فألغى الدين تلك الوحدة وجعلها وحدة تراتبية، ثم جاء أرسطو ليقسم مفهوم الوجود وتعدد معانيه، بمقولاته العشر،، فهو وجود متراتب متناسب، فنسبة الجوهر هي نفسها نسبة العرض، لكن هذا التناسب لم يعط للوجود وحدته التي تطالب بها الأنطولوجيا، كان هذا من فلسفة اليونان التي قرأها سبينوزا، أما فكر التصوف الديني فدخله عن طريق فلسفة ابن رشد وتوما الأكويني، لكنهما جعلا الفلسفة توافق الدين، وهذا ماترفضه أنطولوجيا الوجود، ثم انتقل فكر المعتزلة ليعيد للفلسفة العقلية مكانتها في أوربا، وإن كانت وحدة أبي هشام المعتزلي وابن سينا، ووحدة دونس سكوت في الفلسفة المسيحية، وضعت اللاهوت في أحضان الفلسفة لتعيد لوحدة الوجود مفهومها، إلا أنها لم تقترب من الوجود إلا من خلال مفهوم الحياد، كل تلك الروافد أثرت في قراءة سبينوزا فلم يقتنع بها حتى ثار عليها، فأصبح الوجود عنده واحدًا، متواطئًا، واثباتيًا.

الاستنتاج:

رأينا الشيرازي متمسكًا بمصادره الدينية والكلامية، جامعًا إياها مع مصادره الفلسفية العقلية، لذلك لم يستطع إلا أن يجعل الوجود مقسمًا بين"الله تعالى" وبين مخلوقاته، ألزمته بذلك عقيدته الإسلامية فما خرج عنها، فكان بذلك فيلسوفًا لاهوتيًا، فسار على خطا أسلافه من الفلاسفة والعرفانيين مع محاولته تعدي ما وقفوا عنده من المسائل، إلا أن خطاه كانت مترددة.

أما سبينوزا فقد تجاوز كل ما قيده من فكر رجال الدين، ففصل الفلسفة عن الدين وأعطى لأنطولوجيا الوجود قوتها، وإن كان قد تأثر بمن سبقوه، إلا أنه كان له فكره الخاص وفلسفته التي لم يستطع ديكارت أن يصل إليها أو أن يخرج من قيد الدين، فسبينوزا اتخذ من ديكارت أساسًا انطلق منه لفلسفته العقلية، إلا أنه رفض كل ثنائيات ديكارت ليجعل من هرمه الهندسي وحدة واحدة مترابطة، ثم نسف كل مبادئ ديكارت التي بقيت مع تميزها، رهينة بقايا لاهوتية.

رابعًا: النظام الهندسي لتفسير مباحث الوجود الثلاث: "الله تعالى"، الكون أو الطبيعة، والإنسان، عند الشيرازي وسبينوزا.

1- تفسير الفيلسوفين لمفهوم "الله تعالى"، وصفاته لتبرير كثرة الصفات مع وحدة "الله".

2- "الله تعالى" بسيط الحقيقة، مع كثرة ذهنية.

3- التشابه في تفسير صفات "الله تعالى" بين الشيرازي وسبينوزا.

4- (الطبيعة والإنسان) في هرم كل منهما، النفس الإنسانية وارتباطها "بالله تعالى" في فكرهما.

تُعد مباحث الوجود الثلاثة: (الله تعالى، الطبيعة، الإنسان) هي أهم المباحث التي شغلت فكر الشيرازي وسبينوزا لتفسير وحدة الوجود.

قامت منظومة الشيرازي على المثلث الهندسي العرفاني، فعرَّف الشيرازي "الله تعالى" بتعريف المسلمين العرفانيين، فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي، فإنَّ كل موجود سواه غير مستحق الوجود بذاته وإنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث ذاته هالك ومن الجهة التي تليه موجود، فكل موجود هالك إلا وجهه"سبحانه".

ألحق الشيرازي اسم "الله تعالى" كل صفات الكمال، المناسبة للذات الإلهية ومرتبة الربوبية، ثم تكلم عن الكثرة، فتكثر الأسماء والصفات لا يعني أن ذات واجب الوجود تحصل فيها الكثرة، وإنما تتعدد  بتعدد الأسماء والصفات فقط، فالموجودات المتكثرة ماهي إلا مظاهر تجلي الأسماء والصفات للذات الإلهية المقدسة، وإن كانت هذه الوجودات متمايزة ومستقلة، فهي تعيُّنات للحق"سبحانه وتعالى"، وهذا ما توافق فيه مع ابن عربي.

صفات "الله تعالى" عنده ضمن ثلاثة أقسام كلها تدل على أنه الواحد، غير القابل للتجزئة، الواجب الوجود، الخالق، القائم بأعمال الرزق لعباده، وغيرها من صفات الفعل، حي، غير قابل للعدم.

الكثرة في الصفات اعتبارية وليست في حقيقة الذات الإلهية، كما أنها مجردة عن الطبيعة ولا تتدركها الحواس، بل يدركها العقل، صفاته "سبحانه" ليست زائدة عليه، وليست مترادفة.

بيَّن الشيرازي بأنﱠ صفات مرتبة الألوهية المتعلقة بالذات الإلهية المطلقة تؤكد أنَّ "الله تعالى" لم يكن وجوده معلولاً ومسبوقًا بزمن معين.

الطبيعة عند الشيرازي قائمة على الترتيب، فهي تبدأ من خلق الممكن الأول، ثم تتدرج إما بإيجاد شيء من شيء، كخلق الأبدان من الهيولى الأولى، أو إيجاد شيء من لا شيء كخلق الأرواح.

الجوهر عنده هو الهيولى الأولى التي تتكون منها الأبدان، ثم الأجساد القابلة للذوبان، ثم الروح، وتحقق من إفاضة الخالق"سبحانه" للأبدان، وإنَّ أقرب علة للجوهر هي الطبيعة التي تكون سبب حركة الأجسام، فالطبيعة جوهر سيال، نشأت من مادة شأنها القوة والزوال، وفاعل محض شأنه الإفاضة والإفضال.

يعتمد الشيرازي ـ كباقي الفلاسفة ـ على امتداد النفس وقواها في تفسيرهم للإنسان، فبَين الشيرازي أنَّ تلك النفس نشأت في النظام الوجودي بقواها النباتية والحيوانية والناطقة، وعدَّ النفس بهذا التعبير بأنها كمال أول للجسم الطبيعي، وأنها مفارقة للأجسام الطبيعية في النبات والحيوان وغيره بما ميزه الله " سبحانه وتعالى" بالعقل.

أما رؤى سبينوزا فهي: "الله تعالى" في فكر سبينوزا جوهر، لا متناهٍ، صفاته لا معدودة، كلٌّ منها أزلية لامتناهية، الجوهر واحد، واجب الوجود أزلي، لا متناهٍ، ولا يقصد سبينوزا بالجوهر الشيء المادي وإنما هو الحقيقة الأساسية التي تشكل أساس كل الأشياء.

صفات الجوهر أو "الله" عند سبينوزا تتكون من أعداد لا متناهية، كلها تدل على الكمال، وهي صفات لذاته وليست خارجة عنه ولا زائدة.

وللجوهر أحوال هي جزئيات الكون وفردياته التي نراها، وهي معتمدة في وجودها على غيرها، والطبيعة عند سبينوزا لا تنفصل عن الجوهر فهو يؤمن بأنَّ "الله" هو الطبيعة، وقسم الطبيعة إلى: طبيعة طابعة وهي الخالقة، لا تتغير، وطبيعة مطبوعة هي المخلوقات، المتغيرة، وأعطاها نفس صفات "الله" أو الجوهر فقال بقدم العالم، "فالله تعالى" هو علة الأحداث ولكنه ليس مفصولاً عنها بزمن، بل كل الكون والإنسان متواجدة معه.

الاستنتاج:

"الله تعالى" في فكر الشيرازي وسبينوزا، واحد، خالد، أزلي، لامتناهٍ، واجب الوجود وموجود بالضرورة، صفاته متعددة لا متناهية أيضًا، كثرتها لا تدل على كثرة آلهة، وإنما هي كثيرة لذات الواحد، ليست زائدة، هي عين ذاته، أما كثرة سبينوزا فهي في الأحوال التي تُدرَك وتوجد بوجود الجوهر ولا توجد بدونه. وليست خارجة عن الكون أو"الله" تنتظم بانتظام الكون في وحدة كاملة.

بينما كان الجوهر عند الشيرازي هو الطبيعة، كان الجوهر عند سبينوزا هو "الله"، وهنا الفرق بين جوهر الشيرازي الممثَل بمادة، وجوهر سبينوزا اللامادي ولاجسماني.

تخلُق الإنسان الكامل بصفات "الله تعالى" عند الشيرازي تأتيه من الفيوضات الربانية، بينما عند سبينوزا تكون صفات "الله تعالى"، الفكر والامتداد، بين "الله" والإنسان في ترابط واحد، إلا أنها روحانية لا جسمانية.

تتمثل فكرة الامتداد عند الفيلسوفين في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [سورة الأعراف، الآية:143]. فمفهوم التجلي هنا هو الإحساس بوجود الشيء.

كل الصفات الإلهية عند الشيرازي وسبينوزا تُدرَك بالعقل، ولكن الإنسان عند الشيرازي يتوصل إليها عن طريق المعارف والرياضات العرفانية، بينما يرى سبينوزا أنه يدركها ويستشعر بها عن طريق المعرفة الحدسية المقرونة بالتفكر العقلي أو الحب العقلي، وإن كان التعبير يوحي بالتشابه، إلا أن الشيرازي وكغيره من العرفانيين رأى أن التقرب إلى "الله تعالى" يكون بالرياضة العلمية والعملية للحصول على المعارف الإلهية، وأن النفس الإنسانية طالبة للكمال دائمًا لتصل إلى رضا ربها وتنعم بالسعادة الخالدة، والإنسان الكامل هو المتجرد عن النزوات والأهواء، يعرف ربه بجميع المشاهد والمشاعر، متخلقًا بصفات"الله تعالى" كي يستمد فيوضاته، ويصل مرتبة النبوة، وقد بدا الشيرازي هنا متمسكًا بالروحانيات من تأثير الفلسفة الإشراقية، بينما يرى سبينوزا أن العقل هو وحده من يوصل الإنسان بربه"سبحانه"، فالتدبر والتفكر هو مايوصله إلى أسباب السعادة، على أن ذلك هو الأقرب لقوله تعالى:  ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية:242].

 

قيد الشيرازي مسألة وصول الإنسان إلى السعادة القصوى بحدود (الطاقة البشرية)، فما هو فوق طاقته لا يستطيع الوصول إليه، بينما قيدها سبينوزا بعلل يجهلها الإنسان، فهو حر في حدود ما يجهله من علل تحركه ألا وهي إرادة "الله".

ثم أنَّ النبوة كانت هبة من"الله تعالى" لبشر مخصوصين صَفَت سرائرهم وتفكرت عقولهم ليستطيعوا الاتصال "بالله تعالى"، فنالوا صفة الإنسان الكامل.

تُعد سلسلة الهبوط والصعود للترتيب الوجودي من أهم المسائل الفلسفية عند صدر الدين الشيرازي، إذ يقرر فيها العلاقة بين "الله تعالى" والطبيعة والإنسان، وكيفية صدور الأُخريين عنه "سبحانه" إذ أوجد كلّاً من الطبيعة وأوجد الإنسان من العدم، فخلق الهيولى الأولى لهما، وهي الوجود بالقوة، الوجود الناقص الذي يفتقر إلى الصورة ليكتمل، فبَين أن تَميز الإنسان وإكرامه في أطواره إنما كان من الفيوضات الربانية، إنَّ تقلب الإنسان في تلك الأطوار تبين أنه مفتقرٌ دائمًا إلى الفيوضات الربانية، ثم يكتمل كمال النفس البشرية بالعلوم والمعارف الكسبية والإلهامية.

أما سبينوزا فلا يؤمن بتقسيمات الوجود وتراتبه، فالكون عنده وحدة واحدة متواطئة، فالطبيعة هي "الله" أو الجوهر والطبيعة وحدة، والإنسان جزء من الطبيعة.

كذلك تتجلى وحدة الوجود في تفسير الشيرازي واعتقاده بالفيوضات الربانية على الجسد من تجدد الروح بفعل الحركة في الجسم حتى بعد تحلله وذوبانه، بينما خالف سبينوزا هذا الرأي بقوله إن النفس تخرج من الجسد بعد تحلله، إلا أنه رآها تتجدد في النوع الإنساني لا في نفس الجسد الشخصي.

حرية الإنسان عند الشيرازي مكفولة بإرادة الاختيار، أما عند سبينوزا فالإنسان ليس حرًا إلا بما يجهل من العلل الموجهة لعلته، "والله تعالى" حر لأنه غير محكوم بعلة.

خامسًا: وحدة الوجود بين (الكثرة في وحدة الشيرازي) و(الوحدة الواحدة) لسبينوزا

1- الخروج من مسألة الحلول في وحدتهما.

2- مفهوم الكثرة والإتحاد وحل إشكالاتها عنهما.

3- العلاقة بين الواحد والكثير، وجودًا رابطيًا أو فيضًا.

4- مفهوم الجعل البسيط، التشكيك في حقيقة الوجود عند الشيرازي، والمحايثة عند سبينوزا.

5- تقسيم مراتب الوجود بين الفيلسوفين.

الاشتراك المعنوي يقع في المفهوم وليس في المصداق، فمفهوم الوجود هو الأمر الثابت المتحقق في الخارج، أما في المصداق فلا اشتراك لأنَّ حقيقة وجود "الله تعالى" تغاير حقيقة وجود الممكن، ولأنَّ الوجود هو الثبوت والتحقق بالمفهوم كان ضد العدم وهو نقيض الثبوت، ( بمعنى أنَّ وجوده "تعالى" ليس كمثله شيء بحسب المصداق، وإن كان يوجد مثله شيء بحسب المفهوم، فسائر المخلوقات تشترك مع"الله تعالى" في مفهوم الوجود، ولكنها تتمايز عنه"سبحانه" في مصداق الوجود).

الوحدة التي يتداولها الفلاسفة هي (وحدة العالم)، سواء في الفلسفة الإسلامية أو اليونانية، والوحدة عند المسلمين ليست وحدة اليونان، مع اعتمادهما على أصالة الوجود واعتبارية الماهية.

القول بأصالة الوجود جعل الشيرازي محاولاً الخروج من مذهب العرفان إلى الفلسفة لإعطاء أدلة منطقية عقلية لوحدة الوجود، لكنه لم يستطع الخروج من خطوطها الرئيسة.

بينما قال ابن عربي بالحلول من خلال وحدة الإله مع المخلوقين، أراد الشيرازي أن يثبت أنَّ "لله تعالى" مرتبة عليا إلا أنه جعل الموجودات في تعلق وارتباط ببعضها ولا استقلال لها، حاول أن يحل الإشكالات التي توقف عندها فلاسفة الإسلام بنظرية التشكيك، والوجود الترابطي، لكنه لم يخرج من ذلك إلا بما خرج به سبينوزا من كثرة الموجودات في الطبيعة مع وحدة "الله".

رأى الشيرازي في كثرة الموجودات بأنها ضمن مراتب، أما سبينوزا فرآها كثرة في هرم واحد، وهيكلية واحدة لا يخرج فيها شيء عن"الله تعالى"،ولم يقصد سبينوزا أنَّ الطبيعة هي "الله" بالمعنى الواحد المادي، لكنه فسرها بحلول"علم الله" في عقل الإنسان، وإحاطة علم "الله تعالى" بكل مخلوقاته.

الاستنتاج:

كان من لوازم أصالة الوجود هو اعتقاده بأنَّ العالم هو أحد مظاهر الوحدة على أساس أن الاتحاد بين شيئين في الواقع هو من ناحية الوجود، وغلبة أحكام الوحدة بسبب غلبة أحكام الوجود، أما الكثرة الموجودة في العالم فهي كثرة تشكيكية تقود إلى الوحدة، أما لو نظرنا إلى العالم من جهة أصالة الماهية لشاهدناه وقد غلبت عليه أحكام الكثرة وكانت الوحدة فيه اعتبارية.

كان هدف الشيرازي من المنهجية التي اتبعها اثبات أنَّ "الله تعالى" بسيط الحقيقة كل الأشياء، وأنه ليس في شيء من أشيائه التي خلقها فليس هو حالٌّ بها، كما أنه بذل جهدًا كبيرًا محاولاً تعدي الإشكالات التي توقف عندها فلاسفة الإسلام ومن قبلهم الفقيه(أبو حنيفة) رضي الله عنه، فأراد أن يثبت أن الوحدة مع "الله" موجودة ولكنها (كثرة في وحدة)، بينما حاول سبينوزا اتباع المنهج الهندسي الهرمي لإثبات أنَّ الكل يجتمع في وحدة واحدة مع "الله تعالى"، الطبيعة والإنسان، لأنه كما بينت حاول أن يفسر تلك الوحدة بحلول علم "الله تعالى" في الطبيعة والإنسان وأنَّ الكل يسير وفق إرادته بوحدة مترابطة مع بعضها، فلم يكن الإنسان حرًا في اتخاذ قرار مخالف لإرادة "الله".

الوحدة عند الشيرازي صفة حقيقية لمراتب الوجود المتنوعة، المختلفة والمشككة، بالشدة والضعف، وذلك ما رآه سبينوزا في تفسيره لأجزاء الكون، لكنه لإيمانه الفلسفي بوحدة الوجود اعتبرها حالاً من أحوال"الله تعالى".

معلوم أنَّ وحدة الوجود الصوفية والفلسفية تضيف إلى "الله تعالى" صفة الجسمانية، بما يفهم منها (الحلول)، وذلك على "الله" محال، لذلك حاول الشيرازي الخروج بها من مفهوم الحلول عن طريق جعل الموجدات متراتبة بعضها أشرف من بعض، والمرتبة العليا"لله تعالى"، كذلك بين سبينوزا أن الامتداد يكون روحيًا لا جسمانيًا، كتفسيرنا للقول بأنَّ ما حل في فكر الإنسان هو علم "الله" من تطلع الإنسان للوصول إلى أعلى المراتب ليحظى بالسعادة.

والذي أثر في سبينوزا في ترسيخ فكرة وحدة الوجود التي هي الاعتقاد بأن لا وجود إلا "الله تعالى"، وأن المخلوقات مجرد مظاهر، وإنما ينسب إليها الوجود علي سبيل المجاز لا على الحقيقة، فلا وجود مطلقًا إلا "الله تعالى" لأنه حقيقة وليس مادة، بخلاف عالم الأشياء، وقد خاض سبينوزا صراعاً ضد الجدية والسلبية ولكنه تأثر بالفكر الرواقي في رؤيته الأخلاقية، إلا أنه في نهاية المطاف آمن بحرية الحكيم الباطنية، وميز بين الخير والشر وبين الفضيلة والرذيلة، ومن هذا المنطلق يصف سبينوزا الحرية الحقيقية بأنها حياة أبدية تكون ناتجة عن حب "الله".

تخلص الشيرازي من فكرة الحلول، فأوجد مفهوم الاشتراك الاسمي بين الواجب والممكن في الوجود، هذا المفهوم عند الشيرازي جعله يقف كغيره من فلاسفة الإسلام موقف الحياد الذي ترفضه أنطولوجيا الوجود، فهي تطالب أن يكون الوجود إثباتيًا، فكان ذلك على يد سبينوزا، فرفض مفهوم الاشتراك الاسمي ومفهوم التناسب، فللجوهر، أي للوجود، معنى واحد سواء أكان هذا الجوهر صفات أو أحوال، فما عاد عنده معانٍ متعددة كما هو شأن الفلسفة الدينية.

في الوقت الذي تمسك به الشيرازي بمنهج أرسطو وأفلاطون في التراتب للوجود، تخلص سبينوزا من ذلك، لكنه أفاد من التمييز عند ابن سينا بين الماهية والوجود المأخوذ أصلاً عن المعتزلة، أفاد منه سبينوزا لتصبح الماهية عنده درجة من القوة وليس تجريدًا، ثم أخذت على يد سبينوزا تهيمن في ساحة العلم الطبيعي مع معالم القرن السابع عشر.

(الواحد) "الله تعالى" في وحدة الشيرازي متعالٍ في أعلى مراتب الوجود، بينما عند سبينوزا، علة قريبة محايثة لمعلولاتها.

في الصفات عالج سبينوزا مسألة الكثرة، صفاته كثيرة غير متناهية إلا أنه لا يتجزأ، وهو غير متناهٍ، ولا تعني لا نهائية الجوهر لا نهائية مكانية، بمعني أنها ليست لا نهائية في إمكان انقسام الجوهر إلى عدد لا متناهٍ من الأجزاء، "فالله" وصفاته شيء واحد، هو بذلك يبعد عن القول بأن تكثر الصفات يعني تكثر جواهر أو (آلهة). فمع أن صفاته كثيرة إلا أنه لا يتجزأ.

-  صدر الدين الشيرازي وقبله ابن عربي شط بهم الإبحار الفكري نحو تجسيد مفهوم وحدة الوجود بحكم التدين، فنظرا إلى "الله تعالى" على أنه حقيقة لا ماهية أو خيال مرسوم في الأفهام كما تراه الأديان الوثنية والخرافة والأساطير، وهذا من صلب عقيدتهما، بينما كان لثورة سبينوزا على رجال الدين أثر كبير في تعامله مع مفهوم" الله" أو الجوهر والطبيعة، فكانت فكرته متماهية بين لاهوت ديكارت وعقل سبينوزا، مع كونه أخرج نفسه ـ قبل أن يتم طرده ـ من عقيدة التدين اليهودي والنصراني، تلك المسألة جعلته أكثر جرأة في تناول فكرة وحدة الوجود والتوسع بها لتظهر بمظهرها الفلسفي الرائع ـ مع عدم إيماني بالفكرة من أساسها ـ.

-  (بسيط الحقيقة) هو عند سبينوزا كل شيء ولكنه أيضًا كما قال الشيرازي (ليس حالاً بكل شيء) إلا بمعنى الإحاطة.

- فكرة (الله) عند سبينوزا فكرة متماهية لأنه يقول لا تصورات خارج الجوهر الإنساني غير الجوهر الإلهي، ثم أخفق في ربط العلاقة بين العقل والجسد، و(الفكرة والجوهر) وتمثل الحلول بهما، مع محاولته دفع شبهة الحلول.

- وأخيرا من أجمل صور الوجود عند سبينوزا أن قاربت أصالة الوجود فكره عن وجود "الله" وطبيعته الطابعة، ومع أن الفارق الزماني بين الشيرازي وسبينوزا لم يكن كبيرًا إلا أني لم أستطع أن أصل إلى ما يدلني على قراءة سبينوزا لمؤلفات الشيرازي لكن هذا لا يبدو محالاً إذ تنتقل الفلسفات الشرقية إلى الغرب والعكس يحدث، وربما توصلت إليها يوما ما!

 

د. تُماضر مرشد آل جعفر

....................

* ملخص من كتاب: وحدة الوجود بين الملا صدرا الشيرازي وباروخ سبينوزا، للدكتورة تُماضر مرشد آل جعفر، مؤسسة المثقف في أستراليا، ودار العارف لبنان، المبحث المقارن.

** في ذات الكتاب.

(1) صدر الدين الشيرازي: الأسفار، ج7 ،ص326.

 

بليغ حمدي اسماعيلقد تخرج اللفظة الواحدة عن دلالتها المعجمية الحرفية إلى دلالات ومعان أخرى بحسب ورودها داخل سياق لغوي متصل، وللسياق بذلك أثره في فهم الالفاظ بدلالتها التي يقصدها المرسل.  إذ لا يمكن  فهم أية كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها التي تحدد معناها، وفي التعبير القرآني تفردت طائفة من الألفاظ بقرينة السياق بدلالة خاصة، جاوزت حدود معناها المعجمي إلى معانٍ جديدة ذات إيحاءات خاصة، والقرآن الكريم كنص لغوي معجز وفريد اتسم بالدلائل اللغوية الشاهدة على إعجازه، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: 42)، فكلمة (اصطفاك) الأولى بمعنى اختارك، والثانية بمعنى فضلك، وهذا النوع من التكرير للكلمات والأصوات يثير في النفس إحساساً بجمال التعبير، من خلال تجاوب الأصوات وتناغم الأصوات.

ومن أسباب جمال الجناس في التعبير القرآني، تلاؤم الحروف وتناسب الألفاظ، فيحدث التجاوب الموسيقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً، ويلخص الفيروز أبادي هذه الفائدة بقوله: " وأما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام"، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (البقرة: 24).  وفي السطور التالية نورد عدداً من الأمثلة بغير إخلال أو تفريط إن استطعنا ذلك التي توضح وتشير إلى اختلاف دلالة اللفظ الواحد باختلاف وروده وذكره في سياق لغوي معين .

1 ـ البَغْتَةُ والفَجْأةُ:

اكتسبت لفظة البغتة  من السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، فهي في أصل اللغة: مشتقة من باغَتَه مباغتةً: أي فاجأه بَغْتَةً  . والبغت: مُفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. إذن (البغتة) في اللغة تعني (المفاجأة)،فهما لدى غير المدقق في المعنى اللغوي بمعنى واحد. أما في الاستعمال القرآني فهما متباينان؛  إذ احتملت (البغتة) عنصراً دلالياً إضافياً على الفجأة؛ لأن هذه اللفظة لم يستعملها السياق القرآني نهائياً، ولو تتبعنا سياق البغتة في القرآن كله، بورودها ثلاث عشرة مرة، لوجدنا فيها عنصراً دلالياً إضافياً، وهو (التخويف بالعذاب) .

واستقراء الآيات يؤدينا إلى أنها لا تستعمل إلا في سياقين لا ثالث لهما، أحدهما: الوعيد بوقوع القيامة . والآخر: الوعيد بوقوع عذاب في الدنيا وشيك، كما في قوله تعالى يؤكد فيه وقوع العذاب على الكافرين، بموعد ثابت قادم هو يوم القيامة، إذ قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (العنكبوت: 53)، وفي قوله تعالى يبين فيها طريقة مجيء العذاب للكافرين يوم القيامة، حين يأتي مفاجئاً: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام: 31) .

وقد اكتسبت البغتة في السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، هو العذاب، فضلاً عن المعنى اللغوي الذي تحمله وهو (الفجأة)، وعند مجيء الساعة والعذاب للكافرين دون توقع لوقته مع الايذاء لمن لم يُعدّ لتلك الساعة العدّة، من الهداية والإيمان. ولا يعلم أحد متى مجيء هذه الساعة.

وقد تنبه بعض المحدثين  إلى أن السر في استعمال السياق القرآني لفظة (البغتة) فقط دون لفظة (الفجأة)، مع أن لهما المعنى اللغوي نفسه، وهوأن في البغتة عنصراً دلالياً إضافياً غير موجود في الفجأة، بل هو زائد عليها، وهو (التلبس بالعقاب) دنيوياً كان أو آخروياً؛ وبذلك فإن لفظة (الفجأة) لا تمنح السياق الإيحاء الكامل المعبّر عن الحدث القرآني بشكل دقيق وكامل كما تمنحه لفظة (البغتة) ؛ لأن الثانية اكتسبت من السياق القرآني معنىً إضافياً، هو الإشعار بالأذى والعقوبة.

2 ـ القَدَرُ:

من الألفاظ التي تباينت دلالتها أيضاً في القرآن الكريم باختلاف ورودها داخل سياق النص القرآني المطهر لفظة (القدر) ومشتقات حروفها الأصلية الثلاثة وهي: ق د ر، فغالباً ما نجد معنى القضاء مرادفاً مماثلاً لكلمة القدر كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب: 38) أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة  وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.، وأيضاً قوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (الواقعة:60) أي صرفناه بينكم، وقال الضحاك:ساوى فيه بين أهل السماء وأهل الأرض.

ولكن تعددت دلالات كلمة (القدر) في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فمن تلك الدلالات ورودها بمعنى (التمكن) كما في قوله تعالى: (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18) أي فلم يقدروا على شئ من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) وفي هذه الآية الكريمة ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام، ومعنى قادرون عليها أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذا جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى (التدبير) في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه:40) يقول الله تعالى مخاطباً لموسى (عليه السلام): إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملأه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل،ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، أي على موعد وهذا رأي مجاهد، وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة. وقوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) (المدثر:18ـ20) أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكَّر، و(قَدَّرَ) أي تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى التوقير والتعظيم مثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام:91) أي وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص وهو رجل منهم، وقيل في مالك بن الصيف، والأول أصح ؛ لأن الأية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه من البشر، ومثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67).

وأتت مُشتقات كلمة (القَدَر) في القرآن الكريم بدَلالاتٍ مختلفةٍ، فمنها ما أشارت إلى معنى (التحديد) كقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون:18)، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرزيسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه ؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليهم الرمال .

وقوله تعالى في سورة الزخرف: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)(سورة الزخرف:11) .أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.

وجاءت لفظة القدر بمعنى (التضييق والابتلاء) مثل قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (سورة الرعد:26)، يذكر الله تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء، لما في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً .

وقوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ)(سورة القصص:82) أي ليس المال دليلاً على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"، وقوله تعالى في سورة القلم: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)(سورة القلم:25)، أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال عكرمة: على غيظ، و(قَادِرِينَ) أي عليها فيما يزعمون ويرومون.

3 ـ السَّغب والجُوعُ:

جاءت لفظتا (السغب) و(الجوع) بإيحاء خاصٍ بهما في التعبير القرآني . فالسغب لغة: مشتق من سَغَبَ يَسْغب سُغُوباً ومسغبةً . والساغِب: الجائع، والسَغبُ: الجوع من التعب . وقد قيل هو في العطش مع التعب  . وهي مرادفة للجوع . و(السغب) و(الجوع) لفظتان، أكسبهما التعبير القرآني، إيحاء خاصاً بهما، فضلاً عن معناهما الأساس (المعجمي) . فإذا ذكر الجوع في النص القرآني، فلا يكون  إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، بقرينة السياق .

وقد وردت لفظة (الجوع) في التعبير القرآني خمس مرات، كانت في ثلاثة مواضع منها مقترنة بلفظة (الخوف)، فيكون السياق بهذه القرينة، سياق ابتلاء وامتحان، أو عقوبة لأصحاب النار، كما في قوله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة 155) ، أخبرنا الله عز وجل أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، فقد ذكر الجوع في موضعين منفرداً، ولكن قرينة السياق كانت واضحة في أنه عقاب وبلاء، وذلك في قوله تعالى يخاطب فيها نبي الله آدم، بأنه محفوظ في الجنة من بلاء الجوع والعُري،وذلك قبل نزوله إلى الأرض: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) (طه: 118) . فيكون عدم الجوع فيها نعمة من نعم الله تعالى عليه وعلى زوجه.

أما لفظة (السغب) فتذكر مع الرحمة و(في حالة القدرة والسلامة)، نحو قوله تعالى يحث المؤمنين على إطعام الناس في يوم الجوع: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)(البلد: 14)، بقرينة السياق المتأخرة في قوله تعالى: (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: 15-16) . فبذلك تكون لفظة (الجوع)، قد اكتسبت من التعبير القرآني هنا معنى العقوبة والبلاء من السياق القرآني، أما لفظة (السغب)، فقد اكتسبت معنى الرحمة، والضعف .

4 ـ المَطَرُ والغَيْثُ:

تُعد لفظة المطر من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني أيضاً، فالمطر لغةً يعني: الماء المنسكب من السحاب ، أما في التعبير القرآني،فقد اكتسبت لفظته إلى جانب معناها المعجمي معنىً آخر، هو العقاب، بقرينة السياق اللفظي. فالمطر لم يرد في التعبير القرآني كما يقول الجاحظ في كتابه " البيان والتبين ": " إلا في موضع الانتقام، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " .

وقد وهِمَ الراغب الأصفهاني حين عدّ لفظ (المطر) من ألفاظ الخير، وأن هناك صيغة مشتقة منها هي التي وردت للتعبير عن العذاب، وهي (أمطر)،فقد ذكر أن مطر: " يُقال في الخير، و(أمطر) في العذاب "، وإذا رجعنا إلى النص القرآني نجده يعبّر بهذه اللفظة عن الشر والعقاب، بكل اشتقاقاتها، وبقرينة السياق، ومنه قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء: 173) أي أنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود .

والمطر يوحي بالتدفق القوي والغزارة، أكثر من أية لفظة أخرى تعبّر عن نزول الماء من السماء . والذي ساعد على هذا الايحاء، صوت (الطاء) المطبق كما أشار الدكتور كمال بشر في كتابه " علم اللغة العام"، الذي يصور نزول العذاب من السماء فنشعر بإطباقه عليهم . فبذلك تكون هذه اللفظة قد ناسبت غضب الله  وشدة انتقامه بنزول ذلك العقاب الشديد عليهم من حجارة وغيرها . كالذي في قوله تعالى يتحدث عن قوم لوط : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف: 84) . فنلحظ أن لفظتي (مطر) و(أمطرنا) في النص القرآني قد دلّتا معاً على نزول العذاب الشديد، لا نزول الغيث الذي هو نعمة ورحمة للعباد .

ويشمل نزول المطر في التعبير القرآني، فضلاً عن الماء، الحجارة، نحو قوله تعالى، في إمطار الحجارة: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود: 82)، أي أنه مطر يوحي بالعقم والخراب . والسجيل في اللغة: حجارة كالمدر، وهو حجر وطين مختلط، ويفسر أنه فارسي مُعرب دخيل . ويقال: هذا الشيء مسجل للعامة، أي مرسل من شاء أخذه أو أخذ منه.

أما الغيث فهو الماء النافع النازل من السماء، المنبت للكلأ ، نحو قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وهذا يعني أنه الماء المثمر الذي يحمل الخير معه، وذلك بقرينة السياق اللفظي المتأخر . والذي قوى هذا الإيحاء هو صوتا (الغين والثاء) فرخاوتهما كما يذكر الدكتور بسام بركة في كتابه " أصوات اللغة العربية "، قد ناسبت نزول الماء الخفيف الذي أنعش ما نزل عليه، فأنبت به .

5 ـ الفتح:

أيضاً من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني لفظة الفتح، من الفعل الثلاثي فَتَحَ) ومشتقاته، فلقد اختلفت دلالة الكلمة باختلاف السياق الي وردت فيه، ودلت على عدة معاني منها الصد، والضد، والعطاء، والنصر، والقضاء، والحكم .

فمن معنى الصد والضد قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44)، أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ففتح الله عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف:40)، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء وقال بهذا مجاهد وسعيد بن جبير، وقيل لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورى ذلك الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: " خرجنا مع رسول الله r  في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله  r،وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "  استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ مرتين أو ثلاثاً ـ ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، هذا بخلاف العبد الكافر .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (القضاء) أو (الحكم)  كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89)، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت يا الله خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. وقوله تعالى: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:118) .

ومن أمثلة ورود كلمة (الفتح) بمعنى أعطى قوله تعالى: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76)، أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به.

وأيضاً  ما أفادت الكلمة معنى أعطى قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(الأعراف:96)، ويخبر الله تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) آي آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، وقوله تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أي قطر السماء ونبات الأرض .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (النصر) كما في قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52)، يعني فتح مكة، وقيل: يعني القضاء والفصل، وقوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال:19)، يقول الله للكفار إن تستفحوا أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح، وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) يقول: لقد نصرت ما قلتم وهو محمد r.

6 ـ الهوى:

تعني لفظة (الهوى)، لغةً: الموت، والحب، أما في التعبير القرآني فقد اكتسبت هذه اللفظة دلالة أخرى، وهي كما عرفها الراغب في المفردات: " ميل النفس إلى الشهوةِ… لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية " ، أي اتباع ما لا يحمد من الرغبات،ولا يحسن فعله من ذوي المكرمات، أي الرغبات النفسية الضعيفة ، نحو قوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات: 40) .أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل.

ففي الآية الكريمة ورد النَّهي عَن (الهوى)، الذي هو اتباعِ الشَّهوات، والمَحَارم التي تشتهيها النفس وتهواها  . فهو شيء مكروه، غير مرغوب فيه في الاسلام، بقرينة السياق المتأخر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:41) ؛ لأن من ينهى نفسه عن الهوى ينال الجنة التي تكون مأواه، فبذلك يكون (الهوى) غير مرغوب فيه .

7 ـ أثر:

وردت كلمة " أثر " مرّتان فـي القـرآن الكريم، ووردت مشتقاتها 19 مرة، ومنها " يؤثر، آثر، تؤثرون، أثرى، آثار، يؤثرون، أثارة "،، وكلمة " أثر " ومشتقاتها جاءت علـى ستة أوجـه في المعنى، فجاءت بمعنى الاختيار والتفضيل كما في قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يوسف:91)، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق والسعة والملك وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه.

وقد تأتي لفظة (أثر) بمعنى الدليل كما في قوله تعالى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)، والأثر هنا المقصود به المطر قال بذلك ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم.

8 ـ  سَلامٌ والسَّلام:

وردت كلمة سلام والسلام في القرآن الكريم بدلالتين فالأولى جاءت لفظة (سلام) على يحيى (عليه السلام) والثانية جاءت لفظة (السلام)على عيسى (عليه السلام)، قال تعالى في سورة مريم(: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13)وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) .

أما عيسى (عليه السلام ) يقول تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلَامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)).

وحِكمة مجيء (سلام) نكرة في سياق قصة سيدنا يحيى (عليه السلام) أن ذلك جاء في سياق تعداد نعم الله تعالى على سيدنا عيسى وإخبار من الله جل جلاله بأنه قد منح سيدنا يحيى (سلاما) كريما في مواطن ثلاثة: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة .

أما (السلام) في قصة عيسى (عليه السلام) جاء معرفة: لأن لفظ (السلام) هو كلام من سيدنا عيسى حيث دعا ربه أن يمنحه السلام في ثلاثة مواطن: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة.

فبِما أنَّ سَيدنا عِيسى هو الذّي دَعا، فمن المؤكد أنه سيُلح في الدعاء كما هي السُنة فيطلب المعالي. فلذلك عرّف (السلام) دلالة على أنه يريد السلام الكثير العام الشامل. الغزير.  وهنا إشارة إلى أن السلام الذي حصل عليه سيدنا عيسى كان أخص من (السلام) الذي حصل عليه سيدنا يحيى، وأن سيدنا عيسى أفضل درجة في النبوة من سيدنا يحيى فهو من أولي العزم.

9 ـ ضَعْفٌ  وقُوَّةٌ:

جاءت كلمة ضعف نكرة مكررة ثلاث مرات في آية واحدة في سورة الروم  وجاءت كلمة قوة نكرة مكررة مرتين أيضاً بنفس الآية، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (سورة الروم:54) .

وهنا يجب التذكير بالقاعدةِ البيانيّة التي تفيد  بأن النكرة إذا تكررت فإنها في كل مرة تفيد معنى جديداً. ولفظة (ضعف) نكرة تكرارها في نفس الموضع يفيد أن الضعف الأول غير الثاني وغير الثالث. فالمراد بالضعف الأول هو النطفة (ضعيفة فهي ماء مهين)، والمقصود بالضعف الثاني  الطفولة ؛ لأنه بحاجة إلى رعاية أمه في مرحلة الرِّضَاع وعناية خَاصة حتى يجتاز مرحلة المُراهقة ويصل البُلوغ، أما  الضَّعف الثالث فيراد به  الشيخوخة ؛  لأنه يعود في مرحلة الشيخوخة ضعيفا عاجزا؛ يعاني المرء فيها  ضَعف الفِكر، وضَعيف الحرَكةِ وقلة وقُصُور السَّعي والنشاط .

أما كلمة (قوة) وردت نكرة وكررت مرتين، والكَلمَة جَاءت مَرتين بدلالتين أيضاً ؛ القوة الأولى: قوة فترة الصبا (الصبي قوي مندفع كثير الحركة أما القوة الثانية: قوة الشباب، قوة الجسم والمشاعر والأحاسيس والهمة والعزيمة والانطلاق في الفكر والأحلام والطموح.

10 ـ الكافر والزارع:

من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم لفظة الكفار في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (سورة الروم:54) . ولكن خرجت اللفظة عن دلالتها المعتادة وهي الخروج من الملة والعقيدة . فالمراد بالكفار هنا الزراع، وهذا ما أشار إليه ابن قتيبه في كتابه " تأويل مشكل القرآن " حيث قال: " إنما يريد بالكفار هنا: الزراع، واحدهم كافر . وإنما سمي كافراً لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطاه، وكل شئ غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفّر فلان في السلاح إذا تغطى،ومنه قيل الليل: كافر ؛ لأنه يستر بظلمته كل شئ، وهذا مثل قوله تعالى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ) (سورة الفتح:29).

11 ـ الظن واليقين:

من الألفاظ التي ترد قي القرآن بمعنيين لفظة الظن التي تفيد نعناها الحقيقي والتداولي ألا وهو الشك والتشكيك، ومعنى آخر وهو ضده أي اليقين، وهذا مثل الصبح الذي يقال له: صريم، ولليل أيضا صريم، يقول تعالى: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (سورة القلم:20)، أي سوداء كالليل، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ومن هذا يقال لليقين ظن وللشك ظن ؛ لأن في الظن طرفاً من اليقين، يقول تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة البقرة:249)، أي يستيقنون، وكذلك قوله: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (سورة الحاقة:20)، وقوله تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) (سورة الكهف:53) . وكل هذا يقع في باب اليقين لا الشك.

12 ـ الأبصار:

من الألفاظ القرآنية التي جاءت في كتاب الله بمعنيين مختلفين لفظة (الأبصار) في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) (سورة النور:43 ـ 44) إذ الأبصار الأولى جاءت بمعنى النظر، بينما الثانية جاءت بمعنى العقول .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةعقيدة العملِ والسيادةِ الوطنية في السنغال:

1: مَا الطريقةُ المُريديةُ بالسّنغال؟

الطريقة المُريدية في السنغال:

لقد كتبنا «السنغال» دون ياء لأننا وجدنا السنغاليين يكتبونها دون ياء في كتاباتهم الكثيرة باللغة العربية منذ أكثر من قرن ونصف بالأقل.

طريقة تأسست في نهاية القرن التاسع عشر على يد «الولي» أحْمَدُ بَمْب[1].

نَجدُ بهذه الطريقة ما نجده في كل الطرق الصوفية، من سلطة قائد ديني ذي نصٍّ دعائي خاص (=«الوِرْد»)؛ وله سلطات صوفية (=«بَرْكَة»)، تجعل منه وسيطًا بين المريدين والغيب. وطاعة المُرِيد (=«طالِيب» أو «مُريدْ» بلغات إفريقيا الغربية) تجعله مرتبط بالشيخ إرتباط خضوع طوِعيّ.

ما تتميّز به الطريقة المريدية عن بقية الطُرق هو «جعلها من علاقة المعلم بالمريد نقطة انطلاق تنضبِدٍ اجتماعي ذي قاعدة اقتصادية: والتراتُبات الطريقية تأخذ بالتَّبِعَة قياداتٍ تقليدية منفجرة بتأثيرً التغلغل- الاحتلالي، لمُكوَّناتٍ في سلطة مُتمركزة دُون منازعة»، مهيمنًا ببلاد الوُلُف، وليصبح مسؤولا على قُرابة نصف الإنتاج الفُسْتُقيّ السنغالي.

2: سِياق نشأة الحركة الاجتماعية المُرِيدية:

في بداية الإسلام الوُلُفيّ، مارس الأولياء بالممالك الوُلفية دور مستشارين أو ممثلين لقادّة تلك الممالك، مع التّجار الأوربيّين حتى لا يَغْبِنوا السنغاليين، كما ساهموا في توسع الأسْلمة، لتصبح سلطتهم معادلة سلطاتِ القادّة التقليديين أحيانًا كثيرة.

لحظة بداية الانزراع الإمبريالي وانتصاب أولى المصارف التجارية بجزيرة العبيد: غُورة[2] وبالمدينة المستحدَثة: سان لُوي[3]، تزامنت مع تغيّر نوع سلطة الأولياء بحكم التراكم الزمني- الكمّي إذ أضعفت دون قَصد مسبّق تماسك النسق السياسي التقليدي التسلطي، المهدّد مِنْ قَبْل بالمعارَضة المتعاظمة من السكان. فأصبح الأولياء هم أنفسهم أصحاب سلطة سياسية مركزية، لأنهم كانوا يمثلون وعي هؤلاء السكان منذ اللحظة السياسية الاستشارية. ولذلك كان على الولاية مهمّة شاقة، جديدة، لم يتمرّسوا عليها طويلاً، كالمهمة السياسية الدّاخلية، وهي مهمّة الجهاد العسكري ضد الاحتلال العسكري الفرنسي الذي نفذه الضابط فيدرْبو[4] بأمر ملكه عام 1854.

وبذلك مثّل الإسلام للمُحتل منذ احتكاكه القَهري الأول «تجسيد المقاوَمة ضد الهيمنة الخارجية والتِّعِلّة الأفضل بهدف تدمير الدّول الوُلُفية، في الآن نفسه»[5]، محاولا أن يشقّ الحلف الجهادي المقدَّس بين «الدّامل» (= الملك في الوُلُفية) و«الولي».

بخروج قانون «الدَّامل لاطْ-دْيُور[6] عام 1882، أطلق الوليّ أحمدُ بَمْبَ (1854- 1927) دعوته الدينية، إلى التّجمع داخل البلاد وتحريم تكفير الارواحيين وقتلهم بإسم الإسلام ، ممارِسًا جاذبية لَدُنِيّة[7] على الشعب الذي وجد «عودة إلى الأمن بالطائفة القروية المُعَادُ بناؤها؛ بينما مَنَح الجُنود المرتزقة الريفيين («التِّيَادُ») الذين اصبحوا منذئذٍ دون شغل إمكانية إعادة اتخاذ مكانة بالمجتمع الريفي؛ في حين وجد أعيان الممالك القديمة بالحركة الجديدة وسيلةً لإعادة إعطاء أُسٍّ مَحليّ لنفوذهم تقريبا، حتى وإن استمروا على تقاسمها مع النخب الدينية الجديدة المنحدرة من الشرائح الأوسع بالمجتمع»[8].

وهكذا، استطاعت مِلّة الوليّ أحمد بَمْبَ «الجديدة»، أو «المجَدَّدة» بالتزامُن، أن تكون مؤوَّلة لدى الشعب بما هي مضادّةٌ للاضطهاد الاحتلالي، ونتيجةً للصراعات التكاملية الداخلية للمجتمع الوُلفي الذي عانت جماهيره الريفية طويلا تحت «الدَّوَامل». وفي تقريرٍ للحاكم الفرنسي اعتبر أنّ التغيير السياسي- الديمقراطي المريدي للمجتمع الوُلُفي غير ملائم «لنمو التجارة» الإمبريالية في إفريقيا الغربية[9]، وأنّ من الضروري تدميره منذ بدايته.

عديد العوامل ساهمت في تحويل الطريقة المُريدية إلى حركة اجتماعية تنظم الاجتماع والتوطّن الاستزراعيَّ وتوسع استزراع الفسْتق السنغالي، حول نسق نفوذٍ ممَرْكَز وشرعي ذي مِلّة صوفية «تبجّل الزّهد وإنكار الذات الشخصية»[10]. وبذلك حُمِّي ظهيرٌ جغرافي شِبْه خالٍ من الناس. وقد استفاد السَّوْق التعبوي المُريديّ من إبطال تجارة العبيد الأوروبي- الأمريكي عام 1848 إذ نقُص كثيرًا التهديد السَّوَاديّ لسكان بلاد مالي التاريخية.

بعد رجوع الشيخ أحمدُ بَمْبَ من المنفى الغابوني عام 1927، لم يُصبح يوم رجوعه يومًا مقدّسًا للأمّة فحسب، بل كان يعني قبول الإدارة الاستعمارية برِبْعة[11] الحركة الاجتماعية المُريدية وحِمويّتها ونَسقها المَعاشي، وسُمِح لها حتى بالتجارة الخارجية. وقد توسّعت المقاوَلَة المُريدية  ذات الإقتصاد الإجتماعي باتجاه الخدمات والأعمال الإدارية والبنكية، وحَدَّثَتْ نفسها باستمرار، لتُحقق نجاحًا استثنائيا بالمقارنة بإخفاق جلّ مشاريع الإصلاح بالعالم الإسلامي المعاصر لها.

3: عقيدة العمل في الحركة الاجتماعية المُريدية:

يؤكد پُول مَرْتي، إثنولوجيّ الإسلام الإفريقي، الطابع الطَّوْفي للطريقة إذ أن «الفلاح أصبح وحدة مُنتجة بالعائلة الصوفية الكبيرة»، لنجد «تعاضدية فلاحية ذات قاعدة إيمانية»[12]. كما لاحظ أنّ المشروعية التي يمنحها «الطَّاليب» (أي المريد) للشيخ «دون شرط».

دَعَا أحمدُ بَمْبَ إلى «طهارة النفس» بالعمل الكَسْبي، فعلى المُريد أن يبحث عن الاكتفاء. يقول أحمدُ بَمْبَ: «أنْ تعْمْل مَعناهُ أن تُصلي. اعْمَلُوا مِنْ أجْلي، وأنا سأدعو لكم»[13]. فالصلاة لا كمال لها إلاّ بالكَسب، ولا رضا لِلخليفة (أي الشيخ الأكبر للطريقة) على المريدين دون العمل المَعاشي. ولقد نَفَعَ حبّ المتصوّف للعُزلة والفراغ، في التعبئة المُريدية مِن أجل التوطّن في القِفار لتُسْتَصلح وتُصبح مَزارع وقُرى.

لقد أنكر أحمدُ بَمْبَ وخلفاؤه في البطالة الاختلالات الفردية والجمعية، و«عَزَوا للكسب قوّة تَطْهِيريّة، وجعلوه الأداة الأساسية في فضائل المتصوّف المُرِيدي، من التّصْفية ومن إنكار الإشباعات الوقتية، وإنكار الذات»[14]. وقد أدّى منحُ الكسب قيمة روحية إلى توسّع المجال الفلاحي الوُلُفي توسُّعًا تاريخيّا غير مسبوق.

يسمى الفستق السنغالي بالوُلُفية: كرته. وهو يحضى بتقديس الشعب السنغالي. ومن العصبية العنصرية والخطأ التعميمي أن نسمي هذا المزروع : «الفول السوداني» لأن هذا المزروع لا نجده في كل بلاد السودان لأنها مختلفة مناخا وتربة اختلافا شديدا، كما أنه  ليس هناك« فول بيضاني» . لقد بلغ حجم المساهمة المريدية في الصناعة السنغالية حوالي 70٪ .

لم يكن الشيخ أحمدُ بَمْبَ، أوّل حكيم صوفي مسلم يأخذ «إجازته»[15]، من مؤسس الإسلام (الرسول محمد) مباشرة، ليكون «قطبا». فقد سبقه إلى ذلك أبو مَدْين الغوث، وعبد القادر الجيلاني،  بل إن تجانِيّته وقادريته السابقتين هما اللتان جعلتاه مستعدًّا لذلك . فتأسيس حركة اجتماعية (كالغوثيّة) تتطلب «تِلقّيًا» و«فتْحًا»  (وراثة مباشرة)، وقد أعلن أحمد التّجاني (..17.17م.غ) أنه تلقى «إجازته» من النبي مباشرة[16]. فسرديّتا التأسيس متشابهتان. ولكن لعل ضاهرة قطبانية أحمدُ بَمْبَ أعظم من الثورة التجانية، لأنها كانت متحدية للاستعمار الفرنسي وللتقليد الديني المترسخ وللقوى الفيودالية والملكية.

كما أنّ تسميته للطريقة كانت أيضا ثورة،. فلم ينسبها لنفسها كما جرى التقليد التسْمَويُّ الطريقيُّ، بل نَسَبَها إلى «إرادة» «المُريدين»: الطريقة المُريدية. وذلك لأن الطريقة/ الحركة الاجتماعية الجديدة تقتضي الاعتماد الأول والأخير على «المُريد» في تصفية الذات الفردية والجماعية، وفي مُراكمَة الخَلاق الاقتصادي (الثروة المعاشية) من أجل الاستقلال الذاتي من المستعمِر على طريق طويل نحو السيادة الوطنية. وبذلك نال السنغاليون استقلالهم الرمزي قبل عقود من إعلان الاستقلال.

وقد أكّد ذلك بإعلانه أنه مهدَّد بـ«الغَيْبة»[17]، في اصطلاحه، أي السجن الإمبرياليّ والنفي والإقامة الجبرية. فابتعاده القسري عن «المُريد» يقتضي منه التعامل معه «غيْبًا»، طالبا من المريد الإعتماد على نفسه قبل كل شيء. مستعيرا هذا التقليد («الغيبة») من التشيّع الإثني عشري. وقد وقف ابن خلدون على التقارب البنيوي: الصوفي-الشيعي [18] .

و يذكّرنا دَورُ أحمدُ بَمْبَ التنظيمي- المقاولي بدور الوزير/ النبي يوسف الذي كان منقذ الدّولة المصرية من المجاعة القادمة والفقر، عن طريق «الدَّأْب الزراعي» و«الإحْصَان» (الادخار والتحصين)، والتخطيط على مدى طويل :﴿قالَ تَزرَعونَ سَبعَ سِنينَ دَأَبًا فَما حَصَدتُم فَذَروهُ في سُنبُلِهِ إِلّا قَليلًا مِمّا تَأكُلونَ ﴿47﴾ ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ سَبعٌ شِدادٌ يَأكُلنَ ما قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلّا قَليلًا مِمّا تُحصِنونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ عامٌ فيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفيهِ يَعصِرونَ﴾ (سورة يوسف، الآيات: 47، 48)[19].

كما يذكرنا بالإدارة الاقتصادية التي قامت بها بتول الهاشمية تحت مُلك أبيها. فالنزعة الاجتماعية- المعاشية  لأحمدُ بَمْبَ ليس بالابتداع في السياق المسلم، إذ نجدها منذ الإسلام المبكِّر.

يستعيد الشيخ بَمْبَ دائما قول النبي محمد: «اِعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واِعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»[20]. وبذلك جعل المتصوف فاعلاً هامًّا في التقدم الاجتماعي والترقي الفردي والاكتفاء الوطني. ولذلك رَجَّ خطابُ أحمدُ بَمْبَ الطبقات المنغلقَة، وتجاوز سيَاسَوية الإصلاحية الإسلامية في الوطن العربي والاسلامي ونخبويتها.

وليستْ علاقة  «الطَّالِيب» أصلا، بـ«الخليفة» عبودية، وإنما هي علاقة عقد عاطفي[21]. ولا يمكن هنا أن نطابق الروح البروستنتية بالروح الإنتاجية والتوزيعية المُريدية، إذْ أن الرأسمالية المبكّرة كانت منذ البداية لا علاقة لها بالشخصية الدينية. فالمنظِّمُ مجرَّدُ مقاوِلٍ دنيوي، أما في التنظيم المَعاشي المُريديَّ فالمنظِّمُ هو وريثُ النبوة المحمدية، صاحب «بركةِ» تزيد في الإنتاج. ومن الأكيد أن حقوق المنتِج/ العامل بالمقاوَلة الرأسمالية الأوروبية أقل بكثير من حقوق المنتجِ/ العامل بالمقاوَلة المريدية. وتلك «البَرَكة» لا تُغْني مطلقا  عن النظر الموضوعي للأشياء ودنيوية المجال الكسْبي؛ أمّا المنظِّم والعامل في الرأسمالية البروتستنتية فلا علاقة لهما بأي عقد عاطفي- روحاني. ولا يمكن لنا أن نُطابق «البَركة» بالقدرة السحرية، لأن «الطَّالِيب» مطالَبٌ بالبحث الموضوعي والتحديث أوَّلاً، فـَ«السِّحر» عنده محَرَّم. وبذلك يكون النجاح الاقتصادي مَطْلبا أخرويًّا لـ«الطاليب». فالهزيمة العسكرية أمام المحتل الأوروبي، جعلت احمد بمب يبحث عن انتصارٍ مَعاشيّ واستقلالٍ ممكن: في الغذاء والعمل، وبذلك لنْ يكون إلغاء العبودية الجسدية مَعْبَرًا للأوروبي المهيمن نحو العبودية المَعاشية. وبذلك كان «الطَّاليب» المُريديُّ أكثر إنتاجية وإبداعية من «الطَّاليب» التِّجاني حسب بعض الدراسات الإحصائية والإثنغرافية[22].

يصور الشيخ محمد الأمين جوب (توفي 1968) السَّوْق التربوي لأحمدُ بَمْبَ : الروحاني-الشغلي:(=الإستخدامي) «ثم أمر بتربيتهم بالهمة ووافقوه على ذلك . فسار بهم على منهاج الرياضة بالتجويع والاستخدام الكثير ، والحمل على الذكر الكثير بالهيللة والقصائد ودوام الطهارة »[23] فلقد أوصاه الرسول مباشرة في اليقضة بأن تكون تربيته لهم بالممارسة لا بالنظري: « رَبِّ اصحابك بالهمة، ولا تربهم بالدرس»[24]

يقولُ أحمدُ بَمْبَ في إحدى أراجيزه: « خلق الجسد من أجل إنجاز العمل الذي أمر به الله، فالقلب مخلوق من أجل التفكير، واللسان من أجل ذكر الله، والجسد من أجل العمل حيثُ ماهُو مأمورٌ به»[25].

وهو يؤكد أنّ الوليّ مطالبٌ بدعوة الناس إلى خمسة آداب: «تجنب ماهو محرَّم، وإتقانُ العمل، وشكر الله تعالى، وتربية تفكيره بهذه العالم نحو العالم المستقبليّ، وأن يكون مثابر»[26].

وهو يؤكد في نص آخر فلاحه: «لمَّا أُجعل فَوْقَ أعدائي، إلى درجة أن الأشرار والأخيار يكونون لي مُنقادين، وأنْ أصبح سعيدًا بالعَاشِق إلى الأبد، وأن أعمل أثرًا يُسِرُّ الله تعالى»[27]. وجعله فوق «أعدائه» الإمبرياليين- الفرنسيين يعني أن يكون عنهم مستقلاً في حِمَويّته وغذائه ومَعاشه، إلى درجة أن يصبحوا معه « مُنقادين»، هو الذي سيجعله يصلُ إلى مُبتغاهُ النهائي وهو «السعادة»[28].

إنه لا يَتوانى حتى عن الدعوة التوقيفية للعمل، أي لشكليّته أيضا:

«إنّني أؤدِّبُ كل مريدَيَّ،

في بيتي دونَ مَنٍّ،

أن يكونوا بِالْبَرّ، أو يكونوا بحَّارة،

اِجعلوا من الأرض بَحْرًا، محيطًا مِن خَير»[29].

إنه ليس قارّيًّا، منعزلاً أـو محليّا ضيقًا، فهو يريدُ منهم أن يكونوا عالميّين، لكل الأرض.

للمنخرط بالطريقة المريدية عديد التقدمات الماليّة وهي «زهيدة»، ولكنْ بتكرارها الكثير، لدى الفرد ولدى الجماعة، تصبح ذات حجم كبير. ومنها: «الزّيارة» التي تقَدَّمُ في كل زيارة للولي الحيّ أو الوليّ الميّت؛ و«الهَدية» التي تُقدم لـ«الخليفة» يحتفظ بها في  الـ« تَكْ- دِر»[30] و«الدَّارَة»[31].وهناك يوم عمل فلاحي مخصّص للخليفة والجماعة إسمه: «حَقْل يوم الأربعاء»

4: الحِمَوية المُريدية: مدينة طُوبى:

لقد بني في حياة الشيخ المؤسس اكثر من ألف قرية

«طُوبى» في العربية هي «الحُسنى» وعند بعض المفسرين للقرآن «نهر في الجنة»، أو «العيش الطيب»[32].

وهي في الاستعمال الصوفي- العرفاني «الوصول إلى الفطرة وكمال الصفات»[33]. فهي في إبْداع الشيخ أحمدُ بَمْبَ: حِمَى البحث الطريقي عن الاجتماعية التكامُلية.

لقد كان ميلاد الحركة الاجتماعية المُريدية استجابة متدينة للأزمة الاجتماعية لبلاد مالي الكبرى، وخاصة الأزمة الاجتماعية الوُلُفية أمام احتداد التناقضات داخل الاجتماع العام الوُلْفي وتفاقم التغلغل الإمبريالي الفرنسي. فكان الإسلام الاجتماعي المناضل سِنَاد مِلَّةٍ تحريرية للجماهير الريفية.

كان «اللقاء الروحي» الأول بالنبي الذي أخبر عنه الوليُّ المؤسس لهذه الحركة الاجتماعية، عام 1895 بطُوبى، والثاني عام 1905، هو التاريخ المتجدد لإعلان الوِرْد المؤسس للطريقة، فكل طريقة لا تتأسس إلا بوِرْد جديد يُعلن الولاية الجديدة، وكان ذلك ببلدة «سَرْسَرة» في بلاد شنقيط (أو «موريتانيا» كما سمَّاها المحتل)[34].

اِلتقى في الشيخ أحمدُ بَمْبَ التصوّف والحكمة السياسية لإفريقيا الغربية[35] الحاملين للرِّيبة تجاه الأمير وللقطيعة تجاه المحتل. وهذا ما انعكس في مشروعه الحِمَويّ (طُوبى)، إذ كانت مشروع التكريس الفضائي للرّبعة تجاه المحتل، ثم تجاه الدّولة الوطنية. فكانت «نقطة التوحيد لِحِمًى رمزي الذي انبنى بدايةً بالامتداد، عَبْر الأفعال المنخرطة فوق هذا الحِمَى، لا يمكن لها أن تملك كل معناها إلا إذا انعكست فوق فضاء»[36]. ولذلك ينبغي البحث في الوظائف الوِلائية الأخرى كمُكَوّنات السِّوَاق الجُملية التي لها غائية إسقاط اللّدُنية الشخصية أو النَّسبية على طُوبَى. فهذه المدينة، هي في الآن نفسه وسيلة وغاية. إذ عَبْر خُلفاء الأحياء، وهم الأكبر سنًّا في أعقاب الشيخ المؤسس، الذين يراقبون الفضاء الحضري، يصبح كل واحد فيهم في الآن نفسه الخليفة العام بمؤسسات التدبير المالي.

لقد أصبحت الجماهير المُريدية بطُوبى مجتمعًا حضريا متعقدا، أكثر فأكثر، لتبرز فيه كثرةُ من الفاعلين ومِن المَنْطِقيّات الجديدة أو المُجَدَّدة التي تبحث عن تغيير التنظيم الاجتماعي-الديني[37].

إن طُوبى ذاكرة منظّمة، حيث «الرموز المقدَّسة للطريقة تتمركز للانغلاق أفضل وللتدافق»[38].

وهذا الفضاء الحضري يتقسَّم حسب المَنْطِقيات التي تحملها التمثلات المختلفة لدى الفاعلين المتنوعين.

وقد سمح مبدأ التوقع لهذه الحِصص الضخمة بالتحام الفضاء الحضري ومَنْحِه قِيمةً بنموذج. وقد كان بهذه المدينة الاتجاه نحو الـمُجَانَسَة[39]، «عبر التيْبيس [الطيني] والتَّسْنين. والنمو السَّواديُّ هنا قويٌّ وسريعٌ، باستثنائية، مُنذ عدّة عقود/ لتصبح مدينة كبرى جديدة. ولكنّ التغيّبية التي فيها أعْلَى تغيبيةٍ بالمدن السنغالية[40].

وهي حسب كل مكوّنات الطريقة اختيارٌ امتيازي، تُبْتكَرُ فيه أشكالٌ جديدة من التمدِّن، والحوارِ والاجتماعيةِ. إنها تبدو ملاذًا «يَجعل قِيما جديدة في الضوء وروحًا جديدة تَحُوطُ بنْيَتِها المعَيش الاجتماعي وتؤطِّره على فضاء مَوْعود أكثر فأكثر بالتأهيل»[41]، لتكون طريقا ممتازة للاندراج الاجتماعي.

كان المشروع التَّحْمَوي لأحمدُ بَمْبَ «أن يُنْشِئ مكان مَرجعيةٍ دينيةٍ، وملاذا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيّا»[42] خارج هيمنة المحتل الفرنسي، وبديلاً جذريًّا عن اجتماعيّة «الدّامل» التي يراها «قهْريّة» بالمعنى الديني. ولايُطابق ذلك المشروع التّحموي  بِطُوبَى، ولكنْ بالأقلِّ يحقق الكثير منه.

لقد عدَّل الفضاء الحضري في الطريقة. فالانفجار الحضري وإسقاط الطريقة على الفضاء، «هما المفعلان ومحدِّدا الرهانات الجديدة للمدينة»[43]. ومِن الأكيد أن الجوهر الديني للمُريدية قد تبدَّل نِسْبيًّا بالتحولات التمدُّنية.

لقد قرَّر الشيخ المؤسِّس أن تكون هذه المدينة مدينة يحكمها «الخلِيفة» دون أن يظهر دائما، ودون أن تكون فيها الشرطة والحراسة والعنف الشرعي والزجر والعقاب، بل كل صرامة في تطبيق القانون. كان يريدها أن تكون مدينة تحْكُمُها القِيَم و«الضمائر المتطهّرة» أي الداخل الباطني لا الخارج القَمْعي حتى إن كان شرعيًّا. ولذلك كان «النسق الطُّوبَويُّ مبَجّلاً التسامحَ بَدَلاً عن العقاب»[44]. وذلك في تناقض مطلق مع المدن التي أسستها السلفية الجهادية في شمال العراق وشمال سوريا حيث نجد الرئيس  ضاهرا بفقاعة، حيث نجد العنف الشرعي والقمع  العقابي مبجلين وحيث لا وجود للتجربة الدينية الفردية الحرة.

ولقد كانت طُوبى دائما الأقل عنفا، وذات الجُرْمية الضعيفة جدًّا، بل الأضعف باستثنائية، والأضعف سرقاتٍ باستثنائية، في كامل السنغال. صحيحٌ أن ذلك شجّع الكثير من ذوي الجُنح والجرائم على اللجوء إليها، لأنهم يعلمون أن الدولة لا حق لها في تتبّعهم إذا دخلوا إلى حِمَاها[45]؛ ولكنْ من العجيب أن ثلثيهم منذ عقود ثلاثة يذوبون داخل الاجتماعية الطُوبَوية، ليصبحوا من الأقلية غير الوُلْفية بالسَّواد المُرِيديّ، فتتغيّر مسلكيّتهم الإجتماعية بصفة جذرية عمومًا.

تُقايضُ الدولةُ مدينة طُوبَى، فهي تأخذ منها الدعم السياسي (بل أكثر المترشحين بالانتخابات الوطنية  يفعلون ذلك معها ) مقابل استثمارات لها بها. ولكنَّ الطريقة «تبدو مُحْسنة للمُناورة، من أجْل المحايَدة عن المراقبة الانتخابية، وحِفْظِ رِبْعَتِها»[46]. ولكنها تُمثِّل موضوعيًّا سلطة مضادةٍ تدّينيةٍ، وربما حتى عِرقية[47].

بِموسم الزيارة المُريدية الُعظمى، «المَغَال»[48]، لا نجد مجرّد مَوسم ديني بالمعنى الحصري، بل هو إعادة احتفال  بعودة الشيخ المؤسّس عام 1895 من «الغيْبة» الكبرى/ المنفى الغابوني فحسب، بل هو مَوسمٌ اقتصادي- تبادُليّ، وموسمٌ سياحي، وطني بل أصبح موسمًا يستقطب السُّياح (من مختلف الأديان) والمتصوفة (من أهل السنّة ومن الشِيعة أيضا ) من كامل أنحاء العالم.

خاتمة:

للماليّين التاريخيين (أي سكان إفريقيا الغربية عمومًا) تجربة تاريخية قديمة بالدولة، أقْدم من معرفة الرومان بها. ولهم طموحٌ عالَمِي، وإصرارٌ تاريخي على الاستقلالية. وقد تجلّى ذلك مثلاً في  اكتشاف سلطان مَالي المتخلّي عن السلطة: مَنْسَا محمد القارّةَ الأمريكية بنفسه عام 1311 م.غ[49].

إسلامهم عريق، وقد كان ضمن تحوّل عميق غير واعٍ، نظرًا لتشابه التجريدية والتوحيدية بين «العقيدتين»: الأرواحية والإسلامية.

مع الوُلفية، نجد إسلامًا مناضلا، ذا إِمَّةٍ اقتصادية- اجتماعية تنبني على جعل السعي من أجل استقلال الأمّة من أهم العبادات، وتعليق ذلك على طاعة الوليّ المحرّض على الكَسْب والإنتاج من أجل الاستقلال الغذائي والكرامة الفردية والشعبية. ذلك المحتوى الاجتماعي- الاقتصادي هو الذي جعل الشعب السنغالي يبدأ طريق الاستقلال الطويل باستقلاله المعاشي والتحضري عن المحتل الفرنسي.

وهذا ما جعل نسبة المساهمة المُريدية في الاقتصاد السنغالي متعاظمة كَمَّا وكيفا. على عكس شعوب إفريقيا الشمالية التي أقامت قطيعةً مع الحركة الاجتماعية الغَوْثية فالشاذلية والتجانية التي أسست اجتماعًا يُشبه الاجتماع المُريدي خاصة في القرى والأرياف.

لكنّ الاجتماعية المُريدية عجزت عن كَسْر الطَّوْق الطَّوْفيّ، فالمُريدية- من سوء حظها ودون قصد منها- تُطابق موضوعيًّا الوُلُفيّة، بل نلاحظ تركيبا أحيانا على الإنتقال الجنوسي بالإعتزال «خصوصا {عن } النساء» [50].

فلقد صنعت التقاليد الطُّرُقية أسوارًا تجعل عقيدة العمل الوُلفية غير قابلة لاختراقها. كما أنّ شيوخ الطريقة الوُلفية موصومين بإعادة تدوير عائداتهم «بطريقة غير مُنتجة، في استصلاح منازلهم وجَرْي على مصاريف مفروضة عليهم لتغطية نفقاتهم. وقليلٌ منها [فحسب]، اقتطعوا ......  من انتمائهم للجماعة القيادية الطريقية للاندراج بالتنظيم التعاضدي أو الحصول على منافع قِوَاميّة مباشرة للإدارة المركزية، ومن ثمَّة جَعْل ادخار مُنتج قابل لأن يكون مستثمرًا في القطاعات الحديثة للاقتصاد»[51]. كما أنّ أكثر الشيوخ، وكل «الخلفاء» هم من النسب المباشر لأحمد بَمْبَ، وهذا ما يجعل الوِراثية- التقليدية خادِشةً في اللَّدُنيّة مَبْدَئيًّا. كما يُلاحظ بعض الدارسين صراعات نفوذ بين تلك الأكثرية من الشيوخ[52].

لا نستطيع أنْ نَسمَ الاقتصاد الاجتماعي للطريقة المُريدية بـ«رأسمالية تُخومية»، كما يذهب رُوشتُو[53]، ولكنها حركة تعاضدية ذات ملامح تعاوُنية وديمقراطية، ومُحَدثة باستمرار رغم تهديدها بالسلطة الوراثية ومن تحوّل المُنظِّم/ الشيخ إلى شِبه مُقاولٍ ينزع إلى التشبه بالرأسماليّ الأوروبيّ مكبَّلاً بالتقاليد الطريقية التي تمنعه من فائض القيمة فيتحايل عليها بالبخْسِ الاقتطاعيّ الزهيد ولكنه متراكمٌ.

ما زال للطريقة المُريدية مشروعيتها، فرئيس الجمهورية مُطالبٌ برَفْد مشروعيته الانتخابية بالمشروعية الخليفية، بزيارة طُوبى، عاصمة المُريديّين، ومقر «الخليفة»، ومَثْوى الولي أحمدُ بَمْبَ. ولقد استطاع مثقف حَداثيّ مُنتمٍ إلى الطريقة المُريدية، عَبْدُولايْ وَادِ، أن يصل إلى رئاسة الجمهورية بين عامي 2000 و2012، بعد أن كان معارِضًا شرسًا منذ عهد ليوپولد سيدار سِنْغور. لم يمارس انتقاما من مضطهديه سابقا، وكرَّس اللامركزية (بحكم تقاليِد الرِّبْعة في التجربة التاريخية المُريدية) والنمو الاقتصادي باتجاه الداخل الوطني باعتنائه بالبنى التحتية خاصة، وإصلاح الإدارة. وقد كان لذلك نتائجه الاقتصادية المباشرة، إذ هو من المعادين للتداين الخارجي.

***

لكنْ مازَال أمام الحركة الاجتماعية المُريدية طريق طويل أمام الاندماج الثقافي والاقتصادي الوطنيّ، وفي الصراع ضد الفقر، لا في الحِمى المُريدي، فحسب، بل في كل الحِمى الوطني، حتى لا تكون هذه الحركة الاجتماعية طائفية مِن ذاتِها أو محَاصَرة حتى تكون كذلك.

ومازالت في حاجة إلى مزيد الحداثية والراهنية، حتى تكون سليلة أحمدُ بَمْبَ فعلا، في بحثه عن  «خِرْقَة» محمدية مباشِرة، لا خِرقة موروثة عن السلف، فهذه الحركة الاجتماعية جاءَتْها فُرصة التجديد على يد حفيد أحمَدُ بَمْبَ وسليل الحِكمة التصوفية المُريدية: شَيخ عَنْتَ جُوب. فإذا كانت هذه الحركة الاجتماعية منسوبة إلى «المُريد» وخلاَّفيّته، لا إلى شيخها- رغم أنه هو مُؤسّسها-، فقد كان ينبغي عليها لتبقى كذلك أن تتمثَّل الإنسانية المحدَّثة لشيخ عَنْتَ جُوبْ واتساع أفقه التغييري-الثوري باتجاه الدولة الإيلافية الإفريقية، وباتجاه تعميق العدالة الاجتماعية.

ويبقى التحدّي الأكبر أمام إنسانية هذه الحركة الاجتماعية، هو صَمْتُها غير المُبرَّر أمام وجود قاعدة عسكرية أمريكية بالبلاد[54]، وبالنيجر وبالصُومال، بينما الولايات المتحدة الأمريكية كانت حليفة لدولة جنوب إفريقيا ذات العصبية العنصرية، والحليف الأهم لدولة الأبارّْتَايد الصهيونية، وصمتها أمام وجود سفارة «إسرائيلية» في دَكَار.

 

د.

...........................

[1] . ليس هناك مَدٌّ في آخر الكلمات بلغات إفريقيا الغربية، بل هي حركاتٌ، فليس هناك فيها وُقوف على السكون: إنها لغات إعرابية.

[2] . جزيرة غورَة( بإمالة الراء) قبالة الساحل السنغالي كان فيها يُجمّع النّخاسون الأوروبيون المُختَطفين من سكان إفريقيا الغربية، لـ «يُصَدَّرُوا» في ظروف قاسية (أدّت إلى غرق أكثرهم) إلى القارتين: الأمريكية والأوروبية.

[3] . سانْ لْوي: المقدّس لوي: هو ملك دنيوي وليس مقدّسا كاسْمه، قاد الحملة الصليبية على تونس.

[4] . فيدَرْب: Faidherbe

[5] . روشتُو(غ)، م. س، ص 2.

[6] . لاَطْ- دْيورْ نْكَوُنِه لاَطير جُوپ (1842- 1886) دامل بلاد كَيُور (1871- 1883)، استشهد عام 1886 في قتاله ضد الغازي الفرنسي.

[7] . اللّدُنيّة: Charismatisme ، Charismatism : من مفاهيم علم الاجتماع الفيبري.

[8] . م. س.

[9] . رُوستُو (غ)، م. س، ص 4.

[10] . روستُو (غ)، م. س، ص 4.

[11] . الرّبْعة: Autonomie، Autonomy.

[12] . Marty (P), Etudes sur l’Islam générale, Collec de la revudu monde musulman / Ernert Lerousc, Paris, 1917, Tome2, chap.2.

[13] . Brochier (J), La diffusion du progrés technique en milieu rural sénégalais, PUF, Paris, 1968, p.142.

[14] . Couty (PH), « la doctrine du travail chez les mourides »,in : maintenance sociale et changement économique chez les mourides, ORSTOM, Paris, 1972,p.72.

[15]  «الإجازة» هي اعتراف شيخ قائم بأهلية  مريد له على المشيخة في حياته أو بَعدَها. ولها طرق عديدة .

[16]  راجع: حرازم (علي)، جواهر المعاني في فيض سيدي أبي العباس التّجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007، ص. 43

[17]  من ذلك هذا البيت: في الغيبة الثانية التي حَبا ** بها البَيَاضين الإلَهُ مَرْحَبا [حُوب الدكَاني (محمد الأمين)، إرواء النعيم من عذب حب الخديم، الرابطة الخديمية ، طُوبى، 2017، ص.175.]

[18]  ابن خلدون فقد مر الشيخ ،حسب نصه الشعري ب«غيبة صغرى»(بموريتانيا) و«غيبة كبرى»بجزيرة في المحيط الاطلسي بالغابون

[19]  كان ماكس فيبر متمكّنا جدّا من العهدَيْن القديم والجديد لكي يستطيع تفهّمَ السلوكِ الاقتصادي البروتستنتي واليهودي.

[20]  الحديث لَمْ يَرْوه أحدُ عن النبي، جاء في بعض المسانيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرى عن علي بن أبي طالب ولكنْ هناك ما يُشْبِهُهُ في حديث النبي.

[21]  يرتكس پول مَرْتِي أحيانا إلى صفته بماهو رجل دين «مُبَشِّر» لِيَتّهم دون بحث علميّ علاقة «الطاليب» المريديّ بشيخه بأنها عبودية.

[22]  Couty (PH), « la doctrine du travail chez les mourides »,……..p. 32.

[23]  جوب الدكاني(محمد الأمين)، م.م. ص85.

[24]  م.س.ص.77.

[25] Dumont,………, 1968, P.369.

[26]  م.س.

[27] Dumont,………. , 1966. P.391.

[28]  قارن هنا بدراستنا عن «الحركة الاجتماعية الغَوثية» الصادرة عن الكتاب الجماعي للجمعية التونسية للدراسات الصوفية.

[29] Dumont,……, p. 193.

[30]  «تَكْ- دِرْ»: التِّكَّةُ (= مَشْبك الحِزام). الاستعارة من العربية هنا واضحة.

[31]  «الدّارة»: تعن «المدرسة القرآنية»، وتعني لدى المُريدية التي تكرّس نفسها للعمل الفلاحي تطوّعا دون طلب للمقابل المالي.

[32]  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، المجلد 1، ص. 123.

[33]  ابن عربي، تفسير القرآن الكريم، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001، ص. 366.

[34] Cheikh Guéye, Touba, Karthala, Paris, 2002, p. 40.

[35] الحِكمة السياسية لإفريقيا الشرقية حِكْمَات: حكمة الحبشة '(النجاشي أصحمة الثاني، زارا يعقوب)، وحكمة البانتُو، وحكمة النوبة (التي منها السيدة سَكَن النوبية)، وهي متمايزة عن حكمة إفريقيا الغربية.

[36] غِيّيه (شيخ)، م. س، ص. 195.

[37] م. س، ص. 304.

[38]  م. س، ص.394.

[39]  المُجَانسة: Homogéniation

[40]  شيخ غِييّه، م. س، ص 501.

[41]  م. س، ص. 448.

[42]  م. س، ص. 491.

[43]  م. س، ص. 397.

[44]  م. س، ص. 499.

[45]  ... على عكس الدولة السعودية التي تسْمح لنفسها بالقبض على ذوي الجُنح والمجرمين حتى داخل الكعبة أو متعلقين بأستارها أو بالحرم المحمّدي.

[46]  غِييّه (شيخ)، م. س، ص. 305.

[47]  م. س.

[48]  «مَغَال» بالوُلُفية أصْلاً: الاحتفال.

[49]  أكد كولمبوس في مذكِّرات له أن الماليين سبقوه في اكتشاف القارّة الأمريكية، وأنهم تعلموا صَهر الذهب ودمجه بالعناصر الأخرى مِنهم، وأنه وَجَد مَنْ يُشبهون الماليين بالقارّة.

[50]  جوب الدكاني (محمد الأمين)، م.م.ص.85.

[51]  رُوشتُو (غ)، م.م، ص. 24.

[52]  م. س، ص. 25.

[53]  م. س.

[54]  ...................

 

 

ميثم الجنابيإن بقايا البراكين سوداوية الألوان متعرجة المظاهر. وهي المفارقة التي تجسد إحدى حقائق الوجود الكبرى القائلة، بأن الاحتراق ليس حريقا فقط، بل ودفئ ورماد! والأول يحيا في إثارة الذوق وهواجس الضمير، بينما تلعب في الثاني رياح الذاكرة وأمواج الزمن. ونعثر على هذه الصورة في مظاهر أبي عبيدة وملامحه الفارقة، وأثره في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أبو عبيدة زنجيا أصيب بالعمى آخر حياته، مهنته صنع القفاف من سعف النخيل، لهذا لقبوه بالقفاف[1]. من هنا تلاشي مظاهره الفارقة بأثر الرياح العاتية للزمن وبقاء ألوانه المثيرة في زخارف التنظيم الفكري والعقلي للحركات الاجتماعية والسياسية الإسلامية الإنسانية، وفي تجاعيد الوجوه العبوسة للإمامة الجائرة.

وما بين هاتين الظاهرتين تراكمت شخصيته وأثرها الثقافي العام. فهو شأن الشخصيات الطبيعية الكبرى لتلك المرحلة، تولد مجهولة الهوية لتنتهي في سلسلة التاريخ الروحي بوصفها إحدى حلقاته اللامعة. وليس مصادفة ألا نعرف سنة ولادته، لأنها جزء من زمن مجهول. أما موته فقد أثار بما في ذلك الخليفة أبو جعفر المنصور بحيث نراه يستغرب موته قائلا: "أو قد مات؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت الاباضية!"[2] وليس معرفة سنة وفاته سوى الإشارة المقلوبة لدخوله تاريخ الوعي والثقافة، ومن ثم علامة على دخوله عالم الروح. أما الأبعاد الوجودية لوحدة التاريخ والروح في شخصيته، فقد تراوحت ما بين أربعينيات القرن الأول الهجري ومنتف القرن الثاني. وإذا أخذنا الصيغة الأكثر انتشارا لها أي ولادته عام 45 للهجرة ووفاته عام 145، فان أبو عبيدة يكون قد لازم القرن الأكثر فاعلية واحترابا في صيرورة الخلافة الإسلامية والدولة الإمبراطورية والخلافة الإمبراطورية[3].

فقد لازمت صيرورته الفردية صعود الخوارج وفوران تأثيرهم ونشاطهم السياسي والعقائدي. إذ ينقل عنه مشاركته الجلوس في مجلس أبـي بلال مرداس بن جدير[4]. وإذا كانت وفاة أبي بلال مرداس بن جدير سنة (61 للهجرة) فان ولادة أبو عبيدة هي على الأقرب في أربعينيات القرن الأول. انطلاقا من أن الخامسة عشر من العمر هو سن التمييز والمجالسة بالنسبة لتقاليد المرحلة[5]. بينما يجري التأكيد اليقيني لاحقا من انه كان كبير تلاميذ جابر بن زيد. وهي تلمذة وجدت تعبيرها التام في تبلور شخصيته العلمية التي جعلت منه نموذجا "للعالم الزاهد، المتواضع مع نيل الدرجات العليا".[6] وهي درجة ما كان بإمكانه بلوغها لولا تميزه بالذكاء والكفاءة في التنظير وحسن التدبير، الذي وجد انعكاسه في تحول الخوارج إلى حركة إسلامية كبرى في هيئة الاباضية. بمعنى جمعه بين الأصالة في الشخصية والعلم والعمل، بحيث جعلت منه احد مصادر الثقة والاطمئنان.

لقد حقق أبو عبيدة في شخصيته نموذج الخوارج الأوائل في الاطمئنان لليقين الخالص وخالص اليقين، الذي جعل من شخصياتهم أعلاما في ميدان الثقة والصدق. لهذا قيل عنه بأنه "كان من الثقاة لا يشك في كلامه"[7]. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعتبره الجاحظ احد الخطباء البلغاء. ويعني هذا الوصف في منظومة الجاحظ القيميية بلوغ ذروة الأصالة العربية الإسلامية. فالعروبة بالنسبة له هي ذروة اللغة والبلاغة. غير أن حقيقة البلاغة التي بلغها أبو عبيدة تقوم في بلوغ الفكرة الخارجية صيغتها العملية المعتدلة. وهو الإبداع الأشد تعقيدا بالنسبة للفكر النظري والعملي في مراحل الانتقال العاصفة. وليس مصادفة أن تتناسب في شخصيته وحدة التشدد في ميدان الحقيقة والمبادئ ولين العريكة في معاملة الناس أجمعين. وهو تناسب يشير إلى روح الاعتدال وفكرة الوسط العقلانية في شخصيته الفكرية.

إن توحيد روح الاعتدال وفكرة الوسط هو التعبير النموذجي عن تأسيس فكرة الاعتدال التاريخية التي إثارة في بادئ الأمر حدة الإرادة الإنسانية الفاعلة بمعايير الإلوهية المتسامية. وهي الحالة التي أدخلت الخوارج في زوبعة المواجهة العنيفة للرذيلة السياسية والانحطاط الأخلاقي للسلطة وحاشيتها. لكنها أجبرتهم بفعل الثقل التاريخي للدولة الإمبراطورية والهواجس الغريزية للجسد ومتطلباته اليومية للعوام إلى الانكفاء التدريجي والخروج لاحقا بفكرة الوسط والاعتدال. بمعنى البقاء ضمن الإقرار بفاعلية الأبد الإلهي في الوجود الدائم، والمسئولية الأبدية للمرء تجاه كل ما يجري ويسري في الظاهر والباطن. وعبّر عن هذه الفكرة مرة أبو عبيدة في نقاش حول قضايا الجبر والاختيار. فقد أجاب على سؤال:

هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟

ما اعلم أن الله جبر العباد على طاعته أو معصيته. ولو كنت قائلا إن الله جبر أحدا، لقلت جبر أهل التقوى على التقوى.

العلم (الإلهي) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟

لا! ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، وكان منهم ما علم الله.[8]

. وعندما قيل له مرة

لا يستطيع الكافر الإيمان

لا أقول أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلي ركعتين، ولا أقول انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله.

والشيء نفسه يمكن رؤيته على مثال عدد من الصيغ النموذجية لجدل المرحلة. فعندما قال له احد (المعتزلة)

هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟

لا!

هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟

إذا شئت!

وعادة ما تورد كتب الاباضية النادرة الأكثر إثارة عن نادرة الجدل الذي جرى بينه وبين واصل بن عطاء ممثل القدرية الأول والأكبر. فهي تحكي لنا عن كيفي التقاءهما في البيت الحرام، وكيف أن واصل سأله:

أنت أبو عبيدة؟

نعم!

أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟

ما كذا قلت؛ لكن قلت، إن الله يعذب على المقدور. لكن ألست أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعصى بالاستكراه؟

فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. وعندما لامه أصحابه على سكوته أجاب "ويحكم بنيت بناءاً منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم"[9]. ومهما يكن من أمر هذه النادرة، فان مضمونها الفعلي يقوم ليس في إبراز الصيغة الجميلة للقدرة المتنامية والهائلة لأبي عبيد في إفحام الآخرين، بقدر ما أنها تحتوي على معالم التأسيس والتميز المتزايدين في تنظيم فكرة الحد الوسط والاعتدال. وهو الانجاز التاريخي الكبير لأبي عبيدة ضمن تقاليد الخوارج التي تطابق نشوءها وصيرورتها وكينونتها التاريخية والسياسية والعقائدية مع قيم الغلو والتطرف.

إن الصورة المتراكمة عن نقاء الجدل العقلي والقدرة الهائلة لبلاغة أبي عبيدة هي الاستمرار المتجدد للتقاليد التي أرساها أستاذه جابر بن أبي زيد. فقد أسس الأخير لأسلوب الجدل الهادئ والتدرج في إقناع الخصم. وهو جدل لا يخرج بمعاييره عن أولويات الإيمان واليقين الملزمة للعقل "النظيف" من أدران السياسة العفنة للسلطة الجائرة، لكنه يحتوي بالقدر ذاته على تجديد المضمون التاريخي للفكرة والإيمان بالشكل الذي يجعل قادرا على تذليل وكسر شوكة الجمود والغلو. وتحتفظ لنا كتب التاريخ المتخصصة بالخوارج نماذج من هذا الجدل، مثل تلك الحالة التي أراد بعض الخوارج استفهام جابر بصدد القضايا المختلف عليها، وبالأخص قضية تحريم دماء المسلمين. فعندما قال لهم:

أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟

نعم!

وحرم البراءة منهم بدين؟

نعم!

أو ليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟

بلى!

وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟

نعم!

هل أحل ما بعد هذا بدين؟

فسكتوا! لقد أوصلهم إلى فكرة الحد الوسط والاعتدال الملازمة لمسار الرؤية الواقعية والإنسانية عن أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن الموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه لا يكون ذلك كافياً لاستحلال ماله وسبي نسائه وأطفاله. بمعنى البقاء ضمن "إرادة الأزل" وتحكيم العقل والرؤية الإنسانية في الموقف من النفس والجماعة والأمة والبشر. وتمثل أبو عبيدة هذه القواعد ودفعها إلى غايتها القصوى من خلال تحويل الجدل إلى مؤسسة الإنتاج المكثف للفكر والنظام والدولة، بحيث ارتبطت هذه المهمة بشخصيته ومن خلالها استطاع تحقيق مرجعيات الروح الثقافي. وليس مصادفة أن ترتبط بشخصيته تربية رجال "الاباضية" الكبار من مختلف أمصار الخلافة الدولة الإمبراطورية[10]. بحيث أصبح هو معهد إنتاج رجال الدعوة الفكرية والسياسية للخوارج.

وضمن هذا السياق يمكن اعتباره من أوائل الشخصيات الفكرية والتنظيمية الكبرى في التقاليد العربية الإسلامية التي استطاعت أن توحد في ذاتها الفكرة التنظيمية والسياسية بمعايير الاعتدال الفكري والعملي. إذ تمثل هذا التوحيد أيضا التقاليد التي أرساها جابر بن زيد، ولكن من خلال نقد التجربة العملية لمختلف تيارات الخوارج. بمعنى نقد تجاربها المتطرفة وغلوها العقائدي والسياسي، والبقاء في نفس الوقت ضمن أعماق الرؤية المتجانسة والأصلية للفكرة الخوارجية بوصفها فكرة "إماتة الجور وإحياء الحق"، و"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، و"الخروج ضد الظلم والجور". وتماهت هذه الأفكار من الناحية الفعلية مع قواعد الحياة الشخصية الظاهرية والباطنية للخوارج. بمعنى موت فكرة الثأر والملك. ولعل مأثرة أبو عبيدة بهذا الصدد تقوم في انه دفعها صوب فكرة الدولة. وبهذا يكون هو من بين أوائل المثقفين المسلمين الذي وضع مهمة تنظيم الفكرة والعمل من اجل بناء الدولة بمعايير الرؤية الواقعية والاعتدال العقلاني. فقد كانت هذه الرؤية تتمثل حقائق الإسلام المحمدي بعد وضعها على محك التجربة الدرامية القاسية للخوارج وغيرها من حركات المعارضة للأموية. وهو تمثل يكمن رؤية ملامحه في مواقفه من السلطة الأموية زمن قوتها ووحدتها الداخلية زمن عبد الملك بن مروان وأياديه الضاربة مثل الحجاج الثقفي وأمثاله. وقد كان الرد المناسب من جانب أبو عبيدة هو تأسيس الدولة الافتراضية أو البديلة بمعايير الفكرة الخارجية من خلال توحيد جهودها النظرية والعملية عبر تنظيمه لفكرة المجالس[11]. ولعل أكثرها شهرة وفاعلية هي المجالس العامة[12]، ومجالس الخاصة[13] ومجالس العلم[14]. ويعكس هذا التنظيم طبيعة الذهنية الجديدة للخوارج. بمعنى تمثلها لتقاليد العقلانية البصرية وباطنية الوعي السياسي المناهض للأموية.

فقد كانت الخوارج الصوت الجهوري المباشر لاحتجاج الروح والجسد والتقاليد. غير أن قمعها المستمر وغلو بعض تياراتها قد فعل فعلته في تهذيب جوارح الجسد ولسان العقل والضمير. واستمرت هذه العملية عقودا عديدة قبل أن تتكامل في صيغتها الأولية التي وضع أبو عبيدة أسسها وقواعدها العام. وأسست هذه التقاليد لمنظومة الوعي الفكري المنظم الذي سوف يبلغ لاحقا ذروته في حركة إخوان الصفا وأمثاله من التيارات الفكرية السياسية. ففي تباين المجالس انعكاس لفكرة العوام والخواص، والظاهر والباطن، وتوحدهما في العلم والدعاة. ووجدت هذه الصيغة النموذجية والفاعلة تعيرها في النتائج الكبرى التي ستتمخض عنها حركة الخوارج لاحقا. بمعنى انطلاقا من تحت سراديب البصرة إلى أرجاء الإمبراطورية وتأسيس جمهورياتها الخاصة.

لقد حول أبو عبيدة البصرة إلى كعبة البيت العلمي والسياسي للخوارج. ومن ثم نقل نفسية وذهنية الخوارج من المواجهة العلنية والمباشرة مع السلطة إلى أنماط لينة المظهر قاسية المحتوى في مواجهة السلطة[15]. كما انه نقل حالة الخوارج من التشرد والفروسية الفردية إلى التكاتف المنظم وامتلاك زمام المبادرة في نقد الواقع وتتأمل المستقبل والعمل من اجله. بعبارة أخرى، لقد جعل أبو عبيدة من الثقافة سلاح الفكر والروح والجماعة والأمة والدولة. ووضع لهذه المهمة نظامها الخاص. إذ لم يجعل من المجالس التزاما ومسئولية فردية للمثقفين الخوارج (العلماء)[16]، بل وبلور فكرة الاستشارة والمستشارين، أي إبداع صيغة الدولة النموذجية والواقعية كإمكانية قادرة على التحقق بالفعل[17].

وأسس لهذه الصيغة بمعايير العلم النظري والعمل السياسي والأخلاقي. فقد تولى هو بصورة مباشرة قيادة التيار الخارجي الذي وضع أسسه عبد الله بن وهب الراسبي ومرداس بن جدير وعبد الله بن أباض وجابر بن زيد منذ تسعينيات القرن الأول الهجري، أي بعد وفاة جابر عام 93 (711). ففي مجال العلم ترك آثاره فيما استجمع عنه من فتاوي ومحاورات بعنوان (رسائل أبي عبيدة)، و(كتاب الزكاة) و(الأحاديث) التي كان يرويها جابر بن زيد إضافة إلى فتاوى في الفروع والأصول تناثرت في مختلف الكتب والمراجع. لكن قيمتها الفعلية ومضمونها الواقعي والفعلي بالنسبة للموقف من السلطة تبرز في أرائه وموقفه ونشاطه السياسي. إذ إننا لا نعثر فيها على جدل الكلام التقليدي، بل جدل إشكاليات الحياة العادية. بمعنى التحرر من ثقل الجدل العقائدي والفرقي (المدرسي) العادي. ومع أنها ليست فضيلة بذاتها، لكنها كانت تتسم بقدر هائل من الفضيلة في شخصية وسلوك أبي عبيدة، وذلك لأنها كانت جزء من نقل ثقل التقاليد الراديكالية للخوارج إلى ميدان الحياة العادية. وهو السبب الذي جعله محط المراقبة الدائمة، العلنية والمستترة من جانب السلطة الأموية. فنرى الحجاج يودعه السجن. ويتفنن في إيذائه. ويقال أنه استشار عن كيفية تعذيبه دون قتله فأشاروا عليه بإطعامه الكراث والزيت! ولم يطلق سراحه إلا بعد موت الحجاج عام 95 للهجرة.

إن تجنب القتل من جانب السلطة الأموية والبقاء ضمن تقاليد الخوارج هو الحد الذي ميز علاقة أبي عبيدة بالسلطة. بمعنى جمعه في كل واحد تراث الخوارج المتنوع وصهره في بوتقة الرؤية الواقعية والعقلانية البعيدة المدى. من هنا معارضته للمواجهة العلنية بشكل عام والعسكرية بشكل خاص ضد السلطة. والاستعاضة عنها بتأهيل الدعاة. وهو الأسلوب الذي كان يحتوي في أعماقه على تمثل حقيقة الخوارج التاريخية وأثرهم الروحي الجوهري بالنسبة لمصير العقل الثقافي الإسلامي.

لقد استطاع الخوارج بتضحياتهم الهائلة حفر أخدود الثقافة الروحية في إمبراطورية الدولة الأموية، ومن ثم المساهمة الكبرى في إرساء أسس الثقافة الإمبراطورية ومعتقداتها الكونية. وظلت هذه المواجهة تلازم الأعماق السحيقة للخوارج في مناهضة أئمة الجور والإمامة (السلطة) الجائرة واعتبارها دار بغي وعدوان. وقد تكون هي الفكرة السياسية الوحيدة التي لازمت تاريخ الخوارج السياسي والروحي بحيث ارتقت إلى مصاف العقيدة الكونية والمرجعية الذاتية المميزة لهم. ولم يكن ذلك معزولا عن التنظيم الفكري والعملي السياسي الذي أسس له واتبعه وحققه أبو عبيدة في مجرى حياته الطويلة. ولم يكن هذا التحقيق معزولا عن معاناة التجربة التاريخية للسلطة والمعارضة على السواء.

فقد أجبرت الضغوط العنيفة والقهر الشامل في زمن الحجاج أبا عبيدة إلى إتباع سياسة النقية والسرية. ومواجهة ابتزازها بأسلوب الانطواء على النفس وإعادة صقلها بمعايير الترقب الحذر والاستقطاب المتزايد للمعارضة الفكرية عبر إعادة تأهيلها للمستقبل. وكذلك تقديم المثال الشخصي بوصفه النموذج المحتمل والضروري للائمة من خلال نشر فكرة أن الخليفة والإمام والعامل هو حامل أمانة تجاه الأمة، مهمته السهر على أحوالها وإحقاق الحق وإقامة العدالة والمساواة بينهم. وان الفرد المسلم حر. فقد حيّدت هذه الممارسة عنف السلطة ووجدت إلى قلبها الطريق حال خشوعها، كما حدث على سبيل المثال زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز(99-101هـ). فقد تحولت العلاقة بينه وبين السلطة إلى أسلوب الدفاع عن المبادئ الإسلامية العليا من خلال دعم السلطة ولكن دون الاشتراك معها. وهي ممارسة كانت محكومة بدورها بشحنة وتاريخ العداء الدفين للسلطة الأموية من جانب العراقيين لشكل عام وأهل البصرة والكوفة بشكل خاص. والخوارج بصرية المنشأ والتربية والمزاج والروح والرؤية. ومن الممكن رؤية هذا الشيء في كيفية ونوعية تفجر الاحتقان الداخلي بين الخوارج وأتباعهم بعد القضاء على تمرد يزيد بن المهلب ومقتله عام 102 في موقعة العقر[18].

لقد وضعت النتائج المأساوية لهزيمة يزيد بن المهلب أبو عبيدة أمام الامتحان التاريخي الأكبر في بداية القرن الثاني. بمعنى محاصرته بين إرهاب السلطة المنظم والعنيف وبين ضغط الخوارج وإتباعهم في الانتفاض والتمرد. وهي حالة حرجة لأنها تتأرجح على بركان التقاليد الحية الفاعلة في الوعي والعقل والذاكرة والضمير. لكنه استطاع في نهاية المطاف أن يؤسس لفكرة الاعتدال السياسي والفكري بالشكل الذي يستجيب لتحديات الانعطاف الحاد في المزاج والتاريخ الفعلي للدولة والمعارضة. وقدم احد النماذج العملية والممكنة من خلال بلورة ما يمكن دعوته بالتقية الفاعلة أو الصمت المتحرك. ومن خلالها استطاع امتصاص النقمة والثورة والانشقاق والبقاء ضمن حيز الرؤية المناهضة ومشاريعها العملية. بمعنى الصمت الظاهري والعمل من اجل تأسيس الدولة البديلة. إذ كانت ترتسم ملامح هذا التأسيس من خلال تأمل تاريخ الخوارج ونوعية صراعهم من اجل الفكرة. بمعنى الخروج عل خوارج الغلو كما جسدته الازارقة، والبقاء ضمن حيز انتمائهم الروحي للحق ووجدانهم الملتهب بحب الحرية والعدل. ومن ثم لم تكن فكرة الدولة البديلة جزيرة الحرية النائية أو المتقوقعة على ذاتها ولتكن ليوم واحد وفي أي مكان كما فعل مرداس ونافع بن الأزرق وأمثالهم، بل هي فكرة البديل الشامل للدولة الأموية. فقد ظلت فكرة "دولة خارجية" ولو ليوم واحد تراود الكثير من الخوارج. أنها الرغبة العميقة والمخلصة برؤية الخلاص و"الجنة" الأرضية التي كانت تتلألأ في خيال ونموذج الدولة المثلى التي رفعها الخوارج الأوائل إلى مصاف المرجعية الجوهرية. وفيها تنعكس أيضا ملامح الجزع من مواجهة السلطة والرغبة الدفينة في رؤية الحلم الأبدي بإقامة دولة الحق والعدل. فقد استوعب أبو عبيدة هذه الحالة المتناقضة بالشكل الذي جعل منها برنامج العملي اليومي والمستقبلي. وحقق بعض نماذجها الجزئية والدائمة في ظهور الدول والدويلات "الاباضية"، بوصفها الصيغة المناسبة لحالة الخوارج التاريخية التي تشكلت منذ البدء بوصفها حركة الروح الهائج والمنتفض. وليس مصادفة أن تظهر في زمنه وتحت تأثيره المباشر وغير المباشر دول الخوارج المتناثرة في أرجاء الإمبراطورية المفككة للأموية. بمعنى ظهورها المتعدد والمتنوع في المغرب والمشرق. ومن خلالها انتشرت إحدى الصيغ النموذجية للخوارج، بعد خروجها من البصرة إلى الكوفة والموصل والحجاز لتستقر في اليمن وحضرموت وعمان وتنتقل عبرها إلى ما وراء البحار والمحيطات[19]. ويعكس هذا الانتقال أولا وقبل كل شيء شخصية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بوصفه احد الممثل النموذجي لمثقف العقل المنظم والدعوة العملية بين الخوارج.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] إن الجدل حول ما إذا كان أبو عبيدة تميميا أصليا أو من الموالي تقطعه مهنته. فصنع القفاف والمهن اليدوية كانت في بداية الخلافة حكرا على الموالي. وشكلت هذه الظاهرة رصيد الحركات المناهضة للأموية. ويمكننا العثور عليها في كل قوات المتمردين في العراق ضد السلطة الأموية. وليس مصادفة أن تطلق الارستقراطية الأموية وأتباعها مختلف الألقاب المهينة عليهم من خلال مطابقتهم مع حرفهم اليدوية. إذ عادة ما تلازم هذه الظاهرة صيرورة الإمبراطوريات في أول نشوئها. اضافة لذلك عادة ما تكون شعوبها أو أقوامها المؤسسة عسكرية النفس والقيم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تقاليد العرب الجاهلية وحروبها وفروسيتها والصيغة التي رافقت فكرة الفتح والغزو والغنائم، فمن الممكن تحسس قوتها آنذاك بالنسبة للموقف من المهن اليدوية. لكن اشتراك الموالي في توسيع مدى الروح الفكري والأخلاقي ليس إلا الصيغة الظاهرية للباطن الثقافي العربي المتراكم في منظومة القيم الجديدة التي قدمها الإسلام والصراع من اجلها ضد انحراف الأموية. وهو صراع بلور معالمه وقيمه وقواعده وأفكاره النظرية والعملية شخصيات العرب الكبرى في مختلف الميادين والمستويات والاتجاهات. وقد كان الخوارج عربا اقحاح، أي أولئك الذين تمثلوا فضائل الجاهلية والإسلام. من هنا نزوعهم الإنساني العميق وفكرتهم الأخلاقية الرفيعة وسموهم الروحي وأفكارهم الكونية. ومن هنا أيضا اضمحلال وتلاشي شخصية "الموالي" في صيرورة الحركات وأفكارها. وهو السبب الذي أثار الجدل حول ما يسمى بصميمية التميمية في أبي عبيدة أو كونه من الموالي. وهو جدل له قيمته بالنسبة للحالة المعنية فقط فيما يخص أصالة الفكرة الخوارجية وتطابق رؤيته النظرية والعملية، التي جعلت "زنجي" "مولى" يقود الحركة ويؤسس لتنظيمها الفكري والعملي والسياسي.

[2] معجم أعلام الاباضية من القرن1-15،ج4، ص873-875. لم يكن تأثيره أو صداه في تقييم أبي جعفر المنصور أمرا طارئا، وذلك للدور الكبير الذي لعبه أبو عبيدة بالنسبة لبلورة الروح المنظم والمعارض للأموية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أبو جعفر المنصور قد توفي عام 158 للهجرة، بينما كانت سنة توليه الحكم عام 136 فمن الممكن توقع درايته بتاريخ أبي عبيدة العريق في العراق وبين حركات الخوارج المناهضة للأموية. إذ لم تكن معارضته تسعى إلى سلطة غير سلطة الفكرة الإسلامية عن الإمامة الصالحة. إلا أن القيمة الفعلية بالنسبة لنا بهذا الصدد تقوم في الإشارة إلى ارتباط شخصية الاباضية بشخصية أبي عبيدة. وفيما لو صحت العبارة المنسوبة إلى أبي جعفر المنصور، فان ذلك يعني أيضا أن مصطلح الاباضية كعلم للفرقة كان مستتبا آنذاك. ومن ثم لم يكن معزولا عن النشاط الدءوب والمنظم لأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة.

[3] خير الدين الزركلي: الأعلام، ج7، ص272.

[4] البرادي أبو القاسم بن إبراهيم الجربي: الجواهر المنتقاة فيما أخل كتاب الطبقات، ص 35.

[5] ابن الأثير:الكامل في التاريخ، ج3، ص254.

[6] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238.

[7] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238-246.

[8] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص241.

[9] أول من يوردها الدرجيني في كتاب (طبقات المشايخ، ج2، ص246.). والدرجيني من القرن السابع الهجري. أما صيغة اللقاء "الغريبة" لرجالات البصرة، فمن الممكن تفسيرها بسبب إصابتهما بالعمى آخر العمر، أو ضعف الرؤية.

[10] فقد تربى عليه رجال الخوارج الكبار من مختلف المناطق، كما نعثر على أثره، على سبيل المثال لا الحصر في شخصية الربيع بن حبيب الفراهيدي (عمان) وعبد الله بن يحيى الكندي (اليمن) وعلي بن الحصين (الحجاز) وهلال بن عطية الخراساني (خراسان) ومحمد بن عباد المصري (مصر) وعبد الرحمن بن رستم الفارسي (المغرب).

[11] أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: سير الأئمة وأخبارهم، ص55-65؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص21.

[12] المجالس العامة وتضم الأشخاص الذين ينتمون إلى أهل الدعوة. وعادة ما كانت تعقد هذه المجالس في بيت أحد المشايخ. وكانت تتميز بالسرية والاختفاء جهد الإمكان من مراقبة ومتابعة أجهزة السلطة. ومهمة هذه المجالس الأساسية تقوم في نشر الفكرة الخارجية عن طريق المواعظ والدروس.

[13] كانت مجالس الخاصة (أو الأعيان) مقتصرة على رجال الدعوة وعلمائها. وكانت تتميز بطابع سري صارم. وكانت تخصص للقضايا المتعلقة بشؤون الحركة السياسية. بمعنى مزاولتها لمهمة التخطيط السياسي وتنفيذه.

[14] مجالس العلم اقرب ما تكون إلى حلقات الدراسة. وكانت مفتوحة للذين يفدون إلى البصرة لتحصيل العلم. لكنها لم تخل من الطابع السري أيضا. حيث كانت عادة ما تعقد في سراديب البيوت.

[15] كما لو انه يستظهر شخصيته. فقد كان معروفا عنه تشدده في المبادئ ولينه مع الجميع.

[16] وهي مهمة نموذجية وجليلة في نفس الوقت، استطاعت أن توحد المثقف مع المجتمع وتصنع بالقدر ذاته أصالة الإبداع الفردي ومسئولية المثقف تجاه حلقته والفكرة العامة ومصير التيار النظري والسياسي. لهذا جعل لكل شخصية علمية متميزة مجلسها الخاص، كما نعثر عليه في أسماء المجالس مثل مجلس علي بن الحصين، ومجلس عبد الملك الطويل، ومجلس أبي سفيان قنبر، ومجلس حاجب الطائي وغيرهم.

[17] لقد بلغت مهمة الاستشارة بالصيغة المذكورة أعلاه أنموذجها التام آنذاك بالنسبة للحركة في شخصية حاجب الطائي (ت-145 للهجرة). فقد كان مسئولا عن الشؤون العسكرية والمالية والدعوة خارج البصرة. ووصفه الدرجيني "بالاجتهاد موصوفا، وبالزهد والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم". وقد أسندت إليه مهمة تسيير أمور الحركة المتعلقة بقضايا الحرب وجمع المال والمعونة وحل الخصومات وغيرها من القضايا العملية. كذلك إسناد أمور الدين والمسائل إليه. ولعب دورا كبير في تنظيم الدعم المادي والمعنوي لحركات التمرد على السلطة كما هو الحال بالنسبة لتزويده بالمال والسلاح حركة طالب الحق في اليمن، وحركة أبي حمزة المختار في الحجاز ثم حركة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان.

[18] لم يكن يزيد بن الملهب خارجيا ولا حتى ممن تربى بتقاليد المعارضة. على العكس لقد كان سليل السلطة الأموية. لكنه كان يتمتع بأثر التربية والتقاليد والصراعات القبلية مكانا مرموقا جعله احد بواعث الخطر على الأموية، إضافة إلى اختلافه الأخلاقي والمعنوي مع نماذج الولاة الأمويين الخلص مثل الحجاج الثقفي. وفي هذا يكمن سر الخلاف الدفين وارتقاءه حد الثورة والتمرد والمواجهة العنيفة مع الأموية التي أدت إلى مقتله وتلف المهالبة في العراق. وبالتالي لم تكن ردود الفعل العنيفة آنذاك بين الخوارج والدعوة لمواجهة العنف الأموي بعنف مقابل سوى الوجه الآخر لما أسميته بالاحتقان المكثف من تاريخ الأموية أولا وقبل كل شيء. فالعلاقات القبلية لها اثر وفاعلية، ويمكنها أن تكون باعثا مهما في الانتماء والصراع، لكنها لم تكن حاسمة في حالة موقف الخوارج المؤيد لانتفاضة يزيد بن المهلب. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أباه كان من القواد والولاة الذين عملوا على إبادة الخوارج في غضون ثمانية عشر عاما متتالية!

[19] وفي عمان وجدت حركة الخوارج (الاباضية) ملجئها الأخير والنموذجي. بحيث تحولت عمان لاحقا إلى احد المراكز الكبرى والوحيدة لحد ما للفكرة الخوارجية والحفاظ على تقاليدها الخاصة. وليس توسعها خارج حدود "البقعة الإسلامية" التقليدية التي ناصبتها العداء بفعل تقاليد التشويه العميقة في مختلف مدارس ومذاهب الإسلام الأخرى تجاهها، سوى الرد الإسلامي العميق على نقاءها وحماسها الروحي القديم. إذ يعود الانتشار السلمي والهادئ لأحد أشكال الإسلام المسالم في مختلف بقاع المحيطات والبحار إلى عمان (وحضرموت) وتقاليدها الخوارجية (الاباضية).

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي الأسْلُوْبِ القُرْآنِي:

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: " الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز. والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن، وللقرآن الكريم روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،  وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو (أحسن الحديث) (الزمر:23)، ويقول تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه " التصوير الفني في القرآن الكريم" أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب (رضي اله عنه) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآم مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله (عز وجل) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله (عز وجل) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود:13).

ويشير الدكتور زين شحاتة في كتابه " في نور القرآن الكريم " إلى أن أحد أسباب إعجاز القرآن الكريم هو نزوله " سابق البنيان عليُّ الأركان، غزير المعاني، بليغ النغم، معجز النظم، ، يأسر اللب، ويسحر العقل، ويدخل شغاف القلب فيه حلاوة وروعة ومهابة".

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل، و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته... وهذا هو (ما) استرعى الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه... وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57)، وقال:تبارك وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 102)، كما جعله مصدر راحة واطمئنان للمؤمن، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقائه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن، وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعاني، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: (لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف , أو ظاهرة التناسق - ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" بأنها: " يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته".

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: " إنها أمر يشير إلى المطلوب ". أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة". أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: " الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها". وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

(أ‌) القرينة باعتبار مصدرها.

(ب‌) القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.

(ت‌) تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع " البيان في روائع القرآن " إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية " فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به ". ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ " السياق وأهميته في سلامة الاستدلال" إلى قرينة السياق بقوله: " المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال، و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب، ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: "وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا".

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: " اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة". وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها، كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير".

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: "اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد". بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأيضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، والسيوطي في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور". وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"، وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة، و رأينا الخلق بأوصاف البطالة، وختمنا عليه، و جعلناه بيننا و بين الله، و رددنـاه إليه".

أَنْواعُ التَّناسُبِ:

ينقسم التناسب إلى عدة أنواع منها؛ تناسب الجزاء وهذا النوع من التناسب يكثر وقوعه في الآيات التي تضمنت الإشارة إلى جزاء الله على الأفعال السيئة؛ كالاستهزاء، والخداع، والمكر، والنسيان، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم مايلي من الآيات الكريمة:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)) (البقرة:14ـ15).

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء:142).

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:54).

ومن أنواع التناسب أيضاً ومن أنواع التناسب تناسب الجنس، وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس). وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، وإما أن يكون التناسب بين اسمين. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم الآيات الكريمة التالية:

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: 267).

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام: 164).

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام:9)

(وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).

وأيضاً من أنواع التناسب ما يسمى بالتناسب الصوتي؛ وهذا النوع من التناسب يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى:

(أ‌) (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة:144).

(ب‌) (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: 61).

(ت‌) (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) (غافر: 75).

(ث‌) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف: 104).

وآخر ما نورده في هذا المقام من أنواع التناسب في القرآن الكريم ما عُرِف بالتناسب البياني؛ وهو أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

(أ‌) (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك: 15).

(ب‌) (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)) (المؤمنون: 70ـ71).

(ت‌) (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)) (الأنعام: 103ـ104).

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الاستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: (كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله :(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد. والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

(أ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله  أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد (ص) في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب. وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف:12). ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله  من في القُبورِ. ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله  بعض أوليائه.

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: (وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

(ب) القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله  بهما في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:(وَطُورِ سِينِينَ  وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله  فيه موسى بن عمران  ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومحمد(ص) .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

(ج) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد (ص) وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ، عندما ألقى النبي محمد (ص) عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي. واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي (ص)، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل البيضاوي، إذ يقول: "الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم".

ثانياً ـ القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فظنَّ فريق من الصحابة  أن الظلم هنا "بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه"؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم) أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ففسر (ص) القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه، والقرينة على ذلك قوله تعالى:(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُفَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(القيامة:17-19).

ومن القرائن المنفصلة في القرآن الكريم، الواردة لتفسير قوله تعالى، في حديثه عن وجوب أو جواز قصر الصلاة في حالة السفر أو الخوف: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (النساء: 101)، فكان التشريع لهذه الحالة في هذه الاية وجوب التقصير في السفر، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) بقرينة قوله تعالى في الصفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: 158)، فنلحظ أن الطواف بهما واجب مفروض؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه، و(الجناح): هو الميل عن الحق، فكانت القرينة اللفظية المنفصلة متقدمة على الآية المذكورة.

ومن القرينة اللفظية المنفصلة، قوله تعالى: (لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء: 103)، فالفزع الأكبر، هو الخوف الأعظم، وقد فسّر على أربعة أقول:

الأول: إنه عذاب النار إذا طبقت على أهلها. والثاني: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، وينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت. ويا أهل النار خلود ولا موت. والثالث: حين يؤمر بالعبد إلى النار. أما الرابع: وهو مروي عن ابن عباس، أنه النفخة الأخيرة، واحتج لذلك بالقرينة المنفصلة المتأخرة، في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (النمل: 87).

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسماعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

ميثم الجنابي"ليس في الوجود تحقيقا إلا الله وأفعاله"

(الغزالي)


إذا كانت غاية الاتصاف بصفات الحق هي الصيغة المثالية للإرادة المتسامية في حصيلة التجارب الفردية والاجتماعية، والتاريخية والثقافية للخلافة، فإن نموذجها الأول كان لابد له من أن يتربى على محك "الأفعال الإلهية".  ولم تعن هذه التربية في تاريخيتها الفردية والاجتماعية سوى رؤية الذات في منظومة التوحيد. أما التوحيد فقد كان الميدان والغاية التي رفعتها واحدية الثقافة الإسلامية إلى مصاف المطلق، أي تربية عناصر التوحيد في الذات الفردية والاجتماعية للأمة وصفاتها النظرية والعملية. أما في تجاربها المتنوعة في مدارسها وفرقها ومذاهبها وتياراتها، فقد عبّرت عن معالم التوحيد في الذات الإنسانية ونموذجها الأرقى في أئمة النحو والفقه والأمة السياسية، وفطاحل الشعراء وجهابذة الأدب، وأولياء الدعوة وأقطاب المعارف. ولم يعن ذلك  من الناحية التاريخية سوى تربية الإرادة المتسامية للكلّ الإسلامي. وبالتالي صيرورة عالمها الروحي القائم وراء صراعاتها السياسية والفكرية. إذ لم تكن مسألة الأفعال الإلهية من حيث مضمونها سوى مسألة تحديد ماهية الموقف الإلهي (الأخلاقي) من العالم (الإنساني)، أي كل ما نراه في جوهرية القضايا الفلسفية كحرية الإنسان ومشيئة الله، والقضاء والقدر، والواجب، والحسن والقبيح، والحكمة والأصلح. وبهذا المعنى لم تكن مسألة الأفعال الإلهية سوى النتاج الملازم لوعي تناقضات الصيرورة الاجتماعية الأخلاقية ومصيرها في عالم "الإبداع الإلهي".

فقد شكلت هذه القضية منذ البداية أحد الحوافز الكبرى وراء التهاب الوعي السياسي واللاهوتي، وتنوع آراءه ومواقفه المستقلة وعوالمه المتنابذة. ولم تعن هذه الاستقلالية من الناحية التاريخية سوى تباين الفِرَق والاتجاهات في جدلها حول ما اسماه في (الاقتصاد في الاعتقاد) بالأمور السبعة، وفي (الرسالة القدسية) بالأصول العشرة. وإذا كان المظهر العام والخارجي لهذه الأمور والأصول معارضا لآراء المعتزلة، فإن ذلك لا يعني انخراطها في قوالب الأشعرية وتقليدها. لهذا حاول في (الاقتصاد في الاعتقاد) تنظيم آرائه المعارضة لمنظومات المعتزلة مثل تشديده على أن الله يجوز أن يكلف عباده ما لا يطاق، ويجوز منه إيلام الناس بغير عوض وجناية، ولا يجب عليه رعاية الأصلح، ولا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية. وإن الإنسان لا يحب عليه شيء بالعقل بل بالشرع. وانه لا يجب على الله بعث الرسل، وانه لو بعث لم يكن ذلك قبيحا ولا محالا[1]. ولم تعن هذه الصياغة في إطارها الظاهرى، سوى تذليل فكرة الواجب العقلية والحسن والقبح العقليين، وتذليل الظنون والأحكام التي يفرضها عقل الإنسان مادامت هي في ذاتها مجرد تصورات وأحكام تاريخية نسبية. لهذا حاول تحديد مضمون الأحكام القيميية من أجل تحديد ماهيتها الحقيقية باعتبارها المقدمة الضرورية للجدل معها. فالواجب كما يقول الغزإلى، يطلق على فعل لا محالة. ولكنه يطلق في الوقت نفسه على القديم (الله)، وعلى الشمس إذا غربت. وإننا لا ندعو الأفعال الإنسانية التي لا ضرر فيها واجبا، بل على تلك التي في فعلها فائدة، مثل شرب العطشان للماء، والتجارة للكسب، أو أن الواجب ما في تركه ضرر في الظاهر والآخر. ويطلق الواجب أيضا على من علم بوقوعه، فوقوعه واجب[2]. أما إطلاق الحسن والقبيح فمرتهن بمدى موافقته للغرض أو بالعكس. فما يوافق الغرض فهو حسن، وما لا يوافق الغرض فهو قبيح. في حين أن ما لا يكون في فعله ولا في تركه غرض فيسمى عبثا. فالذى "يوافق الفاعل يسمى حسنا في حقه، والذي ينافي الغرض يسمى قبيحا"[3].  أما الحكمة فتطلق بمعنيين. أما بمعنى الإحاطة المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة، أو بالكيفية التي تتم بها الغاية، أو بمن تنضاف إليه القدرة على إيجاد الترتيب والنظام وإتقانه وإحكامه. فالحكمة إما أن تأتي بمعنى العلم (حكيم من الحكمة) أو بمعنى الفعل (حكيم من الإحكام). من كل ذلك يبدو واضحا، بأن انتقاد الغزالي للعقلانية المعتزلية جرى من خلال تذليلها في ما يمكن دعوته بشمولية الأحكام القيميية وتساميها الأخلاقي. فالوجوب، كما هو واضح من آرائه، ليس مفهوما واحدا، بل متعدد المضامين. لهذا انتقد مطابقة حقيقته الشرعية مع مفهوم المصلحة (الفائدة) انطلاقا من طابعها النسبي أو تغيرها الدائم. وبالتالي استحالة مطابقة الطابع النسبي والمتغير للأحكام القيميية مع الحقيقة الكلية. ولا يعني ذلك جهل الغزالي أو معارضته للأحكام النسبية وقيمتها المعرفية. كل ما في الأمر، انه أراد إظهار طابعها النسبي من خلال وضعها على محك الحقيقة المطلقة ومعاييرها الأخلاقية. وبغض النظر عن ميتافيزيقية هذه الصياغة، ولحد ما سلبيتها، إلا أن قيمتها الفكرية والأخلاقية تقوم في نقدها العميق للفكر اللاهوتي عن طريق تأسيسها لفكرة "الاقتصاد" في العقائد، أي الاعتدال والوسط الذهبي. لهذا أكد في استنتاجاته بهذا الصدد على ما اسماه بالمترسمين بالعلم، الذين لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل. ولم يعن التقليد في الدليل هنا سوى وهمية الأحكام وطابعها التقليدي. فأغلب الأفكار الأخلاقية وأحكامها عما يسمى بالحكمة والواجب والحسن والقبيح والأصلح ومناقضاتها هي نتاج العادة والشرطية الاجتماعية والتاريخية والثقافية، أو ما أسماه بطاعة "النفس بحكم الفطرة والطبع بمجرد الوهم والخيال الذي هو غلط بحكم العقل. ولكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما طيبا بالتذكر أو الرؤية سال في الحال لعابه، وذلك بطاعة القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتمثيل"[4].

لقد أراد الغزالي إظهار الطابع الإضافي الشرطي للأحكام الأخلاقية، والتي تشكل كلاً من العادة والمنفعة مصادرها المعرفية والاجتماعية. وبهذا المعنى لم يكن انتقاده لآراء المعتزلة سوى محاولة تخطئة أحكامها العقلية الشرطية في تطبيقها على الله (المطلق)، لا تخطئتها بحد ذاتها. إن انتقاده لعقلانية الأخلاق المعتزلية، هو انتقاد لعقليتها لا أخلاقيتها، بفعل جوهرية التمايز في عقائد العوام بين الإنسان والله في الذات والصفات. وحالما طبق ذلك على الأفعال الإلهية، أي الكشف عنها كما هي، فإننا نستطيع العثور في آرائه ومواقفه الكلامية الفلسفية على مستويين يشكلان بدورهما المقدمة الأوسع لشموليتها الفلسفية الصوفية. المستوى الأول هو ذاك الذي عبّر عنه بفكرة انه لا موجود سوى الله، إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها، وانه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد. ولا يتصور الظلم منه، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما. وكل ما سواه حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه إنشاء بعد إن لم يكن شيئا. إذ كان موجودا ولم يكن معه غيره. فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته، ولما حق في الأزل من كلمته لا  افتقارا إليه وحاجة. بل حتى عذابه رحمة وعدل، ولا يتصور منه القبيح والظلم. انه يثيب عباده على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له. إذ لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه  ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق. وإن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه لا بمجرد العقل[5]. وشرح بعض جوانب هذه الفكرة العامة في ما دعاه بالأصول العشرة في الأفعال. فالأصل الأول يستند إلى أن العالم حادث، وكل حادث فهو فعله (الله) وخلقه واختراعه، ولا خالق سواه، ولا محدث له إلا إياه. انه خلق الخلق وأوجد قدرتهم وحركتهم، وبالتالي فإن جميع أفعال الخلق مخلوقة له ومتعلقة بقدرته. وقد أمر الإنسان بالتحرّز في أقواله وأفعاله وأسراره وضمائره لعلمه بموارد أفعاله. وقد استدل الله بعلمه في ظاهرة الخلق ذاتها. فالله هو الخالق لفعل الإنسان، بفعل قدرته التامة. وإن هذه القدرة متعلقة بحركة أبدان الخلق، والحركات متماثلة، وتعلق القدرة بها لذاتها. وإذا كان الأمر كذلك، فما هو المانع عن أن تكون متعلقة ببعض الحركات دون الأخرى؟ أي انه أراد الكشف عن أن القدرة متعلقة بكل الحركات، مازالت هي متماثلة باعتبارها حركات. إذ كيف يمكن القول بأن الحيوان مستبد في حركاته حين يصدر منه ما يحير العقول (كالعنكبوت والنحل) لاسيما وإنها غير عالمة بتفاصيل ما يصدر منها من الاكتساب[6]. إلا أن إنفراد الله باختراع حركات الإنسان لا يعني أنها غير مقدورة له على سبيل الاكتساب. وذلك لأن الله هو الذي خلق القدرة والمقدور، والاختيار والمختار جميعا، أي كل ما حاول كشفه من خلال تجليات ووحدة مفاهيم القدرة والحركة والاختيار. فالقدرة هي وصف للإنسان وخلق لله، وليست بكسب له. أما الحركة فهي خلق لله ووصف للإنسان وكسب له. فالحركة خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه (الإنسان)، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا وبالتالي فإنه لا معنى للحديث عن الجبر المحض. لاسيما وأن الإنسان بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية. ومع ذلك فإنها ليست مخلوقة للإنسان مطلقا، لاسيما وانه لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها[7]. غير أن ذلك لا يلزم ان يكون تعلق القدرة بالمقدور بالاختراع فقط. وذلك لأن قدرة الله في الأزل كانت متعلقة بالعالَم، ولم يكن الاختراع (الخلق من العدم) حاصلا بها. والقدرة عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق، فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها[8].

أما الأصل الثالث، فهو القائل بأن فعل الإنسان وإن كان كسبا له، فإنه لا يعني انه غير مراد لله. وذلك لأن كل ما يجرى في الوجود يجرى بقضائه وقدرته، وبإرادته ومشيئته، من خير وشر ونفع ومضرة وإسلام وكفر. أما الإشكالية التي تثيرها هذه الفكرة عن نهي الله عما يريد وأمره بما لا يريد فلإنه حاول حلها من خلال تقديمه المثال التالي: إذا ضرب السيد عبده فعاقبه السلطان عليه، فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذب السلطان. انه أراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه، فقال له: اسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان! فهو يأمره بما لا يريد امتثاله، ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا. ولو كان مريدا لامتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه وهو محال[9].

أما الأصل الرابع فيقوم في أن الله متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف العباد، ولم يكن الخلق والتكليف عليه واجبا. بصيغة أخرى، انه يرفض الوجوب على الله استنادا إلى فكرة المصلحة. لهذا أكد على أن الله هو الموجب الآمر، ولا وجوب وأمر عليه. فالمقصود بالواجب أحد أمرين،  إما الفعل الذي في تركه ضرر آجل أو عاجل. فالآجل كما يقال إن الإنسان ينبغي أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة، كما يقال للعطشان أن يشرب الماء حتى لا يموت كنموذج للعاجل. وإما يراد بالواجب الذي يؤدى عدمه إلى محال كما يقال وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال، وهو ان يصير العِلم جهلا. فبالمعنى الأول لا يمكن تطبيقه على الله. أما المعنى الثاني فإنه سليم، وإن أريد به معنى ثالثا آخر فغير مفهوم. ثم إن القول "يجب لمصلحة عباده" كلام متناقض ولا معنى له. فإذا كان الله لا يتضرر بترك مصلحة العباد، لم يكن للوجوب في حقه معنى. ثم إن مصلحة العباد، فيما لو قبلنا بهذه الصيغة، أن يخلقهم في الجنة لا في دار البلايا.

أما الأصل الخامس فهو القول بإنه يجوز على الله أن يكلف الخلق بما لا يطيقونه. غير أن الغزالي اعطى لهذه الفكرة معنى عمليا فاعلا كما في مثال صراع النبي محمد ضد ابي جهل. بمعنى أمره إياه بأن يصدقه في كل أقواله وأفعاله، مع علمه بأنه لا يصدقه.

أما الأصل السادس المعارض بدوره لآراء المعتزلة والقائل، بأنه يجوز على الله تعذيب وإيلام الخلق من غير سابق ذنب أو جرم. فالله، كما يقول الغزالي، يمكنه تعذيب الخلق من غير جرم سابق، ومن غير ثواب لاحق، لأنه متصرف في خلقه. والظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه. وهو محال على الله. وما يدل على جوازه وجوده. فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة. وانه لخروج عن الشرع والعقل القول بأنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت، وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها، إن كل المراد بالواجب أن يتضرر بتركه. وأن أريد به غيره فهو غير مفهوم[10].

أما الأصل السابع، فيقوم في أن الله يفعل بعباده ما يشاء. فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده. لأنه وجوب عليه. بل لا يعقل في حقه الوجوب، فكيف يمكن للمعتزلي، على سبيل المثال، أن يفسر فكرة "إن الأصلح واجب عليه" في المسألة التالية: لنفرض مناظرة تجري بين صبي وبالغ من العمر ماتا مسلمين فالله، حسب منطق المعتزلة وعقلهم، يزيد في درجات البالغ بفعل ما بذله من الجهد في الطاعات والإيمان به… فلو قال الصبي:

يارب لم رفعت منزلته عليّ؟

لأنه بلغ واجتهد!

لكن انت الذي امتني في الصبا، فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد. فقد عدلت عن العدل!

لأني علمت انك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا! آنذاك هج كفار النار.

يا رب أما علمت إننا إذا بلغنا اشركنا. فهلا أمتنا في الصبا، فإنا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم!

لقد جعلته هذه المناظرة المفترضة يستنتج  ما يلي:"إن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن  بميزان أهل الاعتزال"[11]. ولم يعن هو بميزان أهل الاعتزال سوى أحكامهم العقلية الخاصة، ومنطق تفكيرهم القائل، بأن تصوير العذاب من الله، مع قدرته على رعاية الأصلح ما هو إلا القبح عينه. غير أن القبح، كما  يقول الغزالي، هو ما لا يوافق الغرض. ومن هنا نسبية وعرضية القبيح. أما الله فهو المطلق. إذ قد يكون الشيء قبيحا عند شخص، حسنا عند غيره إذا وافق غرضه أحدهما دون الآخر. فالمرء يستقبح قتل أوليائه بينما يستحسنه أعداؤه. وإذا أريد بالقبيح ما لا يوافق الغرض (غرض الله) فهو محال، إذ لا غرض له. فلا يتصور منه قبح، كما لا يتصور منه ظلم. إذ لا يتصور منه التصرف في ملك غيره[12]. وإذا كان المقصود بالقبيح ما لا يوافق غرضه غرض الغير فَلِمَ يصير ذلك بالتالي على الله محال؟ أي كل ما استعرضه في "مجادلة أهل النار" السابقة. وينطبق هذا بدوره على فكرة الحكمة والحكيم. إذ لا معنى للحكيم إلا العالِم بحقائق الأشياء، القادر على إحكام فعلها على وفق إرادته. ومن أين يوجب ذلك رعاية الأصلح؟ بعبارة أخرى، لم يسع الغزالي من وراء ذلك تذليل قيمة الأحكام العقلية، بقدر ما حاول وضعها في اطار طابعها النسبي والمشروط، وبالتالي جزئيتها وعدم قدرتها على احتواء  الكلّ دفعة واحدة. فالحكيم من الناس، هو من يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد. وما يعارض ذلك يدعى بالجهل والحماقة. في حين أن كل ذلك محال على الله.

ووضع هذا الاستنتاج في مقدمة الأصل الثامن، القائل، بأن معرفة الله وطاعته واجبة بإيجاب الشرع لا العقل. وذلك لأن العقل لا يوجب طاعة إما لفائدة أو لغير فائدة. فإيجابها لغير فائدة محال، بفعل أن العقل لا يوجب العبث. وإما في حالة إيجابه لفائدة وغرض، فإن ذلك مرتبط أما بعودته بفائدة لله وذلك محال عليه. إذ انه يتقّدس عن الأغراض والفوائد. بل أن الكفر والعصيان والطاعة والإيمان بالنسبة له سواء.  وإما أن يرجع ذلك لغرض الإنسان وهو الآخر محال. إذ ليس الإيمان والطاعة من حيث آنيتهما سوى تعب وجهد وانصراف عن الحياة وملذاتها لا يقابله بعد الموت سوى الثواب والعقاب. ومن هو الذي يستطيع أن يدرى ما هي العاقبة. إذ كل ما في الوجود من طاعة وعصيان، سيان بالنسبة لله. إذ ليس له إلى أحدهما  ميل، ولا به لأحدهما اختصاص. وإنما عرف فميز ذلك بالشرع[13]، أي أن المقايسة التي يقوم الإنسان بها  على أساس أفعاله وتصوراته هي التي توصله إلى تمييز الشكر والكفران، بفعل تعاملها مع الجوارح والوجدان. فهو يتلذذ ببعض ويتألم لآخر. بينما كل ذلك محال على الله. لكن الإشكالية تبقى قائمة في علاقة العقل بالشرع. بمعنى أن النظر والمعرفة (العقلية) لا توجب الا بالشرع، والشرع لا يستقر إلا بالعقل، ونفيهما القائل بإشكالية إن العقل ليس يوجب على المرء النظر، والشرع لا يثبت عنده إلا بالنظر. وهي  الإشكالية التي حاول حلها بمضاهاتها بمثال من يقول للواقف في موضع من المواضع إن ورائك سبعا ضاريا،  فإن لم تبرح من المكان قتلك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي! فيقول الواقف: لا يثبت صدقك ما لم التفت ورائي. ولا التفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك! بصيغة أخرى، لقد أراد الغزالي الكشف عن "حماقة هذا الإدعاء". فالجميع يتابعه سبع الموت. والشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت. والعقل يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل. بينما الطبع يستحث على الحذر من الضرر. وليس معنى كون الشرع موجبا سوى انه معرّف للضرر المتوقع. إذ العقل لا يهدي إلى التهدف للضرر بعد الموت عند إتباع الشهوات. وهذا هو معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب. إذ لولا خوف العقاب على ترك ما أمر به، لم يكن الوجوب ثابتا. إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة[14].

اما الأصل التاسع، فهو انه ليس يستحيل بعث الأنبياء. وبعثهم أو عدم بعثهم لا يحدده العقل. فالعقل لا يهدي إلى الافعال المنجية في الآخرة، كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة في الصحة. وإن حاجة الخلق للأنبياء كحاجتهم للأطباء.

اما الأصل العاشر فهو الأصل القائل، بأن الله أرسل محمدا خاتما للنبيين وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين[15].

إن هذه الصيغة الكلامية لعقائد العوام في مواقفها من الأفعال، تعكس في حصيلتها المباشرة المستوى الأول، أو الكلامي الفلسفي في تحديد أصول الأفعال الإلهية في منظومة الذات والصفات والأفعال. مما يشكل في كليته جزءا من صياغة المبادئ العامة لعقيدة العوام الإسلامية. وبالتالي للأمة في وحدتها الفكرية الروحية. إذ لم تعن الأصول العامة للأفعال الإلهية سوى العناصر المتممة في سلسلة أدلة الكلام الفلسفي العقائدي على ذات الله ووحدانيتها عبر إظهار فاعليتها المباشرة وغير المباشرة في الوجود، أي كل ما عبّر عنه في عبارته المقتضبة القائلة، بأنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله. حيث تضمنت هذه العبارة في كثافتها المركزة ماهية الوحدانية المثالية وأسلوبها المعقول في مدارج الأخلاق المتسامية للعمل الفردى والاجتماعي. لهذا أكد على أن من "عرف الأفعال من حيث إنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره"[16]. فمن عرف الشافعي، على سبيل المثال، من حيث تصانيفه لا من حيث هي حبر وورق وكلام منظوم  ولغة عربية، فإنه عرفه. ولم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره، ولا جاوزت محبته إلى غيره. وحالما  طبق هذه الفكرة على الله وأفعاله، فانه وصل إلى استنتاجه النهائي القائل، بأن "كل موجود سوى الله فهو تصنيف الله وفعله وبديع أفعاله. فمن عرفها من حيث هي صنع الله تعالى، فرأى من الصنع صفات الصانع، كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله"[17].

وبهذا يكون الغزالي قد دفع ورفع آراءه عن الأفعال الإلهية في مستواها اللاهوتي الفلسفي إلى نهايتها المتجانسة. بمعنى استكماله إياها في وحدة المنظومة المعقولة للذات والصفات والأفعال، ونفيها الشامل في منظومة الإحياء الصوفية، أي استكمال النفي المتعمق للذات الإنسانية في أفعالها على مثال المطلق الإسلامي. وبالتالي تعميق الالتحام الفردي برؤية حقيقة الذات في أفعالها، باعتبارها الصيغة المثالية لما في (إحياء علوم الدين) من فرضيات عقلية وعملية عن المثال الاجتماعي، أو التحقيق الأمثل لفعل الحق.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص73.

[2] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص74.

[3] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص75.

[4] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص79.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص111.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص111.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص111.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص112.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص112.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص112.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص112.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص113.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص113.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص113.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص280.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص280.

 

 

 

ميثم الجنابي"بين صفات الله وصفات الخلق

ما بين ذاته العزيز وذواتهم".. (الغزالي)


تظهر معضلة الصفات حالما يصبح الموصوف معيارا لأوصافه، أو أن تصبح الأوصاف أسلوب الكشف عما في مضامينها من قيمة وغايات عملية. وبهذا المعنى، فإنها تكشف في آن واحد عن تعمق "المعارف الكمية"، وعن الطابع العملي لغاياتها النهائية. وليس مصادفة أن تظهر مسألة الصفات الإلهية في بداية نشوء الخلافة، ومن بعدها قضايا الذات الإلهية. وذلك لأنها كانت من الناحية التاريخية والعملية المقدمة الضرورية لاختبار العلم والعمل في صراعات الأمة الآخذة في التجزئة. فإذا كانت الذات الإلهية هي المحور الأولي والنهائي لإسلام الدعوة والرسالة، فإن الصفات الإلهية هي الميدان الأول لتجلياتها العديدة في رؤى الفرق والمذاهب ومواجهاتها في مجال الموقف من العقل والنقل. وبهذا تكون مسألة الصفات الإلهية هي نفسها مسألة الذات الإلهية بأبعادها الاجتماعية. إذ لم تعن قضية الصفات الإلهية، من الناحية التاريخية، سوى قضية الذات الإنسانية وصفاتها المثالية. أنها تعكس تجارب التاريخ المثالية، مما ألزمها بالضرورة  تجزئة الإلهي والإنساني كمعايير لرؤية الذات الانسانية "العليا" و"الدنيا"، و"السماوية" و"الأرضية"،  والفاضلة والمرذولة. أما نموذجها اللاهوتي فهو وحدة العبودية والربوبية، أو الإنسان والله. وبهذا المعنى ليست علاقة الذات بالصفات، سوى علاقة الأنا بذاتها أو صفاتها. وهي الإشكالية التي أثارت في تقاليد الإسلام السابقة للغزالي حوار وجدل هو هي، وهي هو، وهو لا هي، وما إذا كانت الصفات هي الذات، أو ما إذا كانت غيرها، أي ما إذا تتطابق الصفات مع الذات أو لا ومشتقاتها غير المتناهية. وهي الإشكالات التي أثارتها صيرورة التجزئة غير المتناهية في الوجود الاجتماعي الثقافي للأمة الاسلامية.

فقد أدى ذوبان الذات الوحدانية في فعل الفتح الإسلامي، باعتباره توحيدا جديدا للشعوب والأمم   في عبودية الله والخلافة، إلى ظهور تجلياتها في صفاتها المفترضة من قوة واقتدار، وجبروت وملك. مما استثار في مجرى تطوره وحدة المنظومات الكلامية وخلافاتها. وليس مصادفة أن تظهر في أول مراحل الخلافات الفكرية السياسية عن الصفات الإلهية مسألة الكلام والقِدَم. فهي الصفات التي تعبّر في رمزيتها عن التاريخ والمطلق، والتي عادة ما تداعب قوى الخيال السلطوي والأخلاقي. لهذا كان بإمكان رجال الورع الإسلامي الأوائل أن يصرخوا بوجه السلطة متحدين إياها، بأن الله لم يكلم موسى تكليما ولا اتخذ ابراهيم خليلا، وأن تكبّر السلطة في صلاة العيد بذبحها من قال بذلك، كما لو انها تنحر ضحيتها ككبش فداء أمام محراب سلطتها السياسية.

إن هذا الصدام الذي حدد مواجهة قوى الخيال السلطوي والأخلاقي هو نفسه القائم في كيفية  رؤية الوحدة الحقيقية وراء الذات الإلهية وصفاتها. فإذا كان الموقف الأولي من الصفات هو محاولة التعبير عن قيمة الوحدة المطلقة في الذات الإلهية لحالها، باعتبارها نموذجا كاملا ومتكاملا بذاته للأخلاق الإسلامية ووحدتها في الأمة، فإن نحرها أمام محراب السياسة لم يعد من حيث رمزيته السياسية سوى استبداد السلطة في التمتع بحرية الكلام بالكلام المطلق. وقد أخذ يتقاسم الجميع ضرورة هذه الحرية، بعد أن تحولت إلى إشكاليات اللاهوت السياسي. وبعد إرجاعها إلى مصادرها الأولية في الكتاب والسنّة أتخذت هيئة الأفكار المجردة. آنذاك كان بإمكانها أن تتمتع بحرية التأمل الساحر لما في إشكالات الأزل والأبد، وأن تبقى في الوقت نفسه في حيز خضوعها المباشر لتقاليد الكلام في تصوراته عن الذات والصفات والأفعال، باعتبارها الوحدة اللاهوتية لتجارب الثقافة الإسلامية في وعيها الديني والسياسي والأخلاقي.

وحالما تحولت قضايا الذات والصفات والأفعال إلى مشكلات قائمة بحد ذاتها، فإنها تكون قد صنعت عالمها الفكرى الخاص بها. مما حولها بالتالي إلى الميدان الأكثر حساسية في جدل الكلام وتحديده لهوية الذات الإلهية وإشكالاتها الروحية والأخلاقية. وأدى مجمل هذه العملية إلى أن تكف قضايا الصفات عن أن تكون قضايا ميتافيزيقية خالصة. بمعنى انتقالها من واقع الصراعات السياسية إلى ميدان الميتافيزيق الديني، ومنه إلى تأملات الكلام والفلسفة. ومن ثم رجوعها إلى تحليل الواقع الاجتماعي السياسي الأخلاقي. ولم يشذ الغزالي عن حصيلة هذه التقاليد اللاهوتية والفلسفية. على العكس!، انه سعى لربطها  ولكن من خلال تطوره النظري واستعمالاته الشخصية في ميادين المعرفة. أنها عكست مراحل تطوره، وبالتالي مواقفه منها استنادا إلى  اسسها العقلية وتقاليدها النظرية السابقة، كما هو جلي في ما اسماه بعقائد العوام وتطابقها شبه الكلي في (إحياء علوم الدين) مع ما سبق وأن وضعه في (الاقتصاد في الاعتقاد).

فقد تناول، شأنه في مواقفه من الذات الإلهية، قضية الصفات للمرة الأولى في (تهافت الفلاسفة). حينما أخذ على الفلاسفة المسلمين حججهم المثيرة للجدل عما دعاه بصفات الصانع. فقد أدى فكر الفلاسفة في نهاية المطاف، كما استنتج الغزالي، إلى نفي صفات الصانع (الله). وليس مصادفة أن يناقش أساسا قضايا الإرادة الإلهية والعلم الإلهي، باعتبارها القضايا الجوهرية لعلم الكلام أيضا، في مواقفه من الصفات. فهما يشكلان الوحدة الداخلية للصفات الإلهية الإسلامية كما بلورتها تقاليد علم الكلام. لهذا حاول في معرض انتقاده لآراء الفلاسفة بهذا الصدد إظهار تناقضها الداخلي. ويبدو  ذلك بجلاء في جدله معهم حول مسائل الحدث والقِدَم في العالم. إذ لم ير في آرائهم الأرسطية الافلاطونية سوى تأويلات تفتقد لمنطقها الداخلي. وأوصله ذلك إلى استنتاج يقول، بأن حدوث العالم لا يتنافى مع القدرة الإلهية القديمة. وانه لا  مانع من أن يراد الشيء في الوقت الذي يحدث فيه إذا كان مرادا بالإرادة القديمة. أما نفي هذه الفكرة من جانب الفلاسفة، فمبني على مجرد "الاستبعاد والتمثيل بعزمنا وإرادتنا"[1]، وقياس الإرادة الإلهية (القديمة) بالمعيار الإنساني (الحادث). بينما لا يمكن للإرادة الحادثة (الإنسانية)  مضاهاة الإرادة القديمة (الإلهية). إذ ليست الإرادة من حيث هي صفة سوى تميز الشيء عن مثله، ولولا أن هذا شأنها لوقع الاكتفاء بالقدرة الإلهية[2]. فكل ما في الوجود، وُجِدَ بالإرادة الإلهية من حيث وجوده، وبالصيغة التي وجد فيها، وفي المكان الذي وجد فيه. فالإرادة الإلهية هي شكل تجلي القدرة القديمة. وأن كون الله قديما قادرا لا يمتنع عليه الفعل أبدا إن أراده. أما التناقضات الممكنة هنا فهي نتاج الالتباس والوهم لا غير. ولهذا السبب أيضا حاول في دفاعه عن فكرة الصفات الإلهية إظهار ما في أفكار الفلاسفة من تهافت في تناولها لعلاقة الفاعل والمفعول، والسبب والمسبب. فالفعل بالنسبة للغزالي، مرتبط بالحيوان فقط. أما عندما نسمي الجماد فاعلا، كما في قولنا "الحجر يهوي" فعلى سبيل المجاز. ذلك يعني انه حاول ربط الفعل بالإرادة، ومن خلالها بالعلم. فالإرادة تحتوي بالضرورة على العلم، تماما بالقدر الذي يتضمن على الفعل. وبالتالي فإن الفعل الحقيقي هو الفعل المرتبط بالإرادة والمحدد بها. لاسيما وأنها الصيغة التي يحددها أيضا منطق العقل واللغة. لهذا كتب يقول، بأن من "ألقى إنسانا في النار فمات، يقال هو القاتل دون النار". فاللغة والعرف والعقل تصف الإنسان بالقاتل، مع أن النار هي القاتلة. كل ذلك يدل على أن "الفاعل من يصدر منه الفعل من إرادته. فإذا لم يكن مريدا عندهم ولا مختارا لفعل العالِم، لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا بالمجاز"[3]. وطبق هذا الموقف أيضا تجاه صفة العِلم من خلال ربطه الذات بالصفات. إذ لا يعني سلب الصفات بالنسبة للغزالي توكيدا للوحدانية بقدر ما يؤدي إلى نفي حقيقتها. لهذا شدد على أن أدلة الفلاسفة عن واجب الوجود ونفي الكثرة عنه لا دليل لها. إنها تقدم الدليل الدال على قطع التسلسل فقط. أما فكرة "الوجود الأول البسيط"، فإنها تقود في نهاية المطاف إلى دليل نفي الصفات[4].

لقد أدرك الغزالي تعقيدات مسألة الصفات الإلهية، وحيرة العقل فيها. إلا أن جدله الأول سار في اتجاه نقد آراء ومواقف الفكر الفلسفي وعقليته المنطقية في تناول هذه القضية. بحيث جعله ذلك يستغرب لا حيرة العقل في الصفات الإلهية، بل اعجاب الفلاسفة بأدلتهم مع ما فيها من التناقض[5]. أما ذخيرة (تهافت الفلاسفة) الفكرية الجدلية بهذا الصدد، فقد شكلت مادة ومقدمة الصياغة الإيجابية لما وضعه للمرة الأولى في (الاقتصاد في الاعتقاد).

فعندما تناول الصفات السبع في تسلسلها الكلامي التقليدي، فإنه جدولها في كل من القدرة والعلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام. ومعنى القادر انه محدث العالم، لأن العالَم محكّم، مرتّب، متقن، منظوم، مشتمل على انواع من العجائب والآيات. وإن العقل يحكم في رؤيته الظاهرة والباطنة على ما فيه من أحكام وترتيب. غير أن العالم ليس قديماً قدم الذات[6]. أما إشكالية القدرة والقدم والفعل الحادث، فقد حلها على اساس حله لمفهوم الإرادة. فللقدرة علاقة بالمقدورات (الممكنات). وأن الإمكان ما لانهاية له، والقدرة واسعة لكل ذلك. فهو يردد هنا مضمون جدله المعارض لفكرة الفلاسفة عن عدم حدوث المادة. فالإمكان وصف للمادة، والمادة لا يكون لها مادة فلا يمكن بالتالي أن تحدث. إذ لو حدثت لكان إمكان وجودها سابقا على وجودها. وكان الإمكان قائما بنفسه غير مضاف إلى شيء، مع انه وصف اضافي لا يعقل أن يكون قائما بنفسه. ولا يمكن أن يقال "إن معنى الإمكان يرجع إلى كونه مقدورا وكون القديم قادرا عليه" لأننا لا نعرف كون الشيء مقدورا إلا بكونه ممكنا. فنقول هو مقدور لأنه ممكن، وليس بمقدور لأنه ليس بممكن. فإن كان قولنا هو ممكن يرجع إلى انه مقدور، فكأننا قلنا هو مقدور لأنه مقدور، وليس بمقدور لأنه ليس بمقدور. وهو تعريف الشيء بنفسه، أو تحصيل حاصل[7]. فالإمكانية في نهاية المطاف، ما هي إلا جزء من "قضاء العقل"، أي ما قدّر العقل وجوده، وإلا فإنه مستحيل. وينطبق هذا بالقدر نفسه على العدم. وبالتالي فإن قضية الممكن والمستحيل والعدم  هي قضايا عقلية.

أما صفة العالِم فمعناها إن الله عالم بجميع الموجودات والمعدومات. فالموجودات منقسمة إما إلى قديم كذاته وصفاته، وبالتالي فهو بذاته عالمٌ وبصفاته، وإما إلى ما هو حادث (الموجودات)، أي انه عالم  بغيره. وليس لعلم الله نهاية بفعل لا نهائية الممكنات التي يخلقها بإرادته. إذ الموجودات في الحال، كما  يقول الغزالي، و"إن كانت متناهية فالممكنات في الاستقبال غير متناهية"[8].

أما صفة الحياة فمعناها انه حي وهو معلوم بالضرورة. في حين أن الإرادة تعني إن الله مريد لأفعاله. وذلك لأن الفعل الصادر منه مختص بضروب من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرّجح. ولا تكفي ذاته للترجيح لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة، فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال دون حال؟ وينطبق هذا على القدرة أيضا. بمعنى انها كالذات لا تلغى فيه. إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة. كذلك الحال بالنسبة للعلم. وذلك لأن كل ما هو ممكن الوجود في ذات علم الله واحد من حيث  الإحاطة. آنذاك تكون الإرادة للتعين علة، ويكون العلم متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه[9]، أي أن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها، فميزتها عن اضدادها المماثلة لها. وبالتالي لا معنى للسؤال عن أسباب هذا التميز وأسراره، لأن معارضتها شبيهة بقول القائل "لِمَ اوجب العلم انكشاف العلوم؟ إذ لا معنى للعلم إلا ما اوجب انكشاف العلوم"[10]. فالإرادة متعلقة بجميع الحادثات من حيث انه أظهر أن كل حادث مخترع بقدرته. وكل مخترع بالقدرة محتاج إلى إرادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به. فكل مقدور مراد وكل حادث مقدور وكل حادث مراد. والشر والكفر والمعصية حوادث فهي اذاً لا محالة مرادة[11].

أما صفات السمع والبصر فمعناها ما أراد الشرع وما ورد فيه قوله "وهو السميع البصير". غير أن الغزالي حاول أن يعطي لها طابعا عقليا من خلال إدراجها في اطار التنزيه العام على أساس فكرة "ليس كمثله شيء"[12].

أما أساس صفة الكلام فيقوم في أن "صانع العالم متكلم". لكن ليس بمعنى الكلام الإنساني. فالإنسان يسعى متكلما باعتبارين، الأول باعتبار الصوت والحرف، والثاني باعتبار النفس. وإذا كان الغزالي قد جعل من حديث النفس ما يمكنه أن يكون مثالا ملموسا للكلام الإلهي انطلاقا من تراث الجدل الفكري حول هذه القضية القائل بأن كلام النفس الإنساني هو مجرد قوة مفكرة تستند إلى لفظ الحروف وترتيب المعاني، والذي حاول كشفه من خلال بلورته مضمون "الأمر الالهي". فمقصود الكلام هنا هو العلم والإرادة والقدرة. فالأمر هو دلالة على أن في النفس طلب فعل المأمور. وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام الأخرى من الكلام. إذ لا يعقل أمر آخر خارج عن هذه الجملة. فبعضها محال عليه كالأصوات، وبعضها موجودة لله كالإرادة والعلم والقدرة. فإن قول السيد لغلامه "قم!" يدل على معنى. والمعنى المدلول عليه في نفسه هو كلام. فالطلب الذي قام بنفسه دل عليه لفظ الأمر عليه، هو كلام وهو غير إرادة القيام[13]. انه سعى لإزالة التشبيه. لهذا حاول تأويل الفكرة القرآنية في تكليم الله موسى، بالصيغة التي ألغى فيها الصوت (المادي). وانطلق فيموقفه هذا من أن السمع هو نوع من الإدراك. وبالتالي لا يمكن الاجابة عن السؤال المتعلق بكيفية إدراك حلاوة السكر إلا بأن يقال ينبغي أن يذاق، كذلك الحال بالنسبة لتكليم موسى. لهذا اكد في مجرى تناوله قضية القرآن باعتباره معجزة الله، من أن كلامه مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، مقروء بالألسنة، وإن الكاغد والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها حادثة، لأنها أجسام وأعراض في أجسام. فكلام الله القديم هو المدلول لا ذات الدليل. مثلما نقول كلمة النار ولا تحرقنا[14].

إن هذه الصيغة "الإيجابية" التي ردّ فيها على آراء الفلاسفة عن الصفات ما هي في الواقع سوى النموذج التوليفي لتقاليد اللاهوت الإسلامي العقلاني في مواقفه من الذات والصفات. وهو الذي يفسر سرّ بقائها وحيويتها في (إحياء علوم الدين) كعقائد للعوام. فهو يعيد هنا بصورة مختصرة ومغايرة لجدل الإفحام، المكونات الجوهرية لإبداع الكلام الإسلامي عن الصفات الإلهية، باعتبارها عقائد تخدم وحدة الكلّ الروحي الإسلامي. فالقادر معناه هو الذي لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم. وهو المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع[15].

أما العالِم فمعناه انه عالِم بجميع المعلومات، محيط بما يجرى في تخوم الأرض إلى أعالي السموات، يعلَم كل شيء بعِلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال[16]. وأن دليل إحاطة علمه بجميع الموجودات هو وجودها في المخلوقات وترتيبها. إذ أننا نلاحظ الترتيب في كل شيء، بما في ذلك في "أحقر الموجودات". وهو دليل العلم بكيفية الترتيب[17]. أما قِدَم علمه فيعني انه لم يزل عالما بذاته وصفاته ما يحدث من مخلوقاته، أي حصولها مكشوفة له بالعلم الأزلي تماما كما أن معرفتنا بوصول زيد غدا لا يعني تجدد المعرفة والعلم في حالة وصوله[18].

أما كونه حيًا فدليله أن من يثبت علمه وقدرته يثبت بالضرورة حياته[19]. في حين إن معنى كونه مريدا هو إرادته للكائنات وتدبيره للحادثات. فلا يجرى في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره وحكمة مشيئته. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، ولم يزل كذلك موصوفا بها، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوُجِدَت في أوقاتها كما أرادها في أزله من غير تقدم ولا تأخر. بل وقعت على وفق علمه.  بمعنى أن الله مريد لأفعاله. إذ لا وجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته. فهو المبدئ والمعيد والفعال لما يريد (الشيء وضده). والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة واحدة. فلا بد من إرادة صارفة للقدرة إلى أحد المقدورين. ولو أغني العلم عن الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال له إنما وجد في الوقت الذي سبق بوجوده، لجاز أن يغني عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق العلم بوجوده فيه[20]. فإرادته قديمة وهي في القِدَمِ تعلقت بأحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي[21].

أما كونه سميعا بصيرا فيعني انه يرى ويسمع ولا يغرب عن سمعه مسموع وإن خفى، ولا يغيب عن بصره مرئي وإن دقّ. يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير اصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة. إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق[22]. سميع بصير، وكيف لا والسمع والبصر كمال لا محالة وليس بنقص؟ فكيف يكون المخلوق اكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع؟ وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته، وكيف يعقل فاعلا بلا جارحة وعالما بلا قلب ودماغ، فليعقل كونه بصيرا بلا حدقة سميعا بلا أذن، إذ لا فرق بينهما[23].

أما كلامه فمعناه انه متكلم، آمر، ناه، واعد بكلام أزلي قديم بذاته لا يشبه كلام الخلق. فليس بصوت يحدث من خلال انسلال هواه. وإن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله. وإن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ بالقلوب. وانه مع ذلك قديم قائم بذات الله لا يقبل النفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق[24]. ولا يعني انه إلهاً متكلما بكلام سوى انه وصف قائم بذاته. ليس بصوت ولا حرف، بل لا يشبه كلامه كلام الخلق. فكلام الله مقروء بالألسنة محفوظ بالقلوب مكتوب بالمصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها كعقل كون السموات والأرض مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحلّ ذات السموات والأرض في الحدقة، أو ككلمة النار في القلب و على الورق دون أن تحرقهما[25].

 

ميثم الجنابي

......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص98.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص102.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص137.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص191.

[5] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[6] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص39.

[7] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص119.

[8] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص47.

[9] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص48.

[10] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص50.

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص51.

[12] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص52-53.

[13] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص56.

[14] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص58.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص90.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص90.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108-109.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص91.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص91.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

 

 

بليغ حمدي اسماعيل1 ـ ما التَّصَوُّفُ؟

الولوج إلى أكوان التصوف الإسلامي يحتاج إلى علم وعمل وموهبة فطرية يمنحها الله ـ عز وجل ـ لصاحبها، والإمام النووي كان يذكر أن التصوف عماده ثلاثة أركان هي العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألطف ما في التصوف أنه تربية وصقل للأخلاق والآداب السامية، وأعذب ما فيه أنه تجربة غير قابلة للتكرار أو التشابه بل هي تجربة متفردة متمايزة لا تعرف للاشتراك سبيلاً ولا للمشاركة طريقاً . ومن يلجأ إلى تعرف أحوال ومقامات أهل التصوف عليه أن يخطو بحذر ورفق وهو يرصد ويستقرئ ويتناول مواجيدهم وأحوالهم وأخبارهم بعيداً عن ما شاب التصوف من حكايات المتسامرين ونوادر المتعطلين وحجج المتنطعين، وهذا الدخول الحذر في أكوان التصوف والمتصوفة الأجلاء يحتاج إلى قدر كبير وعظيم من الثقة . ثقة بالله أولاً ويخطئ ويجادل من يدعي ليل نهار أنه واثق بالله وأعماله وأحواله لا تشير إلى ذلك، لأن الثقة بالله تشير إلى معان وخصال يجب أن تتجسد في المرء كجزء من تكوينه منها التأدب مع الله سراً وعلانية.

ومنها أن تكون شديد الاطمئنان مع الله تبارك وتعالى، وهذا الاطمئنان هو ما فسره أبو بكر الطمستاني في حديثه عن التصوف حينما ذكر أن من معانيه الاضطراب فإذا وقع سكون فلا تصوف . وهو يقصد بالاضطراب لا اضطراب وزعزعة النفس أو القلق النفسي من عوارض الدنيا وشواغلها إنما أن يظل المرء في حيرة من أمره هل ربه راض عنه بعباداته وطاعاته وقيامه وصلاته وصيامه أم لا؟ وهذا الاضطراب هو الذي يدفع الصوفي إلى مزيد من التعبد والخشوع والالتجاء المستدام إلى الله طمعاً في محبته لأن المتصوف الحق هو الذي يقدم محبة الله على الخوف منه.

ومثلما كانت أحوال المتصوف ومقاماته متفردة ومتميزة عن غيره من المتصوفة، فإن المصطلح ذاته يظل محل جدل في توصيفه وتقنينه ليصبح مواضعة لغوية ثابتة، وأهل التصوف أنفسهم يظلون غير مستقرين على تحديد مفهوم ثابت للتصوف، فمن التفسيرات والتأويلات التي أطلقت على أهل التصوف أنهم في الصف الأول بين يدي الله، أو لأنهم يلبسون الصوف تركاً واجتناباً لفتنة وزينة الدنيا ولقد أجمع المحدثون والقدامى من مؤرخي التصوف على أن اللفظ صوفي مشتق بلا شك من اللفظ الصوف أي من الأصل (ص و ف) فمنه يأتي اللفظ الصوفي (النسبة) واللفظ تصَوَّفَ بمعنى لبس الصوف، واللفظ التصوف (المصدر)، وقيل في التفسيرات أن صوفي على وزن عوفي، بمعنى عافاه الله وكوفي بمعنى كافأه الله والصوفي هو من صافاه الله واصطفاه أيضاً، وسئل طاهر المقدسي عن سبب تسمية التصوف بهذا الاسم فقال: لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد وانكشافها بشمائل القصد. وهناك من يقول إن اللفظ مشتق من أهل الصفة وكما تظل أحوال ومقامات الصوفية أكثر غموضاً يظل المصطلح ذاته غامضاً حياتهم أيضاً.

ويخطئ من لا يظن بأن التصوف فلسفة، فهو في الحقيقة فلسفة لها جوهر كائن وقائم بذاته، وفي هذا الصدد نجد أبا الوفا التفتازاني يشير إلى التصوف معرفاً إياه بأنه " فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقياً، وتتحقق بواسطة رياضيات عملية معينة تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى، والعرفان بها ذوقاً لا عقلاً، وثمرتها السعادة الروحية، ويصعب التعبير عن حقائقها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع وذاتية" .

والتصوف في حقيقته فكر وطريقة تفكير رصينة ؛ فكر يستنجد بالدين وتعاليمه وشرائعه السمحة التي لا تعرف للتطرف سبيلاً، ولا تفطن للغلو طريقاً، وأسلوب تفكير يرتكز على التأمل أو ما يعرف بنظرية السلام الداخلي، وهذه النظرية تمثل أعلى درجات التحصيل للإنسان وهي وصوله إلى نقطة تنعدم عندها كل رغباته بحيث يستحيل إنساناً كريماً مع الجميع ولا يطلب شيئاً من أحد مطلقاً لأنه في حالة وصال واتصال مستدامة مع ربه تبارك وتعالى . والسلام الداخلي حل حصري للتخلص من المعاناة اليومية للإنسان التي تنتج من هوس المرء بالرغبات والشهوات، فمثلاً إذا تعلق الإنسان بأمر من أمور الدنيا الزائلة فلا مناص من أن يصنع شيئين ؛ إما أن يحاول جاهداً للحصول عليه أو أن يتوقف عن الرغبة فيه، وفي كلتا الحالتين فلن يكون حزيناً بعدها، لكن الأخطر أن فكرة الحصول وتحقق الرغبة والشهوة من مطامع الدنيا تولد لديه طمعاً وجشعاً في تحقيق مآرب كثيرة ومطامح عديدة تجعله يبدو أكثر توتراً وقلقاً. ومن المؤسف حقاً أن الناس لا يستطيعون التوقف عن الرغبة في الأشياء.

2 ـ حملات الهجوم على التصوف الإسلامي:

واعتاد أصحاب حملات الهجوم على التصوف التطاول على ماهيته التي في أساسها التدبر والتأمل والاعتبار والتفكير في وظيفة الإنسان في هذه الحياة، واهتموا فقط هؤلاء المتعثرين فكرياً على التقاط بعض المظاهر السلوكية لفئة من البشر غير محسوبين على التصوف وأهله، وارتكزوا على انتقاد بعض التصرفات لفصيل لايمكننا وصفه بفساد العقيدة ولكن بالخروج عن تعاليم الإسلام وهم أولئك الذين نجدهم يفترشون الطرقات ومداخل المساجد وأسوارها وهم بالضرورة القطعية لاال من الأحوال .

ولو كلف مهاجمو التصوف والصوفية أنفسهم بجهد قراءة مقامات ومواجيد أهل الحب، أعني التصوف لفطنوا بعقولهم أن أقطاب الصوفية احتكموا إلى العقل وهم يتعاملون مع الدنيا وفنائها، ولكن غلبة النصوص المجردة واللغة الاستثنائية لأقطاب التصوف جعلتهم بعيدين كمال البعد عن العامة والعوام . فالحسن البصري يقول: " فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحاً "، ويقول في موضع ثانٍ " والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك" .

3 ـ التصوف الحركة التجديدية الأولى في الفكر العربي:

والصوفية تعد حركة تحديثية وتجديدية أسماها المستشرقون بالحداثة المعكوسة حيث إنهم نادوا بالحداثة عن طريق العودة إلى الماضي واتباع السلف الصالح في القول والفعل معاً وهم قوم أيقنوا أن مزيد من العبادة والتجرد عن الأهواء والرغبات وشرور الدنيا وفتنتها أمل في الشفاء من أسقام النفس وأوهام العقل .يذكر إبراهيم بن أدهم أن العباد لو علموا حب الله (عز وجل) لقل مطعمهم ومشربهم وملبسهم وحرصهم، وذلك أن ملائكة الله أحبوا الله فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى إن منهم قائماً وراكعاً وساجداً منذ خلق الله الدنيا ما التفت إلى مَنْ عن يمينه وشماله، اشتغالاً بالله وبخدمته. ويقول مالك بن دينار: " خرج أهل الدنيا ولم يذوقوا أطيب شئ فيها، قالوا: وما هو يا أبا يحيى؟ قال: معرفة الله تعالى " .

ومن أبرز ما يجده المستقرئ في مواجيد ومقامات الصوفية غلبة الحزن على نصوصهم الشفاهية أو الكتابية، وهو حزن يقرب المرء للعبادة حيث إن المتصوف يجد نفسه مضطراً لإعمال عقله في حاله وكنهه ووظيفته في الدنيا التي هو على يقين بأنها فانية مثله تماماً وأنه في دار عمل وشغل وعليه أن يكتفي بعباداته وطاعاته التي تقربه إلى الله عز وجل . وفي هذا نجد أقوالاً كثيرة للحسن البصري الذي تغلب على نصوصه الصوفية مسحة الحزن تلك، فيقول في عدة مواضع: " نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصى الله فقد حاربه " . ويقول في موضع آخر: " إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين ؛ بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك " . ويقول أبو الدرداء: " إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت، فما عملت فيما علمت؟".

والرائي بعمق وروية وتدبر في النص الصوفي يدرك على الفور خارطة طريق واضحة المعالم لحياته التي يجب أن تكون سليمة الفطرة والتكوين والنشأة ومن ثم يضمن لنفسه سلاماً داخلياً بغير تعب نفسي أو احتدام داخلي بين رغبات وشهوات قد تعصف به، فأبو الدرداء يقول: " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله عز وجل، فإن أحسنت حمدت الله تعالى، وإن أسأت استغفرت الله عز وجل " . والحسن البصري يقول: " رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك، ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد" .

والفضيل بن عياض يقدم للمرء روشتة علاج سريعة من أمراض القلب وهوس الرغبة وفتنة الدنيا، فيقول: " لم يتزين الناس بشئ أفضل من الصدق وطلب الحلال " . ويقول: " ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام"، ويقول في موضع آخر: " لم يدرك عندنا من أدرك، بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة " .

أما شقيق البلخي وهو أحد أبرز أقطاب التصوف الإسلامي وأول من تكلم في علوم الأحوال ببلاد خراسان فيقول: " من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق" . ويقول: " ميز بين ما تعطي وتُعطى، إن كان من يعطيك أحب إليك فإنك محب للدنيا، وإن كان من تعطيه أحب إليك فإنك محب للآخرة" . ويقول: " إذا أردت أن تكون في راحة فكل ما أصبت، والبس ما وجدت، وارض بما قضى الله عليك " .

سُلْطَانُ العَارِفِينَ .. مُحْي الدِّين بن عَرَبِي

هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيما يرويه عن جبريل عن الله (عز وجل)، أنه قال: " ما تقرب إلي عبدي، بمثل أداء ما افترضت عليه، وأنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يمشي، وبي يعقل، وبي يبطش "، ووفقاً لهذا الحديث فإن الحقيقة الصوفية تشير إلى أن من أحب الله، وأحبه الله، فقد تمت ولايته بالحب، والمحب على الحقيقة، من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، على خلاف منطق الفقهاء، حيث يرون أن حب الله لابد وأن يتمثل في الطاعة والاقتداء بالنبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عملاً بقوله تبارك وتعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، كما أنهم يقرون أنه لا يجوز وقوع الحب إلا بين متماثلين، وطبقاً لهذا فلا مماثلة بين العبد وربه .

والمتصوفة يجيزون الحب الإلهي مستندين أيضاً على أساس متين وقويم وهو القرآن الكريم عملاً بقوله تعالى (والذين آمنوا أشد حباً لله)، وقوله في محكم التنزيل (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)، وهذا الحب لا يتحقق إلا بمعرفة كاملة وتامة بالخالق تبارك وتعالى، وإذا ذكرت المعرفة وكانت إحدى شرائطها المحبة ، تتم الإشارة دوماً إلى سلطانين لا ثالث لهما ؛ سلطان العاشقين ابن الفارض الذي أبدع شعراً فأجاز واختزل مواجيده الصوفية ناظماً:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ .

لم أقض حق هواك إن كنت الذي

لم أقض فيه أسىً ومثلي من يفي .

ما لي سوى روحي وباذل نفسه

في حب من يهواه ليس بمسرفِ .

وسلطان ثان وأخير، وهو سلطان العارفين محي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد، الملقب دوماً بالشيخ الأكبر، وإن كان لقبه الثاني بـ (سلطان العارفين) هو اللقب الذي يسود ذكره ويلازمه في مكاتيب الصوفيين وتأريخ أقطاب الصوفية في الإسلام، وهو لقب لم ينله إلا بعد أن تبوأ مكانة ومقاماً بين رجالات التصوف مكابدة ومعاناة ومعرفة وتوسعاً في الحقائق والمشاهدات، وقد قال عنه شهاب الدين السهروردي إنه بحر الحقائق. وهو بحق سلطان العارفين وإن بدا بشعره عاشقاً أيضاً، حينما نراه ينظم ناشداً:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

فقد صار قلبي قابلاً كل صورة

فمرعى لغزلان وديراً لرهبانِ

وبيتاً لأوثانٍ وكعبة طائفٍ

وألواح توراة ومصحف قرآنِ

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني .

وكثير من العامة لا يعرف أن ابن عربي من أسرة عريقة النسب والعزة والكرم، فهو من نسل حاتم بن عبد الله الطائي (حاتم الطائي)، وهو الفارس الجواد المشهور بكرم الأخلاق والآداب، ولقد ولد ابن عربي الذي نجد اسمه في بعض كتابات المستشرقين عنه بابن العربي في مرسية وهي مدينة في جنوب شرق الأندلس سنة 560 هجرية، وانتقل في الثامنة من عمره إلى إشبيلية مع أسرته فبدأ دراسة وتعلم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وكان أستاذه في علم القراءات أبا بكر محمد بن خلف اللخمي الإشبيلي وهو من أكبر العارفين والمتميزين بالقراءات وعلوم العربية .

وتذكر الكتب أنه التقى بفيلسوف قرطبة وقاضيها ابن رشد، وهو نفسه يشير إلى ذلك في كتابه الفتوحات المكية حيث لقائه الطويل معه وإثباته تفوق العلوم الصوفية على العلوم العقلانية . يقول بشأن هذا اللقاء: دخلت يوماً بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصداً منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه إلى محبة وإعظاماً، فعانقني وقال لي: نعم، فقلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي منه، ثم أني استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا، فانقبض وتغير لونه، وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ .

فقال له: نعم، لا، وبين نعم وتطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها، فاصفر لونه وأخذه الأفكل (الأفكل على وزن أحمد أي الرعدة)، وقعد يحوقل، وعرف ما أشار به إليه، وهو عين المسألة التي ذكرها هذا القطب أعني مداوي الكلوم .

وربما حالة الاستبداد التي سادت في أثناء اضمحلال وتدهور الأندلس الإسلامي هي التي دفعت الكثير من العلماء والأدباء والشعراء إلى الارتحال من الأندلس ومنهم ابن عربي رغم أن كثيراً من مؤرخي هذه الحقبة الزمنية يرون أن ابن عربي لم يكن مختاراً في القيام بالرحلة خارج أندلسه ولكنها كانت توجيهاً ربانياً . المهم في رحلته هذه أنه ارتحل إلى المشرق نحو تونس التي توقف فيها كثيراً، ثم توجه إلى مكة المكرمة ماراً بمصر المحروسة التي لم يتوقف فيها طويلاً .

وفي مكة المكرمة، توافد عليه العلماء والأولياء من كل مكان وزاوية يطلبون علمه ومعرفته الموسوعية، وهناك توثقت صلته بإمام الحرم المكي آنذاك الشيخ (مكين الدين أبي شجاع زاهد بن رستم الأصفهاني) . ثم ارتحل مجدداً إلى الطائف ومنه إلى مكة ثانية ثم القاهرة فالإسكندرية ومكة مرة ثالثة . ويذكر الرواة أنه التقى بمصر سلطان العاشقين ابن الفارض . وقصة اللقاء أن سلطان العارفين ابن عربي طلب من ابن الفارض أن يأذن له في شرح تائيته الكبرى فأجاب ابن الفارض بقوله: " إن كتابك الفتوحات المكية شرح لها " .

وما يميز ابن عربي أنه يشبه النحلة النشيطة، إذ ينتقل من روض معرفي إلى آخر، ينهل ويتعلم ويعي ويفطن ما يتعلمه، وكانت عزيمته لا تعرف الكلل، ونبغ في مجاله وميدانه حتى أجازه أساطين عصره من أمثال ابن عساكر إمام هذا الوقت وزمانه، وكذلك ابن الجوزي الذي كان علامة العصر والزمان والتاريخ . ويمكننا أن نلمح نشاط قطبنا الصوفي الكبير في مؤلفاته، حيث ترك عدداً ضخماً من المؤلفات في شتى العلوم الصوفية تقدر بحوالي ثلاثمائة كتاب من أشهرها الفتوحات المكية التي تقع في أربعة مجلدات ضخمة، وكتاب فصوص الحكم، ويعد هذا الكتاب من الدرر التي كتبت في تاريخ التصوف الإسلامي بمجمله، إذ استطاع فيه ابن عربي أن يقدم رؤية صوفية إزاء بعض التي يمكن توصيفها بالفلسفية المجردة والتي تحتاج إلى عناية كبيرة بتقديمها إلى القارئ العربي بقصد توضيحها وتيسيرها عليه، وديوان (ترجمان الأشواق)، وهذا الأخير اجتهد المفسرون وفقهاء التاريخ أن يضعوا حدوداً جغرافية وتنظيرات تأويلية له عن مقصده وهدفه ولمن كتب . ومن هذه الاجتهادات ما جاء في كتاب نفح الطيب بأن شيخ الحرمين مكين الدين كانت له أخت أطلق عليها شيخة الحرمين ومربية البلد الأمين، واسمها الأصلي (النظام)، وقد عرف عنها أنها من أرباب الأحوال والمقامات، ولقد جمعت بين الحسنيين المعنوي والظاهري، ولقد تم وصفها بأنها من العابدات الزاهدات . ولقد أعجب بعلمها ومعرفتها شيخنا (ابن عربي) بل كانت أيضاً مصدر إلهام له وتجسد ذلك في ديوانه (ترجمان الأشواق) .

وفي هذا الديوان نسج (ابن عربي) قصائد رمزية على طرائق الصوفيين الذين يتغزلون فيها بإنسان، وهم لا يقصدون من وراء ذلك سوى الإشارة إلى معانٍ سامية، وخوفاً من سوء الفهم والإدراك لصنيع ابن عربي في ترجمان أشواقه لجأ إلى وضع شرح للديوان خشية أن يتبادر إلى ذهن العامة فهم خاطئ لا يتناسب وجلال القصائد الصوفية الماتعة .

وابن عربي كصوفي وقطب كبير يختلف تمام الاختلاف مع نظرائه من أهل التصوف، فلقد ابتعد عن التقليد الذي كان شائعا ًفي زمانه، ولم يهتم بأن يكون مردداً لكلام من سبقوه بغير تفهم لمقاصدهم الرئيسة، فأتى بأسلوب رشيق وجديد ومليئ بالمفارقات والدهشة، بل كما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام ـ نصوص صوفية عبر التاريخ) إلى أن ابن عربي جاء بمتضادات مفهومية يتحير العقل إزاءها، ومن أمثال ذلك عبارته الشهيرة " سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها " . فكيف يكون الخالق هو عين المخلوق؟ .

ولقد اشتدت المجادلات حول مثل تلك العبارات الأكبرية كما يذكر جوزيف سكاتولين في كتابه، إلا أن المقصود منها لم يكن مجرد الغموض والإغراب لدى سامعيها بقدر ما كان إيقاظ روح القارئ إلى إدراك أعمق وأوسع للحقيقة الإلهية التي لا تنحصر في القوالب العقلانية العادية، إنما تظل دائماً وأبداً متعالية ومتسامية عن كل إدراك بشري.

وها هو (ابن عربي) تتكون شخصيته الصوفية عن طريق جهاد شاق وصعب ومتواصل، عن طريق القيام برياضات تنوعت بين الجوع والسياحة والأسفار الطويلة والعزلة المطلقة والصمت وذكر الله والتفكر في مخلوقاته، بجانب مجالسة ومصاحبة وملازمة الصالحين وأولياء الله، والحرص كل الحرص على الالتزام بشرع الله وأحكامه وأوامره ونواهيه .

والشرع في رأي (ابن عربي) ليس تمثلاً ظاهرياً أو صورة سطحية للمرء، لكن كان يراها صاحبنا كالشجرة الفارعة الباسقة ثمارها المعرفة ويقين الحقيقة، ويرى أنه كلما أمعن المريد في ممارسة الشرع ظهرت له حقائق كان يغفلها، وتكشفت أمامه أسرار كان يجهلها، ولن يتحقق هذا إلا بإقامة الشريعة على أصولها .

واستحقاق شيخنا (ابن عربي) لقب سلطان العارفين جاء من عمقه في تفسير وكشف أسرار العبادات، فهو لا يرى في العبادات أنها مجرد ممارسات يومية، بل يعتني بتأويلها وهو على إصراره في أن يضيف عمقاً فلسفياً للعبادات تؤهله بالفعل لنيل لقب سلطان العارفين، ومن ذلك نصيحته للمريد وهو يتأهب للصلاة، فنجده يقول في ذلك: " فإذا توضأت فاسع في الخروج من الخلاف وتوضأ أسبغ وضوء، وسم الله في بدء كل حركة، واغسل يديك بترك الدنيا منهما، ومضمض بالذكر والتلاوة، واستنشق بشم الروائح الإلهية، واستبر بالخضوع وترك الكبر، واغسل وجهك بالحياء، وذراعيك بالتوكل، وامسح رأسك بالمذلة والافتقار، وامسح أذنيك باستماع القول واتباع أحسنه، واغسل قدميك لإيطاء كثيب المشاهدة، ثم اثن على الله بما هو أهله، وصل على رسوله الذي أوضح لك سنن الهدى (صلى الله عليه وسلم)، وقف في مصلاك بين يدي ربك من غير تحديد ولا تشبيه، وواجهه بقلبك كما تواجه الكعبة بوجهك وتحقق أن ما في الوجود أحد إلا هو وأنت فتخلص ضرورة، وكبره بالتعظيم، ومشاهدة عبوديتك، وإذا تلوت فكن على حسب الآية المتلوة فإن كانت ثناء عليه فكن أنت المحدث وهو الذي يتلو كتابه عليك فيعلمك الثناء عليه فيما يثني به على نفسه".

وإذا كان موضوع الكرامات من أبرز الموضوعات التي تحتل مكاناً ومساحة عند الحديث عن التصوف وأهله، فإن صاحبنا (ابن عربي) له رأي في هذا الموضوع، فهو يرى أن الكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الجادة، والمضي قدما إلى الأمام دون الالتفات إلى أي عارض يعترض الطريق . ويشير إلى ذلك بقوله: " لا تطلب من الله في خلوتك سواه، ولا تعلق الهمة بغيره، ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ولا تقف عنده، وصمم على طلبك فإنه يبتليك، ومهما وقفت مع شئ فاتك، وإذا حصلته لم يفتك بشئ " .

ولابن عربي نظرية عميقة في الإنسان الذي يراه كوناً جامعاً، أي ووفقاً لتصور ابن عربي فإنه يجمع التجليات الإلهية في الكون كله، وعلى أساس ذلك طور (ابن عربي) مفهومه الخاص بالإنسان الكامل الذي يمثل لديه أقصى وأشمل تحقيق للكائن البشري الذي يتجلى في تاريخ الأنبياء . واستطاع جوزيف سكاتولين أن يقوم بسبر أغوار هذا المفهوم عند (ابن عربي) حينما أشار إلى أن فكرة الإنسان الكامل في تصوف ابن عربي تتضمن أبعاداً عديدة ومعقدة منها مفهوم الحقيقة المحمدية، ومفهوم " ختم الولاية " .

وهذا المعنى أورده ابن عربي في كتابه (فصوص الحكم) في الجزء المعنون بـ " فص حكمة فردية في كلمة محمدية " فنجده يقول: " إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بدئ به الأمر وختم: فكان نبياً وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين. وأول الأفراد الثلاثة، وما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها. فكان عليه السلام أدل دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسميات أسماء آدم فأشبه الدليل في تثليثه، والدليل دليل لنفسه ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات (حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث) بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة فابتدأ بذكر النساء وآخر الصلاة، وذلك لأن المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها ومعرفة الإنسان بنفسه مقدمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه، لذلك قال عليه السلام {من عرف نفسه عرف ربه} فإن شيءت قلت بمنع المعرفة في هذا الخبر والعجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، وإن شيءت قلت بثبوت المعرفة.

فالأول أن تعرف أن نفسك لاتعرفها فلا تعرف ربك: والثاني أن تعرفها فتعرف ربك فكان محمد أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه فافهم. فإنما حبب إليه النساء فحن من إليهن لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية {ونفخت فيه من روحي} ثم وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين (ياداود إني أشد شوقاً إليهم) يعني المشتاقين إليه وهو لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدجال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلابد من الشوق لمن هذه صفته. فشوق الحق لهؤلاء المقربين من كونه يراهم فيحب أن يروه ويأبى المقام ذلك فأشبه قوله (حتى نعلم) مع كونه عالماً، فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لاوجود لها إلا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التردد وهو من هذا الباب (ماترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من لقائي فبشره وماقال له لابد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت.

ولابد من التأكيد على أن كتابه هذا (فصوص الحكم) قد أثار ضجة في حياته وحتى وقتنا الراهن، وبين مؤيد ومعارض تأرجح الحكم على فصوصه، فلقد هوجم عليه ابن عربي كما لم يهاجم صُوفِىٌّ على كتاب! حتى أن الذهبىَّ وصفه بأنه من أردأ تصانيف ابن عربي، ثم ذكر نصاً قوله: " فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفرٌ، فواغوثاه بالله "، بينما وصف صدر الدين القونوي ـ تلميذ ابن عربي ـ الفصوص بأنها: من أنفس مختصرات شيخنا، وهو من خواتم منشآته وأواخر تنزلاته، ورد من منبع المقام المحمدي والمشرب الذاتي والجمع الأحدي، فجاء مشتملًا على زبدة ذوق نبينا .

وكم من حملة وجهت إلى صدر وعقل وعقيدة ابن عربي، وكم من تهمة لحقت به مثل الزندقة وهي التهمة التي واجهته عند زيارته إلى مصر المحروسة وبها قبض عليه وكاد أن يلقى حتفه بها لولا أن نفراً استطاع أن يؤول كلامه النثري ونظمه الشعري فنجا . ومشكلة ابن عربي هي مشكلة معظم أقطاب الصوفية أنهم يتحدثون بإشارات ورموز معرفية ولغوية لا يفطن كنهها العامة وربما الخاصة أيضاً، وهم في اعتقادهم ومظانهم أنهم يحادثون صفوة الخاصة فقط، وربما نجد لهم مبرراً في ذلك أنهم لم يكترثوا بنقل معارفهم كونهم في أحوال ومقامات مستدامة، ووجد لا ينقطع ولا ينقضي مع الله تبارك وتعالى فلم ينشغلوا بمستويات الفهم والإدراك لطروحاتهم الفكرية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من الحديث القائل "ما فضلكم ابو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسرّ وقر في صدره". أما هذا السرّ فقد كان متعلقا، كما يقول الغزالي، بقواعد الدين غير خارج عنها. وبما أن ما كان من قواعد الدين، لم يكن خافيا بظواهره على غيره، لهذا يفترض أن يكون ذلك شيئا آخر غير ظواهر عقائد الدين1. وإذا كانت هذه الظاهرية غير المباشرة وراء ما اسماه بغير ظواهر قواعد الدين، فلأنها النتاج الملازم لتعمق الوعي اللاهوتي الفلسفي في اطار الصوفية الإسلامية. بمعنى تعمق إلزامية الحدود الواضحة والمعقولة للجميع. لهذا اتخذت في آرائه صيغة المحاولة المنظمة لإيجاد الوحدة الممكنة والمعقولة بين الظاهر والباطن أي السرّ، وبالتالي إزالة تناقضاتها وإشكالاتها المستعصية في الذوق والكشف، من خلال التحقق بصفات الحق (المطلق) وحقائقها الموجودة في قواعد الدين. وهي الفكرة التي حاول الكشف عنها من خلال آراء التسترى القائل "للعالم ثلاثة علوم، علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر، وعلم باطن لا يسعه اظهاره إلا لأهله،  وعلم هو بينه وبين الله لا يظهره لأحد". انه حاول الكشف عن الوحدة الداخلية في هذه العلوم الثلاثة من حيث طبيعة حقائقها الجوهرية، وعن تباينها وتناقضها في ما بينها، باعتباره نتاجا ملازما لسطحية  الوعي. وبالتالي، فإن الحل الشامل لهذه الإشكالية يقوم في نفي الظاهر والباطن وإزالة الطابع السرّي للسرّ. وهو ما حاول اظهاره في مواقفه من الذات والصفات والأفعال باعتبارها هويات فكرية، أو منظومات جزئية، وكذلك في موقعها الوظيفي ومستوياتها المعرفية في كتاباته. بصيغة أخرى، ليست (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) و(الاقتصاد في الاعتقاد) وما قبلها من الأعمال سوى علم الظاهر المبذول لأهل الظاهر. أما آراؤه وإشاراته ورموزه في أعماله الصوفية فهي من علوم ما وسعه اظهاره لأهله، وما هو بينه وبين الله، أي كل ما لا يسهل التعبير عنه بشرطية اللغة وحدودها المنطقية واللغوية. إذ ليست هذه الحدود في اشد أحوالها سوى لصيغة الأكثر تجريدا للمقارنة لا لحقائق الأشياء كما هي، والتي يمكن احتواؤها الكلي في مذاق المعرفة الصوفية باعتبارها كشفا. لهذا اكد على أن المرء لا يدرك من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها إلا نفسه وصفات نفسه، مما هي حاضرة له في الحال، أو مما كان من قبل، ثم بالمقايسة إليه يفهّم ذلك لغيره2 . إذ ليس في قوة البشر، كما يقول الغزالي، إلا أن يثبت لله ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق، بأن ذلك أكمل وأشرف فيكون معظم تحريمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب به من الجلال3 .

ولم يعن ضعف القدرة على اظهار ما بينه وبين الله عجزا معرفيا، بقدر ما انه انزلاق المطلق من أن تحويه أو تمسكه حدود اللغة المشروطة بالمقايسة والمقارنة.  وألا لأدى ذلك إلى جعله فتنة للوجود الاجتماعي السياسي والأخلاقي. فهي الفتنة التي كان مفهوم "حفظ السرّ" أحد تجلياتها الفكرية الاجتماعية. فإذا كانت هذه الفكرة السالمية التسترية المصاغة بعبارة "إفشاء سرّ الربوبية كفر" و"إن للربوبية سرّ لو اظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سرّ لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سرّ لو اظهروه لبطلت الأحكام" هي الصيغة المناسبة لتجاوز حدود اللغة في لغة الحدود المطلقة، فإن الغزالي حاول توظيفها بالشكل الذي جعل منها المقدمة الضرورية للكشف عن درجات الوحدة ونفيها في الذات العارفة. بحيث جعله ذلك يشدد على أن المقصود بذلك هو ليس بطلان النبوة كنبوة، بل بطلانها في حق الضعفاء لقصور فهمهم. فالصحيح هو انه لا تناقض فيه. وإن الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه4 .

لقد أراد الغزالي إزالة "وهم التناقض والخلاف". وإلا لأدى ذلك إلى ابطال الشرع. فإذا كانت الشريعة هي عبارة عن الظاهر، والحقيقة هي عبارة عن الباطن، وانه لا تناقض ولا خلاف بينهما، فليس ذلك إلا لأنهما شيء واحد. وبالتالي فلا انقسام ولا سرّ للشرع. وأن كونهما شيئا واحدا لا يلغي السرّ، بقدر ما انه يستلزمه. لكنه لا يعني هنا سوى غير المتناهي في امتداده بين الظاهر والباطن. وهو السبب القائم وراء اعتراضه العملي عما في ذلك من خطورة محرّكة للخطب العظيمة في علوم المكاشفة. وجعله ذلك يشدد على  فكرة العقائد وأعمال القلوب، وعلاقة إحداهما بالأخرى من خلال ما اسماه بالقبول والتصديق بعقد القلب، بوصفه إيمانا. وذلك لأن العقائد في مستوى عقد القلوب بالتصديق هي الدرجة التي لا تستلزم بالضرورة  انكشاف حقائقها (العقائد). إذ لا تكليف بها ملزم للجميع. إضافة لذلك إن الغزالي لا يوردها إلا بوصفها جزءاً من عمل الظاهر لا الباطن، أي الجزء المتعلق بميدان اللاهوت والدين (الكلام والعبادات) لا حقيقة  معرفتها، مازال الباطن هو وعاء المطلق غير المتناهي.

فالكشف الحقيقي، كما يؤكد الغزالي، هو صفة سرّ القلب وباطنه، وبالتالي لا أساس لمخالفة الشريعة بالحقيقة، والظاهر بالباطن. غير أن لهذا السرّ اسباباً تمنع من افشائه، أورد منها خمسة.

السبب الأول ويعود إلى تعقيد الشيء ذاته، مما يجعل من الصعب فهمه من جانب الغالبية. من هنا ضرورة عدم الإفشاء به. لكن منع الافشاء به لا يعني العجز عن إدراكه، كما هو الحال بالنسبة لمفهوم  الروح. فمن لا يعرف الروح فكأنه لا يعرف نفسه، ومن لا يعرف نفسه فكيف يعرف ربه؟ فالعوام لا تفهم، على سبيل المثال، من صفات الله ‘لا الظواهر كالعلم والقدرة ولكنهم يفهمونها بنوع مناسبة توهموها إلى  علمهم وقدرتهم. ففي حال افتراض ذكرنا لصفات لا توجد في الخلق، لأنكروا ذلك ولم يفهموه. فحينما نذكر، على سبيل المثال، لذة الجماع لصبي أو عنين، فإنهما لا يفهما من ذلك إلا بمناسبة (مقارنة) إلى لذة مطعوم يدركه. بينما لا يكون ذلك فهما على التحقيق. والفرق بين علم الله وقدرته وعلم الإنسان وقدرته أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل. فالإنسان لا يدرك في النهاية سوى صفات نفسه.

أما السبب الثاني فيعود إلى كون الشيء مفهوماً في نفسه ولا يستصعب فهمه، إلا أن ذكره يضر بأكثرية المستمعين، مثل سرّ القدر. ولا يبعد أن "يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق، كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش، وكما يضر ماء الورد الجعل"5 . إذ كيف يبعد هذا وقولنا أن الكفر والمعاصي  والزنا كله بقضاء الله وإرادته ومشيئته حق في نفسه؟ مما يوهم بأنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح؟

أما السبب الثالث، فهو ذاك الذي يمكن فهمه فيما لو ذكر صريحا ولا ضرر فيه، ولكنه يكنى  على سبيل الاستعارة والرمز لأجل الوقع في قلب المستمع. فبإمكاننا معرفة خلاف الظاهر عن الباطن في هذه  الأقوال أما بدليل عقلي او شرعي. فالعقلي أن يدرك أن محله على الظاهر غير ممكن، مثل قوله "إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون". فظاهره ممتنع. إذ قوله "كن" إن كان خطابا لشيء قبل وجوده فهو محال. إذ العدم لا يفهم الخطاب حتى يمتثله، وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين. إلا أنها كناية أوقع في النفوس في تفهم غاية الاقتدار6 . أما الشرعي فبالتأويل. بمعنى إمكانية إجرائه على ظاهره أو تأويله كالموقف من قول القرآن (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها). إما ان يفهم بصورته الظاهرية، أو يفهم الماء باعتباره القرآن، والأودية القلوب.

اما السبب الرابع، فهو ما يدركه الإنسان جملة في بداية الأمر، ثم تفصيلا بالتحقيق والذوق، بأن يصير حالا ملابسا له فيتفاوت العلمان، كرؤية شخص لآخر في الظلمة أو على بَعد. إذ يجعل له علم بوجوده في الحالة الأولى يختلف بعد زوال الظلمة أو القرب. آنذاك يدرك التفرقة. ولا يعني هذا الخلاف تناقضا أو مضادة، بل هو استكمال له7 . وسعى لتطبيق هذا الاستنتاج على كل ما له صلة بالمعرفة والإيمان. انه حاول البحث عما هو مكمل ومتمم، ولكن في اطار تآلفه الفكري. فالإنسان، على سبيل المثال، يصدق بوجود العشق والمرض والموت قبل وقوعه، ولكن تحققه به عند الوقوع أكمل من تحققه قبل الوقوع. بل للإنسان في كل حال ثلاثة أحوال، ما قبل وقوع الشيء وأثناءه وبعده. فإدراك المرء، على سبيل المثال، حقيقة الحالة قبل الجوع وأثناءه وبعده غاية في التباين، ولكنه لا تناقض في حقيقة المعرفة. بمعنى، أن ما جرى هو تحقيق في مستوياتها تكشف عن وحدة المعرفة في الإدراك والسلوك. وينطبق هذا بالقدر ذاته على قضايا الدين كلها، بما في ذلك على قواعد العقائد. فإدراك حقائقها يمكنه أن يؤدي في إحدى درجاته إلى تذوقها، إي إلى اكتمال حقيقة المعرفة، وبالتالي تحولها إلى باطن بالإضافة إلى ما قبلها، أو الدرجة العليا في  إدراك تجليات حقائق الذات الإلهية وصفاتها، والتي دعاها أيضا بالكشف الحقيقي و"صفة سرّ القلب وباطنه"، أو هو ذاته فتوح طريق اللانهاية في المعرفة. إذ لا نهاية للذات الإلهية، وليس لمعرفتها حد، وبالتالي ليس للارتقاء المعرفي الأخلاقي في مدارجها نهاية. وجعله ذلك يشدد في آن واحد على تفاوت الخلق في درجات المعرفة، وعلى غياب تناقض الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، والسرّ وكشف السرّ، والخفاء والجلاء، لأنها لم تعد سوى تجليات ومستويات وحالات للمعرفة لا حقائقها كما هي.

ووضع ذلك في مقدمة إدراكه لحقيقة الوحدة في الوجود، باعتبارها تجلياً لحقيقة الوحدة الإلهية في ذاتها، أي كل ما يتطابق مع مستوى التعبير بلسان المقال عن لسان الحال. بمعنى إدراك حقيقة الوحدة  في كل ما هو موجود، باعتباره حقيقة الجود الإلهي أو إدراك الحقائق في وحدتها كانعكاس للوحدة القائمة في الوجود، وفي الله. إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، كما يقول الغزالي. فعندما يقول القرآن "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" فليس غير البليد الذي يعتقد ويقدّر أن لهما حياة وعقلا وفهما للخطاب، أما البصير فيفهم من ذلك انه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين  إلى التسخير. وكذلك الحال بالنسبة لقوله "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". بمعنى ليس إلا البليد من يعتقد  أن للجمادات حياة وعقلا ونطقا، أما البصير فيفهم من ذلك أن ما أريد به ليس نطق اللسان، بل كونه مسبحا بوجوده، مقدسا بذاته، وشاهدا بوحدانية الله.

لقد أراد الغزالي القول، بأن كل ما في الوجود شاهد على الوحدة وحقيقتها العليا في ذات الله. إذ ليست الوحدة القائمة في وجود الأشياء إلا فعله.  ووضع كل ذلك في سعيه البرهنة عليه من خلال ما اسماه بالمستوى المعرفي في طور ما وراء العقل، أو مستوى الكشف الذوقي، الذي يرى في كل ما هو قائم لسان الحال الناطق بحقيقة الحق (الله)، أو الوجود من وراء كل وجود. فعندما تكلم عن تأمل فعل الله، فإنه أكد على ضرورة "أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل. فمن عرف الحق رآه في كل شيء. إذ كل شيء منه وإليه وبه وله. فهو الكلّ على التحقيق. ومن لا يراه، فكإنه ما عرفه. ومن عرفه عرف إن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن كل شيء هالك إلا وجهه. لا يبطل في ثاني الحال، بل هو الأن باطل، وإن اعتبر ذاته من حيث هو. إلا أن يعتبر وجوده من حيث انه موجود بالله وبقدرته فيكون له بطريق التبعية ثابت وبطريق الاستقلال بطلان محض"8 .

وبهذا يكون قد حوّل الله في حقيقة المعرفة إلى مبدأ الوحدة السارية في الوجود، باعتباره الفعل المنظم لوحدته وترتيبه. ومن هنا تكراره لعبارة انه "ليس في الوجود سوى الله وأفعاله"9 . وإن كل ما في الوجود هو منه وإليه وبه وله. فهو الكلّ على التحقيق وفي حقيقة إدراكه. إذ لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالَم، كما يقول الغزالي، إلا وهو حسنة من حسناته، وأثر من آثار كرمه، وغرفة من بحر جوده، بل كل حسن وجمال أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدأ العالم إلى منقرضه، ما هو إلا ذرة من خزائن قدرته ولمعة من أنوار حضرته. فالمتحقق بالمعرفة "لا يعرف غير الله. إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا الله وأفعاله"10 . ووضع هذه النتيجة في عبارته المفارقة القائلة "سبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره، واستتر عن الأبصار بإشراق نوره. ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ودهشت القلوب وتخاذلت القوى وتنافرت الأعضاء"11 .

وإذا كانت هذه النتيجة هي الخاتمة التي يختتم بها لسان الحال تعبيره عن مقال الكلام وحدوده المعقولة، فإنها تكشف في عباراتها المفارقة عن بداية الطريق غير المتناهي في مساعي الإدراك الحقيقي للذات الإلهية، باعتبارها مساعي الأنا العارفة. فالذات الإلهية لم تعد ميدانا للعقل الكلامي في مهاتراته وتأملاته، بل الكلّ المتجانس، والوحدة الفاعلة في الوجود. وهذه بدورها هي الله وأفعاله. كما أنها المفارقة التي يقف أمامها العقل الكلامي مبهوتا، والقلب الصوفي مندهشا في سلوكه الدائم للتخلق بأخلاقها.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص100.

2- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

3- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

4- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص100.

5- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

6- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص102.

7- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص102.

8- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص103.

9- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص283.

10- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص330، ج2، ص280، ج3، ص15.

11- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص280.

 

ميثم الجنابيلقد أورد الغزالي في (إحياء علوم الدين) في مجرى تناوله معرفة ذات الله، باعتباره الركن الأول من أركان الإيمان، نفس المفاهيم التي سبق وأن وضعها في (الاقتصاد في الاعتقاد). لكنها لم تعد تحمل هنا تسمية الدعاوى العشر، بل الأصول العشرة.

الأول منها يقوم في ضرورة معرفة الله ووجود الله. وينبغي أن تستند هذه المعرفة إلى ما في القرآن من إضاءة روحية وعملية لها. بمعنى الاستضاءة بأنواره وسلوك ما فيه من اعتبارات وإرشادات للنجاة. إذ أن ما في القرآن من آيات مثيرة للعقل في تأمله الكون وعجائب الخلق والسموات والأرض وبدائع فطرة الحيوان والنبات وترتيب وجود الأشياء يبرهن على أن وجودها لا يستغني عن صانع يدبّره وفاعل يقدّره[1]، أي كل ما جعله يقرر بأن ما في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان. وفي ما لو جرى صياغة هذه الفكرة حسب تقاليد "العلماء النظّار" (المتكلمين)، فمن الممكن التعبير عنها بفكرة "إن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه. والعالم حادث فإذاً لا يستغني في حدوثه عن سبب"[2]. وشرح هذه الفكرة وتأسيسها العقلي (الكلامي) انطلاقا من أن كل حادث مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره، من هنا فإن اختصاصه بوقت محدد يفتقر بالضرورة إلى المخصص. أما كون العالَم حادث فبرهانه أن الأجسام والعالم لا تخلو عن الحركة والسكون. وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. بمعنى كل ما  ندركه بالبديهة والاضطرار. فالحركة والسكون ملازمان لوجود الأجسام كلها. وكونهما حادثين هو تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد الآخر. لأنه لو ثبت قدم الشيء لاستحال عدمه. وقد حدد ذلك الاستنتاج الأخير القائل، بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. إذ لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها. وفي حالة افتراض ذلك لا تنفى وجود الحادث الحاضر واستحال وجوده. إذ أن انقضاء ما لا نهاية له محال. مما يبرهن على افتقار الحوادث إلى محدثها[3].

أما الأصل الثاني فهو العلم بأن الله قديم لم يزل، وانه أزلي ليس لوجوده أول. بل هو أول كل شيء، لأنه لو كان حادثاً لافتقر هو أيضا إلى محدث، وافتقر محدثه إلى محدث وإلى ما لا نهاية. الأمر الذي يستلزم الإقرار بأوليته[4].

أما الأصل الثالث، فهو العلم بأن الله مع كونه أزليا أبديا، ليس لوجوده آخر. فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. أما برهان ذلك فيقوم في انه لو انعدم لكان ذلك أما لسبب في ذاته أو في شيء ما آخر يعدمه وكلاهما يتعارضان مع الأصول السابقة[5].

أما الأصل الرابع، فهو العلم بأن الله ليس بجوهر متحيز وذلك لأن كل جوهر متحيز هو مختص بحيزه. ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه أو متحركا عنه. بمعنى انه لا يخلو من السكون والحركة، وهما كلاهما حادثان[6].

أما الأصل الخامس فهو  العلم بأن الله ليس بجسم مؤلف من جواهر. غذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر. وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز، بطل كونه جسما، لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر. والجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار. وهي سمات الحوادث[7].

أما الأصل السادس، فهو العلم بأن الله ليس بعرض قائم في جسم أو حال في محل. لأن العرض ما يحل في الجسم. وكل جسم فهو حادث لا محالة، ويكون محدثه موجودا قبله، فكيف يكون حالا في الجسم، وقد كان موجودا في الأزل وحده؟[8].

أما الأصل السابع، فهو العلم، بأن الله منزه عن الاختصاص بالجهات فالجهات مخلوقة بالإنسان. والإنسان مخلوق. وإن الجهات حادثة بحدوث الإنسان. ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة، بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن للجهات المعتادة وجود البتة. وما ورد في الشرع من تكليف في رفع الأيادي  والتوجه للسماء أو الانحناء للأرض والتوجه للقبلة، فهي اشارات إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، لأنه فوق كل وجود بالقهر والاستيلاء[9].

أما الأصل الثامن، فهو العلم بأنه مستو على العرش بالمعنى الذي أراد الله بالاستواء. وهو الذي لا ينافي معنى الكبرياء ولا يتطرق اليه سمات الحدوث والفناء. وهو الذي اريد بالاستواء إلى السماء. وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر:

قد اسـتوى بشر على العـراق     من غير سـيف ودم مهـراق

أي تأويل الاستواء بالحق، كما اضطر أهل الباطن إلى تأويل جملة من الآيات والحديث[10].

أما الأصل التاسع، فهو العلم بأن الله مع كونه منزها عن الصورة والمقدار، مقدسا عن الجهات والأقطار،  فهو مرئي بالأعين والأبصار، في الدار الآخرة. ويرى في الدنيا. أما رؤيته الظاهرة فهي نوع كشف وعلم مثل تعلق العلم به وليس في جهة، أي إمكانية رؤيته من غير مقابلة كما يجوز العلم به من غير كيفية  وصورة[11].

أما الأصل العاشر، فهو العلم بأنه واحد لا شريك له، فرد لا ند له. انفرد بالخلق والإبداع، واستند بالإيجاد والاختراع لا مثيل له يساهمه ويساويه، ولا ضد له فينازعه ويناوئه[12].

إن تحول الدعاوى العشر إلى الأصول العشرة يعكس طبيعة الانقلاب العميق في مضمون العقائد المتعلقة بالذات الإلهية. بمعنى أنها لم تعد جزءًا من تقاليد الكلام في جدله وخلافاته ودعاويه، بل  "العلم" الضروري للوجود الاجتماعي الأخلاقي للأمة في وحدتها الروحية، أو المبادئ العامة في منظومة القيم الميتافيزيقية والدينية المحيطة بتكاليف الشرع وعباداته. مما يعني تكملتها العملية للإصلاح العقائدي في مستواه المقنن والظاهري. وبالتالي نفي تقاليد الكلام والإبقاء عليها في فاعليتها للعوام، باعتبارها أصولا ومبادئ كامنة وراء خلفية التطور الفردى والاجتماعي للأمة في عقائدها وإيمانها. مما يعكس تفريغ المبادئ العامة للكلام عن الذات الإلهية من حوافز المذهبية الضيقة ونزوعها التبريرى التقليدي. وبالتالي صهر الحصيلة النظرية للكلام في المهمات المدركة للوجود الروحي للأمة، أي تحصيل التجربة الاجتماعية السياسية والأخلاقية للأمة في قرونها الخمسة السابقة. وهذا بدوره يفسر بقاء صيغتها الكلامية في تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي على أنها أركان في صرح الإيمان الإسلامي للعوام. لأنها الصيغة التي استجابت في مظهريتها وتقنينها السنّي إلى ورع الاعتدال المعقول، باعتباره المكون الجوهرى للإحياء الشامل، كما صاغه في (إحياء علوم الدبن).

إن الأصول العشرة العامة كما وضعها في (إحياء علوم الدبن) عن الذات الإلهية ما هي إلا الصيغة الأولية ومستواها الكلامي، تماما كما هو الحال بالنسبة للصفات والأفعال، بمعنى تضمينها نفس العناصر الوظيفية لعلم الكلام (الذي انتقده الغزالي انتقادا لاذعا باعتباره علما لا يبحث عن الحقيقة كما هي)، كما هو جلي في (الاقتصاد في الاعتقاد)، وبصورة أدق في (الرسالة القدسية). وبغض النظر عن إدراجه (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) في (إحياء علوم الدبن)، إلا أنها كانت في حصيلتها العامة الصيغة الأكثر تبسيطا والأكثر اعتدالا والأكثر إيجابية لما في (الاقتصاد في الاعتقاد). أنها الاستمرار النظري المقنن والعقائدي للرد الإيجابي الذي وعد بتنفيذه، بعد اتمام انتقاداته للفلاسفة في (تهافت الفلاسفة). فقد كرر في (الرسالة القدسية) ذات المفاهيم التي أوردها في (الاقتصاد في الاعتقاد) عن الذات الإلهية. وينطبق هذا بالقدر  نفسه على مثال الصفات والأفعال. إذ لا نعثر على أي جديد في (الرسالة القدسية) مقارنة بما في (الاقتصاد في الاعتقاد). وإذا كان هو قد أشار في وقت لاحق في (جواهر القرآن ودرره) و(المقصد الأسنى في  شرح اسماء الله الحسنى) إلى أن (الاقتصاد في الاعتقاد) هو من نوع مؤلفاته في علم الكلام، وأن إدراجه (رسالة قواعد العقائد) في (إحياء علوم الدبن) هو لأجل أن تحفظها العوام، فإن آراءه ومواقفه العامة لا تعني من حيث طابعها "البرهاني" سوى الصيغة الظاهرية والكلامية أو ما اسميته بالمستوى اللاهوتي الفلسفي.

إن هذا التداخل المتشابك بين وظيفة الكلام وحدوده العقلية، بين رفضه المبدئي في ميدان الحقيقة وضرورته في حدود الإيمان للعوام، قد وضع الغزالي أمام الإشكالية الحية عن حدود الحقائق الكلية والجزئية في وظائف الكلام، ومعنى التقليد وقيمته بالنسبة للوحدة والنظام. ومن ثم كيفية حل هذه الإشكاليات الفكرية العملية في تآلفه الاحيائي. فقد كان رفض الغزالي ودحضه للتقليد يجرى في اتجاه إظهار إعاقته الجدية لإدراك الحقائق كما هي. مما يعني أيضا إقراره بالإمكانية الواقعية والفاعلة للفكرة القائلة، بأن الحقائق التقليدية لا تكف عن أن تكون حقائق، وبالتالي لم يعن رفض التقليد سوى رفض منهجيته لا ما في اعتباراته وإشاراته وحججه وبراهينه من حقائق مبنية في مجرى الصراع الفكري وتأسيسه النظري.

إن هجومه ضد التقليد بشكل عام وتقليدية الكلام بشكل خاص موجه اساسا صوب إثارته روح الإيمان الحق وأركانه في العقائد المعقولة تجاه الذات الإلهية. إذ لم تعد هذه العقائد تقليدية شكلية، لأنها تفترض في منظومته إمكانية إدراكها اللاحق في تجارب الأفراد والجماعة. بمعنى اكتشاف أبعادها غير المتناهية انطلاقا من لا تناهي التجارب الإنسانية في بلوغ معرفة ذات الله. مما يعني رفعه ضرورة التجربة الفردية إلى مصاف المطلب الواجب في استيعاب حقائق العقائد. وقد تضمنت آراؤه هذه في اطار منظومته الإحيائية، محاولة حل إشكاليات العلاقة الواقعية والمثالية بين الطابع الوظيفي والحقائقي للفكرة في وحدة العقائد الكبرى للعوام، أي أيديولوجيتها الروحية. لأنه وجد في التمسك بأسسها (أركانها وأصولها) العقائدية خيوط الوحدة الاجتماعية الفكرية، وبالتالي تأسيسه لفكرة الضرورة في وحدة الأسس الروحية، أو  المبادئ الكبرى للوعي والنظام الاجتماعيين. أما الصيغة المعقولة لهذه الأسس عند العوام فقد وضعها بصيغة قواعد العقائد. في حين لم تعن التبريرية الظاهرية في بعض آرائه هنا،ومن الناحية التاريخية، سوى سلبية الشكل ايجابية المضمون. انه أدرك طابعها الوظيفي في مطلق الحقيقة ونسبية الممارسة. فالتقنين المرَّتب في قواعد العقائد هو أيضا تقنين اللانهاية، بمعنى احتوائه الخفي على وحدة الظاهر والباطن، النهائي واللانهائي، باعتبارها درجات ضرورية بفعل تباين الخلق في استعدادهم لقبول المعرفة. لهذا أكد على سعيه الاقتصار بالترجمة البسيطة لعقيدة العوام كافة. وبما أن وراء العوام درجات لا تحصى، لهذا يمكن القول بأن الغزالي، لم يعن بقواعد العقيدة المبسطة هنا سوى البوابة الضرورية لفتوح الإمكانية الدائمة في معرفة حقائق الوجود بمنظور الوحدانية الإسلامية. من هنا جوهرية حله لإشكالية السر ّالقائم في علاقة الظاهر بالباطن، والشريعة بالحقيقة، والعقل بالذوق. حيث كان هذا الحل، الأساس المعرفي النظري لاستيعابه وحدة الذات الإلهية.

 

ميثم  الجنابي

..........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص105.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106-107.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

 

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من الفكرة القائلة، بأن كل حادث له سبب، وبما أن العالم حادث، فيلزم أن يكون له سبب. إذ ليس العالَم بنظره، سوى كل موجود ما عدا الله من أجسام وأعراض. وكل ما هو موجود أما متحيز أو غير متحيز. ففي الحالة الأولى أما أن يظهر باعتباره جوهرا فردا (أي ما لا ائتلاف فيه) أو جسما (ما هو مؤتلف من جواهر عديدة). أما في الحالة الثانية (غير متحيز) فيظهر أما باعتباره عرضا، أي ما يستدعي وجوده جسما آخر يقوم به أو ما لا يستدعي وجوده شيئا آخر وهو الله. فالله بهذا المعنى يظهر كوجود لا متحيز، قائم بحد ذاته لا يرتبط وجوده بوجود ما آخر.ذلك يعني أن الله وجود ليس بجسم ولا جوهر متحيز ولا  عرض. مما يؤدي بدوره إلى انعدام إمكانية إدراكه بالحس، ولكننا ندعي وجوده وإدراكه بالدليل لا بالحس1 .

وشكلت فكرة حدوث العالم المقدمة الأساسية للبرهنة على ذات الله، انطلاقا من أن الحادث هو ما كان معدوما ثم صار موجودا. وذلك مما يمكن تصور وجوده. إذ لا يعني تحول المعدوم إلى موجود سوى انه غير واجب الوجود بذاته. وفي الوقت نفسه يدل على أن ذلك ليس مما يستحيل وجوده، وإلا لم يوجد. فالعالم هو الأجسام والجواهر. والبرهنة على حدوثه، كما يقول الغزالي، قضية ليست معطاة بالعقل كما هو الحال بالنسبة لمفهوم الحادث. فالجوهر، على سبيل المثال، لا يخلو من الحركة والسكون. وكلاهما حادثان. أما الحركة فحدوثها ملموس. وإذا افترضنا وجود جوهر ساكن كالأرض، على سبيل المثال، فافتراض حركته ليس بمحال. بل إننا نعلم جواز هذه الحركة بالضرورة. وإذا وقع ذلك الجائز (أي الحركة  بعد السكون) كان حادثا. وبالتالي يصبح معدما للسكون فيكون السكون أيضا قبله حادثا. وذلك لأن القديم لا ينعدم. بمعنى أن تحول السكون إلى حركة وبالعكس هو بحد ذاته دليل على حدوثها، باعتبارها تغيرا جوهريا أاو انتقالا نوعيا من حالة لأخرى. مما يؤكد افتراض عدم قدمها. فالقديم، كما يؤكد الغزالي، لا ينعدم. لهذا رفض الافتراض القائل بإمكانية انتقال الأعراض باعتباره الأسلوب المناسب أو الفرضية الممكنة لإزالة التناقض القائم هنا، انطلاقا من أن الجوهر لا يخلو من كمون الحركة فيه أو ظهورها. وكلاهما (الكمون والظهور) حادثان. وبالتالي فإن الجوهر لا يخلو من الحدوث. ومن يفهم حقيقة العرض يدرك استحالة الانتقال فيه. إذ ليس الانتقال سوى عبارة أخذت من انتقال الجوهر من حيز إلى آخر. مما يثبت في العقل من أن فهم الجوهر والحيز واختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر. وبما أن العرض لابد له من محل، تماما كما لابد للجوهر من حيز، فقد أدى ذلك إلى تخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة الجوهر إلى الحيز، فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه كما في الجوهر2.

إن عدم التفرقة بين محل العرض وحيز الجوهر أدى إلى التباس المطابقة بينهما. فالمحل وإن كان ملازما للعرض، مثلما أن الحيز لازم  للجوهر، إلا أن بين لزوم الأول والثاني فرق. فربّ لازم ذاتي للشيء ورب لازم ليس بذاتي للشيء. ولم يقصد الغزالي بالذاتي هنا سوى ذاك الذي يرتبط به وجود الشيء ارتباطا ضروريا. وبما أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، لهذا لا يؤدي فقدان حيز زيد إلى فقدان زيد. بينما لا يمكن تصوره (زيد) بدون عرضه (طوله). لقد أراد من وراء ذلك البرهنة على أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، انطلاقا من علمنا أولا الجسم والجوهر ثم ننظر بعد ذلك في الحيز، وما إذا كان أمرا ثابتا أم أمرا موهوما، أي كل ما يمكننا الوصول إليه بالدليل العقلي والحسي. لهذا اعتبر "اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيّزه".  فالجوهر عقل وحده. وعقل الحيز به لا الجوهر عقل الحيز على خلاف ما هو مميز للعرض. فهو عقل بالجوهر لا بنفسه. فإذا قدّرنا مفارقة العرض لذلك الجوهر المعين فقد قدّرنا عدم ذاته. وذلك لأن ذات العرض تابعة للجوهر المعين وليس له ذات سواه.

أما الدعوى الثانية فتقوم في محاولته البرهنة على حدوث العالم من خلال الرجوع إلى السبب الأول. بمعنى انطلاقه من أن إثبات حدوث العالم يستلزم الإقرار بافتقاره إلى سبب آخر. وهذا السبب يفتقر بدوره إلى سبب آخر وهلم جرا. ولا يمكن لهذه الأسباب أن تترتب وتتسلسل إلى ما لانهاية. مما يلزم بالضرورة الإقرار بوجود قديم خالق. ولم يعن هذا القديم، بنظره، سوى أن "وجوده غير مسبوق بعدم. فليس تحت لفظ القديم إلا اثبات موجود ونفي عدم سابق"3 .

اما الدعوى الثالثة فتستند إلى الفكرة القائلة بأن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل، فهو باق لا يزال، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. ومن هذا المنطلق حاول دحض الفكرة المعتزلية القائلة بأن المعدوم شيء وذات.

أما الدعوى الرابعة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه. إذ لو كان متحيزا لكان لا يخلو من الحركة في حيزه أو السكون فيه. وما يخلو من الحوادث فهو حادث.

أما الدعوى الخامسة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم متألف من جوهرين متحيزين. وإذا استحال أن يكون الله جوهرا متحيزا استحال أن يكون جسما.

وقد حدد ذلك بدوره مضمون الدعوى السادسة والقائلة بأن صانع العالم ليس بعرض. إذ ليس العرض سوى ما يستدعي وجوده ذاتا تقوم به. وشكلت بهذا المعنى مقدمة الدعوى السابعة القائلة بأن الله ليس في جهة مخصوصة من الجهات. فمن يفهم معنى لفظ الجهة والاختصاص، كما يقول الغزالي، يفهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض. وبالتالي لا معنى للآراء التي تحاول أن تستنبط جهة الله استادا إلى ما في ظاهرية العبارات من إشارات. وذلك لأن التوجه لله (في السماء) تضرعا أو إلى الكعبة (في الأرض) عبادة، لا يعني اشارتها إلى حقيقة الذات أو تطابقها مع المكان. وذلك لأن ربط الذات الإلهية بالمكان أو الزمان هذيان. كما أن التضرع إلى السماء وما شابه ذلك هي أمور مختصة بالشرع لا بالعقل. فالتوجه للسماء والانحناء للأرض هي أسرار تقوم حكمتها في استمالة القلوب. أما مقصود الدعاء لله فمنزه عن الحلول في البيت والسماء. أما تصور الله في السماء أو الأرض فهي تصورات العوام وسوء فهمها لإشارات الجوارح (الظاهر)4 . فعادة ما يصعب عليها نفي الجهة وذلك لأنها قضية عقلية خالصة يصعب إدراكها بأساليب التمثيل والوهم والحس. فهي أساليب لا تتعامل إلا مع الأجسام. في حين إن الله ليس بجسم ولا  جوهر ولا عرض.

وإذا كانت هذه الصيغة تتعارض مع الظاهرية السنّية، ولحد ما القرآنية في عباراتها المباشرة عن العرش والاستواء وما شابه ذلك، فإن الغزالي حاول حلها من خلال ما اسماه بالدعوى الثامن، أي الضرورية للعوام من حيث يقال لهم، بأن الله منزّه عن أن يوصف بالاستواء على العرش، وانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي حالة إلحاحها بالسؤال فلا بأس من أن تجاب بما أجاب به مالك بن أنس، من "أن الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب". أما فكرة كون الله "ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا" فينبغي أن تصاغ ضمن إطار مفهوم "وهو معكم أينما كنتم" بمعنى انه "مع الكلّ بالإحاطة والعلم"5 . وبهذا يكون قد سعى من وراء ذلك نفي التشبيه والتجسيم من خلال إبراز مطلق الذات الإلهية. فالاستواء بالنسبة له هو مجرد نسبة للعرش. أما هذه النسبة فهي كونه معلوما أو مرادا أو مقدورا عليه أو محلا مثل محل العرض أو مكانا مثل مستقر لجسم، ولكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلا، وبعضها لا يصح اللفظ للاستعارة به له. فليس الاستواء هنا، في حالة النظر إلى القضية من زاوية اللغة وما لا يتخيله العقل، سوى السيطرة، كما في الشعر القائل:

قد اسـتوى بشر على العـراق    من غير سـيف ودم مهـراق

وحاول تطبيق هذه الفكرة على موقفه من "نزول الله". إذ لم يعد النزول سوى إضافة بالمجاز. أما بالحقيقة فهو مضاف إلى ملك من الملائكة. تماما كما هو الحال في الآية (واسأل القرية) أي أهلها. بمعنى التلطف والتواضع في حق الخلق، كما يستعمل الارتفاع بمعنى التكبر. أما نزوله في الليل فبمعنى أن "الخلوات مظنة الدعوات. فالليالي اعدت لذلك حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم ويصفو لذكر الله"6 .

أما الإبقاء على الصيغة الإسلامية في اطار عقائدها الكبرى، فقد حدد بدوره مضمون الدعوى التاسعة في ما اصطلحت عليه تقاليد الكلام برؤية الله، أي أن الإقرار بإمكانية رؤية الله لا يتناقض مع نفي الجهة. فالأخيرة لا تعني نفي الرؤية، بل تستلزمها. فالله مرئي لوجوده. ووجوده ذاته. فالوجود لذاته لا لفعله أو صفة من صفاته. وبما أن كل موجود ذات، من هنا ضرورة رؤيته، تماما بالقدر الذي يوجب ذلك كونه معلوما7 . أما الدليل العقلي على الرؤية فيقوم، حسب نظر الغزالي، في أن كل ما ينطبق على الوجود ينطبق عليه، باستثناء الحدوث، وما لم يناقض صفة من صفاته. إذ لا سبب ضروري لنفي الرؤية. أما نفي رؤيته فمتأتٍ مما تعوّد عليه الحس والنظر في رؤية الأشياء والأجسام. فالله يرى نفسه ويرى العالم، وهو مع ذلك لا في جهة من نفسه ولا في العالم. وإذا جاز ذلك فقد بطلت آراء الحشوية، والتي لم يكن بإمكانها فهم  معنى موجود لا في جهة، والمعتزلة، التي نفت الجهة ولم تثبت الرؤية.

أما الدعوى الأخيرة، فهي دعوى إن الله هو الواحد. فهو واحد، بمعنى رجوعه إلى ثبوت ذاته ونفي غيره، ولا ند له بمعنى أن كل ما سواه مخلوق له. وبالتالي فهو أجلّ الموجودات.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..................

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص14.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص16.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص19.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص24.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص27.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

 

عادل بن خليفة بالكحلةمقدّمة: الدولة التسلطية واستعمال الشرطة:

للدولة الاستبدادية أشكال تاريخية عديدة ومنها شكل الدولة التسلطية، وهي دولة استبدادية تابعة ذات سلطة بيروقراطية تسود المجتمع عبر توسيعها »  قدراتها على تنسيق للبنى التحتية بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل امتدادا لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة والمجتمع « (1). وهي ظاهرة حديثة بالعالم العربي، ورثت الدولة السلطانية، متبنية التبعية للمركز الغربي ونماذجه المفروضة المشوهة(2).

و أهم سمات الدولة التسلطية هي أن مشروعية النظام تقوم على القهر من خلال اعتماد الدولة للإرهاب المنظم ضد المواطنين، ووجود نخبة متسلطة عسكرية وشبه عسكرية ومدنية مع حزب حاكم يدعي التنويرية، وتركيبة بيروقراطية- عسكرية أو بيروقراطية –شُرْطية للدولية، مع بُنى مساعدة كالحرس الوطني والبوليس السري والمباحث والاستخبارات والميليشيات الطائفية أو القبلية(3)، من أجل تأبيد السيرورة التسلطية ومنافعها المعاشية والسياسية والثقافية المتمركزة بأيدي الطغمة المهيمنة وتحالفاتها.و قد قامت الدولة التسلطية على التبعية للمركزية الغربية، ولا يمكنها أن تستمر دونها. وعادة ما ترجع الدولة التسلطية العربية إلى انقلاب عسكري أو شُرْطِيّ دموي أو أبيض يدشنها.

و هي تستعمل القمع وتُدَبِّر العنف السياسي من أجل تأسيس مشروعية نظامها، ولكنها لا تكتفي بهما، أو بالأحرى لا تكتفي بشكلها التقليدي، الجسدي، »فقد تغيرت طبيعة السياسي وأصبح تأثيره أكثر شمولية وعسفا وعشوائية،  وأصبحت الآليات المستخدمة فيه أشد إيذاء وأكثر ضحايا«(4). وهو لا ينتهي عن ابتلاع المجتمع المدني فحسب، بل يتحول أحيانا إلى غرض لذاته، ويهدف إلى الاستعباد الماكر المَبَّطن الكامن والمعاشي والسياسي والحضاري، ليكون ضمن حلقات »الأمن الأمريكي« الذي هو عنوان الحقبة ما بعد الاستعمارية(5).

و مما ساعد على تركز عنف الدولة التسلطية العربية، الطفوليةُ السياسيةُ لبعض الأحزاب والتنظيمات حتى المنتسبة للتقدمية التي كانت مستعدّة- مع بعض المثقفين- لإعانة الانقلاب العسكري أو الشُّرْطي، على أن يسلمها الانقلابيون السلطة بعد أمد قصير، ولكنهم فور إحكام قبضتهم تنولّد عندهم شهوة للسلطة المطلقة استزلامًا(6) للتّرقي المعاشي وللامتيازات المادّية ليصنعوا لها مبررا دستوريا مشرّعا(7).

و لقد استخدمت الدولة التسلطية القوة المنظمة للدولة من أجل قمع كل أشكال القوى المنظمة الأخرى كالأحزاب والتنظيمات السياسية أو تدحينها أو السيطرة عليها, للاستيلاء على النظام السياسي بكامله، وقد تطلَب ذلك تلاعبا بالدساتير والقوانين(8). وبذلك تتمَ عملية عزل عامة الناس وقواهم وتنظيماتهم المستعملة عن كل مشاركة ليقتصد دورهم على التأييد(9).

بقي عنف السلطة الحقيقية غير متعين في أكثر الأحيان، وذلك لدفع شبهات الاعتداء من السلطة الحقيقية، وخاصة السلطة الشرطيَة السرَية - إلى الظلَ. فتكون قوانين حقوق الإنسان الواجهة الظاهرية أمام المراقبين الأجانب. والواقع أنَ التَعارض الظَاهري بين سلطة الحزب الحاكم وميليشيَاته المحلَيَة وسلطة الشرطة السَرَية يعكس الازدواج الأصلي القائم بين الحزب والدولة. وقد استفادت الشرطة السرية من هذا الازدواج والالتباس بميليشيات الحزب فانطوت على شبكة من العملاء بالغة التعقيد والامتداد، أوكلت إلى كل دائرة فيها أن تراقب الأخرى وتتجسس عليها(10).

فكلما كان أعضاء الحكم ظاهرين، كان نفوذهم متضائلا، وحين تكون المراقبة في السَر تبدأ السَلطة الواقعية(11). وهذا ما يعلي نفوذا أكثر الشرطة والمتعاونين معها من الحزب الحاكم والعامة الفقيرة. فكلما كان الفقر أكثر كان الولاء أكثر، وكلما كانت سلطة الدرك السَري أكثر غموضا كانت صورتها لدى المواطنين أكثر عنفيه وإرهابية، متوهمين أنهم في مواجهة مباشرة مع السلطة المتعيَنة.

و هذا ما يجعل الأوامر تتبدّى في بساطتها "ذات فعالية حاذقة"، ولا توفر احتكارا مطلقا للسلطة فحسب، بل ثقة لا نظير لها لأوامر ينبغي أن تنفذ على الدوام(12). ولذلك يقول أعوان الشرطي ذوو الزي الرسمي، الظاهريون: »أَوَامِرْ ! اللْه غالبْ ! إِحْنَا نْفْذُو الأَوَامِرْ! « .

بَيْد أن سيرورة انتقال مراكز القوى والالتباس في المسؤولية الشُّرطية والسلطوية يضمنان استقلال المستبد عن مرؤوسيه وتنصّله في كل وقت عمَّا يقترفونه، وليكون الجسم السياسي للبلاد، العديم الشكل، بعيدًا عن كل صدمة. فالاعتراض الحقيقي يتطلب مواجهة لشكل متعين، إذ أن التعدّد في الأجهزة وهذه العدمية في الشكل يستهدفان القضاء على كل محاولة للإمساك الإدراكي من قِبل المواطنين والمناضلين.

الدولة التسلطية واستراتيجية قمع المعترضين:

2-1- عوامل استمرار الفساد بمؤسسة الشرطة:

للمصطلحية الدارجة دلالات على المكانات والوظيفة والمتخيَّل المتلبس بالأعوان الاجتماعيين.

فمصطلح »شُرْطِي« غير موجود مطلقا في الكلام الدارج التونسي، بل هناك مقابله المستعار من لغة المستعمر الفرنسي: »بُوليسي«، نظرا لأن الإحساس بهيمنة الشرطة ما قبل الاستعمارية قد اضمحلَّ بينما تضخم الإحساس بهيمنة »البوليس« الفرنسي.

ومصطلح »شرطة« غير موجود بقدر وجود مصطلح »الُبُوِليسْ« و»الًبُوِليسيَّة«.

ولكنْ هُناك مصطلح آخر بقي مستمرًّا، وإنْ تغيَّر متعَلّقُهُ، وهو مصطلح »الحاكم«. وهو مصطلح موجود منذ عهْد فساد الدولة الحفصية وتضخم قمعيتها الحاضرية.

قال ابن خلدون عن ولاية(13) الشرطة:»ويُسمّى صاحبها لهذا العهد بإفريقية الحاكم«.(14) وذلك لأن العامة أصبحت لا ترى الحاكم الحقيقي (الدولة، السلطة، الملك...)، وإنما ترى عمليا أداتَهُ التي أصبحت قمعية بعد أن كانت رقابية لما كانت مشروعية الدولة الموحّدية (مؤسِّسَةُ الدولة الحفصية) كثيفة لدى أكثرية الحضر. ووعيُ الشرطيِّ التونسيِّ بمصطلح »الحَاِكمْ« يجعله ذا استعدادٍ قمعي، لأنه حاكم تماماً، كالقاضي وكرئيس الدولة. وباعتبار أن رئيس الدولة قمعي ثم أصبح ذا أصول شُرْطية (زين العابدين بن علي)، فسيتضاعف الاستعداد القمعي أكثر.

ولقد كان المَلِك القمعي والقاضي يعرفان منذ العهد الحفصي ضرورة الشرطة القمعية لاستمرار الاستبداد وضرورة أن يبقيا خفيَّيْن حتى لا تكون النقمة الحضرية عليهما بل على »الحَاكِم« الجديد، فوّضا كل ما يتعلق بالقمع الحضري اليومي للشرطة، ليتبرّآ - إن اقتضى الأمر- منه.

فالشرعي هو أن لا يُزْجَرَ المرَء إلاّ إذا قام بالمخالفة أو الجريمة، ولكن القمعي هو التدخل في أمرٍ تختفي فيه القرائن، »فكان الذي يقوم بهذا الاستبداد وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزّه عنه القاضي يُسمّى صاحب الشرطة. وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق« (15)، فارضًا »العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم(16) «: وليس ذلك على كل طبقات الناس، بل»كان حكمهم على الدّْهماء«، أي على الطبقات الفقيرة والعامة.

وضمن هذا التنزّه السَّوْقي(17)عن هذه المهنة، كانت السلطة دائما تخصها »من المستضعفين في الأمصار« (18)، إذ يكون الشرطيون نازلين »عن مراتب العز لفقد الأهلية بأنسابهم(..) فلحقهم من الاحتقار« (19)، فحضورهم الوظيفي »حضور رسمي لا حقيقة وراءه« (20). فكانوا محتقرين من السلطة نفسها ومن »الدهماء« الذين ينتمون إليها، ومن بقية الطبقات، ممّا يقوي أكثر نزعتهم العدوانية.

ولقد كان في سَوْق الزعيم الحبيب بورقيبة أن يغيّر جذريا شرطة البلاد التونسية عند تسلم السلطة، عن طريق دَمج ميليشيا الحزب الدستوري الجديد (الشبيبة الدستورية)، ضمن وزارة الداخلية، ولكن مَيْل سواد كبير من الشبيبة بالدستورية لليوسفية جعل رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة، يحافظ على جلادي الحركة الوطنية وعلى ثقافتهم القمعية، مُسْتزلماً عفْوَهُ عنهم بولائهم له، مما جعل تقاليد التعالي على الناس والتعذيب والعنف اللفظي والنزعة العدوانية تستمرّ بالمؤسسة.  لقد أدمج الحبيب بورقيبة الجسم الموالي له داخل »الدولة العميقة« الحسينية الاستعمارية لكي يستطيع أن ينتصر على الحركة الاجتماعية المناهضة له، التي جعلته معزولا تعبويّا، فكان انتشار المستزلمين والموالين داخل كلّ وزارات الدولة. ومن ذلك دمجه ميليشياته داخل مؤسسة »الأمن«، ومحافظته على جلاّدي الحركة الوطنية ومعذّبي الوطنيين وقتلة بعضهم في تلك الوزارة.

مثال ذلك أن بورقيبة لمّا كان في القاهرة، توعّد أمام » مكتب المغرب العربي « محافظ شرطة تونسيّ (أصيل مدينة المنستير، كانت له جرائم حقوق إنسان تجاه الوطنيين وعائلاتهم) بالإعدام: » لو قدّر لي أن أستلم الحكم يوما، فإنّ أوّل ما سأفعله هو أن أعدم ذلك المتعاون شنقا في باب بريقشة« . ولكنّ سياق الصراع مع الحركة الاجتماعية المناهضة له، جعله يرقّي كلّ المتعاونين من مؤسسة الأمن، ومنهم ذلك المحافظ. ولمّا سأله المناضل محمود زهيوة عن نكثه بتوعده بالقاهرة، أجابه بورقيبة فورا: »يِخْرِبْ عقلك ! هؤلاء هم الذين سيخدمونني وينفذون أوامري دون نقاش لمّا يرونني تغاضيت عن مساوئهم وعفوت عنهم ... « (21). ولقد كان ضابط التشريفات لدى محمد الأمين الباي، كبيّر المحرزي، ضمن الضباط الذين أعدّوا خطّة للانقلاب عليه(22) . فالمتعوّد على الاستزلامية والخضوع من السهل جدّا أن يغيّر مخدومه، إذ لا ولاء هنا لدولة قانون ولا لعقيدة أمنيّة سيادية.

ولقد صدّق المتوهم نفسه إذ تضخم ذلك بأن أصبح رئيس الدولة، أواخر عام 1987، مِنهم، فتضخمت روح الطائفة أكثر، لأنّ »الحاكم« أصبح من »الحاكم«.

وهناك بالكلام الدارج لفظة استهجانية هي »السُّرْطي« و»السُّرْطة«، أي بجعل شين »الشرطة« سِيناً، بمعنى الشرطيّ السري والشرطة السرية. وبذلك يلغي لاوعي اللهجة التونسية كل وظائف الشرطة ليجعلها منحصرة فقط في وظائفها السرية-التجسسية على الفرد والجمعيات والأحزاب. فالشرطة في اللاوعي الجمعي التونسي هي »سُرْطة« فحسب.

و بذلك لن تكون المهنة الشرطية بإكراهاتها ومسؤولياتها أبدًا مهنة كالمهن، بالضبط. وهذا سبب إضافي لكي لا تنتدب المؤسسةُ الشرطيةُ مواطنين كالآخرين، وإن اشتركوا معهم في المواطنة الموضوعية بالدولة التسلطية، وربّما في المواطنة بالمعنى الديمقراطي.

فلا يُطلب من الشرطِيِيّن في الحالتين أن يكونوا من نُخبة تمتدح وزراء الداخلية، ولكن المطلوب منهم أن يكونوا مهنيين أكفاء في خدمة عمومية ناجعة أكثر فأكثر. »إنها شأن انتداب وتكوين وتأطير أكثر منها شأن مآثر فردية «(23)، فهي أداة مباشرة بيد السلطة.

الشرطي، بالدولتين الكلاّنية والتسلطية، مهما كانت رتّبته ووظيفته، هو قبل كل شيء موظف. هو موظَّف أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين إجباريًّا، ويجب أن يُعلم حتى تنقلاته في أقل من ثمانية وأربعين ساعة وأن يطلب ترخيصا في ذلك. هذا ما يجعله مُرْهقًا، ضعيف الرّبْعة(24)، قابلاً. وكل دَقْرَطة للدولة ينبغي أن تخفّف عنه هذه الإلزامات الجسدية والزمنية ليكون أكثر وعيًا بما يفعل.

دَخلت المؤسسة إخضاعات الدولة الكُلَّانية – الرأسمالية - الغربية، لتنتقل نِحْلَتُها إلى الدولة التابعة، ومنها الدولة الوطنية. وذلك ممَّا يجعلها مهنة مختلفة بإكراهاتها التي تخضع لها وبامتيازتها وبمخَاطرها، إذْ أُخضِعت للدولة التسلطية (التابعة للدولة الكلاّنية الغربية) والمتحكمين فيها، أي شبكة للاستزلام الاقتصادي - السياسي.

إن الانتداب المُبْتَسر، والتكوين الاختصاصي، والانضباط الشديد والمخاطر الخصوصية، وإيهام الدولة التسلطية للشرطة واحتكار القوة، في ظروف تجتمع لكي تُفرز داخل الشرطيين شعورا بالانتماء مدعوما بالاختلاف الجذري، الوهمي، الحقيقي، في الآن نفسه، معززا روحَ طائفةٍ وثقافةً خصوصيةً. وهنا لا نجد »دراسات معمّقة، وخاصة مقارنة، تُري في الآن نفسه امتداد التضامنات الداخلية وتقاسم المواقف والقيم، ولكنْ أيضا في القيسْ بالنسبة إلى غزارة الظواهر المشابهة في مِهن أخرى حسنة التحديد « (25).

بَيْد أنّنا نجد لدى كَازَامايُور افتراضين مهمّين. وهما السّرّ بما هو بُعدٌ تقويمي للفعل الشرطيِّ، وكذلك الانعزال بما هو نمط التروّي لتدبير الشرطة من قبل السلطة، فبمفترق السّرّ والعزلة »يتأسس الوِعاء المُغلق للعالم الشرطي «(26). وبذلك لن تكون خصوصية الفعل الشرطيِّ في القوة، بل في السّرّ. فالشرطة بالدولة التسلطية والدولة الكلانية (لا في الدولة الديمقراطية) تبحث مطلقا في كل ما نُخفيه، وتُواجه كلّ منْ يُخفي شيئًا،  »وباعتبار أن الجميع لهم سر، فهم جمعًا للاختراق« (27) .

وفي الحالتين، الكلاّنية والتسلطية، سيكون إرسال الشرطة للفعل إرسالاً نحو المجهول، بمعنى أننا لن نتوقع مسبقا ماذا سيفعلون، وبذلك سيكون طَبْعُهُ الثانوي غير قابل مَبْدَئيا لمراقبة المناضل والعلوم الإنسانية.

إن السّرّ يراهن في الوقت نفسه على سلطة، فهو يولّد امتيازه من امتداده. وقد اكتسبت شرطة الدولة التسلطية للسرّ من شرطة الدولة الكُلاَّنية - الإمبريالية، منذ التقاليد الاستعمارية (تحت الحكم الاستعماري) حتى التربصات مع شرطة الدولة الكُلاَّنية حسب اتفاقيات الدولة الوطنية-التسلطية مع الدولة الكلاّنية، المستعمِرة سابقا.

وهكذا، فمن أجل السّرّ، تصبح شرطة الدولة التسلطية مجتمعا سرّيًّا، بل تجبرها على أن تكون كذلك، »حَوْل طقوسه وقيمه ومعاييره وقوانينه « (28).

أما العزلة، فهي المُنحَدَر الآخر لروح الطائفة، فهي »وليدةُ مكيافلّيةِ السلطةِ « التنفيذية(29). ولمّا كانت الشرطة بالدولة التسلطية والاجتماع التسلطي معزولة عن مجتمعها الذي يستكرهها أو دون ذلك أو أكثر، فلا يمكنها ان تستثمر امتيازاتها واكتفاءها الذاتي تحت الجناح الذي يصنَّفُ خَيِّرًا بالسلطة التنفيذية، لأن ذلك ليس في صالح استمرار الدولة التسلطية.

فالرواية البوليسية بالدولة الإمبريالية و»الُلّغْز« (30)بالدولة التسلطية، يريدان أن يصنعا وَهْمَ الشرطيّ البطل أو المتمرّد الخام، حتى على مؤسسته، صانعا للشرطة، وأحيانا ضد المؤسسة وأحيانا على هامشها، لتخفيف ضغط الواقع الشرطيِّ على »المواطنين « إذ يترسّب ذلك اللاوعي الجمعي منذ الطفولة والمراهقة.

ففي الحقيقة نجد إن الشرطيين لا يصنعون الشرطة، بل هي التي تصنعهم، » فهم يحتلون وظائف، ويملؤون خانات، وبذلك تُسوّيهم. فالمؤسسة تصنع وجودهم مسبقا وتحدّد بصرامة أطُرَ رِبْعَتِهِمْ الممكنة « (31).

فلقد حَيّدت الكُلَّانية ثم التسلطية (التابعة) أصل الوجود الشرطيّ، لتعيد خَلْقهُ، رابطا بينهما وبين المجتمع الاحتشادي، وبينه وبين الطبقات الاجتماعية، بأشكال إعادة التنشئة الاجتماعية وطبيعة المراقبة الاجتماعية، التي تقوم عليها أهداف تلك الإعادة.

إن الشرطة بين كل أجهزة الدولة التسلطية،  »أكثرها مرونة وأكثرها طَرُوقيّة« (32)، فهي مصدر فُرَص مناسبة ولكنها قد تفقد مشروعيتها عندما تريد السلطة التسلطية ذلك. وعلى كل دَقْرطة للمؤسسة الشرطيّة أن تراعي تلك الترسبات بعين الاعتبار. وتلك الدَّقْرطة ستكون في صالح الشرطي المقموع وفي صالح المواطن والمناضل المقموعين كِلَيْهما بالدولة التسلطية.

2-2- الشرطة السرية: وظيفتها في الدولة التسلطية:

لقد أوكلت الدولة الوطنية التسلطية منذ عام 1955 (سنة »الاستقلال« الداخلي) احتكار أدوات العنف إلى المؤسسة الشرطية لقمع القوى المعارضة (اليوسفيون، صوت الطالب الزيتوني، فالحزب الدستوري القديم، فالحزب الشيوعي، فغيرهم). ثم توسّعت هذه المؤسسة حتى استطاعت ابتلاع الدولة الوطنية التسلطية، فلقد سادت على الجهاز العسكري ووجدت المجتمع المدني ضعيفا مترهّلا. وقد كان إنماء تأطير الشرطة بصورة متواصلة ومضاعفة أهم من أشكال التأطير الأخرى، لتصبح نواة السلطة الشرطية أعلى من كل سلطة و»خلف واجهات السلطة الظاهرة، وفي متاهة التبدلات في السلطة وهي التي يحدثها انعدام الفعالية، ونعني بها الأجهزة الفائقة الفعالية والكفاءة لما ندعوه بالشُّرْطية، كان التشديد على أن الشرطة السرية هي جهاز الدولة الأوحد «(33) إذ هي المؤسسة الأفضل تأطيرا على الإطلاق. وقد كانت الشرطة السياسية هي »الأفضل تنظيما والأكثر فعّالية في كل قطاعات الحكم « (34). وذلك بتجاوب مع حاجة الدولة الاستبدادية إلى إلغاء إرادة السكان.

ويتميز عملاء الشرطة السرية بأنهم الطبقة الوحيدة التي تحكم بالدول »حكما مفتوحا على مداه« (35). وعلى هذا، فإن ميزان قيمها جعلها تسيطر على كل نسيج المجتمع الاستبدادي. وهي ليست خصوصيات للشرطية السرية بقدر ما هي صفات لكل مؤسسات المجتمع الاستبدادي.

لقد أُسِّسَتْ سلطة الدولة الوطنية الناشئة على أساس تبعي وفي خضم انقسام داخلي (بورقيبي /يوسفي) قائم على التآمر والارتياب، مما جعلها تسعى إلى تركيز كامل للسلطة ظاهريّا بين أيدي السلطة الشُّرْطية إلى حد قيام هوام مجتمعي ُيرادف بين الدولة والشُّرْطِية، أي بين »الحاكم« والشرطي، فالتونسي عندما يقول »الحاكم« إنما يقصد الشرطة و»الدولة«. وهو هُوام يعبّر عن حقيقة موضوعية، فلا حق للمواطن في مساءلة هذا »الحاكم« ومقاضاته ومناقشته حتى لا يناقش السلطة الحقيقية، المتوارية. ولقد احتكرت الأجهزة السرية معنى الدولة علنا، معتبرةً أنّ مجرد حيازة هذا القطاع على معلومات سرية أولية حاسمة على كل قطاعات الإدارة الأخرى (36). فأذرعة الدولة الاستبدادية مدنيا ليست الحزب الحاكم، »إنما كانت الشرطة التي كانت تحركاتها خارجة عن نطاق الحزب، وما كان الأخير ليضبطها«(37)، وإنما كان مساوقا لها ومساعدا، ومستوعَبًا ضمنها، خاصة بواسطة شبكاته المحلية وميليشياته، فليست الدولة الاستبدادية الحديثة أحادية في بنيتها التنظيمية بل هي قائمة بسابق وعي وتصميم »حول وظائف تتقاطع وتتضاعف أو تكون متوازية«(38)، لتصنع بنية عديمة » بغرابة منفردة« (39)، متمحورة حول»شخصية القائد الأعلى«.

فهناك بالدولة الاستبدادية الحديثة تعايش بين حكومتين الأولى ظاهرة والثانية حقيقية هي "الدولة العميقة"(باصطلاح سكوت)، إلا أن الازدواج في الأجهزة والانقسام والتعايش ما بين السلطة الواقعية والسلطة الظاهرة قمينين بتأييد السلطة الواقعية، بالحفاظ على الطابع العديم الشكل »الذي يتميز به بنيان الاستبداد نفسه« (40).

إنّ بالدولة التسلطية غموضا وتشوشا بإداراتها وسلطاتها قصدا. فالإدارة بها لا تكفّ عن نقل مركز السلطة الفعلي إلى الشرطة، دون أن تعلن عنها، سواء في تأسيس التنظيمات والجمعيات والأحزاب، وسواء في سيرورة تلك المؤسسات وحياتها وموتها. ولذلك لا يمكن لأي مثقف سلطة »تنويري« أن يكون وسيطا بين الدولة التسلطية والمجتمع المدني. ومنه جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان، إذ في الوقت الذي لا أحد من أعضاء السلطة الظاهريين حُرم من ادعاء تجسيد إرادة القائد، يكون »الانقسام الدائم والمتماسك.بين السلطة السرية الواقعية وبين تمثيلها الإيهامي، ما جعل موقع السلطة الحقيقي سرّا« (41)، إلى درجة تجعل أعضاء الزمرة الحاكمة عاجزين عن إدراك موقعهم في تراتبية السلطة السرية. فتكاثر الأجهزة يهدف إلى نقل السلطة نقلا ثابتا، »فكلما طال أمد الدولة التسلطية كلما تعاظم عدد الأجهزة والمراكز، لكن بنفوذ أكثر في المسؤوليات، وبأكثر كفاية «(42).

إن الشرطي في أصله، يَصْدُر عن فئات تعاني القهر الاقتصادي والسياسي والتعليمي (القهر المدرسي)، ولكنه يتحول بإعادة التنشئة الشُّرْطية بالنسق الإيديولوجي الاستبدادي »من إنسان مهدّد إلى مستبد ظاهري على أمثاله من المستضعفين، يصب عليهم كل لعنته وحقده المتراكم، من التنكر التام لانتمائه الأصلي«(43). ولكنه يقوم بتسوية تبريرية مع شعوره رافعا ما يقوم به إلى رؤسائه:»أَوَامرْ ! الله غَالِبْ «!.

الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

3-1 الشرطة في تمثلات الناس في الجمهورية التسلطية الثانية:

عام 1998، يعيّر المبحوثون في مذكرة لطفي الماجرِي العهد الذي يعيشون فيه بأنه  »عهد عدم أمن« (44)، و» لذلك يرون النشاط الشرطي ضروريّا«(45) .

لا يثّمّن الناس إلاّ النشاط الشرطيّ » ذا الطابع الاجتماعي والوقائي«، ولكنّ الأنشطة الشرطية عندهم »لا تهتمّ إلاّ ثانويّا بالمطالب المجتمعية، فهي تقضّي أكثر الوقت في تلبية المطالب السياسية«(46)، أي مطالب الدولة التسلطية.

صحيح أن 81، 73% من التونسيين عام 1998 – 1999 يشعرون أنهم في أمن(47)، ولكن هذا التمثل الإيجابي » ينحو نحو التنامي حسب العمر، وعلى العكس ينحو نحو التناقص حسب مستوى التعلّم وحسب العامل الديمغرافي والمشْغل«(48).

في ما يخصّ الروابط بين الشرطة والمواطنين، كشف المُستقصى معهم عن شيء من التدرُّجِيَّة والضبابية، وعبّروا أكثر عن الريبيّة، وعن ثقة أقلّ في الشرطي، وعن حذر منه بنسبة 30.72 %، إذ أن »الشرطي عدواني لدى 20 %، حتى إنْ أَعْلَنَ 30.05 أن لهم أصدقاء شرطيين« (49).

و يستنتج الباحث » وجود هوّة تفصل أعوان قوى النظام عن المواطنين، وهذا الطلاق في إتساع هام، ولكنه يتبدّى بخجل«(50)، خاصّة أن الدولة التسلطية تحرّم على الشرطي تكوين علاقات واسعة بمجتمعه، بل تراقب دائرته الاجتماعية، فهي تحكم عليه بعزلة قسريّة و»بثقافة فرعية«، »لينتهي إلى رؤية كلّ شيء تحت الزاوية الشرطية، وأخذ الجميع تحت الظنّة ليكون الإشتباه أداة عمل« وحيدة(51).

حسب الذين استقصى معهم الباحث لطفي الماجري، »لم يُحْسَنْ اختيار مِلاك(52) الشرطية ولم يُحْسَنْ تكوينهُ، ويقدّرون أن الاستعمال الذي تجعله السلطات من الشرطة تُساهم في إبعاد الشرطي عن المُوَاطن. بمعنى أن السلطة تستنفذ الشرطة بتوريطها بإفراط في الحياة السياسية للبلاد«(53) .

لا يبدو أن الأعوان مندمجون في المجتمع بالحجم نفسه، فأعوان الحرس الوطني هم عموما يحصلون على ثقة المواطن أفضل، ولكنّ هذه الثقة ليست إلاّ »وقتية، فيكفي أن تَطْلُبَ من المحقَّق معهم تقييمَ صفات الشرطي التونسي، حتى يؤاخذه بأنّه فظّ وغير متفهّم، وغير شفيق. والمؤاخذات الغالبة هي الإفراط في استعمال النفوذ، وعدم احترام حقوق الإنسان(54)، فبحث وزارة الداخلية عن ترسيخ حقوق الإنسان لم يثمر«(55) لأنه لم يكن جديّا، ولا صادقا، ولأنّه يتطلب تغيير العقيدة الأمنية والتقاليد الشرطية المتصلّبة الموروثة منذ قرون.

إنّ مرض المهنة الشّرْطية يكمن في عزل الدولة التسلطية لها، وجعلها مهنة طاعة عمياء لا طاعةً عاقلةً خاضعةً للإرادة الانتخابية الشعبية، ومهنة إنهاك جسدي عصبي لممتهنها فحتّى ساعات العمل فيها غير مراعية لمعايير مجلّة الشغل.

فالدولة التسلطية تسعى لاستئصال إنسانية الشرطي وإرادته الحرّة وعزله عن مجتمعه، من أجل جعله أداة غير عاقلة في آلتها التحطيمية. وذلك ما يفقد المهنة أصالتها الاجتماعية التي ظهرت من أجلها، إذ أن إخضاع الدولة التسلطية للمجتمع يتطلب قبل كلّ شيء إخضاع الشرطيّ.

3-2- أدوار الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

لقد أصبح » الحاكم« (أيّ رئيس الدولة) في السابع من نوفمبر 1987 من  » الحَاكِمْ«، أي من الشرطة. كان التلميذ الذي لم يكمل السنة الخامسة من التعليم الثانوي مشرفا على استخبارات الجيش بين عامي 1964 و1974، وقد أجرى عدّة دورات تكوينية لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ولذلك كانت رئاسته معتمدة اعتمادا مركزيّا على الفعل الإستخباري – التجسسي. يقول الطاهر بن يوسف، ضابط الحرس الوطني إنّه » سعي إلى جعل تراب الوطن عيونا لا تنام«. فالجميع يستعلم ويرفع التقارير السريّة، بدءا من العمدة والمعتمد والوالي إلى رئيس الشعبة والكاتب العامّ للجامعة الدستورية والكاتب العام للجنة التنسيق وأعوان الأمن بمختلف أسلاكهم، وبعض التابعين لهياكل أخرى وحتى المواطنين« (56)، مِنْ بعض سُوَّاق التَّكْسِي وسيارات الأجرة.....

ولقد كانت الشرطة هي الوسيط بين » الدولة« والحركة الاجتماعية، والقامعة لها في الآن نفسه(57). ففي أحداث الحوض المنجمي بقفصة عام 2008، تخلّت القبيلة والطريقة الصوفية المتغلغلة بالمنطقة (الطريقة القاسمية) والمعتمدية والعمادة والإمامة عن مهمة الوساطة، لكي تمارسها الشرطة والحرس الوطني. يقول، الضابط الطاهر بن يوسف، الذي كان يشتغل بالمنطقة آنئذ: » مواكبة لحركة الاحتجاجات، اتصلنا عديد المرّات بالمحتجين، وتحاورنا معهم، وكنا نبلّغ السلطة، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي بكلّ طلبات المعنيين  ومشاغلهم (...) وقد وجدت وحدات الحرس الوطني والشرطة نفسها وحيدة (كل بمرجع نظره) على الميدان بالمعتمديات التي شهدت الأحداث (...) أما السلطات المحلية والجهوية والإطارات التجمعية(58) وأعضاء اللجنة المركزية للتجمع ومجلس النواب، فكانوا كلّهم غائبين عن الساحة، وكأن الموضوع لا يعنيهم« (59). فهناك تفويض مطلق لا واع للشرطة بممارسة التسويات أو القمع. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف: »في إحدى المرات، لما طلبنا من السيد والي الجهة تحسيس هؤلاء حتى يتحركوا ويتصلوا بالمحتجين لمحاورتهم واقتراح الحلول الملائمة، قال لنا حرفيّا: » يِرْزيك فيهُمْ ! «(60) « (61) .

و يَذْكر الضابط أن قادة الحركة الاحتجاجية قبلوا دَوْر الشرطة، إذْ لا خِيَرةَ لهم لمَّا لم يجدوا وسيطًا بينهم وبين السلطة.

لقد كانت سلطة بن علي واعية بالدور الوساطيّ للدّرك وطالبةً له، ومؤسسةً له إذ همَّشت الإمكانيات الوساطيّة الأخرى. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف، أنّها كانت تطلب أحيانا الاتّصال بعنصرين أو ثلاثة من العناصر المؤثّرة بالحركة الاحتجاجية » وإبلاغهم أنه سيقع إيجاد شغل لهم مقابل تفريق المحتجين. وللحقيقة، فقد قبلت قلّة منهم ذلك، ورفضت الأكثرية. ثمّ طلبت منّا جلب أولئك إلى مقرّ الولاية قصد مقابلة السيد الوالي، فتمّ ذلك «(62).

وقد تجد المؤسسة الدّركيّة نفسها، أمام إرهاقها بالحركة الاحتجاجية، مجبرة على المرور إلى دور مقترح الحلول أو المسهّل. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف عن الحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي: » ... اقترحنا على السلطات الجهوية بعض الحلول لتشغيل دفعات من الشبان، رغم أن ذلك ليس من مشمولاتنا، فوجدنا تفاعلا ضعيفا في الغرض« (63). ولكنّ دور الوسيط الحريص ودور المسهّل، كما في شهادة الطاهر بن يوسف مجرّد اجتهاد من بعض الضبّاط، كحالته هو، وليسا حالة عامّة، إذ » كعادته اتّجه النظام إلى توخي الحلول الأمنية، بعد أن كثف من الحضور الأمني والعسكري بالجهة، فحلت تعزيزات هامة من مختلف الاختصاصات قادمة من أكثر مناطق البلاد (...) وأعطيت بعد ذلك التعليمات للقيام بإيقافات ومداهمات لإلقاء القبض على العناصر التي كانت تقود الاحتجاجات، وكذالك المشاركة في أعمال العنف والفوضى. وقد طالت تلك الإجراءات عديد الشبان العاطلين عن العمل والنقابيين والصحافيين وغيرهم،  وأُجْرِيَتْ محاكمات لهم « (64).

لم يكن مطلوبًا من » الفليك« (حسب الاصطلاح الشائع)، أي »الجاسوس «، إلا »القيام بـعمل قذر« (65). عام 2003 يذكر الضابط عليّ من قوّات التّدخّل، والذي أصبح يشتغل في سويسرا، أنّ التعليمات كانت تحريضا على القمع العنيف لاحتجاجات الطلبة الجامعيين، » من السادسة صباحا حتى السادسة مساء. وكان زملائي كارهين العمل مع نظام قمعي ومستعدين لمغادرة الشرطة إذا وجدوا بديلا « (66). ولمّا سأل عليّ زميله الذي عنّف بقسوة مفرطة شابّا ذا 17 سنة قال له: » إنّه لم يتركنا نستريح « (67) . فطول يوم العمل والجوع والتعبئة التحريضية على العنف من عوامل قمعية الشرطي. ويشير عليّ إلى أن صداقة التونسيين بالشرطيين نادرة وغير صادقة لضعف الثقة فيهم(68) .

و يشهد الطاهر بن يوسف أن 99% من بيوت الإيقاف »لا تتوفر فيها أبسط الظروف الصحية الملائمة، وهي لا تصلح حتى لإيواء الحيوانات « (69).

و من أدوار وزارة الداخلية في الدولة التسلطية، ضمان »نجاح« الحزب في الانتخابات البلدية والبرلمانية. مستعينة حتّى بالعمدة، وهو جزء من تلك الوزارة لا شكليًّا، » مستعملا وسائل الضغط والتهديد والوعيد«(70). وكانت وزارة الداخلية » تعدّ النتائج قبل إجراء الانتخابات، بناءًا على الأوامر التي ترد عليها من رئاسة الجمهورية « (71)، إذ يقول الطاهر بن يوسف: » تأكدت من تلك الحقيقة بالجهات التي عملت بها« (72)، وهي تلك النتائج التي يعلنها الوزير في اليوم الموالي لإجراء الانتخابات.

يستدلّ الضابط، الطاهر بن يوسف، على تدنّي معيشة أعوان الأمن، بحيث من الصعب أن نضمن » لمن راتبه 350 دينارا أو 400 دينارا أن يتمّ عمله حسب قواعد الحقّ دون الانزلاق في الفساد « (73) . لقد كانوا بين تعبئة عقيدة أمنية تجعلهم » مجرد أدوات قمع« كما ذكر الضابط(74). وهم المفاوضون الوحيدون للمجتمع المدني (ومنه الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، كما ذكر رئيسها، المناضل، المختار الطريفي(75) عام 2006)، وبين وإمعان من رئاسة الدولة في إهانتهم أمام الجماهير حتّى لا يكون غضبها منصبّا على الرّئاسة و» الحاكم« الحقيقي وإنّما على » الحاكم« الموهوم. ففي إعلان متلفز عام 2000، كان زين العابدين بن علي يشنّع على أعوان الأمن (وخاصّة أعوان المرور) » أخذهم من السائقين دون وجه حقّ "العاشور" و"الخمّوس"«(76)، ضمن سياق» كلمة حقّ يراد بها باطل «.

لم يكن للشرطي حقّ الزواج دون ترخيص من إدارته العليا، فلا بدّ من » تفتيش معمّق في الزوجة المستقبلية قبل الترخيص« (77) . ولا حقّ له في السفر إلى الخارج، وخاصّة » الجزائر وليبيا والولايات المتحدة الأمريكية« (78). ونظرا لتنقل عائلات الشرطيين من جهة إلى جهة في فواصل زمنية قصيرة جدّا، كان عدم نجاح أبنائها المدرسي عاديّا، وحتّى إن نجح بعضهم لم يكن ذلك إلاّ » بصعوبة وبجهد كبير« (79). ولمزيد دفع خواف السلطة من مؤسسة الأمن، عمّقت سياسة » فرّق تسد« داخلها، فعمّقت الفُرْقة بين تشكيلاتها (الشرطة والحرس الوطني وقوّات التدخّل ...).

موقع الشرطة في الجمهورية الثالثة(بعد الرابع عشر من يناير 2011):

لم تتجاوز ثقة التونسيين في نهاية ماي عام 2011 في أعوان الأمن نسبة 19% (80)، ولا يشعر سوى 27% من التونسيين بالامان عام 2014، ولم تتجاوز ثقة التونسيين في الشرطة 30% في السنة نفسها(81).

و لقد كان أعوان الأمن أوّل من طالبوا بزيادة أجرهم الشهري (مع عمال البلديات)، وقد تحقّق ذلك 3 مرات بين عامي 2011 و2013 دون كثير تفاوض مع الحكومة الوقتيّة، ولم يكن ذلك ليحدث لغيرهم أكثر من مرّة، وربّما بعد شِقّ في التفاوض. وذلك مما جعل مطلب الناس في تحسين أداء أعوان الأمن أعسر حيثيّات، ممّا يهيئ لإمكانيات خيبة انتظار.

وقد وقفنا على انقسام واضح داخل الجسم الأمني. لمّا ظهرت 3 نقابات. فإذا كان وجود العمل النقابي محلّ نقاش من بعض المواطنين، بحكم حساسيّة هذه المهنة وميلهم إلى أنّها » يجب أن تكون مهنة انضباط للسلطة لا مهنة تقبل التفاوض معها«، كما صرّح لي محمد ت.، أحد ضبّاط الأمن المتقاعدين، فإنّ وجود تعددية نقابية جعل هذا الضابط يشكّ في وجود ولاءات متعددة داخل أعوان الأمن، مما يجعلهم ينقسمون إلى 3 نقابات. وقد سهّل ذلك انجرار بعض النقابيين لتناول » مواضيع سياسية والتصريح بمواقف واستنتاجات يشي بعضها بتسيّس صاحبها، وعرضها عرض الحائط بصفته النقابيّة الأمنيّة« (82)، بل إن ذلك يكرس عدم حياديّة الجسم الأمني وعدم تعاليه على نزاعات المواطنين السياسية. وقد كرّس ذلك أيضا عدم الاحتفاظ بالسرّ المهني وعدم الانضباط للتراتب المهني والقيادي، » فهذا نقابي يطلب ببرنامج تلفزيوني في شهر ديسمبر2015 مقابلة رئيس الدولة لإبلاغه معلومات وقع حجبها عن سيادته«(83)، وقد تكرّس الأمر بقبول رئاسة الدولة لطلبه فورا.

وهذا نقابي يعلن في برنامج تلفزيوني سرّا مفيدا لعناصر السلفية الجهادية في جبال الشعانبي وورغة: » لقد اخترقنا تلك المجموعات وانتدبنا بعض المنتمين إليها«(84)، ولا رقيب عليه ولا معاقب. وهذا يتشنج مع سياسيين وشيوخ دين متّهما إيّاهم » بالمتاجرة في الدين«(85)، وهذا» يتّهم حركة سياسية بعينها بالوقوف وراء الاغتيالات السياسية«(86). وكلّ ذلك في سياق » غياب قانون ينظّم العمل النقابي الأمني ويرسم له إطاره وحدوده « (87). وقد تأكّد وجود صراعات بين تلك النقابات(88).

انقسام الولاءات يتبدّى أيضا في قدرة الاستخبارات الأجنبية على اختراق بعض هذا الجسم، وخاصّة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ أن التكوين الدركي مازال لا يختار إلاّ المكوّن الفرنسي والأمريكي(89)، و» من علّمني حرفا أصبحت له عبدا«.

لقد اندمجت الروح الميليشياوية في الجسم الدركي الموروث عن العهد الحسيني-الاستعماري. فبعد اندماج ميلشيات زَرْق العيون وعمر شاشيّة في بداية الاستقلال، كان اندماج ميليشيات محمد الصيّاح في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وإن كان بن علي ليس في حاجة إلى الميليشيات إلاَّ أن روحها كانت قد ترسخت في العقيدة والممارسة الدركيتين. وبعد الرابع عشر من يناير 2011، كانت علامات الانشقاق بين ولاء لأجنحة تفرعت عن التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، وولاء إلى حركة النهضة، وولاء إلى بعض اليسار الماركسي وبعض اليسار البعثي، وولاء إلى أصحاب رؤوس الأموال الكبرى (الذين بعضهم في تماهٍ ببعض تلك الولاءات الحزبية). وقد ذكر عديد نقابيي الأعوان أن » بعض العناصر التابعة لوزارة الداخلية متورطة في مد الإرهابيين بمعلومات هامة من شأنها تسهيل تحركاتهم « (90).و قد ظهرت بين عامي 2011 و2013 ببعض الأحياء » مجموعات سلفية بأزياء موحدة، وهي تقوم بمهمة ضبط الأمن« (91)، وربما كان ذلك بتنسيق مع رأس الترويكا. فلقد نجح بعض الإسلام السياسي في تكوين خلايا داخل الجسم الدركي عام 1987 كانت مهمته الانقلاب على نظام بورقيبة، قبل أن يتفطن إليها بن علي ليستعملها هي نفسها في انقلابه يوم السابع من نوفمبر (92). وهناك عديد الإشارات على تورط »الأمن الموازي « في تدريب بعض العناصر السلفية-الجهادية وتسفيرها إلى سوريا (93)، بالتنسيق مع استخبارات عربية وغربية.

وقد كان في انتداب الأعوان تحت الترويكا الكثير من الإشكاليات، ففي مناظرة انتداب العرفاء بالحرس الوطني عام 2013-مثلا- كانت بعض الأسئلة هي التالية :

» - من هي أول امرأة قطعت يدها بسبب السرقة؟

- ماهي أطول سورة في القرآن؟

- كم استغرق نزول القرآن؟

- كم عدد القراءات الصحيحة للقرآن؟

- من أول من استقبل القبلة؟ « (94) .

وهي أسئلة، إما وراءها سائق سلفي-إخواني بتصور قهريّ للشريعة (قطع أيد وزجر وحفظ أرثوذكسي غير متفهم للنص) أو سائق (أجنبي أو داخلي) يريد توريط من يعرف الإجابة ليقصيهم. وفي كل الحالات، تنمّ الأسئلة عن تفكك عقيدي داخل الجسم الدركي.

و إن كانت للأهداف المعلنة من حلّ الوزير الراجحي عام 2011 لجهاز أمن الدولة باعتبار أنه جهاز مضاد لحقوق الإنسان والحريات السياسية والثقافية، فإنه لم يعوّض بجهاز آخر يمنع اختراق سيادة الدولة من الاستخبارات الأجنبية المتربصة بالبلاد آنئذ. وقد كان بعض الذين أعادهم الوزير إلى العمل بعد طردهم في العهد السابق من المخالفين لقانون الوظيفة العمومية والأخلاق المهنية، وليسوا من الذين أُخذوا بالظّنَّة والشبهة، ولذلك عاود بعضهم سلوكهم غير القانوني وعوقبوا مباشرة بعد رجوعهم (95). ولقد كانت بعض الانتدابات في عهد هذا الوزير استعجاليه وغير مناسبة سواءًا في الأعوان أو المعتمدين، ولقد كان إفراجه عن الإرهابيين السلفيين خطأً فادحًا إذ سرعان ما رجعوا إلى أنشطتهم بالأحياء، ثم سافر أكثرهم للقتال في سوريا (96).

و لقد كان أداء الوزير الموالي، علي العريّض، حاملا للكثير من ملامح الضعف (تسفير المقاتلين إلى سوريا وليبيا أو تسهيله أو غض النظر عنه). ففي 9 أبريل 2012 تعرض المتظاهرون إلى العنف من أعوان نظاميين وميليشيات مدنية، وفي يوم 4 ديسمبر 2012 كان الاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، وكان أفدح أداء في عهده هو الاعتداء على المحتجين في مدينة سليانة بالرشّ (200 شاب متضرّر). »و كل اللجان التي كلفت بالتحقيق في تلك الأحداث لم تكلل أعمالها بالنجاح، ولم يصدر عنها ما يفيد تحميل المسؤولية أو ما يشبه المسؤولية لأيّ طرف، كما لم نسمع عن تتبعات أو إجراءات في الغرض « (97).و قد تركت الوزارة بعض المواقع الإنترنتية التفتيشية التي تنقّب في عقائد الناس وأعراضهم دون إيقاف ولا تتبع، رغم وصولها تشكيات في الغرض، كصفحة »الزحف الشيعي الإيراني الأسود « التي يديرها سلفيون وإخوانيون وبعثيون – صدّاميون ولها مكاتب بكثير من ولايات الجمهورية. ولقد كان القائد السلفي الجهادي، أبو عياض، »قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في قبضة قوات الأمن الوطني التي كانت تحاصره لما كان في جامع الفتح بالعاصمة، لكن بتعليمات من وزير الداخلية، وقتها، انسحبت تلك القوات« (98)، مما يعني توطؤا سلفيّا-إخوانيًّا مرة أخرى.

لقد قمعت وزارة الداخلية » الثورية « الثورة، ففي مظاهرات 6 ماي 2011 كان القمع الدركيّ كبيرًا وجرح فيه صحافييون وأمنيون، وكان الاعتداء على تجمع القصبة الثالث يوم 15 جويلية 2011، وجرح فيه الكثيرون، وقد كان هدف هذا التجمع السلمي تكريس أهداف الثورة الشبابية في المسار السياسي. وذلك بتوجيه القيادات السياسية » الجديدة « المتواطئة مع » الدولة العميقة«.

أمّا القانون الجديد الذي سمح بحقّ الشرطة والعسكريين في الانتخاب، فلقد كان الأولى جعله محلّ تقليب، ودراسة مقارنة مع حقّ الانتخاب أو عدمه في البلاد الأخرى، بل كان يجب أن يدوّن القانون العام الضابط للعقيدة الأمنية الجديدة قبل أي قوانين فرعية أخرى فهناك من يرى أنّ عون الأمن يجب أن يكون خارج التجاذبات الانتخابية والسياسية لحساسيّة موقعه الوطني.

و ذلك ما يقتضي إعادة النظر في العقيدة الأمنية وجعلها متوائمة مع أهداف » الثورة « ومعايير دولة القانون. فلا بدّ من قانون إطاري لعقيدة أمنية جديدة، بدولة قانون ومؤسسات وسيادة وطنية وحقوق إنسان.

 

خاتمة: لا بُدَّ من تاريخ جديد لمؤسسة أعوان الشرطة بتونس !

عند معركة الجلاز، كان تأسيس وزارة الداخلية في العهد الاستعماري، لتنظيم قمع الشارع التونسي، وكان مقرها بباب سويقة لأنها قلب ذلك الشارع.

و في جانفي 1952، كانت » الثورة التونسية « فكان من الضروري أن يفكر جهاز القمع الفرنسي في وزارة داخلية تواكب تطورات الحركة الاجتماعية التونسية وشارعها، فقررت الإقامة العامة الفرنسية أن تبني وزارة داخلية جديدة بشارع جول فيري (الحبيب بورقيبة لاحقا)، وبدأت الأشغال لكنها لم تتم إلا في بداية »عهد الاستقلال« .

في عام 1955 حين تحصلت البلاد على » استقلال داخلي« مشبوه، كان من المتوقَّع لدى الكثير من التونسيين أن تُطهَّر وزارة» الداخلية «من الأعوان التونسيين الذين باعوا أنفسهم للاستعمار، فكانوا استعماريين أكثر من المستعمر أحيانا، تعذيبا واضطهادا وقمعا للاحتجاجات والمظاهرات السلمية وحلاّ للجمعيات ومضايقة الأحزاب الوطنية والتجسّس عليها. ولكن ما حصل هو أنّ أوّل وزير» داخلية « للدولة الوطنية، المحامي الحبيب بورقيبة، جعل مقرّ الوزارة هو المقرّ الذي اختارته » الإقامة العامة «بشارع جول فيري (الذي جعله في ما بعد شارع الحبيب بورقيبة، عوض أن يكون شارع محمد علي الحامّي أو شارع الدغباجي أو شارع ابن خلدون مثلا)، كما حافظ على الأعوان القدامى – الاستعماريين. فلم يكن بإمكانه أن يجعل  » ميليشيا «الشبيبة الدستورية، مثلا، بديلا لهؤلاء الأعوان الذين تربّوا على أيدي أجهزة الاستخبارات الاستعمارية – العنصرية وأعوان القمع الإمبراطوريين – الفرنسيين، وذلك لانّ العدد الهامّ من أفراد الشبيبة الدستوريين » انحرف «عن الزعيم » الأعظم «فأصبحوا يوسفيين. وكان أمامه عدّة » أعداء « افتراضيين، بحكم استعداداته الفردانية والاستبدادية: اليوسفيون ومناضلو صوت الطالب الزيتوني،   وربّما مناضلو الحزب الدستوري القديم بعد قرار وزير »الداخلية« ذاك بحظره   » قانونيا « لينخرطوا اضطرارًا في الحزب الشيوعي التونسي.

كان اسمها وزارة  »الشؤون الداخلية«، ثم أصبح اسمها وزارة »الداخلية« فحسب، بل »الداخلية« اختصارًا .فهل هي وحدها تتناول الشأن الداخلي؟ أليست وزارة الصحة وزارة شؤون داخلية هي شؤون الصحة؟و أليست وزارة الفلاحة وزارة شؤون داخلية؟ وأليست وزارة المواصلات والنقل وزارة شؤون داخلية، وكذالك وزارة الشؤون الاجتماعية؟ !!

إنها تسمية غامضة، جدًّا، بل كُلاَّنية(= توتاليتارية)، فهي وحدها التي تحتوي الشؤون الداخلية، وقبل الوزارات الأخرى وبعدها ودُونها، فهي إلهها الضخم الذي يلتهمها ويلتهم »المواطنين« الذين هم ليسوا بمواطنين. وبذلك ورثت وزارة »الداخلية« الوطنية العقيدة الشُّرْطِيَّة الاستعمارية لوزارة » داخلية الإقامة العامة«، تلك العقيدة التي استمرت حتى بعد الرابع عشر من جانفي 2011، من جيل إلى آخر.

لذلك من حق التونسيين اليوم أن يطالبوا:

بتغيير هذا الاسم، الغامض، الكُلاَّني، الاستبدادي، بأن تصبح »وزارة الشرطة«، أو »وزارة الأمن«، وضبط عقيدة أمنية جديدة، تقوم على السيادة الوطنية والحقوق الشعبية.

بضبط قانون أساسي واضح لوزارة الشرطة، نتيجة استفتاء شعبي، بعد اقتراح من المجتمع المدني، يحدّد عملها وأهدافها وعقيدتها، وطرق تدخلها، حتى لا تبقى تِعِلة الطاعة للرؤساء، وإنما تكون الطاعة للقانون الأساسي، اي لنصّ العقيدة الأمنية الجديدة.

بعقد جلسات مصارحة واعتذار ومُسَامَحةً بين أعوان وزارة الشرطة والمواطنين، تنتهي إلى ميثاق مُوَاطَنيّ بين الطرفين. ويجب أن يبدأ الآن قبل الغد، لإنهاء العقيدة الشّرطية الاستعمارية التي استمرت منذ تأسيس وزارة الشؤون الداخلية التونسية في العهد الاستعماري.

بتغيير مكان الوزارة(المقر الذي اختارته فرنسا للقمع بآخر العهد الاستعماري) لأنه يذكّر الكثير من المواطنين بآلام نفسية وجسدية عميقة، فيجعلها جُرحًا لا ينتهي، وجعل مقرّ الإقامة العامة الفرنسية بدهاليزه وموروثه العقيديّ متحفا، وبناء مقر آخر بهندسة جمالية تتمثل حقوق الإنسان والمواطنة، حاظيا مخطّطها بموافقة بعد مبارَاة يُشرف عليها كبار مهندسي العمارة.

أن يكفّ المواطنون عن تسمية رجال الشرطة ب»الحاكم«، فالحاكم هو رئيس الدولة أو القاضي. فالرقابة اللفظية هي أوّل درجات التغيير.

أن تبدأ الدولة فورا في إعادة تهيئة وتأهيل نفسيتين-إجتماعيتين للبنية الشرطية والعون الشرطي، وإن لزم الأمر أن يكون ذلك بتربصات في الغرض مع المؤسسات الشرطية الديمقراطية في العالم (أَوَّلًا اسكندينافيا، ثانيا ألمانيا، ثالثا سويسرا. أما التربص مع المؤسسة الشرطية الفرنسية فسيزيد العقيدة الأمنية القديمة تجذرا، ما التربص مع المؤسسة الشرطية الامريكية فسيعمق كمبرادورية المؤسسة الشرطية التونسية(والعربية) وتبعيتها للمركز الإمبريالي).

أن نعيد التفكير والموازنة جيدا في إيجابيات وجود نقابي شرطي وسلبياته، بأن نُقَيِّم الأمرين، وأن ندرس هذا الوجود وعدمه في اسكندينافيا وألمانيا وسويسرا وجنوب إفريقيا... فهناك إشكال امكانية عدم الانضباطية تحت مستند النقابية، كما أن كثرة النقابات قد تعقد الوظيفة النقابية وتجعلها محل تجاذب تكتلي. إن النقابية وظيفة إجتماعية بين تأكيد المعايير المهنية فحسب، وبين تأكيد الحقوق دون الواجبات، ويجب أن نتجنب سلبيات التوجهين.

من غير المعقول أن الإعتقال وَشُرُوطَهُ مازالت غير واضحة قانونيا إلى اليوم. ومن غير المعقول أن أماكن الإستنطاق والإعتقال مازالت إلى اليوم دون مقام الإنسانية، لا في حق الْمُتَّهَم فحسب، بل في حق العون الشرطي أيضا. بل إن دورة المياه أحيانا غير لائقة بمقام الإنسانية العظيم...

إذا كانت كل مؤسسة تريد حماية وتقويضا، فإن البنية الإجتماعية ستنهار بكليتها، بل ستتهالك بالخُواف المتبادل والامتنان المتبادل... ففي نهاية الأمر، كل مؤسسة إجتماعية لها مَخاطرها، وليس لها منة على المؤسسات الأخرى، بل يجب أن يكون هناك تبادل واعتراف بين كل الأطراف دون مزايدة ...

 

د. عادل بن خليفة بالكحلة

(باحث أنثروبولوجي-عضو باحث في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)

.......................

(1) النقيب (خلدون حسن)، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991، ص22.

(2) م. س، ص22

(3) م. س، ص ص22 - 24

(4) م. س، ص ص32 -33

(5) م. س، ص119

(6) الاستزلام : Clientélisme

(7) م. س، ص128

(8) م. س، ص140

(9) تميز حنة أرندت الدولة الكلانية عن بقية الدول الاستبدادية الحديثة باتساع الحمى والقدرة الإمبريالية (أسس التوتاليتارية، دار الساقي، بيروت، لندن، 1993، ص 12 – 35)

(10) م. س، ص157

(11) م. س، ص158

(12) م. س، ص158 أيضا

(13) الولاية: la Gouvernance

(14) ابن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت 2003، ص 223.

(15)ابن خلدون، م.س، ص 224.

(16) ابن خلدون، م.س، ص 203.

(3) »السّوق«، في العربية هو »الاستراتيجيا«، في اللغات الاوروبية.

 

 

(4) (5) (20) ابن خلدون، م.س، ص 203.

(21) الحدّاد (سالم)، حركات الرفض لنظام بورقيبة بين الاحتجاج السلمي والتّمرد المسلّح، د، ن، تونس، 2014، ص 68.

(22) م، س، الحاشية ص 68

(23) Dominique (Pierre), les policiers, la découverte, Maspéro ; Paris, 1983, p.37

(24) الرِّبْعة: Autonomy, Autonomie

(25) Ibid, p.108

(26) م.س، ص.109

(27) م.س، ص.109

(28) م.س، ص.110

(29) م.س، ص.110 أيضا.

(30) »اللغز« في ترويج مصري بالثمانينات من القرن العشرين هو الرواية البوليسية الموجّهة للأطفال واليافعين.

(31) الرّبعة: Autonomie

(32) الطَّرُوقُ: Malléable

(33) أرندت (حنة)، أسس التوتاليتارية، دار الساقي، لندن/بيروت، 1993، ص 193.

(34) م.س، ص 193.

(35) م.س، ص 194.

(36) م. س،  ص 187 .

(37) م . س، ص ص 18-19 .

(38) م. س، ص 18 .

(39) م . س، ص 18

(40) م . س ص ص 150-151

(41) م.س، ص 154.

(42) م.س، ص 165.

(43) حجازي (مصطفى)، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيا الانسان المقهور، المركز الثقافي العربي، ص164.

(44) Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

(45) Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

(46) Ibid, P 179

Ibid, P 179 (47)

Ibid, P 179(48)

(49) Ibid, P 180

(50) Ibid, P 180

(51) Ibid, P 180

(52) الملاك: Personnel

(53) Ibid, P 180

(54)

(55) Ibid, P 180

(56) بن يوسف (الطاهر)، ضابط من الأمن شاهد على نظام بن علي، د، ن، تونس 2011، ص 77 ... كان هذا الضابط الوحيد أو من القلة النادرة بالأٌقل، خروجا عن الصمت نسبيّا بعد الرابع عشر من يناير، فالكثير من الضباط المتقاعدين لم يتحرروا بَعْدُ من العقيدة الأمنية السائدة.

(57) راجع: بالكحلة (عادل)، الاعتداءات على مناضلي حقوق الإنسان بالبلاد التونسية وإستراتيجية الدولة التسلطيّة        (1991 – 2007)، مجمّع الأطرش، تونس، 2016

(58) .....نسبة إلى الحزب الحاكم: التجمع الدستوري الديمقراطي.

(59) بن يوسف (الطاهر)، م س، ص 84 .

(60) ...أي» جعل الله لك فيهم رزيَّة ! «.

(61) م، س، ص 84 .

(62) م، س، ص 86 .

(63) .... م، س، ص87.

(64) .... م، س، ص88.

(65) Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 97

(66) م، س، ص 97

(67) م، س، ص 97

(68) م، س، ص 98

(69) .... م، س، ص71.

(70) .... م، س، ص69.

(71) .... م، س، ص70.

(72) .... م، س، ص70.

(73) Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 88

(74) م، س، ص 89

(75) م، س، ص 89

(76) كان يقصد باللفظة الأولى فئة الخمسة دنانير، وباللفظة الثانية فئة العشرة دنانير.

(77) م، س، ص 90

(78) م، س، ص 90

(79) م، س، ص 91

(80) أنجزت هذا الاستقصاء الكمّي في استمارة على 500 مواطن من 6 ولايات مختلفة

(81) أنجزت منظّمة » إصلاح « هذا الاستقصاء الكمّي (www.alchourouk.com, 29/1/2014)

(82) بن يوسف (الطاهر)، ضابط متقاعد من الحرس الوطني يتحدث: قراءة في المنظومة الأمنية والمسألة الإرهابية في تونس، د، ن، تونس، 2016، ص142

(83) بن يوسف (الطاهر)، م، س، ص 144

(84) م، س، ص 142

(85) م، س، ص 145

(86) م، س، ص 145

(87) م، س، ص 145

(88) م، س، ص 148

(89) ... من عوامل بعض موضوعية الطاهر بن يوسف أنّ مكوّنه هو الإسباني وليس الفرنسي أو الامريكي...

(90) بن يوسف (الطاهر) م، س، ص30 و31.

(91) م.س، ص32.

(92) كتب بن سالم (المنصف)، سنوات الجمر، د.ن، تونس، 2014، ص96: » عندما بدأ بن علي وجماعته ليلتها في التغيير، كان عناصر المجموعة في المقدمة « وهنا نلاحظ تماهي بن سالم بالغالب: » التغيير «

(93) بن يوسف (الطاهر)، م.م، ص 38 و39.

(94) م.س، ص45 (لأبو القاسم حاج حمد ونعمان المغربي رأيان مختلفان تماما عن الرأي السائد في مسألة » قطع اليد « مثلا)

(95)  م.س، ص60.

(96) م.س.ص 23.

(97) م.س، ص 67.

(98) م.س، ص 72.

 

 

محمد بنيعيشبعد فحص أبي حامد الغزالي لأغلب أفراد المجتمع الإنساني، على اختلاف مذاهبهم ومللهم وطبقاتهم، سيجد أن جل اهتماماتهم لا تنصب إلا على محاور ثلاثة:

- المحور الغذائي النمطي والمتنوع

يتبعه:

- المحور الجنسي والنوعي العاطفي التواصلي

و يقتضي:

- محور المنافسة الاجتماعية الوصولية والانتهازية.

ثم يعود الدور بواسطة المحور الأخير لتحصيل الغذاء وتحقيق الرغبة النوعية...فيبقى الإنسان محصورا بين هاتين الرغبتين في سلوكه العام، سنقتصر في هذا المقال على المحور الغذائي النمطي، مع بيان أوجه الموضوعية في اعتباره هو المحرك الأول والمشكِّل لكل أنشطة الإنسان...

أ) الغذاء وأسبقيته في تحديد السلوك

يشكل هذا المحور مصدر النشاط الإنساني بكل أوجهه المادية والمعنوية، وعنه يترتب المحور الثاني والثالث تباعا وعلى شكل تدرج واجتياز مرحلي.

فالغذاء ومستواه النوعي والكمي له أثر كبير على التوجيه الأخلاقي والسلوكي عند الإنسان، بحيث يرى أن: "أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار، إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات، إذ يتبعهما شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال، الذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات، ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرغبات وضروب المنافسات والمحاسدات، ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء"[1].

من هذا الاستنتاج المحدد لأبعاد التخمة كان اهتمامه في دراسته النفسية والأخلاقية منصبا على تقنين مستوى الغذاء ووضع قواعد خاصة به، تتركز بين تحقيق الضرورة وإلجام الرغبة الشهوانية، في حين قد أدرك ما يحتمله طرحه هذا حول الغذاء ومقاومة النفس عن الاسترسال في الاستجابة له من صعوبات ومتاعب غريزية عند التعميم، بحيث قد علل ذلك بمبرر : أن الجبلات مختلفة فبعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة"ولاختلافهما سببان: أحدهما باعتبار القدم في الوجود، فإن قوة الشهوة وقوة الغضب وقوة التفكر موجودة في الإنسان وأصعبها تغييرا وأعصاها على الإنسان قوة الشهوة فإنها أقدم القوى وجودا وأشد تثبتا والتصاقا، فإنها توجد معه في أول الأمر حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده، وأما قوة الفكر فإنها توجد آخرا"[2].

كمحاولة لتذليل صعوبة التحكم في النظام الغذائي سيسعى إلى تحديد الطرق التي يمكن بها تحقيق هذه المهمة وهي: "تقدير قدر الطعام في القلة والكثرة وتقدير وقته في الإبطاء والسرعة وتعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات وتركها"[3].

من هنا سيقسم منهج التعامل السليم مع هذه الغريزة اللصيقة به وجودا وتاريخا إلى الوظائف التالية:

"أما الوظيفة الأولى في تقليل الطعام فسبيل الرياضة فيه التدريج، فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته، فينبغي أن يتدرج إليه قليلا قليلا، وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامه المعتاد"[4].

الوظيفة الثانية: وفيها يحدد بعض الأوقات التي يمكن للإنسان أن يصبر فيها عن الطعام، وهي تتفاوت حسب الهمم والأشخاص على اختلاف قوتهم في التحمل والصبر[5].

كذلك الوظيفة الثالثة المتعلقة بنوع المأكولات، بحيث قد سعى إلى وضع قانون غذائي محدد للوجبات وما تحتمله من الموائد الضرورية[6].

فكانت كل هذه التقديرات مستقاة من بعض الأحاديث النبوية وأقوال بعض الصوفية خاصة.

حينما كان الغزالي يضع قواعد التغذية ويؤسسها كنظام عام ينبغي أن يحترم فقد ظهر دائما كأنه يميل إلى الدعوة للتقشف والإفراط في تجويع النفس وتعذيبها، لكن الأمر ليس كذلك، إذ ما كان له وهو الرجل الطبيب أن يغلو بفكرته ووجباته ليوقع بالمرضى في حيرة مضطربة بين دافع الحاجة وضرورة سدها!بل سيسعى إلى توضيح أن المطلوب "الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط، إذ خير الأمور أوساطها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم".

كما سيوضح مع استشعار بمسؤوليته التربوية أن ما أورده في حديثه عن الجوع ربما كان يومئ "إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات!ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب بالطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يومئ عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان، والعالم يدرك أن المقصود الوسط، لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال، فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد"[7].

إنها فكرة معقولة ورائعة تلك التي طرحها لتحديد فاعلية العلاج النفسي الذي تتضمنه الشريعة، وذلك من خلال المطابقة والموازنة بين أثر الأوامر والنواهي وبين مستوى الاستجابة الطبيعية للإنسان وتفاعله النفسي من الناحية الواقعية معها.

فالنزوع الشهواني لديه جامح إلى أقصى الدرجات، ومن ثم يحتاج إلى لجام قوي يكبحه ليتحقق من خلاله السير السليم المفضي إلى الغاية المرجوة من هذا الأمر أو ذاك النهي، وهذا اللجام يتمثل في معاكسة الرغبة الجامحة للإشباع بإبراز أهمية الجوع وأبعاده الصحية من الناحية النفسية والجسدية؛إضافة إلى فوائده الأخروية والروحية.

فعن صورة هذا التوازن الحاصل بين الأمر والنهي وموقع طبع الإنسان من حيث الاستجابة وعدمها يرى أن "الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلا.

وهذا إذا كان الطبع معتدلا، أما إذا لم يكن كذلك وكانت النفس جموحا متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط فالاعتدال لا ينفعها!بل لابد من المبالغة في إيلامها بالجوع إلى أن تعتدل، فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها"[8].

من هذه المفاهيم الدائرة حول الغذاء وجوره في اكتساب الفضائل أو الرذائل ؛البلادة أو الفطنة، سيبني تحليلاته النفسية والأخلاقية في أغلب الأحيان، بحيث سيرى أن أصل الرذائل كما مر بنا هو البطن حسب امتلائها أو فراغها، فلابد إذن من التوسط في الغذاء الذي يمثل في حد ذاته تلبية لغريزة تعد أقدم الغرائز المادية عند الإنسان على الإطلاق، وعنها تترتب نداءات غريزية أخرى فيظهر الإنسان بسببها على شتى أوجه نشاطاته وخلفياتها النفسية .

فكان المحور الأساسي الذي تدور عليه الحياة النفسية في نظره هو شهوة الطعام كدافع لسائر أنواع السلوك الأخرى.[9]

ب) النتائج الموضوعية للغذاء بين نمطي الاعتدال والإفراط

و حينما رسخ نظريته حول الطعام ذهب لكي يبين فوائده العلاج من خلاله ومساوئ إهماله..

فيما يخص الفوائد الناتجة عن الاعتدال في الجوع فقد حصرها في سبعة كالتالي:

1) صفاء القلب ونفاذ البصيرة

2) رقة القلب حتى يدرك به لذة المناجاة ويتأثر بالذكر والعبادة[10]

3) ذل النفس وزوال البطر والطغيان منها فلا تكسر النفس بشيء كالجوع

4) أن البلاء من أبواب الجنة لأن فيه مشاهدة طعم العذاب

5)كسر شهوات المعاصي والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء

6) خفة البدن للتهجد والعباد وزوال النوم المانع من العبادة[11]

7) خفة المؤنة وإمكان القناعة بالقليل من الدنيا وإمكان إيثار الفقر فإن من تخلص من شره بطنه لم يفتقر إلى مال كثير فيسقط عنه هموم الدنيا

أما فيما يتعلق بمساوئ الشبع المفرط - فباستثناء الطعام المحرم شرعا الذي هو كله آفة[12]- فإن فضول الحلال وآفاتها ستنحصر لديه في عشرة، تهم كل مرافق النشاط الإنساني عموما:

الأولى: أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره

الثانية: أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وهيجانها وانبعاثها للفضول والفساد[13]

الثالثة: أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم، فإن البطنة تذهب الفطنة

الرابعة: أن في كثرة الأكل قلة العبادة، فإن الإنسان إذا أكثر الأكل ثقل بدنه وغلبته عيناه وفترت أعضاؤه فلا يجئ منه شيء وإن اجتهد إلا النوم

الخامسة: أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة[14]

السادسة: أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام، لأن الحلال لا يأتيه إلا قوتا

السابعة: أن فيه شغل القلب والبدن بتحصيله أولا و بتهيئته ثانيا ثم بأكله ثالثا ثم بالفراغ عنه والتخلص رابعا وبالسلامة منه بأن تبدو منه آفة في البدن بل آفات وعلل في الدنيا

الثامنة : ما يناله من أمور الآخرة وشدة سكرات الموت

التاسعة: نقصان الثواب في العقبى

العاشرة : الحبس والحساب واللوم والتعيير في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوات.

فهلا نوقشت هذه القواعد والاستنباطات الموضوعية في منظمة الأغذية والزراعية، ومعها منظمة الصحة العالمية، للأمم المتحدة، كمادة لتوزيع الغذاء وتحديد نوعيته وأنماطه والطريقة السليمة لاستهلاكه والاقتصاد فيه، حتى لا نبقى نرى جوعى لحد الأنين بجانب شبعى لحد التخمة والطنين؟ ...

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

[1] نفس ج3ص69

[2] الغزالي : ميزان العمل ص68

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3 ص76

[4] نفس ج3ص77

[5] نفس ج3ص78

[6] نفس ج3ص79

[7] نفس ج3ص82

[8] نفس ج3ص83

[9] الغزالي: جواهر القرآن دار الآفاق الجديدة بيروت ص46

[10] الغزالي: الأربعين في أصول الدين ص79

[11] نفس   ص80

[12] الغزالي: منهاج العابدين ص101

[13] نفس   ص103

[14] نفس  ص104