 ثقافة صحية

صدّق ولا تصدّق عن وباء كورونا الجديد

محمد مسلم الحسينييضرب المعموره هذا العام وباء فايروسي جديد أسمه (مرض كورونا فايروس الجديد " كوفيد 19") وهو مرض ناشىء عن فايروس متحور جينيّا ومختلف عن الفايروس الأم " كورونا" والذي يهاجم الجهاز التنفسي ويسبب الأنفلونزا والإلتهابات في المسالك التنفسيه. التغيير الجيني الحاصل لهذا الفايروس الجديد قد يكون ناشئا عن مسار بايولوجي من خلال إنتقال الفايروس الأم " كورونا" من الإنسان الى بعض الحيوانات كالثعابين أو الخفافيش أو غيرها، فتبدلت صيغته الجينيه هناك وأنبعث منها فايروس كورونا جديد سميّ بـ "كوفيد 19 "، حيث أنتقل من الحيوان الى الإنسان مرة أخرى وأصبح أكثر شراسه وأشد عنفا وأثرا على صحة الإنسان. أو ربما هذا التحوّر في الصيغه الجينيه لهذا الفايروس قد حصل داخل مختبرات تصنيع السلاح البايولوجي وتسرب منها سهوا أو على أقل تقدير عمدا وهو إحتمال ضعيف لكنه واردا ويحتاج للدليل.

مهما كانت ميكانيكية وصيرورة هذا الفايروس الجديد وطبيعة خلقه، فالحقيقه هو أن إنتشاره سريع بين المجتمعات والأمم ولن تسلم بقعه من بقاع الأرض منه! إنطلاقا من هذه الحقيقه فعلى الجميع الوصول الى المعرفه الحقيقيه عن واقع هذا الوباء وخصائصه كي يتم التعامل معه بما يطابق الحقيقه وليس بما يجانبها، فهذا المرض لا يتحمل التهويل ولا يتقبل التهوين. نسمع بين الفينة والأخرى معلومات تكاد تكون متضاربه حول هذا الوباء الجديد وعن طبيعته وكيفية التعامل معه، حيث أن جزءا من هذه المعلومات تداولتها ألسنة بعض أجهزة الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، وجزءا آخرا منها يرد على لسان بعض المسؤولين في بلدانهم والتي تكاد تكون مضلله أو مبالغا فيها. ننشر بهذا المقال بعض هذه الأقاويل ونحاول تصحيحها كي يكون القارىء، أينما كان، على بيّنة منها:

هناك بعض التقارير المتداوله قد تنشر الرعب في نفوس الناس حينما تضخم أثر المرض وقابلية فتكه بالبشر حيث تبث أوهاما وخيالات  الى حد أن المرض سيقضي على معظم سكان الأرض! في حين بينت آخر الإحصائيات العلميه في مراكز بحوث عالميه معروفه بأن نسب الوفاة بهذا الوباء هي كالآتي: لا وفاة عند الإصابه بالمرض لمن تتراوح أعمارهم بين 0 - 9 سنوات. الوفاه عند الإصابه تحصل بنسبة 0.2 بالمئه لمن تتراوح أعمارهم بين 10 – 39 سنه. و 0.4 بالمئه لمن تتراوح أعمارهم بين 40 - 49 سنه. و 1.3 بالمئة لمن تتراوح أعمارهم بين 50 - 59 سنه، و 3.6 بالمئه لمن تتراوح أعمارهم بين 60 - 69 سنه. و 8 بالمئة لمن تتراوح أعمارهم بين 70 - 79 سنه. و 14.8 بالمئه لمن تتراوح أعمارهم بين 80 سنه فأكثر. أي أن معدل الوفاة بعد الإصابه لا يتجاوز 4  بالمئة من المصابين بشكل عام، حيث أن الوفاه تزداد نسبها عند المسنين وعند من لديهم أمراض مزمنه كأمراض القلب أو الجهاز التنفسي أو السرطان أو نقص المناعه وربما الحوامل أيضا.  على النقيض الآخر نسمع من يتحدث بالعكس من ذلك، حيث يبالغ في التهوين والتخفيف من هول الوباء وحقيقته، حيث يصرح بعض المسؤولين بأن هذا الوباء ليس أكثر شدة من وباء الأنفلونزا الفصليه الكلاسيكيه. هذه التصريحات مبالغ فيها أيضا ولا تنسجم مع الحقيقه حيث صرّح رئيس منظمة الصحه العالميه " تيدروس أدهانوم غيبريسوس" بأن الفايروس الجديد هو حاله إستثنائيه وله صفات إستثنائيه ربما تجعله أكثر شراسة وأشد بأسا. كما بيّن أيضا وجوب التركيز على نقاط ثلاثه وهي عزل المرضى، متابعة من أحتك بهم، ومنع التجمعات بكل صورها. هذه الحقيقه وهذه اللزوميات لا يمكن أن نغض البصر عنها بأي شكل من الأشكال، وهو ما يدعو الى إجراءات صارمه وحثيثه عوضا عن التساهل والتماهل أمام هذا الوباء. شراسة المرض الجديد بالمقارنه مع الإنفلونزا الموسميّه بينتها أيضا البحوث الصادره عن المركز الصيني للبحوث في الأمراض الوبائيه التي بينت بأن أكثر من 10 بالمئه من المصابين بمرض كورونا الجديد يحتاجون الرقود في المستشفيات بسبب المضاعفات، بينما يحتاج فقط 1 في المئه من المصابين بالإنفلونزا الرقود في المستشفى بسبب المضاعفات.

نسمع أيضا بأن دوءا ما في مكان ما قد أكتشف ولقاحا ما سيدخل الأسواق حالا لمعالجة ومنع هذا الوباء المنتشر. مثل هذه الأمور لا يمكن أن تصدق بالوقت الحاضر أمام الحقائق التاليه: الفايروس ليس كالبكتريا المرضيه فهو لا يعالج بالمضادات الحيويه المتوفره ومعالجة الفايروسات أمر صعب جدا. الأمل الأقرب للواقع هو إكتشاف لقاح يمنع المرض ولا يشفيه، هذا اللقاح لا يمكن تسويقه وإستخدامه بعد إكتشافه في ليلة وضحاها، لأن الأمر يتطلب تجربته على الحيوانات أولا ثم على المتطوعين من الناس وبعدها تصنيعه تجاريا وتسويقه. هذه العمليه تتطلب فترة من الزمن تتراوح بين ستة شهور الى أكثر من سنه منذ بدء العمل فيه، الإجراءات الوقائيه الحازمه من الوباء في الوقت الحاضر هي المعيار الرئيسي والمهم في مكافحة هذا الوباء لحين تسويق اللقاح المناسب.

هناك أيضا تناقضات في الأقوال وفي الأفعال في طرق مكافحة ومنع إنتشار الوباء صدرت عن مؤسسات دوليه وعن مسؤولين في الصحه تحمل الخطأ في ثناياها ومنها: عدم إيقاف الرحلات السياحيه وغير الضروريه لبلدان تعتبر بؤرة للمرض، وهذا الفعل سبب تسهيل إنتشار المرض بين البلدان. الأعذار الإقتصاديه والسياسيه يجب أن تسقط أمام معالجة هذا الوباء لأن الثمن سيكون باهضا على المدى المنظور وليس البعيد فقط، فقصر النظر بالتعامل في أمور الصحه أمر مشين ومضر جدا. بنفس الأسلوب تعامل بعض االمسؤولين مع حقائق ومستلزمات واجبة الحصول لمكافحة هذا الوباء ! نقص الكمامات  الوقائيه وعدم توفرها في الصيدليات في الكثير من البلدان جعل المسؤولين فيها يصرحون بتصريحات غير علميه وغير واقعيه حينما بدؤوا يشككون بأهميه هذه الكمامات وفعاليتها حيث ذهبوا بعيدا حين قالوا أن الكمامات ليست ضروريه وليس لها فائده في منع إنتشار هذا الوباء !  هناك نقص حاد في مستلزمات إدارة ومكافحة هذا الوباء في الكثير من البلدان بل حتى في الدول الأوربيه المتقدمه نرى إخفاقا واضحا بالتعامل العلمي الصحيح مع هذا الوباء. حيث لا تتوفر مستشفيات عزل كافيه، ولا مختبرات ولا مواد أوليه ضروريه للتشخيص تسد الحاجه والطلب، ولا كادر متدرب كافي للتصدي لهكذا وباء، ولا تتبع ومراقبه صحيحه للمصابين ومن يحتك بهم، ولا إجراءات إحترازيه كافيه لتجنب الوباء، إنما السياسه المتبعه لتغطية النقص والخلل هو التهوين والتقليل من هول الوباء وإستخدام أسلوب التهدئة!.

غابت الشفافيه الضروريه في التعامل الصحيح مع حيثيات هذا الوباء منذ البدايه، حيث أخفت بعض الدول وجود هذا الوباء فيها في بداية الأمر أو قللت من العدد الصحيح للإصابات لديها أو تباطأت في إجراءات حماية نفسها من إختراق الوباء لها من جهة، وتباطأت أيضا في إجراءات منع إنتشار الوباء حينما غزاها الوباء من جهة أخرى، وكأنها تناست المثل القائل " قيراط وقايه خير من قنطار علاج" ! ربما كانت الدوافع إقتصاديه لذلك لكن هذا لا يبرر المضاعفات والثمن الغالي المدفوع لاحقا. ومن الأمثله التي تضرب على التهاون في منع إنتشار هذا الوباء هو التباطؤ بإصدار قرارات منع التجمعات البشريه سواء كان هذا من خلال تجمعات المدارس والجامعات أو النوادي والحفلات أو اماكن العباده والأضرحه الدينيه أو غيرها، حيث أن الاوامر تصدر بالإغلاق بعد تفشي الوباء وإنتشاره! بنفس السياق تم التعامل مع إجراءات الوقايه الأخرى التي تكون إمّأ غير كافيه لملأ الحاجه والطلب أو غير متوفره أصلا ! هذه المؤخذات لا تعني بلدا مقصودا بعينه إنما حاله شبه عامه تشمل حتى البلدان الغربيه المتطوره !.

من إشارات وتبريرات بعض المسؤولين التهاونيه التي وردت والتي تحمل مسحات غير إنسانيه هو ترديد القول بأن هذا الوباء خطير فقط بالنسبه لكبار السن واصحاب الأمراض المزمنه والخطيره، وهم يقصدون في خطاباتهم  طمأنة الشباب بأنهم غير مشمولين بخطورة الوباء ونتائجه الوخيمه فلا داعي للقلق، كي يبررون فشلهم في توفير ما يلزم لدفع المخاطر والمضاعفات. كما أن بث معلومات الهدف منها التضليل ومفادها بأن هذا الوباء تعتمد الإصابه فيه على مقاومة الجسم وأن هذه المقاومه تعتمد أولا وأخيرا على حالة الإستقرار النفسي، هي كلمة حق يراد بها باطل!. نعم الإستقرار النفسي يحفظ صحة الإنسان ويزيد مقاومته للأمراض بشكل عام، لكن هذا لا يبرر التخلي عن الإجراءات الحقيقيه اللازمه لمكافحة الوباء ورصده وصده. ثم كيف تستقر نفسيات البشر وهم يسمعون كل يوم سرعة إنتشار هذا الوباء في العالم وسرعة الإصابه به قبل أن يلمسوا الإجراءات الصحيحه الصارمه  التي تتخذها الدوله ضد هذا الوباء  كي يطمئنوا وتستقر أحوالهم النفسيه!؟.

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

أخصائي علم الأمراض

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4935 المصادف: 2020-03-10 11:09:58


Share on Myspace