 كتب وإصدارات

بين الطوباوية والأخلاق في كتاب: الخوف من البرابرة (1)

khaira mobarakiما وراء صدام الحضارات لتزفيتان تودوروف .. تحليل موضوعي للخطر الارهابي وصناعته

يعتبر تزيفان تودوروف واحدا من القامات النقديّة والفكرية التي مارست تأثيرا كبيرا في النقد والنظرية وتاريخ أنظمة الفكر على مدار نصف قرن باعتباره السيميولوجي والناقد الأدبي  والمؤرخ الأنتروبولوجي ،عايش  مختلف المنعطفات الفكريّة لعهد ما بعد الشّيوعيّة ، ليغدو مع هذا الحضور ذاكرة للقرن العشرين ومراقبا للقرن الواحد والعشرين  .وطالما كانت كتبه البحثيّة ومواضيعه الاختلافيّة ومفاهيمه ،محط اهتمام النّقاد . انطلق في مسيرته دارسا للأدب ليشكل مع جوليا كريستيفا ورولان بارت وجيرار جينيت ومخائيل باختين وامبرتو ايكو ورومان ياكوبسن وغيرهم محطّة مهمّة في تاريخ الكتابة والنظريات الأدبيّة التي وصل اشعاعها إلى العالم العربي يقول عنه مارتن والاس : "يعد تودوروف مترجم المقالات ،أشمل النقّاد البنيويين وأكثرهم نظاميّة . وتظهر كتابته الخاصّة عن السّرد كيف يمكن دمج النظريات الروسية والفرنسية..وهو  يدمج كذلك   النظريات النافذة لدى النقاد الأنجليز والأمريكيين مظهرا علاقاتهم بالاهتمامات الأروبية ... " . وهاهنا تتراءى لنا الحيثية الفكريّة للرجل فهو الفارّ من النظام الشيوعي السوفياتي إلى بلاد الأفكار والتحولات والأحلام بين وجودية سارتر ونفسانية جاك لاكان ونقدية رولان بارت وإشراقة سيمون دي بوفوار . وفي موازاة ذلك كان لصعود الكثير من نجوم الفكر والفلسفة من مثقفي  أروبا الشرقية الأثر الكبير في توجيه مساره الفكري مثل يوجين يونسكو وميرسيا إلياد وأميل سيوران من رومانيا وإلياس كانيتي من بلغاريا وميلان كونديرا من تشيكيا . هذا فضلا عن اهتمامه بالباحثة الفرنسية المتخصصة في علم الجناس جيرمان تييون والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد . كل ذلك ساعده على تفكيك الخطاب الاستعماري وتوفير حقل سياسي وأنتروبولوجي لتعميق المقاربة لمسألة الآخر بصفته صورة مبتكرة تنهل منها بسخاء الأيديولوجيا الاستعماريّة .وهنا تظهر علاقة العلمي بالسياسي .بهذا فالأدب بالنسبة لتزفيتان تودوروف مرحلة من مراحل حياته الفكريّة لينتقل من الاستتيقا إلى الإتيقا ،فارتبط ب"المعنى الأخلاقي للتّاريخ " . ليبدأ في السنوات الأولى من الثمانينات رحلة جديدة في عمله الثقافي متفحصا الأفكار والمفاهيم باحثا في الحوادث ومنعطفات التاريخ عن المعاني وصيغ الوجود التي تحكم الفعل البشري وتقرر طبيعة العلاقات التي تقوم بين الأعراق والثقافات والأفراد . وهذا ندركه من خلال مؤلفيه : الأول "غزو أمريكا: سؤال الآخر" (1982) و"نحن والآخرون" (1989) أماطا اللثام عن تحول عميق في مسيرته كناقد ومنظر ومؤرخ للأفكار. ليكشف في الكتاب الأول عن الدور الكبير الذي لعبته العلامات وتأويل هذه العلامات - اللغة وأشكال التواصل- في العلاقة بين الاسبان وشعب الآزتيك في زمن الغزو ويجادل تودوروف في هذا السياق أن هيرناندو كورتيز استطاع التغلب على الآزتيك لاستفادته من معرفة ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم ورؤيتهم الدينية للعالم. أمّا في كتابه الثاني "نحن والآخرون" فإنه يبحث في الخصوصيات العرقية والكونية والخرافة من خلال جملة من المؤلفات مثل كتابات كلود لفي شتراوس وشاتوبريون وأنطوان آرتو وغيرهم كثيرون . وهي مواقف تراوحت بين الموقف المركزي العرقي حيث يعامل الآخر باعتباره مجرد موضوع في حين يتركّز الموقف الثاني على اعتبار الآخر كل شيء أو لا شيء على الإطلاق. لعلّنا هاهنا نتحسس الطريق إلى كتابه الذي مثل جماعا لهذه الأفكار التي تخطى بها منطق الهويات والعصبيات والحدود والمركزيات الأروبية والغربية ، ويؤمن بأن جوهر الحضارة يكمن في الاعتراف بالإنسانية الكاملة وبالتعدد الثقافي للآخرين حين يقول " أنا أساسا إنسان ولست فرنسيا سوى بالصدفة ". إنها رؤية جديدة تتعلق بمسألة الذات في علاقتها بالآخر بهذا فقد عالج تودوروف مسألة الغيريّة من زوايا نظر مختلفة أولها زاوية نظر الشعوب المستعمرة حين تنظر إلى ذاتها من الداخل . ولكنه عالج المسألة وهذا الأهم من منظوره الذاتي المعرفي حين استرجع تفاصيل انتقاله من المعسكر الشرقي إلى العالم الحر في كتابه "الخوف من البرابرة :ماوراء صدام الحضارات " وأعاد في غضون ذلك اكتشاف ذاته واكتشاف الآخر.. ففي هذه النقلة أُتيح له الخروج من بلدان ما وراء الستار الحديدي للانتقال إلى بلدان العالم الحر. وتحولت معه المواقف حول المسألة بين الأنظمة الشمولية من ناحية والأنظمة الليبرالية من ناحية ثانية.ولعله أمر سنلاحظه عند اقترابنا من مضامين الكتابة أن تودوروف وإن استعمل المصطلحين الشائعين في الكتابات السياسية مصطلح الأنظمة الشمولية من ناحية ومصطلح الأنظمة الليبرالية والتحرّرية ، فإنّه يضعهما موضع السؤال . ولا يجريهما في كتابه مجرى المطمئن إليهما أو المسلّم بالحد الذي ينطويان عليه ونتساءل لماذا هذا الموقف الشائع في الكتابات حين يستعمل مصطلح الأنظمة الشمولية للحديث عن دول العالم الاشتراكي مقابل الأنظمة الليبرالية التحررية في دول العالم الحر.فقد انتبه تودوروف  إلى حقيقة أن الأنظمة التي تتسمّى بالأنظمة الليبرالية ليست لها الحصانة الذاتيّة الكافية التي تحول دون انقلاب النظام التحرري إلى نظام تسلطي . فالديمقراطية بما هي نمط من أنماط تسيير العالم من الممكن أن تفرز نقيضها . بل إنها أفرزت فعلا أشكالا لا تؤمن بالديمقراطية وإن كانت وليدة لها .ومن أبرز الأمثلة على ذلك المثالان النازي والفاشي . فالنازية والفاشية انبثقتا من المؤسسات الديمقراطية ذاتها ولكنّها مؤسسات لم تحصّن بما فيه الكفاية ولم تستطع أن تمنع ظهور نقائضها من رحمها.

ينطلق تزفيتان تودوروف في كتابه "الخوف من البرابرة " من محاولة تفسير ظاهرة الخوف ضمن ميزان التحليل الموضوعي الهادئ نتيجة متابعة متزنة وعقلانية تندرج ضمن مرافعة الحوار الحضاري الخلاق والتعددية الثقافية الضرورية لإغناء التجربة الحضارية البشرية  ثم يحاول أن يوجد علاقة بين الخوف والبربريّة . وهاهنا يلوذ بالتاريخ بشكل منهجي مطّرد ليبرز أن العلاج قد يكون أخطر من المرض ذاته. وهو رد يهاجم فيه الأصوات المتطرفة في الغرب التي تعادي الآخر وخاصّة منها الآراء العنصريّة للكاتبة الصحفيّة الإيطالية أوريانا فالاتشي حين تصدح برأيها المعادي بقولها :" الإقدام على الحديث عن ثقافتين أمر مزعج ، أمّا وأن نتحدّث عن المساواة بينهما فذلك أمر يثير حنقي" كما ينسف الرؤية المتعالية للكاتب إيلي برنافي في كتابه " الأديان القاتلة " الذي يوازي بين الحضارة والبربرية ولا يمكن أن يجتمعا ولا مجال للحديث عن حوار بينهما . هذا فضلا عن مقولة الصّدام التي روّج لها الباحث الأمريكي صاموئيل هنتنغتون بهدف إشعال فتيل الحرب بين الغرب والشّرق حين يؤكد أن بقاء الغرب رهين بتأكيد الأمريكان لهويّتهم الغربية وأنّه على الغربيين أن يتوحدوا لإعطاء حضارتهم الغربية مزيدا من القوة في مواجهة التحدّيات التي تطرحها الحضارات الأخرى ". وهنا يحاول المؤلف تشكيل أطروحة بمزيج نظري غريب بين العوامل الدينية والجغرافية واللغوية ، معتبرا أن هنتنغتن يتعامل مع الحضارات ككتل ثابتة بينما هي في حالة تغير دائم .. لكل هذا ينبه تودوروف إلى خطر الخوف المرضي من الآخر –خصوصا الانسان المسلم –لأن الاذعان لهذا الخوف الذي بات رهابا للغربيين دفعهم إلى اعتبار الآخر بربريا ...

يتبع

 

قراءة للناقدة والتشكيلية التونسية : خيرة مباركي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4037 المصادف: 2017-09-24 13:30:22


Share on Myspace