 ثقافة صحية

لُغزِ سرطان البروستات المعقد، هل يحلّه الجين E2F3 ؟ / بهجت عباس

bahjat abaasإستعراض سريع لسرطان البروستات: لم يُحيِّر العلماءَ والأطباءَ والباحثين سرطانٌ مثل سرطان البروستات، فذهبوا مذاهبَ شتّى في كنهه،

أسبابه، تشخيصه، تفاديه وعلاجه. فكان ثمة آراءُ ونظرياتٌ واجتهاداتٌ، وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى! ورغم هذا، فقد حدث تطور كبير في تشخيصه وعلاجه ولكنّ المصابَ به دفع ثمناً باهضاً له قد لا يكون مضطراً إليه، وبخاصة استئصال البروستات كلياً وجوانبها السيئة، التي قد لا تكون ثمة حاجة لاستئصالها أو حتى علاجها، إذا كان سرطانها بطئ النموّ، فيما لو عُرف الجين المُـكتَـشَفُ في 14 حزيران 2004 ووضع موضع التنفيذ في اختباره.

وقبل أن أدخل في ماهية الجين وعمله، أود أن أستعرض غدة البروستات ومشاكلها بصورة عامة سريعة ليكون القارئ الكريم مُلمّـاً بما يجري في هذه الغدة التي قد تودي بحياته إذا أهمل أمرها.

الغدة

تعتبر البروستات غدّةَ جهاز التنـاسل في الذكر، وهي تشبه الكستناء أو الجوزة شكلاً وحجماً وتقع مباشرةً تحت المثانة وأمام الشرج محيطةً بالجزء الأول من مجرى البول. أما تركيبها، فيتكون من 30% أنسجة عضلية و 70% أنسجة غدِّية بمنطـقـتين رئيستـين، داخلية (تفرز سوائلَ لترطيب البطانة الداخلية لمجرى البول) وخارجية (تنتج إفرازاتٍ مَـنَويّـة)، وهذه الأخيرة تلعب دوراً في تغذية الحيامن وتمنع تخثرها وجفافها.

تزن البروستات بضعة غرامات عند الولادة وتتضاعف عند البلوغ نتيجة الهرمونات الذكرية (أندروجينات) وتستمر بالنمو ليصل وزنها 20 غراماً عند سن العشرين وتتضاعف عند سنِّ الخامسة والعشرين مستمرة بالنمو حتى منتصف الأربعين، فيتوقف النمو مؤقتاً، ويستمر بعدئذ حتى نهاية عمر الإنسان.

831-bahjat1 

       شكل يبين موقع غدة البروستاتة  

 

البروتين Prostate Specific Antigen (PSA)

يعتبر هذا البروتين الذي تفرزه البروستات فقط قياساً لتضخّم البروستات أو المرض الذي يصيبها، ذلك أن هذا البروتين يزداد إذا كان ثمّة تغيّرات فيزيائية للبروستات نتيجة إصابة جرثومية، إلتهاب، ورم حميد أو خبيث (سرطان) أو حتّى مجرّد تدليكها أو ملامستها. هذا البروتين الذي ينتج في البروستات ينضح جزء صغير منه إلى مجرى الدم طبيعياً، ولكنْ عادة يفرز إلى المنيّ ليساعد عملية الإخصاب (حيث يمنع تخثّر المنيّ). وعندما تكون قناة البروستات التي عادة تفرز هذا البروتين إلى مجرى البول مسدودة أو ضيقة الفتحة نتيجة ورم خبيث، تنضح كمية كبيرة منه خارج البروستات إلى الدم، فيرتفع مستواه في الدم. إن ارتفاع هذا المستوى لا يعود إلى ورم خبيث فقط، بل إلى أسباب أخرى سبق ذكرها. ولكن بعض الأدوية والأعشاب يـزيد من مستواه أيضاً مما يعطي نتائج كاذبة. لذا يمكن القول إنَّ مستوى البروتين العالي في الدم يرتبط بسرطان البروستات وليس دائماً. أما مستوى تركيزه الطبيعي في الدم فهو بين 0-4 نانوغرام لكل مليلتر من الدم (نانوغرام = 1 من البليون-تسعة أصفار). ولكن بعض الباحثين يرى الحدَّ الأعلى له 2.6 نانوغرام. أما إذا كان تركيزه 4-10 نانوغرام، فيعتبر نذيرأ، وبعض العلماء يعتبره (طفيفاً) كما ويُعتبر التركيز 10-20 لدى البعض متوسطاً، وما بعد هذا فأمر يدعو إلى اتخاذ إجراء فوري. وهذا تضارب أو إجتهاد في الآراء، كما ذكرت في بداية المقال. يرتبط الجزء الأكبر من البروتين بمثبط وجزء آخر يكون حراً (طليقاً).

وقد وُجِدَ أن البروتين يوجد بشكل غير مرتبط في الورم الحميد أكثر من وجوده في الورم الخبيث، لذا يكون قياسه (نسبته المئوية) مختبرياً مفيداً للتمييز بين الورمين. وعلى هذا الأساس وجد الباحثون أن النسبة المئوية التي تزيد عن (25%) للبروتين الطليق تعطي (برهاناً)، وإن كان غير موثق، على أن المريض لديه ورم حميد أو التهاب بروستات، معتمداً على كمية البروتين الكلّي الموجود في الدم وعلى عمر الشخص أيضاً. أما النسبة التي تقل مثلاً عن 10%، فتدل على احتمال كبير أن الشخص مصاب بالسرطان. وفي أغلب الأحوال يخضع المريض إلى فحص آخر حيث تؤخذ من البروستات نماذج من اليروستاتة بواسطة (إبرة) جوفاء في عملية يُـؤخذ فيها (نسيج حيّ Biopsy)، بواسطة موجاتِ صوتٍ عبرَ المستقيم

Transrectal Ultrasound (TRUS) لإحداثِ صورة للبروستاتة تساعد (الإبرة) على التقاط عينات (عادة 6-12) من أماكن متعددة من البروستاتة (لكون ورم أو أورام البروستات ليست في مكان واحد بل في أماكن عدة)، هذا إذا كانت البروستاتة ذات حجم طبيعي بفحصها بالإصبع Digital Rectal Exam (DRE) والبروتين PSA بين 4-10. تفحص هذه العينات مكروسكوبياً. إذا كانت النتيجة سالبةً، فلا يعني أن الشخص غير مصاب، فلربما أخطأت (الإبرة) المكان. وعادة تعاد العملية بين حين وآخر، حسب تطور البروتين، وهذا موضوع آخر. أما إذا كانت النتيجة إيجاباً، فلا يعني أن الشخص مصاب حقاً، حيث يعتمد هذا على درجة تركيب الخلايا وترتيبها بين الخلايا الطبيعية في ما يسمى كَليسن Gleason، وهذا موضوع آخر أيضاً. كما أن هناك (إيجابية كاذبة) أيضاً تعود إلى استعمال الشخص بعضَ الأدوية أو الأعشاب مدة قصيرة قبل الفحص. ثم إن هناك، إذا تحقق وجود الخلايا السرطانية، مشكلةً فيما إذا كان هذا السرطان بطيئاً، فيهمل علاجه ويستدعي المراقبة فقط، أو سريعاً، وهو ما يجب أن يُعالجَ فوراً. ولكنَّ سرعة ارتفاع مستوىPSA في الدم في فترات قصيرة قد يؤخذ بالإعتبار على أنَّه مؤشر على سرطان سريع ولكنه ليس حاسماً. ومن ناحية أخرى وُجِدَ أيضاً أنَّ 67% من الأشخاص ذوي البروتين PSA المرتفع ليس لديهم سرطان.

          ورم في البروستاتة

 وهنا يأتي دور الجين E2F3 ليحُـلَّ هذا اللُغز.

 831-bahjat2

الجين E2F3

 

في الأبحاث التي أ ُجريتْ في معهد أبحاث السرطان الذي يرأسه البروفيسور كولن كوبر في مدينة ليفربول البريطانية بالإشتراك مع البروفيسور كريس فوستر من جامعة ليفربول أ ُكتشِفَ هذا الجين في 14 حزيران سنة 2004، فوُجِدَ أنه يقع على الكروموسوم 6. وينتج بروتيناً من عائلة E2F، هذه العائلة تلعب دوراً حاسماً في السيطرة على دورة الخلية وتؤثر على فعل البروتينات مُثبِّطات السرطان. وفي نشرة منظمة الجينوم البشري HOGO في 26 أكتوبر 2005 وُجِدَ أنَّ هذا الجين يتضاعف كثيراً ويُفصِح (ينتج بروتيناً) في سرطان المثانة المتنامي وهذا ما يُعطي خلايا الورم تعزيزاً للتكاثر بتنشيطه تشعّـباً للأورام السرطانية.

ولما كان هذا الجبن يلعب دوراً في تكاثر الخلية أيّاً كان نوعها، لذا، فإنَّه يلعب دوراً في كل الخلايا البشرية. ولكنْ عند فحص البروتين الذي ينتجه هذا الجين وُجد أن البروستات الطبيعية خالية منه، مما يدل على أن هذا الجين غير فعال (خامل) فيها، بينما وُجِدَ مستوى عالٍ من هذا البروتين في 98 شخصاً من أصل 147 شخصاً (67%) من المصابين بسرطان البروستات. وعلى هذا الأساس يدرس العلماء إمكانية تشخيص سرطان البروستات، فيما إذا كان نموّه سريعاً أو بطيئاً، بقياس البروتين الذي ينتجه هذا الجين. فبهذا يختزلون المتاعب والمشاكل الموجودة حالياً في تشخيص سرطان البروستات وعلاجه. وبمعرفة البطيء منه يوفرون للمصاب علاجاً لا حاجة له به وراحة نفسيّة. وكما يقول البروفيسور كوبر " التمييز بين الأورام العدوانية، النمور، وتلك التي لا تضر، القطط،، هو الكأس المقدّسة." ويتوقع د. كوبر أن يوضعَ هذا الإختبار موضع التنفيذ خلال أربع سنوات.

والحقيقة إنَّ سرطان البروستات سرطان محتم على كل رجل. إذ أن الخلايا السرطانية موجودة في البروستات منذ أن يبلغ الرجل سنَّ الخمسين، ولكن الفرق بينهم هو البطيء أو السريع. فالنوع الأول يجعل الرجل يعيش حياة طبيعية دون أن يشعر بأي علامة أو أذى. على أنَّ هذا لا يعني أنَّ الرجل دون الخمسين عاماً لا يناله هذا المرض، فقد ينال منه ولكنْ نادراً. إن فحص البروتين PSA سنوياً هام جداً لمن تجاوز الأربعين عاماً، وتطوّرُ مستواه بسرعة يشير إلى اتخاذ الإجراء اللازم.

 

العلاج

 للسرطان سريع النمـوّ فقط، فالبطيء لا يحتاج إلى علاج، إذ أنَّ المريض يموت بتقدم العمر قبل أن يصل هذا السرطان حدّاً للفتك به.

  1. 1.الجراحة باستئصال غدّة البروستات كلها، الحويصلات المنوية والعقد اللمفاوية المجاورة. وهي عملية كبرى لمرضى أصحّاء لا يتجاوزون سبعين عاماً وعلى أنْ لا يكون السرطان منتشراً.
  2. 2.الهرمون- يقلّص حجم الورم في 80% من الرجال، ولكن لا يقتل الخلايا السرطانية- غالباً يُستعمل قبل العلاج الإشعاعي لتقليص الورم.

يعمل هذا العلاج على تقليل إنتاج التستوستيرون في الخُصى الذي يحفز نموَّ سرطان البروستات. عادة يُستعمل فينوسترايد (بروسكار) لهذا الغرض ليحول دون تحوّل التستوستيرون إلى الشكل الفعال منه.

  1. 3.الإشعاع بديلاً عن الجراحة.
  2. 4.زرع حبيبات إشعاعية Brachytherapy- علاج حديث يتمّ

بزرع حُبيْـبات صغيرة جداً مباشرة في موطن السرطان. وهو علاج فعال جداً أ ُخذ يُستعمل الآن على نطاق واسع يديلاً عن الجراحة بعد تجاريب عشرات السِّنين. تُزرع الحبوب بواسطة إبرة خاصة Hypodermic needle، فتعطي هذه الحبوب إشعاعاً ببطء ولمدة بضعة أشهر حيث تكون الإشعاعات محصورة في البروستات ولا تؤثر على الأنسجة المحيطة. تقلّ كمية الإشعاع إلى نصفها كل 60 يوماً فبهذا يتلاشى 85% منها في ستة أشهر وتزول كلّـُها تقريباً في سنة واحدة.

 

  1. 5.العلاج التصويري المتحرك Photodynamic Therapy (PDT)

هذه تقنية حديدة ظهرت حديثاً استعملها تراختنبرغ Trachtenberg باستعمال عقار ينشطر بالضِّياء لتدمير أنسجة سرطان البروستات، بينا يترك الأنسجة السليمة المحيطة غير متأثرة.

ففي معهد وايزمان-إسرائيل يُستعمل عقار توكاد Tookad المستخرج من النبات، وهو غير ضارّ إلاّ إذا امتـزج مع أشعة ليزر التي تُوَجَّـه إلى البروستات بواسطة ألياف عينية Optical fibres يُزرق التوكاد وريديّاً، فيمتص الضِّياء، ويبدأ بتدمير خلايا السرطان فقط بقطعه إمداد (تجهيز) الدم عن الورم. إستعملت هذه العملية في مستشفى الأميرة مارغريت في تورونتو أول مرة عام 2002، ولا تزال تـُستعمل حتى اليومَ.

تـُستعمل هذه الطريقة في علاج الأشخاص الذين فشل الإشعاع لديهم في معالجة السرطان، ورجع مرة أخرى. هذا العقار الحسّاس للضوء يزول من الجسم خلال ساعتين، ولذا فهو سريع جداً ومأمون العواقب، كما يقول تراختـنبرغ.

 

أهميّة الغذاء في سرطان البروستات

أثبتت الأبحاث الأخيرة أن للغذاء أهمية كبيرة في نشوء أو علاج سرطان البروستات. فتجنّب الطعام المقليّ والشّحوم والمواد الدهنية، كالزبدة والقشطة والزيوت يقلل من الإصابة. كما وإنَّ تناول الصويا وفيتامين E وسيلينيوم وكثير من الفواكه والخضروات والبقوليات والخبز الكامل بقشرته والطماطم التي تحتوي على المادة الحمراء مضادة التأكسد لايكوبين والرقي (البطيخ الأحمر)، هي في الواقع علاج، وبخاصة لايكوبين التي هي من مركبات أيزوفلافين القوية ضد التأكسد، للسرطان وبخاصة في أوائله.

وقد وُجِدَ من دراسة قامت بها Harvard School of Public Health على 47,365 شخصاً أنَّ الذين تناولوا نصف قدح من صلصة الطماطم (125 مل) مرتين أسبوعياً هم 28% أقلّ ُ احتمالاً من الإصابة بسرطان البروستات من أولئك الذين تناولوا مرة أو أقلَّ من مرة من هذه الكمية في كل شهر. ولكن دراسة حديثة قامت بها د. أولريكا بيترز ورفاقها في Fred Hutchinson Cancer Research Institute في لوس أنجيليس في مايس 2007 أظهرت أن لا تأثير للطماطة أو لايكوبين على سرطان البروستات . وهي دراسة أجريت على 28 ألف فرد مصابين بسرطان البروستات والرئة والقولون والمبيض. بل أظهرت الدراسة خطر الفيتامينات إذا استعملت بكثرة ، وخصوصاً فيتامين – A بيتا كاروتين لتنشيط السرطان. كما أنّ بيتا كاروتين يزيد من مخاطر سرطان الرئة ومرض القلب عند المدخنين. الخضروات التي تحتوي على مواد ملونة مثل البروكولي والقرنابيط واللهانة وغيرها لها فعالية كبيرة في هذا الشأن أيضاً، وكذلك عصير الرمان والشاي الأخضر والنبيذ الأحمر والسمك الدّهنيّ، كالسردين والهرينك والسّلمون ثلاث مرات أسبوعياً يقطع سرطان البروستات إلى النصف (دراسة هارفارد) و 30% (دراسة سويدية على ستة آلاف شخص). الرياضة البدنية تلعب دوراً كبيراً في التقليل منه.

 

علامات سرطان البروستات : أهمها

- تبول متكرر عدة مرات ليلاً ونهاراً.

- عدم إمكانية تفريغ المثانة كليّاً.

- ضعف في تدفق البول.

- صعوبة استمرار البول والتوقف.

- سلس البول.

- ألم أو بول دمويّ.

 

عضو متمرس في جمعية الكيمياء الحياتية البريطانية.

 

.........................

من كتاب (الجينات والعنف والأمراض – فيشون ميديا 2007)

 

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2122 الاربعاءء 16 / 05 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2080 المصادف: 2012-05-16 10:32:02


Share on Myspace