ناجي ظاهريقوم بها ناجي ظاهر بصحبة فابريس تومريل

يقوم الكاتب الفرنسي فابريس تومريل، في كتابه النقد الادبي، بجولة مُثريةٍ ومغنيةٍ في مملكة النقد الادبي، مستعرضًا العديد من المدارس النقدية وآراء النقاد والكتاب الفرنسيين خاصة. ترجم الكتاب الاستاذ الجامعي الكاتب الهادي الجطلاوي وصدر عن دار التنوير للطباعة والنشر في تونس، عام 2017، وهو موجّه للطلاب الجامعيين وعامة القراء، لهذا يغلب عليه الطابع التعليمي البيدادوجي. يقول مترجمُه إنه نظرًا لطبيعته العلمية، حرص في تعريبه له على توخي التأني في العمل والوفاء بالمعنى في ادق جزئياته مُراعيًا في أداء المعنى روحَ التركيبِ العربي وخصائص الجملة العربية.

يصول مؤلف الكتاب ويجول متنقلًا بين المدارس النقدية الفرنسية واعلامها البارزين امثال جيرار جينيت ورولان بارت، معرّفًا بهذه المدارس وما قدّمته لعالم النقد الادبي. يزيد في قيمة تنقله هذا انه يقدّم في الصفحات الاخيرة من كتابه البالغ عدد صفحاته 368 صفحة من القطع المتوسط، تعريفات مباشرة وواضحة لكل من المدارس الادبية التي تحدّث عنها في كتابه.

مؤلف الكتاب يتوقف عند ثلاثة اصناف رئيسية من النقد ذي النفوذ في الادب الفرنسي، في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، هي: النقد الصحفي. النقد الجامعي ونقد الكتاب. رائيًا ان النقد الصحفي هو الاشد تأثيرًا في الحياة الادبية، لا سيّما وان هناك الكثير من الجامعيين المثقفين الذين عملوا في مجال النقد الصحفي امثال سانت بف وبرونتير وتيبودي، ويتوقّف مطولًا عند تقسيم قوتيه للنقاد إلى اربعة اصناف، اولها الصحفيون الاخلاقيون، الناطقون بالوعظ الجميل والذين لا يتردّدون في اقامة شخصية الكاتب مقام اثره الادبي، وهؤلاء يعطون بعض القيمة لكتاباتهم الفضائحية التعيسة المرتجلة الذين يعرفون انه لن يقرأها احد لو لم تتضمن الا اراءهم الشخصية. الصنف الثاني هو الصحفيون الصالحون الذين يريدون وضع الكتاب في خدمة تطور البشرية، والصنف الثالث هو الصحفيون اللامبالون، وهم اولئك الذين رأوا و ارادوا وادركوا واحسوا كل ما يمكن رؤيته وادراكه واحساسه وسمعه، اما الصنف الرابع والاخير هم الصحفيون المنقّبون، وهم اولئك الذين، بدعوى الانصاف، يرفضون كل اثر جديد ويلقون بالأثر الجيد في مستقبل غير مضمون، وينقل المؤلف في هذا السياق رأي الناقد ايريك فاي، وهو انه على النقاد ان يقوموا حاليا بدور الوساطة ما بين الكاتب والقارئ، وان يسمعوا، من وراء صخب وسائل الاعلام ذات الاستهلاك العمومي، اصواتا ذات نبرة طريفة.

2528 النقد الادبيبعد هذا يتوقف المؤلف عند الذنوب التي يتهم بها النقد الصحفي وهي، البخل والكسل. الجشع. الشبقية. الكبرياء. العصبية. السطحية. الانحياز والتنميط وضعف الثقافة. وفيما يتعلق بالذنب الشبقي ينقل المؤلف عن ميشيل بوتور، قوله ان النقد الصحفي للأدب مرتبط اشد الارتباط بالأدب التجاري، انه يعمد، عرضًا، الى مراقبة الوصفة او تركيبة المواد، مثله مثل ادارة المراقبة لإنتاج مشتقات الحليب او الانتاج الصيدلاني. فيما يتعلق بذنب الكسل يوحي المؤلف ان النقد الصحفي عادة ما يكون صدىً للقيم الثابتة للكتاب المعروفين وللأعمال الكلاسيكية ولأحسن المبيعات، بدلًا من السعي لاكتشاف المواهب الجديدة.

الصنف النقدي الثاني الذي يتوقّف عنده المؤلف هو النقد الجامعي. عن هذا الصنف يقول انه لئن سخر رولان بارت من بطء النقد الجامعي، فان قراك يعيب عليه عيبا اعمق هو رغبته في تفسير ما ليس قابلًا للتفسير، اما قومبرويتز فقد ندّد بالطابع العلمي المزعوم للنقد ويحمّل الجامعة مسؤوليته. يقول للحقيقة نقول إن اساتذة الجامعة، مثل غيرهم من العلماء، يشبهون السمكة التي تخرجها من الماء، فكل واحد منهم، يموت حالما تخرجه من اختصاصه، وينقل المؤلف في هذا الصدد قول برينير وهو ان الجامعيين هم اساتذة الكلام النقدي الفارغ، انهم اولئك الذين يعذبون اللغة الفرنسية بتغيير دلالة الالفاظ والتلاعب بها.

الصنف الثالث من النقاد الذين يتوقف المؤلف عندهم هم الكتاب الذين دأبوا على السخرية وحتى الهجوم على النقاد، وهنا ينقل المؤلف عددًا من الاقتباسات عن الكتاب الذين هاجموا النقاد، منهم جي دي موباسان، الذي وضع في تعبير مجازيّ، الخط الفاصل فصلًا قاطعًا بين المعرفة وصناعتها، وبين من يعرف ومن يصنع وبين الملاحظ والمبدع. يقول، هل يكفي ان ترى قاطرة تسير حتى تمتلك معرفة الهندسة، ان الناقد يظن انه عرف ما فيه الكفاية بمجرد انه رأى قطارات عديدة تمرّ، اما قويتي كما ينقل المؤلف عنه، فانه يقول، في هذا السياق، ان الناقد يصنع مقالات طويلة فارغة ومملة حتى يتخلّص من كل المعرفة التي جمعها، قبل يوم، في مكتبة من المكتبات. يقول المؤلف ان الكتاب يلحون بشدة على دناءة النقاد الكبرى، فيرون ان النقاد لا يتحملون مسؤولياتهم وذلك لانهم واعون ان مقالاتهم تكتسي طابعًا زائلًا وان اخطاءهم سرعان ما تقع طي النسيان، وهم، بالإضافة الى ذلك، لا ينتقدون الكاتب "النبي"، بقدر ما ينتقدون الكاتب المتأخر ويمدحون الاقوياء وينتقدون المجهولين. كما قال بودلار.

***

من هو الناقد.. ينقل المؤلف عن جان بلمان، تعريفه للناقد في مقال نشره عام 1995، هو ان الناقد ليس قارئا مثل سائر القراء. ان الناقد هو ذلك القارئ الذي يدوّن نتائج قراءته حتى يتسنى لغيره من القراء ممن يكونون متعجّلين، او غير متفرغين تفرغه في دراسة النص، ان يجدوا فرصة لقراءته قراءة مغايرة، بعبارة اوضح، ان يقرؤوه قراءة افضل واثرى. ان الناقد معالج وهو مُبلغ كذلك وفق مصطلح رولان بارت، وهو اشبه ما يكون بصفيحة حساسة تنفعل لكل ما تقرؤه، كما انه يعيد تقييم الاثر لمعاصريه، انه مزود بقدرة كبيرة على العطاء سواء كان كاتبًا صحفيًا او استاذًا، اما مهمة الناقد فإنها تتمثل في مراجعة تاريخ الادب مراجعة دائمة لتحيين النصوص الكلاسيكية، واعادة اكتشاف الكتاب المغمورين، وذلك بإلقاء كتاب اخرين طي النسيان. ان الناقد يشارك من خلال المحاضرات التي يلقيها والحصص الاذاعية والتلفزية التي يشارك فيها.. يشارك ويساهم في تحقيق النجاح المادي والمعنوي للأعمال الادبية، اذ يمكنه ان يساهم في رفع حجم المبيعات وفي شهرة الكاتب كذلك، بل حتى في الاعتراف به مؤسساتيًا بمجرد ان يكون الناقد عضوًا في اكاديمية من الاكاديميات او لجنة من لجان الجوائز الادبية.

يؤكد المؤلف في مطلع كتابه ان النقد يؤسس السلاح الاقوى ضد القراءة الساذجة والاستراتيجيات التجارية وذلك لان النقد جزء لا يتجزأ من اهم النظريات الجمالية والفلسفية ولأنه يمنهج تعليمنا ويعلمنا فن القراءة. بعبارة اخرى، لأنه يرتقى بنا الى المعنى بان ينقل الينا المعارف التقنية الضرورية والقوانين والسنن الخاصة بكل جنس وبأن يوفر الادوات التي تسمح لنا بتنزيل الاثر في علاقته بكاتب معين ومجتمع معين او عصر معين.

***

يتعرض المؤلف في كتابه بشكل مركز إلى ما شهده التاريخ النقدي الادبي من تطورات ويرى ان النقد تطور منذ الكلاسيكية، التي اثرت التقعيد الادبي، الى فضاءات حافلة بالتحرّى العبقري، كما يتحدث عن الوضع المقلق للكتاب في عصرنا. يقول ان الاعلام والاشهار قضيا اليوم على النقد سواء كان في صورته الحقيقية او المقنعة، وهذا ما يفسر اغراق السوق الادبية المتنوعة بالكتب، مضيفًا، انه بصرف النظر عن البحوث النقدية الحقيقية التي لم تعد تنشر الا عند بعض صغار الناشرين، فان عددًا وفيرًا من الكتب المدرسية قد حلّ محلها متوجهًا إلى جمهور التلامذة بل حتى الطلبة بغرض الاعداد للبكالوريا وغيرها من الامتحانات، ويشير المؤلف الى حدثٍ بدا مقلقًا في هذا العصر المناهض للثقافة، هو انسحاب الادب تدريجيًا من وسائل الاعلام، وحينئذ ما الذي سيبقى من النقد الادبي.. اذا كانت الروح النقدية والادب قد اخذت طريقها للاضمحلال.

 

ناجي ظاهر

 

ناجي ظاهريرى الكاتب المغربي سعيد يقطين، في كتابه "النص المترابط"، ان رهان الثقافة العربية ومستقبلها موصولان باقتحامنا للعصر الرقمي بوعي جديدٍ ورؤية جديدة، ويؤكد أن عيشنا بذهنبة تقليدية لن يسهم في تطورنا البتة، مشيرًا إلى كثرة المواقع الالكترونية العربية ومنتقدًا في الآن. ما تُقدمه في المجال، فيقول إن هذه المواقع والمدوّنات قد تكثر.. لكن بدون تجديد: الذهنية واللغة والكتابة وطرائق التفكير.. سنظل بمنأى عن التلاؤم مع العالم الذي يحيط بنا.. وتكون مساهمتُنا فيه محدودة وضيّقة كما هو حاصل حاليًا.

مؤلف الكتاب. سعيد يقطين. محاضر جامعي ومثقّف مغربي.. ويبدو من كتابه الثوري هذا، انه انشغل بالبحث في الأدب الرقمي، او الالكتروني كما يرجح، فقد وضع كتابًا حمّله عنوان "من النص إلى النص المترابط"، وها هو يضع كتابًا آخر جديدًا، هو مدارُ تعليقِنا، يحمّله عِنوانًا زخمًا معبّرًا هو "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية. نحو كتابةٍ عربية رقمية"، ويعمل، كما يوضّح في كتابه هذا، على تأليف كتاب ثالث عن الادب المترابط.

يتطرّق المؤلف في كتابه هذا بداية إلى أهمية تحديد المصطلح.. مستعرضًا العديد من تعبيراته. ويستقر على مصطلح يقترحه لباسًا للأدبيات الالكترونية الحديثة هو الادب المترابط، متحفظًا على مصطلح كان اقترحه الدكتور حسام الدين الخطيب، هو الادب المتفرّع.

بعدها يميّز المؤلف بين الادب الالكتروني والادب الرقمي، فليس كل انتاج ادبي الكتروني هو انتاج رقمي، ذلك ان للرقمية اصولها واتجاهاتها التي ابدع العالم في انتاجها، في حين اننا نحن العرب، ما زلنا بصورةٍ عامةٍ على هامش هذا الادب الذي قطع فيه العالم المتقدم في اوروبا وامريكا اشواطًا بعيدةِ المدى. وينتقد المؤلف تعاملنا نحن العرب مع هذا الادب. الرقمي. رائيًا اننا ما زلنا نتعامل معه على اعتبار انه نصٌّ ورقيٌّ نقوم بتحويله الى الكتروني، في حين ان هذا الادب يختلف اختلافًا جوهريًا كونه يستعمل وسائط اخرى غير الكلمة مثل الصوت والصورة والنغمة وما اليهما.

يوجّه المؤلف نقدًا شديدًا إلى طرائق الكتابة لدينا نحن العرب، فيرى انها كمية لا تنحو منحى الكيفية بصورة عامة، مستثنيًا من هذا النحو كتاب "فن القول"، للكاتب العربي المصري امين الخولي، ومما يوجّه اليه سهام نقده في كتابتنا الادبية العربية نشير إلى.. عدم القدرة على الاختصار والتعبير الشفهي، فالكثيرون من الطلاب خاصة، يدبّجون العشرات من الصفحات وعندما تسأل الواحد منهم عمّا اراد قوله بكلمات.. يعجز عن القول.. على عكس الطلاب الاجانب عامة، يقول منتقدًا.. اننا لا نولي المنهجية في الكتابة والتعبير الشفوي ما تستحق من العناية، اذ يكفي ان يستعمل الطالب مفردات صعبة وغريبة، واسلوبًا انشائيًا جميلًا وبراقًا وخادعًا ليكون نجم المؤسسة في الانشاء، وينال التقريظ اللازم من التلاميذ والاساتذة، فالعبرة، عندنا، تكمن في مادة التعبير، وليس في كيفيته ولا في طريقته.

كما يرى ان كتّابتنا العربية عادة ما تهمل ادوات الترقيم وتكتفي باقلها، وانها تحفل بالكتب التراثية التجارية التي لا تولي الكتاب ما هو جدير به من تحقيق، كما هو مفترض، ويتساءل بحرقة قائًلا اننا اذا كنا متخلّفين في تقديمنا للكتاب التراثي خاصة.. الى هذا الحد، فكيف سنتمكن من دخول العصر الرقمي، الذي يحتاج الى وعي جديد نفتقر اليه، ويتطرّق الى اس المشكلة فيرى ان العالم يشهد منذ عقود ثورة بشرية، يتم التحول فيها من الكلمة الورقية الى الكلمة المرئية والصورة، ويعرض لبّ هذه الثورة قائلًا اننا نتعامل مع الكتاب الورقي هكذا.. كاتب نص قاري، في حين اننا نتعامل في الادب الرقمي مع عنصر رابع اضافي هو الحاسوب، وذلك ضمن اشارة الى اهمية معرفة التعامل مع الحاسوب وتقنياته المتعدّدة، يقول اننا مع الطبعات المتعددة من الكتاب الورقي نلتقي مع المادة ذاتها، اما مع اجيال الحواسيب المتتابعة والمتتالية بسرعة فائقة فان الامر يختلف.

ينوّه المؤلف انه منذ صدور كتابه الاول عام 2005. "من النص الى النص المترابط"، حصل تغيّرٌ ملموسٌ على ساحة الادب الرقمي العربي، فقد ظهرت مواقع الكترونية متعددة يشير منها الى موقع "الورّاق"، الهام جدا لكنه يرى ان هذا الموقع يحتاج الى المزيد من الجودة في الاداء، كما يشير إلى تشكل "اتحاد الكتاب العرب للانترنت"، وإلى الاجتهادات الملموسة للكاتب الاردني محمد سناجلة الحالم الرقمي، لتجسيد الحلم واقعًا، والانتقال بالعربية وبالإنسان العربي إلى عصر رقمي يكون فيه للعرب وجود، مثنيًا ورائيًا في هذا الاتحاد خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو بالمناسبة يُهدي كتابه هذا الى محمد سناجلة ومحيطيه، ويخلص في نهاية كتابه إلى اننا نحتاج نحن العرب لدخول حرم الادب الرقمي، إلى العديد من المبادرات الشجاعة والجريئة.. منها: ضرورة الوعي بأهمية الوسيط الالكتروني في عصرنا الحديث. تطوير معارفنا بالمعلوميات. تكون ورشات للعمل بين الكتاب والمشتغلين بالأدب والفن، واصدار دوريات ومجلات علمية تعنى بما يتحقّق في المجال المعرفي الخاص بالمعلوميات. ومتابعة ما يتم انجازه في الفضاء الشبكي الغربي وقراءته قراءة نقدية علمية.

 

 ناجي ظاهر

........................

* اصدار المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- المغرب- الطبعة الاولى عام 2008. عدد الصفحات 316 صفحة من القطع الكبير.

 

 

يسري عبد الغنيكتاب طوق الحمامة أو طوق الحمامة في الألفة والألاف هو كتاب لابن حزم الأندلسي وصف بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه. ترجم الكتاب إلى العديد من اللغات العالمية.

واسم الكتاب كاملاً طوق الحمامة في الألفة والأُلاف. ويحتوي الكتاب على مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، ويتناول الكتاب بالبحث والدَّرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة. فيعالج ابن حزم في أسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي. والكتاب يُعد عملاً فريدًا في بابه.

سبب التأليف

كتاب طوق الحمامة في الأصل رسالة ألفها وهو مقيم بمدينة "شاطبة" وقد وضع ابن حزم هذه الرسالة نزولا عند رغبة صديق محب زاره في "شاطبة" وسأله أن يصنف له "رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة" فلبى ابن حزم رغبة صديقه حبا به -كما يقول- متحرجا بعض التحرج من كتابة رسالة في موضوع الحب واللهو فانصرف ابن حزم إلى تأليف الرسالة، مقتصرا فيها على ما عرفه وخبره من الوقائع والحوادث والمواقف، مبتعداً عن شطط الخيال وأوهام القُصَّاص ومتجاوزا ما زخرت به أخبار الأعراب من قصص العشاق ومآثر المحبين وآلامهم.

أبواب الكتاب

يشمل الكتاب نصائح وفوائد كبيرة يوزعها في أبواب، فمثلا في باب من أحب من نظرة واحدة يحذر من الوقوع في الحب في الوهلة الأولى ويسرد قصة أحد أصحابه:

كثيراً ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة. وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسما ولا مستقراً، وقد عرض هذا لغير واحد.

حدثني صاحبنا أبا بكر (...) أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتازاً عند باب العطارين بقرطبة، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع أعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة (...)، نظرت منه منفرداً عن الناس لا همة له غيرها فانصرفت إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي؟ فأخبرها بعظيم بليته بها. فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في النية ولا إلى ما ترغبه سبيل فقال: إني أقنع بالنظر. فقالت: ذلك مباح لك، فقال لها: يا سيدتي: أحرة أم مملوكة؟ قالت: مملوكة. فقال لها: ما اسمك؟ قالت: خلوة. قال: ولمن أنت؟ فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال. فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد هذا؟ قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة. فقالت له: إما أن تنهض أنت وإما أنا، فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه أتباعها، يقول: فوالله لقد لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها أم أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر. وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره، ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة.

قسم ابن حزم كتابه طوق الحمامة إلى ثلاثين باباً بدأ بباب علامات الحب وقد ذكر منها إدمان النظر والإقبال بالحديث عن المحبوب والإسراع بالسير إلى المكان الذي يكون فيه المحبوب والاضطراب عند رؤية من يحب فجأة وحب الحديث عن المحبوب بالإضافة إلى الوحدة والأنس بالانفراد والسهر.

من أبواب الكتاب باب ذكر من أحب في النوم وذكر فيه كثرة رؤية المحبوب في المنام ثم باب من أحب بالوصف وفيه ذكر وقوع المحبة بأوصاف معينة حتى لو لما يرى المحبوبين بعضهما فقد تقع المحبة لمجرد سماع صوت المحبوب من وراء جدار.

باب من أحب من نظرة واحدة وفيه ذكر وقوع الحب في القلب لمجرد نظرة واحدة ثم باب من لا يحب إلا المطاولة وفيه ذكر المحب الذي لا تصح محبته إلا بعد طول كتمان وكثرة مشاهدة للمحب ويصرح المحب بحبه بعد مقابلة الطبائع التي خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب ثم ذكر باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها وذكر فيه أنه من أحب صفه كانت في محبوبته لم يرغب بصفة غيرها فمن أحب شقراء الشعر مثلا لا يرضى بالسوداء الشعر.

باب التعريض بالقول وذكر فيه أن أول ما يستعمله أهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم بالقول إما بإنشاد الشعر أو طرح لغز أو تسليط الكلام.

باب الإشارة بالعين وذكر فيه إشارات المحبوب لمحبوبه بالعين فالإشارة بمؤخرة العين الواحدة تعني النهي عن الأمر وإدامة النظر دليل على التوجع والأسف وكسر نظرها دليل على الفرح والإشارة الخفية بمؤخرة العين تعني سؤال وترعيد الحدقتين من وسط العينين تعني النهي العام واعتبر ابن حزم أن العين أبلغ الحواس وأصحها دلالة وأوعاها عملا عن بقية الحواس.

باب المراسلة وذكر فيه المراسلة بالرسائل وقد ذكر فيه صفات الرسائل بين المحبين وشعور المحب بالسرور عند تلقيه رسالة من محبوبه.

باب السفير وذكر فيه صفات الوسيط بين المحبوبين كالكتمان والوفاء للعهد والنصح ثم باب طي السر ويذكر فيه صفات المحب حين يخفي حبه كجحود المحب إن سئل والتصنع بإظهار الصبر ويكون سبب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان وحتى لا يشمت به الأعداء.

باب الإذاعة وتحدث فيه عن أسباب إذاعة الحب ويكون ذلك حتى يظهر صاحب هذا الفعل في عداد المحبين ويكون ذلك بسبب غلبة الحب ثم باب الطاعة ويذكر فيه أسباب طاعة المحب لمحبوبه وفي باب المخالفة أسباب مخالفة المحب لمحبوبه مثل غلبه الشهوة.

باب العاذل وفيه ذكر اللوم للمحبوب وأثره في النفس ثم باب المساعد من الإخوان وفيه ذكر صفات الصديق المخلص الذي يعلم بأمر المحبوبين ويكتم السر ثم باب الرقيب وفيه ذكر صفات المراقب للمحبوبين ومحاولة الرقيب إظهار سرهما والبوح بوجودهما ثم باب الواشي وقد ذكر فيه صفات الواشي الذي يريد القطع بين المتحابين والإطلاع على أسرار المحبوبين وذكر الوشاة الكاذبين وذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال والأشعار التي تنهى عن الكذب.

باب الوصل وفيه ذكر وصل المحبوب والمواعيد بين المحبوبين وانتظار الوعد من المحب ثم باب الهجر وذكر فيه هجر المحبوب لمحبوبه عندما يكون هناك رقيب حاضر وقد يكون من اجل التذلل وقد يكون من أجل إبعاد الملل أو بسبب العتاب لذنب يقع من المحب.

باب الوفاء وفيه ذكر وفاء المحب لمحبوبه وذكر صفات الوفاء بين المحبوبين ثم ذكر باب الغدر ثم ذكر باب البين وهو افتراق المحبوبين عن بعضهما وذكر صفات مفارقة المحبوبين لبعضهما ثم باب القنوع وذكر فيه قناعة المحب بما يجد إذا حرم الوصل بين المتحابين وذلك من خلال الزيارة بين المتحابين من خلال النظر والحديث الظاهر ثم باب الضني وقد ذكر فيه معاناة المحب بعد فراق محبوبه وعلامات الضعف التي تصيب المحب بعد الفراق ثم باب السلو وقد ذكر فيه اليأس الذي يدخل إلى النفس من عدم بلوغها أملها وقد قسمه ابن حزم إلى النسيان والملل والاستبدال.

باب الموت وذكر فيه الموت بسبب الحب وذكر قصص من ماتوا من أجل مفارقتهم من يحبون.

باب قبح المعصية وفيه ذكر العفة وترك المعاصي والابتعاد عن موافقة الشيطان والابتعاد عن الفتن والفجور وغض البصر والنهي عن المعصية وذكر الزنا في القرآن والأحاديث النبوية الشريفة.

باب التعفف وقد ذكر فيه البعد عن المعصية والفاحشة والخوف من الله وقد ذكر أبيات شعرية تحث على التعفف.

طوق الحمامة في الألفة والألاف/ تأليف أبي محمد بن سعيد بن حزم ؛ تحقيق حسن كامل الصيرفي القاهرة:المكتبة التجارية الكبرى.

المؤلف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أبو محمد

المحقق: حسن كامل الصيرفي

حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة

الناشر: مطبعة حجازي

سنة النشر: 1369 - 1950

عدد المجلدات: 1

عدد الصفحات: 176

- قدم له: إبراهيم الإبياري

حققه استاذنا المرحوم/الطاهر مكي مرة أخرى سنة 1994

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علاء اللاميمقتطفات من كتاب "المستطرف الصيني" للراحل هادي العلوي: "في العصور الإسلامية كانت الصين موضوع علاقة تجارية تمثلت فيها أسس البناء السلمي للتجارة العالمية التي توزعت يوم ذاك بين العالمين الصيني والإسلامي، وعرف المسلمون من خلال هذه العلاقة المديدة والمتواصلة لأكثر من ستة قرون فنون الصين وصناعاتها، ولكنهم لم يتوغلوا أبعد ليعرفوا فلسفتها أو ليدرسوا سياستها كما فعلوا مع فلسفة الإغريق وسياسيات الساسانيين. وقد اندمج العديد من المسلمين عربا وتركا وفرسا في المجتمع الصيني ودخلوا في خدمة الدولة في وقت مبكر من تدفقهم على الصين في العصر العباسي الأول. وشاركوا في الامتحانات الإمبراطورية التي تسبق الدخول في هذه الخدمة وقد توظف الكثير منهم بعد نجاحهم فيها/ ص 8 مقدمة كتاب "المستطرف الصيني"

* المخترعات والإنجازات العلمية والصناعية التي قدمها الصينيون للعالم وسطا عليها الغربيون ونسبوا بعضها لأنفسهم:

* اختراع الطباعة: ظهرت الطباعة لأول مرة في دولة "تانغ" المتأخرة. وأول كتاب طبع هو " السوترا الماسية" سنة 868م. أما الطباعة بالحروف المتحركة والتي نسبت إلى الألماني غوتنبرغ عام 1440م فمخترعها الحقيقي هو الصيني "بي شنغ" عام 1048م أي قبل أربعمائة سنة من تاريخها المزور في الغرب. ص51. من كتاب "المستطرف الصيني" للراحل هادي العلوي.

* البارود والمدافع: يرجع اختراعها الى حقبة الدويلات المتحاربة (475 - 221 ق.م) وظهر المدفع المتفجر في أوائل الثاني عشر. ثم صنعت المدافع الضخمة في أسرة يوان على يد العرب العاملين في خدمة الإدارة المغولية وذكرت سجلات أسرة يوان مخترع اسمه إسماعيل بنى مدفعا ضخما لما أطلقه اهتزت الأرض بالدوي ونزلت القذيفة بعد إصابة هدفها إلى عمق سبعة أقدام؟ ص 53

* ابتكار المسرح والكتابة المسرحية: نشأ الأدب المسرحي الذي تأوج في القرن الثالث عشر مع الكاتب غوان هان تشينغ 1297م، وهو أعظم كتاب الصين على الإطلاق. وعلى يده ظهرت المسرحية الاجتماعية التي يعزوها تاريخ الأدب الغربي إلى الفرنسيين في القرن التاسع عشر وهي في الصين تسبقهم بزهاء السبعة قرون. وازدهرت الرواية في غضون القرن الثالث عشر واولهاه ظهورا رواية "أبطال على شاطئ البحيرة" تأليف شي ناي آن، من أوائل أسرة يوان ص 216

* البوصلة: يرجع اختراعها الى حقبة دويلات المدن المتحاربة (475 - 221 ق.م) أيضا، وكانت بسيطة تتألف من ملعقة محطوطة في صحن والملعقة ذات خواص مغناطيسية تنجذب نحو الشمال والجنوب فيُهتدى بها، وسميت "سينان" في القرن الثالث ق.م؛ أما البوصلة الكاملة المضبوطة الممغنطة الصناعية فقد صنعها العلماء الصينيون في عهد أسرة سونغ الشمالية (960 – 1127م) وورد وصفها في كتاب العلامة شين كو... ويبدو أن الملاح العربي النجدي ابن ماجد كان أول مَن طورها عن الأصل الصيني واستعملها... ويرد في أطلس تاريخي حديث أن البحار البرتغالي فاسكو دي غاما وجد عند الملاحين العرب في مياه مدغشقر بوصلة لفتت انتباهه لدقتها. وقد علق محرر الأطلس بوقاحة عنصرية عجيبة: "إنها مشكلة تحتاج إلى حل؛ فهل يمكن ان يكون العرب قد اخترعوا هذه البوصلة المتقنة ونقلوها الى بحارة المتوسط"!

ص 53 و54 . المستطرف الصيني – هادي العلوي ط1 سنة 1994. يتبع في الجزء القادم الثاني.

* جرد مختصر لتاريخ العلاقات العربية الصينية قبل وبعد الإسلام:

1- عرف العرب بلاد الصين في العصر الجاهلي بهذا الاسم. ويسجل أول اتصال بين الصين والمشرق العربي في سنة 97 ميلادي عندما أرسلت أسرة الهان مبعوثا لها الى سوريا "تاتشن"، واسمه "كان يينغ" ووصل المبعوث الصيني إلى تياوتجيه "العراق" ولم يكمل سفره الى الشام بعد أن ثبَّطهُ وأخافه محتلو العراق آنذاك "الفرس البارسيون/ البارثيون" قبل الساسانيين من التوجه شمالا. ومن كتاب "لطائف المعارف" للثعالبي قوله إن أهل الصين يقولون (جميع الأمم ما عدانا عميان إلا أهل بابل فإنهم عور)، وهو قول لا يمكن ترجيحه بحساب السياق الحضاري.

2- سنة 226 م وصل تاجر سوري اسمه تشين لون الى الصين وزار الإمبراطور، وطلب منه هذا الأخير تقريرا يعرِّف به ببلده ففعل. ويصعب إرجاع اسم التاجر الى أصله العربي ومعرفة هل هو آرامي أو نبطي أو عربي.

3- هناك إشارات في المدونات العربية القديمة / مروج الذهب للمسعودي مثلا، الى وصول مواخر صينية الى شواطئ بلاد العرب في العصر الجاهلي / القرن الخامس الميلادي. وإشارات الى وصولها الى وسط العراق نهريا.

4- تزامن ظهور الإسلام مع بداية أسرة تانغ (618 - 907)، والعصر الإسلامي يبدأ في 622 م. وسمعت أسرة تانغ بظهور النبي محمد بعد ذلك بثلاثين عاما.

5- تسجل المصادر الصينية أول اتصال مع العرب المسلمين بوصول وفد في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان بين عامي 650 و651م. ولكن المؤرخ الصنين المسلم محمد مايي يو (ت 1961)، يرجح أن أول اتصال تم في عهد النبي، ويذكر في كتابه " تاريخ عام للمسلمين في الصين" أن النبي محمد أرسل أربعة من أصحابه الى الصين للتبشير بدعوته. وكان أسنُّهم يدعى وقاص وتوجه الى كانتشو "كانتون" وبنى فيها مسجدا، فيما ذهب الثلاثة الاخرون الى مدينة تشوانتشو " مدينة الزيتون". وفي هذه المدينة ثلاثة قبور كتب عليها أنها لأصحاب النبي. ويقول ما يي يو إن وقاص هو سعد بن أبي وقاص، وانه عاد الى الحجاز، ويفترض أن الضريح الموجود له في الصين هو مقامه لا قبره، وحجج مايي يو غير نافذة " غير راجحة" ولم يرد ذكرها في مصادر السيرة النبوية ولكن الرواية التي انطلق منها تدعو إلى التفكير، فربما كانت المهمة سرية.

6- وفي أواخر الخلافة الأموية بدأ استيطان عربي في العاصمة الإمبراطورية تشانغ آن، وأسس أول مسجد فيها سنة 742 م، ويسمى مسجد مدينة شيان ولا يزال قائما داخل أسوارها القديمة بعد تجديده وتوسيعه في العهد الاشتراكي الماوي وهو أحد أضخم مساجد الصين، التي يتجاوز عددها أكثر من 35 ألف مسجد اليوم، وفي عام 1956، أي بعد ست سنوات من تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أُعلن المسجد موقعاً تاريخياً وثقافياً محمياً على مستوى مقاطعة شنشي، وتمت ترقيته لاحقاً إلى موقع تاريخي وثقافي كبير محمي على المستوى الوطني عام 1988. ولا يزال المسجد يستخدم مكانا للعبادة من قبل المسلمين الصينيين، كما أنه يستقبل السياح والزوار يومياً، وتجاوز عدد زواره 10 ملايين زائر من 100 دولة حول العالم.

* المصدر: مختصرات من الباب الرابع/ الصين والإسلام، من كتاب " المستطرف الصيني/ هادي العلوي" ص 282 وما بعدها.

* كيف أنجد العباسيون الإمبراطور الصيني سو تسونغ بفيلق فرسان منتخبين ذوي سيوف باترة!

7- هناك اتصال آخر بين المسلمين والصينيين في عهد الخليفة عثمان، وهو ثابت ومدون في السجلات التأريخية لأسرة تانغ الإمبراطورية المعاصرة له. وينبغي أن يكون للوفد علاقة بلجوء ابن كسرى يزدجرد وتعيينه ضابطا في الحرس الإمبراطوري وسمح له ببناء معبد زرادشتي له ولأهله وحاشيته. ولم يرد خبر هذا الوفد أيضا في مصادرنا العربية.

8- وقبل بعثة عثمان، كانت وفادة الراهب الموصلي المسمى أو لو بين عام 635 وأوائل عهد عمر بن الخطاب. وكان الغرض وضع حجر أساس للتبشير المسيحي النسطوري في الصين، واستقبله الإمبراطور تاي تزونغ الثاني وسمح له ببناء كنيسة وهي أول كنيسة مسيحية في الصين.

9- وفي زحف المسلمين نحو الشرق وصلت جيوش قتيبة بن مسلم الباهلي إلى مشارف الصين ودخلت مدينة "كاشغر" وفي تاريخ الطبري تفاصيل ما حدث في هذا الخصوص من مفاوضات واتفاقات بين المسلمين والصينيين.

10- وفي عهد أبي جعفر المنصور العباسي طلب إمبراطور الصين سو تسونغ من الخليفة العباسي المساعدة العسكرية لإنقاذ عرشه من تمرد داخلي. ووصلت قوة منتخبة بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف فارس. وكانت القوة مزودة بسيوف قاطعة لم يسبق للصينيين أن استعملوها، وانضمت القوة الى الحرس الإمبراطوري - في المعركة ضد القوات المتمردة - ودحرت المتمردين وانتحر قائدهم الامبراطور مغتصب العرش. ويذكر المؤرخ "ويغر" أن مثل هذه النجدة قد تكررت في مجرى العصور. وقد قرر أفراد الفيلق العباسي المقاتل البقاء في الصين بعد انتهاء مهمتهم وتزوجوا من صينيات. وقد تمت النجدة في الخفاء - ولم ترد في المصادر العربية- لأنها مخالفة للشرع الإسلامي الذي لا يجيز للمسلم الدفاع عن الكافر إلا إذا كان من أهل الذمة "والصينيون لم يكونوا أهل ذمة فقهيا".

11- تناقل الصينيون أخبار السيوف العربية القاطعة فاستخدمها شاعر الصين الأعظم دو فو في تشبيهاته الشعرية فقال في قصيدة له: لا يقاربه في حدته إلا سيوف العرب.

12- مع احتدام الصراع السياسي والاجتماعي في الدولة الإسلامية صارت الصين والهند محطة لجوء للمعارضة الإسلامية. وتكونت جاليات إسلامية ضخمة من العرب والترك والفرس في مدن الجنوب الصيني أكبرها في مدينة كوانتشو "كانتون". وزادت كثيرا على مئة ألف نسمة. وتعرضت الى مجزرة عام 879م. وكادت المدينة تخلو منهم. ويغلب على ظني أن الدافع الى هذه المذبحة رد فعل اجتماعي "طبقي" أكثر منه قومي لأن الجالية المسلمة كانت تشتغل في التجارة وجمعت ثروات طائلة قد تكون أثارت الجمهور الصيني، أما الإمبراطور لم يتدخل فيها.

* أحد أحفاد الإمام علي يحكم مقاطعة يون نان الجرداء قبل 7 قرون ويحولها إلى جنات خضراء:

13- في أسرة يوان المغولية صار للمسلمين من العرب والفرس والأتراك حضور كبير كما وصل اليهود من العالم الإسلامي وبنوا أول كنيس يهودي في الصين عام 1227م. وكان قوبلاي خان الذي احتل الصين وأسس أسرة يوان قد اتخذ من رجل مسلم يدعى أحمد كبير كبيرا لوزرائه. وكان هذا الشخص طاغية ساهم في اضطهاد الصينيين وسبب استياء واسع في أوساط الهانيين بالخصوص، فدبر له الصينيون خطة ناجحة لاغتياله.

14- يرجع أول اتصال طبي بين الصين والمسلمين إلى أيام الرازي عن طريق طالب صيني تعلم على يديه ولما أراد الطالب الانصراف طلب من معلمه أن يملي عليه كتب جالينوس الستة عشر فكتبها بطريقة تسمى عندهم " المجموع" وهي نوع من الكتابة الاختزالية وهي طريقة متبعة حتى الآن.

15- وساهم المسلمون في المجال العسكري في الحكم المغولي وكانت لهم اليد الطولى وطوروا مدى المدافع الصينية البارودية.

16- العلويون في الصين: السيد الأجل هو لقب العلويين (المنتسبين الى نسل الإمام علي بن أبي طالب) في آسيا الوسطى، وورد اسم أحد كبرائهم باللغة الصينية باسم "سي ديان تشي تشو إن سي دين إي أمر"، (السيد الأجل شمس الدين عمر) الذي وصل الصين قبل سبعة قرون في بداية القرن الثالث عشر الميلادي. وانتدب السيد لإدارة مقاطعة يون نان جنوب الصين، وهي تفوق مساحة بريطانيا. يقول العلامة جوزيف نيدهام أنه عندما زار يون نان لأول مرة سنة 1942 أثارته الأشغال المائية التي أقامها السيد الأجل في حوض كونمينغ عاصمة المقاطعة. وكانت المقاطعة حين وصلها السيد الأجل خربة تعيش نهب الفيضانات والجفاف المتناوبين وخلال ست سنوات قام السيد الأجل بما يلي:

* نظم أهل المقاطعة لتعلم الحراثة والبذار.

* شرع في بناء الخزانات والسدود للحماية من الفيضانات والوقاية من الجفاف.

* عبأ الجيش لاستصلاح الأراضي ثم وزعها على ستة عشر ألف عائلة لاستزراعها.

* استصلح أراض طمرتها مياه الفيضانات مساحتها 250 كيلو متر مربع وحول إليها مياه نهرين وشغل ألفي عامل لبناء السدود والمسنيات فصارت جنائن تزرع الغلال الغذائية والاقتصادية.

* طور صناعة النسيج ومنها النسيج الحرير.

* أصلح النقل البري والمائي.

* بنى المدارس وطرق وجسور ومراكز البريد.

وحين توفي السيد الأجل خرج أهل يون نان يبكون وينوحون عليه في الشوارع وأحاطوا أسرته بالحب والرعاية، ويبلغ عدد المنتسبين الى أسرة السيد الأجل سبعة عشر ألف شخص في الصين اليوم. وقد تعرض المسلمون في يون نان الى الاضطهاد بعد طرد الاحتلال المغولي من قبل أسرة مينغ كمتعاونين مع المحتلين المغول ولكن مينغ لم يتطرف في هذا المنحى فإلى جانب روح التسامح الصينية مع الأجانب كان هناك حاجة إلى كفاءات هؤلاء المسلمين القادمين من مواطن حضارة راقية.

* المصدر: مختصرات من الباب الرابع/ الصين والإسلام، من كتاب " المستطرف الصيني/ هادي العلوي" ص 282 وما بعدها. يتبع في الجزء الثاني.

  

علاء اللامي

 

 

علاء اللاميمقتطفات من كتاب "المستطرف الصيني" للراحل هادي العلوي

إعداد: علاء اللامي


كلمات متبادلة في العربية والصينية: أخذ العرب اسم الصين من "تشين" الفارسية، ويرى البعض أنها من اسم الأسرة الأولى التي وحدت الصين واسمها اسرة "تشين". وهذا الاسم قريب من اسم الصين في اللغة الصينية وهو " تشوان غوا" وتعني حرفيا الدولة المركز. واستعمل العرب إلى جانب اسم " الصين" اسم " بلاد الخُطا" من خوتان وهو اسم إقليم في شمال الصين، وهو أيضا اسم الصين في اللغة الروسية. وكتبه ابن بطوطة بلاد "خُتن".

وسمى الصينيون العربَ القدماء "تاشي"، وهي من تازي بالفارسية التي سمى بها الفرسُ العربَ القدماء وهي من طائي نسبة الى قبيلة طي العربية الكبيرة (أي أن كل عربي عندهم طائي لأن قبيلة طي كانت بحجم شعب).

وكلمة " تياوتجيه" تعني العراق بحسب الباحث الكبير في "الصينيات" جوزيف نيدهام، وبعض الباحثين قالوا بل تعني سوريا. ولكن سوريا لها اسم آخر في الصينية هو تاتشين ثم تغير إلى "فولين".

أما بغداد فاسمها في الصينية " شيا بودا". كما عرَّبَ العربُ اسم مدينة خانتشو وتلفظ أحيانا خانتسو، وصارت اسم علم ممن حملنه الشاعرة الخنساء.

أما بكين كان العرب يسمونها: خان بالُق، بضم اللام. واسمها الصيني اليوم بيجينغ وتعني حاضرة الشمال. ومن الكلمات المتبادلة بين اللغتين العربية والصينية أدرج هذه الأمثلة من المصدر سالف الذكر:

وادي = في اللغة الصينية بذات المعنى وتلفظ بمقطعين وا -  دي

نبات الحلبة = خو لو با، بذات المعنى

زال = زو –لا، بذات المعنى وقد تكون من المصادفات

خلاص = خلا ، بمعنى انتهى

حذاء = تلفظ في لهجة كانتون خا –زي وفي لهجة بوتونخوا تعني طفل والمعنى الأول أرجح أن يكون من أصل عربي.

ولدى المسلمين الصينيين نجد كلمات عربية تربو على خمسين كلمة مما يمس أمور الدين والثقافة الإسلامية ومنها:

حرام = حا –لا – مو

محتسب = مو –ها – تا-  سي –بو

مفتي = مو –فو – تي

أما في القاموس العربي المنطوق والمكتوب فنجد الكلمات الصينية التالية:

جندي = تلفظ في الصينية جون – دوي

يوان = المحل والمبنى وكلمة إيوان معربة عن الفارسية ولعل الفارسية أخذتها من الصينية.

مَي = اسم فتاة معروف عند العرب منذ العهد الجاهلي وتعني الجمال. وكانت حبيبة الشاعر النابغة الذبياني اسمها مي.

شاخة = تستعمل في اللهجة العراقية بمعنى الساقية التي تأخذ من الجدول دون الساقية الآخذة من النهر مباشرة.

تشوله / چولة = في اللهجة العراقية بمعنى البرية / في تنويمة الأطفال (عدوك عليل وساكن الچول)

تِمَّن= الرز، تلفظ باللهجة العراقية والخليجية بكسر التاء وتشديد الميم، ولتفظ في الصينية "تامي" وفي جزيرة هاينان الصينية تلفظ بلفظها العراقي "تِمَّن".

تشالغي = الغناء وتلفظ بالصينية تشانغه.

دان، دانة = قنبلة

أوظة في عامية بلاد الشام = غرفة

تشينكو = صفائح الحديد أو الزنك في اللهجة العراقية، مؤلفة من تشين أي الصين وكو أي صحيفة فتكون الصحيفة الصينية.

كاغد = العملة الورقية والورق عموما باللهجة العراقية وكتب عنها ابن بطوطة كعملة ورقية الآتي (ذكر دارهم الكاغد التي بها يبيعون ويشترون: وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم. وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا. وإنما يكون بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان. وتسمى الخمس والعشرون قطعة "بالشت" وهو بمعنى الدينار عندنا. وإذا مضى إنسان إلى السوق بدرهم فضة أو ينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه ولا يتلفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ويشتري به ما أراد.

ومن الأسماء العربية التي وردت في سجلات أسرة تانغ الإمبراطورية ضمن معلومات تاريخية نجد:

مو خو مو = هبيرة بن المشمرج رئيس الوفد العربي إلى إمبراطور الصين الذي بعثه قائد الفتوح على جبهة الصين قتيبة بن مسلم الباهلي/ وردت تفاصيلها في تاريخ الطبري أحداث سنة 96 هـ 715م.

سي ديان تشي تشو سي دين إي مر = السيد الأجل شمس الدين عمر وهو عميد الأسرة العلوية في آسيا الوسطى؛ وقد قام بمآثر كبيرة حوَّل بها مقاطعة يون نان -  تزيد مساحتها على مساحة بريطانيا -  إلى مقاطعة مزدهرة وقد خصصنا له وقفة في فقرة سابقة/ ج4.

إي جي = يحتمل أن يكون الخليفة يزيد الناقص الذي ثار على ابن عمه الوليد بن يزيد وقتله.

خي يي تاشي = ذوو الملابس السوداء أي العباسيون لارتدائهم الملابس السوداء وكان اعداؤهم يسمونهم "المسوِّدة".

موهان = الأمويون

ميدي = الخليفة العباسي المهدي

كالون = هارون الرشيد

تن جن؛ تحولت لاحقا الى جن تجو = الله عند المسلمين، وتعني الكلمة حرفيا "رئيس المسلمين"، إذ لا وجود لمرادف لكلمة الله في اللغة الصينية لعدم وجود ديانات سماوية في حضارتهم. وتحولت الكلمة إلى مرادف لكلمة المسلمين في اللغة الصينية المعاصرة فلو ترجمنا اسم "حز ب الــله" إلى الصينية لكان " تشن تجودان = حزب رئيس المسلمين"!

المصدر: ص 22 إلى 25 وما بعدها المستطرف الصيني – هادي العلوي ط1 سنة 1994.

2511 hadi allawichina

مقولات وحَكم وأمثال صينية:

ملاحظة للمؤلف "لغة التاويين جامحة، غير بسيطة، ولا منضبطة بقوانين المنطق. وينبغي فهمها كنمط بلاغي يجمع بين الرمز الفلسفي والبلاغة الأدبية".

1- اللون الأصفر الذي يوصف به الصينيون ليس بسبب لون بشرتهم بل بسبب اللون الأصفر للأزياء الرسمية والرايات الإمبراطورية القديمة. وبهذا المعنى قال الشاعر العربي القديم كشاجم (ولد في الرملة بفلسطين وعاش في حلب في عهد الدولة الحمدانية وعاصر سيف الدولة ووالده عبد الله) قال يصف البطيخ:

وزائرٌ زارَ وقد تعطرا

أسرَّ شهداً وأذاعَ عنبرا

ملتحفاً للصينِ ثوباً أصفرا

2-  شون تسه: شعر أم فلسفة؟

الماء والنار لهما أرواح لطيفة وليست لهما حياة.

الزروع والأشجار لها حياة وليس لها إدراك.

الطيور والحيوانات لها إدراك وليس لها إحساس بالعدل.

الإنسان يملك هذا أجمع، ومن هنا فهو سيد الكائنات.

3- الفيلسوف تشوانغ تسه، أرسل إليه ملك دولة "وَي" مبعوثين مع هدايا ليدعوه إلى بلاطه. فتضاحك الفيلسوف ثم قال لهم:

اغربوا عني. لا تدنسوني. أنا أفضل التمتع بإرادتي الحرة.

4-  المحافظ (الأصولي السلفي) هو كمن يحاول ترهيم الوتد المربع على الثقب المدور). من التوهج العظيم

5-  الحروب المستديمة تستنفد الشعب.

الانتصارات الدائمة تجعل السادة يسكرون بالفخر.

والمزيد من الفخر هو المزيد من استنزاف حيوية الشعب في حروب مزهوة. التوهج العظيم

6-  الشجاع الحاد المزاج هو إما قاتل أو مقتول

أما الشجاع الحليم فهو الذي يصون الحياة دوما / التاو

7-  سأل المريد تسو كونغ معلمه كونفشيوس: ماذا تقول عن الناس الذين يحبهم جميع أبناء قريتهم؟

فأجاب: هذا لن يكون

وماذا عن الناس الذين يكرههم جميع أبناء قريتهم؟

فأجاب: هذا لن يكون. إنهم لم يمتلكوا بعد سجايا الناس الذين يحبهم الأخيار ويبغضهم الأشرار.

ويضف العلوي قولا مشابها في المعني للفقيه العربي المسلم سفيان الثوري قال: إذا رأيت المرء محبوبا في أقرانه محمودا في جيرانه فاعلم أنه مداهن... يعني أن من يحبه جميع الناس فهو مساوم، وقال شاعر عربي قديم:

لا خير في عيش من يحيا وليس له

ذوو ضغائن لا تخفى وأحقاد.

8- الفضيلة يتلفها حب الشهرة

المعرفة تأتي إلى الوجود من وراء الخصومة/ تشوانغ تسه

9-  أن تموت دون أن تهلك

يعني أن تكون أبدي الحضور.

* الخَيِّرُ بحق لا يعرف أنه خَيِّر

ومن هنا فهو خَيِّر

المعتوه يحاول أن يكون خيِّراً

وهو لذلك ليس خيِّراً / من كتاب التاو

10- إذا كانت مواهب الإنسان أكبر من ثقافته كان جلفا.

وإذا كانت ثقافته أكبر من مواهبه كان مكابرا.

وإذا تساوت ثقافته مع مواهبه فهو الإنسان الأكمل/ كونفشيوس

11-  حكم وأمثال صينية غابرة

- الورقة الخضراء تحجب عنه جبل تاي شان.

(تضرب لمن تشغله توافه المور)

- لا تستطيع ولو أربعة خيول أن تطارد كلمة تخرج من الفم

- كل محب يرى حبيبته شي شي

(شي شي من رموز الجمال الأنثوي في الصين)

- عندما يتداعى الجدار يتدافع الناس لإسقاطه.

- تجرع النصيحة التي لا تعجبك كما تتجرع الدواء

- الأخلاق لا فعل لها عند ورود المصلحة

- يذبح الديك ليخيف القرد

(يضرب لمن يقتل الأبرياء ليخيف المجرمين)

- في الفم عسل وفي القلب سيف

(يضرب للمنافق ذي الوجهين/ بما يذكر بالمثل العراقي: بالوجه مراية وفي الظهر سلّاية)

- يحاول التقاط القمر من قعر البحر

(يضرب لمن يطلب المستحيل).

12- لتغذية القلب لا يوجد أفضل من تقليل الرغائب. منشيوس

مقولة منشيوس هذه تذكرنا بمقولة أحد أقطاب التصوف الإسلامي التي تعرف الإنسان الحر بأنه (مَن لا يملكُ شيئاً لا يملكه شيءٌ) ع.ل.

 

علاء اللامي

........................

المصدر: من تضاعيف كتاب " المستطرف الصيني" وخاصة من الفصل المعنون "مختارات" ص 220 وما بعدها.

* الصورة للراحل هادي العلوي بين مجموعة من طلابه الصينيين في معهد اللغات الأجنبية ببكين (يسمى الآن جامعة الدراسات الأجنبية) حيث أشرف على طلاب الدراسة العليا وساعد الأساتذة الصينيين في التأليف والبحوث، وكان من الأعمال التي ساهم في إنجازها "قواعد تطبيقية للغة العربية" بأجزائها الأربعة التي صارت فيما بعد مرجعا أساسيا لدارسي العربية في الصين.

* رابط لتحميل نسخة رقمية من كتاب " المستطرف الصيني للراحل هادي العلوي"

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8- %D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81- %D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A- pdf

hadi allawichina.jpg

 

2501 المتفكرالعلامة متفكر يترجم لأعلام تافيلالت

أصدر الباحث والعلامة أحمد متفكر، مؤخرا، كتابا أنجزه، خلال فترة كورونا، تحت عنوان "الإلمام بتراجم علماء وأدباء سجلماسة الأعلام" من القطع الكبير، في 544 صفحة عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش. ويأتي هذا الكتاب، في الوقت المناسب، لإثراء الخزانة التاريخية والعلمية المغربية التي تفتقد لهذا الصنف من المؤلفات، التي تعرف بأدباء وعلماء المغرب العميق، أو مغرب المحيط، حسب تعبير المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين.

ويندرج هذا الكتاب في إطار المشروع البحثي الكبير لمتفكر الذي حاول، من خلاله رصد ومقاربة عدة وجوه فكرية بارزة من فضاءات متباينة من المغرب العالم الذي تزخر مختلف مناطقه، من الشمال إلى الجنوب، بعلماء وأدباء أجلاء تركوا بصمتهم التي لا تنمحي في عدة مناح علمية، حيث يعتبر هذا المؤلف ثالث إصدار، من هذا الصنف، للعلامة متفكر بعد كتابيه "علماء قلعة السراغنة وإشعاعهم الفكري" و"الإعلام بتراجم علماء دكالة الأعلام" الصادرين، على التوالي، سنة 2018 وسنة 2019، واللذين يعرفان بمساهمة البادية المغربية في الإشعاع الثقافي والعلمي للوطن.

وأتت فكرة وضع هذا الكتاب بعد الزيارة التي قام بها هذا الباحث، خلال الأشهر الماضية، إلى تافيلالت، موطن الآباء والأجداد، لصلة الرحم مع من بقي من الأهل والأحباب بقصر الدار البيضاء، الذي تتحدر منه أسرته، والذي غادرته للاستقرار بمراكش إبان الحماية الفرنسية بالمغرب.

ويتميز هذا الكتاب عن سابقه "المعجم الوجيز في تراجم نخبة من علماء سجلماسة ووادي زيز" لمؤلفه الشيخ العلامة محمد العمراوي السجلماسي، الصادر سنة 2014 عن مطبعة طوب بريس بالرباط، بكونه قد تمكن من التعريف والترجمة لما مجموعه 151 عالما لم يتطرق لهم الباحث المذكور، ورغم أن متفكر قد أغنى هذا المجال بتراجم لأدباء وعلماء آخرين من هذه المنطقة، إلا أن هذا الورش لا زال مفتوحا أمام الباحثين والدارسين لإثرائه وتحيينه كلما توفرت المعطيات الجديدة لذلك.

ومن خلال منهجية البحث المعتمدة، يلاحظ أن تراجم هذا الكتاب جاءت مرتبة وفق حروف المعجم، ترتيبا ألفبائيا، متراوحة بين الطول والقصر، حسب وفرة المعطيات المتعلقة بالمترجم له، بدءا بالترجمة المقتضبة للعالم والمدرس إبراهيم بن أحمد السجلماسي، وانتهاء بالتعريف المسهب نسبيا بالكاتب والشاعر يوسف بن يحيى. وفي هذا السياق، يقول متفكر إن هذا الكتاب يضم علماء سجلماسة الأصلاء  أو من سكنها أو دفن بها، مشيرا أنه لا يدعي استيعابهم والإحاطة بهم جميعا.

وقد ترجم الباحث في هذا المصنف لعلماء وأدباء من حقب مختلفة، لهم مسارات علمية ومهنية غنية ومتنوعة، لكن تجمعهم جميعا وحدة الانتماء إلى أرض سجلماسة (تافيلالت)، هذه الأرض المعطاء والمباركة، أرض العلم والمعرفة. وفي هذا الإطار، يقول العلامة متفكر بأن العلماء هم سادة الناس وقادتهم الأجلاء، وهم منارات الأرض وورثة الأنبياء، وهم خيار الناس، مضيفا أن العلماء هم صمام أمان الأمة، فإذا غاب العلماء عن الأمة ضلت في دينها.

وبخصوص سجلماسة، يؤكد الباحث أنها من الحواضر العلمية التي يعود لها الفضل في بروز نخبة من العلماء والفقهاء الذين لم يبق عطاؤهم العلمي حبيس منطقتهم الأصلية، بل شاع في كل ربوع المغرب وغيرها من البلاد الإسلامية، مبرزا أن هذه المنطقة تعتبر مقرا للدراسات القرآنية، ومفزعا لحفاظ كتاب الله العزيز.

إن العلامة متفكر، رغم بلوغه سن 78 سنة، أطال الله في عمره ومتعه بموفور الصحة وتمام العافية، لا زال في أوج عطائه وفي عنفوان تمرسه البحثي الذي يناهز أربعة عقود من الزمن. كما يعتبر من المؤلفين غزيري الإنتاج، إذ أصدر، حتى الآن، ما يربو عن الخمسين كتابا ما بين التأليف والتحقيق في عدة مناح فكرية ومعرفية، ونشر العديد من المقالات والأبحاث الثقافية الرصينة بالصحافة الوطنية والدولية، وكذا بمجموعة من الموسوعات والمعاجم العربية والإسلامية المحكمة، وهو بذلك يعتبر مدرسة في الموسوعية العلمية، ونبراسا ينبغي أن يحتذى في مجال البحث والتأليف، من طرف الأجيال الصاعدة.

 

عبد الرزاق القاروني

 

محمد بنيعيشهذا الكتاب يبدو أنه أكثر تخصصا أخلاقيا منه نفسيا على عكس"طوق الحمامة" كما يدل عليه العنوان نفسه.

1) تأليف الكتاب بين الواقع و الأبعاد

إذا تناولنا ظروف تأليف :"الأخلاق والسير في مداواة النفوس"بالمقارنة مع ما سبقه قد تبدو تقاطعات وتطابقات بينهما في نفس الوقت.

فمن حيث فترة تأليفهما  قد توجد فجوة زمنية كبيرة بينهما تفصلهما ، إذ الأول كما رأينا قد ألفه  وهو في مقتبل العمر وحداثة عهد بالكتابة العلمية، كما أن ذكريات الشباب كانت مازالت ثابتة في الذهن يستطيع استرجاعها بكل سهولة ودون عناء في التذكار، وهذا ما يميز"طوق الحمامة"من حيث  توفره على كثرة الشواهد الواقعية أو التجريبية والمعبر عنها برأيت وشاهدت وكنت وحضرت ولاحظت...

فرغم النكبات التي نالت منه إلا أنها كانت بمثابة صدمة الولادة التي أعطت له الانطلاقة للتعبير عما يختلج نفسه من مشاعر وشجون أفرغها في "طوق الحمامة" على شكل صراخ فطري ومعبر عن حب الحياة وتنفس نسائم الوجود ولذة نغماته.

أما بالنسبة إلى مرحلة تأليف "الأخلاق والسير في مداواة النفوس"فإنه قد أنجزه بعد مرحلة نضج فكري وتحصيل علمي وافر وانصهار في المجتمع بصورة حتمية وضرورة وافتقار، فشاهد ونطق بعدما كان مجرد سامع ومارس بعدما كان سوى منظر، وتعددت المراحل في حياته فتذكر بعضها ونسي البعض الآخر.

لكن كل ذلك لم ينسه الحكم العقلي الذي صاغ قواعده حول كل ما شاهده أو سمعه، فأدمج ملخص معلوماته في كتابه هذا.

كما أن من غريب المطابقات أن يكون تأليف هذا الكتاب قد تم في ظروف شبيهة بما كانت عليه عند "طوق الحمامة"، لأنه إذا كان تـأليف هذا الأخير قد تم بعد النفي والتشريد وإحداث آلام نفسية لدى الكاتب -كما سبق وعرضنا- فإن "الأخلاق والسير"سيتم في آونة متأخرة من حياة هذا الكاتب وبعد أن تـعرضت كتبه للحرق من طرف المعتضد بن عباد، الشيء الذي آلمه بفقد أهم ما كان يحبه، فكانت حينئذ نكبته الأولى بفقد محبوبه الإنسي والحسي الذي ملأ مشاعره وعواطفه، ونكبته الثانية فقد لمحبوبه الفكري والعقلي ألا وهو كتبه الثمينة وعصارة  تأليفه وتفكيره.

بحيث لم يخف شدة هذا الألم حتى صاغه في شكل أبيات شعرية متحدية لهذا الإجراء المضاد لروح الحضارة الإسلامية وتشجيعها العقدي والتشريعي والتاريخي للعلم وسعة الأفق للحوار واختلاف الآراء.

يقول عن هذه الحادثة الشاذة في تاريخ الأندلس!!! :

و إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي

تضمنه القرطاس بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلت ركائبي

وينزل إن أنزل ويدفن في قبري

دعوني من إحراق رق و كاغد

وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

وإلا فعـودوا في المكـاتـب بـدأة

فكم دون ما تبغون لله من ستر

كذاك النصارى يحرقون إذا علت

أكفهم القرآن في مدن الثغر[1]

2)قيمة الكتاب العلمية عند الباحثين والمهتمين

يذهب كثير من الباحثين إلى أن كتاب "الأخلاق والسير"قد ألفه عقب هذه الحادثة السابقة، ومن ثم سيصدر البعض أحكاما حول قيمته العلمية باعتباره"عبارة عن خواطر وذكريات تظللها الكآبة ويسيطر عليها التشاؤم"[2].

هذا الاستنتاج ربما قد قلدوا فيه الباحث الإسباني آسين بلاسيوس، وذلك حينما ربط منهج الكتاب بتلك الحادثة[3]، واصفا إياه بأنه "أشبه بسجل يوميات دون فيها ابن حزم ملاحظات أو اعترافات تتصل بسيرة حياته، وهذه الملاحظات ترد في الكتاب دون ترتيب يقصد به إلى التعليم والتربية ولم يراع في تنسيقها منطق، ونحن إذ نقرؤه نجد فيه الوقائع كما سجلها رجل  يقظ دقيق الملاحظة أثناء تجاربه الواسعة وصاغها في قالب مبادئ عامة وحكم، وهذا الأسلوب الوعظي الحكمي الذي اتبعه ابن حزم يجعل كتابه هذا شبيها بحكم ديموقريط و سنيكا، ولا يخلو الكتاب مع ذلك من الفقرات الطوال...

وأعظم قيمة لهذا الكتاب الأخلاقي الذي صدر عن نفس يشوبها التشاؤم والتصوف هي أنه يقدم لنا صورة حقيقية حية لنفسية مسلمي الأندلس في القرن الحادي عشر وقواعد الأخلاق التي كانت مرعية في مجتمعهم، هذا إلى جانب تلك الفقرات التي تتصل بحياة ابن حزم نفسه"[4].

لكن هناك رأي آخر قد يبدو مخالفا للسابق ملخصه:أن الرسالة -أي الأخلاق والسير-تبدو كأنها :"نوع من المذكرات والخواطر التي دونت على مر الزمن وكانت حصيلة التجربة المتدرجة  ولعل أكثرها دون في سن كبيرة، لأنها تشير إلى الهدوء والنضج في محاكمة الناس والأشياء ، وتمثل مفارقة وتكملة لطوق الحمامة ، وخروجها على بعض الأحكام التي جاءت في الطوق أو تطويرا لها، ففي هذه الرسالة يقدم ابن حزم نفسه"[5].

هذا الرأي قد يبدو أقرب إلى الموضوعية من النصين السابقين الذين قيَّما الكتاب من خارج وليس من داخل، بمعنى أنهما ربطا حكمهما بالظرف الذي كان يمر به ابن حزم في حياته العامة ولم ينظرا بتمعن كبير في البنية الداخلية للكتاب الذي لا يتضمن أي مظهر للتشاؤم وإنما يضم أحكاما موضوعية في مجالات أخلاقية أوردها برفقة تعليلات منطقية خالية من العواطف واستشهاد واقعي من خلال  الممارسة الفعلية والملاحظة الدقيقة، وهو ما  سنوضحه من خلال عرض المنهج المتحكم في الكتاب.

فالملاحظ أن له صلة وثيقة ب"طوق الحمامة"رغم الفارق الزمني والظروف التي سبقت الإشارة إليها، مع أن هذا الأخير لم يكن كتاب أخلاق بالدرجة الأولى.

فلقد حدا هذا الترابط بكثير من الباحثين إلى الإشارة تلميحا أو تصريحا فيما ذهب إليه ماجد فخري عند تعريفه لكتاب "طوق الحمامة" ب:"أنه كتاب غني بالتحليل النفسي وهو يشتمل على تأملات أخلاقية وتأملات ذاتية وربما أمكن لهذا الداعي ربطه بكتاب أخلاقي آخر بلغنا من مؤلفاته يفضله تنظيما هو: كتاب "الأخلاق والسير"[6].

إن هذا الكتاب  لم يكن جديدا من حيث العنوان الذي حمله، إذ أننا نجد كتبا قد ألفت في هذا المجال وتحمل نفس العنوان تقريبا، وهي ذات قيمة علمية قد لا تقل عن كتاب ابن حزم ، لكنها في أوجهها وصيغها تكاد تكون صورا طبق الأصل لبعضها، وتسير على تقليد متكرر من حيث المواضيع التي  تطرقت لها وطرق معالجتها وذلك بحسب الاتجاهات  التي  طبعت  منهجها.

لكن كتاب "الأخلاق والسير"كانت له نغمة خاصة به وأسلوب جديد في عرضه للقضايا الأخلاقية، ولهذا فقد اختص بعناية كبيرة من طرف الباحثين وذلك لاعتبارات شتى منها العلمية المحضة ومنها الإقليمية وغيرها.

إذ كل باحث سيعلل اهتمامه بهذا الكتاب وسيبرز خصائصه من وجهة نظره على ضوء المحتويات التي تضمنها في جوانحه.

بحيث إن أهم مستوى للعناية التي أوليت له  هو إدراجه ضمن قائمة الروائع العالمية، وذلك بشهادة هيئة اليونسكو الدولية له بذلك[7]وترجمته إلى اللغة الفرنسية، كما نجده ضمن قائمة عيون التراث في المطبوع الذي أصدرته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسسكو تحت عنوان :"الأخلاق ومداواة النفوس لابن حزم"[8].

كما قامت ندي توميش بترجمته إلى اللغة الفرنسية وإدراجه في  منشورات"اللجنة الدولية لترجمة الروائع"وذلك في سنة 1961، فكانت الطبعة مزدوجة، بحيث تتضمن النص العربي والفرنسي في طبعة واحدة[9]، معتمدة في ذلك على نسخة إستنبول .

يقول إحسان عباس بخصوصها، أنه قد وجد "طبعة القاهرة (1325-1908)تزيد فقرات لم ترد في مخطوطة إستنبول أو في الطبعات الأخرى على تعددها مما يدل على وجود أصل أتم لها"ولهذا فإنه في إعداد هذه الطبعة راجع"نص الرسالة على مطبوعة السيدة توميش لأنها أفادت كثيرا من زيادات طبعة المحمصاني"لكنه لم يتقيد بترقيمها للفقرات أو ببعض ما لم يره صوابا من القراءات"[10].

هذه الزيادة المفقودة من كتاب "الأخلاق والسير" قد تبدو ضئيلة ولا تمثل بترا يخل بالمنهج والمضمون العام للكتاب أو يسقط من مواضعه الرئيسية ما يؤثر على قيمته.

في حين قد يبدو أن اهتمامات الغربيين بالكتاب في أوائل القرن الماضي كانت لا بأس بها، خاصة إذا قارناها بالاهتمامات التي أولوها لكتابه السابق "طوق الحمامة".

فقد درسها آسين بلاسيوس وترجمها إلى الإسبانية وعلق عليها ونشرها في مدريد سنة 1918، ودرسها نيكل في مجلة اللغات والآداب السامية الأمريكية.

هذا وقد عرف الكتاب بأسماء مختلفة ومتقاربة، فمن الباحثين من عنونه ب"أخلاق النفس"كما ذكره المقري في" نفح الطيب"[11]والحافظ الذهبي ذكره تحت عنوان "السير والأخلاق"[12]، كما توجد عناوين أخرى مثل "كلمات في الأخلاق"و"الأخلاق والسير في مداواة النفوس"كما هي عليه طبعة دار الآفاق الجديدة التي تبنت العنوان الذي طبع عليه بالقاهرة سنة 1325 بعناية أحمد عمر محمصاني[13].

ومن هذا الاختلاف والتنوع في الصيغة كانت قيمة الكتاب ودرجة الاهتمام به من طرف رواد العلم والأخلاق والفضيلة.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 ...................... 

[1] شمس الدين الذهبي:سير النبلاء، ترجمة ابن حزم الأندلسي ، تحقيق سعيد الأفغاني دار الفكر بيروت 1389-1969ص44

[2] عبد اللطيف شرارة:ابن حزم رائد الفكر العلمي، المكتب التجاري لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ص50

[3] آنجل جنثالث بالنسيا:تاريخ الفكر الأندلسي، نقله عن الإسبانية حسين مؤنس، مكتبة النهضة ص216

[4] نفس    ص217

[5] إحسان عباس:رسائل ابن حزم الأندلسي، الجزء الأول ص325

[6] ماجد فخري:تاريخ الفلسفة الإسلامية ص430

[7] صبحي محمصاني:الدعائم الخلقية  للقوانين الشرعية، دار العلم للملايين بيروت  ط1ص120

[8] المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسسكو:تبسيط عيون التراث برنامج عام 77/مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ص14

[9] سلسلة الروائع :53ابن حزم ، الأخلاق والسير، دار المشرق ، بيروت  الطبعة 2ص146-يز

[10] إحسان عباس:رسائل ابن الحزم، الجزء الأول ص325ً

[11] المقري، نفح الطيب  ج2ص79

[12] الذهبي،  سير النبلاء، ترجمة ابن حزم   ص35

[13] الروائع:عدد533 ابن حزم:الأخلاق والسير ص145

 

علي القاسمي5) مراحل تطوُّر العلاقة بين النحو العربيِّ والمنطق

5ـ 1. مراحل العلاقة بينهما:

يرى المؤلّف أنَّ علاقة النحو العربيِّ بالمنطق اليونانيِّ مرَّت في ثلاث مراحل هي:

أ ـ المرحلة الأولى، مرحلة نشأة النحو العربي. وقد تمَّت مناقشة هذه المرحلة.

ب ـ المرحلة الثانية، مرحلة بدايات مزج النحو العربي بالمنطق.

ج ـ المرحلة الثالثة، مرحلة غلبة المنطق على النحو العربي.

ب ـ بدايات مزج النحو العربي بالمنطق:

ما إن حلَّ القرن الثالث الهجري، إلا وكان العالم الإسلامي قد توطَّدت فيه تقاليد دراسة الفلسفة والمنطق، واستخدمتها مدارسه الكلامية لدعم مواقفها، وتوسَّعت حركة ترجمة فلسفة اليونان، وعلوم الهند، وآداب الفرس. فقد كان أبو جعفر المنصور (خلافته من 137ـ 158 هـ) مولعاً بالعلوم، فطلب أن تُتَرجم كُتُب الطب والهندسة والرياضيات والحكمة وغيرها، وحفظ تلك الكتب خزانة في قصره. ولما تولّى الخلافة حفيده هارون الرشيد (خلافته من 197ـ193 هـ)، أخرج الكتب من القصر ووضعها في خزانة مستقلة أُطلق عليها اسم " بيت الحكمة" التي سرعان ما تطوَّرت لتكون مجمعاَ علمياً ومركزاً للترجمة لا سيما في عهد ابنه الخليفة المأمون (خلافته من 198ـ 218هـ).

ونتيجة لترجمة فلسفة اليونان ومنطقها، أخذ جميع طلبة العلم، مهما كان تخصُّصهم، يدرسون المنطق وبقية أبواب الفلسفة، وأخذ النحاة يمزجون النحو العربي بالمنطق. ولم يقتصر ذلك على مدرسة دون أخرى، بل مارسته كلتا المدرستَين: البصرية والكوفية. وينبغي أن نتذكَّر أنَّ الدراسة في ذلك العصر كانت شمولية المنحى. فالطالب الجامعي يدرس جميع الآداب والعلوم، من فقهٍ، وطبٍّ وفلسفةٍ ولغةٍ ورياضياتٍ وموسيقى وغيرها. وكانت الفلسفة تشمل دراسة أغلبية العلوم من علم النفس وعلم الاجتماع والطبّ وغيرها، قبل أن تستقل تلك العلوم عن الفلسفة. ولم يبدأ التخصُّص في الجامعات الأوربية إلا إبان الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.

وبعد أن انتقل زعيما المدرستين البصرية والكوفية، المُبرِّد والفَرّاء، إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية بغداد، واشتدت المنافسة بينهما، وكثرت المناظرات التي اشتركا فيها، عزّزا النحوَ بالمنطق دعماً لمواقفهما، وأخذا يمزجان نحوهما في المنطق، كما أخذت المدارس الكلامية تعزِّز مذاهبها بالفلسفة والمنطق. وفيما يأتي نبذة مختصرة عنهما:

ـ أبو العباس المُبرِّد (210ـ286هـ/825ـ899م)

المبرِّد من كبار العلماء في النحو والبلاغة والنقد. ولد في البصرة، ودرس على صالح بن إسحاق الجرمي، ومحمد بن عثمان المازني، وعمرو بن بحر الجاحظ، وغيرهم من كبار علماء البصرة. وانتقل إلى بغداد، وذاع اسمه، وألَّفَ عدداً من الكتب، لعلَّ أهمَّها " الكامل في اللغة والأدب".[108]

وفي كتابه " المقتضب" الذي يقع في ثلاثة أجزاء، تناول جميع موضوعات النحو والصرف، مُعزِّزاً آراءَه بالشواهد، مع الإكثار من التعليل المنطقي للقواعد النحوية والصرفية. ويقول الدكتور محمود محمد علي عن تعليلات المبرد:

" ومع هذا، فالغالب على تعليلات المبرِّد أنها لم تخرج عن تعليلات البصريين، فَعِلله شبيهة إلى حدٍّ كبيرٍ بعللِ الخليل وسيبويه."[109]

وكان عبد الله بن ابي إسحاق الحضرمي (ت 117هـ) شيخ الخليل، أوَّلَ مَن فرَّع النحو، واشتقَّ قواعده، وطرد القياس فيها، وعللّها.

وأضيفُ أنا: إنَّ تعليلات سيبويه لم تخرج في الغالب عن تعليلات الخليل الذي توسَّع في تعليلات شيخه الحضرمي.

وكانت للمبرِّد مناظرات عديدة مع أبي العباس احمد بن يحيى ثعلب (200ـ291هـ) الذي آلت إليه إمامة مدرسة الكوفة النحوية في بغداد، بعد الفراء.

ـ أبو زكريا الفراء (144ـ 207 هـ؟ / 761ـ822م؟)

ولد الفراء في الكوفة، ودرس على الكسائي رئيس مدرسة الكوفة آنذاك، ورحل الى البصرة ليدرس على يونس بن حبيب الذي خلفَ الخليل بن أحمد على رأس نحاة البصرة، وانتقل الفراء إلى بغداد عندما اختاره الخليفة المأمون لتأديب ولدَيه. وثنيت للفراء الوسادة ليكون رئيس مدرسة الكوفة بعد وفاة شيخه الكسائي سنة 189هـ، بالإضافة إلى تضلُّعه في العلوم الإسلامية. وفي عصره اشتدَّ الخلاف بين المدارس الكلامية التي استعانت بالفلسفة والمنطق لتأييد فكرها. وكان الفكر المعتزلي أعلاها صوتاً، والخليفة المأمون يميل إلى هذا الفكر المعتزلي الذي يُعلي شأن العقل ويجعله المصدر الرئيس في فهْم النصِّ. وفي عهد المأمون اتسعت حركة ترجمة الفلسفة اليونانية ومنطقها الى اللغة العربية. ونتيجة لذلك، يقول أستاذنا الدكتور محمود محمد علي:

" وجدنا أعلام مدرستي البصرة والكوفة يسعون جاهدين إلى مزج النحو بالمنطق. ولكن هذا المزج في الأغلب الأعم كان قاصراً على الشكل، والمنهج، والتنظيم، والتهذيب، وطرق الجدل، ووسائل الحجاج، ثم على شيء من المصطلحات والأساليب والتقسيمات." [110]

ولما كان للفراء ميلٌ إلى التأمُّل والتفلسف، فإنّه أخذ يمزج النحو بالمنطق والفلسفة في مؤلَّفاته[111]. ونجد هذا الميل الفلسفي واضحاً في كتابه " الحدود". ويضم هذا الكتاب تعريفات لقرابة ستين مصطلحاً نحويا.[112]

ج ـ المرحلة الثالثة: غلبة المنطق على النحو العربي:

يرى الدكتور محمود محمد علي أن القرن الرابع الهجري شهد ظاهرتَين أساسيتَين:

الأولى، إنّ النحاة في بغداد لم يلتزموا بمدرسةٍ نحويةٍ واحدة، بل أخذوا ينتخبون من آراء المدرستين البصرية والكوفية ما يلائم مقاصدهم ومن هنا راح بعضهم يُطلق على ذلك التوجّه اسم "نحاة بغداد"، "المذهب البغدادي"، أو " البغداديّين" على الرغم من أنَّ هذه التسمية لا تنطبق حقّاً على ذلك الاتجاه، لأنَّه لا تتوافر فيه خصائص المدرسة الفكرية المستقلة، كما يرى أبو مصطفى.

من أوائل القائلين بوجود مدرسة نحوية ثالثة في العصر العباسي، بعض المستشرقين منهم فلوجل (ت 1870م) ناشر كتاب " الفهرست" لابن النديم، فقد كتبَ مقالاً عن المدارس النحوية العربية سنة 1862م، ورد فيه رأيه عن وجود "مدرسة بغداد" التي كانت تختار من آراء مدرستي البصرة والكوفة وتحاول التوفيق بينهما واتخاذ منهجاً وسطا. ويرجِّح أنَّ هذه المدرسة نشأت نتيجة للمنافسة بين المبرّد وثعلب والمناظرات التي جرت بينهما. ومن هؤلاء المستشرقين الذين شايعوا فكرة وجود مدرسة نحوية بغدادية، العلامة المستشرق الألماني بروكلمان (ت 1956م).

أما مؤرخو النحو العربي من العرب، فقد أكدوا أن مذهب نحاة بغداد يقوم على الاختيار من مواقف المدرستَين البصرية والكوفية. وهذا هو رأي محمد سعيد الأفغاني ومحمد مهدي المخزومي وشوقي ضيف وغيرهم.

الثانية، إنَّ القرن الرابع الهجري شهد غلبة المنطق على الدراسات النحوية.  وتعزز هذا المذهب في أعمال كبار علماء اللغة في بغداد في ذلك القرن، مثل: أبي بكر بن السرّاج (ت 316هـ)[113]، وأبي سعيد السيرافي (ت 368هـ) الذي غلب المنهج الكلامي على عمله في النحو[114]، وأبي علي الفارسي (ت377هـ)[115]، وأبي الحسن الرماني (ت 384هـ)[116]، وأبي الفتح بن جني (ت 392هـ)[117].

فصار النحو العربي متلبِّساً بالمنطق بصورةٍ راسخة، وكأن استخدام المنطق في الدرس النحوي أمرٌ مشروع.

ومع تدنّي الثقافة العربية في القرنين الخامس والسادس الهجريين وما بعدهما أصبح همُّ النحويين الأوحد هو ضبط الحدود والعلل المنطقية في دروسهم النحوية. ويقول المؤلِّف الفاضل:

" ومع مطلع القرن الخامس الهجري اشتدّ اهتمام النحويين بالحدود، والعلل، والعوامل، وأفردوا كتباً خاصة بها، و عاب بعضهم بعضاً بأن حدوده ناقصة أو فيها دور، وعلى هذا أُخضعت الحدود النحوية للمقاييس المنطقية، ولذلك كثرت الحدود النحوية وتعددت للمصطلح الواحد، وخرجت بعض الحدود عن إطارها النحوي إلى نطاق الفلسفة، وعدت بعض الحدود ألغازا فلسفية يصعب فكّها، وسبب ذلك أن الوصول إلى حدٍّ جامع مانع، كما يتطلب علم المنطق أمر عسير... وفي القرون التي أعقبت القرن السادس الهجري حتى وقتنا الحالي، أضحت مصطلحات المنطق تدخل بشكل سافر في الحدود، التعريفات, العلل، والعوامل، والأقيسة، والأساليب، ولا نكاد نجد كتاباً نحوياً، إلا وهو ملئ بعلم المنطق. "[118]

ويضرب لنا المؤلِّف بعض الأمثلة يستقيها من جلال الدین السیوطي (ت 911هـ) في كتابه الموسوم بـ " ھمع الھوامع في شرح جمیع الجوامع في علم العربیة"، حينما يعرِّف الفاعل بقوله " ما أُسند عامل إليه عامل مفرغ على جهة وقوعه منه أو قيامه به."

وهو حدّ لا يفهمه طلاب النحو ما لم يتمكَّنوا من المنطق تمام التمكُّن.

وتوسَّع نحاة العصر العثماني في النحو الممنطق، فأخذت المدرسة النحوية المصرية في العصر العثمانيّ، تغالي في مزج النحو بالمنطق. وهنا يضطر المؤلّف إلى تعريف القارئ الذي لم يدرس المنطق بالعناصر المنطقية التي مُزِجت بالنحو مثل: التعريفات والحدود، والعلة والتعليل، والقياس. فلكي يفهم التلميذ تعريف المصطلحات النحوية التي تستخدم الحدود المنطقية، عليه أن يعرف الجنس والنوع والفصل، والقضايا الكبرى والقضايا الصغرى، والعموم والخصوص، والعرض والمعروض، والماصدق، والمفهوم، والمادة والصورة، والإطلاق والتقييد، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، وغيرها من المفاهيم المنطقية.

وفي رأيي الشخصي أنَّ مما زاد من صعوبة النحو في العصر العثماني اعتماد النحويين، في الأغلب، على كتاب " ألفية ابن مالك "، وهي منظومة من شعر الرجز تقع في ألف بيت تضمُّ قواعد النحو والصرف، وكُتِب لها الانتشار والذيوع. مؤلِّفها محمد بن عبد الله الطائي المعروف بابن مالك (600ـ672هـ) الذي ولد في مدينة جيان في الأندلس، وتعلَّم فيها، ثم هاجر إلى الشام، بعد أن حاصر ملك قشتالة، سنة 627هـ، تلك المدينة لاحتلالها ولكنَّها لم تسقط في تلك المرَّة. وواصل ابن مالك تعليمه في الشام، ثمَّ رحل إلى القاهرة ليعلِّم فيها، ثمَّ رجع إلى دمشق، وأصبح إماماً في النحو والإقراء، وتوفي هناك.

يُعدُّ نظمُ القواعد النحوية شعراً، أو نظم مبادئ أيِّ علمٍ من العلوم، وسيلةً تعليمةً أو أداةً تذكيرية، تيسِّر للطالب تذكُّر معالم ذلك العِلم. ولكنّي أرى أن صعوبة النحو في "ألفية ابن مالك" التي اعتُمِدت، هي وشروحها، في دراسة النحو العربي خلال العصر العثماني، وفي عصرنا الراهن في كثير من المعاهد والجامعات، لا تعود إلى مزجها النحو بالمنطق فحسب، بل كذلك لكونها منظومة شعراً، ما يزيد من صعوبتها لما فيها من ضرورات شعرية تفرضها القافية والوزن على الناظم في اختيار الألفاظ والتعبيرات، فتؤدي إلى صعوبات دلالية وتركيبية. وعلاوة على ذلك، التطوُّر الذي طرأَ على ألفاظ اللغة العربية وأساليبها منذ ذلك العهد. والتغيّر لصيق بطبيعة اللغة ما يستدعي ضرورة تصنيف المعاجم التاريخية[119].  ونظراً لهذه الصعوبات المتنوعة، أقدم أكثر من أربعين نحوياً على تصنيف شروح لـ " ألفية بن مالك"؛ لعل أشهرها شرح ابن هشام (ت 761هـ)، الذي اضطر مُحقِّقه في العصر الحديث، محمد محي الدين عبد الحميد، إلى شرح الشرح بكتاب يقع في أربعة أجزاء عنوانه " عدّة السالك، إلى تحقيق ألفية بن مالك"[120].

ولا يفوت الدكتور محمود المرور بالمدرسة النحوية الأندلسية بفصل كامل، وقد أخذ نحويّوها المنطقَ من المشارقة. فحاول ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) تأسيس علوم الشريعة على المنطق، على حين أن ابن مضاء القرطبي (ت 512 هـ) انتقد في كتابه " الرد على النحاة"[121] إيغال النحاة المشرقيّين في مزج النحو بالمنطق. وتناول المؤلّفُ الفاضل، كذلك، ابنَ السيد البطليوسي (ت 521هـ)، ومنهجه النحوي المتجلّي في كتابه " إصلاح  الخلل الواقع في كتاب الجمل"[122]

وعلى ذكر كتاب " الجُمل في النحو" للزجّاجي، نذكر أنَّ فقيهاً مغربياً، هو محمد بن محمد الصنهاجي، الشهير بـ  "ابن آجُرُّوم" (ت  743هـ) اضطلع، بعد بضعة قرون، بتلخيص هذا الكتاب بأسلوبٍ سهلٍ في كُتيّبٍ صغيرٍ عنوانه " الآجُرُّومية"، فكُتِب له الذيوع والانتشار، وما يزال يُدرَّس ويُحفَظ في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي[123].

الخاتمة:

إنَّ كتاب أستاذنا الدكتور محمود محمد علي الموسوم بـ " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" كتابٌ رائعٌ جامعٌ مانع، يقدِّم تاريخَ النحو العربي للقارئ بصورةٍ موضوعيةٍ، منذ نشأة النحو في صدر الإسلام لغرض ضبط قراءة القرآن الكريم وفهمه حتّى يومنا هذا. ويتطرَّق الكتاب إلى:

ـ نشوء النحو العربي، والآراء أصالته، أو تأثّره بالمنطق اليوناني مباشرة أو عن طريق اللغة السريانية.

ـ المدارس النحوية: مدرسة البصرة، مدرسة الكوفة، مدرسة بغداد، المدرسة المصرية، المدرسة الأندلسية، وكيف تأثَّر بعضُها ببعض.

ـ النحويّون العرب، في كلِّ عصرٍ من العصور، وأهمُّ مؤلَّفاتهم، وشيوخهم، وطلابهم، ممن برزوا في النحو.

ـ تاريخ علاقة المنطق باللغة، من أيام السفسطائيّين والفلاسفة الإغريق وكيف انتقل المنطق اليوناني إلى الثقافة العربية ومدى تأثيره في المدارس النحوية العربية المختلفة في كلِّ مرحلة تاريخية.

والغاية من الكتاب، في نظري، هي تنبيه النحويّين العرب المعاصرين إلى ما هو من المنطق وما هو من النحو، وعدم الخلط بينهما لتيسير الأمر على الطالب الذي يريد الإلمام بالنحو ولا يريد التخصُّص في المنطق. وهذه غاية نبيلة.

وأرى أن اكتساب مهارة التحدُّث باللغة، أيّةِ لغةٍ كانت، بصورةٍ صحيحة، لا تتأتَّى من دراسة نحوها، وحفظ قواعدها، بل باكتسابِ ملكتها الذي يتمّ إما بالسماع أو القراءة. وفصحاء العرب في العصر الجاهلي لم يدرسوا قواعد اللغة العربية بتاتاً ولم يحفظوها عن ظهر قلب، بل اكتسبوا ملكة الكلام الصحيح بالسماع. ونظراً لأهمية الفصاحة في العصر الجاهلي، كان سراة القوم يعهدون بأولادهم إلى مربيات في البادية عُرِفت قبائلُهن بفصاحة لغتهم، ليكتسب الأطفال ملكة الكلام الفصيح الصحيح.   وتدلُّنا أبحاث علم اللغة النفسي على أنَّ اكتسابَ اللغةِ الأمِّ يتمُّ عن طريق سماع الطفل للُّغة مدَّةَ كافية للتمكُّن من التحدث بها، وليس بحفظ قواعدها. وهذا ينطبق كذلك على تعلُّم اللغة الثانية، وطنية كانت أم أجنبية. ويعرِّف علماء النفس السلوكيّون اللغة بأنَّها مهارةٌ أو عادةٌ نطقيةٌ تُكتسَب بالممارسة، وليس بحفظ القواعد النحوية. فأنتَ تستطيع أن تحفظ كتاباً كاملاً عن مهارة السباحة، ولكنَّك ستغرق في أوَّل مرَّة تنزل فيها الى النهر إن لم تمارس السباحة عملياً من قبل.

وقد سخر العلّامة ابن خلدون (732 ـ 808 هـ/ 1332 ـ 1406م) من النحويِّين الانحطاطيِّين في فصلٍ كامل من مقدِّمته الرائعة عنوانه ” الفصل الخمسون: في أنَّ ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية [ أي: النحو] ومستغنية عنها في التعليم، والسبب في ذلك أنَّ صناعة العربية إنما هي معرفةُ قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصةً، فهو علمٌ بكيفيةٍ، لا نفسُ كيفيةٍ، فليست نفس الملكة، وإنّما هي بمثابة من يعرف صناعةً من الصنائع علماً، ولا يحكمها عملاً…” "[124]

وهذا ما أكّده صديقنا العالم اللغوي الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، نائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأسبق حين قال في أهمِّ كُتُبه، " في بناء الجملة العربية"، ما نصّه:

" إن الذي يكوّن الملكة اللغوية هو الدربة والمرانة على القراءة السليمة الكثيرة والسماع الصحيح الكثير المتكرّر.  ولهذا لا نتوقع من كتب النحو أن تساعدنا على تكوين الملكة اللغوية…[125]“

درستُ في جامعة أوسلو بالنرويج صيف 1965، وعلى هامش دراستي زرتُ بعض المدارس. وفي مدرسة ابتدائية وجدتُ أن دروس السنوات المدرسية الثلاث الأولى تجري في ثلاثة مرافق: المكتبة، والمسبح، والمطبخ. فسألتُ عن السبب، فقالت المديرة: إنَّ واجب المدرسة تكوين عادة القراءة لدى الأطفال، والقراءة تساعدهم على التعلُّم مدى الحياة. ونحن شعب يعيش على البحار فلا بُدَّ أن نتعلَّم السباحة منذ الصغر. وأغلبنا يعمل على السفن؛ ويساعدنا الطبخ ـ ونحن في البحرـ على البقاء على قيد الحياة.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

.......................

المراجع

العربية

ـ ابن آجُرُّوم، محمد بن محمد الصنهاجي. الآجُرُّومية، تحقيق حايف النبهان، تقديم حسّان الطيان. الكويت: دار الظاهرية، 2009.

ـ ابن الأنباري، كمال الدين أبي البركات. الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين، والكوفيين. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الفكر، ب ت..

ـ ابن خلدون، المقدمة ، تحقيق عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب، 2004.

ـ ابن مضاء. الرد على دالنحاة، تحقيق شوقي ضيف .القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947.

ـ ابن هشام. أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك. تحقيق: محمد بن محي الدين عبد الحميد، ومعه كتابه  عدة السالك الى تحقيق أوضح المسالك .صيدا: المكتبة العصرية، ب ت.

ـ أشهبون، عبد المالك، العنوان في الرواية العربية .دمشق: دار محاكاة، 2011.

ـ الأسدي، كريم مرزة " مسائل خلافية نحوية بين الكوفيين والبصريين واندماجهما بالمدرسة البغدادية" في "صحيفة المثقف" على الشابكة.

ـ الجارم، علي ومصطفى أمين. النحو الواضح في قواعد اللغة العربية. القاهرة: دار المعارف، 1983.

ـ الرشيدي، نايف إبراهيم. " الخلاف الصرفي في كتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري": دراسة تحليلية تداولية".  رسالة ماجستير في جامعة مؤتة، الأردن، سنة 2011.

ـ الزجاجي، عبد الرحمن بن إسحاق. الجمل في النحو. تحقيق: علي توفيق الحمد .عمّان: دار الأمل للنشر، 2013.

ـ الشلقاني، عبد الحميد. الأعراب الرواة. طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1975.

ـ الظاهري، منصور " نكبة العقل العربي في القرن الرابع الهجري"، جريدة " عكاظ " السعودية، بتاريخ 18/10/2006.

ـ العكبري، أبو البقاء. التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين. تحقيق عبد الرحمان بن سليمان العثيمين. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986.

ـ الفارابي. المنطق عند الفارابي. تحقيق: رفيق العجم . بيروت: دار المشرق، 1985.

ـ القاسمي، علي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية. بيروت. مكتبة لبنان ناشرون. 2014.

ـ. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، ط2. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019.

ـ. العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق، ط3 . بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2011.

ـ. المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2003.

ـ (المنسِّق) وآخرون. المعجم العربي الأساسي .تونس/ باريس: الألكسو/ لاروس، 1989.

ـ القفطي، جمال الدين. إنباه الرواة على أنباء النحاة. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار الفكر العربي، 1986.

ـ الموسوي، محسن جاسم. جمهورية الآداب في العصر الإسلامي الوسيط. ترجمة حبيبة حسن .بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2020.

ـ حسن، إسراء ياسين. " الإنصاف في تقويم الآراء البصرية والكوفية في كتاب " الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين" لأبي البركات الأنباري" في مجلة كلية التربية للبنات في جامعة السليمانية، المجلد 25(4) سنة 2014.

ـ حسن، عباس. النحو الوافي. ط 3 .القاهرة : دار المعارف، 1975 .

ـ حمي، راضية وهندة غرايسة ووجدان معامرة،" ابن مضاء الأندلسي ومآخذه على النحاة" رسالة ماستر، جامعة الشهيد حمه لخضر في الجزائر في الموسم الجامعي 1441ـ1442هـ/2019ـ2020م .

ـ دي بوير، ت. ج.  تاريخ الفلسفة في الإسلام. ترجمة محمد عبد الهادي بوريدة . القاهرة: لجنة التأليف والترجمة، 1957.

ـ راندال، جون هيرمان. تكوين العقل الحديث. ترجمة جورج طعمة ومراجعة برهان دجاني. بيروت: دار الثقافة، 1956.

ـ سارتون، جورج. تاريخ العِلم. ترجمة ومراجعة لفيف من العلماء. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.

ـ سيبويه، عمرو بن عثمان. الكتاب. تحقيق عبد السلام هارون. ط3 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1988).

ـ عبد الجواد، إيمان إياد إبراهيم. "مسائل الخلافية بين البصريين والكوفيين في " إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه. رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بغزّة، سنة 2017 .

ـ عبد اللطيف، محمد حماسة.. في بناء الجملة العربية. الكويت: دار القلم، 1982.

ـ علي. محمود محمد. النحو العربي وعلاقته بالمنطق. الإسكندرية: دار الوفاء، 2016.

ـ غلفان، مصطفى. "دروس في اللسانيات العامة لدو سوسير (نشرة 1916)": قراءة نقدية في ضوء المصادر الأصول"، مجلة أنساق، كلية الآداب والعلوم، 2018، المجلد 2، العدد 1، جامعة قطر.

ـ مرقطن، محمد. "الحقيقة والأسطورة" . جريدة العلم المغربية، 30/4/2021.

ـ معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ، منصة المعجم على الشابكة.

ـ هيوود، جون. المعجمية العربية: نشأتها ومكانتها في تاريخ المعجميات العام. ترجمة عناد غزوان. بغداد: المجمع العلمي العراقي، 2004.

ـ ولد أباه، محمد المختار. تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب .الرباط : المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو- ، 1996.

الأجنبية

- Ali, Mahmoud Mohammed. “Mansour Fahmy, Pioneer of Islamic Feminism in Modern Egypt” in RUDN Journal of Philosophy (Peoples’ Friendship University of Russia) Vol. 25 No.2, 2021.

- Al-Musawi, Muhsin J. The Medieval Islamic Republic of Letters  .Notre Dame, Indiana: Univ. of Notre Dame, 2015.

- Carter.M.G.  A study of Sibawayhi`s Principles of Grammatical Analysis, Ph.D. Dissertation, Oxford University, 1968

- De Boer, T.J. Geschichte der Philosophie im Islam .Stuttgart, 1901.

- Hawood, John. Arabic Lexicography .Leiden: E.J. Brill, 1965

 

الهوامش

[1]  من أمثلة التعصُّب الطائفي ما يذكره منصور الظاهري:" حتى في مجال علاقات الزواج، فقد وقع الاختلاف في حكم تزوُّج الحنفية بالشافعي.. فقال بعضهم: (لا يصح لأنها يُشَك في إيمانها وقال آخرون يصح قياسا على الذمية!!) "*؛ على حين في العصر الذي قبله، كان العالم الشاعر الشريف الرضي صديقا للعالم الشاعر أبي إ سحاق الصابئي على اختلاف ديانتيهما، ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الشهيرة:

أعلمتَ مَن حمـلوا على الاعـواد؟ *** أرأيت كـيف خبـا ضياء النـادي؟

جبلٌ هـوى لو خـرَّ في البـر إغتـدى ***  مـن وقعـه متتـابع الازبـادِ

*منصور الظاهري، " نكبة العقل العربي في القرن الرابع الهجري") ، صحيفة " عكاظ" السعودية بتاريخ 18/10/2006.

[2] يرى الباحث العراقي الأمريكي الدكتور محسن جاسم الموسوي في كتابه " جمهورية الآداب في العصر الإسلامي الوسيط" أن الانحطاط السياسي لا يصاحبه بالضرورة انحطاط فكري بدليل أن تلك الحقبة التي توسم بـ " عصر الانحطاط" ويسميها هو بـ " العصر الوسيط"، شهدت بروز علماء وأدباء مثل أبي يعقوب السكاكي (القرن 13مـ)، وصلاح الدين الصفدي وسعد الدين التفتزاني  وابن خلدون (القرن 14م) ، وأبي بكر الحموي (القرن 15م) . يُنظَر:

Muhsin J. Al-Musawi. The Medieval Islamic Republic of Letters )Notre Dame, Indiana: Univ. of Notre Dame, 2015).

وللكتاب ترجمة عربية:

ـ محسن جاسم الموسوي. جمهورية الآداب في العصر الإسلامي الوسيط. ترجمة حبيبة حسن (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2020).ونحن لا نرى ذلك، فنبوغ بعض المفكرين القلائل هنا وهناك، في ذلك العصر الطويل، لا يدل على تقدّم الثقافة في المجتمع الذي غلبت عليه الأمية . وما نزال نعاني آثار تلك الحقبة، مثل صعوبة النحو الممنطق وأولويته، وازدواجية الكتابة العربية (الإملاء) بحيث يختلف رسم القرآن الكريم عن الكتابة العربية عامة الأخرى. واللغة أساس التنمية البشرية.

[3]  القرآن الكريم، سورة فصلت، الآية 42، أي: لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل، ولا يُنزل من بعده ما يبطله وينسخه، حسب تفسير شمس الدين القرطبي (ت671هـ) "الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمَّن من السنة وأحكام الفرقان"

[4] في هذه الدراسة، يحاول الكاتب كتابة الكلمات ناقصة الألف، بصورتها الكاملة كما يكتبها المغاربة: هاذا، لاكن، الرحمان، إلخ.

[5] ألقيتُ بحثاً في المؤتمر العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 2015 عنوانه " السياسة اللغوية وتنمية اللغة العربية "، ناديتُ في خاتمته بضرورة توحيد الإملاء العربي من قبل لجنة مشتركة من اتحاد المجامع العربية والأزهر الشريف، فاعترض أحد النحويين الانحطاطيين من أعضاء المجمع قائلاً: "لا يقول بهذا إلا مستشرق أو كافر". وهكذا تظلُّ الازدواجية في الكتابة العربية إضافة إلى الازدواجية في الكلام الناتجة من استخدام العامية والفصحى في الإعلام والتعليم، من عوامل تأخّر التنمية اللغوية والبشرية في بلداننا العربية، وصعوبة تعلُّم اللغة العربية، وصعوبة قراءة المصحف الكريم. وأخبرني أحد القناصل المغاربّيين في القاهرة، أنّهم يواجهون مشكلة تصديق عقود الزواج التي تجري في بلده إذا كان اسم الزوج مثلاً " عبد الرحمان"، لأن الدوائر الرسمية المصرية، تعدّه غير مطابق لاسم "عبد الرحمن".

[6] ابن مضاء القرطبي. الرد على النحاة، تحقيق: شوقي ضيف (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947). تُنظَر مقدِّمة المحقِّق.

[7]  علي الجارم، ومصطفى أمين. النحو الواضح في قواعد اللغة العربية (القاهرة: دار المعارف، 1983) لم يتيسر لنا تحديد تاريخ الطبعة الأولى. ولكن الكتاب ظلَّ قيد النشر حتى أواخر القرن العشرين. والشاعر علي الجارم (1881ـ 1949) كان مفتشا للغة العربية في المدارس، وكان مصطفى أمين (وهو غير الصحفي المشهور مصطفى أمين وأخيه التوأم علي أمين) مدرساً للنحو، وتوفي في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.

[8] عباس حسن. النحو الوافي. ط3 (القاهرة : دار المعارف،  1975 ). وكان الدكتور حسن عباس من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية (مجمع القاهرة للغة العربية لاحقاً) المنادين بتيسير النحو العربي.

[9] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AE%D9%85%D9%8A%D9%85 ، ويكيبيديا، شوهد في 4/4/2021.

ويُنظر مقالنا " مفهوم السرقة في العقل العربي: هل ورثنا عادة السرقة من أجدادنا الجاهليين؟" في "صحيفة المثقف" في الرابط:

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=921676&catid=288&Itemid=601

[10] في علم اللغة، يوجد مستويان في تأصيل اللفظ: الأوّل، التأثيل، وهو ردُّ اللفظ إلى اللغة الأم التي اقتُرض منها، والثاني، الترسيس وهو ردُّ اللفظ إلى اللغة الأولى التي انحدر منها، وهو بحث لم يتمكَّن علم اللغة منه بعد. وإذا كان لفظ الفلسفة وصلنا من اليونانية تأثيلاً، فلا بدّ أنّه انحدر من العربية الأمّ، ترسيساً، لأنَّ اللغة العربية الأم هي أم اللغات في العالم كما أثبتت آخر البحوث الغربية. يُنظر كتابنا علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، ط2 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019) الفصل الأول: اللغة. وهو متوافر في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي".

[11] جميع كتب الدكتور محمود محمد علي وبحوثه متوافرة على الشابكة في " مكتبة نور" للقراءة والتحميل.

[12]  ورد هذا المثل العربي في كتاب " مجمع الأمثال" لأحمد الميداني (ت518 هـ)، ويحسب بعضهم أنّه ينطبق على الإنسان السلبي. ولاكن استقراءنا للنصوص الشعرية التي ضمَّنته، دلّنا على أنه مثلٌ محايدٌ ينطبق على الإيجابي والسلبي. فمن أوائل الذين ضمَّنوه في أشعارهم الفقيه الشافعي سعد ابن الصيفي الملقَّب بحيص بيص (ت 573 هـ) حين قارن بين آل البيت وبين بني أمية، فقال:

ملكنا فكان العفو منّا سجـيةً   ...   فلمّا مـلكتم سـالَ بالدمِ أبطحُ

وحلَّلتمُ قتلَ الأسـارى وطالما     ...    عدونا على الأسرى فنعفو ونصفحُ

وحسبكـمُ هذا التفاوتُ بيننا    ...    (وكـلُّ إناءٍ بالذي فيـهِ ينضـحُ)ّ

[13] جورج سارتون. تاريخ العِلم. ترجمة ومراجعة لفيف من العلماء (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010) في سبعة مجلدات.

[14] جون هيرمان راندال. تكوين العقل الحديث. ترجمة جورج طعمة ومراجعة برهان دجاني (بيروت: دار الثقافة، 1956؟) في مجلدَين.

[15] المرجع السابق، ص 16.

[16] المقصود بالعبقريات، كُتُب العقّاد التي تحمل في عناوينها كلمة عبقرية وهي سبعة كتب: عبقرية محمد (ص)، عبقرية عمر، عبقرية الصديق، عبقرية عثمان، عبقرية الإمام علي، عبقرية خالد، عبقرية المسيح.

[17]  كان اسم هذه الجامعة عندما أُسِّست سنة 1960 " جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب". وباتريس لومومبا (1925ـ1961) ناضل من أجل استقلال الكونغو من الاستعمار البلجيكي وتحقَّق ذلك سنة 1960 وانتُخب رئيساً للوزراء، ولكن انقلاباً عسكريا وقع بدعم من المُستعمِر، فسجنوه وتم اغتياله. وأُعيدت تسمية هذه الجامعة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991.

[18] Mahmoud Mohammed Ali, “Mansour Fahmy, Pioneer of Islamic Feminism in Modern Egypt” in RUDN Journal of Philosophy (Peoples’ Friendship University of Russia) Vol. 25 No.2, 2021.

[19]  Lمحمود محمد علي، ص 2ـ3.

[20]  يُنظر في هذا:

ـ عبد المالك أشهبون، العنوان في الرواية العربية (دمشق: دار محاكاة، 2011)

[21]  محمود محمد علي ، ص 17.

[22] يُلاحَظ أن المؤلِّف (المنطق) على (النحو) في عنوان هذا الفصل والذي بعده عندما غلب المنطق على النحو في الفصل السادس، وأصبح المنطق موضوع الجدل الرئيس في الفصل السابع. وقد يكون المؤلِّف قد قدَّم المنطق على النحو بصورة لاواعية لتمثله الموضوع في أعماقه وكيانه كله..

[23] تقع دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالبناية رقم 59 في شارع محمود صدقي، من ضاحية سيدي بشر في مدينة الإسكندرية. وقد زرتُها شخصياً بمصادفةٍ عجيبة. فقد كان مجمع اللغة العربية بالقاهرة ينظِّم بعد كلِّ مؤتمر سنوي يعقده، رحلةً للأعضاء لزيارة منطقة من مناطق مصر. وعندما شاركتُ في مؤتمر المجمع سنة 2017، علمتُ أن رحلة ذلك العام ستكون لمدينة الإسكندرية، فذكرتُ ذلك، في رسالة بالبريد الإلكتروني، لصديقي المصري اللساني المعجمي الدكتور منتصر أمين عبد الرحيم، الذي كان يدرِّس في جامعة الطائف، فأجابني بفرح أنَّ الكتاب الذي ألَّفه بمناسبة بلوغي الخامسة والسبعين بعنوان " علي القاسمي: سيرة ومسيرة" يطبع في دار الوفاء بالإسكندرية، وقد أجده جاهزاً إذا مررتُ بهم. وفعلاً، رافقني صديقي العالم اللساني المصري الإسكندراني الأصيل الدكتور محمد محمد حلمي هليل، إلى ضاحية سيدي بشر، وزرنا دار الوفاء وأُعجِبنا بأقسامها ومعداتها وأنشطتها، ووجدنا أنَّهم اسرعوا في تجهيز الكتاب استجابة لرجاء وصلهم من الدكتور المؤلّف، وحملتُ نسخاً منه معي.

[24] ورد هذا الجزء من التعريف في كتاب التعريفات للجرجاني.إ

[25] الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد، ولد في مدينة فاراب في كازاخستان الحالية، فيلسوف، طبيب، موسيقي، فيزيائي، عاش في بغداد وحلب ثم أقام في دمشق وتوفي فيها. لُقّب بالمعلِّم الثاني لأنَّه اعتنى بشرح مؤلَّفات المعلِّم الأوَّل أرسطو.

25 الفارابي. المنطق عند الفارابي. تحقيق: رفيق العجم (بيروت: دار المشرق، 1985). مع ملاحظة أن التعريف ورد في الكتاب المطبوع: " وكما أن النحو عبارة اللسان..." والصحيح: عيار اللسان.

[27] محمود محمد علي، ص25

[28] بعد وفاة الإسكندر الأكبر أتفق كبار قادة جيشه على اقتسام البلدان التي استولى عليها فيما بينهم، فكانت مصر من نصيب بطليموس فاتخذ من مدينة الإسكندرية عاصمة للبلاد التي يحكمها.

[29]الرها: مدينة قديمة تقع في شمال بلاد ما بين النهرين. وكانت قاعدة مملكة عربية يحكمها الأباجرة، بين القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد. وتسمى بالسريانية (عربيا).  تقع اليوم في المنطقة الجنوبية من تركيا، وتُعرَف باسم (أورفا).

[30] نصيبين : مدينة رافدينية قديمة تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. تقع الآن بمحافظة ماردين في تركيا.

[31]أنطاكية: مدينة تاريخية أنشأها أنتيغون، أحد قادة الإسكندر الأكبر سنة 317 ق.م. وتقع على الضفة اليسرى لنهر العاصي في لواء (محافظة) الإسكندرونة.  وإنطاكية مدينة مقدسة لدى المسيحيين الشرقيين. وكانت محافظة الإسكندرونة وأغلبية سكانها من العرب، جزءً من سوريا منذ استقلالها عن الأمبراطورية العثمانية سنة 1919 حتى قامت دولة الانتداب (الاستعمار) الفرنسي بإعطائها لتركيا سنة 1939، بحجة استفتاء أجراه المُستعمِر، تماماً مثلما أعطت بريطانيا سنة 1925 لإيران إمارةَ عربستان، وهي من إمارات الخليج، وسكانها عرب من بني كعب وشيخها آنذاك الشيخ خزعل الكعبي.

[32] اللغة السريانية: لغة جزيرية (عروبية) تطوّرت من اللغة الآرامية، اللغة الأمّ للسيد المسيح (ع)؛ وصارت، ،من القرن السادس ق.م. حتى انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي، اللغة الوحيدة في الهلال الخصيب. أمّا اليوم فتتكلَّمها فقط طوائفُ الآشوريين والكلدان والسريان في العراق والشام (حوالي مليون نسمة). وهي قريبة جداً من اللغة العربية، فقد ذهبت بنفسي إلى بلدة صيدانا في سوريا واستمعتُ لكلام أهلها بالسريانية وفهمتُ كثيراً منه. وجاء في الأثر الرسولُ (ص) طلب من الصحابي زيد بن ثابت أن يتعلَّم السريانية، فتعلَّمها في سبعة عشر يوماً. وهذا يُذكرني بإقامتي ثلاثة أسابيع في في مالطا وكنت في مهمة عمل، فتعلَّمتُ اللغة المالطية في الأسبوع الأول، لأنَّها لهجة عربية قريبة من اللهجة الشامية ولكنَّها تُكتَب بالحروف اللاتينية حالياً وتتخللها كلمات إيطالية وإنكليزية.

[33] نقلَ المؤلِّف مقولة المستشرق ليتمان عن احمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام".

[34] محمد مرقطن. "الحقيقة والأسطورة" جريدة العلم المغربية، 30/4/2021، وكذلك : علي القاسمي، صناعة المعجم التاريخي للغة العربية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2016)، ص 250-273.

[35]  لعل من أفضل الكتب في هذا المجال كتاب:

ـ محمد المختار ولد أباه. تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب (الرباط : المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ، 1996). فقد جمع فيه مؤلفه معظم الروايات الإسلامية في نشأة النحو، حتى أنه ذكر مراجع قديمة أكدت وجود مخطوط في النحو للإمام علي بخط أحد طلابه كان يباع في أسواق القاهرة. ولشمولية هذا الكتاب وجودة توثيقة أقدمتُ على نشره عندما كنتُ مديراً للثقافة والاتصال، في الإيسيسكو. والدكتور محمد المختار ولد اباه، أحد علماء موريطانيا، نال دكتوراه الدولة من السوربون، وتولى وزارة الصحة ثم وزارة التربية في موريطانيا، وترجم معاني القرآن إلى اللغة الفرنسية (2003).

[36] Dr. T.J. De Boer. Geschichte der Philosophie im Islam (Stuttgart, 1901).

وتُرجم الكتاب للإنكليزية سنة 1903 وأُعيدت طباعة الترجمة مؤخراً في سلسلة " كتب منسية" بعنوان The History of Philosophy in Islam

وترجمه إلى العربية وعلق عليه الدكتور محمد عبد الهادي بوريدة بعنوان " تاريخ الفلسفة في الإسلام".

[37] المرجع السابق: ترجمة محمد عبد الهادي بوريدة (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، طبعة 2010) ص 64ـ65.

[38] Gustav Flügel. Die Grammatische Schulen der Araber (1862).

[39]  انظر مثلاً الكتب التي تحمل عنوان " المدارس النحوية" أو "مدرسة البصرة" و " مدرسة الكوفة"، للسانيين العرب المعاصرين مثل: شوقي ضيف، وإبراهيم السامرائي، ومحمد مهدي المخزومي، وخديجة الحديثي، وعبد الرحمن السيد، وغيرهم.

[40] Gustav Weil      هذا هو الاسم الصحيح " جوستاف/غوستاف فايل"، إذ يبدو أن خطأ طباعيا وقع في اسمه فظهر في الصفحة 80 من الكتاب على شكل (جوتولد فايل). ونقل المؤلّف قول فايل من كتاب عبد الرحمن السيد، مدرسة البصرة النحوية: نشأتها وتطورها(القاهرة : دار المعارف، 1968) ص 104..

[41] M.G.Carter. A study of Sibawayhi`s Principles of Analysis Grammatical, Ph.D. Dissertation , Oxford University, 1968.

[42]  الدكتور فؤاد حنا ترزي (ولد في مدينة غزة سنة 1914 ولم نعثر على تاريخ وفاته)، وله كتابان : "الاشتقاق" و " في أصول اللغة والنحو".

[43] محمود محمد علي، ص 82.

[44]  المرجع السابق، ص 84.

[45]وقع خطأ مطبعي في تاريخ ميلاد ابن خلدون، فوردَ في الصفحة 85: "عبد الرحمن بن خلدون (784ـ808هـ)"

[46] المرجع السابق، ص 85.

[47] المرجع السابق، ص 85.

[48]  في الثقافة العربية الإسلامية، يختلف الإبداع عن الخَلق، في كون الخلق يكمن في تصور أو إيجاد بنيات جديدة من عناصر غير موجودة. ولهذا يوصف الله بالخالق.

[49]  علي بن أبي طالب (23 ق.هـ .ـ 40 هـ / 599ـ 661م) يُوصف بانه أعظم رجل عربي بعد النبي (ص). وللوقوف على عبقريته، يُنظر كتاب " عبقرية الإمام علي" لمحمود عباس العقاد.، أو كتاب " الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" لجورج جرداق، في خمس مجلدات وملحق : 1) علي وحقوق الإنسان 2) بين علي والثورة الفرنسية 3) علي وسقراط 4) علي وعصره 5) علي والقومية العربية ، والملحق: روائع نهج البلاغة. طبع من الكتاب في السنة الأولى خمسة ملايين نسخة، وترجم إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية والأوردية وغيرها وله مختصرات.

[50] أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي الكناني (16 ق.هـ/69 هـ)، من تلاميذ الإمام علي، فقيه، لغوي، شاعر، فارس. ولّاه الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب قضاء البصرة، وكذلك الخليفة الإمام علي، أعاده قاضياً على البصرة، واقرّ ولايته وكالةً على البصرة عند غياب والي البصرة عبد الله بن عبّاس.

[51] Lexical Lists, in : https://en.wikipedia.org/wiki/Lexical_lists,  seen at Wikipedea on 24/3/2012

وكذلك:

John Hawood. Arabic Lexicography (Leiden: E.J. Brill, 1965) Chapter 1.

وللكتاب ترجمة عربية:

جون هيوود. المعجمية العربية: نشأتها ومكانتها في تاريخ المعجميات العام. ترجمة عناد غزوان (بغداد: المجمع العلمي العراقي، 2004) الفصل الأول.

[52]  American Journal of Human Gentics,Feb. 2012.

ويُنظر للتفاصيل باللغة العربية:

ـ علي القاسمي. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، ط2 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019)، هل البشرية من سلالة واحدة، ص 71ـ74.

[53] الفينيقيون: قوم من الكنعانيين، موطنهم الأصلي في منطقة البحرين من جزيرة العرب، ثم أقاموا إمبراطورية تجارية على الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط في مدن مثل صور وصيدا وجبيل وقرطاج، وابتكروا أول أبجدية في العالم انتقلت مع سفنهم التجارية إلى حضارات أخرى.

[54]  الدكتور محمود  محمد علي، ص 85.

[55]  المرجع السابق، ص 86.

[56] محمود محمد علي، ص 88.

[57]  المرجع السابق، ص 132.

[58]الأورجانون/ الأورغانون الأرسطي : مجموعة كتب أرسطو في المنطق. وتعني كلمة الأورغانون في اليونانية: الآلة، لأن أرسطو كان يعتبر المنطق آلة العْلم أو وسيلته للوصول إلى الحقيقة والصواب. وهذه الكتب هي : المقولات، العبارة، القياس، البرهان، الجدل، السفسطة، الخطابة، الشعر. وترجمت إلى العربية عدة مرات منذ العصر العباسي.

[59]  عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه (148؟ ـ 180هـ/ 796؟ ـ 765م)، وسيبويه لقبه بالفارسية ويعني رائحة التفاح. ولد في البيضاء في بلاد فارس ونشأ في البصرة ودفن في شيراز. أخذ العلم من شيخه الخليل بن أحمد، وألَّفَ أوَّلَ كتاب شبه متكامل في النحو العربي وصلَ إلينا، سمّي كتاب سيبويه أو الكتاب، لأن المؤلّف لم يعطه عنواناً قبل وفاته.

[60]  محمود محمد علي. المرجع السابق، ص 135.

[61]  المرجع السابق، ص 141.

[62] الطغرائي، الحسين بن علي الدؤلي الكناني، الأصفهاني مولداً، في قصيدته  المشهورة باسم " لامية العجم" التي مطلعها: " أصالة الرأي صانتني عن الخطل... وحلية الفضل زانتني عن العطلِ". وقد حاكى فيها الشاعرَ الجاهلي الشنفرى (ت نحو 70 ق.هـ./525م) في قصيدته الشهيرة باسم "لامية العرب" التي مطلعها: " أقيموا بني أمي صدورَ مطيكم ... فإني إلى قومٍ سواكمْ لأميلُ".

[63]  نقلا عن ابن خلكان. وفيات الأعيان. 2/245.. ومن الأمثلة على زهد الخليل وقريحته الشعرية النادرة أن سليمان بن علي والي البصرة (وهو عمّ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور وحفيد عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الملقَّب بحَبر الأمَّة، أرسل إليه ليكون مؤدّب أولاده، فاعتذر الخليل، فسأله الرسول: ماذا أبلغ الوالي؟ فقال الخليل:

ابلغ سليمان أني عنـهُ في سـعةٍ... وفي غنى، غير أني لستُ ذا مالِ

سخيٌّ بنفسـي أنّي لا أرى أحـداً... يموتُ هَزلاً ولا يبـقى على حـالِ...

فقطع الوالي عنه الراتب الذي تصرفه الدولة للعلماء والطلاب، فلم يسأله الخليل أبداً، فخجلَ الوالي وأعاد راتبه إليه.

[64] Saussure Ferdinand: Cours de linguistique générale  (1916)

يُنظر:

غلفان, مصطفى. "دروس في اللسانيات العامة لدو سوسير (نشرة 1916)" : قراءة نقدية في ضوء المصادر الأصول، مجلة أنساق، كلية الآداب والعلوم، 2018، المجلد 2، العدد 1، جامعة قطر، ص: 135 – 156

[65] جمال الدين القفطي. إنباه الرواة على أنباء النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار الفكر العربي، 1986) ج 2، ص 258.

[66]  الدكتور عبد الحميد الشلقاني. الأعراب الرواة (طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1975)، ونشرته دار المعارف بمصر في طبعة ثانية سنة 1977.

[67] علي القاسمي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية ، الفصل العاشر: لسانيات المدوَّنة الحاسوبية، ص 304ـ401.

[68]  سورة التوبة : 3

[69]  يناقش المؤلف الفاضل مصطلحات  سيبويه بصورة مستفيضة في الصفحات 148ـ150.

[70]  علي القاسمي. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية .. الطبعة الثانية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019) ص 303.

[71]  محمود محمد علي ، ص 146.

[72] علي القاسمي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية ، فصل التعريف، ص 605ـ638.

[73] الحافظ شمس الدين الذهبي. سير أعلام النبلاء. الفصل الرابع. أبو الأسود الدؤلي.

[74] يُنظر مثلاً :  كارل بروكلمان، في " تاريخ الأدب العربي" مادة عيسى بن عمر، كما في مكتبة نور على الشابكة.

[75]   جمع الدكتور صالح محمد أبو شارب ما تبقى من علم عيسى بن عمر وأخباره في كتاب عنوانه " قراءة عيسى بن عمر الثقفي" نُشرته دار جليس الزمان، في عمّان، الأردن.

[76] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D9%89_%D8%A8%D9%86_%D8%B9%D9%85%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%8A , as seen on 24/3/2021.

[77]

[78]  سيبويه، عمرو بن عثمان. الكتاب. تحقيق عبد السلام هارون. ط3 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1988) ص 51.

[79]  المرجع السابق، ص 51.

[80] المرجع السابق ، ص 53.

[81] تنظر منصة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية  https://dohadictionary.org/، للاطلاع على منهجيته وما يتوافر من مواده حتى الآن.

[82] علي القاسمي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية. الفصل الثامن: مصادر المعجم، ص 249ـ274.

[83] محمود محمد علي . المصدر السابق، ص 14ر1 ـ151.

[84]  محمود محمد علي، ص 172.

[85] علي القاسمي. العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق، ط3 (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2011)، فصل تجليات العمارة الإسلامية في مدينة بغداد العريقة، ص 99ـ141.

[86]  وقع خطئان/ خطأآن مطبعيان في الكتاب، في الجملة الآتية:

" فقرّبه (أي قرَّبَ الكسائيَّ) الخليفةُ العباسي الخامس، محمد المهدي (ت 169هـ) إليه، وجعله في حاشية ابنه هارون الرشيد (ت 149هـ)". فالمهدي هو الخليفة العباسي الثالث، وهارون الرشيد توفي سنة 194 هـ. وحصل الخطأ المطبعي لسقوطٍ في النص، وكان المؤلّف الفاضل يقصد بالخليفة العباسي الخامس، هارون الرشيد. أمّا الأرقام العربية فكثيراً ما ينقلب اتجاه بعضها، لأنَ اتجاه الأرقام الأساسي في الحاسوب هو من اليسار إلى اليمين كالكتابة الإنكليزية.

[87] القياس هنا هو القياس الفقهي وليس المنطقي، ومعناه: بيانُ حكمِ أمرٍ غير منصوص على حكمه، بأمرٍ معلوم حكمه بالكتاب أو السنة، لاشتراكه في علّة الحكم.

[88] محمود محمد علي، المرجع السابق، ص 185. وقد وقع في تلك الصفحة خطأ مطبعي في جملة: وعن خلف قال: " كنت أحضر بين يدي الكسائي، وهو يتلو القرآن، فينقطعون على قراءته مصاحفهم". والصحيح: فينقِّطون. وهذا يعني أن المصحف الذي استُكمِل جمعه في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان واستُنسخ منه عددٌ من النسخ وُزِعت على الأمصار، ونسخ الناس منها مصاحفهم، لم يكن منقوطا، ولم تكن تلك المصاحف التي نُسخت منه منقوطة. ولهذا فإنَّ المصحف المتداول اليوم وهو منقوط وعليه الشَّكل، ليس بالرسم العثماني، كما يدّعي بعضهم، فقد أُضيفت إليه النقط والحركات بعد زمن الخليفة عثمان بزمن طويل. لقد استمر تحسين الكتابة العربية حتى عصر الانحطاط وما بعده، مثل عصر الطباعة اليدوية وعصر الطباعة الحاسوبية. فمن التعديلات في عصر الطباعة الحاسوبية في كلمة (ينقِّطون) وأضرابها، وضع الكسرة تحتَ الحرف المشدَّد وليس تحت الشدَّة التي فوقه، كما كان الأمر من قبل، وذلك انسجاماً مع نظام الحركات الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي، وحسَّنه الخليل ابن أحمد، ذلك النظام الذي يضع (الكسرة) تحت الحرف، وليس فوقه.

[89] أبو حيان الغرناطي الأندلسي الجياني: ولد في غرناطة سنة 654، ورحل إلى مصر في شبابه، ودرسَ وتولى التدريس في القاهرة. شرح كتاب " المفصل في صنعة الإعراب" للزمخشري، وهو صاحب تفسير " البحر المحيط"..

[90] الاشتقاق، لغةً، من الشِّق أي النصف، أو أخذ شيء من شيء. وقد ورد " الشِّقّ" في الشعر الجاهلي بمعنى النصف أو الجزء، كما في قول امرؤ القيس (ت 540م) في معلّقته:

فمثلكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْـتُ ومُرْضِعٍ *** فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ *** بِشِقٍّ وتَحْتِي شِـقُّها لَمْ يُحَـوَّلِ

أما في الاصطلاح النحوي فيعني الاشتقاق: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرتهما في الصيغة..

[91] ثمَّة كتبٌ كثيرة تناولت مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، منها " الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين " لابي البركات ابن الأنباري من المدرسة البصرية، وكتاب "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه من المدرسة الكوفية.

[92] أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، ولد سنة 467هـ في زمخشر (تركمانستان)، من أهم مؤلّفاته " المفصّل في صنعة الإعراب" وتفسير " الكشاف"، ومعجم "أساس البلاغة"، وهي كتب ما تزال تحظى بالإقبال عليها بعد ما يقرب من ألف سنة من تأليفها.

[93] معجم "لسان العرب" لابن منظور، محمد بن مكرم، (ت 711هـ).

[94] علي القاسمي. المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2003) فصل الترتيب في المعجم.

[95] علي القاسمي (المنسِّق) وآخرون. المعجم العربي الأساسي (تونس/ باريس: الألكسو/ لاروس، 1989).

[96]

[97]  الحسين بن احمد بن خالويه: ولد حوالي 285 هـ في مدينة همدان (إيران) وانتقل في شبابه إلى بغداد.

[98] إيمان إياد إبراهيم عبد الجواد. "المسائل الخلافية بين البصريين والكوفيين في " إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه." رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بغزّة، سنة 2017 في https://iugspace.iugaza.edu.ps/handle/20.500.12358/16983 شوهد بتاريخ 4/4/2021.

[99] أبو البقاء العكبري. التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين. تحقيق عبد الرحمان بن سليمان العثيمين (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986) وأصل هذا الكتاب رسالة ماجستير.

[100] نايف إبراهيم الرشيدي. ارسالة ماجستير بعنوان (الخلاف الصرفي في كتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري": دراسة تحيليلية تداولية)بإشراف الدكتور عبد القادر مرعي الخليل، في جامعة مؤتة، الأردن، سنة 2011.  منشورة في :

http://mohamedrabeea.net/library/pdf/b21dc68c-bd83-497c-95bb-0e3f064a2d02.pdf شوهدت بتاريخ 4/4/2021.

[101]  إسراء ياسين حسن. " الإنصاف في تقويم الآراء البصرية والكوفية في كتاب " الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين" لأبي البركات الأنباري" في مجلة كلية التربية للبنات في جامعة السليمانية، المجلد 25(4) سنة 2014، ص 1028ـ1037.

[102] كريم مرزة الأسدي " مسائل خلافية نحوية بين الكوفيين والبصريين واندماجهما بالمدرسة البغدادية" في "صحيفة المثقف"، شوهد في الشابكة بتاريخ 19/4:2021 في الرابط:

https://www.almothaqaf.com/b2/916992

[103] كمال الدين أبي البركات ابن الأنباري. الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين، والكوفيين. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (بيروت : دار الفكر، ب ت) الصفحات 56 و 60 و68، مثلاً. بعد تحميل الكتاب من مكتبة نور، بتاريخ4/4/2021.

[104]  مفهوم " تنحي القاضي" في الشريعة الإسلامية وفي القوانين المدنية يعني: اعتزال القاضي، من تلقاء نفسه، عن نظر القضية أو الدعوى المعروضة عليه، تجنباً للإحراج أو الطعن في نزاهته، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْل﴾ (سورة النساء:58)

[105] أبو العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب (200ـ291) ولد وتوفي في بغداد، نحوي وراوية وملم بعدد من العلوم. وقيل إنه لُقب هكذا لأنه إذا سُئل عن مسألة أجاب من هاهنا ومن هاهنا مثل ثعلب إذا أغار. من أهم كتبه: " الفصيح" و " اختلاف النحويين"، و"معاني القرآن"

[106] أبو العباس محمد بن يزيد الملقب بالمبرِّد (210ـ286) ولد وتعلّم في البصرة ثم انتقل إلى بغداد، نحوي وبلاغي. وقيل إنه لُقِّب بالمبرد لحسن وجهه، أو لجسن إجابته ودقته. أهم مؤلفاته " الكامل في اللغة والأدب".

[107]  محمود  محمد علي. المرجع السابق، ص 212

[108]  ومن مؤلَّفاته الأخرى التي وصلتنا: الفاضل، المقتضب، شرح لامية العرب، ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، المذكر والمؤنث.

[109]  محود محمد علي. المرحع السابق، ص  179.

[110] محمود محمد علي. المرجع السابق، ص 169.

[111]  ما وصلنا من مؤلفات الفرّاء: كتاب الحدود، كتاب المعاني، المصادر في القرآن، كتاب الوقف والابتداء، كتاب الجمع والتثنية في القرآن، آلة الكاتب، كتاب المفاخر، كتاب المقصور والممدود، كتاب المذكر والمؤنث. وهي مؤلَّفات يغلب عليها النحو بغرض فهم القرآن.

[112] الحدُّ، في المنطق، هو قول دالٌ على ماهية الشيء، يحدِّد جنس ذلك الشيء وفصله، مثل تعريف الإنسان بالحيوان الناطق، فالحيوان هو الجنس، والنطق هو الفصل الذي يميزه ويفصله عن بقية أفراد ذلك الجنس. فهو نوع من التعريف.

[113]  أبو بكر بن السراج: ولد وتوفي في بغداد، وتتلمذ على المُبرِّد، وبعد وفاة شيخه انتهت رئاسة النحو إليه، وتتلمذ عليه أبو القاسم الزجاجي، وأبو سعيد السيرافي ، وأبو علي الفارسي، وأبو الحسن الرماني، ويُعدُّون جميعهم مثل شيخهم من أعلام المدرسة البغدادية. فقد أكثر ابن السراج من استعمال القياس والتعليل في بحوثه النحوية.، بتأثير العلوم الفلسفية الأخرى، وتداخل مناهجها مع مناهج الدرس النحوي.

[114]  لابي سعيد السيرافي مناظرات عديدة مع علماء عصره في مجالس الوزراء والأمراء، من أشهرها المناظرة التي حرت بينه وبين الفيلسوف متى بن يونس القنائي في مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير الخليفة المقتدر، سنة 320هـ، ويدور موضوعها حول اللغة والمنطق. وقد افرد الدكتور محمود لهذه المناظرة مناقشة مفصلة في كتابه. ومن المناظرات تلك التي جرت بين السيرافي وأبي الحسن العامري الفيلسوف النيسابوري (ت 381هـ)، في مجلس ابي الفتح بن العميد سنة 364هـ . يقول عنه تلميذة أبو حيان التوحيدي: "أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة معرفةً بالنحو والفقه واللغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة." من أهم كتب السيرافي: " أخبار النحويين البصريين، و "المدخل إلى كتاب سيبويه"، لأن السيرافي نحويٌّ يميل إلى المدرسة البصرية.

[115]  أبو  علي الفارسي: ولد في فارس وانتقل إلى بغداد في شبابه. من مؤلَّفاته: "التذكرة" في علوم العربية، في عشرين مجلداً، و"جواهر النحو".

[116] أبو الحسن الرماني: يعرف كذلك بالوراق والإخشيدي. أصله من سامراء، ونشأ في بغداد. فيلسوف معتزلي ومفسّر ومن كبار نحاة بغداد. له مؤلَّفات كثيرة لعل أهمها " الجامع في تفسير القرآن". أمعن في مزج النحو في المنطق والفلسفة، ولهذا كان بعض طلابه في النحو لا يفهمونه.

[117]  أبو الفتح ابن جنّي.: ولد في الموصل وتوفي في بغداد. تتلمذ على أبي علي الفارسي. وتنقَّل ابن جنى مع شيخه في البلدان، والتقى بالشاعر المتنبي في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، وصارا صديقين. له شرحان لديوان المتنبي : الكبير والصغير، وصلنا الأخير. وعندما قُتِل المتنبي، رثاه ابن جني بقصيدة طويلة مطلعها:

غاض القريضُ وأودتْ نضرةُ الأدبِ ... وصوَّحتْ بعد ريٍّ دوحة ُالكتبِ

تتلمذ الشريف الرضي على ابن جني، وتوطَّدت صداقتهما، وعند وفاة ابن جني، أَمَّ الشريفُ الصلاة على جنازته ورثاه بقصيدتَين.

عندما أقرأ في مؤلَّفات ابن جني في اللغة والنحو أشعر أنّها أقرب إلى مؤلَّفات علماء اللغة الغربييّن في العصر الحديث، أو بالأحرى هم أقرب إليه. ومن أهمّها: " الخصائص" في اللغة، و"سرّ صناعة الإعراب" في الصرف.

[118] محمود محمد علي، ص 340.

[119] علي القاسمي. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية، تُنظر: مسألة التغيُّر، ص 190ـ216.

[120]  ابن هشام. أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك. تحقيق: محمد بن محي الدين عبد الحميد، ومعه كتابه " عدة السالك الى تحقيق أوضح المسالك" (صيدا: المكتبة العصرية، ب ت)

[121] لمزيد من التفاصيل عن ابن مضاء ، تُنظر رسالة ماستر قدمتها الباحثات: راضية حمي وهندة غرايسة ووجدان معامرة، وأجازتها جامعة الشهيد حمه لخضر في الجزائر في الموسم الجامعي 1441ـ1442هـ/2019ـ2020م، بعنوان " ابن مضاء الأندلسي ومآخذه على النحاة" وتتناول التعريف بكتابه " الرد على النحاة " الذي حققه مع مقدمّة ضافية الدكتور شوقي ضيف، كما مرَّ بنا، وكذلك تتناول هذه الرسالة المسائلَ الخلافية بين ابن مضاء والنحاة في القياس، والعلة النحوية، والعامل النحوي. شوهدت الرسالة كاملةً بتاريخ 14/4/2021 في الرابط:

http://dspace.univ-eloued.dz/bitstream/123456789/7830/1/-%D8%A7%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D9%88%D9%85%D8%A2%D8%AE%D8%B0%D9%87%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D8%A7%D8%A9%20-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9.pdf   .

[122] عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي. الجمل في النحو, تحقيق: علي توفيق الحمد (عمّان: دار الأمل للنشر، 2013). والزجاجي (ت 340هـ؟) ولد في نهاوند وانتقل إلى بغداد للدراسة، وأصبح مدرّساً في دمشق، وتوفي في طبرية، وسمّي الزجاجي نسبة إلى شيخه النحوي أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج البغدادي (ت 311هـ). وكان هذا الشيخ يدرّس في بغداد مذهبي البصرة والكوفة معاً في دروسه النحوية.

[123]ابن آجُرُّوم، محمد بن محمد الصنهاجي. الأجرومية، تحقيق: حايف النبهان، تقديم حسّان الطيان (الكويت: دار الظاهرية، 2009)، وللاجرومية تحقيقات وطبعات عديدة أخرى، ما قد يوحي بأننا ما نزال في عصر الانحطاط، أو أننا مشدودون إلى الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل.

[124] ابن خلدون، المقدمة ، تحقيق عبد الله محمد الدرويش (دمشق: دار يعرب، 2004) الفصل الخمسون، كما في مكتبة نور على الشابكة.

[125] محمد حماسة عبد اللطيف. 1982. في بناء الجملة العربية (الكويت: دار القلم، 1982) ص 18ـ19.

 

جمال العتابيان هماً ثقافياً يواجهنا ونحن نتبين كتباً على درجة من الوعي والإنفتاح، والوضوح، وعلى مقدرةٍ عاليةٍ في المسؤولية، وأخرى نقيضها مفرغة المحتوى، وهي الرائجة والمتداولة، وإزاء هذا الإنتباه، تبدو مهمة الكتابة بالإتجاه الأول، عسيرة لانها تحفر عميقاً في الارض البور، لإشعال فتيل ضوء الكلمات، لاننا نخاطب الجانب الأدّل في الإنسان، ذلك ان الثقافة سلوك وإرادة ونباهة.

يذكر الكاتب الارجنتيني ما نغويل في (يوميات القراءة): هناك كتب نتصفحها بمتعة، وأخرى نقرأها بخشوع، ونعود لها، وأخرى لا تعطي سوى معلومات، ولا تقبل التعليق، لكن تنتاب القارئ أحياناً الرغبة بإمساك القلم، والتواصل مع الحوار بكتابة الهوامش، هذه الكتابة الظل توسّع من النص وتنقله إلى زمن آخر.

وبناءً على ذلك، خطر لي أن أعيد قراءة (مقهى سقراط، مراحل تدمير المعنى، نقد السسيوثقافي في التجربة العراقية) للكاتب جمال جاسم أمين، الذي صدر عام 2014، لحيوية موضوعاته، وتجدد أهميتها في الوقت الراهن، لما وجدت فيه من علامات جودة في الإختيار، وثراءً وفائدة في الدلالات والمضامين.

عُرف أمين بتجربته الشعرية المتميزة، وله كتابات ودراسات عديدة منشورة، وله حضوره اللافت في الوسط الثقافي، إلا ان أمين إختار منحى آخر ضمن مشروعه في نقد الواقع الثقافي العراقي، فصدر له(أساطير الإستبداد) و(الأزمة المفتوحة)، إذ يرى ان عملية النقد، واحدة من واجبات المثقف، الإجرائي، الذي عليه ان يبتعد عن التنظير.

2493 مقهى سقراطلماذا مقهى سقراط؟ يقول جمال: انها يافطة لمقهى شعبي في مدينته الجنوبية (العمارة)، رواده مربو الطيور، هؤلاء لا متعة لهم سوى التحديق في سماء المدينة بحثاً عن طيورهم المحلقة، ومراقبة صراع الديكة عصر كل يوم، هل كان هؤلاء البسطاء يعرفون ان سقراط مقولة من مقولات (المعرفة)، وماسبيلهم إلى ذلك؟ بل ما علاقة سقراط برهانات الديكة ومعاركها،؟ ليس ثمة قرينة ولا مناسبة، سقراط هنا مقولة أوصلها اللامعنى الى يافطة المقهى، بطريقة أوصلتنا جميعاً فيما بعد إلى كوميديا من هذا النوع.

من هنا يحاول الكاتب الوصول الى جوهر المشكلة في تتبع مراحل تدمير المعنى تاريخياً، ودراستها على أكثر من صعيد، وركّز على مرحلة الخراب والفوضى التي رافقت الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، وما دور المثقف فيما حصل؟ وهو يشير الى عجز المثقف عن تأكيد دوره في ظروف ملتبسة، والعودة الى واقع ومشكلات الثقافة الراهنة، نحتاج الى استبدال  لغة الشكوى، إلى الإنتقال من جاهزية التبرير الى مساءلات نقدية جادة.

ان الحديث عن معطّلات المعنى، يعني اننا مازلنا نعيش تيهاً معرفياً، تدمير المعنى على أيدي اعدائه، وهم لا يجيدون إنتاجه، ان أصل الإشكال العراقي، حاضراً وتاريخاً، كما يصفه الباحث حيدر سعيد، هو: ان العراقيين هم الطرف السلبي في كل ما يدور من أحداث، انهم ينتظرون الفعل، أي فعل، من طرف خارجي، وهكذا كنا (مفعولين)، لا (فاعلين)، ولا نزال كذلك.

والأزمة في أحد وجوهها، تتضح في إستدعاء التاريخ والمكوث فيه، بل والسقوط تحت تأثيره، لم يتجاوزها المجتمع العراقي، إنما إحتفظ بها حد التخمة، على مستوى الظاهر، أغلب أسماء المدن ذات حمولة تاريخية (ذي قار، صلاح الدين، القادسية، المنصور، اليرموك، طارق، الواثق، الرشيد، الخلفاء)، وغيرها الكثير، ولعل الاخطر ان الجدل في التاريخ لا يوفر فرصة لصناعة المعنى، أو الراهن، لذا ستصبح الثقافة ثقافة ذكرى لا ثقافة حضور، من هنا يتعطل الراهن، وتتوفر الفسحة المناسبة لعودة الخرافة، والإنقسامات المذهبية.

ان الجماعات التي تعيش تحت وطأة تاربخها، أو تهرب بإتجاهه، بعد الفشل في صناعة حاضرها، توفر امكانية إنعاش الفكر القومي، بوصفه مفاخرة، والديني التقليدي، الذي يستعيد كل ما هو إشكالوي لينعش الإنقسام، لا أسباب الوحدة، هذان الخياران هما اللذان حكما العراق لمدد طويلة، ما يعني ان فكر التنوير، عانى، ويعاني أزمة حادة في ظل هذا التقابل.

أمام هذا الواقع سقطت الأقنعة، وتعرّت الأنظمة أمام عجزها وهشاشتها، عن تحقيق أي من شعاراتها، لأن هاجسها كان الوصول الى السلطة، والبقاء فيها بأي ثمن كان، ان اخفاق المشروعين القومي والاشتراكي، أمام صعود الأصوليات الدينية، أدى إلى مزيد من التردي والتراجع، لان هذه الاصوليات هي موجات ارتدادية، تحكمها الذاكرة الموتورة، والعقائد الإصطفائية، التي يفكر اصحابها بعقلية الثأر والإنتقام، كما يشير المفكر علي حرب الى جوهر الازمة في (ثورات القمة الناعمة).

ان مصطلحاً أطلقه علي شريعتي أسماه (الغرائزية، اللاوعي الاسود)، يصلح للإنطباق على شرائح واسعة من المجتمع العراقي، شرائح يصفها ب(الأغلبية الصامتة)، أو الكتلة البشرية الجاهزة للإستثمار السياسي، أياً كان نوعه، تتمتع ب(لا إنتباه) غريب تذبل إزاءه أسئلة الوطن  والمصير، ما يميزها انها جماعات ترنو لحاجاتها فقط، هذا السلوك الجمعي، سهّل مهمة تدمير المعنى، فالغرائزي نفعي، ووصولي وانتهازي بالضرورة، وقصير نظر بلاشك، وهو صيد سهل للايديولوجيات المتغالبة لانها تغريه بإشباع غرائزه مقابل صمته وتنازله،حتى لو كان هذا الاشباع بمال حرام، تتلاشى شخصيته بالرمز(الحزب، القائد، الطائفة، الكيان)، يلوذ بها وبحتمي، يتحول العمل لديه الى فعالية لاقيمة لها، لانه  شخص غير منتج، طفيلي، لذا يكره العمل، ويحتقره، وقد لا نحتاج الى برهان ازاء هكذا فساد كالذي يحدث في ظل جماعات دينية، ربما هذه واحدة من صور الرحى التي تطحن المعنى وتحول الحياة برمتها الى ساحة صراع محموم في ظل لا وعي أسود.

ان تتبع آثار الكوميديا السياسية السوداء العراقية، تقودنا الى تشخيص ظاهرتين رئيستين تتمثلان ب:

1-صعود الطبقات الرثّة الى سدّة الحكم.

2-ان مثل هذه الشراذم أصبحت (نخباً) حاكمة، جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الاساس، لان هذه الطبقة هي فضاء صناعة المعنى،وهي تنتعش في ظل قيم مدنية، وان تدميرها،يعد خطوة مدروسة بإتجاه تدمير المعنى، أي  إختفاءالحاضن الذي تتحرك من خلاله ممارسات الثقافة وتمثلاتها،

وسبقت الاشارة الى ثقافة الكسب النفعي، لدى الأفراد، أو الجماعات الحزبية، فذاك يعني تعطيل عقلية الانتاج، وهدر الخبرة، ومثل هذه الثقافة تكون حاضنة للفساد، وتصبح السرقة سلوكاً سياسياً، وهدفاً للوصول الى السلطة، والمفارقة ان الديمقراطية التي بشّر بها النظام الجديد، تحول الى نظام محاصصة ومكونات يذوب فيها الفرد لصالح المكون، والنتيجة استمرار الفوضى بشقيها (فوضى الواقع، وفوضى المفاهيم والأفكار).

ان ما حصل في العراق كان يحمل طابع الصدمة، ولعل أخطر ما في النتائج، تحول الدين بوصفه قيمة متعددة القراءات، إلى ايديولوجيا، وإرتباط الإسلام السياسي الطائفي بالقبلية، مما ادى الى أسلمة التخلف، جرى ذلك بعد ان أفرغ الاسلام من منحاه التنويري، لصالح قبلية جاهلية جديدة، أمام إنتكاس ثقافة التحول والتجديد، ولصالح ظاهرة التطرف، كسلوك عصبوي أحادي مغلق، بالضد من الاعتدال، ولا يقيم وزناً لثقافة الحوار، أو يسمح بالإختلاف.

يعد الاعتدال أعقد الظواهر، وهو أبسطها، ولايمكن الحديث عنه إلا بالإستناد الى معرفة شاملة، هذه التي اشار اليها المفكر هاني فحص بالقول :بقليل من الدين تصبح متطرفاً، ولكنك لا تستطيع ان تصبح معتدلاً إلا اذا فهمت الدين كله، الاعتدال إذاً ينطوي على فهم عميق للحياة، من زاوية الفطرة الانسانية غير المنحازة.

تناول جمال جاسم أمين محاور أخرى، وسلط الضوء على قضايا الاصلاح الديني، والاسلام الديني، وازمة الاصلاح بين الاجتماع والسياسة، وأفق الثقافة ومشكلاتها، بحضورها الأكثر بلاغة، والاصولية الجديدة، صورة الشرق المعاد.

كما سعى الباحث أمين إلى الإنقلاب على ما هو تقليدي، وساكن في الحياة، بإتجاه نحو أفق أفضل للإنسان والمجتمع، بنظرة حداثوية تقود الى نظام يتعايش فيه العقل مع الذات في الكائن الإنساني.

لقد صاغ جمال افكاره بخطى واثقة، إبتعد فيها عن الفنطازيا واللامألوف، والتجريد، انما اعتمد المعرفة العقلانية للقوانين، والإرادة الحرة الواعية، ومن المؤسف القول، ان صناعة (معنى) جادة لكاتب عراقي، تمرّ عابرة دون إنتباه، ودراسة من ذوي الشأن. وأقول دون إنحياز اننا أمام كاتب يسعى لتحقيق حضوره الفاعل في الدراسات السسيولوجيا (العراقية)، وأمامنا ان نراجع بإهتمام ما توفر لديه، ونناقش ما أورد. وجدير بالكتاب، أن يأخذ مكانه من بين أهم الكتب العربية التي صدرت في العقد الاخير من هذا القرن.

 

جمال العتّابي

 

محمود محمد عليفلسفةٌ في أزمة فيروس كورونا للكاتب دانييل إنيراريتي

يعد الكاتب والمفكر والفيلسوف الإسباني "دانييل إنيراريتي" واحداً من كبار المتخصصين في تداعيات جائجة كورونا وأثرها في تغيير الأفكار الفلسفية، وهو يشغل منصب مدير معهد الحوكمة الديمقراطية بإقليم الباسك بإسبانيا، وهو بروفسور في الفلسفة السياسية والاجتماعية، وكاتب مقالات دائم الحضور في صحيفة الباييس وغيرها من الصحف الإسبانية. كما سبق له العمل كأستاذ زائر في عدد من المؤسسات الأكاديمية الأوروبية والأمريكية، مثل جامعة السوربون (باريس1)، وكلية لندن للاقتصاد، ومعهد ماكس بلانك بهايدلبيرغ. يُعرف عن دانييل إنيراريتي اشتغاله الكبير على موضوع الديمقراطية، من بين مواضيع سياسية أخرى؛ إذ صدرت له عدة كتب في هذا الجانب؛ منها: "ديمقراطية المعرفة" 2011، و"الديمقراطية في أوروبا" 2017، و"فهم الديمقراطية" 2018. كما صدر له هذا العام كتابان في مسألة الديمقراطية، هما: "نظريةٌ في الديمقراطية المعقدة: الحكم في القرن الحادي والعشرين"، والكتاب الذي بين أيدينا (1).

ويأتي صدور الكتاب في ظل أزمة "كوفيد 19" الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية تصنيفه كجائحة في الحادي عشر من مارس 2020، بعد أربعة أشهر تقريباً من اكتشاف أول حالة له في الصين في السابع عشر من نوفمبر من العام الفائت، والذي تسبب - إلى حين نشر الكتاب نهاية شهر مايو الماضي- في وفاة 24 ألف شخص في إسبانيا وحدها، وأكثر من 377 ألفاً حول العالم.

ويسعى دانييل إنيراريتي من خلال هذا الكتاب، كما يشي العنوان أعلاه، إلى تقديم فلسفةٍ ناجعة للتعامل مع أزمة فيروس كورونا، والتنويه بأهمية الدور الذي يمكن لديمقراطية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية لعبه للخروج من الأزمة الراهنة بأقل الأضرار.

وتتطرق فصول الكتاب الأحد عشر إلى مجموعة من المواضيع ذات الصلة؛ لعل أهمها: التعقيد الذي تتسم به الأزمة الراهنة، والنهج الأمثل لمقاربتها، وحال الديمقراطية في زمن الأزمة (2).

ويسعى دانييل إنيراريتي من خلال هذا الكتاب، إلى تقديم فلسفةٍ ناجعة للتعامل مع أزمة فيروس كورونا، والتنويه بأهمية الدور الذي يمكن لديمقراطية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية لعبه للخروج من الأزمة الراهنة بأقل الأضرار.

يخبرنا إنيراريتي أن عدم التفكير بطريقة منظومية، والتعامل مع البيانات بمعزل عن السياق العام، يجعل معدلات الإصابات والوفيات تبدو كما لو كانت غير مقلقة، أما حين ننظر إلى ما يحدث من منظور منظومي فإن أصغر الأرقام ستشير إلى كارثة محتملة.

ولا شك أن ثمة نظريات عديدة عن أصل الفيروس: بعضهم يعتقد أنه مُنتج بشري تم تخليقه في المختبرات لاستخدامه كسلاح بيولوجي يُعزز الهيمنة، لكنه فرَّ من مخترعيه فأصابهم، سواء عن غير قصد، أو مع سبق الإصرار والترصد؛ وبعضهم يعتقد أنه مجرد أداة تحصنت بها الطبيعة ضد عبث الإنسان وإفساده اللامنقطع في البر والبحر؛ لكن الفيروس في كل الأحوال يتحدانا بقوة، ويكشف لنا بوحشية عن مدى هشاشتنا، سواء كنا أفرادًا أو جماعات، ويدفعنا إلى إعادة تقييم لحظتنا الوجودية: مَن نحن؟ وما مكاننا في الكون؟ وهل ثمة ما يمكن أن يُهدد بقاءنا كنوعٍ في أي وقت؟! لقد أظهر لنا الفيروس مدى أهمية الحياة، ومدى غباء انخراطنا الدائم في الصراع بدلاً من البحث عن سُبلٍ للتفاهم والتعاون! وعندما ينسحب الجميع في معازلهم، سواء أكانت مختبرات ومشافي تموج بأشرس معارك العلم ضد الفيروس، أو منازل تتضخم فيها مخاوف القدرة على اجتياز الجائحة، تتحول معازل الفلاسفة إلى خلايا فكرية تبسط أشرعة المعنى والمغزى والهدف على الجميع (3).

ومن هنا نجد دانييل يسعي من خلال هذا الكتاب إلي تقديم فلسفة ناجعة للتعامل مع أزمة فيروس كورونا والتنويه بأهمية الدور الذي يمكن للديمقراطية العالمية أن تتجاوز الحدود الجغرافية اللعب من الخروج من الأزمة الراهنة بأقل الأضرار (4).

يخبرنا دانييل أن عدم التفكير بطريقة منظومية والتعامل مع البيانات بمعزل عن السياق العام، يجعل معدل الإصابات والوفيات تبدو لو كانت غير مقلقة؛ أما حين ننظر إلي ما يحدث من منظور منظومي، فإن أصغر الأرقام ستشير إلي كارثة محتملة (5).

صحيح أن الإنفلونزا الموسمية تقتل هي الأخرى أعداداً كبيرة من الناس في كل عام، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فيما قد تعنيه إضافة جائحة كورونا إلي انفلونزا موسمية في أوج انتشارها، كما أن السؤال الذي ينبغي علينا طرحه، هو إلي أي مدي أن يتسبب ذلك في انهيار المنظومة الصحية؟

تفرق نظرية المنظومات المعقدة بين التأثرات الخطية والتأثرات غير الخطية أو المعقدة، وفي حالة التأثرات الخطية يتم التعامل مع وقائع متوافقة مع توقعاتنا وبنانا التحية ويمكن بالتالي جمع الكميات المختلفة للتنبؤ بالواقع المشترك لها؛ أما في حالة التأثرات غير الخطية فإنه لا يمكن ببساطة إضافة شئ ما إلي شئ آخر، وإنما تؤثر الأشياء في غيرها بطريقة تراتبية من الأعلى إلي الأسفل فيما يعرف بتأثير الشلال، ما يسمح بأن تؤول التغييرات الطفيفة إلي تحولات هائلة (6).

ووفقاً لدانييل، فإنه لا ينبغي اعتبار النظرية مضيعة للوقت، حتى في هذه الأوقات الحرجة، وحتى لو كانت بعض الأخطاء العملية ناجمةً عن عيوبٍ تنظيرية. فعند محاولة سبر غور الأزمة، تنهض أسئلةٌ تحيل على نظريةٍ لمجتمع ما بعد كورونا، وكل ما تم التفكير فيه، فيما يتعلق بالديمقراطية والسياسة، والعلاقة بين العام والخاص، ومعنى القوميات وتبرير أوروبا، بل وحول طبيعة العالم الذي نحيا فيه، يتطلب تقصياً جديداً (7).

أحد اهتمامات دانييل الأساسية هو ضرورة التفكير بمصطلحات التعقيد المنظومي، وتحويل المؤسسات لتكون قادرةً على حكم المنظومات المعقدة ودينامياتها، خصوصاً حين نواجَه بأخطار متصلة ببعضها البعض، أي حين يمكن أن تمضي عدة أشياء معاً في الاتجاه الخطأ.

ومن الجلي بالنسبة لدانييل كما يقول دانييل أن الجائحة الحالية لم يُتعامل معها من هذا المنظور في جميع مراحلها. ففي البداية شبهها الكثير من الساسة والمحللين بإنفلونزا موسمية متموضعة في منطقةٍ ما في دولة بعيدة، وأن كل ما علينا خشيته هو المبالغة في الهلع. لقد تم الاستخفاف بأرقام الإصابات والوفيات لأنها لم تُفهم كما ينبغي لها أن تُفهم في المنظومات المعقدة: أي في سياق منظومة عامة تأخذ في الاعتبار طريقة تأثير الوباء على البنى التحتية الصحية، وارتدادات هذا التأثير (8).

ويري دانييل أن الديمقراطية تقف اليوم أمام مفترق طرق عير معهود، وأن نجاتها مرتبط بقدرتها علي الفعل في البيئات الحالية المتسمة بالتعقيد، وعلي الموائمة بين تطلعات الفاعلية ومتطلبات الشرعية، ويشير إلي ما يُثار حول وجود انقلاب من شأنه أن يطيح بالرأسمالية، وإلي تحذير البعض من التحكم من يسعي إلي تعزيز التوجهات الاستبدادية فيما يعرف بالديمقراطية والتي غير الليبرالية، مثل إسرائيل والمجر اللتين استغلتا المرض لتقديم صورتهما غير الليبرالية (9).

وفي رأي دانييل فإن التدابير الاستثنائية يشكل سابقة خطيرة وانقطاعا للحريات، لكننها ستقبل من الجموع الخائفة التي ستغريها الوعود بالفاعلية علي حساب الشكليات الديمقراطية .

لقد أخذ الجدل بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول الديمقراطية ما بعد كورونا طابعا ملحميا ونبؤينا وسوداويا، فهناك من يعلن أننا سنشهد موجة جديدة من الاستبداد مثل جورج أدامبل، وهناك من يمجد الفاعلية الصينية ويعدها مثالا يحتذي به مثل بيونج شونج هان فيما يحذرنا يوفال نوي هراري من الترصد التوليتارياري الذي تمثله المراقبة الجيوميترية ويعود سلافوي من جدي للقول بالنهاية الحتمية للرأسمالية (10).

ويعيب إناريتي كما يقول دانييل علي تنبؤات هؤلاء المفكرين نغمة المبالغة وضعف الأساس العلمي، ويري أن يعضهم بحاجة إلي دراسة علم السياسة المقارنة ليكونوا علي دراية جيدة بالديمقراطيات الأوربية ودساتيرها، ويتصدي دانييل للدافع عن الديمقراطية مفندا الشبهات المثارة حول موضوعاتها الثلاثة الرئيسة، وهي الاستثناء والفاعلية والتغير الاجتماعي (11).

وفيما يخص مسألة الاستثناء، أي اللجوء إلي تعطيل بعض الحريات ومنح صلاحيات أكبر لطرف من الأطراف يزغم البعض أنه تم استغلال الوباء لجعل الاستثناء الوضع الطبيعي للديمقراطية، بينما يزعم آخرون فينظرون بما أسموه خضوعا لديكتاتورية ضد جماعية تجعل من النظام الغربي مساويا للصين في استبداديته، ويرد دانييل علي هذه المزاعم بالتذكير بأن حالة الطوارئ المفروضة اليوم في أوربا لم تكن موجودة قبل أزمة كورونا، ولن تظل موجودة بعدها، وينفي القول بأن الاستثناء والحالة المعتادة للديمقراطية، مضيفا أن حالة الطوارئ التي فرضتها الحكومات الأوربية مقيدة بثلاثة شروط، هي أن يكون الهدف منها مكافحة مرض كوفيد 19، وأن تكون محدودة الوقت، وألا تؤدي إلي تجاوزات قانونية (12).

يرى دانييل أن الديمقراطية تقف اليوم أمام مفترق طرق غير معهود، وأن نجاتها مرتبطة بقدرتها على الفعل في البيئات الحالية المتسمة بالتعقيد، وعلى الموائمة بين تطلعات الفاعلية ومتطلبات الشرعية (13).

ويشير دانييل إلى ما يثار حول وجود انقلابٍ من شأنه أن يطيح بالرأسمالية، وإلى تحذير البعض من نظام تحكمٍ يسعى إلى تعزيز التوجهات الاستبدادية في ما يعرف بالديمقراطيات غير الليبرالية، مثل إسرائيل والمجر اللتين استغلتا المرض لتأكيد صورتهما غير الليبرالية (14).

وفي رأي دانييل فإن التدابير الاستثنائية تشكل سابقةً خطيرة، وانقطاعاً للحريات، لكنها ستقبل من الجموع الخائفة التي ستغريها الوعود بالفاعلية على حساب "الشكليات الديمقراطية".

أما فيما يتعلق بفاعلية الديمقراطية حين يتطلب الأمر حلولاً عاجلة لأزمةٍ طارئة، فإن دانييل يشير إلى أن الأنظمة الديمقراطية قد تبدو أقل جاهزية لمثل هذه المواقف من الأنظمة الشمولية، نظراً لبطئها في اتخاذ القرارات، وضعف تحكمها في المجتمع، وتواضعها في انتهاك خصوصيات الناس (15).

إلا أنه يؤيد ما أشار إليه فوكوياما كما يري دانييل من أن مشكلات عدم الفاعلية التي تعاني منها الحكومات الديمقراطية لا علاقة لها باحترام الإرادة الشعبية والإجراءات القانونية، كما أن الأوتوقراطيات ليست مثالاً يحتذى فيما يخص الفاعلية. فالصين مثلاً لا يمكن عدها نموذجاً ناجحاً في هذا الجانب؛ مع شح المعلومات حول حقيقة الوضع فيها بسبب الرقابة التي تفرضها على الإعلام، كما أن دولاً عديدة تمكنت من فرض إجراءات الحجر والإغلاق الشامل دون أن تضحي بالقيم الديمقراطية كما فعلت الصين (16).

وأخيرا ينافس دانييل مشكلة التغييرات الاجتماعية : الاصلاحات أو التحولات التي تنتجها الديمقراطيات عن قصد وساء بطريقة تدريجية، أو دفعة واحدة، ولأن مثل هذه التحولات قليلة الحدوث في الديمقراطيات الراهنة، راح البعض يعول علي الكوارث الطبيعية لإحداث التغيير الذي ينشدونه فيما يفسر كلام البعض بأن الشيوعية الجديدة بات وشيكة الحدوث (17).

إن التغييرات الاجتماعية في الديمقراطيات لا علاقة لها بما يسميه دانييل الرؤية القربانية للتاريخ السياسي والتي تعتقد ان الفشل سينتج ضده بطريقة آلية، تلك الرؤية القائمة علي افتراضين خاطئين، وان السلبي ينتج الايجابي، وأن الإيجابي سيتم تقاسمه بالتساوي (18).

هنا يلفت دانييل النظر إلي حقيقة أن أوقات الأزمات علي عكس ما تذهب إليه الرؤية القربانية للتاريخ السياسي، قد تقود إلي أشكال معينة من عدم التوزان الذي سيمثل سانحة مواتية للأنظمة السلطوية والشعبوية غير الليبرالية (19).

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب ” جائحة الديمقراطية.. فلسفةٌ في أزمة فيروس كورونا " كشف لنا بحق أن الفيلسوف دانييل إنيراريتي نموذجا للفيلسوف الحر النزيه- الذي لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية في هذا الكتاب فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

...............

1- فيصل الحضرمي: جائحة الديمقراطية.. فلسفةٌ في أزمة فيروس كورونا، صحيفة التفاهم، مقال منشور بتاريخ 29 يوليو 2020.

2- نفس المرجع.

3- د.صلاح عثمان: جائحة كورونا: فلاسفة في العُزلة، مركز المجدد للبحوث والدراسات، 14‏/05‏/2020.

4- دانييل إنيراريتي: جائحة الديمقراطية.. فلسفةٌ في أزمة فيروس كورونا، نشره غالاكسي غوتنبرغ، إسبانيا، 2020م، ص11.

5- نفس المصدر، ص 14.

6- نفس المصدر، ص 16.

7- نفس المصدر، ص 19.

8- نفس المصدر، ص 45.

9- نفس المصدر، ص 67.

10- نفس المصدر، ص 78.

11- نفس المصدر، ص 89.

12- نفس المصدر، ص 112.

13- نفس المصدر، ص 154.

14- نفس المصدر، ص 167.

15- نفس المصدر، ص 178.

16- نفس المصدر، ص 223.

17- نفس المصدر، ص 256.

18- نفس المصدر، ص 268.

19- نفس المصدر، ص 289.

 

 

 

علي القاسمي3) سيبويه ليس " أبو النحو العربي" كما ينعته بعضهم،

وكتابه ليس أوَّل كتاب في النحو العربي

3 ـ تاريخ النحو العربي:

3ـ1. إهمال التاريخ الاجتماعي وتاريخ المدارس الفكرية:

دأب الأَخباريون/ الإخباريون والمؤرِّخون القدامى على سرد أخبار الملوك والسلاطين والأباطرة، وتاريخ صعودهم إلى العرش، ومُدَد حكمهم، وحروبهم، وانتصاراتهم، وانكساراتهم، ومَن تولى الحكم بعد كلِّ واحدٍ منهم؛ على حين أهملوا أخبار المجتمع وأحواله المعيشية، ومستواه الفكري، ومؤسَّساته الاجتماعية والتربوية والقضائية والاقتصادية، وعاداته في الحبِّ والزواج والإنجاب والموت، وغير ذلك، مما يعطي القارئ فكرةً عن الحياة الفعلية لكلِّ شعب في تلك الحقبة من الزمن. وبعبارةٍ أخرى أنَّ التاريخ القديم كان تاريخاً ملكياً، أمَّا التاريخ المعاصر فيحاول أن يكون، في جانب منه، تاريخاً اجتماعياً كذلك.

بيدَّ أن الدكتور محمود محمد علي عُني عنايةً كبيرةً في تتبُّع تاريخ المدارس النحوية العربية، وعلمائها، وتوجهاتهم، وإنتاجاتهم، وأفضل كتبهم، ومناظراتهم العلمية؛ أي أنَّه اهتمَّ بالحياة الفكرية والثقافية. وفي كتابه هذا، قسَّم مراحلَ تطوُّرِ النحو العربي على ثلاث مراحل:

أولاً، المرحلة الوصفية:

أضطلع النحويون في هذه المرحلة بتدقيق النظر في استعمالات اللغة العربية، وإعمال الفكر فيها، لاكتشاف ظواهرها اللغوية، والقوانين التي تتحكَّم فيها، ووضع قواعدها، " وقد استعاروا بعض مضامين النحو اليوناني الذي دوَّن منظومته (ديونيسيوس ثراكس)، وذلك بطرق غير مباشرة، عن طريق السريان."[56]

وتمتدُّ هذه المرحلة حوالي مئة عام، من أبي الأسود الدؤلي إلى الحضرمي وابن العلاء.

" فقد كان نقط أبي الأسود الدؤلي للمصحف فاتحة النحو العربي والخطوة الأولى في نشوئه ومجسّدة للمرحلة الوصفية."[57]

ثانياً، المرحلة التجريبية:

وتستغرق هذه المرحلة، هي الأخرى، مئة عام أو أكثر، وتغطي حقبة الخليل بن أحمد وسيبويه وكتابه الموسوم بـ " الكتاب". فقد اعتمد سيبويه الطريقة الاستقرائية، في دراسة استعمالات اللغة العربية، وتصنيفها والوقوف على العلاقات فيما بينها، على أساس التماثل الشكلي والوظيفي، من أجل الوصول الى القوانين التي تحكمها، ووضع قواعدها. والمقصود بالطريقة الاستقرائية أن سيبوية ينظر في كلام العرب وشعرهم، ويتتبع الفاعل، مثلاً، في جميع ذلك، فيجده مرفوعاً دائماً، في حين أنَّ المفعول به منصوبٌ دائماً، فيقرّر قاعدةً نحويةً عامَّةً هي : الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب. ويرى بعض الفلاسفة ومنهم الدكتور محمود أنَّ الطريقة الاستقرائية منهجيةٌ موضوعيةٌ علميةٌ تجريبية.

ثالثاً، المرحلة الاستنباطية:

أفاد النحويون في هذه المرحلة مما أُنجِز في المرحلتَين الوصفية والتجريبية وما تمَّ خلالهما من تراكم معرفي أدّى إلى تطوُّرٍ في الدرس النحوي على ثلاثة مستويات: مستوى الوسائل المنهجية العقلية، ومستوى مفاهيم العلم، ومستوى نظرية العلم. وفي هذه المرحلة تمت صياغةُ قواعد العِلم ومبادئه، التي تُمكِّن النحويّين من التنبؤ المستقبلي بما يحدث في اللغة من تطوُّر وتغيُّر. وظهر في هذه المرحلة أثرُ المنطق في النحو نتيجةً لحركةِ الترجمة، لا سيَّما ترجمة الأورجانون الأرسطي[58] إلى اللغة العربية. ويُؤرَّخ لهذه المرحلة من أوائل القرن الثالث الهجري إلى ما بعد كذلك.

3ـ2.  سيبويه وكتابه:

خصَّ المؤلِّفُ الكريم سيبويه[59] بفصلٍ كاملٍ من الكتاب هو الفصل الرابع، كال فيه الثناء عليه بلا حساب، وأغدق عليه المديح بسخاء، ووشَّح صدره بالأوسمة والألقاب مثل " سيبويه أبو النحو العربي" و "إمام النحاة"، وقال عن كتاب سيبويه:

"وقد اتخذ كتابُ سيبويه مكانة لا يضاهيه فيها كتاب قواعدَ في أمَّةٍ من الأممِ ، فقد جذَبَ أعيُنَ النَّاظرين ، وتنافسَ في دراستهِ المتنافِسون وشرحه سبعةٌ وثلاثون شارحاً من كبار فقهاء النحو ومفتيه"[60]

حتّى أنَّ علماء النحو سموه بـ " البحر الخضم" لكثرة جواهره وصعوبة مضايقه، ووصفوه بأنه " زينة لدولة الإسلام"، بل نعتوه بـ " قرآن النحو"، إلخ. إلخ. ولهذا كان بعضهم يحفظه عن ظهر خاطر كما يحفظ القرآن الكريم.

وقدَّم المؤلِّف عرضا وافيا لكتاب سيبويه الذي يتكوّن من قسمين:

القسم الأول: في أبوب النحو، ويضمُّ أربعة أجزاء:

ج 1: إسناد الفعل،

ج2: اسناد الاسم،

ج3: الإسناد الذي بمنزلة الفعل: الحروف الخمسة، النفي بلا، والاستثناء.

ج 4: أحكام الإسناد مع بدائل الاسم المُظهَر التامّ المنوَّن: المُضمَر، الاسم الناقص، ما لا ينصرف، والأسماء في باب الحكاية.

القسم الثاني: في أبواب الصرف والأصوات، ويضمُّ:

ج 1: أعراض اللفظ عند النسب، التثنية، جمع التصحيح، إضافة الأسماء الستة وغيرها إلى الضمائر، الإضافة إلى ياء المتكلِّم، التصغير، حروف الإضافة إلى المحلوف به (القسم)، التنوين، التوكيد بالنون، تضعيف آخر الفعل، المقصور والممدود، الهمز، العدد، تكسير الواحد للجمع، بناء الأفعال ومصادرها وما يشتق منها.

ج 2: تأدية اللفظ، وما يجري فيه عند التلفُّظ به من تغييرٍ صوتيٍّ وصرفيّ. وفيه: تلفُّظ أمثلة الأفعال، والاسماء، والإمالة، وإلحاق الهاء فيما يصير حرفا ًنحو ألف الوصل، والوقفّ

ج 3: بناء اللفظ: كيفية بناء اللفظ، وعدد حروفه، وأحواله في الزيادة، والإبدال، والتصريف، والقلب، والتضعيف، والإدغام.

وتصدّى المؤلِّف الفاضل لتحليل منهجية سيبويه في الكتاب، فوجد أنَّها تقوم على استقراء النصوص العربية، وتصنيفها طبقاً للتماثل الشكلي والوظيفي من أجل التوصُّل إلى القواعد التي تحكمها. أما أسلوبه فيتراوح بين الوضوح والغموض. وأدى هذا الغموض إلى تدخّل شيوخ النحو بالشرح والتفسير. ولم يستخدم سيبويه الحدود المنطقية (التعريفات)، بل استعمل التمثيل، فيقول مثلاً:

" اعلم أنَّ من كلامهم اختلاف اللفظَين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظَين والمعنى واحد، واتفاق اللفظَين واختلاف المعنيَين.

ـ فاختلافُ اللفظَين لاختلاف المعنيَين هو نحو: جلس وذهب،

ـ واختلافُ اللفظَين والمعنى واحد نحو: ذهبَ وانطلقَ،

ـ واتفاقُ اللفظَين والمعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه من الموجدة، ووجدتُ، إذا أردتَ وجدان الضالة." [61]

وهكذا فنحن نرى أن كتاب سيبويه يشتمل على الأغلبية الساحقة من موضوعات النحو العربي، بيدَ أنَّ ترتيب الموضوعات يختلف عن ترتيبِ النحويّين المتأخِّرين، إذ إنَّ سيبويه لا يذكر المرفوعات على حدة، وإنَّما يخلط بعضها بالاخر.

3ـ3.  هل كان سيبويه " أبو النحو العربي" وكتابه أوَّل كتابٍ في النحو العربي؟!

وأنا شخصياً أشارك المؤلِّف الكريم أعجابه الشديد بسيبويه وبكتابه الرائع، فقد أحبَّ سيبويه المعرفة والتعلّم، وأغرم بلغة القرآن الكريم. ونحن ـ المؤلّف الفاضل وأنا ـ نشترك مع سيبويه في تلك المحبة وفي ذلك الغرام، و"شبيه الشيء منجذب إليه" أو كما يقول الفلاسفة: " إن التماثل علّة الانضمام".. بيدَ أنّي أثير بعض النقاط هنا:

أولاً ـ

لا بُد أن القارئ الكريم لحظَ في حياته باحثين حالفهم الحظُّ، فارتفع قدرُهم، وذاع صيتهُم؛ وواظب الناس على ذكرهم والإشادة بنتاجهم؛ في حين أنَّ باحثين آخرين، أفضلَ منهم علماً وأشدَّ اجتهاداً، لم يحالفهم الحظُّ، فخمل اسمهم، ونسي الناس أمرهم. وقد خصَّ كثيرٌ من الشعراء هذا الموضوع بروائعهم. ولعلَّ الطغرائي (ت 514/515هـ) كان أكثرهم تألُّماً لهذه الظاهرة غير المبرَّرة ولا المفسَّرة التي عاناها، هو نفسه، كثيراً، فنظم قصيدته المشهورة المعروفة بـ "لامية العجم"، ويقول فيها:

تقدَّمتني أناسٌ كانَ شـوطهمُ ... وراءَ خطويَ لوْ أمشي على مَهلِ

... أهبتُ بالحظ، لو ناديتُ مُستمِعاً ... والحظُّ عنّيَ بالجهالِ في شُـغلِ [62]

درس سيبويه النحو ـ بصورة رئيسة ـ على الخليل بن أحمد (100ـ170هـ) شيخ نحاة البصرة في ذلك الزمن. وينعت أصحابُ التراجم العربُ العلماءَ الأفذاذ بعبارة " أذكى زمانه" أو " أذكى القضاة" أو ما شابه ذلك، أمّا الخليل فيتفقون على نعته بعبارة " أذكى العرب". فقد كان الخليل عالماً بالموسيقى له مؤلَّفات فيها مثل كتابَيه " النغم" و "الإيقاع"، وكان عالمَ رياضيات، وعالم صوتيات فريد أكمل ما بدأه أبو الأسود الدؤلي في إضافة النقط والشكل إلى رسم القرآن، ولكن بطريقة جديدة مبتكرة، تزيل اللبس بين النقط والحركات، ولا تحتاج إلى ألوان مختلفة. فقد حوّل النقط التي تدلُّ على الحركات إلى حروف صغيرة توضع تحت الحرف أو فوقه، مثل الواو الصغيرة التي توضع فوق الحرف لتدلَّ على الضمّة، والألف الصغيرة الأُفقية التي توضع فوق الحرف لتدل على الفتحة، والألف الصغيرة الأفقية التي توضع تحت الحرف لتشير إلى الكسرة.   وهذه الحركات هي التي نستعملها اليوم لتبيان الحركات. وابتكر الخليل ترتيباً جديداً للحروف العربية، غيرَ الترتيب الألفبائي والترتيب الأبجدي، يمكن تسميته بالترتيب الصوتي.  فقد رتب الحروف العربية ترتيباً خاصاً حسب مخارجها في علم الأصوات الذي طوّره، يبدأ بحرف العين الذي يخرج من أقصى الحلق ويتدرَّج صوتياً. ولهذا سمّى معجمه بـ " العين" وهو أوَّل معجم عربي كامل في تاريخ صناعة المعجم في العالم. وقد اضطلع بتحرير هذا المعجم واستكماله أحدُ طلابه الأوفياء اسمه الليث بن المظفر الكناني. كما أنَّ الخليل هو واضع علم العروض لبحور الشعر العربي، وهو علم يقوم على الموسيقى والرياضيات واللغة وصوتياتها، وتشترك جميع هذه العلوم في كونها علوماً رمزية. وأخيراً وليس آخراً فالخليل شاعرٌ مطبوع، كلامه شعر وشعره كلام.

كان الخليلُ زاهداً متقشِّفاً متعفِّفاً في حياته ومسكنه وطعامه، لا يعبأ بشيء في هذه الدنيا، ولم يتكسَّب بعلمه ولا بشعره. يقول عنه تلميذه النضر بن شُمَيل: " أقام الخليل في خصٍّ (بيتٍ من قصب) من أخصاص البصرة، لا يقدر على فَلسَين، وأصحابه (طلابه) يكسبون بعلمه الأموال."[63]

وكثير من الأساتذة الشيوخ، يغادر هذه الدنيا من دون أن ينشر دروسه في كتاب؛ فينبري بعض مريديه بنشر بحوثه بعد وفاته، محبة في العلم وتخليداً لذكرى شيخهم. وهذه ظاهرة معروفة حتى في العصر الحديث؛ فأحد رواد اللسانيات الحديثة، عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير(1857ـ1913م) لم ينشر كتابه الشهير " دروس في اللسانيّات العامَّة " (1916م) ، بل نشره بعد وفاته مجموعة من طلابه باستخدام مذكراتهم التي كانوا يدوِّنون فيها خلاصات أقوال الأستاذ قبل عصر المُسجلات الكهربائية الحديثة[64].

وأحسب أنَّ سيبويه كان طالباً مجتهداً عمل على تدوين دروس شيخه الخليل في النحو، فكانت عماد كتابه " الكتاب".

والخليل من رواد اللسانيِّين في العالم الذين أرسوا علم اللغة على أساس (المدوَّنة) لاستقراء الاستعمال العربي الفعلي، لا في القرآن الكريم والحديث والشعر الجاهلي فحسب، بل كذلك في كلام فصحاء الأعراب في بواديهم، من أجل استقراء استعمالات اللغة العربية، لوضع قواعدها وتصنيف معجمها على أُسس علمية. فعندما سأله تلميذُه علي بن حمزة الكسائي (ت 180هـ)، أحد أئمة القراء من أهل الكوفة:

ـ "من أين أخذتَ علمكَ هذا؟"

أجاب الخليل صادقاً:

ـ "من بوادي الحجاز ونجد وتهامة".

ولم يقُل: من السريان واليونان. ولهذا رحل الكسائي إلى البادية عدة مرات، ومكث فيها ذات مرة حتى "أنفدَ خمسَ عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب، سوى ما حفظ"[65]. ولو أجابه الخليل بأنَّه أخذ علمه من اليونان لرحل الكسائي إلى بلادهم، طبقاً لمقولة " اطلبوا العلم ولو في الصين، فإنَّ العلم فريضة على كل مسلم". ومن أولئك العلماء الذين رحلوا إلى البادية، النضر بن شُمَيْل (ت 204هـ)، أحد تلاميذ الخليل، الذي نشأ في البصرة ورحل إلى البادية عدة مرات حتى بلغ ما أمضاه في البادية قرابة 40 عاماً. ومنهم عبد الملك بن قُريب الأصمعي (ت 216 هـ)، أحد تلاميذ الخليل. وغيرهم وغيرهم كثير.

ولديّ كتاب بعنوان " الأعراب الرواة"[66] أهداه إليّ مؤلِّفه الجليل، صديقي، الدكتور عبد الحميد الشلقاني. وقد تتبع فيه أخبار جميع علماء اللغة العربية من النحويّين والمعجميّين الذين رحلوا إلى البادية لتدوين كلام الأعراب الفصحاء، وأخبار أولئك الباحثين، والمدَّة التي أمضاها كلُّ واحد منهم بعيداً عن أهله؛ من أجل العودة بمدونةٍ خاصَّة به، يستخرج منها قواعد اللغة العربية ومعجمها، أي ألفاظها ومعانيها. ولم يتوقّف علماء اللغة العربية عن الرحلة إلى البادية لجمع مدوَّناتهم إلا في عصر الانحطاط، حينما أخذوا ينقلون قواعدهم النحوية ومعاجمهم من الذين سبقوهم، فأمست كتبهم لا تواكب تطوُّر اللغة العربية وتغيّراتها، ولا تأخذ بما يستجدُّ فيها من مصطلحات واستعمالات؛ وسبَّب ذلك مشاكلَ لا نزال نعاني منها حتى اليوم.

وتؤكّد اللسانيّات الحديثة على دور المدوَّنة في تقعيد اللغة وتعجيمها. وأصبحت المدوَّنات اليوم إلكترونية بالحاسوب ويبلغ عدد ألفاظ المدوَّنة النصيَّة الجيدة بليون/مليار أو أكثر. ولا يمكن أن نستنبط نحوَ لغةٍ من اللغات بصورةٍ علميةٍ أو نصنِّف معجماً أحادي اللغة أو ثنائي اللغة، من دون الاعتماد على مدوّنة نصيّة شاملة بُنيت على أُسُسٍ علميةٍ، وتتَّصف بالشمولية الموضوعية والتاريخية والجغرافية. وأصبحت دراسة المدوَّنات النصية وأنواعها وطرق بنائها وكيفية استعمالها في علوم اللغة والترجمة والنقد وغيرها، عِلماً مستقلاً يتطلَّب مهاراتٍ في علوم هندسة الحاسوب والبرمجة واللغة. ويستطيع القارئ الكريم الاطلاع على فصل " المدوَّنة" في كتابي " صناعة المعجم التاريخي للغة العربية"[67]

ويعود الفضل في تأسيس علم المدوَّنة إلى العلماء العرب الأوائل الذين أمضوا الليالي الطوال في بناء مدوناتهم الشخصية لضبط معلوماتهم في اللغة والفقه وغيرهما من العلوم، مثل الخليل ابن أحمد، وسحنون (ت 240 هـ) صاحب " المدونة الكبرى" في الفقه المالكي.

لم يرِد في كتاب الدكتور الشلقاني، " الأعراب الرواة"، ذِكْرٌ لسيبويه. فهو لم يرحل الى البادية لمشافهة الأعراب، وتسجيل كلامهم، من أجل بناء مدوّنته الشخصية لاستخدامها في استقراء استعمالات اللغة العربية، واستنباط القواعد النحوية منها، بل اكتفى بدروس أستاذه الخليل.

ثانيا، إنَّ كتاب سيبويه ليس من ابتكاره، كما ابتكر الخليل علم العروض، أو البرنامج الحاسوبي المسمى بـ (التقاليب) لإحصاء جميع الجذور العربية والألفاظ المشتقة، المستعمل منها والمهمل، أو نظرية العامل التي يقوم عليها جميع النحو العربي في " الكتاب" وغيره من كتب النحو؛ وإنَّما يمثِّل "الكتاب" تراكماً معرفياً لما يقرب من قرن ونصف القرن من الدرس والبحث الذي اضطلعتْ به كوكبة من العلماء النحويّين. صحيحٌ أنَّه لم تصلنا كتب متكاملة في النحو من تلك الحقبة، ولكن العلم في صدور الرجال تناقلوه عالماً عن عالم ولهم تدوينات متعدّدة فيه. وكانوا يجتمعون في حلقاتٍ في المسجد للدرس والتعلم منذ زمن النبي (ص). وكان لبعضهم مجلسان في المسجد والمنزل، كالحسن البصري. فتلاوةٌ صحيحةٌ لآيةٍ أو لجزءٍٍ من آية من القرآن الكريم تشتمل على معلومات لغوية نحوية مثل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [68] ولقد قمتُ برسم مخطط لهؤلاء العلماء الذين أخذوا المعرفة اللغوية كابراً عن كابر، وذلك دعماً لجهود صديقي الدكتور محمود في الكتابة عن تاريخ العلم والمدارس الفكرية، وانتهيت إلى المخطط التالي:

النبي (ص) (ت 11هـ)

الإمام علي (ت 40 هـ)

أبو الأسود الدؤلي (ت 69 هـ)

(بدأ بنقط المصحف وإضافة الشكل بلون مختلف عن النقط ...)

الحسن البصري (ت 110هـ)                نصر بن عاصم الليثي (ت 89  هـ)

(حديث، فقه، علوم القرآن واللغة)                (أكمل عمل شيخه الدؤلي في نقط المصحف)

أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)                 عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117هـ)

(أحد القراء السبعة، عالم بلغات العرب وغريبها)                (أول من فرّع النحو، واشتق قواعده وطرّد القياس فيها وعلّلها)

عيسى بن عمر الثقفي (ت 149هـ)                                  يونس بن حبيب (ت182هـ)

الخليل بن أحمد (ت 173هـ)

الكسائي (ت 189هـ)، الليث بن المظفر(ت؟)، الأصمعي (ت 216 هـ)،  سيبويه(ت 180هـ)، النضر بن شميل(ت203 هـ)

(نحوي، من القراء ال 7)،  (معجميّ)           (راوية)              (نحويّ)             (لغويّ وفقيه)

ثالثاً، يقوم كتاب سيبويه على علم الخليل. فمن حيث الأساس النظري الذي تقوم عليها جميع مباحث " الكتاب"، فهو نظرية العامل التي ابتكرها الخليل بن أحمد باعتراف سيبويه في "الكتاب" عندما تحدَّث عن عمل " إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولكنَّ، وليتَ، ولعلَّ".  فالنحو يُعنى أساساً بالإعراب، أي حركة أواخر الكلمات في الجملة، رفعاً ونصباً وجراً وجزماً، وسبب ذلك أو علّته.  ونظرية العامل هي التي تفسّر لنا العلّة التي أدَّت إلى تغيّر تلك الحركات الإعرابية. فمثلاً في الجمل الآتية: جاء زيدٌ، ورأيتُ زيداً، ومررتُ بزيدٍ؛ نجد أنَّ العامل الذي عمل على تغيير حركة آخر كلمة زيد، هو: الفاعلية، والمفعولية، وحرف الجر، على التوالي. فنقول (زيد) مرفوع في الجملة الأولى لأنه فاعل، ومفتوح في الجملة الثانية لأنه مفعول به، ومجرور في الجملة الثالثة لأنه مسبوق بحرف جرٍ. ويقوم النحو العربي كلُّه على نظرية العامل التي هي نظرية عربية أصيلة من ابتكار الخليل بن أحمد، وتستعمل التعليل المنطقي، وليست متأثرةً بالنحو اليوناني ولا السرياني. أمّا اقتباس نقط الحروف أو الحركات من الكتابة السريانية فلا يُعدّ نحواً، بل رسماً أي تصوير الأصوات برموز مكتوبة هي الحروف.

رابعاً، ومن حيث المصطلح، استخدم سيبويه مصطلحات الخليل، بشكل عام[69].. و"المصطلحات هي نصف العِلم" كما يُقال، ولهذا اتخذت (الشبكة العالمية للمصطلحات) في فيينا شعار " لا معرفة بلا مصطلح".[70] وقد اضطلع أستاذنا الدكتور محمود محمد علي بتحليل مصطلحات سيبويه وتوصَّل إلى أنَّ سيبويه لم يأتِ بمصطلحات جديدة بل استخدم مصطلحاتِ شيخِه الخليل فقال:

"نقل سيبويه إلى الأجيال مصطلحات الخليل بن أحمد واستعمالات أسانيده... وفسَّر بعض المصطلحات ببعض"[71]

وتتَّضح لنا دقة ما استنتجه المؤلِّف الفاضل بسهولة إذا ما قارنا بين ما ورد من مصطلحات وتعريفات وأمثلة واستشهادات في كتاب سيبويه وبين ما ورد منها في معجم "العين" للخليل، الخ.

خامساً، ومن حيث التعريفات استعمل سيبويه تعريفات الخليل القائمة في أغلبها على التمثيل، فاستعمل أمثلة الخليل. والتمثيل هو أحد أنواع التعريف[72].

سادساً، من حيث الأسبقية في تدوين النحو، نعلم أنَّ أبا الأسود الدؤلي كتب فصولاً من النحو ولم يكملها، فقد" وضع باب الفاعل، المفعول به، المضاف وحروف النصب والرفع والجر والجزم،" كما ذكر الحافظ الذهبي[73]. أمّا عيسى بن عمر الثقفي البصري (ت 149هـ)، أحد شيوخ الخليل، فقد صنّف كتابَين في النحو هما: " الجامع" و " الإكمال"؛ ولعلَّ الكتاب الثاني يُكمل فصول الأوَّل. ويروى أنَّ تلميذه الخليل أثنى عليهما بقوله:

ذهـبَ النحو جـميعـاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك " إكمال" وهذا "جامع"... وهـما للناسِ شمـسٌ وقمر

وتذكر مراجعُ معتمدةٌ عديدةٌ أنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب " الجامع" لعيسى بن عمر[74]. وهذا يعني أن كتابي عيسى بن عمر كانا متوافرَين في أثناء حياة سيبويه. ولكن كُتُب عيسى بن عمر كلَّها أتت عليها آفة من آفات الزمان، فلم يبقَ لنا منها شيء إلا ما ذكرته المظُان المختلفة عرضاً نقلاً عنهما.[75]

سادساً، روى سيبويه في "الكتاب" 22 مرة عن عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، فظن بعضهم أن عيسى من شيوخ سيبويه، ونصَّت على ذلك بعض المراجع، كمعجم " الأعلام " للزركلي، وشبكة المعرفة، وموسوعة ويكيبديا التي قالت في مادة " عيسى بن عمر": " وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء"[76] ،  على الرغم من أن هذه المراجع جميعها تذكر أن عيسى بن عمر توفي سنة 149هـ، ما يجعل من المستحيل أن يكون سيبويه قد تتلمذ على عيسى بن عمر، لأن سيبويه وُلِد حوالي تلك السنة التي توفِّي فيها عيسى بن عمر الثقفي. ولا تفسير لرواية سيبويه لأقوال عيسى بن عمر إلا أحد احتماليْن:

ـ إمّا أن يكون الذي روى عن عيسى هو تلميذُه الخليل، وقام سيبويه بنقل أمالي الخليل في " الكتاب"؛

ـ وإمّا أن يكون سيبويه قد اقتبس تلك الأقوال من كتاب " الجامع" في النحو الذي ألَّفه عيسى بن عمر. وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى القول بأنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب عيسى بن عمر " الجامع" الذي لم يصلنا. [77]

سابعاً، نجد في كتاب سيبويه، عندما يتكلّم عن الحرف "ما" وغيره، عبارات مثل:

ـ " وأمّا بنو تميم فيُجرونها مجرى أمّا وهَلْ، ..."[78]

ـ " وأمّا أهل الحجاز فيشبّهونها بليسَ إذا كان معناها كمعناها."[79]

ـ " وسمعنا من العرب مَن يقول ممن يوثق به: اجتمعت أهل اليمامة..."[80]

وأنتَ وأنا، نعلم أنّ سيبويه لم يرحل إلى البادية، ولم يشافه الأعراب في بوادي الحجاز وبوادي بني تميم، وإنَّما الذي فعل ذلك هو شيخه الرئيس الخليل بن أحمد، أو شيخه الثانوي يونس بن حبيب. لقد كان سيبويه ينقل أقوالهما في " الكتاب" ، سواء وضع سيبويه تلك المعلومات بعد عبارة "قال شيخنا:" أو لم يضعها. فعُمْرُ سيبويه المبارك القصير لم يتجاوز حوالي 32 عاماً (148؟ـ 180هـ)، فأعمار العباقرة قصار، ومرضه المزمن (الداء الزلاقي أو الداء البطني وهو مرض يصيب الجهاز الهضمي منذ الصغر) لم يسمحا له بالرحلة المُرهقة إلى البوادي؛ وإذا كان قد ذهب إلى الحجاز، فذلك لغرض الحج أو العمرة، ولم يذهب لبادية الحجاز لمشافهة أعرابها.

ثامناً، إنَّ الشواهد الشعرية التي وردت في " الكتاب" كثيرة تبلغ أكثر من 1050 شاهداً  منسوبة جميعها إلى قائليها، ما عدا قرابة 50 بيتاً مجهولة القائل،  ولا يتقن حفظَها بدقَّة إلا شاعرٌ عروضيٌّ عبقريٌ ذو ذاكرة مذهلة كالخليل، أو لغوي أديب معروف بحفظه لشعر العرب ونقده ، مثل يونس بن حبيب النحوي البصري (94ـ 182هـ؟) الذي تتلمذ عليه سيبويه مدَّة (من المحتمل جداً بعد وفاة الخليل وجلوس يونس مكانه) وروى عنه في "الكتاب" حوالي 200 مرة. ويونس بن حبيب هو الذي يُؤثَر عنه قوله في تقييم شعراء العرب عندما سُئِلَ عن أيّهم أشعر: "لا أومئ إلى رجلٍ بعينهِ، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا رَكِبَ، والنابغة إذا رَهِبَ، وزهير إذا رَغِبَ، والأعشى إذا طَرِبَ".

ومن كُتُب يونس بن حبيب التي وصلتنا: " اللغات " و" الأمثال" و " النوادر" و " معاني القرآن".

أستنتجُ من كلِّ ذلك أمرَين:

الأوَّل، إنَّ سيبويه لم يكُن " أبو النحو العربي " كما نعته بعضهم، بل سبقه كثيرون، كما بيَّنا في المخطط التقريبي لسلسلة النحاة العرب الذين سبقوا سيبويه.

الثاني، إنَّ كتاب سيبويه " الكتاب" لم يكُن أوَّل كتاب في النحو العربي، فقد سبقته كتيبات أو كتبٌ عديدةٌ لم يصلنا بعضها، ودلّ عليها ما نجده من اقتباسات منها أو إشارات إليها في بعض المراجع المعاصرة لها وما بعدها.

وفي تقديري أنَّ سيبويه فعل في " الكتاب" ما فعله الليث بن المظفر الكناني في معجم" العين"، فكلٌّ منهما نقلَ إلينا علم الخليل من أماليه على تلاميذه، في تقعيد اللغة وفي معجمتها على التوالي، غير أنَّ سيبويه حرَّره بشكلٍ يوحي بأنَّه من تصنيفه، وأمّا الليث فأكمل معجم " العين" وحدّثه وحرّره ونسبه إلى شيخه الخليل، حباً ووفاءً.

وملحوظة أخيرة تتعلَّق بكتاب سيبويه، وهي أنَّنا لا نستعمله اليوم لتعلُّم قواعد اللغة العربية أو تعليمها، بسبب الخلل الذي أشار إليه أستاذنا الدكتور محمود محمد علي، وبفضل تطوّر الطرائق التعليمية، بيدَ أنَّ له أهمّية في تاريخ علم النحو العربي. أمّا معجم " العين" الذي أكمله وسهر على نشره الليث بن المظفر فلا يزال مفيداً كمعجم مرحلي لتلك الحقبة من حياة اللغة العربية. ودليلي على ذلك أنَّ مُعالجي ومُحرّري " معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"[81] يضطرون إلى اقتباس كثير من تعريفات " العين " وشواهده، على الرغم من أنَّنا ـ نحن أعضاء المجلس العلمي لمعـجم الدوحة ـ نحثُّهم على أن يعتمدوا على المدوَّنة النصية مصدراً أساسياً، وألّا يستعملوا المعاجم إلا بوصفها مراجعَ ثانوية عند الضرورة القصوى، ولكنَّهم يجدون في " العين" ما لا يجدونه في المدونة ولا المعاجم الأخرى[82].

ولم يفُت استنتاجي وما أدعيه من أنَّ سيبويه مجرَّد ناقلٍ لعلم الخليل وإبداعاته، العلّامةَ بروكلمان حين قال:

" وكان سيبويه أشهر تلامذة الخليل، ومصنّف أول كتاب جمع فيه ما ابتكره الخليل إلى محصول السابقين."

(لاحظ كلمة "مصنِّف" أي مرتّب المعلومات ومؤلِّفها، وكلمة "جمعَ"، وعبارة " محصول السابقين"، التي تنمّ عن دقّةِ كلام بروكلمان).

وقال أحمد أمين عند كلامه عن الخليل:

" ...وأكتفي في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدّم قبله، كما امتنع على من تأخَّر بعده."

فهذان العالمان، بروكلمان وأحمد أمين ـ اللذان اضطلعا بتأريخ الثقافة العربية وآدابها، حصرا فضل سيبويه في الجمع والحمل. أما التفكير والإبداع، وفلسفة علم النحو ومنهجيته، وإنشاء المدوَّنة اللغوية التي يعتمد عليها النحوي في تقعيد اللغة، والتنظير العلمي المتمثِّل في نظرية العامل التي ينبني عليها النحو العربي أجمعه، فهي جميعاً من إبداع الخليل وابتكاره.

وفي حقيقة الأمر، لم تفُت الدكتور محمود محمد علي تلك الحقيقة، فقد أورد مقولتَي العالِمَين أعلاه في كتابه القيم " النحو العربي وعلاقته بالمنطق". فإذا أخذنا برأيهما لم يبقَ لسيبويه من فضل سوى الحمل والنقل، وتصنيف وترتيب ما حمل ونقل، في مكان الوصول، أي الكتاب.

ومع ذلك، فإنَّ هذا الترتيب الذي قام به سيبويه، مختل وغير دقيق، كما يلاحظ الدكتور محمود، حين يقول:

" وكثيراً ما نجد سيبويه يمزج أبواب النحو في صورة عجيبة (أي: غريبة) فهو ينتقل من الباب إلى غيره قبل أن يستوفي أحكامه، فمثلاً نجد الكلام على الفاعل قد ابتدأ من الصفحات الأولى في الكتاب، ونثر الحديث عنه في صفحات الكتاب في قفزات غير منتظمة، بحسب تداعي المعاني الذي أثَّرَ على منهجه، فهو لا يحدّثك عن أحوال الفاعل مع فاعله تذكيراً وتأنيثاً إلا عند حديثه عن الصفة المشبّهة... وتتعجب من منهجه وهو يقدِّم لك المادة النحوية، المرفوع إلى جانب المنصوب والمجرور!!!"[83]

فإذا علمنا أن فضل سيبويه يكاد ينحصر في النقل والترتيب، ولكنَّه كناقل البيض  المستعجِل وهو يجري بعربة خشبية في طريق وعرة، ما يسبّب تكسُّر كثيرٍ من البيض، وعند وصوله يقوم بترتيب ما بقي من البيض بطريقة مختلة، نتساءل عن سر إطراء النحويّين سيبويه وكتابه: أهو الحظ، أم أنَّهم كانوا يدركون أنَّ " الكتاب" يحمل علم الخليل وينقله إليهم؟! والله أعلم.

وأختم كلامي في هذا القسم من المقال، بالترحُّم على سيبويه والليث لما بذلاه من جهد كبير في خدمة لغة القرآن الكريم، ونشر علم شيخهما الخليل بن أحمد رحمه الله

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي


 

علي القاسمي2) الكتاب: نشأة المنطق اليوناني تأثَّرت بنحو اللغة اليونانية،

فهل تأثرت نشأة النحو العربي بالمنطق اليوناني؟؟!

2ـ1. عنوان الكتاب:

تنصُّ إحدى مقولات المدارس النقدية المعاصرة على أنَّ " العنوان ثريّا النصّ" وكأنّها تردِّد القول العربي السائر " الكتاب يُقرَأ من عنوانه". وهذا يدلُّ على أن العنوان يلخِّص مضمون الكتاب. وتتمتع إستراتيجية اختيار عنوان الكتاب وصياغته بأهمِّيةٍ بلاغيةٍ ونفسيةٍ وتسويقية[20].

فعنوان كتاب الدكتور محمود " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" يُمكن أن تُشكَّلَ ألفاظه الأساسية في أربع صِيغ:

ـ المنطق وعلاقته بالنحو العربي،

ـ النحو العربي وعلاقته بالمنطق،

ـ العلاقة بين المنطق والنحو العربي،

ـ العلاقة بين النحو العربي والمنطق.

ولكن هذه الصيغ الأربع ليست متساوية دلالياً، ولا بلاغياً. وقد اختار المؤلِّفُ عنوانه عن دراية وعناية. فتبوؤُ "النحو العربي" صدارةَ الجملة وتعلُّقُ بقيَّتُها به، يدلّان دلالة قاطعة أن الموضوع الأساسي في هذا الكتاب هو النحو العربي: نشأته، وتاريخه، وتطوره، ومدارسه الفكرية، وأبرز العلماء فيه، وأشهر مؤلَّفاتهم، والمرحلة أو المراحل التي تأثَّر خلالها بالمنطق. فالنحو العربي هو المسند إليه كما يؤكِّد النحويون، وهو الموضوع، كما يقول المناطقة. فالنحو العربي هو موضوع الكتاب.

وقد يقول قائلٌ: من المحتمل أنَّ هذه الصياغة وقعت مصادفة. والجواب بالنفي، والدليل على ذلك وجودُ كتبٍ أخرى للمؤلف حملت عنواناً مشابهاً، ولكن صياغته اختلفت لاختلاف طبيعة البحث وأهدافه. ومن هذه الكتب: " العلاقة بين المنطق وعلم أصول الفقه" (2012)، و" العلاقة بين المنطق والتصوف في تراثنا الفكري، السهروردي نموذجاً" (2013).

2 ـ 2. أغراض الكتاب:

في مقدِّمته، يحدِّد المؤلِّفُ أربعةَ أغراضٍ لهذا الكتاب هي:

أولا، يتوخَّى المؤلِّفُ أن يسدَّ هذا الكتاب فراغاً في المكتبة العربية، لأنَّها تكاد تخلو من الدراسات التي تتناول علاقةَ النحو بالمنطق في التراث العربي الإسلامي.

ثانياً، يرمي المؤلِّف إلى الإجابة على السؤال: هل تأثَّر النحاةُ العرب بالمناطقة؟ ومتى ؟ وإلى أيّ مدى؟

ثالثاً، معرفة نوعية الصلات القائمة بين النحو والمنطق، لا سيَّما أنَّ العقل هو الجامع بينهما.

رابعاً، تبيان إسهام العلاقة البناءة بين النحو والمنطق في تطوير الدراسات المنطقية في التراث العربي الإسلامي.

وأرى أن في وسع الأساتذة الجامعيّين أن يضيفوا غرضاً آخر هو توجيه طلابهم باتخاذ هذا الكتاب نموذجاً للبحث العلمي المثالي، فالدراسة التي يضمّها هذا الكتاب تتوافر على جميع شروطِ البحثِ العلميِّ الجيّد، لا سيَّما أنَّّ المؤلّف من المتخصِّصين القلائل في مناهج البحث. إنَّ هذا الكتاب نموذجٌ رائعٌ لإعداد البحوثِ الأكاديمية وكتابتها.

ومع أنَّ الكتاب ـ في نظري ـ قد حقَّق أغراضه الرئيسة وبلغ الغاية المتوخّاة منه، فإنَّ المؤلِّف يتَّصف بتواضعِ العالِم، ويقول بأسلوبٍ جزلٍ جميل:

" ولا ازعم أنَّني قد بلغت الغاية في هذا البحث، أو أنَّ جميع جوانب الحقيقة في موضوعه قد تكشَّفت لي، وهذا يُعدّ شيئاً طبيعيّا لدارسٍ يكتب في موضوعات غير مطروقة، ويسير في طريقٍ بالغ الصعوبة والغموض."[21] .

2 ـ 3. مضمون الكتاب:

يقع الكتاب في 425 صفحة من القطع الكبير، وتتوزَّع مادته على مقدمةٍ، وتسعة فصول هي:

البواكير الأولى للنحو والمنطق،

التأثير اليوناني والسرياني للنحو العربي بين الرفض والقبول،

التفسير الابستمولوجي لنشأة النحو العربي،

النـزعة التجريبية في كتاب سيبويه،

مدرستَي البصرة والكوفة وبدايات مزج النحو بالمنطق،

مشروعية العلاقة بين المنطق والنحو عند نحاة القرن الرابع الهجري،[22]

الجدل بين المنطق والنحو وكيف حاول الفارابي والغزالي تطويرهما،

ابن حزم وإشكالية الثقافة المنطقية عند نحاة الأندلس،

طغيان النـزعة المنطقية عند متأخِّري النحاة.

وتأتي بعد هذه الفصول التسعة، الخاتمةُ وقائمةُ المصادرِ والمراجع.

2ـ 4. قائمة المصادر والمراجع:

في الجامعات الغربية، عندما يقيِّم الأساتذةُ بحوثَ طلابهم في الدراسات العليا في العلوم الإنسانية، يبدأ معظمهم بإلقاء نظرة على آخر البحث، للوقوف على عددِ المصادر والمراجع التي اطلع عليها الطالب، ونوعيّتها، وشموليتها؛ فهي معيارُ الجهود التي بذلها الطالب لإعداد بحثه، أمّا مضمون بحثه فهو معِّيارُ فكرِه وفهمه.

وتشكِّل قائمة المصادر والمراجع الموجودة في آخر كتاب " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" مكتبةً متخصِّصةً كاملة. فهي تضمُّ قرابة 400 كتاب وبحث، معظمها بالعربية وبقيتها بالإنجليزية. واللافت للنظر أنَّ المؤلّف لم يضع قائمةَ المصادر والمراجع للتباهي فهو غني عن ذلك، بل استعملها فعلاً في بحثه كما هو واضح مما ورد في صفحات الكتاب من اقتباسات من معظمها، ومن هوامش تحيل على أغلبيتها.

والجاري به العمل في الكتب العربية أن المؤلِّفين يفْصِلون في قائمة المصادر والمراجع بين الكتب المنشورة بشكل مستقل، وبين الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات علمية أو صحف. بيدَ أنَّ الدكتور محمود لا يفرِّق في قائمة مصادره ومراجعه بين الكتب وبين الدراسات والمقالات. فهو يجمعها كلّها في قائمةٍ واحدةٍ مرتَّبة ترتيباً ألفبائياً تحت لقبِ المؤلِّف أو الباحث واسمه. وهذا ـ في رأيي ـ اجتهادٌ مفيد ينبغي أن يُحتذى، لأنّه ييسّر البحث في القائمة ويختصر الوقت.

2ـ 5. نشر الكتاب:

ناشر هذا الكتاب هو (دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر) في الإسكندرية[23]، وهي الدار التي نشرت الأغلبيةَ الساحقةَ من كتب الدكتور محمود محمد علي وبحوثه.

ويبدو أنَّ هذا الكتاب كان في الأصل بحثاً بعنوان " تطوُّر العلاقة بين المنطق الأرسطي والنحو العربي" نشره الدكتور محمود في " مجلة الآداب " بجامعة أسيوط في عددها رقم 50، سنة 1999. ثمَّ اضطلعَ بتطويره ليجعل منه كتاباً مرجعياً شاملاً في الموضوع. ولا أشكَّ أنه أمضى جزءً كبيراً من وقته الثمين خلال قرابة 15 عاماً لإكمال هذا الكتاب، وإخراجه في الصورةِ العلمية التي يفتخر بها.

2ـ 6. هل تأثر النحو العربي في بواكيره الأولى بالمنطق اليوناني؟

يحاول المؤلّف في الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب الإجابة على سؤال اختلف في إجابته الباحثون من مستشرقين وعرب معاصرين، وهو: هل تأثر النحو العربي في نشأته خلال القرن الهجري الأوَّل بالمنطق اليوناني؟

ولكي تكون إجابتُه علميةً حاسمةً في الموضوع، يخصِّص الفصلَ الأوَّل للعلاقة الحميمة بين النحو والمنطق لدى مفكري اليونان، ولكيفية انتقال منطقهم إلى العرب قبل أن تنهض الدولة العباسية بترجمة فلسفة الإغريق وعلوم الهند وآداب الفرس إلى اللغة العربية خلال النصف الثاني من القرن الهجري الثاني وما بعده. ولهذا فإنَّه يقسِّم الفصلَ الأوَّل من كتابه على ثلاثة أقسام هي:

أوَّلاً، خصوصية العلاقة بين المنطق والنحو عند اليونان،

ثانياً، النحو اليوناني وسبل انتقاله إلى السريان،

ثالثاً، المنطق الأرسطي وسبل انتقاله إلى العرب.

فالعلاقة بين النحو والمنطق وثيقة جداً في الفكر اليوناني حتّى قبلَ أن يتوصَّلَ أرسطو (384ـ 322ق.م.) إلى صياغة قوانين المنطق الصوري. فقد نشأ الاهتمام بالمنطق والنحو في القرن الخامس وردحاً من القرن الرابع قبل الميلاد، أثناء الجدل الفكري والنحوي على يد أصحاب المدرسة الإيلية وجماعة السفسطائيين. وكان المفكرون اليونانيون القدامى قد ذهبوا إلى أنَّ الكلام تعبيرٌ عن الفكر، وأنَّ معرفةَ التراكيب النحوية تساعدنا على فهم كيفيةِ عمل الدماغ. وافترضوا خطأً أنَّ اللغة اليونانية مقياسٌ لجميع اللغات بحيث يصدق نحوُها على اللغات الأخرى.

وتظهر هذه العلاقة القديمة الحميمة بين النحو والمنطق، في تعريف المنطق الذي كنا نحفظه في صغرنا وهو:" المنطقُ آلةٌ قانونيةٌ تعصمُ مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ في الفكر[24]، كما أنَّ النحو آلةٌ قانونيةٌ تعصمُ مراعاتُها اللسانَ عن الخطأ في القول."

وكان المعلِّم الثاني الفارابي (ت 339 هـ)[25] ، قد صاغ مقولةً مماثلة في كتابه " التوطئة في المنطق" على الوجه الآتي: " وكما أنَّ النحو عيارُ اللسان، فيما يمكن أن يغلط فيه اللسان من العبارة، كذلك علم المنطق عيار العقل فيما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات"[26]

ولكن هذه المقولة، في صياغتَيها في أعلاه، لا تبيّن لنا كيفية قيام هذه الآلة بوظيفتها. ولهذا فإن الدكتور محمود يصوغ هذه المقولة بطريقة دقيقة فيقول " النحو آلة يعرف بها صواب تركيب ألفاظ اللغة ومعانيها من خطئها، والمنطق آلة يعرف بها صحّة المعنى وتصديقه من خطئه"[27].

وتتَّضح لنا العلاقة الوثيقة بين النحو والمنطق، إذا ما علمنا أنَّ اسم "المنطق" مشتقٌّ من الجذر (ن ط ق) الذي يُشتَقُّ منه كذلك " النُّطق" أي الكلام.

وقد اشتغل إفلاطون (427ـ347 ق.م.) أستاذ أرسطو في النحو كثيراً، فعرّف الجملة بأنَّها تعبير عن أفكارنا بأسماء وأفعال. وعرّف الاسم بأنَّه اسم لفاعل الفعل، وعرّف الفعل بأنَّه اسم للفعل نفسه. وكذلك اشتغل أرسطو الذي يعدُّ أبا النحو الأوربي، في أقسام الكلم. واعتبر أن الأسماء والأفعال هي التي تحمل معنىً حقيقيّاً، أمّا بقيَّة الكلمات فأدواتٌ للربط. واعتبر أنَّ الوظيفة الأساسية للأفعال هي الإسناد، لأنَّ الفعل هو الوحيد من أقسام الكلام القادر على تشكيل الزمن. ونظراً لأن أرسطو كان يعتقد أنَّ القوالب النحوية تكشف عن أحوال الفكر، فإنَّه استفاد من دراسة النحو في أبحاثه المنطقية. فكما أنَّ الألفاظ تأتي مفردةً تارة فنقسمها على أسماء وأفعال، وتأتي تارة مرتبطة ببعضها لتشكِّل الجملة، فإنَّه طبَّق ذلك على الأفكار. فالأفكار المفردة هي التصورات، والأفكار المرتبطة هي القضايا أو التصديقات.

ويرى بعضهم أن تقسيم ارسطو للمقولات إلى عشرة أقسام (الجوهر والكم والكيف والإضافة، والأين، والمتى، والفاعل، والمفعول، وأن يكون له، والوضع) هو تقسيمٌ مأخوذٌ من تقسيمِ أجزاءِ الكلام. فالجوهر يقابل الاسم، والكم يقابل العدد، والكيف يقابل الصفة، والإضافة تقابل التفضيل، إلخ.

وعندما جاء الرواقيّون اهتموا اهتماماً خاصّاً بالنحو وأبوابه ومصطلحاته وزادوا في أقسام الكلام وموضوعاته. وبعد أن انتصر الإسكندر المقدوني الأكبر ذو القرنين (حكم من 336ـ323 ق.م.) على الإمبراطورية الفارسية، واستولى على البلدان الشرقية الواقعة غرب اليونان، ارتفع حظُّ اللغة اليونانية والاهتمام بدراستها.  وظهرت مدارسُ تهتمُّ بالمنطق والنحو اليونانيَّين في عواصم عديدة أهمُّها الإسكندرية في مصر (التي بناها الإسكندر الأكبر سنة 332 ق.م.).

وبعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق.م.، أتفق كبار قادة جيشه على تقسيم إمبراطوريته فيما بينهم. وكانت مصر من حصة بطليموس (366ـ285 ق.م.) وفي عصر البطالمة صعد نجمُ مدينةِ الإسكندرية في الفكر واللغة، فقد كان بطليموس الأوَّل، الملقب بالمُنقِذ (حكم من 323ـ285 ق.م.، وأعلن نفسه فرعوناً لمصر سنة 305 ق.م.) [28]، رجلاً محبَّاً للعِلم، يكرّم العلماء، ويبذل لهم الأموال، فتصدَّرت مدرسةُ الإسكندرية جميع مراكزَ البحوث الأخرى في الرها[29] ونصيبين[30] وإنطاكية[31]وأصبحت مكتبة الإسكندرية أشهر مكتبات العالم آنذاك. وغلب الفكر الأرسطي والرواقي، على بحوث علمائها. واضطلع السريان في الإسكندرية والمدارس الأخرى في القرن السادس الميلادي بترجمةِ كتبٍ من المنطق والنحو اليوناني إلى السريانية[32]. وصارت هذه الكتب معروفة لدي العلماء في الشام والعراق اللذين يعدان جزءاً من جزيرة العرب الكبرى، ومنها كتاب " فن النحو" الذي وضعه أحد تلاميذ مدرسة الإسكندرية، العالم اليوناني ديونيسوس ثراكس (170ـ90 ق.م.)، والذي ترجمه إلى اللغة السريانية يوسف الأهوازي (ت. 580م).

و " فنُّ النحو" كتيبٌ في قواعد اللغة اليونانية يقع في خمس عشرة صفحة، يقدِّم وصفاً لِبنية اللغة اليونانية، ويقسّم كلماتها على ثمانية أنواع هي: الاسم، والفعل، والمشترك، والضمير، والأداة، والحرف، والظرف، والرابط. ولم يقتصر تأثير هذا الكتاب على الدراسات النحوية للغة اليونانية ثمَّ اللغة الرومانية فحسب، بل تأثرت به اللغة السريانية كذلك في نحوها، وتطوير كتابتها كإضافة النقط والحركات.

يراكم المؤلّف الحقائق التاريخية التي تثبت أنَّ اللغة السريانية تأثَّرت كثيراً بالنحو اليوناني الذي وصل إلى مدرسة الإسكندرية، ونقل علماء السريان عدداً من مؤلَّفاته إلى لغتهم.

2. 7 ـ هل تأثر النحو العربي في نشأته بالمنطق اليوناني؟

يقول المستشرق ليتمان: " أختلف العلماء الأوربيون في أصل النحو العربي، فمنهم من قال إنه نُقل من اليونان إلى بلاد العرب، وقال آخرون ليس كذلك، وإنما نبت كما نبتت الشجرة في أرضها، وأنه أنقى العلوم العربية عروبة"[33].

ولهذا تصدى الدكتور محمود إلى دراسة آراء الباحثين في هذا الموضوع، فوجد إجاباتهم على نوعين هما:

أ ـ لا، النحو العربي صناعة عربية أصيلة.

يتَّفق المؤرِّخون المسلمون الأوائل أنَّ دافع الحركة العلمية النشطة التي عرفها العرب بعد ظهور الإسلام هو فهم مصدري الشريعة الإسلامية: القرآن والحديث. وهكذا وُجِدت علومٌ جديدةٌ عديدة لم يكُن للعرب عهدٌ بها من قبل، كالقراءات، والحديث، والنحو، والرياضيات (لضبط المواريث)، وغيرها.

ويجمع هؤلاء المؤرخون والنحويون القدامى على أن تقعيد النحو العربي بدأ في زمن الخليفة الراشد الرابع الإمام علي (ت 40 هـ)، بعد دخول غير العرب في الإسلام، وخشي أن يشيع اللحن في قراءة القرآن، فوجّه أبا الأسود الدؤلي أن يشتغل في نقط القرآن وإضافة الشكل. فالكتابة العربية التي أخذها اعرب الجزيرة من الكتابة النبطية عن طريق الحيرة والأنبار في العراق ، قبل البعثة النبوية قرابة قرنَين من الزمن[34]، لم تكُن فيها الحروف المتشابهة منقوطة (مثل حروف بـ ، تـ ، ثـ ، يـ ،) ولم تكُن الكلمات مشكولة (بالفتحة والكسرة والضمة). وهذه الحركات في آخر الكلمات تُسمّى بالإعراب الذي يساعد في فهم المعاني: الفاعل، المفعول، إلخ.

وفي رواية أخرى، أنَّ أبا الأسود الدؤلى أخبر الإمام علي أنَّ اللحن قد تفشى، فوجهه الإمام إلى كتابة نحو اللغة العربية، وقال له: الكلمات اسم وفعل وحرف، وانحو هذا النحو[35] . ومن الذين ذكروا ذلك أو ما يشبهه من المؤرخين والنحويين القدامى: محمد بن سلام الجحي (ت 232هـ)، وأبو الطيب اللغوي (ت 361 هـ)، وأبو سعيد السيرافي (ت 368هـ)، وابن الأنباري (ت 577هـ)، والقفطي (ت 649هـ).

وقد أيد كثيرٌ من المستشرقين والمستعربين هذا الرأي القائل بأصالة النحو العربي في نشأته وعدم تأثره بالمنطق اليوناني، مثل المستشرق الهولندي، الدكتور، تي. جَي. دي بور[36] (1866 ـ 1942)، الأستاذ في جامعة أمستردام وصاحب كتاب "تاريخ الفلسفة الإسلامية" الصادر باللغة الألمانية سنة 1901، الذي قال فيه:

" احتفظ علم النحو العربي بخصائص له، ليس هذا مجال الإفاضة فيها، وهو ـ على كل حال ـ أثر رائع من آثار العقل العربي بما له من دقَّةٍ في الملاحظة، ومن نشِاطٍ في جمع ما تفرَّق، ويحقُّ للعرب أن يفخروا به، فلم يكن العرب يحبّون أن تعكّر عليهم الآراء الفلسفية العامَّة صفاءَ اللذة التي يجدونها في لغتهم، وكم نفر أساتذة اللغة المتشدّدون من صيغ لغوية أتى بها مترجمو الكتب الأجنبية."[37]

ولعمري، إنَّ هذا النص الرائع يجعلك تقول إنَّ المتكلِّم ليس مستشرقاً هولندياً من القرن التاسع عشر يكتب في تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل لسانيا معاصراً من القرن الحادي والعشرين يتحدَّث عن كيفية تدوينِ قواعدَ أية لغة، عن طريق ملاحظة استعمالاتها الفعلية بدقَّة، وتصنيف تلك الاستعمالات، بما يجمع بينها من خصائص إعرابية ودلالية، من أجل الوصول إلى وضع القواعد التي تحكم تلك الاستعمالات، من دون النظر إلى قواعد لغةٍ أخرى أو منطقها. وهذا في ظنّي ما فعله العلماء العرب الأوائل لوضع نحو اللغة العربية.

ومن هؤلاء المستشرقين الذين أكَّدوا أصالة النحو العربي وعدم تأثره بالمنطق اليوناني عند نشأته، المستشرق الألماني العظيم غوستاف فلوجل (1802ـ 1870)، مبدع كتاب " المدارس النحوية العربية"[38] الذي أشاع فيه مصطلح "المدارس النحوية: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة". وكان النحاة العرب قبله يستعملون مصطلح " نحاة البصرة ونحاة الكوفة" أو “مذهب البصريين ومذهب الكوفيين" أو "أهل البصرة وأهل الكوفة".  وبتأثير هذا الكتاب، أخذنا نستعمل مصطلحات: المدارس النحوية: المدرسة البصرية، والمدرسة الكوفية، والمدرسة البغدادية، المدرسة الأندلسية، المدرسة المصرية.[39]

ومن هؤلاء المستشرقين العالِم الألماني اليهودي غوستاف فايل[40] (1808ـ1889)، الذي أورد له المؤلّف قوله:

"حفظت لنا الروايةُ العربية في مجموعاتٍ مختلفةٍ من كتب التراجم وصفاً لمسلمي هذا العلم الذي هو أجدر العلوم أن يُعدّ عربياً محضاً؛ وقد أخذ العلماء الأوربيون بهذه الرواية."

وتبنى العلّامة الألماني الشهير كارل بروكلمان (1868 ـ1956) هذا الرأي في كتابه الموسوعي " تاريخ الأدب العربي" وكذلك المستشرق الألماني إينو ليتمان (1875 ـ 1958).

ولعلَّ أعلاهم صوتاً وآخرهم عهداً المُستعرب البريطاني الدكتور مايك كارتر الذي نال الدكتوراه من جامعة أكسفورد سنة 1968 على أطروحته بعنوان "دراسة مبادئ سيبويه في التحليل النحوي"[41]، التي أكد فيها خلو النحو العربي في نشأته من أيِّ تأثيرٍ أجنبي، وأنَّ القياس الذي استخدمه النحاة العرب عند نشأة النحو العربي كان مقتبساً من القياس الفقهي وليس القياس الأرسطي.

ومعلومٌ أنَّ جامعة أكسفورد لا تجيز أطروحة دكتوراه، تفند ما ذهب إليه بعض المستشرقين، ومنهم البريطانيون، مالم يثبت لدى لجنة المناقشة صحَّة تلك الأطروحة.

ويأتي الدكتور محمود بمقتطفات موثقة من أقوال بعض هؤلاء المستشرقين التي تؤكِّد نشوء النحو العربي من دون أن يتأثَّر بالمنطق اليوناني أو النحو السرياني.

ب ـ نعم، تأثَّر النحو العربي في نشأته بالمنطق اليوناني.

وذهب بعضهم إلى أنَّ النحو العربي ولد بتأثير من المنطق اليوناني، ولكنَّهم اختلفوا في كيفية انتقال المنطق اليوناني إلى العرب: هل انتقل مباشرة من اليونان إلى العرب، أم انتقل عن طريق السريان؟ وهل أخذ أبو الأسود الدِؤلي نحوه كلَّه من السريان أم أخذ منه النقط للحركات والشكل فقط ؟

واضطلع الدكتور محمود بالبحث المعمق في هذين الطريقين لانتقال المنطق اليوناني إلى العرب المسلمين، كدأبه في دراسة القضايا الأخرى ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالنحو العربي. وجرَّه هذا البحث إلى دراسة تاريخ ترجمة الفلسفة والمنطق من اليونانية إلى العربية التي تولّتها الدولة العباسية ابتداء من خلافة أبي جعفر المنصور باني مدينة بغداد (خلافته من 136ـ158هـ). وهكذا تطرَّق المؤلِّف الفاضل بالتفصيل إلى أهداف الترجمة، وأنواعها، ومدارسها، وأبرز المترجمين من السريان وغيرهم، ومنهجياتهم، وأساليبهم. ولهذا قلتُ في نفسي: إن هذا الكتاب، " النحو العربي وعلاقته بالمنطق"، ليس في تاريخ النحو فحسب، وليس في تاريخ المنطق فحسب، بل هو كذلك في تاريخ جوانب كثيرة من الفكر العربي الإسلامي.

ويسوق الدكتور محمود أسماء بعض العلماء العرب القدامى الذين قالوا بتأثُّر النحو العربي بالمنطق اليوناني مثل أبو الريحان البيروني (363ـ440هـ)، والعلامة عبد الرحمان بن خلدون (732ـ808هـ)، وبعض المؤرِّخين وعلماء اللغة العرب في العصر الحديث مثل جورجي زيدان (1861ـ1914م)، وأحمد أمين (1886ـ1954م)، وفؤاد حنا ترزي[42] ، وحسن عون، وغيرهم ممن أكدوا تأثُّر النحو العربي بالمنطق اليوناني.

ويخصِّص المؤلّف الفاضل حيزاً مهماً من كتابه القيم لإثارة قضايا مهمة  في اللسانيات الحديثة:

ـ إن الدافع الأساس لنشأة النحو العربي هو حفظ القرآن من اللحن، وفهم معانيه.

ـ إن استعمال اللغة بطريقة عفوية لاواعية، تختلف عن تدوين نحو تلك اللغة بصورة علمية واعية.

ـ إن إضافة النقط والتشكيل الذي بدأه أبو الأسود يختلف عن النحو الذي وضع جزءً منه. لأن اللغة هي الكلام المنطوق أما الكتابة فهي رسم لذلك الكلام.

ـ إن الذين قالوا بنشأة النحوي نشأة عربية خالصة اختلفوا في واضع النحو:

ـ يرى بعضهم أن الإمام علي هو الذي وضع النحو.

ـ يرى آخرون ان أبا الأسود الدؤلي هو الذي وضع النحو.

ـ يرى بعضهم الآخر ان أبا الأسود وضعه بمشاركة نصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز.

ثم يناقش هذه الأقوال، ويأتي بأقوال القدامى والمعاصرين من علماء اللغة الذين نفى بعضهم علاقة الإمام علي بالنحو، لانشغاله بما هو أهم من ذلك.

2ـ 8. تفنيد فكرة المعجزة اللغوية عند العرب:

وبعد أن يعرض المؤلّف نماذج من آراء القائلين بما يسميه " فكرة المعجزة اللغوية عند العرب"، وحجج المعارضين لأصالة نشوء النحو العربي، يُعمِل فكره في الموضوع، ويضع استنتاجاته الخاصَّة في فقرات تحت عنوان: " تفنيد المعجزة اللغوية عند العرب".

.  ويقوم تفكير أبي مصطفى في هذه القضية على ما يأتي:

أوَّلاً، "في مجال الفكر الإنساني عبر عصوره المتلاحقة ثمَّة ظاهرةٌ ضمن ظواهرَ عديدة تسترعى النظر وتجذب الانتباه، ألا وهى ظاهرة التأثير والتأثر بين الأجيال المتعاقبة، بحيث يؤثر الجيل السابق في الجيل اللاحق، ويتأثر هذا بذلك تأثراً تتعدَّد أبعاده أحياناً، وتختلف مجالاته، وتتفاوت درجاته بين طرفي الظ͜اهرة، أعنى بين المؤثر والمتأثر..."[43]

ثانياً،  "إن المكان الذي ظهرت فيه البدايات الأولى للنحو العربي على يد أبي الأسود الدؤلي، وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، هو ذاته دليل على الاتصال الوثيق بين العرب، ومن سبقهم من النحو اليوناني والنحو السرياني، فلم تظهر البدايات الأولى للنحو العربي في أرض العرب ذاتها، كالجزيرة العربية، وإنما ظهرت في بلاد العراق؛ أي في أقرب أرض ناطقة بالسريانية، واليونانية، والفارسية، ذوات اللغات الأقدم عهداً، وهذا أمر طبيعي لأنَّ من المحال أن تكون هذه المجموعة من الشعوب الشرقية قريبة من العرب إلى هذا الحد، وأن تتبادل معها التجارة على نطاق واسع، وتدخل معها أحيانا أخرى في حروبٍ طويلة دون أن يحدث تفاعل بين الطرفين."[44]

ثالثاً، "إنَّه من المستحيل تجاهل المؤرِّخين العرب القدماء من أمثال عبد الرحمن بن خلدون (732ـ808هـ)[45]، وأبو الريحان البيروني (362ـ440هـ)، أو المعاصرين من أمثال جورجي زيدان (1861ـ1914م)، وأحمد أمين (1886ـ1954م)، وفؤاد حنا ترزي، وحسن عون، وغيرهم من الباحثين الأفاضل الذين أكَّدوا تأثُّر معظم نحاة العرب بالنحو والمنطق اليوناني والسرياني."[46]

وبناء على هذه الحجج، صرح المؤلّف الفاضل برأيه قائلاً:

"لذلك فإنَّي أعتقد أنَّه لم تكُن نشأة النحو العربي نشأةً خالصة، ...وعلى ذلك فنحن ننكر ما يُسمى بـ " المعجزة اللغوية  العربية"[47]

وقد يجادل في هذا الرأي الذي خلص إليه المؤلِّف الفاضل، بعضُ المتعصِّبين لقوميتهم العربية، من المولعين بالجدل والسفسطة، فيقول:

أولاً، صحيحٌ أنَّ المفكرين الذين اشتغلوا في مجال نظرية المعرفة وتحليل طبيعة المعرفة ووسائل إنتاجها، قالوا بالتراكم المعرفي والتأثير والتأثُّر بين السابق واللاحق، والتطوُّر العلمي، ولاكنَّهم قالوا كذالك بالطفرة المعرفية (أو الطفرة العلمية)، التي تحصل لدى الموهوبين والنوابغ والعباقرة، كالمخترعين مثلاً، وقوامها العقل والقلب وليس الحواس فقط، بفضل الإبداع. ويُعرَّف الإبداع عادة بأنَّه تصوُّر أو إيجاد بنياتٍ جديدة غير مسبوقة من عناصر موجودة[48].

وإذا استطاع إفلاطون أن يقسّم الكلمات اليونانية على اسم وفعل، واستطاع أرسطو أن يقسِّم الكلمات اليونانية على اسم وفعل ورباط، فإنَّ الإمام علي[49] وأبا الأسود الدِؤلي[50] استطاعا أن يقسَّما الكلمات العربية على اسم وفعل وحرف. والعناصر الأساسية موجودة في القرآن الكريم وشعر العرب الذي يحفظانه. ودافعهما قوي هو الحاجة الماسة إلى تيسير قراءة القرآن وفهمه. والحاجة أم الاختراع، كما نقول. وتقسيم الكلمات على اسم وفعل موجود في الثقافة العربية القديمة منذ زمن البابليين الأكديين، فقد كانت الرقم الطينية تميِّز بين الأسماء والأفعال، فتقتصر الألواح الخاصّة بالمهن على الأسماء، ولا تضمّ الأفعال. وكذلك الحال في المعاجم الثنائية اللغة (سومرية ـ بابلية) التي وضعها المعلِّمون البابليون لتعليم تلاميذهم اللغة السومرية، فقد كانت تلك المعاجم تميّز بين الأسماء والأفعال [51].

ثانياً، إنَّ الإمام علي وأبا الأسود الدؤلي ولدا في الحجاز. وصحب الإمام في طفولته وصباه النبيَّ (ص) في بيت أبي طالب، وتعلّم في فتوته وشبابه منه في مكة والمدينة، فكان أحد كتّاب الوحي. أما أبو الأسود الدؤلي فقد صحب الإمام علي طويلاً وتعلّم منه. إضافة إلى ذلك، ليس من الدقة وصف العراق بأنه " أرض ناطقة بالسريانية، واليونانية، والفارسية، ذوات اللغات الأقدم عهداً،)، فقد استوطنت العراق، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، قبائل عربية وهي تتكلَّم لغات/لهجات جزيرية /عروبية. واليونانية والفارسية ليستا "أقدم عهداً" من العربية الأم، فالبشرية كلها نَشأت من سلالة واحدة وُجدت وترعرعت جنوبي شبه الجزيرة العربية، كما أثبت آخر بحث أوربي نشرته " المجلة الأمريكية للجينات البشرية"[52]. فأهل العراق يتكلَّمون العربية أو إحدى لهجاتها/لغاتها منذ ما يقرب من خمسة آلاف سنة. وإذا احتُلَّ بلدٌ حقبةً من الزمن، فإنَّ عامَّة سكان لا يتكلَّمون، عادةً، لغةَ المُحتلّ بل نخبةٌ قليلة منهم فقط تفعل ذلك.

ثالثاً، لماذا " من المستحيل تجاهل المؤرخين العرب القدماء ... أو المعاصرين ... وغيرهم من الباحثين الأفاضل الذين أكدوا تأثر معظم نحاة العرب بالنحو والمنطق اليوناني والسرياني" على حين ليس مستحيلاً تجاهل المؤرخين العرب القدماء والمعاصرين وكبار العلماء والمستشرقين الأوربيين الذين قالوا بأَّن نشأة النحو العربي عربية خالصة، وهم أكثر عدداً وأكبر علماً، وبرهن، بعضهم على ذلك بأطروحات دكتوراه أجازتها جامعات عريقة مثل جامعة أكسفورد؟؟؟  أضف إلى ذلك كلِّه، لا يوجد في العِلم شيئاً "مستحيلاً".

رابعاً، من الممكن أنَّ أبا الأسود الدؤلي أخذ نقط الحروف من الكتابة السريانية. ونحن نعلم أن جميع لغات منطقة البحر المتوسط، أخذت الكتابة الأبجدية من العباقرة الفينيقيين[53]، بما في ذلك اللغة اليونانية القديمة. فما أسماء الحروف اليونانية: الفا، بتا، جاما، دلتا، إلخ. إلا الأسماء العربية للأبجدية الفينيقية: الأليف، الباب، الجمل، الدلو، إلخ.، كما هو معروف مشهور. بيد أن الكتابة ليست النحو، فالنحو هو قواعد الكلام، والكتابة رسم للكلام. كما ينص عليه كتاب المؤلّف الفاضل. ولهذا فمن الممكن أن يأخذ العرب كتابتهم من أبناء عمومتهم، ولكنهم يضعون نحو لغتهم اعتماداً على ما هو مستعمل في قرآنهم وأشعارهم وكلامهم.

أتخيل المؤلِّف الفاضل وهو يستمع إلى ذلك الحِجاج بروح سمحاء، ويجيب بفكر منفتح قائلاً:

" أعتقد أنه لم تكن نشأة النحو العربي نشأة عربية خالصة، ولم يبدأ العرب في اكتشاف ميادين اللغة والنحو من فراغ كامل، بل إنَّ الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد العراق التي عاصرت النحو اليوناني والمنطق اليوناني، والنحو السرياني، وبالتالي يتضح لنا أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد للمعرفة العلمية وتصور واحد يرجع إليه الفضل في نشأة النحو العربي...ربما كان ذلك عادة سيئة ينبغي التخلص منها..."[54]

ويخلص المؤلّف الفاضل إلى أنَّ " النحاة العرب في أوَّل عهدهم قد استلهموا التراث اللغوي اليوناني والسرياني السابق عليهم، واستحوذوا عليه بروحهم الفتية وحاولوا تجاوزه حينما صبغوه بصبغتهم النظرية النقدية ... وحاولوا تطويعه مع مبادئ دينهم الحنيف في شتى الميادين، ثم تجاوزوه، بما قدموا من أفكار نحوية جديدة في مختلف قضايا اللغة العربية." [55]

وهكذا نرى أنّ المؤلّف الفاضل ينظر في القضايا الخلافية بروح حيادية منفتحة، وبصيرة علمية نفاذة، ثمَّ يعلن ما يتوصَّل إليه بكلِّ شجاعة وثقة بالنفس، همُّه المعرفة وغايته الحقيقة.

(وللبحث صلة)

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

 

علي القاسميتعثُّر حركة تطوير النحو العربي والكتابة العربية في عصر الانحطاط

1ـ 1. تمهيد:

تُطلِق معظمُ كتبِ تاريخِ الحضارةِ العربيةِ الإسلاميةِ مصطلحَ " عصر الانحطاط" على الحقبة الممتدة من سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م إلى النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر الميلادي، حينما أخذ العالم العربي يحتك بالثقافة الغربية عن طريق الاستعمار الأوربي والبعثات العلمية إلى أوربا وأمريكا. وقد اتَّسم عصر الانحطاط، الذي بدت إرهاصاته في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، بالركودِ الفكري، وتضاؤلِ البحث، ونزرة الإنتاج المعرفي، واقتصارِ التعليم على عددٍ محدودٍ من المراكز الدينية، وتحوُّل الفكر العربي من العقل إلى النقل ومن الإبداع إلى الإتباع، وأُغلِق باب الاجتهاد لدى الأغلبية، وساد التعصُّب الطائفي[1]، وأخذت دويلات الطوائف تحارب بعضُها بعضاً في المشرق والمغرب، ويتحالف بعضُها مع العدو.

. وفي عصر الركود والجمود هذا، تأثَّرت سلباً التنميةُ اللغوية التي انطلقت بعد بزوغ شمس الإسلام. فتوقَّفت حركةُ تطويرِ الكتابة العربية، وتعثَّرت دراسةُ أساليبِ اللغة العربية وتعرقلت، وتمحورت حول قراءةِ متونِ النحوِ ونظمها، وتلخيصاتها، وشروحها، وذيولها، وحواشيها، والحواشي على الحواشي، من أجل حفظ القواعد النحوية عن ظهر قلب[2].

وفي القرن الميلادي العشرين، عندما أخذت المدارس على النمط الغربي تنتشر في البلدان العربية، أدى ذلك الجمود الذي أصاب التنمية اللغوية، إلى ازدواجيةٍ أليمةٍ في الكتابة العربية، إذ احتفظ رجال المعاهد الدينية برسمٍ غيرٍ مكتملٍ للقرآن الكريم ورثوه من عصر الانحطاط، وأطلقوا عليه اسم " الرسم العثماني" وأضفوا عليه قدسية دينية؛ من دون أن يدركوا أنَّ (القرآن) هو كلام الله المسموع الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[3] ، وأمّا (رسم القرآن) فهو صورة رمزية مرئية لذلك الكلام المسموع، يمكن تحسينها طبقاً لقدراتِ الرسّامِ اللسانيةِ والفنية وتبعاً لتطوُّر المعرفة في مجالِ الأنظِمة الرمزية والتقنيات الفنية للرسم. فـ (القرآن) هو كلام الله الذي أوحى به إلى رسوله الأمين (ص)، أمّا (المصحف)، فهو رسمٌ للقرآن أنجزه الناس. ولهذا نقول "رسم المصحف" تعبيراً عن كتابته التي هي رسم للقرآن المنطوق المسموع. ورسم المصحف ليس مقدساً إذ يمكن تغييره إلى الأفضل، فقد أُجرِيت تحسيناتٌ كثيرة على رسم المصحف عبر العصور. ولكن كلام الله في القرآن مقدَّس ثابت لا يجوز تغييره، بل يمكن تفسيره بشكل أفضل بتقدم العصر وتطوّر المعرفة. وهذا هو الفرق بين مصطلح (القرآن) ومصطلح (المصحف). فالقرآن قد يكون متلواً، أو مجوَّداً، أو مكتوباً. أمّا (المصحف) فهو القرآن مكتوباً. ولهذا فكلُّ مصحفٍ هو قرآن، وليس كلُّ قرآن هو مصحف.

لم يأخذ أولئك الانحطاطيون الذين تمسّكوا بفكر عصر الانحطاط، بالتحسينات التي طرأت على الكتابة العربية أثناء ذلك العصر وبعده، في كتابة المصحف، على حين يتعلَّم أطفال المدارس الحديثة في بلداننا العربية اليوم، كتابةً أخذت بتحسينات كثيرة طرأت على الإملاء العربي. فأمسى هؤلاء الأطفال يواجهون صعوبة في تلاوة القرآن الكريم؛ ما اضطر بعض الأساتذة إلى محاولة كتابة القرآن الكريم بالإملاء العربي الحديث ونشره على الشابكة تيسيراً لقراءته على طلابهم. وهذه مبادرة خطيرة النتائج، تستوجب اضطلاع اتحاد المجامع اللغوية العربية والأزهر الشريف والمراكز الدينية الأخرى، إلى الاتفاق على إملاءٍ موحَّدٍ في الكتابة العربية، لا سيَّما أنَّ بلدان المشرق العربي لا تزال تكتب كلماتٍ مثل " الرحمن " و " هذا" و " لكن" ناقصةَ الرسم، على حين أنَّ بلدان المغرب العربي تكتبها كاملة: "الرحمان"، "هاذا"، "لاكن"[4]. وقد يقول قائلٌ: إنَّ خطاطي المصحف يضعون ألفاً صغيرة مكان الألف الناقصة، مثل " لـٰكن"؛ نقول: إذن، لم تعُد تلك الكتابة رسماً عثمانياً كما يزعم بعضهم، إضافةً إلى أنَّها تعلِّم الأطفال التحايل، كما يخبرنا علم نفس الطفل.

ولا تجابه صعوبةُ ازدواجيةِ الكتابةِ العربية الأطفال العرب فقط، بل تجابه أيضاً جميع المسلمينَ، من الجبل الأسود والهرسك في قلب أوربا إلى ماليزيا وإندونيسيا في آسيا، الذين يتعلَّمون اللغة العربية الحديثة وكتابتها في المدارس ويقرؤونها في الصحف والكتب المطبوعة، ثمَّ يواجهون صعوبات في تلاوة المصحف الكريم.[5]

لقد بقي درس اللغة العربية تحت وطأة تقاليد النحو التي سادت منذ عصر الانحطاط. وتشكّى الناس من صعوبة النحو وتعقيداته. وتنادى علماء اللغة العرب لتبسيط النحو، وعزا بعضهم صعوبته إلى تأثُّر النحاة القدامى بالمنطق اليوناني، وخلطهم النحو بالمنطق، وهو رأي كان عالم اللغة الأندلسي المغربي أبو مضاء القرطبي (ت 592هـ/1196م) من أوائل الذين نادوا به[6].

وخلال القرن الميلادي العشرين، انبرى عددٌ من أساتذة النحو إلى تبسيط النحو وتيسيره. ولكنَّ معظم المحاولات انحصرت ـ مع الأسف ـ في الحذف والاختصار وإعادة ترتيب الأبواب النحوية والدعوة إلى استعمال طرائقَ تعليميةٍ جديدة ووسائل مبتكرة. ولعلَّ من بواكير الكتب المدرسية التي شاع استعمالها منذ الأربعينيات من القرن الماضي والتي حاولت تبسيط النحو بطرائقَ تعليميةٍ حديثةٍ، كتاب " النحو الواضح في قواعد اللغة العربية" من تأليف علي الجارم ومصطفى أمين[7] اللذَين استعملا الطريقة الاستنباطية، أي إعطاء الأمثلة من النصوص أولاً، واستنباط القاعدة النحوية منها. وكذلك كتاب " النحو الوافي " من تأليف الدكتور عباس حسن.[8]

وفي أواسط القرن الماضي صدرت كتبٌ نظريةٌ كثيرة تحمل عناوين مثل: "تيسير النحو"، أو "تجديد النحو" لعدد من علماء اللغة العربية مثل مصطفى السقا، وإبراهيم مصطفى، ومحمد مهدي المخزومي، وشوقي ضيف، وغيرهم.

وفي القرن العشرين صدرت كتبٌ أخرى عن تاريخ النحو العربي. وانقسمت آراء الباحثين حول نشأة النحو العربي على فريقيْن:

الأوَّل، تابع هذا الفريقُ من عرب ومستشرقين، المؤرِّخين الإسلاميّين الذين قالوا بنشوء النحو على أيدي المسلمين أنفسهم.

الثاني، شايع بعضُ الباحثين العرب والسريان والمستشرقين الرأيَ القائل بأنَّ النحو العربي نشأ متأثرًاً بالمنطق اليوناني، إمّا مباشرة أو عن طريق ترجمات السريان له.

وكثيراً ما تتلوَّن آراءُ الباحثين بخلفياتهم وانتماءاتهم وميولهم الفكرية، وقلَّما يستطيع الباحث أن يكون موضوعياً خالصاً.

وهذا الكتاب الذي نقرأه اليوم يبحث في هذه المشكلة " النحو العربي وعلاقته بالمنطق". وتعود أهمّية هذا الموضوع الذي يحتلُّ مكان القلب من " فلسفة اللغة"، إلى أنَّ جميع الفلاسفة الغربيِّين، من اليوناني أفلاطون (427ـ347 ق.م.) إلى الأمريكي نعوم تشومسكي (1928 ـ ) يدركون أنَّ اللغة هي تعبيرٌ منطوقٌ أو مكتوبٌ عمّا يدور في فكرِ الإنسان، وأنَّ تحليلَ اللغة ومعرفةَ كيفيةِ اشتغال ألفاظها وبنياتها للتعبير عن معاني الفكر، يساعدنا على فهمٍ أفضلَ لبنيةِ الدماغ وآليات اشتغاله.

1ـ2 . مؤلِّفُ الكتاب:

أحسبُ أنَّ قراءة أيِّ نصٍّ كان، هي عملية تواصلية بين مُرسِلِ النصَّ ومتلقّيه، وأنَّ استيعابَ مضامينِ أيِّ نصٍّ وفهمَ مقاصده ومراميه، يتيسران للقارئ بصورةٍ أفضل، إذا تعرَّف أوّلاً على كاتبِ النصِّ نفسِه، لأنَّ الكاتب عنصرٌ أساسٌ في العملية التواصلية. فالكاتب يُرسل مع النصِّ كثيراً من خلفيته التاريخية والجغرافية، وشيئاً من انتمائه الفكري، وبعضاً من ميوله النفسية، سواء أراد ذلك أم لم يُرِد.  ولهذا أبدأُ دائماً بالتعريف بمؤلّف الكتاب الذي أريد عرضه.

مؤلّف هذا الكتاب هو الأستاذ الدكتور محمود محمد علي الذي يُعَدُّ من أبرز المفكرين العرب المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً وعطاءً، وأكثرهم أصالةً وإبداعاً.

1ـ3. ميلاده ومدينته:

ولد مفكِّرنا، الدكتور محمود محمد علي، سنة 1966 في مركز مدينة (أخميم)، عاصمة محافظة سوهاج في صعيد مصر، التي تحوَّر اسمها من الاسم المصري (خَنت مِين)، إله الفلاحة لدى قدماء المصريّين. وتقع أخميم على نهر النيل جنوبي القاهرة بما يقرب من 391 كم (وتبلغ المسافة على طريق السيّارات أكثر من 468 كم وتستغرق بالسيّارة قرابة خمس ساعات). وهاذه المدينة من أقدم المدن المصرية وعامرة بالآثار الفرعونية؛ "وقد سُرِق العديد منها واشترك في سرقتها الكثير من أصحاب السلطات في مركز أخميم"[9] على حدِّ قول كاتب مادَّة أخميم في موسوعة ويكيبيديا. ولكثرة آثار أخميم، يوجد فيها متحفٌ فرعونيٌّ مكشوف، يزيّنه تمثال جميل للأميرة مِريت أمون، ابنة رمسيس الثاني، وهو أعلى تمثالٍ كاملٍ لملكةٍ أو أميرةٍ مصريةٍ قديمةٍ، إذ يبلغ طوله ثلاثةَ عشرَ متراً.

1ـ4. دراسته:

حاز المؤلِّف الليسانس في الفلسفة سنة 1988 في كُلِّيَّة الآداب في سوهاج التي كانت تابعة إلى جامعة أسيوط (وهي رابع جامعة تؤسَّس في مصر بعد جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس، إذ بدأ مشروع إنشائها سنة 1947 وافتُتحت رسمياً سنة 1957 في مدينة أسيوط عاصمة محافظة أسيوط التي تقع شمال محافظة سوهاج). ونال المؤلّف الماجستير بتقدير ممتاز في الفلسفة من الكُلِّيَّة ذاتها سنة 1992، برسالته المعنونة " المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث". وفي سنة 1995 نوقشت أطروحته للدكتوراه وعنوانها " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة" وأُجيزت بمرتبة الشرف الأولى في كلِّيَّة الآداب ذاتها التي صارت تابعة لجامعة جنوب الوادي آنذاك.

ومن عنوانَي رسالتَيه الجامعيَّتَين، ندرك أنَّ الرجل ملمٌّ بالمنطق: قديمه وحديثه، يونانيّه وإسلاميّه وأوربيّه.

1ـ5. عمله الأكاديمي:

يشغل المؤلِّف الفاضل حالياً منصبَ رئيسِ قسمِ الفلسفة ورئيس مركز دراسات المستقبل في كلية الآداب بجامعة أسيوط في مدينة أسيوط، بعد أن انتخبه زملاؤه الأساتذة، سنة 2012، لرئاسة القسم، وهو منصب أكاديميٌّ رفيع. وكان في بداية ذلك العام قد ترقّى إلى مرتبة أستاذ في الجامعة.  ولاكنَّه قبل أن يصل هذه المكانة الجامعية المرموقة، كان قد مارس التدريس الجامعي في عدّة جامعات. فبعد حصوله على الدكتوراه سنة 1995، التحق بجامعة حلوان قرب مدينة القاهرة، ليدرِّس المنطق وفلسفة العلوم في قسم الفلسفة في تلك الجامعة حتى أوائل سنة 1997، ثمَّ انتقلَ أستاذاً مساعداً في جامعة أسيوط. وفي سنة 2007، انتُدِب ليتولّى منصبَ رئيسِ قسمِ العلومِ السلوكية في جامعة السابع من أكتوبر في مدينة بني وليد في ليبيا. وعاد إلى جامعته ليتدرَّج في رتب الأستاذية حتّى يُصبح برتبةِ أستاذٍ في أوائل سنة 2012.

إنَّ هذا التنوّع في أماكن العمل الجامعية، وفي الموادِّ التي يضطلع بتدريسها، وفي اللجان الأكاديمية التي يشارك في أعمالها، والرسائل والأطروحات التي يشرف عليها أو يشارك في مناقشتها، والدعوات المختلفة التي تصله من كثير من الجامعات العربية لتقييم أعمال أعضاء الهيئات التدريسية لغرض ترقيتهم، أو من المجلات الأكاديمية لتقييم البحوث المرشحة للنشر فيها؛ جميع تلك الفعاليات التي ينشط فيها بكل اقتدار، وسَّع مجالات عمله واطلاعه على ما يثير اهتمامَ زملائِهِ الجامعيّين وطلابه الباحثين من قضايا ومشكلات.

1ـ6. إنتاجُه المعرفي في مجال تخصُّصه:

يصف الدكتور محمود محمد علي (أبو مصطفى) تخصُّصَهُ العامَّ بـ (الدراسات الفلسفية)، وتخصُّصَهُ الدقيقَ بـ (المنطق وفلسفة العلوم ومناهج البحث والابستمولوجيا).

وهذا الوصف للتخصُّص العامِّ والخاصِّ يصدق على الإنتاج العلمي لأبي مصطفى الذي يغطّي مجالاتٍ معرفيةً عديدةً تشملها عبارة "الدراسات الفلسفية". فالفلسفة مشتقَّة من اللفظ اليوناني φιλοσοφία (فيلو سوفيا) الذي يعني حرفيا (حبَّ الحكمة)[10]، ويشمل البحث في  الوجود والمعرفة والقيم والعقل والاستدلال واللغة؛ وبعبارة أخرى: كلّ شيء. فالوجود يشمل الكون كله، والمعرفة تشمل جميع المجالات التي نعرفها أو نبحث لمعرفتها.

وفي ضوء هذا التعريف للفلسفة، وفي ضوء تنوّع البحوث التي يجريها الدكتور محمود، نستطيع القول إنَّه فيلسوفٌّ حقيقي يعشق الحكمة بكلِّ جوانحه ويبحث في أمورٍ كثيرةٍ في مجالاتٍ مختلفة: من علاقة النحو بالمنطق إلى مفاوضات سدِّ النهضة بين إثيوبيا والسودان ومصر. وتُعدُّ مؤلَّفاته المطبوعةُ المنشورةُ بأكثر من ثمانين كتاباً وبحثاً[11]، وتتوزَّع على جميع مجالاتِ تخصُّصه المذكورة في أعلاه. ولنضرب بعض الأمثلة من كتبه المنشورة على ذلك:

في مجال مناهج البحث :

كتاب " الاتجاه التجريبي عند ليوناردو دافنشي" (1999)

في مجال تاريخ العلوم:

كتاب " الأصول الشرقية للعلم اليوناني" (1998)

في مجال فلسفة العلوم:

كتاب " دراسات في المنطق المتعدِّد القيم وفلسفة العلوم" (2012)

في مجال السياسة قديمها وحديثها:

كتاب " تطور الفكر السياسي الإسلامي منذ الينابيع حتى أواخر القرن التاسع الهجري" (2017)

وكتاب " حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" (2017).

وكتاب " أوباماً ونظريته في تغيير الأنظمة العربية تمهيداً للربيع العربي" (2019).

وينبغي الإشارة إلى أنَّ أيَّ كتابٍ من كتبه لا يقتصر على مجالٍ معرفيٍّ واحد، وما ذكرناه مجرَّد أمثلة؛ فالدكتور محمود (عالمٌ مشاركٌ)، كما كان علماؤنا القدماء يسمون الأفذاذ النوادر منهم، أي (عالمٌ موسوعيٌّ)، بالمصطلح المعاصر. فكتابه ليس مثل رافد أنتجه ينبوع واحد، بل مثل بحيرة بين جبال عملاقة تصب فيها روافدُ متعدِّدةٌ قادمةٌ من ينابيعَ وعيونٍ جبليّةٍ مختلفة. فأنتَ تجد في الكتاب الواحد أصولَ الفلسفة، والمنطق، ومناهج البحث، وتاريخ العلم، وفلسفته، وأهدافه، واتجاهاته، وغيرها من المعارف. ففكْرُ الرجلِ زاخرٌ بشتى العلوم النافعة، وينطبق عليه المثل (وكلُّ إناء بالذي فيه ينضح)[12].

وبالإضافة إلى ميزتَي الدقَّة العلمية والتنوُّع المعرفي، فإنَّ الدكتور محمود يتحلّى بغزارة الإبداع والإنتاج والعطاء. ففي بداية سنة 2012 صدرت له خمسة كتب قيِّمة ومن دار نشر واحدة هي:

ـ " منهج البحث في تراثنا العربي"،

ـ " التفكير العلمي ومستجدات الواقع، قضايا وإشكالات"،

ـ " دراسات في المنطق المتعدد القيم وفلسفة العلوم"،

ـ ستيفن تولمان. "البصيرة والفهم: دراسة في أهداف العلم" ترجمة محمود محمد علي.

ولهذا النشاط كله، لا غرو أن ينال الدكتور محمود في أوائل سنة 2012 ترقيته الجامعية من أستاذ مشارك إلى رتبة أستاذ، وينتخبه زملاؤه الأساتذة، بعد بضعة أشهر في تلك السنة، رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة أسيوط، كما مرَّ بنا.

ويلفت الكتابُ الأخير انتباهنا إلى أنَّ الدكتور محمود لا يزاول تأليف الكتب فحسب، وإنَّما يترجم بعض الدراسات الهامَّة لمشاهير الفلاسفة والمفكِّرين كذلك، مثل ترجمته لدراسة " ليوناردو دافنشي: العلم والفن" من تأليف العلّامة البلجيكي الأمريكي المُستعرِب المؤرِّخ الكيميائي الصيدلي الفيلسوف جورج سارتون (1883ـ1956)، صاحب كتاب " تاريخ العلم "[13] الشهير؛ وكذلك ترجمته لدراسة " مكانة ليوناردو دافنشي في ظهور العِلم الحديث" للمؤرِّخ الفيلسوف الأمريكي الشهير جون هيرمان راندال (1899ـ1980)، الذي تصعب ترجمةُ أعماله لغزارة علمه وكثافة المعارف التي يسوقها في أبحاثه. فهو صاحب الكتاب المشهور" تكوين العقل الحديث"[14] الذي تُرجم إلى عدد من اللغات العالمية. ويقول عنه مترجمه إلى اللغة العربية المترجم الكبير الدكتور جورج طعمة (1922ـ20044) الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة جورج تاون الشهيرة في واشنطن دي. سي.:

" لقد كان نقلُ هذا الكتاب للغة العربية رحلةً شاقةً في عالَم الفكر والثقافة والحضارة. ولكنّها رحلة ممتعة دون ريب."[15] .

ولهذا يمكن القول إنَّ الدكتور محمود محمد علي هو منطقي، فيلسوف، مؤرِّخ، تربوي، مترجم. بيدَ أنَّ المنطق له مكانته الأثيرة لديه ويحتلُّ الأولوية في دراساته. فنحن نجد أن لفظ " المنطق" ومشتقاته، يظهر في عنوان رسالته للماجستير " المنطق الإشراقي عند السهروردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث" (1992)، وفي عنوان أطروحته للدكتوراه  " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة" (1995)، وفي عناوين عددٍ من كتبه مثل كتابه " العلاقة بين المنطق والتصوّف في تراثنا الفكري" (1999)، وكتابه "المنطق الصوري القديم بين الأصالة والتبعية " (2013) ، وكتابه موضوع هذه القراءة " النحو العربي وعلاقته بالمنطق" (2016).

وظهر لفظ المنطق ومشتقاته في عدد من عناوين بحوثه المنشورة، مثلاً: في بحثه " "موقف المناطقة الرياضيّين من القضية الحملية" (1998)، وفي بحثه " الاستدلالات المنطقية في طوبيقا شيشرون" (1999)، وفي بحثه " إرهاصات النسق الاستنباطي في المنطق الميجاري الرواقي" (2001) ، وفي بحثه " تطور الاستدلال في المنطق الهندي" (2004).

ومَن يُمعِن النظرَ ويُعمِل الفكرَ في عناوين هذه الكتب والبحوث، يكتشف بسهولةٍ أنَّ مؤلِّفها الكريم أحاط بالمنطق إحاطة الخاتم بالإصبع، كما يقولون، فقد تناوله تاريخياً وجغرافياً وموضوعياً.

1ـ7. إنتاجه الفكري في مجال السير والتراجم:

وأخيراً وليس آخراً، للدكتور أبي مصطفى اهتمامٌ خاصٌّ بكتابة السير والتراجم، وهو فنٌّ عربيٌّ  قديم كان في الجاهلية شفويّاً يُعنى بسردِ حياةِ الشعراء المشهورين وذكرِ أشعارهم وأخبارهم ورواية أيام العرب، أي معاركهم وحروبهم. وبعد ظهور الإسلام وانتشار الكتابة دُوِّنت سيرةُ الرسول (ص)، ثمَّ تكاثرت الكُتب التي تتناول تراجم وطبقات الشعراء والمُحدِّثين والفقهاء والأطباء وغيرهم. ومما يؤخَذ على تلك الكتب أنَّ أصحابها لم يتناولوا أفكارَ المُترجَم لهم بالنقد والتحليل والتعليل.  وفي العصر الحديث اهتمَّ بهذا الفنِّ الماتع عددٌ من كبار الأدباء مثل طه حسين في سيرته الذاتية " الأيام"، وعباس محمود العقاد في سِيَره الغيرية "العبقريات"[16] وطوروه.

ونجد هذا الاهتمام لدى الدكتور محمود محمد علي، فقد اطلعتُ مؤخَّراً على عدَّة مقالات له في السيرة الغيرية، نشرها في "صحيفة المثقف"، تناولت عدداً من المفكرين المعاصرين في مختلف المجالات العلمية، ينتمون إلى بلدانٍ عربيةٍ عديدة. وأضرب فيما يأتي أمثلة من الأعلام الذين تناول سيرهم بقلمه الساحر:

الأعلام

التخصُّص الرئيس

القطر

المهدي المنجرة

علم المستقبليات

المغرب

جبرا إبراهيم جبرا

الأدب / الفن

فلسطين ـ العراق

عبد الواحد لؤلؤة

الترجمة / النقد الأدبي

العراق

حسين سرمك حسن

الطب النفسي/ النقد الأدبي

العراق

ميثم الجنابي

الفلسفة/ التاريخ

العراق

علي أسعد وطفة

علم الاجتماع

سورية

جورج طرابيشي

الفلسفة

نسوية

ماجد فخري

الفلسفة

لبنان

سهير عبد السلام

الفلسفة

مصر

إبراهيم بيومي مدكور

الفلسفة

مصر

هاني الجيار

الفن التشكيلي

مصر

نوبي محمد حسن عبد الرحيم

الهندسة المعمارية

مصر

حسن طلب

الشعر

مصر

مصطفى النشار

تاريخ الفلسفة

مصر

عبد العزيز الطنطاوي

الجيولوجيا

مصر

صلاح فضل

النقد الأدبي

مصر

هذه مجرَّد أمثلة من السِيَر التي أطلعتُ عليها شخصياً، ويظهر فيها جلياً تعدَّد المجال المعرفي، وتنوع الانتماء القطري للأعلام الذين تناولهم الباحث الفاضل. وإذا كان يغلب على هؤلاء الأعلام، تخصُّصُهم في الدراسات الفلسفية، وانتماؤهم لمصر، فإنَّ ذلك أمرٌ طبيعيٌّ، لأن جميع الكتّاب يتأثرون بميولهم الوطنية والفكرية، ويسهل عليهم الكتابة عمَّن هم أقرب إليهم مكانياً وموضوعياً.

كما اطلعتُ ـ وأنا أعدّ هذا المقال ـ على رسالة من فالدمير بيلوف رئيس تحرير مجلة الفلسفة التي تصدر باللغة الإنجليزية في " الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب"[17] في موسكو، موجَّهة إلى مَن يهمُّه الأمر، يشير فيها إلى أنَّ مقالة " منصور فهمي، رائد الحركة النسوية الإسلامية في مصر الحديثة" لكاتبها الدكتور محمود محمد علي، ستُنشَر في مجلة الفلسفة، في المجلد 25، العدد 2 لسنة 2021.[18]

1ـ. 8. اهتمام المؤلّف بالقضايا السياسية الراهنة:

للدكتور محمود عشرات المقالات التي تتناول القضايا السياسية الراهنة بالتحليل والنقد وإبداء الرأي، تماماً كتلك التي يكتبها كبارُ المحلِّلين الصحفيّين المتخصِّصين. ولم تجد هذه المقالات طريقها إلى سيرته العلمية المنشورة في موقع أساتذة جامعة أسيوط. وفيما يأتي أمثلة من عناوين هذه المقالات التي نُشِر بعضها في "صحيفة المثقف":

ـ لماذا اختار جو بايدن هاريس نائبة له؟

ـ اقتصاد المعرفة ودوره في تعافي الدولة المصرية،

ـ الإخوان المسلمون والخنزير الأحمر،

ـ حروب المياه والصراعات القادمة في الشرق،

ـ لماذا تصرُّ إسرائيل على التطبيع مع السودان.

ـ حوار الأديان، كيف نفهمه؟

ـ لماذا اندلعت الحرب الأهلية في إثيوبيا؟

ـ الأبعاد الحقيقية بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ.

وعندما كنتُ أقرأ مقالات الدكتور أبي مصطفى السياسية، استولت عليَّ الدهشة وسيطر عليَّ العجب لكثرة المراجع المتنوِّعة، غربيةٍ وعربيةٍ، موضوعةٍ ومترجمةٍ، التي يكدِّسها ببراعةٍ في كلِّ مقال، وتساءلتُ في نفسي: كيف يستطيع هذا الرجل ـ وفقه الله ورعاه ـ الرجوع إلى جميع تلك الكتب والمقالات، وتدوين الاقتباسات منها. بالإضافة إلى إبدائه الرأي الصائب في إشكاليّات الموضوع، مع الحيادية التامة والموضوعية العلمية اللتين يلتزم بهما. كنتُ أتساءل ما إذا كانت الجامعات المصرية قد بلغت شأوا عالياً من الرفاهية الأكاديمية بحيث يستطيع كلُّ أستاذ أن يختار عدداً من طلبة الدراسات العليا فيعيّنهم مساعدِين له للبحث، أو التدريس، أو تصحيح أوراق امتحانات الطلاب، كما هو الحال في الجامعات الأمريكية الكبرى. وقد عملتُ شخصياً مساعدَ بحث لأحد الأساتذة عندما كنتُ طالبَ دكتوراه في جامعة تكساس في أوستن، قبل عصر الشابكة. فكان الأستاذ يخبرني بموضوع البحث الذي يشتغل عليه وخطته، ويوجهني بجمع المصادر له والتأشير على الاقتباسات التي تتعلّق بموضوع بحثه. ثمَّ يتولّى الأستاذُ تحريرَ البحث واختيار الاقتباسات المناسبة وإدراجها في المواضع المناسبة.

1ـ9. أسلوب الكاتب ولغته:

نظراً لتمكُّن الدكتور محمود من المنطق واللغة وممارسته التعليم، فإنَّ إسلوبه يتسم بالوضوح والبلاغة والسلاسة. والوضوح ثمرة تمكُّن الكاتب من ترتيب أفكاره، وتصنيفها وتسلسها بشكل منطقي، وصبّها في تراكيبَ لغويةٍ بعيدةٍ عن التعقيد والغرابة، مؤطَّرةٍ بألفاظ مأنوسة متداولة قريبة من فهم القراء الذين يفترض فيهم أنهم طلابٌ في قسم الفلسفة. والتصنيف هو تقسيم الأشياء والأفكار وترتيبها في مجموعات طبقاً للخواص والصفات المشتركة بين أفراد كلِّ مجموعة، ما ييسّر للقارئ استيعابها وفهمها. وسنضرب أمثلة على التصنيف المنطقي للأفكار المتباينة في الكتاب عندما نناقش مضمونه. أمّا وضوح لغة المؤلِّف وسلاستها، فيمكن أن نضرب المثل عليها من أية فقرة في الكتاب. ولتكن هذه الفقرة الفلسفية الآتية التي تطرح قضية الصلة بين المنطق والنحو، لأنَّها تكمل الفكرة الأساسية في فلسفة اللغة التي طرحناها سابقاً في فقرة التمهيد في أعلاه،  لتوكيدها:

" ويقال إن " أرسطو"(384- 322ق.م) قد توصل إلى كثير من التصنيفات المنطقية خلال دراسته للنحو اليوناني؛ حيث ذهب إلى أن الكلام يعبِّر بدقة عن أحوال الفكر، وأن المرء في وسعه أن يستعين بالقوالب النحوية لكي يكشف عن أحوال الفكر.  فالنحو ينظر إلى الألفاظ من ناحيتين: من ناحية وجودها مفردة، فيقسّمها إلى أسماء، وأفعال، وحروف ؛ ومن ناحية ارتباطها في جملة معينة . ونفس الشيء يُقال عن الفكر الذي ينقسم إلى أفكار مفردة هي التصورات، والأفكار المرتبطة بها وهي القضايا والتصديقات. وعلى هذا فتقسيم أرسطو للأفكار إلى: تصوُّرات وتصديقات، هو تقسيم مأخوذ أصلا من النحو."[19] (ص 2ـ3 من الكتاب).

وخلاصة الفقرة أن أرسطو استدل على تقسيمات الأفكار العقلية، بتقسيمات الألفاظ اللغوية. فهذه الفقرة الصغيرة تطرح فكرة كبيرة معقدة، ولكن الكاتب يسّرها للاستيعاب والفهم بفضل التصنيف المنطقي للأفكار الواردة فيها. فقسّم نحو اللغة إلى كلمات مفردة وجمل مركّبة. وقسم منطق الفكر إلى تصورات مفردة وتصديقات تتعلق بها، بطريقة تناظر نحو اللغة.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

 

جمعة عبد اللهيقدم الشاعر (هشام القيسي) هذا الكتاب الوثائقي الشامل، عن سيرة حياة الراحل الكبير الدكتور حسين سرمك. من خلال الاطراء الشعري للشاعر في قصائد تبجل حياة ايقونة النقد والادب. وتستعرض مناقبه المرموقة في الادب والفكر والعلم. بما يملك الفقيد الكبير من موسوعة أدبية وفكرية، في غزارة انتاجه المتنوع في الدراسات والابحاث في مجال الادب والنقد، وفي مجال الابحاث الفكرية، ومن خلال عطائه المرموق في علم النفس والطب. وكان الفقيد الكبير خلية ابداعية قل نظيرها في غزارة الابداع وأنتاجه، أو انه بحق ظاهر لن ولم تتكرر في مجالات الابداع بأصنافه المتنوعة، فكان شعلة من الابداع لايعرف الملل والتعب والارهاق، في سبيل تنوير العقل بالادب والعلم والفكر المتنور، فكان مثال الانسان الكبير الراسخ في الخبرة المعجمية في شلالها المتدفق، في اغناء الثقافة والفكر بالتنوير الحر، والانفتاح على الثقافات الانسانية في قلمه الاصيل، كان يمثل رمزاً عراقياً اصيلاً في قلمه الغزير. وكما قال عنه الشاعر السماوي الكبير (لن اكون مجانباً الحقيقة، في القول أن حسين سرمك كان عراقياً يمشي على القدمين) فارس الابداع في أشكاله المتنوعة، يضع بصماته بالمعاني البليغة والعميقة، في طقوس الكتابة، كان يتوسم الوعي العميق والثقافة الانسانية الرشيدة. فقد كان شجرة عالية من ثمار الإبداع. شجرة للخير والعطاء للوطن، شجرة في رحابها الواسع بالقيم الانسانية والابداع الاصيل فقد كان أنموذجاً رائعاً بأسلوبيته المتفردة والمميزة، التي تتوسم القمم العالية فقد كان (د. حسين سرمك سارد ناقد، كاتب لم يضمر الحقائق ولا الوقائع عبر نسيج موضوعي في سيره ومساره معطر بنقاء، أضاء كل متناول وماهو على قيد التناول ولم يأبه للاسوار، وهو وحده من تألق بهمة اكثر، حتى صار انموذجاً مائزاً يتسم بالندرة، مثل هذا الانموذج لا يعرف الانطفاء. وهو وحده جدير بالبقاء) ص12. حقاً كان وحده مؤسسة موسوعية قائمة بذاتها بالثقافة والفكر بجهده الغزير والدؤوب. فكان ابن الديوانية (ولد عام 1956) وأكمل دراساته الجامعية، البكالوريوس في الطب والجراحة عام 1980. فكان مدهشاً في التحليل والتشخيص بشكل لم تفوته شاردة وواردة في التحليل العميق، كان يتوسم البحث والنقد الموضوعي بالعلمية الموضوعية في التشخيص، كما كان غزير الانتاج بالادب والنقد والفكر، فكان بنفس المستوى من التالق في الكتب الطبية وفي علم النفس. فكان حسين سرمك كبيرأ في العطاء والتنوير، لا ينقصه شيئاً في اضاءة المعارف الادبية والعلمية والفكرية. ولكن المصاب الكبير، فاجعة موته المفاجئ كان مؤلماً جداً. وكتاب الاديب والشاعر هشام القيسي (المسلة) يتضمن حقول وابواب مرتبة على الشكل الاتي :

 1 - تبدأ بقصائد للشاعر(هشام القيسي) التي تبجل المقام الكبير للفقيد، في عطاءه الفذ واكتساب مكانة مرموقة واصبح رمزا كبيراً في الساحة الثقافية والادبية وناشطاً متألقاً في جهوده المضنية في الابحاث والدراسات في مجالات متنوعة. لناخذ بعض المقاطع من قصائد الشاعر.

مقطع من قصيدة (يا صاحب الصباح):

لا شيء ينقصك غير دار يفتح النوافذ كل يوم

ولا شيء يحزنك غير موت يضحك كل يوم

ها هي الذئاب تنصت طيلة الوقت

والبكاء لا يجفف ينابيع العيون

وأنت كما أنت

لم تبكِ

ولكن تلتمس لهذه الدار

 الغفران

وتغرد من زاوية قلبك

أعن مدينة تبايع عشاقها وترنو

أم هي طعم حسرات لا تميل الى صمت ؟ (ص23).

2465 هشام القيسي

قصائد بعنوان (المخاطبات) وهي موجهة في الاهداء الى حسين سرمك حسن. وهي عشر خطابات شعرية ونختار منها المخاطبة السابعة :

عارية أيامك

على سلالم الدموع

ترهات طويلة

طالتها رسائل غير منهكة

وأينما نظرت

تصهل الامكنة

 بلا تعب

عصية دائماً

تمضي بأسترجاع الاشياء

دون ان تقطف

دهشاتك العاشقة

أيام في مواعيد الحب

وذاكرة لم يصلها اليباس بعد

هكذا تحمل عشقاً

يقدح من جهة واحدة

على طول الهواء. (ص41)

× مقطع من قصيدة بعنوان (اخي حسين) :

يا حسين بن سرمك

حيثما يطلع الصبح

تغنيه الارض

في كل مكان

ومن أشراقة الدفاق

يكون النهار الدليل

ويكون في كل زمان

فهناك الخليل

وهناك الماء

وهناك الروح

ترفرف صبح مساء

ما أجمل اللقاء

وما أجمل الوجهة الآمنة

لم يبق لي شيء

سوى أغنية حالمة

 الى ربي. (ص50)

× مقطع من قصيدة (مرآة) :

يدل على الدرب

 وما يزيد،

تبقى النهار

أكثر جدارة من الكلام

لم تغفُ

يا حسين سرمك سلاماً

في كل الاعوام

تنحني لك الايام. (ص55)

× مقطع من قصيدة (البقاء) :

أنت مرفوع الى السماء

وأنت مودع في الافق تراهن بصماتك فيه بحروف وكلام

 وصدى

أبا علي

الحكيم الحليم

الاديب الحبيب

الناقد السارد

الكاتب كل وقته

بادلتنا وقود الحياة

لا أرثيك

ولكن أقول

حتى الدمع فتح أبوابه

وهو يحدق في فجيعة

 أومأت اليه

وحتى الصدمة

باتت لا تكشف مداها

في سفر الرحيل

ولا تعرف كيف تنادي. (ص77)

2 - الحكيم الاديب حسين سرمك حسن : تحت عنوان : رحيل مبهم أم أجابة معلقة ؟

برحيل الكبير تتوارد الاسئلة الخطيرة عن رحيله المفاجئ، الذي شكل صدمة في الوسط الثقافي والادبي، لان رحيله يشكل خسارة فادحة لا تعوض. اضافة الى تعرضه لوباء كورونا البشع، الذي خطفه وهو في قمة عطائه المرموق، فكان نبراساً مضيئاً في الثقافة والفكر وفي مجال العلم في الطب النفسي، اضافة انه كان يمثل نبل الاخلاق وسجيتها المتواضعة.في قلبه الكبير، فكان يتصدى لكل شاردة وواردة للدور الامبريالي الامريكي المشبوه والمريب والقذر في الكتابات الفكرية والكتابات المترجمة،يفند ويفضح الدور الامريكي الوحشي المعادي للشعوب وتطلعاتها. وكذلك دور منظماتتها الدولية في المخططات التآمرية، ومنها وكالة المخابرات المركزية الامريكية، وبنك النقد الدولي. وكان الفقيد يتصدى للدور الامبريالي الوحشي، عبر سلسلة حلقات ابحاثية متواصلة، يكشف زيفهم ونفاقهم، تحت عنوان : لا تثقوا بالولايات الامريكية المتحدة. لذلك الكاتب يطرح مسألة خطيرة، ربما هناك اصبع اجرامي خفي بموت الفقيد، ربما دفع ثمن فاتورة كتاباته وابحاثه الفكرية التي وقف فيها، بالمرصاد لهذا الدور الامريكي في التدخل في شؤون الشعوب وحرمانها من نعمة التطور والتنمية. ان رحيله يفجر الاسئلة الغامضة، ربما هناك اصبع خبيث ومريب.

3 - وبهذا الصدد يطرح الكتاب (المسلة) شهادة الشاعر والكاتب العراقي سعد جاسم : يتساءل بصرخة مدوية : منْ قتل حسين سرمك ؟

فمن خلال علاقته الوثيقة مع الفقيد، وتبادل المراسلات. فأن رحيله يثير الشك والريبة (الموت شبه المفاجئ للراحل الحبيب.... لأني كنت متواصلاً معه بشكل يكاد أن يكون يومياً خلال محنته المرضية المفاجئة والخفية والسريعة بشكل يدعو للقلق والشك والاسئلة الخفية والمعلنة) ص148، ويضف (بأن فقيدنا، قد، وأوكد واضع مليون خط أحمر تحت مفردة، قد، وأنا أعتقد وأظن واهجس أن الدكتور (حسين سرمك) قد أغتيل بجريمة قتل، بايولوجية : سرية وخفيفة جداً جداً) ص149.

4 - المرسلات وتبادل الرسائل بين الشاعر (هشام القيسي) والفقيد الكبير. في قضايا متعددة في تبادل الرأي والاستشارة والمشورة، وحتى منها تفاعل في الرأي العراقي في مساندة أنتفاضة تشرين، وهذا ما يتطلبه من الضمير الحي والوطني. ونقتطف بعض الفقرات من تبادل الاراء من اقول الفقيد الراحل (شكراً لك اخي المبدع العراقي الاصيل الاستاذ هشام القيسي على لطفك ومشاعرك الاخوية النبيلة، بك وبأبداعك وباخوتنا الشرفاء، وابداعهم سيعود وجه وطننا العراق العظيم مشرقاً وضاءً يهدي الشعوب الى طريق التحرر والانعتاق) ص158.

(ماذا أقول أخي الرائع المبدع الاستاذ هشام

استاذ أولاً بعراقيتك وغيرتك على وطنك.... بوفاءك لاخوتك الفقراء الى الله والعراق) ص161.

 هذه محتويات كتاب (المسلة) بالامتنان والتقدير والوفاء الى فقيد الثقافة والادب والفكر. أنه ظاهرة لا يمكن ان تتكرر. وصاحب الختم لمقالاته : بغداد المحروسة.

نسأل الله تعالى ان يرحمه برحمته الواسعة ويسكنه جنة الخلد، وسيظل تراثه العظيم خالداً للاجيال.

 

جمعة عبد الله

 

جمال العتابييُسجّل للدكتور طارق مجيد العقيلي نجاحه أخيراً في إقناع محسن الشيخ راضي في تدوين مذكراته، وفقاً لما كان يدلي به الشيخ راضي للسيد العقيلي، وسبق لي ان كتبت للدكتور طارق ساعة الاعلان عن صدور المذكرات، متسائلاً عن الوسيلة التي استطاع بها الوصول الى هذه النتيجة المرتقبة، فذكر لي، ان عامين من المحاولات واللقاءات والزيارات والحوارت، قادت الشيخ راضي لتخفيف هواجسه، ومخاوفه في خوض هذه التجربة، وأقول ان هذه المحاولة بدأها الكاتب مع الشيخ راضي، منذ عام 2009، اذا كانت تسعفه الذاكرة، حين زرته في منزله مع الباحث حيدر حنون، الذي كان يعدّ دراسته للماجستير عن شخصية ناجي طالب، وأبدى السيد محسن  استعداده، بادئ الامر، للتعاون في تدوين مذكراته،إلا انه تراجع واعتذر في اللقاء الثاني معه.

صدرت المذكرات في جزئها الاول عن دار الكتب العلمية في بغداد، 2021، قدّم لها وحررها الدكتور طارق مجيد العقيلي، الذي بذل جهداً أكاديمياً مهما، في تعامله مع وقائع السيرة، إذ إلتزم بدور الناقل المحايد، بأمانة تاريخية، وإلتزام بالمروي، أما ماورد من هوامش وتعليقات فهي تعبر عن رأي وقناعة العقيلي.

ان السبل المعتمدة في علميات التحري والبحث عن احداث اشكالوية في التاريخ السياسي العراقي، ما تزال سبلاً موجعة، لهذا الطرف أو ذاك، في ظل ظاهرة الفوضى، وصراع القوى والأحزاب السياسية، ولا سيما في المدة التي أعقبت قيام الجمهورية الاولى في تموز1958، إذ يحاول كل طرف بإلقاء تبعات المأزق العراقي على الخصوم السياسيين، ويحملهم اسباب الفشل والتراجع والإنتكاس في تاريخ العراق السياسي المعاصر، وفي إدارة الدولة.

مالذي يميز هذه المذكرات عن سواها من المذكرات التي كتبها قادة بعثيون في فترات سابقة؟ أذكر منها على سبيل المثال مذكرات(هاني الفكيكي، ستار الدوري، طالب شبيب، خالد الصالح، حازم جواد، فخري قدوري)، وغيرها، في الإجابة على هذا السؤال، تكمن الاشكالية الأولى في هذه المذكرات، فالعودة الى مذكرات العديد من القادة الشيوعيين، وفي مقدمتها(سلام عادل، سيرة مناضل) إعداد ثمينة ناجي يوسف، مايشير الى دور الشيخ راضي، في اللجان التحقيقية، المشكّلة بعد انقلاب 8 شباط 63، في تصفية وتعذيب الشيوعيين، في معتقل قصر النهاية، والمعتقلات الاخرى.

أعتقد ان الشيخ راضي أراد ان يكون حاضرا الآن، وبحضوره هذا يريد ان يقول كلمته، وادانته بشدة انقلاب 8 شباط إذ يعترف بالقول: ان طيش الشباب ذهب بالبعثيين الى أقصى حد من التهور وانتهاك الحرمات، وسلب الناس لحرياتهم، ويؤكد بالقول: اننا البعثيون لم نقدم للعراق الخير والتقدم المنشود، لكنه في الوقت ذاته يريد ان يحمل الجناح العسكري في الحزب مسؤولية ما حصل، وهو المتمثل، بالبكر وعماش، عبد الستار عبد اللطيف، كذلك عبد السلام عارف، ورشيد مصلح، وعبد الغني الراوي  ويلقي بالمسؤولية على هؤلاء اندفاعهم  الهستيري لتصفية معتقلي قطار الموت بعد حركة حسن سريع، تموز 63، لا أبالغ اذا ما ذكرت ان اعداد المرشحين  للاعدام بلغ رقماً كبيراً ومخيفاً، يصل الى حد ارتكاب مجازر دموية لو نفذ فيهم الاعدام، ولكي يدعم العسكريون موقفهم واصرارهم  على ذبح الشيوعيين بالجملةبغطاء (شرعي)! وديني، زعم عارف ان لديه نص فتوى من الشيخ امجد الزهاوي تبيح له قتل الشيوعيين،  وفتوى أخرى من المرجع محسن الحكيم تؤيد ذلك، وهنا ينفي الشيخ راضي هذه الرواية، انما يؤكد على الفتوى التي صدرت عام 59 بتحريم الانتماء للشيوعية، ووجدت لها صدى ايجابياَ لدى البعث، بما يخدم توجهاتهم السياسية في ظل اجواء الصراع مع الحزب الشيوعي، ويذهب محسن الى ابعد من ذلك محملاً العسكر  المسؤولية  منذ  عام 58 (ص166).

يقول الشيخ راضي :كلنا مسؤولون عما حصل في شباط 63،لكن المسؤولية المباشرة، تقع على المسؤولين عن قصر النهاية، المتعطشين لتعذيب الشيوعيين وابادتهم، كما يصفهم راضي، وهم(مدحت ابراهيم جمعة، عمار علوش، عبد الكريم الشيخلي، محمد حسين المهداوي، احمد طه العزوز، هاشم قدوري، وبهاء شبيب)، وهو ينفي إدعاء القائد الشيوعي آرا خاجادور، من أن علي صالح السعدي أطلق على سلام عادل رصاصة الرحمة، يوم 23 شباط، حسب مقررات مجلس الوزراء المحفوظة في المكتبة الوطنية، إذ تشير الى سفر السعدي، الى القاهرة لحضور احتفالات ذكرى الوحدة بين مصر وسوريا.

ويروي محسن رواية اخرى مخالفة لرواية ثمينة ناجي، وآرا، محاولاً نفي الاتهامات الموجهة له بهذ الصدد، إذ يذكر في (ص 157): رأيت سلام عادل في المعتقل، لمدة لاتزيد على خمس دقائق ليلة23 شباط، ولم تكن حالته تسمح بإجراء حديث معه، كان جالساً قبالة حازم جواد ليحقق معه،، ولا أنكر انه كان في حالة يرثى لها نتيجة التعذيب القاسي الذي لقيه، وانه تحمل بشجاعة فائقة، شتى انواع التعذيب، وفيما سمعت انه تمت تصفيته تحت التعذيب مساء يوم 23 شباط، ولم يعدم. ونقيض هذه الرواية يذكر حنا بطاطو في كتابه ( العراق، ج3، ص 301) ان الحكومة العراقية اعلنت الحكم بالإعدام على سلام عادل، وحسن عوينة، ومحمد حسين ابو العيس، يوم 9 آذار 63.

وفي إحدى المنعطفات التاريخية الحاسمة بعد إنقلاب  شباط، كان يوم 9 منه عصيباً، وقريباً من القضاء على نظام قاسم نهائياً، وشهدت غرفة عبد السلام عارف في مبنى الاذاعة اجتماعات ولقاءات، لإعداد وكتابة البيان رقم 13، الذي يعد منعطفاً خطيراً في تاريخ حزب البعث، وأساء الى تاريخه بمجمله، كذلك يجد راضي المبرر لدعوة البيان الى إبادة وسحق الشيوعيين، كرد على البيان الذي كتبه سلام عادل لمقاومة الانقلاب، إلا انه لا يدعي البراءة من البيان، غير انه ليس على علم بشكل (دقيق) بكاتبه.

ان تصوراتي وظني كما يقول راضي، هي ان الإندفاع القوي للعسكريين المتعطشين لابادة الشيوعيين، واكثرهم حقداً، البكر وعماش، وعارف، هم من أعدّ صياغة البيان، ويبدو ان الحاضرين من البعثيين المدنيين والعسكريين على حد سواء لم يعترضوا على مضمونه.

ويصف الشيخ راضي المشهد الدموي لإعدام عبد الكريم قاسم ورفاقه، كونه الشاهد الحي على عملية التنفيذ، ويتذكر من أسماء الرماة، الملازم نعمة فارس المحياوي، وهو من القيادات البعثية في الجيش.

وعلى الاغلب يدعو الشيخ راضي دائماً لفهم السياقات والظروف التاريخية، التي أحاطت بفشل تجربة حكم البعث، ويمضي ايضاً نحو القوى السياسية الاخرى، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، ليحملها تبعات ومسؤولية ما حصل بعد تموز 58، ويدعوها لمراجعة تاريخها، وكتابته بأمانة وموضوعية، وعلينا ان نناقش بحيادية تامة ماذكره الدكتور طارق في مقدمته للكتاب، انما يحسب لصاحب السيرة، انه أدان نفسه بقسوة، قبل ان يدينه أحد، وقدّم اعتذاره لكل عراقي شعر في يوم ما انه كان سبباً في إضهاده، والحق ان تأخر الاعلان عن الإعتذار والإدانة خير من ان لا يأتيا بعد.

 

جمال العتّابي

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الرافدين في بيروت كتاب الدكتور فاضل الربيعي (فلسطين المُتخَيلَّة.. أرض التوراة في اليمن القديم) بمجلَدَين، ويحتوي الأول على على (446) صفحة من الحجم الوزير مدعوم بالصور، كما يتضمن المجلد الثاني على (560) صفحة، الكتاب يخوض في الأساسيات التاريخية في الرواية الدينية التي تخص فلسطين، وتفتيت زعم اليهود والحركة الصهيونية بأن القدس قد انزلت فيها التوراة، بينما يؤكد د. فاضل الربيعي في كتابه هذا وفق الأدلة الدامغة أن التوراة أنزلت في أرض اليمن، كما ينفي الربيعي السبي البابلي لليهود في فلسطين. الكتاب نشره سابقاً باللغة العربية والروسية. والكتاب مليء بالمواقف المختلفة التي تصاحب المغامرة، تمتزج فيها مشاعر الحب مع الأحداث المأساوية في حياة الشخصيات. ويطرح هذا الكتاب في ميدان البحث موضوعاً مثيراً جداً، يبعث على التساؤل والدهشة، هل حقاً أنزلت التوراة في أرض اليمن بدل فلسطين؟ هل الأسماء التي نعرفها للمدن والمواقع في مكان من فلسطين ليست هي، ولكن أيضاً ما الأدلة التي يقدمها المؤلف؟ ما المعطيات التي يستند إليها؟ الموضوع عميق جداً يأتي من عمق التاريخ وعبقه، من النصوص المكتوبة. وتُعد أطروحته "فلسطين المتخيلة" من أهم المؤلفات التي قدّم فيها الربيعي مراجعات المسلّم به في كتب التاريخ، والتي نفى فيها أن يكون الملك داوود حارب الفلسطينيين. ويواصل الباحث في نسفه للموروث التاريخي: "سفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، والحقيقة التي لا مناص من التمعن فيها اليوم: إنّ القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين، والهيكل لم يُبنَ في القدس قط، وليس ثمة هيكلٌ لسليمان تحت قبة الصخرة".

كما اعتمد د. فاضل الربيعي في كتابه هذا على كتاب عبد الرحمن الشابندر (المقالات) الصادر في دمشق عام 1993 من اعداد محمد كامل الخطيب تحت عنوان (الاعمال الكاملة.. قضايا وحوارات النهضة العربية)، وفي الكتاب مقالة تعود لعام 1936م فيها إشارة إلى التماثل والتطابق بين المصدرين (الهمداني والشابندر) بالدليل على أن مملكة إسرائيل القديمة لم تكن قطّ في فلسطين.

2478 فاضل الربيعيويؤكد الكاتب الربيعي في ص15 قائلاً: "أن المصريين والآشوريين لم يشتبكوا فوق أرضٍ قط، وسفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، ولم ترسُ في أي وقت من الأوقات في موانئ صوّر اللبنانية، وإلى هذا كله، فإن الملك داود لم يحارب الفلسطينيين". كما ينفي الربيعي في كتابه هذا زعم اليهود أنّ الهيكل بُنيَ في فلسطين، وإنما في السراة اليمنية، ودليله على ذلك ما اكتشفه الهمداني بكتابه (الإكليل وصفة جزيرة العرب)، فيؤكد بالقول: "إن القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين. ومن ثَمَّ؛ فإن الهيكل لم يُبنِ في القدس قط، بل أنّ أسوار أورشليم التي أشرف نحميا على إعادة ترميمها لا وجود لها هناك أصلاً؛ وفوق ذلك ليس ثمة هيكل لسليمان تحت قبة الصخرة، فيما نجد الهياكل في السراة اليمنية، كما وصفها الهمداني، بالتلازم مع ذكر أسماء القبائل اليمنية اليهودية، ودليله على ذلك أن اليمنيين يسمون آثار الأبنية القديمة وحتى هذا اليوم بالهياكل. وبوجه العموم؛ فالقبائل اليمنية اليهودية العائدة من الأسر، هي التي أعادت ترميم أسوار أورشليم انطلاقاً من موضع تسمية التوراة (شعر)، وهذا اسم جبل شهير من جبال اليمن".

من خلال هذه الادلة يؤكد د. فاضل الربيعي في صفحة 17 من كتابه بأن مملكة إسرائيل اليمنية القديمة شرقي صنعاء أو في نجران وانها لم تكن قط في فلسطين (المصدر عبد الرحمن الشابندر. مجلة الرسالة المصرية العدد 192 في 8 آذار ص5). كما اعتمد د. فاضل الربيعي على كتاب د. كمال صليبي (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، ويؤكد د. الربيعي "أن أحداث وقصص ومرويات التوراة دارت في فلسطين هي مجرد اكاذيب وأوهام مختلفات لا يمكن تعليقه عن وجود مملكة إسرائيل القديمة في نجران (حسب ما يعتقد يهود اليمن)؛ أكثر من مجرد دليل ظرفي قابل للمراجعة. فالهمداني والشعر الجاهلي يقدمان سلسلة لا تكاد تنقطع من البراهين والأدلة أن مرويات التوراة دارت في اليمن. فالتوراة لم تذكر فلسطين بالاسم قط، كما لم تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى فلسطين.

إن القدس التي ذكرها د. الربيعي في ص19 من كتابه قائلاً: "أما القدس التي يزعم أن التوراة ذكرتها، فإن النصوص العبرية، وبدعم من نصوص الهمداني والشعر الجاهلي على حدٍ سواء، تشير إلى ثلاثة مواضيع تدعى قدس – قدش، ليس من بينها ما يمكن مطابقته على صعيد التوصيف مع القدس العربية.

كل ما ذكرت سابقاً هو رأي الكاتب فاضل الربيعي، وفق ادلة هو يعتقد بمصداقيتها، وقد يكون مصيب أو مخطئ إذا ما تمَّ البحث عبرَّ مصادر التأريخ حول النقاط التي ذكرها في مؤلفه.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

جمال العتابييبدو الشيخ راضي متجاذباً بين حركتين  في مذكراته، حركة الذهاب الى الماضي، وحركة الأياب الى الحاضر، انه، بتعبير آخر متجاذب بين ذاكرة ماضيه، ومخيلة مستقبله، والحاضر يقف بينهما كنقطة توازن، وهو يحمل همومه، وسائل عبر ماضيه، في تصور معلن وصريح، أو مايزال مكتوماً، متفائلا أحياناً، أو حذراً ويائساً في أحيان كثيرة.

قد لا تتسع القراءة لما هو مطلوب منها على ما أفترض، أن تتوسع في محاور عديدة ومهمة تناولها كاتب السيرة، لكنني سأتوقف عند بعض المحطات والمنعطفات التاريخية التي ما تزال موضع جدل وخلاف، لكن المهم في المذكرات، كونها ضرورة نحتاجها راهناً، انها تعزز حاجتنا لثقافة الإعتراف، والإعتذار بأسس سليمة وبنّاءة ومنظّمة، والإعتراف هنا لا يتعلق بالفعل السياسي الخطأ، إنما يتجاوزه نحو كيفية تدريب الآخر على تعلم هذه الثقافة وتعميمها، انه بتقديري إمتحان ثقافي، تكون فيه الذاكرة قادرة على الإقناع، دونما خلق لأوهام جديدة، إذ يعتقد البعض للأسف الشديد، ان الإعتذار نقطة ضعف، كونها دليل إنكسار وهزيمة، بينما يُعدّ الإعتراف بالخطأ أو تصحيحه والتراجع عنه، موقفاً شجاعاً متسامياً، يحتاجه المرء كفرد، وكذلك الجماعات السياسية، وأعني بها الفاعلة المؤثرة، أو تلك التي تمسك زمام  السلطة سابقاً، أو الزمن الحاضر، لعل هذا الوضع يُظهر أهمية الإلتفات إلى بلورة وعي نقدي بأخطاء الماضي. والحذر من النزوع إلى إدانة الآخر، وترك الساحة مهيأة أمام تبرئة الذات.

ان المراجعة تقتضي ايضاً، تجنب الماضي كمعيار أو مقياس مقدّس، لخلق أوهام جديدة، هي في الحقيقة محاولة لتعويض مواجهة الأخطاء وتحري أسباب الفشل والإخفاق لدى القوى السياسية جميعاً.

ان الرؤية العلمية والعقلية تدرك ان الاحداث أياً كانت، هي نتاج تفاعل اسباب عديدة، وبالتالي فانها تفترض بما في ذلك ميدان العلاقات السياسية، ضرورة التنور بالسببية من أجل رؤية نتائجها المحتملة.

لقد أدرك محسن الشيخ راضي هذه الحقيقة متأخراً، وعبّر عنها بالقول : من الانصاف ان يكون الانسان أكثر صلابة بنقد ذاته، وفي نقد ما حدث في عام 1963،وأن يكون أكثر صلابة بإدانة الكثير من الممارسات اللاإنسانية التي إقترفتها ( بعض العناصر البعثية) المشبّعة بروح الثأر والإنتقام غير المبرر، ويواصل القول: الحق انني اشعر ان الكلمات مهما بلغت من قوة في التعبير لاتكفي لبيان رفضي لما قام به بعض البعثيين من سلوك مدّمر وكارثي تحملنا وزره ونتائجه جميعاً، نحن المشاركين في تلك الفترة المقيتة، لقد حقد علينا الشعب العراقي، كأفراد، وكحزب، وحقدت علينا القوى السياسية الاخرى، بما يوازي حقدنا عليهم، وربما أكثر، وبكل ثقة وقناعة أقول بأني أدين بقوة كل السلوكيات الوحشية التي لازمت احداث 63، وأستنكر بشدّة العنف الذي رافقها والدماء التي سالت، وأريقت تحت عنوانات واهية لاقيمة لها إزاء حياة الإنسان وكرامته(ص181).

بتقديري ان النص أعلاه، يضمر نزوعاً لإدانة القسوة، ويدين القتل ودوافع التدمير، بإعتراف صريح وواضح، علينا أن نقرأه بنواياه الحسنة، وبلا لبوس سياسي، ينبغي ان يكون خطاباً سياسياً وثقافياً تتقنه القوى السياسية من تجربة العراق المريرة، بمعنى التأسيس لخطاب عقلاني يهدف الى وضع أسس للمراجعة ونقد الذات، وإعادة النظر في تقييم التجارب بكل جوانبها ومكوناتها، وإشكالاتها، وإخفاقاتها، وممارسة النقد لا تعني عبارات خطابية لا تصنع يقيناً، إذ يفترض من وجهة نظر التاريخ التمسك بحدود الحقيقة،  وبموعظة تجارب التاريخ، ويبقى ممكناً القول : لا تاريخ بدون ذاكرة، ولا كتابة بدون ضمير.

يدعونا الشيخ راضي إلى البحث عن إجابات لأسئلة لا حدود لها، كنا نأمل أن يشاركنا الإجابة عنها، فما معنى أن تقود السلطة مواطنيها إلى أقبية التعذيب، وتصفيتهم؟ كيف لنا أن نفهم التناقض بين ما تعلنه الأيديولوجيات الشمولية من برامج وأهداف زائفة، وبين ممارساتها على الأرض، كيف يمكن لحزب سياسي  يدعي لنفسه معاني الدفاع عن الإنسانية، وهو يقتل الإنسان، لأنه مختلف معه بالرأي؟ كل ذلك يجعل من مهمة التدقيق في مراجعة الذات من أخطر المهمات وأكثرها أهمية.

ولأننا أمام سرد للسيرة مثيرللجدل، لقائد سياسي ماتزال ذاكرته يقظة، من خلالها نتبين الأحداث، ونتأملها من جديد وبهدوء، دون إنفعال، فالشيخ راضي يقف بالضد من محاولات (التشويه)، التي تعرّض لها رفيقه علي صالح السعدي، والقيادات البعثية، كما يصفها الشيخ بالنزيهة والبريئة من التهم التي ألصقت بهم، ويشير بذلك الى شخصه، الى جانب هاني الفكيكي، وأبو طالب الهاشمي، وحمدي عبد المجيد، ويزعم كاتب السيرة بثقة، ان السعدي أدان أعمال العنف، ولم يمارسه على الإطلاق ضد الشيوعيين، وكل ما يشاع عنه من قسوة وعنف، غير صحيح، ويبرر للسعدي عدم تمكنه من مواجهة العنف وإيقافه، إذ كان أضعف من السيطرة عليه، على الرغم من انه يحمّله المسؤولية، بوصفه قيادياً في السلطة والحزب، وخلاف العديد من الروايات في الأدبيات الحزبية والمذكرات الشخصية لقادة سياسيين من طرف الصراع الآخر، يؤكد الشيخ راضي، ان السعدي كان بريئاً من كل عنف، ولم تتطلخ يداه بدماء الشيوعيين، ويذكر راضي في (ص203) : شهادتي للتاريخ، أقول، لا أريد أن أُدين الحزب وقيادته، فحسب، بوصفها تتحمل مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الشيوعيين، وغير الشيوعيين، إنما أدين نفسي، لأني كنت جزءاً  من قيادة الحزب والنظام، ولم أستطع وقف حمّامات الدم، ولم نكن قادرين على كبح جماح الثأر والإنتقام التي مارسها المتحزبون  في البعث، والجناح العسكري المسيطر على الأجهزة الأمنية ولجان التحقيق.

ويضيف بهذا الصدد: كنا جميعاً في الحركة الوطنية في العراق نتقاتل بالنيابة من حيث لا ندري، غارقين في أتون صراع المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي، تحول الى صراع دموي بين الشيوعيين والبعثيين، لذا يدعو الى التحري بإنصاف مواقف البعض من قادة البعث خلال تلك المدّة، والتنبيه إلى ان النظر  للتاريخ بعين واحدة رمداء سيفسد الإنصاف الإنساني، وسيطمس الكثير من الحقائق التاريخية(ص 161). إن الشرخ الذي أحدثه الصراع بين القوى السياسية بعد تموز 58، تحول إلى شروخ مدمّرة في جسد المجتمع العراقي، حتى بدا عاجزاً عن إيقاف الإنهيار، والخروج من دوّامة النزيف.

لعل مفاتيح فهم أحداث تلك المدة عند الشيخ راضي، تقدمها تلك السياقات والأفكار والمواقف، إذ يشدد على عدم آهلية البعث لإدارة الدولة: نحن الشباب الغض لاخبرة لنا، ولا ممارسة في أصغر منصب إداري يؤهلنا، وهنا تكمن إحدى المشاكل التي واجهتنا، لكن بعد هذه العقود الطويلة التي مضت على تجربة8 شباط، أثبتت ان النوايا الحسنة التي كانت تخامر وجداننا، لم تكن وحدها كافية لتحقيق العدالة في ظل أوضاع سياسية مضطربة.

تحت وطأة الماضي، يحاول محسن الشيخ راضي، في خطاب الإعتراف أن يكشف المستور، برفع الستر وتمزيق القناع، أن يكثف موقفه عن زمن عصي، كان بحاجة إلى مقاييس مرنة، وإدارات سياسية عقلانية، تحسنُ الرؤية وتدرك مهمات الحاضر والمستقبل، تتعدى الإجتهادات النظرية، وتفكر بنمطٍ وطني يعبّر عن مستوى إدراكها لطبيعة الأحداث وآفاقها على مستويات عدّة، لكن للأسف الشديد، ظلت عقدة تطهير الخطاب السياسي من لغة العنف والدماء ملازمة لإنتاج القسوة.

 

جمال العتّابي

................................

يتبع، الحلقة 3 (الأخيرة): التحرر من ثقل الماضي لا تسعفه النوايا الحسنة

 

 

زيد الحليكتب كثيرون عن الفساد الاداري، وصدرت مؤلفات عديدة تناولت هذه الآفة، واستمعنا وشاهدنا آلاف الندوات التي جعلت جرثومة الفساد عنوانا لها، لكننا لم نر معالجات تسبر غور هذه الظاهرة ذات الخطورة المجتمعية والادارية في حياتنا اليومية، لاسيما في بلدنا الذي اصبح واحداً من ابرز البلدان التي يعشعش فيه الفساد بمختلف صوره ..

بداية اشير الى دراسة، اعدها مجلس حقوق الإنسان في الامم المتحدة بدورته الـ 28 الخاصة بتعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية المستدامة، حيث اكدت تلك الدراسة عدم وجود، تعريف واحد للفساد منسجم ومعترف به على المستوى الدولي.. وهذا يدل على عمق وخطورة وعنكبوتية آفة الفساد ..

لكني وجدتُ في كتاب د. إسراء طه جزاع (منظومة مواجهة الفساد الإداري في العراق) الذي جاء بأسلوب سلس، ما يدحض دراسة الامم المتحدة، حيث وضعت فيه المؤلفة، تعريفاً مقنعاً، وعلميا لأنواع الفساد، يمكن ان يستخلص منه القارئ عنوانا مانعا، شاملاً لهذه المنظومة المتشابكة.. بدأته في مفهوم الفساد السياسي والفساد الاقتصادي والفساد الاجتماعي والفساد الثقافي والفساد البيئي والفساد المالي والفساد الاداري، وقد ركز الكتاب الذي صدر مؤخراً، على الفساد الاداري كونه هو الفساد الذي يصيب المؤسسات والهيئات الادارية لأجهزة الدولة، حيث يرتبط هذا النوع من الفساد بالوظيفة  العامة، والموظف العام ويقوم على اتباع سلوك مخالف للقوانين من خلال استغلاله لموقعه وصلاحياته عن طريق قيامه بالأفعال المنحرفة .

يسحبنا كتاب د. إسراء  بقراءة موضوعية، ممتعة الى عالم (غابة الفساد) المليء بمعلومات وامثلة، اعتمدت فيه المؤلفة على مصادر موثقة، بدأته بالقرآن الكريم، وكتب الفقه الاسلامي وكتب القانون ورسائل واطاريح جامعية ومواثيق واتفاقات دولية والتشريعات العراقية ..

تقول المؤلفة (لا يخفى على الكثير، ولاسيما الباحثين والمتخصصين في مجال ظاهرة الفساد، بأن العراق من الدول التي شهدت تناميا خطيرا في معدلات الفساد خلال السنوات العشر الاخيرة، حيث احتل مراتب مُتقدمة بين دول العالم الاكثر فسادا وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية للسنوات ما بين 2004 ــ 2016 وبعد استعراض تلك التقارير تبين ان العراق جاء بالمراتب الاخيرة بين الدول العربية، وفي ذيل قائمة الدول الاكثر فساداً في العالم)

ولم تقف د. إسراء عند تلك الحقيقة، فأعطت امثلة مستندة على معطيات دولية، فتذكر انه في العام 2004 جاء العراق في المرتبة الـ 116 عالميا من اصل 133 دولة، وفي العام 2005 احتل العراق المرتبة الـ 130 من اصل 146 وفي العام 2006 جاء العراق في مرتبة متقدمة في تفشي الفساد عالميا حيث جاء بالمرتبة الـ 141 من اصل 159 دولة ويستمر هذا الموقع العراقي المؤلم في خارطة الفساد، فيسجل العام 2015 ان العراق احتل المركز الرابع عربيا بالفساد، يليه ليبيا والسودان والصومال!

تأتي اهمية  الكتاب، كما يذكر الناشر من كونه يبحث ربما للمرة الاولى مفهوم الفساد الاداري من خلال منظوره القانوني، مسلطا الضوء على المنظومة القانونية لمواجهاته متمثلة بالدوائر والهيئات واللجان والمكاتب الرقابية.

وبعيدا عن كتاب د. إسراء، لكن على مقربة من فكرته، اقول ان ظاهرة الفساد هي من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية على مر العصور، وكانت سبباً في انهيار الكثير من الحضارات والأنظمة، وان مكافحة  الفساد يحتاج إلى استراتيجيات متكاملة ومدروسة، تأخذ بعين الاعتبار التشخيص العلمي للظاهرة من جميع جوانبها، والآثار المترتبة عليه، وسبل مكافحته، وما يجري في العراق حاليا هو التطرق  باستحياء الى قشور الفساد، بعيدا عن لبه، خوفاً من حيتان تربت على الفساد الاداري والسياسي .

ان الفساد كما فسره المختصون من رجال القانون هو استغلال المنصب العام لغرض تحقيق مكاسب شخصية مثل الرشوة والعمولة والابتزاز، وتحقيق ربح مالي يتم الحصول عليه من خلال تقديم خدمة او عرض عقود للمشتريات الحكومية والخدمات الحكومية، او افشاء معلومات عن تلك العقود، وايضا نجد الفساد في الإجراءات المعقدة وغموض التشريعات وتعددها أو عدم العمل بها، في حالة وجود الصحيح منها، وعدم  الاعتماد على الكفاءات المعروفة بقدراتها في معرفة الغاطس من الامور، وتمتلك رؤية ثاقبة في اختصاصاتها، والفساد كذلك موجود في كافة القطاعات وفي أي تنظيم يكون فيه للشخص قوة مسيطرة أو قوة احتكار على سلعة أو خدمة أو صاحب قرار، وتمرير القرار المصلحي  لفئة دون اخرى، فيما يتمثل  الفساد الاخلاقي بالانحرافات الأخلاقية وسلوك الفرد وتصرفاته غير المنضبطة بدين  وتقاليد وعرف اجتماعي مقبول … وهذه الصورة اصبحت شاخصة الان امام ابصار الجميع دون اتخاذ قرار واضح وملموس في القضاء عليها، او في الاقل الحد منها .

لقد ساهم الفساد في زعزعة القيم الأخلاقية المعروفة والقائمة على المبادئ الانسانية والصدق والأمانة والمساواة وتكافؤ الفرص وتحولت إلى سلوكيات ادت الى انتشار الجرائم، في شقيها الجنائي والمجتمعي، وبات الانسان المخلص لا يجد له مكانا في ظل حالة فساد شامل ..

تحية للدكتورة إسراء، لتناولها موضوع الفساد .. انه الموضوع الذي نخر اساسيات الدولة .. 

 

زيد الحلي

 

نبيل عبدالامير الربيعيترجمة : د. نصير الحسيني

حياة الكسندر بوشكين (1799-1837م) فيها نزعة التمتع بالملذات وبالحرية التي يصبوا إليها الروس أحياناً، في غفلة من النسيان، وتخطئ دوماً بإنجاب الشباب الروس الغض، وتتجسد فيه منذ الأعوام الأولى لظهوره في أوساط المجتمع، ولن يمارىي أحد بأن ابن الجبل بزيه الحربي الحر وعاشق للحرية، وهو بالنسبة لنفسه القاضي والسيد، يكون أكثر تألقاً، وكلما كانت المادة عادية تتطلب أن يكون الشاعر أكثر سمواً ورفعة بغية أن يستنبط منها ما هو غير مألوف، ومن أجل أن يصبح الاعتيادي غير المألوف، فهل جرى تقييم آخر لأشعاره بعدالة؟ وهل قيم وفهم أحد ما أعماله؟ إن بوشكين يبدو في اعماله الرائعة وفي هذه الإنثولوجيا الرائعة، متعدد المواهب الأدبية والأبعاد بصورة غير عادية، وهو أكثر سعة ورحابة من أشعاره.

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل بالاشتراك مع دار سما رواية الاديب الروسي الكسندر بوشكين (عربي القيصر) ترجمة الدكتور نصير الحسيني، وتقديم د. أسماء غريب. تضمنت الرواية (127) صفحة من الحجم المتوسط، اعتمد فيها المترجم على الرواية الصادرة باللغة الروسية الغير مترجمة، وباعتبار الدكتور الحسيني من المتقنين للغة الروسية، ويمتلك لغة عالية في العربية والروسية من خلال دراسته في الاتحاد السوفيتي سابقاً للهندسة المعمارية، والذي صدر له أكثر من منجز ادبي وكذلك في مجال الهندسة المعمارية، وقد تجاوزت مؤلفاته (13) منجز. فنجد في ترجمته الرائعة لرواية بوشكين بما تتمثل بشيء من البساطة والتألق، فهي ترجمة دقيقة مائزة، تجسد كل شيء في حياة الراحل بوشكين من رواية وشعر، ومن خلال هذا الإصدار الرائع تجد نفسك تحتاج أن تقرأ جميع أعمال بوشكين عدّة مرات، في حين هذه الخصال مفقودة في الأعمال التي تتراءى فيها الفكرة الرئيسية فقط، ويمكن اعتبار هذه الترجمة الرائعة حجر الاختبار الذي يُمكّن المترجم د. الحسيني ترجمة بقية اعمال اعلام روسيا، من خلال جمالية اللغة ودقة الترجمة، والتعبير والنقل الجيد دون إضافة أو حذف، فهي ترجمة بسيطة ومتزنة وساطعة وملتهبة وماتعة، وفي الوقت نفسه ذات نقاوة في اختيار الجمل في الترجمة.

2469 بوشكينفالشاعر والروائي بوشكين كلما صوّر بقدر أكبر المشاعر المعروفة للشاعر وحده، تتقلص بشكل ملموس دائرة جمهوره الملتف حوله، وفي نهاية المطاف تصبح صنيعة بحيث يمكن أن يُعد على الأصابع عدد متذوقيه الحقيقيين.

إن الكتابة عن بوشكين الملقب بأمير شعراء روسيا ليست بالمهمة اليسيرة، كذلك الترجمة، فقد كُتبت عنه مئات المجلدات، ولهذا أن الرواية المترجمة (عربي القيصر) تعكس عبقرية بوشكين، فهو مثل غيره من كبار الأدباء والشعراء أبدع في النثر بقدر لا يقل عن إبداعه في الشعر، وقد اختار الدكتور نصير الحسيني من اعماله تلك والتي لم تترجم بدقة سابقاً (روايته عربي القيصر)، فضلاً عن ترجمة بعض الأعمال النثرية له من قبل المرحوم غائب طعمة فرمان وأبو بكر يوسف وراجعها مستعربون روس، فهي أصدق من غيرها من حيث المحتوى. ولا بد لي من الإشارة إلى أن الترجمة من لغات أخرى غير الروسية إلى العربية كثيراً ما تتضمن أخطاء المترجم الأول الانكليزي أو الفرنسي وتضاف إليها أخطاء المترجم العربي.

ويلاحظ في العديد من التراجم الأخرى تحوير في الأسماء الروسية، وأن الاسماء اللاتينية حين تطلق على الشخصيات الروسية تفقد هذه الشخصيات صورتها في جو القصة أو الرواية. والقصة المنشورة (عربي القيصر) يروي فيها بوشكين قصة جده الأكبر إبراهيم الذي أرسله القيصر إلى فرنسا لدراسة العلوم العسكرية؛ وعودته إلى روسيا بعد سلسلة من المغامرات في إسبانيا، حيث حارب إلى جانب الفرنسيين وعلاقته الغرامية في باريس مع كونتيسة فرنسية من النبلاء التي أنجبت منه صبياً تم إخفاؤه عن زوج الكونتيسة وبعيداً عن باريس.

ويتحدث بوشكين عن كيفية اتخاذ بطرس الأكبر قراره أن يتزوج إبراهيم من ابنة أحد النبلاء الروس بغية أن يوطد مركزه في مصاهرة أحدهم. والقصة كلها من بنات خيال بوشكين، حيث أن جده الأكبر لم يتزوج ابنة نبيل روسي بل ابنة تاجر يوناني. ويقول نيقولاي غوغول بحق بوشكين ما يلي : "عندما يذكر اسم بوشكين تنبجس على الفور الفكرة حول وجود الشاعر القومي الروسي. وفعلاً لا ضاهيه له في هذا أي أحد من شعرائنا ولا يمكن تسمية أحد غيره بالشاعر القومي: فهذا الحق يعود إليه حصراً. وتجسد فيه، كما لو كان معجماً لغوياً، كل غنى وقوة ومرونة لغتنا".

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر حديثا عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل 19-5-2021 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر  والتوزيع كتابي الموسوم (يوميات الانتفاضات الشعبية في بابل 2011-2021) دراسة ميدانية. تضمن الكتاب (292) صفحة من الحجم الوزيري. الأهداء: كان.. إلى ثوار انتفاضة تشرين 2019م الباسلة...إلى شهداء وشهيدات الانتفاضة الخالدين.

لقد شمَّلَ الكتاب مقدمة وخمسة فصول، متفاوتة في عدد الصفحات، تناولت في الفصل الأول مفهوم الانتفاضة وحق التظاهر القانوني، ومعنى الانتفاضة لغوياً، والألفاظ ذات الصلّة، والانتفاضة وفق القانون العراقي، والتظاهرات واتفاقية حقوق الإنسان، وحرية التظاهر في القانون العراقي، ونبذة تاريخية عن الانتفاضات الشعبية في العراق وفي مدينة الحلة خاصة.

وعُنيَّ الفصل الثاني بالانتفاضات الشعبية بعد عام 2003م، واحتوى هذا الفصل على مبحثان، المبحث الأول احتجاجات 25 شباط 2011، والمبحث الثاني احتجاجات تموز 2015م، وأهداف المتظاهرين، ويوميات الاحتجاجات لعام 2015م، واسباب اجهاض الانتفاضة.

أما الفصل الثالث فقد تضمن المظاهرات الاحتجاجية لعام 2016م، واحتوى على ثلاث مباحث، المبحث الأول تضمن اسباب فشل أي عملية اصلاحية في العراق، والمبحث الثاني تضمن المظاهرات الاحتجاجية لعام 2017م، والمبحث الثالث احتوى المظاهرات الاحتجاجية لعام 2018م.

وتضمن الفصل الرابع الانتفاضة الاحتجاجية لعام 2019م ودوافعها. واحتوى الفصل على مبحثان، المبحث الأول يوميات انتفاضة تشرين الأول 2019م، والمبحث الثاني المظاهرات الاحتجاجية لعام 2020م، ويوميات الاحتجاجات لعام 2020م.

وتضمن الفصل الخامس اسباب الانتفاضة وما حققته من مكاسب وتحديات المتظاهرين للسلطة المركزية، فضلاً عن أسباب وتداعيات الانتفاضة في العراق، والتعامل مع الانتفاضة، وسيرة ذاتية لشهداء انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2019م، وشعارات المتظاهرين، وتأثير الانتفاضة على الشأن السياسي والرأي العام، والإصلاحات الحكومية لأمتصاص غضب المتظاهرين، وتقرير بعثة الأمم المتحدة لانتهاكات المتظاهرين، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في دعم التظاهرات، ودور المرأة البابلية في التظاهرات السلمية.

2467 الانتفاضةاستعانت الدراسة والتوثيق للاحتجات السلمية التي حصلت في محافظة بابل على العديد من المصادر ولا سيما الكتب التي تناولت الحركة الاجتماعية الشعبية السلمية، فضلاً عن المقالات المنشورة في الصحف ومواقع الانترنت، إضافة إلى التقراير عبر القنوات الفضائية وتقارير المنظمة الأممية في العراق والمقابلات، ولقاءات عن المساهمين في الانتفاضة وذوي الشهداء؛ وصفحات التواصل الاجتماعي لقادة التظاهرات والتنسيقيات، وبالأخص صفحة (الفيس بوك) للدكتور سلام حربة، لأن ما ينشره الدكتور مصدر ثقة. على الرغم من الجهود المضنية لغرض انجاز هذه الدراسة وتقديمهُ في الوقت المناسب بصورة لائقة. أرجو أن أكون قد وفقت فيما اصبوا إليه، وفي بلوغ ما رميت في جهدي هذا، الشكر موصول لكل من ابدى المساعدة في اتمام هذا الكتاب: د. عدي غني الأسدي، د. عبد الرضا عوض، الدكتور سلام حربة، الباحث صلاح السعيد، الباحث محمد علي محيي الدين، السيد حسن الخزرجي، السيد غالب العميدي.

تعتبر الانتفاضات والتظاهرات والاعتصامات والإضرابات أدوات شعبية ومؤسسية مهمة في الدول الديمقراطية، للضغط على الأحزاب والحكومات من أجل تنفيذ وعودها وإجبارها على تحقيق حاجات المجتمع الضرورية، لكنها بقيت أداة غائبة عن دوائر التأثير المباشر على السلطة في العراق لسنوات، وذلك لاعتبارات طائفية وإثنية وسطوّة السلاح والميليشيات، والحلول الأمنية، وانتشار الفساد وحداثة التجربة الديمقراطية، وفشل العملية السياسية، إلاّ أنها كانت حاضرة بقوة في التظاهرات المؤيدة لنهج الحكومة أو الأحزاب المتنفذة، خاصة إذا كانت تابعة لتيار أو حزب لديه ميليشيا تحميه من الإعتداءات وقمع الميليشيات الأخرى؛ أو الأجهزة الأمنية.

التظاهرات أداة صحيَّة لإصلاح اختلالات واعوجاج النظام السياسي وفساده، ففي العراق ومع انطلاق تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019م استخدم النظام العنف المُفرَط، والرصاص الحَيّ، وقنابر الغاز المسيل للدموع القاتلة، والقناصة والخطف والاغتيالات والاعتقالات، إلخ، لكنها ورغم الدماء التي سالت، حققت إنجازات لأول مرة في العراق، وذلك من خلال العامل الشعبي الوطني في عراق الطائفية والمحاصصة والمصالح المكوناتية.

منذ عام 2005م والعراق يعاني من أزمة الطائفية والإثنية التي فرضتها الإدارة الأمريكية؛ وأيدتها الطبقة السياسية والأحزاب بمبدأ المحاصصة، ورسختها الميليشيات والتطرف بفرق الموت والتهجير والاعتقالات العشوائية، والجثث مجهولة الهوية، إلخ، فظهرَت الهويات الفرعية بقوة وغابت الهوية الوطنية، وأصبحت محل سُخرية الكثيرين، فلا نكاد نلاحظها إلا في مباريات كرة القدم للمنتخب الوطني العراقي.

إلاّ أن ما فعلته تظاهرات تشرين الأول 2019م هو الدفع باتجاه إحياء الهوية الوطنية، وانتقاد الأداوات التي جلبتها إلى العراق كـمبدأ المحاصصة والميليشيات، وذلك بالدعوة لحصر السلاح بيد الدولة، وترشيح شخصيات مستقلة للوزرات؛ وبعيدة عن الأحزاب المكوناتية، وإلغاء مبدأ المحاصصة، وبناء مشروع وطني جامع لكل العراقيين، وهو ما جعل السياسيين الذين يعتاشون على المحاصصة؛ يعيدون إحياء شيء من خطابهم الطائفي، خوفًا على مستقبلهم ومصالحهم التي تضمنها المحاصصة والطائفية.

بقيت المعادلة السياسية العراقية مقتصرة الدور على الأدوات السياسية والعسكرية داخل العملية السياسية وخارجها، إلاّ أن إصرار تظاهرات تشرين الأول على الاستمرار رغم تقديمها المئات من الشهداء وآلاف الجرحى والمعاقين، جعلها تدخل دائرة التأثير المباشر على الطبقة السياسية والحكومة العراقية، فلم يكن أحد يحلم أن تُسقط التظاهرات حكومة عادل عبد المهدي مهما كانت ضعيفة، وتفرض مجموعة مطالب إصلاحية على الأحزاب، فبإصرارها أجبرت البرلمان على سَنّ قانون جديد للانتخابات ومفوضية جديدة.

كما أنها ساهمت بشكل أو بآخر في فرض تغييرات جزئية على معايير اختيار الكابينة الوزارية؛ ومرشح رئاسة الوزراء الذي لم يستطع مواجهة مصالح الكتل والأحزاب، واعتذر عن التكليف رغم أنهُ كان ممن شارك بالعملية السياسية؛ ومرفوض جماهيريًا أيضًا، وكانوا يحاولون استخدامه كواجهة مثل رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

استغلت الأحزاب الدينية والميليشيا الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية، فتهدد وتتوعد كل من ينتقد رجل دين، أو يكشف فساد الأحزاب السلطوية ومافيات الفساد في مؤسسات الدولة، وقد نفذت مئات الاغتيالات والاعتقالات والخطف؛ ولا تزال ضد أي ناشط مؤثر يتجرأ على انتقاد أو قول رأي مخالف لمصالحهم.

ما فعلته تظاهرات تشرين الأول 2019م أنها كسرت حاجز الخوف وجعلت الجميع تحت مشرحة النقد، فزعامات الميليشيات لم يكن أحد يتجرأ على الحديث ضدهم داخل العراق، ولا يستطيع أحد رفض سلوكيات بعض البعض، ولا صمتهم على الفساد أو مشاركة بعضهم فيه، كما أصبح زعيم ميليشيا القتل والخطف محل انتقاد دائم، كذلك زعيم إحدى التيارات يُنتَقد أيضاً، بعد التقلبات في المواقف من أجل تمرير رئيس الوزراء المكلَّف.

من جهة أخرى، الغضب الشعبي من الأحزاب الدينية وانتقاد رجال الدين وتعدي جميع الخطوط الحمراء في ذلك، دفع المرجعية الدينية في النجف إلى النأي بنفسها عن دعم أي مرشح لأي حكومة قادمة، ولم تعد تتدخل سلباً أو إيجاباً؛ إلا سراً في تشكيل الحكومة الجديدة، بل قطعت الاتصال بجميع الأحزاب والقوى في هذا الملف لكي لا تتحمل فشل الحكومة القادمة وفسادها، فقد كان تشكيل أي حكومة لا يمر إلا بمباركة المرجعية ودعمها وغطائها الديني.

أخيراً، لقد أصبح العامل الشعبي والرأي العام العراقي يُحسب له ألف حساب في اتخاذ أي موقف سياسي، خاصة داخل البيت الشيعي بعد أن كان خارج المعادلة تماماً في السنوات الماضية، كل ذلك بفضل التظاهرات الشعبية التي لا تزال مستمرة ومصرَّة على تحقيق مطالبها بالإصلاح والتغيير.

تدور هذه الدراسة حولَ ما مرَّ به العراق من انتفاضة احتجاجية شبابية وشعبية سلمية؛ تدعو للإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، وقد بدأت بتوثيق يوميات الانتفاضة منذُ يومها الأول عام 2011م ولغاية انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2019م حتى تاريخ رفع سرادق المحتجين السلمين في المحافظة بعد الاتفاق مع مدير شرطة بابل اللواء علي كوة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي