 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب المخابرات الأمريكية: استجواب الرئيس

صدر قبل اسابيع كتاب بعنوان: (استجواب الرئيس:التحقيق مع صدام حسين) ... Debriefing the President: The Interrogation of Saddam Hussein

لمؤلفه جون نيكسون..عميل الأستخبارات المركزية الأمريكية، الذي التقى صدام لعدة أيام في سجنه" أيلول- كانون الأول 2003"وكان قبلها قد حضر الى العراق موفدا من (CIA) لفهم شخصية صدام، حيث كانت مهمته هي التعمق في دراسة شخصيات القادة العالميين بتحليل (حوافزهم ومثيراتهم) وفقا لما قاله لبرنامج فيكتوريا ديربيشير على قناة بي بي سي.ونيكسون هذا البالغ من العمر (55) عاما والمتخرج في جامعتي نيويورك وجورج تاون الحاصل من الأخيرة على شهادة الماجستير عن شخصية صدام، كان التحق بجهاز الأستخبارات عام 1998 وعيّن ليكون (المحلل القائد)ف ي العراق..الذي يعني ان يكون شغله الشاغل هو:دراسة صدام... الى عام 2011 حيث غادرها ليعمل مستشارا بمعهد دولي تابع لحكومة ابو ظبي.

  يتضمن الكتاب بطبعته الأنجليزية (14) فصلا في (239) صفحة. ويحكي قصة أكبر مطاردة "يصفها بالأكثر عدوانية" قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2003 باعتقال صدام حسين في مخبأ تحت الأرض بجانب بناء زراعي قرب مسقط رأسه بمدينة تكريت، ويصف العثور عليه واعتقاله بأنه كان "اشبه بسقوط صاروخ فوق جميع انحاء العالم"

 لا يعنينا هنا تقويم عام للكتاب وما يحتويه من معلومات معظمها حوار سياسي يتعلق باسلحة الدمار الشامل وموقف صدام من اميركا ونظرته الى العلاقات الدوليه وتطلعاته نحو الشرق الاوسط، وفصل عن التهديد الفارسي(ص 91) وآخر بعنوان عمامات في السياسة(ص 107)، والتقاطعات السياسية (ص173).. واخرى حقائق نعرفها جميعا ولا تضيف جديدا، بل حواراته مع صدام في محاولته لتحليل شخصيته، في الفصول: الثاني   Dare to Be Right، والخامس   Getting Under Saddams Fingernails، والتاسع   Saddam Blows His Top.. وما اذا كان قد اكتشف جديدا في شخصية صدام لا يعرفه العراقيون، ومقارنتها بتحليل عراقي لشخصية صدام.

 كان نيكسون هو اول شخص يجري تحقيقا مع صدام (معه اثنان من المخابرات ايضا)، ويعترف الرجل بأنه حين دخل عليه (ظللت اقرص نفسي لأصدق أني أحقق مع اكثر رجل مطلوب في العالم).ويضيف: (عندما بدأت التحدث معه حدقني بنفس النظرة التي علت وجهه في صورة غلاف كتاب ظل على مكتبي سنين .. وان عبارة "فوق الخيال والتصور" ما كانت تكفي لوصف الموقف.

 يصف نكسن شخصية صدام حسين بانها "اكثر الشخصيات الكارزمية التي قابلتها في حياتي"وان الرجل "كتلة من التناقضات" وفي تناقض صارخ مع طريقة تصويره في الأعلام الأمريكي، فهو شخص ساحر، لطيف مهذب حين يشاء، ووقح فظ ولئيم حين يستفز، وانه "احد اكبر المتشككين الذين قابلتهم في حياتي"، فمع كل سؤال اسأله كان "يجيبني بسؤال"، وكان  الحاحه بالسؤال"هل انتم من المخابرات العسكرية..افصحوا عن هويتكم؟" مصحوبا بنظرة مخيفة تعكس الكراهية.

  ويزعم  " نيكسون"،  أن صدام حسين أدلى له باعترافات مفادها أنه  كان ديكتاتورا،  وأنه كان ينوى أن يفجر العالم كله،  ومنها إدارة جورج دبليو بوش"، ويورد معلومة يصعب تصديقها بأن صدام كان يقضي معظم وقته في كتابة الروايات وانه لم يكن يعرف وقتها شيئا عما يدور في وطنه، ولم يقدم خطة دفاعية لحماية العراق من الغزو".

ومع انه ذكر له حقيقتين قالهما صدام بأن لا علاقة له باسامة بن لادن وأن  العراق لا يمتلك اسلحة دمار شامل، فانه ذكر معلومتين، الأولى صدّقها نيكسون ويصعب علينا تصديقها بقوله انه لم يصدر امرا بضرب حلبجة بالسلاح الكيماوي، والثانية فيها انكار ضدي يخص علاقته بزوج امه الذي وصفه بأنه "كان ألطف رجل عرفته: إبراهيم حسن،  باركه الله،  وقد كنت أمين سره،  وأقرب إليه من ابنه أدهم”.

ويصدق نيكسون بوصف صدام بأنه كتلة من التناقضات، فهو امر بحرق اسطول من السيارات الفارهة كان لدى عدي الذي اعتدى على وطبان في حفلة للعائلة وهو سكران، معتبرا ذلك استفزازا للشعب في زمن الحصار، في حين ان صدام بنى القصور في الزمن ذاته!.

 لقد وصفت أمازون في تقديمها للكتاب بأنه " يعكس خلاصة صريحة ومذهلة حول صدام"

فهل انه عكس ذلك فعلا؟.

 

 شخصية صدام حسين

 كنا التقينا السيد عدنان الباججي (كانون الأول 2003) بوصفه رئيس مجلس الحكم يومئذ وطلبنا منه ان تتاح لفريق من خبراء علم النفس والطب النفسي مقابلة صدام،  واجاب بأنه الان في عهدة اميركا ويمكن ذلك حين يكون بعهدة الحكومة العراقية.والتقينا بعدها السيد اياد علاوي..واعتذر، وراحت على العلماء العراقيين فرصة تقديم دراسة علمية فيها فائدة للحكام والشعوب..وحصل ما كنا حذرنا منه بصدور كتاب (استجواب الرئيس) عن المخابرات الأمريكية.

 ان صدام حسين كان ظاهرة عربية واجتماعية واخلاقية وسياسية ونفسية ساهم في صنعها، ليس تاريخه السياسي والأسري والبايولوجي فحسب، انما العراقيون والعرب ايضا..وهو شخصية غير عادية، بمعنى:ان الناس يغلب عليهم نمط واحد في الشخصية فيما شخصية صدام تتصف بأنها مركّبة من اكثر من نمط، البارز فيها اربعة، نوجزها بالآتي:

1- نمط شخصية المتحدي.

 واهم صفات هذا النمط هي :الشعور بالثقة العالية بالنفس، قدرة التأثير في الآخرين، سعة الحيلة والدهاء، الصراحة والشهامة، الحسم وحب السيطرة، الميل للاستبداد والارهاب، وحب المواجهة.

 ان جميع هذه الصفات موجودة في شخصية صدام، لاسيما (حب المواجهة).فالمتأمل لتاريخه الشخصي يجد ان صدام كان لا يرتاح للهدوء والاستقرار، وانه كان يعمد الى خلق أزمة تفضي الى مواجهة ومجابهة اذا شعر بأن الاستقرار سيطول زمنه..وهذه حاجة نفسية عصابية قسرية في شخصية المتحدي.(موجودة الآن في الواقع العراقي لدى بعض الحكّام).

2- نمط شخصية المتحمس.

 ومن اهم صفاته:الجرأة، النشاط والحيوية، عملي لكنه اندفاعي غير منظبط، يسيء استعمال مواهبه وقدراته ويستغلها بصورة سلبية، وصدام كان يمتلك من الجرأة والنشاط ما لا يوجد عند من هم بمنصبه وعمره.وهو اندفاعي ..فغزوه الكويت كان ناجما عن حالة انفعالية وما كانت عقلانية قطعا.

3.نمط الشخصية النرجسي.

 واهم صفاته:الميل لأخضاع الآخرين لأرائه، واعتقاده بأنه يمتلك قدرات استثنائية او خارقة، شعوره بالتميز عن الآخرين وأنه ارقى منهم ..وان عليهم ان ينفذوا اوامره..وكلها موجودة في شخصية صدام.

4.نمط شخصية السيكوباثي.

 وهذا يتصف بالسادية والعنف والقسوة مع الخصوم، ويعد ايقاع الأذى بالآخرين امرا مشروعا، ولهذا فأنه لا يشعر بتأنيب الضمير عندما يعذب خصومه او يصفيهم جسديا..وكلها متوافرة في شخصية صدام.

 فضلا عن حقيقة سيكولجية هي ان (مفهوم الذات) او معتقد الانسان بخصوص نفسه، يشكل الدافع الرئيس وراء سلوكه.وان هذا المعتقد يمكن ان يكون عقلانيا او وهما، وان الكثير من معتقدات صدام التي كان يؤمن بها هي في حقيقتها اوهاما..من قبيل توحيد البلدان العربية في دولة واحدة يسودها نظام اشتراكي مع انه ما استطاع تطبيقه في بلده!، ومعتقده بأنه افضل العرب لرئاسة دولة الأمة العربية الواحدة.

  الاستثناء في شخصية صدام ان صفات تلك الانماط الاربعة اجتمعت في تركيبته وشكّلت الركائز الاساسية في شخصيته.ولهذا فانه خلق في حينها اكثر من صورة ذهنية.فهو عند كثير من العرب وبعض العراقيين يمثل (شخصية المتحدي) التي تثير الاعجاب وتبرر له اخطاءه وحتى جرائمه.وهو عند معظم العراقيين يمثل شخصية (السيكوباثي)العنيف القاسي الذي لا توجد في قلبه رحمة تجاه خصومه، والنرجسي الأناني الذي احتكر الثروة لنفسه وانفقها في ترف سفيه..يأكل لحم الغزلان المطعم برائحة الهيل فيما شعبه أكل الخبز الأسود في زمن الحصار الذي كان هو سببه، وكأنه كان ساديا يتلذذ بعذاب ضحيته.

  كان جون نيكسون محاورا ذكيا مع صدام حسين..ذهب اليه وهو معبأ بكم من المعلومات عن احداث، وقائع،  لقاءات او احاديث تخص صدام، بعضها كان يفاجئه بها.وكانت له القدرة على ان يغير الأسئله تبعا لمزاج صدام، او ردود فعله.وكان ماكرا ايضا في اعادة السؤال بطريقة اخرى ليتحقق من صدقية اجابة صدام بما يخدم الجهة التي كلفته..وامتاز بمهارة التواصل في كسب ود صدام وحاجته النفسية لشخص يتحدث معه في سجنه الانفرادي. غير انه لم يقدم تحليلا سيكولوجيا لشخصية صدام بالقدر الذي اشيع عنه في الصحافة، ولم يكن متعمقا في تحليل تنشئته الأسرية والحزبية وانعكاستها في قراراته حين اصبح حاكما. ومع ذلك فان الكتاب قد يحقق رواجا حين يترجم الى العربية، لا لما فيه من معلومات معظمها معروفة للعراقيين، بل لأنه صادر من الـ(CIA) عن شخص وصف بأنه كان الأخطر في العالم!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الدكتور قاسم .... سيبقى الرئيس الراحل صدام حسين مثارا كبيرا للجدل والتأويل والبحث النفسي لفترة طويلة ... وكثيرون ممن كتبوا عن صدام لم يغوروا ويتوغلوا في حياته العائلية وخاصة طفولته في منطقة العوجة وتضاريسها المختلفة وأفتتاح عينيه ليجد أن أبراهيم الحسن هو زوج أمه وليس والده الذي كان يتمناه ككل طفل في ذلك العمر ... أضافة الى فقر العائلة وعيشها على ما يحصل عليه ابراهيم الحسن من بيض الدجاج وعمل الجبن ليذهب ليبيعها في مدينة تكريت التي تبعد عشرة كيلومترات عن العوجة .... وبهذه المناسبة أود أن أذكر الطرفة التالية عن أبراهيم الحسن وكيف أنه كان ينتقم من ألأشخاص التابعين لعشيرة البو علوان الساكنة في الجانب ألأيسر من تكريت والذين يعملون كبستانيين وفلاحين في حديقة قصره الكبيرة في العوجة بعد صعود نجم صدام في الحكم أبان السبعينات من القرن الماضي ... وكان أنتقامه منهم بواسطة عدم أعطاؤهم الماء النظيف ليرو ظمأهم من العطش وخاصة في أيام الحر في الصيف اللاهب أضافة الى نعيهم وسبهم بألفاظ بذيئة قارعة ... ومرة من المرات سألتهم شخصيا عن هذه المعاملة لكون هؤلاء الفلاحين والبستانيين تابعين الى دار الضيافة التي كنت مديرها في تلك الوقت حيث كانت تابعة الى مؤسسة السياحة ... فأجابوني بأن هناك ثأر بين أبراهيم الحسن وقرية وعشيرة ألبو علوان وترجع الى التأريخ والسنوات الماضية عندما كان أبراهيم الحسن يأخذ ناتج قرية العوجة من الدجاج والبيض والجبن والحليب ليذهب به لبيعه في سوق تكريت حيث كان يسرق منه ويؤخذ منه بالقوة من قبل رجال عشائر البو علوان .... ويرجع هوخاسرا لبيته ... كما أبتعاد أعمامه عنه وهو طفل بسبب الفقر وضيق الحال ... وكذلك معاملة خاله السيئة والقاسية له عندما كان يحضر في بيت خاله في الكرخ في منطقة التكارتة ... كذلك وشعوره وهو في هذا العمر وهو يرى أبن خاله عدنان خير الله يملك أغلى وأجمل الملابس الحديثة وألأحذية الجديدة المشتراة من محلات باتا للأحذية المشهورة في بغداد آنذاك كونه ألأبن الوحيد المدلل للعائلة ... في حين صدام يرتدي الدشداشة القديمة وينتعل بقدميه النعال الجلدي القديم مع شعره ألأشعث الكثيف .... كل هذه العوامل الطفولية وفترة المراهقة والنضوج في بيت الخال طلفاح المعقد هو نفسه وسلوكياته السيئة والغير منضبطة ولسانه السليط .... كل هذه العوامل مهدت لصنع شخصية صدام وكارزميته .... وخاصة في ولعه بالملابس وتشييد القصور الكثيرة وشراهته في الطعام وتفننه في طريقة طبخها .... أضافة الى حبه الى خضوع كل ما يحيطه الى أرادته وسيطرته ... هذا التحليل هو نتاج معرفتي بصدام منذ السبعينات الى حين أعدامه بحكم كوني مواطن من عامة الشعب العراقي . ولو سألت يوما ما رأيك بصدام وبحكمه ... لأجبت بأن صدام لا يصلح كحاكم أو رئيس دولة ... بل يصلح كوزير داخلية أو كمدير شرطة للعاصمة بغداد .... وخاصة في هذه الظروف الحالية التي تعيشها العاصمة بغداد .....!!!!!

أبو أثير / بغداد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3816 المصادف: 2017-02-15 10:02:29


Share on Myspace