 ثقافة صحية

النسب والجينات / بهجت عباس

bahjat_abaasيرث المرء صفات أبويه نتيجة الجينات التي يرثها منهما، هذه الجينات التي ورثها أبواه من أبويهما أيضاً . والحقيقة أن الجسم هو صَنعة الجينات أو نتاجها، مع تأثير البيئة بظروفها المختلفة عليها،

والتي قد تؤدي إلى تغييرها أو تشويهها . فهل ترانا نحتفظ بالجينات التي كان يملكها آباؤنا الذين عاشوا قبل ألف سنة أو أكثر ؟ ولما كان المرء نتيجة صنعة الجينات، وهذه الجينات التي ملكها جدنا الذي عاش قبل ألف سنة ولسنا نملكها نحن، هل نستطيع القول إننا أبناؤه خَـلْـقاً وخُـلُـقاً ؟ وإذا كانت الأم تهب نصف الجينات أو أكثر، كما سيأتي ذكره، هل يمكننا القول إننا من نسل (الأب وأجداده القدامى فقط) ولا نذكر للأم وأجدادها أيَّ دور، بل هي مطويّة في عالم النّسيان؟ ولكننا قبل الخوض في هذا الأمر علينا أن نفهم ما هو الجين وكيف يعمل، ومن هنا نأتي على وحدة الجسم البشري التي  تحوي الجينات أجمعها وتنحصر فيها كلّ التفاعلات والفعاليات، ألا وهي الخلية البشرية .

 

الخلية

الخلية كائن حيّ قائم بذاته، لها فعالياتها وإنتاجها، فبعض الأحياء، كالبكتريا، هو  ذو خلية  واحدة، ولكنّ جسم الإنسان يتكوّن من 100 تريليون خلية تقريباً (التريليون هو مليون المليون)، ويبلغ معدل قطرها حواليْ عشر المليمتر، ولكنَّ أحجامها مختلفة . توجد نواة في داخل كل خلية (عدا خلية الدم الحمراء والصفائح الدموية) محاطة بالسايتوبلازم الذي يحتوي على كثير من الجسيمات الصغيرة مثل الميتاكوندريا.. تحتوي النواة على مجموعتين من المواد الجينية تدعى كل واحدة منهما بالجينوم . يتكون هذا الجينوم من الكروموسومات، التي يبلغ عددها في كل جينوم 23  كروموسوماً ( 46 كروموسوم في الجينومين) ومجموعة دي. أنْ. أيْ (دنا DNA). فهناك نسخة من الجينوم مورثة من الأم ونسخة أخرى مورثة من الأب . تتكاثر هذه الخلية، الجسمية، بعد أن تستنسخ الكروموسومات ذاتها فتتضاعف، حيث ينتج عن ذلك خليتان متشابهتان وتحتويان على نفس العدد من الكروموسومات . ويسمى هذا الانقسام بالميتوزي . أما الخلية الجنسية (التي تُنتَج في المبيض أو الخصية) فتنقسم بادئ الأمر إلى خليتين متماثلتين تحتويان على نفس العدد من الكروموسومات، ثم تنشطر هاتان الخليتان إلى أربع خلايا تحتوي كل واحدة منهن على نصف العدد من الكروموسومات (23) وهو خليط عشوائي من كروموسومات الأب والأم، وإنها لمسألة حظ فقط أنْ  يأتي كروموسوم معيَّن من الأم أو الأب. لذا تختلف الخلايا الأربع (البيوض مثلاً) فيما بينها في وجود وراثة (جين معيَّن)، من الأب أو الأم، جيداً كان أم سيئاً، في هذه الخلية وليس في الأخرى. تكون الحيامن الأربعة فعالة، بينما ثمة بيضة واحدة فقط صالحة للتخصيب، حيث يكون مصير ثلاث منها التلف. ولما كانت الكروموسومات تنتقل باستقلال تام عن بعضها، أي بانفراد وليست كمجموعة، إضافة إلى تبادلها القِطعَ الجينية، كما ورد آنفاً، يجعل من الصعب، إنْ لم يكنْ مستحيلاً، وجود بيضتين اثنتين متماثلتـين تحويان الجينات ذاتها، حيث يكون (مزيج) الجينات في أيِّ بيضة مسألة حظ فقط، ومن هنا تأتي الفوارق بين الأخوة.

وعند اتحاد  الخليتين الجنسيتين (الحيمن والبيضة)  لتكوين (البيضة المخصبة Zygot) يجتمع الجينومان ليكوِّنا 46 كروموسوماً . عندما تنتج الأم البيضة تستنسخ الخلية الأم (الخلية الجنسية) كل كروموسوم فيها، فعندها يلتصق الكروموسوم مع نسخته، ثم تجد الكروموسومات مثيلاتها فتتبادل قطعاً جينية (دنا) متماثلة بينها، وبهذا الامتزاج يكون بعض الجينات من أم الأم جنب مثيلاتها من جينات أب الأم على نفس الكروموسوم، الذي سيرثه الطفل، وكذلك الحال مع الحيمن وجيناته، أي أن الطفل سيرث كروموسومات جديدة تختلف عن كروموسومات أبيه وأمه، فيها بعض جينات من جَـدّتيْـه وجَـدّيْـه . لذا يحمل بعض الأطفال صفات أمهاتهم أكثر من صفات آبائهم والعكس وارد أيضاً . هذه الكروموسومات تكون خاصة بهذا الطفل لا يشاركه فيها أحد حتى إخوته، عدا التوأمين المتناظريْن الناتجين عن انقسام الخلية المخصبة (زايكوت)، وبهذا يكون الإخوة متفاوتين في بعض الصفات، ومشتركين في صفات أخرى . وستجري هذه العملية مرة أخرى وبنفس الطريقة بالنسبة إلى نسل (الطفل) . يوجد في كل جينوم 25 إلى 30 ألف جين، أي أنّ لكل جين نسخة مشابهة في الجينوم الآخر، هذه النسخة تسمى (أليل)، أي أنَّ ثمة جيناً من الأب مقابل جين من الأم يكون الفرق بينهما في لون العينين والبشرة والشَّعر ..إلخ. تحدث أثناء عملية الاستنساخ المتكررة تغييرات / تشوّهات، منها ما هو ضارّ ومنها ما ليس له أيّ تأثير، وقد وُجد أن دناDNA   الفرد تعاني 100 تغيير فيها تقريباً خلال حياته . وهذا يعني أن الفرد يرث مجموعة من الجينات فريدة به، إذ هي مزيج من جدّتيه وجدّيه (جدود أربعة) مع تغييرات فيها أثناء تكوين البيضة والحيمن وتغييرات أخرى تنشأ أثناء حياته في البيئة التي يعيش فيها . لذا تساهم الأم بنصف جينات الطفل زائداً جينات المتاكوندريا البالغ عددها 37 جيناً، ضمنها  الجين الهامّ الذي ينتج الإنزيم سايتوكروم سي أوكسيديس  Cytochrome C Oxidase والخمائر المساهمة في إنتاج الطاقة المعروفة أدينوسين ثلاثي الفوسفات (أي. تي. بي. ATP) الذي يزود التفاعلات الكيميائية في الجسم بالطاقة التي تحتاجها . هذه الميتاكوندريا، المسماة بيت الطاقة في الخلية، تمنحها الأم فقط إلى الطفل . فلماذا تُهمَل الأم إذاً في نسب الفرد، وهي التي تساهم بنصف الجينات مع الميتاكوندريا، التي لولاها لا تكون حياة،  بينما الأب لا يشارك إلا بنصف الجينات فقط ؟ الميتاكوندريا (المُشوَّهة) تلعب دوراً كبيراً في إسراع شيخوخة الإنسان .

هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إذا علمنا أن الأب يساهم بنصف جينات ابنه أو ابنته، وأن عدد الجينات، ولنقل حواليْ (30) ألف جين تقريباً، فإن ما يرث الابن من أبيه هو 15 ألف جين، ونفس العدد من أمه طبعاُ. هذا الابن سيورث ابنه 7500 جين ( أي ربع جينات جده)، والأخير هذا سيورث ابنه ثُمنَ (1/8) جينات الجد الأكبر وهكذا . ولو فرضنا أن معدل الجيل هو 30 سنة، واستمررنا على حسابنا هذا، فسوف لا نجد في الجيل الخامس عشر، أيْ بعد 450 سنة، سوى جين واحد أو بضعة جينات من الجد الأكبر . فأين ذهبت هذه الجينات خلال هذه المدة ؟ تخففت وتقسمت بين أفراد المجتمع الذين عاشوا في ذلك المحيط نتيجة الاختلاط بين أفراده وكوّنتْ فيما يدعى بـ (حوض أو بِركة الجينات Gene Pool) حيث تنحصر هذه الجينات في ذلك المجتمع الصغير. أما إذا اختلط / تزاوج بعض من أفراد هذا المجتمع من أفراد مجتمع آخر مجاور، فالجينات تنتقل (تهاجر) إلى ذلك المجتمع مما ينتج عنه جينات جديدة أو يغيّر استمرارية / تَكرار الجينات الموجودة في السكّان فيما يدعى بسيولة الجين Gene Flow، وهذا الأخير يزيد من تنوّع بِرَك الجينات . وقد يختفي بعض الجينات أيضاً من بِركة جينات جيل نتيجة ما يسمى بالـ (الانجراف الجيني Genetic Drift) والذي هو نوع من التطور، ذلك إذا كان زوجان من خليتين لا ينتجان كثيراً من النسل، لا تنتقل كلّ أليلات الأبوين إلى أطفالهما نتيجة توزيع الكروموسومات في الانقسام الميوزي، حسب قانون مندل الأول للوراثة .

ومن هنا يتبين أن الفرد لا يملك من جينات جده الذي عاش قبل خمسمائة سنة أو أكثر  شيئاً يذكر إلا كما يملكه الآخرون الذين عاشوا مع أحفاد ذلك الجدّ في المجتمع ذاته واختلطوا معهم بوسائل مختلفة من تزاوج مثلاً، حيث تخففت تلك الجينات وتغيرت/تشوهت نتيجة ظروف البيئة وسيولة الجينات وانجرافها، كما ورد أعلاه .

فهل يستطيع الفرد (عملياً) الإدَّعاءَ بالانتساب إلى جده الذي عاش قبل خمسمائة سنة أو أكثر، وهو لا يملك من جيناته شيئاً، هذه الجينات التي تمنحه الصفات والمظاهر الخارجية، وتلعب دوراً في تصرفاته وسلوكه ؟

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1710 الاثنين 28/03 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1666 المصادف: 2011-03-29 12:08:43


Share on Myspace