علجية عيشآن الأوان لعقد حوار يؤدي إلى إصلاح ثقافي يكون في مستوى يتم فيه قبول التعددية الثقافية، من خلال تنظيم مواسم ثقافية تناقش فيها كل الأفكار والرؤى ووجهات النظر وتطرح فيها المقترحات، للخروج برؤية موحدة ثم إيجاد آليات تجسيدها في الميدان، ففي زمن اللامبالاة تبقى على المثقف العربي مسؤولية ضخمة وعظيمة في علاج المسألة الثقافية ودراسة كل مفردات الثقافة ومفاهيمها القديمة والحديثة، فثمة مصطلحات ربطها باحثون بالمسألة الثقافية مثل التحيزات الثقافية وأنماط الحياة ومفاهيم أخرى كانت أكثر تشويها للثقافة العربية وللمثقفين العرب، كما تقع المسؤولية على الجامعة العربية التي هي مطالبة بتجديد دورها الثقافي وتعزيز الثقافة العربية وإقامة جسور ثقافية بين دول العالم العربي، فبدلا من تكريس نظرية "المؤامرة" لماذا لا نفعل نظرية النقد الذاتي التي تستند إلى تأصيل ظاهرة الحوار الثقافي والحضاري معا؟

"إحياء الثقافات العريبة القديمة" هو عنوان مقتبس من كتاب: تحت شمس الفكر" للأديب المصري توفيق الحكيم وهو عبارة عن مقالات ورسائل بعثها إلى صديقه المقيم في باريس، كتبها باسلوب يتسم بالحِكَمِ والبراهيبن، مقالات يتداعى داخلها الفكر الإبداعي فتستيقض أحاسيسك على حقائق، وربما هناك من كتب في هذا المجال وطالب بإحياء الثقافات العربية القديمة، طبعا لا يمكن أن يتجرد أي كاتب من ذاتيته، وهو يكتب يتحدث عن أخبار البلد ونمط حياة شعبها، وقد لفت انتباهي مقاله "من النيل إلى السين" تحدث فيه عن الثقافات القديمة في رسالة بعثها إلى صديقه أحمد الصاوي محمد، المقيم في باريس في عام 1927، وقد أثارت رسالته في نفسه ذكريات وأعادته إلى الماضي، في رسالته يصف توفيق الحكيم جمال النيل، لكن هذا الجمال كما يقول هو، كان بلا روح، لا يرى فيه الحضارة النشطة، وفي رسالته يقارن توفيق الحكيم بين مصر (في ذلك الزمان) وباريس الحضارة، إذ يقول: لا شيئ في الليالي المصرية يمكن أن ينم عن الرُّوح المصرية والذوق المصري عكس باريس.

ثم يصف الحياة الشرقية في الشق الثاني من رسالته كتبها في عام 1937 فيقول إنها فوضى أو هي حياة أولية (سديمية) لم تتكون فيها عوالم منظمة متألقة يعيش فيها الناس، (الفارق طبعا طويل، 10 سنوات مضت ولا شيئ تغير في مصر)، لأن رجال السياسة كما يضيف كانوا يتحكمون في طائفة من طوائف الأدب والعلم والفن والرياضة، السبب هو أن هذه الطوائف لم تستطع تنظيم نفسها، تنظيما يؤهلها لتثبت وجودها في الساحة ولذا ظل المجتمع الشرقي في وضعه الحاضر مجتمع ابتدائي.. الخ، نعم وقد صدق توفيق الحكيم، لأن النخبة من أبناء الوطن العربي لم تقف في معسكر واحد، على جبهة الدراسات في بحث الثقافات العربية القديمة (قبل وبعد دخول الإسلام) فتجنبها الدخول في الصراعات وتمكنها من إحياء النهضة العربية وبلورتها، ودون الخوض في تفاصيل الرسالتين يقول الأديب المصري توفيق الحكيم في حديثه عن إحياء الثقافات العربية القديمة أن الثقافات والحضارات لا تموت، وإنما المقصود من إحيائها يعني إعادة لها مجدها الغابر ومكانتها والإزدهار الذي لفت الأنظار إلى الثقافة العربية القديمة في عصرها، فهذا شيئ آخر وأمر ممكن لو عملنا واجتهدنا في سبيل إحداث نهضة ثقافية يشعر بِهَزَّتِهَا العالَمُ المُتحضر، ثقافة تنم عن روحنا وشخصيتنا الشرقية، والطريق - كما يرى هو- يكون بحركة ترجمة واسعة النطاق مثلما حدث في عصر النهضة.

تعقيـــــب/ إن إحياء الثقافات العربية القديمة يطرح تساؤلات عن ماهية الثقافات العربية القديمة طالما هي عنوان لـ: "الهوية"، فأن يكون الحديث عن الثقافة المصرية القديمة فهذا يقود القارئ إلى الحديث عن الثقافة الفرعونية، أو الحديث عن الثقافة المصرية في العهد المسيحي، وقد اشار توفيق الحكيم في كتابه إلى هذه النقطة، كان في هذا العهد أدب وقَصَصٌ ديني صوفي تلمس فيها الشخصية المصرية بأفكارها الثابتة، ثم الحديث عن مصر في الإسلام، وهذه الثقافة تظهر في أسلوب البناء الإسلامي المعماري للمساجد الذي يخنلف عن الفن الفرعوني المعماري، ولو تكلمنا عن الثقافة العربية القديمة في العراق مثلا، فهذا يقودنا أيضا إلى الحديث عن الثقافة البابلية الأصيلة، ونفس الشيئ بالنسبة للثقافة العربية البحرينية، التي تأسس فيها أول منتدى ثقافي كرّس أصحابه التضامن الإجتماعي المرتبط بالحِسّ العربي والقيم العربية النبيلة، وعملوا على نضج الوعي العروبي السمح، ثم الثقافة في الحجاز والشام قبل دخول الإسلام ونوادي الأدب المنتشرة، دون الحديث عن الثقافات العربية القديمة في البلاد الأخرى وحتى عند شعوب المغرب العربي، تشير العديد من الكتابات أن المجتمعات التي يغلب عليها الطابع القروي أو الخارجة منذ عهد قريب من نمط الحياة القروية أشد تمسكا بالثقافة الأصيلة رغم أنه لها قابلبة للتعدد الثقافي.

الثقافة الجزائرية ازدهار أم انكسار؟؟

ماذاعن الثقافة الجزائرية؟ ...، هو طبعا حديث ذو شجون، يطرح تساؤلات عديدة حول ماهية الثقافة الجزائرية هل هي أمازيغية أصيلة أم هي عربية إسلامية؟، فطالما عاشت الجزائر صراعات ثقافية (الصراع العربي الأمازيغي والصراع العربي الفرانكفوني) وكله يدور حول الثقافة واللسان، ولكن أُعْطِيَ له طابعا سياسيا، الخطأ الذي وقع فيه الأمازيغ (وهذا كلام الؤرخين) هو أنهم لم يدونوا تراثهم وثقافتهم ولم يترجموهما إلى اللغة العرببة، فلما اعتنقوا الإسلام وتعلموا اللغة العربية نطقا وكتابة، كتبوا في كل مجال باللغة العربية ولم يلتفوا إلى ترجمه ثقافتهم التي كانت بالأمازيغية إلى اللغة العربية، ولم ينهضوا بها طيلة قرون، حتى القرن الماضي الذي طالبوا فيه بإعادة الإعتبار للثقافة الأمازيغية وإحيائها، وظهرت حركات تروج للمنتوج الفكري الأمازيغي والفني والمعرفي الغزير وتطوعت نخب فكرية وسياسية في البلاد للمطالبة بهذا الحق، بعدما عرضت أحداث التاريخ الثقافي والسياسي للمنطقة وكيف شوّ الإستعمار ثقافتهم وعملت أطراف من الداخل على طمسها وتغييبها بل محوها إن صح القول.

فالثقافة القديمة غير قابلة للتحقيق، وغير قابلة للزوال، لأن لها مُقَوِّمات هو (الثقافة الأصلية، المجتمع الأول والعادات والتقاليد)،حتى لو كان هناك تغير للواقع الثقافي الإجتماعي (ثقافة المهاجر الجزائري) أو كما سمّاها البعض بـ: ثقافة "البور" Beurلذوي الأصول الجزائرية من الجيل الثالث في فرنسا، وقد نشر الباحث الجزائري عبد المالك صياد دراسات عن ثقافة المهاجرين الجزائريين في فرنسا ومدى تاثير سياسة الإدماج في المقيمين في الخارج، فكيف يكون الحديث إذن عن الثقافة الجزائرية؟ وبالأخص ثقافة المهاجرين الجزائريين في المهجر؟ وكيف يمكن إزالة أو محو التسمية التي أطلقتها فرنسا عليهم وهي "الغبار البشري" la poussiere humaine، هذه مجرد تساؤلات قد تصلح لصياغة فرضيات عن الثقافة الجزائرية، هذه الثقافة التي لا تتوقف عند كتابة القصة والقصيدة والرواية أو المسرحية، ولكنها تتعلق بالتراث بصفة عامة، وهنا يقودنا الحديث عن الثقافة الشعبية بما فيها "الزيّ" (اللباس) سواء كان قبائلي أو شاوي أو اللباس العاصمي، طالما هو يعبر عن ثقافة مجتمع وهويته.

المؤتمر الخامس لحزب "ج ت و" أول مؤتمر يناقش ملف الثقافة

هناك ملاحظة أخرى وجب الإشارة إليها، فبالعودة إلى الوراء وبالضبط إلى المرحلة البومديينية نلاحظ أن الرئيس هواري بومدين عشية الإستقلال إلى جانب الثورة الزراعية والثورة الصناعية، أعطى أهمية قصوى للثورة الثقافية تمثل ذلك في مسالة تعريب المدرسة الجزائرية والإدلرة، لكن مشروعه لم يكتمل، فبعد وفاته وخلفه الشاذلي بن جديد تعهد هذا الأخير بمواصلة المسيرة الثقافية عندما تعهد خلال الدورة الثالثة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في ماي 1980 تعهد بأن ينظم حملة وطنية لمناقشة ملف الثقافة، لكن الملف تم تأجيله إلى جوان 1981 لأسباب سياسية أراد الرئيس أن لا تدخل الجزائر في دوامة بين ابناء البلد الواحد وهذا لغلق الباب أمام المعارضين، بعد ظهور تيار جديد اصطلح عليه بـ: "البربريزم"، لكي لا يستثمرون في أحداث تيزي وزو، رغم أن الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت كانت اجتماعية واقتصادية حينما تعلق الأمر برخصة الخروج من التراب الوطني وانقطاع المواد الغذائية الضرورية من السوق بصورة مزمنة.

ومع مطلع 1981 شرع الشاذلي بن جديد في تنفيذ تعهده ونصبت في ذلك لجنة خاصة لدراسة ملف الثقافة في الجزائر، كان المؤتمر الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني أول مؤتمر يناقش ملف الثقافة ووضع منظومة التثقيف تحت المجهر من أجل تكوين شخصية الفرد الجزائري والعناية بالشباب الذي يعتبر حجر الزاوية في المشروع الثقافي الضخم، كان مجموعة من الكتاب والأدباء المهتمين بشؤون الأدب والفكر والثقافة قد اسسوا هيئة ترعى شؤونهم سموها اتحاد الكتاب الجزائريين، لكن هذه الهيئة أو المؤسسة الثقافية صادفتها عقبات بسبب الصراعات الإيديولوجية بعدما تحول الإتحاد إلى حلبة لتصفية الحسابات السياسية في الوقت الذي كان يرجى منه أن يكون ظاهرة ثقافية فكرية وأدبية.

إن هذه الملاحظات ليست دعوة إلى الشوفينية العنيفة xénophobie ضد الثقافة العربية الإسلامية، فهذه الأخيرة تحتاج كذلك إلى إعادة نظر حتى في مجال الزيّ، فهل وجب على المسلمين أن يكون لهم زيّا موحدا كما نراه في المجتمعات الإسلامية الأخرى؟ طالما الزي الموحد يُعَبِّرُ عن الثقافة الإسلامية بل يعبر عن هوية المسلمين، فإحياء الثقافة القديمة في الجزائر مثلا يدعونا إلى إحياء العادات والتقاليد التي تخلى عنها البعض ماعدا في مناطق الجنوب، والعودة إلى اللباس التقليدي الجزائري (القندورة والشاش)، وتصحيح كل انماط السلوك المتمثلة في نظام القيم التي تعرضت للتشويه، ومن هنا نقف على السؤال الذي يطرحه أهل الإختصاص إن كان التعامل مع الثقافة من زاوية إنتاجها وتوصيلها إلى النخبة أو الجمهور؟، أم التعامل معها عن طريق التربية والإنتماء إليها والعلاقة التاريخية بها؟.

في كل ذلك تقترن الثقافة بالمنظومة التربوية والسياسة الثقافية التي تضعها الدولة، يمكن الإشارة هنا أنه كلما تعلق الأمر بالسياسة حضرت الإيديولوجية، وقد سبق لبعض الباحثين وأن تطرقوا إلى هذه الإشكاليبة، ومنهم الباحث حنفي بن عيسى الذي أدخل على القاموس اللغوي مصطلحا جديدا سماه "فكرولوجية" باعتبارها تعبيرا للخطاب الثقافي، إذ يقول: إنه بالنظر إلى طبيعة النظام في دولة ما، فقد يتحول الخطاب الثقافي إلى قناة تحمل الرسائل الإيديولوجية وتستهدف التعبئة والإثارة (Agit-prop)، هذه الإيديولوجية التي كانت وراء كثير من الصراعات الدموية، يقول باحثون آخرون أن في الثقافة سياسة وفي السياسة ثقافة وبدل الخوض في العلاقة بين الثقافة والإيديولوجية من الأوضح الإتفاق على مصطلح توافقي لا يكون مثقل بالشبهات، إذن إن إحياء الثقافة العربية القديمة عموما وبالأخص الثقافة الجزائرية يعني العودة إلى نقطة الصفر، وهذا قد يجدد الصراعات القديمة ويعيدها إلى السطح إذا قلنا أن هذه الصراعات لا تزال قائمة إلى اليوم.

دعوة إلى حوار ثقافي تلتقي فيه جميع الأطراف

يقول مفكرون ومؤرخون أنه تم فرق بين الثقافة العربية القديمة والثقافة العربية الحديثة ويؤكدون أن الثقافة العربية الحديثة هي ثقافة إيديولوجية أكثر مما هي ثقافة معرفية وثقافة حضارة، باعتبار أن المعرفة معرفة الذات ومعرفة الآخر ومعرفة الواقع بمعناه الأشمل والأعمق، وهي الشرط الأول لبناء الحضارة ودفع عجلة التقدم الحضاري، المسألة تتعلق بوجوب عقد حوار يؤدي إلى إصلاح ثقافي تتسامح فيه جميع الأطراف المتنازعة في مستوى يتم فيه قبول التعددية الثقافية واحترام الآحر من أجل تصحيح الأخطاء وتوضيح الإختلاف القائم في المنهج والأسلوب ولغة الكتابة، فقد يكون التفكير (عربي /جزائري، مغربي لبناني، عراقي، مصري، سوري)  لكن لغة الكتابة أجنبية كما رأين ذلك عند أدبائنا ومفكرينا الجزائريين كمالك حداد و كاتب ياسين ومالك بن نبي وأسماء كثيرة.

أما غير ذلك فهذا يعني انعدام احترام ثقافة الآخر (المحلي) وانعدام الإحترام يعني تسيّد الصراع، وهذه الإشكاليات تحتاج إلى مواسم ثقافية خارجة عن ثقافة الهرج والمرج، مواسم تناقش فيها كل الرؤى ووجهات النظر وتطرح فيها كل المقترحات، للخروج برؤية موحدة ومتفق عليها ثم إيجاد آليات تجسيدها في الميدان طالما الأمر يدخل في إطار حقوق الإنسان وفي ظل العولمة التي تفرض التعايش مع الآخر، وليكون اللقاء لقاء التاريخ، فلكل فرد أو هيئة له الحق في أن يروج لثقافته الأصيلة، أما أن تتحول المواسم الثقافية (ملتقيات كانت أو ندوات وطنية أو موائد مستديرة أو حتى مؤتمرات) إلى حلبة لتصفية الحسابات والقذف والإعتداءات الجسدية كما نراه في بعض المؤتمرات التي تعقدها الآحزاب السياسية في بلادنا، لأن اللقاء هو لقاء نخبة واعية ملتزمة ومتحضرة تحترم نفسها والأشخاص الذين تحاورهم دون اتهامهم بالكفر أو الزندقة مثلما حدث مع كثير من المثقفين والمفكرين والروائيين الجزائريين، وحتى لا يكون المثقف الجزائري أضحوكة للآخرين.

يقول راسل جاكوب في إحدى بحوثه حول المسالة الثقافية: " في الجزائر المعاصرة أن تكون مثقفا هذا يعني أنك في سبيلك إلى الإغتيال، أما في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية فالمثقفون لا يواجهون خطرا"، أظن أني أجبتُ على سؤال قد يطرحه البعض وهو: لماذا الجزائر بالذات؟، لا شك أن الباحث راسل جاكوب محق لما خصّ الجزائر بالحديث وهو يعالج المسألة الثقافية، لأن ظاهرة الإغتيالات في الجزائر مست شريحة واسعة من المثقفين قبل العشرية السوداء وبعدها، سواء كانوا ادباء، مفكرين، إعلاميين وحتى ناشطين سياسيين أو نقابيين، ثم أن الحديث عن الثقافة يفتح الباب لتسليسط الضوء على بعض المفاهيم كالحداثة والعصرنة والعولمة وما يقابل هذه المفاهيم من مصطلحات مناقضة وفاسدة كعصر ما بعد التاريخ، وحتى يضع المثقفون العرب حدا لظاهرة الإنتحار الأدبي مثلما حدث مع أبي حيان التوحيدي، والإنتاحار الفكري للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر وانتحار الشاعر الكبير خليل حاوي والأمثلة كثيرة .

خلاصة القول وفي زمن اللامبالاة تبقى على المثقف العربي بصفة عامة مسؤولية عظيمة، فهو مطالب اليوم بنفض عنه الغبار والتحرك لتطهير الساحة الفكرية الثقافية من كل اشكال الإنحطاط والتبعية وعلاج المسألة الثقافية ودراسة كل مفردات الثقافة ومفاهيمها القديمة والحديثة، فثمة مصطلحات ربطها باحثون بالمسألة الثقافية مثل التحيزات الثقافية وأنماط الحياة ومفاهيم أخرى كانت أكثر تشويها للثقافة العربية وللمثقفين العرب، كنت قد قرأت كتاب ضم مجموعة مقالات عن حوار الحضارات وحوار الثقافات ولفت انتباهي أن الجامعة العربية منذ نشأتها والموضوعات ذات الطابع الثقافي تحتل أولوية اهتماماتها، وكانت أول إدارة يتم إنشاؤها في الجامعة العربية هي الإدارة الثقافية، ولها تجربة في إقامة حوار حضاري ومنه الحوار العربي الأوروبي خلال فترة السبعينيات وفي فترة ما بعد أحداث سبتمبر 2011، وهي اليوم مطالبة بإعادة تفعيل دورها الثقافي في الساحة وعلى كل المستويات والأصعدة، ناهيك عن دور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تعزيز الثقافة العربية والتعريف بها وحمايتها، وإقامة جسور ثقافية بين دول العالم العربي، فبدلا من تكريس نظرية "المؤامرة" لماذا لا نفعل نظرية النقد الذاتي التي تستند إلى تأصيل ظاهرة الحوار الثقافي والحضاري معا؟.

عبارة كتبها أحد الأدباء اللطفاءالظرفاء: "ما أجمل هذا العالم لو كان الجميع مثلنا"

 

علجية عيش مع ملاحظات وتعقيب

 

 

تجاه الساكن والعادي والرسمي والمتعارف عليه..

ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم والناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا وكرها الى مجاهلها المعلومة والمطموسة والبينة والخفية حيث لا يهتدي لكشف وفتح مغالقها غير عقل وعاطفة..  وهنا بين العقل والعاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر وسر وألق هذه الكلمات وهي تقص علينا حيزا من خزف الحال وشغف العناصر وهي تفصح عن سيرتها.. سيرة ملغومة بأحداثها وشخصياتها وامزجتها الشتى.. نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي وبهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات وهي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا ونظرا وفهما.. هي قوة الحكاية والقدرة السردية.. تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض والوضوح..

انه فعل الكلمات في عوالمها المسرودة بجمال فائق وأخاذ غادره كل دخيل اعاقي يجعله في خانة المكتوب السهل والمجتر والمفتعل والفضفاض.. وما الى ذلك من تقليعات الخواء السردي الذي أفضي الى رداءات تعللت بالقديم والتاريخي والحكايات الملونة بالأزمنة والعصور الغابرة قديما وحديثا وذلك في غير وجد وجمال و...شعر.. فعلا الرواية الجميلة هي بنت جمال الشعر هذا الفن القديم..3218 حافظ محفوظ

ها هو الشاعر كذلك يفصح عن قلقة الكتابي تجاه الساكن والعادي والرسمي والمتعارف عليه يعلي من شأن القيمة وهي تنحت ثناياها الجديدة والبينة مثل النهر الحكاء الأمهر وهو يراقب مياهه وأصواتها تمضي لا تخاف الصخور.. تنحت فيها مجاريها..

هي لعبة الحكي في كشفه واكتشافه من جديد للعادي تقبلا وسؤالا وفهما مغايرا حيث الزمن مجال اعادة وتقليب وتعيير.. الحرفي يعير ما يعرض عليه قبل شرائه ووضعه في مكانه تراه أعين المحبين والباحثين ومتقصدي ما هو جميل ورائق وثمين..

هكذا ندخل العوالم.. عوالم العمل السردي الأخير للكاتب حافظ محفوظ والذي عنوانه " اليوم خلع عني الملك ".. عمل روائي في 170 صفحة صدر عن دار مسكيلياني للنشر وهو بمثابة الفسحة الجديدة / المتجددة في سياق تجربة الشاعر والروائي حافظ محفوظ الذي أخذنا في متنه السردي ومنذ سنوات الى مجالات من المتعة كتابة وأسلوبا ونهجا في تناسق وتواؤم تامين مع ذائقته المخصوصة في شعره وهو الشاعر الذي وسع من زوايا النظر لفهم ما الشعر وما الكتابة وما الابداع وفق عنوان لافت وهو الجوهر والكنه بما يحيل على حمال ودلال المعنى والمكتوب والمتخيل..

المتخيل الشعري استعاره بل هو ذاته لدى حافظ محفوظ لحظة الكتابة ان في السرد أوفي القصيد أو حتى في النقد والدراسة ولعل كتابه السابق " وصايا سارتر " يدعم ذلك..

دعنا من سارتر ووصاياه.. هذا الكتاب الجميل..  نعود الى الرواية.. لغة جميلة محبذة في الأدب والوصف والحيرة.. هادئة في غير تكلف وتشنج وافتعال تترك في القارئ جمالا وحرقة وسخرية وأسفا.. جمال في حبكة وطريقة السرد يقابل حرقة تنفذ للقارئ وهو يكتشف الزيف المعشش في التواريخ والكتب والحكايات.. وسخرية نتبينها في التعاطي مع الرسمي الكاذب والمغشوش وهو يحبر ما يراه هو نفسه وهما وزيفا.. وأسفا على سنوات الضياع في تواريخ الشعوب والبلدان لسبب طمس الحقيقة وهذه الحقيقة شبيهة حقائق تدفن لأيامنا هذه واللاحقة..  لماذا.. لا نعرف.. بلى نعرف.. وكل ما نعرفه هو أن الانسان ظلوم جهول.. يزين له ظلمه وجهله كبرياء غاشمة تهوي به عميقا في مجاهل تعاني منها الأجيال والأوطان.. وهكذا..

هذه رواية بمثابة مرثية زمن حيث يقول عنها كاتبها حافظ محفوظ ".. كتابة رواية هي تماما ككتابة مرثية لزمن مضى. زمن نحاول إحياءه أو نحاول نسيانه أو نحاول تصحيحه. (اليوم خلع عنّي الملك) رواية تحاول كلّ هذا. تفضح الأكاذيب السيّاسيّة التّي تربّينا عليها في المدارس والمعاهد والكلّيات وتضيئُ مناطق معتّمة من تاريخ تونس القريب. وهي إلى ذلك قصّة حبّ سريّة ومغامرة وجود ورهان حياة..

الرواية تنطلق مع الراوي وهو يطل من شرفة البيت متأملا تجاه لعب طفلين بالكرة لتتواتو الللعبة منتهية بحيرته ووعيه المتأخر ومعرفته للتأكد من هو الضحية من بين الطفلين اللاعبين مستنتجا أن من افتك الكرة هو الظالم.. مشهدية بسيطة ولكن عميقها حين يتسع المجال من لعب بالكرة في شارع محدد الى لعب آخر في مسرح الوطن وعبر السياسة وتقلباتها وأحداثها المدوية أحيانا.. وغالبا..

هكذا من شرفة عمارة بلافيات بالعاصمة التونسية حيث يسكن يطل شمس الدين العانمي على مشهده هذا الملخص ل 170 صفحة من الرواية حيث يلقى القارئ ل " اليوم خلع عني الملك " الكثير من الحنين والأسى والشجن وفق أحداث في شيء ذي بال كبير من متعة وبذخ الحكي..  "شمس الدين غانمي" الذي يعمل بالوكالة الوطنية للتراث والمختص في التاريخ القديم ينقب في رسائل تصله من "الدكتور خياط" صديقه.. هي رسائل "الشاذلي باي" إلى أخته "ليليا" الأميرة التي تقيم بفرنسا.. في هذا البيت بمنوبة.. بيت جنينة زوجته تمضي الحكاية مع التاريخ.. العائلة..  خديجة وعائشة وزليخة وهادية وليليا ومحمد وصلاح الدين وعز الدين وصوفية وزكية وفاطمة وكبورة..  التفاصيل بين الأحداث والهواجس والاحساس بزوال الملك.. الخلع.. وهو الذي فقد ابنه "عز الدين" ولي عهده عام 1953 الذي قتله "الهادي جاب الله"..  التنكيل ب "جنينة" ومرض الباي ليشل ويفصح بمرارة العزيز الذي تم اذلاله : "اليوم خلع عني الملك".

.شخصيات ومشاعر وانفعالات وحنين وما الى ذلك في سياق من الانسيابية التي تجعل قارئ هذه الرواية منشدا ومأخوذا تجاه سرديتها وهي تطرق أبواب تاريخ نونسي.. تحاوره وتحاوله مسائلة متسائلة.. كل ذلك باشتراطات الكتابة الابداعية في أرض الرواية وجسدها الناعم.. كالشعر تماما.. هو سرد كحياة الناس والأحداث الحافة في تبدلاتها ومفاجآتها وتلويناتها الشتى.. في حقبة من أحوال تونس السياسية والثقافية والاجتماعية.. واذا كانت الرواية التاريخيّة هي من أشكال الرواية الحديثة التي تُعبّر بشكل ما عن وقائع تاريخية في سياقات انسانية واجتماعية فان حافظ محفوظ وفي هذا العمل الأدبي تخير اللعب وفق ذائقته وتخييليته في التعاطي مع الومن والوثائق والتاريخ والوقائع بشيء من سخر الكتابة وتقنياتها وفق شاعرية ترفع من مراتب السردية الى ما هو وجداني وعاطفي ورمزي وهذا من مزايا كتاباته السردية السابقة واللراهنة فهو الشاعر ينهل من شعرية الحال والأشياء والعناصر والتفاصيل ليكون الحكي في غير تكلف وافتعال تستبد به حالة من شاعرية الكشف واعادة القراءة وتعرية ما يخاله الآخرون عين الحدث والحقائق..  تماما كفعل الشعر يبتكر رؤاه وجمالياته وصرامته تجاه الذات والآخرين والعالم..

في رواية (اليوم خلع عنّي الملك) إعادة نظر وفق سرد وأمام كثير من الأحداث بحسب تصوّر الكاتب الذي يضعنا أمام شخصيات أتقنت تصريف عواطفها ومعارفها وأمزجتها في سياق يراوح بين التاريخ في بعض دقائقه والخيالي واللامنتظر حيث يأخذنا بالنهاية الى ما يشبه جلد الذات حيث السذاجة وسخافة الواقع الذي ما يزال يثق في جانب من المدون والمكتوب من جهة واحدة ووحيدة.. هي سردية ما هو أدبي وتقني وفق روح تخييلية تمتن العلاقة الجمالية الابداعية بين الرواية والتاريخ والواقع.

حقبة تاريخية معلومة من تاريخ تونس تخيرها الكاتب هنا تشير اليها الرواية ب".. تستقل البلاد، تتأسس الجمهورية، يصير بورقيبة زعيما، لكن ليس في نظر الامير الشاذلي بن الامين باي، الذي راسل الامير اخته ليحدثها عن امور كثيرة تهم العائلة وشخصية بورقيبة.. "

أحداث الرواية تمسح فترة بين نهاية الحقبة الحسينية وأوائل فترة الاستقلال في كثير من اللوعة والشجن لدى آل الباي محمد الأمين حراء ما حصل لهم من تشويه وظلم واهانات.. و.. و.. وما لم يبلغنا ولا / لم نعلمه والى الآن.. فترة عصيبة وغير هينة من الانتقال من نظام البايات الى الحكم الجمهوري وما لف ذلك من خطاب شيطنة وتحقير فضلا عن التنكيل بتعلة البحث عن ثروات وكنوز العائلة..

"آخر البايات في تونس و" الملكة جنينة والمعزول " سيدي المنصف باي " و"الشاذلي الامين " و" ليليا " و"روبار فينستان ".. تاريخ واحداث في كون من الحكي حيث الباحث التاريخي شمس الدين الغانمي في مجال عمله بالوكالة الوطنية للتراث وقد تخيره حافظ محفوظ للمكان السردي الملائم كشخصية جوهرية حيث السردية الأنيقة بين الوقائع والأحداث والمظالم والهواجس "..  اولا اقوف جرايات كل افراد العائلة الحسينية في 31ماي 1956، ثانيا قام بمحو شعار المملكة التونسية حاذفا منه كل ما له علاقة بعائلتنا في 21جوان من نفس السنة، ثالثا اصدر امر تحويل كل سلطات الباي اليه شخصيا واجبره على التخلي عن ممتلكاته لفائدة الدولة، تمّ ختم كل هذا بالغاء النظام الملكي وعوّضه بالنظام الجمهوري، بعد ذلك طردونا بشكل وحشي.. "

" اليوم خلع عني الملك " نص الفجيعة تبتكر سرديتها قتلا للزيف وكشف المظالم مثلما كان يتحدث الشاذلي ابن الباي عن كل ذلك في الرسائل الى ليليا أخته في أسف ولوعة وأسى..  ولعله حيز من " تاريخ الأسى " التونسي يجترحه الروائي حافظ وهو يتنزه بمرارة الانسان وشغف الكاتب ووجدان الحقيقة في زمن تونسي معتل بفعل النرجسيات.. وهنا أستذكر الراحل هششام جعيط العلامة والمؤرخ الجهبذ حين قال كلماته في لقاء خاطف بعيد الثورة التونسية ".. على التونسيين مغادرة التخميرة والخروج منها واعادة كتابة التاريخ.. " طبعا تاريخنا التونسي..

هذه الرواية لمحفوظ تضعنا هنا في عين الحدث والمطلوب والمنتظر.. علينا تصويب تاريخنا وترميم ما علق بذاكرتنا من زيف الاحداث والقائع لأجل انسان جديد بتاريخ حقيقي.. فهل يستوي الظل والعود أعوج.. حاضرنا يتطلب تاريخا شجاعا بحقائقه وصدقية كتابتها من جديد.. ولذلك ارتأى " شمس الدين الغانمي أن يصحو ويغير نظرته لينهي مع الفشل.. النظر والقراءة والتعاطي تجاه التاريخ والاحداث مجالات تمحيص وتثبت حيث ما نراه يتطلب التثبت والتقليب مثلما حدث ل" شمس الدين الغانمي " وهو في شرفة ببيته بلافايات مع مشهد الطفلين والكرة ودلالاته العميقة..

" اليوم خلع عني الملك ".. رواية الجوهري الكامن في الذات الانسانية حيث الانسان في رحلة الكشف والتساؤل تقصدا للحقيقي بعيدا عن السطحي والزائف.. سردية خفيفة بليغة رائقة وتماما (مرة أخرى) كقصيد جميل.. نعم وهنا في هذه الرواية.. ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم والناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا وكرها الى مجاهلها المعلومة والمطموسة والبينة والخفية حيث لا يهتدي لكشف وفتح مغالقها غير عقل وعاطفة.. وهنا بين العقل والعاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر وسر وألق هذه الكلمات وهي تقص علينا حيزا من خزف الحال وشغف العناصر وهي تفصح عن سيرتها.. سيرة ملغومة بأحداثها وشخصياتها وامزجتها الشتى.. نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي وبهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات وهي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا ونظرا وفهما.. هي قوة الحكاية والقدرة السردية..  تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض والوضوح..

 

شمس الدين العوني

 

نوقشت مؤخراً في رحاب كلية الآداب جامعة بنها رسالة دكتوراه بعنوان "العلاقات الحضارية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين (784-923هـ/ 1383 -1517م".  التي أعدها  الباحث أشرف عيد حسن العنتبلي بإشراف الأستاذ الدكتور عفيفي محمود أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامي  في كلية الآداب جامعة بنها، في البداية أثنت لجنة المناقشة على الباحثة ومثابرته وامتلاكه لأدواته وتوظيفها بدقة، ولما لا والباحث ينتمي إلى دوحة المدرسة التاريخية لكلية دار العلوم جامعة القاهرة التي تخرج منها عام 1997، ثم على درجة الماجستير عام 2010 في رسالة بعنوان "الكتابات التاريخية عند صلاح الدين المتوفي 764هـ/ 1363م"،  كما أن الباحث له مشاركات في البحث العلمي ونشر العديد في مجلات ودوريات محكمة وكان عضوا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.

في البداية أوضح الباحث أن "العلاقات بين الدول ضرورة تفرضها طبيعة الحياة، فلا يمكن أن تنعزل دولة على نفسها دون تواصل سياسي وحضاري مع غيرها، وهناك عوامل كثيرة  تحفز قيام علاقات بين الدول سواء كانت علاقات سياسية تتسم بالود أو علاقات عدائية، وكلما سادت العلاقات الودية بين الدول كلما ازدهرت العلاقات الحضارية بينهما: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتأثر النشاط الحضاري في المجتمعات فى مجالات الحرف والصناعات والعمارة والفنون".

ثم بين أن "العلاقات العدائية بين الدول لا توقف العلاقات الحضارية بين شعوب الدولتين تماما، فقد تضعف العلاقات التجارية والاجتماعية والثقافية وغيرها؛ ولا يقضى عليها تماما، ومن ذلك على سبيل المثال: كانت هناك علاقات حضارية بين المسلمين والبيزنطيين فى العصر الأموي والعباسي بالرغم من العلاقات العدائية بينهما، وكذلك بين المسلمين والصليبيين  فى بلاد الشام، وبين السلاجقة والبيزنطيين وغير ذلك".

ثم ذكر الأسباب التي دفعته لاختيار هذا الموضوع وهو أن معظم الدراسات اهتمت بالجوانب السياسية فاختار الجوانب الحضارية بين دولة المماليك الجراكسة والدولة العثمانية والتي اتسمت العلاقات بينهما بالود والتعاون فى مجملها قبل أن تسقط دولة المماليك على أيدى العثمانيين أصدقاء الأمس القريب سنة 923ه/1517. ثم تحدث عن الدراسات السابقة، وأحصاها معظمها ثم ذكر الصعوبات التي واجهته أثناء رحلته في إعداد هذه الرسالة ومنها قلة المادة  التاريخية التي تجود بها؛ فالمصادر لا تتطرق عمومًا إلى الأنشطة الاقتصادية بقدر ما تميل إلى سرد العلاقات الدبلوماسية والسياسية. أما منهج البحث؛ فقد اعتمد المنهج التاريخي التحليلي في تناول المادة التي عرضتها المصادر والمراجع ، ومحاولة استقصائها من مظانها المختلفة.

وقد جاء البحث في مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة وملاحق، وقد تناول الباحث في المقدمة أسباب اختيار الموضوع والدراسات السابقة والصعوبات التي واجهت البحث، والمصادر والمراجع التي استفاد البحث منها، وتناول التمهيد العلاقات السياسية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين.

وقد جاء الفصل الأول بعنوان: العلاقات الاقتصادية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين (784ه–923ه/1382-1517م)، تناول فيه طرق التجارة بين الدولتين والسلع التجارية المتبادلة بينهما والتنظيمات التجارية والنشاط البرتغالي فى البحر الأحمر والمحيط الهندي وأثره فى العلاقات التجارية بين الدولتين.

والفصل الثاني بعنوان: العلاقات الثقافية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، تناول فيه العوامل التي دفعت العثمانيين إلى الأراضي المملوكية، وكذلك دوافع المماليك للرحلة إلى الدولة العثمانية.

والفصل الثالث بعنوان: العلاقات الاجتماعية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، وتناول فيه النشاط الاجتماعي للعثمانيين فى الدولة المملوكية وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، وطوائف المجتمع ونشاطهم الاجتماعي وأعمالهم الخيرية، وكذلك النشاط الاجتماعي للماليك فى الدولة العثمانية.

والفصل الرابع بعنوان: الأثر الحضاري للعلاقات بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، وتناول فيه مظاهر تأثير الفنون المملوكية فى الفنون العثمانية والعكس كذلك، وتأثير التصوف المملوكي فى التصوف العثماني ونفس الأمر بالنسبة لتأثير التصوف العثماني فى التصوف المملوكي ثم تناولنا نماذج من التأثير الحضاري بينهما.

والخاتمة تناول أبرز النتائج الذى توصل إليها البحث.

ثم جاء قسم الملاحق بخرائط للدولتين، وأسماء سلاطين المماليك الجراكسة وسلاطين الدولة العثمانية، وثبت بالعثمانيين الذين رحلوا إلى الأراضي المملوكية، والمماليك الذين رحلوا إلى الدولة العثمانية.

وأخيرًا قائمة المصادر والمراجع فى نهاية البحث.

 

عرض أبو الحسن الجمال

 

 

حسنين جابر الحلو

يعيش الانسان اليوم في رحتله الحياتية في غربة، ولاسيما عندما يجد ان هناك ثمة تعرقل مقصود يطيح به، ويحيط به في الوقت ذاته، بسبب عدم القدرة على التسامح، واللاتسامح المفرط في وقتنا المعاصر أدى إلى ضعف البنية الاجتماعية بين الأفراد، وانتقل إلى عموم المجتمع وتفصيلاته، في هذه الرحلة مع" ماجد الغرباوي" يضيء لنا بعض الأضواء في مفاهيم التسامح حيث يجد أنه مفهوم اسلامي، ولكنه في الوقت ذاته قد صورته الثقافة الإسلامية بعده مخلوقا غير اسلامي بسبب قراءات العنف والاحتراب، وهذا مما يستدعي منا الرجوع إلى الذات لمراجعتها ونقدها، والوقوف على مواضع الخلل فيها لتقويمها ومعالجتها.

على الرغم من الملاحظات على القراءات المبتورة التي سجلها "الغرباوي" على من يعتقد بأن المتسامح هو انسان متنازل عن قناعاته الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر كما يعتقد، أو هي الانصياع والتبعية والرضوخ للاخر المختلف في رؤية أخرى، هنا الا يعتقد او يضع مجالا بعده تعايشا؟ على اساس كلية العقيدة وحرية التعبير وماشاكل ذلك.

قطعا ان التسامح عنده هو نسق قيمي وأخلاقي يراد احلاله محل النسق القيمي والأخلاقي الذي مازال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، ولاسيما بعد ان ظل العنف مستحكما داخل المجتمعات غير المتحضرة والتي لاتحتكم الى القانون، وتحتاج إلى رجوع واضح لفهم التداعيات في الممارسة غير المشروعة للعنف، واعتماد الجميع القوة والعنف أساسا في التفاضل الاجتماعي والسياسي عن طريق:

3215 التسامح ماجد الغرباوي- الولاء القبلي .

- وسيادة الإرادة السياسية .

وهذا بدوره أدى إلى تاسيس قيم في المجتمع من خلال :

١- تزريق القيم الى وعي الفرد عادة في السنوات الأولى من حياته عندما يلقن مفاهيم الخضوع والاستسلام للقيم .

٢- المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية، تمنح الرجل صلاحيات واسعة، وتهمش المراءة وتلغي وجودها .

٣- هيمنة القيم التسلطية والقمعية في المجتمع .

٤- تمثل السلطة الفوقية وتداولها ولائيا.

مما سبب حالات من التغيير في مبتنى فهم الأفراد لما يحتاجون إليه جملة وتفصيلا، داخليا وخارجيا .

وبما أن التسامح هو نسق قيمي إلا أنه لاينسجم مع منظومة القيم المستبدة، لأن المجتمع هو الذي يحكم بصلاحه من عدمه، ووقوف الاستبداد السياسي كخصم حقيقي للتسامح، من خلال رفض الآخر وتبعاته، كما ينبغي بحسب " الغرباوي" اعتماد أسلوب آخر في الحكم ينهي هيمنة الطاغية على عقل الإنسان، الذي يخشى التدهور السياسي والأمني عند غيابه، بمعنى البقاء داخل السلطة مهما كلف الأمر.

ومن جهة أخرى يرى أن التطرف الديني أيضا أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه بلبوس المقدس، وتوظيفه للنص الديني، بما ينسجم مع مصالحه الخاصة فقط .

بعدها ينتقل الى أسس التسامح في حقوق المواطنة من المسلمين وغيرهم، الى سيادة القانون والاستمرار في تأثيره الاجتماعي، ولكنه يصطدم عندما يجد تعدد في المرجعيات فيفقده قوته ويتراجع،وحتى يبقى موقفه قويا لابد من اعادة تشكيل قيم التفاضل من خلال مجموعة موزعة اجتماعيا بين الدين والأخلاق والأعراف

والعادات والتقاليد، وتوظيفها في إطلاق الحريات العامة لترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد، عن طريق الإسلام الصحيح بالرفق والحلم والعفو والرحمة، بدراسة مهمة ومحاولة تاسيس نسق قيمي جديد لمفهوم اسلامي عريق أكدته نصوص الكتاب وعضدته السيرة الصحيحة.

محاولة "الغرباوي" هذه محاولة علمية جادة، أراد من خلالها تبيان منابع التسامح الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى العيش المشترك، بعيدا عن لغة الحروب والصراعات والفتن، التي لا تؤدي إلا إلى القطيعة، وقد تستمر الى أجيال وأجيال اذا لم نتبه إليها.

 

د. حسنين جابر الحلو

 

 

حسين ابوسعودالحنين للماضي شعور جميل يجعل الشخص يتمنى عودة الأيام الخوالي بذكرياتها واحداثها والحنين موجود بالفطرة ولكن تزداد نسبته من شخص لآخر وكم من غريب حنّ الى موطنه وأهله وقضى الليل ساهرا باكيا تبلل دموعه الوسادة ولا أحد يسمعه ويظل على حاله من المكابدة والشوق حتى يغلبه النوم.

قال مصطفى صادق الرافعي عن الشوق: هو حبل من الحنين التف حول القلب وكلما نبض القلب كلما اشتد حبل الحنين على القلب وضاق عليه فاذا التقى المشتاق بمن يروم رؤيته انفك حصار حبل الحنين عن القلب.

وقال الامام بن حزم: فالشوق قد يكون لخل او لأرض ترعرعت فيها او لجماد لا حراك فيه، الا ترى إنك تشتاق لبيتكم القديم عند رؤية اطلاله.

والله ما لمحت عيني منازلكم         الا توقد جمر الشوق في خلدي

ولا تذكرت مغناكم وارضكم         الا كان فؤادي طار من جسدي

وكل شعب له حكايات وتقاليد وتراث يجدر تذكرها وتخليدها بتوثيقها خوفا عليها من الاندثار بمرور الزمن، وقد تصدى المربي الكبير الأستاذ ييلماز شكر بك اوغلو لهذا الباب فخلد الكثير من الحكايات والامثال الشعبية الخاصة بتركمان العراق ولا سيما تركمان كركوك في كتابه الموسوم (حكايات من الماضي الجميل) المتكون من 460 صفحة من القطع المتوسط، وقد كتب مقدمة الكتاب الاديب المعروف محمد خورشيد قصاب اوغلو رئيس تحرير مجلة الفنار الشهرية حيث اسهب في الحديث عن الكتاب والكاتب بأسلوب شاف كاف وكان له دور كبير في اعداد وطباعة ونشر هذا الكتاب.

الكتاب بقلم فنان ومربي  ومثقف وانسان وهو تركماني القومية ولكن بنفس وطني غير متعصب لقومية او لحزب او طائفة وكان مديرا لإعدادية كركوك وتخرج على يديه المئات بل الالاف من الطلبة العرب والكرد والتركمان والمسيحيين شغل بعضهم مناصب عليا في الدولة، وكما قلت فان الكاتب مسكون بالفن والثقافة والفلكلور وهو خريج اكاديمية الفنون الجميلة، وكان له نشاط بارز من خلال الاعمال  الاذاعية والتلفزيونية في القسم التركماني، ويبدو من مواضيع الكتاب بان المؤلف غارق في حب المدينة حيث ابحر في تفاصيلها الزمكانية وضمنه صور الماضي حلوه ومره، ليله ونهاره ووجدته يحسن استخدام عنصر التشويق فيجعل القارئ يتوق الى ان يكمل الكتاب في يوم وليلة فهو يحدث القارئ عن فصول السنة فيشعر بالنشوة في الصيف وبالبرد في الشتاء.3205 كتاب تاريخ كركوك

الكتاب مؤلف من كلمات ولكن لهذه الكلمات قدرة على الاخذ بيد القارئ والتجول به في مناطق المدينة المختلفة ويوقفه امام المطاعم والسينمات والمساجد والمقابر والمحلات والحمامات والأسواق والمكتبات والمدارس وحتى صالونات الحلاقة وانه لم يغفل شيئا وإذا حدث فليس ذلك عن اهمال وانما دون قصد والعتب على الذاكرة، ذكر الاحياء والاموات، المقيم والمهاجر، ذكر أصحاب المناصب والشقاوات والفقراء وارباب المهن ولم ينس التقاليد والعادات في الأعياد والاعراس وايام محرم وليالي رمضان وحفلات الختان.

لقد ذكرني الكتاب بأمور كثيرة من الماضي انستني الأيام جلّها لقد ذكرني بجيراني واعادني للطفولة والشباب وللكاتب أسلوب جميل يتحدث فيه مع المناطق كما تحدث مع الصوب الكبير ص(458) فتعاتبه المنطقة الفلانية في حديث حزين فيرضيها الكاتب بالكتابة عن تفاصيل كثيرة عنها ، أسواق ومناطق واشخاص ومناسبات وله قدرة عجيبة في حصر المصطلحات وشرح الحكايات بدقة وتفصيل ولم يترك جانبا الا وذكره، ذكر الأطعمة والمخابز ووسائط النقل والألعاب والاغاني والامثال والاهازيج وذكر أسماء بعض الأفلام السينمائية التي كانت مشهورة في تلك الأيام مثل أبو جاسملر وهرقل وطرزان وماشستي فضلا عن الأفلام الهندية ، ومن الأطعمة ذكر: شروب، علّوجة، كريم استيك ،ازبري، ريواز ،لوزينة، بيض اللقلق، شعر البنات، وذكر صباحات كركوك ومكونات الفطور مثل القيمر والجبن والحليب والباجة واللبن والكاهي والباقلاء واللبلبي وغيرها، وتحدث عن ليالي الصيف والنوم على السطوح والفنرات التي تربط بالطائرات الورقية وهي فوانيس مصنوعة من الورق الملون الخفيف توضع فيها شمعة صغيرة فتتحول السماء الى انوار طائرة جميلة تدخل البهجة الى النفوس.

وعرّج على سوق الهرج وهو سوق تاريخي يباع فيه كل شيء مثل الساعات والدراجات والراديوات والبراغي والدرنفيسات والأدوات المنزلية والملابس المستعملة ويرتاد هذا السوق شريحة كبيرة من الناس ، ولم ينس الكاتب ظاهرة الشقاوات وقصص بطولاتهم التي تستهوي الجميع وقد قضى نظام  البعث على هذه الظاهرة بعد المجيء الى السلطة سنة 1968، وذكر الكاتب عيد الجيش والفعاليات التي كانت تجري في كركوك من استعراض وتوزيع حلوى الجيش والصمون العسكري والتقاليد المصاحبة لسوق الشباب الى التجنيد الالزامي وكانت كركوك مقرا للفرقة الثانية وكان قائدها حينها اللواء الركن إبراهيم فيصل الانصاري رحمه الله.

وبقي ان نقول ان ما من مطبوعة الا وتحتوي على بعض الأخطاء النحوية والاملائية والمطبعية وهذا ما حدث مع الكتاب ولكن العتب كل العتب على المصحح اللغوي الذي ذكر اسمه في الصفحة الأولى وهو الأستاذ محمد علي نورالدين وكان المفروض ان لا يذكر اسمه لأنه لم يصحح شيئا البتة ولا اظنه قد بذل جهدا او اتعب نفسه في التصحيح.

وقد يؤاخذ الكاتب على تركه لبعض الامثال التركمانية على حالها بلا ترجمة مما يصعب على القارئ العربي معرفة المعنى رغم انه ترجم بعض الامثال ولكنه ترك البعض بلا ترجمة كما في ص (106)، ويتساءل الكاتب في بعض أماكن الكتاب عن العلاقات غير المنطقية بين الكلمة ومعناها باللغة التركمانية والحق بان بعض الاهازيج او الامثال قد تكون جميلة بلغتها الاصلية الا انها لا تعطي معنى عند الترجمة مثل اهازيج الأطفال ليلة العيد حيث يقولون:

يارن بيرامدي بير قاشوغ عيراندي أي غدا عيد ملعقة من اللبن فالعلاقة مفقودة بين ملعقة اللبن وليلة العيد، وكذلك (قيزلار يولداشي) ويقابلها بالعربية أبو بريص والترجمة الحرفية هي صديقة البنات وكيف يكون هذا الحيوان صديقا للبنات وهو مخيف ومرعب.

ويتضمن الكتاب عددا من الصور ذات العلاقة بالمواضيع المختلفة لكنها بالأبيض والأسود ونحن نعيش مرحلة متطورة في الطباعة الرقمية الملونة، وأتمنى لو يتلافى الكاتب هذا الامر وباقي الثغرات في الطبعات القادمة، واما عنوان الكتاب(حكايات من الماضي الجميل) كان يجب إضافة اسم كركوك عليه كي يستقيم المعنى لان الكتاب خاص بكركوك وأهالي كركوك ويكون العنوان حكايات كركوكلية او حكايات  من ماضي كركوك وخيارات أخرى متاحة للكاتب ، واما غلاف الكتاب فانه رغم جماله مزحوم بالصور وكانت صورة واحدة منها كافية لتوحي بالمعنى والحال في الغلاف الخلفي توحي بقلة خبرة من لدن المصمم.

وفي الختام أقول بان أكثر حكايات الكتاب تصلح لتكون مادة لفيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني لأهميتها، ويظل الحنين الى الماضي مستمرا والذي بقي في المدينة ولم يغادرها مثل الأستاذ الكاتب فان حبه لها يزداد يوما بعد يوم واما الذي غادر كركوك وغاب عنها عقودا طويلة فانه يزداد شوقا وحنينا اليها.

 

حسين أبو سعود

 

3201 عثمان الجلاصيفسحة باذخة.. وبانوراما لتجارب وأجيال وأصوات شعرية قديمة وحديثة من الصين..

الشعر.. هذا القادم من الشواسع حيث القول بعين القلب.. لا بعين الوجه.. ثمة أمنيات شتى نمضي اليها تقصدا للضفاف.. للأقصى من المعاني.. والكلمات.. هاهي الحروف بشتى تلويناتها تأخذنا طوعا وكرها الى ما به تسعد العبارة وهي في عنفوان بهائها..

انه الشعر في أحواله يزيح عن الجغرافيا ما علق بها من تداعيات الزمن.. يعلي من شؤون جمالها وشجون تبدلاتها   نشدانا لكون الكلمات والعبارات العالية من قبل الانسان واليه..

الشعر شجن الألوان وموسيقاها الناعمة حيث العناصر والتفاصيل والأشياء في هيجانها الناعم والجميل تأثيثا لما به تسعد الذات في حلها وترحالها..

هي لعبة الشعر الباذخة وفتنته وسحره أخذا بناصية العبارة تبث بهائها في الكائنات بكثير من الألف والجمال..

هكذا هي رسالة الشعر في جغرافيا الأكوان منذ القدم نحتا للكيان وتأصيلا للذات.. الشعر موسيقى الجهات وعطورها الأخرى.. والشاعر / الشعراء هنا فتية الكلام والقول والمعاني وهي تنبت في الأرجاء.. شعراء بلغات الألوان.. قصائد بتلوينات الكلام المختلفة.. نصوص الانسان في تنوع جغرافيته وثقافته ودواخله وترجمانه..

الترجمة فعل كتابة أخرى وابداع على الابداع.. هي كما قال الشاعر الكردي الكبير الراحل شيركو بكه س (1940-2013) : " الترجمة مثل "القبلة خلف الزجاج".. يعني هي النص الأصلي رغم النقل مع اختلاف روح   وثقافة وبيئة النص المنقول..

الترجمة فعل انسيابي وحضاري وثقافي ووجداني.. تذهب بالشعر الى مناطق أخرى غير بيئته وحياته لتجعل له حياة أخرى وطعما اخر وثقافة أخرى تثري أصل معانيه وتفتح بذكاء  الآفاق لتتجاور التجارب وتتحاور..

هذا ما يحيلنا الى سياقات التثاقف واللقاء الكتابي والحضاري.. وهكذا نمضي مع عوالم تجربة أخذنا صاحبها الى ضفة أخرى ومهمة من الضفاف الثقافية والحضارية.. ونعني الصين.

الأدب الصيني عريق والشعر فيه من أشهر الاداب والابداعات في العالم لخصوصياته وجمالياتة الجمة.. والشعر الصيني بستان متعدد الألوان والاشكال.. هناك الشعر النثري والشعر الحر ومن أشهر الشعراء القدامى نذكر "سونغ" و"تانغ" تركا شعرا من عهود الازدهار في الآداب الصينية لتمثل جانبا من التراث الثقافي الصيني المهم.

الشعر الصيني وفي هذا العمل المميز للأديب عثمان الجلاصي الشريف مجال جمالي تبرز فيه القصائد بعمقها وجمال ايقاعها وأسلوبها.. هو شعر مشاعر وتفاصيل وهدوء وشجن في لغة ناعمة.. القصائد بطعم الحنين والطموح والذاكرة بشفافية عالية الجودة.. شعر فيه من الغزل والمديح والرثاء والمجانية والتأملات الكثير..

قبل ألف سنة من الميلاد كان الشعر الصيني الكلاسيكي حاضرا من خلال كلاسيكيات الشعر عبر "شيجينغ" وفق الارتباط بالمفردات والثقافة الصينية بالشمال وبالمعلم الحكيم

"كونفو شيوس" ليتطور هذا الضرب الشعري..الشعر الصيني شهد تطورات أسلوبية تلازما وتناغما بين الثقافي المكتوب والشفوي.. فهناك الأدب الشعري المكتوب وكذلك الشعر الشفوي التقليدي الشعبي المعروف بنصوص البلاد..

الكاتب عثمان الجلاصي الشريف تعدّدت تجربته الأدبية وفي الكتابة عموما ضمن تعاطيه مع الشعر والنقد والفكر والدراسات في مجالات علمية وتربوية مخصوصة.. والترجمة.. هذه الأيام صدر كتابه الجديد الممهور ب"جواهر من الشعر الصيني – قديما وحديثا" من خلال الإعداد والترجمة ليأخذنا خلاله في رحلة ممتعة بين بساتين الشعر الصيني من خلال تجاربه ورموزه ورواده من القرن السادس وإلى الآن.. هذا الكتاب جاء في أكثر من 120 صفحة من الحجم المتوسط صدر عني منشورات الشريف للنشر.. مراجع هذا العمل في الترجمة متعددة وتعكس سعة اطلاع المترجم الذي أراد تقديم هذا الأثر كإضافة للمكتبة الثقافية والشعرية التونسية والعربية والكونية.. يقول في توطئة الكتاب "..وبصفتي متابعا لمجلة الأدب   الصينية الناطقة باللغة العربية على امتداد عقود تمكنت من الإطلاع على شتى أنواع الكتابات الصينية من شعر وقصة وحكاية ورواية ودراسة والوقوف على ما تتسم به من جمالية وبعد إنساني ونضالي فهي تهدف إلى نشر قيم كونية كالمحبّة والتسامح والتكاتف والتضامن علاوة على ثقافة الإجتهاد والبذل والعطاء وحبّ الوطن والذّود عنه.."

هذه تلوينات من مناخات وحكاية الشعر الصيني بشؤونه وشجونه نشير إليها لنعود إلى "جواهر من الشعر الصيني قديما وحديثا" للكاتب عثمان الجلاصي الشريف.

في المجموعة المترجمة من الشعر الصيني نبدأ مع نص شعري بعنوان "قصيد قديم" لشاعر غير معروف وفيه فسحة شعرية باذحة بين الرومانسية والحب والوطن والحزن في أسلوب شعري رائق لنقرأ مايلي:

" أجمع ازهار اللّوتس في مياه النّهر. مستنقع السحليات  تملأه  الأعشاب العطرة.

 هي أيضا أجمعها لكن لمن أهديها

إذا كانت حبيبتي بعيدة عني

ألتفت وأنظر صوب بلادي

الطّريق إليها تمتد إلى ما لا نهاية

قلوب موحدة، منازل منفصلة

نحن نسبح في الحزن."

في هذه القصائد المترجمة نجد نصا للشاعر "زانق كيجيا" وهو من مواليد سنة 1905 ساهم على امتداد 60سنة في تطوير الحركة الشعرية في الصين وشارك في تأليف تاريخ الأدب الصيني والشعرالمعاصر ومن أعماله الشعرية (الأثر1933وسنة1936 وأغنية نهر هواي).

من قصيدته "ثمة أناس" نقرأ ما يلي:

"ثمّة أناس يدوسون على العشب

صارخين "أنا عظم"

ثمة أناس

ينحنون ليكونوا  خير مطيّة للشعب

ثمة أناس ينحتون أسماءهم على الصّخر

آملين في البقاء أبد الدّهر

ثمة أناس مثل عشبة بريّة

يفضّلون ترقّب احتراقهم

تحت التراب.. ".

ومن القصائد المترجمة ضمن هذا الكتاب نجد نصا للشاعرة "جيجان تويا" وهي من مواليد سنة1960بمنغوليا  الدّاخلية الوطنية للشمال الغربي لتشتغل محرّرة بإحدى المجلاّت.

قصيدة الشاعرة جيجان بعنوان "دائما بين أحضان الصحراء" منها ما يلي:

".. سأقع في صمت رهيب

وسأكون بين أحضان الصحراء

سأعرف دوما متى يكون الصّباح

... في المساء.."

في هذا الكتاب من الشعر الصيني إشارات وتراجم للشعراء تساعد القارئ ومحب الشعر على التعرف على جوانب من سيرة أصحاب القصائد المختارة للترجمة من قبل عثمان الجلاصي الشريف الذي تخير عددا من التجارب من أجيال مختلفة تبرز النواحي الجمالية والاسلوبية في الشعر الصيني العظيم.. عظمة السور.. سور الصين العظيم.." إن جواهر من الشعر الصيني " عمل مهم في سياق اهتمامات الاديب عثمان الجلاصي الشريف وفق اطلاعه وانفتاحه الأدبي والثقافي على آداب وثقافات.. الآخر.. العالم.

 

شمس الدين العوني

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم (تاريخ الصحافة في محافظة الديوانية- 1920-2010م) والذي يقع في (132) صفحة من الحجم الوسط، وقد زود الكتاب بملحق من صور الصحف الصادرة في مدينة الديوانية.

تُعرَف الصحافة بأنها صناعة الصحف، والصحف جمع صحيفة وهي قرطاس مكتوب، والصحافيون أولئك القوم الذين ينتسبون إليها ويشتغلون فيها. والمراد اليوم بالصحف أوراق مطبوعة تنشر الأخبار والمعرفة والعلوم على اختلاف مواضيعها بين الناس في أوقاتٍ معينة. وأول من استعمل لفظة (الصحافة) بمعناها الحالي كان الشيخ نجيب سليمان الحداد (1868-1899م)، منشيء (لسان العرب) في الاسكندرية وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي، وإليه يرجع الفضل في اختيارها، فقلد سائر الصحافيين وكانت الصحف في أول عهدها تسمى الوقائع، أما لفظة أو مصطلح (الصحيفة) فأول من أطلقها كان الكونت رُشيْد الدحداح (1813-1889م)، وجرى مجراه أكثر الصحافيين().

ويقول الراحل سلامة موسى في كتابه (الصحافة حرفة ورسالة): "الصحيفة هي مرآة الأمة. وانها اليوم ترينا كما هي الآن، ثم هي مرآتها في الغد ترينا نفسها كما يجب أن تكون في المستقبل". وهنا تنبت فكرة أوضحها سلامة موسى تصح أن نعتبرها المبدأ الأول في جميع دساتير الصحافة العالمية.

لم يتفق اثنان لحد الآن بصدد تحديد تاريخ ومكان صدور أول صحيفة عراقية أبان العهد العثماني. غير أن السيد رزوق عيسى المؤرخ العراقي المعروف ورئيس تحرير مجلة (المؤرخ) يذكر بوضوح ما يلي: "إن المعلومات التي جاء بها الرحالة الاجانب ومنهم من البريطانين، أيدو حقيقة أن أول صحيفة ظهرت باللغة العربية كانت (جريدة العراق) التي صدرت في بغداد عام 1816م، وذلك عندما عين الوالي معروف داود باشا الكورجي والياً". فإذا كانت بهذه الرواية نصيب من الصواب، يكون العراق إذن أول قطر عربي يطرق باب الصحافة في الأمة العربية.

أما في ميدان الصحافة فنجد أن الصحافة اليهودية ظهرت في العراق في مرحلة مبكرة، فقد أصدر اليهود في عام 1863م صحيفة يهودية باللغة العبرية تدعى (هادوبير)، وفي مطلع القرن العشرين أصدروا صحيفة أخرى عبرية هي (هامجي)، ثم صحيفة أخرى في عام 1900م تدعى Jeshurum وكانت تصدر باللغتين العبرية والعربية وتعنى بشؤون الطائفة المحلية.3199 نبيل عبد الامير

وقد صدرت صحيفة رسمية في بغداد في عهد الوالي مدحت باشا (1868-1872م) هي (الزوراء)، وقد صدر العدد الأول منها باللغتين العربية والتركية يوم الثلاثاء 16/6/1869، وجاء العدد موشحاً بالعبارة: (هذه القزة تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء)، وجاء في العدد في العدد 1281 لسنة 1911م إنها جريدة رسمية اسبوعية مختصة بولاية بغداد، وقد استمرت بالصدور مدة (49) عاماً، وإن آخر عدد صدر منها برقم 2606 فتوقفت عن الصدور أواخر الحرب العالمية الأولى عند إحتلال الجيش البريطاني بغداد بقيادة الجنرال ستانلي مود في 11/3/1917.

أما الجريدة فإن أول من أطلق مصطلحها على الصحيفة المكتوبة في العصر الحديث كان المرحوم أحمد فارس الشدياق (1804-1887م) اللبناني صاحب (الجوائب)، التي اصدرتها في القسطينينية نيفاً وعشرين سنة من 1861-1883م.

وكلمة (الجريدة) قديمة العهد، جاء ذكرها في معجم (شفاء الغليل) تأليف شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري (977هـ/1069هـ)، قال: (الجريدة هي دفتر أرزاق الجيش في الديوان، وهو اسم مولد، وهي صحيفة جُرّدت لبعض الأمور. أخذت من جريدة الخيل وهي التي جردت لوجه)، وقال ابن الانباري: الجريدة، الخيل التي يخالطها راجل واشتقاقه من تجريد إذا انكشف.

والجريدة من المصطلحات التي استخدمت قديماً في علم الوثائق والأرشيف، والمراد بها ما يسمى في عصرنا الحالي بـ(الأضبارة) أو (الملف) أو الملفّة المشتملة على مجموعة الوثائق اللازمة. والمجلة: معناها (الصحيفة التي فيها الحكمة، والكلمة قديمة العهد، ويُعرّفها الجرجاني بالصحيفة التي يكون فيها الحكم، أو كانوا يكتبون فيها الحكمة. أما من الناحية التاريخية فإن اليهود كانوا يكتبون التوراة وبقية أسفار العهد القديم على جلود مدبوغة أو على الرق –أي الطومار- وكانت الجلود تربط مع بعضها فيحصل في ذلك نوع من الطومار يبلغ طوله أحياناً نحو (20) متراً أو أكثر، وكان هذا الطومار يُلَّف على عصا، وحين القراءة كان القارئ يفض بيده الواحدة على الدرج وينشره تدريجياً، وفي أثناء القراءة كان يلف الجزء الملتوي من الجهة الأخرى، ولهذا الشكل دعي الملفوف باسم (مجلة Megilleh) باللغة العبرية، أي ملفوف ودرج أو درج.

ولا شك أن الصحافة والإعلام في كل مكان، لا يمكن لها أن تزدهر وتتطور وتنتظم، إلا إذا كانت هناك بنى تحتية لهذه الصناعة الفائقة الأهمية والدور في حياة المجتمعات البشرية المتمدنة. ولقد كانت الصحافة العراقية منذ نشوئها قد عملت على جلب مستلزمات صناعتها، وكانت المطابع من أهم عوامل وجود الصحافة. لذا فإن دراسة الصحافة العراقية بالذات له أهمية كبرى في تفهم الدور التأريخي الذي لعبته كجزء من التأريخ السياسي للبلاد.

إن الغاية من هذه الدراسة هي تبيان المراحل المختلفة التي مرت بها الصحافة في مدينة الديوانية ضمن واقعها السياسي والفكري والفني. وتبيان التقدم الذي احرزته إلى حد ما في أطارها وفق الفترات الزمنية مع بعض المآخذ عليها والحلول لتلك المآخذ على النطاق الفني والفكري. فالدراسة المتعلقة بالصحافة الديوانية تتحدد بمولدها منذ عام 1941م ثم تطورها وتقدمها، تدخل فيها العناصر التأريخية المحددة، والعناصر المادية الملموسة.

إن المصادر التي اعتمدتها في هذه الدراسة هي مصادر رئيسية وثانوية. وأقصد بالمصادر الرئيسية الشخصيات الصحفية القدامى في مدينة الديوانية الذين يعتبرون ثقة في الموضوع الذي نحن بصدده. ومن ناحية أخرى، فأن المصادر الثانوية تتألف من مجموعات الكتب التأريخية والصحف في المدينة.

خضعت الصحافة في المدينة أسوة بالصحافة العراقية عامة وكل العاملين فيها طيلة الحكم الملكي. ولم يكن هناك صحيفة واحدة تستطيع التعبير بصدق عن حوائج الناس ولو ظاهرياً، فانعدمت اهميتها في وقت حتمت عليها التطورات السياسية ونمو الحركة الوطنية الاستقلالية واتساعها وأن تلعب دورها التأريخي في هذا المجال.

لم تنل الصحافة العناية الكافية في الدراسات التي تناولتها الصحافة في المدينة، بالرغم من أن تشمل مسيرة هذا التاريخ منذُ أن بدأ العراقيون في احتراف الصحافة بكل أنواعها، فمن الضروري أن نتذكر  تاريخ الصحافة في المدينة ودورها في دعم الجانب السياسي والاقتصادي والأدبي.

كُسِّرَ الكتاب على ثلاثة فصول، يسبقها مقدمة ويلحقها خاتمة وملحقٌ بالصُّور، والفصول بوبت وفق تسلسل الصحف والمجلات الزمني، فكل فصل ضمَّ ما قُدِّمَ في تلك الحقبة الزمنية من صحف ومجلات، الفصل الأول احتوى نبذة مختصرة عن تاريخ مدينة الديوانية، أما الفصل الثاني فقد تضمن الصحف والمجلات الصادرة في الديوانية خلال الحقبة الملكية والعهد الجمهوري الأول والثاني والثالث، والفصل الثالث خُرِمَ بالصحف والمجلات المعاصرة بعد 2003م.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

محمد تقي جونعرض وتحليل

يعد كتابنا (رؤساء جامعة واسط كما عرفتهم) أسلوبا مغايرا وشائقا في كتابة السيرة. الجديد في الكتاب ليس في عباراته الرائقة ولا أفكاره الرائعة ولكن في انه (يسوّق) للشخصيات ويبرّزها ويشهرها من محليتها ومحدودية جغرافيتها التعريفية الى العالمية والتخليد.

وهذا الاسلوب التسويقي هو أسلوب مبتكر في كتابة السيرة الشخصية. اعتمادا على اظهار الجوانب المتفردة للشخصية والسمات المميزة والمثالية، والتركيز على عفويتها مما يضفي عليها الطابع الانساني الواسع بأسلوب تعبيري يعمق ذلك، وهذا يجعل لها عمقاً تأميلياً من القارئ يرشح تلك الشخصيات الى النظر اليها بوصفها شخصيات تستحق الخلود بما قدمته من أعمال كبيرة أثرت في تاريخ المدينة (الكوت) وفي المجتمع المحلي، واستمر تأثير انجازاتها بعد اعفائها من منصب رئيس الجامعة.

كما ان الكتاب يهتم بابراز جامعة واسط يوصفها (عرش القلم) وأشهر مَعلم في محافظة واسط، وأعلى صرح علمي فيها؛ وانها خطت خطوات كبيرة واثقة في التقدم، وتخطو لتكون في المقدمة. انها مدججة بسنوات الخبرة والموهبة، وطاعنة في سن التحدي والمنافسة، وقد أحيت الجامعة ماضي المحافظة المشرق العلمي والادبي والفني، ممثلا برجال العلم ولاسيما أهل اللغة والنحو، ورجال الادب كالشاعر ابن المعلم، ورجال الفن كالواسطي الذي رسم مقامات الحريري. ومثَّلت الحاضر العلمي الراقي المواكب للتطور العالمي، فبقيت شعلة متقدة تقاوم رياح الظروف العاتية والتحديات الكثيرة والكبيرة وآخرها جائحة كورونا. وهي تعِد بالمستقبل الزاهر، وعلى جهودها تلوح مخايل الامل والنجاح. وثمة بعد زمني رابع للجامعة هو: انها أكثر مما تعِدُ، وأكبر مما تبدو.

وقد نبهنا في كتابنا عن رؤساء جامعة واسط على ان كتابة سيرة أي شخص تقتضي معايشة الشخصية وملازمتها، فالشخصية ستنطق بمعلومات وصفها غزيرة دون أن تتكلم، بل ستكلم ما يبدو منها ويبدر بالمعايشة، وهكذا جاءت وصف الشخصيات صادقا عفويا محببا بفضل معايشة المؤلف لها.

(جمعتني بالرؤساء السبعة الذين عملت معهم الصداقة والاحترام والمودة. وكنت منسجما ومتفاعلا مع أسلوب الرئيس الجديد وثقافته. وكثيرة هي المواقف التي اتذكرها وهيهات انساها، التي جمعتني مع رؤساء الجامعة. كان الدكتور جواد مطر الموسوي يتفقدني ويذكرني ويجالسني. وكانت الطلة أول الصباح ضرورية على الرئيس الدكتور طالب محيبس الوائلي. وكنت والدكتور عبد الرزاق النصيري، في اوقات الفراغ القليلة نتباصر بالعلم والشعر. وفي احدى المرات مرَّ بوعكة صحية فخرج من غرفته الرئاسية وهو يتهدج في مشيته من ثقل المرض وأنا أسير خلفه، فأثَّر ذلك في نفسي كثيرا وأرقني حاله كثيرا، ودعوت الله أن يعيده من العملية الجراحية سالما، ويقدّر أن يخرج من غرفته الرئاسية مرة أخرى وأسير خلفه. وقد استجاب الله سبحانه، فعاد سالما معافى وخرج من غرفته الرئاسية، وكانت فسحة من المكان لأسير معه، ولكني تركت المكان لشخص آخر وتراجعت الى الخلف فمشيت وراءه كما دعوت الله سبحانه. وسافرتُ مع الدكتور هادي دويچ العتابي ضمن وفد الى كربلاء وايلام فكان ودوداً تلمس أريحيته بالاصابع. وأذكر كيف يأنس بي حين أدخل عليه، الدكتور مازن الحسني، فأحس بأنَّ ما يجمعنا علاقة (مِنّية) صميمية، وليست (عَنّية) مجاملاتية. كنتُ سنداً لهم، وكانوا سنداً لي. أحببتهم وأحبُّوني، وجمعتنا مودة العمل المصيري الواحد، كالمودة التي تجمع جنوداً يقاتلون في خندق واحد. فلهم ولعهودهم الطيبة حبي واحترامي).

ولاننا أرادنا لعملنا ان يكون (مميزاً، مقروءا، وأثرا باقياً) وضعه في قالب أدبي شائق لذيذ، وحمل التعبير أحيانا على أجنحة اللغة لتبوح بما لم تقله العبارة (مسكوت عنه). لكي لا يتأثر فنيا بذكره للأعمال الواقعية والحقائق التاريخية. وقد توزع تركيز العمل على ثلاث نقاط: رسم الخطوط المركزية لشخصية الرئيس الادارية، وأسلوبه في الادارة، والاعمال التي قام بها.

تناول المؤلف سيرة ثمانية رؤساء للجامعة. ذكر اسم الرئيس كاملا ولقبه العلمي واختصاصه الدقيق وتريخ توليه وتاريخ اعفائه وذكرة مدرة رئاسته. ووصف الشخصية داعما ئلك بروايات الشهورد. فالدكتور فرقد عبد الرحيم الراوي اول رؤساء جامعة واسط من 13/ 1/ 2003 الى 16/ 5/ 2003. امتلك العلم والخبرة؛ فهو خريج كندا، وعمل سنينَ في منظمة الطاقة الذرية العراقية، ثم عميدا لكلية الزراعة بجامعة بغداد (1998- 2003). جاء بمرتبة أستاذ مساعد، وعمل على بحوث الاستاذية اثناء توليه المنصب.

قال عنه الدكتور مجيد خير الله الزاملي وكان يشغل منصب أمين مجلس الجامعة: (الدكتور فرقد الراوي اول رئيس جامعة في واسط، ويشعرك بأنه رئيس جامعة بحق. كان شخصية قوية، هادئة، تشعر بعروبته الأصيلة التي انحدر منها. أسس اول مجلس لجامعة واسط، وكنتُ اول أمين للمجلس يعمل مع هذا الرجل في ظروف صعبة. حاول أن يطور الجامعة، ويوسع كلياتها، لكن مدته كانت قصيرة. كريم النفس، نزيه، شجاع لا يتراجع في المواطن التي تتطلب اتخاذ قرار مناسب. اهلته شخصيته العلمية والاجتماعية أن يؤثر بشكل واضح في المحافظة، بتأسيسه صرحاً علمياً شامخاً، وتهيئة الأجواء لخلق بيئة جامعية مستقرة فيها).

والدكتور جبار ياسر المياح (أبَّهة القيادة والزعامة والصدارة ظاهرة عليه تؤديها كل جوارحه بلا تكلف، وينطق بها صامتاً أو متحدثا بصوته المنخفض المثقل بالهيبة والثقة).

كما اتصل المؤلف بالشخصيات الحية واستقى المعلومات منها، وبعد اكمال المادة يعرضها على الشخصية لقراءتها فقال عن الدكتور فرقد الراوي (وتكلمتُ معه طويلا على الواتساب، وراسلته مراراً لجمع المعلومات والتأكد من صحتها. فكان لطيفا، يطغى عليه الجانب العلمي وكما توضح ذلك سيرته الذاتية (CV). وصاحب ذوق عال، ومواطنة كبيرة، وحب عراقي عام، وحنين كبير الى (جامعة واسط ومنتسبيها، والى الكوت وأهلها الطيبين).

والكتاب مهم جدا في تاريخ الجامعة والمحافظة، فهو مسح شامل ودقيق للاحداث التي مرت بها الجامعة والمحافظة، مما يجعله مرجعا مهما في ذلك. فعن مدة رئاسة الدكتور حسام مجيد الزويني يقول (تقسم حقبة الدكتور حسام الزويني الى ثلاث مراحل: مرحلة حل المشكلات العالقة من 1/6/– 1/ 10 / 2019. ومرحلة أحداث تشرين من 1/ 10 الى 15/ 2/ 2020. ومرحلة كورونا من 25/ 2 الى 19/ 5/ 2020 (إنهاء التكليف). فهي بمجموعها (رئاسة أزمة).

عن مرحلة انتفاضة تشرين: (فجأة تغيَّر كل شيء؛ خرج الشعب يطالب بحقوقه، ومحاربة الفساد، وتوفير فرص الحياة الكريمة، في مظاهرات عارمة شملت وسط وجنوب العراق، وتوقف كل شيء:

وفَجأة استيقظ البركانُ ناراً عارمهْ

يمشي ويوقظ لم يدعْ من نائمٍ ونائمه

من وسطٍ الى الجنوبِ وبوسطِ العاصمهْ

شوارع ثكلى ومحكوم يَدين حاكمه

وثورةُ الحقوق تستقوي وتبقى صارمهْ

وكلُّ يوم صورةٌ من النزيف صادمهْ

تعثَّر العلمُ وسارَ في دروبٍ غائمهْ

وعن مرحلة كورونا (لم يمض وقت طويل على اسقرار ما بعد (15/ 2). فما هي الا أيام تسعة حتى أعلنت وزارة الصحة في 24/ شباط تسجل حالة مؤكدة واحدة لكورونا (19-COVID) في العراق. ويوم (3/ آذار) سجلت خمس حالات جديدة مؤكدة، إثنان منها في واسط.. قطرات ثم انهمرت أمطار كورونا السوداء.

ولكن على العكس من الانتفاضة، كان متسع للعمل الكثير المبدع للدكتور حسام وللجامعة في زمن كورونا! فهي فرصة للجهد الطبي الواسع أتيحت لرئيس جامعة طبيب، فكان بطلا ملهما بحق، قال يصف هذه المرحلة: (فترة استثنائية.. جربنا فيها واستحدثنا الكثير من الامور) مثلما كانت الحرب العالمية الثانية فرصة ل(فلمنج = Fleming) ونجاح علاجه (البنسلين).

يمكن توزيع جهود الدكتور حسام الزويني في معالجة هذه المرحلة على أربعة محاور، وكان قد رسم خارطة طريق أو (خطة البداية):

وذكر اهم عمال كل رئيس للجامعة (فالدكتور جعفر المياحي أهم أعماله (بناء سور الجامعة). وهو أول مشروع معماري في الجامعة. والدكتور جبار ياسر أحد رؤساء الجامعة الثلاثة (مستحدثي الكليات): استحدث ثلاث كليات، والدكتور جواد أربعا، والدكتور تقي أربعا. ولم يستحدث عداهم سوى الدكتور جعفر كلية واحدة، وشطرت كلية التربية الى كليتين زمن الدكتور هادي دويج، وثلاث كليات موجودة اصلا. والدكتور جواد مطر الموسوي (أكثر رؤساء الجامعة اعمالا؛ لأنه أطولهم مدة، وأفضلهم موازنات مالية. وحسب تقارير ديوان الرقابة المالية وصلت نسبة تنفيذ تخصيصات مشاريع الموازنة الاستثمارية عام 2010 الى 90%، وهي أعلى نسبة تحققت في الجامعة، وكانت: 19% عام 2007، 36% عام 2008، 67% عام 2009. وانخفضت الى 64% عام 2011، 45% عام 2014. وبلغت نسبة التمويل عام 2016 (0%) مما ادى الى توقف المشاريع بالكامل. والى الان الموازنة الاستثمارية متوقفة، فقط استكملت المشاريع التي تزيد نسبة انجازها على 90% من حساب صندوق التعليم العالي.

وكان الاسلوب الادبي الراقي سمة للكتاب وقالب للمعلومات سما بها، وما كانت الادبية معرقلة في الرسم الدقيق للشخصية والمعلوماتية. (كان الرئيس الدكتور عبد الرزاق النصيري لا يخفي جانبه الانساني وهو يقدّم بحرص جانبه الاداري. وهذه أعلى مستويات الادارة المقتدرة؛ فالذين يضعفون عن المنصب والمسؤولية يرتبكون ويختفي جانبهم الانساني ضعفاً، فيقال غيّرهم المنصب!! أما هو فاقتداراً وتمكناً ونجاحا استطاع أن يمارس جانبه الانساني مع ادارته المقتدرة بوضوح وراحة، يرى الكل ذلك منه ويدركه. مثلما تشاهد اريحية الابطال بعد اغماد السيوف وكما وصف المتنبي سيف الدولة:

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً   وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ

عنده كارزمة محبة واحترام، تقرأ في ملامحه التي وخطها المشيب والكبر ثقة مطلقة، ورباطة جأش وثباتا مهما كانت الامور والطوارئ، وحرصا وانتباها، وهما من ضرورات ومتطلبات القيادة الناجحة التي هي ليس وصولا فاستراحة عميقة على الكرسي، بل هي تفكير وتوقع ووضع حلول احيانا قبل المشكلة وعمل دائب ومستمر، كما وصف أرنست همنگواي الحمامة (تسير وهي متأهبة للطيران في أي لحظة).

وكتب عن رئاسة الدكتور مازن الحسني (ودخلت الجامعة .. مجرة لا حد لها ولا حدود من عدم الحياة والحركة.. صامتة، كأنها ولدت خرساء. واقفة، كأنها ميتة تماماً.. تجولتُ في أنحائها وأحنائها، جنباتها وجوانبها، فكنتُ كأني أجرر رجلاً ثقيلة في مقبرة تكظ القلب والنفس قلقاً وذهولاً:

هربتُ في كل الجهات

فلم أجد سوى حجرْ

المكان لا يبعث على الهمة والرغبة.. برغم البنايات العامرة والحدائق الخضراء. وبدت، وهي خاوية على عروشها، سارحة من الذهول يسكنها الحزن لفقدها ألافها: الطلاب والاساتذة والموظفين.

وكانت كورونا تتناسل وتقذف باجيالها وتطور جيناتها باستمرار، والدوام مرهون بخلية الازمة، والازمة ضبابية أو عاصفية لا يتكهن أحد بقعر نهايتها وعمق سوداويتها، وكانت الجامعة بين غلق وحظر. وطلاب الدراسات العليا بين الالكتروني والحضوري، وثبت طلاب الدراسة الاولية على الالكتروني، فنابت الذبذبات عن الاصوات. وأضاف بعدا رابعا الانقطعات المستمرة للكهرباء والنت، وقدم اجهزة الطباعة والاستنساخ وغيرها، وشبه توقف لجان المشتريات، وشحة المواد الضروريات، وضعف اللوجستيات. وهو انعكاس حالة البلد وليس المؤسسة فقط.

تلك كانت الاجواء التي يدير فيها الدكتور مازن الحسني الجامعة، فيمارس وجوده القيادي ووجود الجامعة العلمي والاداري، وتسير الامور كما خطط ورسم بخطى قوية، ولا تجد شيئا من الفتور أو اليأس، فبه تشد الهمم و(اليه يفيء الغالي، وبه يلحق التالي).

كذا بدت الجامعة... ولكن حين دخلتُ الرئاسة هبَّ المكان بهمّة كنائم يصحو... ودبت الحركة قوية خضراء كواحة غناء.. أول من قابلت الرئيس الدكتور مازن حسن جاسم... كانت ابتسامته أملا ووعدا نهائياً بالانتصار الثابت على الظرف الطارئ..

فارع العزم، ضخم الهمة، يجد دائما متسعاً للعمل، ومجالا للفعل. عابراً صحارى التيه، وبحار الخوف، والأزمنة الميتة الى بدايات جديدة، تصل النهايات العدمية بخطوات الاستمرار والوصول الواثقة. يمتلك مؤهلات خاصة لا يمتلكها آخرون، تجعله مكين الانتصار، مؤكد النجاح.

كالصبار في صحرائه؛ أكثر حياة من موتها، وماء من جدبها، واخضرارا من صفرتها... هو في ظرف الجامعة الصعب وجهادها السلمي. انه بالفعل (رجل المرحلة) لبس الدِرع فوق الدُرَّاعة، واستعان للقلم بقائم السيف. كما قال بيهس:

إلبسْ لكلِّ حالة لبوسَها إما نعيمَها وأما بُوسَها

 

أ‌. د. محمد تقي جون

 

 

حاتم حميد محسنيُعتبر كتاب جاريد دايموند البنادق، المواد الجرثومية والستيل: مصير المجتمعات الانسانية (1) الذي صدر عام 1997 ظاهرة نادرة في النشر. انه دراسة طموحة وسهلة الفهم حول تطور الحضارة الانسانية. الكتاب فاز بجائزة بوليتزر، وبيع منه مليون نسخة وتُرجم الى 36 لغة، ثم جرى عرضه في ثلاث حلقات تلفزيونية في محطة تلفزيون الجغرافيا الوطنية.

ما أثار اعجاب العديد من المراقبين هو كلمات المعلّق الجغرافي الوطني على كتاب دايموند باعتباره "نظرية عالية الأصالة تؤكد على ان ما يفصل القارات هو غلاّتها وحيواناتها التي سمحت لبعض الثقافات ان تزدهر بينما اخرى تبقى الى الخلف". دايموند كان على اطّلاع جيد في ان الحتمية البيئية او الجغرافية كان لها تاريخ طويل ومروع من تبرير التفوق العنصري والاجتماعي والمشاريع الاستعمارية. لقد كان المؤلف  منذ ذلك الحين يجتهد في الدفاع عن موقفه المختلف جدا حول الموضوع.

باختصار، يؤكد انصار الحتمية البيئية ان الناس والثقافات هم على ما هم عليه لأنهم تشكّلوا بفعل بيئتهم المادية. لاحاجة للقول ان بعض البيئات والمناخات مهيئة اكثر من غيرها للنجاح. ارسطو اشتهر بقوله "ان اولئك الذين يعيشون في مناخ بارد و في شمال اوربا هم ذوي روح تامة، ولكن ينقصهم الذكاء والمهارة، ولذلك هم يحافظون على حريتهم ولكن بدون منظمات سياسية، وغير قادرين على حكم الآخرين". في الأجزاء الاكثر حرارة في الشرق المتوسط، "مواطنو اسيا الأصليون" اثبتوا "ذكائهم وابتكاريتهم، لكنهم تنقصهم الروح، ولذلك هم دائما في حالة من الخضوع والعبودية". من حسن الحظ، ان العرق الهيليني الذي يتوسط بينهما، هو بنفس الطريقة وسطي الشخصية، كونه عالي الروحية وايضا ذكي. وبالتالي يستمر في الحرية، ويبقى أفضل المحكومين في أي امة، واذا أمكن اعادة تشكيله في دولة واحدة، سيكون قادرا على حكم العالم".

3158 جيرد دايموندوهناك عوامل بيئية هامة اخرى تعطي المزيد من الأهمية لفوائد الظروف السيئة. لاحظ مونتسكيو في كتابه (روح القوانين) ان عقم وعدم خصوبة الارض تجعل الناس كادحين ورزينين ومعتادين على القسوة، وشجعان وملائمين للحرب: هم مُلزمون ان يشتروا بعملهم ما ترفض الارض منحه تلقائيا". بالمقابل، ان "خصوبة البلاد تمنح الراحة والتخنث وولع معين للحفاظ على الحياة". وبعد عدة عقود لاحقة جادل جون ستيوارت مل بخطوط مشابهة من التفكير بالقول "لا الآن ولا في السابق كانت الامم الحائزة على أفضل مناخ وتربة،اما أغنى او الأعظم قوة". جزء من المشكلة، يرى مل، هو "ان حياة الناس في تلك الدول يمكن مساعدتها بالقليل ، وان الفقراء نادرا ما يعانون من القلق، وفي مناخ فيه مجرد البقاء متعة، يصبح الرخاء الذي يطمحون له هو الراحة".

القول بان الانجازات التكنلوجية في مكان معين تتأثر بعمق بالجغرافية الطبيعية المحلية هي حقيقة لاتقبل الجدل. لكن لا يجب إلقاء اللوم على سكان سويسرا السابقين او مرتفعات التبت لكونهم لم يساهموا في تكنلوجيا الملاحة، ولا سكان الاسكيمو القدماء لفشلهم في تطوير الزراعة.

مع ذلك، يشير الدليل الى ان التأثير العميق للجغرافيا والمناخ على المؤسسات السياسية والانجازات الانسانية كان دائما غير مقنع. وكما لاحظ النقاد طويلا، ان الثقافة المهيمنة في مختلف الفترات التاريخية (مثل،منطقة البحر المتوسط او شمال اوربا) يُقال هي دائما المستفيدة من امتيازات الجغرافية الطبيعية. المشكلة الرئيسية، هي ان عامل ثابت استُخدم لتوضيح محصلات متغيرة جدا بمرور الزمن.

واحدة من أفضل المقالات القصيرة ضد الحتمية البيئية هي مقدمة فولتير حول "المناخ" في قاموسه الفلسفي. هو كان يستهدف المعاصر له جين تشاردين Jean chardin، الذي كان يرى ان المناخ في بلاد فارس حارا جدا لدرجة انه "يُضعف الذهن بالاضافة للجسد، ويُخفت النار التي يتطلبها الخيال للابتكار". "في مثل هكذا مناخ "،يكتب تشاردين، "الناس غير قادرين على الدراسة الطويلة والتطبيق المكثف الضروري لإنتاج أعمال رائعة في المجالات الميكانيكية والليبرالية". غير ان فولتيرعلّق على هذا  "تشاردين  لم يتذكر"ان ارخميدس ينتمي الى جزيرة سيسلي الايطالية وحيث الحرارة أعلى مما في ثلاثة ارباع بلاد فارس ". هو ايضا نسي ان "فيثاغوروس قام بتدريس الهندسة لأفراد الطبقة العليا البراهمنية". يذكر فولتير ان المناخ "له بعض التأثير، الحكومة لها تأثير اكثر بمائة مرة، والحكومة والدين مجتمعان لهما تأثير اكثر من ذلك".

في النهاية، ربما أغرب ما قيل ضد الحتمية البيئية هي ،في كلمات الاقتصادي في التنمية بيتر باور peter Bauer، "الطقس يميل ليكون سيئا في الاقتصادات المخططة مركزيا". نشطاء المناخ الذين يوجهوننا في هذا الاتجاه السياسي تحت اسم "ستراتيجية تقليل المخاطر البيئية" يجب ان يتأملوا هذه الكلمات.

 

 حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

 (1) يشير عنوان الكتاب الى الوسائل التي تمكنت بها المجتمعات القائمة على الزراعة من غزو الشعوب والاحتفاظ بالهيمنة عليهم رغم انها أقل امكانية من حيث عدد البنادق والصلب والمواد الجرثومية الضرورية للاستعمار. يحاول الكتاب توضيح لماذا الاوربيون الاسيويون وحضارات شمال افريقيا استمروا وسيطروا على الآخرين، وهو يجادل ضد فكرة ان سيادة الاورواسيويين كانت ناتجة عن أي شكل من التفوق الاورواسيوي الفكري او الأخلاقي المتأصل وراثيا. يرى دايموند ان الفجوة في القوة والتكنلوجيا بين المجتمعات تنشأ في الاساس من الاختلافات البيئية. عندما كانت الاختلافات الثقافية او الوراثية  لصالح الاورواسيويين (مثلا، اللغة المكتوبة او مقاومتهم للأمراض المزمنة)، هو يزعم ان هذه المزايا حدثت بسبب تأثير الجغرافيا على المجتمعات والثقافات (مثلا عبر تسهيل التجارة والتبادل التجاري بين مختلف الثقافات) ولم تكن متأصلة في الجينات الاورواسيوية.

 

محمود محمد عليبعد هذا التأسيس لمعنى علم الاستغراب يتحدث حنفي عن النتائج المترتبة على قيام هذا العلم، ويشدد على ضرورة دراسة الوعي الأوروبي على أنه تاريخ معين وليس خارج التاريخ. إن الشعوب التاريخية، كشعوب الشرق على سبيل المثال، قد تكون أكثر قدرة على تمثل الوعي التاريخي، نظراً إلى عمقها في التاريخ، من الشعوب الحديثة، مقابلة شعوب الغرب، لحداثتها في التاريخ، ولما كان علم الاستغراب  في نظر حنفي الفيلسوف  هو تاريخ الوعي الأوروبي مصادراً وتكويناً وبنية ومصيراً. فإنه جمع قدر الإمكان بين التحليلي الماهوي والوصف التاريخي (33).

وهذا ما يتجلى في الفصل الثاني تحت عنوان تكوين الوعي الأوروبي: المصادر حيث يعدد حنفي المصطلحات الفلسفية ومصادرها المعلنة وغير المعلنة المعلنة (34)، ثم ينتقل إلى دراسة عقائد الآباء الفلسفيين  (من القرن الأول الميلادي حتى القرن السابع الميلادي) (35)، ثم يعالج ثالثاً، الفلسفة المدرسية في القرون الوسطى (من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر الميلادي).  ثم يعالج ثالثاً، الفلسفة المدرسية في القرون الوسطى (من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر الميلادي)، ثم يتحدث حنفي عن الإصلاح الديني وعصر النهضة الأوروبية (في القرنين الخامس عشر والسادس عشر)(36). وهذا الفصل يغلب عليه طابع العرض التاريخي للمصادر الفلسفية الأوروبية مع إلتماعات وإشارات ذكية يقدمها بجهد مشكور.

وفي الفصل الثالث يتناول حنفي تكوين الوعي الأوروبي الحديث، فتظهر فيه قدرة حنفي على العرض والتحليل والمقارنة، إذ يعالج عقلانية القرن السابع عشر عند اليمين واليسار الديكارتي وعند أفلاطونيي جامعة كمبردج. ثم ينتقل إلى معالجة التجريبية في القرن السابع عشر ثم العقلانية في القرن الثامن عشر عند كانط ومثاليته الترانسندنتالية  (37) وبركلي ومثاليته الذاتية (38) وعند الرومنسيين والمتصوفين الغربيين (39)،  ثم ينتقل إلى معالجة التجريبية في القرن الثامن عشر عند الإنجليز والفرنسيين معالجاً التجريبية في الأخلاق والاقتصاد (40)،  ثم ينتقل إلى عصر التنوير في نهاية القرن الثامن عشر معالجاً التنوير الفرنسي، والإيطالي والألماني )فلسفة الفن والتاريخ( والتنوير الإنجليزي والأميركي )الإستقلال( والتنوير الروسي )الثورة الاشتراكية( (41)

وجاء الفصل الرابع بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (الذروة)، فيعالج حنفي ذروة تكوين الوعي الأوروبي إذ يتحدث عن ما بعد الكانطية(42) من ص 331-335، وعن الرومنسية الشعرية والفلسفة الرومنسية(43) من 347-350،، وعن اليسار الهيغلي والهيغلية الجديدة، وعن تطور المثالية(44) من ص 354-368،، وعن الوضعية، بماديتها التطورية، وبحسيتها وتجريبيتها، ؤلينتقل إلى النفعية والوضعية. (45) من 386-399، ثم ينتقل ليعالج الليبرالية والإشتراكية، مميزاً بين الليبرالية أو الفوضوية والبرجوازية الوطنية، متحدثاً عن الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية المادية(46).

وفي الفصل الخامس كان بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (نهاية البداية)، حيث يعالج حنفي نهاية البداية لتكوين الوعي الأوربي فيتناول نقد المثالية (القرن العشرون) (47) ونقد التجريبية (48) والجمع بين المثالية والواقعية (49)، والظاهريات (50).

أما الفصل السادس فقد جاء بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (بداية النهاية)، حيث يعالج حنفي بداية النهاية لتكوين الوعي الأوربي فيتناول الفلسفة الوجودية (51)،والشخصانية والتوماوية الجديدة والأوغسطينية (52)، ومدرسة فرانكفورت والفكر الاجتماعي (53) 552-564، وفلسفة العلوم والفلسفة التحليلية والفلسفة التفكيكية (54).

وجاء الفصل السابع  ليعالج حنفي بنية الوعي الأوربي فيتكلم عن العقلية الأوربية بين القطيعة المعرفية والواقع العاري (55)، والتنظير العقلي (56)،والواقع والقيمة (57)، والمذاهب الفلسفية (58)، والوعي التاريخي (59)، والبنية والتاريخ.

أما في الفصل الأخير من الكتاب، والذي بعنوان مصير الوعي الأوروبي فتتجلى عبقرية حنفي في الاستقراء والتخليص والاستنتاج عارضاً لتداخل مساري الأنا) الفلسفة الشرقية (بالآخر) الفلسفة الغربية (عبر التاريخ راسماً خطوطاً بيانية توضيحية، معالجاً الصور المتبادلة بين الأنا والآخر ومعالجاً مظاهر العدم في الوعي الأوروبي معدداً  فلسفات العدم الحديثة عند هيدغر وسارتر وكامو ودريدا متناولاً موت الروح في الفن والأدب الأوروبي الحديث ، لينتقل إلى تناول أزمة الغرب التي هي أزمة الوعي الأوروبي بالإنسانية  بحسب تعبير هوسرل (60) فلقد تجلت هذه الأزمة في المذاهب السياسية وفي الإيديولوجيات (61)  وفي القيم والاقتصاد وفي الطاقة وفي الإنتاج والتسويق، وفي التضخم، وفي سباق التسلح والخطر النووي (62) .

الخاتمة:

وختاما يمكن القول بأن فإن هدف علم الاستغراب لا يكمن في أن يكون مجرد نقيض للاستشراق الظالم والمتعسف بحقنا أو أن يكون استشراقا مضاداً أو استشراقا معكوساً، بل هدف علم الاستغراب كما يرى حنفي  أن يكون رد فعل على التغريب ومحاولة انتشال الأنا الحضاري العربي من الاغتراب في الآخر. فإذا كان الغرب قد وضع علم الاستشراق، فلماذا لا يستطيع الشرق وضع علم الاستغراب.

وهنا يرى حنفي أن علم الاستغراب ضرورة ملحة في عصر الثورة المضادة، بعد أن عاد الغرب بهجمته الاستعمارية الثانية، بعد هجمته الأولى إثر حركات التحرر الوطني، وهنا طرح المفكر الراحل سؤالاً: لماذا نجحت حركات التحرر الوطني في التخلص من الاستعمار العسكري، ثم تم إجهاض نتائجها في الاستقلال الوطني اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً؟

وأكد حنفي في كتابه أن مهمة علم الاستغراب رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده إبان عنفوانه الاستعماري، من خلال سيطرته على أجهزة الإعلام ووكالات الأنباء والاستخبارات.

وأوضح نقطة بالغة الأهمية، وهي مصطلح التبادل الثقافي بين الدول، وهي في الحقيقة معناه القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها، واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري ولا نمط سواه، وعلى كل الشعوب تقليده والسير على خطاه.

ولم يكتف حنفي بذلك بل وجدناه يعالج الحالة الراهنة للثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة فيرى أن العلوم الإنسانية العربية المعاصرة أصبحت نقلاً، والعالم أصبح مترجماً، والمفكر عارضاً لبضاعة الغير.  وتنشأ المجلات الثقافية -الإنسانية المتخصصة لنشر الثقافة الغربية  .. فتنتشر العلوم والأسماء الجديدة أمام الشبان الباحثين، فيشعرون بالضآلة أمامها: الهرمنيطيقا، السيميوطيقا، الإستطيقا، الأسلوبية، البنيوية، الفينومينولوجيا، الأنثروبولوجيا، الترانسندنتالية، وتكثر عبارات: التمفصلات، التمظهرات، الأبستمية، الأبوخية، الدياكرونية، السنكرونية.. بحيث أصبح المثقف هو الذي يلوك بلسانه معظم أسماء الأعلام المعاصرين في علوم اللسانيات والاجتماع، ويطبق هذا المنهج أو ذاك، متأثراً بهذه الدراسة أو تلك! ما أدى إلى ظهور جيل استغراب مقلوب، فبدلاً من أن يرى المفكر والباحث صورة الآخر في ذهنه، رأى صورته في ذهن الآخر. ولما كان الآخر متعدد المرايا، ظهر الأنا متعدد الوجوه، مثل الشخصانية الإسلامية والماركسية العربية أو النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية أو الإنسانية والوجودية في الفكر العربي أو الجوانية، وبدأ يدرس التراث بمنهج ماركسي أو بنيوي أو ظاهراتي أو تحليلي أو تفكيكي، بحيث يضحي بالموضوع في سبيل المنهج، وكأن الموضوع لا يفرض منهجه من داخله، وكأن الحضارة التي ينتمي إليها الموضوع لا منهج لها. بل أنه يصعب في الفلسفة الأوروبية نفسها التفرقة بين المذهب والمنهج.

وفي نهاية الورقة أبارك للأستاذ الدكتور حسن حنفي تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف (وهو علم الاستغراب)؛ خاصة وأنه يعد بحق قامة فلسفية وإبداعية في ساحة الفكر والثقافة المصرية والعربية، فقد استطاع بفكره أن يخصص له مساحة واسعة لنشر أفكاره والمتتبع لكتاباته الأخيرة يقف على أن حسن حنفي مفكرا، مُنَظِّرًا وناقدًا في نفس الوقت فقد ارتكزت أبحاثه على قراءة  الفكر الغربي قراءة نقدية في ثنايا فكرنا العربي المعاصر ؛ وذلك من أجل تحرير العقل البشري من دوجماطيقية التقليد، علاوة علي تسليطه الضوء على كثير من القضايا الفلسفية التي نالت حظاً من النقاش لدى النخبة المثقفة في عالمنا العربي متخذاً في ذلك مساراً جديداً في عالم الفكر والاستبصار .

فتحية طيبة للدكتور حسن حنفي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للفيلسوف المصري الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

الهوامش:

33- صفوان جيد: قراءة في علم الاستغراب، ص 88.

34- حسن حنفي: المصدر نفسه، من ص 109-143.

35- المصدر نفسه، من ص  109-143،

36- المصدر نفسه، من ص 178-216.

37- المصدر نفسه، من ص 249-270،

38- المصدر نفسه، من ص 272-277.

39- المصدر نفسه، من ص 272-277.

40- المصدر نفسه، من ص 272-277.

41- المصدر نفسه، من ص 306- 320.

42- المصدر نفسه، من ص 331-335.

43- المصدر نفسه، من ص 347-350.

44- المصدر نفسه، من ص 354-368،

45- المصدر نفسه، من ص 386-399.

46- المصدر نفسه، من ص 405-422.

47- المصدر نفسه، من ص437-447.

48- المصدر نفسه، من ص 451-455.

49- المصدر نفسه، من ص 466-480.

50- المصدر نفسه، من ص 487-498.

51- المصدر نفسه، من ص 511-534.

52- المصدر نفسه، من ص 535-544.

53- المصدر نفسه، من ص 552-564.

54- المصدر نفسه، من ص 587-601.

55- المصدر نفسه، من ص 609-617.

56- المصدر نفسه، من ص 623-629.

57- المصدر نفسه، من ص 633-635.

58- المصدر نفسه، من ص642-655.

59- المصدر نفسه، من ص 679-689.

60- المصدر نفسه، من ص 733-747.

61- المصدر نفسه، من ص 763-773.

62- المصدر نفسه، من ص 777-785.

 

محمود محمد علي2- التعريف بالمؤلف: في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت مصر الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور حسن حنفي، واحداً من كبار المفكرين المريين المعاصرين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة والفكر .. الخ (12).

كما يُعد المفكر وأستاذ الفلسفة الراحل الدكتور حسن حنفي، أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، وأبرز أساتذة الفلسفة في مصر والمنطقة العربية، وهو ما يتجلى في العديد من الكتب الفكرية المهمة التي أصدرها خلال مشواره العلمي (13).

فرض حضوره في أوساط الفكر العالمي وساحات الفلسفة الاحترافية، فشهدت أنحاءٌ شتى من العالم أنه إبان النصف الثاني من القرن العشرين وما تلاه أهم فينومينولوجى هيرمنيوطيقى "الفينومينولوجيا هي فلسفة الظاهريات ومعه ظاهريات الدين"، من حيث تطبيقه إياهما فى بناء شامل متنامٍ، وليس في واقعة أو نص جزئى، وليس تكرسا للتنظير لهما فحسب. وهذه حقبة جعلت الهيرمنيوطيقا «فلسفة الفهم والتأويل» بابا مفتوحا لبعث الحياة مجددا في كل واقع ثقافى، لاسيما واقع النصوص التراثية التى هى المخزون الشعورى والرصيد الحضاري للشعوب (14).

ولد الفقيد في القاهرة عام 1935، وتخرج في كلية الآداب بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1956، ثم سافر إلى فرنسا، وحصل هناك على على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، وذلك برسالتين للدكتوراه، قام بترجمتهما إلى العربية ونشرهما في عام 2006 م تحت عنوان "تأويل الظاهريات" و"ظاهريات التأويل"، وقضى في إعدادهما نحو عشر سنوات، حيث حصل عليهما في عام 1966.

عمل المفكر حسن حنفي، مستشارًا علميًا في جامعة الأمم المتحدة بطوكيو خلال الفترة من "1985-1987"، وكان نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، كما عمل مستشاراً لبرامج البحث العلمي لجامعة الأمم المتحدة، ويرجع إليه الفضل مع آخرين، في الإشراف على إعادة تأسيس الجمعية الفلسفية المصرية عام 1989.

حاز الراحل عدداً كبيراً من الجوائز، أبرزها حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 2009، وجائزة النيل فرع العلوم الاجتماعية 2015م، وجائزة المفكر الحر من بولندا، وتسلمها من رئيس البلاد رسمياً.

ترك الدكتور حسن حنفي العديد من المؤلفات تحتَ مظلَّةِ مَشروعِهِ "التراث والتجديد"؛ منها: "نماذج مِن الفلسفةِ المسيحيَّةِ في العصرِ الوسيط"، و"اليَسار الإسلامي"، و"مُقدمة في عِلمِ الاستغراب"، و"مِنَ العقيدةِ إلى الثَّوْرة"، و"مِنَ الفناءِ إلى البقاء"؛ علاوة علي كتابات أخرى مثل: وو"حوار الأجيال".

تميز الراحل بالكتابة الموسوعية، وكثيراً ما كتب معرّفاً مشروعه المعرفي بالقول: "إنه يهدف إلى إقالة العرب والمسلمين من تراجعهم الحضاري الطويل"، وتوزع هذا المشروع، الذي أطلق عليه "التراث والتجديد" على ثلاث جبهات، الأولى: الموقف من الأنا، وهو محاولة لتجديد علوم الذات، ففي كتابه "من العقيدة إلى الثورة"، أما الجبهة الثانية من مشروع الراحل فتمثلت في الموقف من الغرب، ويتضح ذلك بقوة في كتابه "مقدمة في علم الاستغراب"، وتتمثل الجبهة الثالثة في الموقف من الراهن، وهنا كان ركز حنفي على علوم الذات التي تؤثر في سلوكاتنا مباشرة مثل الفقه وعلم الحديث والسيرة النبوية.. الخ (15).

ودخل حنفي في حوارات مطولة مع كل تيارات الفكر العربي المعاصر، لعل أشهرها حواراته مع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في كتاب «حوار المشرق والمغرب»، حيث كان أحدهما يطرح قضية ملحة ويقوم الآخر بالإدلاء بوجهه نظره فيها. وفي ما يتعلق بالفكر الراهن كان طموحاً أيضاً ويسعى إلى تقديم قراءة لقواه الليبرالية واليسارية والإسلامية، للخروج برؤية جديدة تسهم في النهوض الحضاري للأمة (16).

3- عرض الكتاب:

يعد الكتاب " مقدمة في علم الاستغراب"، من الدراسات القليلة التي تناولت فكر" حسن حنفي "، فهو متميز في موضوعه، جديد في أسلوبه ومنهجيه، ويعد إضافة معرفية نوعية من بابه . نظراً لما يقدمه من رؤى وأفكار، حيث يحول حنفي الغرب إلى موضوع للدراسة، من أجل معرفة جذور حضارته وراهنه ومستقبله، والاقتراب من عوامل قوته ونقاط ضعفه. كان حنفي من المؤمنين بقدرات العالم الإسلامي والشرق بصفة عامة، ومن المهمومين بشؤونه والحالمين بقدرته على تسلم الريادة الحضارية مرة أخرى، وكان يرى أنه آن الأوان لكي يتخلص الشرق من تبعيته الثقافية والمعرفية للغرب، وحان الوقت لدراسة هذا الغرب من الخارج بعيداً عن تأثيرات عقود طويلة من التبعية الكولونيالية. وتتمثل الجبهة الثالثة في الموقف من الراهن، وهنا كان ركز حنفي على علوم الذات التي تؤثر في سلوكاتنا مباشرة مثل الفقه وعلم الحديث والسيرة النبوية..الخ.

وقبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الكتاب، أود أن أسأل حسن حنفي:  لماذا اختار لكتابه عنوان "مقدمة في علم الاستغراب "، ولم يختار له اسم “نحو علم جديد للاستغراب "، أو " علم الاستغراب في مواجهة الآخر " أو ” إشكالية علم الاستغراب  " أو " فلسفتنا في علم الاستغراب" أو " علم الاستغراب والاستشراق المعكوس"... الخ؟

ولهذا قد لا نكون مبالغين عندما نقول مع المؤلف بأن الهدف من دراسة علم الاستغراب في نظر حنفي هو انهاء أسطورة كون الغرب ممثلا للإنسانية جمعاء، وأوربا مركز الثقل فيه . فلا يصح أن يبقي تاريخ العالم هو تاريخ الغرب، وتاريخ الإنسانية هو تاريخ الغرب، وتاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفة الغربية، يجب ألا تبقي عصور تاريخ الغرب هي عصور كل الشعوب . فالعصر الوسيط هو كذلك لكل الشعوب، والعصر الحديث هو كذلك لكل العالم مع الانتباه إلى أن عصرنا الوسيط كان الحديث بالنسبة للغرب، وعصورنا الحديثة (القرن الأول الهجري حتى السابع الهجري) كانت عصورا وسيطة بالنسبة للغرب، وسقوط الغرب حاليا يعني نهضتنا، ونهضتنا تعني أفول الغرب . من هنا أهمية أن يكون لعلم الاستغراب فلسفة للتاريخ تتميز عن فلسفات التاريخ الأوربي في القرنين الثامن والتاسع عشر خاصة، والتي صاغت التاريخ كله بحيث يصب في النهاية في الحضارة الغربية، بينما مهمة علم الاستغراب في نظر حنفي وضع هذه الأخيرة في مكانها الطبيعي كمرحلة من مراحل تطور الإنسانية والتي تكون مرحلة واحدة، مجرد قوس صغير، في فضاء درب الإنسانية الطويل (17).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:-

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف:" مهمة هذا العلم الجديد هي إعادة الشعور اللاأوربي إلى وضعه الطبيعي، والقضاء على اغترابه، وإعادة ربطه بجذوره القديمة، وإعادة توجيهه إلى واقعه الخاص من أجل التحليل المباشر له، وأخذ موقف بالنسبة لهذه الحضارة التي يظنها الجميع مصدر كل علم، وهي في الحقيقة حضارة غازية لحضارة أخرى ناشئة نشأة ثانية أو تعيش عصر احيائها ونهضتها (18) .

ولأكثر من سبب فقد جعل الدكتور "حسن حنفي" مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال علي الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كل فرصة للتعليق بالسلب علي أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض؛ والدليل علي ذلك ما قاله المؤلف:" وإذا كان " الاستشراق" قد وقع في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية الارادية والأهداف غير المعلنة فإن " الاستغراب" يعبر عن قدرة الأنا باعتبارها شعورا محايدا على رؤية الآخر، ودراسته وتحويله إلى موضوع، وهو الذي طالما كان ذاتا يحول كل آخر إلى موضوع، ولكن الفرق هذه المرة هو أن " الاستغراب " يقوم علي أنا محايد لا يبغي السيطرة، وأن بغي التحرر . ولا يريد تشويه ثقافات الآخر، وإن أراد معرفة تكوينها وبنيتها (19) .

ولهذا انطلق المؤلف ليقسم كتابه علي إلي ثمانية فصول، الفصل الأول وفيه تحدث حنفي عن مظاهر التغريب في دراسة الشخصية العربية سواء في الأحكام العامة أو في النظرة إلى التاريخ والعصور أو في بعض المصطلحات والمراجع العامة، فمن الأحكام العامة أن المشرق العربي لم ينهل من الثقافة الغربية قدر المغرب العربي، وبالنسبة إلى التاريخ يعتبر التغريبيون أن الإسلام جزء من تاريخ العصر الوسيط الغربي وكأن الغرب مقياس لكل العصور والحضارات، ويعتبر التغريبيون أن عصور الغرب الحديثة والمعاصرة تمثل تاريخاً لكل الحضارات وعصورها، تبعاً لعلاقة المركز بالأطراف؛ ولذلك نجد في هذا الفصل أن المؤلف قسمه إلي عدة محاور: والمحور الأول ويتناول المشروع وحياته الثلاثة (20)، حيث يشرح حنفي مشروع التراث والتجديد من خلال الجبهات الثلاثة (21)، ثم ينطلق للحديث بتوسع عن الجبهة الثانية والتي تشمل موقفه من التراث الغربي (22)، وفي المحور الثاني يناقش فيه المؤلف فكرة الاستغراب في مواجهة التغريب (23)، وكيف تم الانتقال والتحول من الاستشراق إلى الاستغراب (24)، وفي المحور الثالث ناقش المؤلف فكرة المركز والأطراف وذلك من خلال توضيح علم الاستغراب والرد على المركزية الأوربية (25)، ومن نقل الغرب إلي إبداع " الاستغراب، ثم نتائج الاستغراب (26) والمحور الرابع يناقش فيه المؤلف فكرة البحث عن جذور علم الاستغراب (27)، ثم فكرة الامتداد من خلال البحث مفهوم الغرب كنمط للتحديث (28). وفي المحور الخامس يناقش المؤلف الغرب في فكرنا المعاصر من خلال الحالة الراهنة للثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة (29)، ومن خلال الموقف من الغرب في دراستنا الوطنية (30)، ومن خلال علم الاستغراب في مؤلفات المؤلف السابقة (31). وفي المحور السادس فقد شبهات واعتراضات (32).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................................

هوامش المقال:

12- أحمد محمود سلامي: الاستشراق المعكوس في فكر حسن حنفي، المجلة الأردنية – عمادة البحث العلمي، المجلد 9، العدد الأول، 2016، ص 109-110.

13-نفس المرجع، ص 111.

14- د. يُمنى طريف الخولى: فى وداع حسن حنفى فيلسوف "اليسار الإسلامى" مؤسس علم "الاستغراب"، جريدة الأهرام المصرية، منشور بتاريخ الجمعة 22 من ربيع الأول 1443 هــ 29 أكتوبر 2021 السنة 146 العدد 49270

15-جيلالي بوكبر: التراث والمجتمع في مشروع – التراث والتجديد – لحسن حنفي، مجلة الحكمة، مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، العدد 13، 2014، ص 11-14.

16- المرجع نفسه، ص 15-16.

17- صفوان جيد: قراءة في علم الاستغراب، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 98، 2000، ص 88.

18- حسن حنفي: المصدر نفسه، ص 31.

19- المصدر نفسه، ص 32.

20- المصدر نفسه، ص 9.

21- المصدر نفسه والصفحة نفسها.

22- المصدر نفسه، ص 15.

23- المصدر نفسه، ص 16.

24- المصدر نفسه، من ص 29-35.

25- المصدر نفسه، ص 36.

26- المصدر نفسه، من ص 50-56.

27- المصدر نفسه، من ص 57-63.

28- المصدر نفسه، من ص  62-70.

29- المصدر نفسه، من ص  70- 77.

30- المصدر نفسه، من ص 77-83،

31- المصدر نفسه، من ص 83- 90.

32- المصدر نفسه، من ص  90 -97.

 

 

حسن العاصيضربت جائحة كورونا التي اجتاحت العالم برمته، كافة مناحي الحياة، منذ مطلع مارس/آذار عام 2020، وأثرت على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وأصابت الحياة الثقافية والأدبية بشلل شبه تام، حيث تم حظر جميع أشكال التجمع، بما فيها الندوات، والأنشطة الفنية، والأدبية، وتم إغلاق قاعات السينما، والمسارح، وصالات العرض، ومُنعت الحفلات الموسيقية، وفُرض الحجر الصحي في العديد من الدول.

هذا الانحسار العارض للثقافة، لا يعني أن الإنتاج الثقافي والأدبي قد توقف. بل أن عديد من الباحثين والكتاب العرب استغلوا فترة العزلة الصحية للتقدم في الإنتاج المعرفي والفكري.

صحيفة النهار العربي اللبنانية نشرت استطلاعاً بتاريخ 28-12-2021 لمواقف وآراء مجموعة من أبرز النقاد في العالم العربي، لمعرفة أهم قراءاتهم، وترشيحاتهم لأهم الكتب العربية الصادرة خلال عام 2021.

أهم النقاد المشاركين في الاستطلاع هم الفلسطيني الأردني فخري صالح، والمغربيان أحمد المديني، وهشام مشبال، والتونسي عبد الدائم السلامي، واللبناني سلمان زين الدين، والمصري يسري عبد الله.

تنوع حصاد الكتاب في عام 2021، وتعددت ترشيحات النقاد بين الكتب نقدية، والروايات، واليوميات، والقصص.

من أهم الكتب ـ إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ التي رشحها النقاد كأفضل الكتب التي صدرت في العام الحالي، كتاب "السارد وتوأم الروح.. من التمثيل إلى الاصطناع" للباحث والناقد والأكاديمي المغربي الدكتور محمد الداهي.

في كتابه "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" ـ منشورات المركز الثقافي للكتاب 2021ـ يقدم الناقد المغربي محمد الداهي جديداً ومختلفاً لأنماط الكتابات الذاتية من منظور السيميائيات الذاتية.

عمل كبير، يمكن اعتباره استمراراً إبداعياً على المستوى المعرفي، لما راكمه الكاتب من أبحاث ودراسات سابقة حول السيرة الذاتية، على سبيل المثال كتاب "شعرية السيرة الذهنية: محاولة تأصيل" الصادر عام 2000. الكتاب الذي قال عنه الناقد المغربي د. سعيد يقطين:

"إن محاولة "تأصيل" جنس أو نوع ما، أو البحث في تشكله، هي من الأعمال التي لا يمكن أن يُقدِم عليها إلا من يروم النظر في الظاهرة بعيدا عن تجلياتها العادية أو الملموسة، وهو بذلك يرمي إلى النفاذ إلى أعماقها التي تصلها بغيرها، وتنظمها جميعا في نسق شامل وجامع.3156 محمد الداهي

1. 2. يدخل عمل الباحث والناقد محمد الداهي في هذا النطاق، فهو يسعى إلى اقتحام مجال "نظرية الأجناس" بوعي الباحث، وحس الناقد، يركز على نوع محدد هو "السيرة الذهنية".

وكتاب "الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات" الصادر عام 2007. الذي قدم له الناقد المغربي د. عبد القادر الشاوي، ومما جاء فيه، إن "معيار الكتابة الذاتية، هو التعبير عن الذات، وفي ذلك تكمن وظيفتها التعبيرية. ويعني هذا أن صدق الكتابة الذاتية كامن في محكيها الذاتي نفسهن لا في الواقع الذاتي الذي تستنسخه كتابة. ويظهر لي ان هذه الخلاصة بالذات تتوازى ـ على نحو ما ـ مع الفصول التي يتضمنها الكتاب الهام: الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات. فقد عنى مؤلفه محمد الداهي، الذي تفرغ للبحث في الموضوع منذ فترة طويلة، بدراسة مستويات وأبعاد القول والكتابة الذاتية على زجه العموم، بل وجعل من ذلك موضوعاً حصرياً للمعرفة الأدبية لم يألفه البحث الأدبي المنهجي في المغرب ولا في المشرق.

ينقسم كتاب "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يُعنى بالعلاقة بين السيرة الذاتية والتاريخي، والقسم الثاني يتناول محكي الطفولة، والقسم الثالث يشتغل على استقصاء ما أسماه الكاتب "المنطقة البينيَّة" وهي المنطقة الملتبسة التي تفصل بين ملفوظات الواقع وملفوظات التخييل، لمقاربة ظاهرة التهجين.

الكتاب هو ثمرة جهد للكاتب استمر لما يربو عن ست سنوات متواصلة، لذلك فالكتاب يُعتبر من النوع "كامل الدسم" يعتبر من عيون الكتب، لمؤلف ثاقب النظر، وعميق الفكر

يعتبر الكاتب محمد الداهي أن ما يميز كاتب السيرة الذاتية عن الكاتب الروائي هو أن "الأول يتعهد بقول الحقيقة وباستعمال ملفوظات جدية، ويخلق مسبقًا انطباعًا في ذهن القارئ أن ما يتلقاه مطابق للواقع، في حين يعمد الثاني إلى وضع ميثاق تخييلي حتى لا بأخذ كلامه على محمل الجد".

عمد الكاتب محمد الداهي على تحليل متنوع في الكتاب الذي تضمن نحو ثلاثين مؤلفا من السرد الشخصي، اشتملت مراحل مختلفة من تاريخ السرد الأدبي العربي، لمؤلفين مثل: "التعريف" لابن خلدون، و"أوراق" لعبد الله العروي، و"الضريح" لعبد الغني أبو العزم، و"ثمن الحرية" لعبد الهادي الشرايبي، و"ثورة المريدين" لسعيد بنسعيد العلوي، و"أنشودة الصحراء الدامية" لماء العينين ماء العينين، و"الرحلة الأصعب" لفدوى طوقان، و"فيي الطفولة" لعبد المجيد بنجلون، و"البئر الأولى" لجبرا إبراهيم جبرا، و"دليل العنفوان" و"دليل المدى" و"من قال أنا" لعبد القادر الشاوي، و"ممر الصفصاف" و"رجال ظهر المهراز" لأحمد المديني.

كتاب "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" رائع البيان وشاسع المعنى، بأسلوب شيّق، ولغته راقية جداً. قال عنه الناقد المغربي أحمد المديني "هي أمتن دراسة مدققة وموثقة في المحكيات الذاتية العربية الحديثة، بمنهجية تتراوح بين محمول النصوص ومنظورات الدرس النقدي الجديد، وتستجلي تمثيلات الواقع بين حقيقته وتخييل الذات، مستعملة المصطلح العالم بالرأي المركب لا الحاكم".

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

3155 الاستغرابتقديم: مازال العالم مند الأزل قائم على جدل الثنائيات التي خلفتها الظروف الجغرافية والسياسية المدفوعة بحب السيطرة واكتشاف الآخر وقراءته، وكانت أوائل تلك الثنائيات هي البيزنطية والفارسية، ولكن بعد ظهور الإسلام اختلفت الوقائع والأحداث، وأسبح هناك مجرى ومسارات أخرى تكاد تحدث قطيعة تامة مع كل ما سبق، وبدأت معالم ثنائية جديدة تظهر هي الغرب الفرنجة والشرق المسلم حاملة معها كل أشكال الصراعات من إيديولوجية، حب السيطرة، معرفة الآخر، الأنا والآخر، ثم سرعان ما ظهرت بعد ذلك حلقات التواصل بين الغرب والشرق من خلال ما سمي بـ "الاستشراق"، بوصفه اتجاه فكري للتعامل مع الشرق وفق رؤية منهجية حملت معها أبعاداً وأهدافاً، تنوعت وتمثلت حسب الأحداث التاريخية، فالحروب الصليبية بقيت عالقة في النفوس الأوربية، مما دفعها إلى السعي وراء قراءة الشرق ومعرفة القوي الروحية في نفوسهم، ولا يمكن القول أنها هي السبب الوحيد، ولكنها سبب من جملة أسباب تجلت في أن حب السيطرة هو ما دفع الغرب كما يقول يعلن إدوار سعيد في كتابه عن الاستشراق للزحف نحو الشرق، وإنه لم يكن ليصنع العلاقة مع الآخر، إلا أن ينتج شرقاً مهجنا أقل منه، وبنطرة استعلائية (1).

هذا الأمر أثار واستفز أستاذنا الدكتور حسن حنفي الذي أثقله الواقع العربي، فسعي لأن تكون هناك ردة فعل لكل ما قبل وما سيقال، وحددها بالاستغراب، وهو الوجه الآخر والمقابل والنقيض من الاستشراق، فإذا كان الشرق هو رؤية الأنا الشرق من خلال الغرب، يهدف علم الاستغراب إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر من جدل الغرب واللاغرب إلي جدل اللاعرب والغرب (2)، فإننا نجده وراء كلامه هذا مكامن عدة سعي لها الدكتور حسن حنفي هي أن تحدث تغيير وأن تتجاوز فكرة إنه الغرب وليس بعده شئ، لأن أي تقدم هو عبارة عن انتقال من طور إلى آخر نحو التغيير، لذا فإن الكل لابد له من المرور بتلك المراحل من التأخر حتي يصل إلى التقدم (3).

والسؤال الذي يفرض نفسه علي قراءتنا لكتاب حسن حنفي هو ما المقصود بالاستغراب وهل يعد ظاهرة جديدة في الأرضية الثقافية العربية؟ ..وكيف استطاع حسن حنفي أن يحدد مفهوم الاستغراب وهل نجح في أن يحقق الأهداف التي نشأ من أجلها؟.. وهل أن الأوان لقلب القضايا، فيمسي الغرب، الموضوع والمرئي والمدروس وتصبح " الأنا" الذات والرائي والدارس؟.. وهل تصبح حضارة الـ " نحن في موقع العارف والقابض على ما يتوقع حسن حنفي لنا على ما يتوقع حسن حنفي لنا أن نكون في المستقبل نراه قريبا ويراه بعيداً؟

وهنا يجيبنا حسن حنفي قائلا :" الاستغراب ليس ظاهرة ولكنه حركة نشأت مع حركات التحرر في العالم الثالث كله عندما بدأوا في مواجهة الغرب، وبالتالي بدأوا يحاولون الدفاع عن شخصيتهم الوطنية وأصالتهم الفكرية تجاه الغزو، ليس فقط العسكري والاقتصادي بل والثقافي أيضا، فبدأ زعماء العالم الثالث يحاولون إيجاد صياغة إيديولوجية أو مفهوما جديدا سمينه نحن الاشتراكية العربية الإفريقية في مقابل أيديولوجيات الغرب الرأسمالية والاشتراكية، وبعد انحسار حركة التحول العربي وتحولها إلى ثورة مضادة من داخلها بدأ الغزو الفكري والثقافي والعملي يعود من جديد وازدادت ظاهرة التغريب في العالم العربي حتى أصبح الإنسان لا يكون عقلانيا إلا إذا قيل هذا ديكارتي لا يستطيع أن يكون اشتراكيا إلا إذا قيل ماركسي أو ليبراليا يدافع عن الحرية إلا إذا كان من أتباع جون ميل، ومن هنا أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الوحيد لك الثقافات، وبالتالي فعلم الاستغراب إذن هو محاولة لإعادة صياغة كل محاولات البحث عن الأصالة وفي نفس الوقت أمام ظاهرة التغريب لإيقافها من أساسها، وأساس هذه الظاهرة هو تصورنا للغرب، فنحن نتصور الغرب باعتباره مصدر للعمل وربما كان هذا صحيحا في مرحلة انتقال  المعارف والترجمة، وقد مررنا بهذه المرحلة في القرن الماضي، لكن هل يمكن بعد ذلك أن يكون الغرب موضوعا للعلم؟ وبالتالي لا بد أن نتساءل : كيف نشأ هذا العلم لديه؟ وما هي الظروف التي أدت إليه حتى نقضي على أسطورة الثقافة العالمية لأن الحضارة التي يبدها أجهزة الإعلام والأقمار الصناعية والأساطير التي تنشر من خلال هذه الأجهزة هو ما تسميه بثقافاتها، وتعتبر أنها نموذج التحديث وأن كل الثقافات الأخرى هي ثقافات محلية في طريقها إلى الاندثار لأنها لا تقوم على العقل أو العلم . إذن علم الاستغراب يحاول قدر الإمكان أن يبين أن هذا الغرب له أصول وله نشأة وتكوين وله أيضا عقلية ومصير، وبالتالي أيضا تكون هناك مساهمة في عملية التحرر بمعني أن أقضي علي التبعية الممثلة في القول عند القدماء أو الغربيين وكليهما تبعية . وانطلاقا من ذلك فعلم الاستغراب يريد أن يحول الذات العربية الوطنية الإسلامية بدلا من أن تكون فقط موضوعا للدراسة إلى أن تصبح هي الذات الدارسة ويكون الوعي الأوربي الذي لعب دور الذات الدارس في الاستشراق يكون هو أيضا موضوع الدراسة في الاستغراب لكن هذه الذات قادرة على أن تقوم بدور الذات العارفة أم أنها ستكون باستمرار موضوع ملاحظة ولا تعتمد على نفسها في المعارف والتحليل (4) .

ويؤكد حنفي أنه " إذا كان الاستشراق قد وقع في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية الإرادية والأهداف غير المعلنة، فإن الاستغراب يعبر عن قدرة الأنا الشرقية العالم ثالثية لجهة كونها شعورا محايدا، على رؤية الآخر، ودراسته وتحويله إلى موضوع . والفرق هذه المرة، هو أن الاستغراب يقوم على أنا محايد لا يبغي السيطرة، وإن استهدف التحرر . ولا يريد تشويه ثقافات الغرب، وإن أراد معرفة تكوينها وبنيتها ومصيرها، لذا يري حسن حنفي، أن أنا أستغرب أكثر نزاهة وموضوعية وحيادا من أنا الإستشراق ؛ كما أن علم الاستغراب في مقابل الاستشراق ضرورة ملحة في عصر الثورات المضادة، بعدما عاد الغرب إلى الشرق بهجمة استعمارية ثانية جديدة بعد هجمته الاستعمارية الأولى، إثر حركات التحرر الوطني في منتصف هذا القرن العشرين المنصرم . وعلى الرغم من الإستقلال السياسي الظاهري الذي أحرزته دول العالم الثالث اليوم، ما زالت علاقة هذه الدول بالغرب علاقة تبعية وليست علاقة استقلال، لأن عقدة النقص التاريخية أما الآخر ما زالت قابعة في الشعور أو اللاشعور، فالعلاقة بين الشرق والغرب ما زالت بين ندين غير متكافئين ؛ علاقة المركز بالأطراف، علاقة السيد بالعبد، علاقة طرف ينتج وآخر يستهلك، طرف يأمر والآخر يطيع . اول لديه احساس بالعظمة والثاني لديه احساس بالنقص، تلك هي العقيدة التاريخية في صراع الحضارات (5) .

لذا يهدف علم الاستغراب – برأي حنفي، إلى إقالة الثورات الحديثة من عثراتها، واستكمال عصر التحرر من الاستعمار، والانتقال من التحرر العسكري إلي التحرر الحضاري، الذي هو هدف علم الاستغراب عند حسن حنفي، فطالما أن الغرب قابع في قلب كل منا كمصدر للمعرفة وكإطار مرجعي يحال إليه كل شئ للفهم والتقويم، فسنظل قاصرين في حاجة إلى أوصياء . ومهمة علم الاستغراب هي القضاء علي ثنائية المركز والأطراف على مستوي الثقافة والحضارة . فمهما حاولت النخب القضاء على هذه الثنائية في ميدان السياسة والاقتصاد دون القضاء عليها مسبقا في الثقافة، فإن تبعية الأطراف للمركز في ستبقي قائمة . وهكذا فإن مهمة علم الاستغراب تكمن في إعادة التوازن إلى الثقافة الإنسانية بدل هذه الكلفة الراجحة للوعي الأوربي (6).

وهنا نجد حسن حنفي يقدم لنا حسن حنفي، من خلال كتابه الموسوعي الفلسفي الضخم مقدمة في علم الاستغراب إحاطة وتحليلاً وتخطيطاً وتصميما لمشروع فلسفي يهدف إلى دراسة الوعي الأوروبي الفلسفي في صيرورة مساره التاريخي (منذ 2500 سنة) إلى نهاية القرن العشرين، بغية رسم معالم عالم جديد، هو الاستغراب ـ رداً على علم الاستشراق البائد ـ من موقع الأنا الشرقية، العالم ثالثية، في دراستها للآخر الموضوع، الثقافة الغربية؛ فإذا كان" الاستشراق" هو رؤية الأنا (الشرق) من خال الآخر (الغرب(، فإن علم الاستغراب يهدف إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا (الشرق) ومركب العظمة عند الآخر (الغرب) (7).

ويشكل كتاب " مقدمة في علم الاستغراب" البيان النظري للجبهة الثانية " الموقف من التراث الغربي" (بعد الجبهة الأولي والمتمثلة من العقيدة إلى الثورة والتي كانت تمثل إعلانا لميلاد نهضة جديدة بالنسبة إلى " الأنا" )، حيث يهدف البيان عند صاحبه إلى تأسيس " علم الاستغراب" تماما كما هدفت أعماله سابقة إلى تأسيس علوم كثيرة : منها مقدمة ابن خلدون لتأسيس " علم العمران"، وكذا سيبويه لتأسيس " علم النحو" وألفية ابن مالك، والخليل بن أحمد لتأسيس علم العروض (8)، ومن ثم يكون كتاب " مقدمة في علم الاستغراب هو إعلان لنهضة قديمة نشأت وتطورت واكتملت في الأفول أي أفول " الآخر"، وعلى هذا الأساس يري حسن حنفي أن دراسة " الآخر"  منذ تكوينه إلى نهايته هو الموقف الذي يجب أن يُتخذ في هذه المرحلة، فتحديد الموقف منه – أي من الاخر – هو جزء من حركة التاريخ وتطور الحضارة واسمترار لما بدأناه في العصر القديم (9).

وقد صدر كتاب مقدمة "مقدمة في علم الاستغراب" أواخر 1990 وهو كتاب ضخم وعدد صفحاته 884 ورقة من القطع الكبير، ويعد مؤلفه أول من أبرز لفظ " الاستغراب" علي النحو اللافت، ويتألف الكتاب من بيان نظري وثلاثة أجزاء صدر منه فقط بيانه النظري، وقد أثار الكتاب بصدوره ضجة واهتماما واسعين واستقطبت قراءته العديد من الباحثين والمفكرين المهتمين بالعلاقة بين الشرق والغرب وتشكلت مواقف متباينة أولت النص الحنفي وترجمته العديد من المقالات، كما نُقش الكتاب في عدة ندوات، ورغم أن الكتاب يتألف من ثمانية فصول وخاتمة، إلا أن محوره الأساسي يمكن في الفصل، أما باقي الفصول فهي تطبيق للفكرة الرئيسية (دراسة الغرب) أو بالأحرى الوعي الغرب بداية تشكله وكل المدارس والاتجاهات والمذاهب الذي عرفها هذا الوعي في تطوره إلى الفكر المعاصر (10).

وبهذا تأتي هذه الدراسة التي قدمها المؤلف عن " الاستغراب"، حلقة شائكة غامر من خلالها المؤلف بالكتابة عن علم الاستغراب والذي من خلالها انقلبت الموازين، وتبدلت الأدوار، وأبح الأنا الأوربي الدارس بالأمس هو الموضوع المدروس اليوم، فأضحت محمة علم الاستغراب في نظر حنفي هو فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا  بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدي الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا العالم ثالثي بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس (11).. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............................

الهوامش:

1- خليل الخليل : المشروع النهضوي عند حسن حنفي، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية - سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 41، العدد 5، 2019، ص 583-584.

2- المرجع نفسه، ص 585.

3- المرجع نفسه، ص 586.

4- أنظر ما قاله حسن حنفي في حواره مع الأستاذ محمد حسن :  د. حسن حنفى : علم الاستغراب ومصير الوعى، أدب ونقد،  حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 150، 1998، ص 112-114.

5- صفوان جيد : قراءة في علم الاستغراب، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 98، 2000، ص 86.

6-المرجع نفسه، ص 87.

7- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، حلقة موقفنا من التراث الغربي، دار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص 14.

8- المصدر نفسه، ص 15.

9- د. جويدة جاري: قراءة تحليلية نقدية في مشروع مقدمة في علم الاستغراب ( للمفكر حسن حنفي)، منشور ضمن المنهل ..أنظر الرابط :

https://platform.almanhal.com/Files/2/13422

10- صفوان جيد : المرجع نفسه، ص 85.

11- حسن حنفي : المصدر نفسه، ص 16.

 

 

محمد السعديسيرة ذاتية للصديق والقاضي زهير عبود كاظم عنوان كتابه ”الأرض والسلاح والإنسان ” الصادر عن دار نشر 4D في مدينة النجف الاشرف ” الذي أهدانياه مشكوراً، والذي لفتني عنوانه بتلك المفردات الثلاثة تعبيراً عن الإنسان ومحطات حياته النضالية في حقبة مهمة من تاريخ العمل الفدائي (الفلسطيني) عشية هزيمة ٥ حزيران عام ١٩٦٧ . في مقدمة كتابه، الذي يحوي ١٢٦ صفحة من الحجم الكبير عرض موجز ومكثف عن بدايات إعلان الثورة الفلسطينية وإنطلاق منظمة التحرير ” فتح ” بقيادة ميدانية من رئيسها الراحل ياسر عرفات، وتداعيات الموقف العربي الرسمي والشعبي في الدعم والمساندة المعنوية والمادية والاعلامية والوجستية بإتجاه تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة من قبل الكيان الصهيوني ودوائره الامبريالية، فضلا عن هذا الدعم والتأيد الكبيرين للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلها الشرعي في التمثيل والنضال، لكن تناسلت عنها عدة تنظيمات ومنظمات بداً من الجبهة الشعبية مروراً بالجبهة العربية لتحرير فلسطين الى منظمة حماس بعد أن أصبحت قراراتها ووجودها بيد قرارات وأمزجة الانظمة والدولة التي أحتوتها وبمرور الاعوام تحولت من مشاريع نضال وتحرير وعمليات فدائية الى سياسة تطبيع وإستسلام والتخلي عن شعارات الدولة القيطة والخنجر المغروس في قلب الوطن العربي . كان خطاب الاعلام العربي تأثيره النفسي والوطني بإتجاه تعبئة الشارع العربي نحو تحرير فلسطين فلبى هذا النداء الآف من الشباب العربي باتجاه التطوع في العمل الفدائي من أجل تحرير فلسطين ولم يغب عن بال الآخرين هناك دوافع وعوامل ثانية وثالثة دفعت هؤلاء الشباب بالتضحية بحياتهم ومستقبلهم .

زهير إبراهيم خالد .. من أهالي صفد / منطقة الصفصاف، هذه هي هويته الجديدة من مكتب الجبهة الشعبية القيادة العامة في العاصمة بغداد ليحملها بصفة مقاتل فدائي بين عمان ودمشق لمدة تسعة شهور وتسعة أيام  يسردها بتفاصيل المدن والشخصيات والوقائع والاحداث والمفاجأت وروح التجربة، في بداية حياته بمدينة مسقط رأسه ”الديوانية” أحدى معاقل الشيوعيين في الفرات الأوسط أنتمى الى خلية حزبية ولضنك العيش وصعوبة وضع أهله المعيشي تطوع نائب ضابط في الجيش العراقي، وظل مجاهداً متمسكاً في خليته الحزبية الشيوعية، وفي موجة حملة مداهمات وإعتقلات قبل إنقلاب البعثيين عام ١٩٦٨، أدت الى اعتقاله وطرده من الجيش وراح يبحث عن وعاء جديد يرى به نفسه ويلبي طموحه ويحقق رغباته في النضال والعنفوان فقادته تلك الهمم الى مكتب الجبهة الشعبية / القيادة العامة ”أحمد جبريل في العاصمة بغداد ليسجل نفسه فدائياً عربياً. تجربة غزيرة يرويها القاضي زهير عبود كاظم في إستذكار سيرته الفدائية وتتبع أدق تفاصيل مجرياتها بحرارة ذلك الزمن من المقاومة والنضال ووقعها التاريخي والوطني .

بعد تسعة سنوات وتسعة شهور يرجع الى وطنه العراق عبر بوابة ”دمشق عاصمة الامويين الذي يصف مدنها وأزقتها وشوارعها بالرشاقة والوسامة ونهر ”بردى الذي يضيء تاريخ وجه المدينة وعنفوانها . بغداد .. التي تركها منذ شهور الى العاصمة عمان التي يراها مدينة صغيرة وقديمة وتاريخية ويتوسط شارعها الرئيسي فندقها الوحيد . عاد الى مطرحه الأول مدينته ”الديوانية”وجيبه ممتليء بالافكار والطموحات قد تفوق عمره في ذلك الزمن . ومرة أخرى بين صفوف تنظيمات الحزب الشيوعي في مدينته تحت ظروف معيشية صعبة للغاية، وكان يتطلع كأي شاب بعمره وطموحه الى مستوى دراسي قد يرفع به مستوى عائلته المعيشي والمادي، وكان يأمل أن يمنح زمالة دراسية عن طريق الحزب الشيوعي العراقي الى أحدى الدولة الاشتراكية، لكنه أزداد أحباط وخيبة، عندما شاهد بأم عينيه طريقة منح الزمالات الدراسية الى أولاد القادة الحزبيين وذيولهم، هنا وقفني أمام تجربة شخصية سابقة  أيام الجبل وحرب الانصار، كانوا يأتون لنا شباب من المدن ولا أحد يعرف ربهم ولا ممكن حتى الاختلاط معهم ومعرفة أساسياتهم وطيلة وجودهم في مقراتنا عيونهم تربوا الى الطريق المؤدي الى  إيران ومن هناك الى دول الزمالات والدراسات على حساب رفاق ومناضلين ومقاتلين أشداء ؟.

في ١٥ شباط ١٩٧١ يترك مدينته والعراق مرة ثانية بحزن بعد أن خابت ظنونه وأهتزت قناعاته وسيطرة البعثيين على السلطة ودفة الدولة واللعب بمقدرات الناس فلم يجد أمامه سبيلاً الا العاصمة دمشق حيث هناك النشاط والعمل السياسي (الفدائي)، ليجد نفسه مجدداً مقاتلاً وسط تنظيمات منظمة الصاعقة واسمها الرسمي " طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة ", هي منظمة فلسطينية قومية موالية للبعث السوري (على عكس جبهة التحرير العربية الموالية للبعث العراقي . ولخبرته السابقة في العمل الفدائي وفي الجندية العراقية يرحل الى جنوب لبنان مسؤول أحدى الفصائل المسلحة في منطقة (جبيل) الحدودية مع العدو الصهيوني . 

الذي لفتني في كتاب القاضي زهير عبود كاظم (أبو علي)، ذاكرته في ذكر التفاصيل التفاصيل اليومية لكل يوم من خلال تجربته، الاشخاص، المواقع، التعرضات، المفاجأت، الشهداء، القادة، الامكنة، حمدونه، التموين، تفاصيل الطبخ، القرى، السلاح . حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ كانت ومازالت تداعياتها تلقي بظلالها على الشارع العربي والموقف الرسمي للحكومات وتحديداً التي خاضت الحرب أي دول المحور والتصدي العراق، جمهورية مصر، سوريا . وقد خاض المصريون الحرب مع الكيان الصهيوني على أمتداد جبهة واسعة تجاوزت  عبور خط ”بارليف المنيع ” الى قناة السويس .  سوريا وجيشها العربي والفصائل الفدائية لقد تعرضت الى ضغوطات كبيرة، وكان لوقفة الجيش العراقي من خلال مشاركته في الدفاع غير مجرى المعركة بإتجاه آخر . نتيجة الحرب وتداعياته تركت أثارها على الفصائل الجهادية في خطط عمل جديدة وسيناريوهات مختلفة . يذكر القاضي زهير في ختام كتابه بعد تلك الاحداث وجد له كرسياً في جامعة دمشق ليكمل مشواره العلمي والاكاديمي وليتخذ من القلم والقانون وسيلة نضالية في خدمة مشاريع الوطن والانسان . 

 

محمد السعدي

مالمو/كانون الأول ٢٠٢١

 

 

 

محمود محمد عليواهم من يعتقد الأطماع الإسرائيلية بالتوسع والاستعمار تقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين، فالحلم اليهودي المزعوم يمتد أبعد من ذلك بكثير، إذ ترنو أنظار الإسرائيليين نحو قبلة المسلمين والأرض التي احتضنت تاريخ الرسالة الإسلامية .

وهذا ما يجسده لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان "العودة إلى مكّة" والذي ألّفه المؤرخ اليهودي “دنيس آفي ليبكن” Dennis Avi Lipkin، وهذا الكتاب يدور حول فكرة مفادها أن بني إسرائيل استوطنوا قديما في جزيرة العرب، ليبرهن أنه من حق اليهود العودة إلى مكة .. أرض الميعاد، ويعتمد الطرح الدي يقدمه " ليبكن" على بحث تاريخي، يزعم أن بني إسرائيل لما تاهوا لأربعين عاما في البلاد كانوا في منطقة شبه الجزيرة العربية، مضيفا إلى أن جبل الطور الذي كلم الله موسي فيه، إنما هو جبل اللوز في تبوك السعودية، وليس جبل موسي المعروف في سيناء

والكتاب يمثّل تطوّرا لافتا في الأحلام الصّهيونيّة التي تراود صهاينة اليهود ومتديّنيهم، وتغريهم بالاستحواذ على أرض الميعاد التي تحدّثت عنها نصوص التّوراة المحرّفة، ويسمّيها الصّهاينة “مملكة إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داود”، وتضمّ بزعمهم فلسطين وأجزاء كبيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية.

يأتي هذا الكتاب القنبلة في وقت كشف العرب العاربة والمستعربة على حد سواء،عن عوراتهم وأسقطوا حتى ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم، بخصوص العلاقة الخفية بينهم وبين مستدمرة إسرائيل الخزرية، بإعلانهم التحالف الاستراتيجي معها،تحت ستار الخوف من إيران ؛ يقول ليبكن “… أصرّح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنّ مكّة المكرّمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشدّ من اليهود، لأنّهم في هذا البلد الحرام وفي هذا الشّهر الحرام ذي القعدة الماضي هجموا على التكارنة السّود المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا حتى يسفروهم ويخرجوهم عن مكّة المكرّمة”، كما نشرت مجلة الشهيد الإيراني (لسان حال علماء الشيعة في قم بإيران) في عددها 46 الصادر في 16 شوال 1400هـ صورة للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة للمسجد الأقصى المبارك وبينهما يد قابضة على بندقية وتحتها تعليق “سنحرّر القبلتين”!

وأرض الميعاد التي يسميها الصهاينة مملكة إسرائيل أو مملكة داوود،تحدثت عنها التوراة المزيفة،وهذا ما خاض فيه المؤرخ الصهيوني الإنجيلي ليبكين،،وحمل غلافه صورة المسجد النبوي الشريف يتوسطه "التيفلين اليهودي" مكان الكعبة المشرفة،وهو مكعب أسود يشبه الكعبة المشرفة مربوط بخيط أو حزام يضعه متدينو اليهود على جباههم.

هذا الكتاب يرسم حدودًا جديدة للدولة اليهودية وفق “ليبكن”، انطلاقًا من مبدأ “استعادة أرض بني اسرائيل الذين يعتبرون انفسهم السكان الاصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”، حقًا لهم.

وأكد " ليبكن " بنبرة تشي بأطماع اليهود: إن السعودية والجزيرة العربية ما هي إلا جزء من الأرض الموعودة لبني اسرائيل”، مستشهداً بما تقوله التوراة المزعومة لدى اليهود:" أن الله يقول أنه سيمدد حدود أراضيكم الموعودة من لبنان إلى أرض العرب ولكن الله لم يقل أرض العرب بل قال الصحراء ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

والجدير بالذكر أن غلاف كتاب “العودة إلى مكة” تضمن صورة للكعبة المشرفة -قبلة المسلمين- وحولها انشوطتان سوداويتان وعلى جانبها وضع الشمعدان اليهودي، وفي وسطه “التفيلين” اليهوديّ مكان الكعبة المشرّفة، والتّفيلين مكعّب أسود يشبه في شكله الكعبة، مربوط بخيط أو حزام، يضعه متديّنو اليهود على جباههم.

ويدعي مؤلف كتاب العودة إلى مكة أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء،بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة،ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

واللاّفت في أمر هذا الكتاب أنّ مؤلّفه لا يكتفي في مقابلاته الصحفية بزعمه أنّ جبل الطّور الحقيقيّ الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام وأنزل عليه الوصايا العشر هو جبل اللّوز الموجود في محافظة تبوك على الأراضي السّعوديّة مقابل أرض سيناء، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء مصر! وأنّ فيه الكهف الذي استقرّ فيه إيليا (إلياس)، وبدعوته اليهود والنّصارى لأن يتّحدوا لتحريره من المسلمين؛ لا يكتفي هذا الصّهيونيّ بهذا الزّعم، بل يذهب بعيدا ليدّعي أنّ أرض الميعاد تصل إلى مكّة المكرّمة وفق ما فهمه من نصوص التّوراة التي تتحدّث عن صحراء العرب ولا تتحدّث عن أرض العرب فحسب!

وأضاف ليبكن بأن على المسيحيين واليهود أن يتّحدوا ليحرروا جبل اللوز" جبل سيناء"، وينتزعوه من حوزة المسلمين، متابعاً أن "الجوف وتبوك الواردة في اقتباس بن لادن لا تبعد سوى 100 أو 200 كم من إيلات على الحدود الجنوبية لإسرائيل".

وأشار "ليكن" إلى أن أطماع ايران مرتبطة بوقوع مكة في منطقة قريبة جداً من الساحل، ومن يتمكن من السيطرة على مكة سيمتلك زمام الحرب بين الشيعة والسنة"، مستدركاً أن "الأيام القادمة ستشهد مواجهة حاسمة" معرباً عن اعتقاده بأن "الحوثيين والإيرانيين سيقومون باحتلال السعودية من الجنوب والغرب".

وأردف ليبكن أن “السعودية ستطلب العون من مصر وربما من إسرائيل ولكن داعش ستأتيهم من الشمال أيضاً”، مستطرداً أن “حرب السنة والشيعة المستمرة منذ 1400 سنة ستنتهي عندما يسيطر أحد الطرفين على مكة”. وبذلك يدعو “ليبكن”، معتمدًا على نُبوءات “الكتاب المقدس”، المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، التي تعد أرضًا مقدسة للديانتين معًا.

الكاتب "ليبكن" الذي دأب على الظّهور في كثير من الفضائيات الدينية التابعة للمسيحية الصهيونية في أمريكا، داعيا إلى تشكيل حلف مسيحي صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة، يوصي بالاستفادة من الحركة الحوثية التي تستهدف الأراضي السّعوديّة، وتضع عينها على مكّة والمدينة، وإلى توظيف العقائد الشيعيّة التي تغري أتباعها بضرورة استعادة مكّة والمدينة من أهل السنّة، وهو الحلم الذي لا يزال بعض المسلمين يتجاهلونه رغم توارد دلائل كثيرة تشي بأنّ الشّيعة يسعون سعيا حثيثا لتحويله إلى واقع؛ دلائل كثيرة ربّما لن يكون آخرها تصريحات بعض معمّمي الشّيعة وقادة مليشياتهم بأنّ انتصار حلب سيمهّد لتحرير مكّة والمدينة!

ويدعي ليبكن أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء، بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة، ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

يعترف ليبكن ذاته علانية بنية مستدمرة إسرائيل الخزرية احتلال مكة المكرمة،ويؤكد أن الصهيونية ما تزال قائمة على الأساطير التي وضعها حاخامات السبي البابلي، ويعرب عن أمله بأن يصل الربيع العربي إلى السعودية،كي تطلب النجدة من أمريكا وإسرائيل،وبالتالي يصبح احتلال مكة المكرمة تحصيل حاصل، وهذا ما يفسر تزيين الصهاينة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان جرائمه بحق المواطنين السعوديين من ناشطين وعلماء وأثرياء حتى أن أذاه شمل أبناء عمومته الأثرياء والأقوياء.

ويأتي الهدف من هذا التزيين تسريع الإنفجار في السعودية، ليتسنى لأمريكا ومستدمرة إسرائيل إحتلال مكة رسميا وبطلب سعودي،بحجة أن الشيعة يدعون للهيمنة على مكة والمدينة،ويبدو أن المخطط الصهيو-مسيحي"الإنجليي " سينجح بسبب غباء البعض أو إتقانهم لدورهم وتفانيهم في خدمة أصولهم .

ويعتبر “ليبكن” أنّ التحركات المعارضة داخل السعودية تعدّ من الأمور التي على “اسرائيل” استغلالها في سبيل تحقيق هدفها. ويوضّح كلامه في أكثر من مقابلة، إذ يؤكد أن الربيع العربي لا بدّ أن يصل إلى السعودية التي ستطلب الحماية من الولايات المتحدة و”اسرائيل”، ما يقدم لليهود فرصة للسيطرة على مكة. في حين يظهر الكيان نفسه بصورة البطل الذي أنقذ آل سعود.

وفي سياق طرحه يدعو " ليبكن" المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، على اعتبارها أرضا مقدسة للديانتين معا مستشهدا بأقوال من الإنجيل والتوراة، وزاعما أن العهد الجديد حدد مكتن جبل سيناء على اعتباره في جزيرة العرب، وقد أكد ليبكن مرارا خلال مقابلات عدة له أن ما عرف بالربيع العربي لا بد سيصل يوما إلى السعودية، التي ستطلب بدورها الحماية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يوفر لليهود فرصة عظيمة للاستيلاء على مكة، بعد تقديم الكيان الغاضب نفسه على أنه المنقذ لآل سعود بعد إشاعة الفوضى، فهل ستنبه قادة العرب والمسلمون إلى هذا المخطط، أم أنهم أكلوا يوم أكل الثور الأبيض

واختتم ليبكن كتابه داعياً إلى اتحاد «المسيحيين واليهود» لاحتلال السعودية والإستيلاء على مكة موظفاً نصوص التوراة والأسفار المحرفة كما في كتبه، وزاعماً أن “نهاية مجد الإسلام باتت قريبة جداً” وهي النغمة النشاز التي دأب الكثير من قساوسة الدين المسيحي وحاخامات اليهود على ترديدها في كل المحافل.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسب المرسومياصدارات تتجدد في طياتها روح التكوين والمدارس الأدبية المفعمة بالانطلاقة والتحرر من قيود الإفراط في النمط المتبع في كل لون أدبي له أساسيات بني عليه ذلك اللون الذي يحاكي الحب والوطن .

في القراءات الجديدة التي أصدرها الشاعر عباس باني في كتابه الأخير  (قراءات في دفتر الجنون) نرى صورة لمجموعة مدارس ربطت بين الحاضر والماضي لنمط شجاع تحرر من قيوده فانطلق نحو مدرسة كان قد وضع لها قداسا جديدا جامع بين الحداثة والقدم .

في جسد الشاعر شخصيتين، الأولى المستقرة اجتماعيا حسب ما يظهر والمتكيفة في ضلال عدم الحاجة، والتي لها القدرة في الوصول الى ما تبغي لكنها لا تنعكس ماديا مترفة على ضلال الأخرى المتعلقة في الجسد ذاته، وهي الشخصية ذات الجوف الدامي والأنا الباكية لجروح ذاكرتها القديمة والعميقة التكوين تلك التي تنزف الكلمات بإيقاعات مبنية على ذاكرة الزمكان المتفاوتان في آنيهما .

(حين تكون الطفولة مازالت عالقة بالحبل السري للزوال

.. المطر يبكي فراقه لعلو الغيوم).

ولم تتمكن الروح في الشخصية الأولى القضاء على القلق الدائم المبيت أرقه في حصارات على شبابيك الأنا المزدوجة والمزدحمة والتي لطالما استسلمت رغم محاولات الانفلات والهروب من غربتها كأنها تعشق ما تكنه الذاكرة المبطنة لتعيدها في منظور يتطور في صوره كلما كثرت كتابات عباس.

(متعلق بغرقي بكف المجهول الذي استطال الى همس الجنون).

وهنا في (قراءات في دفتر الجنون) يبحث عباس عن مخرج لانطلاقة يحاول فيها إدراك كل الكينونات المقيدة في كتاباته المختزلة لتلك الكينونات التي وضعت الإشراط والجزم والتجزر كأنها تشبه حصار أناته الذي ما انفك قائما، محاولا إدراك ذواته تماما في حرية مطلقة وصل فيها الى إرضاء كامل لما حبلت به الذاكرة النشطة للزمكان المنقرضان، والذي ولد جديدا بصياغة حديثة مبنية على قدسية الأنا المنصهرة في بودقة التحديث لعولمة الكاتب والذي يتحدث عن حاضر غائب في ضمير الأنتظار لحلم قد لا يتجاوز جملا على ورق أرادها أن تكون طويلة تعطي كل تصوراته مشبعة في انتظار الغائب .

(كي ارتقي سلالم النور على جسدي الباحث عن حرية الاختيار

ارمي صمتي بزجاج النوافذ لأرسم صورتك بكل الألوان

تضوع روحي بأنفاسك واسقط بين كفيك بريئا في صلاة الأسفار

أعرف انك لن تعودي وبانك ستأتين قبل موعد الانطفاء

سأنتظر ... سأنتظر).

وفي حافات أخرى للنصوص المفعمة بالتأله

(أصادق الأنبياء والمجانين والعشاق والثوار).

فهذه الفئات الأربعة تشكل عند عباس باني رموز إلاهية، هي تلك التي تتصف بكل صفات المنطق الذي لا يشبه الآخر، وهي الحقيقة في واقعها تماما لصناعة الحياة التي وضع هؤلاء أساسياتها في فلسفة الروحانيات والتجدد، وهي الروح التي تلامس ذاته بكل تفاصيلها الثورية، وأنا في الحقيقة أرى أن النصوص التي تصنع الحياة لا تأتي من فم عاقل أو سوي طبيعي لم يتصف بصفة من تلك الصفات الأربعة والتي تلازم نصوصه ومن حدا حدو جنونياته .

في دفتر الجنون حضورا متميزا لجملة مجانين صنعوا للحياة مزارات منها ما عبد ومنها ما استقام على أساسه الفكر فانبثقت منها السونيتات وينابيع العزف الروحاني في سيمفونيات مطولة، حضورا أنيقا لطاغور بفلسفة الحاضر ولجبران بصناعة الوجود المثالي للقصيدة ونيتشه المفعم بالحقيقة والوجود وكأنني أمام عالم من مدرسة لاهوتية تقتحم عالم الحداثة في إبداع عولمي متجدد أو انه يصنع جمهوريته ليطير بها متمردا ينعم بلحن متخصص في قراءات متجددة لإسفار التوراة والإنجيل وبعض من مفردات قرآنية.

(لان الحكماء دائما يصلبون على جذع الضوء الخارج من أرواحهم

لأنهم تعلموا كيف تتجاذب أرواحهم مع المعنى

دون أن يغلق بصيرتهم الضوء الساقط من حافة اللامعقول

لان شريعة المعنى فضيلة الغرباء).

وحين أتنقل بين أوراق القراءات في دفتر الجنون أرى أنني أعيش خاطرة الفلسفة الكونية في أحجية تهمس في أناتي لتوقظ فيها ذاكرة حاولت أن تجعل في إحساسها أسلوبا له ذات الانطلاق في تحضيرات عباس باني،إذ لم تزل الخطوط الأولى التي رسمت كتاباتي تنقش في خط الأسلوب ذاته لكنه تعثر في زحمة الأساليب فأصبح غير مستساغا ولم يرى منه النور سوى بعض مخطوطات صغيرة في كتيب اسمه (صور قيد التظهير) الذي انتهى متعثرا في أروقة الأرق والانتظار .

هنا وضع عباس كل ما حلم به وما أراد أن يوصله للقراء في صورة أدبية شجاعة وما أراد أن يوصله للحبيب المفقود في جنونياته والذي ما انفك منتظرا إياه رغم كونه متأكدا من أنه لن يأتي وضل يقول

(آتيك .. آتيك)

بعد يأس من كلمة

(تعالي .. تعالي)

ولم يزل يبحث عنها في كل قراءاته الى النفس الأخير مترجما أحزانه في البحث عنها لتشكل في قاموسه حياة أبدية وحلما من أجمل ما يكون

(بعد أن غسل النهار جنوني بحد ضياع ولادتي بين كفيك في كل حين

تعالي .. كل روحي اليك مهبطا

تعالي قبل أن تضيع براري الهوس بشرائع خرافة الألم في جبين العصور

تعالي)

هذا الحلم المفقود بنيت عليه تلك القراءات الكبيرة في جسد جنونياتها،، هذا الجنون الطفولي المكتشف في ذاته لذاكرة تدارست، لكنها لم تنقطع أحلامها ولهذا لم تزل تنتظر أملا يأتي وحلم عبر المواسم والأعوام رغم هروبها وهرمها .. هذا التاريخ الكوني الذي كتب في صفحاته المتدثرة بصفائح الروح لامرأة لا تشبهها ثانية، تعني كل أشياءه فهي التأريخ في كل المواسم وهي الفردوس والأسفار والوطن

(عيناها جدولة الكون حين ينهزم التأريخ من أوراقه، عيناها صديقة كل المواسم التي تنثر بساتين روحي بكل أزهار الفردوس، كانت امرأة خارج النساء حين ينبت ضلع الطين على أجسادهن، كانت وطن دون جدران المدن

كانت وكانت

افترقنا دون عنوان الروح بالمسير إلى وطن

دون وطن)

وللأماكن والمسارات التي قطع شوطها من الحزن الم ينشره على تلك الطرقات والقطارات والمطارات ورمل الشواطئ والمدن التي تقاذفته، والمواسم التي مر بها كمسافر دائم الأسفار حقيقة وتصور

(أنا ضيعت وجهي في زحمة المطارات التي ترتقي فوق تنفس الهواء الممزوج بالغيم أبحث عنه

ابحث في مرايا عابري السبيل باتجاه نقطة هوس البحر وقت ازدحامه على صخرة الرب

انتزع وجهي من المرايا وأعبر الشوارع دون انعكاس الضوء على عيون المكان)

وهو يحمل في حقيبة صغيرة بين أضلعه رمزا لحياة رغم كونه يعلم أنها أضحت خسارة وضلت حلما لم تأته حقائقها البتة، سوى أنها تشكل حاضرا بنيت على أساسه خاتمة التصور فأنتجت تلك الفلسفة الصوفية  وهذا العبور إلى مرحلة التيه والتوحد مع الذات التي ما انعس الحاضر ليأخذ أحلام الطفولة كأنه يضع الوجود الحقيقي لجمهورية القلب والروح كحقيقة يتلمس وجودها بين أضلع لم تزل تنظر خارج حدود الزمن.

(أصبح القلب خيط الأمس يمتد باتجاه وجوهنا التي كانت تؤشر الفرح في لقائنا

ما عادت هكذا وذبلنا من أجل لقاء قد لا يأتي أبدا الى دروبنا

وتقطعت علامات الحنين في كوابيس ارقنا

نما فقدان الذاكرة دون إشارة إني عشت أمسنا)

أما أنا فلم أزل أتيه بين الدفاتر الجنونية لعباس باني لعلي أصل الى حقيقة ما يريد رغم كونه أعط بجلية كل تصوراته لكنه لم يعط الحق بتصريح يجاز به القارئ ليصل الى كيفية التوحد بين المفترقات التي تزيح في دائرتها الثورية لعقلية الأديب المتفحص لعلة المنشور، ورغم استخدام كل أجهزتي الحديثة التكوين لكنني لم استطع تشخيص علَاته الكثر، وما زلت اعشق هذا التيه بين سطور هذه الصفحات المجنونة . ورغم ذاك فأنا لم أعط حق ما أعطيته أو يعطيه أي كاتب يقرأ (قراءات في دفتر الجنون) حقها،، فهي عمق كبير وشرخ واسع في ذاكرة الزمان والمكان والحداثة، فانا لم اعد أدرك منها سوى القليل كوني أراني أمام هرم كبير له قداسه وطقوسه .

 

الكاتب: جاسب المرسومي – العراق

 

 

عدنان عباسصدرت مؤخّرًا (2021) عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون في بغداد – بيروت - دمشق، (الأعمال الشعريّة) المكتوبة بالعربيّة للشاعر هاتف جنابي، بـ(886) صفحة، بما في ذلك بعض الدراسات للشاعر وسيرته ونماذج ما قيل في شعره. تعكس هذه الأعمال جهدًا إضافيًّا كبيرًا لما صدر له بالعربيّة وما لم يصدر، فقد جمعت الأعمال قصائد كُتبت خلال سنوات تجريب طويلة، كان الشاعر متردّدًا في إصدارها، بسبب اهتمامه بتنقيح قصائدها الذي اتّخذه أسلوبًا في الكتابة، ورصد ما نُشر منها في الصحف والمجلّات وما لم يُنشر، وكان من المفترض في رأيي إصدارها قبل هذا الوقت بكثير. يتزامن هذا الجهد مع جهود إبداعيّة وكتابيّة ونقليّة كثيرة أخرى قدّمها الشاعر، ولاسيّما عمله الكبير المرتبط بترجمته انطولوجيا الشعر البولندي الذي صدر في بغداد عن دار المدى هذا العام، فضلًا عمّا صدر له أو عنه بلغات كثيرة. سأتناول هذه الأعمال بالعرض وليس بالتحليل والدراسة، وستكون هذه المادّة أشبه ببطاقة تعريفيّة موسّعة نسبيًّا عن هذه الأعمال - أفكارها وموضوعاتها، تأخذ في الحسبان أهمّيّتها، ومكانتها، وتجربة الشاعر هاتف جنابي فيها.

تتضمّن (الأعمال الشعريّة) ثمانية دواوين، هي على التوالي: (لا يُشبه نفسه - لم يُنشر سابقًا 2021)، (صمت 2020)، (ضيف 2018)، (وليمة الأسماك 2017)، (إذا دخلتَ بيتنا فستقبّل قدميك العتبة 2014)، (موعد مع شفرة السكّين 2012)، (رغبة بين غيمتين 2009)، (فراديس - أيائل وعساكر 1998). لقد رتّب الشاعر هذه الدواوين بطريقة أخرى، تبدأ بآخر ديوان (لا يُشبه نفسه)، وتنتهي بأول ديوان جامع بالعربيّة (فراديس – أيائل وعساكر).

يبلغ عدد القصائد في (الأعمال الشعريّة) 382 قصيدة بين ومضة وما يُشبه الهايكو وقصيرة ومتوسّطة الطويل، وطويلة ومركّبة ذات مستوبات متعدّدة من حيث الشكل، وملحميّة مكثّفة بالبنى والمعارف والأفكار والتأمّلات، وتشير هذه القصائد إلى مراحل تطوّر متفرّقة، وأشكال تجريب متنوّعة، وأفكار ورؤًى، ولاقت مجموعة غير قليلة منها اهتمامًا من لدن المتابعين والنقّاد والكُتّاب والمترجمين. أمّا العدد الإجمالي لهذه القصائد في الدواوين، فتتوزّع بحسب تسلسلها في الأعمال الشعريّة، كالآتي: (لا يشبِه نفسه - 44)، (صمت - 56)، (ضيف - 51)، (وليمة الأسماك - 28)، (إذا دخلت بيتنا فستقبّل قدميك العتبة - 39)، موعد مع شفرة السكّين (28)، (رغبة بين غيمتين - 49)، (فراديس – أيائل وعساكر - 87).

بعد هذا التعريف السريع بالأعمال، أجد من الضروري التفصيل فيها، والتوقّف عند تجربة الشاعر هاتف جنابي، لما تمثّله في اعتقادي من أهمّيّة للباحثين والنقّاد، أو المهتمّين في تقصّي ما فيها من ثيمات وبنًى، مستفيدًا من بعض ما طرحه الشاعر من مواقف وآراء عن شعره في الآن ذاته. لقد امتدّ عمل الشاعر الإبداعي سنوات طويلة تنيف على نصف قرن، استطاع فيها تشكيل تجربته الخاصّة به بصبر ورويّة، وجرّب محاولات غير قليلة في الشكل، وكتب العشرات من القصائد المركّبة والطويلة والملحميّة، ومجموعة من شعر المقطّعات. حفل شعره أيضًا بعالم متنوّع من الثقافات، الشرقيّة والأوروبيّة، ولاسيّما العربيّة، العراقيّة منها خصوصًا، والبولنديّة، وتُرجمت أعماله إلى لغات متعدّدة، ودخل كشاعر ومترجم في عدد من الموسوعات العالميّة، إلّا في بلده الأمّ العراق، حيث لم تعامل قصيدته ومبدعها بالشكل الذي حظيا به من اهتمام واسع في المنتديات والمطبوعات الغربيّة والعربيّة.3135 هاتف جنابي

يشير الشاعر هاتف في مقدّمته (لماذا الأعمال الشعريّة؟ ص 5-7)، إلى تريّثه الطويل في إصدارها، ويربط الأمر بضرورة إنضاج تجربته الشعريّة بقوله: "إنّ الوقت غير مناسب أو إنّ تجربتي تحتاج إلى مزيد من الإضافات الجديدة". يعلّل الشاعر هذا التأخّر بضرورة المضيّ بإكمال التجربة، التي لا تكتمل، مهما طال الزمن والعمل، عندما يقول: "تثبث هذه التجربة بعدم اكتمالها لكي تتّسع وتغتني، لأنّ العمل الفنّي مهما كان عظيمّا لا يمكنه أن يكتمل. إذًا، هي أعمال شعريّة في طريقها إلى النضج لا الكمال، ومن الأفضل أنْ يبقى مصيرها مشرعًا للرياح". وعلى الرغم من أنّني أحسّ بوجود تواضع في رأي الشاعر، خصوصًا بعد مضيّ وقت طويل على تجربته الشعريّة، أجد أنّه على حقّ بأنّ الأعمال مثل البشر تتجدّد وتتغيّر، وأنّ الفعل الإبداعي يشبه الكائن الحيّ الذي ينمو بتجاربه ويتطوّر وفقًا لمتغيّرات العصر اليوميّة، فيتعلّم وينضج مع الوقت دون أنْ يصل إلى مرحلة الاكتمال، ما دامت الحياة متواصلة، وما دام الفعل الإبداعي يستمدّ طاقاته الفنّيّة والمعرفيّة ممّا يدور في هذا العالم المتحرّك، وإمكانيّات مبدعه في تقصّي ما هو جديد فيه، فمتغيّرات أيّ عصر جديد تغني التجربة بلا شكّ، وتضعها على طريق واضح المعالم، وناضج على صعيدي الأفكار والأشكال. يعطي تنظيم الأعمال بهذا الشكل الانطباع بأنّ الشاعر يترك لنفسه فسحة في التعامل التجريبي الخلّاق بالتنقيح، والتعامل مع نصوصه، ولاسيّما غير المنشورة في ديوان بأسلوب مفتوح على التغيير والتعديل والإضافة، فضلًا عن أنّ هذا الشكل من التنظيم جاء أيضًا عبر تشاور الشاعر مع غيره، الأمر الذي رسّخ قناعاته فيه، قائلًا في مقدّمته: "بعد استشارة من أعتزّ بتجربتهم وتوفّر إمكانية التواصل السريع معهم، اخترت ترتيب الدواوين تراجعيًّا".

يكتب الشاعر عن تجربته الشعريّة في المجالات المتعلّقة بشكل وإيقاع ومعمار فضاء القصيدة، أنّ هذه التجربة في شكل القصيدة قد "نشأت أساسًا من ممارسة عمود الشعر، مرورا بقصيدة التفعيلة، فقصيدة الشعر الحر، ثم قصيدة النثر والنصّ المفتوح"، إلى جانب النصّ القصير والملحمي. اهتمّ كذلك بالإيقاع، الداخلي المعتمد على التجنيس الموسيقي أو النبر وأجراس الحروف بالتوافق والتناوب أو بالترنيمة، أو الجمع بين أكثر من تفعيلة مختلفة متحاشيًا بذلك الرتابة الشعريّة. استعان كذلك بأسلوب الانزياح اللغوي والإيقاعي، وحاول مواجهة سيطرة التراث الإيقاعي على ذوقه الشعري، بتبنّي صياغات أخرى "نثريّة" أو خارج المألوف. ويبدو الشاعر واعيًا جدًّا لهذا النوع من الحرّيّة في الصياغة التجديديّة، والتي تعتبر هواء الشاعر الذي يتنفّس فيه، عندما يعرّج في مقدّمته على قصائده في ثلاثة عقود، قائلًا: "لاحظت أنّ ما تشكّل منها في الثلاثين سنة الأخيرة ونيّف يجمع إيقاعات ذات مستويات متنوّعة، قد تكون عديدة ومتمرّدة على القولبة". عُرف عن الشاعر هاتف أيضًا تعامله مع عدد من القصائد المنشورة سابقًا، بإكمالها في ديوان لاحق، مع اهتمامه الكبير في اختيار عناوين نصوصه بدقّة، وهندسة معمارها، بفضاءاتها الداخليّة المظلّلة لسياقات المتون، والخارجيّة المحيطة بها على سطح الورقة، ويسمّيه الشاعر بـ"الاهتمام "التشكيلي وهندسة الكتابة".

تتضّح من قصائد هاتف المبثوثة في دواوينه الثمانية في (الأعمال الشعريّة)، أنّها قصائد تولي مسألة الفكر والمعرفة والوعي الذهني وآليّات الكتابة اهتمامًا، وتنبع من ثقافات متنوّعة. تجمع بين شعور الشرقي العراقي ووجدانه الجيّاش بالعواطف وتقصّي المحسوسات، والذهنيّة الأوروبيّة المستندة إلى الفكر والوعي بالمجرّدات. تستفيد من التاريخ، وترتقي بالأزمنة والأمكنة وآليّات الصياغة، وتنضج بـ"الفكر والتجربة" اللذين أشار إليهما الشاعر في المقدّمة، وعلى الرغم من ذلك، فإنّه "يحذر من شعر يتمادى في توظيف الفكر"، ويشير إلى أنّ قصائده "ليست حبيسة تلك الأمكنة لأنّ أحلامها أوسع من زمن وفضاء نشأتها".

يهتمّ الشاعر هاتف كثيرًا بتلك الأساليب التي تستثمر الطاقات الكامنة في الأفعال والصفات بشكل فعّال، فضلًا عن التكرار والتسكين، ويميل في قصائده إلى التراتبيّة الديناميكيّة، والجماليّة الشفّافة، والشعريّة التي تغتني بالرموز والدلالات والمشاهد والصور، ومنها التشخيصيّة. وغالبًا ما يستعين في شعره بالتناصّ والفولكلور الشعبي والديني والتراث المحلّي والعالمي، وشخصيات إبداعيّة ومعرفيّة وفنّيّة وأبطال ومخلّصين ومنقذين. تتناول قصائده موضوعات متنوّعة، تستلهم من الحياة والتجربة منظورات وأفكارًا ترتبط بجدليّات الحياة والموت، السلم والحرب، الصفاء والقتامة، الضياء والعتمة. تسترفد مغازيها من قيم الإنسان ومثله، وتنحاز إلى الإنسان والحقيقة، بخطاب الواقعي، وتجلّيات الصوفي العرفاني، وتأمّلات الرومانسي العاشق للمرأة والحبّ والجمال والطبيعة، وقلق الوجودي. تلعب الطبيعة الحيّة والساكنة دورًا بارزًا وخلّاقًا في قصائده، حيث يتماهى مع الطير والريح، ويتفاعل مع جبروت الطبيعة، منطقها وأسرارها وعالمها المتجدّد، ويقف ضدّ كلّ من يحاول إيذاء الشجر والنهر والوادي والجبل، أو تدمير جمالها الأخّاذ وعطائها الوفير. يتقصّى بعض الأفكار الوجوديّة والفلسفيّة والعبثيّة والاجتماعيّة والسيكولوجيّة، لتخرج نصوصه مركّبة في أشكالها وبناها وأفكارها ومعانيها وأبعادها.

من جانب آخر، الملاحظ في ديوان (لا يُشبه نفسه) الذي ابتدأ الشاعر فيه أعماله الشعريّة، أنّه يشتمل على نصوص مهمّة غير منشورة، كتب قسمًا غير قليل منها في سنة 2021، أيْ في زمن وباء كورونا المأساوي، ومنها على سبيل المثال: "ألبوم كورونا" الذي يتكوّن من "محاكاة الطير في زمن كورونا"، و"أنا الريح". أمّا القصائد "الصينيّة" التي كتبها الشاعر في أثناء زيارته إلى بيجين، وما بعدها فهي غير قليلة، وتتراوح موضوعاتها بين الطبيعة والمرأة والمشاهدات والذكريات، مثل: "الكتابة بالحبر الصيني"، "عينا أبي الزرقاوان وسور الصين"، "توفو"، "الصينيّات"، "حوار مع صينيّة"، "امرأة في نفق ساحة تيان آنمن"، "صنوبريات تشينغدو". يحتوي هذا الديوان أيضًا على عدد من القصائد "العراقيّة"، التي تتنوّع ثيماتها بين رمز أرض السواد – النخلة، وخطاب التاريخ، وحكاية العراق والعراقيّين، مثل: "من أرض بابل.. سيدة الشجر"، "حكاية العراقي"، "العراق سنة 2021"، "الأحدب العراقي"، "وطن"، "حارسة الأعظمية". تتمثّل أشكال قصائد هذا الديوان بالومضات السريعة، مثل: "ومضات خماسيّة"، "ما يشبه الهايكو"، وقصائد أخرى تخضع لإيقاعات مختلفة، واسترسال "نثري"، ومنها قصيدة "لا يُشبه نفسه"، التي عنون الشاعر ديوانه بها.

تبرز في ديوانه (صمت) المعاناة الذاتيّة وجدليّة الحياة والموت والطبيعة، وصورة المرأة التي يشكّلها الشاعر هاتف بعناصر متعدّدة في قصائد، مثل: "صورة امرأة من آب 1976"، "روميو وجوليت"، "حالمًا بشذا"، فضلًا عن التعاطي مع بعض الشخصيّات العالميّة، ومنها الفنّيّة والنفسيّة والفكريّة والأدبيّة في قصائد: "بافاروتي وآدمز"، "متاهة سيغموند فرويد"، "حلم سيزار فايخو". يتأمّل الشاعر في التاريخ والطبيعة والهمّ الإنساني في قصيدته "لو كنتُ من كردستان"، وتتعدّد المعاني والأفكار في موضوع مثير للاهتمام، تتناوله قصيدة "هويّات".

تتنوّع الأفكار والموضوعات في الديوان الثالث الموسوم بـ(ضيف)، ويستفيد الشاعر هاتف فيه من أسلوبي التنصيص والترميز، منطلقًا من التاريخ العبّاسي المرتبط بالف ليلة وليلة في قصيدة "موت شهريار". يتجلّى مع الطبيعة روحيًّا ورمزيًّا، ويتوقّف عند جبروتها وأسرارها ونواميسها، وخصوصًا في قصيدة "في عباب البحر في عمق الغابة". يسبر عالم المرأة منطلقًا من عشق عرفاني صوفي، روحي وحسّي، في قصائد: "ملحق في العشق"، "جسدان"، "امرأة"، في الوقت الذي يتفنّن في انتقالاته المعرفيّة والفنّيّة في قصيدة "ملحق الإزاحات".

يشتمل ديوان (وليمة الأسماك) على عناوين مهمّة في الطبيعة والتاريخ والتحوّلات الزمنيّة والإنسانيّة، ويظهر فيه اتّجاه تجريبي مهمّ ومثير للاهتمام يتعلّق بقصائده الموزّعة بين المركّبة أو الملحميّة، والعموديّة التقليديّة، والتفعيلة وقصيدة النثر، ومنها على سبيل المثال قصيدة البنية العموديّة "سلالة الشهداء"، وقصائده الطويلة والمركّبة، التي تبدأ من "بورتريهات"، مرورًا بـ"وأوراق المدن - كركوك" و "وأوراق المدن - برمنغهام"، فالطبيعة المتوحّدة بالحبّ والتجلّيات، أو المتنقّلة مع حركة الزمن، بـ"لغة العاشقين" و"عبّاد الشمس"، ومن ثمّ بالتاريخ الحافل بالرموز والدلالات في "الأرض الموعودة". تنتهي قصائد هذا الديوان بالقصيدة الملحميّة المركّبة ببناها ومستوياتها، ذات المعالم الجامعة للصراع والتاريخ والسياسة والثقافة والفكر والأحداث والأزمنة والأمكنة، أيْ قصيدة "الطريق الملكي" - المشهور في مدينة وارسو.

يتناول الشاعر هاتف في ديوانه الخامس (إذا دخلتَ بيتنا فستقبّل قدميك العتبة)، عالم الشاعر أبي العلاء المعرّي على وجه الخصوص في قصيدته "المعرّي يلقي أشعاره". يكتب أيضًا عن زياراته إلى الوطن الأمّ – العراق، ومدينته - النجف في قصيدتيه: "زيارات عراقيّة"، و"صلاة الجماعة في مطار النجف". أمّا قصائد الطبيعة فتظهر من جديد في: "زهرة في شقوق حجر"، "حوار الثلج والمطر"، "السماء السابعة"، "جواب الجبل"، "بحثًا عن ضوء القمر"، "حوار بين طائرين"، "قصيدة الفصول غير المكتملة". تنتظم صورة النساء والحبّ والزواج بمخيّلة جامحة في قصيدته "زوجاتي السبع"، بينما يستغرق الشاعر في تأمّلاته عن الحياة والموت في قصيدتين، هما: "الموت سرير الحياة" و" طوال كلّ هذا الموت".

يتوقّف الشاعر في ديوان (موعد مع شفرة السكّين) عند عنصري الشكّ واليقين، والطمأنينة والقلق، ويتأمّل سرّ نواميس الخلق والكون بتجلّيات صوفيّة في قصائد، مثل: "هذا ليس إلهي"، "رسالة إلى بقية الله الأعظم"، "الخليقة ذكر". يعالج في عدد من قصائد هذا الديوان أفكارًا مختلفة ترتبط بالنساء والحبّ، مثل: "نساء – إماء"، "صرخة أنثوية"، "رسالة من حبيب لحبيبه"، "عيد ميلاد مومس"، "دم العاشق"، ويتألّق في قصائد أخرى ملوّنة بعناصر الطبيعة، في: "جزر عالقة"، "صنّارات"، "تكويرة الوردة قبل انبثاقها"، "دراسة الغابة في ثلاث حركات".

تتراوح القصائد في الديوان السابع (رغبة بين غيمتين)، بين الألوان وظلالها، ومتاهات الذات والجسد في: "حسرة الجسد"، و"المتاهة" و"انكماش الظلّ" و"ألوان"، وتبرز إلى العيان قصائد أخرى مهمّة في بناها وأفكارها، مثل: "نشيد البرابرة"، "أشباح وظلال"، "قصيدة الأعمى". يتناول الشاعر هاتف في هذا الديوان أيضًا يوميّات حياته في "كتاب العائلة" من خلال قصائد وجدانيّة تعكس إحساس الشاعر العميق بارتباطه العائلي وحنينه إلى أيّام خلت، في قصائد مثل: "شواطئ وحقول"، "جذور"، "البحث عن جدتي"، "متحف الذكريات"، ويتابع في الوقت نفسه صورة بغداد في: "مرايا العودة"، "دعوة لزيارة بغداد". يمضي في تأمّلاته وإشراقاته منطلقًا من الطبيعة في: "قناديل أرض السماء"، "مراسيم دفن السماء"، "حالم مثل صحراء"، "جسد قبر وصلاة". يعرّج على أوراق الشعراء في قصيدة "من أوراق سعدي يوسف"، وعلى صورة بطل سرفانتس في قصائد: "دون كيخوته في الحانة"، "متاهات دون كيخوته"، "دون كيخوته وهجاء الواقع"، ويتحرّك بمخيّلة هائمة في "هوامش الحياة" و"إبحار"، ويطلق العنان للحلم في "أحلام" و"أضغاث أحلام".

يشمل (فراديس – أيائل وعساكر) العدد الأكبر من القصائد التي كتبها الشاعر بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي، أيْ في عنفوان الشبيبة الإبداعيّة الباحثة عن مكان لها في الساحة الشعريّة. يتناول هاتف العلاقة بين الشاعر والقصيدة في قصائد: "اغتراب الشاعر وشقاء القصيدة"، "قصائد في القول"، "قصائد"، "قصائد بلا مأوى"، ويتفاعل مع الشعراء في قصائد: "أغاني الشعراء مراثي الشعراء"، "عن الشعر والشعراء"، "الشاعر". يحدّد موقفه الإنساني إزاء ما يحدث في العالم من صراعات وحروب وعنف وإرهاب، حيث القوي يأكل الضعيف، ويتوقّف عند جدليّة الحرب والسلم، والقوّة الغاشمة والوداعة في قصيدته "فراديس أيائل وعساكر"، وفي قصائد أخرى، هي: "الحرب – الحلقة المفقودة"، "الغزو"، "أشعار الأقاليم الجديدة". أعتقد أنّ المتابع لأشعار هاتف ستثير انتباهه قصيدته المحفّزة إلى الاهتمام والمتابعة: "القارات المتوحّشة"، وسيتحسّس عذابات الشاعر وعذابات العالم في "نافذة بحجم الكفّ وسع العذاب"، وسيواجهه نقيضان في قصيدتين، هما: "حذاء الخليفة" و"ملائكة الرحمة". سيتساءل بلا ريب مع الشاعر في "الأسئلة وحواشيها"، وسيمرّ بإحساس وجداني على "العزف على الجمجمة"، وسيسرح في التيه البابلي في "بابل تبحث عن بابل"، وسيرقّ عذوبة في "غبار الغزال"، وسيتابع حالة المهاجرين إلى بلاد الحلم الغربيّة في "الأكتاف المبللة"، وسيتصفّح ذكريات الشاعر في "يوميّات جزائرية"، وأروقة مخيّلته العرفانيّة في "يوميّات ملاك".

من ناحية أخرى، أرى في تضمين الشاعر أعماله خمس دراسات نظريّة ونقديّة، فائدة وأهمّية معرفيّة، لأنّها ترتبط بالتجربة الشعريّة والإيقاع والشكل والمعنى بشكل عامّ، فضلًا عن العلاقة الحميمة بين خطاب الشاعر وخطاب القصيدة، اللذين هما في المحصّلة النهائيّة خطاب واحد. تتوزّع هذه الأعمال بين ثلاث دراسات، وتأمّلات في حالتين، ويسمّي الشاعر أعماله النظريّة بـ"تأمّلات في الشعر"، وهي: "قصيدة الإيقاع المتجدّد – قصيدة الشعريّة"، و"إيقاع وشكل ومعنى"، و"محاورة الشعر"، و"الشعر وحراسة السماء". يوحي هاتف أنّ هذه الموادّ هي تأمّلاته الشخصيّة كشاعر وناقد أكثر من أنّها أعمال عامّة، ومع ذلك فهي برأيي حصيلة تجربته الطويلة مع القصيدة وعلاقته بالشعر، وإنّها تعبّد الطريق لفهم بعض العناصر المهمّة المرتبطة بالشعر عمومًا من جهة، ولإعطاء صورة يمكن استنتاجها من سياق الدراسات عن تجربته وموقفه من الإيقاع والشكل من جهة أخرى. يختتم الشاعر أعماله الشعريّة بسيرة ذاتية مكثفة، ونماذج لأقوال تتعلّق بشعره لعدد من الباحثين والشعراء والكُتّاب.

أخيرًا، لم يبقَ لي إلّا أنْ أثمّن هذا الجهد الكبير المتمثّل بصدور (الأعمال الشعريّة)، التي يعتبرها الشاعر "المرجع الوحيد لشعره المنشور حتّى الآن"، وأشدّ على يد مؤلّفها الشاعر هاتف جنابي، لأهمّيّتها وغزارة محتواها وتنوّع معارفها وأشكالها وبناها التجريبيّة، ودورها في إغناء الساحة الأدبيّة الشعريّة العربيّة، ولاسيّما العراقيّة. آمل في الوقت نفسه أنْ يوليها النقّاد والباحثون انتباهم واهتمامهم، وأنْ يدخلوا إلى عوالم هذا الجهد الإبداعي المتميّز وتجربة الشاعر بالقراءة والدراسة بشكل موضوعي، بما يليق بشاعر صاحب تجربة طويلة ومضنية، استطاع أنْ يحفر اسمه في عالم الشعر والكتابة والترجمة والعمل الأكاديمي في بولندا، وخارجها في الساحتين العربيّة والعالميّة، على الرغم من سنين معاناته في المهجر بعيدًا عن الوطن الأمّ – العراق، والجحود الذي لاقاه ونتاجه في الساحة النقديّة العراقيّة، إذا ما قيس بخارجها، فإنْ تجئ الصحوة النقديّة العراقيّة متأخّرة بعد تلك السنوات العجاف الطويلة، أفضل من أنْ لا تأتي أبدًا.

 

بقلم: عدنان عبّاس

 

 

3136 ناهد قرني

حفلت مدرسة التاريخ في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بأعلام المؤرخين، الذين  أثروا هذا المجال بالمؤلفات التي تشهد على تفردهم، وقد شغل تخصص تاريخ المغرب والأندلس حيزاً كبيراً في هذه المدرسة، وكتب العديد من المؤرخين كتابات غلب عليها الجانب الموسوعي مثلما وجدنا في مؤلفات الدكتور أحمد شلبي، والدكتور إبراهيم العدوي، ثم جاء الجيل التالي لهم فتخصصوا في هذا المجال بداية من الدكتور عبد الله جمال الدين، وهو أول من ابتعث إلى إسبانيا لدراسة التاريخ وإن كان سبقه العديد ممكن درسوا الأدب الأندلسي من أمثال أحمد هيكل والطاهر أحمد مكي. وقد طالع عن كثب المواضع والمواقع التي دارت عليها الأحداث، وكذلك طالع المخطوطات التي تزخر بها دور الكتب الإسبانية، والاستفادة من كتابات المستعربين ومناهجهم في البحث العلمي، ثم توالت البعثات إلى إسبانيا من دار العلوم، وقد احتلت المدرسة مكانة كبرى في خارطة البحث التاريخي والحضارة بل نافست هذه المدارس.

واليوم نلتقي مع أحد أبناء مدرسة دار العلوم في مجال التاريخ والتاريخ الأندلسي على وجه الخصوص؛ وهي الباحثة ناهد قرني عبد الحميد التي عشقت الدراسات الأندلسية وأخصلت لها وكانت مثار إعجاب أساتذتها، ولهذا أكملت دراساتها في هذا المجال، وأثرت أن تختاز الصعاب في موضوع صعب وشاق أخذ من حياتها سنوات وهو "الجوانب التاريخية والحضارية في النقود الأندلسية من عصر المرابطين حتى سقوط غرناطة"، لندرة البحث فيها وهذا راجع إلى أستاذها الدكتور طاهر راغب حسين، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية دار العلوم جامعة الذي كتب في هذا الموضوع كتبا كثيرة.

والباحثة ناهد قرني عبد الحميد من مواليد مدينة الحوامدية في الأول من أكتوبر سنة 1988، وتعلمت في مدراسها حتى حصلت على الشهادة الثانوية، ثم التحقت بكلية دار العلوم جامعة المنيا، وحصلت على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية 2010 بتقدير عام جيد، ولم يقف طموحها عند هذا الحد فآثرت أن تكمل دراساتها العليا في مجال التاريخ، فحصلت على دبلوم خاص في الدراسات الإسلامية كلية دار العلوم جامعة القاهرة 2012م بتقدير جيد جداً، ثم على السنة التمهيدية للماجستير في قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بنفس الكلية عام 2013م بتقدير جيد جدا، ثم حصلت على الماجستير عام 2017 بتقدير ممتاز؛ وذلك في موضوع: "الجوانب التاريخية والحضارية في النقود الأندلسية من عصر المرابطين حتى سقوط غرناطة"، بإشراف: أ.د. طاهر راغب حسين.

وفي 2017م، قامت بعمل قائمة بعناوين الرسائل العلمية للماجستير والدكتوراه التي نوقشت في قسم التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكذلك المقالات والبحوث العلمية التي نُشرت في مجلة كلية دار العلوم جامعة القاهرة وفي مجلة ندوة قسم التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والتي تناولت المغرب والأندلس، وكان الهدف من هذه القائمة عمل دراسة ببليوجرافية للوقوف على إسهامات قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في إمداد المكتبة العربية والتاريخية بالعديد من الدراسات المغربية والأندلسية. ومن خلال القائمة؛ تبين أن قسم التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة قد نال حظا كبيرا وشهرة واسعة في دراسة الكثير من الأعمال التاريخية المغربية والأندلسية، ما بين أربع وعشرين رسالة ماجستير وعشرين رسالة دكتوراه وسبعة عشر بحثا منشورا في مجلة كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وثلاثين بحثا منشورا في مجلة ندوة التاريخ الإسلامي، هذا غير الرسائل العلمية التي نوقشت وسُجلت مؤخرا. وبإذن الله، تتوسع هذه القائمة الببليوجرافية؛ لتضم كل النتاج المغربي والأندلسي من رسائل علمية ومقالات وبحوث علمية وكتب لقامات وشخصيات مرموقة أنجبتها كلية دار العلوم جامعة القاهرة في قسم التاريخ الإسلامي.

عرض الرسالة:

وعن سبب اختيارها لدراسة هذا الموضوع تقول الباحثة في المقدمة، لأنها "وجدت أن النقود الأندلسية لم تحظ بنصيب وافر من قبل الباحثين في علم النميات، اللهم ما نشره بعض الغربيين عنها، والدراسات القليلة التي قام بها باحثو الآثار، وذلك بنشر مجموعات من النقود الأندلسية الموجودة بالمتاحف العالمية، كما كنت أريد أن أعرف هل تطرق الضعف الذي كان يحدث في الأندلس، في بعض الفترات إلى النقود؟ وهل هذا الأمر ظهر على طريق الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وغيرها ومن هنا برزت مشكلة الدراسة ومبررات اختيار الموضوع".

ثم استعرضت الباحثة الدراسات السابقة وإن كانت لا تنتمي إلى الفترة التاريخية التي تعرضت لها وإنما رجعت إليها لتضيء إليها الطريق وتستفيد من النتائج التي توصلت هذه الدراسات إليها، ومن أهم هذه الدراسات، بحث "الأمويون بالأندلس من قبيل الخلافة إلى نهاية عصر عبد الرحمن الناصر – دراسة تاريخية نمية"، للأستاذ الدكتور طاهر راغب حسين وقد نشره ضمن الجزء الأول من موسوعته "النقود الإسلامية الأولى"، وكذلك كتبه الأخرى التي تحدثت عن النقود ومنها "تاريخ نقود دول المغرب من 441-982هـ - دراسة في التاريخ والحضارة، وغيرها من الدراسات..

واعتمدت الباحثة في هذه الدراسة على المنهج الإحصائي، حيث قامت بإحصاء معظم القطع النقدية، ذهبية وفضية ونحاسية، وكذلك إحصاء معظم الكتابات الموجودة في نقوش القطع، وكذلك الأوزان والأقطار، ثم اعتدت أيضاً على المنهج التاريخي، وذلك بدراسة ما حوته الوثيقة النُّمية من نقوش على أساس تاريخي لا أثري، ثم المنهج التحليلي المقارن؛ وذلك بتحليل ومقارنة ما ورد من مقارنة أثارتها نقوش النقود، فترة الدراسة، مع المصادر التاريخية المكتوبة..

تقسيم الرسالة:

وقد قسمت الباحثة الرسالة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، وخاتمة وملاحق، أما التمهيد، فتناولت فيه الحديث عن جغرافيا وتاريخ الأندلس: سياسياً واقتصاديا واجتماعيا مدة الدراسة؛ أي من قيام دولة المرابطين وحتى سقوط مملكة غرناطة سنة 897هـ ، ثم عرجت للحديث عن النقود الإسلامية.

وفي الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان "الجوانب السياسية كما تظهرها النقود الأندلسية، فترة الدراسة مقارنة بالمصادر التاريخية"، فقامت الباحثة بتقسيم هذا الفصل إلى خمسة مباحث تحدثت عن نقوش النقود، تناولت في المبحث الأول التبعية السياسية، والثاني الألقاب السياسية والمذهبية، والثالث ولاة العهد، والرابع دور الضرب الأندلسية والخامس عن الثورات..

أما في الفصل الثاني الذي جاء تحت عنوان "الجوانب الاقتصادية كما تظهر النقود الأندلسية، فترة الدراسة، مقارنة بالمصادر التاريخية"، فقد تناولت ستة مباحث، الأول تحدث عن الأوزان ودلالتها الاقتصادية، والثاني العيارات ولالتها الاقتصادية، والثالث عن النقود المقلدة لنقود فترة الدراسة، والرابع عن أسعار صرف النقود، والخامس عن الأسعار، والسادس عن الأزمات الاقتصادية..

أما الفصل الثالث فجاء تحث عنوان "الجوانب الاجتماعية والمذهبية والدينية كما تظهرها النقود الأندلسية، فترة الدراسة، مقارنة بالمصادر التاريخية"، وتناولت فيه أربعة مباحث، الأول النقود التذكارية، والثاني عن الدعوة المهدية، والثالث عن الآيات القرآنية، والرابع عن العبارات الدعائية.

ثم كانت الخاتمة التي اشتملت عن أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الباحثة من خلال هذه الدراسة ثم الملاحق، حيث زودت الباحثة هذه الدراسة بالعديد من الجداول والخرائط والأشكال البيانية وصور لبعض النقود ثم قائمة بالمصادر والمراجع.

وبعد فنحن بإزاء رسالة حظيت بإعجاب الجميع وأثنت عليها لجنة المناقشة ونتمنى في القريب أن نرى الرسالة مطبوعة لتعم الفائدة ..

 

بقلم: أبو الحسن الجمال – كاتب ومؤرخ مصري

 

 

علي محمد اليوسفصدر عن دار غيداء في الأردن مؤخرا كتابي بعنوان: الفلسفة الغربية المعاصرة.. رؤية نقدية.

المحتويات

المقدمة

الفصل الاول: العقل الفلسفي وتجريد البيولوجيا

الفصل الثاني:المعرفة القبلية والبعدية: العقل والادراك

الفصل الثالث: اسبينوزا: الجوهر في وحدة الوجود

الفصل الرابع: المعرفة والوعي في الفلسفة الامريكية المعاصرة

الفصل الخامس:الوعي القصدي والمعنى اللغوي

الفصل السادس:  اللغة في الوضعية المنطقية

الفصل السابع: متناقضات لغوية: سوسير ودريدا

الفصل الثامن: ميتافيزيقا ديكارت

الفصل التاسع:  هيدجر والوجود

الفصل العاشر: وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية

الفصل الحادي عشر: التاريخ صراع الفلسفة والايديولوجيا

الفصل الثاني عشر:ايدولوجيا الاسلام السياسي ومأزق العصر

الفصل الثالث عشر: وليم اوكام: النزعة العلمية والميتافيزيقا

الفصل الرابع عشر:  تاريخانية الفلسفة البنيوية

الفصل الخامس عشر:  زمن الحاضر الوهمي

الفصل السادس: سرمدية الزمان

الفصل السابع عشر: ريتشارد رورتي وفلسفة العقل

الفصل الثامن عشر:المنهج وتفكير العقل

الفصل التاسع عشر: شذرات نقدية في الفلسفة

الفصل العشرون:  قراءة في منهج ديكارت

الفصل الحادي والعشرون: الوعي سجالات فلسفية

الفصل الثاني والعشرون: كانط والزمن

الفصل الثالث والعشرون:المرأة والثروة

الفصل الرابع والعشرون: المادية التاريخية:سارتر والبنيوية

الفصل الخامس والعشرون: الفلسفة التحليلية الانجليزية

الفصل السادس والعشرون:  كلمات وشذرات فلسفية

المقدمة

3134 علي محمد اليوسفدائما ما نصطدم حين قراءتنا بعض مباحث الفلسفة الغربية بمفترق طرق موزع بين مفوهمين، الاول يتعلق بالمبحث الفلسفي الاجنبي في عدم امكانية تبيئته الظرفية الزمانية - المكانية السيسيولوجية عندنا، على أعتبار مفاهيم الفلسفة عالميا هي مفاهيم الشمولية الكليّة التي توّحد هموم الانسان أينما يكون ويوجد وما يشغل الانسان في قضية فلسفية أو فكرية في بلد ما نجدها هي نفسها واحدة فلسفيا تعني الانسان كوجود ارضي وقضاياه وهمومه وتطلعاته كلها واحدة. ويبقى الاختلاف بالمناهج وطرائق واساليب التناول.

القلق الذي يتوزعنا في علاقتنا مع الفكر الفلسفي المعاصر:

1- ان مباحث الفلسفة الغربية عموما هي مباحث يكون تعبير اللغة عنها هو اشكالية المعنى الفلسفي عندنا قبلهم، وقبل ولوج اشكالية مضمون المبحث الفلسفي الذي يهمنا كما هو يهم غيرنا من منطلق انساني، هنا لا يذهب بنا الاعتداد بالنفس المكابر الى أننا لا نحتاج مثل هذه التعبيرات اللغوية الفلسفية المترجمة أو في لغتها الاجنبية الاصلية، التي نحاول فهمها وتفسيرها ومناقشتها من منطلق خصوصية لغوية عربية فلسفية عاجزة حسب تصنيف الغالبية في التعامل مع اللغات الاجنبية الاوربية كترجمة رصينة تعنى بتوصيل محتوى الفكر قبل شكل اللغة. وعاجزة عربيا عن المجاراة الندّية التي تتطلبها لغة التفكير الفلسفي في النقد والمناقشة. وأننا بحسب هذه الغالبية من المفكرين بيننا وهم على حق لا نمتلك مجاراة الفلسفات الغربية التي تجذرت لغتها الخاصة بها وقطعت مراحل فلسفية سبقتنا فيها قرونا طويلة بسبب تعطيل رغبة وأهمية الفلسفة في حياتنا المعدومة فيها ابسط مستلزمات العيش الذي يجعل من ميدان الفلسفة ترف فكري ليس له علاقة بواقع حال ثقافة مجتمعاتنا العربية المتخلفة ولا يعبّر عنها، وموعد حضوره قبل الحكم عليه أنه تعقيد لغوي نخبوي لا يفيدنا بشيء يغيّر تخلفنا الموروث الممنهج بأننا محكومون بما هو تحريم مشرعن مصدره نضح واقعنا المتردي في معظم مناحي الحياة قبل تدوين تخلفنا الفلسفي الذي يحكم تساؤلنا مباشرة بدلالة عميقة ماهي الفلسفة عندنا؟ وبماذا تعنينا؟ وما هو دورها في مجتمع يبحث الانسان فيه كيف يسد رمق جوع عائلته ويضمن لهم كرامة عيش يكفيهم مذلة السؤال؟. من الامور التي نحاول القفز من فوقها وتجاهلها أن الثقافة لا تزدهر مع الفقر والجهل والتخلف المجتمعي الذي يكون فيه البحث عن معنى الحياة والوجود بلا معنى. ظهور مبدع كبير من بيئة التخلف والفقر في مجال ثقافي أو أدبي معيّن لا يلغي حقيقة أن مئات العباقرة ماتوا ودفنتهم مآسي الحياة بتجهيلها وفقرها أن يأخذ اولئك العظام فرصة نبوغهم بالحياة عندما يعدم الفقر إمكانية تحقيقها أمامهم في تكملة تحصيلهم الدراسي والثقافي.

2- القلق الثاني لا نجده مجديا هنا بديل هذا التبرير الزائف في تعاليه، ولماذا لا يكون لنا لغة خاصة فكرية ثقافية بنا تفصلنا عن لغة غريبة في الاصل عنا قبل الترجمة وغريبة في الاصل عنا ايضا بعد الترجمة العربية الهزيلة فكريا لها؟ الجواب الذي يحمل مباشرة حقيقته تبدو فجّة يتمثل في التساؤل هو هل عندنا فلسفة خاصة بنا عربية ؟، وهل لدينا فلاسفة عربا غير منفصلين عن الاعتياش الفلسفي في كتابة هوامش وشروحات وعروض مقدسة في عبقريتها لآراء فلاسفة أجانب غيرنا ويطلق العديد عليهم القاب مفكرين وفلاسفة عربا؟. الجواب ليس في عجز مطاوعة اللغة العربية التكافؤ الندي مع غيرها من لغات أجنبية قبل مساءلة انفسنا توفير أين هي الفلسفة العربية الخاصة بنا التي لا تمّثل لغة تعبير الافكار لها عدم مجانسة مضمونية وشكلية بينها وبين لغة التعبيرعنها.؟خلاصة القول كتاب ومفكري الفلسفة العرب عندنا هم مستلبي الانتماء الحقيقي بين مفاهيم فلسفية متداولة عالميا لا تجد لها ارضا عربية عندنا من منطلق حداثة فكرية نبتعد عنها ومسبوقين بها ازمانا طويلة، والذي يزيد المشهد الفلسفي ارباكا هو أن مباحث الفلسفة المعاصرة بدأت تأخذ منحى مغايرا عن تاريخ الفلسفة المعهود تداوليا الذي نفهمه وندرسه تاريخا مقدسا في تعالقه مع الموروث الفلسفي العربي الاسلامي الذي أنتهت صلاحيته بخروج اوربا من تخلف العصور الوسطى ودخول المنطقة العربية فيه بلا خلاص ولا رجعة. دخلت فلسفة اليوم الحداثة وما بعدها كما تردنا ترجمة في تداخل معرفي متشابك لم نعهده سابقا مثل محور اللغة وعلاقتها بكل من المعرفة بانواعها، علاقة اللغة مع علوم الطبيعة وعلم النفس والعقل، علاقة الفلسفة بتساؤلات الايمان الديني المعاصر، علاقة الفلسفة بالبيئة، علاقة الفلسفة بعلم التاريخ والانثروبولوجيا وعلم الاساطير، علاقة الفلسفة بالحداثة، علاقة الفلسفة بالهوية، علاقة الفلسفة بالسياسة والاقتصاد الخ الخ. هذه المباحث غريبة عنا بين مزدوجتين ولا نجد لها حلا عربيا في ازدواجية غربتنا عن لغتها الاجنبية الخاصة بها في منهج تناولنا الفلسفي لتلك التداخلات الفلسفية، في منهج متقاطع معها سببه ازمة اشكالية الحداثة عندنا. وازدواجية قصورنا معالجة مضامينها الغريبة عنا  بنوع من الاحساس المتراجع دوما الى الوراء في عجزنا ممارسة نقد فلسفي يكون لنا فيه بصمة عربية تكافيء المنقود الاجنبي بسبب رغبتنا شد وأرجاع كل معرفة تردنا بمقايستها المعيارية بماضينا التراثي الذي يدور في فلك مفهوم تضاد الدين مجتمعيا مع العلمانية ممثلة بافراد قلائل.. حتى الذين كتبوا بالفكر والفلسفة محسوبين على العرب المغتربين في المهجر لم يكونوا يطمحون تاسيس انفرادية فكرية خاصة بهوية عربية مميزة حيث كانوا يقرأون الفلسفة الغربية بعيون أجنبية وليس بعيون عربية وبافكار دوغمائية تعيش الماضي مستقبلا وليس بافكار علمية عصرية تعيش الحاضر مستقبلا، ولم يكن واردا امامهم هدف تحديث اوطانهم التي تغربوا عنها بمقدار أهتمامهم جذب انظار من يزاملوهم في الجامعة الاجنبية أو في بلد المهجر كمفكرين اندادا لهم يبتغون شهادة الاعتراف بهم كفلاسفة ومفكرين بعد نيلهم الشهادة الجامعية ولا ضرورة تسميتهم باسمائهم لانهم اساسا لم يكونوا معترفا بهم من قبل مفكرين وفلاسفة أجانب داخل الكلية الواحدة أو الجامعة الواحدة في بلاد المهجر. طبعا هذا التشخيص يستثني عديدين من فلاسفة مفكرين امثال محمد عابد الجابري وعشرات غيره من الذين استهدفتهم سهام القاطنين في باريس وعواصم عالمية أخرى بعدم انصافهم وهم لم يبرحوا مواطنهم وبلدانهم العربية من قبل أجانب فلاسفة أهملوا باحثين عربا ممن يشاطروهم البلد في العيش أو الجامعة الواحدة التي تجمعهم. وهذا لا يشمل الجابري وآخرين على صعيد الاقطار العربية مثل مفكري المغرب، تونس، الجزائر، الاردن، لبنان، ومصر. فقد مارسوا مفكري هذه الاقطار بعضهم وبخاصة في مصر البحث الفلسفي باصالة فكرية وبصمة عربية تحسب لهم. والمفتقد المطلوب هو توحيد هذه الجهود الكبيرة في تأسيس بداية نهضة فكرية ثقافية فلسفية جامعة لها وزنها بين ثقافات شعوب العالم.لا اعرض مقالات ودراسات الكتاب التي تقع في (26) مبحثا فلسفيا مختارا بعناية تناولتها من منطلق رؤية نقدية عربية خاصة استطيع القول مفقودة عندنا التي تكتفي في عروضات الفلسفة الغربية المعاصرة التي يغلب عليها الترجمات الاكاديمية التي من السهولة ملاحظتها أنها تتغافل كل حس نقدي ويكفي أن تكون مباحث هذا الكتاب واحدة من المجهودات العربية القليلة في ممارسة النقد الفلسفي العربي للفلسفة الغربية المعاصرة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان 2021

 

 

البشير النحلي"..يعترف سقراط ، مثل السفسطائي، بتعدد الإجابات، لذلك اعتبر مشابهًا له. ومع ذلك، فإن هناك فرقا أساسيا يميز بينهما: يتظاهر السفسطائي بالإجابة، بالسعي للاقتدار على الدفاع عن أي واحدة كيفما كانت، في حين لا يحتفظ سقراط بأيٍّ منها بالضبط لأن من الممكن أن يُدافَع عنها جميعا"[1]

فاتحة:

يستمرّ محمد العمري في الفقرة التّالية التي أقترحها للمناقشة في هذه المقالة في  الاستدلال على سعة بلاغة عبد القاهر الجرجاني؛ فيأتي مرّة أخرى بما لا حجّة له فيه من كلام لا يُسعفه على تحصيل ما يرتجيه، ولا يفي بأدنى ما يعلنه هو نفسه في مقدمة كتابه وفي تضاعيفه من واجب تَحرّي صدقَ المعلومة وضبطِ العبارة. لنورد كلامه قبل أن ننظر فيه في ضوء منطلقاته وشعاراته.

1- إثباتُ البلاغة العامة في التّراث العربي بطريق المواربة:

«الجرجاني كان يفاوض من داخل نسقه الفلسفي، ثم اللساني، علمين كبيرين: الجاحظ والقاضي عبد الجبار: ناكفهما، وخاصمهما، ثم أخذ منهما. أخذ من الجاحظ حل لغز اللفظ بعد عناء: أخذ منه اللفظ بمعنى التصوير، وأخذ من القاضي عبد الجبار معنى النظم وإشكالاته، ولا عبرة بالاختلافات الأخرى بينهما. ومن هذا الحوار العالي )مع الجاحظ، والقاضي عبد الجبار، ومع الفارابي قبلهما (خرجت بلاغة الجرجاني بجناحين: اللفظ، بمعنى التصوير، والنظم، بمعنى ملاءمة التراكيب للمقاصد. لقد حاورهم ثم صنع نسقا لا يخطر على بال أحد منهم، لأنه جاء من منطقة لا يجاريانه  فيها، وهي منطقة النحو بمعناه الموسع، كما هو في الخصائص، وهذا رافد آخر من روافده. بهذه التقاطعات صار الجرجاني صاحب زمن بلاغة الانتشار. فحتى تقليله من شأن الموازنات الصوتية أدى إلى التركيز عليها وخصها بمؤلف مستقل من قبل منافسه المدهبي، ابن سنان كما سبق. الجرجاني واقع في منطقة التقاطع أدناه:3130 النحلي

يتصل بكل قطب في المنطقة التي يتقاطع فيها مع الأقطاب الأخرى، وفي منطقة التقاطع هذه يقع السؤال: ما البلاغة. والسؤال يستحضر صياغات أخرى: نقد الشعر(قدامة)، علم الخطابة (الجاحظ منظرا للخطابية)، البديع (ابن المعتز)، العسكري (الصناعتان: الجاحظ+ قدامة وابن المعتز)»[2]

1-1: دلالة العناوين على التنصل من واجب التدليل على دعوى وجود بلاغة عامة في التراث العربي:

الفقرة التي أوردتها أعلاه هي آخر فقرات ما جاء تحت العنوان الأول من الفصل الأول[3]. وقد جاء الفصل الأول بعنوان:» سؤال المسار التاريخي: اختزال البلاغة وانفصال الدرس البلاغي عن البحث العلمي»، وتحته عنوان آخر بدون ترقيم سماه المؤلف » المطلب الأول: مراحل اختزال البلاغة»، وبعده ثلاثة أسطر يبيِّن من خلالها سبب تقديمه لذلك "المطلب" بنقله من الفصل الثاني إلى "طليعة الكتاب"[4]، ولم يَرِد ما يدل على "البلاغة العامة" إلا في العنوان الأول، وبالصيغة المثيرة التالية: «روافد البلاغة العامة في التراث العربي: مرحلة الانتشار». فَنُسجّل، بخصوص هذه العناوين[5]، أنها توجِّه المتلقي إلى تَقَبُّلِ أطروحة وجود بلاغة عامة في التراث العربي بصيغة ملتوية حتى لا تكون موضوعا لأي اعتراض؛ وذلك من خلال حيلتين اثنتين: تتمثّل الأولى في التركيز على "الاختزال" وإدراج ما يدلّ على "البلاغة العامة" في سياقه، وتتمثل الأخرى في الصيغة التي يستعملها العمري في العنوان الذي يخصصه لتلك "البلاغة العامة" ليوجّه انتباه المتلقي إلى "الروافد"، ويجعل مدار الكلام على "مرحلة" كانت البلاغة فيها منتشرة. وهذه حيلٌ تعفيه من واجب التدليل، بعبارة مقتصدة وواضحة، على تَحقُّق "البلاغة العامة" في التراث العربي. ومن البيِّن أن الكلام على الاختزال لا يقوم إلا على فرض وجود بلاغة عامة، على نحو ما سنرى في مناسبة قادمة عند انتقالنا إلى مستوى آخر من قراءة كتاب العمري.

2-1: محتوى الفقرات يصدِّق دلالة العناوين الواقع تحتها:

بيّنتُ في المقالة الثانية التي تناولت فيها الفقرة السابقة على الفقرة موضوع المناقشة هنا أن حكم محمد العمري -بأن سَعَة بلاغة عبد القاهر الجرجاني متأتية من ضمها لنظرية المحاكاة في تأويلها العربي من ناحية، ومن تفلسفه وسعيه إلى حل معضلة "الطبيعة النفسية للكلام" من ناحية ثانية، ومن عودته في "دلائل الإعجاز" إلى رصيده في النّحو من ناحية ثالثة، ومن تلافيه "لبلاغة الأصوات" الذي سيحمل ابن سنان على التّركيز عليها وإضافتها إلى زمن الجرجاني أو إبداله من ناحية رابعة!- حكمٌ يفتقر إلى إثباتٍ بوجه صحيح واستدلال مقبول. هذا إذا كان واقع النصوص التّراثية يصدِّقه ولم يكن مجرّد إسقاط وجود[6] ناتج عن بواعث شخصيّة غير منضبطة لشروط المباحثة والمناظرة.

وقد بدأت فاتحة كلامي هنا بالقول إن العمري مستمر في "الاستدلال" على "انتشار" بلاغة عبد القاهر الجرجاني، وقلت بعد إيراد كلامه أعلاه إن عناوينه التي يقع ذلك الكلام تحتها تحمل في طياتها علامات ترك واجب التّدليل على أطروحته المركزية في هذا الفصل، والمتمثلة في "وجود بلاغة عامة" في التراث العربي اختزلها في ما بعد بلاغيون غير جديرين بالاعتبار. فهل يُصدّق كلام العمري، في هذه الفقرة أيضا، ما تدل عليه تلك العناوين من انحراف عن القصد؟

ليس في هذه الفقرة الطويلة "المسلحة"[7] بخطاطة توضيحية ما يمكن أن يرجع إلى وصف بلاغة الجرجاني على نحو مباشر غير هذه الجملة اليتيمة: «.. بلاغة الجرجاني بجناحين: اللفظ، بمعنى التصوير، والنظم، بمعنى ملاءمة التراكيب للمقاصد». أمّا ما تبقى مما يسبقها وما يتبعها فهو حكي لأسطورة البناء البطولي للبلاغة العامة من قِبَل عبد القاهر الجرجاني الذي ضم نظرية المحاكاة وحل فلسفيا معضلة الطبيعة النفسية للكلام وكان سببا في بناء البلاغة الصوتية فصار من الواجب إلحاقها به وفاوض الجاحظ والقاضي عبد الجبار فأخذ منهما ما ينفع البلاغة العامة وكان قد حاور قبلهما الفارابي، هذا دون أن ننسى مجالات ومشاريع أخرى قابلة للضم والإلحاق كنحو ابن جني "الموسع"! ونقد الشعر لقدامة وعلم الخطابة عند الجاحظ والبديع لابن المعتز والصناعتين لأبي هلال العسكري. وبذلك يصدِّق محتوى هذه الفقرة والفقرات السابقة عليها ما استنتجتُه من العناوين حين أشرتُ إلى أنها تحمل في ترتيبها وصياغتها علامات تلافي واجب التدليل على أطروحة وجود بلاغة عامة في التراث باقتصاد ووضوح، وتنزع بالمقابل إلى استعمال حيل أشرت إليها في حينه. وبهذا التصديق يكون العمري قد آثر التضليل على التدليل في هذه الفقرة، وهو ما يفقدها المصداقية والقيمة دفعة.

يبقى قوله إن بلاغة الجرجاني خرجت من تفاعلها مع مجالات ومشاريع متعددة ومختلفة بـ «بجناحين: اللفظ، بمعنى التصوير، والنظم، بمعنى ملاءمة التراكيب للمقاصد» وحدَه القول الذي  يصف بلاغة الجرجاني؛ بشرط أن يُؤخذ في حجمه بعيدا عن "الرحلات" و"الأجنحة" أولا؛ وأن لا يتم وضع مفهوم التصوير ومفهوم النظم في تقابل حاد، ويُربط أولهما بكتاب الأسرار وثانيهما بالدلائل تاليا. والمفهومان محوريان في بلاغة الجرجاني؛ وقد عمل على تحديدهما وتدقيقهما واستخدامهما، فكانت لهما كفاية تحليلية بالغة النفع في المشروع الذي ابتناه ودافع عنه، في سياف خاص وعام، وبمبادئ ومقاصد عامة وخاصة. وإذا كانت عبارة العمري التي وردت في سياق من التهويل توجِّه المتلقي إلى أن يجعل التصوير يختزن إواليات الإنتاج الشعري، وأن النظم يختزن إواليات الإنتاج  الخَطابي النثري للتدليل على أن بلاغة الجرجاني هي بلاغة عامة، فإني أرى في ذلك "إسقاط وجود" لتصورات ترتبط بحاضر الناس هذا. وَلِنَفْي ما يحاول العمري الإيهام به هنا يكفي في هذا السياق أن نذكِّر بما قاله هو نفسه في  "البلاغة العربية": «حين نقول إن القضية واحدة في الكتابين نعتمد في ذلك على أن الجرجاني بحث في الأسرار عن معايير بلاغة الشعر دون أن يلح على الغرض الإعجازي، أما في الدلائل فبحث عن معايير بلاغة الشعر باعتباره معجزة العرب في البلاغة، لينتهي من تحصيل هذه المعايير إلى تفوق القرآن الكريم. وقد ألح  على هذه القضية في مقدمة الدلائل بما لا نرى حاجة للأخذ بيد القارئ فيه.» [8]  ومن البين أنّ اعتراضي على جرّ عبد القاهر الجرجاني وغيره للإقرار ببحثه عن "بلاغة عامة" بله بنائها يستند إلى المنطلقات التصورية والمقاصد المعلنة للعمري نفسه؛ وإلا فإن التصور الذي أنطلقُ منه، من جهتي، مختلف بشكل نوعي ولا يقع لا على مسافة بعيدة ولا قريبة منه، وقد تتاح فرصة لبسطه في قابلٍ. أمّا فحوى ما ورد  في المقتطف الّذي نقلتُه هنا من كتابه "البلاغة العربية" من أجل التّخفيف من التّهويل الوارد في الفقرة موضوع المناقشة، فإنّ العمري سبق أن أكّده في مناسبات مختلفة من قبيل مناسبة حديثه في "الموازنات". يَقول: «ومن المعلوم أيضا أن الجرجاني صاحب الكتابين المذكورين –قلتُ: المقصود الأسرار والدلائل- إنما كان يبحثُ عما يتميَّز به النصّ القرآني ويتفوق فيه. وما دام النص القرآني ليس شعرا، ولا ينبغي له أن يكون، فمن المحتمل أن تبنى له بلاغة غير شعرية. إنها بلاغة ملاءمة المعاني لمقتضى الحال والمقام، بلاغة ترضي النصّ الخطابي النثري أكثر مما تنصفُ النصَّ الشعري. بل سنقدم في الحديث عنها الحجج القاطعة على معاداة هذه النظرية للنص الشعري برغم قدرة أصحابها على إلباسها لباس البحث البلاغي، وتعميق جانب من جوانب هذا البحث وهو جانب المعنى، والوصول فيه إلى نتائج باهرة ما زالت تشهد بجدتها وحداثتها. ونقصد بقولنا هذا التفريق بين الخطة العامة والاستراتيجية الشاملة التي تلغي جانبا مهما من البلاغة، وبين تعميق البحث في جانب من جوانب هذه البلاغة ولو في إطار مناهض للشعر»[9]

بهذا تكون بلاغة عبد القاهر الجرجاني وبأقوال صريحة لمحمد العمري نفسه بلاغة قرآنية نَمّتْ جانباً من البحث في إطار استراتيجية عامة مناهضة للشعر. نعم يمكن لبلاغةٌ قرآنيةٌ أن تتعامل مع الشعر -فهو ما هو في المجال الثقافي العربي- تعاملا استعماليا من أجل فهم القرآن، بل ويمكنها أن تمس -في الأقصى- أجناس الخطاب وأنواعه المختلفة في ذلك الفضاء الشّاسع والملتبس حتّى في جوانبه الهامشية مثل الحكاية والرسالة وغير ذلك،[10] من غير أن يكون ذلك "واقعا"كافيا ليجعلنا نطابق بين تلك البلاغة والبلاغة كما يتصورها المختصون في هذا الزمن؛ فليس هناك من بلاغة مكتملة وقابلة بأن تستعاد على نحو متطابق إلا في أذهان من يعيشون خارج العلم وخارج الزمن. والبلاغة في الزّمن المعاصر مجال معرفي جديد، يحاول المختصون فيه صياغته وبناءه -باستثمار ما أنتجه العقل البشري عبر تاريخ طويل من التفكير في موضوع الخطاب- في إطار نظريات ونماذج قطاعية وجهوية في الغالب، وعامة في بعض الأحيان، مع سعيهم في كل الحالات إلى أن يُوفِّروا لها أقصى قدر من الكفاية الوصفية والتفسيرية خارج سلطة المعيار ومعيار السّلطة، إلّا ما تعلّق بسلطة الفكر ومعاييره القابلة لإعادة النّظر بشكل مستمر. لم تكن البلاغة عامّة عند أرسطو  نفسه، وعلى الرغم من عمق تحليلاته فإنّه هو الّذي وزّعها ما بين "الخَطابية"[11] و"الشعرية". بل إن "خطابية" أرسطو -التي ميز فيها ما لم يستوعبه أحد بعده بالدّقة اللازمة في ما يخص المساواة والتّعالق بين الإيثوس والباثوس واللوغوس في العلاقة الخَطابية- شكّلت منذ ولادتها فضاء ملتبسا منذورا للانفجار؛ إن لم نقل إنها تفجرت عمليا بين يدي أرسطو نفسه عندما فكّ ذلك التّعالق في تحليلاته، بالإضافة إلى الوضع الملتبس الذي وضع فيه هذا التّخصص في ارتباط بالجدل والسياسة والأخلاق والسّفسطة من ناحية، وفي تقابل مع الشّعريه من ناحية ثانية. لهذا لم يكن هناك وجود لما يسعى اليوم المهتمون إلى إنشائه تحت مسمى البلاغة العامّة، بل كانت هناك اجتهادات خاصة بفهم أشكال بناء الخطاب وتداوله وفهمه "منتشرة" ومتفرقة في شعب علمية مختلفة. وعلى هذا بنى ميشيل مايير نقده لجيرار جنيت الّذي تحدث عن اختزال البلاغة على اعتبار أن وصفه لا تُسنده الوقائع.[12] البلاغة العامة، إذن، من مشاغل الزمن المعاصر، ومشروع للبناء وإعادة البناء، وليست معطيات مستقلّة وموجودة في التّراث، ولا تتطلّب من "النّاس" غير بعض الجهد لتنبسط أمامهم وتنكشق! لهذا، فإن موقف محمد العمري يمكن أن يكون مقبولا ومشروعا تماما عندما يستثمر ما تناثر في اجتهادات الأقدمين لمقاصد علمية تستهدف بناء تصور يرتئيه في المجال الذي يشتغل فيه؛ فلا يُسْتَنكر أن يتحدّث، مثلا، في بعض المناسبات، عن ملامح بلاغة عامة، أو عن "نزوع" بعض البلاغين القدامى إلى جمع جهود من سبقوهم؛  مما يشكل –في نظره وهو يستحضر كتاب الصّناعتين وسرّ الفصاحة لكلٍّ من أبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي على التّوالي- سعيا إلى تأسيس "بلاغة عامة"[13].لكنه لا يكون مقبولا عندما يسقط مشاغل المحدثين على اجتهادات الأقدمين ويدعي وجوده الفعلي عندهم من دون أن يسند دعواه ويدلّل عليها، فيرسّخ بذلك بداهة اكتمال ما تحقق في تلك الاجتهادات من آراء ومفاهيم بجعلها لا تحتاج إلا إلى إعادة التّجميع والتّنسيق؛[14] ولا يكون مشروعا عندما يسلك في الإسناد والتدليل طرقا تمويهية ومغالطة، فيوهم بوجود بلاغة تستعاد بشكل متطابق لا تتسع للتّشكيك وإعادة النظر!

2-  المواربة تفسد عبارة العمري في الفقرة قيد المدارسة:

1-2: اختلال التركيب:

الجرجاني «جاء من منطقة النحو التي لا يجاريانه فيها» من هما؟ علينا أن نعرف ما بذهن العمري بطريق غير طريق البيان!. نعم لقد ذكر في بداية الفقرة أن الجرجاني "فاوض وناكف وخاصم" الجاحظ والقاضي عبد الجبار ثم أخد منهما. لكنه أضاف إليهما عندما وصف الحوار بينهما وبين الجرجاني بـ"العالي" أبا نصر الفارابي. واستعمل ضمير الجماعة، فقال إن « الجرجاني حاورهم ثم صنع نسقا لا يخطر على بال أحد منهم». ومباشرة بعدَ استعمال ضمير الجماعة فسّر لماذا لا يخطر ذلك النسق على بال أحد منهم بـالقول: «لأنه جاء من منطقة لا يجاريانه فيها »،  فلا يَعرفُ قارئُ كلامِه أَيُخرج أحدَ الثّلاثةِ أم يستعمل المثنى للدّلالة على الجميع!. وفي هذه الفقرة نفسها ترد تلك الجملة القلقة المتهافتة «فحتى تقليله من شأن الموازنات الصوتية أدى إلى التركيز عليها وخصها بمؤلف مستقل من قبل منافسه المذهبي، ابن سنان كما سبق.» التي أوضحت تهافتها في المقالة السّابقة، فلا أعيده.

2-2: اختلال التعبير:

قال العمري: «أخذ من الجاحظ حل لغز اللفظ بعد عناء: أخذ منه اللفظ بمعنى التصوير، وأخذ من القاضي عبد الجبار معنى النظم وإشكالاته، ولا عبرة بالاختلافات الأخرى بينهما». قلتُ لم يتكلم العمري عن أي اختلافات حتى تكون هناك "أخرى". فلو كان تكلم عن اختلافات أساسية، وترك ما لم يقدِّر أنّ له القيمة نفسها لما تكلم عنه جاز له؛ ولو تحدث عن الأخذ كما تفضل، واكتفى بالقول: و"لا عبرة بالاختلافات" وسكت من غير أن يضيف "الأخرى" جاز أيضا. أمَا وقد استبدل كلّ ذلك بما قال فقد أتى فسادا في التّعبير مبنيا على فساد في التّفكير.

قال العمري: « بهذه التقاطعات صار الجرجاني صاحب زمن بلاغة الانتشار». قُلْتُ: تلك التقاطعات لم تجعل بلاغة الجرجاني بلاغة عامّة، ولا حتى بلاغة منتشرة. بل جعلت الجرجاني نفسه صاحب زمن كانت البلاغة فيه منتشرة. ولكن لفظ الانتشار يدل، من بين معاني أخرى، على الانبساط والتّوسّع، وعلى التّفرّق والتّوزّع. ولو شاء العمري أن يسند للجرجاني بوضوح بلاغة منبسطة ممتدة وواسعة أو "موسّعة" لما احتاج أن يقايض "البلاعة العامة" بـ"بلاغة الانتشار". وقد رأيناه يفعل ذلك في عناوينه نفسها؛ فهو يتحدث عن اختزال بلاغة لا نرى منها إلا كلامه عن روافدها، ويفسر تلك الروافد بـ"الانتشار". والناس يحتاجون إلى التّفسير عندما يكون في الكلام لبس وخفاء، فيُؤتى بما يزيله. لكنّ العمري هنا يقوم بالعكس، ويعمّي الكلام وهو في مقام الاحتجاج. فعوض إقامة الحجّة يوارب؛ إذ من ينكر-إذا ما تم الاعتراض على أنّ بلاغة الجرجاني كانت عامة- أنها كانت متفرّقة منتشرة عنده وعند غيره في مجالات واجتهادات كثيرة. لذلك فإنّ الجرجاني –في هذه المحنة – ليس حتى صاحب بلاغة منتشرة لأنّ حيلة العمري حينها ستكون مع ذلك غير محكمة، بل هو صاحب زمن بلاغة منتشرة، والمقصود بالزمن في كلام العمري هو: «الأنموذج، paradigme »[15]. من يسعى إلى تجميع ما توزّع في كتب الأقدمين العرب على سبيل الضم غير المنهجي تحت مسمّى البلاغة العامة؟ واضح أنّه العمري. لكن لماذا يسقط عليهم معتقداته بطرق ملتوية؟ إنه يفعل لأنه يقف على نفس أرضيتهم التّصورية ويرسف في سلاسل مفاهيمهم وأدواتهم؛ ويستمدّ منهم "مشروعيّة" متوهّمَة لامتلاك حقيقة نهائيّة للبلاغة عبر تجميعها وتنسيقها!

3-2: اختلال التلاؤم:

قال العمري: « لقد حاورهم ثم صنع نسقا لا يخطر على بال أحد منهم، لأنه جاء من منطقة لا يجاريانه فيها، وهي منطقة النحو بمعناه الموسع »، وكان قد بدأ نفس الفقرة بقوله «الجرجاني كان يفاوض من داخل نسقه الفلسفي، ثم اللساني ». قلتُ: إذا كان تكوين الجرجاني نحويا-"لسانيا" وهو ما تفيده عبارة "جاء من منطقة النحو"، فكيف يضع العمري "ثم" العاطفة الدالة على الترتيب والمهلة بين "النّسقين" الفلسفي واللساني اللّذين فاوض الجرجاني من داخلهما مَنْ فاوض؟ أم أنّ الجرجاني نسي النّحو، وإنْ جاء من منطقته، حتّى إذا تبيّن له عدم كفاية "الفلسفة" عاد إلى تلك المنطقة وجلبه معه ليؤلف به الدّلائل؟ نعم إنّ استعمال "ثم" هنا اقتضته هذه الدّعوى الدّاخلة في المحال المحض، والتي لا تترك المجال حتّى لاعتبار هذا الحرف مهملا، أو واقعا موقع غيره؛ وهو ما لا يبرِّر استعماله هنا في كل الحالات.

وقال: «وأخذ من القاضي عبد الجبار معنى النظم وإشكالاته »، وفي الخطاطة الواردة في نفس الفقرة، وعند رأس السهم الذي يخصِّصه لما أخذه الجرجاني من القاضي يضع: « القاضي عبد الجبار (شكل النظم )». قلتُ: الأقرب أن يقول أخذ الجرجاني من القاضي مفهوم النظم، ويقف في الجملة وفي الخطاطة. أمّا أن يقول إنّه أخذ "معنى النظم وإشكالاته"، فيضيف "الإشكالات" في الجملة، ويعوض كل ذلك في الخطاطة بـ"شكل النظم" فإخلال بالتلاؤم في الصّيغة، وتخليط في التّفكير وقول لما لا يعقل.

4-2: اختلال الترتيب:

لاختلال التّرتيب مظاهر متعدّدة في كتاب "المحاضرة والمناظرة". ومن تجلياته في هذه الفقرة: أولا: طريقة التّداعي الحرّ التي يتبعها العمري في إيراد ما يقول إنّه من روافد "صاحب زمن بلاغة الانتشار". فَهو يوردها منتشرة في الفقرة على نحو ليس فيه ما يدل على ترتيب أو تفكير مسبق: يبتدئ كلامه بالقول إن الجرجاني فاوض الجاحظ  والقاضي عبد الجبار واستفاد منهما، فيصف حواره معهما بـ"الحوار العالي"، وعند هذا الوصف يضيف أن الجرجاني حاور قبلهما الفارابي، وهي إضافة جعلها بين قوسين، لكن القوسين لم يمنعاه من استعمال ضمير الجماعة للإحالة إلى هؤلاء الثلاثة في ما تلا ذينك القوسين في البداية، قبل أن يستعمل ضمير المثنى عند تأكيده أنهما لا "يجاريانه" في "منطقة النحو الموسع، كما هو في الخصائص "؛ وعند ذكر "الخصائص" يقول "وهذا رافد آخر من روافده". عند هذا الحدّ يظنّ القارئ أن محمد العمري اكتفى من تعداد الراوفد لأنّه يقرر أنّ وجود الجرجاني في منطقة تقاطع تلك الرّوافد هي الّتي صيّرته صاحب زمن بلاغة الانتشار. لكنّ العمري يستمرّ ويقدِّر ضرورة إلحاق ابن سنان بمنطقة نفوذ الجرجاني أيضا. وعند وصوله إلى هذه النّقطة "يسلح" الفقرة بخطاطة تمثّل لما قال، وتضيف ابن سينا إلى الفارابي في ما يخص الأعلام، ومحتوى النّظم وشكل النّظم في ما يخصّ إفادة الجرجاني من ابن جني والقاضي على التوالي. بعد الخطاطة يذكر العمري أنّ منطقة التّقاطع التي أحلّ فيها الجرجاني هي بالضبط المنطقة التي يقع فيها السؤال: ما البلاغة؟، وهو السؤال الذي لا بدّ أن يستحضر -يعود للتعداد مرة أخر- "صياغات" أخرى: نقد قدامة/..

ثانيا: عدم حفظ الفرق بين مقاصده ومقاصد عبد القاهر الجرجاني. وإذا كنتُ قد بيّنت بعض ما أوقعه فيه عدم ترتيب مقاصده الخاصّة في المقالة الثانية، فإني سأوضّح الآن ما أقصده بعدم حفظه الفرق بين مقاصده ومقاصد عبد القاهر الجرجاني: انتهى العمري في هذه الفقرة إلى وضع الجرجاني في منطقة تقاطع الرّوافد الّتي عدّدها من غير تدبير أو ترتيب. ثم قال إن منطقة التّقاطع تلك هي الّتي يقع فيها السّؤال: ما البلاغة. فيتّضح أنّه رغم تكثير الروافد وتوسيع مجال المعطيات القابلة -وغير القابلة- للحشر في بلاغة الجرجاني، فإنّ السّؤال الّذي تبقى له مشروعية الاقتران بعمل الجرجاني هو "ما البلاغة"، وليس ما "البلاغة العامة". لذلك يستأنف العمري: وهذا "السؤال يستحضر صياغات أخرى:.."، ويضيف على سبيل التّجميع غير المنهجي: «نقد الشعر(قدامة)، علم الخطابة (الجاحظ منظرا للخطابية)، البديع (ابن المعتز)، العسكري (الصناعتان: الجاحظ+ قدامة وابن المعتز)». وعلى فرض أنّ البلاغة التي بحثَ عنها عبد القاهر الجرجاني هي "فعلا" "بلاغة عامة"، فإنها تبقى مشروطة في كل مستوياتها التّصورية والمفاهيميّة والإجرائيّة بزمنها بجميع مكوناته المتفاعلة؛ وليس من السّداد ألا يسعى المشتغلون في هذا المجال إلى إعادة النّظر في مفهوم تلك البلاغة العامة وبنائه على أساس ما تحصّل من مستجدات هائلة في مجالات العلوم في الزمن المعاصر. هل يحق ادّعاء تجديد البلاغة، وهذا مجرّد مثال بسيط، لمن لا يعرف ما يجري حتى بجواره القريب في اللّسانيات؟ لماذا لا يقف عبد القادر الفاسي الفهري أو أحمد المتوكل، مثلا، عند حدود تجميع مادة النّحو وتنسيقه، والعمل على إحيائه وإعلان انتهاضهما للدّفاع عنه كأنّه دين يفتقر إلى جيوش وعلماء كلام وساحات معارك، على ما يتوهّمه علماء الكلام الجدد! لكن المشكل في هذا الكتاب أعوص مما قلت وأوردت؛ ذلك أن العمري يقول، مباشرة بعد هذه الفقرات التي ناقشت في هذه المقالات، وبالعبارة الصريحة: "إن عملية اختزال البلاغة العربية بدأت مع الجرجاني نفسه" وعليك أن "لا تستغرب"[16]! قلتُ: بل أستغرب. لأنه قال إن الجرجاني نمّى جانبا واحدا في خطّة عامّة مناهضة للشّعر، وها هو يقول هنا إنّه "صاحب زمن البلاغة العامة" التي اختُزلت بعده، ويعود ليقول، في نفس الكتاب، إنه أول من بدأ عملية الاختزال. الأطروحتان لا تتلاءمان. ويرجع ذلك، في تقديري، إلى عدم حفظ العمري للفرق بين مقاصده الخاصّة ومقاصد الجرجاني؛ من أجل الإيهام بوجود حقيقة مكتملة للبلاغة، غير قابلة للمفاوضة، يستعيدها العمري على نحو موضوعي ومتطابق.

4- هامش على هامش:

ورد في الهامش 3 من الصفحة 15 ما يلي: « أنظر وصف هذه الرحلة العلمية، من الأسرار إلى الدلائل، في كتابنا: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها ص....وقد فوجئت في ندوة المصطلح البلاغي ببني ملال (أبريل 2016، أي بعد صدور كتاب البلاغة العربية بست عشرة سنة) بطرح إشكالية « أي الكتابين أسبق؟»، وإيراد لائحة بأسماء القائلين بتقدم كتاب الدلائل!

دون الدخول في استعراض الأدلة الجزئية، وهي قوية، فإن القراءة النسقية تبين حضور مادة الأسرار في الدلائل، وغياب مادة الدلائل في الأسرار. ولذلك فتصور الانتقال من تأليف الأسرار إلى تأليف الدلائل، ممكن، بل راجح، أما الانتقال من تأليف الدلائل إلى تأليف الأسرار فمستحيل التصور. الأسرار حاضر كشريك بالنصف في الدلائل، والدلائل غائب مائة بالمائة في الأسرار. ليست مهمة الباحث أن يقول: « إن قال فلان، فقد قال فلان، أو فلانان!»، بل مهمته أن يفحص المستندات ويرجح، وإلا كان عمله أشبه بعد الأصوات، وهو مرفوض في العلم.»

يَحُثّ الكلام الذي يتضمّنه هذا الهامش على ضرورة العمل على استيفاء النّظر حقّه وتصحيحه وعدم الاعتداد بفرد أو بعدد من الأفراد ممن يشهدون لصواب رأي من الآراء من غير فحص مستنداتهم وتتبّع استدلالاتهم. وهذه دعوة كريمة لا بد من مراعاتها لمن يريد أنْ يُكسبَ أحكامه المقبولية والمصداقية. ولكن هذه الدعوة الجليلة تَرِد، بالضبط، في سياق يقصد إلى صرف المختصين والمهتمين عن التفكير في أي الكتابين أسبق، الأسرار أم الدلائل!   فقد فوجئ  العمري بطرح إشكالية أي الكتابين أسبق بعد صدور كتابه "البلاغة العربية" الذي حسم الموضوع منذ ست عشرة سنة! ولأنه لم يدخل في استعراض الأدلة الجزئية التي لا أستبعد، من جهتي، أن تكون قوية وقاطعة، فإني أكتفي بمناقشة وجيزة لكلامه هنا، وفقا لتوجيهه بعدم الأخذ بما يحكم به الغير دون تدبر وفحص وترجيح.

يقول: « إن القراءة النسقية تبين حضور مادة الأسرار في الدلائل، وغياب مادة الدلائل في الأسرار.. الأسرار حاضر كشريك بالنصف في الدلائل، والدلائل غائب مائة بالمائة في الأسرار.»

قُلتُ: القراءة النّسقية هي القراءة القادرة على تمييز عناصر نسق ما، وتحديد قواعد التّركيب وقواعد الإنتاج فيه. وإطلاق "النّسق" في بعض السياقات فيه تسمّح وتساهل، لأنّ "النّسق" مفهوم ابتُني في إطار رياضي-منطقي لتوصيف البنيات التي تتفاوت عناصرها وتتراتب وتترابط بقوانين تركيبية وتوليدية. وما يقال عن النّسق يقال عن القراءة النّسقية؛ فليس من الدّقّة أن توصف بها كل قراءة وإن سعت إلى أن تفسّر ظاهرة في جل أو كل جوانبها بتشتيت الجهد في ملاحقة المضامين. القراءة النسقية يتوجب أن تروم بعيدا عن المضامين بيان عناصر النسق الدالة وقواعد تركيبها وآليات إنتاجها. ولعلّ هذا ما يحاوله باحثون أفاضل وعلى رأسهم محمد مفتاح في حقل البلاغة وتحليل الخطاب. والعمري يتحدّث في هذا الهامش عن قراءة نسقيّة تتعلّق بالمواد، ويقول إن مادة الدّلائل غائبة عن الأسرار، ومادة الأسرار حاضرة كشريك بالنّصف في الدلائل. وهذا يطرح مشاكل عديدة أثرت بعضها في المقالة الثانية، وبعضها في الفقرات أعلاه.

يستنتج محمد العمري، إذن، أن كتاب الأسرار أسبق من الدّلائل بناء على أن مادة الدّلائل غائبة في الأسرار ومادة الأسرار حاضرة في الدّلائل. فالتأليف عند الجرجاني سار وفق منطق تراكمي، رحّل من خلاله نصف مادة الأسرار إلى الدّلائل. ولكن يبقى السؤال: إذا قبلنا دعوى اشتغال الجرجاني بدون رصيده النّحوي في الأسرار، وقلنا إنّه نسيه أو جمّد العمل به وهو من صميم تكوينه، فكيف نجعل من المستحيل أن يبتعد كثيرا عن مادة الدلائل وينشغل بالظواهر الخطابية التي "تفيض عن النحو" أثناء تأليفه الأسرار إذا عكسنا وجعلناه الكتاب الأخير؟ هل يُقْبَل أن لا يعتبر، في هذا السياق، موقف من لا يرى علم المعاني جزءً من علم البيان ولا لازما له؟ وهناك مسائل تفصيلية لا داعي لإثارتها، لأن القصد ليس مخالفة العمري بإثبات الرّأي الآخر، وإنما إظهار حدود الحجّة التي يقول إنها باتّة وحاسمة.

وهو يحكم بقطعيّة أدلّته بالعبارة التالية: «ولذلك فتصور الانتقال من تأليف الأسرار إلى تأليف الدلائل، ممكن، بل راجح، أما الانتقال من تأليف الدلائل إلى تأليف الأسرار فمستحيل التصور.» وهي عبارة تتضمن ما يُشْكِل: فقضاؤه بأنّ الانتقال من الأسرار إلى الدّلائل قابلٌ للتّصور وداخل في حيّز الممكن، إنْ كان استعمل "الممكن" بمعنى الجواز وهو الّذي يعزّزه بـالحرف "بل" الدّال على الإضراب، والتّصريح بالتّرجيح بعده؛ فإنّه يقتضي -ليتسقَ القول- القضاءَ بأن تصور الانتقال من الدلائل إلى الأسرار مستبعدٌ ومرجوح، وليس مستحيلا كما قال. وقد كان يمكنه، إنْ لم يقصد إلى تنسيب وجهة نظره، أن يحافظ على اتّساق قوله بأنْ يقابل بين الإمكان والاستحالة دون الإضراب والترجح، فيوفِّر لعبارته اتّساقا منطقيّا صوريّا، ويصير بها إلى القطع بشكل واضح، ليعضِّد به ما تقدم من وثوقيّته وما تأخّر.

وممّا يثير التّساؤل في هذا الهامش المماثلة التي يقيمها فيه العمري بين من يعدّد الأشخاص الّذين يقولون برأي من الآراء من أجل الاستقواء بهم في المعارضة وبين من يقوم "بعدّ الأصوات"، وعدّ الأصوات، يقول، «مرفوض في العلم». كيف يخرج عدّ الأصوات من العلم هكذا بإطلاق، ومن يمنع عدّها في مجالات العلم، وماذا عمن قاموا بإحصائها لأغراض علميّة مختلفة من الأقدمين والمعاصرين؟ لا ينبغي أن نبحث عن دليل هذا الحكم خارج حجّة السّلطة: الدّليل هو أن العمري "فوجئ وقال". لكني أنا المتلقي أعرف أنّ حجّة السّلطة مقبولة في بعض وجوهها، كأن يستشهد غيره به، فيقول إنّ "العمري قال.."، ولكنّها غير مقبولة البتّة عندما يقول هو نفسه إني " أنا الدّليل". لهذا أقول، من جهتي، إني لا أرى الانتقال من "عمل من يعدد أسماء القائلين بتقديم كتاب الدلائل من غير فحص مستنداتهم " إلى " عمل من يعد الأصوات" انتقالا مبرّرا. فالحكم على الأوّل بإحراجه وإخراجه من العلم أمر جيّد لحمله على إعمال العقل. لكن بالمقابل، لماذا إخراج عدّ الأصوات، بإطلاق، من العلم؟ والحالُ أنْ ليس هناك من يقوم بِعدِّها خارج مجالات العلم وخارج مقاصده ويسعى -مع ذلك- لإدخال عدِّه فيه، فيتعرض للرّفض، ويكون مثالا وعبرة. هذا التّشبيه ليس ملائما ولا يؤدّي أيّاً من وظائف التّشبيه المعتبرة في مجالات العلم والأدب، وهو ما يفتح المجال للتّساؤل عن دواعي إيراده!

خاتمة:

أُنهي هذه المقالة الثّالثة بالتّوكيد على أنّ الحديث عن اختزال البلاغة العربية يقتضي في البدء إثبات أنها كانت عند النشأة، أو في أي مرحلة من التاريخ عامة. وقد كان العمري بين أمرين اثنين: أن يذكر باقتصاد ووضوح أنه هو من يعتقد بإمكان إنشاء بلاغة يمكنها تفسير كل أجناس الخطاب وأنواعه في إطار تداولي يعتبر الإنتاج والتلقي، وأنّه يستثمر ما تحصّل لديه من تصورات ومفهومات وآليات من أجل توظيفها لتحقيق معتقده ومشروعه -إن كان لديه مثل هذا المشروع- ويبتعد عن تقويل القدماء واستعمالهم سعيا لاكتساب مشروعية متوهّمة مبتناة على تطابق مفترض؛ أو أن يقدّم أدلّته على أنّ تَمثّله وتقديمه لخطاب "البلاغة العامة" في التّراث العربي يتمتّع بمستلزمات العلميّة الّتي تجعله راجحا وذا مصداقية. وفي الحالتين لا يحتاج إلى الإيهام بالتّطابق والامتلاك "الحقيقي" و"المباشر" لبلاغة لا يمكن أن تمتلك، هي نفسها، وجودا موضوعيا مستقلا عن مصافي الإدراكات والتّمثّلات؛ ولا يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى نهج المسالك الملتوية والموارِبَة.

 

البشير النحلي

......................

المراجع:

- أحمد المتوكل:  المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي الأصول والامتدادات، دار الأمان، الرباط، ط.1، 2006.

-  جابر عصفور: « بلاغة المقموعين»، ضمن: المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، كتاب مشترك بين باحثين، دار قرطبة للطباعة والنشر،  الدار البيضاء، ط.2، 1993.

- عبد القاهر الجرجاني:- دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000.

-  محمد العمري:- البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، إفريقيا الشرق، 1999.

- المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، إفريقيا الشرق، 2017.

- الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية، إفريقيا الشرق، 2001.

- تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية في الشعر، الدار العالمية للكتاب، 1990.

- محمد مفتاح: مجهول البيان ، دار توبقال، الدار البيضاء، ط. 1، 1990.

-  Introduction de Michel Meyer à la Rhétorique, voir: Aristote˸ Rhétorique, Tad. Charles-Emile Ruelle,  Librairie Générale Française, 1991.

-  Sous la direction de  Michel Meyer : Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours, Librairie Générale Française,Ed.2, 1999.

هوامش

[1]-  Introduction de Michel Meyer in : Rhétorique , P. 12.

[2]-  المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، ص. 16.

[3] - تناولت الفقرات السابقة على هذه  الفقرة  في المقالين السابقين مع إرجاء بعض ما ورد فيها لتدبير سيتضح عند العودة إليه.

[4]-  تقديمه "للمطلب الأول" من الفصل الثاني إلى الفصل الأول تم بغرض "تسهيل التواصل"، بعد أن تبين له «أن عملية اختزال البلاغة غير واضحة عند كثير من الدارسين قبل الطلبة الباحثين». أنظر: المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، ص. 13.

[5] - سبق للعمري أن عنون إحدى الفقرات التي خصصها لكتاب حازم القرطاجني«منهاج البلغاء وسراج الآدباء» في كتابه «البلاغة العربية، أصولها وامتدادتها» بالصيغة التالية: أزمة عناوين: من أعراض الخلل، وأعتقد أن هذا العنوان هو أليق بعناوين العمري هنا وألصق. أنظر الكتاب المذكور، ص. 506.

[6] -  يميز أحمد المتوكل الإسقاط  بالنظر لثلاثة وسائط: نوعه ودرجته واتجاهه؛ وبالنظر إلى النوع يميز بين "إسقاط وجود" وهو "أن تنسب إلى نظرية ما مفاهيم أو إواليات أو سمات منهجية منعدمة فيها موجودة في نظرية غيرها"، و"إسقاط تقويم" وهو "أن تُنتقد نظرية ما سلبا أو إيجابا انطلاقا من نظرية أخرى". ومعلوم أن مفهوم "النظرية" غائب عن أفق العمري في مجمل أعماله. بخصوص الإسقاط أنظر: أحمد المتوكل: المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي، الأصول والامتداد، ص. 169.

[7] - وَصْفُ المعرفة التي يقدمها كتاب "المحاضرة والمناظرة"  بالمسلحة  يرجع للعمري نفسه. يقول: «في هذا الكتاب معرفة مسلحة، وجبة ساخنة، تذود عن حوضها بسلاحها. فيه «تحرج » الجرجاني و«تفسح» الجاحظ». أنظر: المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، ص. 32.

[8]- البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، ص. 353.

[9] - محمد العمري: الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية، ص. 50. وكان اتكأ، قبل ذلك، على ما سماه بالبلاغة التطبيقية ذات البعدين البديعي والنقدي في دراسته للبنية الصوتية في الشعر، معلنا أن بلاغة الجرجاني الإعجازية وبلاغة السكاكي المؤسسة على علوم اللغة والمنطق والتي تعتبر في جانب علم المعاني "سليلة" نظرية الإعجاز الجرجانية  لا تسعف كثيرا في تناول البنية الصوتية في الشعر . أنظر: «تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية في الشعر »، ص. 15-16.

[10] - تحدث جابر عصفور عن "بلاغة مقموعة" أنظر: جابر عصفور: بلاغة المقموعين. ضمن: المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، كتاب مشترك بين باحثين، دار قرطبة للطباعة والنشر،  الدار البيضاء،ط.2، 1993.

[11] - "الخطابية" ترجمة  لـ" Rhétorique " في بعض السياقات خاصة عند أرسطو، وهي من اقتراح محمد العمري.

[12] - Michel Meyer˸ Histoire de la rhétorique des Grecs à nos jours,P. 289-293.

[13] - الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية، ص. 52.

[14] - انتقد محمد مفتاح هذا النوع من التقاعس وضيق الأفق وسخر منه في تقديم كتابه القيم "مجهول البيان"، يقول: «كثيرٌ منا يستظهر عن ظهر قلب آراء الأقدمين في الفن فيوصف بأنه «من حفظة البلاغة العربية الكريمة »، ولكن هذا الكثير منا حين يتجاوز الأمثلة المذكورة المكرورة وما ماثلها إلى فهم وتأويل الأمثال القرآنية الكريمة والأمثال الحديثية الشريفة والنص الشعري المتقن واللوحة التشكيلية والفلم والأقصوصة العجيبة الغريبة والكرامة الصوفية...يقف يضرب أخماسا في أسداس لم تنفعه أقسام الاستعارة ولا أصناف الكناية والمجاز المرسل، ولم تفده أوصاف «الحافظة العلامة الفهامة». ومع هذا العجز المخزي فإننا ما زلنا نثني أعطافنا عجبا وكبرياء ونقنع بالرواية والحفظ و«التعبد » ونفر من الدراية والتعليل مفضلين راحة القلب والجسد على عذاب الفكر والاجتهاد.» نظر: محمد مفتاح: مجهول البيان، ص. 8.

[15] - المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، ص. 14. وسنعود إلى هذا التخليط في المقالة الرابعة.

[16] - المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، ص. 17.