بليغ حمدي اسماعيلحزن النبي (ص) كثيراً لموت زوجه السيدة خديجة (رضي الله عنها) حزناً شديداً ،ولقد عرضنا في فصول سابقة كيف كانت نعم الزوجة الوفية المخلصة لزوجها، وكيف آزرت رسول الله (ص) طوال حياتها، وكانت مصدر طمأنينة وثبات له، وكيف تحملت مع رسول الله (ص) كيد الخصوم، وآلام الحصار، وما أشق حال الرجل إذا مات عنه زوجه وهي تحمل صفات وشمائل امرأة كالسيدة الطاهرة خديجة (رضي الله عنها) . ولقد توفيت السيدة خديجة (رضي الله عنها) قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، في نفس عام وفاة أبي طالب.

ومن الأمور التي تسترعي انتباه القارئ للسيرة النبوية أن أبا طالب حينما حضرته الوفاة جاءه زعماء قريش وحرضوه على الاستمساك بدينه ودين آبائه، وعدم الدخول في دين ابن أخيه محمد، ولقد عرض عليه رسول الله  (ص) الدخول في الإسلام، قائلاً: " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة "، فقال أبو طالب: " لولا تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك "، فأنزل الله تعالى: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56))(سورة القصص / 56) .

لكن الواضح أن أفكار ومعتقدات الجاهلية كانت راسخة في عقل أبي طالب، ولم يكن من السهل تغييرها، فهو شيخ كبير طاعن في السن يصعب تغيير فكره وما ألفه عن آبائه . وبموته تضاعفت مشاعر الحزن والأسى على رسول الله (ص)، لقد كان أبو طالب سنداً حقيقياً لرسول الله (ص) في مواجهة كفار قريش، وبعد موته نستطيع أن نجزم القول بأن رسول الله (ص) قد تحمل بعد موته عمه ما تنوء بحمله الجبال، وقد تكالبت عليه المحن والمتاعب، الأمر الذي فرض عليه الانتقال من بلد إلى آخر لتبليغ دعوته والتماس النصرة، فخرج إلى الطائف.

رحلة الطائف:

سعى رسول الله (ص) إلى إيجاد مركز جديد للدعوة، وكان اختياره للطائف باعتبارها العمق الاستراتيجي لقريش، وكثيراً ما حاولت قريش قديماً أن تضمها إليها، وتوجه رسول الله (ص) إلى الطائف يعد توجهاً مدروساً مخططاً لتطويق قريش من خارجها.

ورسول الله (ص) يعلمنا من خلال سيرته العطرة كيف يكون التخطيط الجيد، فنحن لا نحرص أن نقرأ السيرة النبوية كسياق تاريخي محض، بل الهدف الرئيس من تعلمها وتحليلها الإفادة من رسول الله (ص) في مجالات الدعوة والتبليغ، والتخطيط، والتعليم، وسبل الجهاد في سبيل الله.

وحرص الرسول (ص) أن يتخذ الحيطة والحذر عند خروجه من مكة، فكان خروجه سيراً على الأقدام ؛ حتى لا يظن أهل مكة أنه يعزم الخروج من مكة فيتبعونه ويراقبونه، واختياره لشريك الرحلة يدل على عبقرية في التخطيط، فقد اختار (ص) زيد بن حارثة كي يرافقه في رحلته، وبتحليل هذا الموقف والاختيار نخلص إلى حقائق منها أن زيدا بن حارثة هو ابن رسول الله (ص) بالتبني قبل أن يحرم الإسلام التبني، فإذا رأه أحد معه لن يشك في الأمر، ولن يرتاب . كما أن اختيار رسول الله (ص) لزيد تحديداً لعلم رسول الله لما يتمتع به زيد من صدق وأمانه وإخلاص وحب لرسول الله (ص)، فهو مأمون الجانب.

ولعل رحلة رسول الله (ص) للطائف كانت قاسية، وكلنا يعلم كيف فعل سفهاؤها وعبيدها بالنبي وزيد، حتى توجه رسول الله (ص) إلى ربه بالدعاء المأثور قائلاً: " اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك الاعتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله " .

ولأن لنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة، ليس فقط في الصبر على المكاره كما ذكرنا سالفاً، إنما أيضاً في الدعاء إلى رب العباد، فقد ختم رسول الله (ص) دعاءه بالعبارة العظيمة التي علمها لأصحابه عند حلول المكاره والمصاعب وهي " لا حول ولا قوة إلا بالله " .

ويقول الدكتور علي الصلابي إن الدعاء من أعظم العبادات، وهو سلاح فعال في مجال الحماية للإنسان وتحقيق أمنه، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء فهو عرضة للذلل والإخفاق، وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تماماً، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى ربه بالدعاء، ليجد فرجاً ومخرجاً .

إن إصابة النبي (ص) يوم عرض نفسه الشريفة على القبائل بالطائف كانت نفسية، وكانت ولا ريب شديدة قاسية، ودليلنا على ذلك دعاؤه السابق الجامع المانع .ويذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه " زاد المعاد في هدي خير العباد " أن الله أرسل للنبي (ص) ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، فقال (ص): " لا بل أستأنى بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً " .

عداس النصراني:

لما لجأ رسول الله (ص) إلى حائط لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة، رقّا له، فدعوا له غلاماً نصرانياً يدعى " عداساً "، وأمراه أن يقطف عنباً ويذهب به إلى رسول الله (ص). ففعل عداس ما أمر به، ولما وضع العنب أمام رسول الله (ص) قال له: كل. فلما وضع رسول الله يده فيه، قال: " بسم الله "، ثم أكل. فنظر الغلام في وجهه وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله (ص): " ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ " . قال عداس: نصراني، وأنا من أهل نينوى . فقال رسول الله (ص): " من قرية الرجل الصالح يونس بن متى "، فقال عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ . فقال رسول الله (ص): " ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي "، فأكب عداس على رسول الله (ص)  يقبل رأسه ويديه.

وحينما علم ربيعة ورأى ما رأى من تقبيل الغلام لوجه ويد رسول الله (ص) قال لأخيه: أما غلامك فقد أفسده عليك، ودعى عداساً فقالا له: ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شئ خير من هذا، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.

والقصة السابقة وردت في أكثر من نص سابق، ومعظم النصوص التي سردت الواقعة السابقة، تحدثت عن صبر رسول الله (ص)  على الشدائد، وتحمله الصعاب التي واجهها وهو يدعو القبائل للإسلام، وبعضها تحدث عن فضائل الإسلام في الطعام، كالتسمية قبل تناول الطعام والشراب . والذي يمكن أن نستخلصه من هذه الواقعة الطيبة أن الذي لفت انتباه الغلام الصغير في حديث رسول الله (ص) هو ذكره للفظ الجلالة " الله "، وهو أمر مستغرب على أهل هذه البلاد، التي لا تعرف سوى اللات، والعزى، وهبل، ومناة، وغيرها من الأصنام التي لا تفيد ولا تنفع، ولا تسمن من جوع، ولا شك أن نطق رسول الله (ص) للفظ الجلالة " الله " قد هز كيان الغلام، وهدهد مشاعره، الأمر الذي جعله متقبلاً ومستعداً للدخول في الإسلام، لاسيما وأنه من أهل الكتاب .

ومن أبرز معالم رحلة الرسول(ص) إلى الطائف واقعة إسلام الجن . حقاً، إنه اليقين بالتوحيد لرب العالمين، لقد انفرد الله (سبحانه وتعالى) بعبادة الإنس والجن له، بل لقد انحصرت مهمتنا على الأرض في عبادة الله وحده، لا نشرك به شيئاً .

والواقعة تفيد أنه لما انصرف النبي (ص) من الطائف راجعاً إلى مكة، قام بجوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، فاستمعوا لتلاوة الرسول(ص)  ، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم مدبرين منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما استمعوا إليه من تلاوة الرسول (ص). وقد قص الله (تبارك وتعالى) نبأهم على النبي في سورة الأحقاف، يقول الله تعالى:) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) ( (سورة الأحقاف / 29 ـ 32) .

هؤلاء النفر من الجن يتلقون دعوة الرسول (ص) في صلاته ودعائه دون أن يعلم بوجودهم، وأصبح اسم محمد تهفو به قلوب الجن، وليس الإنس فقط، حملوا راية التوحيد، ووطنوا أنفسهم دعاة إلى الله . يقول الله تعالى في كتابه العزيز:)قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (2) ((سورة الجن / 1 ـ 2) .

ولنا في رحلة رسول الله (ص) للطائف دروس نستخلصها من الوقائع التي حدثت له أهمها الصبر على الأذى، وتحمل أعباء الدعوة والرسالة بكل قوة وجلد، والمراقبة الذاتية للنفس، وتصحيح المسار والمسلك، خوفاً من يكون هناك خلل يغضب الله تعالى، وهو ما فعله الرسول (ص) حينما دعا دعاءه المأثور .

ونعجب كل العجب حينما نهرول وراء التيارات والفلسفات الغربية ونؤصل لها، بل وندلل عليها ونترك سيرة رسول الله (ص) الطيبة العطرة الخصبة بالمواقف والأحداث، ولنا فيها أسوة حسنة في الدين والدنيا معاً.

وأنا على سبيل المثال لي تجربة شخصية  في هذا الشأن، فحينما كنت بصدد إعداد أطروحتي للحصول على درجة الدكتوراه في مجال تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية اخترت موضوعاً هو استراتيجيات ما وراء المعرفة، وهي جملة من الاستراتيجيات التدريسية فوق المعرفية العليا التي يستخدمها المرء في تعلمه للغة، وكانت منها استراتيجية المراقبة والتحكم، وتعني مراجعة الفرد لمساراته واختياراته وقراراته بوعي شديد، وطفقت ساعتها أفتش بين أدبيات التربية والمناهج الغربية عما يبرهن اختياراتي، وسيرة رسول الله (ص) بين يدي، فينبغي للعاقل الراشد أن يتوجه إلى سيرة رسول الله (ص) فيستقي منها ما شاء من علم، ومعرفة، وسلوك .

إن توجيه الله لعباده المؤمنين بضرورة الأخذ بسنة الرسول الكريم (ص) باعتباره أسوة حسنة ليس توجيهاً اعتبارياً، بل هو توجيه مقصود، فمعظم الباحثين يوظفون العلم والمعرفة الحديثة توظيفاً دينياً، رغم أن الدين الإسلامي الحنيف هو الذي يوجه دفة العلم، ويحركها وفق ضوابطه وشريعة الله .

إن رسول الله  (ص) معلم أول، ومرشد، لا ينطق عن هوى، ولا يسلك غياً، هو محاط برعاية الله وحمايته،  لا يركن ولا يتواكل، بل يفكر، ويسعى، ويأخذ بالأسباب، ثم يترك لله النتائج، وكفى بالله مدبراً ومحيطاً ..

رحلة الإسراء والمعراج:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه " سيرة الرسول وتأسيس الدولة الإسلامية " أنه لما بلغ رسول الله (ص) إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، قبل الهجرة بسنة، أسري به من حجر مكة المعظم ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تنعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه ، فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه)، عن النبي (ص) قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى " .

ثم عرج به من المسجد الأقصى، إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكما يوضح الدكتور محمد عمارة معنى العبارة صريف الأقلام أي صريرها وصوتها .

ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أن الرسول (ص) عُرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أن النبي (ص) جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها ـ والله أعلم ـ، وقد سئل الشيخ رضي الدين القزويني (رحمه الله) عن وطء النبي (ص) العرش بنعله، وقول الرب (جل جلاله):لقد شرف العرش بنعلك يا محمد، هل ثبت ذلك أم لا؟ فأجاب بما نصه: " أما حديث وطء النبي (ص) العرش فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبي (ص) ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلاً، وإنما صح في الإخبار انتهاؤه إلبى سدرة المنتهى فحسب، وأما إلى ما ورائها فلم يصح، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة " .

ورحلة الإسراء والمعراج معروفة ومعلومة، رواها النبي (ص) بنفسه كما رواها البخاري ومسلم، فقال  (ص): " بينما أنا في الحطيم مضطجع، إذ أتاني آت، فسمعته، يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه "، يعني من ثغرة نحره إلى عانته، " فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فغسل قلبي، ثم حشى "، والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه، ثم شق، واستخرج منه علقة، وقيل هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل بماء زمزم . وقد اختلف في تفسير الحكمة فقيل: هي العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك .  وحديث الإسراء حديث يطول في بعض كتب السيرة، ولكن الذي يعنينا ونحن بصدد هذه الحادثة الفريدة أن كل هذه الأمور يجب الإيمان بها وتصديقها.

ولقد اختلف في صلاته (ص) ليلة الإسراء بالأنبياء ؛ قيل قبل عروجه، وقيل بعده، والأول استظهره ابن حجر، وصح الثاني ابن كثير، واختلف في هل كانت بالفاتحة أو بغيرها؟، كما اختلف في طبيعتها، فقيل إنها الصلاة اللغوية أي الدعاء والذكر، وقيل الصلاة المعهودة، وهذا أصح، لأنه كما يذكر رفاعة رافع الطهطاوي من أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل علي على الصلاة الشرعية .

ومن الأمور التي منَّ الله بها على نبيه وعلينا أجمعين فرض الصلاة، وفرض الله عليه وعلى أمة الإسلام تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أول الأمر، فما زال يراجع حتى صارت خمساً في الفعل، وخمسين في الأجر وتلك رحمة من الله وفضل كبير .

والحكمة من تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أن الرسول (ص) لما عرج به إلى السماء رأى تلك الليلة تعبد الملائكة، منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضها في السماء، دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، التنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض .

وكما يذكر السهيلي في التنبيه على فضلها، حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدسة المطهرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة بين العبد وربه عز وجل .

جدل حول رحلة الإسراء والمعراج:

من الوقائع التي أخذت حظاً عظيماً من الجدل من بين وقائع السيرة النبوية، حادثة الإسراء والمعراج، وما إن تلتقط كتاباً واحداً من كتب السيرة النبوية إلا وتجده يفرد صفحات لهذا الجدل، والذي يمكننا أن نختصره في أمرين فقط؛ أما الأول فهو إخبار النبي (ص) لقريش ما رأى، فلما أصبح النبي (ص)قص على قريش ما حدث له وما رآه، فقال له المطعم بن عدي: " كل أمرك قبل اليوم كان أمما، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، مصعداَ شهراً، ومنحدراً شهراً تزعم أنت أنك أتيته في ليلة ! واللات والعزى لا أصدقك ! فقال أبو بكر (رضي الله عنه): يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته، وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق " . فقالوا له: " صف لنا يا محمد بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟ وكيف قربه من الجبل "، وفي القوم من سافر إليه، فذهب ينعت لهم: " بناؤه كذا، وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا، وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير، وأنهم يقدمون الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب .

فدعا الله فحبس الشمس، وقيل وقوفها عن السير، وقيل بطء حركتها، وكان كما وصف رسول الله (ص) فما زال ينعت لهم حتى التبس عليه النعت، فكرب كرباً ما كرب مثله، فجئ بالمسجد الأقصى وهو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟، ولم يكن عدها، فجعل ينظر إليها ويعدها باباً باباً، وأبو بكر (رضي الله عنه) يقول: " صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله "، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب ! " . ثم قالوا لأبي بكر: أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: " نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة "، فلذلك سمي أبو بكر الصديق .

الحكمة من الإسراء إلى المسجد الأقصى:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي أن الحكمة من تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى أن قريشاً تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أن رسول الله (ص) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع .

وإذا كان جدل قريش مع النبي وصاحبه قد انتهى، فسرعان ما بدأ جدل آخر في كتابات المؤرخين أنفسهم حول كيفية الإسراء، ولقد اختلف المؤرخون وكتاب السيرة في كيفيته، وأغلب المفسرين والمؤرخين أجمعوا على أن الإسراء كان بالجسد، والأقلية هي التي قالت إنما كان بالروح فقط . وهناك رأي ثالث مفاده أن الإسراء كان بالجسد إلى بيت المقدس، وبالروح من بيت المقدس إلى السماوات السبع، والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا، والرؤيا هي ما أفاد به كل من حذيفة وعائشة ومعاوية (رضي الله عنهم) .

الأحاديث النبوية الواردة في الإسراء والمعراج:

روى البخاري ومسلم بسندهما عن أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللّهِ (ص) قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَىٰ طَرْفِهِ) قَالَ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجْتُ. فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ. فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ" (صحيح مسلم، باب الإسراء برسول الله السموات وفرض الصلوات، (2/ 170)، برقم 356).

وروى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان بسندهم عن مالك بن صعصعة "أنَّ نبيَّ اللّهِ(ص)  حدَّثه عن ليلةِ أُسري به قال: بينما أن في الحَطيم ـ وربما قال في الحِجر ـ مضطجعاً، إِذ أتاني آتٍ فقَدَّ ـ قال: وسمعته يقول: فشقَّ ـ ما بين هذه إلى هذه، فقلتُ للجارودِ وهوَ إلى جَنبي: ما يَعني به؟ قال: من ثُغرةِ نحرهٍ إلى شِعرَته ـ وسمعتهُ يقول من قَصَّهِ إلى شِعرته ـ فاستخرج قلبي، ثمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ من ذَهبٍ مملوءةٍ إيماناً، فغُسِل قلبي، ثم حُشي، ثمَّ أُعِيدَ، ثمَّ أتيتُ بدابَّة دُونَ البَغلِ وفوقَ الحمار أبيضَ.

فقال له الجارودُ: هوَ البُراقُ يا أبا حمزةَ؟ قال أنسٌ: نعم ـ يَضَعُ خَطوَةُ عندَ أقصى طرْفهِ، فحُملتُ عليه، فانطلَقَ بي جِبريلُ حتى أتى السماءَ الدُّنيا فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل. قيلَ: ومَن معك؟ قال: محمد. قيلَ: وقد أرسِلَ إِليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحباً به، فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَح. فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدمُ، فسلمْ عليه. فسلمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ ثم قال: مَرحَباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الثانيةَ فاستفتحَ. قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟.

قال: نعم. قيل: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيء جاء. ففَتَح. فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلمْ عليهما، فسلمتُ، فردّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثمَّ صعد بي إلى السماءِ الثالثة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسلَ إليهِ؟ قال: نعم. قيل: مرَحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففُتح، فلما خَلصتُ إذا يوسُف، قال: هذا يوسُف فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح، ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففتح.

فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الخامسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أُرسلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا هارونُ. قال: هذا هارونُ فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. فلما تجاوَزتُ بكى. قيلَ له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنَّ غُلاماً بُعثَ بعدي يدخُلُ الجنةِ من أمَّتهِ أكثرُ ممن يدخُلها من أمَّتي.

ثم صَعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستَفتحَ جبريل، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعثَ إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به، ونعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلمْ عليه. قال فسلمتُ عليه، فردَّ السلام، ثمَّ قال: مرحباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم رُفعَت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا وَرقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة. قال: هذه سِدرة المنتهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان ونهرانِ ظاهران. فقلتُ: ما هذانِ يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهرانِ في الجنة، وأما الظاهرانِ فالنيلُ والفُرات. ثم رُفعَ لي البيتُ المعمور.

ثمَّ أُتيتُ بإناءٍ من خَمر وإناءٍ من لَبَن وإناءٍ من عِسل، فأخذتُ اللبَن، فقال: هيَ الفِطرةُ التي أنت عليها وأمَّتُك. ثمَّ فُرِضت عليَّ الصلاةُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فرجَعْتُ فمرَرْتُ على موسى، فقال: بما أمِرت؟ قال: أمِرتُ بخمسينَ صلاةً كل يوم، قال: إن أمتكَ لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم، وإني واللّه قد جربتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْهُ التخفيفَ لأمتك، فرجَعت، فوضعَ عني عَشراً، فرجَعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فوَضع عني عَشراً، فرجعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوَضَعَ عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فأمِرتُ بعَشرِ صلوات كلَّ يوم، فرجعتُ فقال مثله.

فرجعتُ فأمِرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أمِرتَ؟ قلت: أمِرتُ بخمسِ صلوات كل يوم. قال: إن أمتكَ لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كل يوم، وإني قد جَريتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التخفيف لأمتك. قال: سألتُ رَبي حتى استحيَيتُ، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوَزت نادَى مُنادٍ: أمضَيتُ فريضتي، وخَفَّفت عن عبادي».(صحيح البخاري، باب المعراج، (7/600)، برقم 3800).

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية (م).

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

 

محمد بنيعيشأولا: مسألة وجود الله بين ضرورة الاستدلال وشعور الوجدان

إن مسألة الاستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى تتحدد ضرورتها بحسب مستوى الوعي والإدراك عند كل شخص على حدة، وبحسب صفاء أدوات المعرفة عند هذا أو ذاك، وهي كما يقول عباس محمود العقاد "مسألة وعي قبل كل شيء، فالإنسان له وعي يقيني بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية، ولا يخلو من وعي يقيني بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية، لأنه متصل بهذا الوجود، بل قائم عليه والوعي والعقل لا يتناقضان، وإن كان الوعي أعم من العقل في إدراكه لأنه مستمد من كيان الإنسان كله، ومن ظاهره وباطنه، وما يعيه ولا يعيه، ولكنه يقوم به قياما مجملا محتاجا إلى التفصيل والتفسير"[1].

ومسألة وجود الله هي المسألة الرئيسية التي يتلازم في إثباتها الشعور الوجداني والحكم العقلي والحسي تلازما ذاتيا لا ينبغي إسقاط أحدها على حساب الآخر، إلا أن الأسبقية تكون فيها للشعور الوجداني أو الوعي كما عبر عنها العقاد، لأن الشعور أقرب في استنتاجاته إلى الصواب من مقدمات العقل وحدوده ومعطيات الحس وتلوناته.

ولهذا فإذا كان بعض الملحدين لم يستطيعوا أن يدركوا وجود الله تعالى بوجداناتهم وعقولهم وحواسهم، فليس هذا العمى عن الإدراك سببه غياب وجوده تعالى، وإنما التغييب سببه آفة أصابت أدوات الإدراك وتوظيفاتها في غير محلها مما يقلب أحكامها ولا يضعها حسب متعلقاتها، كمثال المريض بالصفراء الذي تنقلب عنده حلاوة العسل مرارة، كما يقول الشاعر:

ومن يـك ذا فـم مر مـريـض

يـجـد مرابـه المـاء الـزلالا.

وليس من حق الخفافيش والوطاويط أن تنكر وجود الشمس بسبب أنها لا تدركها أبصارها بل إن الخفافيش لو سألناها عن الشمس لأقرت بوجودها رغم أنها لا تراها، لأنها تحس آثار حرارتها بأداة غير أداة الإبصار، وبذلك تكون الخفافيش أو الوطاويط أسلم حكما وعقلا من الملحدين الذي لم يستفيدوا لا من عقولهم ولا مشاعرهم ولا أحاسيسهم.

ولقد كان الكلام في وجود الله عند الفلاسفة الأقدمين من قبيل الكلام في مباحث العلوم وتفسير الظواهر الطبيعية، فأرسطو مثلا لم يثبت وجود الله ليقنع به منكرا يدين بالكفر والإلحاد، ولكنه أثبته لأن تفسيره لظواهر الكون لا يتم بغير هذا الاثبات، فليس وجود الله عند أرسطو وأمثاله مسألة غيبية يختلف الأمر فيها بين الإثبات والنفي كاختلاف الهدى والضلال، ولكنها حقيقة عقلية كالحقائق الهندسية يتم بها تصور الحركات والأشكال في الأفلاك والسموات"[2].

والقرآن الكريم حينما تطرق لمسألة وجود الله فقد عرض لها بصورة كاملة، لأنه كلام الله الهادي لكل الخلق أجمعين، ولهذا فقد جمع في مخاطبته للمكلفين بكل أصنافهم بين خطاب الوجدان والعقل والحواس معا، وذلك باعتبار مستويات الناس الإدراكية وتفاوتاتهم المعرفية، فكان التقرير وكان البرهان، وكان مرة بالدعوة إلى النظر في العالم الخارجي ومرة بالنظر في العالم الداخلي أو النفسي كما في قوله تعالى، "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق".

ثانيا: تلازم اليقيني والبرهاني في  الخطاب القرآني.

وإذا كان العقل لا يستقل بحكمه ويحتاج في إصداره إلى ما يعطيه إياه الشعور والحواس ويمده به من مكتسبات، فإنه بهذا الاحتياج يكون الأحوط له هو الإثبات لا النفي والإيمان لا الكفر، إذ أن الحواس لا تتعدى جزئياتها المحدودة، وهذه الجزئيات عليها ينبني حكم العقل فيقيس من خلالها ما غاب عنه، فالبصر مثلا "يدرك الألوان والمتلونات والأشخاص على حد معلوم من القرب والبعد، فالذي يدرك منه على ميل غير الذي يدرك منه على ميلين، والذي يدرك منه على عشرين باعا غير الذي يدرك على ميل، والذي يدرك منه ويده في يده يقابله غير الذي يدرك منه على عشرين باعا، فالذي يدرك منه على ميلين شخص لا يدري هل هو إنسان أو شجرة وعلى ميل يعرف أنه إنسان وعلى عشرين باعا أنه أبيض أو أسود وعلى المقابلة أزرق أو أكحل، وهكذا سائر الحواس في مدركاتها من القرب والبعد".

ولكن رغم هذا التفاوت في الإدراكات الحسية عند الإنسان بحسب القرب والبعد، واليقظة والغفلة، فإن الأحكام العقلية تظل ثابتة ومحايدة لا تصدر إلا بحسب المعطيات الحسية المتوفرة لديها وهذه الثوابت هي التي استقر عليها العقلاء والمفكرون وعبروا عنها بالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهذا العلم يؤسس مبدأ عدم التناقض في الحكم على القضايا، وهو يدخل  في إطار العلم الضروري عند الإنسان والذي يتحصل عليه منذ طفولته إدراكا أو إجراء، وقد قسمت هذه الأحكام العقلية بحسب تعلقها بالمعلومات ومطابقتها لها، وهي حكم الجواز يقابل الجائز، وحكم الاستحالة يقابل المستحيل وحكم الوجوب يقابل الواجب، وليس وراء هذه الأحكام العقلية حكم رابع.

وهذه الأحكام إذا تطابقت مع معلوماتها أعطت العلم الضروري الذي ينبغي أن تتفق عليه جميع عقول البشر، وأن الخلاف لا يقع إلا إذا أسقط الحكم على غير المعلوم المطابق والمقتضي له، ولهذا فأغلب الاختلافات الفكرية بين الناس ليس مصدرها الحكم العقلي من حيث هو حكم ثابت، وإنما مصدرها وضع الحكم العقلي في غير محله ومتعلقه المحكوم عليه، وهذا راجع كما قلت إلى استعداد الأشخاص ومستويات اهتماماتهم وإدراكاتهم الكلية أو الجزئية للموضوع: "فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كثيرة وحينئذ فيتصور الطرفين (في قضية ما) تصورا تاما بحيث يتبين بذلك التصور التام اللوازم التي لا تتبين لمن لم يتصوره، وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون البعض أمر بين فإن كثيرا من الناس تكون عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة، وغيره إنما عرفها بالنظر والاستدلال، ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل بنفسه بل لغيره، ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غني عنها حتى يضرب له أمثالا"[3].

والقرآن الكريم حينما خاطب الناس وبرهن على خطابه كان برهانه يشمل كل الاستعدادات والفطر، فهو قد خاطب العالم وغير العالم، وخاطب صاحب الحكمة والجدلي والخطابي، ولكنه في نفس الوقت جمع بين هذه الفئات جمعا متساويا في خطاب واحد، يستفيد منه كل واحد، بحسب استعداده وضرورته، وإذا كان العرف عند المناطقة والفلاسفة يقتضي "أن الجدلي ما سلم والمخاطب مقدماته والخطابي ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس والبرهاني ما كانت مقدماته معلومة، فإن كثيرا من المقدمات تكون مع كونها خطابية أو جدلية يقينية برهانية، بل وكذلك مع كونها شعرية هي من جهة التيقن بها تسمى برهانية ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولها لهم تسمى خطابية ومن جهة تسليم الشخص المعين لها تسمى جدلية"[4].

وقد تضمن القرآن الكريم في كل آية من آياته وطرق استدلالاته عرض اليقينيات لا غير، إذ مصدر القرآن العلم الإلهي، وهذا العلم لا يحتمل التسليم الجدلي ولا التقليد الخطابي كتأسيس معرفي، وإنما هو علم يقيني صاغه العليم الخبير الذي "أحاط بكل شيء علما". فجاء مرة من حيث المنهج على  صورة تقرير خطابي ومرة على شكل جدل إقناعي، ومرة على هيئة تقسيم وحصر برهاني، وكل هذه الصور الدلالية كما يقول ابن رشد: "إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين: أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير مركبة، أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول"[5].

ولهذا كما يذهب إليه ابن تيمية "قد أخطأ المتكلم في ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه منها: أن إثبات الصانع في القرآن بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم به كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتياج إلى قياس كلي يقال فيه: وكل محدث فلا بد له من محدث أو كل ممكن فلا بد له من مرجح أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى أن يقال سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث فقط كما يقول المعتزلة؟ أو الإمكان كما يقوله الجمهور؟ حتى يرتبوا عليه أن الثاني حال باقية مفتقر إلى الصانع على القول الثاني الصحيح دون الأول"[6].

وإنه لوصف دقيق هذا الذي وصف به ابن تيمية البرهان في القرآن، إذ مثل له بالشمس وهو يتوافق جدا مع تعبير ابن رشد السابق والذي يرى فيه أن المقدمات أقرب ما تكون إلى النتائج في القرآن الكريم، وفي نظري أن هذا التمثيل بالشمس له بعد آخر وهو أن الشمس لها طابع توليدي ذاتي للشعاع والطاقة، وذلك من خلال فرضية الاندماج الذري (أو بروتون بروتون) كما يتخيله الفلكيون والفيزيائيون[7]، وإذا كانت الشمس الحسية تتعرض بتوليداتها هاته المفترضة إلى نوع من الذبول والانتقاصات إلا أن الشمس القرآنية على العكس من ذلك فهي كلما تقدم الزمن ازداد شعاعها، وتولدت عنها طاقات معرفية وإدراكات يقينية يتحصل عليها كل متعرض لها صادق في تعرضه.

فالقرآن  في حد ذاته برهان، وهو بهذه الصفة الخطاب الوحيد الذي يضمن النتائج الصحيحة في كل ما يعرضه من استدلالات. لأن مقدماته وطريقة عرضها بسيطة وفطرية، ولهذا فعلى أية صيغة طرح أدلته أدت هذه الأدلة إلى التصور الصحيح والتصديق اليقيني الجازم. وليس ضروريا بأن يعرض قضاياه بطريقة ضيقة على شكل حدود وأقيسة مفتعلة حتى يمكن أن تسمى قضاياه برهانية، إذ اعتبار البرهانية وعدم اعتباره كما قلنا رهين بالاستعداد الشخصي، فما يعتبر برهانا في نظر هذا قد لا يعتبر كذلك في نظر ذاك، وقد تكون المسألة برهانية مائة بالمائة غير أنها لا تؤدي إلى الاقتناع عند بعض الأشخاص نظرا لضعف استعدادهم أو لمرض نفسي حال دون الاعتراف بالحقيقة والإقرار بها كما في قول الله تعالى "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون". وقوله: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا".

ومسألة إثبات وجود الله هي المسألة التي تعددت عنها البراهين، ولهذا فالطرق البرهانية على هذا الإثبات جد متنوعة، ولا ينبغي أن يسلك في هذه المسألة طريقا واحدا مقيدا ويقول الشخص "لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق: ولا يكون الأمر كما قاله في النفي وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما  كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وإعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة" ولهذا كانت طريقة القرآن في الاستدلال تصلح للعامي كما للعالم ويستفيد منها السريع الذكاء وبطيئه، كل له مشربه وكل له تحمله اللهم إلا من كان من المعرضين المريضين.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المملكة المغربية

........................

[1] عباس محمود العقاد: (الله) كتاب في نشأة العقيدة الإلهية. دار المعارف. بمصر ط 7 ص 204.

[2] عباس محمود العقاد: "الله" كتاب في نشأة العقيدة الإلهية: ص 206.

[3] ابن تيمة: مجموع فتاوى المنطق، مكتبة المعارف، الرباط. ص 103.

[4] نفس المصدر ص 10.

[5] ابن رشد: فلسفة ابن رشد : الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، دار الآفاق الجديدة بيروت ص 59.

[6] ابن تيمية: مجموع فتاوى توحيد الربوبية: ص 9.

[7] لين نيكلسون: علم الفلك، ترجمة علي مصطفى بن الأشهر مكتبة الثقافة العلمية الميسرة، ص 45.

 

محمد تقي جونمشكلة البحث: اذا اتفق مجتمع ما على جعل اسم الحمار بمعنى (الشخص العاقل) وصار ينادي أحدهم الاخر (كيف حالك يا حمارنا) فيحييه الاخر بأحسن منها، ويتفاعل المارة معهما أحسن تفاعل، فهذا لا يعني أن المعنى الجديد للفظ حمار صار بديلا أو مرادفا للفظ الاصلي في اللغة. بل يبقى لفظ حمار يعني (الدابة المعروفة) ويعني مجازا (الشخص الغبي)، وان هذه اللغة الجديدة محرّفة ومسروقة يجب إعادتها.

هذا ما حصل بالضبط للغة العربية المعاصرة التي تسمى خطأ (العربية الفصحى) فهي لا عربية ولا فصحى، وانما هي لغة عرفية وضعها المترجمون في مطلع العصر الحديث لمواكبة الحياة المتطورة في العالم والعرب في اشد حالات التخلف بعد سلاسل الاحتلالات، واللغة العربية في اشد مراحل التراجع.

كان هم المترجمين وضع مفردة أمام كل لفظ ومعنى غربي. ولعل العولمة اللغوية او المنظومة اللغوية العالمية دفعت إلى ذلك أيضاً لإيجاد ترجمة موحدة لالفاظ كل لغة. وقد غرقت العربية فعلا في بحر الانگليزية الطامي، لذا أسميتها (الفصحى الهجينة) . وكان الفرق الحضاري، وحيوية اللغة الانگليزية حاسماً في صناعة هذه النسخة الاستسلامية للغة العربية. وما عانته اللغة العربية يشبه النواحي الأخرى كالسياسة والاقتصاد والفكر والأدب، فكلها صارت نسخاً مكررة من النسخ الانگليزية الأصلية. ولابد من الاعتراف بأن (العربية الخامسة) وهي في تراجعها غير قادرة على مجاراة اللغة الانگليزية وهي في عز قوتها وتطورها.

وهذه اللغة هي النسخة الخامسة للغة العربية: الاولى (الفصيحة) وهي التي تكلمها العرب الأقحاح في الجاهلية، وصدر الإسلام، والعصر الأموي. وكانت عربية خالصة لم تشبها العجمة. واتسمت بكثرة مفرداتها وجمالية الفاظها. والثانية (لغة القرآن) وهي منتخبة تخلصت من اللفظ الحوشي، واضافت الفاظا وتعابير جديدة، فضلا عن طاقات تعبيرية كالعمق والمصطلح والتعبير الصوتي والايحائي. والثالثة (المولّدة) وهي التي صنعها العباسيون بتأثير العجم والترجمة والتلاقح الحضاري والاختلاط، وهي لغة البلاغة التي تجيع اللفظ لتشبع المعنى، وقد فقدت الكثير من الفصاحة وجمالية اللغة العربية بعدما دخلها: المولّد والمعرّب والدخيل والمترجم. أما الرابعة فهي (المختلطة بالعامية) وهي لغة القرون الوسطى التي استمرت إلى أعتاب العصر الحديث. وكان آخر قاموس لغة ينتمي اليها (تاج العروس) للزبيدي. وبعدها جاءت عربيتنا الهجينة التي صنعها المترجمون وروجتها مجامع اللغة والقواميس الحديثة كالمعجم والوسيط والمنجد وقاموس المعاني وغيرها المبتورة عن قواميس اللغة الفصيحة والبليغة التي بدأت بالعين وانتهت بتاج العروس.

وصف العربية الخامسة

الذي لم يُنتبه عليه هو أن أننا نقول الفاظا وضعت قسرا أما ألفاظ ومصطلحات انكليزية غير موجودة في اللغة العربية، أو موجودة بمعان مختلفة كجعل (الحمار = الرجل العاقل) . ونقول عبارات مترجمة من الانكليزية بالضبط، ونركب جملا عربية على قواعد انكليزية. فالعربية الخامسة في اغلبها نسخة مكررة من الانكليزية في:

1- الالفاظ

2- المعاني

3- القواعد

الألفاظ

اقتراض الألفاظ من اللغات الأخرى أمر شائع لا ضير فيه. ولم تخل لغة في العالم من ألفاظ اقترضتها من لغات أخرى. ولكن كثرة الاقتراض يؤشر حالة فقر اللغة. وفي العصر الحديث مع عصر التكنولوجيا والعلوم الحديثة التي حملتها الاحتلالات أصبح اقتراض العربية المعاصرة الخامسة لاسيما من الإنگليزية يفوق الإحصاء والحصر، فأشَّر الفقر المدقع والإفلاس الوبيل. ويتنوع اقتراض الألفاظ الانگليزية؛ فالقسم الأكبر استعمل في الفصحى، وقسم كان استعماله في العامية العراقية أكثر من الفصحى، وقسم اقتصر على العامية دون الفصحى، وكله استعمل في الأدب والفن والحديث اليومي. وقد أخذنا منهم حتى التوافه مثل (هههههه) ترجمة لـ(hahaha) و(أششش) ترجمة ل(Shhh) ـ

ومن الالفاظ المقترضة التي تبنتها عربيتنا فبدت كأنها عربية صليبة:

* رصيد

يقال (اشتريت رصيداً) و(أعطني وصل الكهرباء) وهي (فاتورة، أو إيصال بالاستلام (وصل) أو مبلغ مودع في البنك) . كل من (الرصيد والوصل) غير موجود في اللغة العربية. ففي العربية الرصيد من (رصد - الرصد) وهو المراقبة، فقالوا (أسد رصيد) الذي يراقب ليفترس. ومنه (الرصد العسكري) الذي يراقب حركات العدو. وما يتعلق بالمال في العربية لفظ (أرصد - إرصاد) أي أعدَّ، كقول النبي محمد () : (ما أُحِبُّ عِندي مِثلَ أُحُدٍ ذهباً فَأُنفِقَه في سبيل الله، وتمُسي ثالثةٌ وعندي منه دينارٌ إِلاَّ دينار أُرْصِدُه لدِين) أَي: أُعِدُّه، ولكنه لا يسمى رصيداً.

أما (الرصيد) بمعنى فاتورة، أو إيصال بالاستلام (وصل) ، فهو منقول من الانگليزية (Receipt) . مثال: (اشتريت رصيدا فئة عشرة دنانير = I bought a 10 diner category Receipt) .

* سكرتير

يقال: (الآنسة سكرتيرة المدير) (السيد سكرتير الجمعية) بمعنى (منظم العمل مع المدير) .

لا توجد في العربية لفظة (سكرتير) . وهي انگليزية: (Secretary) . وتترجم الى (أمين السر) من (Secret) التي تعني (السر) . واشتق منها: (أمانة السر، السكرتارية = Secretariat, Secretarial) . مثال (هل أنت سكرتيرة قانونية؟ = Are you legal Secretary?)

* فرشاة

يقال: (ارسم بالفرشاة) (أنظف أسناني بالفرشاة) (أمشط بالفرشاة) وهي (اداة معروفة متنوعة حسب الاستعمال) . لا يوجد تخريج للفرشاة في اللغة العربية من الفعل (فرش) . ولا يوجد أصل لها في الكتب والأشعار مطلقاً؛ فالرسم الحديث وتنظيف الأسنان لم يعرفهما العرب. والكلمة منقولة نقلا بتغيير بسيط من الكلمة الانگليزية (Brush) . مثال (أنظّف أسناني بالفرشاة مرتين في اليوم = I brush my teeth twice a today) .

* الروتين

يقال (الروتين ثقيل) (ما أطول خطوات الروتين) . الروتين في أبسط تعريفاته (طريقة محددة تجري على وتيرة واحدة في العمل الإداري) . في اللغة العربية لا توجد كلمة (روتين) . وهي انگليزية من (Routine) وتستعمل بمعاني: (نمط، رتابة، عمل يومي، ابتذال، فقرة مكررة) .

وقد اشتق من الروتين كل عمل يجري على نسق واحد، فيقولون (إجراء روتيني) ، (روتين يومي) . والروتين يقترن بالعمل الإداري، فيضع خطوات ثابتة ومحددة لاستكمال المعاملات في الدوائر والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. واللفظة واسعة الانتشار ثقيلة الوطء على العاملين في الدوائر. مثال (لا تقلق، هذه مجرد استفسارات روتينية don’t worry these are just= Routine enquiries)

* الكليشه

يقال (كليشهات جاهزة) (هل عندك كليشة الموضوع) وهي (عبارات محددة يُتَّفق عليها لكل غرض أو معاملة. ولا يترك وضع النص الإداري لأهواء أي شخص، بل يخضع للمؤسسات. وخطابها غير أدبي، له خصائص ومفردات رسمية تتسم بالوضوح وعدم التأويل، وذات بعد إجرائي وقانوني، وترتبط بالمجتمع ارتباطا فاعلا) . وتسمى أيضاً (Form = الفورمة) . والكليشة كالروتين من متعلقات الإدارة، إلا أنها تقترن باللغة الإدارية وليس العمل الإداري.

كلمة (كليشه) لا وجود لها في اللغة العربية، كما إن فكرتها لا عهد للعرب بها، فالكتب الرسمية للدواوين العربية في العصور الإسلامية تخضع لأساليب وأمزجة كتابها. وهي انگليزية من (Cliché) ومعناها: (قالب، تعبير مأثور، ابتذال، كلمات تكتب نفسها) مثال (لا أريد أن أكون كليشه = I don't want to be a Cliché)

* فايل

يقال (يحفظ في الفايل) (ضعها في الفولدر) . الفايل (مجموعة من أوراق رسمية مرتبة مضمومة إلى بعضها) والفولدر (يضم الفايلات) . في العربية لفظة ((فايل) بالهمز وبدونه بمعنى (ضعيف) كقولهم (رأي فايل وفائل = ضعيف) . ولا توجد لفظة (فايلات) جمعا لها. كذلك لا توجد لفظة (فولدر) . واللفظتان منقولتان من اللغة الانگليزية: (File) (Folder) . وقد ترجمت (File) إلى (ملف، ملفة، إضبارة) . وترجمت (Folder) إلى (حافظة، مجلد) . وهي ترجمات غير موفقة؛ فـ(الملف: اللحاف يلتف به) . و(المجلد: الكتاب المحفوظ بالجلد) جاء في ازهار الرياض (وصنّف التاريخ الكبير في سبع مجلدات ضخمة) و(الإضْبارَةُ بالكسر: الإضمامة. يقال: جاء فلان بإِضْبارَةٍ من كتبٍ، وهي الأضابير. وقد ضَبَرْتُ الكتبَ أَضْبِرُها ضَبْراً، إذا جعلتها إضْبارَةً) . مثال (هذا الفايل غير سليم = This file is not valid)

* الكحول

يقال (مدمن على الكحول) (عنده مشروبات روحية) بمعنى الخمور و(امسح الجرح بالإسپيرتو) بمعنى سائل لتعقيم الجروح. لا توجد لفظة (الكحول) في كتب اللغة والأدب العربية في العصور الإسلامية. وكذلك لفظة (الإسپيرتو) . ولم يرد اصطلاح (المشروبات الروحية) . ولفظة الكحول انگليزية من (Alcohol) لفظا ومعنى سوى قلب الـ(H = الهاء) إلى (حاء) تجنباً لاشتراك اللفظة مع لفظة (الكهول = كبار السن) .و(مشروبات روحية) ترجمة لـ(اسپيرتو) من (Spirits) . كما تعني (المعنويات) وقد فصلنا ذلك في مبحث المعنى. وفي العراق جعلوا الإسپيرتو اسما لدواء الجروح، والكحول للشراب المسكر. مثال (مع حالتكَ، حتى شربُ الخمر لا ينفعك = If you drink alcohol with these, they won't work) .

* ثيمة

يقال (ثيمة السوبرمان الخارق) (ثيمة الرواية) بمعنى (الفكرة الرئيسة) أو (الموضوع) . لفظة (الثيمة) غير موجودة في اللغة العربية. وهي انگليزية من (Theme) التي تعني (الموضوع، الفكرة الرئيسة، جذر الكلمة، الإنشاء) . وقد نقلها المترجمون لقوة دلالتها الفنية التي تتفوق على مقابلها العربي مع تغيير بسيط. وجمعوا (ثيمة) على (ثيمات) كما يجمع الانگليز (Theme) على (Themes) . ومصطلح (الثيمة) متداول بين المثقفين والأدباء.

وتأثراً بـ(ثيمة) التي تنتهي بالتاء، أضافوا الى (موضوع) التاء ليصبح (موضوعة) مثل (موضوعة القصة) وهو غير مستعمل في العربية وخطأ غير مبرر. مثال (الثيمات كثيرة جداً في هذه القصة = So many themes in this story)

* لوجستي

يقال (الدعم اللوجستي) (العمل اللوجستي في المؤتمر) (الأمور الفنية والمالية واللوجستية) بمعنى (التموين، الخدمات، الإمدادات، النقل) . اللفظة غير موجودة في اللغة العربية. وهي انگليزية (Logistic) بمعانيها. وهي مستعملة في الميدان المدني والعسكرية، وترد بكثرة في الكتابات كافة. مثال (لن نقدم أي دعم لوجستي = We won't offer any logistical support)

 * أرشيف

يقال (أرشيف السينما) و(أرشيف المكتبة) و(أرشيف الوزارة) بمعنى (مكان الوثائق والمستندات المحفوظة الخاصة بالدائرة المعينة) . لا يوجد في اللغة العربية أصل واستعمال لهذه الكلمة. وذكر المعجم الوسيط مقابلا عربياً للأرشيف هو (ربيدة) والجمع (ربائد) (ما يصان فيه الكتب والسجلات) . وهي انگليزية من (Archive) وأصلها يوناني (تعني الوثائق والمستندات العامة المحفوظة في مجلس المدينة) . ويشتقون منه كما في الانگليزية فعل (أرشف – يؤرشف) . مثال (نريد أرشفة ملفاتك وملاحظاتك = We need archive files and your notes)

* كيلو

يقال (تبعد بغداد 170 كيلومتراً) و(اشتريت سبع كيلوغرامات من الخيار) وهي (وحدة قياس عالمية) . لا تمت لفظة (كيلو) إلى اللغة العربية بصلة، على شيوعها وتداولها الكثير. بل لا يوجد اسم عربي ينتهي بحرف الواو. وكان وحدة قياس الوزن في العربية (الرطل) ، ووحدة قياس الطول (الفرسخ) . والـ(الكيلو) انگليزية من (Kilo) وهي مع اختصارها:

 (Kilometer = Km)

 (Kilogram = Kg)

وقد أصبحت وحدات القياس الانگليزية هي السائدة بلفظها ومعناها في عالمنا العربي والعالم اجمع وأهمها مع ترجمتها:

متر = (Meter) ديسيمتر = 1/10 متر = (Decimeter) سنتيمتر 1/100 متر = (Centimeter) مليمتر 1/ 1000 متر = (Millimeter) ميل = 1000 متر = (Mile) متر مربع = (Square meters) (هكتار =10 آلاف متر مربع = Hectare) إنج = بوصة = (Inch) ياردة = (Yard) قدم = (Foot) غرام = (Gram) باوند = نصف كيلو غرام = (Pound) قيراط = (Carat) أوقية = (Ounce) لتر = (Liter) غالون = (Gallon) مثال (عليَّ أن أقطع 170 كم لأصل إلى بغداد = I have to travel 170 kilometers to Baghdad) الأمثلة:

* مليون

يقال (تسلَّمتُ مليون دينار) (كلف المشروع مليار دينار) (موازنة البلد ترليون دينار) . وهي (أرقام كبيرة عالمية) . لم تعرف العربية هذه الأرقام الكبيرة، فأكبر رقم عرفوه هو (ألف) وإذا حسبوا أكبر من ذلك أضافوه إلى الألف (عشرة آلاف) (مئة ألف) و(ألف ألف) الذي يقابل المليون. ولفظة (مليون) انگليزية من (Million) وكذلك الأرقام صعوداً: (مليار/ بليون = ألف مليون = Billion) (تريليون = مليون مليون = Trillion) مثال (هناك أربعة ملايين شخص في بغداد =There are four Million people in Baghdad)

* أوتوماتيك

يقال (يعمل اوتوماتيك) و(جهاز أوتوماتيكي) بمعنى (يعمل بنفسه دون تدخل الإنسان) . اللفظة غير موجودة في اللغة العربية. وهي انگليزية لفظا ومعنى (Automatic) . ونحن أخذنا منها المعنى المتعلق بالأجهزة ذاتية الحركة فقط. ولكن الانگليز يستعملونه بمعنى التلقائية في المجالات كافة. ولم يرد في الاستعمال العربي (يعمل آليا) (أو (يعمل تلقائياً) . مثال (لا يوجد حق تلقائي بدون تقديم مسوغ = There is no automatic right without giving reason)

* أرتوازي

يقال (بئر ارتوازية) و(حوض ارتوازي) و(نافورة ارتوازية) بمعنى (ما يتدفق منه الماء بدون مضخات) . اللفظة غير عربية. وهي منقولة من اللغة انگليزية (Artesian) . وهي واسعة الاستعمال في مجال الزراعة والري. مثال (أنا أحب النافورة الارتوازية = I like the artesian fountain)

* ديمقراطية

يقال (نظام نازي) (الدكتاتورية البغيضة) (حق الفيتو) (الحكم الديمقراطي) ، وهي (أنظمة السياسة) . لم تحض (السياسة) بمثل هذه الأهمية أثراً ومفهوماً عند العرب في العصور الإسلامية؛ فالسِّياسة اشتقت من (السائس الذي يسوس الدّوابَّ، أي يقوم عليها ويروِّضها. وكذلك الوالي يَسُوس الرَّعيّةَ أَمْرَهم) . وللسياسة اسم آخر هو (الإيالة) قال زياد بن أبيه (إِلنا وإيلَ علينا، أي سُسنا وساسَنا غيرُنا) . وقالوا في وصف الحاكم الحسن السياسة (عَدلُ السِياسَةِ) (مرضيُّ السياسة) . ولم ينسبوا إلى السياسة فلم يرد (سياسي) مثل (رجل سياسي) أو (سياسية) مثل (قضية سياسية) . وهذا يعني أن السياسة ومصطلحاتها مما نقل إلينا من الانگليز. وهم يسمون السياسة (politics) ويسمون السياسي (politic) . ومن الانظمة والمصطلحات السياسية الفاعلة في حياتنا التي ننطقها بأسمائها الانگليزية: (أرستقراطية: حكم الطبقة العالية = Aristocracy)

(إمبريالية: الهيمنة = Imperialism) (امبراطورية: حكم الهيمنة = imperialistic) (اوتوقراطية: حكم الفرد = autocracy) (ثيوقراطية: حكم رجال الدين = Theocracy) (دكتاتورية: حكم الاستبداد = Dictatorship) (بيروقراطية: حكم الإدارة = Bureaucracy)

(تكنوقراطية: حكم الفنيين = Technocracy) (فدرالية: حكم الاتحاد = Federal) (كونفدرالية: اتحاد حكومات مستقلة = Confederation) (ليبرالية: حكم التحرر = Liberalism) (ديمقراطية: حكم الشعب = Imperialistic) (رايكالية: أصولية = Radicalism) (ملكية: حكومة يحكمها ملك = kingship) (جمهورية: حكم الشعب = Republic) (شوفينية: المغالاة والتعصب = Chauvinism) (برگماتية: العملية أو النفعية = Pragmatism) (النازية = Nazism)  (برلمان: مجلس النواب = Parliament) (حق النقض، الفيتو = Veto) . مثال (كان نظام صدام دكتاتورياً =The regime of Saddam was dictatorial)

* طبلة المريض

يقال (افتح طبلة للمريض) (أين طبلة مريضكم) بمعنى (جدول متابعة صحة وعلاج المريض) . لفظة (الطبلة) غير موجودة في اللغة العربية. وهي تصرف لفظي للمفردة الانگليزية (Table) ، التي تعني (الطبلة، المائدة، الطاولة، الجدول، القائمة) . واستعمال (الطبلة) في المستشفى المقصود به (الجدول الصحي للمريض) وليس (قطعة الأثاث) . والصحيح أن يقال (الجدول الصحي للمريض) (جدول المريض) . مثال (افتح جدولاً صحياً لمريضك = Open a table for your sick)

* سيارة

يقال (سافرت بالسيارة) (اشتريت عجلاتٍ للسيارة) (السياقة فن وليس مقود ودواسة) . فـ (السيارة: الالة المعروفة) و(مقود ودواسة: من أدواتها ومتعلقاتها) . في اللغة العربية (السيَّارة: الجماعة السائرون) ومنه قوله تعالى (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) . و(الكواكب السيَّارة: الشمس والقمر وزحل والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري) . و(سيّارة: اسم علم) و(كل ماش هو سيَّار) . فاللفظة غير عربية بمعنى الآلة. وهي ترجمة للفظة الانگليزية (Car) . واختيار لفظ السيارة ترجمة لها اعلان عن فقر العربية إلى الفاظ كثيرة للمخترعات الحديثة وتفاصيل العصر. وقد اختيرت لفظة (السيارة) لانها تسير بسرعة فائقة. وهي صفة وليس اسما. وكثير مما ترجم هو وصف لعدم وجود اسم مقابل. وعلى الرغم من وضع الفاظ عربية بديلة الا انها لم تكن دقيقة ولا موفقة في اختيارها في الاستعمال، مما جعل الأسماء الانگليزية تطغى وتبقى مع وجود الألفاظ العربية البديلة التي أهمل أغلبها وظلت ترجمات مقترحة فقط.فمثلا (العجلة) عرفها العرب وان كانت بسيطة. ولكنها لا تصلح مسمى للسيارة؛ لأنها معقدة فيها اجزاء وليس واحدة. ففيها جزء محرّك حديد (Wheels) وهذا لا يوجد لفظ مقنع يقابله. وفيها جزء لين (Tyre)  يسمى خطأ (المطاط) لان (المطاط) في العربية (لبن الإبلِ الحامضُ الشديدُ الخثورةِ) . ولا يعطي (هيكل السيارة) معنى (Chassis = الشاصي) ، فالهيكل لغة (الفرس الطويل، وبيت النصارى) و(المرآب) يترجم به (Garage) وهو في العربية (المصلح والحارس والجامع) فهو غير دقيق في ترجمة گراج. أما لفظة (ورشة) فهي غير عربية، بل مزج للكلمتين الانگليزيتين (work shop) . و(حدل، هو أحدب أحدل أي مائل الشق قد ارتفع أحد منكبيه على الآخر، أو ذو خصية واحدة، وبه حدب وحدل. وإنه لحدل غير عدل) . و(حدل: ظلم) ولم يستعمل (حادل، حادلة) فلا وجه تقارب بين المعنى العربي ومعنى (حادلة) . ومتعلقات السيارة كلها نستعملها بألفاظها الانگليزية ومنها:

(مفتاح السيارة، سيويچ Switch =) (المقود أو السكَّان، ستيرن، = Steering) (دولاب العجلات، ويل Wheels =) (العجلة المطاط، تايرTyre =) (عجلة احتياط، سپير Spare tyre =) (أنبوب الإطار، چوب = Tube) (غطاء العجلات، كَب = Caps) (لوحة الأجهزة، دشبول = Dashboard) (مساعد السائق أو الجابي، سِكِن Second =) (مصابيح، لايتات = Lights)  (مولد، داينمو Dynamo =) (عجلات مزدوجة، الدبل Double loll =) (دواسة الوقوف، بريك = Brakes) (دواسة القابض، كلچ = Clutch) (هيكل السيارة، الشاصي = Chassis) (أصوات انفجار في مفحمة السيارة، بگِ فاير = Backfire)  (غطاء المحرك، بنيد = Bonnet) (قاطع دورة، بلاتين = Platinum) (ميزانية، بلنص = Balance) (بكرة، پلي = Pulley) (مضخة، پم = Pump) (مضخة الماء، واتر پم = Water pump) (مضخة الدهن، أويل پم = Oil pump) (مكبس، بستم  = Piston) (بطارية، باتري = Battery) (ثقب العجلة، پنچر = Puncture) (موقف للسيارة = park) (مرآب، گراج = Garage) (ورشة = work shop) . مثال (أريد شراء سيارة = I want to buy a new car) .

* ريجيم

يقال (أتبعُ نظاما غذائياً) (أكلها دايت) (أفضل طريقة للتنحيف الريجيم) (الحمية عمود الصحة) ، بمعنى (الأكل وفق نظام يمنع تراكم الشحوم في الجسم) . في اللغة العربية توجد لفظة (الحمية) ، (سُئل الحارث ابن كَلَدة عن الطبّ فقال: الأزْم، بمعنى الحمية والإمساكُ عن الاستكثار من الطعام) . و(الازْم لغة: العض بالأنياب كناية عن غلق الفم بقوة) . وقال البوصيري في نبويته: (وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ) أما (ريجيم) و(دايت) فهما من الانگليزية: (regime) = (الحمية، طريقة الحكم، شكل الحكومة) . (الحمية = diet)  (التزام الحمية = dietary) ولفظة (regime) استعمالها للنظام السياسي أكثر من (Diet) التي تستعمل للحمية والأكل الصحي أكثر. ولكن عندنا استعمال (regime)  للحمية والنظام الغذائي أكثر. مثال (استمري بالحمية = Go on a regime)

* ماكنة

يقال (الماكنة الزراعية) (الآلة الطابعة) (الماكنة الحربية) (يجب إتباع آلية معينة) . يقصد بالماكنة (آلة تسَتعمل الطاقة لتؤدي عملاً) و(معدات فيها أجزاء متحركة) . وبهذا تكون الآلات الصناعية مكائن، والسيارات والقاطرات، والآلات الكاتبة والحواسيب وغيرها مما ينطبق عليه التعريف. و(الآلية بمعنى التقانة) . في اللغة العربية استعملت (الآلة) بمعنى (الأداة التي يستعان بها في الأفعال والأعمال) فالسيف آلة، والمنجل آلة، والظهر آلة لأنه يُحمل عليه. قال كعب بن زهير: (يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ) بل تكون الآلة غير ملموسة كقول الإمام علي (آلة الرياسة سعة الصدر) . وهذا يعني اختلاف معنى (الآلة) في اللغة العربية عنها في الأمثلة. ولم يستعمل العرب اللفظة المشتقة منها (آلية) وهي (التقانة) . أما لفظة (ماكنة) فغير مستعملة، وكذلك اللفظة المشتقة منها (مكننة) طبعاً. وكلمة (ماكنة) مأخوذة من اللفظة الانگليزية (Machine) وهي تعني (الآلة) بتعريفها المتقدم. ومشتق منها: (آلات = Machinery)  (آلية، تقنية = Mechanism) (مكننة = جعل الشيء ميكانيكياً)  = Mechanization) وقد نقلت لفظة (ماكنة) ومشتقاتها إلى اللغة العربية لتتبناها وكأنها وليدتها. مثال (اعملْ على مكننة الزراعة = Work on the Mechanization of agriculture) .

* تكنولوجيا

يقال (تكنولوجيا المعلومات) (تكنولوجيا الطاقة) (تكنولوجيا جديدة) . (التكنولوجيا تتألف من مقطعين: تكنو بمعنى الأداء، ولوجيا بمعنى علم. فيكون معناها العام : علم الأداء والتطبيق. أو الاستعمال الأمثل والشامل للعلوم وتطويرها) . في اللغة العربية لا توجد لفظة (تكنولوجيا) فهي علم متقدم على حياة العرب. وهي لفظة انگليزية (Technology) من اصل ايطالي. وقد وضع لها مقابل عربي مشتق من نطقها هو (تقني، تقنية، تقانة) وكلها غير معروفة في اللغة العربية. مثال (التكنولوجيا صممت لارغام الجميع على طريقة تفكيرها =Technology designed to force everyone to her way of thinking) .

* قسطرة

يقال (اعملْ قسطرة) (أجريَتْ له قسطرة) بمعنى (إدخال أنبوب يسمى قسطر لسحب أو حقن السوائل في الأوعية أو القنوات المختلفة. أو إدخال أدوات جراحية كالبالونات أو الشبكات المعدنية أو المستشعرات المختلفة) . في اللغة العربية (قسطر الدراهم: انتقدها) و(قَسْطَر: عالم رومي، والجمع قساطرة) . ولا توجد لفظة (القسطرة) فهي غير عربية، بل هي انگليزية من: (Cath) (Catheter) (يقسطر، يعمل القسطرة = Catheterization) وواضح انها منقولة بلفظها عدا ان (c = ك) قلبت (ق)  و(th = ث) قلبت (س) و(t = ت) قلبت (ط) وأضيف إليها التاء (ة) فنقلت من لفظ (كثتنر) إلى (قسطرة) بل تترجم ايضا إلى (قثطرة) . مثال (عملنا قسطرة ثانية للقلب = We did another cardiac Catheterization)

* كورنيش

يقال (نذهب إلى الكورنيش) (الكورنيش منتجع عائلي) . بمعنى (طريق ساحلي أو طريق بمحاذاة نهر يكون له منحدر باتجاه الماء) . وفي بغداد منطقة (كورنيش المزرعة) . وهي مفردة غير عربية، وذات أصل فرنسي جاءتنا عن طريق الانگليز (Corniche) . مثال (أنشئ الفندق على الكورنيش المطل على نهر النيل =The hotel is located on a corniche by the Nile)

* مناورة

يقال (مناورات عسكرية) (يجيد المناورة) (هو يناور) . بمعنى (تمرين قتالي للتدريب. ووسيلة للتمويه والوصول إلى غاية بدون استرعاء الانتباه) . لا توجد في اللغة العربية لفظة (المناورة) واشتقاقاتها، وان بدت عربية لكثرة تداولها. وانما هي انگليزية لفظا ومعنى: (ناور = Maneuvered, Manoeuvred)  (يناور = Maneuver) (مناورة =Manoeuvre, Maneuvering, Manipulation  Maneuver,)  (مناورات = Maneuvers) مثال انها مناورة عسكرية = It is a military Manoeuvre)

* فلكلور

يقال (الفلكلور العراقي) (ملابس فلكلورية) (حكايات من الفلكلور) ، بمعنى (علم حياة الشعوب، أو مجموعة الفنون القديمة والقصص والحكايات والأساطير المنحصرة ضمن عادات وتقاليد مجموعة سكانية معينة في بلد معين) . في اللغة العربية لا يوجد مصطلح (الفلكلور) ، وهو مصطلح انگليزي (Folklore) . مثال (قرأت أمس قصة من فلكلور العراق =Yesterday I read a story in Iraqi folklore)

 * باص

يقال (استقل الباص) (أفضِّل سيارة الأجرة على الباص) ، بمعنى (سيارة كبيرة لنقل الركاب) .

لا توجد هذه الكلمة في اللغة العربية كما مر. وهي انگليزية: (Bus) و(Autobus) . وقد ترجمت خطأ إلى (حافلة) ففي العربية (ناقة حافلة: تركت اياماً فكثر لبنها) مثال (قلتِ ان هناك حافلة في كل ساعة = You said there's bus every hour)

* قرصان

يقال (سرق القراصنة السفينة) (أنت قرصان وليس تاجرا) (يحترف القرصنة العامة) . فـ(القرصان: لص البحر خاصة، ويسمى عمله قرصنة) . في اللغة العربية لا توجد لفظة (قرصان) (قراصنة) (قرصنة) . فهي غير عربية. والكلمة انگليزية (Corsair) منقولة بلفظها ومعناها مع تغيير وتصرف بسيط في اللفظ. وللانگليزية ألفاظ أخرى للقرصان منها: (قرصان = Pirate, Freebooter, Buccaneer) (قرصان الجو = Hijacker) (هكر، قرصان الانترنت = Hacker) (قرصنة = Piracy, Hacking) . مثال (كل قراصنة الكومبيوتر (الهكر) يحبون جلب الانتباه = Every hacker loves attention)

* فلو آوت

يقال (خذ فلو آوت لنزلة البرد) و(ثيروكسين للدرقية) و(أسبرين للقلب) وغير ذلك من أسماء الأدوية. كل أسماء الأدوية التي نتعاطاها في العصر الحديث هي انگليزية. وأسماء الأدوية تمثل استسلام لغتنا العربية التام والمرعب لسيولها المقتحمة وعدم التمكن من إيجاد ترجمة لها أو بدائل. وتطول قائمة الأدوية لتكون بالمئات أو الألوف. وهذا الجانب يفضح عدم قدرة اللغة العربية على إنتاج كلمات طبية جديدة تواكب العصر والتطور، أو تحريك ألفاظ طبية عربية للتعبير عن الأدوية الحديثة. ومع الأدوية نقلت من الانگليزية ألفاظ ومصطلحات تتعلق بها مثل: (الحقنة) في العربية المتأخرة ما يعطى للمريض في دبره بآلة حاقنة. ولكن المترجمين استعملوا الحقنة والحقن ترجمة لـ(Injection) . ولا يوجد في العربية (كْريم = Cream) بتسكين الحرف الاول، ويوجد (المرهم) ولكن بلا خصوصية فهو لا يختلف عن (الكريم) فهو (أَلْيَنُ ما يكون من الدواء الذي يُضَمَّدُ به الجرحُ، يقال: مَرْهَمْتُ الجُرْحَ.) ولم يعرف العرب المتعلقات بالدواء مثل: (الاسم التجاري = Trade name)  (دواعي الاستعمال = Indications) (موانع الاستعمال = Contraindications) (حبة، قرص:Tablet, Pill)  (بودرة:Powder) (كبسولة:Capsule) (لفاف، بلاستر:Plaster) (حقنة، حقن: Injection, Syringe) . ومن اسماء الادوية وهي اكبر من ان تحصر ليس في بحث بل كتاب (أموكسلين كبسول:Amoxcilline cap) (امبيسلين كبسول:Ammpicilline cap) (بنسلين حب:Penicilline tab) (فيتامينات:Vitamins) (اسبرين حب:Aspirin tab) (أنسولين:Insulin) (لنكوميسين كبسول:Lincomycine cap) (ازثرومليسين كبسول:Azthromycine cap) مثال (عندي نقص فيتامينات = I have a vitamins deficiency)

* فاجيون

يقال (اشتريت قماش تارتان) (البسُ تراك سود) (قياسي اكس لارج) وهو (ما يخص الأقمشة والملابس وأحجامها) . عرف العرب الأقمشة التي وصفت بـ(الفاخرة) و(المنوعة) ومن ذلك ما يصنع من (القطن والحرير والكتان) . ومنه المحلي والمستورد مثل: (البندقي والسوسي والموصلي والزبيدي والاسكندري والهندي والمقصبات والكشيمري والفراء) . ولكن راجت في زماننا أقمشة وألبسة اجنبية: فرنسية وايطالية وانگليزية وغيرها اخذت الصدارة، فنقلت الى حياتنا ولغتنا. فـ(Sweater) هي (السترة) بتغيير بسيط في النطق. وقد توهم الدكتور محمد العدناني في كتابه (معجم الأخطاء الشائعة) فجعل لها تخريجاً عربياً من (السِّتر) ، وقال يجب ان تلفظ (سُترة) (بضم الميم وليس كسرِها) . والأصح برأيي كسرها كما تلفظ في لغتها الأصلية. وهكذا (Jacket = الجاكيت) ( pantaloon= بنطلون، بنطال) (Coat, Suit = القاط) .وفي اللغة العربية يسمى ما يغطي العورة وأعلاه تكة (التُبَّان) . ودخل (السروال) في العصر العباسي بتأثير العجم، وتسميه الكتب أيضاً (السروالة) وجمعها (سراويل) ، ومنهم من يجعل سراويل مفرداً. وهو يغطي العورة وكامل الرّجلين. أما (البيجاما) فلم يعرفها العرب أو تذكرها اللغة العربية. ولفظة (اللباس) بهذا المعنى ترجمة لـ(Underwear) التي تعني حرفياً (اللباس التحتاني، الداخلي) . و(البيجاما) لفظة انگليزية (Pajama) . من الاقمشة الانگليزية التي نتداولها:

(أزياء، موضة Fashion =) (تارتان Tartan =) (شامو Chamois =) (نايلون = Nylon) (بوليستر Polyester =) (ستن Satin =) (شيفون Chiffon =) ومن اللباس:

(مثال، موديل Model=) (نمط يقاس عليه، باترون patron =) (تراك سوت Track suite =) (تريكو، حياكةTricot =) (نصف كم، تي شيرت T- shirt =) (روب Robe =)

(كوستم Costume =) (بيجاما Pajama =) (لباس داخلي Underwear =) (بلوز Blouse =) (حذاء ذو ساق، بوت Boot =) (جاكيت Jacket=) (قبوط، كوته Coat=) (بالطو Balto =) (سروال قصيرShort =) (قياس Fit =) (فيته، شريط قياس = Feet) (غرفة قياس الملابس Dressing room, Fitting room=) (حجم صغير Small, S=) (حجم متوسط Medium, M=) (حجم كبير Large, L=) (أكبر مرة XL =) (أكبر مرتين XXL =) (أكبر ثلاث مرات XXXL =) مثال (أنا أفضل النايلون على بقية الأقمشة = I prefer nylon over other fabrics)

* كومبيوتر

يقال (عندي لابتوب) (أعرفُ الباسوورد) (فلاش 10 گيگه) وهي (مصطلحات تتعلق بعالم الكومبيوتر) . بما أن الكومبيوتر حديث، فليس في العربية ألفاظ تخصه. ولأهميته في التكنولوجيا والحياة الحديثة فانَّ ألفاظه ومصطلحاته أخذت مداها الأبعد في الاستعمال. وقد دخلت لغتنا مصطلحاته بلفظها الإنگليزي، كما ترجم قسم منها إلى اللفظ العربي. الا أن الألفاظ والمصطلحات الإنگليزية هي المستعملة أو الأكثر استعمالاً. فلفظة (الحاسوب) وضعت ترجمة دقيقة لمعنى (Computer = كومبيوتر) لانه من (Compute التي تعني (إحصاء، حسبان، يحصي، يحسب) . من ألفاظ الحاسوب الإنگليزية: (معدات الحاسوب، هاردوير = Hardware) (برامج الحاسوب، سوفتوير = Software) (الفأرة، محرك السهم، ماوس = Mouse) (صندوق الكومبيوتر، كيس = Case) (كلمة السر للدخول، باسوورد = (Password) (گيگه = Gega) (أيقونة = Icon) (قرص تسجيل، سي دي = CD) (لوحة المفاتيح، كيبورد = Key- board) (دخول = Enter) (يشطب كلمة = Delete) (خزان حبر الطابعة، كاترج = Cartridge) (طباعة صورية، أوفسيت = Offset) (تجربة طباعة، بروفه = Proof) (إلغاء = Cancel) (إلغاء الأمر، كنسل = Cancel) (ستاند باي، توقف = Stand by) (تدقيق = Cheek) (مصفوفة = Matrix) (دخول = Enter) (رقمي = Digital) مثال (هل تعرف كلمة السر = Do you know the password?)

* مونولج

يقال (ممثل مشهور) (فنَّان كبير) (مخرج المسرحية) (بطل الفيلم) (فيلم كوميدي) (فن الكاريكاتير) (فن الميم) (مسرح العبث) (غناء المنلوج) وهي (ما يطلق عليها الفنون الجميلة. وهي فنون وضعت وفق أسس علمية وليس اعتباطية بدائية) . في اللغة العربية (الفَنُّ: النوع) وجمعها (الفنون) و(الفن: العناء) و(الفنون: الأخلاط من الناس) . و(رجلٌ مُتَفَنِّن وٌمِفَنٌّ، أي ذو فنونٍ يأتي بالعجائب) ومثله (امرأةٌ مفَنَّةٌ) ولا يوجد (رجل فنان) وتأتي مفردة (فنان مثنى فن) قال ابن الابار في (إعتاب الكتاب) (قلما تلاقى الفنان: منظوم ومنثور) . ولم تعرف العربية مصطلحات الفن المعاصر. فـ(المخرج: الذي يطلع شيئا إلى الخارج واقعا ومجازا) قال الشاعر (المُخْرِجُ الكاعبَ الحسناءَ مذعنةً) . و(الحفلة والاحتفال: الاجتماع والتحشد)  و(عنده حَفْلٌ من الناس، أي جَمْعٌ) . وقالوا (كانت جنازته حَفِلة) أي (مزدحمة بالمشيعين) . ولم يعرفوا (الممثل) فالتمثيل عندهم (التشبيه) . و(المسرح: الفضاء الذي ترعى به الماشية) . ولم يذكروا (السينما) .

و(الرسم) في العربية (الأثر، وجمعه رسوم) و(الكتابة) لانها أثر أيضاً. و(الرَواسيمُ: كتبٌ كانت في الجاهليّة) . و(الثوبُ المُرَسَّمُ، بالتشديد: المخطَّط) . و(رَسَمَ عَلَيَّ كذا وكذا، أي كتَبَ) . و(الرسم السلطاني: قراره المكتوب) كقولهم (رسمنا بما هو آت = قررنا الآتي) . ولم يعرف الرسم بمعناه المستقر في أذهاننا اليوم. ولم تستعمل (رسمة، رسومات، مرسم..) وقولنا (الواسطي الرسام) الذي رسم مقامات الحريري، لم تسم أعماله (رسومات) بل (منمنمات) . واستعمل الجغرافيون العرب مصطلح (لوح الرسم) يقصدون بالرسم (الخطوط الجغرافية) . وهكذا حال كل ما يتعلق بالرسم مثل: رسام، لوحة، أصباغ، فرش...الخ والفاظ كثيرة اما استحدثت أو ترجمت أو نقلت من الإنگليزية. و(اللحن: التطريب في القراءة) و(الأصوات المختارة في الغناء، وجمعها: ألحان ولحون) و(الخطأ النحوي واللغوي) و(الفطنة، ومنه الملاحن وهي: مسائل كالألغاز يُحتاج في حلها إلى الفطنة) . ولم يعرف العرب (الغناء الملحَّن) في الجاهلية وصدر الإسلام. وعرف الأمويون الغناء بالآلات عن طريق الفنانين الإيرانيين الذين جلبهم عبد الله بن الزبير لبناء أضافه للكعبة المشرفة. وظهر ملحنون وفنانون ومطربون كبار مثل معبد والبغوم. وفي العصر العباسي تطور التلحين وظهر إبراهيم الموصلي وابنه اسحاق وتلميذه زرياب. وفي الأندلس تطورت الموسيقى بفعل الأسبان الا انهم لم يعرفوا كتابة اللحن (النوتة الموسيقية = musical note) فكانوا يقيدون الالحان بكلمات ساذجة تطورت إلى فن الموشحات. واللحن والموسيقى والغناء الحديث ومصطلحات له بالعشرات مثل الرسم استحدثت او ترجمت او نقلت. و(النحت: القطع، نحتَ النَّجَّارِ الخَشَبَة قطعها، والنُّحاتة: النشارة) . و(نَحَتَ الجبلَ: قَطَعَه) . ومنه قوله تعالى (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) . وقيل عن الفرزدق (ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر) أي كأنه في صعوبة تأليفه الشعري كأنه يقطع الصخر، بينما جرير لسهولة الشعر عنده كأنه يغرف من بحر. وللحنت أيضاً عشرات المصطلحات الفنية. وكذلك الفنون الأخرى.واستعمال هذه الالفاظ في الفن جاءت ترجمة من اللغة الانگليزية، فضلا عن عشرات المصطلحات التي ترجمت ووضعت ازاءها ألفاظ عربية طوعا او قسرا. فالعربية لم تعرف (المنتج، الإنتاج) في عصر فصاحتها، وهما محصوران بـ(ولادة الماشية) يقولون (نُتجت النعجة فهي نتوج، وهو نتاج) ولم يقبل ابن السكيت بـ(أنتجت النعجة انتاجا) . ثم بعد انحراف اللغة قُبل (المنتج، الإنتاج) ولكن بقيا في مجال ولادة الحيوان. وجرّت جرا إلى مجال الفن في العصر الحديث. ومثله (البديل) فهي عامة (البديل: الشيء او الشخص الذي يوضع مكان شيء او شخص آخر) وجعل (البديل) بإزاء (Stand-in = ممثل بديل) إعطاء اللفظة معنى مخصوص لم تعرفه ولا تدل عليه. ومثل هذا كثير. وهذا الأمر مر على الجميع او تجاهله الجميع لعدم قدرة العربية على خلق الفاظ تغطي الحياة المعاصرة، مما دفع إلى تحرك الألفاظ العربية والتصرف بها دون مراعاة الخروج من دائرة اللغة العربية وتضييع ألفاظها لأنها أصبحت لا تعبر عن معانيها التي وضعت لها. 

و مصطلحات الفن المعاصر منها ما ترجم الى العربية مثل: الرسم (Drawing) التخطيط الاولي (Sketch) التشكيل المجسم (Modeling) التصميم (Design) التجريدية (Expressionism) التكعيبية (Cubism) ألبوم صور= (Album) أكشن = (Action) . ومنه ما عرف بلفظه وهو الاكثر مثل: رقص باليه = (Ballet) تراجيديا = (Tragedy) كوميديا = (Comedy) فن الزنگغراف = (Zincography) فريق العمل الفني = (Cast) ثنائي = (Double cast) سينما = (Cinema) (سيناريو = Scenario) (كاتب سيناريو، سينارست = Scenarist) (لقطة = Shot) (عارضة أفلام = Sheet) (كاميرامان، حامل الكاميرا = Cameraman (دبلجة = Dubbing mixing) أكاديمية الفنون الجميلة = (Academy of arts) مثال (هذا اعظم مونولوج في التاريخ = This is the greatest monologue of all time) .

وغير هذا الكثير الكثير.

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

جامعة واسط

 

محمد بنيعيشأولا: الضريح بين المدلول السليم والاستغلال الأثيم

يبدو أن مفهوم الزاوية قد صار متلازما تلازما ذاتيا مع مصطلح الضريح في أذهان العامة وأيضا الخاصة، وذلك لتحول الطرق الصوفية من نزعة فردية أو جماعة محدودة ومعدودة إلى مدرسة منظمة ومرتبة وذات تسلسل روحي ونفسي واجتماعي وربما اقتصادي أيضا. إضافة إلى هذا فقد أصبح الضريح سواء في الفكر الصوفي أو السياسي والاجتماعي العالمي عبارة عن معلمة تخلد ذكرى رجل عظيم قد تولى، له تاريخه وتراثه وفضائله، كمحفز على التواصل المستمر بين السلف والخلف من باب الالتزام بالمبادئ والولاء والوفاء بالعهد...

وهذا الأمر لا علاقة له بانحراف العبادة أو الشرك والبدع وما قد يمس بسلامة العقيدة بوجه من الوجوه !. فقد يكون ضريح سلطان عادل أو ولي صالح أو عالم نحرير أو جندي ومجاهد شهيد...

وبهذا فقد يتوالى على إدارة شؤون الزاوية ومعها معلمة الضريح ورثة الشيخ، إما باستحقاق معرفي ووراثة روحية معرفية وإما بوراثة تقليدية تبركية وامتداد طبيعي لكل تجمع بشري في أي ميدان كان، وكل له إيجابياته وقيمته.وعند هذا التسلسل فقد يكون الالتزام والدوام أو التخلخل والتسلل وظهور الأورام والعلل. وهنا كما نرى ينشأ التمصوف والتمشيخ والتكلف والتخلف...

فلقد أصبح التمصوف كظاهرة مرضية منذ زمان بعيد ذا ألوان متنوعة لا تحصى في أساليبها وطرق استغلالها لميدان التصوف التحقيقي وميل الناس إلى تعظيم واحترام أهله، يكاد يشبه طرق" آل ساسان " التاريخيين وحيلهم في التسول واستغلال الآخر بأدنى الأتعاب. إذ كما يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: "وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع العلوم الخفية وذلك مما لا رخصة في ذكره، وقد يجوز إظهارها حتى لا يقع الغرور"9. بحيث إن المتمصوف أو المتقمص لدور الصوفي قد لا يجد عناء في كسب ثقة العامة حينما يريد أن يلبس عليهم أمره أو أمر الزاوية والضريح أو القبر الذي يتخذه وسيلة لغايته، وذلك بمجرد دعواه ولو بغير حجج أن صاحب هذا القبر كان وليا صالحا تجد الناس يقصدونه بالزيارة والتبرك حسب نواياهم وبواعثهم.

وهذا عمل حسن ومقبول منهم إن بقي على سبيل المحبة و التذكر والتفكر والاعتبار، أو كمعلمة روحية وتاريخية، ولم لا التبرك في حدود الشريعة وسلامة العقيدة، بيد أن الأمر قد لا يبقى عند هذا الحد بل المشكلة تكمن في المحيطين بالقبر أو الضريح المقصود بالزيارة، خاصة إذا كان غير موثق ولا تاريخ له ولا سند صحيح في نسبة القبر إلى صاحبه .

إذ هناك سيجد المتصوفة فرصتهم لبث الخرافات والأكاذيب من باب ادعاء الكرامات المبالغ فيها لاستغلال المشاعر الطيبة للجمهور الزائر وبالتالي العمل على ابتزاز أمواله بشتى الوسائل ولو بالتسول في باب التوسل على سبيل ادعاء القدرة على التطبيب والعلاج من الأمراض الروحانية أو الصرع أو قراءة الغيب بالفأل المنظوم والمزيف، وما إلى ذلك مما قد يفتعله المتمصوفة من خلال التمويه بدعوات وتمتمات محفوظة توهم العامي الغمر بنوع من المعرفة والخصوصية، بينما الأمر ليس سوى تحايل وتغرير من أجل الابتزاز المالي والنفسي، وربما الاستدراج الجنسي في كثير من خلوات الأضرحة والأماكن المسماة غلطا وزعما بالزوايا، حيث لا تجد مراقبة رسمية ولا علمية أو وعيا اجتماعيا بخطورة هذا الابتزاز والتغرير عند سكان هذه المنطقة أو تلك، وهذا ما يشيع كثيرا في عدة أماكن وخاصة عند خلوات نائية غير مقصودة بكثافة!

كما قد نلاحظ ظاهرة التسول الفاحش عند هذه الأضرحة المهملة وتكريسه سواء من طرف القيمين على صيانتها أو السكان المجاورين لها، حتى قد أصبحت هذه الصفة كأنها من لوازم كل من ينتسب إلى ولي صالح، وهو ما يسيء إلى الصوفية كثيرا في ربط هذه الظواهر بهم رغم أنها تناقض سلوكهم وأخلاقهم مبدأ وغاية وعلى رأسها الزهد والورع والكفاف والعفاف. لكن الجمهور الغمر وماكري المتمصوفة هم الذين ساهموا في تشويه هذه الصورة، إضافة إلى تكريس بعض السلطات وتشجيعها لهذه الممارسات، إما بحمايتها وغض الطرف عنها، وإما بدعمها ماليا على سبيل نثر الحب للالتقاط وجس النبض. هذا مع علمهم بأن هؤلاء المتمصوفة لا قيمة لهم دينيا ولا أخلاقيا ولا علميا، ولكن من باب تمرير الهدف السياسي أو الأمني لترويض وتدجين الجماهير حتى يتحقق الاستقرار الوهمي والانصراف للاشتغال بما لا يدع مجالا للإلحاح في المطالبة بالحقوق والواجبات والإصلاحات العامة والمهمة، وبالتالي تكريس التسليم لمن لا يستحقه من الأحياء والأموات كمهدئ بارد وقاتل!

ومن هنا فقد تغير مفهوم الزاوية لدى العامة وحتى أشباه العلماء في كثير من البلدان وأصبح في منظورهم عبارة عن مقبرة مسقفة تحتوي عدة قبور يأتيها الناس لاستدرار الحياة من الأموات ليس إلا، إذ أصبح المخيال الشعبي لا يفصل الزاوية عن المقبرة، بل أصبحت هذه الأخيرة هي أهم خصائصها والمميزة لها، ومن ثم وجد المتسلفة الوهابيون وغيرهم من التيميين المتطرفين الفرصة سانحة لوصف الصوفية بالقبوريين، فكان التطرف مقابل التطرف وضاعت بينهما الحقيقة!

ثانيا: تأصيل الزاوية وحماية التاريخ من خلال الضريح

إذ الزاوية في الأصل ليست سوى بيت من بيوت الله تعالى يمارس فيها الذكر المتواصل مع الرغبة في التزكية والتربية وتحصيل الطهارة الظاهرية والباطنية، كما نجده في قول الله تعالى: " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ".

فتغير مفهوم الزاوية ودورها الروحي وأصالتها الدينية إلى مجمع فلكلوري أو مجال للشعبذة هو الذي أصبح يغلب على أذهان العامة وحتى أشباه العلماء الذين يعانون من بطالة فكرية وكسل عن البحث في حقائق الأشياء ودقائقها، ومن ثم تجند أصحاب المفهوم السليم والأصيل للزاوية ومؤسستها، فاستخرجوا ما كان مغفولا عنه اصطلاحا ومضمونا وذلك من أجل تصحيح المفاهيم وردع كل متطفل وواهم. بحيث نجد الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش شيخ الطريقة والزاوية الحالي قد سار في هذا البحث من خلال أطروحته الفذة "مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة" إلى تصحيح مفهوم الزاوية ودورها الروحي والاجتماعي والتاريخي مع التنبيه على خطر تغير المفهوم الاصطلاحي ومضامينها عبر التقادم والتآكل التاريخي. نقتبس بعض فقرات تقرير مناقشته، يقول فيها كأول استنتاج: "ولئن جرى العرف الأكاديمي على أن يقدم الباحث في خاتمة عمله أهم النتائج التي توصل إليها فإن هذا العرف يجعلنا ملزمين مع الاعتراف بتقصيرنا بإبراز النتائج التالية:

- تأكد لنا خطر الأطروحة التي روج لها بعض المستشرقين ورددها وتبناها بعض الكتاب المعاصرين، ومفادها أن لفظ "الزاوية" بدأ يحل تدريجيا محل الرباط في المصادر ابتداء من القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، ذلك لأننا عثرنا على ورود مصطلح "الزاوية" في مصدر عريق، ويعتبر من أمهات مصادر العلوم الإسلامية ألا وهو صحيح الإمام البخاري، حيث ورد فيه قوله في ترجمته لباب من أبواب كتاب الجمعة "باب من أين تؤتى الجمعة؟ وعلى من تجب؟ لقول الله عز وجل "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة" وقال عطاء: إذا كنت في قرية جامعة فنودي بالصلاة من يوم الجمعة فحق عليك أن تشهدها سمعت النداء أو لم تسمعه – وكان أنس رضي الله عنه في قصره أحيانا يجمع وهو بالزاوية على فرسخين" ومن المعلوم أن أنس بن مالك رضي الله عنه صحابي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقد توفي سنة تسعين هجرية، وهو آخر صحابي مات بالبصرة. ولعل مما يزيد استخدام مصطلح "الزاوية" منذ فجر الإسلام تأكيدا ما نجده في كتب شراح صحيح البخاري، فمن ذلك ما قاله الإمام بدر الدين العيني في عمدة القاري: "الزاوية هو موضع ظاهر البصرة بينها وبين البصرة فرسخان" وقال الإمام ابن حجر في فتح الباري: "الزاوية موضع ظاهر البصرة معروف وهذا وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أنس أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهي على فرسخين من البصرة" فهذا الاسم إن كان علما يدل على مكان معين يرجح أنه ارتبط بالاعتكاف على العبادة واشتق منها.

فمؤسسة الزاوية والتربية الصوفية، على حد تعبير الشيخ جمال الدين، متجدرة في البيئة الإسلامية لفظا ومعنى مصطلحا ومضمونا، وليست مستوردة ولا مستنبتة ولا مزروعة في كيان الأمة الإسلامية، بل إنها من أصالتها منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين"11. فكان هذا استنباطا ممتازا وتنبها دقيقا وعميقا من شيخنا سيدي جمال الدين يبين عن مدى أصالة المفهوم الصوفي لديه، معرفة وذوقا ومصطلحا ومؤسسة، إذ الزاوية القادرية البودشيشية ومعها كثير من الطرق والزوايا الأصيلة في داخل المغرب وخارجه، تبقى شاهد عصر، ومؤكدة ما قلناه عن مفهوم الصوفي والتصوف، ومفهوم الطريقة والزاوية في حلتها الأصيلة والراقية ودورها التربوي والتعليمي والاجتماعي والوطني، وقبل هذا وذاك التوحيدي الروحي.

وحينما تبرز طريقة أو زاوية أصيلة على يد شيخ محقق ومجدد فقد يلجأ بعض البطاليين من رجال الفكر والسياسة عندما يشعرون بأن نجمهم آيل للأفول وبعد أن تمكنوا من استقطاب فئات من الجماهير على سبيل التزوير والتغرير إلى استعمال المتمصوفة الذين سبق وحددنا مواصفاتهم كوسيلة لمحاربة الصوفية الحقيقيين من المصلحين والمجددين في الأمة. وذلك بالعمل على تحريك الطرق الميتة، والنفخ الوهمي في أشباحها بالريح لا بالروح، وذلك لسلوك أسلوب المنافسة وإحياء الليالي المتتالية وإقامة الحفلات والمواسم لم تكن من قبل معهودة لديها، بل كانت قبلها جامدة وربما خاوية على عروشها لا يرتاد زواياها سوى العجزة والبطاليين والفاشلين وأيضا المعتوهين والمهوسين والممسوسين، اللهم إلا ما قد نجده من بعض الطرق التاريخية الكبرى التي ظلت في كثير من جوانبها تحافظ نوعا ما على شيء من الانضباط الشرعي ظاهريا على أكثر تقدير، أما من الجانب الروحي والترقي واعتبار المراحل والأحوال والمقامات فهذا مناله بعيد وبعيد جدا!

ومما زاد هذا النوع من التمصوف تجذرا وتكريسا في المجتمع الآيل للانحلال والانحراف هو ما تقوم به بعض وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية من إبراز مظاهره على شكل ما يسمى بالتراث الشعبي مع إضافة كلمة صوفي أو روحي إليه، وما يصاحبه من أعمال بهلوانية وحركات فلكلورية بل تفسيرات خرافية ووهمية للحركة الروحية عند الصوفية، بحيث قد أصبحت تعرض وكأنها عبارة عن فلكلور أو رياضة بدنية وطقوس شعبية ذات اعتماد مبدئي على إيقاعات موسيقية تساهم في تحصيل الاضطراب البدني ذي الخلفية العصبية والمكبوتات النفسية.

حتى قد وجدنا عروضا من هذا القبيل يشارك فيها تائهون غربيون جاؤوا يبحثون عن التصوف الحقيقي الذي قرأوا عنه في الكتب فإذا بهم يقعون فريسة هذا النوع من المتمصوفة الذين زادوهم في تيههم وحولوهم عن قصدهم. وبالتالي صدروا معنى التصوف محرفا وشاذا من خلال ما رأوا أو مارسوه إما بسذاجة أو مكر استشراقي، هدفه القيام بدراسة الأنماط الاجتماعية والسلوكية والعقدية الطائفية الحاصلة في الأمة، ووضع اليد على مواطن الضعف فيها حتى يتسربوا إليها من بابها ويغرروا بها بأساليبهم المعهودة في المكر والخداع الثقافي!

فقد رأينا في بعض البرامج المتلفزة لقنوات متعددة صورا مخجلة من هذا القبيل كمثال بعض النساء والرجال الأوروبيين مسنين وشبابا وكهولا قد يدعون أنهم وجدوا أنفسهم في طقوس وحركات مبنية على الرقص المفتعل والمنظم مع اختلاط بل احتكاكا بالرجال وإيقاعات موسيقية في بعض التجمعات المسماة غلطا بالزوايا أو التكايا والتي قد تنسب خطأ إلى التصوف، لكنها أبعد منه بعد المشرقين والمغربين!

وهذا العرض وغيره من العروض كأصحاب السواطير والأباريق المشروبة من الماء المغلي والصخب الموسيقي المزعج وغير ذلك مما لا علاقة له بالعبادة من قريب أو بعيد قد يكون الهدف منه إساءة نظرة الجمهور للتصوف كعلم إسلامي جوهري في درجة الإحسان، وبالتالي صرفهم عن سلوك طريق الحق والصلاح نظرا لما يعهدونه من خروقات ومفاسد قد تصبح لديهم من العوائد والأعراف الشعبية التي قد يلزقونها ظلما وعدوانا بالصالحين من ذوي الأضرحة والأصرحة، و الذين كان همهم الوحيد هو إصلاح ذاتهم وغيرهم والعزوف عن شهوات الدنيا ومفاتنها واجتناب أماكن الشبهات والمحرمات.

في حين أن توظيف مصطلحات فضفاضة، من مثل كلمة القيم الروحية والأخلاق الإنسانية والتوجه السلوكي والتواصل والتعايش والمحبة في مثل هذه المواقف المختلة، لا علاقة لها بالتصوف كعلم قائم بذاته وله قواعده، وهي بمثابة تعدي على التصوف الحقيقي وعلى التراث وعلى منهجية البحث العلمي الدقيق، وهذا ما لا يقبله صوفية التحقيق بتاتا.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المملكة المغربية

 

عدنان عويدالحياد في المواقف الفكريّة، هو أن تتخذ الحدّ الوسط في الرأي. أي عدَمُ الميل إِلى أي طرفٍ من أَطرافِ الخُصومة، أو الاختلاف في الرأي تجاه مسألة من المسائل يتم تداولها أو النقاش حولها. وهذا ما يمكن أن نسميه أيضاً بالحياد الايجابي. وبالرغم من معرفتنا بأن مسألة اتخاذ المواقف المحايدة من قبل الذين يشتغلون على كشف وتأكيد الحقائق، غالباً ما يتعرضون لموانع كثيرة تحول بينهم وبين ادعائهم الحياد، كدرجة وعيهم، واهتماماتهم، ومداركهم، ومصالحهم الماديّة والمعنويّة، ومرجعياتهم الطبقيّة والفكريّة والاجتماعيّة والأيديولوجيّة والحزبيّة.. وغير ذلك الكثير.

من هذا المنطلق (الحياديّ) تأتي مسألة توظيف النص الديني في حواراتنا وكتاباتنا عن قضايا تتعلق بدور الدين فيها، ومدى شرعيتها، أو توافقها مع النص.

إن تفسير أو تأويل الآية القرآنيّة التالية: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). النحل. (89). جعل بعض القوى السياسيّة الإسلاميّة الداعية إلى الحاكميّة، تعتبر أن النص الديني (القرآن والحديث) هما المرجع الأساس للحاكميّة في هذه الحياة، وبالتالي كل رؤى أخرى وضعيّة يطرحها الناس لحل مشاكلهم خارج هذا النص المقدس هي بدعة وضلالة حتى ولو أجمع عليها الناس في برلماناتهم أو مجالسهم النيابيّة.

يقول ابن مسعود في تفسيره لهذه الآية: (إن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحُكْمَ كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم). (1).

إذن من هذا المنطلق التفسيري أو التأويلي لهذه الآية، على اعتبار أن الكتاب أو القرآن يحتوي على كل شيء يتعلق بحياة الإنسان ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، كما بين ابن مسعود، وغيره من مفسري الماضي، أو مفسري الحركات الإسلامية السياسية والجهادية منها في عصرنا الحاضر، يُحيلنا إلى مواقف بعيدة عن الحياد بالضرورة، وخاصة في قدرتنا على استخدام عقولنا التي وهبنا الله إياها في إدارة شؤون دنيانا وتعمير هذه الأرض، ونحن الأدري بشؤون دنيانا كما يقول الرسول.

ما أريد قوله هنا هو: إن  الآية السابعة من آل عمران: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). (آل عمران-7). تبين لنا حالات الاختلاف في النظر – أي في استخدام العقل - إلى نصوص القرآن، وهذا ما أشار إلية ابن كثير في تفسيره على سبيل المثال لا الحصر بقوله:     (خَبًرً تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فهناك من رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحَكّمَ محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى . ومن عكس انعكس... وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه). (2).

إذن، هناك اختلاف في النظر (العقل)، إلى المحكم والمتشابه من الآيات القرآنية. فغياب دلالات هذه الآية المتشابهة أو تلك تجعل الكثير ممن اشتغل على مجال الفقه أو علم الكلام، أو العقائد أو غيرها من علوم الدين، يقع في متاهات التفسير والتأويل والحكم بالتالي على الظواهر أو الأحداث، وخاصة من حاول توظيف الدين لقضايا نفعيّة سياسيّة كانت أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو فرديّة، أو انطلاقاً من قناعة أكيدة عندهم بضرورة تطبيق الدين وحاكميته لكونه برأيهم حكم الله المقدس الذي لا يقبل الالغاء أو المراجعة أو التعديل، وقد حقق كما يعتقدون في مراحل تاريخية - وخاصة العهد الراشدي - العدل والمساواة بين الناس. بيد أن هذه الرؤية الوثوقيّة أدت إلى خلافات كثيرة وجريان دم بين المسلمين، وكان لها الدور الكبير أيضاً في ظهور المدارس الفقهيّة والكلاميّة والمذهبيّة وخاصة الفرقة الناجية.

إن غياب التفريق بين المحكم والمتشابه في النص القرآني عند المتنطعين أو محاربي استخدام العقل في تفسير النص من الفقهاء وعلماء الكلام والباحثين في التراث الإسلامي، سابقاً ولا حقاً، جعلهم برأيي يشتغلون بطريقة براغماتية ووثوقية في بحوثهم ودراساتهم وتشريعاتهم واتخاذ أحكامهم من خلال اتباع المنهج التالي في البحث والتقصي عن هذه الأحكام وهو الذي حدده الشافعي: فهم لديهم الفكرة أو القضية التي يريدون تسويقها أو فرض حكم شرعيّ عليها، أو شرعنتها، فيذهبون إلى القرآن للبحث عن دليل لها، وإن لم يجدوا يذهبون إلى الحديث، وإن لم يجدوا يذهبون إلى أقول الأئمة والفقهاء .. الخ. وكل ذلك يتم دون التبصر في المحكم والمتشابه من الآيات التي يعتمدون توظيفها للحكم أو شرعنة ما يريدونه، وغالباً لا ينظرون أيضا في خصوص السبب بالنسبة لنزول الآية التي يتكؤون في حكمهم عليها، ويعتمدون على عموم اللفظ، كما نجد أيضاً عند بعض الفقهاء رؤى تجافي الحقيقة خدمة لتلك المصالح، فإن وجد هناك نص ديني كدليل على ما يريدون الحكم عليه يقولون إن هذا الدليل قد تم نسخه، وهذا ما تم في الحقيقة، حيث قالوا بأن الآية الخامسة من سورة التوبة قد نسخت خمس مائة آية من السور المكيّة.

من خلال هذه المعطيات التي جئنا عليها هنا يأتي الأخذ بآية: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). النحل. (89). عند المتنطعين الذين يرفضون الرأي الآخر المختلف، سلاحاً في فرض قناعاتهم على الاخرين وتديين المواقف السياسية خدمة للسلطان ً. ونأخذ مثالاً على ذلك، قضية ذبح "الجهم بن صفوان" والتضحية به يوم العيد من قبل خالد بن عبد الله القسري، وكان يومها والياً على العراق في حرم الجامع بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك، الذي اتهمه بالزندقة والكفر كونه قال بخلق القرآن، بينما الدافع الحقيقي هو وقوف الجعد إلى صف المحرومين من الموالي، الأمر الذي جعل القوى السلفيّة تبرر زوراً هذا الذبح كموقف عقيدي/ ديني،(3). ونحن نعرف أن العقيدة تقر بضحية العيد  على الأنعام وليس على البشر.

إن هذا الموقف المخالف للنص الديني راح يجد قبوله وشرعنته لاحقاً عند ابن تيميّة وتلميذه ابن قيم الجوزيّة ومشايخ الوهابيّة، وكل من برر هذا القتل (الذبح) من مشايخ وفقهاء السلفيّة في الماضي والحاضر، بل وعند كل من سكت عن هذه الجريمة تاريخياً. وهذا الذبح ذاته امتد إلى تاريخنا المعاصر، كما فعلت داعش في مسلخ أبوكمال عندما ذبحت عدداً من المختلفين معها في المسلخ يوم العيد. والأنكى من ذلك تأتي وثوقيتهم المميتة على مجال العلم والاختراعات الحديثة، حيث نجدهم يسارعون إلى القرآن والحديث يبحثون فيهما عن أي شيء يشير إلى دلالات هذا الاختراع عند المؤولين للنصوص كي يقولوا إن هذا الحدث العلمي الجديد موجود في هذه النصوص قبل أن يُكتشف، دون أن يسألوا أنفسهم لماذا لم يكتشفه العرب أو المسلمون قبل اكتشافه من قبل الغرب في عصرنا الحاضر. ولا نستغرب أيضاً عندما نجد من يكفر هذه الاختراعات العلميّة ويكفر من استخدامها كون المسلمين الأوائل لم يستخدموها في عصرهم، وبالتالي هي تدخل في باب الضلالة، متناسين أن الأصل في الأشياء الاباحة، وإن كل حادث لم يرد فيه نص تحريم هو مباح، ويخضع في شرعنته للمقاصد الدينية الخيرة التي يدعوا إليها النص الديني وهي: حفظ الدين بوجهه الصحيح، والنفس، والمال، والنسل، والعقل.

ملاك القول: عند تناولنا لأي قضيّة من قضايا حياتنا ونريد شرعتنها أو إعطاء حكم فيها بنص ديني، علينا:

1- أن ننظر بالمحكم والمتشابه في الآيات.

2- وأن نتخذ من مقاصد الدين الخيرة مرجعاً أساسياً في تفسير أو تأويل المتشابه منها، أي رده إلى المحكم من الآيات كما ذكر ابن كثير أولاً وهو مصيب في ذلك،

3- ثم النظر بعموم الآيات التي تتعلق بهذا الموضوع لمعرفة أسباب نزولها. ثم النظر في العام والخاص منها، أي المجمل والمفردً. وبالتالي نختار الحكم الذي يتفق مع الحدث أو الظاهرة المستجدة.

4- وأن لا نمارس الناسخ والمنسوخ من الآيات على هوانا، كأن نقول كما قال بعض الفقهاء بأن الآية الخامسة من سورة التوبة نسخت (500) آية من الآيات المكيات التي تدعوا إلى التسامح واحترام الرأي الاخر وعدم التنطع بالدين. أو أن الحديث ينسخ القرآن. (4).

5- وأخيراً أن نأخذ بالجانب العقلي أيضاً في التشريع، أي الآخذ بالاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وغيرها من القواعد الفرعية في التشريع التي تساهم في فتح باب الاجتهاد ومراعاة خصوصيات الواقع والتطور والتبدل الذي يحدث في الوجودين الاجتماعي والروحي / القيمي للناس.

أمثلة على الآيات المتشابهات:

10- آلآية المعروفة باسم "آية السيف" تقول: "فإذا انسلخ الشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخّلوا سبيلهم أن الله غفور رحيم". صورة التوبة – (5).

2- (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..). (الكهف. 29).

3- (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ). الحاقة . 17.

4- (ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ). (الشورى:11).

5- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).  (النساء 59).

6- (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰاسِقُونَ). (المائدة 47).

7- (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ). (المائدة  48).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

......................

الهوامش:

1- موقع: (www.alukah.net › sharia).

تفسير قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء.

2- موقع:quran.ksu.edu.sa › tafseer › katheer sura3-aya.

(القرآن الكريم - تفسير ابن كثير - سورة آل عمران) - ...

3- راجع حول الجهميّة وذبح الجهم بن صفوان: موقع الدرر السنية. بحث بعنوان: المبحث الثاني الجهميّة. وراجع أيضاً كتاب (مختصر الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة) للابن قيّم الجوزيّة. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

4- القرآن الكريم - تفسير ابن كثير - تفسير سورة التوبة – الآية 5. موقع: quran.ksu.edu.sa › tafseer › katheer › sura9-aya5.

 

 

محمد بنيعيشأولا: التدقيق المصطلحي أساسي لضبط خصوصية المجال الصوفي

كثيرة هي الأخطاء التي قد يقع فيها أشباه العلماء والباحثين الكسيحين بله الجمهور والعامة المغرورون من التابعين لهم بسوء فيما يتعلق بتعريف التصوف وضبط حقيقته، ومن ثم تعيين طريقته والجماعة الممثلة له على سبيل الذوق والعرفان والتدقيق في التحقيق.ومن هنا فقد يختلط في الذهن معنى التصوف بالفقر أو الزهد أو العزلة والاعتزال وقد ينسب إليه وصف الهرمسية والهروب من الواقع والعالم ودلالاته العلمية والمعرفية... فتسقط عليه حينئذ الأوصاف الرديئة جزافا وينسب الشيء إلى غير مقامه وبالتالي سيتنقص من قيمه ومرامه.

وعن مقدمات هذا الخلط يقول السهروردي في عوارف المعارف "فقد تذكر أشياء في معنى التصوف ذكر مثلها في معنى الفقر وتذكر اشياء في معنى الفقر ذكر مثلها في معنى التصوف، وحيث وقع الاشتباه فلا بد من بيان فاصل، فقد تشتبه الإشارات في الفقر بمعاني الزهد تارة ومعاني التصوف تارة ولا يتبين للمسترشد بعضها من البعض، فنقول: التصوف غير الفقر والزهد غير الفقر والتصوف غير الزهد، فالتصوف اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزهد مع مزيد أوصاف وإضافات لا يكون بدونها الرجل صوفيا وإن كان زاهدا وفقيرا... سئل أبو محمد الحريري عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج عن كل خلق دني، فإذا عرف هذا المعنى في التصوف من حصول الأخلاق وتبديلها واعتبر حقيقتها يعلم أن التصوف فوق الزهد وفوق الفقر، وقيل نهاية الفقر مع شرفه هو بداية التصوف"1.

وإذ لخص لنا هذا النص الخصوصية المبدئية لمصطلح التصوف كميدان وحقل معرفي وسلوكي متميز فإنه بالضرورة يطرح السبر والتقسيم من أجل تحديد خصوصية الممارس للتصوف وتحديد مصطلحه كوصف بحسب مناسبته للخصوصية الاصطلاحية المحددة لحقيقة التصوف وماهيته.

يقول السهروردي في تحقيق مصطلح الصوفي ومضمونه: "واعلم أن كل حال شريف نعزوه إلى الصوفية في هذا الكتاب –أي عوارف المعارف- هو حال المقرب، والصوفي هو المقرب، وليس في القرآن اسم الصوفي، واسم الصوفي ترك ووضع للمقرب على ما سنشرح ذلك في بابه، ولا يعرف في طرفي بلاد الإسلام شرقا وغربا هذا الاسم لأهل القرب، وإنما يعرف للمترسمين، وكم من الرجال المقربين في بلاد المغرب وبلاد تركستان وما وراء النهر ولا يسمون صوفية لأنهم لا يتزيون بزي الصوفية، ولا مشاحة في الألفاظ، فيعلم أنا نعني بالصوفية المقربين، فمشايخ الصوفية الذين أسماؤهم في الطبقات وغير ذلك من الكتب كلهم كانوا في طريق المقربين وعلومهم علوم أحوال المقربين، ومن تطلع إلى مقام المقربين من جملة الأبرار فهو متصور ما لم يتحقق حالهم، فإذا تحقق بحالهم صار صوفيا ومن عداهما ممن تميز بزي ونسب إليهم فهو متشبه "وفوق كل ذي علم عليم"..." 2

ثانيا: المجال الصوفي وخصويته الروحية في إنتاج المصطلح

والتحقق بالحال عند الصوفية يعطي لهم وعيا موحدا بالمصطلح الموظف بينهم على سبيل الإشارة ولو من غير تلقين واكتساب كما يذكر ابن عربي الحاتمي هذه الخصوصية الاصطلاحية عند الصوفية: "ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها أنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعليم والمتكلمين والفلاسفة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق وبهذا يعرف صدقه عندهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة. فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر على دفعه وكأنه ما زال يعلمه ولا يدري كيف حصل له، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقف، فهذا معنى الإشارة عند القوم ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"3. ومن هنا فالخطاب الصوفي لا ينبغي الحكم على مصطلحاته إلا بإدراك معناه، وإدراكه لا يتم إلا بالذوق والحال وتبدل الصفات كما عبر الغزالي في المنقذ من الضلال. وهذا لا يتحقق إلا بمزاولة الميدان والدخول في الممارسة، وقد يكون من الخطأ البين التسرع في إصدار الأحكام على مجرد ما يتبادر إلى الذهن من المفاهيم اللغوية العادية وربما العامية، لأن الميدان للخصوص لا لأهل استراق النصوص. كما أن مصطلح التصوف جملة فيما ذهب إليه السهروردي هو لغة وصف به المقربون ومن ثم فله خاصيته الجمالية في الباعث والغاية، شأنه شأن الأسماء التي يتسمى بها الناس إما على سبيل التفاؤل والتجمل وإما على سبيل ما يصدر عنهم من سلوك وأخلاق، فإن كانت محمودة كان الوصف بحسب المناسبة وإن كان العكس فهو كذلك أيضا، ولهذا فلا مشاحة في الاصطلاح ولا بدعة فيه مما يذهب إلى ذلك المتسلفة المتزمتون في دعواهم أن مصطلح التصوف بدعة وكل بدعة ضلالة! وهذا الإسقاط مظهر من مظاهر البطالة الفكرية لديهم، إذ بحسب منطقهم الجامد أن كل اسم سمينا به شخصا أو علما مكتشفا لم يتسم به الصحابة ولم يحددوا مصطلحه مثلا فيكون بدعة، ومن ثم فالعالم الإسلامي كله أو جله بأسماء أشخاصه وعلومه ومدارسه سيكون بدعة، وهذا مسلك بطالي في الاعتراض والمناقشة لا يستحق الاسترسال في الرد أو التصحيح، بل يرد عليه ببساطة وهو إذا قلتم بأن التصوف أو الصوفية بدعة، فالسلفية بهذا التصريف أكثر بدعة لأنها لا تدل على معنى أخلاقي ولا علمي وإنما هي وصف لما مضى يشترك فيه الصالح والطالح وتقابله الخلفية بنفس المعنى حتى يخصص أو يعرف بالإضافة.

وحيث إن مصطلح الصوفي يعني المقرب فإنه قد يتميز بمعاني دقيقة عن مصطلح المتصوف الذي يخلط الكثير من الفقهاء المتكلمين وكذا الباحثين المعاصرين بينهما، وبالتالي تضيع الحقيقة الصوفية في هذا التداخل ولو بغير قصد سيء، وتنسب أشياء إلى هذا الفريق هي في الأصل للآخر وهكذا...

ولإزالة هذا الالتباس أيضا يذهب السهروردي إلى تقسيم الأشخاص المتعاملين مع التصوف إلى ثلاثة طوائف، الأولى: الصوفية، الثانية: المتصوفة، الثالثة: المتشبهة بالمتصوفة، "فالمتشبه صاحب إيمان، والمتصوف صاحب علم، لأنه بعد الإيمان اكتسب مزيد علم بطريقهم وصار له من ذلك مواجيد يستدل بها على سائرها، والصوفي صاحب ذوق، فللمتصوف الصادق نصيب من حال الصوفي، وللمتشبه نصيب من حال المتصوف وهكذا سنة الله تعالى جارية أن كل صاحب حال له ذوق فيه لا بد أن يكشف له علم بحال أعلى مما هو فيه، فيكون في الحال الأول صاحب ذوق وفي الحال الذي كوشف به صاحب علم وبحال فوق ذلك صاحب إيمان حتى لا يزال طريق الطلب مسلوكا، فيكون في حال الذوق صاحب قدم وفي حال العلم صاحب نظر وفي حال فوق ذلك صاحب إيمان... فالصوفي في مقار الروح صاحب مشاهدة، والمتصوف في مقار القلب صاحب مراقبة، والمتشبه في مقاومة النفس صاحب مجاهدة وصاحب محاسبة، فتلوين الصوفي بوجود قلبه وتلوين المتصوف بوجود نفسه والمتشبه لا تلوين له لأن التلوين لأرباب الأحوال، والمتشبه مجتهد سالك لم يصل بعد إلى الأحوال، والكل تجمعهم دائرة الاصطفاء"4.

وبحسب هذا التقسيم فإن المراتب من حيث تعرضها للخلل والزيغ قد تتفاوت وتنعدم لدى فئة دون أخرى، إذ الصوفي في مقامه ومسلكه قد استراح من مشكلة الضحالة الفكرية والأخلاقية وأصبح في مقام القرب الذي ناله بعدما اجتاز مراحل المتشبه والمتصوف، ولم يعد تشغله ذاته عن ذات الله وصفاته وأفعاله في فناء روحي وحضور كلي في بحر التوحيد، ومن ثم فقد أصبح هو المرشد والمربي والشيخ والأستاذ سواء فيما يتعلق بنفسه أو بخاصة مريديه أو بالمجتمع ككل بأسلوب مباشر أو غير مباشر!

لكن احتمال النقد وتعقب التهافت والافتئات يبقى مطروحا ومعرضا لها أصحاب مقام المتصوف والمتشبه به إضافة إلى فئة دخيلة على الميدان ككل، وقد نصطلح عليها بالمتمصوفة، لها خاصيتها السلبية المحضة على عكس الأقسام الأخرى التي كلها إيجابية في منهجها وتطبيقاتها وغاياتها، بحيث إنه لا ينطبق شيء من وصفه سواء على المتشبه أو المتصوف والصوفي، وذلك لأن بناءه النفسي والأخلاقي وكذا الفكري قد تأسس منذ البداية على شفا جرف هار، والنوايا فيه غير صادقة لا في التشبه ولا في التعرف لأهل التصوف.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

ريكان ابراهيمفي  علم النفس الديني (9)

قد يتزعزع إيمان بعض الناس. ويؤول أمر هذا الإيمان إبى واحدةٍ من ثلاث حالات:

1- حالة الثبات أمام محاولات زعزعته.

2- حالة إصابته بنوبات الشك.

3- حالة تحولِه إلى الإنكار أو الإلحاد.

ونحاول أن نناقش ما يكمن من مؤثرات وراء كل حالةٍ من هذه الحالات الثلاث.

1- حالة الثبات أمام محاولات زعزعته:

إن الإيمان يَثبُتُ في الفرد ويقاوم عوامل زعزعته إذا تحققت المؤثرات الآتية:

أ‌- قيامُهُ على يقينٍ ثابت: إن الإيمان مسألة دقيقةُ الحساسية في النفس البشرية وما لم يقم على أساس راسخ فإنهُ يُصبح عرضةً للإهتزاز أو التأرجح.

إن ما يحصل للمؤمنين الذين تَسلموا إيمانهم بطريقة التلقين والملائية الخطابية من دون ترسيخه على فهم واضح وقدرة على مواجهة تغييره هو إنحيازهم سريعاً إلى نقيضه من إلحاد. ولهذا يوصي علم نفس التربية المبكرة للنشىء بضرورة الإجابة الصريحة وتقديم البرهان الواضح أمام كل تساؤل حول الذات العليا.

ولقد أثبتت الدراسات أن طريقة قمع الأسئلة المبكرة لدى الطفل على أساس (الحلال والحرام أوالمُقدس المحرم) تقود إلى إنتاج إنسان حائر مقموع الأسئلة غير قانع بالإجابة .

ب‌- سلامة الفرد النفسية والعقلية: لا يؤمن الإيمانَ الحَق مَن لم يكن سليماً في نفسه وعقله، لأن المريض فيهما يعاني من فقدانه الإستقرار على رأي ثابت في الأمور الكبرى التي تتعلق بكينونته ومنها الإيمان. وتُعَدُ هذه السلامة النفسية من المرتكزات التي يقوم عليها الإيمان الثابت.

ج- إزدهار المجتمع بثقافة مؤمنة: إن المجتمع يؤثر في أفراده بحكم مؤثراته في العلاقة بالخالق ونوع الدين وطبيعة الثقافة. ومهما كانت مَلكَات الفرد الذهنية متميزة بالتفرد والإبداع وخصوصية النظرة، فإن للمجتمع أثراً فيه.

إن المؤمنين بالله الواحد في المجتمعات المختلفة يتفقون على الخطوط العامة للإيمان لكنهم يختلفون في الطقوس والممارسات التي يتعاملون بها مع إيمانهم. إذا كانت ثقافة المجتمع ما تُملي على أفراده نوعاً من التعبُد غير المستساغ عقلاً ومنطقاً أو عُرفاً، فإن هذا النوع من التعبُد كثيراً ما يكون سبباً للنفور من الإيمان، ليس بسببعدم إنعدام حياتية وفاعلية الإيمان، لكن بسبب سذاجة الطقوس الممارسة.

إذن يُؤسس المجتمع بثقافته الصحيحة في إيمانها والسليمة في ممارستها لمؤثر  حقيقي من مؤثرات الثبات في الإيمان.

د. الإفادة من المُعززات: صحيحٌ أن الإيمان ليس طريقاً للمقايضة بين العبد الصابر وربُه كأن يؤمن لكي يحصل على ثواب؛ لكن المؤمنين الصابرين على إستمرار الإمتحان الصعب وتكرار المآسي القدرية في حياتهم على الرغم من تحملهم هم معاشرُ قليلة مهما كثروا.

فالمؤمن الذي يُلاقي مع العسر يسراً ومع الشدة فَرَجاً من حين إلى آخر يزداد إيماناً ولا يشعر بالإحباط واليأس من روح الله المعين على البلوى. ذلك لأن الإنسان مجبولٌ على قلة الصبر أمام الصعوبات.

2- حالة إصابته بنوبات الشك:

لقد ناقشنا سابقاً موضوع الشك الذي يقود إلى الإيمان وإعتبرنا الإيمان الذي يُمثل محطةً أخيرةً في مسيرة الشك إيماناً راسخاً.

إن هذا هو شك الفرد القلِق في إلحاده والباحث عن إيمانٍ تستقرُ إليه نفسه.لكن هناك نوعاً من الشك لا يشبع فيه سؤال الإنسان جواباً ولا يُروى فيه ظمأُ الظامىء بماء يقين.

هذا النوع من الشك كثيراً ما يتكرر عند الإنسان آمن إيماناً مهزوزاً فيُصبح نوباتٍ تعاوده وهو في حضرة إيمانٍ عُرضةٍ للإنتكاسة. إن الشك لا يعاود المؤمن في إيمانه إلا في الحالات الآتية:

أ‌- الإيمان الناتج من اليأس: كثيراً ما يُتعب الإلحاد صاحبه فيجعله يائساً من نجاح تفكيره في إلغاء وجودالخالق. في مثل هذه الحالة يلجأ المُلحد إلى الإيمان لأن إلحاده فاشل في يديه.

مثالُ ذلك الجندي الذي يفشل في الإنتصار على عَدوِه فيعترف به لا حُباً وإنما إضطراراً. هذا الإيمان ناقصٌ في تركيبتهِ وسرعان ما يعود بصاحبه إلى الشك عند ظهور بصيصٍ في صفحة الإلحاد.

ب‌- الإيمان المريض: هناك أربعة أنواع للإيمان المريض كما ذكرنا سابقاً وهي: إيمان الخوف، إيمان الطقوس، إيمان النفاق الإجتماعي والإيمان المسيء إلى القضاء والقدر.

إن الإيمان في كل هذه الأنواع إيمان مُزعزَع رجراج وعرضةٌ لمعاودة الشك إليه والطعن فيه. وما إن يسود الشكُ حتى يصبح الإيمان مزعزعاً من جديد.

ج- تَعرُض الفرد للمرض: إن من الناس يَعبُد الله على حرف فإن أصابته مُصيبةٌ إنقلب.

إن من الناس من ينظر إلى غيره من المُخلين بشرف الإنتماء إلى الله وهم في بحبوحةٍ من العيش وسداد الأمور فيشك في جدوى إيمانه بالله الذي لم يُعطهِ وهو المؤمن ما أعطى غيره وهو المُلحد.

هذا هو إيمان المنفعة الشخصية وهو إيمان (أعطيك فأعطني). إن الشك يتسلل إلى هذا الإيمان بالتسلل إلى مفردةٍ من مفردات الأخير التي ذكرناها وهي مفردة (الإيمان بقضائه وقدرِه).

وبهذا الشك يتزعزع الإيمان. ويزداد الإيمان زعزعةَ وتدهوراً عندما يُبتلى صاحبه بمرض عضوي لم يُصب به غيره من غير المؤمنين أو بمرضٍ عقليٍ أو نفسي يفقدهُ لذة الإيمان.

3- حالة تحولِه إلى الإنكار أو الإلحاد:

 يختلف إنكار الفرد لله عن إلحاده بِه. فالإنكار هو إنعدام الإعتراف الفرد بوجود الله مع أنه يعرف أنه موجود. والإلحاد هو إنعدام وجود الله عند الفرد لأنه لم يتوصل بطريقة معلوماته أو قناعته إلى إثبات وجوده.

وتسود المبالغة والغرور والتبجح حياة المنكر فيما تسود الحيرة والقلق والإضطراب حياة الملحد. كلاهما مريض في قدراته النفسية والعقلية، فالأول مريض داء العظمة والهوس والثاني مريض الذهان أو الإكتئاب أو التخلف الإجتماعي والعقلي

والإيمان يتزعزع عند مرور الفرد بحالة تحول إيمانه هذا إلى إنكار أو إلحاد وتقف وراء هذه الحالة ثلاث مؤثرات:

أ‌- المبالغة الفردية: يميل بعض الناس إلى البحث عن مكانةٍ لهم بين الآخرين وتُصبح مكانتهم لديهم غاية لا يعني سقوط الوسائل فيها شيئاً. لقد أخرج كثيرٌ من الكُتاب كتباً ضخمةَ في مهاجمة وجود الله.

إن هذا الجهد الذي بذلوه دليلٌ على جهلهم هم، لأن الأمر بسيطٌ للغاية. إذا كنت لا تؤمن بالله غير الموجود عندكَ أصلاً فكيف تهاجم فراغاً؟ إنك تقول إنه غير موجود فلماذا تُهاجم غير موجود؟ وإذا كان موجوداً فلماذا تُهاجم موجوداً؟ وماذا يضيرك أن يكون لك ربٌ؟ يزيد هؤلاء الطين بِلةً حين يَعدون إعتقاد الناس بالله وطقوس أديانه سبباً لتخلف مجتمعاتهم التي أصبحت أسيرة قوةٍ تُحدد تفكيرهم وتحد من إنطلاقهم.

يقولون هذا لكنهم لا يهاجمون الظالمين من حكامهم الدكتاتوريين من رؤسائهم الذين هم سبب تخلف تلك المجتمعات. إن ثقافة هؤلاء كانت سبباً في زعزعة إيمان جيل كبير من الناس.

ب‌- إستمرار الفكر الميثولوجي:  إذا تعرض الإيمان لما يُشوه صورته النقية تَعرض للزعزعة. إن أديان الأساطير التي ظهرت في حيان الإنسان عبر مسيرته الطويلة رسخت ما يُسميه كارل كوستاف يونغ "ذاكرة الخلية، أو الذاكرة الجمعية".

إن الإنسان لم يتخلص من رواسب هذه الذاكرة تماماً. إن الله أعدم الوسيط بينه وبين خَلقه وبموجب ذلك تحطمت الأصنام على أيدي الأنبياء، لكن الوسيطية ما فتئت ان قامت من جديد، ليس في صورة صنم، إنما في صورة نائب الفاعل للإله:

1- صورة الزعيم الحاكم

2- صورة الساحر.

3- صورة الكاهن

4- صورة الضريح المَزار

5- صورة شيخ الطريقة الدينية.

***

علامات الإيمان المزعزع: بثلاثة خصالٍ، دون غيرها من خِصال أُخرى، يستطيع الفاحص أن يتعرف بصورةٍ سريريةٍ للإنسان الذي يحمل في نفسه وسلوكه إيماناً مُزعزَعاً مضطرباً. هذه الخصال الثلاثة هي:

1- إضطراب الشخصية.

2- الفصل بين الظاهرة العلمية والظاهرة الدينية (نمط التفكير).

3- الإستغراق في العبث (إضطراب السلوك).

ونحاول أن نناقش بإختصار كلا من هذه الخصال:

1- إضطراب الشخصية: لا تسأل مضطرب الشخصية في أحد أنواعها المُعتلة عن إيمانٍ مُستقر ثابت، ذلك لأن الإيمان الثابت هو:

أ‌- الدائم الذي لا يتغير بالمزاج.

ب‌- الدائم الذي لا يتأثر بآراء غيرهِ.

ج. الخالي من الهوى والمنفعة

د. الذي تصنعه سلامة الفكر ونقاء العواطف.

والإيمان بهذه المواصفات لا يتوفر في الشخصية المضطربة التي هي:

أ‌- عُرضة للتغير بالمواقف

ب‌-  سببٌ لتبديل المزاج.

ج - عرضةٌ للإنتكاسات الذهنية

د- عرضةٌ لتكرار الخطأ.

هـ - عرضةٌ لفقدان أثرها الإجتماعي.

2- الفصل بين الظاهرة العلمية والظاهرة الدينية:

إن التاريخ، يلتحم فيه الدين مع الأنثربولوجي، فليس هناك طوفانان، واحدٌ لكلكامش وآخر لنوح، وليس هناك تابوتان في اليَم، واحدٌ لموسى وآخر لسنحاريب، وليس هناك (صفا ومروة) للدين و(أُساف ونائلة) للأسطورة.

إن الفرد المنشطر في إيمانه على هذه الصورة من المحاكمة التاريخية للأحداث سينحاز إلى جانب الظاهرة الأرضي، الوضعي وينسى رواية الدين لها فيجيءُ إيمانه مزعزعاً هشاً.

3- الإستغراق في العبث:

إن إيمان الفرد يُصبح عرضةً لزعزعة إذا لم يكن رادعاً لصاحبه، فالإيمان ليس قصيدةً تُحفظ أو قصةً تُقرأ، إنما هو تطبيق. ومن مفردات الإيمان أن يؤمن صاحبه بأن طول الأمل يُورث الغفلة (مَن ركضَ وراء أملةِ عَثَر بحبال أجله، علي بن أبي طالب). ومن المظاهر الواضحة على صاحب الإيمان المزعزع ميل هذا الفرد إلى الإستغراق في الحياة اللاهية الملهية عن الجد والصواب.

***

كيف نحافظ على الإيمان: يجب علينا أن نناقش ثلاثةً من الأمور التي تساعد على زعزعة الإيمان وبمعالجتها يستقر هذا الإيمان. ان هذه النواحي التي سنعالجها تجعل من إستقرارها وثبات التعامل معها سبباً من أسباب الإيمان المطمئن الراسخ في عقل المؤمن وقلبه: 1. تعديل النظرة إلى الحظ. 2. إشاعة الزهد في الحياة 3. تعديل النظرة إلى القيم.

1- تعديل النظرة إلى الحظ:  شغلً موضوع الحظ والنصيب والقسمة والمقسوم أذهان الكثيرين عبر التاريخ. لقد إختلفت الدراسات في النظرة إلى الحظ، وعد بعض هذه الدراسات أن الإيمان بالحظ عاملٌ يدعو إلى الإتكال والكسل والتراخي عن تحقيق التقدم في الحياة، فيما عدت دراسات أُخرى  الحظ سبباً من أسباب الدعوة إلى الجبر والإختيار. وهناك دراسات أُخرى دعت إلى محاربة مفهوم الحظ والإجهاز عليه وعدت الإنسان مسؤولاً عن خياراتهِ ورفضه لما يُحب ويكره تباعاً. إن هذه الإختلافات أدت إلى تشويش مفهوم الحظ على نحو أصبح الإيمان فيه مزعزعاً هلامياً عند الكثيرين. ويقتربُ مفهوم الصدفة كثيراً من مفهوم الحظ على الرغم من وجود الفارق اللغوي بينهما. ومن المقاربات التي قامت بين الحظ والإيمان ما يأتي:

أ‌- الإيمان ورسوخه في النفس البشرية ضربٌ من ضروب الحظ الجيد.

ب‌- الإلحاد ضربٌ من ضروب الحظ السيء.

ج- لا علاقة للحظ بالإيمان والإلحاد لأن الحظ عنصرٌ دنيويٌ زائل.

د- الفهم الخاطىء عند بعض الناس لقول القرآن: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{

هـ - الحظ مجموعةٌ من النعم الموهوبة من الله، ما إن يمنح سبحانه الفرد إحداها حتى يسلبه أُخرى من دون الإخلال بعدالة التوزيع.

والذي لاحظناه في حياة الناس عبر تأمل طويل في مسيرتهم أن الحظ هو الفأل الحسن الذي يصادف الإنسان في ما يسعى من أجله ويثابر على تحقيقه، وفي  هذه الكلمة " الحظ" ومن وجهة نظر علم النفس تكمن حقيقتان إذا فهمهما الإنسان عاش سعيداً من دون أية إساءةٍ أو مساس بإيمانه. هاتان الحقيقتان هما:

1- على كل منا أن لا ينظر إلى نعمةٍ واحدةٍ يتمتع بها فردٌ من الأفراد. فقد نجده ذا بسطة في المال أو مكانةٍ في الجاه والمنزلة أو وفرةٍ في البنين. ان هذه النظرة قاصرة، لأننا لو دققنا في صاحب هذه النعمة أو تلك وجدناه يعاني من غياب نعمةٍ أُخرى يُنكِدُ عليه حياته فقد تجد ذا مال] يحسد المتفوقين عقلياً أو تجد ذا جاهٍ يتمنى لو عاش مغموراً لا يعرفه أحد ولا يطالبه بما يمليه جاهه عليه أو ستجد ذا بنين فيهم الأشرار الذين يُلحقون الضرر به وبسمعته.

2- إن النظرة إلى الحظ تتوقف على طبيعة إحساس الفرد بها. فقد يرى بعض الناس فرداً من الأفراد محظوظاً لكنه لا يشعر أنه كذلك. فالفرد في داخلِه هو الذي يُحس بقيمة الخظ وإذا فقد الإحساس أصبح الحظ لديه نكداً وبلوى.

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ       وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ

المتنبي

إن الذين يمارسون حالة الإيمان ظناً منهم أن الحظ سيبتسم لهم في مال أو بنين أو صحةٍ هم أُناسٌ واهمون لأنهم نسوا أو تناسوا أن الإيمان هو نفسُه الحظ السعيد ومن دون هذا الإيمان لن يُحسوا بحلاوةٍ لنعمةٍ أُخرى.

2.إشاعة الزهد في الحياة: على الرغم مما تحتويه الحياة من كائنات تنطق بقدرة الله على الخَلق والتصور، هذه الكائنات التي يَعدُها الإنسان المؤمن آثاراً للخالق في مخلوقاته وبها يستدل على وجود الله، تظلُ الحياة بإغرائها في الملذات واللهو سبباً لزعزة الإيمان.

إن الفرد الذي يُعلن عن إيمانه وهو بعيدٌ عن الملذات ومطايب اللهو ليس فرداً ثابتاً على إيمانه بالضرورة، لأن الملذات هي الفاحص الحقيقي لقوة الإيمان وثباته في وجه الإغراء.

إن أفضل وسيلة لفحص إيمان الفرد هو تعريضه للذةَ والإغراء في مالٍ أو جاهٍ أو جنس أو خمر، فإذا استعصم وأبى أن ينحرف أو ينجرف فذلك هو المؤمن القوي الصامد، وإذا إنساق وراء مهاوي الحرام وصغائر المُتع فذلك هو المؤمن الواقف على شفا حفرةٍ من إيمانهِ.

وكثيراً ما يَعدُ ضعافُ الإيمان أن إيمانهم يعني حرمانهم من نعمة الحياة فيسمون اللذائذ نَعِماً والرزائل سلواناً. لقد قال الفقه قولُه في موضوع التعامل مع الحرمان الحياتي فأشار إلى حقيقةٍ مهمة يُؤيدها علم النفس كل التأييد وهي أننا لو حَسبنا المنهي عنها من الممنوعات في مقابل المدعوِ إليها من المسموحات لوجدنا أن المسموح به أكبر بكثير حجماً وأكثر بكثير عدداً من الممنوع.

إن الفقه يقول إن الأصل في الأشياء هو الإباحة والمتفرع من هذا الأصل هو الإستثناء. مثالاً على ذلك: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ{. هذا هو المباح الواسع العريض بينما (حرمنا عليكم ال...وال...وال...) هو إستثناء قليل من هذا الواسع العريض.

وفي الدين الإسلامي قد يتزوج الفرد بواحدة ويزني بثانية فيميل إلى الأخيرة لأنه يجد فيها تعويضاً عن واحدةٍ لم تُعطهِ ما يطلبه في المعاشرة الجنسية. فلو مارس مفهوم المباح لوجدَ أنه يستطيع الزواج بثانية، قد لا تعوضه خسارته في الأولى فيتزوج الثالثة التي قد لا تعوضه خسارته في الإثنتين فيتزوج الرابعة.

وإذا لم يقتنع بأربعِ من النساء فعليه أن يراجع نفسه بدلاً من مراجعة زوجاته. إن الزهد لا يعني الحرمان إنما يعني الترفع عن المبالغة في الأشياء. الزهد يعني إستصغار النظرة إلى قيمة الأشياؤ ولا يعني إهمال الأشياء.

الزهد هو الإقتناع بالقليل الكافي وليس بالكثير الكافي. إن الزهد الحقيقي هو طريق الإيمان الذي لا يتزعزع.

3.تعديل النظرة إلى القِيَم: لا إيمانَ بلا قِيَم. والقِيمُ التي يحترمها الفرد ويعمل بموجبها نوعان: قيم ذاتية كامنة في نفسه وقيم إجتماعية يكتسبها من الوسط الذي يعيش فيه. إن الصحة النفسية لا تعني خلو الإنسان من الأمراض حَسب، إنما تعني قدرته، بحكم هذا الخُلو من المرض، على أن يكون عضواً نافعاً متواصلاً مع المجتمع الذي ينتسب إليه ومع المؤسسة التي يعمل فيها.

إن القيم الذاتية ثابتة بينما القيم الإجتماعية المكتسبة متغيرة مغ تغير المجتمع زماناً ومكاناً. ومن القيم الذاتية التي لاحظها علم النفس في الإنسان:

1- معرفة النفس (رَحم الله إمرءً عرف قدر نفسه).

2- الحياء (المؤمن يستحي)

3- الوفاء

4- التسامح

5- الصدق

 

إنها قيم ذاتية تُولد مع الإنسان وتَعجزُ مدارس علم النفس عن زراعتها في مَن لا يملكها لكنها تستطيع تنميتها وتقويتها عَبرَ التعليم بالمقارنة والمعززات السلوكية.

قال لي أحد المُحاورين يوماً: إن هذه القيم قد توجد في إنسان غير مؤمن بالله فقلتُ له: ان من يملك مثل هذه القيم هو مؤمن مؤجل أو مُلحدٌ مؤقت، لأن هذه القيم لا تنمو إلا بالإيمان بالله فهي سمات الفطرة والإيمان فطرة خصوصاً الإيمان الذي أشرنا إليه وهو (الإيمان قبل المعرفة).

ونقصد بقولنا (قيم الفطرة) إنها القيم التي لا تنتظر أجراً ولا ثواباً على ما تقوم به النفس المالكة لها من تطبيقات لها. فالفرد العارف لقيمة نفسه، الحيي، الوفي، المتسامح، الصادق الذي لا ينتظر رد فعل الآخر ولا يسألأ كلمة الشكر على ما هو فيه.

وتنقسمُ القيم المكتسبة من البيئة والمجتمع على أنواع فمنها قيمُ الخوف، وقيم النفاق للأقوى، وقيم التأقلم من أجل المصلحة الخاصة وقيم الوفاق الإجتماعي التي هي أقل هذه القيم نسبةً في الصدق نظراً لقلة من يمارسها من الناس.

إن الظلم والسادية، والطمع والغرور قيَمٌ سالبة تتعارض مع قيم الله والإيمان به. إذا استطعنا أن نُعزز القيم الثابتة في الفرد فإننا نستطيع أن نحافظ على إيمانه من الزعزعة والإنحراف.

***

المواقف التي يتجلى فيها الإيمان:

وما دمنا نتحدث عن زعزعة الإيمان فإننا مُلزمون بالحديث عن المواقف التي يزدهر فيها إيمان المؤمن أصلاً وينشأ الإيمان من جديد في مَن لا إيمان عنده أصلاً أيضاً. إننا هنا نتحدث عَمن يلجأون إلى الإيمان في مواقف معينة حينما لا يجدون لهم سنداً في مواجهتها إلا الله. ومن هذه المواقف التي إخترناها مثالً لا حصراً:

1- المرض المزمن الذي لا شفاء منه.

2- السجن طويل الأمد.

3- الغربة الطويلة.

4- مواجهة لحظات الموت

5- مواقف الشعور بالموت القريب

لقد وُجد بالإحصاء أن كثيرين من المُلحدين الذين كانوا يجاهرون بإلحادهم والتغني بإنعدام وجود الله تلاشوا أمام أمراضهم التي إستيأسوا فيها من الشفاء، فيم يبقً في أيديهم إلا اللجوء إلى الإيمان لجوءاً يُلغي فيهم كل غطرسة. إن إيمان المُضطر هو أردأُ أنواع الإيمان الذي يتعارض مع حكمة الله القائلة (إعرفني في السراء أعرفك في الضراء). وينطبقُ على ممارسي هذا النوع من الإيمان قول الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}.

ومن الدراسات التي عثرنا على بعضها هي التي قامت بفحص الوضع النفسي لنزلاء السجون بمحكوميات طويلة الأمد، حيث ينقطع النزيل عن العالم الخارجي في سجن يُمثلُ لديه صورةً من صور الرحيل إلى عالم الأبدية أو صورةً من صور القبر.

إن عقابيل (تناذر) مرحلة ما بعد السجن Post Prison Syndrome ظاهرةٌ مرضية يتعرض لها الكثيرون عند خروجهم من السجن. والسبب الكامن وراء ظهورها هو الحرمان الحسي Deprivation. ومن أعراض هذه الظاهرة: الحزن أو مشاعر الذنب، وتغير ملامح الشخصية، والأعراض الذهانية في الهلوسة وأفكار الإضطهاد والنفي الإجتماعي؛ وتغير الأفكار السابقة. ويُمثل السجن نوعاً من أنواع الحرب على الدماغ أو ما أصطلح عليه إعلامياً بغسيل الدماغ Brain Wash.

ومن نتائج هذه العلمية (السجن) أن يخرج الملحد مؤمناً بعد أن أدرك أنه لم يجد في سجنه من يُعينه ويرعاه إلا ذكر الله الذي به تطمئن القلوب. في السجن يبدأ السجين بفحص أفكاره ومعتقداته ويُصفي حسابه مع كثير من أوهامهِ. ولا يُعاود السجن ويقبله مرةً أُخرى إلا مرضى الشخصية غير الإجتماعية (Antisocial Personality) الذين لا يردعهم العقاب ولا يتعظون بما جرى لهم لأنهم يفتقرون إلى الإحساس بالذنب وهم مَن إصطلح على تسميتهم في مذاهب القانون بذوي السوابق.

وحينما يغترب الإنسان بالسفر إلى بلادٍ بعيدة ومجتمعات غربية يمرُ بمرحلتين يكونُ فيهما على واحدةٍ منهما: مرحلة التشابه الكامل مع المجتمع الجديد (Assimilation) حيث ينقطع عن كل ما يربطه بمجتمعه القديم ويلتحق كاملاً بالمجتمع الجديد؛ ومرحلة التشابه الجزئي (Acculuration) حيث ينقطع عن بعض ما كان يربطه بماضيه ويلتحق ببعضِ ما يجده في حياته الجديدة.

إن هذا، في المرحلتين، هو نوعٌ من المواقف التي يزدهر فيها الإيمان أو يندحر على وفق ثقافته الجديدة. فكثيراً ما نصادف من غادرونا مؤمنين ليصبحوا لاحقاً ملحدين كما نصادف من غادروا ملحدين ليصبحوا لاحقاً مُوحدين مؤمنين. في الحالة الأولى (الملحد الذي يُصبح مؤمناً)تبرز المؤثرات الآتية:

أ‌- يتأثر بمجتمع جديد مؤمن بالله ومعتقد بوحدانيته وعظمة شأنهِ (عامل خارجي).

ب‌- يتأثر بغربته ولا يجد سلواناً إلا إيمانه (عامل داخلي)

ج- يعود إلى الإدراك أن الزمان والمكان والشخوص لا تلغي صورة الله الخالدة فيعود إلى الإيمان بالله (عامل خارجي).

د- يصادف مجتمعاً متقدماً متحضراً لكنه يدين بالولاء والإنتماء إلى الله فيفهم أن التقنية والتقدم العلمي طريقان إلى الإيمان فيؤمن (عامل مشترك داخلي وخارجي).

وفي الحالة الثانية (المؤمن الذي يُصبح مُلحداً) تبرز المؤثرات الآتية:

أ‌- يتأثر بمجتمع مُتقدم تقنياً يفصل دينه عن حياته اليومية ولا يُعير إهتماماً لموضوع التأليه والعبادة فينساق المغترب إلى محاكاة هذا المجتمع.

ب‌- يُعوض غربته تعويضاً خاطئاً بأن ينساق وراء مواطن اللهو والعبث والفوضى الفردية فينسى الله والإيمان به.

ومن المواقف التي يتذكر الفرد فيها إيمانه فيزدهر فيه؛ لحظة مواجهة الموت. إن لحظة المواجهة مع المصير المحتوم هي لحظة تذكر الله ونسيان ما سواه.

فالفرد الذي يلتف حول عنقه حبل المشنقة أو الفرد الذي يُوجهُ فريق الإعدام إليه رصاصة الرأس، ينسى كل شيء إلأ الله. هذا هو إيمان اللحظة الحرجة، وهو نوع آخر من أنواع إيمان المُضطَر الذي لا ينفع صاحبه في شيء.

وفي موضوع (الشعور بالموت القريب) لدينا حالتان مرضيتان كثيراً ما يشعر الفرد المريض فيهما بالموت القريب القادم لا محالة، ونعني بهما (متلازمة ما بعد الكرب أو الشدة) (Post-Traumatic Stress Disorder)، وحالة (الفزع) (Panic Disorder)، حيث تنتاب الفرد مشاعر قوية ان الموت قادم فينهار  أمامها ولا يتذكر إلا رداءة غرورهِ وطيشه وإنحيازه عن الإيمان بالله الذي صار قريباً من اللقاء به.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

ريكان ابراهيمفي  علم النفس الديني (8)

إن ظاهرة وجود الكثير من المُلحدين الذين تحولوا إلى الإيمان ثم إستقروا عليه يدل على وجود سرٍ أو أسرار وراء هذه الظاهرة.

فالمعروف في حياة الإنسان أن التصديق بحقيقةً ما ينبع من أمرين: الإيمان المُبرر المنطلق من قوة هذه الحقيقة وثباتها وهو ما نسميه بالإيمان الأولي (Primary Belief)، والإيمان الناتج من استحالة رفض تلك الحقيقة حيث لا يبقى إلا الإيمان بوجودها وثباتها وهو ما نسميه بالإيمان الثانوي (Secondary Belief).

وحين يُصبح الإلحاد فكرة فاشلة في رفض الظاهرة يُصبح، ضرورةً، طريقاً إلى الإثبات. إن الإلحاد محطة من محطات التفكير فيما يكون الإيمان المحطة النهائية.

إن الوقوف على الوسط بين الإلحاد والإيمان هو توقف العملية الفكرية وهذا مُناقضٌ لفلسفة وجود الإنسان الذي وُجدَ ليفكر (أنا أُفكر، إذن أنا موجود؛ ديكارت). نحن لا نخاطب الذين توقفوا، لأننات لا نخاطب الذين ماتوا، والذي لا يفكر ميت وإن عاش، لأن العيش بلا فكر سمةٌ حيوانية والعيش بفكر سمةٌ إنسانية.

***

هل الإلحاد نظريةٌ أم فكرة؟: إن مفردات النظرية، لكي تُصبح نظرية، تشتمل على النواحي الآتية:

أ‌- وجود الموضوع

ب‌ - وجود غاية في الموضوع

ج - وجود وسائل للوصول الى تلك الغاية

د - وجود تطبيق لهذه الوسائل

هـ - وجود مردود من هذا التطبيق

وإذا حاولنا فحص وجود أو توافر هذه المفردات في الفكرة وجدنا موضوعاً ووجدنا غاية ووجدنا وسائل لكننا لا نستطيع بالضرورة، أن نجد تطبيقاً أو مردوداً.

وهذا هو السبب في موت الأفكار وإستمرار حياتية النظرية، فكل نظرية فكرةٌ أولاً وليس كل فكرة نظرية لاحقاً. إن نفي وجود الإله فكرة لا يمكن تطبيقها ناهيك بسخافة مردودها. فناتج الإلحاد (نفي وجود الله) هو العبث والمزيد من الحيرة التي تقود إلى القلق المُحطم لميسرة الإنسان.

إن فكرة النفي هي واحدةٌ من أفكار العدم، وكثيراً ما يمرُ الإنسان بالتفكير العدَمي (Nihilistic delusion) كأن يعتقد أحدنا في لحظة من اللحظات أن طرفه العلوي أو السُفلي أو رأسه غير موجود، على الرغم من وجودهِ.

ويعرف الأطباء النفسيون هذه الظاهرة في بعض الناس الذين يفحصونهم في عياداتهم. ولا نعني هنا ظاهرة التصور (أي أن يتصور الفرد كأن جزءاً من جسمه غير موجود)، لاحظ أيها القارىء الفرق بين الإعتقاد (Belief ) والتصور (Imagination).

فالإعتقاد فكر والتصور ممارسة (Experience)، فنقول عن الأول (Nihilistic delusion) ونقول عن الثاني (Depersonalization). ومن الأمور المُتفق عليها أن كل تفكير عدَمي، كما في الحالة الأولى، هو تفكير مريض فيما يكون التفكير الثاني الذي سمينَاه تَصوراً، كما في الحالة الثانية، حالة قد نمرُ بها ونحن في حالةٍ من السَواء النفسي والسلامة العقلية.

هذا ما يحدث للإنسان في إنكار وجود جزءمنجسمه وهو يراه، فكيف نأمل منه التصديق بإلهٍ لا يراه، وهو إنسان مريض؟ من كلِ هذا الذي أوردناه بإختصار مفيد أن نستنتج أن الإلحاد فكرة لا تصل إلى مستوى النظرية. وهذا هو السبب، بين أسباب أُخرى سنوردها الآن، في ظهور الإلحاد طريقاً إلى الإيمان.

***

هل الإلحاد شكٌ؟:  لا يقوم الشك حول فراغ. فالشك يناقش شيئاً يفترض بعضٌ وجوده فيدافعون عنه فيما يفترض بعضٌ آخر إنعدام وجوده ويدافعون عن وجهة نظرهم.معنى هذا أن الشك يدور دائماً حول النقاط الآتية:

أ‌- شيء يُفترضُ وجودهِ.

ب‌- الفشل في إثبات وجودهِ.

ج - النجاح في إثبات وجودهِ.

د - الفائدة من نفيه.

هـ - الفائدة من إثباته.

وحينما يفشل إثبات النفي ينجح إثبات الوجود. إننا نناقش إنحياز الكثيرين من إلحادهم بإتجاه إيمانهم. معنى هذا أن إلحادهم الذي فشل أصبح طريقاً إلى ظهور الإيمان لديهم.

ومن بين الأسباب التي قادت المُلحد إلى تكذيب أفكاره الملحدة وتصديق الإيمان ما يأتي:

1- قصور وسائل الحس عن إدراك اللامحسوس في كثير من الظاهرات. فالهواء لا نراه لكننا ندرك آثاره. والعواطف لا نقررها لكن نقرر آثارها.

2- إتساق الكون والنفس البشرية خارج دائرة الصدفة.

3- تحدي الثوابت للزوال على الرغم من مجاهدات الإنسان. فالهرم وشيخوخة الأنسجة في الجسم يتحديان الفتح العلمي.

وحينما أصبح نفي وجودالله مغرياً لبعضهم في الإستمرار في شكهم طُولبوا في إثبات الشك فقدموا التصورات الآتية:

1- لكل مخلوق خالق، فمن خلق الله.؟

2- دينامية الحياة تتطلب ظهور النقيض فمن هو نقيض الله؟

3- الله أزل وأبد، فماذا يفعل الله بعد موت الإنسان؟

بمثل هذه التصورات التي ظهرت على هيئة أسئلة يظهر لدينا الملحد وهو لا يجيب إنما يسألأ، وسيد المحتارين هو من يبحث عن أجوبة لأسئلة.

إذن الملحد ليس صورةً نهائية للفكر إنما هو مؤمن مؤجل كامنٌ في نفسه (Potential Person). إن السبب الذي حدا بهذا الإنسان أن يسأل هو أنه حاول أن يدرك اللامحسوس بحسهِ، وهذا ليس كافياً إن لم يكن مُضللاً أصلاً.

إنه يبحث عن خالق الخلق ولو عرف خالق الخالق لعاد يبحث عن خالق الخلق وهذا ناتجٌ من جهله بأن الإيمان هو الإدراك بأن الله هو الصيغة المطلقة النهائية لكمالٍ وليس التكامل.ونُذكر القارىء بما أوردناه في مدرسة الجشتالت عن دائرة الغَلق النهائي للفكرة (Closure).

***

نصل الآن إلى مناقشة الفائدة من نفي وجود الخالق (الإلحاد) والفائدة من إثبات وجوده (الإيمان). إقرأ  أيها القارىء هذا الجدول وراقب النتائج:

الإلحاد                                الإيمان

1- إنسانٌ بدون خالق   /  1- إنسانٌ مخلوقٌ بخالق

2- سيدُ ولادته وعيشه ومصيره ومسؤول عن أعمالهِ وخياراته. / 2- مسَودٌ بخالق في ولادته وعيشه ومصيرهِ وله مسؤول عن خيرِه وشره في كل أعماله.

3- لا شعور بالذنب لأنه ليس مؤمناً بمن يحاسبه ومحاسبه نفسه في المقطع الزمني المحدد ولا يُفحص الماضي بعين الحاضر. / 3- يشعر بالذنب ومحاسبهُ هو الخالق والماضي تراكمٌ لا يتركه الله سُدى إلا بمغفرة.

4- لا وجود للعالم الآخر والمجنون والمُتخلف عقلياً لاحصة لهما في شيء لأنهما لا يملكان أدوات إدارة الصراع. / 4- مَن حُرم قدراته الفردية يُعوض في العالم اللآخر بالإعفاء من أخطائه الدنيوية والمكافأة في عالم الحساب.

5- الثنائية ناتجٌ من نتائج الوجود.  / 5- الثنائية سببٌ للوجود لأنها سبب للصراع.

6- مركزُه الشك وفي الشك يكمن قلق السؤال. / 6- مركزُه اليقين الذي لا يحمل سؤال القلق.

7- الشيء الذي لا يُدرك ليس موجوداً. / 7- قد يُوجد الشيء ولا يدرك لسبب فيه أو لقصور في وسائل الإدراك.

8- التطور في الشيء يعني التغير فيه. / 8- قد يتطور الشيء من دون أن يتغير (الله هو الأزل والأبد، لكن كل يوم هو في شان).

9- الشيء يصارع ضِده ومن صراع الأضداد ينشأ شيءٌ آخر. / 9- صراع الأضداد يدار بقوةٍ  من خارجها وعلى وفق مبدأ الثنائية.

10- العدم نقيض الوجود. / 10- قد يخرج الوجود من العدم لأنه ليس نقيضه والمناقض لا ينتج نقيضه (يُخرج الحي من الميت)

***

من هنا يمكن أن نناقش (بالمقارنة) الفائدة من نفي الإله والفائدة من إثباته على الوجة الآتي:

نتائج النفي                       نتائج الإثبات

1- ظهور الكثير من الأمراض النفسية التي أساسها الإغتراب الروحي وقلق الوجود.  / 1- زوال الكثير من الأمراض النفسية نظراً لإختفاء الشعور بالغربة والإغتراب والقلق

2- شعور الإنسان بالفوقية التي لا تتحقق لوجودنقيضها (الشعور بالدونية). / 2 -  إختفاء الشهور بالفوقية التي لا تتحقق لأنها محكومة بمن هو فوقها (الله)

3- البحث عن الخلود الذي لا يتحقق مهما بالغ الإنسان في البحث. / 3 - إنعدام البحث عن الخلود طبقاً لقاعدة الإيمان التي تقول:إن كل من عليها فان.

***

العوامل التي تدفعُ بالإلحاد أن يُصبح إيماناً: يمكننا أن نُقسم العوامل التي تقف وراء تحول الإنسان من إلحاده بالله إلى الإيمان به بعد رحلةٍ من المجاهدة والبحث على ثلاثة محاور: 1. عوامل في الإنسان. 2. عوامل في الكون. 3. عوامل الإيمان.

1- عوامل في الإنسان:

إن الإنسان نفسه يحمل في داخله بذرة الإيمان مهما غالى في إلحاده. وتتوزع هذه البذرة على المرافق الآتية:

أ‌- العمر:  لوحسبنا نسبة الملحدين في شبابهم ممن إنحازَ منهم إلى الإيمان في شيخوختهم ومراحلهم المتقدمة في العمر مقارنةً بنسبة من ظلَ منهم على إلحاده إلى عمر متأخر لوجدناها كبيرةً جداً.

استخدمت  إحدى الدراسات المعتمدة إحصائية لمائةٍ من الشخصيات الفكرية العالمية المشهورة ووجدت تلك الدراسة ان (73%) منهم غيروا معتقداتهم الإلحادية إلى معتقد إيماني، فيما ظل (12%) على قاعدة (اللاأدرية)، وظلَ ما تبقى من المائة ملحدين.

إن العمر عامل من عوامل النُضج (Growth) والنمو (Development). إن مرحلة الشباب هي مرحلة الإستعراض بالاختلاف والمجاهرة بالخصوصية وعرض الذات بالتقمص.

كل هذا تُغطيه العواطف والنزوات في قصور ذهنيٍ واضح عن إدراك الحقيقة. كلما تقدم العمر بالإنسان يوماُ تقدم نضجه بإتجاه الموت خطوة وفي مراحل توقع الموت يدرك الإنسان سراب البحث عن شيء لا يُدرك.

صحيحٌ أن التفكير عمليةٌ لا تتوقف بالعمر لكن محتوى التفكير يتغير من دون أن يتوقف.

ب‌- الثقافة: تُؤدي ثقافة المجتمع دوراً في ثقافة الفرد المنتسب إلى ذلك المجتمع. وفي مرحلة الشباب يكثر عدد المتمردين على ثقافات مجتمعاتهم فيما يقل هذا العدد كلما نضج الفرد الشاب. لاحظ عدد الشباب الذين يُقبلون على قراءة كتب الإلحاد وقارن هذا بعددهم وهم شيوخ.

إنهم يُسمون مراحل ما كانوا عليه بمراحل الطيش والصخب والثورة على حقائق كانوا يجهلونها ومنها حقيقة الله. إن الثقافات التي تُروج للثورة الجنسية والخمور والرقص هي ثقافات تُسهلُ للإلحاد بالله وقيمه التي تحارب الإبتذال في السلوك البشري.

ج. الجنس: يختلف الرجل عن المرأة في علاقته بالإلحاد. لقد أشارت دراسات كثيرة إلى أن نسبة الملحدين بين الرجال تفوق نسبة الملحدات بين النساء.

وتقف وراء هذه الظاهرة مجموعة عوامل منها:

أ‌- تُدرك المرأة دائماً أن عُمرها الأدائي في الحياة أقصر من عمر الرجل وهي بذلك تُضيق على نفسها فرصة التمرد  بالإلحاد.

ب‌- المرأة تتمتع بعواطف تفوق ما يتمتع به الرجل، والإيمان يُلزمُ صاحبه بالخشوع الوجداني مهما كان الجانب العقلي فيه فاعلاً، وبذلك تنحاز المرأة إلى عواطفها سريعاً.

ج - تميل المرأة إلى الطاعة كثيراً. فهي مطيعةٌ حتى لزوجها الصارم، وبذلك يتحقق لها الميل إلى الإيمان إنطلاقاً من ميلها إلى الطاعة (وهذا نوعٌ من أنواع إيمان الحب والخوف في آن).

د - لا تميل المرأة إلى الجدال والنقاش الفلسفي ولا يعنيها كثيراً الدخول في المعارك الفكرية لأن إيمانها بدورها الأرضي الحياتي المعيش أكبر من إيمانها بالمسائل الفكرية ومنها البحث عن الله.

هـ - التمرد السلوكي مكروهٌ لدى المرأة ولا تُحب أن تظهر به بين الناس، والإلحاد تمرد.

من كل هذه العوامل نستطيع أن نعد عامل الجنس في الإنسان أحد العوامل التي تدفع بالإلحاد أن يُصبح إيماناً.

د- قصور الحِس: يحاول الإنسان أن يُدرك الأشياء والموضوعات والظاهرات بوسائل حسه. فهو يريد أن يرى ما لا يُرى ويسمع ما لا يُسمعُ، وهذا أمرٌ لا يمكن الوصول إلى تحقيقه.

فالشيء الذي يقع خارج مدى البصر لا يمكن رؤيته مع أنه موجود. والأصوات التي لها ذبذبات أقل من 16 ذبذبة في الثانية هي مثل الأصوات التي ترددها أكثر من عشرين ألف ذبذبة في الثانية، كلاهما لا يدركه السمع مع أنه موجود.والروائح التي تفشل في إستثارة عصب الشم لا يمكن شمُها مع أنها موجودة.

هذا القصور الحسي للأشياء على الرغم من وجودها، حدا بالإنسان إلى التفكير في عجزه عن الإدراك الكلي لله وجعله يعيد النظر في مسألة الإيمان.

أخير اصطلح العُلماء على إضافة حاسة جديدة إلى الحواس الخمس سموها الحاسة السادسة. وفي هذه الحاسة تقع مصطلحات الإلهام والإبداع والميتافيزيقيا والشعور العُلوي والتطلع الفلسفي والتخمين والتصور.

إن الحاسة السادسة تُحقق ظاهرة الإرتباط بواحدة أو أكثر من الحواس الخمس. فقد نسمع اللون، وقد نرى المسموع على مستوى من مستويات التصور. فعند قول أحدهم أن فلانة إمرأة ناعمة يقودنا القول إلى تصورها بيضاء أكثر من تصورها سمراء. واللون الأسود يثير  إنفعال الخوف لأنه يرتبط بالليل البهيم.

وقد لا يوافقنا القارىء على ذلك ولكي يوافقنا قليلاً أو كثيراً نسوق إليه مثالاً، ظاهرة إنفصال أداة الحس عن وظيفتها عند المتعاطي لمادة (لاسرجك أسيد LSD)، حيث يبدأ المتعاطي بإدراكه للون في الصوت الذي يسمعه وإدراكه لوجود صوتٍ في  اللون الذي يراه، وهذه ظاهرة طبية معروفة لدى الأطباء النفسيين الذين يعالجون مرضى الإدمات بهذه المادة.

هـ - الإلحاد مرضاً والإيمان صحةً: وهذا عامل كامن في الإنسان يُعدُ دافعاً له للرحلة من الإلحاد إلى الإيمان. إن المُلحِدَ مريض نفسي بحكم المعايير الآتية التي تحكمه:

أ‌- المُلحد يعاني من قلق دائم، إما لأنه يبحث عن سندٍ يُعلق عليه مشكلاته فلا يجده أو يعاني من داء  عظمة زائفة لا تُوفر في داخله إستقراراً حقيقياً.

ب‌- المُلحد يعاني من النبذ الإجتماعي حيث لا يُستشار في صغيرةٍ أو كبيرة ولا يؤتمن رأيه في دوائر القضاء في أية قضية كما لا يؤتمن على الحرمات حتى التي تخصه لأنه بلا قيم يُثبتها دين. فالملحد لا يرى ضرورةً لإلتزاماته أمام ذوي قرباه في الأفراح والأحزان حيث ينظر إليها نظرته إلى طقوس إجتماعية خلقها المجتمع الذي نبذه أو الدين الذي لايؤمن به.

2- عوامل في الكون:

تؤسس مجموعةُ عوامل في الكون المحيط بالإنسان لدوافع ضاغطة بإتجاه ترحيله إلى الإيمان ومنها:

أ‌- (هارمونية) النظام الكوني: في القرآن، الكتاب السماوي وردَ: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا) فأصبح هذا القول سبباً لثبات الإيمان عند المؤمن ومُحرضاً للملحد على المزيد من التأمل. فوجودالكائنات بهذا النظام العجيبمن الإتساق الطبيعي وإمتلاء الفضاء بالكواكب المحكومة بقوانين الجذب وثبات مواقيت الليل والنهار والفصول الأربعة مدعاةٌ لفحص القدرة الكامنة في من يقوم على هذا النظام الذييخرج عن قوانين الصدفة.

ب‌- مصداقية النتائج: يميل المُلحد إلى تصديق الظاهرة العيانية على نحو مباشر أكثر من تصديقه الوعد والوعيد اللفظي. وحينما أثبتت مسيرة الأديان السماوية أن ما يجري في الكون ينسجم مع ما تشير إليه كتب تلك الأديان أصبح هذا المُلحد مُهدداً بإستمرار إلحاده بحقائق لا يقوى على رفضها.

ج. أثر الكون في الإنسان: لقد أثبتت الدراسات النفسية الطبية أن الذين يصابون بالفصام العقلي هم، في أغلبهم، من مواليد الشتاء وأن الذين يُصابون بداء الهوس الإكتئابي هم، في أغلبهم، من مواليد أواخر الربيع أو أوائل الصيف.

كما أثبتت الدراسات الأُخرى أن الأبراج وهي الكُوى الكونية التي تقع بين المجرات السماوية تُؤثر في المواليد الذين تحدث ولادتهم في وقت من أوقات تعرض الأم لواحد من هذه الأبراج. كما أثبتت دراسات أُخرى تعرض بعض الأفراد لحالات الإكتئاب عند عيشهم الطويل وقتاً في بلاد يقلفيها ضوء الشمس وهو ما نُسميه بالكآبة الموسمية.

إن الطبيعة الأرضية (الجغرافية وهي جزء من المؤثر الكوني) أصبحت مسؤولة عن تحديد شكل الإنسان وجهاً وقواماً على عكس ما يشيع عن أثر التاريخ العرقي.

ومثال ذلك: الشكل المنغولي. وحين تقدم البحث العلمي أثبت أن هذا لا يتم عشوائياً إنما على وفق نظام دقيق من السببية، مما حدا بكثير من المنادين بقانون الصدفة هو قانون الذي ينفي أثر الخالق إلى مراجعة أنفسهم في مسألة إلحادهم.

3- عوامل في الإيمان:

وفي عملية الإيمان نفسهِ تكمن أسباب كثيرة تُحرض المُلحد على المغادرة بإتجاه الإيمان، نختار منهم الأهم الآتي:

أ‌- صِدق الصورة الكُلية: لنأخذ مثلاً على التعريف بالإيمان مما ورد في القرآن: " الإيمان هو إتخاذ الله واحداً لا شريك له والإيمان بأديانه وأنبيائه وما أُنزل عليهم والإيمان بالغيب واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيرُه وشره".

هذا هو البناء الكلي والصورة الشاملة التي لا تقبل التجزئة لمفرداتها من الإيمان. فالإيمان بالله على أنه الذي خلقنا وكفى يُعد إيماناً ناقصاً وإن كان أساساً أولياً في عملية الإيمان.

معنى هذا التعريف يشمل الأساس العقلي للتصديق بوجود الله مضافاً إليه الجانب القيمي الأخلاقي في الضابط لهذا الوجود. ولأجل تقريب هذه الصورة نسوق للقارىء مثالاً من واقع حياتنا اليومية، هل يجوز لنا أن نُصدقَ بطبيب من الأطباء ونأتمنه على تشخيص مرضٍ ما ثم لا نُصدق بالدواء الذي يصفه وبالوصية التي يذكرها، إستكمالاً للعلاج؟ منطقياً يُعتبر هذا غير صحيح ومثل هذا ما ينطبق على صِدق الصورة الكلية للإيمان.

إن المُلحد شخص تجزيئي أي أنه يُجزىء المعرفة على مفاصل فلاتخدمُه في شيء ومثل ذلك ما فعله حكماء الإغريق القُدامى يوم جزأوا الآلهة على واجباتٍ منفصلة حيث وزعوا ظاهرات الكون على آلهةٍ كثيرة. إن البريق المعرفي في ظاهرة الصورة الكلية للإيمان كانت عاملاً مهماً لدعوة الملحدين إلى مراجعة إلحادهم.

ب‌- السبيية العلمية: إن عملية الإيمان عملية علمية تستند إلى الإثبات، ولا تقوم حقيقةٌ في الكون بدون سندٍ علمي. ألا يستطيع الله الخالق أن يستخدم قدراته الممثلة بقوله: "كُن فيكون" في خلق السماوات والأرض من دون أن يلجأ إلى خلقها في ستة أيام؟ ألا يستطيع الله الخالق أن يُقيم القيامة بلحظةٍ واحدة من دون أن يسبقها بمُمهدات كالشمس إذا كُورت والبحار إذا سُجرت والعشار  إذا عُطلت؟

ألا يستطيع الله الخالق أن يخلق الكائنات من أُحادية مفردة من دون الثنائية التي تقوم على القبح والجمال والأسود والأبيض والذكر والأنثى؟ ألا يستطيع الخالق أن يسترد النفخة التي نفخها من روحه في الطين المفخور كالصلصال من دون أن يُوكل قبضالأرواح إلى ملاك الموت؟

ألا يستطيع الخالق أن يجعل العقل البشري قادراً على إدراك وجوده من دون أن يُنزل كتابا  أو يبعث نبياً؟ بلى أنه لقادر ولكن مبدأ السببية التي تقوم بقانون ضابط هو المبدأ الذي أقره الله ناموساً للكينونة.

وبمثل هذا التوصيل نستطيع القول أن الله هو الذي جعل البحث العلمي في المختبرات سبيلاً إلى معرفة خفايا النفس البشرية. لقد آمن الإنسان القديم بآلههِ (على صورةٍ من الصور) وهو لا يرى إلا سلوكه غير المشروح في أسبابه، فكيف يلحد الإنسان المعاصر بعد أن عرف أن هذا السلوك هو ناتج لعمليات فسلجية تتداخل فيها مكونات جسمه من الهومون والموصل العصبي والكهربائية الساكنة والكيمياء؟ هذا هو ما حدا بالكثير من الملحدين إلى التراجع عن الإلحاد.

ج - الحكمة من إختفاء الله: لقد اصطفى الله لنفسه صفتين لم يمنحهما لغيره، وهما الخلود والإختفاء عن الإدراك المباشر. وكثيراً ما شكك المُلحدون بالله ووجوده لأنهم لم يروه عياناً. إن لإختفاء الله عن الإدراك حكمةً لا يعلم سرها غيره لكننا نستطيع أن نتفحص بعضها بما يُدلل على عظمة حكمته.

دعنا أيها القارىء نُوضح هذه النُقطة ببعض الظاهرات في حياتنا اليومية. غن أحد علماء الإجتماع كان نشر دراسةً عن العلاقات بين الأفراد في المؤسسة الإجتماعية فطالب بضرورةقيام ما سماه ب " المسافة الإجتماعية" التي تفصل بين المدير العام وباقي المنتسبين، وعدَ هذا الباحث مثل هذه المسافة ضروريةً لقيام عنصر الهيبة والوقار بين المسؤول وأتباعه.

تصور لو أن الناس تطلع على خالقها وتعرف مكانه وأشياء أخرى، فإن هؤلاء سيتحولون إلى حالة أخرى من الوعي بالخالق، إن دراسة هذا الباحث أثبتت مصداقيتها على مستوى بشرٍ عاديين فكيف الأمر أمام الخالق العظيم؟

إن مجهولية مصدر للخبر تزيد من سرعة إنتشاره وثبوت تصديقه فكيف الأمر مع الخالق العظيم؟ إن العرب في لغتهم أنشأوا ظاهرة "نائب الفاعل" وعزوا كثيراً  من الحكم والموعظة في أقوال الشعر والنثر إلى قائل مجهول فزادوا شدة تعلق الناس بهذه الحكم والموعظة.

كم من الناس من يستطيع مقابلة حاكمٍ من حكامهم بسهولةٍ في المكان والزمان؟ إذا كان هذا هو ما يحدث مع حاكمٍ بشري فكيف يكون الأمر مع حاكم الحكام، ملك الملوك؟.

د - فلسفة الموت: إختار الله لذاته الخلود، فكلُ مَن عليها فان.ولو خَلَدَ الإنسان لحدث الآتي:

1 - تزدحم الأرض بمن عليها وتضيق موارد العيش.

2 - تزداد الجريمة التي ترتبط طرداً بكثرة البشر.

3 - تقِلُ الموارد وتشيع المجاعة

4 - تفقدالحياة قيمتها لأنه لا يوجد موتٌ يُهددها بالزوال

5 - يشارك المخلوق خالقه في صفةٍ متفردة.

6 - تشيع الأمراض النفسية، فكثيرٌ من الأمراض التي لدينا تظهر في آخر العمر حيث أفردَ  لها قاموس الطب النفسي مُسمى " أمراض آخر العمر" وسبب ذلك أن الشعور بالخلود يُولد الرتابة والرتابة سبب من أسباب الكآبة.

7 - تنتفي الحاجة إلى العالم الآخر حين يخلد الإنسان وتُصبح الأرض مكاناً لعقابه وثوابه.

هذه هي الحكمة من الموت. وظاهرة الموت جزءٌ من متطلبات الإيمان التي أشرنا إليها مثلما أشار القرآن، وهي، مرةً أُخرى، صورة من صور النهاية التي جعلت وتجعل الكثيرين من المُلحدين يراجعون أنفسهم في مسألة إلحادهم بحكيمٍ عظيمٍ هو الله.

 

د. ريكان إبراهيم

 

ميثم الجنابيالتاريخ جهاد واجتهاد

لقد سعى قسطنطين زريق لجعل المقدمات النظرية المجردة أساسا لنظريته العملية. بمعنى انه سعى من اجل جعل العمل محك ومعيار ومقياس وأسلوب بلوغ الأهداف الكبرى. فهو لم يقف عند حدود الفكرة العامة عن ضرورة العمل، بل ووضع لها متطلباتها الدقيقة. فقد شدد قسطنطين زريق على أن آرائه أقرب ما تكون إلى متطلبات وإدراك مهماتها. الأمر الذي جعل من فكرته بهذا الصدد شيئا أقرب ما يكون إلى نظرية الجهاد العقلانية. وبالتالي يمكن دعوة نظرته التاريخية بتاريخ الجهاد والعمل. ومن الممكن رؤية كل ذلك بالأخص في جميع كتاباته المتأخرة، وبالأخص موقفه من النكبة الأولى والثانية (النكبة مجددا). إذ نراه يعتبر التاريخ هو نتاج جهاد النفس وجهاد الطبيعة[1]. مع ما ترتب عليه من اعتبار العمل مقدمة ضرورية للإبداع الحضاري. وأدرج فيه ما اسماه بمتطلبات ضرورية ست هي "متطلبات العمل التاريخي المبدع". وأدرج فيها كل من:

- صحة الإحساس بالحاضر وحدّة هذا الإحساس،

- والتطلع إلى المستقبل والإقدام عليه،

- والإبقاء على الصلة بالماضي بوصفها صلة إدراك وحكم واستلهام وتسامي،

- والشعور بالقدرة على الاختيار والاستعداد على تنفيذه،

- والشعور بحدوده،

- وأخيرا اعتبار الإنسان نفسه خاضع لحكم التاريخ[2].

وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاج عام يقول، بأن "إحساس الإنسان بالمشكلات الحاضرة وضرورة حلها على ضوء رؤى المستقبل وبروح الأمانة للتراث وشعوره باختباره وقدرته وبقيوده وحدوده. إن هذا كله يملأ نفسه روعا وهيبة"[3].

القومية والحرية

ولا يعني هذا في الوقع سوى تناسق فكرة النقد والحرية، أي تأمل الماضي والحاضر والمستقبل بمعايير الرؤية التاريخية والحضارية العصرية. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لفكرة الحرية كما فهمها قسطنطين زريق. إذ ليست حقيقة هذه الروعة والهيبة سوى الحرية بمختلف مستوياتها ومظاهرها، بوصفها إبداعا عقليا صرف. وليس مصادفة أن تتخلل فكرة الحرية كامل الرؤية القومية لقسطنطين زريق كما لو أنها النسق الساري في كل ما كتبه، بوصفها تنظيما متصفا بفكرة الحداثة. بحيث نراه يحولها إلى عنصر جوهري في نظراته التاريخية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "كل عمل منتج مسبوق بالحرية والاختيار. وأن قيمته متوقفة على مدى الحرية التي يتمتع بها المرء"[4]. ليس ذلك فحسب، بل وأن فكرته العامة والأساسية عن "الثقافة التاريخية" بوصفها القوة الفكرية والروحية القادرة على توحيد الذات الفردية والاجتماعية والقومية بمعايير الرؤية العقلانية والإنسانية، كانت تهدف أساسا إلى إرساء أسس الإطلاق والتحرر، أي الحرية والإبداع الأصيل.

لقد وضع قسطنطين زريق فكرة الحرية في أولوية القضايا التي ينبغي فهمها وحلها في المشروع القومي العربي[5]. بحث نراه يجعل من الحرية فكرة جوهرية في "الحكم على التاريخ". وينطلق بذلك من أن جوهر الإنسان هو قابليته للتحرر واكتساب الكرامة الذاتية. أما الإبداع التاريخي فهو فعل الحرية (الفردي والجماعي) للتخلص من النقائص الذاتية العقلية والخلقية والروحية[6]. وفيما لو تجاهلنا ضعف دقة التعبير في مفاهيم ومقولات قسطنطين زريق، فإنَّ مضمون أفكاره القائلة، بأن "الإبداع التاريخي لا يأتي من الخضوع المطلق للتاريخ، بل يتطلب نوعا من التحرر"، وأن "الاتجاه المستقبلي يتميز بالثورية والتحرر، لكنه يجهل أو يتجاهل تاريخية الإنسان"[7] وغيرها، تشير إلى حدسه الحقيقة القائلة، بأن حقيقة التاريخ المبدع هو التاريخ الحر والمستقبلي. ونعثر على ذلك في محاولاته وضع منظومة من المقاييس الضرورية للحكم على إبداع الثقافة بوصفها مقدمات الحرية. لهذا نراه يدرج ضمن مقاييس التقدم الحقيقي في الحضارة خمس وهي كل من:

- إدراك فهم إسرار الطبيعة وتطورها الفعلي (في التكنولوجيا والتطبيق)،

- وتعميمها النظري الفلسفي،

- والإبداع الجمالي (الأدب والفن)،

- والتطور الأخلاقي (مراتب الخير والفضائل)،

- وأخيرا تحصيلها جميعا في إحراز الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وفي العدل والمعرفة والعلم[8].

ذلك يعني أنه جعل من هذه المقاييس معيارا للحرية، تماما بالقدر الذي تكشف فيه عن وحدة أو معاني الحرية والكرامة. وجعل منه ما اسماه بالمعنى القوي للأثر في "إشاعة الحرية والكرامة"[9].

وبهذا يكون قسطنطين زريق قد جعل من معنى الحرية جوهر التاريخ وحكمه. ووضع ذلك في عبارة تقول، بأن "حكم التاريخ في نهاية المطاف هو حكم في مقدار إدراكنا لحريتنا، ومقدار تحقيقنا لها"[10]. أما حصيلة كل ذلك فتقوم في وصوله إلى الحكم القائل، بأن "كرامة أي فرد أو أية أمة هي حصيلة الحرية الحقيقية التي يتمتع بها الفرد أن تنعم بها الأمة. وهذه الحرية هي بدورها نتيجة لتحقيق القابليات التي يتميز بها الإنسان من الإدراك العقلي والسمو الأخلاقي والروحي والفعل المبدع الناتج عنهما"[11]. وبالتالي، فإنَّ بلوغها الممكن والواقعي والضروري يكمن في الكفاح من اجلها، بوصفها تاريخا وتصنيعا له.

فعندما يعتبر التاريخ (بما في ذلك النظر إليه من حيث نتائجه) متوقفا على إدراك الناس لمعنى الحرية وحقيقتها، فإنه يقسّم مواقف الناس وتياراتها إلى من ينظر إلى مشكلاته الآنية فقط، وإلى من يعتقد ويشعر بالصعوبات التي يواجهها، لكنه يعتقد بأنها بقضاء وقدر، ومن يعمل ويهتم به لكنه رجعي. ووجد فيهم "فئات لا تصنع تاريخا". ذلك يعني أن صنع التاريخ مرتبط بفكرة الجهاد العملي والثقافة التاريخية المؤسسة بمعايير ومقاييس الحضارة المعاصرة.

الفكرة القومية فكرة حضارية

لقد تمثل قسطنطين زريق الفكرة القومية بمعايير وعي الذات بالاستناد إلى جوهرية الفكرة التاريخية والحضارية. من هنا بلورته لفكرة الارتقاء إلى مصاف المتطلبات والتحديات التي تفرضها الحضارة المعاصرة. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة العقلانية والواقعية لإدراك معنى وحقيقة ووظيفة الفكرة القومية بالنسبة للعالم العربي المعاصر. الأمر الذي جعل من فكرته القومية بقدر واحد نقدية ومستقبلية. وفي هذا تكمن قيمتها النظرية والعملية. إلا أنها كانت تعاني من ضعف التأسيس الفلسفي. مما طبعها في الأغلب بطابع النصيحة والإرشاد أكثر مما بطابع التفسير العميق والأصيل للتاريخ العربي وإدراك نوعيته. مع ما رافقه ذلك من موازاة بين النزعة العلمية والخطابية، كما هو جلي في هيمنة عبارات "ما لابد منه" و"ما ينبغي" و"من الواجب" وما شابه ذلك في الموقف من تفسير الماضي والواقع. بينما الفكر العميق فلسفي بالضرورة. بمعنى انه مبني على مبادئ وقواعد تأسيس الفكرة وليس على أساس تقديم النصائح، بما في ذلك أكثرها سلامة وحكمة. فحكمة النصائح فعالة ضمن سياقها التاريخي الثقافي. أما العالم المعاصر، فإنه لا يقر بالحكمة كمرجعية في السلوك، بقدر ما يعتبرها نادرة مفرحة للعقل ومثيرة للمزاج ومروحة للهموم فقط. وهذه فضيلة لكنها لا ترتقي إلى صاف متطلبات الحكمة المعاصرة بوصفها منظومة عقلية وأخلاقية متجانسة، ومن نوع يجمع بين طرافة الوجدان المعذّب ودقة العقل الصارمة في نظرته للمسار الواقعي وآفاقه الفعلية التلقائية. بينما كان أغلب ما كتبه قسطنطين زريق أقرب إلى المواقف منه إلى أفكار. وهذا بدوره ليس معزولا عن هيمنة التقاليد شبه السائدة في التفكير العربي المعاصر، وبالأخص في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، أو بصورة أدق في كل مجرى العقود التي سادت فيها نفسية وذهنية الفكرة الراديكالية والثورية بمختلف أشكالها وأنواعها.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص178.

[2] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص186- 192.

[3] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص192.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، ص179.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص222.

[7] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص184.

[8] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص223- 224.

[9] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص228-  230.

[10] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص239.

[11] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص240.

 

 

عبد الجبار العبيديفلنترك السياسة والدين جانباً ونحاول ان نتطرق الى جماعة اخوان الصفاء وخلان الوفاء ودورهم في تاريخ الفكر العربي الاسلامي، وكيف عالجوا بعض فصول الحضارة الاسلامية في الشمولية الحضارية، والقوة النشطة للانسان الفرد وهو يمارس نشاط حياته اليومية، وكيفية تكامل الوجود البشري عن طريق الفكر والتعقل، لتحقيق الهدف الذي يربط بين افراد المجتمع في الحقوق .

أختلفت أراء العلماء والمؤرخين في تسمية الاخوان ومذاهبهم ذلك انهم عملوا جهدهم على تغطية حقيقة امرهم واسمائهم. اختلف المؤرخون في الرسائل وواضعيها فالقفطي ينسبها الى المعتزلة، واخر ينسبها الى الحكَم القرطبي الاندلسي ومؤرخ ثالث يدعي انها تعود الى جماعة من فرق الاسماعيلية، واراءُ اخرى كثيرة تنسبها لاخرين(1).

لكن المتتبع لتاريخهم يرى ان الجماعة نشأت كجمعية سياسية دينية في البصرة بعد استيلاء البويهيين على بغداد في سنة 334للهجرة، وكان لها فرع في بغداد وهي تتكون من اربع طبقات هي: (2)

- الاولى، تكونت من شبان تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر الى ثلاثين سنة ينقادون لاساتذتهم أنقيادا تاماً.

- الثانية، تتكون من رجال تتراوح اعمارهم بين ثلاثين الى اربعين سنة يتلقون الحكمة الدنيوية من حكامهم.

- الثالثة، تتكون من رجال تتراوح أعمارهم من اربعين سنة الى خمسين سنة، وهم كما يسمونهم طبقة الحكماء.

- الرابعة، تتكون ممن تجاوزوا الخمسين عاماً وهم الذين أرتقوا الى الطبقة العليا، وصاروا يشهدون حقائق الاشياء كما هي كالملائكة المقربين. لكن الملاحظ ان الجمعية قد خلت من العنصر النسائي تماماً، ولم نلمس تفسيرُ لذلك ممن عاصرها او من المقربين لها.. ولربما للعادات والتقاليد دور في هذا الخو النسائي منها.

ورغم تعدد طبقات هذه الجماعة وأهدافها الكبيرة، ألا ان التاريخ لم يدون لنا أكثر من خمسة أسماء كما ذكرهم المؤرخ ابو حيان التوحيدي وهم، ابو سليمان محمد البيستي المعروف بالمقدسي تلميذ الكندي الفيلسوف العربي المشهور، وهو على الارجح منشىء رسائلهم، وابو الحسن علي بن هارون الزنجاني، ثم ابو احمد المهرجاني المسمى بالنهرجوري، وابو الحسن العوفي، فريد بن رفاعة. ويؤخذ من كلام لابي حيان التوحيدي بأن هذا الاخير كان متهماً بمذهبه(3). ولا شك بأن أنضوى تحت اسم هذه الجمعية رجال من طبقات المجتمع المتباينة كما يفهم من رسائلهم، وان سكت التاريخ عن ذكر ذلك.لقد قال بعضهم: لنا اخواننا من اولاد الملوك والامراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم طائفة من أولاد الاشراف والدهاقين والتجار والصناع والمتصرفين وامناء الناس، وقد ندبنا لكل طائفة منها واحداً من أخواننا لينوب عنا في خدمتهم(4).

لكن بعض المؤرخين يعتقدون ان الرسائل من صنع الفِرقة الاسماعيلية الباطنية بزعامة احمد بن عبدالله الاسماعيلي الذي يعود نسبه الى الامام جعفر الصادق. ويبدو من خلال الدراسة المقارنة بدأ الاعتقاد يميل الى انها من صنع الافكار الاسماعيلية، وأنها من وضع دعاتهم (5).

أما اصل التسمية أشتق من صفوة الاخوة المبنية على التعاون لبناء مدينة فاضلة روحانية وتسميات اخرى تزخر بها كتب التاريخ(6).

وبغض النظر عن اهدافهم السياسية والدينية، نجد ما يؤثر عن أفراد هذه الجمعية أنهم ألفوا أحدى وخمسين رسالة.خمسين رسالة منها في مختلف الموضوعات العلمية والفلسفية، ومقالة واحدة جامعة لانواع الرسائل على طريقة الاختصار والايجاز، منها ثلاثة عشر رسالة في الرياضيات، وسبعة عشر رسالة في الطبيعيات، وعشرة رسائل في العلوم النفسية والعقلية، وعشرة رسائل في العلوم الناموسية الالهية والشرعية، وواحدة جامعة لكل الرسائل(7).

تدل هذه الرسائل على ان اخوان الصفاء أصابوا من الرقي الفكري حظاً كبيرًواقتبسوا اراءهم وعلومهم من جميع المذاهب والاديان وذلك انهم قالوا:"ان الشريعة دنست بالجهالات وأختلطت بالضلالات ولا سبيل الى غسلها وتطهيرها الا بالفلسفة العملية والنظرية، وافردوا لها فهرساً وسموها رسائل اخوان الصفا وكتبوا فيه اسماءهم وبثوها في الوراقين ووهبوها للناس"(8). ولهم نظريتهم المعمقة في العلم والنشاط العقلي، فقالوا :

"ان النفوس لا تستطيع الارتقاء في مدارج معرفة الله معرفة بريئة من الشوائب الا بالزهد والاعمال الصالحة"(9). وحين عالجوا الرياضيات قالوا:ان الغاية المقصودة في الحساب والهندسة ارشاد النفوس والتوصل بها من المحسوسات الى المعلولات، وبحثوا في المنطق وفي الله والعالم والنفس الانسانية، وحاولوا ان يوفقوا بين العلم والحياة وبين الفلسفة والدين(10).

ولا شك ان رسائلهم تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية أنعكاساً مباشراَ.ورسائلهم أشبه بدائرة معارف فلسفية علمية جمعت كل ما يمكن تحصيله من الرجل المثقف، وتعتبر مدخلا الى رسالة جامعة، هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي هدفت اليها الجماعة.

ولرسائل اخوان الصفا قيمة اخرى، هي قيمتها الفنية الخالصة، فقد عني كتابها بألفاظها واساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير وتشبيه متقن، وألفاظ متميزة، ومعانٍ ميسرة، والسبب يعود الى أنها اتجهت الى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف والمعرفة العامة.

ان احدى الميزات البارزة في هذه الرسائل هي عنصر الشمولية الذي يتميز به مفهوم الحضارة وهو العنصر الاول. وتنطلق هذه الشمولية من الضروريات والحاجيات التي يزاولها الانسان في نشاطه الاجتماعي، وهي تشمل نتاج جميع القيم الفكرية والمادية للانسانية.ففي مجال الحضارة الفكرية او الروحية، نجد مثلا الافكار الفلسفية والقيم الاخلاقية والجمالية والصور الفنية، فهم يحثون على الاعتدال بين رغبة النفس الانسانية ومعرفة حقائق الاشياء، وبدونها يخرج الانسان من الدنيا دون معرفة بها وفائدة للاخرين، لذا فمسئولية الفرد فردية لنفسه وجماعية لمجتمعه.. وهذامالم يوافق السلطة .

والعنصر الثاني في رسائلهم هي القوة النشطة المبدعة عند الانسان، وهذا العنصر هو الذي يفرق بين النشاط العادي الذي يقتصر على مجرد اعادة المعارف والعمليات اليومية لتهُذب وتنمي قدراته العقلية والمعرفية والكفاءة المهنية لتصب في مصلحة الناس الاخرين ومصلحتهم لتكمل الاجزاء الكلية للحضارة الانسانية(11)

والعنصر الثالث هو دور الفكر والتعقل في انجاز تكامل الوجود البشري، حين آولوا النشاط الجسماني والروحي للانسان، ليثبتوا ان الهدف هو احراز فائدة اكبر والاستفادة من الصناعات المبتكرة وتطويرها لصالح الانسان والنفس البشرية. هذه العناصر الثلاثة التي بحثت فيها الرسائل أثبتت أهميتها في الدراسات الحضارية لابراز نظرية الكيان البشري واهمية الانسان في الوجود في السابق والحاضر..

ومن يطلع على الافكار الشمولية لهذه الجمعية يدرك انها جمعية علمية عقلية فلسفية على جانب كبير من الرقي العقلي والعلمي، ولو ان الظروف السياسية مكنت لها من النهوض والظهور لكان بامكانها تغيير الحالة العلمية التي كان عليه الناس في القرن الرابع الهجري، والتي فلسفها الفقهاء بالرأي الديني الجامد دون تحريك حين لم يعترفوا بالصيرورة الزمنية التي جاءت بها الجمعية.. ولو سمح لها بالعمل والنتشار لكان دورها لا يقل عن دور المعتزلة في الحركة العقلية، ولا اصبح العرب والمسلمين في مقدمة الركب الحضاري المنشود.. الذي أسقطته اطماع السياسة الدينية.. ولازالت تعمل على اسقاطه الى اليوم..

 

بينما نلحظ ان الأوربيين حين كونوا الجمعيات العلمية نشطت أذهانهم من عقالها، وبدات تفكر في شئون الكون على اساس من الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع الى المعرفة العلمية تحت البحث والتجربة.. حتى حققوا مالم تحققه العصور السابقة فحولوا العلم القديم الى جديد . بينما ظل علماؤنا في العصور الوسطى يدرسون الظاهرة العلمية على غير ما جاء به النص الكريم الذي دعا الى البحث والنظر والتأمل في الكون ودراسته والبحث عن حقائق الاشياء مادية ومعنوية " قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدلأ الخلق" .

فجوبهوا بالرفض من قبل الحركة الدينية حين حصروا الحركة العلمية بما لا يخرج عن علوم الدين المبتكرة منهم وحين فسروا القرآن بما يوائم هوى السلطة، والاكثار من الاحاديث النبوية المخترعة منهم، ظناً ان الانصراف الى دراسة ما سوى ذلك انما هو مضيعة للوقت وصرف للانسان عن عبادة الله.. فوقعوا في خطأ التقدير.. نحن بحاجة اليوم الى كتابة قاموس علمي جديد قائم على ترتيب عقلي للعلوم والاداب والحرف وعلى رأس كل فرع مجموعة من الأكاديميين المتخصصين الذين يؤمنون بالفكر والحرية والتقدم، وليس في رؤوسهم الماضي القديم.. شرط ان تبعد العناصر الحكومية المتزمتة دينياً في تكوينه لحين الانتهاء منه.. ثم مناقشته بالطريقة العلمية المعتمدة.. ساعتها لربما يتكون لنا أمل جديد.

 

د. عبد الجبار العبيدي

..............

مصادر البحث

1- رسائل اخوان الصفاء وخلان الوفاء - طبعة بيروت ج1 ص5.

2- ابو حيان التوحيدي- الامتاع والمؤانسة ج2 ص6.

3- نفس المصدر السايق.

4- المقريزي –أتعاظ الحنفاء ص139.

5- عارف تامر –جامعة الجامعة ص15-17.

6- سعيد عاشور –دراسات حضارية ص5 وما بعدها.

7- القفطي – اخبار العلماء ص83.

8- رسائل الاخوان ح1 ص5.

9- القفطي –اخبار العلماء ص83.

10 - دايتر بيرمان- العناصر الحضارية ص10.

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية والثورية في الفكرة القومية

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد النسبة المعقولة والمقبولة بين النزعة الثورية والنزعة العقلانية. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن ثقل الوهج الأيديولوجي المهيمن على الفكر والتفكير العربي آنذاك. الأمر الذي يجعل من تصوراته بهذا الصدد تراكما بمعايير الرؤية الواقعية أيضا. فقد انطلق قسطنطين زريق من واقع انتشار وهيمنة الروح الثوري في العالم العربي. ووجد فيه دلالة على ما تغلي به الصدور والنفوس من أحاسيس بالحاجات الملحة ومحاولة مصارعة الزمن (التخلف)[1]. لكنه في الوقت نفسه سعى لتحقيق فكرة "العقلنة" الضرورية لهذه النزعة الثورية التي أطلق عليها أيضا عبارة الثورية العقلية. لكنه خلافا للصيغة المتناحرة آنذاك بين القوى المتصارعة حاول عقلنة الرؤية الثورية للتيارات السياسية الحاكمة والمعارضة من خلال صياغة "مرجعيات" عامة للرؤية الاجتماعية والسياسية والتاريخية حصرها بأربع وهي

- ضرورة التخلي من سحر الماضي،

- ومقارنة التجارب الخاصة بتجارب الآخرين من حيث تحديد قيمتها وحقيقتها،

- والتجانس في التطور والعمل والشخصية (بمعنى عدم العيش في مراحل مختلفة في آن واحد)،

- والإقرار، بأن كل بناء يشيد يكون ضعيفا بمقدار بعده عن الحقيقة.

لقد سعى قسطنطين زريق إلى إيجاد صيغة معتدلة أوسع تجمع بين الثورية والعقلانية قادرة على تخطى حدود التماس السياسي والأيديولوجي والفكري من خلال رفعها إلى مصاف الفكرة والأسلوب القادرين على التوحيد الاجتماعي السليم والتطور الديناميكي، أي كل ما وجده في فكرة المستوى الحضاري، أو الصيغة الحضارية للفكرة السياسية وعوارضها المختلفة والمتنوعة. من هنا نراه يقر بأهمية وضرورة الفكرة الثورية والثورة بالنسبة للتطور الحضاري. لكنه أكد في الوقت نفسه على خطورتها، انطلاقا من أن "لكل اختصار ثمنه، ولكل ابتسار ضريبته. وعلى الشعوب التي تختار هذا الطريق (أول ما عليها) أن تدرك مبلغ هذا الثمن وأن تقدّر نتائجه"[2]. وذلك لأن للثورة ثمنها الباهظ. ومنه ما يتعلق بنظام الحكم. إذ قلما تتفق الثورة مع الحرية السياسية والأساليب الديمقراطية. أما الثاني، وهو الأشد خطورة، فيكمن في كون الثورة تؤدي إلى الانقسام الحضاري [3].

وفيما لو دققنا المضمون الواقعي والفعلي لهذه الأفكار، أي ما أراد قسطنطين زريق تأسيسه، فإنها كانت ترمي إلى تذليل الراديكالية الفكرية والسياسية. فقد وقف قسطنطين زريق إلى جانب نقد الواقع، لكنه عارض الاتجاهات المتطرفة وبالأخص الثورية منها. وكتب بهذا الصدد يقول، "إن هذه الثورة ذاتها تستدعي، إذا أردناها صحيحة مثمرة، أن نكون مدركين لما نثور عليه حق الإدراك، وإلا قضت على الصالح والفاسد دون تحقيق أم تمييز"[4]. بعبارة أخرى، إن الثورة التي دعا قسطنطين زريق إليها هي ثورة عقلية ومستقبلية بقدر واحد، أي تستند إلى رؤية تاريخية ومحكومة بفكرة الحضارة ومتطلباتها وتحدياتها المعاصرة. من هنا تقييمه الرفيع لأهمية الرؤية المستقبلية للتاريخ، بحيث نراه يعتبرها إحدى مقدمات الرؤية الثورية والحركات الإصلاحية. لكنه شدد في الوقت نفسه على ما فيها من ضرر، لأنها "تنكر صفة أساسية من صفات الإنسان، وهي تاريخيته، وتناقض سنّة من سنن الحياة، ألا وهي سنّة التماسك والترابط والتراكم"[5]. ووضع هذا الاستنتاج في أساس نقده للتطرف والغلوّ والنظرة الأحادية الجانب في الرؤية التاريخية والعقل التاريخي. وأشار بهذا الصدد، إلى أن "الإنسان الحي الفاعل صانع التاريخ ليس "مستقبليا" مطلقا سابحا في الرؤى والأحلام، ولا "حاضريا" مطلقا غارق في ما حوله من المشكلات، ولا "تاريخيا" مطلقا يحنّ إلى الماضي، إنما هو يعيش في توتر دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل"[6]. ووضع هذا الموقف العقلاني الواقعي المبني في الوقت نفسه على فلسفة "الثقافة التاريخية" ومنحاها الحضاري تجاه الإشكالية الكبرى التي كانت تقف وراء بلورة وتراكم فكرته القومية. والمقصود بذلك إشكالية النكبة.

البديل العقلاني لحالة النكبة القومية

انطلق قسطنطين زريق من أن هزيمة العرب في فلسطين هي نكبة بكل ما للكلمة من معنى[7]. وبالتالي، فإن إدراك أسبابها وعلاجها يفترض الحديث عن علاج قريب وآخر بعيد المدى. ووضع في أساس العلاج القريب المدى خمسة أركان وهي:

- تقوية الإحساس بالخطر وشحذ إرادة الكفاح،

- والتعبئة المادية في ميادين العمل،

- وتحقيق اكبر قسط من التوحيد الممكن بين الدول العربية،

- وإشراك القوى الشعبية في النضال،

- والاستعداد للمساومة والتضحية ببعض المصالح لدرء الخطر الأكبر.

أما في مجال المعالجة البعيدة المدى، فإنه يفترض تحقيق تبدل أساسي في الوضع العربي وانقلاب تام في أساليب التفكير والعمل والحياة بكاملها قادر على مواجهة أي خطر أجنبي[8]. واعتبر من بين أهم مقومات هذا الكيان العربي المنشود الاتحاد والتقدم الصحيح. والمقصود بالتقدم الصحيح حسب رؤية قسطنطين زريق هو "أن يصبح العرب بالعقل والروح قسما من العالم الذي يعيشون فيه، بحيث تجري مجاراته في نظم العيش والفكر والتكلم بلغته، والاتصال بأصوله، والانضمام بالمقدرات الذاتية إلى مقدراته[9]. ولا يمكن بلوغ ذلك دون وسائل تناسبه أدرجها قسطنطين زريق في ست وسائل كبرى وهي:

- اقتباس الآلة،

- وفصل الدولة عن التنظيم الديني فصلا كاملا،

- وتدريب العقل وتنظيمه بالإقبال على العلوم الوضعية والتجربة،

- والابتعاد ما أمكن عن الخيال المخدّر والرومانسية المائعة،

- وفتح الصدر واسعا لاكتساب خير ما حققته الحضارات الإنسانية،

- أما الأسلوب الأمثل لذلك فيقوم عبر "الإصلاح التطوري في مختلف نواحي الحياة القومية"[10].

عندها يمكن مواجهة الجميع أيا كانت مصادره ونوعيته. وحينذاك يمكن مواجهة إسرائيل وأمريكا وغيرهما. بمعنى انه وجد في "السعي لإحراز قدرة تساوي أو تشابه أو تقارب قدرتها علما وفنا وتقنية وتنظيما وتجنيدا للقوى الداخلية وللمؤيدات الخارجية" الأسلوب الوحيد والواقعي والأمثل لهذه المواجهة[11].

إننا نقف هنا أمام صيغة نموذجية للنزعة القومية، التي تنظّم وتجمع بنسب واقعية الرؤية الثورية والعقلانية من خلال رفعهما إلى مصاف الفلسفة الإصلاحية. وهذه بدورها إصلاحية تستند إلى رؤية خصوصية الحضارة المعاصرة والعمل بمعاييرها، أي السير معها وبها مع الاحتفاظ بالأصالة القومية المبنية على أساس الثقافة التاريخية وبلوغ حكمتها الفعلية. لهذا نراه على سبيل المثال يتكلم عن ضرورة التوحيد الدائم بين العلم والإنتاج والاستقلال التام. وأعتقد بأنَّ التجّهز بالعلم والإنتاج هو مصدر القوة وأساس الاستقلال الفعلي. وبالتالي، فإنَّ عدم بلوغ الاستقلال الفعلي للعالم العربي يكمن في أنه لا يوجد استقلال تام، ووقوف الاستقلال عند الحد السياسي. بمعنى أن الاستقلال الفعلي هو الاستقلال التام فقط. ومن اجل بلوغ ذلك وضع قسطنطين زريق ما يمكن دعوته بالحل المستقبلي الأمثل من خلال "بلوغ المجتمع العلمي"، و"دور الدولة" الخاص بذلك، و"فكرة النضال"، و"متطلبات النضال". كما لو انه يؤسس لأركان البديل الضروري بهذا الصدد.

وحصر سبل بلوغ المجتمع العلمي في ثلاث هي كل من

- الإيمان بها،

- وجهد رجال الفكر والعمل وقادة الحكم،

- وأن يكون المجتمع المنشود ما نريده، أي بقدر وضوح الإرادة وعمقها وانتشارها[12].

أما دور الدولة، فحصره في قواعد عامة وهي "أن يصبح هذا الهدف أساس سياستها ومحور نشاطها". وذلك لأن "الدولة لا تستطيع أن تبني مجتمعا علميا منتجا إلا إذا كانت هي ذاتها منظمة على أساس العلم ومنصرفة إلى الإنتاج"[13]. من هنا ضرورة الإنتاج والإنماء، والتخطيط والإستراتيجية، بحيث تسود العقلية التخطيطية التصميمية على نشاط الدولة والأفراد والجماعات[14]. وأن يجري استكمال ذلك بالبحث والاهتداء بهدى الحقيقة. وذلك لأن "البحث العلمي هو الركن الركين للإنتاج والإنماء والتخطيط. لهذا يجب أن ينفذ التخطيط في عروق الدولة وشرايينها لبثّ القوة والمناعة في أجهزتها"[15]. الأمر الذي يتطلب "حشد الكفاءات المادية والبشرية وتهيئة الكفاءات الممكنة"[16]. وأخيرا إتمام ذلك بتنشيط دور الشعب، من خلال جعله حافزا ومراقبا، أي ضرورة الرقابة الشعبية وحرية الفكر والكلمة. فالحرية ليست حقا، بل هي أولا وقبل كل شيء واجب وتبعة، كما يقول قسطنطين زريق[17].

أما فكرة النضال وبث الروح النضالي، فيحصرها زريق بمصادر وهي: وضوح الغاية وتغلغلها في النفس عبر إزالة الفرقة أو عدم الانخداع بوصفها قضية جوهرية. مع ما ترتب عليه من انقسام الدول والشعوب والأفراد إلى "قوميين" و"اشتراكيين" و"تحرريين" و"انقلابيين" و"تطوريين" و"مناضلين" و"انهزاميين" وما إلى ذلك من نعوت. وإنَّ أبرَز مظهر لتعّثر النضال هو انعدام الإرادة العربية الواحدة في مستويات الحكم العليا. من هنا ضرورة الإرادة الواحدة في صفوف الشعب والتعبئة الشعبية، وكذلك ضرورة ارتباطها بالدار والأرض والوطن. بمعنى الاستفادة من الدرس التاريخي لنكبة فلسطين. فقد وضع الفلسطينيون حربهم في أيدي الدول العربية وأنظمتها السياسية. وكان المفروض بالعكس، بمعنى جعلها فلسطينية بوصفها حربا وجهادا من أجل الأرض والوطن. وأخيرا ثقة الشعوب بقادتها[18].

أما متطلبات النضال فيحصرها قسطنطين زريق بأربعة وهي:

- العقلانية، أي التشوق إلى الحقيقة والأنفة من الجهل والخطأ والانخداع والخديعة،

- ومحبة العمل والقدرة عليه عبر رفعها إلى مستوى العقيدة،

- والانضباط والانتظام،

- والتقشف[19].

إنَّ الحصيلة الكامنة في هذه الرؤية تكشف عن طبيعة وحجم وغاية النقد الذاتي المكتوي بناء المحنة. فقد أراد قسطنطين زريق أن يجعل منه مصدر الإثارة بالنسبة للعقول وصهر النفوس وإعادة الخلق الذاتي خلقا جديدا. فالمحنة تغدو فاتحة النصر إذا هي أدت إلى خلق الإنسان العربي الجديد، كما يستنتج قسطنطين زريق[20]. وضمن هذا السياق يمكن فهم قيمة اقتراحه الذي دعا فيه إلى تأسيس "مؤسسة الدراسات العربية" من أجل دراسة الواقع والإمكانيات والمشاكل المشتركة[21]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...........................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

[2] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص254.

[3] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص246.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص19.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص183.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص190.

[7] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[8] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص8.

[9] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[10] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص9.

[11] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص19.

[12] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص35.

[13] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص36- 37.

[14] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص40.

[15] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص42.

[16] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص44- 45.

[17] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص47- 48.

[18] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص63- 65.

[19] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص50- 51.

[20] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص82.

[21] قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص52.

 

 

ميثم الجنابيماهية القومية العربية

من الممكن العثور على الصيغة الأوسع والأكثر تدقيقا لرؤيته النقدية والبديلة لماهية القومية العربية ومقومات نجاحها في ما اسماه بشروط نجاح القومية. وأدرج ضمنها ستة شروط كبرى وهي:

- ضرورة بلوغ نوع من التطور والانسجام في الحركة القومية، وبدونها يستحيل نجاحها وتحقيق أهدافها،

- وعلمانية (دنيوية) الدولة،

- ومنافاة الإقطاع،

- والتطور الاقتصادي الحديث،

- وانتشار العلم والمعرفة،

- وأخيرا القضاء على القبلية والطائفية1.

على أن تكون هذه الشروط التأسيسية محكومة بفكرة الحرية، والوحدة، والثقافة الحضارية الحديثة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لا يمكن للحركة القومية العربية المعاصرة أن تنتصر دون أن تدرك وتحلّ إشكاليات التحرر والاتحاد والحضارة2 . وفي الوقت نفسه ربط هذه الشروط والأفكار الكبرى بنوعية القادة السياسيين الذين ينبغي أن ترتقي عندهم الفكرة القومية وغايتها إلى مصاف الفكرة الصوفية. بحيث نراه يتكلم عما اسماه بالحاجة للصوفية القومية. وكتب يقول، بأنه "إذا كان لابد من صوفية قومية في قلوب القادة وفي نفوس الشعب، فلتكن صوفية تضع القومية في نظامها الحضاري، أي كل ما يساهم في خلق إنسان عربي أقدر وأرقى ومجتمع متحرر"3 .

إن رفع الفكرة القومية إلى مصاف الفكرة الصوفية، يعني ضرورة تجريدها التام عما سواها. وهي الفكرة التي شاطرها الفكر القومي العربي الحديث عند مختلف شخصياته. وقد يكون الموقف من الدنيوية (العلمانية) هو محكها النظري والعملي المباشر. فقد كتب قسطنطين زريق منذ وقت مبكر في (الكتاب الأحمر) بأن الدولة العربية المنشودة دولة قومية لا دولة دينية، والأديان عندها هي سبيل المرء إلى خالقه في العبادات، فهي مصونة ومحترمة وفق ما يرد عنها في القوانين. ونعثر على نفس الفكرة بعد تدقيق جوانبها لاحقا عندما كتب يقول، بأن العلمانية ليست معاداة الدين والروحانية، أي "إنها لا ينبغي أن تتعارض مع الدوافع الروحانية أو الكفر بالله"4 . إن العلمانية (الدنيوية) ضرورية للقومية بحد ذاتها. وأعتقد زريق، بأن القومية علمانية بالضرورة. ووضع ذلك في استنتاج ملزم يقول: "إن القومية والأمة ينبغي أن تؤسس وتستند إلى ذاتها، أي أن تكون أمينة لذاتها وللقومية، بمعنى العمل بمنطق القوى التي أوجدت القومية في العصر الحديث"5 . وبما انه لا يمكن للقومية أن تنتصر دون تجانس تطورها لهذا "يستلزم كأول شرط علمانية الدولة"6 .

لم يكن هذا اليقين الجازم بصدد علاقة الدنيوية والقومية، سوى الوجه الآخر للرغبة الجامحة في تذليل بقايا البنية التقليدية في الوعي. وذلك لأنه لا إلزام منطقي ولا واقعي ولا حتمي لهذه العلاقة. فقد كانت هذه المرجعية جزءً من تقاليد التجربة الأوربية. كما أن التجربة الأوربية لم تذلل في الواقع العلاقة الخفية بين الديني والدنيوي بهذا الصدد. فصعود القومية، على الأقل في ميدان النزوع الأورومركزي والكولونيالي، كان وثيق الارتباط بالتراث الديني من حيث التمثل والاستغلال والتوظيف والتطويع. غير أن آراء قسطنطين زريق ومواقفه وأحكامه بهذا الصدد كانت تتمثل رحيق الفكرة القومية المجردة، والرغبة في تجسديها بوصفها فكرة منطقية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة النظيفة واللطيفة لبقايا وآثار الرؤية الأيديولوجية وأوهامها التاريخية الخلابة للعقل والضمير.

القومية والفكرة العقلانية

أوصل التحليل التاريخي واستشراف الواقع وآفاق العالم العربي الحضارية قسطنطين زريق إلى استنتاج مهم ألا وهو ضرورة العقلانية. ولا يغير من قيمة هذا الاستنتاج كونه كان أقرب إلى الحدس منه إلى منظومة فكرية لها حدودها الخاصة. فعندما تطرق إلى حالة العالم العربي المعاصرة له، فأنه اعتقد أن ما يميزها هو هيمنة الفكرة والحالة الثورية. ومن ثم لم يقف بالضد منها بقدر ما دعا إلى مهمة تحويلها إلى "ثورية عقلية"، أي ثورية تتخذ من العقل دليلا لها. لأن العقل هو الأكثر ثورية في التاريخ، كما يقول قسطنطين زريق. وبالتالي، فإنَّ استمداد هذه الثورية لروحها من العقل يجعلها الأكثر ثورية. وذلك لأنه يحررها من قبح الغوغائية والأهداف الآنية. إذ تكمن فيها ما اسماه قسطنطين زريق بضمانة الثورية اللازمة للشعوب العربية. بعبارة أخرى، إن "العقلانية" هي التي ينبغي أن تكون مضمون الثورية العقلية. ووضع هذا الاستنتاج في قوله "لا ندحة للعرب إن أرادوا النجاة والفوز في معركة الحضارة التي هي مصدر المعارك الأخرى ومحورها، من أن "تتعقلن"7 .

ووضع هذه الحصيلة في فكرة أوسع تقول، بأننا بالعقلانية ندرك أن مشكلتنا الأولية هي التخلف. وبها نقدم على محاسبة النفس، وعبرها يمكن السير في مضمار التحضر (التقدم). ذلك يعني انه حاول أن يعطي للعقلانية الثورية بعدها المناسب من خلال إبراز وإفراز أولوياتها النظرية والعملية. إذ لكل قومية وحضارة وتاريخ خصوصيته. فعندما تطرق، على سبيل المثال، إلى ما اسماه بطغيان الحضارة الغربية، فإننا نراه أيضا يكشف عن مبادئها الجوهرية، التي شكلت مصادر إيمانها ومعتقداتها وهي: الإيمان بالعالم الطبيعي وبأنه العالم الحقيقي، وأن الإنسان أهم كائن في هذا العالم الفعلي، ومبدأ العقل8 . مما حدد بدوره موقفه من الحكم على الحضارة الغربية. ذلك يعني أنه نظر إليها عبر جوهرية المبادئ الفاعلة والمحدد لكثير من خصالها، وليس من خلال ما يبدو على سطحها من مظاهر الاقتصاد والسياسة وغيرها. لقد حاول البحث عن مبادئ مرجعية فوجدها في ما أشار إليه. لكنه في الوقت نفسه اعتقد، بأنَّ انجازات الحضارة الغربية والمادية منها بالأخص تعاني من مفارقات عديدة. ومن بين اشد مفارقاتها إثارة بهذا الصدد اثنتين، الأولى وهي مفارقة التطور العلمي التقني والنظم السياسية والفكرية، والثانية هي مفارقة التطور العلمي التقني والأخلاقي.

مما سبق يتضح، بأن قسطنطين زريق أراد القول، بأنَّ لكل بديل عقلاني مقدماته الفكرية ومبادئه الكبرى وقواعده، أي كل ما يشكل أولويات عقله النظري والعملي. والأولويات التي ينبغي أن تختارها العقلانية الثورية العربية تقوم في مواجهة تحديات التخلف من خلال قواعد كبرى حصرها في سبع وهي:

- مصارحة النفس ونقدها بوصفه دليلا على النضج وبرهان على القدرة والثقة بالنفس،

- والحاجة إلى فيض من التوق الحضاري،

- وإيمان بالعقل وتوق إلى الحقيقة،

- والتطلع والتشوف للمستقبل،

- واكتساب الذهنية المنفتحة،

- وتنمية الثروات الطبيعية والقدرات الإنتاجية،

- وأخيرا العقلية الثورية 9.

وليست هذه المبادئ أو القواعد الكبرى للأولويات سوى الصيغة الايجابية لنقد الحالة العربية. فعندما تناول مقدمات النكبة والأسباب القائمة وراء هزيمة العرب آنذاك أمام بني إسرائيل، نراه يشير إلى أن السبب الجوهري يكمن في كون "مجتمعنا العربي والمجتمع الإسرائيلي الذي نجابهه ينتميان إلى حضارتين مختلفتين أو إلى مرحلتين متفاوتتين من مراحل الحضارة. وهو السبب الأساسي لضعفنا على كثرة أعدادنا وتفوقهم على قلة عددهم"10 . ذلك يعني أن مصدر التخلف بالنسبة له يكمن في فكرة المستوى الحضاري للمعاصرة ومقوماتها الأساسية وهي العلم والعقلانية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن تفوق الحضارة الحديثة يقوم أساسا على انجازاتها العلمية النظرية والتطبيقية. وبما وراء هذه الانجازات من عقلانية متطورة11 . وبما أن العلم هو مصدر القوة في كل شيء بما في ذلك القوة الاقتصادية والسياسية، فإن السؤال المتعلق بكيفية حل هذه المشكلة في العالم العربي يفترض "قلب المجتمع العربي قلبا جذريا سريعا من مجتمع انفعالي توهمي ميثولوجي شعري إلى مجتمع فعلي تحقيقي عقلاني علمي"12 .

إننا نقف هنا أمام تحديد شكلاني شديد ومكثف لمتضادات ثنائية كبرى وهي ثنائية انفعال– وفعل، أوهام – وتحقيق، أسطورة – وعقلانية، شعري – وعلمي. وبغض النظر عما في هذه الصيغة من تبسيط مباشر وراديكالية مشحونة بحالة النكبة الثانية (1967) إضافة إلى استنتاجاتها السياسية ومقارناتها الحضارية المتسرعة المحكومة بأثر الهزيمة، إلا أنها تحتوي على نبض الفكرة الداعية للخروج من واقع الأزمة أو التخلف إلى ميدان الحداثة الحقيقية. وبهذا يكون قسطنطين زريق قد حاول جعل الفكرة التاريخية فكرة مستقبلية. وفي الوقت نفسه نظر إلى المستقبل بوصفه مشروعا بديلا بمعايير العلم والحداثة. وبهذا يكون قد سعى لإدراك التاريخ الذاتي بوصفه تاريخا واقعيا وعقليا يفترض البحث عن حلقة الربط بين الحداثة والمستقبل. ووجد هذه الحلقة في الرؤية الواقعية والعقلانية المتسمة بالاعتدال.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص203.

2- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص204.

3- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص393.

4- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص37.

5- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص38.

6- قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص203.

7- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص411.

8- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص355-356.

9- قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص388-411.

10- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، بيروت، دار العلم للملايين، 1967، ص13.

11- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص13.

12- قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص17.

 

 

مجدي ابراهيم(نقائض التصوف): (1)

تعرض التصوف لهجوم ناقد من قبل البعض بغير منهج يقوم على الموضوعية وكشف جوانب الإيجاب والسلب، ولم يتسو النقد على أسس علمية تضع التقييم في مقدمة أولوياتها. ولكن بدا نقضاً في غير ما مبرر علمي يتسند عليه. 

على أن النقد لا يعني الهدم والتقويض بمقدار ما يعني البناء والتقويم. والأصلُ في النقد (critics) فلسفيّاً، وبالتالي منهجيّاً، هو قبل كل شيء: اعتراف الناقد بمحدوديّة تفكيره. والقول بحصول هذا التفكير ضمن أطر تقيد عملياته وتخضع عملية التفكير ذاتها لمراجعات صارمة، بمعنى خلخة اليقينيات الثابتة وإعادة بنائها المعرفي بمقدار إعادة النظر فيها مراجعة وتصحيحاً. وعليه؛ فمن يفهم من النقد معنى الهدم يتجرّد عن العلم وتغيب عنه الموضوعية؛ وبخاصة إذا كان المنقود "حالة" فوق عطايا الإدراك المحدود. فماذا عساك قائلاً إزاء من يتصوّر: " أن الصوفية في خبراتهم التي توصلوا إليها وكشوفاتهم التي غمرتهم فيها حالاتهم الروحية لم يتزودوا بأية بينة توضح طبيعة (الاتحاد) الذي حققوه، ولم يتوصلوا إلى معرفة الله ولا العالم، ولا أي شيء، كل ما حصلوا عليه أو غنموه هو (انفعال) بطّال أو عطلان، لا ينتهى إلى شئ سوى أنه حالة من حالات العقل والشعور، ولا شيء آخر؟ أو أن الصوفية تضع في مقدمة مبادئها محق الشخصية الفردية والقضاء عليها؛ وأن العشق الإلهي يعني أن نتجاوز عواطفنا وننفعل بعاطفة غامضة الاتجاه، تنتهى دائماً إلى استغراق في عبادة الذات، وأن الله (سبحانه وتعالى) مجرد عاطفة غامضة. والتوجه إليه توجه هُلامي! وأن التصوف بهذا المعنى المثالي يسعى إلى غرس مشاعر الكراهية للحياة والناس (راجع: إحسان الملائكة مقدمة كتاب (جلال الدين الرومي صائغ النفوس)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2015م؛ ص 17 -19).

ماذا عساك صانعاً أمام من يصوّر هذا أو مثله؟ وهو هدم ليس هو بالنقد، يتخذ من النقد وسيلة هجوم وتبرئ واستعلاء ولا يتخذ منه وسيلة تقييم أو تقويم؛ فهو يخرج عن إطار العلم ويدخل في أهواء لا يقرها العلم بحال، ونحن لا ندرى كيف يكون هذا كله ومبادئ التصوف قائمة بالتقرير على الدعوة إلى التسامح واحترام جميع معتقدات البشر، ورفض التحيز العرقي، والتحرر من التزمت الديني والتعصب الأعمى.

ثم يحذرنا أحدهم ويشدّد في تحذيره: من الانسياق وراء العبارات البرَّاقة التي ينقلها مؤلف الكتاب عن مشاهير الصوفية، ويأتي تحذيره هذا في إطار قناعاته التي يريد أن يَفْرضها علينا صَاغرين. عنده أن ليس ثمة داع يدعو للإسهاب في القول بأن التصوف ما كان، ولن يكون أبداً، على ما يعتقد، هو طريق الخلاص من وضعنا المتردي .. فهو طريق - في نظره - استسلامي يشجع على استكانة المشاعر وانهيار القوى في وقت نحن فيه بأمس الحاجة للروح الوثابة والمشاعر الثائرة والفكر النير والحلول التي تخلصنا من مشاكل التخلف التي نَرْزَح تحت وطأتها صباح مساء (د. عدنان عباس علي في مقدمة ترجمته لكتاب تور آندريه: التصوف الإسلامي، منشورات الجمل، ألمانيا، الطبعة الأولى، سنة 2003م، ص 5).

ومن الغريب أن هذه الصفات الأخيرة التي ومضت في عقل مترجم الكتاب والتي يَرُصَّها لفظاً ميتاً بغير معنى هى في الأصل من العمل الحي للتصوف ومن فاعليته الكبرى؛ فالروح الوثابة، الحرة، الطليقة، والمشاعر الثائرة والفكر النير هى في الواقع صفات الصوفي الحقيقي الذي لا يعرف للخمول ولا للاستكانة طريقاً، بل هِجِّيره العمل، وديدنه الجهاد في سبيل مطلوبه، فلا يهدأ الصوفي أبداً إلا أن ينال ما يريد. لكن الفرق بينه وبين غيره من أصحاب الإرادات أن مراده غير مرادات الذين غرقوا في الواقع الوحل المتردي، فانهارت قواهم على التصدي له فلم يَتَقدَّمُوا في إصلاحه ولا حتى ترقيعه قيد أنملة؛ بل كلما رقعوه تمزق منهم، ولا يَزَال مع التمزق حتى مَزَّقَ؛ بشراهتهم عليهم؛ نفوسهم وقلوبهم حسرة على الضعف والتردي والشره المادي اللعين.

 وتلك لا شك رؤية -  فضلاً عن كونها طامسة للحقيقة متعالية عليها - تكشف من الوهلة الأولى عن ظلمة الوعي وضيقه وتحجُّره في العقول التي تتخذ مواقف مُعَادية للتصوف بل مُعَادية لنفسها؛ لأنها تأتي ضد نفسها: ضد وجودها الروحي بمقدار ما تجيء ضد حقيقتها الأصلية التي يمُسَّها التصوف ويشتغل عليها، ويكشفها لصاحبها - إذا أرَادَ - في جلاء ووضوح وطمأنينة ويقين.

إنما الوعي الصوفي ليَتَجَوْهَر عندنا في تلك الذائقة الروحية الفريدة، وإنه ليتحدد في مثل هذا الإدراك الذوقي الكشفي لغةً وتعبيراً وإشارةً؛ ذلك الإدراك الذي يؤهل صاحبه للاتصال بالله تعالى اتصالاً يقوم فيه الوعي بالتوحيد عاملاً وفاعلاً؛ لتتحقق أسمى آيات التذوق للفكرة الإلهية؛ يعيشها حياة ويوظف سلوكه وفق ما يَفْقَه منها على منهج يَسْتَنَّهُ ويترقى به على الدوام؛ مَادَاَمَ تَرَقْيهُ إليها مشروطاً بصفاء البصيرة والإلهام وبالنقاء الروحي (Spiritll purification).

هذه الملاحظة مع بساطتها وتواضعها قد تكشف بالقطع عن أصالة الوعي الصوفي؛ وهو وعي عالي وليس بالعادي، وعن تفرُّده، وعن امتلائه بفيض المعنى وغزارة الوجدان، وعن خصوصيته الشاملة المحيطة، وعن تمايزه واختلافه عن منهجية النظر المجرَّد المحدود أو العقل المسطح الذي لا يَتَحَرَّر عن مقولاته بل يظل يَتَعَبَّدْ في محرابها صباح مساء. إنمَّا الوعي الصوفي هنا لهو وعيُنا بالحقيقة الأصلية؛ أعني وعينا بالوجود الإنساني على صفته الجوهرية الباقية الدائمة: حقيقته الجوهرية.

ثم بالصدفة العارضة لا القصد المباشر وقع بصري على صفحات من كتاب مجهول (عبد الله شريط: الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون؛ ص 524 – 525). كتب صاحبه تحت عنوان جهودنا اليوم للتخلص من أضرار التصوف؛ ولسوف نورد عبارات الكاتب بلفظها ونصها؛ لأنها تعبّر في الغالب عن وجهات نظر عدائية ضد التصوف:" إنّ عقول مجتمعاتنا اليوم ومنذ عصر ابن خلدون، تزخر بهذا الفكر الخرافي الذي كان نتيجة مباشرة للفكر الصوفي، والذي أدى بها إلى الاستسلام عن مقاومة كل ما يعترضها في طريق التقدّم، لأنها تعتمد على "البركة" في أن تقوم مقامها بهذه المقاومة. وأدبنا اليوم في المشرق والمغرب - هكذا يقول المؤلف - يحاول أن يعالج مساوئ هذا الإرث المسموم في عقول الشعب فلا يشق طريقه إلا بصعوبة، ورجال الدين أنفسهم أو بعضهم على الأصح هالهم ما أصبحت عليه شعوبهم من عودة إلى الفكر الجاهلي الصميم، كأن لم يمر عليهم الإسلام إلا مروراً من خارج، ولم يلامس أرواحهم بأشعته التحريرية فأهملوا كل الآثار الدينية والأحاديث المنتحلة التي كان يعتمد عليها المتصوفة وفي مقدّمتهم الغزالي لتبرير حركة التصوف، وراحوا في مقابل ذلك لأوّل مرة منذ العصر العباسي، يحاولون بعث الفكر الاعتزالي المعتمد على العقل والمناوئ للفكر الغيبي الذي كان أساساً للفكر الصوفي والفكر الخرافي المشئوم، أو يتبني بعضهم الآخر الفكر السلفي أو فكر ابن تيمية كالحركة الوهابية في الحجاز أو الحركات الإصلاحيّة في مصر والشام والجزائر ممّن تمكنوا من الاستضاءة بأضواء الفكر العلمي الحديث، وقارنوا بين ما تتخبط فيه شعوبهم من شلل عام وما تزخر به الشعوب المتقدّمة من حيويَّة وحركة وإنتاج. وهذا بالإضافة إلى ما آل إليه الفكر الصوفي على يد أغلب حركاته وطرقه من خيانات سياسية وتعاون مع العدو ضد مصالح شعوبهم، باستثناء بعض الحركات القليلة كزاوية محيي الدين والد الأمير عبد القادر في الجزائر، أو الحركة السنوسيَّة في ليبيا، وبعض الشخصيات القليلة الأخرى في مصر وسوريا، وهى حركات أو شخصيات بلغت من الندرة، بالنسبة للحركات الأخرى، ما جعلها فعلاً استثناءات تؤيد القاعدة العامة".

تلك هى نقائض التصوف فيما جرت به كلمات هذا الكاتب على العسف والتهور والغرور، والخلو من الموضوعيّة والحياديّة في البحث وتحميل التصوف مسئولية تخلف المسلمين، ثم إنكار حقائق التاريخ؛ وأوْلها فيما يبدو؛ خلطه الشنيع في المنهج بين التصوف وعلم الكلام، فهو إذا كان يريد بعث الفكر الاعتزالي القائم على العقل، فإن التصوف محور آخر قد يُكمّل لدى العقول العارفة بدوره محور العقل؛ فالعقل والروح جانبان لا يتضادان بمقدار ما هما لا يتناقضان بل يتكاملان، وقد ينفصل عنه ويراه البعض شيئاً آخر لا يقوم على العقل بمقدار ما يقوم على التجربة الذوقيّة، فالجدل والبرهان وعقم الإدراك قوانين لا محل لها في التصوف، والخلط بين منهج المتكلمين الجدلي الخطابي ومنهج التصوف الذوقي الوجداني خلطاً عشوائياً بغير الدخول في تفاصيل معرفيّة يكشف عن قلة عناية الكاتب بما لديه من بضاعة علمية خالية الوفاض سواء في التصوف أو في علم الكلام.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيفكرة الأصالة القومية

أعطى قسطنطين زريق للأصالة أبعادا فكرية أولا وقبل كل شيء، باعتبارها اجتهادا ذاتيا. من هنا دعوته إلى تنقية الكيان الذاتي وتأصيله. وكتب يقول، "يجب أن نهتدي في حل مشكلاتنا وبناء حياتنا الحاضرة وإعداد مستقبلنا (وبصورة خاصة) في تنقية كياننا الذاتي وتأصيله واغنائه. هذا الكيان الذي هو السند الأخير والجوهر الباقي لأية خطة نختطها، أو أي نظام ننشئه، أو أية قومية نبعثها"1 . وبغض النظر عن الطابع الإنشائي والدعائي لحد ما في هذه العبارة إلا أنها تحتوي على هاجس وباعث عميق يقوم في سعيها لتأسيس الهوية الثقافية وتأصيلها بوصفها قاعدة كل بديل حقيقي.

وضمن هذا السياق تراكمت وتبلورت رؤيته القومية. فقد مرت الفكرة القومية عنده عموما بمرحلتين، الأولى وهي المرحلة السياسية الأيديولوجية، والثانية هي المرحلة الفكرية النظرية. لكنهما تلازما من حيث الهاجس والهموم والغاية. ومن الممكن رؤية مضمون ومظهر المرحلة الأولى في (الكتاب الأحمر)، والثانية في مؤلفاته الفكرية السياسية والفلسفية التاريخية اللاحقة مثل (نحن والتاريخ) و(هذا العصر المتفجر) و(في معركة الحضارة) و(معنى النكبة مجدداً) و(نحن والمستقبل). وما بينهما كانت تتبلور ملامح الرؤية النقدية وصيرورة الفكرة القومية بوصفها رؤية تاريخية ثقافية مستقبلية كما هو الحال في كتبه (معنى النكبة) و(أي غدٍ).

ففي (الكتاب الأحمر) نعثر على ما يمكن دعوته بالدستور السياسي للفكرة القومية العربية. من هنا كثرة "مواده" التي تحدد ماهية الفكرة العربية، والقومية العربية، وماهية العرب والعالم العربي، ومختلف المواد "العملية" الداعية للتنظيم والجهاد الحشد والإيمان وغيرها، إضافة إلى طبيعة الدولة القومية وعلاقة الديني والدنيوي (العلمانية) وما إلى ذلك. إذ نقف هنا أمام تحديد سياسي أيديولوجي يعتبر الفكرة العربية قضية كبرى. وأنها تعبير عن الحركة الساعية للتحرر من الاستعمار والاستعباد والفقر والجهل وسائر ضروب الوهن. وإنها الفكرة الداعية والساعية إلى تأسيس دولة عربية قومية قوية متحضرة تضمن صيانة وجودهم المادي والمعنوي، وترفع من شأنهم لأداء رسالتهم الإنسانية والحضارية.

أما ماهية القومية العربية فهي كل ما يجمع العرب من صفات ومميزات وخصائص جعلت منهم في مجرى الزمن أمة واحدة. وأدرج فيها الأرض (الوطن)، واللغة، والثقافة، والتاريخ، والمطامح، والآلام، والجهاد المستمر، والمصلحة المادية والمعنوية المشتركة، باعتبارها العناصر الأكثر جوهرية. وإن هذه القومية ليست وليدة الحاضر، بل لها تاريخها العريق في الشعور والوعي. وقد كانت مصدر صعودهم التاريخي، وبالتالي هي مصدر نهضتهم الحديثة أيضا.

أما العربي فهو كل من يتكلم العربية ويعتبرها لغته الأم وينتمي إليها طوعا. والبلاد العربية هي جميع الأراضي التي يتكلم سكانها اللغة العربية. ويحدها شمالا جبال طوروس والبحر المتوسط، ومن الغرب المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومن الجنوب بحر العرب وجبال الحبشة وصعيد السودان والصحراء الكبرى، ومن الشرق جبال تشتاكو والبختيارية وخليج البصرة. أما الجزر القريبة من الشواطئ العربية والتي يسكنها العرب فهي عربية. من هنا رفعه لفكرة الانتماء العربي إلى مصاف المرجعية الكبرى وتحريم كل ما يتناقض معها من طائفية وعنصرية وطبقية وإقليمية وقبلية وعائلية وأشباهها. من هنا أهمية العمل من اجلها بغض النظر عن المكان والحالة الاجتماعية والانتماء الفكري والسياسي. مما يستلزم بدوره تنوع أساليب العمل وتوّحد غايتها. مما يحدد بدوره أهمية التنظيم والتنسيق من اجل بلوغ الوحدة والدولة القومية الحديثة والتقدم الشامل.

لقد كانت هذه الصيغة التعبير الوجداني السياسي الذي يرتقي إلى مصاف الحدس القومي. بمعنى انه يعبر عن الحالة الوجدانية والرؤية السياسية الآخذة في النمو والتبلور تحت تأثير الصيرورة الجديدة للدولة العربية الجديدة ونمو فكرتها القومية الحديثة. وشأن كل صيرورة من هذا القبيل لا تخلو من تأثير التاريخ العريق المتغلغل في كل مسام الوعي التاريخي والروحي. من هنا محاصرتها الذاتية بين تاريخ واضح جلي وواقع لم ينتظم بعد. من هنا بدائل المستقبل الجلية، ومن ثم صعود الفكرة السياسية الأيديولوجية، بوصفها البديل الأكثر صلابة وثقة ويقينا وإيمانا بما ينبغي. لكن الصيرورة التاريخية عادة ما تتلذذ بمكرها العقلي مع فكرة الواجب واللازم لكي تصنع منهما مع مرور الزمن مقولات قابلة للتنظيم في بدائل أكثر واقعية وعقلانية. وعادة ما يبدأ ذلك بصعود الفكرة النقدية لينتهي بادراك الحكمة في ما جرى ويجري. ومن ثم وضعها في أساس الرؤية المستقبلية.

 

في نقد حالة الفكرة القومية

وقد تهذبت هذه الصيرورة الخشنة بالنسبة لقسطنطين زريق (أو هذا النمط من التفكير والفكرة) في مرحلة ما بين النكبتين (1948 و1967). وليس مصادفة أن تظهر أغلب كتبه النقدية وملامح الرؤية الفلسفية التاريخية بأثرهما. من هنا البحث في (معنى النكبة) و(أي غدٍ) نريد و(النكبة مجددا)، أي تبلور ملامح وعناصر ومفاهيم واتجاهات الرؤية النقدية ما بين أعوام 1948 -1967. الأمر الذي جعل من الفكرة القومية وجها آخر لهذه الحالة. ذلك يعني أن الحصيلة الفكرية الجديدة تكون قد مرت بدهاليز الرؤية السياسية والأيديولوجية بوصفها المرحلة ما قبل النقدية. إلا أنها مع ذلك لم تنف عناصرها الجوهرية الأولية كما هي. لقد جرى إعادة تأسيسها بمعايير فلسفة التاريخ. أو على الأقل انه جرى نقدها وتمحصيها وتأسيسها النظري بخليط من الفلسفة وعلم التاريخ الواقعي.

وليس مصادفة أن يأخذ قسطنطين زريق بالحديث عن "تاريخ" القضية القومية. فنراه يشير إلى أن الحركة القومية بدأت بفكرة الاستقلال السياسي وتوقفت عندها. بينما المهمة الجوهرية الآن تقوم في تحديد ماهية القضية القومية 2. فإذا كانت الفكرة القومية وحركاتها قد جسدت الكثير من الانجازات، وبالأخص دخول مصر العالم العربي بعد استقلالها، إلا أن القومية واجهت انكسار بعد النكبتين بحيث أصبح الشعار المرفوع هو "المطالبة بانسحاب القوى الإسرائيلية المحتلة". وحصر أسباب هذا الانتكاس في اثنين. الأول وهو انتشار وغلبة الفكرة الاشتراكية، والثاني هو ضعف المجتمعات العربية.

فقد وجد قسطنطين زريق في انتشار الفكرة الاشتراكية مظهرا من مظاهر انحسار الفكرة القومية الذي لم يكن معزولا عن ضعف وجود برنامج إصلاحي يهدف إلى فك القيود الداخلية ومكافحة الظلم الاقتصادي والاجتماعي. مع ما ترتب عليه من استعداد لقبول ومن ثم تغليب فكرة الصراع الطبقي على وحدة الأمة3 . أما السبب الثاني فيقوم في "أن القومية لم تظهر في المجتمعات البدائية" كما استنتج زريق. وبالتالي عجز الدعوة القومية عن أن تحدث في المجتمعات العربية التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري الذي يكفل لها البقاء والارتقاء، ومن ثم يتيح للولاء القومي التغلب على الولاءات الأخرى وأن يصهرها في ولاء شامل4 . (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنانبي

............................

قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص24

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، بيروت، دار العلم للملايين، 1967، ص27.

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص29.

قسطنطين زريق: معنى النكبة مجددا، ص30.

 

 

ميثم الجنابيالثقافة التاريخية والفكرة القومية

 وجد زريق في "الثقافة التاريخية" القوة الفكرية والروحية القادرة على توحيد الشخصية الفردية والاجتماعية والقومية بمعايير الرؤية العقلانية والإنسانية. وذلك لأنها تشكل أساس الاختبار العقلي والنقدي لتجارب الأفراد والأمم والثقافات. فهو الأسلوب الضروري الذي يجعل من الذات الفاعلة والعاقلة جزء من كل حلقات السلسلة الضرورية للوجود الإنساني. من هنا حديثه عن أن هذه الثقافة تؤدي إلى أن يشعر المرء ويدرك نفسه باعتباره فردا وأبن أمة وعضو أسرة عالمية. ومن ثم يضعه ويضع المجتمع والأمة ككل أمام إشكاليات التقدم والحضارة والحرية والعقل والإنسان والكون وما وراء الكون، أي كل ما يشكل قضايا الوجود الإنساني العام. مع ما يترتب عليه من إدراك "ما له وما عليه، وما للأجيال السابقة واللاحقة" كما يقول زريق. وتنعكس في هذه الرؤية والمواقف شعور بالكرامة الظاهرية والباطنية، الفردية والقومية والإنسانية العامة. وليست هذه بدورها سوى الصيغة المعبرة عن رقيه ورقي الأمة الفكري والثقافي. فالشعور بكرامة الإنسان وحرمته هو من أبلغ الأدلة على رقي الفكر وأصالة الثقافة، كمال يقول زريق. ووجد في هذه الخاتمة المقدمة الضرورية لما اسماه بتقوية الأصالة الفردية والقومية والإنسانية. أما الحصيلة النهائية لكل ذلك فهو إرساء أسس الإطلاق والتحرر، أي الحرية والإبداع الأصيل.

إننا نقف هنا أمام حصيلة نظرية ومجردة عامة تقول، بأنه حالما تبلغ "الثقافة التاريخية" في موقفها وفهمها للتاريخ درجة معرفة النفس ونقدها، والتحرر من كل ما يقيدها بهذا الصدد والمسار، والعمل من أجل بلوغ غايتها المتسامية وآثارها المنشودة في فهم الحياة وحقيقتها، حينذاك تصل إلى درجة "حكمة الثقافة التاريخية نفسها"[1]. ولا يعني هذا بدوره سوى جوهرية الوعي التاريخي الذي يرتقي إلى مصاف الإدراك العقلي الشامل لإشكاليات التاريخ، بوصفه إدراكا عقلانيا وعمليا.

فمن الناحية الظاهرية لا يعني الوصول إلى "حكمة الثقافة التاريخية" باعتبارها ذروة "الثقافة التاريخية"، سوى الوجه المباشر لفقدانها في الوعي العربي التاريخي العام والقومي الخاص. لكنها في الوقت نفسه مؤشر على ضرورتها بالنسبة للوعي القومي وتحدياته لمختلف إشكاليات التقدم والحضارة والحرية والعقل والإنسان والكون وما وراء الكون، ومن ثم إشكاليات الحضارة ككل. ومن حصيلة هذين الجانبين يمكن التوصل إلى أن الفكرة المتحركة في رؤية قسطنطين زريق للتاريخ والثقافة التاريخية والحكمة ليست إلا الحلقات الضرورية في الكشف عن حلقات أو أسباب الخلل في الكينونة العربية القومية الحديثة.

إن فقدان هذه الحلقات بوصفها سلسلة واحدة في الوعي النظري والعملي هو الذي أدى ويؤدي إلى تراكم النكبات وعدم الخروج منها. الأمر الذي يجعل من فقدان "الثقافة التاريخية" الحقيقية وبالتالي عدم بلوغ حكمتها، الوجه الآخر لفقدان الوعي التاريخي الفعلي بالمعاصرة، أي فقدان الإدراك الشامل لمعنى وحقيقة الحضارة الحديثة والعيش والعمل والإبداع بمعاييرها. من هنا استنتاجه النظري والعملي القائل، بأن "تكوين هذه النظرة الحضارية عند الشعوب العربية يساعدها على إدراك المعاصرة ومواجهة تحدياتها"[2]. ذلك يعني، أن القضية الحضارية من وجهة نظر زريق هي الوجه الآخر لقضية الحكمة العقلية للثقافة التاريخية. وهذان بدورهما ليس إلا وجهان متحركان لغاية الفكرة القومية الحديثة وفاعليتها الذاتية أو التلقائية. وبالتالي، فإنهما وجهان لقضية الأصالة بوصفها وعيا تاريخيا قوميا ذاتيا.

 الفكرة القومية وقضية الأصالة والحداثة

 توصل زريق في مجرى تحليله لهذه القضايا والجوانب والمستويات إلى انه متى كانت الحضارة حية ناشطة، كما كان الحال بالنسبة للحضارة العربية الإسلامية على سبيل المثال، جاء تفاعلها مدعاة للنمو والإثمار. وبالعكس متى كانت الحضارة ضعيفة أو منحلة، كما هو الحال بالنسبة ط"للعالم العربي الحديث وغيره من المناطق، فإنَّ "أثر المفاهيم الجديدة يزيد من انحلال الحضارة، وقد يؤدي إلى زوالها"[3]. وليست هذه النتيجة سوى الصيغة النظرية المبنية على أساس تأمل ونقد الحالة التاريخية للعالم العربي الحديث في ما يتعلق بإشكالية الأصالة والتقليد. غير أنها مرفوعة إلى مصاف الأبعاد العقلانية الشاملة للقضية القومية الحديثة.

لقد أراد قسطنطين زريق القول، بأنَّ إشكالية القومية العربية الحديثة هي إشكالية الأصالة. وأن إشكالية الأصالة هي إشكالية الوعي التاريخي، وأن إشكالية الوعي التاريخي هي إشكالية حضارية. وبالتالي، فإنَّ إشكاليات القومية العربية الحديثة هي إشكالية الحداثة في فهم الأصالة والتاريخ والحضارة. لكنها حداثة الوعي الذاتي أولا وقبل كل شيء، أي أصالة الفكرة القومية بوصفها وعيا تاريخيا حضاريا جديدا. ووضع هذه النتيجة في مقدمة إدراكه لقيمة وأهمية تحديد ماهية فكرة الحضارة بالنسبة للعالم العربي.

إن وضع إشكالية الحضارة في أساس الرؤية التاريخية يحتوي على محاولة وضع فكرة "الأصالة" القومية في إطارها الفلسفي الثقافي. من هنا فكرة زريق عن أن قضية الحضارة هي القضية الكبرى في عصرنا، بل وفي كل عصر، لأنها الحيز الذي تنبثق منه وتنتظم فيه مختلف القضايا القومية والإنسانية[4]. وبهذا تصبح فكرة الحضارة التجلي الأكثر نظاما وقيمة بالنسبة للرؤية التاريخية. وحاول زريق تأسيس ذلك من خلال الفكرة القائلة بنفوذ الحضارة إلى عالم القيم. بمعنى أنها تنفذ إلى عالم القيم، التي بمساعدتها يمكن مواجهة مفاهيم أساسية مثل التقدم، والحرية، والكسب العقلي، والإبداع الفني، والخير الفردي والجماعي، وما إلى ذلك. من هنا أهمية وقيمة "النظرة الحضارية" و"التفّهم الحضاري"[5]. إذ بدونها يستحيل إدراك المعاصرة ومواجهة تحدياتها الحاضرة والمستقبل. أما مقاييس هذه النظرة الحضارية والتفهم الحضاري، فقد أرجعه قسطنطين زريق إلى ما يمكن دعوته بالعقل المبدع أو الخلاق. بمعنى أنه سعى إلى رفع معايير الثقافة التاريخية إلى مستوى أوسع قادر على شمول الميادين الكبرى للحضارة بشكل عام والمعاصرة بشكل خاص. وحصر هذه المقاييس بكل من القدرة التقنية والقدرة النظرية (من المعرفة المكتسبة)، والإبداع الأخلاقي والإبداع الجمالي (من دين وفلسفة ونظم مؤسسات وآداب وفنون)، والحرية الفكرية وانتشار المكاسب، والإبداع والتحرر[6].

ووجد في القدرة التقنية، والذخيرة العلمية الخالصة، والقيم الخلقية، والابتكار الفني والأدبي فروعا لأصل واحد، أو مظاهر لعقل واحد هو الإبداع. بحيث جعل من الإبداع تعبيرا عن التحرر ومقياسا له في الوقت نفسه. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الإبداع بمقدار التحرر، وثمرته الكرامة. وبهذا يكون قسطنطين زريق قد جعل من حلقات الإبداع – التحرر– الكرامة سلسلة الدورة الدائمة لحقيقة الحضارة الحالية وعقلها الفعال.

وعندما حاول تطبيق ذلك على العالم العربي وموقعه في الحضارة العالمية ومواجهة تحدياتها، نراه يعتبر مشكلة التخلف هي مشكلته الأولى. ولعل ضآلة السيادة على الطبيعة ومواردها، وهزال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي المظاهر الأكثر جلاء لها. وأعتبر كل ذلك نتاجا لركود العقل وفقدان الفضائل الفردية والاجتماعية التي تكونت في التراث العربي الخاص[7]. بمعنى أنه نظر إلى نقد الذات من خلال إدراك العُقد التي تعيق التحرر الفعلي الشامل، باعتباره الأسلوب الضروري للتقدم والرقي الحضاري. لكنه أبقى في الوقت نفسه على جوهرية ما يمكن دعوته بالمعاناة الذاتية القومية في البحث عن وسائل وطرق ومستويات ونوعية الرقي الحضاري. من هنا يمكن فهم موقفه المعارض للفكرة القائلة بالدوران المطلق للحضارة. وكذلك موقفه المعارض للفكرة القائلة باتجاه الحضارة نحو غاية معينة تقدميا أو رجعيا. ووقف إلى جانب الفكرة الوسط القائلة، بأنَّ "التاريخ يعيد نفسه بمعنى، ولا يعيد نفسه بمعنى آخر"[8]. وليس ذلك في الواقع سوى الصيغة المعبرة عن محاولاته للجمع بين فكرة الأصالة والعقلانية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص173.

[2] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، بيروت، دار العلم للملايين، ط4، 1981، ص21. الطبعة الأولى عام 1964)

[3] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص140.

[4] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص7.

[5] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص18-19.

[6] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص260-286.

[7] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص389.

[8] قسطنطين زريق: في معركة الحضارة، ص168-169.

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (7)

إن الإنسان يولدُ على صفحة التعادل بين الإيمان بإله والجهل بذلك في محطة اسمها (اللاأدرية)، ولكن ميلَهُ الداخلي الذي يتحدى كل ممانعته كانَ إلى الإيمان، وهذا ما جعله يبحثُ دائماً عن سندٍ  يواجه به خوفه من نفسه ومن الكائنات حوله وهو الإله بواسطةٍ هي الدين في طريقةٍ وزع بها رجاءه على أكثر من إله لأكثر من ظاهرة وعلى نحوٌ عَدَد فيه الإله الواحد على آلهةٍ. وإستناداً إلى هذا الميل الداخلي إلى الإيمان سنناقش الكيفية التي يُحقِقُ بها الإنسان هذا الإيمان.

الإيمان في نظرة المدارس النفسية: إن مدارس علم النفس المختلفة ومنذ نضوجها وإعتمادها خطاً خاصاً بكل منها لم تغفل إعتقاد الإنسان وعلاقته بالكون. إنها  حاولت أن تُفسر هذه العلاقة لأنها وجدت أن مسيرة الإنسان المتمثلة في عقله وعواطفه وسلوكه لا تكتمل ما لم يكتمل الجانب العقيدي.

نظراً لاختلافها عن بعضها في فحص هذه العلاقة فإننا سنشير إلى طريقةِ  كُل من ثلاث مدارس كبيرة في هذا العلم بما يخص إيمان الإنسان بالرب الذي يؤمن به وبقدرته، ونعني بها:

أ‌- المدرسة السلوكية

ب‌- مدرسة التحليل النفسي

ج- مدرسة الجشتالت (المدرسة الشكلية)

أ‌- المدرسة السلوكية: إنطلاقاً من قانون هذه المدرسة الذي يقوم على التعلمLearning  بأنواعه: التطبيعيConditioning، والملاحظات  Observational، والمقارن Comparison، يُنظر إلى الإيمان فيها بأنه نوع من التعلم، شأنه شأن أية حقيقة تدور حول الفرد وتُلح عليه في ضرورة معرفتها. وعلى وفق هذا النوع من الإيمان يُصبح الفرد متلقياً لإيمانه من مرشد آخر أو مُعلم كثيراً ما تقوم الأسرة بتمثيله.

هنا يُصبح الفرد في إيمانه تابعاً لغيره وطريقته في تعليمه إياه. وفي الدين الإسلامي يُشير الرسول الكريم محمدﷺ  إلى أن الفرد يُولد على الفطرة، إنما أبواه هما اللذان يُهودانه أو يُنصرانه.

هذا الحديث الكريم لا يُشير إلى الإيمان موضوعاً بحد ذاته إنما يُشير إلى الطريقةِ التي يُعلمُ بها الفرد طريقة وصوله إلى هذا الإيمان وهي الدين، تبعاً لدينين سماويين كريميين هما اليهودية والمسيحية، سبقا الإسلام ظهوراً.

وعندما يُشير هذا الحديث إلى الآلية في تَعلم الدين إرتقاءاً إلى معرفة الله، يفترض أن التعليم يبدأ في الصِغَر (ربما هذا فهمي المتواضع للحديث الكريم) ولكننا نطمع أكثر في تفسيره أو تأويله فنشير إلى هذا التعلم (من مُلقِن إلى مُلَقَن) لا يمنع الفرد لاحقاً من الإنقلاب على ما سبق أن تعلمه مُمثَلاً في تغيير الفرد دينه في كِبرَه.

إن هذا يحدث دائماً (قليلاً أو كثيراً) ليُوضح لنا حقيقتين لا مناص من ذكرهما:

1- حياتية موضوع الإيمان الذي لا يتغير حتى لو تغير الدين.

2- حياتية الدين في قبول إنتقال الفرد إلى دين آخر لأن موضوع الإيمان يعتمد على المجتوى أكثر من إعتماده على الآلية أو الكيفية عن الإطار النهائي لمفردات الإيمان.

إن سؤالاً  عن الذي قلناه جديرٌ بالظهور: هل يعني مفهوم هذه المدرسة عن طريقة نشوء الإيمان أن الإنسان آله صماء يتم تصنيعها وتصديرها إلى العالم الخارجي كيفما  أراد المُصنع؟ إجابة عنه نقول: أن تعليم الإنسان الفكر يختلف عن تعليم الإنسان السلوك.

فالسلوك ناتج من نتائج الفكر، والمُفكر (أساسُه التفكير) قابلٌ للتغير بسهولةٍ تفوق ثوابت السلوك. هنا تبرز حقيقة  أن الإنسان وعلى الرغم من تصنيعه في المدرسة السلوكية يظلُ مالكاً لحصته الخاصة في التًمرد على ما تعلمه.

ب‌- مدرسة التحليل النفسي: تعتمد هذه المدرسة على توجهات المُنشىء الأول لهذه المدرسة (سيغموند فرويد) وأتباعه. إنها تنظر إلى الإنسان على أنه الناتج النهائي (فكراً وسلوكاً وعواطف) لمجموعة العوامل التي أسمهت في طفولته الأولى والثانية ومرحلة المراهقة حتى سن النُضج (ونعني بها سن الثامنة عشرة التي لم يعرف الباحثون لماذا سُميت بسن الرُشد).

بناءاً على هذا التصور الذي قدمتهُ هذه المدرسة، يقوم الإنسان في إيمانه على أسس صورته هو، تكوينه هو، وليس على أساس ما يُلقَن به، فيأتي الإيمان حصيلة جهده التي لابُد من أن تُثمر إيماناً أو إلحاداً.

إن مدرسة التحليل النفسي لا تخلو، إن لم تكن تعتمد، من الإستناد إلى ما عاناه مؤسسها فرويد من خصوصية تصوره هو في موضوع الإيمان، لأن منظورات هذه المدرسة تنطلق من الخبرة الفردية السريرية أكثر من إنطلاقها من مبدأ الإحصاء.

بذلك تُعد مدرسة التحليل النفسي كأنها (مدرسة تحليل نفسية فرويد)، وهذا ما يشير إلى نظرتها إلى الإيمان نظرةً متأرجحة بين الشك واليقين، بين التصديق والتكذيب، وبين الفردية والجمع.

ولكي نحدد هدفنا من أقوالنا هذه نحاول أن نُحاصر الموضوع بالكلمات على النحو الآتي:

1- ترى هذه المدرسة أن ظروف نشأة الفرد (طفلاً ثم يافعاً) مسؤولة عن إنتاج فرد مؤمن أو مُلحد. لا تعني بذلك أن المدرسة هذه تتفق مع المدرسة السلوكية في ضرورة تعليم الفرد إيمانه من مُعلم لأنها ترى أن المعلم ليس أسرة أو مُعلماً أو مرشداً بل أنه الطفل واليافع نفسه، الذي سيكون علاقته بالإيمان قبولاً أو رفضاً.

2- ترى هذه المدرسة أن الطفل الذي (يُربى) في كنف أم مسيطرة قاسية سينشأ رجلاً مستسلماً يتلقى حتى إيمانه تلقياً خائفاً.

3- ترى هذه المدرسة أن أمراض النشوء المُبكر في حرمان طويل الأمد من حنان أبٍ قاسٍ مُستبد مسؤولة عن إنشاء طفلٍ مُتمرد على صورة الله التي قدما أب بهذه القسوة.

4- ترى هذه المدرسة أن طقوس الدين الذي هو وسيلة هي عادات لا يفهم مغزاها ممارسُها فيثور على دينه وبذلك يثور على إيمانه.

5- ترى هذه المدرسة ان الإنسان في بواكيره يرسم للإله الذي آمن به صورةً قريبةً من إيمان يصنعه هو. فالذهاني يرى في إلههِ أن هذه الإله اختاره دون سواه من أقرانه رجلاً مُختاراً مصطفى، ومريض الوسواس القهري يرى في إيمانه حالةً من حالات القبول والرفض، والتصديق والتكذيب.

ج. مدرسة الجشتالت (المدرسة الشكلية): ترى هذه المدرسة أن الكُل في أية ظاهرة، ومنها ظاهرة الإنسان، لا يساوي بالضرورة حاصل جمع أجزائهِ. فالتلاميذ في الصف المدرسي (وفيهم الذكي المتفوق والتلميذ الأقل القريب من بطء التعلم) لا يساوي ذكاؤهم حاصل جمع ذكاء أفرادهم لأن القضية لا تعتمد على التراكم.

وعندما يُلقي المعلم الدرس على هؤلاء التلاميذ يصير مُلزماً بالتعامل مع التلميذ الأوسط في قدراته حيث يفهمه المتفوق بالنزول عن شيءٍ من قدراته ويفهمه الأدنى بتصعيد المزيد من قدراته ويحصل الأوسط على حصته الدسمة لأنه يمثل الحالة الوسطى.

في موضوع نظرة هذه المدرسة إلى الإيمان، نودُ أن نُشير إلى أنها تعتمد أصلاً على قاعدته (إغلاق الدائرة الفكرية في أي موضوع لكي لا تتركه سائباً).

الإنسان في هذه المدرسة يبحثُ عن الماهية في الظاهرة مُمثلة بظهور الفكرة ثم خضوعها لعوامل (المقاربة، المقارنة، التشابه، المفارقة ثم الإغلاق). والإنسان المُلحد هو الإنسان السائب بلا نهايةٍ يستقر عليها تفكيره. وفي الأديان السماوية تتحقق عملية الغلق فالإنسان كائن: (يُولد ← فيعيش ← فيترُك أثراً ← فيموت ← فيلتحق بالله). عملية الغلق هذه تتم بمشيئة الله عند المؤمنين من أتباع هذه المدرسة فيما تتم بمشيئة موت البايولوجيا عند المُلحدين من أتباع هذه المدرسة.

***

عوامل نشوء الإيمان: سنقصر نقاشنا في فحص العوامل التي تُسهم في ظهور الإيمان، إستكمالاً لموضوعنا في كيفية نشوئه، على عاملين أساس في هذا النشوء:

أ‌- العامل النفسي .  ب . العامل الإجتماعي.

أ‌- العامل النفسي: لا يوجد إنسانٌ سعيدٌ وهو يتخذُ من عقله حلالاً لكل مشكلاتِه ومن نفسهِ مرجعاً وحيداً للطمأنينة.

إن أسعد إنسان (على فرض تمكنا من وضع تعريف كامل للسعادة) هو من يُفوضُ أمر المستعصي منه في حياته إلى القوة العظمى : الله. لا يُوجَدُ إنسان لم يقلق يوماً  أو يمُر بأعراض إكتئاب وهو يملك عقلاً يفكر أو نفساً تتأمل.

ويُعفى من هذا الشقاء المجنون، والطفل، والمتخلف عقلياً. إن نواة القلق هي الخوف. وأكبر مخيف هو الموت. فلكي نُحقق شيئاً من السعادة علينا أن نأخذ استراحةً من الحالات الآتية:

1- قلق العيش

2- الطمع في الحياة

3- التفكير في الموت

إن هذه المفردات صعبةٌ جداً في التعامل معها. إن القول المأثور (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ولآخرتك كأنك تموت غداً) قولٌ جميلٌ على مستوى التصور ولكنه قولٌ صعبٌ على مستوى التطبيق. السعادة في الفرد لا يمكن صُنعها إطلاقاُ لأنها شعور داخلي لا يخضع للهندسة.

إذن علينا أن نلتفت إلى هذا الشعور الداخلي في كيفية نشوئه. إن المفتاح الذي يفتح باب الخلاص هو القناعة. إن هناك خيطاً دقيقاً يفصِلُ بين القناعة واليأس. والخلاص من اليأس لا ينشأ إلا من فهم حقيقة واحدة وهي الإيمان بأن هذه الحياة لا تُمثل النهاية لأن حياة أخرى ينتظرها الإنسان.

إذا آمن الفرد بأنه تلميذٌ مُنح فرصةً لقراءة دروسه التي سيُمتحن بها لاحقاً استطاع أن يتعامل مع هذه الفرصة (عمره) بشي من : القلق الموجب المُحرض على الإخلاص في القراءة، وبشيء من الإيمان بالموت بأنه عبور إلى قاعة الإمتحان وبشيء من اليقين بأن الإمتحان هو الفيصل بين جودة قراءته وردائتها.

ومجرد إيمان الفرد بالحياة الثانية سيحمل إليه الإيمان بالله. إن كل الأديان الصغرى (غير السماوية) التي نادت بأن هذه الحياة هي كل شيء للإنسان لم تُحقق للإنسان خلاصاً من القلق، لأنه سيقلق إذا لم يكسب المال وسيقلق لأنه لم يتسنم الوظيفة الأعلى وسيقلق لأنه لم يكن جميلاً أجمل من غيره وسيقلق لأنه سيموت فاقداً حياةً لم تتكرر.

وفي مقابل الإيمان بالفناء المحتوم في هذه الدنيا يبرز طمع الإنسان في الخلود ونسأل هذا الإنسان الطامع في الخلود: هل فكرت يوماً بالرتابة؟ إن من بين أبرز الأسباب لظهور الإكتئاب عند الإنسان هو شعوره برتابة حياته، والخلود رتابة.

وبمثل هذا التصور يُعدُ العامل النفسي سبباً في نشوء الإيمان الذي سيُخلص الفرد من:

1- الخوف من الموت: ويعرف الأطباء النفسيون أن من بين المعايير التي يجب توفرها لتشخيص حالة الإكتئاب معيار الشعور بالموت القريب.

2- إعتلال الشخصية: فالإيمان يُشعرُ الإنسان بأن لا قوة على الأرض تستطيع أن تُشعر الإنسان بالتبعية لمخلوق وبالأصغرية أمام قوة من القوى إذا كان مؤمناً بأن لا قوي إلا الله.

ب‌- العامل الإجتماعي: وفي الميدان الإجتماعي نستطيع أن نُعدد المرافق الآتية أسباباً لنشوء الإيمان:

1- الأسرة: على الرغم من وجود الإستثناءات القليلة التي أفرزت ظهور مؤمنين من أُسر مفككة ممزقة معتمدين على فروقهم الفردية عمن أنجبهم من آباءٍ تظلُ الأسرة أول مرفق إجتماعي يزرع في الإبن الإيمان بالخالق. إن وجود الأسرة المؤمنة يصير سبباً لاحقاً لإلقاء اللوم والتثريب على من ينحرف من الأبناء عن سكة الصواب في تلك الأسرة.

2- الإقتصاد: يُعد الفقر سبباً من أسباب الكفر بالخالق وفيه الإلحاد. إننا لا ننسى حالات الترف المادي التي أدت بالمترفين إلى الإنزلاق عن جادة الإيمان لكن هذا قليلٌ إذاما قورن بالحالة الأولى.

ومن بين الأسباب التي تجعل من الفقر كفراً  وجود الناس الذين ينظرون إلى المال والحصول عليه بأنه نعمةٌ ذهبت إلى من لا يستحقها فيظهر الشعور بالغُبن في التوزيع وهذا إخلال بالإيمان الذي لا يقوم على أساس أن الله واحدٌ حسب إنما على أنه الواحد العادل المنصف الحكيم الذي لا تُدركُ حكمته العقول ولا يعرف (لامحسوسه) صاحبُ الحس المباشر.

إن المال يبني مجتمعاً مدنياً متمدناً مُرفهاً لكنه لا يبني بالضرورة إنساناً فاضلاً والتمدن ليس سبباً للإيمان مقارنةً بالفضيلة التي هي أساس الإيمان. إن المجتمع الذي يُميز بعضاً من أبنائه بالمال وينظر بأصغريةٍ إلى المحرومين منه يُعزز ظاهرة الثورة على العُرف الإجتماعي ومغادرة الإيمان بالعدالة السماوية التي لم تنتقم لهؤلاء المحرومين ممن أهان تلك العدالة. وبذلك يجعل المجتمع عامل الإقتصاد سبباً في التقليل من حالات الإيمان.

3- الإعلام:  ونخصُ بالذكر هنا الإعلام الصحيح في مرئيهِ ومسموعهِ ومقروئهِ، المبني على التربية الصحيحة للجيل الغض من الشباب وتقويم رؤيته إلى الميلاد والوجود والموت.

إن كتب التربية إعلامٌ من نوع مدرسي خاص لها دور كبير في إشاعة الإيمان في صدور التلامذه. ونأسف لبعض هذه الكتب التي تُقدم الإيمان في صورة من صور التخويف والوعيد لتجعل الله رمزاً من رموز المعاقب المنتقم وهذا ما يخالف المطلوب من الإيمان المبني على الحب والقرب من إله رحيم.

4- نوع الدين: قررنا في أكثر من موضع أن الدين هو الوسيلة الكبرى التي تقود إلى الإيمان. والأديان الوضعية عبر كل تاريخ الإنسانية هي ناتج ما يتصوره المجتمع حول الخالق. هنا تُصبغُ ثقافة المجتمع أديانها الخاصة بصبغتها.

ففي مجتمعات العنف وثقافة القوة تنشأ أديان يكون فيها الإله جباراً عنيفاً مُمثلاً في الرعود والزلازل والبراكين والحيوانات المفترسة القاتلة.

أما في مجتمعات ثقافة الذل والخضوع الت تُصلي للأقوياء فيها من رجالها فإن الدين فيها يُقدم الفرد موالياً لخوفه وخاشعاً للقوة التي قهرت إرادته. على هذا الأساس أصبحت الأديان السماوية التي قدمت الله إلهاً للرحمة والعفو وعقوبة المسيء مثالاً للوسيلة الصادقة في إنشاء الإيمان الصحيح.

***

الشخصية والإيمان: لقد أوجد علم النفس تصنيفات للشخصية الإنسانية ودرج على التعامل مع أنواعها بالمزيد من الدقة الفاحصة لإختلافات سلوكها. ومن الأنواع المشهورة من هذه الشخصيات:

أ‌- الشخصية الغير  الإجتماعية (الشخصية السيكوباتية).

ب. الشخصية الإكتئابية.

ج. الشخصية الرحامية (الهستيرية التحولية).

د. الشخصية الحافية (Borderline P.). (تُسمى أيضاً الحدية).

هـ. الشخصية الوسواسية القهرية.

و. الشخصية النرجسية.

ز. الشخصية الذهانية(Schizotypal).

ح. الشخصية المحجمة المهاجمة (Passive –aggressive p.).

ط. الشخصية العصابية.

ونحاول الآن أن نفحص نوع الإيمان في كل من هذه الأنواع من هذه الشخصيات وعلى وفق الجدول الآتي:

أ‌. الشخصية الغير الإجتماعية (الشخصية السيكوباتية) بنوعيها:

نوع الإيمان: العدواني والمبدع إيمان زائف، ذرائعي، يُستخدم كغطاء لتمرير الألاعيب السلوكية التي تخدم مصلحة هذه الشخصية المريضة. إيمان لا يقوم على الندم في عمل أي شيء سيء. ويتميز نوعها المُبدع (Creative) بقُدرته على إتخاذ الإيمان وسيلة لخدمة غرض أرضي شخصي لا يدوم بل يزول بزوال الغرض.

ب. الشخصية الإكتئابية.

نوع الإيمان: إيمان سوداوي يسوده التشاؤم والنظر إلى الخالق بعين اليأس من رحمته وفقدان الأمل في الحصول على معونتهِ ورعايته.

ج. الشخصية الرحامية (الهستيرية أو التحولية).Convertive p) (

نوع الإيمان: إيمانٌ قلقٌ متغير حسب الظروف التي يمرُ بها الرحامي، فهو إيمان قوي في لحظة وضعيف مُتهاوٍ في لحظة أخرى.

د. الشخصية الحافية (Borderline P.).

نوع الإيمان: إيمان مليءٌ بالتقلبات التي تُحدثُها نوبات الذهان العقلي. صاحب هذه الشخصية يؤمن إيماناً يختلف فيه بإختلاف  تأرجحه بين صفحتي العصاب والذهان.

هـ. الشخصية الوسواسية القهرية.(Obsessive compulsive P.)

نوع الإيمان: إيمان وشك متناوبان. ما يُصدقه صاحبها اليوم يُكذبه غداً. وصاحب هذه الشخصية ضحيةٌ دائمة لإيمانه المؤقت وشكه المتكرر. وصاحب هذه الشخصية عُرضة للإيحاء والتأثر بما يسمعه من غيره ويقرأه في إعلام.

و. الشخصية النرجسية

نوع الإيمان: إيمان يُشبع في صاحب هذه الشخصية غروره بنفسهِ. فهو يعتبر إيمانه إمتداداً لهويته هو وعلى وفق ما يُمليه هواه الشخصي.

ز. الشخصية الذهانية(Schizotypal).

نوع الإيمان: يرى في إيمانه تجسيداً لذاته أكثر منه تجسيداً لذات الله. إنه يُفسر وجود الله خدمة للإشارة إلى أهميته الشخصية في مجتمعه وهومستعد لتفسير آيات الكون تفسيراً خاصاً به يُشبع غروره ويُفهم الأخرين بأنه مخلوق متميز. وكثيراً ما يشتط به الهوس إلى عد ذاته اصطفاء من الله له بين العباد.

ح. الشخصية المحجمة المهاجمة (Passive –aggressive p.). 

نوع الإيمان: هذا هو إيمان المنافق الذي يُعلن فيه عن إيمانه إذاكان يواجه قوة إجتماعية تُطالبه بالإيمان فيما يُظهر إلحاده إذا إختفت تلك القوة أو ظهرت ظروف مناسبة لإعتقاده ويُعد هذا النوع من أخطر أنواع الإلحاد التي تواجه صفحة الإيمان في حياة المجتمع؛ لأن الذي يكذب على الله في إيمانه مُستعد أن يكذب على نفسه وعلى مجتمعه.

ط. الشخصية العصابية (Neurotic P).

نوع الإيمان: أيمانٌ غير ناضج، يتحول من صورةٍ إلى أخرى. يتأثر بما يقرأ وتؤثر فيه ثقافة المقروء. سيد هذه الشخصية هو القلق الذي لا يجعل صاحبه مستقراً على حالة من الثبات

الإيمان المريض: على الرغم من كرهنا الشديد للإلحاد، وقانا الله شره، فإننا نعتبر الإلحاج عند فرد من الأفراد أوضح صورةً وأدعى إلى راحة البال من الإيمان المريض المهزوز عند فرد آخر، يستغل إيمانه لنواح شخصية وحياتية أُخرى. ومن أنواع هذا الإيمان المريض ما نستطيع ذكره الآن:

1- إيمان الخوف: إن الإيمان الذي يقوم على توقي الخوف من الخالق إيمان زائف لأنه يقوم على أساس الولاء وليس على أساس الإنتماء.ونلاحظ هذا النوع من الإيمان شائعاً في مجتمعات الخوف من السلطة والحاكم القوي المتسلط.

فكثير من الناس يخاف من هذا الحاكم وسرعان ما يُسقط صورة خوفه هذه على خالقه فيحاكية محاكاة المنتصر المُطالب بطاعته في المقبول والمرفوض. وهذا النوع من الإيمان يُمثل دائرة العتمة والإفتقار إلى رؤية التفريق بين سلطان الأرض الظالم القاسي وسلطان السماء العادل الرحيم.

2- إيمان الطقوس: كثيراً ما نصادف (مؤمنين) كاذبين أو جاهلين. لاحظ أيها القارىء أننا قلنا: مؤمنين كاذبين جاهلين وهذا لا يصح إلا على سبيل الإيضاح المجازي لأن الإنسان لا يجوز له أن يكون مؤمناً كاذباً أو جاهلاً في آن.

هؤلاء هم عُشاق الطقوس المتدينة وليست الدينية وإتباع الأعراف والمصطلحات الزائفة التي لا تُمثل حقيقة الإنتماء إلى الله. إن الوصول إلى الله لا يحتاج إلى وسيط ومن أمثلتهِ الطقوس.

لقد أفرز  إيمان الطقوس طبقة إستعراضية من الناس تُمالىء الآخرين بالمظاهر وتتخذ من التعبد وسيلةً لإيهام سواهم بإيمان زائف. لا يمكن أن يكون مؤمن الطقوس إلا مريضاً نفسياً بواحد من أمراض الشخصية.

3- إيمان النفاق الإجتماعي: وفيه يظهر دعيُ الإيمان شخصاً مُتبتِلاً منقطعاً عن الآخرين بالنوافل دون الفروض وبالإستعراض في الملبس والهيئة دون صلابة الداخل وإستقراره.

4- الإيمان المٌسيء إلى القضاء والقدر: كثيراً ما يُخطىء بعضهم في فهم القضاء والقدر على أنه مشيئةٌ لاغية لجهد الإنسان ومثابرته، فيتنازل صاحب هذا الفهم عن حصة (الاختيار) في الجيد من السلوك والإبتعاد عن الخطأ معتبراً أن الشر والخير من الله فينشأ بذلك إتكالياً منهزماً لا رأي له في شيء. إن القضاء لا ينفذ في الإنسان إلا بعد أن يستنفد طاقته في المحاولة.

***

الدوال النفسية على الإيمان: إن الفحص النفسي للفرد الذي يُجربه أطباء النفس في عياداتهم يُفًصح كثيراً عن وجود الإيمان أو إنعدامه في الفرد المفحوص. لقد دللت الدراسات الطبية النفسية على أن المريض الحامل لإيمان ضعيف بخالقه يُؤسسُ لصعوبة تشخيصية وعلاجية كبيرة عند المُعالج.

إن الفحص النفسي يقوم على أخذ التاريخ الكامل الشامل لذلك الفرد. وكثيراً ما يُقدم تاريخ الأسرة المرضي بما فيها من تفكك وسوء تربية أدلة على ضبابية الإيمان عند الفرد المفحوص.

وإذا أردنا  أن نفهم أفكار هذا الفرد عن الإيمان فعلينا أن نناقش تاريخ أسرته وطريقة تعليم والديه له في مجال الإيمان بالله. ويُعدُ التاريخ العدلي أساساً لمعرفة طبيعة الشخص ونوع شخصيته. فنزيل السجن ومرتكب الجرائم شخصٌ مُرشح للشك في أمر إيمانه.

إن ثقافة الفرد تُفصح عن محتويات عقله وخفايا نفسيتهِ حول النظرة إلى الله والإنتماء إليه. وحينما نفحص مظهر المريض وطريقة كلامه ومزاجه ونبرة صوته وذكاءَه وذاكرته وقدرته على الإستنتاج ومحتوى أفكاره في الوهم والصواب ومدى تعرضه للهلاوس السمعية والبصرية وطبيعة أحلامهِ ونمط سلوكه بين أقرانه، نستطيع أن نفحص كمية الإيمان الذي من مفرداتهِ الأدب الجَم في الخطاب والإستقرار في الإجابة والحياء أمام البذاءة اللفظية. بهذه الصورة يستطيع الفحص النفسي أن يُقدم صورة الإيمان في ذلك الفرد.

تعامل المؤمن مع المرض النفسي: إننا نؤمن كأطباء نفس بأن المريض النفسي معذورٌ في الكثير من أفكاره وعواطفه وسلوكهِ بما يختلف فيه عن الحالة السوية ولكن أرضية الفرد التي كان عليها قبل المرض

تظلُ فاعلة فيه على نحوٍ تتميز به عن مريض آخر.( Premorbidity)

ومن هذه الأرضيات التي نقصدها في حديثنا أرضية الإيمان. إن المريض المؤمن أساساً قبل ظهور مرضه يختلف عن المريض الملحد في الأمور الآتية:

1- الصبر: ان التعامل مع المرض بالصبر على شدته في الأعراض وزمنه في الظهور ونتائج الأمل في شفائه هو تعامل المؤمن الذي يُدرك على الرغم من مرضه بأن الصبر شيءٌ أوصى به الله الذي آمن به. وكلما كان الإنسان صبوراً فإن نتائج مرضه تكون في صالحه.

2- رفض الإنتحار: يٌعدُ الإنتحار إحتمالاً وارداً في كثير من الأمراض النفسية وعلى رأسها الإكتئاب الشديد المزمن المتكرر. لقد وجدت الدراسات النفسية الكثيرة ان نسبة المنتحرين عند المرضى المؤمنين تكاد تصل إلى الصفر. إن المريض المؤمن بالله الذي حرم قتل النفس وجعل عقوبن=ته النار في العالم الآخر يظلُ رافضاً فكرة الإنتحار مُضحياً بدنياه وسعادته المؤقته إرضاءً لله الذي آمن به.

3- عدم الإيمان بقوى الجن والسحر: إن الإعتقاد عند الناس بالمس العقلي وتأثير السحر في العقول والقلوب أمر شائع يكاد لا يخلو منه مجتمع مهما تضخمت حضارته وثقافته، لكن المريض المؤمن بالله وبكتبه السماوية لا يخضع لمثل هذا الإعتقاد لأنه يدرك سلفاً بأن هذه القوى لا تستطيع ان تفعل للإنسان خيراً أو شراً من دون مشيئة الله الذي آمن به.

4- الإنتصار على الوراثة: تُولي الأبحاث النفسية أهمية كبيرة لأثر الوراثة في إكساب اللاحق من الأفراد أمراض سابقيهم من الأقارب. إن الفرد المريض المؤمن يُقلل من هذه الأهمية ويعتمد على خالقه الي يُخرج الطيب من الخبيث كما يقول عن نفسه في كتبه المنزلة.

***

إستبيان الإيمان:  نود الآن أن نُقدم استبياناً خاصاً بفحص كيفية نشوء الإيمان وطريقة التعامل معه من الفرد لفحص حالة ثباته أو إضطرابه. إن هذا الإستبيان سبق أن طُبق على مائة عينة من المفحوصين لأغراض تشخيث المرض.

وسنضع في نهايته مديات وجود الإيمان في قوته وضعفه عندالفرد المفحوص على أساس نفسي:

السؤال          نعم     كلا

1- إيمان ناشيء من تلقين الأسرة لى وتعليمها إياي عن الخالق

2- بعد بلوغي سن الرشد (18 سنة) تغيرت قناعاتي

3- يزداد إيماني بالله في أوقات التعرض للكرب وأيام المرض

4- أتأثر كثيراً بقراءاتي للكتب الداعية للإلحاد

5- يقودني خوفي من الموت إلى الإيمان بالله

6- أميل إلى ظهوري ملحداً  أمام أقراني حباً في الإستعراض الشخصي

7- أؤمن أحياناً وأتخلى عن إيماني لأسباب غير معروفة

8- أعتبر الإيمان إستسلاماً

9- أعدُ خوفس من العقاب سبباً للإيمان

10- أعدحبي للجنة سبباً لإيماني

11- أساير المجتمع في الإيمان والإلحاد

12- أعتبر النساء أكثر إيماناً من الرجال

13- أعتبر نفسي غير مسؤول عن إيماني وإلحادي

14- أحاول الوصول إلى إدراك وجود الله بوسائل الحس

15- ـأومن أن الفتح العلمي لأسرار النفس البشرية دليل على وجود الله

16- أؤمن أن الشك يقوم إلى الإيمان بالله

ولأجل إيضاح فاعلية هذا الإستبيان اخترنا أجوبة أحد المفحوصين المائة، وندعو القارىء إلى متابعة هذه الأجوبة لنتعرف بطبيعة هذا المفحوص إيماناً أو إلحاداً.

لقد أجاب هذا المفحوص الذي إخترناه بالطريقة الآتية:

السؤال          الإجابة

رقم (1)        نعم

رقم (2)        كلا

رقم (3)        نعم

رقم (4)        كلا

رقم (5)        نعم

رقم (6)        كلا

رقم (7)        كلا

رقم (8)        كلا

رقم (9)        كلا

رقم (10)      كلا

رقم (11)      كلا

رقم (12)      نعم

رقم (13)      نعم

رقم (14)      كلا

رقم (15)      نعم

رقم (16)      نعم

***

 د. ريكان إبراهيم

 

ميثم الجنابيالعرب وإشكالية وعي الذات التاريخي

إذا كانت المصاعب والمصائب تلعب أحيانا دور الابتلاء الضروري لتنقية القلب والإرادة، فإنَّ النكبات الكبرى عادة ما تحرق الوعي لتسلّط لهيبه على مسار الوعي الذاتي. عندها يمكن للمصيبة أن تصبح سببا للإرادة الفاعلة، والنكبة مصدرا للمحبة المبتلاة بفكرة الالتزام الوجودي نفسه. وقد تكون هي الحالة الأكثر تعبيرا عن شخصية وإبداع قسطنطين زريق (1900-2000). بمعنى إننا نعثر في فكرته القومية عن انعكاس خاص لهذه الحالة.

فمن الناحية الزمنية كان قسطنطين زريق ابن القرن العشرين، أي قرن الصيرورة الجديدة للعالم العربي الحديث. أما من الناحية التاريخية فقد كان وليد النكبتين! الأمر الذي نعثر عليه في الوحدة الخفية للزمن والتاريخ، أي في رؤيته وموقفه النقديين من نكبات العالم العربي، ومقترحاته المتعلقة بمشروع البدائل الضرورية للمستقبل. وما بينهما تراكمت فكرته القومية بوصفها فكرة تاريخية ثقافية (حضارية). وفيما لو أردنا اختصار كل هذا المسار الدرامي الخفي لنظريته القومية فمن الممكن وضعه بعبارة تقول: أنه أحب قوميته زمن المصائب، وأدرك واقعها زمن النكبة، وسعى لترميم وعيها التاريخي والثقافي بوصفه الشرط الضروري لتكاملها القومي. ووجد ذلك انعكاسه وتعبيره في رؤيته الخاصة للفكرة القومية من خلال إبراز وإفراز إشكالية الأبعاد الحضارية بوصفها جوهر المشكلة القومية العربية[1]. تماما كما كان الحاتل عند مالك بن نبي، ولكن بمعايير اخرى.

وبهذا يكون قسطنطين زريق الأول من بين مؤسسي الفكرة القومية العربية بمعايير الرؤية الحضارية (الثقافية). ومن ثم وضعه فكرة الارتقاء إلى مصاف المتطلبات والتحديات التي تفرضها الحضارة المعاصرة، بوصفها الصيغة العقلانية والواقعية لإدراك معنى وحقيقة ووظيفة الفكرة القومية بالنسبة للعالم العربي المعاصر. ووجد ذلك انعكاسه في تركيزه على فكرة وعي الذات التاريخي وتأسيسها العملي.

وليس مصادفة أن يشير في مقدمة كتابه (نحن والتاريخ)، الذي وضع فيه الصيغة الأولية لأهمية الرؤية التاريخية، إلى أن ما يكتبه "ليست فلسفة التاريخ"، بل هي "مطالب وتساؤلات" دعا إليها "النظر في الواقع العربي واختباره ومجابهة المشكلات الفكرية التي تنجم عنه"[2]. بعبارة أخرى، أن الأولوية في الرؤية التاريخية تضع مهمة إدراك الموقع الذاتي في التاريخ المعاصر عبر اختبار ما فيه ومواجهة الإشكاليات الفعلية الكبرى القائمة فيه وأمامه. ومع انه أشار إلى أن ما يريده أيضا هو "محاولة تلمس الأسئلة الهامة التي تثيرها علاقتنا بماضينا"[3]، إلا أن القضية الجوهرية ظلت تحوم حول كيفية وضع التاريخ العربي المعاصر وإشكالاته في صلب الرؤية المستقبلية أيضا. من هنا إدراكه لقيمة الرؤية التاريخية. فقد كتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لابد لنا كأفراد وكأمة إذا أردنا أن نحيا من أن نجابه التاريخ"[4]. ووضع هذه المجابهة ضمن سياق التاريخ العالمي الحديث أو ما اسماه بواقع الإنسانية الحاضر. ولا يعني ذلك سوى رفع مهمة وعي الذات القومي إلى مصاف المعاصرة. بمعنى إجراء المقارنة التاريخية بمعايير الحاضر من اجل فهم الماضي والحاضر والمستقبل. ومن خلاله يمكن تحديد مهمات الوعي القومي. من هنا غلبة "المطالب والتساؤلات" على الإجابة والتأسيس النظري للتاريخ القومي. إلا أننا نعثر فيها على تأسيس خاص ومتميز، رغم بساطته، لفكرة وعي الذات التاريخي بوصفها فكرة عملية سياسية وثقافية حضارية. وضمن هذا السياق يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى النماذج النظرية الأكثر رقيا لتأسيس الفكرة القومية العربية الحديثة.

انطلق زريق في تحديده لماهية التاريخ، باعتباره "سعيا لإدراك الماضي البشري وإحيائه"[5]. ولا يعني ذلك سوى تحويل التجارب التاريخية إلى مصدر فعال بالنسبة للإحياء الجديد، أي لوعي الذات مع ما يترتب عليه من تنشيط القوى المختلفة للإصلاح والارتقاء. ووجد في صيرورة العالم العربي الحديث تجسيدا لهذه الفكرة. إذ وجد فيما اسماه بتنبه العرب لتاريخهم أحد أعظم العوامل في النهضة القومية الحديثة منذ بزوغ فجرها في القرن التاسع عشر[6].

ووضع هذه المقدمة العامة في أساس تصنيفه للمواقف المختلفة من التاريخ، ومن ثم أثرها بالنسبة لمواجهة إشكاليات العصر. فقد اعتبر ما اسماه بالتيارات التقليدية والقومية والماركسية والعلمية، الصيغ الأكثر انتشارا وتأثيرا في الرؤية العملية. فالتيار التقليدي ينظر إلى التاريخ العربي على انه تاريخ "الأمة الإسلامية". وأن مجراها هو المجرى الرئيسي في التاريخ العالمي. وقيّم زريق هذه الرؤية على أنها "نظرة إلهية في تعليلها للأحداث". أما التيار القومي، فهو تيار صاعد متزايد تكيفت نظراته بعوامل عديدة. ويتميز بالإقبال على الماضي والانغماس شبه الكامل فيه، كما هو الحال في كتابات العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل، مع أن اتجاههم مخلوط بالتقليدي[7]. وما يميز هذا الاتجاه هو اعتباره الماضي القومي لب الماضي، أي يعزل التاريخ القومي عن التاريخ العالمي. وأطلق زريق على هذه الرؤية صفة "التعليل التيوقراطي". بينما تطابق التيار الماركسي في رؤية زريق مع ما اسماه بتغلغل الماركسية في العالم العربي بفعل الصراع الخارجي. وجعلت من الصراع مع التيار القومي احد همومها الكبرى. أما التيار العلمي فيتميز برؤية عقلانية. وذلك لأنه يجعل العقل مرشدا هاديا. كما انه يتوجه إلى الماضي دون فكرة مسبقة.

وفيما لو أهملنا عدم سلامة هذا التصنيف من حيث حده لبعض التيارات وتحديده لحقيقتها ومضمونها الفعلي، وبالأخص ما يتعلق بتحديد ماهية ومضمون التيار التقليدي و"التيار القومي" بشكل خاص، فإن أهميته تكمن في إبرازه القيمة الموضوعية للرؤية التاريخية. ويظهر ذلك بوضوح في إدراكه النظري للقيمة العملية للرؤية التاريخية. إذ اعتبر الهمّ القائم وراء تأسيس الرؤية التاريخية يقوم في تعميق "الرؤية الاجتماعية السياسية الثقافية الصحيحة عن الغايات والمهمات"[8]. بمعنى أنه يوّحد في كلّ واحد الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية في رؤيتها للمهمات والغايات. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المباشرة والعملية للفكرة التي وضعها في تحديده للتاريخ باعتباره سعيا لإدراك الماضي البشري وإحيائه. من هنا وضعه في فكرة الرؤية العلمية التاريخية ما اسماه بالفضائل المكتسبة والمزايا المطلوبة، والتي حصرها بخمس وهي كل من الجد والمثابرة، والشك والنقد، والدقة، والتجرد، وأخيرا محبة الحقيقة[9]. ووجد في هذه الفضائل المكتسبة حلقات لسلسة مهمتها إحياء الرؤية التاريخية بوصفها مشروعا مستقبليا. من هنا حديثه عما اسماه باحتياج العالم العربي المعاصر إلى هذه الفضائل المكتسبة. ففيها ومن خلالها تتوحد الرؤية المجردة، أي التي تنفذ إلى حقيقة الأشياء كما هي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العلم التاريخي في مواده علم نقلي. وبالتالي، فإنها خاضعة للأهواء والمصالح، كما أن الوثائق عادة ما تكتب في ظروف تسيطر فيها أفكار أو سياسات محددة. من هنا ضرورة الدقة بوصفها النتيجة الملازمة للنقد والشك، وذلك لما لها من أثر علمي بالنسبة "لترويض الذهن على الانضباط والانتظام".

وتوصل زريق بأثر هذه الرؤية إلى جملة استنتاجات عامة حصرها أيضا بخمس مزايا وهي: أن استعمال التاريخ واستغلاله الحسن هو احد أفضل الوسائل في بعث الروح القومية وتكوين الأمم ودفعها إلى ما تنشده من نهضة وعزة؛ وضرورة التخلي مما فيه عما هو مثير للأحقاد القومية والطائفية والدينية؛ وأن استغلال التاريخ لأهداف قومية يتوقف على أصالة فهم الموجهين والباحثين والمربين؛ كما أن استغلال التاريخ لأهداف قومية مسألة خطرة ينبغي إدراكها؛ وأخيرا، أن الغاية القومية ذاتها لا تؤتي نتائجها البعيدة المدى إلا إذا وافقت الحقيقة واهتديت بهديها[10].

وفيما لو أجملنا الحصيلة الفكرية لهذه القواعد الضرورية في تربية الرؤية التاريخية، أو المواقف المنهجية من التاريخ، فإنَّ غايتها ترمي إلى صنع وتوسيع مدى ما دعاه زريق نفسه بالثقافة التاريخية، بوصفها وعيا ذاتيا عمليا. بعبارة أخرى، إن الرؤية التاريخية العميقة ينبغي أن تسهم في صنع "ثقافة تاريخية". لهذا نراه يحدد مفهوم هذه "الثقافة التاريخية"، باعتبارها "الخلاصة التي يجنيها الإنسان من جهده في استكشاف الماضي. وبهذا الصفة يكون عاملا فعالا في تكييف نظرته وتعيين اتجاهه بالنسبة إلى الحياة بأكملها: ماضيا وحاضرا ومستقبلا"[11]. ذلك يعني، أن التاريخ يحتوي على إمكانية العبرة المستنبطة من مقدمات عقلية نقدية علمية هادفة من حيث أبعادها العملية. ونعثر على ذلك في محاولته تكثيف هذه العبرة النظرية من خلال إبراز أثر هذه "الثقافة التاريخية" في الفكر والنفس. وحصرها هنا أيضا بجملة فوائد عملية كبرى لعل أهمها هو أنها توّسع اختيار الإنسان وتعمقه، وترسي سبيل إدراك الذات، وتشيع في نفسه شعور الحرمة، وتعمل على تركيز الفرد والأمة وتوطيد كيانهما، كما أنها تعمق فيه نقد الذات والماضي، وأخيرا أنها تصنع  أداة التحرر[12]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.......................

[1] أهم مؤلفاته (الوعي القومي) (1939). و(معنى النكبة) (1948). و(أي غد) (1957). و(نحن والتاريخ) (1959). و(هذا العصر المتفجر) (1963). وفي (معركة الحضارة) (1964). و(معنى النكبة مجدداً) (1967). و(نحن والمستقبل) (1977). و(مطالب المستقبل العربي) (1983). و(من بعيد ومن قريب) -مقالات وخطب (1994). و(الكتاب الأحمر). ونشر مركز دراسات الوحدة العربية أعماله الكاملة في أربعة مجلدات في بيروت عام 1994،. مع أنها لم تتضمن كل ما كتبه ونشره. وصدرت بعنوان (الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق).

[2] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، بيروت، دار العلم للملايين، ط6، 1985، ص7. (الطبعة الأولى كانت في عام 1959). إذ نعثر فيه على تأمل مرحلة التحولات العاصفة بعد انقلاب 1952 في مصر و1958 في العراق وقبلها في سوريا.

[3] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص8.

[4] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص16.

[5] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص49.

[6] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص17.

[7] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص34.

[8] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص60.

[9] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص90-102.

[10] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص103-104.

[11] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص157.

[12] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، ص161-173.

 

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (6)

هناك قولٌ لأحدهم مفادُه: إن الإيمان يسبق المعرفة. معنى ذلك أن الإيمان بالله يسبق معرفة الفرد له بوسيلة من الوسائل (مراقبة آثاره الكونية) أو بطريقة الإستنتاج (الإستنباط العقلي والمقارنة).

إن الإيمان الذي سبق المعرفة مرَ بمراحل ومنها ظهور الدين البدائي الذي اعتمد الكائن البشري عنصرين من الدلالة:

1- فضول النفس البشرية في معرفة القوة الأعظم في الكينونة.

2- الخوف من المجهول والبحث عن سندٍ ضد هذا الخوف .

إن هُيولي الكون وعظمة الخلق قادا إلى صعوبة إدراك الإنسان حقيقة أن هذه الظاهرات يمكن، بل يجب، أن تُدار بقوة واحدة.

ومن هذه الصعوبة في الإدراك وزع الإنسان إيمانه على أكثر من قوة فوقع في مصيدة (تَعدُد القوى وفيه تَعدُد الآلهة). إن تَعدُد الآلهة كان منسجماً مع ميل الإنسان الدائم إلى التجزيىء. فما زلنا إلى الآن نميل إلى تجزئة الأمور والمسائل والمشكلات محاولةً منا لإيجاد الحل. والتجزئة هذه تقود دائما إلى قاعدتين:

أ‌- الإفتراض

ب‌- الإحتمالات

وفي الإفتراض يلجأ الإنسان إلى الإفتراض وجود الشيء أو إنعدامهِ (موجود أو غير موجود). وفي الطب النفسي يبرز دائماً سؤال من المفحوص إلى الفاحص (الطبيب النفسي): هل أنا مريض أم أن ما أعاني منهُ ليس مرضاً؟ ومثل هذه الحالة واجهت الإنسان: هل الكون بإله أو بدون إله؟ وإذا لم يكن بإله فهل تستطيع الطبيعة خَلق نفسها؟ وإذا كان هناك إله فكيف هو؟ وأين هو؟

إذن، لم يكن البحث مُتجهاً إلى إنكار وجود الله بل إلى معرفة وجودهِ. إن الإلحاد عملٌ إختزالي يمارس فيه الإنسان استراحة عقلية (بلادة وتجاهل) لا يبذل فيها جهداً، بينما الإيمان عملٌ فكري يتطلب المجاهدة.

ومع هذا العقل برزت عواطف الإنتماء إلى القوة التي تُخيف وتَرحم وتُشفي من المرض وتُصيبُ بالداء والكارثة.

إن العقل يؤمن بما يحس وبما يدرك بوسائله الأشياء، لكن العواطف تنحازُ إلى ما يطمئنها من الخوف، ولذلك ظل ويظل للعواطف (وفيها المزاج والمشاعر والحب والكره) السهم الأكبر في الإعتقاد بما يثير من خوف وما يبعث على طمأنينة.

بتلك العواطف صنع الإنسان آلهتهُ، ومن أقرب الأشياء إليهِ (الأفعى لأنها تخيف بالسم، والنار التي تحرق، والزلزال الذي يُدمر....الخ). هذا هو الإيمان الذي يسبق المعرفة، وهذا هو ما نقوله عن الأمراض. أما في مجال الإحتمالات فإن الإنسان كان ينشطر في أفكاره حيث تطول قائمة التوقعات فاحتمالٌ يقود إلى إحتمال في مسلسل لا ينتهي.

من هذا نستنتج أن الإيمان الذي سبق المعرفة كان إيماناً بالمخيف أكثر منه إيماناً بالرحمة والحُب. أي أن الآلهة التي آمن بوجودها الإنسان كانت رموزاً للخوف.

لاحظ الرموز التي صنع منها الإنسان آلهةً: التنين، العنقاء،الطوطم، البرق، الرعد، الأفاعي. وحين تطور العقل الإنساني أضاف إلى هذه الرموز أسماء أقل قدرة على إلحاق الضرر من سابقتها (كيوبيد إله الحب، سايكي آلهة النفس، نرسيس إله العشق...).

ومن بين أسباب التي جعلت الإنسان يختار رموز الخوف أسماء لآلهته هو تأثر هذا الإنسان بصور الرعب البشري من الإنسان الظالم، والإنسان السارق، والأسد المفترس، فأضفى هذه المسميات على آلهته.

وإلى الآن ظل الإنسان يعاني من الحاكم المخيف فيظهر له الطاعة من باب الوقاية من شره لا من باب الطمع في رضاه وحبه. وحين ظهرت الكتب السماوية أعلنت أن طريق العبد (الإنسان) إلى الجنة هو رضا الرب وإن طريقه إلى جهنم هو سخط الرب عليه وإنعدام رضاه.

وشتان بين صورة رب السماء وصورة الإنسان الظالم ولكن الإنسان لم يكن يدرك لأن إيمانه سابق لمعرفته. يقول القران (كتاب السماء): (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ...الآية).

معنى هذا أن مُنطلق الإنسان إلى إدراك الله هو الجبلة أو الفطرة التي تُحببُ الإيمان أصلاً فيها (في تفكيرها وعواطفها وسلوكها)، لهذا لا يوجد مُلحدٌ ما لم تقم نفسه على العناد والمكابرة ضد الميل الفطري، وكل عناد يقود إلى حالة مرضية.

أسباب ظهور الإيمان بالشيء قبل المعرفة:

لأجل ان نتدرج في تعرفنا بالإيمان الذي سبق معرفتنا بالله، نودُ أن نقرب الأمثلة بالتحاور في أشياء قريبة من الحس لأن أكثر الناس الذين عانوا من الإلحاد هم الناس الذين يميلون الى التعامل بالمحسوس.

دعنا أيها القارىء نتكلم على شيءٍ ما مما يقع حولنا فلأجل أن نصل بيقيننا إلى أن ذلك الشيء موجود يجب أن نمر بالمرحلة الآتية التي تُعدُ أسباباً لرسوخ إعتقادنا بوجوده:

1- توقعُ وجود ذلك الشيء: إنك لا تبحث ولن تبحث عن (لا شيء) لأنك مسبوق ذهنياً بتوقع وجودهِ. إن التوقع هو الذي يقودك إلى إحدى النتيجتين: نتيجة وجودِه أو نتيجة عدم وجودِه.

وكثيراً ما يكون إنعدام عثورنا بهذا الشيء سبباً لتأجيل البحث بدلاً من إصدار قرارنا بإنعدام وجوده لأن إنعدام العثور لا يعني بالضرورة عدم أو إنعدام الوجود. إذن يظل التوقع هنا بمثابة (الدافع).

2- ظهور آثار لفعل ذلك الشيء: إن الذي يقود إلى ظهور التوقع هو الحاجة لدينا إليه أو الأثر الذي كان قد أحدثه ذلك الشيء. فحاجتنا إلى الماء تقودنا إلى البحث عن (الماء)، وفي الصحراء يقودنا وجود واحةٍ بأشجار مزهرة خضراء إلى توقع وجود الماء وإلا لما نبتَ النبات فندرك وجود الشيء (الماء) في جوف تلك المنطقة من الصحراء من النبات الذي أزهر. فعلى مستوى المشاهدة والرؤية لا نرى الماء الجوفي لكن ظهور آثاره (النبات) دلل على وجوده.

3- إستحالة تَفسير الأثر بدون وجود مؤثر: أن لكل مُؤثِر أثراً يرتبط به نوعاً وشدةً وزمناً. ففي مثالنا السابق في الفقرة (2) لا يظهر النبات في بقعةٍ صحراوية قاحلة بسبب وجود النفط في باطن تلك البقعة لأن النفط غير قادر على إنبات النبات أو تغذيته بل إنه الماء.

ووجود التلف في الملابس المخزونة في خزانة الملابس لا يمكن ربطُهُ بوجود سابقٍ لسارق في البيت لأن مهمة السارق السرق وليس إحداث التلف في الملبس فيقودنا إستدراكنا للأمر إلى وجود حشرة العِث في الخزانة فكانت سبباً في مثل هذا الأثر المخصص، من هذا نستنتج أن الأثر يكفي للدلالةِ على وجود المؤثر حتى لو لم ندركه أو ندرك هذا الوجود.

هذا على مستوى الأشياء التي يختصُ كل منها بأثر مُعين فكيف يكون الأمر حينما تتعدد الآثار بمؤثر واحد. إننا الآن أدركنا بأن تعددُ الآثار بمؤثر واحد يستلزم وجود هذا المؤثر بقوةٍ عظمى لا ترقى إليها قوة أخرى.

هذه القوة التي تعددت آثارها في الكون على أنواع من اللون والطعم والرائحة والطول والقصر. بهذه البساطة نصل إلى وجود هذه القوة ولكن الذي يحدو ببعضهم إلى الإنكار وصولاً إلى الإلحاد هو العجز الذهني عن إدراك هذه القوة.

إن وجود تِلالٍ من الأرض يمكن أن يقودنا إلى إحتمال أن مجموعةً من الآليات قد عملت على إنشاء هذه التلال لكن وجود جبال الهملايا بقمتها "إفرست" يُحجُم فينا هذا الإحتمال ويقودنا إلى أن القوة التي أنشأت هذه الجبال هي من الضخامة والشدة ما يدعو إلى العجب.

ومثل ذلك ما ينطبق على المكوك المصنوع الذي يُحلق في الفضاء وهو من صنع البشر لكنه لا يجيب عن القوة التي بأثرها يظل المريخ والزُهرة وعطارد أجساماً مُعلقة في الفضاء.

إذن، الأمر واحد لكن العظمة تكمن في وجود النسبة والتناسب في القدرة على إحداث الأثر. إن الإنسان مخلوقٌ على شاكلة الله ولكن هذه الشاكلة تحمل مفهوم (الجزء من الكل) و (المحدود من المُطلق) فتتماهى إلى أن تقف لأنها ستصطدم بالقوة الأعظم (الخالق).

4- إستمرارية الأثر وتكرر صوره: بسبب قانون التطور يحدث التغير، والتغير الذي نعنيه في الشيء هو إما زوالُه أو تحولُه من حالةٍ إلى أُخرى. معنى هذا أن الشيء المؤثر يزولُ يوماً ما أو يتحول إلى حالةٍ أُخرى يوما ما.

وبهذا الزوال يختفي الأثر كما أنه بهذا التحول يتغير الأثر، مثالاً على ما ذكرنا: سُم الأفعى.... كان هذا الشيء في سالف القرون من حياة الإنسان سبباً في حدوث أثر (التسمم والموت). فكانت الأفعى تٌقتَل ليزول هذا الأثر وكلما إزداد قتل الأفاعي في منطقة سكانية بالمبيدات والمصائد، حتى يصل العدد منها إلى الصفر، يَزول أثرها.

وتدرج العلم صعوداً بالإنسان إلى مرتبة أعلى فأصبح سٌم الأفعى علاجاً لأمراض كثيرة فصارت الأفاعي تُربى في أحواض المختبرات، فتحولت بذلك من (شيء) يُقتل إلى (شيء) يُربى ويُرعى.

معنى هذا وعلى وفق مفهوم الزوال أو التحول يتحددُ الأثر. لكن هذا الطرح لا ينطبق على (قوة) ظلت هي الأقوى لأن أثرها، ومن ثَمَ آثارها، ظلت مُستمرة وغير قابلة للنقصان بالزوال أو إختلاف الأثر بالتحول.

هذا ما ينطبق على (الأشياء) من حولنا فكيف يمكن لنا أن نتدبر (القوة الأعظم) التي تمارس حالة الثبات بعيداً من الزوال أو التحول؟

***

بعد هذه المناقشه التي أوردناها عن أسباب ظهور الإيمان بالشيء قبل المعرفة، نَودُ أن نناقش دلائل وجود الإيمان قبل المعرفة.

دلائل وجود الإيمان قبل المعرفة:

1- وجود العقل المفكرِ المتأمل: إن الحيوانات لم تبحث في يوم ما عن رب تعبدُه وتتقرب إليه لأنها بلا عقل يُفكر أو يتأمل فأصبحت تلك الوظيفة خاصةً بالإنسان.

إن الله لا يحتاج إلى أن يؤمن به أحد، لكن الإنسان هو الذي في حاجة إلى هذا الإيمان بحكم ما يقدمه هذا الإيمان من استقرار نفسي وثبات على حالة السواء في القيم والموازين وبناء المملكة الإنسانية.

ولولا تزود الإنسان بعقله لما ظهرت محاولات البحث عن الله. ومَن لا عقلَ سليماً لديه لا يُطالب بهذا البحث. صحيحٌ أن محاولات البحث في العقل البدائي كانت ساذجة لكنها كانت جادة في حياة الإنسان وكلُ طور عقلي محكومٌ بوسائل نضجه. 

2- علاقَتهُ بالناحية النفسية (العواطف): ومن الأدلة على وجود الإيمان قبل المعرفة جبلةً وفطرةً، ظهور الميل إلى الإستقرار النفسي لدى من يؤمن بوجود الله منذ بواكير الإنسانية.

فالأديان التي صنعها الإنسان وصولاً إلى رَبه كانت تسدُ شاغراً عاطفياً بالحُب والتقرب تارة وبالخوف واتقائه تارةً أُخرى. إن الإنسان كائن خائف منذ وجودِه على الأرض وحتى زوالها مهما إختلفت مراحل تقدمه الفكري وحالات نضوجه العقلي. إن أكبر دليل على ضرورة إيمان الإنسان بخالقٍ يخشاه أو يحبه هو ظاهرة (الموت).

فلقد أدرك الإنسان أنه لابُد من أن يموت يوماُ فأدرك الخوف وصار الأخير سبباُ للبحث عن الإله الذي يُميت أكثر من بحثه عن الإله الذي يخلق. ولولا وجود الإيمان بالعالم الآخر بما في من عاقبة وثواب لما إنشغل الإنسان بالبحث عن ربه لكن القاعدة التي تقول: إن الموت أصعب من كل ما قبله وأهون من كل ما بعده، هي القاعدة التي رسمت خارطة تفكير الإنسان في كيفية التعرف بهذه القوة التي تَخلُقُ وتُحيي وتميت وتبعث مرة أخرى.

3- علاقة الإنسان بالناحية الإجتماعية: كان المَيل الجمعي، العقل الجمعي والضمير الجمعي، هو الغالب على حياة الناس منذ بواكير الإنسانية الأولى. فلقد أنشأ الإنسان مجموعاته في العيش معاً وعدَ هذا التجمع سبباً للإطمئنان من عزلة وجوده ووحشة إغترابه.

وأمام هذا التجمع في فرق وفصائل وقبائل أصبح الإنسان مُلزما بتقديم التنازل عن أفكارِه الخاصة لصالح ما يُرضي به تَجمُعه وتقرِبه إليه. ويُعدُ الميل المبكر إلى روح الجماعة نوعاً من أنواع الإيمان برب الجماعة إيماناً دالاً على الرب قبل معرفته بأثاره.

ومن دلائل استمرار مناغاة الإنسان لإيمان جماعته فطرةً ظهور الملحدين، حتى في عصورنا هذه، وكأنهم غرباء عن مجتمعهم. فقد يتوحدون في منظمةٍ أو حزب أو مؤسسة تظل مهما تضخم عددها، معزولةً عن (القطيع) نافرةً بخصوصية أفكارها.

ومن دلائل الوحدة الإجتماعية وإجماعها على الإيمان أن الملحد يعاني من النشوز الإجتماعي مشاراً إليه بإنحرافه عن السواء العام.

4- دور الإيمان في الإرتقاء الفكري: وهذا دليلٌ آخر على وجود الإيمان قبل المعرفة. فالمعروف المُطالب به دائماً هو قدرة المُلحد على إثبات إلحادهِ وليس قدرة المؤمن على إثبات إيمانه.

فإذا قلت ببساطة أن لكل مخلوق خالقاً وأن هذه الكائنات موجودة بخالق كفى بذلك دليلاً فيما يظلُ المُلحد يعاني من مسألة إثبات إلحادِه. إن إنعدام إقتناع الإنسان الأول بما تصورهُ عن صورة الإله ورمزُه على هواه هو السبب في إندفاع الإنسان نحو ضرورة المزيد من التفكير بما يكون عليه هذا الخالق وهذا ما نعني به الإرتقاء الفكري.

لقد استطلع الإنسان الآفاق قبل أن يستطلع نفسه فكان البحث عن تفاصيل الكينونة والكون سبباً في ظهور أبحاث الفضاء والأجرام والكُوى والبروج وهذا هو، مرةً أخرى، ما نعني به الإرتقاء الفكري.

5- دليلُ الميل إلى الخلاص من الحيرة والإغتراب: لم تكفِ الإنسان الأول فردانيته وقدراته المودعة في دماغه ومراكز عواطفه سبباً لشعورِه بالإنسجام مع الكون الذي حوله، فلم يجد إلا الإله ونوع الدين الذي أنشأه محطةً لإستقرار عواطفه وخلاصهِ من مشاعر الحيرة في الوجود والغربة عن داخله ومحيطه.

لقد كانت الأسطورة تُوفر عليه عنصر الطمأنينة على الرغم من سذاجتها وإنعدام قدرتها على الصمود مع الزمن. لا يمكن أن يستقر الإنسان وأن يتحدى إغترابه إلا بإيمانه بالإله الخالق.

***

بقي علينا هنا أن نفحص المجالات التي ظهر فيها الإيمان قبل المعرفة لأننا سنصل بهذا الفحص إلى معرفة التدرج الإنساني في مسألة الإيمان النهائي الذي قدمته الكتب السماوية عن صور الخالق العظيم.

وسنقسمُ هذه المجالات على نوعين:

1- المجالات المُبكرة في الظهور

2- المجالات المتأخرة في الظهور

أ‌- المجالات المبكرة: ونًقسمها على الآتي:

1- الآفاق (الشمس والقمر والنجوم والسماء): لقد سبق تفكير الإنسان في إيمانه إلى تأمل الآفاق قبل تأمله نفسه إنسجاماً مع القرآن الذي نزل متأخراً عن هذه الصورة الإيمانية فأثبت حكمة الله في هذا السبق (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)، فقدم الآفاق وهي البعيدة عن الإنسان على النفس التي هي بين خوالجهِ.

إننا إلى الآن كثيراً ما ننسى التفكير في دواخلنا وننشغل بالتفكير في ما حولنا. فالإنسان لا يندهش بما يملك أكثر من إندهاشه بما يملك من البعيد عنه (ومن ذلك حالة الحسد حيث يحسد الإنسان حالة غيره ناسياً ما هو عليه من نعمة). هكذا مارس الإنسان حالته الإيمانية بآثار الله في ما حوله من الآفاق.

2- الليل والنهار والزمن: وللزمن مفهومان: الزمن الفسلجي الداخلي الذي لا نشعر به إلا بالتقادم في العمر ودلائله التشريحية والوظيفية. والزمن الرياضي الخارجي المصنوع بحركة الأرض حول نفسها لتصنع الليل والنهار وحول الشمس لتصنع الفصول الأربعة.

والإنسان فطرياً، تنبه على الزمن الرياضي قبل أن يتنبه على زمنه الفسلجي. لقد كان الإنسان يتعامل مع الزمن الرياضي فيتزوج في عمر متأخر ولا يقيم إعتباراً لعمره، على عكس الإنسان المعاصر الذي أقام الفواصل حينما تعامل مع عمره وأصبح يحارب الشيب بالأصباغ وتجاعيد الوجه بالجراحة التجميلية وهرم القامة بزاهي الثياب.

3- الظاهرات الطبيعية المتكررة (المطر والبراكين والزلازل): لقد كانت مخيفةً له، وغامضةً في أسباب حدوثها فكانت بذلك سبباً في إيمانه بكيفية الوقاية منها حباً أو كرهاً فجعلها من جملة منظمة الغيب التي يجب أن تُعبد.

إن الفهم المعاصر لهذه الظاهرات الكونية جردها من صفاتها الدينية وروادعها الأخلاقية واعترف بإمكان حدوثها على رؤوس من آمنوا ومن ألحدوا لأنه لا توجد علاقة بين هذه الظاهرات وقيمتها الأخلاقية.

هذا الأمر كان مختلفاً عند الإنسان الذي آمن قبل معرفته حيث ربطها بالعقاب لذلك أقام للمطر رباً وللبراكين رباً وللزلازل رباً كما أوردنا سابقاً

وعلى الرغم من إكتشاف الإنسان المعاصر لأسباب حدوث هذه الظاهرات، ظل إيمان الإنسان القديم بجانبها الردعي الأخلاقي أحلى تفسيراً وأحب إلى النفس تأويلاً

ب‌- المجالات المتأخرة: ونقسمها على الآتي:

1- النفس (العقل والعواطف والسلوك): لقد آمن الإنسان بربِه في الآفاق ونسيَ نفسه بكل ما فيها من عمليات النضج وتركيبة الدماغ ومنعكسات الحبل الشوكي ومسيرة الهرمونات والموصلات العصبية وأسرار النوم وكهربائية الدماغ والقلب ووظيفة الحيمن وصورة المبيض وأسرار الدورة الشهرية وإلى آخر ما هناك ان كان هناك من آخر.

ومن بين الأسباب التي جعلت الإنسان ينشغل بالظاهرات الخارجية عن نفسه هو أن الإنسان هذا كان محكوماً بالتطلع إلى كبريات منها نائياً عن فحص الدقيق القريب منه ناسياً أن صورة الكون ممثلة في داخله.

2- الميلاد والموت: عندما تنبه الإنسان الباحث عن خالقه عبر مخلوقاته فأقام لها رموزاً، كان يتوسم فيها نصرته على الموت.وحينما أخفق في الحصول على هذه النصرة بدأ يفقد الأمل في إلههِ المصنوع بواسطته.

واستقر به الحال ان الفسحة الزمنية المحددة بميلاد وموت (وهي حياته) أمرٌ لا يحققه إلههُ الوضعي فآمن أن إله الموت والحياة هو إله آخر يختلف عن آلهة العذاب والنعيم الأرضي لكنه ظل يؤمن بالقوة الأعظم.

3- السلوك الفاجر والسلوك التقي: وهذا المجال هو من المجالات المتأخرة في إيمان الإنسان الذي سبق المعرفة بالله. فلقد كان الإنسان يٌنزه آلهة الخير عن فعل الشر فيجعل للأخير آلهة أُخرى، فيتقرب إلى الأولى بالحب ويبتعد عن الثانية بالنذر والقرابين الواقية من شرها.

إذن كان الإيمان (وقد ظل إيماناً) مُقسماً على مفاصل طبيعة الإله المختص بشرٍ أو خير. إن الإنسان في إيمانه بأن الخير والشر ليسا من صنعه بل من وجود قوةٍ أُخرى تملي عليه السلوكين نحى عن نفسه-بصورة أنانية- فعل الشر ليحيله إلى فاعل خارجي؛ إلى أن جاء النص السماوي الذي يقول: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، واضعاً أمام الإنسان حرية الإختيار والكينونة بواحدةٍ من الخيارين: الفجور والتُقى.

***

وصلنا الآن إلى مناقشة الإيمان بمعرفة ونعني بذلك المحطة التي نضَجَ فيها العقل البشري وتهذبت العواطف. كيف ظهر هذا الإيمان. بمعنى آخر: هل هناك من عوامل أدت إلى ظهوره؟ نعم هناك عوامل.

عوامل ظهور الإيمان بالمعرفة: نستطيع أن نتكلم على هذه العوامل كالآتي:

1- التقدم العلمي الكوني: مما لا شك فيه أنه كلما طابق ما يصل إليه العلم الإنساني بما حوله وبما يدور من فسلجتِه ما قال به الدين مُمثلاً بالكتاب السماوي إزداد إيمان المؤمن وقل إلحاد المُلحد لأن هذه الكتب السماوية نزلت يوم كانت الأداة العلمية للبحث والإكتشاف ضعيفة وقليلة، فلما تقدم الفتح العلمي فوجد أن لدى الباحثين فيه مطابق لما قالت به هذه الكتب تأكدت مصداقية الداعي إلى الإيمان.

ولو كان الكتاب السماوي يروي أحاديث عن أحداثٍ سبق أن حصلت لأصبح بذلك كتاب روايةٍ عن تاريخ يمكن أن يذكره أي مؤرخ، لكن الكتاب السماوي تحدث عن أحداث المستقبل وظل إلى الآن يحمل الكثير من الأسرار التي يكتشفها التقدم العلمي تباعاً.

2- تطور فن الأخلاق: إن الأخلاق التي يسير عليها مجتمعٌ ما من المجتمعات الإنسانية تحمل جانبين: الجانب الفني والجانب العقلي. وكثيراً ما يصادفنا من يقول أن العقل لا أخلاق له ولا يؤمن بها.

هذا هو العقل المجرد الباحث عن المعادلة الحسابية في الأشياء لكن العيش بهذا العقل يعني تصحر النفس البشرية، لأن هذه النفس تحتاج إلى رطوبة العواطف، فنشأ من هذه الحاجة فن الخطاب وأخلاق المعاشرة وأدب النفس وطريقة التعامل.

إن الإلحاد كان يُعلم الإنسان فوضى الكلمات وإهمال الحوار والجدال المثمرين ولو أخذنا القرآن مثالاً على كتب السماء نجده كتاباً ينمي ذوق المحاور وطريقة إمتثال الصغير للكبير والحنو على الضعيف بما لا يجرح فيه نفسه وكرامته، فجاء هذا الكتاب سابقاً دائماً لكل المدارس الوضعية التي تُعلم الإنسان ما يدعي في المدنية الحاضرة ب(الأتيكيت).

3- تقدم دراسات النفس: عندما تحدث الدين عن الثوابت التي تحكم النفس البشرية عارض أهل الإلحاد هذا التوجه وزعموا أنه ضد التقدم العلمي الطبي الذي يحاول أن يسمو بالإنسان نحو الأصح والأفضل.

وحينما توصل الباحثون إلى فسلجة الإنسان والصورة السريرية الناشئة من تفاعل فسلجته مع البيئة شيٌ يفوق الجهد العلمي آمن هؤلاء بما نادى به الدين، حيث الحدود الفاصلة بين المُقرر والطموح وبين الممكن والمستحيل.

كما أثبتت الدراسات المعاصرة في علم النفس الهيولي الكبرى في مغالق وأغوار النفس البشرية فطابق هذا الكشف ما نادى به (علم) الدين من ضرورة الوقفة الطويلة المتأملة أمام هذه النفس، السر المغلق الطلسم الذي يحتاج إلى أقصى الجهد لكشف أبسط الممكن منه.

بهذه المجالات (العوامل) الثلاثة (الكون،الأخلاق، النفس) وجد الفتح العلمي نفسه أمام حالة اللقاء بقول الدين: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).

***

أثر الإيمان بمعرفة: لقد إختلف الإيمان قبل المعرفة عن الإيمان بمعرفة في ظهور آثار واضحة للأخير تفوقَ بها على الأول. ومن هذه الآثار:

1- زوال أو تجحيم الدين البدائي: قام الإيمان بمعرفة الله في دلائل خَلقه بتفنيد العقلية الأولى التي أنجبت دين الميثولوجيا والرمزية الطوطمية.

وعلى الرغم من ذلك ما زالت هناك مجتمعات تمارس طقوس أديانها القديمة بعيدةً عن الإيمان بخالقٍ واحدٍ لا يعتمد التوسط في الوصول إليه.

وتنقسم تلك المجتمعات من هذا النوع على ثلاثة أقسام:

أ‌- مجتمعات لا تملك أدلة القطع الجازم بالتوحيد

ب‌- مجتمعات لا تملك أدلة القطع الجازم بالإلحاد

ج. مجتمعات لا تملك قوة الرفض للقديم من تراثها الذي تملؤه الأسطورة

2- استقرار الإنسان صحياً: ونعني بالصحة هنا: صحة النفس وصحة البدن. فعندما عرف الإنسان ربه عَبر ما خلق فيه وحله من دلائل إعجازه غادر مرحلة القلق.

إن البحث العلمي في المجال النفسي والعقلي والعصبي أثبت أن المؤمن بالله إيماناً مُطلقاً أقل الناس تعرضاُ لأمراض النفس. ولا يُحسب على قولنا هذا ظهور الأمراض تلك في الناس الذين يتعاملون مع حقيقة الله (ووسيلة الإيمان به: الدين) تعاملاً طقوسياً جامداً يخلو من التأمل.

3- زيادة تلاقح الدين والعلم: لقد أضاف الدين إلى العلم الآتي من الأمور:

أ‌- الأخلاق والتهذيب: حيث علم الدين رجل العلم الصبر والتريث وإحترام المجهول واستقصاء النتائج والمطاولة وإنعدام الإضطراب في البحث.

ب‌- قصور الحس عن إدراك اللامحسوس وإبطال مقولة (مالا أعرفه ليس موجوداً )، حيث أعاد الدين إلى العلم ضرورة إحترام ما لا نعرفه وإحترام القادم من النبوءة بالأشياء.

ج. ثبات النص الديني في وجه المتغير العلمي: إن نظريات العلم تتغير، فكثيرٌ مما تم الإستقرار عليه تَعرضَ للتفنيد والإلغاء أو للتطوير إلى أن التقى أخيراً مع الثابت الديني ( أثبت العلم ثبات الشمس ودوران الأرض حولها، وقال الدين أن الشمس تجري لمستقر لها، فناقض العلم الدين الى أن ثبت أخيراَ أن كل المجموعة الكونية تتحرك بإتجاه مرسوم ومنها الشمس فالتقى العلم مع الدين، فتغيرت نظرية العلم وظل النص الديني ثابتاً).

***

لقد أفرز الإيمان بالله بواسطة معرفتهِ عبر وجود آثاره المتحول ظهور الدين. إن الإيمان قبل المعرفة، والإيمان بمعرفة سبق ظهور الدين. وحينما ظهر الأخير احتاج، لكي يؤسس ثباتاً له، إلى ظهور المبادىء الأربعة:

1- المعبد (الكنيسة، الجامع) Established Organization

2- الطائفة، الفرقة Sect

3- الإنتساب أو التلقيب Denomination

4- المحتوى (العبادة أو الدين) Cult

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيالقومية ووعي الذات العربي

أدت حصيلة التأمل الفكري، والمعايشة الشخصية، والاحتكاك المباشر بالواقع العربي، وثقل التاريخ المعنوي، وحماس الوجدان الأدبي إلى تعزيز المقدمة المعنوية لتأسيس الفكرة القومية، أو الانتماء الوجداني العقلاني للعالم العربي من اجل تذليل تجزئته الداخلية. ومن هنا دعوته إلى ما اسماه بضرورة "رفع القومية على العصبية الدينية والمذهبية". كما طالب برفع "الحياة المدنية على الدين"، وتفكيك الطائفية والاستعاضة عنها بالوطنية التي تشكل "الوحدة الجغرافية" ركنها الأول[1]. وإذا كان في البداية يقول، بأنه "لا حياة للسوريين واللبنانيين دون العربي، ولا حياة للعربي مع العصبية والتجزئة"[2]، فانه أصبح يقول "كونوا عرب أولا ثم سوريين ولبنانيين وفلسطينيين"[3]. بل اخذ يطالب بعد ذلك "بموت العصبيات، باستثناء عصبية واحدة هي العصبية العربية"[4].

فقد وجد الريحاني في غياب العصبية العربية عصب المشكلة، التي لازمت فقدانهم للحرية. وهو سبب نقده اللاذع والشديد والمتطرف أحيانا للسيرة التركية والأتراك. فعندما تعرض "لنكبات" العالم العربي، فانه صاغها بالشكل التالي: "وجاءك هولاكو عدو العمران، وتيمورلنك عدو الإنسان، وابن عثمان كابوس الزمان"[5]. واعتبر النزعة التركية وبقاياها أحد الأسباب الخطرة لاستمرار انحطاط العالم العربي وقطع السبل أمام ارتقاءه الأدبي. إذ اعتبر بقايا الظواهر التركية في الحياة الاجتماعية والسياسية خطرا على الدولة والمجتمع. فعندما شاهد بعض مظاهر الأبهة عند الملك حسين، تساءل "إن كان في الحجاز يبتدأ التتريك أم ينتهي"؟[6]. واعتبر ضعف الملك حسين ناشئا عن تشربه بالروح التركية بسبب عيشه بينهم ما يقارب العشرين سنة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "مهما كان من انتصار العرب على الترك في الحجاز وفي سوريا باسم الدين أولا، فان انتصار الروح التركية على زعيم النهضة وكبيرها، إنما هو رأس الخيبة"[7]. ومن هنا يمكن فهم سبب تمجيده لشخصية محمد الإدريسي، الذي وجد الريحاني فيه "عربيا صميميا وجسورا في سبيل ما يبتغيه، يحالف أية دولة كانت على عدائه للترك"[8]. كما أيد فكرة الإدريسي القائل، بأن "أكثر ما تضرر العرب به هو من الأتراك"[9].

شكلت حصيلة هذه المواقف النقدية من الأتراك مقدمة استنتاجه القائل، بأن دخولهم الإسلام قد أّخر الإسلام أيضا"[10]. لهذا اعتبر "التساهل العثماني" تجاه الأديان سياسة ترمي أساسا إلى إخضاع العرب (مسلمين ونصارى). كما وجد في اعتقاد الأغلبية الساحقة في سوريا (والعام العربي ككل حينذاك) بأن الرقي والعمران والسعادة القومية لا تكون إلا بدولة إسلامية فيها العدل والمساواة والرفق بالرعية، بينما إحياء المشاريع الاقتصادية من الأمور ثانوية، هو الذي أّخر سوريا وجعلها خاضعة للسيطرة التركية[11]. من هنا مطالبته بالثورة على السيطرة التركية، معتبرا أن من "الأفضل الاضطراب والعذاب على الراحة المصطنعة"، كما فّضل الثورة على ما اسماه بالراحة الممقوتة، راحة الذل والجهل والعبودية[12].

فكرة العروبة الحية

دفع الريحاني أولوية العروبة على كل معيار آخر. ووضعها في صلب تصوراته عن الاستقلال والحرية والرقي والتمدن وبناء الدولة العصرية. وانطلق من "الحقيقة التاريخية" المباشرة والقائلة، بأن "العرب كانوا قبل الإسلام والنصرانية، وسوف يبقون بعد النصرانية والإسلام"[13]. ولم يقصد هو بذلك وضع أحدهما بالضد من الآخر، بقدر ما كان يقصد تمجيد الكيان الثقافي العربي وضرورة استقلاله في العلم والعمل. ووجد في ذلك استجابة حقيقية لحقيقة الإسلام نفسه، بل أن صيرورته الروحية والوجدانية العربية كانت بمعنى ما الاستجابة الحقيقية لحقيقة الإسلام الحضارية كما عثر عليها للمرة الأولى في كتاب (الحمراء) لارفنغ واشنطون، الذي دفعه للرجوع إلى "مهبط الوحي والنبوة - الجزيرة العربية"[14]. وعلى الرغم من تأكيده المتكرر على انه مسيحي عربي، فإن انتماءه الواعي للعالم العربي جعله أكثر قربا من الإسلام وأشد اندماجا بمكوناته الثقافية. وهو إدراك أوصله إلى القول بأنه لا يمكن للعربي ألا يكون مسلما للثقافة الإسلامية. وهو "قدر" تحسسه للمرة الأولى عندما وصفه ويلز في إحدى مقالاته بعد لقائه به "بالسوري المسلم"!

لقد أدى الاندفاع الروحي والوجداني للريحاني صوب "مهبط الوحي" الثقافي العربي أن يصبح تدريجيا أكثر النصارى العرب آنذاك إسلاما. ووجد ذلك انعكاسه في كل ما خطّه قلمه وخطت قدماه. إننا نعثر على ذلك في شعره ونثره، سجعه ومعارضته للسجع، في رحلاته إلى الجزيرة وصحاريها، وفي بحثه عن شيمة ملوكها وأمرائها العرب، وفي رغبته تصوير قلوبها النابضة. ففي قصيدته التي كتبها عام 1907 في نيويورك تحت عنوان (ريح سموم) نقرأ:

بربك القيوم فالذي تظنه يدوم

صوت سمعته في الكروم

***

يومئذ تنقلب المجتمعات

وترتعد فرائص الطغاة العتاة

وتهب على الأرض الذاريات السافيات

يومئذ ورب الأكوان

لا بقاء لسوى الجد والعرفان

والمعروف والإحسان

وفي قصيدة (الثورة) التي كتبها أيضا في نيويورك عام 1907، نقرأ:

ويل للظالمين، المستكبرين والمفسدين

هو يوم من السنين، بل ساعة من يوم الدين

ويل يومئذ للظالمين

وفي قصيدة (هتاف الأودية) نقرأ:

أنا رسولك إلى صفوة العباد

إلى خير من زين الأحلام في المعاد

وإلى من هام في كل واد

وخط بيراعه (ملوك العرب) و(قلب لبنان) و(قلب العراق)، كما لو أنه أراد إحياء تراث تليد مخفي تحت غبار النسيان لا يكلف المرء مهمة رؤيته سوى أن يصرخ بأعلى صوته من اجل رؤية حروفه الناصعة وكلماته المثيرة ومعانية الجلية. وأشار بهذا الصدد إلى انه جاء إلى الجزيرة العربية من اجل إعادة الارتباط الروحي بتاريخ العرب وبهم[15]. وجعله ذلك مرة يقول "أنا عربي جنسيتي على لساني وفي وجهي وطيّ ضلعي. أنا عربي أرمل البادية عزيز عندي كدم أبنائها. وسيئات العرب أجمل في نظري من حسنات عبيد التمدن"[16]. وهو موقف استقاه فيما يبدو من الفكرة الصوفية القائلة، بأن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. لكن إذا كان للفكرة الصوفية مقدماتها الخاصة في الطريق ومستوى "قهر الإرادة" وتسويتها في مساعيها صوب المطلق، فأن لموقف الريحاني أبعادا وجدانية فقط، أي انه حوّر الفكرة الصوفية التي رفع من شأنها كما هو الحال عند كل الوجدانيين الكبار، إلى نموذج للتذوق الحياتي والفعل الواقعي. وليس مصادفة أن يقول الريحاني مرة، بأن "أجمل الكمالات التي نتمناها محققة في الحياة هي تلك التي تفترض فيها روحية الصوفي الحقيقي بالأعمال السياسية والاجتماعية والأدبية كلها"[17].

لكنه أدراك بحسه العملي، بأن "الكمال الصوفي" هو الكمال الذي ساعده على رؤية العظمة الخفية في تاريخ العرب، المستترة تحت غبار الزمن. وهي رؤية لا تتطلب أكثر من أن ينفضوا هذا الغبار عنها. لأننا في هذا العالم مجرد "رموز زائلة لحقائق خالدة. وكل حقيقة تتكون تكوّنا روحيا جديدا كلما طوى رمزها، وفي كل تكوّن تزداد انتشارا وقوة"[18]. وليست هذه "الحقائق الخالدة" المستعدة للتكوّن الروحي الجديد كلما طوى رمزا سوى حقائق التاريخ العربي. وانطلق في يقينه هذا من الفكرة القائلة، بأن "الأمم التي كان لها في نشر المدنية أيد بيضاء لا تضمحل، بل هي خالدة في مآثرها، وحيّة على الدوام في يقضاتها ووثباتها. والعرب لمن هذه الأمم الخالدة"[19].

كما جعل الريحاني من العروبة معيار الحقيقة التاريخية أيضا. فالفضل الأكبر في بروز سوريا و"عظمتها التاريخية تعود للفتح الإسلامي واستعراب شعوبها"[20]. بل نراه لا يجد في تاريخ سوريا شيئا يستحق التقدير والاعتزاز من جانب ذاتها والعالم سوى "الحقب العربية المجيدة"، التي كانت "الدولة العربية العزيزة الجانب، التي استمرت نحو تسعين سنة، وبالتدقيق إحدى وتسعين سنة وعشرة أشهر، هي الوحيدة الحقة، وما عداها مجرد تخبط بالدماء"[21]. وليس هذا الغلوّ العروبي، الذي يتجاهل قيمة العروبة في الكلّ الإسلامي اللاحق سوى الصيغة الوجدانية الحساسة في مساعيها استنهاض العروبة الخالصة من تحت رماد العثمانية المحترقة في أتون التحلل والفساد. لهذا نراه يضيف "سبب الجهل" إلى جملة الأسباب التي أوردها محمد علي كرد في بحثه عن شقاء سوريا في ظل السيطرة التركية. والمقصود بالجهل هنا هو جهل الأمة بذاتها. وأوصله ذلك في نهاية المطاف إلى إقرار ضرورة بلوغ الأمة إدراك وجودها المستقل من اجل تلافي مصيرها كدمية تتلاعب بها أيادي الأمم الأخرى. ولكي لا يجري استخدام الدول الأجنبية أيا كانت أغراضها، كما استخدمتها الدولة العثمانية. وطالب سوريا بالتخلص من إرث الماضي العثماني القائم على مبدأ "دفع الخراج وأكل الكرباج"[22]. لهذا نراه يقدّر عاليا كل إنجاز مهما بدا صغيرا في مساعي الاستقلال الذاتي العربي، واستعادة الأمة العربية لكيانها الخاص. بحيث نراه يبحث ويَجِدُ في الرمل النظيف لكثبان الجزيرة العربية عما يمكنه أن يبعث الرغبة والشوق اللذين يمكنها تعميق الانتماء الوجداني للعروبة. فعندما يتطرق إلى الحجاز آنذاك، فأنه يكتب قائلا "بأن الحجاز كتاب مفتوح، وأهم ما في هذا الكتاب اليوم بعد الحرمين هو الفصل الذي عنوانه الملك حسين والنهضة العربية"[23]. بل نراه يرفع شأن الملك حسين للدرجة التي يجعله نموذجا للملك الديمقراطي العربي. بل ووجد في شخصيته تجليا "للديمقراطية العربية" وللروحانية الشرقية المتأثرة بالتأدب الغربي. ونفس الشيء قاله عن الملك فيصل ملك العراق، باعتباره "اقرب ملوك العالم المعاصرين إلى الديمقراطية"، وفي ذلك يكمن سبب عدم ارتياح الإنجليز له[24]. ولكنه حالما قارن الملك حسين وابن سعود والإمام يحيى والملك فيصل، نراه يشدد على أن "رعية الملك حسين تطيعه وتخافه، ورعية ابن سعود تطيعه وتحبه، ورعية الإمام يحيى تطيعه دون حب ولا خوف، ورعية الملك فيصل لا تخافه ولا تطيعه ولا تكرهه"[25]. وهي تقييمات متضاربة، وجزئية لحد ما، ولكنها تصبّ في الاتجاه العام للعروبة الوجدانية. وهو السبب القائم وراء محاولات الريحاني إبراز الهوية القومية للملوك العرب والتأكيد على أنهم أولا وقبل كل شيء عرب. وليس مصادفة أن يمجد المتنبي بهذا الصدد ويصفه بشاعر العرب الأكبر، ويستشهد بأحد أبياته الشهيرة بهذا الصدد:

إنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجم

لقد بحث الريحاني في المتنبي عن "واسطة عقد الجوهر في العروبة". ووجد في "شعره الصافي رسالة العروبة" التي جسدها في كل أشعاره[26]. بحيث تمثل في شعره الروح العربي. لذا أصبح كل ما قاله عن كل شيء عربيا خالصا، كما في أشعاره التي أوردها الريحاني

أنا صخرة الوادي إذا زوحمت

وإذا نطقت فإنني الجوزاء

أو أن يقول:

تحقر عند همتي كل مطلب

ويقصر في عيني المدى المتطاول

أو كما في قوله:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

عقيدة الروح القومي العربي

وكما فعل في انتقاده اللاذع للمتنبي وإبراز "العقل العربي" للمتنبي في الشعر، كذلك فعل في موقفه من الملوك العرب في السياسة. فقد انتقد الريحاني بصورة غير مباشرة رذائلهم، ولكنه ابرز ما اسماه بالفضائل العربية الأصيلة. لهذا نراه يقف موقف المعارض الشديد للتغريب الظاهري عند الملوك، ويتعاطف مع ابن سعود. وسجل في إحدى ملاحظاته العميقة هذا التعاطف الوجداني عن صلاة الملك حسين في البادية، وكتب بهذا الصدد يقول، بأن صلاة العرب في البادية وهم يرددون "آمين" اهدنا الصراط المستقيم، لها بعدا وجوديا ومعنويا متطابقا يدرك حقيقته من يقوم في البادية. إذ تصح حقيقة كما تصح مجازا "في تلك الفيافي والمفازات التي تمحو كل أثر بحيث تجعل من الصراط المستقيم نعمة للحياة بالمعنى الحرفي للكلمة"[27]. كما يسجل المعنى الضيق للعروبة في تصورات وأحكام الملوك العرب. ويستنتج من ملاحظاته عنهم، بأن دعوة العرب بالنسبة لهم هي دعوة إسلامية غير قابلة للتجزئة دينيا وقوميا ووطنيا ولغة. وأورد معنى العروبة على لسان الملك عبد العزيز، الذي صورها بأنها "الدين والشرف".

لقد أدرك الريحاني البعد الظاهري في استيعابهم للفكرة القومية، ومن ثم تصوراتهم عن الأبعاد السياسية والثقافية للقومية. إلا انه وجد فيها مع ذلك الحد الضروري الأدنى آنذاك لتوحيد العرب. لذا نراه يقترح للجزيرة أن تتوحد على أساس جعل الملك حسين ملكا دينيا (خليفة) وابن سعود ملك المشرق ككل، والإمام يحيى ملك المغرب، مع بقاء جميع الإمارات ضمنها ولكل منها استقلالها وحكمها الذاتي في الدولة الموحدة. وهو مشروع لم يفقد جوهريته إلى الآن رغم التغيرات الكبرى التي حدثت وتراكمت في مجرى صيرورة الدول العربية الحديثة في الجزيرة.

إلا أن الهاجس الأعمق وراء التقييمات والمشاريع التي اقترحها الريحاني لتوحيد الجزيرة كان يكمن في اعتقاده بقيمة ما اسماه "بعصمة الروح القومية". لذا نراه يعلن على الملأ من أن روحه عربية سورية لبنانية. وهي روح تجنبّه الوقوع في الخطأ. انطلاقا من أنه "إذا كان هناك من عصمة للإنسان ففي هذه الروح التي تربط الإنسان بشعبه وقومه"[28]. وهو موقف وجداني خالص، له معناه السليم من حيث معاييره الصادقة في "ارتباط" الإنسان بشعبه وقومه بما يخدم الوحدة والازدهار والأبعاد الإنسانية فيهما. لقد أراد الريحاني من وراء إعلاء شأن "الروح القومية" وجعلها "قوة عاصمة" من الخطأ تقديم الصيغة الأيديولوجية الأولى للملوك العرب من اجل التمسك بها بوصفها "عروة وثقى" تقيهم من الوقوع في أخطاء التاريخ السالفة، تحت أي غلاف كانت إسلامية أو غيرها. لذا نراه يبرّز في "وثيقة الاستقلال" لعام 1916 التي سجلها للملك حسين ترتيبه لأخطاء السيطرة التركية على العالم العربي ابتداء "من مخالفة نصوص الشريعة وإهانة النبي(!) ومخالفة نصوصا واضحة في القرآن إلى الاحتجاج على إعدام الأحرار في سوريا"[29]. وجعل الريحاني من هذه "العصمة" المقدمة الضرورية واللازمة للدول الجديدة في بناء كيانها الذاتي اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. من هنا إشاراته المتكررة إلى أن أهم ما في الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت (والتي شاهدها ورعاها شخصيا) هي المواد التي تختص بادخار الأموال من اجل إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة[30]. وأطلق بهذا الصدد أيضا تنبؤات عميقة. فهو أول من أشار في كتابه (قلب العراق) إلى ما سيلعبه النفط من دور في المنطقة (على مثال العراق آنذاك). وكتب بهذا الصدد يقول "وقد يصير النفط في العراق في المستقبل روحها الكيماوية العظمى، وروحها المركبة في بوتقة هذا الزمان البراق الخناق"[31]. كما حذر من مغبة تغير النظام السياسي مطالبا بضرورة دعم الأنظمة الملكية من اجل استقرار المنطقة وتطويرها. بل اقترح بأن لا يطالب أيا كان بالنظام الجمهوري وإسقاط الملكية إلا بعد عقود من الزمن. واقترح لذلك ألا تقل هذه المدة عن عشرين إلى ثلاثين سنة. كما طالب الدولة العربية الناشئة بالاهتمام الجدي بالثقافة والتربية والتعليم. واعتبر مساهمة الدولة في إحياء التراث العربي الحي ضرورة كبرى. على أن يجري ذلك بصورة مخططة ومدروسة. بل نراه يقف بالضد من الانهماك في ترجمة الدراسات والآداب الأوربية المعاصرة له، لأنه وجد في كثير منها مؤلفات رجعية أو مادية مبتذلة تختلف شديد الاختلاف عما هو مميز لبداية تطور أوربا وفكرها الإنساني. إذ وجد في هذه الترجمة تخريبا للاستقلال الفكري وترسيخا للاتكالية الفكرية على إبداع الآخرين. وذلك لاحتياج الفكر العربي المعاصر  إلى التمرين على التدقيق والتماسك في التفكير، كما يقول الريحاني. وهي مكونات موجودة في التمدن الحديث، أما الشيء الوحيد الذي يحتاجه العرب من الغرب فهو الإنتاج العلمي[32].

وهو تصور مرتبط بالفكرة التي توصل إليها الريحاني عن أن "مشروع الوحدة العربية" يحتاج إلى "سيادة العقلية العربية الجديدة" التي تساوي عنده سيادة الفكرة القومية العربية. وهي فكرة ومشروع اقترحه الريحاني على أساس وجود وفاعلية "الحكومة المنظمة العادلة" و"المدارس الوطنية العامة" و"طرق المواصلات الحديثة"، بوصفها الأسس المادية التي تربط جغرافيا العالم العربي ي كل واحد.

لقد مثّل هذا التيار مساعي الملوك الجدد والرؤساء الجدد والسياسيين الجدد والرعاع الجدد. وبالقدر الذي أراد تحرير النفس من قيودها التقليدية، فأنه وضعها في قيود التجديد العارم، الذي لم يدرك مخاطر الفطام المبكر. أنه لم يدرك الحقيقة البسيطة القائلة، بأن أصوات الرجال القوية تفترض تمرسها بالبكاء الحار والصادق لمرحلة الطفولة. لهذا كان هذا التيار كالعاصفة في صحراء لا تنبت أشجار ولا تحفر انهارا. وأكثر ثمارها خيرا هو صنعها واحة للمسافرين، بوصفها الحلقة الرابطة بين الصحارى الثقافية التي نشأت تاريخيا بسبب الانقطاع الطويل والانفصال العميق عن مصادر الديمومة الفعلية للدولة العربية وثقافتها المتوحدة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص49.

[2] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص7.

[3] أمين الريحاني: التطرف والإصلاح، ص50.

[4] المصدر السابق، ص58.

[5] أمين الريحاني: النكبات، ص10.

[6] أمي الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص28.

[7] المصدر السابق، ج1، ص61.

[8] المصدر السابق، ج1، ص316.

[9] المصدر السابق، ج1، ص347.

[10] أمين الريحاني: النكبات، ص109.

[11] المصدر السابق، ص109.

[12] أمين الريحاني: الريحانيات، ج1، ص19.

[13] أمين الريحاني: أدب وفن، ص125.

[14] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص6.

[15] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص10.

[16] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص129.

[17] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص288.

[18] المصدر السابق، ج، ص287.

[19] أمين الريحاني: أدب وفن، ص101.

[20] أمين الريحاني: النكبات، ص57.

[21] المصدر السابق، ص14.

[22] المصدر السابق، ص147.

[23] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1 ص12.

[24] المصدر السابق، ج2، ص321.

[25] المصدر السابق، ج2، ص433-439. إن ما يشير له الريحاني هنا هو الوجه الظاهري المتعلق بشخصية الملوك العرب آنذاك، أما الوجه الباطني لهذه العلاقة فانه يعكس تقاليد وطبيعة العرب في هذه المناطق من الملوك ومن أنفسها.

[26] أمين الريحاني: أدب وفن، ص116.

[27] أمين الريحاني ملوك العرب، ج2، ص47.

[28] أمين الريحاني: الريحانيات، ج2، ص16.

[29] أمين الريحاني: ملوك العرب، ج1، ص60.

[30] المصدر السابق، ج1، ص390.

[31] أمين الريحاني:الأعمال الكاملة، 1980، ط1، ج4، ص93.

[32] أمين الريحاني أدب وفن، ص147-148.

 

 

صادق السامرائيإنطلقت (محنة خلق القرآن) في عصر المأمون سنة (212) هجرية، بإيحاء من فقيه المعتزلة (أحمد بن أبي داؤد)، الذي تمكن من عقله وهيمن على مداركه، فجعل القول بخلق القرآن من أهم أركان حكمه، ويُقتل من لا يقبل به.

إستمرت هذه المحنة في السنوات الستة الأخيرة من خلافة المأمون، وزمن المعتصم ومعظم فترة حكم الواثق، أي أنها تواصلت على مدى عقدين (212 - 232)، فتسببت بقتل العديد من أعلام الأمة.

إنها مسألة رأي وتأويل، فما هي علاقة الدولة بالموضوع؟

وتأويل الخلق ضعيف، ويستند على الآية : "إنا جعلناه قرآنا عربية " الزخرف: 3، وجعلناه أي صيّرناه، مما يعني خلقناه، ففي تأويلهم كل مجعول مخلوق، وإن صح أو لم يصح، ما هي دواعي إتخاذها منهجا للحكم؟

القول بخلق القرآن تعني أن القرآن قابل للتأويل، والقول بغيره لا يجيز الخروج عن النص القرآني، وهذا صراع فكري لا يزال قائما في واقع المسلمين، والمأمون كان يميل إلى إعمال العقل في كل شيئ، وتأثرَ بالفلسفة اليونانية، وأمعنَ بالدراسة والتعلم وتقريب العلماء ومحاورتهم، ولهذا مال إلى مناهج ورؤى المعتزلة، وتمكن منه فقيهم البارز (أحمد بن أبي داؤد)، وصار يأتمر برأيه، وينفذ إرادته، وقد إستغل هذه الفرصة لفرض رؤيته في الحكم، فابتدع فكرة (خلق القرآن)، ليجبر الفقهاء والممثلين للدين بإتباع مدرسة المعتزلة، وهي فكرة ذكية مختصرة بكلمتين.

وولعُ المأمون بالفكرة كان غريبا وقويا وحازما، وما تردد بسفك دم من يرفضها من أعلام الأمة وفقهائها، وهذا سلوك يستحق وقفة طويلة وإمعان بدراسة شخصية المأمون التي يبدو أنها تعاني من عاهات مزمنة.

وكانت وصيته للمعتصم عندما عهد له بولاية العهد واضحة وصريحة، بضرورة إتباع (إبن أبي داؤد) والإذعان لإرادته، وتنفيذ أوامره بمسألة (خلق القرآن) وإمتحان الناس بها.

و(إبن أبي داؤد) تسبب بمقتل عشرات الفقهاء، وتحكم بثلاثة خلفاء لتمرير نواياه الخفية، التي روّعت فقهاء المسلمين وأعلامهم في كل مكان.

وقدم مثالا واضحا على العدوانية والإنتقامية، والتعبير عن العاهات النفسية والسلوكية بأساليب دينية، وكأنه التقي الورع النقي المنزه من السوء والبهتان، وهو عدواني متبرقع بلباس الدين، الذي خدع به خلفاء تمكن من وعي ما في نفوسهم من أهواء ورغبات.

فكانت وحشيته تتألق عندما يوضع الفقهاء على النطع، ويقترح بدم بارد على الخليفة بضرب أعناقهم بالسيف، لأنهم كفرة وزنادقة لعدم إقرارهم بخلق القرآن، فينفذون أوامره!!

ويبدو أن لكل فترة حكم قميص، فمنذ (قميص عثمان) التي إبتكره (معاوية بن أبي سفيان)، وحتى اليوم، هناك قميص لكل نظام حكم، وخلق القرآن قميص إتخذه الخلفاء الثلاثة وسيلة للتحكم بمصير العباد، وإذعانهم لإرادتهم المطلقة.

وفي تأريخ الخلفاء للسيوطي: " قُتِلَ أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدا وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، قال كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال له الواثق: نكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك يُرى كما يُرى المحدود المتجسم، ويحويه المكان ويحضره الناظر؟

إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه؟

فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إن قمت إليه فلا يقومَن أحد معي، فأني أحتسب خطواتي إلى هذا الكافر، الذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع فأُجلِس عليه وهو مقيّد، فمشى إليه، وضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمر ذلك ستة سنين إلى أن تولى المتوكل، فأنزله ودفنه. (فهل يُعقل أن تبقى جثة معلقة لستة سنوات؟!!).

ولما صُلبَ كُتبتْ ورقة وعلقت في أذنه فيها :هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الأمام الهارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره."

هذا فقيه ثقافته لا تضاهى يؤتى به ليقف أمام خليفة قليل الثقافة، ومشحون بالإنفعالية ومُحشد من فقهاء المعتزلة لمناصرة مسألة (خلق القرآن) وقتل مَن لا يقبلها، ويوهمونه بالمعرفة والقدرة على المحاججة، وأنه على حق، ويحِق له أن يكّفر مَن يكّفر ويقتل مَن يقتل، وهو كالدمية في أيديهم، ويحللون له ضرب عنق الفقيه، الذي عليه أن يفتخر به ويعزه، بدلا من إذلاله وقتله.

وما فعله به وإبقائه لجثته ورأسه معروضة على الناس، إنما يشير أن (خلق القرآن) قميص للترعيب والتخويف وتأمين الإذعان المطلق، فالمشكلة في تأكيد فاعلية (الأمر والطاعة)، فلا رأي ولا قول غير ما يهذرب به السلطان، ومَن حوله من المتسولين الميتين الضمائر والفاقدين للقيم والأخلاق، والذين يهمهم ما يكسبونه من العطايا والجاه.

واليوم هناك العشرات من أمثال (إبن أبي داؤد) في مجتمعاتنا التي تعيث فيها العمائم فسادا وسفكا للدماء، وما أكثرهم وهم يتصرفون من وراء حجاب، فكل سلوك بشع مسوّغ بقتاوى المبرقَعين بدين!!

ولعنة الله على كل أفّاكٍ مُتاجرٍ بدين!!

وأتمنى أن يدحض ماتقدم قلم مختص من العارفين!!

 

د. صادق السامرائي